تحميل رواية جحر الشيطان بقلم ندي ممدوح pdf
بقلم ندي ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت ليلة شاتية شديدة البرودة، والظلام يلف غرفتها برداء حالك السواد. صدح منبه هاتفها كما وقتته مع إنتصاف الليل. فتحت أجفانها بتقاثل. ومدت كفها من أسفل الغطاء برجفة من برودة الجو وأوقفت رنينه. تنهدت وهي تخرج رأسها من أسفل وسادتها. تحركت من على الفراش ليهاجمها البرد القارص، فضمت نفسها بذراعيها وهي ترتعش. لكنها لن تضع البرد يغدو حائلاً بينها وبين قيام ليلها. أسرعت لتشعل الأنوار. ولفت انتباهها أثر الغيث العالق على زجاج نافذتها المغلق. فأسرعت نحوه واتسعت حدقتيها وهي تصرخ في حماس وتصفق بكفيها. ثم نظرت...
رواية جحر الشيطان الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندي ممدوح
فُتح باب الزنزانة ودخل عليها شاب مُلثم يرتدي ثياب سوداء اللون.
وفي تمهل سار نحوها والخنجر يقطر دمًا في يده.
فصرخت دارين في فزع وارتعاب وقد ألجمتها الصدمة وشلت قدميها عن الحركة.
فبقت تحملق فيه بدموع تسري على وجنتيها.
قبض على حفنةً من خصلاتها وهو يسحبها نحوهُ غير مُباليًا بصراخها ورُعبها.
وفي لحظة كان الخنجر يمشي على عنقها مُحدثًا جرحًا عميق انسابت منهُ الدماء وتركها لتسقط ارضًا على وجهها.
صرخة عالية ندت عنها وهي تستوي جالسة من رقدتها فوق الأرض الصلدة والعرق يتصبب من جبينها كأنها كانت في سباق قضى على كل راحتها.
وأخذت تلهث بأنفاس متلاحقة للغاية، محملقة في اللاشي.
صدرها يعلو ويهبط في جنون من ضربات قلبها المتسارعة، الواجفة.
عيناها ذائغة في أرجاء الزنزانة.
"كفاكِ صُراخًا أصبتِني بالصم."
قالها الحارس الخاص بحراستها في تجهم وهو يرمقها في غضب.
فلم تلتفت إليه ولم تستمع إليه اصلًا.
"تبًا لذاك الكابوس الذي قضى على ثباتها!"
كابوس! هل كان كابوس حقًا؟
شرعت تتحسس عنقها بيد مرتشعة قبل أن تنفجر في البكاء وهي تهمس:
"أنا كويسة انا كويسة كان حلم، حلم وحش وحش اوي يا رب، يا رب خليك معايا، الحمد لله كان حلم احمدك يا رب احمدك يا رب."
جرت الدموع تغرق وجهها وهي تخر ساجدة.
ولم تلبث أن دنت إلى الباب تستأنس بالحارس الجالس على مقعد غريب مرتكن الرأس على الجدار ناعسًا في ثبات عميق.
من الرعب تقسم أنها ستموت والوقت يمضي كأنه دهرًا.
أسندت رأسها على أعمدة الباب الحديدية وبذراعيها أحاطط قدميها المضمُمتين على بعضهما.
تناهى لها هسيس شيء فنظرت من فتحات الأعمدة باحثة فإذا بها تبصر صُهيب الذي غمز لها.
فضحكت باكية لا تدري لماذا البكاء ولماذا الضحك وتراقص قلبها فرحًا مسرورًا.
وثبت واقفة بأعيُن تتلألأ و وجهًا ضاحك مشرق.
هل جربت شعور الحُرية؟
أن تفقد التمسك بزمام أمورلك وتظلم الحياة فجاة في وجهك ثم على حين بغتة منك تضيء وتشرق وتتوهج وتعود لتحيا.
لا غرو شعور بأنك على قيد الحياة وفي أفضل حال لا يُعادله ألف شعور.
إذن هل صادف وأن وقعت في مأذق وتُركت وحيدًا دون رفيق؟
ثُم يأتي من لم يكن في الحسبان كأنه ذورق نجاة فينتشلك من قاع بؤسك ويهديك الحياة.
سار صهيب ببطئ نحو الحارس حتى جاء من خلفة وبيده قماشة صغيرة جدًا كمم بها فمه حتى تراخى جسده.
فـ ترك جسده أرضً وفش جيب بنطاله حتى أخرج عدت مفاتيح وراح يحاول يفتح باب الزنزانة في عجل حتى فلح.
فبادر قائلًا وهو يشمل دارين بنظرة متفحصة:
"أنتِ بخير؟ أم بكِ شيء؟"
اومأت دارين برأسها:
"بخير بخير يا إلهي لا اصدق إنك هُنا."
تبسم صهيب وهو يمسك كفها قائلًا:
"هلمِ معي لنخرج من هذا المكان."
سحبها خلفه وكان في انتظارهما شابٌ مصحوبًا بشعلة مشتعلة تضيء لهم الطريق الحالك السواد وهم يسيروا في ممر موازيًا للأعلى.
فوقفت فجأة دارين مفلتة كف صُهيب الذي نظر لها في دهش.
فقالت:
"جعفر، أين جعفر لماذا لم تجلبه قبلًا؟!"
فضيق صُهيب عينيه متسائلًا:
"جعفر هُنا أيضّا؟"
اومأت دارين فصاح في إنفعال:
"يا الله لا أصدق."
بعد ردحًا من الزمن نظر للشاب الذي برفقته وقال محدثًا إياه:
"خُذ دارين وأخرجها من هُنا، إذ تأخرت فعليكَ بمملكة ميليا ولا تنتظر."
أومأ الشاب دون أن ينبس.
بينما ربت صهيب على منكبها ناظرًا إلى عينيها الناظرة إليه في قلق وقال يطمئنها:
"لا تقلقِ سأحضر جعفر وأعود هو بالتأكيد مع الملكة بوفارديا سأجده وسنرحل من هنا معّا، هيا هلُمِ مع هذا الشاب ."
أومأت برأسها وهي تتبع خُطى الشاب الذي همس لها:
"لحسن الحظ إننا لسنا وحدنا هُنا."
نظرت له دون فهم ولم تعقب!
ماذا يقصد بكلامه المبهم ذاك لا تدري لكن آثرت الصمت فـ هي لم تعد تأمن للغرباء.
الوقت يمضِ صُهيب لا أثر له ولا وجود، ما الذي حصل له لا أحد يعلم، هل سيعود أم لم يعود؟ لا أحد يدرك من المُحال أن تذهب من دونه هو والصغير.
لم تبرح مكانها رغم ألحاح الشاب لها أن يذهبوا.
القلق ينهش في خاطرها ماذا لو لم يعود صُهيب، ماذا إذ لو كان واقع في مأذق والأدهى ماذا عن الصغير!
يا ليته يكون في منأى عن كل هذا، ما زال صغير ليواجه كل تلك الصعاب.
شاب غريب الأطوار يشاركها تلك النكبة وربما الطريق الوَعر أيضًا، يفغر فمه كأنه سيبوح بشيء ثُم يطبقهما لاذًا بالصمت، فتصمت بدورها وتبتعد عنه خطوات وهي تسترق النظر إليه فتقبض عليه يختلس نظرات غريبة عليها.
صاح فيها فجأة مغمغمًا:
"هلُمِ لنذهب يا ابنتي قبل ان يعلم بوجودنا وهربك احد!"
فتصر على رفضها أصرار لا مرية فيه وتهز رأسها بجمود دون أن تنبس.
غريبة مريبة هيَ لماذا تودُ الأنتظار؟ هل حياة ذاك الصغير اهم من حياتها؟ بلهاء لا تفكر تفكير سليم.
تهيأ الشاب للأنصراف وقال:
"سأدخل للبحث عنه إذًا أم ان أجده او أعود خالي الوفاض."
داهمها الخوف من فكرة أن تبقَ بمفردها مجددًا، فقالت حاسمة:
"إذن سأدخل معك لن ابقَ بمفردي!"
فهتف الشاب في إنفعال وهو يكاد يفقد عقله منها:
"لماذا تصرين على إصابتي بالجنون يا فتاة، لقد اخرجناكِ من هذا المكان بصعوبة وحررناكِ فهل تودي الدخول مرة آخرى بملأ إرادتك هذه المرة؟"
فهزت دارين كتفيها قائلة في تفكير:
"إذن لن تدخل أنت وستبقَ معيّ نتنظر حضور صُهيب معًا."
صك على اسنانه من شدة الغيظ، وكبح غضبه قائلًا في نبرة حاول جعلها هادئة قدر استطاعته:
"سننتظر ربع ساعة بعد، بعد هذا الوقت سنغادر، أنتِ امانة لدي يجب أن اردها."
شوحت له دارين في اللامبالاة وهي تعقد ذراعيها وتنظر أمامها في سخط.
أخيرًا تراءى صُهيب قادمًا وهو يحمل الصغير بين يديه فتهللت اسارير دارين وتراقص قلبها فرحًا وهي تقبل نحوه دون أنتظار.
فما ان لمحها الصغير حتى ضحك ضحكة بريئة جميلة وهو يمد كفيه لها بإشارة لتأخذه، لكنها لم تكن في انتظار إشارته إذ تناولته بين ذراعيها تضمه وتلثم وجهه.
فسئل الشاب صُهيب في اهتمام:
"ما كل هذا التأخير؟"
فرد صُهيب في ارهاق:
"كان جعفر برفقة الملكة بوفارديا لذلك أجبرت على التأنى حتى يستتب الوضع و تغفل عنه قليلًا."
ثُم ربط على كتف دارين وهس:
"هيا يا دارين لم يعد لدينا وقت قبل أن يلاحظ احد غيابكما."
وتابع مكملًا حديثه للشاب:
"ما زال لديك فرصة الأتيان معنا فكر جيدًا الأمير براء سيحميك ومن معك!"
ألا أن الشاب نفى قائلًا:
"لن أرحل دون صديقايّ وكُلي ثقة فيكَ وفي أميرك بأنكم ستنقذونا، هيا انطلقوا قبل فوات الآوان."
إلتفت لـ دارين وقال:
"سنلتقي مجددًا."
تبسمت له دارين دون أن تتبس.
وما لبثت ان اخذ منها الشاب جعفر وساعدها صهيب على امتطاء الجواد وامتطى هو آخر حاملّا الصغير في حجرة وانطلقا مودعين الشاب الذي لوح لهما ولم يختفى حتى تواروا عن بصره.
ومضيا لا يلووا على شيء، حتى إذ ما تعبا الجوادين و وهنت أجسادهم قرروا الاستراحة لبعض الوقت، فترجلو عن الأحصنة واستظلوا اسفل إحدى الشجيرات.
هُناك سرح صُهيب وكسى الحزن وجهه، حزين متألم أشد ألم من قلب مكلوم مُفارق المحبوب وأن لم يكن له، وبدا غائبّا وإن كان موجودًا، غائبًا بقلبه وروحه وخُلده مسافرًا لأبعد مكان.
وأسند رأسه مسبل الجفنين على جذع النخلة.
فسئلته دارين دون ان تدرِ إنها تنكأ جرحّا لم يلتئم بعد:
"صُهيب، لا تبدو بخير؟! كأنك حزين حُزن الفقد، من فقدت يا صُهيب."
من فقد؟ فقد من كان يتوجها على عرش قلبه ملكته.
فقد! من كانت يُعناقها بين جفونه ويخبئها في قلبه.
فقد حبًا لم يبوح بهِ ابدًا وظل أسيرًا هو وصاحبته داخل قلبه.
حُبًا لطالما أحياه وأضاء دربه الحالك، حبًا فعل لأجله الكثير وضحى بالكثير ولم يلتفت له أحد او يلاحظه.
أقسم أن يكون حارسها وملائكها وفعل المُحال ليبقَ بجانبها قريبًا منها مذ رآها ورغم فعله ماتت قتيله.
يا آسفاءي على كل صنيعه، يا حسرتا على حبه الذي دفنه في مهده وها هو يُدفن قبل بلوغه.
هي الأميرة البعيدة التي كالنجم الذي لن تطوله الأيدي مهما سما، توغل حبها بصدره حتى صار يتنفسه، ويدق قلبه به، نجمته البعيدة كل البعد القريبة كل القرب إذ نظر لها تبسم وازهر قلبه وأن رآها حزينه كلح وجهه وتكدر قلبه يا ليتها من فتاة استولت عليه دون جهد.
طال صمته، صمت ثقيل عميق أعرب عن حزن صاحبه الدفين وقال اخيرًا بصوت كأنه يخرج من بأر قلبه:
"لقد ماتت اخت الأمير يا دارين وذُبح ابنها الصغير الجميل!"
شهقت دارين وهي تكتم فمها باناملها واغروقت عينيها تلقائيّا بالدموع.
لم يُبالي صُهيب واستأنف قائلّا في شرود:
"والله إن الموت أشهى إليّ من ذاك خبر أمات قلبي معه وتوارت روحي تحت الثرى ترافقها كما رافقتها في الحياة.."
سكت لـ هنيهة رافعًا ركبتيه راكنًا عليهما بمرفقيه ورفع بصره إلى السماء متابعًا وقد حسم أمره أن يبوح بما يدفنه في قلبه مذ سنين طوال، آن الآوان أن يبوء لـ أحد قد يشاركه حبه الأسير:
"حين رأيتها رأيت بدرٌ هل مكتملّا في ليالي الدادي، بدرًا وهاجًا وهجه أخترق شغاف قلبي فشغفها حبًا وتخلله دون إرادة مني، لا تسئلين كيف احببتها! فوالله إني لا أعرف غير أنها باتت النفس الذي أتنفسه ومن دونه أرتد قتيلّا لا حياة ليّ، لم أعهدها غير روحي التي تسكننيّ لم يكن جمالها والله هو من اسرني فإن الجمال زائل وما هذا أبغي، لكن جمال روحها استحوذ على روحي كـ روح ألتقت بروحها فـ أبت أن تفارق إلا عند الموت، الحب غريب يا دارين يجعلنا نفعل اي شيء لمن نحبه حتى أن كان في هذا الشيء وجعنا ."
صمت مليًا متنهدًا كمن يتذكر شيئًا جميلًا.
واثناء هيامه كانت دارين تنظر له في حزن ولا غرو قد أغروقت الدموع وجهها ولم تقاطعه، كيف تقاطع صوتًا بالحب يُناجي؟
صوت حزين ما صدق ان يبوح دون توقف وهي ستصغى مهما طال حديثه وذاد وغزر ليتدفق ذاك الحب آن له الخروج إلى النور وحان ظهوره لها.
من يقتنع الآن ان صُهيب ذو الصوت الحاد الأجش يتحدث بكل تلك الوداعة، من يصدق أن قلب كقلبه يحوى كل ذاك الحزن، من يعتقد ان ثمة حبًا مدفون لم ينجلى أبدًا ولم يحس به أحد؟
لم يخطر على بال أن رجلٌ مُقدام جرئ يُعاني من الحب حد الموت!
أفتر ثغرُه عن بسمة مشرقة وقال بصوتٍ كالندى وهو يرمقها بنظرة سعيدة:
"كانت جميلة يا دارين .. جميلة للغاية، جمالٌ يأخُذ لُب أعتى الرجال، رغم ذلك كانت رقيقة القلب حنونة الطباع بريئة براءة الأطفال، اول مرة رأتها عينايّ كنت صغيرًا ما زلت فتى وكانت هيَ تلهو وسط رفيقاتها حينها سرقت قلبي، ونقشت صورتها على جدران روحي وإذ بعيني لا ترى غيرها، جميلة فاتنة ذات ضحكة آسره خصلاتها كأمواجُ البحر تموج وراءها إذ ركضت، وعينها مدهمتين بياض بشرتها يُضاهي نقاء قلبها، كلامتها لو تحدثت قُلتِ أنها طفلة لا ترتدي إلا اللون الأحمر فما تدرِ هل كان يذيدها جميلًا ام هيَ تذيد اللون جمالًا."
صمت لبرهة كأنه كأن الحدث يُعرض امامه وضحك قائلًا:
"أول لقاء عدت منه إلى البيت مجفيني النوم ولا تفكير ليّ غيرها، وكنت شاب يحبُ المبارزة بل لعلي كنت المتفوق فيها وسط الجميع، وفي اللقاء الثاني يا له من لقاء، لقاء لا يُصدق فقد كان أخيها البراء غير موجود في المملكة وبينما هي خارج القصر كادوا ان يغتلوها فـ أنقذتها يوم ذاك أقسمت أن احميها دائمًا وبذلت كل جهدي كي أكون حارس لدى الأمير من طليعة الجيش، وانظري لحسن حظي أصبحت انا القائد لجيوش ميليا ورفيق ملك المملكة وذراعه الإيمن والملاك الحارس للأميرة، لم اتصور قط أني سأنال كل هذا فلا يعلم الغيب إلا الله."
قاطعته دارين متسائلة:
"وهل كانت تحبك الأميرة؟ لماذا لم تتزوج بها؟"
غشى الحزن مقلتيه، وقال كالحُ الوجه:
"كيف لمن مثلي أن يليق بـ أميرة مثل ميليا أميرة مملكة ميليا؟"
لم تستطع دارين تمالك نفسها فقالت منفعلة وهي تحرك ذراعيها كمن سيخوض حرب:
"وهو عود الأسنان جوزها دا يعني اللي حلو ويليق؟ دا اي الفقر ده يا بني أنت مش شايف نفسك دا انا شوية وهقوم اكلك من حلوتك!"
ندت عن الصغير حركة منزعجة وهو نائم إثر صوتها، بينما قطب صُهيب دون فهم ناظرًا لها في بلاهة ولم يعقب.
فضحكت هي بغباء مرددة:
"الحمد لله إنك مش فاهمني وإلا كنت فكرت إني بتحرش بيك علني."
" لا أفهم عليكِ ماذا تقولين؟ تحدثِ جيدًا ما بكِ!"
" ابدًا يا خويا بقولك كمل كمل اشجيني القعدة مطوله شكلها وانا بحب قصص الحب المأسوية."
أدركت ما تقوله من تعابير وجهه المتجهمة فقالت ضاحكة:
"لا تشغل بالك بما أقوله، هيَ أكمل لن أنقاطعك مجددًا وعد."
تبسم صُهيب لها وتنهد متابعًا:
"مرت سنين وكبرت امام عيني وغدت بيننا أُلفة عميقة وصداقة متينة لكني لم اصرح يومًا بحبي لها، وجأ أمير مملكة أولمان متقدمّا لخطبتها و وافق البراء عليه حين ألتمس الفرحة والموافقة من أخته، وعاهده الأمير إنه سيحافظ عليها وإنه أحبها منذُ فترة قد رآها فيها، وأظلمت حياتي ودعست قلبي المكلوم و والله كانت سعادتها من سعادتي واعلم اني غير جدير بها، ولم نسمع عن مملكة الأولمان إلا كل خير بالطبع هذا ما اردوا ان نعرفُه، وتزوجت الأميرة وغادرت."
"يا ليتني ما سمحت لهذه الزيجة أن تحدث، يا ليتني سئلت قبلًا عن هذه المملكة الجاهلة، يا ليتني حميتها وحميت ابنها."
"لم افي بوعدي لها ان أظل احميها حتى الرمقُ الأخير، والنتيجة ذبحوا ابنها يا دارين، قوم جهلة متخلفون يذبحون الأطفال ويصفون دماءهم ليصنعوا منها فطائر لملكهم حتى يطيل عمره، إنهم كفرة كيف استغلونا بتلك الطريقة؟كيف ذبحوا ابنها أمامها."
ضرب بقبضته صدره مسترسلًا:
"أشعر بنار تتأجج تأجيجًا شديدًا ملتهبًا بداخلي، انا لا اقو على تحمل الفكرة، كانت تُناديني يا دارين عقب موتها ولم ألبي، لم ألبي نداء قلبها ولم انقذها ورحلت يا ليتها كانت تعلم كم أكن لها من حب يا ليتني كنت أعلم لاضحى بروحي لأجلها، حسبتها ستكون سعيدة وكنت أنعي قلبي بهذا، حبيبتك، اميرتك سعيدة يا صُهيب فلما الوجع لكانها كانت وحيدة تُصارع الموت، لقد فارقت الحياة، حياتي يا دارين ذهبت، يضيقُ صدري وأقتُلع قلبي."
كانت دارين فاغرة فاه متسعت العينين و دموعٍ جارية تنبئ بتأثرها العظيم بحبه المطوِ بداخله.
هل يوجد مثل هذا حب؟ أم هاته هو الحب الحقيقي الذي اندثر مع مرور الزمن وغدا ضئيلًا.
كيف للأميرة أن لا تشعر بقلبًا يحيا بحبها، كيف لها أن لا ترَ نفسها في عينيه؟
يا إلهي قد ماتت ميليا تُرى كيف سيكون حال براء.
إنه ينتظر عودتها على أحر من الجمر فماذا أن تعود إليه ميتة!
ذبح اطفال لصنع فطائر؟ رباه أين هيَ هل حق ما سمعته أذنيها أم إنه لم يتفوه بذلك؟
يصنعون فطائر من دماء الأطفال ليطول عمر الملك ويا حبذا لو كانت إبن أمير وأميرة.
غير أبهين بآبناء الأطفال فـ مصلحة انفسهم أهم!
تبًا لهم ولأفكارهم ولمعتقداتهم ومبادئهم وخزعبلاتهم كيف اخترقت تلك الفكرة على اذهانهم!
هل هؤلاء بشر حقًا ذو قلوب مثل الجميع؟
"ربتت دارين على كتف صُهيب التي أحست بإن كاهليه يُحملان حمل جبال من الهم والحزن، فـ نظر لها ببسمة حزينة خفيفة وقال بـ أعيُن رغم الدمع المترقرق فيها مصرة متحدية:
"أقسم بالله بأني لآخر نفس سأمتلكه لن أضيع حقها وحق طفلها وكل الصغار هباءً، بحنق أستنجادها بيّ رغم بعدي بأني لن أخذلها، هذه المملكة ستكون نهايتها على يدي إذ شاء الله سأموت فداءً لذلك."
تنهد مطرق الرأس وقال:
"لن أستطيع أن اخبر مثل هذا الخبر للأمير، بالله كيف اخبره وهو ينتظر عودة اخته بخير! لا يمكنني! ساعديني!"
قالها في رجاء ناظرًا لها في عمق فـ اومأت تبتلع غصة محملة بالحيرة وقالت:
"سأساعدك يا صهيب سنخبره سويًا وسنكون معه لنواسيه.. لن نتركه فريسة للأحزان أبدًا."
وتابعا طريقهما إلى مملكة ميليا حتى دخلوها متوجهان إلى القصر.
شاع في القصر خبر عودة دارين وصهيب فهب آجار إليها والأمير واستقبلوهما استقبالًا حافل.
الآن فقط استكانت قلوبهم على الغائيبين، الآن فقط يمكنهم أن يرتاحوا ويريحوا قلوبهم المجهدة من القلق، الآن فقط يمكنهما إغلاق أعيناهما التي أرهقها السهد.
أدمعت أعيُن دارين متفاجئة بحضن آجار الذي اعتصرها بين ذراعيه وقال مما جعل عينيها تتسع صدمة:
"الحمد لله إنك بخير، قلبي كان هيوقف لو مطمنش عليكِ، أنتِ بخير حصل لكِ حاجة....."
قالت دارين وهي تبتعد عنه في بهت:
"يخرب بيتك أنت بتتكلم مصري زيي وكنت بتضحك عليَّ طول الوقت، يا ادي النيلة دا انا كنت بشتمك ليل نهار يا فقري، طب اديني إشارة طب، غمزة حتى، اخص عليك لا بجد اخص بقا تخبي عليَّ حاجة زي دي؟ يا اخي انا متوحشة حد اتكلم معاه براحتي واهزائه."
بدا عليه الملل وهو يضرب وجهه في غلب مغمغمًا في مقت:
"وها بدأت تثرثر يا الله رحمتك."
زمت دارين شفتيها وقالت في تذمر:
"اعدل بقك وكلمني حلو عيب عليك و...."
ابتلعت ما بقى من حروفها حين جذب آجار براء من كتفه وقال:
"الم تكن تموت عليها ها هي تعال خذ نصيبك من الثرثرة والصداع."
ثم رحل وهو يتمتم:
"يا ليتهم كانوا قطعوا لسانها وارحونا."
ثُم أطبق جفنيه بشدة كابحًا دموعًا ودت لو تهطل من شدة الفرح.
اراد فقط ان يختفى حتى يوارى دموع قلبه التي لا تصدق إنها بخير.
علم براء بموت أخته، علم برحيلها، إذًا حديث رفيقتها كان صادقًا، رفيقتها التي فقدت حياتها ايضًا كأنها تأبى حياة هي غير موجودة فيها!
لكنه بالله كيف يُنهي حياته؟كيف له أن يجعلها تعود للموت ليطلب السماح؟
السماح على خذلانه لها!
مات الصغير أول فرحة تدخل قلبه، كانت اول يد تتلقاه يديه، ذُبح، والأدهى أخذُ دماءه الطاهرة ولماذا؟ ليعدوا فطائر يتناولوها؟
والله إذ اخبره احد اخر بهذا الأمر غير صُهيب فمَ صدق!
مُوضوع لا يُدخل البال!
آه يا لوعة قلبه الذي يتلظى، ويصرخ صراخًا لا ينفك أبدًا.
لقد خاب وخسر يا ليته كان يعلم، ليته أنقذها، ويا ليته لم يزوجها وجعلها تبقَ بقربة.
صغيرته التي رباها على يديه ماتت مكلومة على طفلها وهو بعيدًا لم يصنع شيئا!
بحق كل نقطة دمع، وبحق كل نقطة دم من صغيره، سيجعلهم يدفعوا الثمن غالي سينفذ وصية أختة و لن تضيع أرواح الأطفال هباءً إن كانت حرب فلتكن لكنه لن يجعل ذاك الملك وإبنه ينجون مهما كلفة الأمر، حتى لو حياته.
منذُ أن علم، منذُ طعنه الخبر في مقتل، منذُ إن غيم الحزن حياته، وهو يلزم حجرته لا يُبرحها ولا تبرحه، جدران القصر بقت موحشة تنعي موت اميرتها التي كانت تنشر البهجة في الأرجاء، وضحكتها المجلجلة تنعش الجدران، ستصبح ذكرى!
أيا حزن أبتعد لماذا لا تمل منا كما يمل كل شيء!
"كانت تبكي فوق فراشها كأنها تواسي الأمير الذي لأول مرة ترآه ضعيفًا خارًا القوة، منع عنه الجميع ويا ليته يدرِ كم تتعذب وهي لا تشاركه حزنه، أبصرت آجار الذي راح كل دقائق قلائل آتيان يطمئن على وجودها ويرحل، ابتعدت من فوق فراشها ونزلت إلى الحديقة، هُنالك رأت صُهيب يقف يأمر بعد الجنود الكُثر بـ أشياء عدة لم تدركها، فدنت منه فلانت ملامحه ما ان وقعت عيناه عليها، و سئلته:
"ماذا تفعلون؟"
فـ رد وهو يشير إليها ان يسيرو:
"هلُمِ نسير.. العدل يجب ان يُقام يا دارين و أمير أولمان سُعاقب وحكمه صدر اليوم."
دق قلب دارين خوفًا وهمست:
"وما حكمه؟"
اجاب صُهيب وهو يقف ناظرًا لها:
"برأيك أنتِ ما الحكم المناسب لمن وافق على ذبح طفلة أمام عينة؟"
اتسعت عينا دارين وهي تهمس:
"الذبح؟!"
لم ينبس صُهيب وهو يُعود يسير وهي بجانبة وغير مجرى الحديث قائلًا:
"ألم يخرج الأمير منذُ البارحة!"
" لا، لم يخرج."
فقال صُهيب بنبرة جامدة فجأة وأعيُن قاتمة:
"سيخرج بعد قليل حان الوقت."
لم تعقب دارين على قوله ولم تتطرق للحديث معه اكثر في هذا الأمر، وسئلته مترددة:
"صُهيب سأسئلك سؤالًا ولا تخذلني، فقد بتنا اصدقاء، أليس كذلك؟"
تبسم صُهيب هزًا رأسه بالإيجاب وأردف في بساطة:
"اسئلي ما بدا لكِ يا صغيرة!"
فبادلته دارين البسمة وسئلت مطرقة:
"ثمة سؤال يقلق منامي، بالله عليك يا صُهيب كيف جاءتك القدرة ان ترآها وهي تُزف لغيرك؟"
ثبت مكانة فور سؤالها، وبسط كفة وتكور، وغشى الحزن مقلتاه وقال بصوت ينبع من منبع حزنة الأليم:
"لم اقدر يا دارين، والله لم استطع، كان السير على الجمر أحبُ إليّ أن ارآه في أحضان آخر."
سكت لـ هنيهة وتابع سيره وهي بجواره تسمعه بقلبها لا بـ أذنيها وقال بصوت عميق خرج عن قلب مكلوم نُكأ جرحه الذي لم يلتئم:
"كنت أعرف إنها مُحال ان تكون ليّ، فـ دعست قلبي بداخلي، وكنت سعيدًا حقًا كنت سعيدًا لسعادتها رغم كل ما ألَم بقلبي حينها، كنت كالميت الذي يُشاهد روحه تغادر عنه ولا بأستطاعته فعل شيء لأسترجعها فكنت مستسلمًا كاتمًا دموعي بقهر، ولكن كان هذا يبكي."
أشار لقلبه فنظرت دارين حيثُ شاور، كم يحمل هذا الرجل من الأحزان في قلبه!
لمعت عيناه بدمع الحزن، وقال وهما ما زالوا يسييروا على العشب الأخضر الذي يُغطي حديقة القصر:
"دارين، نحنُ السائرون في درب الحياة لا يمكن ان نحلم بما هو مستحيل وهيَ كانت مستحيلة مثل نجوم السماء صعب و محال الوصول إليها."
وقف فجأة ناظرًا لنقطةً ما وأشار بأعين مبتسمة نحو طفل وبيده قوس:
"لم تسنح ليّ الفرصة أن اعرفك، هذا إبني!"
وأشار لها بعينينه فـ نظرت دارين إلى الطفل وتلألأت عينيها من شدة جماله وهمست في صدمة:
"فتى يا رجل ليس طفل ! أنت متزوج! وهل تحبُ زوجتك؟"
" بيننا مودة وهذا يكفي."
صوت خيول تلاه صوت جندي يرتفع صوته قائلًا:
"لقد وصل الملك سيحون ملك مملكة الأولمان!"
هُنا وشعت عينا صُهيب بنظرة مخيفة أخافة دارين وهي تتقهقر وتبسم بسمعة مرعبة وهمس لها بحسم:
"دارين، هيَ إلى غرفتك ولا تنظري لأي سبب من نافذة جنحاحك وألا اقطع رأسك يا فتاة إياكِ أن تقع عيناكِ على الساحة."
نهى عبارته وتحرك من أمامها، فـ اندفعت لداخل القصر لا تلوى على شيء، حتى اصتدمت بـ الأمير قُرب جناحه و وقفا قبالة بعضهما.
بدا لها حزينّا وأن عيناه الحمراء لم تذق طعم النوم ولم ترقأ من دمع، رغم ذلك كان ثابثًا صلبًا صامدًا صمود الجبال، ذو أنفٍ شامخ، تلاقت عيناهما ولم تحيد، وبغتة ركضت دارين إليه تضمة بقوة، لا غرو لقد أحبت هذا الأمير الذي كاد يُضحى بروحه لأجلها وهو يصارع ألمان.
بل ذابت في قلبه عشقًا، ولم تلتمس الأمان إلا من عينيه.
هل حدث وأن شعرت ان عينا احدهم تحضنك وتخبئك بين اجفانها، هل حدث لك وشعرت بـ الأمان فقط بالنظر إلى عينا احدهم؟
هل صادف وأن رأيت نفسك في أعيُن احد؟
هل لك و وجدت من يفهمك دون حروف، من يحتويك دون ان تطلب، من يسمعك بقلبه قبل اذنيه ويضم أوجاعك.
هلا شعرت بالسند بوجود احد، سند يتلاشى مع غيابه!
هل تمكن احد من إخراج ضحكة صادقة من قلبك ومحو تلك الزائفة المرتسمة دائمًا فوق شفتيك!
ضمته وبكت بكاءً صامتًا فتفاجا من ضمها له، تفاجؤ جميل لا أروع منه، تلك الصغيرة تفلح في زعزعة ثباتة تجاهها، لم تدرك كيف بدرَ منها هذا كل ما احسته أن ثمة طعنة غُرزت في قلبها بقوة من جم الحزن في عينية وأحست بالخوف من وجود ذلك الملك فلم تجد غير حضنة موئِلًا.
فتح براء عينية المسبلتين في راحة وربت على ظهرها برفق، و همس:
"لا تخافِ يا اميرتِ أنا هُنا لا يمكن لأحد أن يأخذك او يأذيكِ بعد الآن!."
دهشة! دهشة هي كل ما احتلت كيانها وهي تبتعد عنه خِجلة محمرة الوجة تنظر للأرض، كيف علم بخوفها؟
فرفع ذقنها بسبابته وهمس بصوتٍ ناعم كأنه يعلم ما يدور في ذهنها:
"لا تندهشي، لنا حديثٌ طويل عندما أنتهي، فهلا انتظرتِ في غرفتي حتى أعود ولا تخرجِ منها، حسنًا؟"
واختار غرفته لأنه لا يود لها أن ترى اعدام إبن سيحون وجناحه الوحيد الذي لا يطل على الساحة وهو لا يود لها ان ترَ مشهد كهذا يمكن ان يترك بفؤادها أثر موجع، قلبها الرهيف لا يستطع التحمل.
فـ اومأت دارين منصاعة وتابع هو طريقة بينما دخلت هي جناحه تتأمله بـ انبهار وفي إحدى زوياه رأت مكان مُخصص للصلاة، إذ كانت مُصلية ومصاحف عدة، كان جميل مكان يبثُ الراحة في القلب ولوهلة طرأ خاطر في ذهنه إنه قضى يومه يُصلي ويقرأ القرآن.
دارين الوحيدة في عائلته التي لا تشبه أحد، هي غير بنات العائلة، فـ الصلاة لا تُقربها إلا لُمامة إذ كسلة لا تُقربها، لا تهتم بملابس فضفاضة رغم إصرار خديجة ومحاولتها هي والفتيات معها، ولم ترتدي يومًا حجاب، تُرى لو كانت قد وافتها المنية، كيف كانت ستقابل ربها؟
لا والله ما ان تعود لن يكون احب إليها من قربة، ستقترب من الفتيات ليعلموها ليأخذُ بـ يدها للجنة، هي تريد وبشدة أن ترافقهم فيها وستفلح إذ شاء الله بهدايتها، ستفلح طالما هُناك خديجة معها.
ارتقى الأمير براء الدرج و وراءه الملك سيحون وخرجا إلى شرفة القصر العالية التي تشرف على الساحة.
قبل أن يرَ الملك سيحون ما يحدث بالأسفل، إلتفت إليه الأمير براء و قال بصوتٍ صلب ويمناه وراء ظهره ويسراه موضوعة على حافة السور:
"بالله هلا اخبرتني كيف جاءتك الجراءة على الأقدام لدي؟!"
فـ ارتبك الملك سيحون وكان جبانًا إذ كان دون حراسة فـ استرسل براء قائلّا:
"كيف لك عين بعد ان خدعتني؟"
راق له ارتعاشه وتحمحم وهو يقول بصوت متهدج متخوفًا:
"يا أمير بمَ خدعتك، أُختك بخير."
يا ليته ما نطق فقد تحولت فجأة اعيُن براء وهو يزمجر وكفه يضغط على السور في عنف لكنه لم يتفوه بحرف.
فـ استرد سيحون رباطة جآشة وتلى:
"جئت لك لأعلم لمَ إبني أسيرًا لديك؟ ماذا فعل؟"
رفع براء حاجبة ولم يعقب بينما تابع سيحون:
"وصلني خطابك ولم أفهم منه شيء؟ لماذا قد اخطف إبنك وحبيبتك، انا حتى لا اعلم من حبيبتك، أما إنك تقصد زوجتك؟"
وأيضًا لم يتلق ردًا، فقال متنهدًا:
"إذا لم تصدقني يمكنك أن تذهب لمملكتي وتفتش فيها شبرًا شبرًا وتقلبها رأسٍ على عقب حتى تجدها."
رفع نظره إليه وسئل متعجبًا:
"لماذا لا تتفوه بـ اي شيء؟"
لم ينبس براء بل مال رأسه متأملًا إياه مشدوهًا من جرائته على الكذب بتلك الطريقة؟ يا لَهُ من داهية هذا المخادع لكنه ليس ادهى منه، سيريه الآن سيعذبه عذابًا شديدًا ويكوي قلبه والبادئ أظلم.
"سمو الأمير الصغير يريدك"
نطقت بها إحدى مربيات الصغير وهي تقترب تعطيه جعفر كما امرها بفعل هذا في حضور سيحون ونفذت ما أُملى عليها مخافةً غضب الأمير.
بكل تعمد كان يحمل براء إبنه يظهره لـ سيحون الذي بهت وشحب لونة وامتقع وهو يرمش بعينينه على جعفر غير مصدقًا، وبسمة ظافرة ارتسمت على ثُغر البراء وهو ينظر له في زهو.
تلجلج صدر الملك سيحون وكاد يسقط صريعًا من شدة الرعب الذي سرى في جسده،إذًا براء يعلم علم اليقين إنه هو خاطف إبنه؟وهو الذي فكر في خداعة!
لقد ظن ان هرب الفتاة بفعل فاعل من مملكته وما زالت بداخلها وقد أخذت الصغير فـ يا للعجب هُما لدى الأمير، حسنًا سيتحلى بالقوة حتى يأخذ فلذة كبدة ويرحل.
قال متلعثمًا والأحرف تهرب منه:
"أ... أين ابني يا جلالة الأمير أريد ان آخذه واذهب لمملكتي فـ لدي اشغال."
في خبث أشار له براء بعينيه إلى الأسفل وبكفه ايضًا:
"ها هو إبنك خذه!"
لم يفهم سيحون ما يرمي إليه الملك ولا لما يشير للأسفل وهو يلتفت ناظرًا للأسفل ويخفي وجه إبنه في صدره، لكنه تقدم بقدمين ثقِلتين سُرعان ما اتسعت عينيه وهو يرَ ظهور صُهيب بـ إبنه مُغطى الوجه بقماشة سوداء ويديه مقيدتين أمامه وتدفعه الأكفُف صائحون إلى ساحة رحبة وفي أخرها مقعد ومن فوقه يتدلى حبل دائري فرمش بـ عينيه غير قادر على النطق، ترنُح إبنه نبئه إنه تلقَ ضربًا مبرحًا.
في دقائق كان صُهيب ينفذ الأعدام أذ اشتد الحبل حول عنق إبن سيحون وبينما هو يُرفث بقدميه سقط الكرسي وما هي إلا دقائق وكان جسده يسكن عن الحركة ضعيفًا يدور في الهواء وهو معلق.
لم يشعر سيحون بصراخه الذي زلزل القصر، صرخة ملتاعة صدرت عنه وهو ينهار أيضًا وبراء يقهقه بجواره.
رغم عيناه التي التمعت بالدمع تأثرًا.
صرخة سيحون جعلت الجميع يتمركز يشاهدونه حتى دارين خرجت إثر صوته بينما حضر آجار لاهثًا متنفسًا في راحة وهو يدرك أن دارين لم تشاهد كل ما تم آنفًا.
اشار براء لإحداهن وناولها إبنه ومال على سيحون الذي يتنفس في سرعة بجسد خائر وهمس بصوت كالفحيح بعث له الرعب ونبئه بأن القادم اسوأ:
"اوجعت قلبي يا سيحون، صدقًا اوجعته لكني غير نادم من قتل يُقتل ولو بعد حين، واحمد الله بأني لم أنفذ غير الحق وسرت بالقانون، لذلك يا رجل تحلى بالصبر فأن كنت ستنهار من إذًا سيدافع عن مملكتك."
هب سيحون واقفًا متحليًا بالشجاعة كأنه لم يصرخ توًا، وكأن إبنه لم يُعدم وقال بقلب جاف بارد:
"افعل ما بدا لك يا امير اعدام ابني لن امرره."
"أوه يا رجل ما هذه القوة لقد اذهلتني حقًا ظننتك لن تنهض من مكانك وحسبتك ستبكي حزنًا، أليس لك قلب يا هذا!"
لقد سار العدل الآن انا مطمئن.
حدجة سيحون بغل ولم ينبس بل أستدار ينوي المغادرة لكنه توقف على سؤال براء:
"اخبرني كيف طعم فطائر دماء إبن اختي وجميع الأطفال."
أظلمت عيني سيحون رعبًا وخشى على نفسه من بطش براء وكاد يهرول فارًا من امامه لكنه تصلب حين أضاف براء:
"يُحزنني إنك في القريب لن تتذوق هذه الفطائر مرة اخرى."
واقترب منه هامسًا جوار أذنه:
"اذهب ولا تفكر إلا في نفسك وكيف تنجو مني لأني قادم إلى مملكتك."
وعلا صوته مرتفعًا يرج القلوب رجًا:
"عد جيشك وجهزه بكل ما تملك من آلآت حرب فـ مملكة ميليا قادمة للثائر لارواح الأبرياء عد العتاد أو فر هاربًا لكنك ستموت وسآخذ روحك أما الأستسلام أو الـ....."
قهقه وهو يرَ سيحون ينتفض مرتجفًا ويسرع الخطى لكنه تصنم مجددًا على مرأى دارين التي تشع نارًا وكادت تهجم عليه إلا ان آجار حال دون ذلك وهو يقبض على خصرها مغمغمًا:
"اهدي يخرب بيتك هتودينا في داهية الله يحرقك."
فصرخت وهي تضرب ذرعاه بعنف:
"سيبني يا آجار والله هاخد حقي انت مش عارف الرجل ده عمل إيه فيا."
رغم الحديث الغير مفهموم إلا ان براء صاح في آجار:
"خل سبيلها يا آجار."
فخلى آجار سبيلها وحدق فيها وهي تندفع كـ السهم الى سيحون الذي نظر إلى الخلف في خوف وكاد يركض هربًا وفورًا تلقى لطمة قوية أُدعت فيها دارين كل قوتها وهي تلهث.
لم تُتح لها أن تقرأ شيئًا على وجه الملك سيحون ولا الغضب الذي اتقد في عينيه إذ حال البراء بينهما واقفًا في وجهه يخبئها خلف ظهره، فكتم سيحون غضبة وجز على اسنانة فتبسم براء قائلًا:
"صدقني هذا افضل لك فـ لا اظن أن كفها الصغير يوازي كفيّ إذا لم تغرب عن وجهي الآن."
أنطلق سيحون غاضبًا مغادرًا، وتراخت ملامح براء وهو يلتفت إلى دارين التي قالت:
"لقد ضربني وأخذت حقي فـ أنا لم اكن لـ امرره."
فكتف ذراعيه وهو يقول في عبث:
"وهل كنتِ فعلتها إن لم أكن موجودًا؟!"
فتبسمت دارين ناكسة الرأس تهز رأسها وهمست:
"أنا استمد شجاعتي منك لأني اعلم ان لا احد يمكنه المساس بيّ في وجودك."
قالتها وفرت من امامه فتبسم بسمةً واسعة لم تكن إزاء بسمة فؤاده.
"وماذا تعرفين عن الصحابة؟ "
همس بها الأمير براء وهو ينظر إلى دارين على مائدة الطعام التي تحوي آجار وصهيب الساهم.
فتنهدت دارين وهي تعتدل في جلستها كأنها ستقص امرًا لا يعلمه غيرها وهي تحمد الله انها ما زالت تذكر بعضًا عنهم من خديجة.
قالت بصوت مزهو جعل براء يكتم ضحكته:
"إليكَ مثلّا البراء بن مالك الأنصاري، الشابُ المغوار الذي كان يخشاه الفاروق من ان يُهلك الجيش ليس لشجاعته في القتال ولكنه كان يعلم أن البراء مغوارًا من المغاوير لا يُهاب الموت إنما يبحث عنه، يُلقي بنفسه في اتون الحرب غير آبهٍ بنفسه."
صمتت تسترد انفاسها وقد أخذت جم اهتمام الأمير وآجار وصهيب الذي اسند ذقنة على كفه ينصت في اهتمام ولم يكن يدرك براعة دارين في السرد ولم يكن يدرك أنها كلمات خديجة التي قصت عليها تلك القصة لا هيَ.
راحت دارين تقول وهي تتذكر:
"قاتل البراء بن مالك مائة من المشركين مبارزةً وحده، عدا الذين قتلهم خضم المعارك مع المسلمين."
هُنا والتمعت عينيها بالدموع وشردت وهي تتابع:
"براء وما يدريك من البراء والله لتتحير من قصته وتعجب وحرى لك ان تعجب، في معركة "تستر" تحصن الفُرس في قلعة فحاصروهم المسلمين، وهنالك عمدوا اعداء الله على سلاسل من نار جعلوا يدلونها من فوق اسوار القلعة عُلقت بها كلاليب من فولاذ من نار فكانت تُصيب من تصيب من المسلمين فيرفعونهم إليهم موتى او على وشك الموت، وعلق أحدى الكلاليب في انس بن مالك خادم رسولنا الحبيب وأخو بطلنا البراء فما كان منه إلا ان يثب على جدار الحصن وجعل يخلص اخاه من الكلاليب المشعة بالنار غير مدركًا، ولا شاعرًا بكفيه الذين احترقوا، لم يأبه بنفسه ولا ادري كيف فعل؟يجب ان نتعجب حقًا، كيف لا نتعجب؟"
لم تشعر دارين بدموعها التي طفقت وهي تتابع:
"والله أن هذا المشهد يجب ان يعلق في ذهن كل مسلم ليتعلم كيف ان الأخ انقذ أخاه غير آبهًا بنفسه، وان تسئل عن بطولات إبن ام الرميصاء لتعجب، فـ في معركة اليمامة وحين احتمى اعداء الله مسيلمة وحزبة في حديقة الموت واغلقوا الأبواب وتحصنوا داخلها وجعلوا يمطرون المسلمين بنبالهم من داخلها فتتساقط عليهم كالمطر، هنا وتقدم الفتى المغوار الذي يرجوا الموت وقال لهم ان يضعوه على الترس ويقذفوه داخل حديقة الموت.
وفي دقائق كان يقذف جسده بداخلها، وتصور هذا المشهد الذي تعجز الاقلام كتابته، ويعجز السرد وصفة، تخيل النبال الممطرة وقلعة بداخلها الآلف المؤلفة من جنود مسيلمة ولكنه لم يبالي بكل هذا ونزل عليهم نزول الصاعقة وظل يقاتلهم حتى فتح الباب لاخوته المسلمين وحُمل بعد ذلك جريحًا وقام خالد بن الوليد سيف الله المسلول على مداوته شهرًا حتى أذن الله له بالشفاء."
انفجرت دارين باكية ولم يعلم احد لما البكاء، لكنها كانت تُصارع حنينًا فاق الحد، والزكريات كالمطر تتدافق على روعها وصورة خديجة تحيطها وصوتها وهي تقول باكية بعد سرد قصة البطل:
"والله لو موت وكنت من اهل الجنة لأذهب إلى البراء واسئله كيف بالله أُحرقت كفيه حتى انصهر اللحم ولم يبق غير عظمتين متفحمتين في سبيل انقاذ اخية، كيف لم يشعر وكيف تحمل لن أبرحه حتى يخبرني كيف فعل ذلك ثُم اخبره كيف اصبحنا في زمن يقتل الاخ أخيه.
وبعدها اسئله كيف طاوعتة نفسه ان يُلقى داخل حديقة الموت والنبال تتدافق من داخلها والجنود المؤلفة بداخلها، كيف كان حنينه للموت واستهانته بالحياة."
علا بكاء دارين بالبكاء وهي تنهض راكضة من امامهم فنهض الأمير وخطى خطوة وتراجع جالسًا وقلب عينيه في الشابين الناظران إليه في دهش مما حصل.
الأيام تمُر، وصُهيب يعدُ الجيش، صوت صليل السيوف بات كل يوم أمر لا بُد منه، عصبة تبارز، وأخرى تتمرن على السهام والنبال، وبين هذا وذاك وصُهيب يُهلك حاله دون كلل او ملل.
وذات يوم دعاها الأمير الذي كان يبتعد عنها قدر الامكان حتى لا يتعلق بها أكثر رغم تأرجحة على نار الشوق وما اسوأ تلك المواقف التي نُرغم فيها على البعُد والشوق يقتلنا والحبيب قريب ورغم قربه لا يمكنك أن ترآه.. وكأن بينكما جدار يحجب رؤيتكما رغم سهولة كسره.
وما أن اختلا بها في جناحه والباب مفتوحّا على مصرعية، يوليها ظهره ناظرًا من النافذة وهو يسند كفه على الجدار، وقفت دارين وراءه دون همس حتى لا تدرك ما ذاك الجفاء الذي اعتراه فجأة رغم طيفه المحيط بها من كل جانب، تبًا لضربات قلبها التي توترها في حضرته، ما به هل يطمع عليها ان ترَ ملامحه التي تشتاقها؟
لكن لا تثريب عليها فما تدرك بصعوبة الأمر عليه وهو يعصر جفنيه ألمًا وقال فجأة يُلقي الطامة على قلبها:
"لقد علمت كيف ستذهبون وتغادرون المملكة متى شاءتم يمكنكم المغادرة."
اغروقت عينيها بالدموع وما هي إلا لحظات وكانت تنتحب والدموع تسرى من عينيها وهرولت راكضة مع إلتفته بهمسة بـ إسمها وهو يمد كفه سرعان ما تصلب مكانه مانعًا نفسه عنها.
ارتمت فوق الفراش تبكي كيف بالله لن تراه مجددًا؟كيف يمكن لمن اعطى الأمان ان يسحبه ويغادر.
كيف استقر هذا العابر بين ثنايا قلبها فـ أصبحت تهواه.
أيا هوى لِمَ الوجع ففراق الأحبة مؤلم!
يا هوى ترفق فـ القلوب ضعيفة لا تتحمل البعد بل الوداع!
نعم وداع دون لقاء!
كفى يا دموع لا تنهمري فهذا هو المكتوب.
ويا قلب كفاك نزفًا فما عاد للفؤاد طاقة.
أمسك ببعض دمك فـ انت تحتاجه لتحيا.
لتحيا دون مسكنك فما الضير في هذا الم تكن وحيدًا ابدًا، لماذا فتحت بيبانك لمن سيرحل، لماذا؟
بكت بكاءً يُمزق القلوب، حتى صومعت في حجرتها لفترة، كأنها تحاول ان تعتاد الوحدة من الآن وقد عاقبت نفسها بحرمان الصغير، رغم بكاءه الذي يصلها، عيناها جم الوقت لا ترقأ من دمع.
وقد علمت أن آجار كان له رأي آخر وأبى أن يرحل دون ان يساعدهم في هذه الحرب ويعرف إلى ما ستؤول.
رغم ذلك فـ الرحيل رحيل سواء الآن أو بعد ايام، فأنه يبقى رحيل.
يا لهامن رحيل يُشق القلب كمدًا.
وعلى مرأى من النجوم الساهرة والقمر يتوسط كبد السماء التي بدت صافية منيرة كانت تسير دارين وقد حررت نفسها من قوقعتها، تعقد ذراعيها تتأمل الحديقة بأعيُن لامعة بالدمع وفي كل ركن تكمن ذكرى، ذكرى رائعة ولا أروع منها، ذكرى تجعل قلبها يتراقص فرحًا وروحها ترفرف في سماء السعادة، تارة مع الأمير الغالي، وتارة مع صغيره، وتارة مع صهيب.
هُنا لم تشعر بالغربة هُنا لن يبقَ موجودًا.
كانت شاردة شرود جميل غافلة عن اعيُن الأمير التي تتأملها من شرفة حجرته.
وها أوآن الحرب قد آن وها هو الجيش يتجهز، وها صُهيب يودعهما ثُم ينطلق في مقدمة الجيش الذي امره الأمير بالتحرك وهو سيلحق بهم، الغبار هاج، والأرض ترتاج اسفل الاقدام وتدُك دكًا ، والهتاف يُزلزل الأرجاء بـ " الله أكبر "
شيع الأمير جيشه بفخر، الهيبة التي يمتلكها والعدد وصُهيب وحده يجعله مطمئن، لقد ترك معهم قائد لا يُضام، فارسٌ مقدام وبطلٌ مغوار.
تحرك إلى جناح دارين وطرق مستأذن قبل الدخول ، فما ان راته وقفت ساكنة لا يرف لها جفن وهي تنظر إليه، فـ تقدم حتى وقف على بعد خطوات قلائل منها، وتبسم رغمًا عنه بسمة حزينة وهو يرآها تصارع دموعها فقال:
"سأذهب الآن واريد منك طلبٌ، اعرف إنك لن ترديه ولن تخيبِ ظنِ فيكِ."
بصوت باهت همست دارين:
"اطلب ما شئت!"
" سأذهب للحاق الجيش الآن لادركه، إذ لم أعُد خذِ جعفر معك يا دارين لا تتركيه وإلا قتلوه هُنا.. اجعليه يكبر في حضنك المتدفق بالحنان، واجعليه ينهل من طيبة قلبك، واحبيه وتذكريني فيه.. وإذ كنت على قيد الحياة فسيكن لنا لقاء آخر."
سرت الدموع على وجنتيها فـ كبح مشاعره معتصرًا جفنيه على مقلتيه وقال بعد هنيهة:
"أُحبك يا فتاة، ولم احب احد قبلك!"
رغمًا عنها شهقت ضاحكة وهي تهمس في غيرة:
"لم تحب قبلي؟! وزوجتك؟ والساحرة التي فرت هاربة!"
فـ أنطلقت ضحكاته وقال:
"زوجتي زوجني إياها ابي قبل موته رغمًا عني لأمور بين المملكتين، والساحرة فها إن ذا قُلتِ ساحرة لكني بالفعل وقعت في عشق ساحرة."
أقبل ممسكًا بكفيها بين راحتيه ناظرًا إلى عينيها بنظرة جميلة مُحبة وأردف:
"ساحرة سحرت قلبي وروحي واحتلتني كما يحتل الغرباء الوطن."
"لكنها لم تكن غريبة كانت الوطن الذي كنت أبحث عنه."
"كانت وطن أعاد لرئتي انفاسه!
وطن سكنت فيه فوجدت مأمني وسكينتي."
لمعت عيناه بالدمع مع صمته لبرهة ثُم تابع بصوت يكاد يبكي:
"كانت اجمل رياح تلك التي ألقت بكِ في قلبي!
شكرًا على تلك المشاعر الجميلة التي حييتها لأول مرة!
كوني بخير عديني ان تكوني بخير حتى يظل قلبي بخير.
وعديني ان لا تنسيني ولا تنسى قلبًا أغرم بكِ وروحًا والله في سبيل ان تكوني بخير كانت فداءً، لا تنسى أن امير مملكة ميليا ذاب غرامًا فيكِ.
عديني أن تحتفظي بذكرياتنا حتى نلتقي مجددًا مهما طال العمر ربما يكون لقاء في جنتة الرحمن يا جنتي."
ارتمت دارين في احضانة باكية وهي تُردد في جنون:
"لا تتركني يا هذا لا ترحل ليس بعد ان وجدت من يحبني ويخاف عليّ ليس بعد ان وجدت اماني، اهتمامك بيّ احسسني أنك أبي الذي فقدته وانا طفلة، فلا ترحل، لقد أحببتك بل أنا اعشقك."
قبل رأسها قبلة حانية اودع فيها كامل مشاعره ثُم ابعدها عنه وأولاه ظهره بكل ألم وابتعد إلى حيثُ آجار الذي يُلاعب طفله فـ عانقه بشدة واوصاه بهما وحضن إبنه ولثمه وتركه راحلًا دون قلب وروح بجسد فاقد لكل شيء امتطى صهوة جواده وهو يلقي آخر نظرة على دارين الباكية في الشرفة، بل منهارة، ورفع كفه ملوحًا ودار بالجواد دورة كاملة يحتفظ فيها بصور لقصره الحبيب قبل ان يصهل الجواد في حماس كأنه يعلم إنه سيخوض حربًا وانطلق البراء لا يلوى على شيء، مخلفًا وراءه من انهارت ارضً ترجوه بفؤادها ان يُلبى النداء ويعود.
التقى الجيشان في صحراءٍ واسعة، الشمس وضُحاها تغشى عليهم بلفحتها المحرقة، وخطى البراء في مقدمة جيشه يُطالع سيحون في غضبٍ جم، لا يدرِ ما الذي مخطط له هذا الملك الغادر الذي لا يؤمن له، وفي قرارة نفسه يعلم ان قوة مملكة سيحون لا تضاهي قوة جيشه فـ قوته تكمن في إيمانه والحق دائمًا ينتصر، وهو منتصرًا مهزومًا فائزًا فاما النصر إما الشهادة.
تعالى هتاف جيشه بـ " الله اكبر"تهز قلوب الاعداء وهي لحظة كان يرفع كفه مشيرًا بالهجوم وهو يشهر سيفه صائحًا:
"اما النصر وإما الشهادة، الله اكبر."
وانطلقت الحناجر تهتف مقولته في بسالة جمة ودارت رحي الحرب وارتفع صليل السيوف وتساقط جنود سيحون كالاوراق الزائلة.
أما جيش ميليا الذي حفزه القائد الباسل صُهيب واعلمهم بما يفعل هؤلاء بالأطفال فكانوا كالأسود لا يشبعوا من لحومهم ولا يرتوا من دماؤهم، إلتقى البراء بـ سيحون وهجم عليه وهو يصيح:
"انظر لجيشك يا سيحون كيف يتساقط، كيف صورة لك نفسك يا ابله على مجابهتي؟"
لكن سيحون ضحك وهو يصيح باشياء غريبة، وشعر البراء بان احد كاد يغدر به فـ التفت ليجد صهيب قد لاذ عنه فرفع سيفه غامدة في جندي سيحون وهو يركله بقدمه وهكذا بقا الحال السيوف تعمل في الرقاب حتى اسفرت الحرب عن نصر مملكة ميليا، وانقضت الساعات ولكن فجاة حدث ما لم يتوقع احد وإذ وحوش الأولمان تحضر تقطع من تقطع من اجساد جنود البراء الذي غطى ظهره صُهيب وراحوا يقاتلون وفجأة تكاثر عليهم الأولمان واوقعوا من أيديهم السيوف وانقضوا عليهما ينهشوا في لحومهم لكن البراء استطاع ان يفلت رغم ما به من جراح وجذب سيفٌ من فوق الأرض وفي حركة واحدة كان يطير السيف غارزًا في جسد سيحون الذي كان يبتسم في انتصار في منتصف بطنة فخر ساقطًا على ركبتيه قبل ان يهوى على وجهه، هُنا وتقهقر جيش سيحون ولاذ بالانسحاب وابتعدت وحوش الأولمان فزحف صُهيب إلى البراء الذي كان يلتقط أنفاسه وأمسك بكفه وبسمة تعلو تغرة ورفع بصره إلى السماء فـ إذ بصورة حبيبته ميليا تطلُ عليه مرتسمة عليها، ضاحكةً، سعيدة، مرتاحة فتبسم بإتساع وهو يهمس في شوق:
"أنا آتٍ ميليا، حبيبك آتٍ إليكِ، أشهدُ ان لا إله إلا الله واشهد أن محمدٍ رسول الله."
إلقى نظرة على الأمير الميت جواره وشد على كفه وهو يلفظ انفاسه الأخيرة باسمًا.
ولولا وحوش أولمان لكان النصر حليفهم، لكن كيف وقد كانت اتون الحرب الناشبة مع ملك مخادع لا يعرف إلا الغدر.
"الأمير قُتل"
" مات الأمير براء وصُهيب، لقد خسرتِ اولادك يا مملكة ميليا "
" يا ويلنا مات ?
رواية جحر الشيطان الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندي ممدوح
لقد عادت إلى أرض الوطن واستنشقت عبيره فنعش صدرها. تقسم أنها لن تبرح وطنها مرة أخرى.
يا الله ... كم أن العودة إلى الوطن عظيمة.
تتلقى بالقلب الراحة مهما كان القلب مهمومًا، معبئًا بالأحزان.
راودها شعور بالصراخ أن تثبت أنها وطأت مطار الوطن، لكن ليس بمفردها. معها صغير تعلق بها وتعلقت به. هل ستكون قدر المسؤولية!
صوت آجار المنادي جذبها من أوج تفكيرها لتدحره جانبًا وتلتفت له في تساؤل.
فقال لها في لهفة تجلت في صوته:
- ها نحن ذا قد عدنا. هنا سنفترق نحن أيضًا، لكن لك وعدي سنلتقي حتمًا مجددًا وقريبًا.
فأردفت ودموع الحزن تترقرق في عينيها:
- سنلتقي! هذا وعد. لم أعد قادرة على فراق أحد.
سكت آجار ردحًا من الزمن بأعين تتأملها في وعد صادق مبهم.
وقال بنبرة تقطر حنانًا:
- أعدك إننا سنلتقي مجددًا يا صغيرتي، فقط إلى أن يحين هذا الوقت تذكريني، لا سيما أيامنا ولياليها التي مرت ونحن مع بعضنا البعض ... ولكن هل لي من طلب؟
- حقًا تسأل يا آجار، أطلب ما تريد.
- لا تكرهيني أبدًا مما قد يبدر مني، تذكري فقط أني آجار الذي قد يفعل لأجلك كل شيء، ناهيك عن كل شيء أنا أفعل المستحيل ليكون ممكنًا لأجل عينيك، تذكر آجار الذي روحه فداء لك ولا تتذكر غير هذا، حسنًا!
كلماته الغامضة آثارت ريبتها لا ريب ولا إراديًا تسلل الخوف في فؤادها ولا تدري ما سبب ذلك. محال أن تعلم هذا الشعور، ولكن حرى بها أن تستفسر.
لذا قالت وهي تستدير إليه كليًا:
- ما هذا الكلام المبهم الذي تتفوه به؟ هل ثمة شيء تخبيه عني؟ أنت بخير ... أليس كذلك؟
هم أن يطمئنها، لكن حضور عثمان الذي كان ينهي أوراق الخروج من المطار حال دون ذلك. رمقه عثمان بنظرة جافة وهو يأخذ منه جعفر دون أن ينبس.
فزاغت عيني آجار لوهلة. وصدح صوت عائشة مناديًا في تلهف وحنين باسم ابنتها.
فأطبقت دارين شفتيها وقد كانت على وشك الكلام مع عثمان بخصوص آجار، فنست كل شيء وهي تركض كالعاصفة إلى حضن والدتها التي ضمتها وتدفق دمعها.
وراحت تقول بصوت متقطع أثر البكاء:
- دارين، بنتي أنتِ بخير يا ضي عيني، بخير صح أنا ... أنا مش بحلم مش كدا؟ أنتِ قدامي أهو، صح صح.
- أنا هنا يا ماما، وحشتيني أوووي يا حبيبتي.
قالتها دارين والدموع تسيل من عينيها قبل أن تقول بلهفة:
- آجار! ماما لازم أعرفك على آجار..
تلفتت حولها فلم تجد إلا عثمان الذي دنا منهما. وهنا علمت إنه ذهب.
وها هي تفقد أحدًا آخر! إلى متى ستظل تفقد هكذا؟
أطرقت رأسها في حزن. وأقبل هيثم من بعيد محاوطًا إياها بين ذراعيه يطمئن عليها اطمئنان الخائف على ابنته بكل صدق.
لم يدور بينهما حديث أو تساؤل عن الصغير، بل ذهبوا إلى البيت من فورهم.
غافلين عن أعين تراقبهم بوداع خافت، ووعد بالعودة آتٍ عن قريب.
- مين الطفل ده يا دارين؟ ابن مين؟
سألت عائشة وهم في السيارة، ما زالت تضم ابنتها خشية فقدانها مجددًا كأنها قد تتبخر من جوارها. تخاف أن تغمض عين فتختفي أو تغدو حلمًا جميلًا حلمت به وولى. لا غرو فمن ذاق ألم فراق الابن يضحى يهاب كل شيء، وخاصة إن كان لها ولدًا وحيدًا.
تلجلجت الكلمات في صدرها لا تدري بماذا تجيب. يمور القلق بداخلها. ومما زاد الطين بله قول عثمان:
- صح ابن مين ده؟ ومين الواد اللي كان معاك؟ وبعدين إزاي ظهرتوا فجأة كدا في المكان وأنا متأكد إن مكنش في حد وكمان كان مغمي عليكم إلا الطفل الصغير. إيه اللي حصل معاك؟
دارت عينيها بين الجميع في تيه وتبسمت في شحوب وهي تقول:
- أنا تعبانة دلوقتي وعايزة استريح وبعدين هبقى أحكي لكم كل حاجة.
أسبلت جفنيها تسند رأسها على كتف والدتها تهرب من الجميع. والحيرة استبدت بها. ما هذه النكبة كيف تخرج منها؟ ومن أي ثغرة تسلك؟
إن أخبرتهم بما حدث لظنوا إنها مجنونة لا ريب، فما حدث ضرب من الخيال لا يستوعبه عقل ولا يسعه قلب.
عن ماذا تتحدث وكيف تتحدث وكيف تجد الحل لهذا المأزق.
استشعرت أن الطريق قد طال، أما إن تفكيرها كان ثقيلًا!
"داريــــــــــــــــن، جت يا بشر يا إللي هُنا، انتوا فين؟ آه ... آه براحة يا بقرة منك ليها"
صاحت بآخر عبارتها مع هجوم الفتيات عليها من حيث لا تدري. هي الآن بينهم وسط عائلتها والفتيات ووسط الجميع. عمت الفرحة قلوب الجميع وضج البيت بالحيوية فجأة. ومر بالضحك والأصوات العالية، والضحكات المرتفعة. الجميع يحتفل بعودة دارين سالمة. الكل حاضر والجميع ملتف حولها، وحول الصغير.
بينما هلت هالة فجأة من الأعلى ترمق الجميع شزرًا حتى قالت وهي تحدج دارين بتشكك:
- بياعة اللبن ليكِ كتير مجبتيش لبن يا بت. وبعدين يا ختي جاية تقعدي ولا كأن البيت بيتك ناقصين زحمة إحنا.
ثم أشارت على الفتيات وهي تتابع:
- مش كفاية المتعايس دول اللي معرفش جم منين.
حل الصمت المكان وأعين دارين متسعة. ثم هبت واقفة في مواجهة هالة وهتفت متخصرة:
- نعم يا حجة يا إللي رجلك والقبر انتِ مين دي اللي بتاعت لبن؟
ضربتها هالة بعكازها مغمغمة:
- لسه لسانك طويل شبرين يا مقصوفة الرقبة، أنتِ ... وحشتيني يا كلبة يا إللي مبتسأليش عليا.
تأوهت من ضم دارين وهي تتمتم:
- براحة ياختي عضمي مش حملك يا جموسة انتِ!
انفجر الجميع ضاحكًا عليهما. وجلسوا يتبادلوا أطراف الحديث حتى علا صوت مالك آتيًا من الخارج:
- دارين، يخرب بيتك رجعتِ! أنا قلت موتِ ومش هنشوفك تاني.
شوحت دارين بكفها له في تزمر. فتابع هو مصدومًا وهو يحمل جعفر من سجى:
- إيه ده إيه ده طنط سجى أنتِ ولدتي إمتى يا حبيبتي.
نظرة واحدة من ياسين كانت كافية ليعدل عن كلامه قائلًا:
- دارين يا مصيبة أنتِ الحقتي تتجوزي وكمان تخلفي يا نهارك أسود طيب حتى اعزمينا طيب؟
فاض بها فنهضت تنوي شرًا. فمال مناولًا الصغير لـ سجى وهو يردد:
- خدي يا سجى يا قمر.
هنا صاح ياسين غاضبًا:
- تعرفي لو سبتيه من غير ما تاخدي حقك هموتك، دا كان قبل ما تيجي بيدعي عليك.
أشارت دارين بصدمة إلى نفسها. فأومأ ياسين.
فصاحت:
- أنا يا ابن حذيفة تدعي عليا؟ أنا والله ما هسيبك يا ابن الجزمة.
ركضت وراءه وفر هو من أمامها والفتيات خرجن خلفهم.
بينما صاحت أسماء في صدمة:
- أنا جزمة؟ أنا والله لاوريك يا بنت زين.
التقطت نعلها وهي تندفع للخارج. فضرب حذيفة رأسه بكفيه في غلب.
في الخارج كان يوسف يشعلل دارين أكثر على مالك والشباب الذين راحت تركض وراءهم وهي ممسكة بعكاز هالة. وانفرط الفتيات في الضحك أكثر حين انطلقت أسماء بنعلها وراهم والضحكات ملأت الأجواء بهجة.
اختلقت دارين كذبة وقصتها على مسامعهما. إذ أخبرتهم إنهم وجدوا هذا الطفل من امرأة كانت معهم على متن الطائرة وتوفاها الله، وأنهم وجدوا بعد سيرهم أناس استقبلوهم حتى وجدهم عثمان. وأن سبب الإغماء لا تعلم. ولم يعلق أحد رغم تشككهم في ما روته.
جلست مع أروى صديقة طفولتها في الغرفة الخاصة بها. فوق الفراش تمددت الفتاتين هنالك.
قالت أروى بما تحسه:
- دارين، عودتكِ بس منطفئة. حساكِ فيكِ حاجة ناقصة. إيه اللي حصل معاكِ بجد من غير كذب؟ من إمتى بنخبي على بعض حاجة؟
اعتدلت دارين جالسة وشردت في الفراغ هائمة. وسرت الدموع على وجنتيها.
بالفعل هي ناقصة لم تعد مكتملة. قلبها تركته هناك مع من بقى تحت الثرى. ولن يكون لهما لقاء مجددًا يقر عينيها، ويطمئن قلبها.
بقلق ضمتها أروى لتبكي في حضنها حتى تهدأ. وراحت دارين بشهقات تقص عليها كل ما جرى.
عن مملكة ميليا، وآجار وصهيب وأمير قلبها البراء كيف أحبته وكيف آلمها ذاك الحب. فما أن أفرغت ما في مكنونها.
أردفت أروى بدهشة ممزوجة بالصدمة:
- يا الله اللي بتقوليه ده مستحيل حد يصدقه. ولولا جعفر الصغير كانت هفكر أنك اتخبطي في نفوخك ولا حاجة.
ضحكت دارين بملامح باهته. فضمتها أروى وقالت وهي تمسح على شعرها:
- الحب حلو يا دارين ومشاعره صادقة بس وجعه وحش وبهدم الإنسان. بلاش تستسلمي، دا قدر ومكتوب وقولي الحمد لله.
- الحمد لله.
رفعت دارين نظرتها إليها وهمست بقلب منشطر:
- أنتِ صدقتيني بسهولة كدا؟
فردت أروى ببساطة:
- طبعًا يا بنتي.
ومصدقش ليه؟ كل حاجة ممكنة، وفي حاجات لا يعلم بها إلا الله على أرضه وفي سمائه وتحت الأرض. دي كلها حاجات غيبية. وبعدين شوقتيني يا حجة أروح لمملكة ميليا وأشوف الأمير براء، وأموت ملك الأولمان الكافر ده. وبعدين ذبح الأطفال وصنع فطائر من دمهم، دي حاجة حقيقية حدثت زمان، سمعت عنها.
رفعت دارين رأسها إليها مشدوهة وسألت:
- بجد؟
- آه، بس عجبني الأمير براء وصعبت عليا ميليا أوي، وصهيب.
أعتصرت دارين عينيها لتسيل دموعها أكثر وهمست:
- وحشني يا أروى، يا أروى. أنا كنت عارفة إني هيجي يوم وهمشي. ليه حبيته وليه مات.
راحت تهذي بكلمات مؤلمة حتى استسلمت لهوة النوم. لتزيح أروى دمعها وهي تقبل وجنتها وتدثرها بالغطاء وترحل.
اختفاؤه غريب، يثير الشك والدهشة، ويجعل القلب في شغل شاغل. هل أعلن عما نوى؟ لكنه ما زال يحيط بها، ويحرسها أين ما ذهبت وأين ما كانت.
كأنه أخذ عهداً على نفسه بحمايتها من كل مكروه.
تشعر سيره وراءها ومراقبتها حتى في المشفى. فهل هذا عادي؟
أم إنه هدوء ما قبل العاصفة.
يا ليته لا يأتي ولا يكون له أثر مجدداً في حياتها.
إنه كالجحيم، جحيم لن تعود منه سالمة أبداً.
ستخرج بملامح محترقة وقلب يتلظى وروح ذبيحة.
أيا ليته يرحمها. ليت الأمان يُشترى، لكانت اشترته بكل ما تملك.
تجلس فوق فراشها، تبدو لرأي أنها تحمل هم جبال ثقيلة فوق صدرها. صوت طرق على الباب جذبها من طيات تفكيرها العميق، لتأذن للطارق بالدخول.
- خديجة.
همست بها لمياء بنبرة شبه باكية وهي تركض نحو خديجة مرتمية في حضنها. فاستقبلتها خديجة بصدر رحب وهمست في قلق وهي تطوقها:
- لمياء، مالك بتعيطي ليه؟ حصل إيه؟
شدت لمياء من ضم ذراعيها حول عنقها وهمست باكية:
- مفيش، مخنوقة شوية.
صمتت خديجة حتى تهدأ وتعلم ما بها. لكنها راحت تمسد على رأسها وهي تتلو آيات من القرآن الكريم. رويداً رويداً هدأت لمياء وابتعدت في تمهل ونظرت إليها ملياً وباحت قائلة بما يعتمل صدرها:
- تخيلي يا خديجة، مش ضيفين التربية الإسلامية للمجموع. تخيلي مادة الدين المدرسين مش مهتمين بها عشان مش بتضاف للمجموع. تخيلي إنها بقت على الهامش. الدين يا خديجة، اللي المفروض كل حاجة وقبل كل حاجة، بقى منسي.
مع انسياب حديثها، عادت دموعها تهوى من مقلتيها بحرقتها. بصمت، فضمت خديجة رأسها إليها دامعة العينين متأثرة تأثراً شديد.
لحظات وتنهدت خديجة قائلة بشرود وما زالت تطوق كتف لمياء المسندة رأسها على كتفها في راحة تامة:
- عارفة ليه يا لمياء، زمننا امتلأ بالانتحار والقتل بدون رحمة؟
شهقت لمياء باكية، فأنحبت خديجة قائلة:
- عشان محدش بقى مهتم بدينه. هجرنا القرآن، وابتعدنا عن مجالس العلم. وانشغل الآباء والأمهات في مصالحهم ونسوا إن أولادهم لهم حق عليهم.
كفكفت دموعها مع استرسالها:
- كل طفل بيتولد بيكون فيه بذرة صالحة. بذرة هي اللي هتحدد صلاحه في الدنيا. بذرة لازم ترتوى عشان تنمو كل ما يكبر. إذا لم ترتوِ، إزاي الإنسان هيكون صالح وشخص ذو أخلاق حميدة ويخاف ربنا؟
الطفل كل ما يكبر محتاج اللي يعلمه، يفهمه، الصح والخطأ، الحرام والحلال. وإلا إزاي هيتعلم لوحده؟ ما هو لازم طالما مش متأسس، يسوق فيها بقى!
ليك مثال، هو أنا لو ماما معلمتنيش الصلاة وحببتني في الصوم وعرفتني سيرة الحبيب وحكتلي عن الأبطال الصحابة، هل كنت كده؟
هزت لمياء رأسها تلقائياً، فردت خديجة على نفسها:
- أكيد لأ. كنت دلوقتي مش منقبة ولا لبسي واسع. بس لأنها حببتني في أمهات المؤمنين وإن هما دول اللي لازم أكون زيهم. هي مأجبرتنيش، هي بس حطتني على أول درجة وأنا كملت صعود. كل منا محتاج لأيد تاخد بأيده وتحطه على أول درجة عشان يكمل، ويحبذ لو كملت معه.
استنشقت الهواء وزفرته مرة واحدة وقالت:
- كل حد محتاج حد يدلّه، يعلمه أساسيات الصلاة، يحببه في القرآن. كل طفل له حق على والديه إنهم يحفظوه قرآن ويعلموه قيم ومبادئ دينا ورسولنا. لو مفيش، يبقى سلام بقى للعيال لما تكبر.
رفعت لمياء عينيها إليها وقالت:
- أيوه صح. لو أنت معلّمتنيش، مكناش هنبقى كدا. لحسن الحظ إنك موجودة معانا، إحنا محظوظين أوي، صح؟
أومأت ديجا ضاحكة، فقالت لمياء:
- العتب بيكون على الأهل من الأول، ومن ثم على الأبناء. الإدمان بقى مالي البلد بطريقة مرعبة. تصوري، حتى الأطفال بيدخنوا ويشربوا! هو إحنا بقينا فين يا خديجة؟
سكتت خديجة لهنيهة شاردة وقالت:
- لقد مات عمر يا لمياء، ومات العدل معه. فلا تنتظري شيئاً في هذه الأرض التي بات أهلها ينهشون في بعضه. عسى عذاب الله يأتينا خفيفاً ولا يأخذنا بذنوب عباده. لعلنا نخرج منها غير مفتونين ويرزقنا حسن الخاتمة.
توقفت سيارة الأجرة أمام شارع قديم في إحدى الحارات الشعبية، وترجلت منه أروى مبتغية ذاك الذي تزوج سراً من ابنة خالتها. وبداخلها حزنٌ جم على كذبها على والديها أنها ذاهبة إلى الخالة سمر. هذه أول مرة تكذب عليهما، والسبب تلك المعتوهة شيماء. لكن كل شيء هين في سبيل حل تلك النكبة التي أُلقيت على العائلة. لقد أبت شيماء الذهاب إلى المشفى وأبت أن تدلها على طريق المأذون، حتى بيت ذاك الرجل الذي إن رأته تقسم أنها قد تقتله من فرط غضبها الهائج كإعصار عاتٍ بداخلها.
توقفت أمام الشارع تتوجس خفية. الشارع معتم. زرقة السماء صافية لامعة بالنجوم التي تؤنس طريقها والقمر يصاحبها لينير لها الدرب. أخذت نفساً عميقاً، أخرجته على مهل وتحركت داخل الشارع، وكانت تعلم عنوان هذا الرجل أو الشبيه بالرجال من محادثة دارت ذات مرة أمامها بين حمزة ووالدها.
دجى الليل مخيم في هذا الشارع كأن كل ما به أموات. شارع طويل واسع إلى حد ما، مصفوف بعمائر جار عليها الزمن من كلا الجانبين.
ووقع أقدامها كان كل ما يُسمع في هذا السكون. استمعت فجأة لصوت رجولي أجش:
- بس إنت يا آنسة؟
تيبست قدميها وخيل إليها أن شبحاً سيخرج إليها. كادت تركض، لكن... هذا الصوت استمعت إليه من قبل. تعلمه حتماً!
دارت حولها فلم تبصر أحداً. فقال الصوت آتياً من الأعلى:
- آنسة أروى، أنا فوق. بصي لفوق كدا.
رفعت رأسها فـ أبصرت محمد رفيق خالد، التي ألتقى منه منذ فترة وقد ساعده خالد بعد فقدان الأمل على إجراء عملية جعلته يسير على عكازين بدل الكرسي المتحرك، وعن قريب سيخضع لعملية أخرى في الخارج. يا الله! لقد رآها محمد. هل يمكن إنه سيبلغ خالد بأنه رآها.
- يا آنسة، روحت فين؟ دقيقة متتحركيش، نازلك الحارة لبش هنا.
توارى عنها داخل الغرفة. فـ ارتبكت واقشعر بدنها وشرعت تفرك أصابعها في توتر بين. راودتها نفسها أن تفر هاربة، لكن كان قد فات الأوان، وها هو يقبل عليها من البناية.
وقف قبالتها غاضباً بصره وأردف:
- أستاذة أروى، في حاجة حضرتك أقدر أساعدك بيها؟ الحارة هنا وفي الوقت ده مش كويسة ليكِ نهائي!
"يا حلو صبح يا حلو طول، أو يا حلو مسي، مسا مسا يا جميل."
قالها شاب مترنحاً وهو يفترس أروى. فخبأها محمد وراء ظهره وغمغم وهو يدفع الشاب بعكازه:
- امشي يلا من هنا بدل ما أخلي وشك ده شوارع!
- ما براحة يا شيخ محمد، الله يسامح الأيام اللي خلتك شيخ بعد ما كنت أسوأ مني.
هاج محمد وكاد يضربه، لكن الشاب رفع كفيه لأعلى وهو يندفع مغادراً، مترنحاً:
- خـ... خلاص يا شيخ، ماشيين.
إلتفت محمد إلى أروى بعد ما تأكد من انصراف الشاب تماماً وقال باقتضاب:
- أهو كنت أقصد كدا. الدنيا مش تمام ليكِ هنا.
سكت لبرهة متعجباً صمتها واندهاشها وسأل:
- قوليلي، أقدر أساعدك في إيه؟
ترددت أروى قليلاً، لكنها حسمت أمرها في أن تسأل:
- تعرف بيت عبد الله السيد المهدي فين؟
- لولا إني واثق فيكِ وعارفك كويس، مكنتش هقولك... بس تعالي هدلك عليه.
ورفع سبابته في وجهها آمراً بحزم:
- ومش هسيب حضرتك غير لما أطمن إنك مشيتي من المنطقة.
أومأت أروى دون جدال وسارت خلفه. توقف أمام إحدى العمائر، وقال وهو يؤشر لها برأسه:
- بصي، هو ساكن هنا، ولكن مش موجود حالياً. ليه فترة مبيجيش.
لم تستطع أن تكتم شهقتها الخائفة وهي تهمس في تيهة:
- مبيجيش؟ طب طب إزاي يعني؟ ليه مكان تاني طيب، ضروري أعرف!
هز محمد رأسه بصدق، وقال:
- والله ما أعرف عنه حاجة. أصلًا عبد الله ده مش من هنا. دا واحد ظهر فجأة وأجر الشقة اللي فوق، ويا عالم هييجي تاني ولا لأ.
حسناً، الصدمة باتت على أوجها الآن، وقالت بعينين بان فيها التوتر:
- يعني كدب علينا ومش ساكن هنا؟
- الموضوع باين له طويل. بس يا ستي، هو ليه سنين فعلًا هنا، وأوقات بيغيب بالأشهر ويظهر، وأحياناً أيام ومش مختلط مع ناس كتير هنا.
رددت لمياء بقلب يكاد يقف:
- بيغيب بالأشهر؟ يا ربي! طيب فين عيلته؟
هز محمد كتفيه مردفاً في هدوء:
- الله وأعلم.
أطرقت نفسها قليلاً مفكرة ماذا تقرر؟ هل تذهب؟
وأن ذهبت، ماذا ستفعل شيماء؟ يا الله من تلك الحيرة.
- هو الموضوع مهم أوي؟
تنبهت له أروى وهزت رأسها، فاقترح قائلاً:
- خلاص، بصي. ارجعي إنتِ بيتك وأنا وراه. لو ظهر له أثر هعرفك، وهسأل هنا ناس ممكن تعرف مكانه أو حاجة.
شكرته أروى بامتنان رغم إن ذهنها شارد.
وما كادت تخطو خارج البناية حتى توقفت فجأة وأوقفت محمد قائلة:
- استنى، أنا لازم أطلع أفتش شقته.
ألقت ما ألقت دون اهتمام. فنظر لها محمد برفع حاجب واعتراه الزهول في قرارة نفسه. أحس إنها في مأزق قد لا تحور منه. لذا قال مستفسراً يجاريها:
- طيب هتفتحي الباب إزاي؟
- شغلت دي. هتساعدني؟
دون تفكير كان رد محمد جاهزاً:
- أمال هسيبك!
بس قوليلي هعمل إيه؟
- راقب لي الطريق.
ومن توهما نفذوا، وعالجت أروى فتح الباب دون صوت بدبوس ودخلت تفتش في أغراضه. مر أكثر من ربع ساعة وهي تقرأ أوراق بيدها في صدمة وتردد، وعيناها تكاد تخرج من محجريهما من وقع الصدمة:
- عبد الله مباحث شرطة موقوف عن العمل! طب ليه مقلش؟
الصدمة احتلت كيانها برمته، ورتبت كل شيء في مكانه بعد لحظات، وخرجت مغلقة الباب كما كان، وهبطت الدرج وراء محمد الذي لم ينبس أو يستفسر عن شيء، وبدا لها أنه يرد الدين لخالد. وقفت قبالته أسفل البناية في تردد، وما همت بالحديث إذ قال هو في هدوء:
- متخافيش محدش هيعرف ولا هقول لحد، ولا كاني شفتك انهاردة ولا جيت.
غمرة الراحة قلبها وتنهدت في ارتياح، وتهدل كتفيها كأن هَمّ وانزاح. فاسترسل محمد:
- بس أنتِ كويسة؟ عرفتي حاجة عنه؟
رمشت بأهدابها حائرة وهمست في خفوت:
- كل اللي اعرفه إنه مخادع ومش هسمح له يلعب ببنات الناس.
- أذى حد يخصك؟
سأل محمد بتعاطف، فهزت أروى رأسها، وأوصلها محمد حتى استقرت في سيارة أجرة. تلك العائلة لا تزال تبهره.
يساعدون الجميع دون تمييز!
هل حقاً مخلوقون مما خلقوا بقية الناس!
أم أنهم أتوا من عالم آخر.
عالم لا يعرف إلا الحق، ومساعدة الغير، وطيبة القلب.
" لا ما هو مش ممكن تروح من غير ما تديني خبر، مش كيس جوافة أنا في البيت ده، انت إزاي تعمل فيا كدا"
صاحت بتلك العبارة مكة تنهر عثمان لذهابه لتلك الجزيرة النائية للبحث عن دارين دون إخبارها. تبالغ في تهويل الأمر وتنشب معه خناق سيصيبه بالصم حتماً. حاول إرضاءها بشتى السبل، وكل السبل باءت بالفشل، فهي حين تغضب تسد أذنيه، ولا تستمع لأحد مهما كان المبرر. بصوت عالٍ غير مراعٍ كانت تصيح وهو كالعادة مغلوب على أمره، يجلس ساداً أذنيه بكفيه، تاركاً إياها تثرثر كما تشاء وكيفما تشاء ريثما تهدأ.
دخل معاذ مقتضب الوجه من صياح أمه التي ستنقلب عليه وعلى أخته المسكينة أيضاً، وتمتم في غلب وما زال واقفاً على الباب:
- يا الله صبرك، مش هنخلص إحنا، مخلاص يا حجة، بالله ما تقلبي على أمنا الغولة دلوقتي.
وها هي تشهق شهقة الصدمة المعهودة متسعة العينين تصب جام اهتمامه عليه، تشير بسبابتها إلى صدرها في بهت:
- أنا أمنا الغولة يا ابن عثمان ياللي مشفتش بربع جنية تربية.
ردد معاذ بغيظ وهو يخشى الولوج:
- هي التربية بفلوس يا أمي؟ وبعدين مش كل شوية إبن عثمان إبن عثمان، هو عثمان جايبني لوحده ولا إيه.
أنهى جملته غامزاً لها في مشاكسة عسى أن لا تقلب عليه اليوم، لكنها أردفت وهي تقبل عليه ليذرد لعابه:
- أنت بتبجح كمان فيا، وليك عين!
- أنا أبداً والله يا حبيبتي.
كاد أن يبكي وهو يشرئب برأسه نحو والده يصيح:
- الحق إبنك يا حج الله يكرمك، عنده دوري لازم يروح النادي في تدريب... يا لمياء، لمياء انتِ فين؟
صاح مستغيثاً بأخته مدركاً أن والده لن ينصفه، لكن مكة وقفت تربط على منكبه، وقالت:
- عندك تدريب خش يا حبيبي خش عشان تاخد شنطتك ومتتأخرش.
رفع إحدى حاجبيه ينظر لها شزراً عله يستشف إنها لا تخدعه، لكنه حسم الأمر ودخل، وما كاد يخطو جهة غرفته إذ انهال عليه نعال والدته فوق ظهره وهي تصيح:
- أنا أمنا الغولة يا اللي مش متربي ولا أبوك رباه.
صرخ معاذ وهو يفلت منها ويركض ملتجئاً بالأريكة يتوارى خلفها وغمغم في غيظ يستفزها:
- ما هو مش كل ما تتخانقي مع جوزك تنكدي علينا، حرام والله إحنا ذنبنا إيه.
هجمت عليه في قفزة واحدة لقصر قامتها وهي تعتلي الأريكة ممسكة بحلمة أذنه، فهتف حمزة وهو لا يستطع التملص:
- يا بــــــابـــــــا الحقني يا راجل انت انت مش ظابط والشعب ليه حقوق، حوش المتوحشة دي عني، آه آه.
تاوه متألماً ما أن عضت مكة ذراعه الذي يلتف إلا بترك أثر عميق، فهدر شبه باكي:
- أنا عايز أقدم بلاغ.
هنا وتخلى عثمان عن صمته متسائلاً بلهفة:
- في أمك؟
- أنتِ لسه بتسألي يا بابا.
- هي مكة المجنونة جنونها طلع ولا إيه؟
هكذا سأل يوسف ضاحكاً وهو يخرج لسانه لمكة مشاكس، فأشارت له بأصابعها وهي تضمهم:
- اصبر يا إبن ياسين.
شوح لها يوسف دون اهتمام وهو يذهب إلى معاذ العابس، بينما احتدمت نظرات مكة ليهب عثمان واقفاً وهو يغادر المكان شبه راكضاً يصيح:
أنا جاي يا ياسين، جاي اهوو..
قهقه عثمان ويوسف ضاربين كف بكف، بينما التفتت إليهم مكة وهي تسحب (المكنسة) التي كانت مسندة على الحائط ليصرخ معاذ:
- اجــــــــــــــــــــري.
- هتروحوا مني فين يعني؟
في أنحاء الشقة ومن غرفة لأخرى وفوق السرائر والآرائك كان عثمان ويوسف يركضوا فوق كل شيء ليتلقوا ضربة تارة وينجو الأخرى. وعلى الباب صاحت لمياء وهي برفقة ملك مصدومتان:
- في إيه؟ إيه بيحصل هنا.
- أمك اتجنت، الحقيني هتأخر، ابعدي المجنونة دي عني.
- مكـــــــــــــــــة اتجنت مكة اتجنـــــــــــــــــت، أجري يا ملك.
صرخ يوسف بآخر جملة وهو يجذب كف ملك في طريقه وهو يركض، ولم تفق من صدمتها مما تراه، فركضت لمياء معهما دون سبب وهي تضحك صائحة:
- يا ولاد المجانين.
بعد وقت تجمعن الفتيات يقهقون على تلك المهزلة ومكة تلهث من فرط التعب ترغي وتزبد:
- الله يسامحك يا معاذ يا بني كدا تتعب أمك.
نظر لها يوسف مغتاظاً ووقف عند دارين يسألها:
- حتى جعفر هننزل الحنينة تحت.
ناولته له دارين مطمئنة، بينما خرج معاذ من غرفته مرتدياً ملابس رياضية وشنطة يرفعها فوق كتفه ورمق الجمع بمحبة وهو يردف في ود:
- أنا ماشي يا ماما مش محتاجة حاجة، وانتوا يا بنات.
- عايزين سلامتك يا بني.
قالتها خديجة فقالت دارين "تصحبك السلامة يا بني".
وقالت لمياء "هاتلي إي حاجة معاك وأنت معدي، هاتلي قراميش وشوكولاته بس، كل اللي يقابلك هاتوا".
حدجها معاذ باستهزاء:
- نعم يا ختي.
- مش انت اللي بتسأل عاوزين حاجة يبقى متسألش.
انهالت عليه مكة بالدعاء وهي تضرب ظهر لمياء لتسكت، بينما تبسمت له ملك وأشارت له بالإشارة ليهتف يجيبها:
- آه بكرة الدوري بإذن الله يا ملوكة.
لوت لمياء فمها متهكمة:
- ملوكة، دا ولا مرة دلعني.
فردت دارين في سخرية:
- وهي أصلاً لمياء ليها دلع؟ اتكتمي ياختي.
- ليها يا بت لولو.
قالتها خديجة فرسمت البسمة على لمياء وهي تضمها بفرحة:
- اهي يا ختي الناس اللي بتفهم.
سألت مكة في اهتمام تقاطع حديثهم:
- هي أروى فين يا بنات؟
ردت عليها خديجة مجيبة:
- راحت لسمر وجاية.
أشارت لهم مكة فذهبوا معها تاركين مكة. دخلوا إلى غرفة الرسم الخاصة بها وتقدمت من لوحة مغطاة لترفع غطاءها وتتنحى جانباً ليروها، فشهقت لمياء من وقع المفاجأة، ووضعت دارين يدها على فمها، بينما كانت خديجة أول من هتفت في دهشة ممزوج بالانبهار:
- واو! إيه دا؟ لا بجد إيه ده؟
كانت اللوحة تضم بطريقة باهرة الفتيات بصورة بديعة كأن هناك نسخة عنهم وليست مجرد لوحة مرتسمة. كانت خديجة بنقابها واضعاً تاج أبيض بسيط فوق رأسها، وأروى وملك على يمينها، ولمياء ودارين عن شمالها وتضمهم بذراعيها وأعينهم تلمع بالبهجة. ما تلك المفاجأة الرائعة؟
مفاجأة ستبقى محفورة بالقلب!
قد ربما يظنها البعض بسيطة لأنهم لا يدركون قدر تلك المفاجأة التي تُصنع بكل حب وبكل اجتهاد وكل تعب.
حضرت أروى في تلك الأثناء لتشاهد باقي اللوحة والتي أحدى منهم تضمها هي ويوسف وأبيها وأمها، وأخرى العائلة أجمعها، وقد رسمت لمار ويوسف الكبير في لوحة خاصة لتهديها للمار.
السعادة لا تُنسى أحداً، نحن من ننساها، حين ننسى كيف نصنعها.
السعادة محيطة بينا في وجود عائلة، وصحبة، ولمة جميلة.
وضع جان برفق شديد ناردين على الفراش كأنها زجاج يخشى أن ينكسر، وأعدل لها الوسادة في حنو، وهمس مائلاً عليها:
- هذا جيد، أما أرفع لك الوسادة أكثر.
بخفوت ردت عليه بصوت متعب:
- هذا جيد.
فتهيأ للمغادرة بعد ما لثم جبهتها وهمس:
- سأعود في الحال.
لكنه ما كاد يخطو خطوة واحدة حتى أمسكت بذراعه تهمس في جزع:
- لا، جان لا تتركني.
مسح على رأسها برفق قائلاً:
- لن أغيب يا جميلتي ولن أذهب بعيداً، فقط سأحضر شيء من الخارج وأعود.
استسلمت سامحة له بالذهاب، فذهب من توه إلى منزل هنا.
كانت علاقتهما إلى نوع ما قوية، لم تشك فيه، لكنها لا تعلم بخروج ناردين أيضاً من المستشفى، وما يؤرقه أن يعود هذا الأجار.
وها حدثه وخوفه يتحقق أمامه، فقبيل دخوله إلى منزل هنا وجد نسخة منه، نسخة تماماً عنه كأنه يرى نفسه أمامه لولا الملابس فقط المتغيرة. يا الله هل يعقل ذاك الشبه؟
تباً لقد ظن أن الجميع يبالغ في التشابه.
عيناه كادت أن تخرج من محجريهما، وقبل أن يشعر أحد بوجوده، كان يستتر خلف الجدار يستمع إلى صياح الشاب شبيهه:
- ما بك يا فتاة؟ بالله عاد أخاك ولا تستقبليه؟ ألم تشتاقين إلي هنا أم ماذا؟ أشعر أنك لم تود لي أن أعود.
التفتت له هنا برأسها من وراء ظهر الأريكة وردت في برود:
- أراك تبالغ يا حبيب قلبي، لما أستقبلك وأنت بوجهي طول اليوم يا هذا، هل لأنك غبت لساعات فقط؟ ما بالك يا معتوه..
جز آجار على أسنانه وقفز جالساً بجوارها ساحباً الوسادة الصغيرة من حجرها وقال:
- ساعات؟ ساعات!! بالله ساعات يا هنا!
كل تلك المدة ساعات برأيك.
اسند بمرفقيه على الوسادة يراها تقفز جالسة على ركبتيها تتحسس جبينه وهي تقول:
- يا مسكين هل جُننت أم أصابك مس من الجن لأنك غير مصاب بالحمى إذن ماذا حل بك يا حبيبي!
أشاح آجار بكفها ونهض كمن أصابه تيار كهربائي فجأة وهتف بعنف وهو يلقي الوسادة عليها:
- سأغادر يا معتوهة ريثما يخرج عنك الجن الذي تلبسك. لقد جُننت يا عزيزتي.
- تبًا لك يا آجار، محال أن أنخدع بلعبتك يا وغد.
راقبت رحيله في غضب جم وهي تتمتم في تعصب:
- الغبي بماذا يهذي يريد أن يصيبتي بالجنون لا ريب. يقول أنه جاء توا يمازحني هذا الأبله.
توارى جان في الجدار مغمض العينين حتى اختفى آجار من المكان بخطوات غاضبة ووجه لا يفسر، فتجرع لعابه وهو يتنهد في حيرة وانصرف قبل أن يراه أحد.
خرجت منة من غرفة نومها متثاءبة بمنامة بيتية من اللون الوردي، ناشرة شعرها. اتجهت إلى المطبخ وتجرعت كوبًا من الماء ثم مسحت فمها بكف يدها وخرجت إلى ردهة المنزل. وما كادت تفتح عينيها على اتساع لتزيل أثر النوم، شهقت بقوة متقهقرة للخلف. فغمز لها آجار وهو يتقدم منها مغمغمًا بتلذذ:
- ما لي أراك تصرعتي؟ هل رأيتي شبحًا.
نظرت له بفم مفتوح من الصدمة فتابع هو مشاكسًا:
- تبدين فائقة الجمال فور استيقاظك، ولكن هل ثمة أحد يصحى قبيل المغرب؟ أليس من العدل أن ينام في هذا الوقت.
رمشت بعينيها فأغلق فمها بسبابته وما كاد يعلق إذ دفعت كفه بعيدًا وقالت صارخة:
- تبًا لك يا مجنون، كيف سولت لك نفسك أن تدخل منزلي؟ هل أنت ابله.
ثم مستدركة أردفت:
- كيف دخلت من الأساس.
أشاح آجار بوجهه عنها وولى ظهره مبتعدًا يجلس في استرخاء على الأريكة وقال في برود:
- هذا ليس من شأنك يا جميلة. أنا أدخل وأخرج أين ما أريد دون أن يسئل أحد.
- ها ها أنت تهذي.
قالت في سخرية وهي تهدر غاضبة فيه عن كثب:
- انهض واخرج من منزلي يا هذا ولا تحادثني مرة أخرى. هيا الآن.
كفها الذي أشارت به جذبه هو في طرفة عين وهو يعتدل ليسحبها نحوه جالسة بجانبه مغمغمًا:
- أشش، هذا خطأ، لا تجدين الغضب وليس لائق عليك حبيبتي.
حاولت التملص من حصاره لكنه كان أقوى فما استطعت حتى تزحزح. وفجأة غامت عيناها على ملامحه القريبة جدًا فنظرت له بولة وثبتت حركتها. فقال آجار ناظرًا لعينيها:
- تبدين جميلة وأنت مطيعة. ثم يا فتاتي هل يستقبل أحد زائرًا هكذا؟ وخاصة أن كان هذا الزائر للتو جاء من سفر كاد فيه أن يهلك ولا يعود.
استعادت شراستها مع قوله فلكزت صدره بمرفقها وهي تصيح فيه:
- أيها المخادع من الذي جاء توا من السفر؟ أنت! هل تظنني أصدق أم سأغفر لك؟ لقد تجاهلتني كأنك لم تسمع منادتي وركضي خلفك كأني غير موجودة ونظرت إلي كأنك لا تعرف ماذا تسمى هذا يا كاذب.
تساءل آجار وعلامات الدهشة متجلية على ملامحه:
- هل تمزحين! متى حصل هذا؟ أقسم لك بأني عدت اليوم وجئت لأراك حتى قبل أن أستريح وأغير ملابسي فيما تهذين أنت بحق الله.
جزت منة على أسنانها غضبًا وكظمت غيظها مرددة:
- هل تمزحين! ولك عين تكذب علي أيضًا يا رجل، لقد تقابلنا في السوبر ماركت فإذا بك تشيح بوجهك وتتولى بجسدك كأنك لم تعرفني. وحين ناديتك لم تجيبني. وإذ ركضت خلفك وقاطعت طريقك زجرتني قائلًا بغلظة " هل أنت مجنونة".
ثم أشارت إلى نفسها متسائلة:
- هل أنا مجنونة في نظرك أم إنك أنت المجنون.
بدا شاردًا لم يسمع آخر كلامها.
عجبًا! وألف عجبًا! لم الجميع يعامله بغرابة.
لا غرو قد جنوا جميعًا فكيف يكون هنا وهو في مملكة ميليا يومئذ، تلك المملكة التي لو أخبر عنها أحد أو قص له ما حدث معه لظنه مجنونًا لا ريب وزجوا به في مستشفى الأمراض العقلية.
أخذ نفسًا عميقًا ووجد نفسه يمسك كفيها في حنو متمتمًا برفق وأعين لامعة بالصدق:
- بماذا أقسم لك بأني لم أعد من السفر إلا اليوم. ولا شك أنك قد سمعت عما حصل للطائرة التي كنت على متنها.
تلألأت عينيها بوميض القلق وهي تهتف في تلهف:
- نعم نعم صحيح! يا إلهي حين علمت بالخبر كدت أموت قلقًا عليك. أنت بخير أوليس كذلك؟ ما الذي جرى؟ كيف عدت؟
رد آجار عليها متبسمًا:
- لقد موت وعدت للحياة. ربما....
- ربما ماذا!
- ربما لأجل شخصًا جعل لحياتي معنى. وحين واجهني الموت علمت أن ذاك الغريب احتل قلبي من أول لقاء فجاهدت وصارعت كي أعود لها. لأجلك ... لأجلك فقط يا ذات العينين النجلاوين.
اتسعت عينيها في دهشة وذاغ بؤبؤها في تيهة وهي تردد مشدوهة:
- لأجل أنا! أنا عيناي واسعة.
قاطعها قائلًا بغمزة:
- وجميلة.
راقب تخبطها ووقوفها الغير متزن فمط ذراعيه قبل أن يضعهما أسفل رأسه وهو يقول بهدوء:
- أنا جائع. هلا أعددت شيئًا.
صرخت منة في وجهه فجأة في إسهاب جعله يسد أذنيه:
- أعد لك ماذا يا نور عيوني! وهل هذا منزل أمك؟ أين تظن نفسك! من أنت لأعد لك، ولماذا بالأساس تأكل عندي.
- ربما لأنك ستصبحين حبيبتي!.
قالها آجار ردًا عليها برفع حاجب، فأمسكت منة بذراعه ودفعته لينهض وهي تهدر في عنف:
- اخرج من منزلي الآن يا معتوه. يقول حبيبتي أحبك قرد يا هذا لن أصبح حبيبة واحد مثلك.
كاد أن يشاكسها ويجاريها إلا أن بصره ثبت لدقائق لما خلف الزجاج ليتراءى له عدة رجال تتخفى في البناية المقابلة ويسحبوا الزناد في وقت واحد على أهبة الاستعداد ليطلق عليهما. فبدون تفكير كان يصيح وهو يجذب رأسها لينبطحوا للأسفل جاثمين تزامنًا مع انطلاق الرصاص الذي اخترق الزجاج ومرت إحداهن من جوار رأسه لكنه تفاداها بمهارة وهو يحمي منه بكامل جسده، التي كانت تصرخ وهي تسد أذنيها وجسدها يرتعش وقلبها يرتجف. فردد آجار وهو يتصنع البكاء:
- يا هذا هل بهذه السرعة علمتم بعودتي؟ تبًا لكم من حسن حظكم أن سلاحي ليس معي يا أوغاد.
تحرك بها زاحفين إلى خلف الأريكة ومنة تصيح مولولة:
- ساموت، ساموت يا إلهي ما زلت صغيرة، ساموت في عز شبابي. يا الله يموت هذا الآجار وأنا لا.
نظر لها آجار بقرف وهو يدفعها عنه مع هدوء الأرجاء وتوقف الرصاص. فنهض في تؤدة ينظر من خلف الأريكة عبر الزجاج ليشاهد تساقط الرجال في طرفة عين وشاب واقف مرتديًا بذلة سمراء يوليه ظهره والمسدس في يده. ليتمتم آجار مزهولًا:
- آركان! أقسم بإنه هو لقد جاء أخي......
صار في ردهة منزله في وقار وهيبة تبعث المهابة في الأفئدة. من خلفه ثلاثة رجال أقوياء من ذو الشكيمة. عيناه غائمة بغضب لو نفر منهما لأصاب الأرض وما عليها. يغلي بداخله بنار لو تفقت لسرت فيمن حوله كالنار في الهشيم. دخل إلى غرفة مكتبه ورغم إنه كان مفتوحًا إحدى دلفتيه الكبار الضخمتين، فرتجف رجلان كانوا واقفين ناكسي الرؤوس، مرتجفي الأجساد، مرتعبي القلوب. فجأر هو بصوت رغم ارتفاعه إلا إنه كان هادئًا باردًا:
- أغبياء أقسم بأنكم حفنة من الأغبياء. أمر واحد شيء واحد وكلتكم به ففشلتم. لكن الخطأ خطأي ما كان يجب علي أن أوكله لأمثالكم. لقد كدت أفقد أخي يا أحمق بسببكما لولا وصولي في الوقت المناسب. وهذا الأمر الذي فشلتم فيه ستدفعوا ثمنه.
في لمح البصر كان يشهر سلاحه ساحبًا الزناد مطلقًا رصاصتين في قدم كل واحد، فصرختان ندت عن الرجلين في تألم وهم يسقطوا أرضًا. فصرخ في الباقين أن يخرجوا ويأخذوا المصابين معهم. فما أن أغلق الباب تهدل جسده وتنهد بقوة وهو مستندًا بكفيه على المكتب مائلًا للأمام ينظر بشرود غريب إلى الحائط يتمتم في نبرة جامدة إلا أنها نبأت عن حزن دفين يقبع بداخله:
- لا أحد يمكنه أن يأذي أختي. لا كان ولا عاش من يفكر حتى. سامحك الله يا أبي أنت من جعلت مني هذا الإنسان الذي أبغضه. سامحك الله وغفر لك.
استوى واقفًا ودار حول مكتبه وجلس خلفه واضعًا قدم فوق الأخرى في نزق وغنجهية. وتبسم بسمة مخيفة وهو يهمس:
- وداعًا لك ولنسلك أجمعه يا كارم ولمن يفكر أن يصيب أحد من عائلتي مكروه.
أسند رأسه للخلف مسبل العينين وبعد دقائق قلائل كانت ملامحه الجامدة تلين وبسمة جميلة تزين ثغره. تلك بسمة لا تخرج إلا في استحضار طيف حبيب غائب أو ... راحل.
وقد كان يستحضر طيف حبيبته الراحلة عن عالمه بسبب أعمال والده. "سيران" هذا كان اسمها! وهذا كان كل الرائع والجميل في حياته. كان الركن المزهر الذي يحلي أيامه. كانت كوكبًا دريًا في سمائه تشرقه بحضورها وتطفئه في غيابها. كانت حلمًا جميلًا وبقت حلمًا جميلًا سيظل يحلم به حتى الرمق الأخير.
لقد كانت ابنة السفير وهو كان حارسها الخاص لتموت. ماتت أمام عينه تمامًا وهو مكبل اليدين والقدمين. ونازف القلب وهي تناجيه وهو لا حول له ولا قوة ساقطًا أرضًا من أثر ضربة مباغتة أطاحت بكيانه ليكون الشاهد على موتها أمام عيناي قلبه المتقرحتين حزنًا ووجعًا.
فتح عينيه فجأة لاهثًا وهو ينظر حوله كالضائع. عيناه جابت المكتب في نظرة سريعة كأنه يخشى أن يرى موتها أمامه مرة أخرى. ذاك المشهد الذي ثقب روحه بثقوب بالغة وترك ندوبًا مؤلمة لا تزول.
" السفاح " اسم سيظل مدى الأبد مقرونًا بموت حورية قلبه التي فرقت بهما الدنيا قبل اللقاء في الحلال. اسم اقتلع منه قلبه دون ذرة رحمة ودون أي سبب. اسم سيبقى محفورًا أمام عينيه يؤرق نومه حتى يعذب إلى الممات ولا ينسى ذاك الاسم. كم يشتاق إلى النوم سالمًا دون أحزان تحيي الندوب وتوقظ الألم. اسم أخذ منه حياته وفرحته ومهجة قلبه وذرة منزوع النفس. منزوع الحياة. منزوع القلب فقد أخمد نبضه.
مسح دمعة فرت من عينيه سريعًا. القلوب قبور يتوارى بداخلها مشاعر الإنسان الحقيقة وليس تلك المزيفة.
القلوب بيبان أُغلقت مفاتيحها في واحة النسيان لو فُتحت لفضح صحاب هذه القلوب.
والروح كالحفرة تُلقى مهما تُلقى الحياة لا تقذف من داخلها ولا تشتكى مهما فاض ما يُلقى.
رواية جحر الشيطان الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندي ممدوح
فرحته في تلك اللحظة لا تعادلها أية فرحةٌ في الوجود.
وحق له أن يفرح، عائلته بجانبه فخورة بنجاحه، وإن كان بغير معنى، غير مهم، وإن كان تافهًا يظنه البعض، ففي قرارةُ نفسه يعلم إنه أكثر الناس حظًا.
ألقى نظرة سريعة تجاه "ملك" التي لوحت له بوجهُا أبلج، فـ أزداد حماسه وخرج من الملعب ليلتقي بفريقه.
راح يمسح العرق عن وجهه ورقبته بمشفة صغيرة.
ومع بداية الشوط الثاني، كان يتأهب راكضًا إلى الملعب وهو يحرك رأسه يمنه ويسر، وانخرط في اللعب.
الذي دام لـ 45 دقيقة، أنبلجت عن فوزه هو وفريقه.
فـ انطلقت صيحات الفرح من الأفواه.
وتقدم مالك راكضّا يهنئه بكل فخر وسعادة.
وعانق الفتيات بعضهما.
وبعدما أستلم الجائزة برفقة فريقة ومدربه، أقبل "مُعاذ" من الفتيات.
فـ حضنته "لمياء" وهي تهنئه.
وهنأه باقي الفتيات.
فقال متبسمًا:
- هغير هدومي وهعزمكم انهاردة، إشطا؟
- إشطاط.
قالتها الفتيات جملةّ واحدة.
فـ ضحك معاذ متمتمّا:
- مصطحلجية.
قضوا وقتًا لطيف سويًا حتى عادوا جميعهم المنزل وتفرقن.
إستمع معاذ طرقٍ على باب غرفته.
فـ أذن للطارق.
فـ ظهرت لمياء ممسكة بهدية متبرُزة ودلفت قائلة:
- في حد باعت لك هدية معايا!
- مين؟
بمكر همست لمياء متلاعبة:
- احذر كدا!
اعتدل معاذ في جلسته وسئل في ترقب:
- ملك؟!
فـ غمزة له لمياء وهي تمد له الهدية الملفوفة قائلة:
- ايون هي.
تناولها منها معاذ في لهفة وطردها من غرفته.
فـ خرجت ساخطة وهي تتمتم بكلماتٍ غير مفهومة.
حملق في الهدية بمشاعر متضاربة ما بين اللهفة والزهول.
ملك .. أرسلت له هدية!
وبين يديه الآن!
إن مات من شدة فرحته فلا يلومه احد!
هل يمكن للشخص أن يموت من الفرحة!؟
نعم يُمكن حين تبلغ السعادة لذروتها ويخفق القلب دون هوادة.
شرع يفك الربطة بدقات قلبٌ متسارعة يخامرها التوتر.
شهق ما أن تراءت له لوحة مرسومًا هو بداخلها بملابس هوايته المفضلة السروال القصير والتشرت ذو النصف كُم، يقف على ارضية الملعب ذو اللون الأخضر وأسفل قدمه اليمنه الكورة ذات الون الأبيض والأسود.
يقسم ان الرسمة قد خطفت قلبه من إبداع تصميمها، وكإنه فجاة تجسد في اللوحة أمامه.
أنامله تلقائيًا راحت تتلامس اللوحة التي رُسمت بأناملها.
هل احب اللوحة لأنه مرسومًا بها، أم لأن أناملها خُطت عليها.
دقق النظر وهو يرفع اللوحة إلى وجهه لعبارة قد كُتبت في أعلاها لا تتراءى إلا عن قُرب:
" هو شخصٌ جعلني أحبُ تلك البلايا إن كان هو عوضها، وجبرها.
شخصٌ جعلني أحبُ نفسي لإني آراها في عينيه على هيئة ملاك.
شخصٌ يفهمني حين لا افهمُ نفسي.
شخصٌ لا يخذلني وإن خذلتُ نفسي وخذلني الجميع "
رفرفت أهدابه في مشاعر شتى وهو يعيد قراءة الكلمات بتواتر جم.
عوضها وجبرها .. هو.
أما إنه يقرأ خطئ وثمة شيء لا يفهمه.
ملك حبيبة القلب تعتبره عوضها وجبرها؟
تبسم في سعادة وشرود وتسائل في نفسه " لماذا كتبت الكلمات بحروفٌ باهتة ولو إنه لا يهتم بها وكل تفاصيلها لم استرعت انتباهه!
تردد أن يكلمها حتى حسم الأمر وأمسك الهاتف ليدخل على تطبيق ( الواتساب ).
وقبل أن يراسالها، ذهب إلى الحالة فدق قلبه طبولًا وهو يرى حاله لها توًا قد شيرتها.
فضغط عليها ليرآها.
وفي نهم كانت عيناه تأكل الكلمات آكلًا إذ كانت:
" حبيبًا هو رغمًا عن قلبي وروحي و وجداني، رغمًا عن العالم ونفسي والجميع يبقى ملاذي الآمان، وملجأي الذي لا يخيب، وسندي الذي لا ينكسر ولا يغيب، يبقى أبي الثاني وحبي الوحيد وأكثر من يعلم بيّ، هو؟ هو الحياة التي لا تحلو إلا به "
لا إراديًا وجد اصابعه ترد على الحالة مرسلًا:
- مين ده
وقد كانت متصلة لتتفاجأ بإشعار رسالته الذي جعل وجيب قلبها يذادد والدهشة تحتل ملامحها.
هذه اول مرة يرسل لها!
ألم تعجبه اللوحة؟
لترد على رسالته مجيبة بمراوغة:
- عادي مجرد خاطرة راودتني!
فـ رد دون اقتناع:
- والله!؟
- عجبتك الهدية؟
سئلت في ترقب واهتمام.
فـ شرد لمدة قصيرة متبسمًا وهو يردد كلماتها التي حفظها وحُفرت في قلبه.
حين طال انتظاره توجست خفية فـ عبثت اناملها الرقيقة مرسلةً له بدمعتين تترقرقيين في عينيها:
- معحبتكش؟
استلقى على الفراش في نشوة وهو يُرسل لها ببريق ضوى في عينيه:
- عجبتني! أي حاجة منك بتعجبني أصلًا فما بالك بهدية تصممت من أيدك وسهرت عليها عينك وقدمها قلبك بس سؤال مهم ....
ارسل رسالته وتعمد ان يتركها دون تتمة فحين فاض بها الانتظار كتبتهاا.
- سؤال إي؟
- أنا عوضك وجبرك؟
أرسلها في تعجل حتى لا يتردد.
فـ إذا بها تتسع عينيها وهي تقرأها في صدمة.
كيف له ان يقرأ ما كتبت وهي قد تعمدت كتابتها بطريقة غير مقرؤه؟
لكنها التزمت الصمت لردحًا من الزمن تحدق في الرسالة مبهوتة.
واخيرًا ارسلت منهية الموضوع وهي تدعوا بإن يكون خرج من الشات:
- طولت الكلام معاك مينفعش هروح اشوف البنات عشان بنروق الشقة عشان خالوا انس جاي.
امنيتها ذهبت ادراج الريح وهو يقرأ الرسالة فور وصولها وظهر لها ( يكتب).
فتحرجت ان تخرج من الشات قبل ان تعلم ما يكتبه.
فـ ما هي إلا دقائق و وصلت رسالة التي كانت عبارة عن:
- مش عاوزة تجاوبي؟ تمام .. روحي دلوقتي بس هعرف!
أغلقت جوالها فورًا والحزن ظلل عينيها ودمعتين سالتين على وجهها بكل الم يعتمل صدرها.
مقهورة هي مقهورة حقًا وذكرى أليمة لا بُد منها ولا فرار مارت في قلبها.
لحظات قلائل وكانت تستعيد رباطة جآشها وتزيح دمعاتها مبتسمة كأنها لا تحمل همًا.
لكن القلوب فيها ما لا يُرى بالعين.
كان ما ظل ممسك هاتفه لم يخرج من الشات على امل ان تجيبه.
فـ زفر زفرة عميقة في بطئءٍ وهدوءٍ.
أخرجت ما يعتمل صدره من توتر وضيق.
خرج أخيرًا ليجد حالة منها جديدًا للتو شُيرت.
فـ فتحها دون تأنى فـ إذا بها كلماتٌ حزينة أوجعت قلبه وأذاقتهُ مرارة ألمها.
" لقد دُفن فؤادي وما به من كل جميلٌ ورائع، من كل الأفراح والأتراح، لم بتبقى ليّ إلا الوجع فلما الحلم؟ فـ الأحلام لا تتحقق لا ضير لقد تعودت أهلًا بالأحزان أهلًا للجحيم الآتي سأستقبله بكل رحب عسى الله يرحمني من العذاب الآتي "
عذاب آتي؟ جحيم قادم؟
ماذا تقصد تلك البلهاء؟
تبًا للحواجز التي بُنت بينهما فلم يعد قريبًا منها كما كانوا وهم صغار.
حبيبته تتألم من امر لا يعلمه!
ملاكه تتوجع وهو لن يسمح بهذا!
ملاك قلبه تلك الساكنة في فؤاده يحيطها بعينيه لا يمكن أن تتوجع وهو يشاهد.
سيمتص كل الأوجاع أن حاولت التقرب منها سيحملها هو لكن محال أن يستطع رؤياها تتوجع.
🍃 سبحان الله وبحمده 🍃
- هتفضلي ساكتة
قالها حمزة مترقبًا وهو ينظر إلى أروى في أهتمام التي لم ترفع نظرها إليه وهما جالسان بمفردهما بعد خروج الجميع.
خطفت إليه نظرة سريعة في استحياء واسبلت جفنيها وهي ترد في توتر:
- هقول إيه؟
ضحك حمزة ضحكة خافتة للغاية وهمس في مرح:
- تصدقي ولا أنا مش عارف اقول ايه، تقريبًا أنتِ عارفة عني كل حاجة.. وكذلك أنا، نكتب الكتاب على طول عشان نبقى على راحتنا وكمان مش مهمة الخطبة.. قُلتِ إيه؟
- نعم؟!
قالتها أروى في استنكار بائن.
فـ هز حمزة رأسه قائلًا:
- أنتِ رافضة؟
- ايوه!
- ليه؟ أنا مش شايف إننا بحاجة لفترة خطبة، نكتب الكتاب صدقيني أفضل عشان نقرب من بعض نقعد براحتنا ونتكلم براحتنا ونخرج بردوا، يعني فكري فيها كدا!
شردت أروى ببصرها عنه واحترم هو شرودها فما تكلم.
حتى ألتفتت له برأسها قائلة ببسمة واسعة:
- موافقة.
- قولي والله؟
ضحكت اروى ضحكة خافتة مستترة بين كفها ولم تعلق.
فـ صاح في مرح وسعادة:
- خلاص يعني نحدد كتب الكتاب بالمرة، مش مصدق هتبقي مراتِ.
زاغت بصرها في خجل والبسمة تبزغ على شفتاها وتلجلج صدرها في سعادة متوارية.
كل ما يحدث ما زالت تظنه حلمًا جميلًا تخشى الاستيقاظ منه!
جلوس حمزة بجوارها تحسه وهمًا سيغدا سرابًا!
تقافز دقات قلبها في صدرها هو الشيء الصادق في تلك اللحظة.
من شدة خجلها وتوتر جسدها جعلها تهمس لُه هربًا حين ساد الصمت بينهما:
- نخرج ليهم؟
اومأ برأسه وسبقها للخارج وتبعته.
وبعد قراءة الفاتحة والنظرات المختلسة بينهما تحمحم عثمان يجلي حنجرته، وقال وبصره على حذيفة:
- طب بما ان فرحتنا انهاردة متتوصفش بعيالنا في أي رأيك يا حذيفة نخليها فرحتين.
ضيق حذيفة عينيه في ترقب.
فـ واصل عثمان:
- أنا بطلب ايد بنتك ملك لـ ابني معاذ ... طبعًا بكامل موافقتك يا بنتي!
قال آخر جملته مصرفًا بصره بحنان أب نحو ملك التي ترقرقت عينيها بالدموع وهي تهب واقفة تلجم صيحات السعادة من الأفواه وتيبس وجه معاذ الذي كان في ذروة سعادته.
راحت تهز رأسها في جنون ورفضًا تام وهي تؤشر بكفيها بالرفض.
فـ غضب حذيفة و وثب صائحًا فيها.
لكن معاذ رغم صدمته حال بينهما لتركض هي من امام الجميع باكية بحرقة ليتبعها الفتيات للأعلى.
ويعتذر حذيفة بكل آسف من عثمان ومعاذ الذي قال ببسمة باهتة وكلام رجراج:
- لا، لا محصلش حاجة يا عمي متتأسفش، الجواز مش غصب، هي، هي مغلطتش عن اذنكم.
نهض فجأة مغادرًا المكان فـ لحق به الشباب.
وبقا الصمت سائد بين الكبار لفترة طويلة من الصدمة.
فـ الجميع كان متيقن من موافقة ملك التي كانت صادمة.
الهواء نفذ من حوله فجأة فراح يلهث وهو يقف معطيًا ظهره للجميع واضعًا كفيه في خصره مسبلًا جفنيه على عينيه المتألمة.
المصدومة.
الموجوعة.
مصدومًا من رفضها الذي ترك ندبة قي قلبه لن تبرأ.
لا يصدق أنها نبذته بتلك الطريقة!
كانت تبكي وكأنه جحيم سيحل عليها!
فما الذي حصل لها بكى قلبه بحرقة ولم تبكي عيناه.
كم مؤلم أن تظن في احد شيئًا فيصدمك بعكسه!
مؤلم لحد الوجع، ذاك الوجع الذي لا تفسره كلمات، فقط القلب يبقى متعبًا مرهقًا مهلكًا.
انحني فجأة بجزعه مسندًا بكفيه على ركبتيه يلتقط أنفاسه بخنقه يشعر بشيء كالحنظل عالق بحلقة يمنع الهواء عن رأئتيه.
تبادل الشباب نظره حزينه بينهما على حاله.
فـ وضع مالك كفه على ظهره وقد هربت الأحرف من فاهُ.
فـ اعتدل معاذ مستديرًا إليهم يهز رأسه مع قوله بكل حزن:
- أنا كويس مفيش حاجة.
زواغ عينيه كان ينبئ بنوابة بكاء احتاجته.
فسارع خالد بضمه بقوه وهو يربط على ظهره يؤازره بصمت.
فـ ما نفع الكلام لقلبٌ كليل مكدودّ مكلوم.
وفي اللحظة الثانية كان مالك يضمها ثم حمزة طوقهم بذراعيه.
لا احد يعلم كم بقوا على حالهم حتى ابتعد معاذ وقال في مرح مصتنع:
- والله مشفت فقر افقر مننا في الفرح نحزن والحزن نحزن بردوا، يا جدعان انهاردة مش اي يوم دي خطبة حمزة واروى مش اي حد.
انهى قوله مع فعله بحمل حمزة على كتفه.
فـ صاح حمزة مزهولًا من فعلته.
وفي اللحظة الثانية كان خالد يسرع إلى الطاولة ليجلس وهو يدق عليها بكفيه في تناغم.
ودندن مالك وتحرك معاذ بـ حمزة ضاحكين.
وهكذا غلبت فرحتهم حزنهم.
وفي الأعلى غشى الجميع القلق على ملك التي اوصدت الباب وراءها ولا احد يدري ما حل بها.
كان يومٍ عجيبًا حزينًا رغم الفرح الذي مر به.
كسر قلب معاذ امام الجميع كانت مؤلمة.
ملك المتشحة بالحزن مغلفة بالوحدة في دوامتها لا احد يعلم ما بها وما حل بقلبها.
كان هنالك بصيصٌ من فرح لرابط حمزة وأروى الجديد.
كان كفيلًا ببث الأمل بقلوب الجميع.
🍃 سبحان الله العظيم 🍃
دلفت منة إلى الجريدة التي تعمل فيها مندهشة من الهمسات الدائرة في فريق العمل كل مضمونها عن المدير الجديد.
فـ عدلت من خصلات شعرها خلف ظهرها وهي تهتف في استنكار مع جلوسها خلف مكتبها الصغير:
- ماذا؟ عن اي مدير جديد تتحدثون؟ ومن يكون هذا؟ وكيف لا نملك خبر عما حدث والتغير المفاجأ هذا!
فـ رد عليها زميل لها وهو يقترب من مكتبها:
- ليس كما فهمتي المدير نفسه سيبقى كما هو مع تغير بسيط في شخص اخر سيتولى الإدارة وقد اشترى الجريدة بما فيها.
فـ نهضت منة ضاربة المكتب بقبضتها مع هاتفها الحاد الساخر:
- بما تهذي يا رجل بحق الله، هل هذا كلام يستوعبه عقل؟
- ولمَ لا يستوعبه عقل؟
مهلًا، إنها تعلم ماهية هذا الصوت!
تعلم لمن هذه النبرة العابثة!
تعلم من هذا الذي يحوم حولها منذ ظهورها أمامه!
لكن هيهات إن ظن أنها ستخضع لالعابة القذرة.
رفعت رأسها في حدة ليغمز لها آجار في عبث ماكر، بينما وقف زملائها احترامًا له.
وقبل أن تتفوه بحرفٍ بادر هو قائلًا لها بنبرة بعثت التوجس في نفسها من شدة غلظتها وخشونتها:
- الحقي بيّ يا آنسة منة اريدك في مكتبي الآن لأعلمك كيف تتطاولين على مديرك.
قالها وانصرف في خطوات مهيبة وقد لاقت به البذلة السوداء كثيرًا فـ زادته جمالًا و وقارًا وجذابيه.
سيفقدها عقلها هذا الـ آجار ذات يوم.
لماذا يخيفها بهيمنته تلك؟!
دلفت وراءه المكتب وقبل ان تبدأ في ثرثرتها بادرها هو قائلًا:
- اغلقي الباب خلفك يا حلوة.
حلوة!!
هل يظنها نوعًا من الحلوة يود تذوقه هذا الأبله؟
رددتها ساخرة في نفسها وهي تغلق الباب كاتمة غيظة بداخلها.
لكنه لم يدوم إذ انفجرت فيه وهي تتقدم إليه:
- مـــــــــــاذا تريد مني؟ لماذا تلحق بيّ؟! اخبرني هيا ماذا توده … اسمعك.
قالت آخر ما قالت وهي تعقد ذراعيها في غضب يتأجج بمقلتيها.
فـ في برود وتللذ عاد آجار بظهره لظهر المقعد وهو يهمس ببرود راعها:
- يروق ليّ كثيرًا شراستك يا حبيبتي.
- أحبك صرصورٍ يا معتوه.
غمز لها آجار في إستمتاع قائلًا وهو يميل بجذعه مكتفًا ذراعيه على الطاولة:
- هذا المعتوه احبك يا صرصوري.
ثُم احتدت نظراته فجأة وتوقدت حدقتيه بغضب وهو يقول بلكنةً تهديد لا تمت للمرح او للحنان بصلة:
- منة الزمي حدودك معي! انا لا اضمن نفسي حين افقد اعصابي! وما يشفع لكِ عندي ...
ترك مقالته معلقة بتعمد لدقيقة ريثما أشار بسبابته لموضع قلبه هامسًا بصدق لامسها:
- هذا ... هذا هو ما يشفع لكِ هذا، هذا القلب الذي لم يُفتح ابوابه يومًا لإيًا كان سواكِ، فتح ابوابه لكِ يا منة ولا اريدك ان تري غضبي ولا تستفزني فأنتِ ما تدري هذا التغيير الذي طرأ على حياتي منذُ دخولك فيها، أنا لم اعد انا، أحادثك بذاك القلب وليس كـ آجار، وهذا ما لم يتجاوزه احد قبلك ولن يكون بعدك.
بكفيها إستندت منة على المكتب تميل بوجهها على وجهه وقالت:
- إذن تخبرني إني ليّ مكانًا بقلبك؟
- هذا إن لم يكن لكِ كله.
عاد آجار بظهره للخلف عاقدًا ذراعيه و واضعًا قدم فوق الأخرى دون رد سوا من حرب عيون دارت بينهما قبل أن يقوم ليدور إليها.
وفجأة جذبها من ذراعها بحدة مع هتافه الحاد:
- اول البارحة هل تعلمين ما الذي أوقعتِ نفسكِ فيهِ يا ذاتِ المصائب، هل تعلمين من الذي قومتِ بتصويره غدًا وكتبتي مقال اساء سمعته أم انك بلهاء.
نزعت ذراعها عنه تدلكة بـ آهة خافتة، ونظرت له نظرة متحدية وهي تقول بنبرة شراسة:
- ما دخلك فيما أعمل! هذا عملي وانا مسؤلة به .. حسنًا.
مالت نبرتها للرجاء مع استطرادها:
- اتركني وشأني بالله عليك.
اذرد آجار غصة بحلقة وقال بنبرة مبهمة نبئت عن حزن دفين يغلف كلماته:
- يا ليتني استطيع.
وهتف فيها بنبرة آمره:
- من اليوم لن تذهبي لتصوير اي اشتباكات، أو تكتبي مقالات عن شخصيات قد تأذيكِ، وللعلم من كتبتي عنه اول البارحة لن يتركك لكني له لبالمرصاد.
صمت للحظة ونظر لها بصدق ناسب قوله بحنو:
- منة لا أفرض سيرتي عليكِ كل ما اريده ان احميكِ من كل ما يؤذيكِ ولا تسئليني لماذا قد افعل ذلك.
- إذن أصدقاء؟ ما رأيك ان نفتح صفحة جديدة؟ وسأنسى كيف عاملتني ذاك اليوم في السوبر ماركت.
قاطعة منة قوله باقتراحها فلم يتردد وهو يعتصر كفها في كفه الضخم و أكملا يومهما هي غارقة في العمل وهو مراقبتها حتى جاء نهاية اليوم ومعه نهاية يوم العمل ليعرض عليها أن يوصلها فوافقت بكل سعة.
فتحت باب السيارة لتجلس بجانبه تثرثر كالعاده وهو يستمع بكل حب وللعجب لم يشعر بالملل معها، بل كانت بسمتة رائعة ترتسم على شفتاه، بسمة خرجت من صميمُ القلب من ذاك الجزء الذي انارته وسكنته دون إذن وهو صاحب الدار، ورغم انها اقتحمته دون أذنه كان سعيدًا بهذا الاقتحام الذي اعاد له جزءًا من نفسه.
تلك البسمة التي تشرق القلب بنظرة جميلة لا تفسره منبعها من القلب ليست زائفة.
- لم تخبرني شيئا عنك وأنا قد أخبرتك بكل شيء...
ليس الآن وليس اليوم وليس في الأيام القادمة هو عن نفسه لا يريدها أن تدرك حقيقته ابدًا لكن حتمًا يومٍ ما سيتحلى بالشجاعة ويخبرها، فلتبقى بعيدة عن حياته.
بعيدة! وهكذا يبعدها عنه!
وماذا يفعل وقلبه يتحكم به ولا يستطع صبرًا على هجرها!
هكذا قاطعة شروده الحالم بقولها وقد كانت اخبرتها عن عائلتها والدتها مصرية وتوفت حين مولدها وقبل عام .. عام واحد فقط رحل آخر من كان لها وذهب والدها بسبب احدى الرجال الكبار الذين خاضت في البحث وراءه و وراء جرائمه ليجعلها تدفع الثمن وتبقى يتيمة، هذا اليوم الذي عادت فيه من عملها لتجد والدها بالمنزل يستحيل رمادًا ومن يومها لم تهنأ بفرح او حب او اهتمام أحد تيتمت نعم .. وكم مؤلم أن يفقد الأنسان كل ما له في طرفة عين.
- لا ارحب أن تعرفي شيء عن عائلتي وعني الآن دعي الامور تسير كما ميسر لها.
هكذا راوغها هاربًا من المصارحة.
فليبقى في نظرها رجل الأعمال ذو العائلة المرموقة وكفى!
لا يريد شيئًا أخر أليس أفضل أن يسقط من نظرها؟
التستر خلف قناع الاحترام هيبة لا يود فقدها في نظرها ابدًا.
لقد أصبحت الجزء النظيف في حياته ولا يبغى تدنيسه بجرائمه وحياته.
ومن مرآة سيارته لمح سيارة تلحق به كان قد ظنها في بادئ الأمر مصادفة لكن السيارة تتبعه منذُ مغادرة مقر عمل منة.
بدا الأمر مريعًا لـ مِنة التي اتسعت عينيها وهي تلاحظ شرود آجار في السيارة التي خلفهم.
فنظرت له قائلة بنبرة جزع:
- ما هذا هل هذه السيارة تتبعنا!
لم تحصل على رد وراقبت تعابير آجار التي استحالت إلى غضب أعمى وهو ينعطف بالسيارة لطريق جانبي خالي نوعًا ما من السيارات.
فـ حادت ببصرها للوراء تراقب السيارة بقلبٌ مرتعب وعينين مثقلتين بالقلق.
احتكاك السيارة بالأسفلت و وقوفها المفاجأة الذي جعلها ترتج للأمام والخلف نبئها عن أمر جلل.
فما رفعت رأسها حتى أبصرت سيارة تسدُ طريقهما تقف بالعرض.
فنقلت بصرها إلى آجار الذي كان يُخرج سلاحًا من خاصرته ويسحب الزناد وهو يهتف بنبرة آمرة حازمة:
- لا تخرجي من السيارة مهما حدث.
خبأ السلاح في خصره مجددًا بعدما هيأه للطلق في أيةً لحظة وترجل من السيارة يرمق السيارات التي بدأ يخرج منهما رجالٌ يتقدمن إليه.
فهز رأسه يمنه ويسر وهو يغلق الباب بقدمه ويتجه إلى رجال السيارة التي سدت طريقه و وقف أمام احدهم كان يتقدم وبدا إنه الآمار الناهي عليهم.
دقائق مرت وهما ينظرا لبعضهما بصمت، حتى أشار الرجل برأسه نحو سيارة آجار مع قوله بنبرة لم تخلوُ من الاحترام:
- اعذرني سيد آجار على وقوفي في طريقك لكن ... لكن الفتاة نحتاجها بأمر من السيد جاك.
وطلبه بقى معلقًا لدقائق كأنه لم يتفوه.
وما كاد أن يعيد حديثه حتى حرك آجار كفيه مشبكًا إياهما خلف ظهره وضيق عينيه مع سؤاله:
- ولماذا يريدها السيد جاك؟
أطرق الشاب رأسه لبرهة قبل أن يرفعها قائلًا:
- ماذا نفعل بمن يتعد علينا ويحوم حول عملنا برأيك؟!
أنت أكثر من يعلم ذلك سيد آجار!
فـ حك آجار جبهته بإبهامه وسبابته وتنحى جانبًا وهو يبسط كفه له ليتقدم قائلًا:
- إذًا لكَ هذا خذها من داخل السيارة.
تحرك الشاب وما كاد ان يتجاوزه إذ وضع آجار قدمه أمامه على غفلة ليتعثر الشاب ساقطًا على وجهه.
وفي ذاتِ اللحظة كان يشهر آجار سلاحه مطلقًا على باقي الرجال في طرفة عين.
وقدمه جاثمة فوق ظهر الشاب الواقع.
انحنى آجار متفاضيًا رصاصة مرقت من جوار أذنه جائته من الجانب الأيسر من ثلث رجال يهرعن نحوه.
فـ قفز للخلف منقلبًا بجسده يدور به دورة كاملة وهو يختبئ منهم وقد ادرك أن سلاحه قد أنهى ذخيرته.
فضربه على الأرض في غيظ وهو يشرائب برأسه ليرمق احدهما يتقدم نحوه والآخر من الخلف والثالث يطمئن على الشاب الذي اوقعه.
فوثب واقفًا في تلك الأثناء الذي وجه له الشاب لكمة ليمسك قبضته عاصرًا إياها ويلوي ذراعه ويرجع رأسه للخلف قبل ان تهوى على جبهة الشاب عدت مرات ليسقط ارضًا.
رصاصة اخرى دوت في المكان لم تصب هدفها بفضل منى التي فتحت باب السيارة ليخبط في الشاب وتعاجله بحقيبتها على وجهه.
فـ اسرع آجار ليبعدها ويركل الشاب ويبرحه ضربًا.
- ما تفعله خاطئ يا سيد آجار وانت تعلم هذا!؟
أنت تفتح ابواب الجحيم علينا جميغًا.
- فلتنفتح إذًا.
قالها آجار وهو يندفع للشاب الذي لكمة لكمة قوية في جانب وجهه فردها له.
لم يكن الشاب أقل منه مصارعة وبراعة لذا كانت المعركة الدائرة بينهما شرسة يرد كلاً منهم الضربة للآخر.
حتى سقط آجار ارضًا ونهض مقلبًا كفيه عن الغبار ومسح الدم من وجهه ورمق منة التي كانت تبكي بـ بأرتجاف قبل ان يستدير للشاب الذي قال في أسف:
- أنت من بدأت يا سيد آجار ... لذا......
اندفع يود لكمة لكن آجار انخفض بجذعة لتضرب قبضته الهواء.
ومع انحناء آجار كان يمسكه من كتفيه رافعًا ركبته لتهوى في معدته اتبعها بـ لكمة على عينيه لتتشوش رؤيته ودفعه الشاب تلقائيًا بقدمه.
فـ دار آجار حول نفسه قبل ان يلكمه في وجهه على السيارة.
وقبل ان ينهار كان يثبت جسده وانهار عليه لكمًا وهو يجأر في شراهة:
- وانا ايضًا لم اود قتلك أنت من أيقظ ثورتي فوجب عليك تلقيها وذاك الذي فر هاربًا ليخبر سيده حسابه معي عسير.
أنهى عبارته تاركًا إياه ليسقط.
فـ مسح كفه بوجهه وهو يدنو إلى منة قائلًا:
- أنتِ بخير؟
سؤاله لم يكن له معنى فهي لست بخير جسدها ينتفض، ودموعها كالشلال على وجهها.
فتنهد بضيق وهو يقترب ساحبًا إياها إليه يطوقها بحماية يكتم شهقاتها في صدره.
لقد بدت كطفلةً صغيرةٍ تائهة ضائعة والأقسى يتيمة.
وهو راقه أن يكون الأب الذي يحتويها ويطوقها ويحميها بكل حُب.
دموعها ورجفة كلماتها كانت تكوي قلبه كيًا.
وتحرق روحه حرقًا.
فود لو أن يزيح دمعها بقبلاته، ويمتص خوفها إليه.
أراد وبشدة أن يضعها بكل حذر داخل فؤاده ويغلق عليها ببان قلبه أو تظل دائماً بين ذراعيه هكذا.
طفقت منة تهذي بكلماتٍ غير مفهومة:
- أنا خائفة سيقتلوني الآن أنت أنقذتني من سينقذني منهم في المرة القادمة اريد أن أريد ان اموت.
وتمنيها أشعل لهيب خوفه الذي أسكنه وهو يرفع رأسها بحده ليقبلها كأنها يردعها عما تتمنى!
او انه يثبت إليها أنها له ملكه ولن يتركها ترحل وان ارادت.
لماذا كلمة الموت ادمت قلبه وأصابته بالرعب والجزع؟
هذه الكلمة مخيفة حقًا .. مخيفة لغير المستعد لها.
شُل جسد منة من فعلته وتسمر ذراعيها بجانبها تاركة جذعه.
فـ ابتعد هو أيضًا مصدومًا مما فعل وتقهقر للخلف خطوة.
همست منة اخيرًا بعينين تكاد تخرج من محجريهما:
- ما الذي فعلته!
- أحبك، هل سبق وان اخبرتك قبلًا؟
هكذا قال آجار قبل أن ينظر إليها مغمغمًا:
- أوه، لقد علمت كيف اكبح ثرثرتك ودموعك حبيبتي.
بقت على حالها بينما تابع هو في مرح:
- اقسم لكِ يا فتاة أنك تصبين الشخص بالصم من ثرثرتك.. آه ليكن لديكِ علمًا من الآن ستعيشين معي في بيتي.
يانفرجت شفتاها لتتكلم فعادت تطبقهما في زهول ذاك الأبله.
ما به يتحدث بـ اريحية كأن ما حدث لم يحدث؟
بينما استأنف آجار:
- انا لا اعيش وحدي مع أختي وأخي سيتزوج قريبًا لو تعلمين!
وكيف لكِ ان تعلمي بالأساس؟
من الآن لن اتخلى عنك سأكون لكِ الظلُ الحارس.
لانت نبرته وهو يردف وعيناه تبرق بوعد صادق لامس روحها:
- اعتبري إنه من اليوم أنتِ لستِ وحيدة لأني موجود سأكون لكِ كل ما تريدين وسأحميكِ من كل أذى من اليوم وأنتِ .... قطعة من قلبي، القطعة التي لا اسمح لأحد المساس بها لأن في أذيتها نهايتي وموتي وفقدي لروحي.
أسبل جفنيه عن عيناه التي تفضح ما بقلبه قبل أن يفتحهما ليمسك كفها ويفتح لها باب السيارة لتصعد ويصعد بجانبها.
ومر الطريق بصمت تام حتى توقفت السيارة أمام بيته وترجلا داخلين للداخل لترحب بها هنا وتستقبلها اروع استقبال وهي سعيدة بوجود فتاة ستشارك معها يومها وأيامها.
وبعدما أدخلتها لاحدى الغرف واطمئنت عليها عادت إلى آجار الجالس في شرود ضامم إحدى الوسائد لصدره.
فجلست بجانبه وتساءلت متعجبة:
- هذه حبيبتك؟ كم حبيبة لديك يا آجار بحق الله وناردين يا بني اين ذهبت؟ لم اعهدك هكذا قبلًا ما الذي حل بك؟! منذُ متى وانت تسمح لقلبك ان يحب جميع من عرفتهن كانوا مجرد لحظات عابرة في آحدى الملاهي ما جرى لك يا اخي؟
نظر لها آجار نظرة عميقة قبل أن يتسائل بالامبالاة:
- من ناردين؟!
ضربة هنا جبينها في كفها وهي تهتف في استنكار:
- من ماذا يا حبة عيني؟ ناردين تلك التي كدت تموت من أجلها في المستشفى حتى ظننتها زوجتك وأنت تخبي علينا.
رفع آجار قدمه اليسرى لعقدها أسفله وهو يلفت لها مردفًا:
- ما بكِ يا هنا هلا اخبرتيني؟
أظنك بحاجة لطبيب نفسي هذه الأيام.
فتارة تظني إني كنت معك بينما انا غائب!
وتارة تقرنين بيّ حبيبة لا اعلم من تكون.
جزت هنا شفتيها بغيظ ولم تعلق.
و ونهضت ضاربة قدمها في قدمه اليمنى وهي تبتعد.
🍃 سبحان الله العظيم وبحمده🍃
جلست "منة" على ارجوحة في حديقة منزل آجار وهي تشعر بالغربة وكم تمنت أن تعود لبيتها الذي يحوى رائحة والدها.
هذا العبق والله كفيل لجعلها تطمئن.
جدران البيت تبثُ لها ذكريات الأمان فيسكن خوفها.
لكن الأمان الآن يتمثل في آجار فقط.
تبًا لهذا الحب لأنه ينساب بنعومة إلى القلب فيحتلها.
لماذا تشعر بالوحشة وأن رأته تُسعد وتُسر.
وجوده يكون امانًا وغيابه خوفًا.
- هلا أوقفتِ التفكير بيّ قليلًٕا فـ أنتِ تُشغليني.
تنبهت لصوت آجار أعقبه جلوسه بجانبها وسئلها في اهتمام:
- مرتاحة هُنا ؟ هل ينقصك اي شيء؟
هزت رأسها واردفت شاردة:
- انا لن ابقى هنا طويلًا أليس كذلك؟ بالأخير أنا لست محبوسة!
حدجها آجار بنظره لم تفهمها قبل أن يُحرك الأرجوحة بهما وهو يجيبها:
- كل شيء سيعود كما كان وستعودين لمنزلك وحياتك فقط لأصل لحل وسط مع هذا الرجل.
ثُم دفع جانب رأسها وهو يهتف:
- عسى هذا العقل يتعلم ويكف عن الركض وراء الكبار الذين هم أنتِ في نظرهم نملة لا تُرى تحت الاقدام.
زفر بضيق وهو يتابع في غموض:
- هذا العالم لا تغوصين فيه يا منة لأنك أنتِ الخسارة لو لم اكن بجانبك لكنت ميتة الآن.
سكت وسكن الجو من حولهما إلا من إلتفاته كانا يختلسها من بعضهم.
لفحهما هواءً جميل تطاير لأثره خصلاتها فبدت له كملاك تجلى من السماء بشلالات من نور تضيء حياته الحالكة.
قاطع الصمت بينهما قول منة التي ظهر الأرتعاش في نبرتها:
- آجار هل انا محطة عابرة في طريقك ستذهدها يومًا ما؟!
- ليتكِ كنتِ كذلك، يا ليت!
قالها آجار في نفسه وهو يلتفت برأسه نحوها لتتلاقى أعينهم بحديث صامت لم يطيل وهما يبتعدا ببصرهما للأمام.
وخيم الصمت مرة أخرى حتى ظنت إنه لن يجيب وأن الرد هو نعم هي مجرد محطة في حياته سيغادرها يومًا حتى يصل لمحطته الأخيرة و وطنه.
لماذا وجعها هذا الخاطر؟
من يكون هذا الـ آجار؟
هي ستدفن ذاك الحب قبل أن ينبت أكثروستقطع بذرته من الجذور.
دمعت عينيها بدموع أبية.
لم يتفوه أحد ببنت شفه لردحًا من الزمن حتى شق الصمت آجار بقوله:
- أخشى أن لا تصدقين؟
رده أعاد لها بعضٍ من الأمل وهي تسئله:
- لماذا لا أصدق؟
- ربما لا توافقين.
- ما الذي لن اوافق عليه؟ لماذا يبدوا كلامك مبهم هكذا.. أخبرني هل ستتخلى عني يومًا؟ هل ستعلقني بك وترحل؟ هل تعطي لحياتي أملًا وتتركني انا اخاف الوحدة رغم أني اعيش بمفردي!
أخاف الناس واخاف التقرب منهم!
أهاب ان يطعنني أحد أحبه قلبي حبًا جمًا، أخشى الغدر أن يأتيني ممن ظننته نفسي..
أجزع من الأنسياق حول مشاعري نحوك، اخاف ان تحلق بيّ لسابع سماء وبعدما أطير تاركة لك نفسي في استسلام أن تخذلني وتلق بيّ لسابع أرض، هل ستفعلها آجار؟
- هل ينزع المرء روحه من جسده؟
هل يقتلع قلبه من صدره؟
هل يمكن للأنسان ان يأذى نفسه؟
هوت دموع منة فـ أقترب بوجهه ملثمًا دمعاتها وعينيها وطوق كتفها لترتاح رأسها على صدره.
بينما أردفَ آجار وهو يسند رأسه على رأسها:
- ربما لا تفهمين حياتي! أنا في امس الحاجة إليكِ، قلبي يمد يده لكِ لتنزعيه من هذا المستنقع الذي لا فرار منه، مستنقع وجدت نفسي مزروعًا فيه رغم انفي، أريدك أن تحييني يا منة فـ أنا قلبي ميت يتلهف للأنعاش ليسترد نبضه، أريد نورك ينير دربي الحكالك كوني ذاك السراج الذي لا ينطفئ.
صمت لبرهة وقال في ألم:
- ربما تتعجبي من تمسكِ بكِ والأدهى حبي!
لكن يقولون ان القلب ينتمي لوطنه مهما تغرب لا بد له من العودة وأنتِ وطني الذي وجدت راحتي فيه وملاذي.
أنا من ارجوكِ ألا تتركيني وإلا اموت.
كلماته لم تذيد دمعاتها إلا انهمارًا، كفيها تشبثت بملابسه أكثر.
كأنها تهاب من أن يختفى من حياتها ويتركها.
فلا جرم إذ راحت تشهق وذكريات موت والدها تتدفق في خُلدها وهي تقول بنبرة تقطر حزنًا وكأن كلماته نكأت جرحها الغائر فما ذادته إلا نزفًا:
- لماذا لم تكن معي حين قتلوا ابي كنت وحيدة يا آجار بمفردي كانت اخاف ان أغمض جفنايّ فيقتلوني هاجرني النوم وكنت أعيشُ في رعب كنت انتظر الموت يهاجمني في أيةً لحظة كنت يتيمة كطفلة ضاعت من والدها وسط الزحاف فتاها عن بعضهما، لماذا لم تظهر حينها لتحميني؟ لماذا لم تكن معيّ؟ لماذا تركتني أعيشُ في رعب وانتظر موتي حتى تعبت، تعب قلبي وتعبت نفسي وحالتي ساءت.
- آسف.
قالها آجار بكل أسف وكلماتها كخنجر يطعن قلبه فيصعقه.
رفع وجهها واحاطة بكفيه وهو ينظر لعينيها الامعة بالدمع في حب فسئلته بإرتباك:
- عمَّ تتأسف؟
- لأني كنت بعيدًا عن "منتي" وهي في أشد الحاجة لوجودي!
أعتذر عن كل دمعة نزلت من عينيكِ بعيدًا عن صدري!
أسفٌ لكل خوف احتل قلبك في غيابي.
أسف على قسوة الحياة وكل رعب وترقب للقادم عشتيه بمفردك.
أسف وألف أسف على كل ما مضي لكِ.
كان دورها هي الآن لتضم رأسه إلى صدرها في حنان امٌ تهون عن طفلها وجعه.
فـ اغمض آجار عينيه والأمان يستكين بين جنبات روحه وقال في همس:
- سأعوضك سأجعلك تنسين كل لحظة خوف داهمتك سأجعل من جعلك بتلك الحالة ان يتذوقها أقسم بأني ساجعله يجن ولا يجد علاجًا سيدفع ثمن كل دمعة نزلت من عينيكِ يا ذاتِ العينين النجلاوين.
كلماته كانت تخرج من فمه بلا وعي، ويتخيل هيئتها وهي خائفة جالسة تضم قدميها إلى صدرها تحيط بهما بذراعيه وجسدها ينتفض، وقلبها يرتجف ودموعها لا تجف ونظرها عالق على الباب في انتظار ملك الموت.
فقست عينيه وهو يتذكر إسم قاتل والدها!
- آجار أين ذهبت احادثك؟
تنبه آجار لـ منة وهو يبتعد قائلًا:
- معك.
- ماذا كنتِ تقولي؟
- فيمَ سرحت؟
- لم أسرح، أخبريني ماذا قُلت ولم أنتبه.
بغيظ سئلت منة وهي تعض على شفتيها:
- سئلتك هل انا عينايّ نجلاوتين حقًا؟
- ولمَ أكذب؟!
قبل جبهتها وهو يقوم ليبادرها قائلًا بوداعة:
- عيناكِ ساحرتين و واسعتين بلونهما الرمادي عن قُرب، كفاكِ سهرًا الآن هيا إلى غرفتك لتنامي.
امتثلت له دون جدال وأوصلها إلى غرفتها وتوجه هو لغرفته.
في صباح اليوم التالي، كان صباحٍ مشرقًا وإشراقة تسلل إلى قلب آجار بفرحة غامرة وهو يتجه من توه فور أنتهاءه من تبديل ملابسه وتصفيف شعره نحو غرفتها ليطرق الباب في أنتظار صوتها يداعب اوتار قلبه.
لكنه لم يحصل إلا على الهدوء التام.
فتواتر دقه على الباب دون ان يتلقى رد ففتح الباب يشمل الغرفة بنظره فلم يجد أحد بها.
توجس خفيةً في نفسه وهو ينادي بإسمها مع فتحه باب دورة المياه الذي وجده فارغًا أيضًا.
نزل الدرج بخطوات سريعة شبه راكضة وهو يبحث عنها كالمجنون لكن لا اثر لها لا في البيت ولا الحديقة.
كاد أن يتصل على هنا في المستشفى ليسألها لولا رنين هاتفه معلنّا عن رقم غير مسجل ليرد في تلهف ليأتيه صوت رجل يقول بنبرة جادة:
- من تبحث عنها معنا، تعال أن كنت تود أنقاذها، حبيبتيك الاثنيين معنا وأنت الأحرى في من تنقذ ومن تريدها أن تعيش نحنُ الآن في ......... بإنتظارك سيد آجار وتعال بمفردك دون صحبة ... سلام.
هاج وثار وهو يصرخ في الهاتف الذي أُغلق دون أن يعطيه فرصةً بأن ينبس بحرفٍ.
زأر آجار وهو يركض آخذًا سيارته يقود بسرعة تسابق الريح غير عابئ بالسيارات التي كان يتجاوزها بالامبالاة ولا بالسيارات التي اصطدم بها، لم يكن يلاحظ بالأساس مشاعره هي من كانت تسوقه لا إراديًا منذُ ساعات فقط بالليل كانت بين يديه تتوسد راسها صدره يفصح بحبه وتبوح بمكنون قلبها فهل يفقدها بتلك السرعة.
الحياة بكل ما فيها كانت تطوى على انفاسه فيشعر بالاختناق وحاجته للأكسجين الذي تلاشى بغتة من حوله.
ما الذي قد يحصل له لو حدث لها شي؟
يقسم بإنه قد يهد الدنيا بما فيها ناهيكم عن الدنيا قد يهد الحياة بكل من عليها ويحرق الأخضر واليابس او بالأحرى ...
سيكون جسدٌ بلى روح.
وقلبٌ بلى نبض.
أيا قلب انتظر لا تتوقف الآن نبضك سيعود ليسكنك ولن يكون غيره مسكنًا.
فيا روح تمهلي لا تثوري ولا تغادري الآن قبل استعادتها ستجديها وتضميها حتى لا تختفى مرة اخرى.
بالطبع هي خائفة الآن تكاد تموت من شدة الرعب!
تبًا له لماذا أدخلها عالمه وهو يعلم أنها نقطة ضعفه التي سيكسروه بها؟!
اوقف سيارته في المكان المنشود، منزل بسيط نوعًا ما في مكانٍ نائي.
فتح تابلوه السيارة ليأخذ السلاح ويسحب الزناد وهو يترجل من السيارة في نظرة واحدة تناهى له اربع رجال ليختفى من امامهم يوارى نفسه عنهم.
وأخرج كاتم للصوت ثبته في السلاح.
عيناه بقت لثوانٍ زائغة قبل أن يسير بمحازة السيارة مشهرًا سلاحه ليطلق علي الرباع قبل ان يتداركُه ما ان وصل لديهم انحني ملتقطًا سلاح واحدٍ منهم واندفع للداخل مشهرًا إياهم وهو يدور حول نفسه.
هُنالك تم تراشق ضرب النار مع رجال كانوا متناثرين بالداخل فراح يختبئ ويطلق بمهارة وكل رصاصة تصيب هدفها ببراعة وهو يتسلل للداخل غير عابئ بنفسه بأن يصيبه أذى كان غير مهتمًا بحياته من الأساس.
يخرج أمام الرجال يطلق عليهم وهو يتحرك للداخل كالطود العظيم ويتفادى رصاصتهم بكل داهية.
قرب المنزل ركض دافعًا الباب بقدمه وهو يشهر سلاحيه للأمام أمام .... أمام نفسه ؟!!!!
نعم كان صورةٍ طبق الأصل منه الآن أمامه موجهًا سلاحًا عليه بأنفاسٍ متلاحقة وأعيُن قلقة خائفة، وكفٍ مرتعش بالسلاح وبنطال من الجينزل الأسود وتيشرت بنصف كُم من اللون الأسود.
وقف جان وآجار كلاهما امام بعضهما موجهين كلا منهما السلاح لصاحبه، لكن الصدمة الأكبر كانت من نصيب آجار الذي تقافزت دقات قلبه كالطبل من فرط الصدمة.
..... ربما تظن إلتقائهما بداية لكن هذا اللقاء سيكون دمارًا سيحطم القلوب إلتقاء لشيطان سينفث فيهم انتقامه وهم سينساقوا خلفه كـ المعاتيه فـ أحذر فالعاصفة قادمة بدمار ليس له نهاية او ... سيكون ربما.
رواية جحر الشيطان الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندي ممدوح
فرحته في تلك اللحظة لا تعادلها أية فرحةٌ في الوجود.
وحق له أن يفرح، عائلته بجانبه فخورة بنجاحه، وإن كان بغير معنى، غير مهم، وإن كان تافهًا يظنه البعض.
ففي قرارةُ نفسه يعلم إنه أكثر الناس حظًا.
ألقى نظرة سريعة تجاه "ملك" التي لوحت له بوجهُا أبلج، فـ أزداد حماسه.
وخرج من الملعب ليلتقي بفريقه، وراح يمسح العرق عن وجهه ورقبته بمشفة صغيرة.
ومع بداية الشوط الثاني كان يتأهب راكضًا إلى الملعب وهو يحرك رأسه يمنه ويسر، وانخرط في اللعب.
الذي دام لـ 45 دقيقة أنبلجت عن فوزه هو وفريقه.
فـ انطلقت صيحات الفرح من الأفواه، وتقدم مالك راكضًا يهنئه بكل فخر وسعادة.
وعانق الفتيات بعضهما.
وبعدما أستلم الجائزة برفقة فريقه ومدربه، أقبل "معاذ" من الفتيات.
فـ حَضَنَته "لمياء" وهي تهنئه، وهنأه باقي الفتيات.
فقال متبسمًا:
- هغير هدومي وهعزمكم انهاردة، إشطا؟
- إشطاط.
قالتها الفتيات جملةّ واحدة.
فضحك معاذ متمتمًا:
- مصطحلجية.
قضوا وقتًا لطيف سويًا حتى عادوا جميعهم المنزل وتفرقن.
إستمع معاذ طرقٍ على باب غرفته، فـ أذن للطارق.
فـ ظهرت لمياء ممسكة بهدية متبرُزة، ودلفت قائله:
- في حد باعت لك هدية معايا!
- مين؟
بمكر همست لمياء متلاعبة:
- احذر كدا!
اعتدل معاذ في جلسته وسئل في ترقب:
- ملك؟!
فـ غمزة له لمياء وهي تمد له الهدية الملفوفة قائلة:
- أيون هي.
تناولها منها معاذ في لهفة وطردها من غرفته.
فـ خرجت ساخطة وهي تتمتم بكلماتٍ غير مفهومة.
حملق في الهدية بمشاعر متضاربة ما بين اللهفة والزهول.
ملك .. أرسلت له هدية!
وبين يديه الآن!
إن مات من شدة فرحته فلا يلومه احد!
هل يمكن للشخص أن يموت من الفرحة!?
نعم يُمكن حين تبلغ السعادة لذروتها ويخفق القلب دون هوادة.
شرع يفك الربطة بدقات قلبٌ متسارعة يخامرها التوتر.
شهق ما أن تراءت له لوحة مرسومًا هو بداخلها بملابس هوايته المفضلة، السروال القصير والتشرت ذو النصف كُم.
يقف على ارضية الملعب ذو اللون الأخضر، وأسفل قدمه اليمنى الكورة ذات اللون الأبيض والأسود.
يقسم أن الرسمة قد خطفت قلبه من إبداع تصميمها.
وكأنه فجأة تجسد في اللوحة أمامه.
أنامله تلقائيًا راحت تتلامس اللوحة التي رُسمت بأناملها.
هل أحب اللوحة لأنه مرسومًا بها، أم لأن أناملها خُطت عليها.
دقق النظر وهو يرفع اللوحة إلى وجهه لعبارة قد كُتبت في أعلاها لا تتراءى إلا عن قُرب:
"هو شخصٌ جعلني أحبُ تلك البلايا إن كان هو عوضها، وجبرها.
شخصٌ جعلني أحبُ نفسي لإني آراها في عينيه على هيئة ملاك.
شخصٌ يفهمني حين لا أفهمُ نفسي.
شخصٌ لا يخذلني وإن خذلتُ نفسي وخذلني الجميع."
رفرفت أهدابه في مشاعر شتى وهو يعيد قراءة الكلمات بتواترٍ جم.
عوضها وجبرها .. هو.
أما إنه يقرأ خطأ وثمة شيء لا يفهمه.
ملك حبيبة القلب تعتبره عوضها وجبرها؟
تبسم في سعادة وشرود وتسائل في نفسه "لماذا كتبت الكلمات بحروفٌ باهتة؟"
ولو إنه لا يهتم بها وكل تفاصيلها لم تستثر انتباهه!
تردد أن يكلمها حتى حسم الأمر وأمسك الهاتف ليدخل على تطبيق (الواتساب).
وقبل أن يراسلها، ذهب إلى الحالة فدق قلبه طبولاً وهو يرى حاله لها توًا قد شيرتها.
فضغط عليها ليرآها، وفي نهم كانت عيناه تأكل الكلمات آكلًا إذ كانت:
"حبيبًا هو رغمًا عن قلبي وروحي ووجداني، رغمًا عن العالم ونفسي والجميع.
يبقى ملاذي الآمان، وملجأي الذي لا يخيب، وسندي الذي لا ينكسر ولا يغيب.
يبقى أبي الثاني وحبي الوحيد وأكثر من يعلم بيّ.
هو؟ هو الحياة التي لا تحلو إلا به."
لا إراديًا وجد أصابعه ترد على الحالة مرسلًا:
- مين ده؟
وقد كانت متصلة لتتفاجأ بإشعار رسالته الذي جعل وجيب قلبها يزداد والدهشة تحتل ملامحها.
هذه أول مرة يرسل لها! ألم تعجبه اللوحة؟
لترد على رسالته مجيبة بمراوغة:
- عادي مجرد خاطرة راودتني!
فـ رد دون اقتناع:
- والله؟!
- عجبتك الهدية؟
سألت في ترقب واهتمام.
فـ شرد لمدة قصيرة متبسمًا وهو يردد كلماتها التي حفظها وحُفرت في قلبه.
حين طال انتظاره توجست خفية، فعبثت أناملها الرقيقة مرسلةً له بدمعتين تترقرقيين في عينيها:
- معحبتكش؟
استلقى على الفراش في نشوة وهو يُرسل لها ببريق ضوء في عينيه:
- عجبتني! أي حاجة منك بتعجبني أصلًا، فما بالك بهدية صُممت من إيدك وسهرت عليها عينك وقدمها قلبك.
بس سؤال مهم ....
أرسل رسالته وتعمد أن يتركها دون تتمة، فحين فاض بها الانتظار كتبتها:
- سؤال إيه؟
- أنا عوضك وجبرك؟
أرسلها في تعجل حتى لا يتردد.
فـ إذا بها تتسع عينيها وهي تقرأها في صدمة.
كيف له أن يقرأ ما كتبت وهي قد تعمدت كتابتها بطريقة غير مقروءة؟
لكنها التزمت الصمت لردحًا من الزمن تحدق في الرسالة مبهوتة.
وأخيرًا أرسلت منهية الموضوع وهي تدعو بإن يكون خرج من الشات:
- طولت الكلام معاك مينفعش، هروح أشوف البنات عشان بنروق الشقة عشان خالو انس جاي.
أمنيتها ذهبت أدراج الريح وهو يقرأ الرسالة فور وصولها.
وظهر لها (يكتب).
فتحتَرجت أن تخرج من الشات قبل أن تعلم ما يكتبه.
فما هي إلا دقائق ووصلت رسالة التي كانت عبارة عن:
- مش عاوزة تجاوبي؟ تمام .. روحي دلوقتي، بس هعرف!
أغلقت جوالها فورًا والحزن ظلل عينيها ودمعتين سالتين على وجهها بكل ألم يعتمل صدرها.
مقهورة هي مقهورة حقًا، وذكرى أليمة لا بُد منها ولا فرار مارت في قلبها.
لحظات قلائل وكانت تستعيد رباطة جأشها وتزيح دمعاتها مبتسمة كأنها لا تحمل همًا.
لكن القلوب فيها ما لا يُرى بالعين.
كان ما ظل ممسك هاتفه لم يخرج من الشات على أمل أن تجيبه.
فـ زفر زفرة عميقة ببطءٍ وهدوءٍ، أخرجت ما يعتمل صدره من توتر وضيق.
خرج أخيرًا ليجد حالة منها جديدًا للتو شُيرت.
فـ فتحها دون تأني فـ إذا بها كلماتٌ حزينة أوجعت قلبه وأذاقتهُ مرارة ألمها:
"لقد دُفن فؤادي وما به من كل جميلٌ ورائع، من كل الأفراح والأتراح.
لم يتبقى ليّ إلا الوجع، فلما الحلم؟
فـ الأحلام لا تتحقق، لا ضير، لقد تعودت.
أهلًا بالأحزان، أهلًا للجحيم الآتي، سأستقبله بكل رحب، عسى الله يرحمني من العذاب الآتي."
عذاب آتي؟ جحيم قادم؟ ماذا تقصد تلك البلهاء؟
تبًا للحواجز التي بُنت بينهما فلم يعد قريبًا منها كما كانوا وهم صغار.
حبيبته تتألم من أمر لا يعلمه!
ملاكه تتوجع وهو لن يسمح بهذا!
ملاك قلبه تلك الساكنة في فؤاده يحيطها بعينيه، لا يمكن أن تتوجع وهو يشاهد.
سيمتص كل الأوجاع إن حاولت التقرب منها، سيحملها هو، لكن محال أن يستطيع رؤيتها تتوجع.
"هتفضلي ساكتة؟"
قالها حمزة مترقبًا وهو ينظر إلى أروى باهتمام، التي لم ترفع نظرها إليه وهما جالسان بمفردهما بعد خروج الجميع.
خطفت إليه نظرة سريعة في استحياء واسبلت جفنيها وهي ترد في توتر:
- هقول إيه؟
ضحك حمزة ضحكة خافتة للغاية وهمس في مرح:
- تصدقي ولا أنا مش عارف أقول إيه، تقريبًا أنتِ عارفة عني كل حاجة.. وكذلك أنا. نكتب الكتاب على طول عشان نبقى على راحتنا وكمان مش مهمة الخطبة.. قُلتِ إيه؟
- نعم؟!
قالتها أروى في استنكار بائن.
فهز حمزة رأسه قائلًا:
- أنتِ رافضة؟
- أيوه!
- ليه؟ أنا مش شايف إننا بحاجة لفترة خطبة، نكتب الكتاب صدقيني أفضل عشان نقرب من بعض، نقعد براحتنا ونتكلم براحتنا ونخرج بردوا، يعني فكري فيها كدا!
شردت أروى ببصرها عنه. واحترم هو شرودها فما تكلم.
حتى التفتت له برأسها قائلة ببسمة واسعة:
- موافقة.
- قولي والله؟
ضحكت أروى ضحكة خافتة مستترة بين كفها ولم تعلق.
فـ صاح في مرح وسعادة:
- خلاص يعني نحدد كتب الكتاب بالمرة، مش مصدق هتبقي مراتي.
زاغت بصرها في خجل والبسمة تبزغ على شفتاها وتلجلج صدرها في سعادة متوارية.
كل ما يحدث ما زالت تظنه حلمًا جميلًا تخشى الاستيقاظ منه!
جلوس حمزة بجوارها تحسه وهمًا سيغدو سرابًا!
تقافز دقات قلبها في صدرها هو الشيء الصادق في تلك اللحظة.
من شدة خجلها وتوتر جسدها جعلها تهمس له هربًا حين ساد الصمت بينهما:
- نخرج ليهم؟
أومأ برأسه وسبقها للخارج وتبعته.
وبعد قراءة الفاتحة والنظرات المختلسة بينهما تحمحم عثمان يجلي حنجرته، وقال وبصره على حذيفة:
- طب بما أن فرحتنا النهارده متتوصفش بعيالنا، في أي رأيك يا حذيفة نخليها فرحتين.
ضيق حذيفة عينيه في ترقب.
فـ واصل عثمان:
- أنا بطلب إيد بنتك ملك لـ ابني معاذ... طبعًا بكامل موافقتك يا بنتي!
قال آخر جملته مصرفًا بصره بحنان أب نحو ملك التي ترقرق عينيها بالدموع.
وهي تهب واقفة تلجم صيحات السعادة من الأفواه وتيبس وجه معاذ الذي كان في ذروة سعادته.
راحت تهز رأسها في جنون ورفضًا تام، وهي تؤشر بكفيها بالرفض.
فـ غضب حذيفة ووثب صائحًا فيها، لكن معاذ رغم صدمته حال بينهما.
لتركض هي من أمام الجميع باكية بحرقة ليتبعها الفتيات للأعلى.
ويعتذر حذيفة بكل آسف من عثمان ومعاذ الذي قال ببسمة باهتة وكلام رجراج:
- لا، لا محصلش حاجة يا عمي متتأسفش، الجواز مش غصب، هي، هي مغلطتش. عن إذنكم.
نهض فجأة مغادرًا المكان فـ لحق به الشباب.
وبقا الصمت سائد بين الكبار لفترة طويلة من الصدمة، فـ الجميع كان متيقنًا من موافقة ملك التي كانت صادمة.
الهواء نفذ من حوله فجأة، فراح يلهث وهو يقف معطيًا ظهره للجميع، واضعًا كفيه في خصره مسبلًا جفنيه على عينيه المتألمة. المصدومة. الموجوعة.
مصدومًا من رفضها الذي ترك ندبة في قلبه لن تبرأ.
لا يصدق أنها نبذته بتلك الطريقة!
كانت تبكي وكأنه جحيم سيحل عليها!
فما الذي حصل لها؟ بكى قلبه بحرقة ولم تبكي عيناه.
كم مؤلم أن تظن في أحد شيئًا فيصدمك بعكسه!
مؤلم لحد الوجع، ذاك الوجع الذي لا تفسره كلمات، فقط القلب يبقى متعبًا مرهقًا مهلكًا.
انحني فجأة بجزعه مسندًا بكفيه على ركبتيه يلتقط أنفاسه بخنقة، يشعر بشيء كالحنظل عالق بحلقه يمنع الهواء عن رئتيه.
تبادل الشباب نظرة حزينة بينهما على حاله.
فـ وضع مالك كفه على ظهره وقد هربت الأحرف من فاهُ.
فـ اعتدل معاذ مستديرًا إليهم يهز رأسه مع قوله بكل حزن:
- أنا كويس، مفيش حاجة.
زواغ عينيه كان ينبئ بنوبة بكاء احتاجتها.
فسارع خالد بضمه بقوة وهو يربط على ظهره يؤازره بصمت، فما نفع الكلام لقلبٍ كليل مكدودّ مكلوم.
وفي اللحظة الثانية كان مالك يضمها، ثم حمزة طوقهم بذراعيه.
لا أحد يعلم كم بقوا على حالهم حتى ابتعد معاذ وقال في مرح مصطنع:
- والله مشفت فقر أفقر مننا في الفرح نحزن والحزن نحزن بردوا. يا جدعان النهارده مش أي يوم، دي خطبة حمزة وأروى مش أي حد.
أنهى قوله مع فعله بحمل حمزة على كتفه، فـ صاح حمزة مزهولًا من فعلته.
وفي اللحظة الثانية كان خالد يسرع إلى الطاولة ليجلس وهو يدق عليها بكفيه في تناغم.
ودندن مالك وتحرك معاذ بـ حمزة ضاحكين، وهكذا غلبت فرحتهم حزنهم.
وفي الأعلى غشى الجميع القلق على ملك التي أوصدت الباب وراءها ولا أحد يدري ما حل بها.
كان يومًا عجيبًا حزينًا رغم الفرح الذي مر به.
كسر قلب معاذ أمام الجميع كانت مؤلمة.
ملك المتشحة بالحزن مغلفة بالوحدة في دوامتها، لا أحد يعلم ما بها وما حل بقلبها.
كان هنالك بصيصٌ من فرح لرابط حمزة وأروى الجديد.. كان كفيلًا ببث الأمل بقلوب الجميع.
دلفت منة إلى الجريدة التي تعمل فيها مندهشة من الهمسات الدائرة في فريق العمل، كل مضمونها عن المدير الجديد.
فـ عدلت من خصلات شعرها خلف ظهرها وهي تهتف في استنكار مع جلوسها خلف مكتبها الصغير:
- ماذا؟ عن أي مدير جديد تتحدثون؟ ومن يكون هذا؟ وكيف لا نملك خبرًا عما حدث والتغيير المفاجئ هذا!
فـ رد عليها زميل لها وهو يقترب من مكتبها:
- ليس كما فهمتِ، المدير نفسه سيبقى كما هو مع تغير بسيط في شخص آخر سيتولى الإدارة وقد اشترى الجريدة بما فيها.
فـ نهضت منة ضاربة المكتب بقبضتها مع هاتفها الحاد الساخر:
- بما تهذي يا رجل بحق الله، هل هذا كلام يستوعبه عقل؟
- ولمَ لا يستوعبه عقل؟
مهلًا، إنها تعلم ماهية هذا الصوت!
تعلم لمن هذه النبرة العابثة!
تعلم من هذا الذي يحوم حولها منذ ظهورها أمامه!
لكن هيهات إن ظن أنها ستخضع لألعابه القذرة.
رفعت رأسها في حدة ليغمز لها آجار في عبث ماكر، بينما وقف زملاؤها احترامًا له.
وقبل أن تتفوه بحرفٍ بادر هو قائلًا لها بنبرة بعثت التوجس في نفسها من شدة غلظتها وخشونتها:
- الحقي بيّ يا آنسة منة أريدك في مكتبي الآن لأعلمك كيف تتطاولين على مديرك.
قالها وانصرف في خطوات مهيبة، وقد لاقت به البذلة السوداء كثيرًا فـ زادته جمالًا ووقارًا وجاذبية.
سيفقدها عقلها هذا الـ آجار ذات يوم، لماذا يخيفها بهيمنته تلك؟!
دلفت وراءه المكتب وقبل أن تبدأ في ثرثرتها بادرها هو قائلًا:
- أغلقي الباب خلفك يا حلوة.
حلوة!! هل يظنها نوعًا من الحلوى يود تذوقه هذا الأبله؟
رددتها ساخرة في نفسها وهي تغلق الباب كاتمة غيظها بداخلها.
لكنه لم يدوم إذ انفجرت فيه وهي تتقدم إليه:
- مـــــــــــاذا تريد مني؟ لماذا تلحق بيّ؟! اخبرني هيا ماذا توده … أسمعك.
قالت آخر ما قالت وهي تعقد ذراعيها في غضب يتأجج بمقلتيها.
فـ في برود وتلذذ عاد آجار بظهره لظهر المقعد وهو يهمس ببرود راعها:
- يروق ليّ كثيرًا شراستك يا حبيبتي.
- أحبك صرصورًا يا معتوه.
غمز لها آجار في استمتاع قائلًا وهو يميل بجذعه مكتفًا ذراعيه على الطاولة:
- هذا المعتوه أحبك يا صرصوري.
ثم احتدت نظراته فجأة وتوقدت حدقتيه بغضب وهو يقول بلكنة تهديد لا تمت للمرح أو للحنان بصلة:
- منة، الزمي حدودك معي! أنا لا أضمن نفسي حين أفقد أعصابي! وما يشفع لكِ عندي ...
ترك مقالته معلقة بتعمد لدقيقة ريثما أشار بسبابته لموضع قلبه هامسًا بصدق لامسها:
- هذا ... هذا هو ما يشفع لكِ، هذا القلب الذي لم يُفتح أبوابه يومًا لإيًا كان سواكِ، فتح أبوابه لكِ يا منة، ولا أريدك أن تري غضبي ولا تستفزيني. فأنتِ ما تدري هذا التغيير الذي طرأ على حياتي منذُ دخولك فيها، أنا لم أعد أنا، أحادثك بذاك القلب وليس كـ آجار. وهذا ما لم يتجاوزه أحد قبلك ولن يكون بعدك.
بكفيها إستندت منة على المكتب تميل بوجهها على وجهه وقالت:
- إذن تخبرني إني ليّ مكانًا بقلبك؟
- هذا إن لم يكن لكِ كله.
عاد آجار بظهره للخلف عاقدًا ذراعيه وواضعًا قدم فوق الأخرى دون رد سوا من حرب عيون دارت بينهما قبل أن يقوم ليدور إليها.
وفجأة جذبها من ذراعها بحدة مع هتافه الحاد:
- أول البارحة هل تعلمين ما الذي أوقعتِ نفسكِ فيهِ يا ذاتِ المصائب، هل تعلمين من الذي قمتِ بتصويره غدًا وكتبتي مقالًا أساء سمعته أم أنكِ بلهاء؟
نزعت ذراعها عنه تدلكها بـ آهة خافتة، ونظرت له نظرة تحدية وهي تقول بنبرة شراسة:
- ما دخلك فيما أعمل! هذا عملي وأنا مسؤولة به .. حسنًا.
مالت نبرتها للرجاء مع استطرادها:
- اتركني وشأني بالله عليك.
أذرد آجار غصة بحلقه وقال بنبرة مبهمة نبئت عن حزن دفين يغلف كلماته:
- يا ليتني أستطيع.
وهتف فيها بنبرة آمره:
- من اليوم لن تذهبي لتصوير أي اشتباكات، أو تكتبي مقالات عن شخصيات قد تؤذيكِ، وللعلم من كتبتي عنه أول البارحة لن يتركك لكني له بالمرصاد.
صمت للحظة ونظر لها بصدق ناسب قوله بحنو:
- منة، لا أفرض سيرتي عليكِ، كل ما أريده أن أحميكِ من كل ما يؤذيكِ، ولا تسأليني لماذا قد أفعل ذلك....
- إذن أصدقاء؟ ما رأيك أن نفتح صفحة جديدة؟ وسأنسى كيف عاملتني ذاك اليوم في السوبر ماركت.
قاطعته منة قوله باقتراحها فلم يتردد وهو يعتصر كفها في كفه الضخم وأكملا يومهما هي غارقة في العمل وهو مراقبتها حتى جاء نهاية اليوم ومعه نهاية يوم العمل ليعرض عليها أن يوصلها فوافقت بكل سعة.
فتحت باب السيارة لتجلس بجانبه تثرثر كالعادة وهو يستمع بكل حب.
وللعجب لم يشعر بالملل معها، بل كانت بسمته رائعة ترتسم على شفتاه، بسمة خرجت من صميمُ القلب من ذاك الجزء الذي أنارته وسكنته دون إذن وهو صاحب الدار.
ورغم أنها اقتحمته دون إذنه كان سعيدًا بهذا الاقتحام الذي أعاد له جزءًا من نفسه.
تلك البسمة التي تشرق القلب بنظرة جميلة لا تفسره، منبعها من القلب ليست زائفة.
- لم تخبرني شيئًا عنك وأنا قد أخبرتك بكل شيء...
ليس الآن وليس اليوم وليس في الأيام القادمة هو عن نفسه لا يريدها أن تدرك حقيقته أبدًا، لكن حتمًا يومًا ما سيتحلى بالشجاعة ويخبرها.
فلتبقى بعيدة عن حياته.
بعيدة! وهكذا يبعدها عنه! وماذا يفعل وقلبه يتحكم به ولا يستطيع صبرًا على هجرها!
هكذا قاطعته شروده الحالم بقولها وقد كانت أخبرته عن عائلتها، والدتها مصرية وتوفت حين مولدها.
وقبل عام .. عام واحد فقط رحل آخر من كان لها وذهب والدها بسبب أحدى الرجال الكبار الذين خاضت في البحث وراءه و وراء جرائمه ليجعلها تدفع الثمن وتبقى يتيمة.
هذا اليوم الذي عادت فيه من عملها لتجد والدها بالمنزل يستحيل رمادًا.
ومن يومها لم تهنأ بفرح أو حب أو اهتمام أحد.
تيتمت نعم .. وكم مؤلم أن يفقد الإنسان كل ما له في طرفة عين.
- لا أرحب أن تعرفي شيئًا عن عائلتي وعني الآن، دعي الأمور تسير كما مُيسر لها.
هكذا راوغها هاربًا من المصارحة.
فليبقى في نظرها رجل الأعمال ذو العائلة المرموقة وكفى!
لا يريد شيئًا آخر، أليس أفضل أن يسقط من نظرها؟
التستر خلف قناع الاحترام هيبة لا يود فقدها في نظرها أبدًا.
لقد أصبحت الجزء النظيف في حياته ولا يبغى تدنيسه بجرائمه وحياته.
ومن مرآة سيارته لمح سيارة تلحق به.
كان قد ظنها في بادئ الأمر مصادفة، لكن السيارة تتبعه منذُ مغادرة مقر عمل منة.
بدأ الأمر مريعًا لـ منة التي اتسعت عينيها وهي تلاحظ شرود آجار في السيارة التي خلفهم.
فـ نظرت له قائلة بنبرة جزع:
- ما هذا؟ هل هذه السيارة تتبعنا!
لم تحصل على رد وراقبت تعابير آجار التي استحالت إلى غضب أعمى وهو ينعطف بالسيارة لطريق جانبي خالي نوعًا ما من السيارات.
فـ حادت ببصرها للخلف تراقب السيارة بقلبٍ مرعب وعينين مثقلتين بالقلق.
احتكاك السيارة بالأسفلت ووقوفها المفاجأة الذي جعلها ترتج للأمام والخلف نبأها عن أمر جلل.
فما رفعت رأسها حتى أبصرت سيارة تسدُ طريقهما تقف بالعرض.
فـ نقلت بصرها إلى آجار الذي كان يُخرج سلاحًا من خاصرته ويسحب الزناد وهو يهتف بنبرة آمرة حازمة:
- لا تخرجي من السيارة مهما حدث.
خبأ السلاح في خصره مجددًا بعدما هيأه للطلق في أية لحظة وترجل من السيارة يرمق السيارات التي بدأ يخرج منهما رجالٌ يتقدمون إليه.
فهز رأسه يمنة ويسرة وهو يغلق الباب بقدمه ويتجه إلى رجال السيارة التي سدت طريقه ووقف أمام أحدهم كان يتقدم وبدا إنه الآمر الناهي عليهم.
دقائق مرت وهما ينظرا لبعضهما بصمت، حتى أشار الرجل برأسه نحو سيارة آجار مع قوله بنبرة لم تخلوُ من الاحترام:
- اعذرني سيد آجار على وقوفي في طريقك لكن ... لكن الفتاة نحتاجها بأمر من السيد جاك.
وطلبه بقى معلقًا لدقائق كأنه لم يتفوه.
وما كاد أن يعيد حديثه حتى حرك آجار كفيه مشبكًا إياهما خلف ظهره وضيق عينيه مع سؤاله:
- ولماذا يريدها السيد جاك؟
أطرق الشاب رأسه لبرهة قبل أن يرفعها قائلًا:
- ماذا نفعل بمن يتعدى علينا ويحوم حول عملنا برأيك؟! أنت أكثر من يعلم ذلك سيد آجار!
فـ حك آجار جبهته بإبهامه وسبابته وتنحى جانبًا وهو يبسط كفه له ليتقدم قائلًا:
- إذًا لكَ هذا، خذها من داخل السيارة.
تحرك الشاب وما كاد أن يتجاوزه إذ وضع آجار قدمه أمامه على غفلة ليتعثر الشاب ساقطًا على وجهه.
وفي ذاتِ اللحظة كان يشهر آجار سلاحه مطلقًا على باقي الرجال في طرفة عين وقدمه جاثمة فوق ظهر الشاب الواقع.
وانحنى آجار متفاديًا رصاصة مرت من جوار أذنه جائته من الجانب الأيسر من ثلث رجال يهرعون نحوه.
فقفز للخلف منقلبًا بجسده يدور به دورة كاملة وهو يختبئ منهم وقد أدرك أن سلاحه قد أنهى ذخيرته.
فضربه على الأرض في غيظ وهو يشير برأسه ليرمق أحدهما يتقدم نحوه والآخر من الخلف والثالث يطمئن على الشاب الذي أوقعه.
فوثب واقفًا في تلك الأثناء الذي وجه له الشاب لكمة ليمسك قبضته عاصرًا إياها ويلوي ذراعه ويرجع رأسه للخلف قبل أن تهوى على جبهة الشاب عدة مرات ليسقط أرضًا.
رصاصة أخرى دوت في المكان لم تصب هدفها بفضل منى التي فتحت باب السيارة ليخبط في الشاب وتعاجله بحقيبتها على وجهه.
فـ أسرع آجار ليبعدها ويركل الشاب ويبرحه ضربًا.
- ما تفعله خاطئ يا سيد آجار وأنت تعلم هذا!؟ أنت تفتح أبواب الجحيم علينا جميعًا.
- فلتنفتح إذًا.
قالها آجار وهو يندفع للشاب الذي لكمه لكمة قوية في جانب وجهه فردها له.
لم يكن الشاب أقل منه مصارعة وبراعة لذا كانت المعركة الدائرة بينهما شرسة، يرد كلاً منهم الضربة للآخر.
حتى سقط آجار أرضًا ونهض مقلبًا كفيه عن الغبار ومسح الدم من وجهه ورمق منة التي كانت تبكي بـ بأرتجاف قبل أن يستدير للشاب الذي قال في أسف:
- أنت من بدأت يا سيد آجار ... لذا......
اندفع يود لكمه لكن آجار انخفض بجذعه لتضرب قبضته الهواء.
ومع انحناء آجار كان يمسكه من كتفيه رافعًا ركبته لتهوى في معدته اتبعها بـ لكمة على عينيه لتتشوش رؤيته.
ودفعه الشاب تلقائيًا بقدمه فـ دار آجار حول نفسه قبل أن يلكمه في وجهه على السيارة.
وقبل أن ينهار كان يثبت جسده وانهار عليه لكمًا وهو يجأر في شراهة:
- وأنا أيضًا لم أود قتلك، أنت من أيقظ ثورتي فوجب عليك تلقيها، وذاك الذي فر هاربًا ليخبر سيده حسابه معي عسير.
أنهى عبارته تاركًا إياه ليسقط.
فـ مسح كفه بوجهه وهو يدنو إلى منة قائلًا:
- أنتِ بخير؟
سؤاله لم يكن له معنى، فهي ليست بخير، جسدها ينتفض، ودموعها كالشلال على وجهها.
فتنهد بضيق وهو يقترب ساحبًا إياها إليه يطوقها بحماية يكتم شهقاتها في صدره.
لقد بدت كطفلةً صغيرةٍ تائهة ضائعة، والأقسى يتيمة.
وهو راقه أن يكون الأب الذي يحتويها ويطوقها ويحميها بكل حب.
دموعها ورجفة كلماتها كانت تكوي قلبه كيًا.
وتحرق روحه حرقًا.
فـ ود لو أن يزيح دمعها بقبلاته، ويمتص خوفها إليه.
أراد وبشدة أن يضعها بكل حذر داخل فؤاده ويغلق عليها ببان قلبه، أو تظل دائمًا بين ذراعيه هكذا.
طفقت منة تهذي بكلماتٍ غير مفهومة:
- أنا خائفة، سيقتلوني الآن، أنت أنقذتني، من سينقذني منهم في المرة القادمة؟ أريد أن أريد أن أموت.
وتمنيها أشعل لهيب خوفه الذي أسكنه.
وهو يرفع رأسها بحدة ليقبلها كأنها يردعها عما تتمنى!
أو أنه يثبت إليها أنها له ملكه ولن يتركها ترحل وإن أرادت.
لماذا كلمة الموت أدمت قلبه وأصابته بالرعب والجزع؟
هذه الكلمة مخيفة حقًا .. مخيفة لغير المستعد لها.
شُل جسد منة من فعلته وتسمر ذراعاها بجانبها تاركة جذعها.
فـ ابتعد هو أيضًا مصدومًا مما فعل وتقهقر للخلف خطوة.
همست منة أخيرًا بعينين تكاد تخرج من محجريهما:
- ما الذي فعلته!
- أحبك، هل سبق وأن أخبرتك قبلًا؟
هكذا قال آجار قبل أن ينظر إليها مغمغمًا:
- أوه، لقد علمت كيف أكبح ثرثرتك ودموعك حبيبتي.
بقت على حالها بينما تابع هو في مرح:
- أقسم لكِ يا فتاة أنك تصيبين الشخص بالصم من ثرثرتك.. آه، ليكن لديكِ علمًا من الآن ستعيشين معي في بيتي.
فـ انفرجت شفتاها لتتكلم فعادت تطبقهما في زهول.
ذاك الأبله.
ما به يتحدث بـ اريحية كأن ما حدث لم يحدث؟
بينما استأنف آجار:
- أنا لا أعيش وحدي، مع أختي، وأخي سيتزوج قريبًا لو تعلمين! وكيف لكِ أن تعلمي بالأساس؟ من الآن لن أتخلى عنك، سأكون لكِ الظلُ الحارس.
لانت نبرته وهو يردف وعيناه تبرق بوعد صادق لامس روحها:
- اعتبري إنه من اليوم أنتِ لستِ وحيدة، لأني موجود، سأكون لكِ كل ما تريدين وسأحميكِ من كل أذى. من اليوم وأنتِ .... قطعة من قلبي، القطعة التي لا اسمح لأحد المساس بها، لأن في أذيتها نهايتي وموتي وفقداني لروحي.
أسبل جفنيه عن عيناه التي تفضح ما بقلبه قبل أن يفتحهما ليمسك كفها ويفتح لها باب السيارة لتصعد ويصعد بجانبها.
ومر الطريق بصمت تام حتى توقفت السيارة أمام بيته وترجلا داخلين للداخل لترحب بها هنا وتستقبلها أروع استقبال وهي سعيدة بوجود فتاة ستشارك معها يومها وأيامها.
وبعدما أدخلتها لإحدى الغرف واطمأنت عليها عادت إلى آجار الجالس في شرود ضامم إحدى الوسائد لصدره.
فـ جلست بجانبه وتساءلت متعجبة:
- هذه حبيبتك؟ كم حبيبة لديك يا آجار بحق الله؟ وناردين يا بني أين ذهبت؟ لم أعهدك هكذا قبلًا، ما الذي حل بك؟! منذُ متى وأنت تسمح لقلبك أن يحب جميع من عرفتهن؟ كانوا مجرد لحظات عابرة في إحدى الملاهي، ما جرى لك يا أخي؟
نظر لها آجار نظرة عميقة قبل أن يتسائل باللامبالاة:
- من ناردين؟
ضربت هنا جبينها في كفها وهي تهتف في استنكار:
- من ماذا يا حبة عيني؟ ناردين تلك التي كدت تموت من أجلها في المستشفى حتى ظننتها زوجتك وأنت تخبي علينا.
رفع آجار قدمه اليسرى لعقدها أسفله وهو يلفت لها مردفًا:
- ما بكِ يا هنا، هلا أخبرتيني؟ أظنك بحاجة لطبيب نفسي هذه الأيام.
فتارة تظنين إني كنت معك بينما أنا غائب! وتارة تقرنين بيّ حبيبة لا أعلم من تكون.
جزت هنا شفتيها بغيظ ولم تعلق، ونهضت ضاربة قدمها في قدمه اليمنى وهي تبتعد.
جلست "منة" على أرجوحة في حديقة منزل آجار وهي تشعر بالغربة وكم تمنت أن تعود لبيتها الذي يحوي رائحة والدها.
هذا العبق والله كفيل لجعلها تطمئن.
جدران البيت تبثُ لها ذكريات الأمان فيسكن خوفها.
لكن الأمان الآن يتمثل في آجار فقط.
تبًا لهذا الحب لأنه ينساب بنعومة إلى القلب فيحتلها.
لماذا تشعر بالوحشة وأن رأته تُسعد وتُسر؟
وجوده يكون أمانًا وغيابه خوفًا.
- هلا أوقفتِ التفكير بيّ قليلًا فـ أنتِ تشغليني.
تنبهت لصوت آجار أعقبه جلوسه بجانبها وسألها في اهتمام:
- مرتاحة هُنا؟ هل ينقصك أي شيء؟
هزت رأسها واردفت شاردة:
- أنا لن أبقى هنا طويلًا أليس كذلك؟ بالأخير أنا لست محبوسة!
حدجها آجار بنظرة لم تفهمها قبل أن يُحرك الأرجوحة بهما وهو يجيبها:
- كل شيء سيعود كما كان وستعودين لمنزلك وحياتك فقط لأصل لحل وسط مع هذا الرجل.
ثُم دفع جانب رأسها وهو يهتف:
- عسى هذا العقل يتعلم ويكف عن الركض وراء الكبار الذين هم أنتِ في نظري نملة لا تُرى تحت الأقدام.
زفر بضيق وهو يتابع في غموض:
- هذا العالم لا تغوصين فيه يا منة لأنكِ أنتِ الخسارة، لو لم أكن بجانبك لكنتِ ميتة الآن.
سكت وسكن الجو من حولهما إلا من التفاتة كانا يختلسها من بعضهما.
لفحهما هواء جميل تطاير لأثره خصلاتها فبدت له كملاك تجلى من السماء بشلالات من نور تضيء حياته الحالكة.
قاطع الصمت بينهما قول منة التي ظهر الارتعاش في نبرتها:
- آجار هل أنا محطة عابرة في طريقك ستذهبينها يومًا ما؟!
- ليتكِ كنتِ كذلك، يا ليت!
قالها آجار في نفسه وهو يلتفت برأسه نحوها لتتلاقى أعينهما بحديث صامت لم يطل وهما يبتعدا ببصرهما للأمام.
وخيم الصمت مرة أخرى حتى ظنت إنه لن يجيب وأن الرد هو نعم هي مجرد محطة في حياته سيغادرها يومًا حتى يصل لمحطته الأخيرة ووطنه.
لماذا وجعها هذا الخاطر؟
من يكون هذا الـ آجار؟
هي ستدفن ذاك الحب قبل أن ينبت أكثر وستقطع بذرة من الجذور.
دمعت عينيها بدموع أبيه.
لم يتفوه أحد ببنت شفة لردحًا من الزمن حتى شق الصمت آجار بقوله:
- أخشى أن لا تصدقين؟
رده أعاد لها بعض الأمل وهي تسأله:
- لماذا لا أصدق؟
- ربما لا توافقين.
- ما الذي لن أوافق عليه؟ لماذا يبدو كلامك مبهم هكذا.. أخبرني هل ستتخلى عني يومًا؟ هل ستعلقني بك وترحل؟ هل تعطي لحياتي أملًا وتتركني؟ أنا أخاف الوحدة رغم أني أعيش بمفردي! أخاف الناس وأخاف التقرب منهم! أهاب أن يطعنني أحد أحبه قلبي حبًا جمًا، أخشى الغدر أن يأتيني ممن ظننته نفسي.. أجزع من الانسياق حول مشاعري نحوك، أخاف أن تحلق بيّ لسابع سماء وبعدما أطير تاركة لك نفسي في استسلام أن تخذلني وتلقي بي لسابع أرض، هل ستفعلها آجار؟
- هل ينزع المرء روحه من جسده؟ هل يقتلع قلبه من صدره؟ هل يمكن للإنسان أن يؤذي نفسه؟
هوت دموع منة فـ أقترب بوجهه ملثمًا دمعاتها وعينيها وطوق كتفها لترتاح رأسها على صدره.
بينما أردفَ آجار وهو يسند رأسه على رأسها:
- ربما لا تفهمين حياتي! أنا في أمس الحاجة إليكِ، قلبي يمد يده لكِ لتنزعيه من هذا المستنقع الذي لا فرار منه، مستنقع وجدت نفسي مزروعًا فيه رغم أنفي. أريدك أن تحييني يا منة فـ أنا قلبي ميت يتلهف للإنعاش ليسترد نبضه، أريد نورك ينير دربي الحالك، كوني ذاك السراج الذي لا ينطفئ.
صمت لبرهة وقال في ألم:
- ربما تتعجبي من تمسكِ بكِ والأدهى حبي! لكن يقولون إن القلب ينتمي لوطنه مهما تغرب لا بد له من العودة. وأنتِ وطني الذي وجدت راحتي فيه وملاذي. أنا من أرجوكِ ألا تتركيني وإلا أموت.
كلماته لم تزيد دمعاتها إلا انهمارًا.
كفيها تشبثت بملابسه أكثر.
كأنها تهاب من أن يختفي من حياتها ويتركها.
فلا جرم إذ راحت تشهق وذكريات موت والدها تتدفق في خلدها وهي تقول بنبرة تقطر حزنًا وكأن كلماته نكأت جرحها الغائر فما زادته إلا نزفًا:
- لماذا لم تكن معي حين قتلوا أبي؟ كنت وحيدة يا آجار بمفردي. كنت أخاف أن أغمض جفناي فيقتلوني، هاجرني النوم وكنت أعيشُ في رعب، كنت أنتظر الموت يهاجمني في أية لحظة، كنت يتيمة كطفلة ضاعت من والدها وسط الزحام فتاها عن بعضهما. لماذا لم تظهر حينها لتحميني؟ لماذا لم تكن معيّ؟ لماذا تركتني أعيشُ في رعب وأنتظر موتي حتى تعبت؟ تعب قلبي وتعبت نفسي وحالتي ساءت.
- آسف.
قالها آجار بكل أسف وكلماتها كخنجر يطعن قلبه فيصعقه.
رفع وجهها واحاطه بكفيه وهو ينظر لعينيها اللامعة بالدمع في حب فسألته بإرتباك:
- عمَّ تتأسف؟
- لأني كنت بعيدًا عن "منتي" وهي في أشد الحاجة لوجودي! أعتذر عن كل دمعة نزلت من عينيكِ بعيدًا عن صدري! أسفٌ لكل خوف احتل قلبك في غيابي. أسفٌ على قسوة الحياة وكل رعب وترقب للقادم عشتيه بمفردك. أسفٌ وألف أسف على كل ما مضى لكِ.
كان دورها هي الآن لتضم رأسه إلى صدرها في حنان أمٌ تهون عن طفلها وجعه.
فـ أغمض آجار عينيه والأمان يستكين بين جنبات روحه وقال في همس:
- سأعوضك، سأجعلك تنسين كل لحظة خوف داهمتك، سأجعل من جعلك بتلك الحالة أن يتذوقها، أقسم بأني سأجعله يجن ولا يجد علاجًا، سيدفع ثمن كل دمعة نزلت من عينيكِ يا ذات العينين النجلاوين.
كلماته كانت تخرج من فمه بلا وعي، ويتخيل هيئتها وهي خائفة جالسة تضم قدميها إلى صدرها تحيط بهما بذراعيه وجسدها ينتفض، وقلبها يرتجف ودموعها لا تجف ونظرها عالق على الباب في انتظار ملك الموت..
فقست عينيه وهو يتذكر اسم قاتل والدها!
- آجار أين ذهبت؟ أحادثك.
تنبه آجار لـ منة وهو يبتعد قائلًا:
- معك.
- ماذا كنتِ تقولي؟
- فيمَ سرحت؟
- لم أسرح، أخبريني ماذا قُلت ولم أنتبه.
بغيظ سألت منة وهي تعض على شفتيها:
- سألتك هل أنا عيناي نجلاوتان حقًا؟
- ولمَ أكذب؟!
قبل جبهتها وهو يقوم ليبادرها قائلًا بوداعة:
- عيناكِ ساحرتان وواسعتان بلونهما الرمادي عن قُرب، كفاكِ سهرًا الآن هيا إلى غرفتك لتنامي.
امتثلت له دون جدال وأوصلها إلى غرفتها وتوجه هو لغرفته.
في صباح اليوم التالي، كان صباحًا مشرقًا وإشراقة تسللت إلى قلب آجار بفرحة غامرة وهو يتجه توًا فور انتهائه من تبديل ملابسه وتصفيف شعره نحو غرفتها ليطرق الباب في انتظار صوتها يداعب أوتار قلبه.
لكنه لم يحصل إلا على الهدوء التام.
فتواتر دقه على الباب دون أن يتلقى رد.
فـ فتح الباب يشمل الغرفة بنظره فلم يجد أحد بها.
توجس خفيةً في نفسه وهو ينادي باسمها مع فتح باب دورة المياه الذي وجده فارغًا أيضًا.
نزل الدرج بخطوات سريعة شبه راكضة وهو يبحث عنها كالمجنون لكن لا أثر لها لا في البيت ولا الحديقة.
كاد أن يتصل على هنا في المستشفى ليسألها لولا رنين هاتفه معلنًا عن رقم غير مسجل.
ليرد في تلهف ليأتيه صوت رجل يقول بنبرة جادة:
- من تبحث عنها معنا، تعال أن كنت تود أنقاذها، حبيبتيك الاثنتين معنا وأنت الأحرى في من تنقذ ومن تريدها أن تعيش. نحنُ الآن في ......... بإنتظارك سيد آجار وتعال بمفردك دون صحبة ... سلام.
هاج وثار وهو يصرخ في الهاتف الذي أُغلق دون أن يعطيه فرصةً بأن ينبس بحرف.
زأر آجار وهو يركض آخذًا سيارته يقود بسرعة تسابق الريح غير عابئ بالسيارات التي كان يتجاوزها باللامبالاة ولا بالسيارات التي اصطدم بها.
لم يكن يلاحظ بالأساس مشاعره هي من كانت تسوقه لا إراديًا منذُ ساعات فقط بالليل كانت بين يديه تتوسد رأسها صدره يفصح بحبه وتبوح بمكنون قلبها فهل يفقدها بتلك السرعة.
الحياة بكل ما فيها كانت تطوى على أنفاسه فيشعر بالاختناق وحاجته للأكسجين الذي تلاشى بغتة من حوله.
ما الذي قد يحصل له لو حدث لها شيء؟
يقسم بإنه قد يهدم الدنيا بما فيها ناهيكم عن الدنيا قد يهدم الحياة بكل من عليها ويحرق الأخضر واليابس أو بالأحرى ...
سيكون جسدًا بلا روح.
وقلبًا بلا نبض.
أيا قلب انتظر لا تتوقف الآن نبضك سيعود ليسكنك ولن يكون غيره مسكنًا.
فيا روح تمهلي لا تثوري ولا تغادري الآن قبل استعادتها ستجدينها وتضمينها حتى لا تختفي مرة أخرى.
بالطبع هي خائفة الآن تكاد تموت من شدة الرعب!
تبًا له لماذا أدخلها عالمه وهو يعلم أنها نقطة ضعفه التي سيكسرون به؟!
أوقف سيارته في المكان المنشود، منزل بسيط نوعًا ما في مكانٍ ناءٍ.
فتح تابلوه السيارة ليأخذ السلاح ويسحب الزناد وهو يترجل من السيارة.
في نظرة واحدة تناهى له أربع رجال ليختفي من أمامهم يوارى نفسه عنهم.
وأخرج كاتم للصوت ثبته في السلاح.
عيناه بقت لثوانٍ زائغة قبل أن يسير بمحاذاة السيارة مشهرًا سلاحه ليطلق على الرباع قبل أن يتداركه ما إن وصل لديهم.
انحني ملتقطًا سلاح واحدٍ منهم واندفع للداخل مشهرًا إياهم وهو يدور حول نفسه.
هنالك تم تراشق ضرب النار مع رجال كانوا متناثرين بالداخل فراح يختبئ ويطلق بمهارة وكل رصاصة تصيب هدفها ببراعة.
وهو يتسلل للداخل غير عابئ بنفسه بأن يصيبه أذى كان غير مهتمًا بحياته من الأساس.
يخرج أمام الرجال يطلق عليهم وهو يتحرك للداخل كالطود العظيم ويتفادى رصاصتهم بكل داهية.
قرب المنزل ركض دافعًا الباب بقدمه وهو يشهر سلاحيه للأمام أمام .... أمام نفسه؟!
نعم كان صورة طبق الأصل منه الآن أمامه موجهًا سلاحًا عليه بأنفاس متلاحقة وأعين قلقة خائفة، وكفٍ مرتعش بالسلاح وبنطال من الجينزل الأسود وتيشرت بنصف كُم من اللون الأسود.
وقف جان وآجار كلاهما أمام بعضهما موجهين كلا منهما السلاح لصاحبه.
لكن الصدمة الأكبر كانت من نصيب آجار الذي تقافزت دقات قلبه كالطبل من فرط الصدمة.
رواية جحر الشيطان الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندي ممدوح
"حامل !! حامل إيه؟ ومن مين؟"
سألها عبد الله وانفجر ضاحكًا وهو يضرب كفيه ببعضهما.
"فعلتها شيماء والله إنها لمجنونة، من تشوه سمعتها لأجل رجل لحمقاء! وبئس الحمق لرجل يتلاعب بها! لقد مل وقرر تركها وقالها صريحة، لكنها تفعل كل شيء ليعود لها. غبية هي إن حسبت إنه واقع في حبها، وهو والله ينفر منها. لا تعلم إن قلبه متعلقًا بالتي أمامه، أروى، مثل تلك الفتاة تحب. مثلها لا يضيع من بين اليد! وقلبه الأبله تحدى كل شيء وذاب فيها. لقد تجاوز المخطط له، لكن إن كان قربه من شيماء سيجعله قريبًا منها فمرحبًا بذلك الحب السخيف. ولا ضير أن يستكمل لعبته."
هدأ ضحكه في تمهل وعيناه تستقر على عينا أروى الذاهلة. فتحمحم يجلي حنجرته وما هم بالحديث إذ هتفت أروى فيه بإنفعال:
"والله أنت واحد تستحق الحرق، تعمل عملتك وتهرب، مش عارفة بجد إزاي إللي زيك..."
قاطع عبد الله حديثها يقول في تريث وإشارة من يده:
"طب اسمعيني الأول لو سمحتِ، بلاش حكمك عليَّ ده، كلماتك صعبة، ونظرتك ليَّ أصعب."
لكنها لم تعره اهتمامًا وكادت تقف، لكنه بادر يستوقفها:
"شيماء بتكدب عليكِ!"
كزت أروى على أسنانها وهي تجيبه بصوت منفعل، غاضب:
"إنتَ الكداب مش هيَ، وإياك تجيب سيرتها بالوحش قُدامي."
تبسم عبد الله بسمة متهكمة.
"تلك الفتاة تدافع عنها وليتها تعلم كم تحقد عليها شيماء. قد تتشابه الوجوه والملامح، لكن تبقى القلوب غير القلوب، كل قلب مختلفًا عن الآخر. والنفوس الطيبة غير النفوس المريضة، ثمة فرق على أي حال! فرق شاسع يمتد لأميال."
عادت أروى جالسةً أمامه مرة أخرى، وهتفت بضيق:
"ياريت تقول ليّ الصراحة، فين قسيمة الزواج؟!"
فتنهد عبد الله مشبكًا كفيه على الطاولة وأردف:
"مفيش قسيمة زواج لأن كل اللي قالته ليكِ كدب، محصلش. كل إللي بدر مني إني قولتلها خلاص هبعد مش عاوزها وغيرت رقمي، لكن محصلش أي حاجة من إللي قالته!"
"وإيه إللي يخليها تقول كدا؟"
"أروى، شيماء بتعاني من حالة نفسية غالبًا عندها نقص في شخصيتها، أكيد قالتلك كدا عشان أنتِ تقنعي عمي أنس يوافق يقدم الفرح بسرعة ويكلمني، لكن..."
أذدردت أروى لعابها بصدمة لم يستوعبها قلبها وتمتمت بصوت باهت:
"ولكن إيه؟"
رد عبد الله وهو يميل بجذعه على الطاولة:
"أنا خلاص صرفت نظر عن شيماء، مش بفكر فيها!"
أنزوت بسمة متهكمة على فمه مع رنين هاتفه باسم شيماء.
"ليدير شاشة الهاتف أمام وجه أروى مع قوله الفاتر: بترن كل دقيقة وبتعيط عشان أرجع لها!"
ثم أغلق المكالمة وركن الهاتف جانبًا وعقد ساعديه على الطاولة وهو يستكمل:
"دلوقتي حمزة رافض إرتباطنا، ولولا موافقة عمي أنس بسبب إلحاح شيماء مكنش حد وافق عليَّ. هنكمل إزاي؟"
ساد صمت ثقيل قبل أن تتمالك أروى رباطة جأشها وتقول بصوت فاتر:
"أنا هتكلم مع حمزة وهقنعه. سلام."
وقفت فور كلمتها الأخيرة تلملم أشياءها بضياع وتغادر. فتابعها هو ببصره وملامحه اللينة استحالت إلى جامدة، وعيناه بدت غامضة، وبسمة خبيثة ارتسمت على شفتيه. عاد بظهره للخلف في استرخاء تام، ثم رفع هاتفه مجريًا اتصال مبهم.
***
هامت أروى في الطرقات كمن فقد بيته فجأة، لا تدرك أين السبيل لما يعتمل قلبها، وضاقت بها الدنيا بما رحبت.
"لمَ تكذب عليها شيماء بمثل ذاك موضوع كان يصيبها في مقتل! أنَّى لها بكذبة كهذه قد تُدمي قلب أخيها وتودي بحياة أبيها وتأجج نارًا في قلب أمها؟ أهكذا يفعل الحب؟ فبئس الحب إن كان كذلك، فلا مرحب به ولا سلام! أهذا حب يفتح له المرء بيبان قلبه؟"
عيناها اختلطت بالحزن والخذلان وترقرق بهما دمع الخزي.
"لأول مرة أجلس مع غريب! هذه المرة الأولى التي أفعل بها شيء من خلف أبيها! بسبب من ولما؟ يا ليته كان يستحق."
راودتها رغبة في البكاء، كظمتها بداخلها.
"كم عسير على المرء أن يكتم دمعه وهو في أشد الحاجة للبُكاء! كم مؤلم أن يكظم حزنه مما ألَم به ولا يدرك كيف يصف ذلك! والمؤلم أكثر أن يخذلك من تنصفه بكل جهد منك!"
"لا، لا لم تفعلها شيماء، لم تكذب عليها. ثمة شيء آخر لا أفقهه، رُبما عبد الله ذلك يكذب عليها، لكن لمَ يفعل؟ آهٍ من الحيرة حين تستبد بالمرء وتذره يتخبط في بؤرة حيرته وخذيه."
"فليرحل الحزن مذمومًا مدحورًا وستذهب إلى شيماء لتعلم الحقيقة كاملة."
وعندئذ استقلت سيارة أجرة إلى منزل أنس. وهنالك وقفت أمام شيماء في غرفتها وقالت في هدوء رغبة أن تثبر أغوارها:
"قابلة عبد الله أنهاردة، ويلا راجعة.. جيت عليكِ على طول!"
لم يُخفَ على أروى تصنع شيماء الصدمة وهي تسأل بلهفة:
"بجد! طب شمعنا قابلك أنتِ؟ قلك إيه؟ حكيتوا في إيه؟"
كلماتها تقطر كذبًا يتدفق من مقلتيها، لكن أروى لم تبين شيء وجارتها في الكلام علّها تدرك بمكنون قلبها، وتظفر بخفاياها. قالت وهي تجلس على طرف الفراش:
"قولت له إني هتكلم مع حمزة يوافق على تقديم كتب الكتاب."
وحولت نظرها في عمق عينيها وتابعت:
"وإيه رأيك يبقَ كتب كتاب واحد أنا وأنتِ وخديجة!"
لمعت أعين شيماء بفرحة وهمت بكلامٍ انحسر بداخلها حين غمغمت أروى بحدة:
"ليه كذبتي عليَّ وقولتِ إنه اتجوزك وإنك حامل منه، ليه؟"
ارتبكت شيماء ولم تعرف كيف وبماذا تجيب، وزاغت عيناها فرارًا من حصار عينين أروى العاتبتين بحسرة مصدومة. ظلت أروى تسأل ولم تجب. هزتها من كتفيها فزاحت شيماء ذراعيها وهدرت فيها:
"إنتِ مالَك! أكذب براحتي! مكنتش متخيلة إنك هتوصلي ليه. أفتكرت إنك بس هتقنعي حمزة وأنس بس ومش هتعرفي إني بكذب، وأول ما يرضوا كنت هوصل بيه أنا بطريقتي."
"ووقفت هاتفة في غضب وعينين متسعتين: لكن الأستاذة راحت ولقته حتى بعد ما سافر ورجع وحكت له كل حاجة. دلوقتي أنا كدابة في نظره. أنتِ متخيلة عملتِ إيه بعملتك دي؟"
في ذهول مخمور بالصدمة حدقت فيها أروى بلا استيعاب ونهضت تشير لنفسها في همس:
"عملتِ أنا؟! دلوقتي أنا اللي غلطانة؟ بس هقول إيه بجد متستاهليش أي حاجة. أنتِ إزاي كدا! أنتِ مستحيل تكوني مننا. مفيش حد فينا بيكذب وبيألف كدا."
"وهقولك نصيحة قبل ما أمشي."
مع قولها كانت تمسك بمقبض الباب مسترسلة:
"عبد الله عمره ما هيصونك، بس أفضل حاجة ليكِ إنك تمشي في اللي اختارتيه وتجني بنفسك ثمار اختيارك. هتندمي وهتقولي أروى حذرتني. ياريت مفيش بينا كلام تاني."
أوصدت الباب وراءها في عنف وغادرت دون أن تودع سمر، وأسرعت إلى بيتها كأنها تهرب من شبح الوجع هربًا، فلا فرار منه.
دخلت إلى الشقة وانسابت دموعها التي رآها ياسين. فوقف متفاجئًا وما كاد يهرع إليها حتى سبقته هي ترتمي في حضنه وتبكي.
فخيم الصمت على الجلساء، إذ كان جان ودارين وسجى ومعاذ جالسين يتسامرون. فصوب الجميع أبصارهم إلى أروى التي أخفاها ياسين في حضنه متمتمًا بحنان خافت:
"هش يا بابا، مالك في إيه؟ إيه اللي حصل معاكِ، بابا جنبك. قوليلي إيه مزعلك."
من ذا قدير إذًا على إذابة وجعها غير أبيها؟ السند الذي لا يميل، والحنان الذي لا يضام، والرفيق الذي لا تغيره الأيام؟
فرفعت رأسها إليه مع هزة خفيفة تهمس بشهقة:
"مفيش."
ربت ياسين على وجنتها مع إزالته لدموعها ولثم جبهتها بلطف وربط على كفها الذي سكن في راحته كأنه يبعث فيها الراحة، السكينة، الأطمئنان.
فراعها إن وجدت الجميع يحدق فيها فضحكت ببلاهة. فتبسم جان لها وبادر قائلًا:
"ما الذي يبكيكِ؟"
وأسرع معاذ هاتفًا:
"قولي مين مزعلك وأكسرلك رأسه."
وصاحت دارين قافزة على ركبتيها فوق الأريكة وتنظر لها من وراءها:
"أيوه قولي بس يا بت مين مزعلك، أنتِ وراكِ رجالة."
ضحكت سجى عليهم بينما حركت أروى كتفيها مجيبة وهي تثب بجوار دارين بعد ما التقطت حفنة من البُ:
"مفيش يا رجالة الله يبارك فيكم."
ونظرت لـ جان قائلة:
"لا تشغل بالك بيّ، أردت فقط معرفة إذ ما زال ليّ حب بقلب ياسين أم كله لـ سجى."
فـ وكزها ياسين في كتفها مغمغمًا:
"اتلمي وقومي أعمليلي كوباية قهوة."
فزمت شفتيها بضيق قائلة بحزن مصطنع:
"أرأيت يا جان ذاك الحضن لم يكن بلا مقابل."
فمال ياسين بكفه بغية ضربها لكنها صاحت ناهضة جارية إلى المطبخ مصحوبة بالضحكات التي علت.
وبينما هي تعد القهوة إذ جاء ياسين واقفًا بجانبها ودون أن ينبس ببنت شفة سحب المعلقة التي كانت تُقلب بها من كفها وأخذ بيدها إلى الطاولة ليجلسها وجلس بجانبها وسألها بحنان:
"كان مالك بتعيطي ليه؟"
تجمعت العبرات في حدقتيها مع سؤاله، فضم كفيها في راحتيه وقال بقلق:
"حد ضايقك يا أروى؟ قوليلي!"
لم تجد مفرًا من البوح له بما في جعبتها، فراحت تقص عليه ما حدث كله مدعية فقط إن شيماء وعبد الله تخاصما وأصلحت بينهما وإن شيماء حزنت لأنها قابلته. لم تسطع أن تخبره بكذبة شيماء! أو أن تنزل من نظره فاستأثرت التستر. فضمها ياسين بعد أن فرغت من مكنونها، وقال برفق:
"مش هعاتبك على حاجة يا أروى، ولكن زعلي كله إنك قابلتي عبد الله من ورايا. كُنتِ قولتيلي وأنا أتصرفت."
فحدقت فيه وسألته بجزع وهي ترفع رأسها عن حضنه:
"بابا إنت زعلت مني! بالله ما تزعلش أنا.."
"بس يا حبيبتي مش زعلان وقولتلك مش هعاتبك على وعد أن الحاجة دي متتكررش."
فتبسمت أروى متنهدة في راحة وقالت:
"أوعدك يا حبيبي."
رن هاتف ياسين جاذبًا انتباهه، فـ تركها مكانها وخرج دقائق ثم عاد وهو يقول:
"خدي كلمي حمزة عاوز يطمن عليكِ، وأنا هقف هنا."
تناولته أروى منه بلهفة، وردت في استحياء ممزوج بالشوق:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إزيك يا حمزة؟"
فرد حمزة السلام قائلًا:
"وعليكِ السلام ورحمة الله وهداه ورضاه، بخير الحمد لله، أنتِ عاملة إيه؟"
أجابته أروى بإيجاز وهي ترمق أباها بخجل، وسألت عن خالد وأجابها بإنه بخير ويسلم عليها. ثم سألها بنبرة ذات معنى:
"أنتِ كنتِ فين النهارده؟"
فشحب وجهها فجأة، ولم تدرِ كيف تجيب وبماذا تجيب، فقالت بنبرة متوترة:
"كنت.. كنت عندكم."
"متأكدة عندنا بس؟?"
فبهت وجهها وسكتت هنيهة مسبلة جفنيها على قلقها وقالت وآخذة نفسًا عميقًا مجيبة:
"أيوه."
فتبدلت نبرته وهو يقول بنبرة فاترة:
"تمام، سلام."
"سلام."
أغلق الخط فور كلمتها فردت الهاتف لأبيها الذي لاح له شحوبها وسألها ما بها، فردت بأن لا يوجد شيء.
***
في معرض الرسم وقفت تتأمل لوحاتها المنظمة بعد انتهائها من ترتيبهم. والحق يقال، إنها ما بين الثانية والأخرى تلقي نظرة عليهم، كأنها تخشى أن يتزحزحوا. قلبها مضطربًا بالقلق، عيناها زائغة على باب المعرض في انتظار شخص معين، شخص لطالما أعانها في تلك المواقف واحتواها وكان المتكلم بيسر عنها.
"تراه يأتي؟ أو لن يأتي؟ إن لم يأتي فلن ألومه حقًا معه كل الحق أن لا يأتي! لن يأتي. ما هو إلا القليل وينفتح المعرض، سأنسحب حتمًا!"
لم يجيء أحد حتى الفتيات لم يأتين!
"مؤلم أن يجد المرء نفسه وحيدًا وسط الزحام دون اكتظاظ الأحبة حوله."
دمعت عينيها مع خواطرها التي أضنت روحها، وأطرقت برأسها سابلة جفنيها بقوة. رفعت رأسها تلقي نظرة أخيرة على لوحاتها وقد عزمت على التراجع. وبينما هي غارقة في هواجسها إذ خفق قلبها كالطبل بغتة معلنًا عن التقائه بشطره الآخر.
فرفعت نظرها في لهفة ولم يخب قلبها إذ كان معاذ يقبل مرتديًا بنطال من الجينز الأسود وتيشرت أسمر اللون بنصف كم وكوتش أبيض لامع مصففًا شعره. سلب روعها، هو في كل حالاته يسلب كل ما بها، قلبها، روحها، وجدانها، حتى أنفاسها ويتركها مسلوبة الإرادة.
"لقد جاء حقًا لم يخلف بوعده السابق أن يظل بجوارها طيلة العمر مهما احتاجته، فكان لها الآن أن تتنفس في راحة مخرجة توتر روحها الملهب وتناهى لها صوته قريبًا: أتمنى ما أكون اتأخرت عليكِ، كل حاجة تمام؟"
وقبيل مجيئه عانى من أفكاره في الآتيان حتى انتصر قلبه على عقله وجاء.
فنظرت بتمعن إلى وجهه كأنها تروي ظمأ روحها العطشة، عيناها الهاربتان عن عينيها وعنها بالتحديد. ودت لو لها الحق أن تمسك وجهه وتنظر لعمق عينيه، لكنها تنحنحت مجيبة لتشير بمعنى:
"أفتكرتك مش هتيجي!"
فرد عليها بإيجاز وهو يتجه إلى اللوحات:
"مش أنا اللي أخلف بوعدي."
إندمجا معًا في اللوحات وترتيبها والتحدث عن مدارها حتى حضر الفتيات أجمعهم ومالك وجان.
وبينما هم جميعًا متجمعون يضحكون، يتسامرون، إذ حضر شهاب فسكتت الألسنة وأختفت البسمات، وتلاشت الضحكات، ولُجمت ملك كأن أصابها سهم مسموم لا تدرِ من أي اتجاه جاءها. وبعد أن ألقى السلام وردوا بفتور تبادل مع معاذ نظرة غاضبة. وحينما نظر إلى جان سأل عنه فـ أشارت له من يكون وعرفاتهما على بعضهما، واستقرت عيناه على ناردين ليبلل شفتيه بلسانه وما كاد يسأل من تكون إذ سحبتها الفتيات بعيدًا وعقبت دارين قائلة:
"تعالي يا بنتي نتفرج على اللوحات، مش عارفة إيه الدبان الرزل اللي حضر فجأة ده."
وبعد ابتعاد الشباب أيضًا، وقف شهاب أمامها قائلًا بغلظة:
"أنا مش قلت ملكيش علاقة بـ اللي اسمه معاذ ده، جاي ليه لحد هنا؟"
فـ بنظرات محتدة كانت تشير له بإنفعال بالإشارة بمعنى:
"إنت مالكش الحق تقولي أكلمه ولا لأ..."
فجز شهاب على أسنانه مقتربًا خطوة، أبتعدت عنه حذرًا وليس خوفًا فزمجر قائلًا بشراسة:
"ملك مش عشان بحبك وعايزك تسوقي فيها، أنا معنديش عزيز. يوم ما هتعصيني..."
وتبسم ببسمة ذات معنى جعلتها تستدرك ما يعني، لكنها استوضحت بتحد بإشارة من يدها ورأسها "هتعمل إيه يعني".
فغمز لها قائلًا بنبرة مرحة:
"الفيديو هيكون منور على الشاشة والناس كلها تعرف حقيقة حفيدة عيلة الشرقاوي."
ودت لو تبصق في وجهه، أو تبتعد عن كل الوجود إلى مكان نائي وتصرخ.
"قاسية تلك الأوجاع؛ مؤلمة حد الموت هذه التي لا يستطع المرء البوح بها إلا صراخًا. إنها أشد ألمًا لو تعلمون، أو كأنها نارًا تندلع في قلب صاحبها وتظل تنهش فيه حتى يصبح فُتات."
ضحك شهاب متحدثًا بمرح كأنما لم يهددها توًا، وكانت هي كل فنية وأخرى تخطف نظرة إلى أخيها ومعاذ تستمد منهما القوة. وحين مرة تلاقت نظراتها مع معاذ وبقت لثوانٍ عالقة حتى تنبهت لمالك يحاوط كفها ويقطع حديث شهاب بقوله:
"كفاية كده، روحي يا حبيبتي اقفي مع البنات."
ففرت ملك من أمامهما كأنما تفر من إنسان متجسد في شيطان.
وأنهمكت ملك حين بدأت الناس تتوافد إلى المعرض وفي عمل حوارات صحفية عن لوحاتها التي حازت على إعجاب كبير من الوافدين والتصوير مع معجبيها. حضر ياسين آتيًا مع شيماء التي صافحت أروى وخلا بهما ياسين. إذ ذلك قال عاقدًا ذراعيه:
"في عيلتنا مفيهاش خصام لا مع غريب ولا قريب فما بالكم بـ أخوات. هتسمحوا لحاجات تافهة تفرقكم، وخاصةً إذ كان راجل ميستهالش."
فـ أردفت شيماء وهي تشيح بوجهها:
"أنا مخصمتش حد."
فنظر ياسين لابنته وقال بحنو:
"وأروى قلبها أبيض مش بتخاصم حبايبها لوقت طويل بتتصافى بسرعة."
واسترسل بحدة:
"يلا أنتِ وهي تصالحوا قدامي بلاش لعب عيال."
فزمت أروى شفتيها وهي تقترب من شيماء وتعانقا ضاحكتين، فتبسم ياسين مرتاحًا ورفع كفيه مطوقًا كلا منهما مع قوله:
"بلاش تسمحوا لحد يدخل بينكم، الدنيا مش مستاهلة زعل وخصام محدش عارف هنفارق إمتى الحياة."
و وجه حديثه إلى شيماء برفق:
"وأنتِ بلاش تفكري إن أخوكِ مش بيحبك، حمزة بيحبك وبيخاف عليكِ، ولما يقول لك على حاجة لأ يبقى لمصلحتك. هو بيتمنالك الخير. تصالحي مع نفسك يا شيماء عشان تتصالح مع كل اللي حواليكِ."
وتابع بتنهيدة أودع فيها جم راحته:
"الحب يا شيماء لو مكنش يعزك ويرفع يبقي مش حب. لو مكنش في احترام بينكم ومودة واهتمام وخوف على الثاني يبقي مش حب. الشخص اللي يجرك للنار عمره ما حبك عشان اللي بيحب بيتمنى حبيبه يبقى معاه في الجنة ويسحبه معاه."
ثم تابع بزهو:
"عندك أنا وسجى مثلًا، هل سمعتي في يوم إن في بينا خصام، خناق، زعل؟"
هزت رأسها فاستأنف:
"عشان أنا وهي واحد، مفيش إنسان بيخاصم نفسه ولا يزعلها ولا يجرحها. هي عندي بالدنيا وأي حزن، ألم، أنا اللي بتوجع."
"اللي عايز أقوله أختاري صح، أختاري اللي يصونك ويحطك جوة عينيه.. الحب اللي يزل صاحبه مش حب."
***
دلفت خديجة إلى المنزل قبيل العشاء بعد رجوعها من المستشفى لتتفاجأ بـ جان يجلس برفقة ناردين ويغني أغنية أجنبية والأدهى يعزف على الجيتار. فأخذها الزهول وهي ترمش بعينيها، فتوجهت نحوهما فتوقف جان باسمًا:
"خديجة، كيف حالك؟ لم أراكِ اليوم!"
فجلست خديجة بجانب ناردين وهي تجيبه:
"بخير الحمد لله، لأني ذهبت إلى المستشفى باكرًا؛ كان لدي عملية."
فأرتمت علامات الأسف على وجهه وقال بحنو:
"لا بُد إنكِ مرهقة!"
فنفت خديجة باسمةً ورغم أن بسمتها لم تظهر إلا عينيها فجأة لمعت وتمتمت بصدق يلامس القلب:
"إرهاق!! تلك كلمة خارج قاموسي. فرحتي لا تعادلها إيه فرحة أمام فرحة أهل المريض بنجاح عملية مريضهم."
وجدت ناردين تسند ذقنها إلى راحتها وتتأملها باسمة، فـ غمزة لها قائلة:
"ما بكِ لمَ تنظرين إليّ، أعلم إني جميلة."
"أنتِ جميلة حقًا، ثمة هالة تحيط بكِ تجذب الناظرين، بكِ شيئًا كـ.. كالنور وسط الظلمة."
ثم استوت جالسة وسألت:
"لماذا ترتدي هذا النقابُ يا خديجة وتخفين وجهك؟"
أجج لهيب الكلمة صدر خديجة فراحت تتأمل السماء بدموع سجينة خلف نافذة عينيها وتمتمت:
"حالمة يصل المرء لدرجة الاشتياق لنبيه وكل أحبته يسير قدوة لهم في الحياة الفانية."
سكتت لوهلة ناظرة لها تنتقي كلماتها، وهمست:
"كل شيء فانٍ يا ناردين، الدنيا لا تستحق أن ننغمس فيها ونضيع جنتنا.. هذا النقاب ليس فرضًا، لكني أرتديه حبًا في السيدة عائشة حتى يجمعني الله بها في جنته، أرتديه لأسمو درجة من العفاف، وأخرى في الستر، حتى أكون درة مصونة لم تغتصبها النظرات، حتى أكون مصونة من الفتن ولا أحمل وزر أحد من الناظرين إليّ..."
قاطعتها ناردين تقول بعدم اقتناع:
"ولكن لماذا نخفي جمالنا؟ ألم يرزقنا الله به، لماذا رزقنا به إذَنْ هل لنخبيه؟!"
فحركت خديجة كتفيها صعودًا وهبوطًا مع سؤالها:
"وهل تحترمين نفسك حين ينظر لكِ كل من هب ودب بنظرات بشعة وتتشبع من جمالك وتحلم به؟ الأمر ليس كما تظنين. ربنا رزقك الجمال لكِ لنفسك لزوجك على كتاب الله وسنة رسوله. الجمال ليس كل شيء يا ناردين.. أصبحنا في زمن مليء بالفتن والضلال والاغتصاب بات شيء مخيف لا يعرف كبيرًا وصغيرًا متدينًا أم لأ جميلًا أم قبيحًا. الناس لم تعد في قلوبهم رحمة هجروا القرآن وتركوا الصلاة، أوَليس من الأفضل أن نأخذ بالأسباب؟ أن نستر أنفسنا من أعين وحوش ذو مخالب قد تجهم عليكِ في أية لحظة؟! جمالك لكِ يا ناردين، جمالي ليّ لي وحدي وأحب أن أخفيه لمن يصونه ويقدره."
إلتفتت خديجة إلى جان المنصت لها بتركيز شديد، وقال:
"أتدرين إنكِ الوحيدة التي منذُ رأيتها شعرتُ معها بالألفة؟"
فبوغت بسؤال خديجة له:
"وهل تعلم إن الغناء والعزف حرام؟!"
فرفع جان إحدى حاجبيه متمتمًا بتذمر:
"لا تبدأين معي يا خديجة، أنا عنيد للغاية ولن أفرط في هوايتي!"
"وإن كانت هوايتك هذه قد تكون سببًا في دخولك نار جهنم؟"
نار جهنم اخترقت قلب جان فأوقدته نارًا، الكلمة أصابت من قلبه إصابة بالغة وقشعر لها بدنه. نعم! مجرد كلمة لكن وقعها كان صعبًا فـ قال بصوت يهزه الاضطراب:
"نار جهنم! لمَ يا خديجة؟"
فأخذت خديجة نفسًا طويل زفره على مهل، وقالت:
"أول هام فإن العزف حرام وقد قال الرسول ﷺ: 'ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف.' (والحر: هو الفرج الحرام يعني: الزنا، والحرير معروف محرم على الرجال، والخمر معروف محرم على الجميع وهو المسكر، والمعازف هي الأغاني وما يعزف به من آلات الملاهي.) رواه البخاري. وقال الله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا} [لقمان: 6] .. أرأيت يا إسلام كيف العزف من أكبر الكبائر والذنوب إذ يأتي مقرونًا مع الحر، والحرير، والخمر.... هل أنت على قدر ذاك الذنب؟ هل أنت مستعد أن تموت ويكون رفيقك في القبر؟ اسأل نفسك الآن يا إسلام: هل أنت مستعد للموت؟ الدنيا فانية والمرء فانٍ والله باق. أمستعد لعذاب القبر وظلمته ووحشته؟ قبر المؤمن إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة فـ أيهما تريد؟ مستعد أنت إلى البعث والحشر والحساب؟؟؟ الحساب هل أنت جاهز له، ماذا ستقول لربك حين يسئلك؟ هل مستعد للسير فوق الصراط؟ هيا اسأل نفسك لتدرك أن العبد والله فقير وسيبقى فقيرًا إلى الله يرجو هدايته."
ترقرق الدمع في مقلتيها وسكتت هنيهة، واسترسلت قائلة:
"كل شخص يستمع لعزفك وغنائك أنت من سيحمل ذنبه. المرء يكفيه ذنوبه يا إسلام، أي قلب هذا يتسع لذنوب الآخرين.. نشير الأغاني ونرسلها للأصدقاء والأقارب ظنين إننا نشاركهم شيئًا جميلًا ولا ندري أن هذه الأشياء الجميلة قد تكون ذنوبًا تودي بصاحبها في نار جهنم، فلماذا لماذا نحمل ذنوب الآخرين ونحملهم ذنوبًا أيضًا نحن سببها؟ ألا يكفي؟"
ذرفت مآقيها دمعًا كان حبيسًا، واستمطرت شآبيب عيون ناردين تلقائيًا متأثرة. ولج إسلام في الاستعبار.
فـ كفكفت خديجة دمعها ونهنهت وجالت عينيها عليهما وهي تستأنف حديثها الذي لمست وقعه في قلبيهما:
"لا تحسب الأمر هينًا، فهو مكائد الشيطان. لا يجتمع حب الغناء والقرآن في قلب مؤمن فإن سمع الغناء وغناءه يسد القلوب عن سماع القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان."
"ولك مما قاله ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) فـ أنصت بكلا أذنيك، وافتح بيبان قلبك حتى تلج الكلمات ماحية آثامك يقول الشيخ رحمه الله: يا شماتة أعداء الإسلام، بالدين يزعمون إنهم خواص الإسلام قضوا حياتهم لذة وطربًا، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن. لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، ولا آثار فيه وجدًا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندًا، حتى إذا تلي عليه قرآن الشيطان، و ولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى اقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فأشتعلت، فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن."
هنا وسألت خديجة إسلام بعبرات استهلت:
"هلا حضرت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ هل هيج القرآن دموع عينيك خوفًا من الله، من عذابه، من شوقك لرؤيته؟ هل ملأت قلبك رهبة، وروحك خوفًا؟ هل منعت من عينيك النوم فتقيم الليل كله؟ أيهما تريد أن يكون أنيسك في قبرك ووحشته وظلمتك الأغاني، أم القرآن الذي يطمئن القلوب؟ فكر الآن واختار."
ران عليهم الصمت، كان إسلام تائهًا بين أفكاره، حائرًا لا يدري! أيمكنه التخلي عن غنائه بسهولة؟ موسيقاه التي تنعش قلبه وينتظرها جمهوره! الغناء الشيء الوحيد الذي إذا سمعه أو غناه يذهب حزنه! أنَّى له أن يختار عن تركه أو إكماله؟ لكن.. لماذا يبكي قلبه الآن خوفًا من الموت؟ لماذا قلبت خديجة حياته من الأساس؟ لقد كان مرتاحًا لا يفكر في الموت قط أما الآن فـ الموت حائل بينه وبين حلمه. لقد أصبح مغني مشهور، هل يضيع كل هذا في ثانية؟ يا الله ما هذا التخبط والحيرة؟
أسبل جفنيه في عنف وردد في نفسه بعنف:
"لا، لا يمكن للمرء أن يتخلى عن حلمه بعد أن صار قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه، لكن الموت ماذا لو أتى يا إسلام؟! عليك أن تكرر جنة أم نار؟ يا نفسي الأمارة بالسوء تنحي جانبًا واطردي شيطانك بعيدًا فوالله أريد الجنة وأريد حلمي أيضًا، لا يمكن أن أتخلى عن الغناء."
فتح جفنيه لتلتقي عينيه بعينين خديجة التي تعلم ما يمور في نفسه من اضطرابات وجاهزة أن تهديه السبيل.
هز إسلام رأسه حائرًا وقال بصوت خفيض:
"لا يمكن، لا يمكن أن أتخلى عن الغناء يا خديجة والعزف، لا أتخيل حياتي بدونهم أبدًا."
هُنالك وقفت خديجة متهيأة للدخول وتلت قبل مغادرتها:
"وَمَن يُرد اللهُ فِتنةٌ فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يُرد الله أن يُطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيم (المائدة)."
رتلتها ورحلت فـ بهت وجه إسلام ونظر لها مشدوهًا حتى اختفت. الآية رجفت قلبه أشد رجفة، غاض دمعه وأمتقع وجهه وهو يحدق في وجه ناردين التي دنت منه رابتة على منكبه برفق مع همسها:
"خديجة تحب لك الخير."
استشعر خديجة ترد وهي تقبل مجددًا:
"هذا أكيد."
وتابعت جالسة وهي تسحب ناردين بجانبها:
"لأني أريده معي في الجنة ولن أتركه للشيطان ولا للفتن والفسوق."
ثم زمت شفتيها قائلة:
"كنت عطشى يا بُني لذلك دخلت لأرتوي وعدت، ماذا ظننت أنت؟ لن أقوم ولا تقوم حتى أقنعك بترك الغناء."
"أنا خائف يا خديجة متخبط العقل والذهن لا أدري، خائف لا تتركيني."
"وأين أذهب؟ حسرة عليَّ جالسة فوق قلبك لا تقلق."
قالتها خديجة في مرح، فإذا بناردين تقول في استحياء من سجيتها الخجولة:
"أريد أن أرتدي الحجاب!"
نظرت لها خديجة متفاجئة فوجدتها مطرقة الرأس تزيح خصلاتها خلف أذنيها فتمتمت بسعادة:
"يالله، أغبطتيني يا فتاة وازهرتِ قلبي. هذا أحلى خبر جاءني اليوم أقسم لكِ.. سترتديه إن شاء الله ولكن ستختمر حبيبتي."
صوبت بصرها إلى إسلام وسألته فجأة:
"هل قراءة القرآن بالتجويد؟"
فهز رأسه رافضًا وغير فاهمًا ما معنى تجويد، فتنحنت خديجة قائلة:
"إسمع هذه السورة مني وقولها، وراحت ترتل بصوت سجي سورة 'الزلزلة'."
واختارت سورة الزلزلة لما بها من آيات ترجف القلب، وترهبه من يوم القيامة وليعلم الإنسان إن عمل ذرة من خير سيجدها وإن عمل ذرة من شر سيجدها. خشوعها في السورة جعلت قلب إسلام يرج رجًا شديدًا ويتزلزل.
ففسرتها له خديجة بكل يسر وأتمت قولها قائلة: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ [ سورة الزلزلة آية: ﴿٧﴾ ] "المثقال هو الوزن، والذرة هي النملة الصغيرة، والرؤية هنا ليست برؤية بصر، وإنما هي عبارة عن الجزاء. وذكر الله مثقال الذرة تنبيهًا على ما هو أكثر منه من طريق الأولى؛ كأنه قال: من يعمل قليلاًً أو كثيرًاً." ابن جزي.
حين هدأت رجفة إسلام أسدل أهدابه وأخذ لسانه يتلو كما تلت خديجة أمامه، متأملًا بكل كلمة يلفظ بها قلبه قبل لسانه، مستلذًا بكل حرف يقرأه، أوَليس كل حرف بحسنة؟
ما إن انتهى كان دور خديجة لتدمع عينيها، وبرز بغتة صوت دارين قائلة وهي مأخوذة تمامًا:
"بسم الله ما شاء الله، الله أكبر بجد، صوتك يبعث الراحة في القلب، وينفذ إلى الفؤاد ينعشه."
فطرف إسلام مبهوتًا، وقال:
"حقًا؟"
فبادرت خديجة قائلة بسرور وغبطة:
"سبحان الله صوتك يبث المرء بالراحة والسكينة، أغاني ماذا بالله يا هذا؟ فلتترك الأغاني والسيئات ولننشر حسنات تبقى حين فنائك وفناء روحك أثرًا لا يطمسه الموت بعد موتك.. ألا تريد أن تملأ ميزانك حسنات تمحي سيئات الأغاني؟"
دون تفكير كان إسلام يهتف متهللًا:
"بلا أريد، ستعلميني أقرأ بالتجويد؟"
فردت خديجة بزهو مصطنع:
"سأعلمك بالطبع، أنا أيضًا أريد حسنات وهل أفوت؟"
قهقه إسلام بسعادة يشوبها الحزن الذي لاحظته خديجة وفهمته فقالت:
"صلي ركعتين توبة؛ إن الله يحب عباده التوابين الأوابين وسأعلمك كيف تستغفر، إن ربك يا إسلام حنان منان رحيم مهما أسرف العبد من ذنوب وتاب فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعًا ويفرح. (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [البقرة: 222]."
أشرق وجه إسلام وتلألأت عينيه بأمل جديد وحياة جديدة. حياة سيجاهد بها ليكون صالحًا ويستحق الجنة.
تنبهت خديجة لشرود دارين الحزين، فسألتها عما بها؟ فـ أجابت بنبرة تقطر حزنًا:
"كنت دائمًا ما أسمع الأغاني يا خديجة وكنت قليلًا ما أسمع القرآن، وإن سمعته بلا إنصات أو إدراك. كنت أشير الأغاني لصديقاتي وعلى حالة الواتساب والفيس بوك وكان يسمعها الكثير ويتفاعل معها الكثير ويطلبها الكثير، وكانت ذنوبي تتزايد، وتتزايد وأنا غارقة مستسلمة للشيطان."
فقالت خديجة برفق:
"ربك رؤوف بعباده توبي إليه فإنه يقبل التوبة ويغفر الذنب، ويفرح بتوبة عبده، واستدركي ما فاتك فما زال لديك فرصة طالما بكِ شهيق وزفير. النفس أمارة بالسوء فجاهديه، وإن كانت سيئاتنا كثيرة فسنمحوها ونطمسها بالحسنات، حسنات تملأ الميزان حتى تفيض، فـ اعزمي من الآن والله قريب، مجيب، بصير بعباده لا تؤخذه سنة ولا نوم."
***
في غسق الليل، توقفت سيارة يجلس خلف مقودها نجيب وفُتح الباب الخلفي وترجلت منه منه بفستان أسود اللون مطعم في الأكمام بالورود الحمراء، رافعة خصلاتها بتصفيفة رائعة وتسلت بعد الخصلات على وجنتيها، وسارت فوق ورود منثورة ضحكتها كانت تملأ المكان وقلبها كان يرفرف من شدة الفرحة ورأت آجار في انتظارها فوق سفينة تتلألأ بالزينة وسط ظلمة البحر. الهواء كان يداعب بشرتها كأنه يشاركهما لحظتهما، مد كفه ما أن وصلت إليه فناولته كفها قافزة إلى السفينة.
القمر كان بدرًا منيرًا يتأملهما في انبساط ويضيء ليلهما بنوره، والنجوم لامعة في سماء صافية تشاهد فرحتهما.
"تبدين رائعة، وجميلة."
قالها آجار ناظرًا بتمعن لنجلتاويتها الكحيلتين زادهما الحكل جمالًا ودلالًا. وهل تدرك عن دلال العيون شيئًا، فإنها حين تفرح وينبع الفرح من القلب تدلل بلمعة لطيفة كأنها مرآة للقلب.
فهربت عن حصار عينيه رامشة وقالت متأملة السفينة وزينتها:
"واو أأنت فعلت كل هذا؟"
فـ أوما آجار مشاكسًا:
"لـ عينيكِ أفعل كل شيء حبيبتي."
بذلته السوداء كانت تذيده تألقًا وخاصة حين أقلعت السفينة مع انسياب موسيقى هادئة مصحوبة بكلمات أجنبية رومانسية، وجثى على ركبته فاتحًا علبة مخملية تحوي خاتم لامعًا، لمعانه أضفى للأضواء بريقًا فدمعت عينا منه مجهشة في البكاء، وقالت:
"آجار، أحبك كثيرًا يا هذا."
فـ ابتسم آجار:
"هل تقبلين يا أميرتي أن تُحيي مملكة قلب أميرك؟"
فهزت رأسها مرارًا فـ ألبسها الخاتم وما كاد أن يستوي في وقفته إذ ارتمت في حضنه باكية فضمها بحنان يغلفها السعادة التي كادت تذيب قلبه.
أبتعدت عنه مع صوته الهامس يقول في ترقب:
"سنتزوج غدًا، لا أريد أن تمر دقيقة أخرى من حياتي إلا وأنتِ بجانبي."
فـ أطرقت رأسها موافقة فضم راحتها في كفه وسحبها إلى طاولة ممتلئة بما لذ وطاب وأجلسها وجلس.
مرت الليل جميلة، وسط البحر ودجى الليل ونسماته.
تأملها آجار وهي تقف شاردة بصرها معلقٌ في المياه وقال في نفسه:
"محظوظ أنا إن تعثر قلبي بكِ، ولكني أخشى أن يزول هذا الحظوظ، أهاب أن تخطفك الحياة مني، بداخل قلبي ندبة لن يعالجها من نساء العالمين أحد إلا أنتِ، فلا تتركي قلبًا بالخوف يناجيكِ، وبـ الألم يستغيثك، لا تتركي يدًا من فجوة الموت تناديكِ، وبـ أنين الوجع ترجوكِ ألا ترحلين فيرحل كل جميل، أحببتك كعمر إن غبتِ ضاع، أحببتك بروح قد جُنّت بكِ، وعينان لا تريان غيرك."
"آجار، آجار يا هذا أين ذهبت سارحًا."
تنبه آجار على صوتها ليدحر تفكيره جانبًا ويهز رأسه:
"معك، أين قد أكون."
فشبكت أصابعها في أصابعه وهي تهديه أجمل ابتسامة تسارعت لها ضربات قلبه فضم رأسها برفق ليستكين على صدره وذراعه يحاوط كتفها، وهمست:
"سنتزوج ولن نفترق أبدًا سنرسم أحلامنا ولن يفرقنا بشر، آجار أحبك بدرجة لا أتخيل حياتي بدونك أحببت الحياة منذ أحببتك؛ لذا أرجوك أبقَ دائمًا بقربي."
رفعت رأسها وضمت وجهه بين كفيها تلتهم ملامحه داخل شغاف قلبها الذي شغفه حبًا، وأردفت بصوت عاشق ولهان:
"أحب ملامحك كثيرًا، أحب أن أسكن في عينيك وتغلق عليّ بأجفانك، أذوب في عينيك حين تضمني وتحتويني وكأنها تميمة حب تطوف حولي، وحين تكن بعيدًا عني طيفك يدثرني برداء الحب، حبك كان مطرًا روى ظمأ قلبي. حبك كان مسكنًا سكنته ولا أريد أن أبرحه. حبك كان غيثًا استمطر فوق صحراءي اليابسة فتلقفت قطرته قطرة قطرة حتى ارتويت. أنا المشتاقة لقربك وغير قربك لا أريد. أنا التي سأصنع لك بين حنايايّ مسكنًا فلا تريد مسكنًا غيره..."
"آجار انتبه."
بعض اللحظات الجميلة لا تكتمل وخاصة لمن لم يعتد السعادة. صاحت منه مقاطعة كلماتها، ومتسعت العينين التي كانت لامعة بدمع الحزن وهي تدفع آجار لتقف أمامه ودوى صوت رصاصة مصحوبًا بصرخيتها التي شقت قلب آجار وهو يحتويها بين ذراعيه خالعًا رداء الثبات ليصيح بفزع والدموع تفيض في مقلتيه.....
وتوقف كل شيء، ربما قلبه توقف أيضًا رغم إنها ما زالت تنظر إليه بنظرات ضعيفة ووجه شاحب والدم يغلف كفه الذي راح يلامس وجهها به.
"أن تضحك لك الحياة وتعطيك السعادة أعلم إنها راضية عنك. إن تلونت بكل ألوان الحب وقالت هيت لك. إذ فرشت لك على ظهرها ورودًا وازدهرت، وضحكت، فإنها فقط تمهد الطريق ربما لنكبة عسيرة قادمة؟ أو فرحة مخبأة بين جنباتها."
"أرأيت يومًا عروس مرتدية الأبيض كأن وجهها كوكب دري يضيء الظلمة، متجبسة الذراع؟ ألك أن تتخيل الآن حال منه التي لم يمهلها آجار التعافي إذ ما أن اطمئن على صحتها لم يترك للقدر فرصة بالثأر منه فأثر التعجل."
كانت تجلس بجانبه وهم يعقدون كتابهما واجمة، ورغم وجومها كانت رائعة الجمال وضاءة الوجه.
رمقت آجار الجالس بجانبه يكاد يطير فرحًا بعبوس لم يغطى على فرحتها الطاغية وإن بدت غير ذلك.
تذكر حين فاقت من إغمائها لتجد نفسها بالمستشفى ذراعها ملفوف بالشاش وقد تم نزع الرصاصة منه. هنالك سحبها آجار من الغرفة متلهفًا غير عابئ بحديث الطبيب الذي هتف خلفه:
"يا سيد لا يمكنك أخذها يجب إجراء بعض الفحوصات لأننا نشك في مرض الـ......."
لكن آجار شوح له بكفه مغمغمًا في تعجل:
"فيم بعد، فيم بعد."
كتمت هنا ضحكتها بكفها وهي تنظر بعبث نحو منة التي تمضي والدموع حبيسة في عينيها وما أن انتهت حتى قفز آجار مهللًا يطوقها بين ذراعيه بفرحة، فبكت بشدة ضاحكة فما يدري الرائي هل تبكي أم إنها تضحك. همست منة وهي تدفن وجهها في صدر آجار:
"حرامٌ عليك والله حرام هل ثمة عروس بذراع واحد غيري، لا سامحك الله، كنت أنتظر على الأقل يطيب جرحي."
أبتعد آجار عنها ملثمًا مكان جرحها وهو يقول بمرح:
"أطيبه أنا لكِ حبيبتي."
صرخة في وجهه بغتة وهي تدفعه لتجلس فعلت ضحكات هنا وابتسم نجيب وآركان. وقف الشابين مهنئينه بينما دنت هنا من منة وما كانت تبارك لها حتى انهارت منة تقول بأسى:
"لا تهنئيي وهل هذا يعد زفافًا، هل يوجد عروس بذراع واحد والله لم تحصل أبدًا، لقد بدد فرحتي أخيك المعتوه، سيضحك علي الناس الآن ماذا يقولون يا ترى؟ عروس بذراع واحد، آه يا حسرة قلبي على هذا اليوم الذي كنت أتمناه وأخطط له لأبدو فاتنة فـ أنظري ماذا عروس بفستان عرس بذراع واحد، يا حسرتا عليّ.."
ربتت هنا على كتفها برفق وهي تكبح ضحكتها بأعجوبة فلم تستطع إذ قهقهت عاليًا وهي لا تكاد تصدق ما يجري فدفعتها منة مغمغمة بحسرة:
"آه، يا إلهي حتى أنتِ تضحكين على خيبتي، أبتعدي عني."
نفخ آجار بضيق وجوارها، أدارها من ذراعها نحوه، وقال برفق:
"منة، اهدئي رجاءً، هل ثمة عروسة جميلة مثلك تبكي يوم زفافها."
زاد نحيبها، فتنهد محاوطًا وجهها بين كفيه، وهمس بصوت رخيم:
"سأعوضك سأعمل لكِ حفل وسأعزم فيه كل صحفي وصحفية واصدقائك وكل من تودين، كنت أفقدك هل تظنني كنت سأنتظر أن يحصل لكِ شيء آخر."
توقف دمعها عن الانهمار وثبتت بصرها في عينيه، فعقد آركان ذراعيه مستمتعًا بالمشاهدة، وغمزت له هنا ضاحكة، بينما مال نجيب مسندًا ذقنه في كفه باسمًا.
بنعومة ملس على وجنتها وقال بنبرة تقطر عشقًا:
"لا تبكين رجاءً وتنغصي فرحتي."
هُنا وصاحت فيه منة مصفقة:
"لقد أصبحت زوجتك هل تدرك ذلك؟"
ضرب آجار بكفه وجهه في غم ووزع بصره على الشابين وهنا وقال:
"ما رأيكم بأن أطلقها؟ أشعر أنها بلوة حلت على رأسي!"
"بلوة؟ أنا بلوة يا آجار؟ برأيك أنا هكذا؟ لمَ تزوجتني إذن!"
صاحت منة بتلك العبارة منتصبة في وقفتها وتؤشر إلى نفسها بصدمة، فرفع آجار رأسه وتمتم:
"غلطة وسأصلحها فورًا."
بأعين متسعة وفم فاغر هتفت منة:
"هل تسمع أذنك ما يخرج من فمك؟ نحن للتو تزوجنا وتريد أن تطلقني..."
بتر آجار قولها بقوله الصادم للجميع:
"لقد أصبحت زوجتي حقًا أوليس كذلك؟ مما يعني إنه وجب عليّ أن أخرسها."
لم يستوعب أحد ما حدث فقد غطى آركان بكفه عينين هنا وطأطأ رأسه، قائلًا بضجر:
"سافل."
بينما سعل نجيب متصنعًا الانشغال، أبتعد آجار عنها فبقت هي ذاهلة تنظر له بصدمة.
"لقد قبلها أمام الجميع؟!"
ثغرها كان فاغرًا وأجفانها تتخبط في بعضها بينما غمز لها آجار بضحكة ساحرة:
"لقد أصبحتِ زوجتي يجب أن تدركين ذلك."
"من، من الذي ضرب رصاص عليك فقط أخبرني من فعلها؟!"
صاح بتلك الجملة ماهر وهو يلج للداخل ليتافاجأ بالجميع كأن على رؤوسهم الطير. وما كاد يستفسر عما يجري إذ نهض آركان واقفًا قبالته وقال جزًا على أسنانه:
"نعم يجب أن تعلم من الذي ضرب عليك نار."
ثم التفت برأسه إلى آجار متابعًا:
"ولا تبحث بعيدًا، فقط اجعل قلبك يبصر من حولك؟"
وعاد برأسه إلى ماهر يحدجه بنظراته التي اشتعلت غضبًا، وقال بنبرة ذات معنى:
"في النهاية كل شيطان يعود لجحره مهما طال بقاؤه."
وتجاوز ماهر بخطوات ثابتة وهو يقول مودعًا:
"مبارك لك يا آجار، وأنتبه من الشياطين التي حولك! أنا لن أكون موجودًا في كل مرة."
استأذن نجيب راحلًا وقبل أن يغادر قالت هنا:
"انتظرني يا نجيب سآتي معك!"
ولوحت إلى منة مغادرة معه، خيم الصمت ولم يقطعه أحد غير منة التي قالت وهي ترفع طرفي فستانها الأبيض:
"سأصعد، حسنًا؟"
فـ أومأ آجار دون أن يلتفت وبعد أن ابتعدت أقترب ماهر بخطوات حثيثة واقفًا أمام آجار وصاح:
"ما الذي يجري؟ تزوجتها؟! لماذا فعلت ذلك؟!"
لوى آجار فمه مبتعدًا خطوتين للخلف وقال بضجر:
"هذا من شأني لوحدي، تزوجتها لم أتزوجها لا دخل لك!"
مسح ماهر على وجهه يواري قدر الإمكان غضبه عن محيط عينين آجار، وقال:
"لماذا أدخلتها حياتك من الأساس، حذرتك من الحب مرارًا، ستكون نقطة ضعفك."
"ستكون نقطة ضعف له هو، هو يخشى أن تلعب منه حياة بعقل آجار فينحرف درب الانتقام، حاول قتلها ولم يفلح وبالأخير ها هي زوجته الآن وكل خططه غدت هباءً منثورًا تطأه الأقدام."
"_ لتكن نقطة ضعفي، ما خطبك أنت؟"
قالها آجار منفعلًا، فآثر ماهر الهدوء وتصنع الطيبة وقال بحنو:
"بُني، لا غرو إني أريد لك السعادة، السعادة لا تطرق باب أمثالنا إلا فيما ندر، أخشى أن يصيبها أذى فتتأذى أنت، ويصبح قلبك مقبرة للأموات تدفن ولا تعطي، أن علمت لمار الشرقاوي جدتك لن تترك تتهنا..."
تبسم آجار ضاحكًا وقال متهكمًا باترًا حديثه:
"لا تعطي الأمور أكثر من حجمها، دع جدتي تهنئ بأيامها القليلة قبل أن أضرب ضربتي."
زفر ماهر بيأس، وقال فجأة كالمتذكر:
"أخيك جان لا خبر يأتي منه، ويبدو إنه لن ينفعنا بشيء، أنت الأمل الوحيد ومن سينتقم لأبيك."
"- ها أنت ذا قلت 'أبيك' أبي أنا وأنا من سينتقم له، وسأذيق لمار معنى الموت حرقًا والموت حيًا."
ضرب بكفه على صدر ماهر مستأنفًا:
"أطمئن أنت وأسكن وشاهد فقط ما سيجري ولا تحمل همًا، أخي يعرف ما عليه فعله بالوقت المناسب لا تقلق."
تنهد ماهر وكلمات آجار أرحته قليلًا وهمس في نفسه:
"سترين يا بنت الشرقاوي كيف أن عائلتك ستقتل بعضها بعضًا."
تنبه لشروده الماكر إلى نفخ آجار وهز قدمه فنظر له في تساؤل، فقال آجار باسمًا في برود:
"أنا عريس جديد لو تعلم!"
كان طردًا غير مباشر جعل ماهر يبتسم بإصفرار وهو يربت على كتفه مهنئًا ورحل.
***
القرآن بصوت خاشع رخيم يجعل القلب تلقائيًا في حالة من الراحة مهما كان فيه خراب، مستكينًا، ساكنًا ولو قامت فيه القيامة، هادئًا مهما كان فيه ضجيج، راضيًا ولو حُمل ثقل الجبال همًا، كان صوت القرآن يغمر أرجاء المنزل أغمارًا.
كان اليوم لدى الجميع مميز لأن وعد آتية هي وزوجها، الفرحة تغمر القلوب ولو أن قلب الأم مكلوم على حالة ابنتها العاجزة.
سارت ناردين في الردهة حيث غرفة إسلام في حماس، وقبيل وصولها تسمرت قدميها وتهدل جسدها واتسعت حدقتاها مع استماعها لصوت إسلام الخافت:
"لا تقلق الأمر يسير كما خططنا وأفضل من ذلك، لم أنسى انتقامي ولن أنسى إلا وأنا أرى لمار في قبرها، سأقتلهم....قتل!"
الكلمة تثير الريبة، وربما تثور في القلب فتقوم فيه حرب ضروس. لم تستطع ناردين على الانتظار صبرًا في ثوانٍ كانت تستعيد رباطة جأشها وتزيح الباب الموارب وتسأل بحدة:
"قتل؟ من سيقتل من؟ ما الذي تخطط له يا جان؟!"
تفاجئ إسلام بها شر صدمة واستدار لها متصنمًا، وتوتر كفه القابض على الهاتف حتى كاد يسقط، وامتقع وجهه في بهت شديد. لم ينبس ببنت شفة وماذا قد يقول؟ هل يخبرها بإنه ما جاء إلا للانتقام ولو ساقه شوقه إلى هنا.
رمش بعينيه وازدرد لعابه حين دنت منه وكررت سؤالها:
"لم تجبني؟ ما الذي تخفيه عني؟"
لم تتلق ردًا سوى الزهول في عينيه، فـ هزته بعنف وهي تهتف:
"انطق يا جان ما الذي تخفيه عني؟ لو لم تنطق الآن والله لأهتفن في الجميع بما سمعت."
وأيضًا لم تحصل على رد فتركت كتفيه مبتعدة:
"إذن أنت من اخترت...."
ما كادت أن تنادي على أفراد العائلة إذ كمم إسلام فمها بكفه مغلقًا الباب بكفه الآخر وهمس:
"حسنًا، حسنًا سأخبرك لا تتعجلين."
قاطعته ناردين بغضب وهي تدفعه عنها:
"أخبرني الآن كلي آذان صاغية."
قالت عبارتها وعقدت ذراعيها في انتظار ما سيقول بلهفة رغم شعورها بأن ما ستسمعه لن يروق لها.
تأفف إسلام تأففًا بائن، وأردف مسبلًا جفنيه:
"أبي...."
نطق بها وأمسك ما بين عينيه بألم وهو ناكس الرأس، صمته أصابها بالريبة فتخلت عن صمتها سائلة برفق:
"أبيك؟! ما به لم أفهم، تحدث يا جان."
رفع رأسه بمقلتين دامعتين وأستدار جالسًا على طرف الفراش مائلًا للأمام، وأسترسل:
"لقد قتلوه يا ناردين، حرموني منه."
جثت ناردين أمامه وسألت وهي تمسك بكفيه بين كفيها:
"جان من الذين حرموك منه؟ جدتك لم تعرف من هم!"
"- بلى تعرف وهي من ساعدتهم، لا تتحدثي فيما لا يعنيكِ أنتِ لا تعلمين شيئًا."
صاح بها إسلام منتفضًا وقام من مكانه، فراعها حالته ونهضت مغمغمة:
"أفهمني يا جان ما الذي يحدث معك؟ وما هذا الذي تتفوه به؟"
قص عليها عن مقتل أبيه وتفجير السيارة بأمر من والدته وعشيقها وجدته، فقهقهت ناردين بإنطلاق فنظر لها إسلام بدهشة وضيق ما بين حاجبيه حين اكفهرت ملامحها بغتة، ودفعته بحدة وهي تصرخ فيه:
"فيم تهذي أنت يا رجل بالله عليك أفهمني؟ هل يصدق المرء أيٍ من كان؟ إذن لو جئت وأخبرتك إني قتلت والدك ستصدقني؟!"
حرك إسلام رأسها متعجبًا، وقال:
"ما الذي تقوليه كُفي هباءً."
"- هباءً، أي هباء؟ لا أكذب أنا قتلت والدك لماذا لا تصدقني؟!"
انسكب دمعها وهي تتابع بنبرة ممزوجة بالألم:
"كيف تفكر أنت؟ هل تحسب أن هذه العائلة قد تقتل أحد؟ جدتك التي تنشر الحق تلك العادلة ذات القلب الأسيف؟ والدتك تقتل؟! هل تفكر في معنى كلامك قبل..."
رواية جحر الشيطان الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندي ممدوح
برأسها طلت خديجة لداخل الغرفة التي تأوي أطفال مرضى السرطان.
هُنا تنسى نفسها.
هُنا كأنها دلفت إلى عالم آخر غير الذي بالخارج.
هُنا تلقى السعادة، هُنا تشعُ بهجة، هُنا كأنها الجنة.
أتراها تبالغ؟
وهل تدركون تلك الفرحة!
الفرحة التي تكون محتواها أحبابُ الرحمن.
هُنا السر الذي تخفيه عن الجميع.
سر بسمة وضحكة فؤادها.
ما أن أحسوا بها الأطفال حتى هجموا عليها ضاحكون مسرورون وهيَ أيضًا.
عانقت كُلاٍ منهم بمحبة وغبطة خالصة لا يشوبها شائبة والبسمة تشرق وجهها، حتى استقروا جالسون حولها.
وطافت عينا خديجة بحزنٍ دافين على الوجوه المشرقة البريئة وقالت بنبرة حزينة كأنها تنبعث من خزنة للأحزان:
"أنا ممكن مجيش هنا تاني عشان مسافرة.
يعني دي آخر مرة هنشوف فيها بعض.
ومين يعلم ممكن نتلاقي قريب بردوا."
بكاء صامت كُل ما صدر عن الأطفال قبيل صمتها.
لكن خديجة تنهدت بهم وتابعت:
"تعرفوا إني بحبكم كلكم، كلكم بدون أستثناء."
قاطعتها إحدى الصغار تقول في صوت باكي:
"ديجا أنتِ بتهزري معانا ومش هتسبينا صح؟"
هزت خديجة رأسها بالسلب.
فضمتها الطفلة باكية وهي تتشبث فيها قائلة:
"انا مش هعمل العملية لو انتِ مش هتعمليهالي."
كتمت خديجة دموعها بجهد وازاحت دموع الصغيرة وقالت:
"هتعميلها وهتكوني بخير ومش هسافر قبل ما اعملهالك هو انا مش وعدتك."
فسئلتها الصغيرة ببراءة وهي تحل ذراعيها عن عنقها دون ان تبتعد عن حضنها:
"وهكبر وألبس نقاب زيك؟!"
اومأت خديجة بالإيجاب.
فاستأنفت الصغيرة:
"أنا بحب السيدة عائشة وهلبس الحجاب هو مش عادي؟"
فردت خديجة بحنو:
"أنتِ لسه صغيرة لما تكبري."
فهزت الطفلة رأسها وقالت وهي تفرد ذراعيها:
"لا أنا كبيرة، اهوو شوفي؟"
ضحكت خديجة بينما صدح صوت طفل صغير يقول:
"وأنا بحب البطل خالد بن الوليد وعايز اكون بطل زيه."
هُنا وصاح طفل آخر:
"وانا بحب الفاروق عُمر ونفسي أبقي زيه واعدل بين الناس."
وهتف صوت آخر:
"وانا بحب البطل الباحث عن الحق سلمان الفارسي وهكون زيه."
"- وأنا هكون زي سعيد بن عامر الجمحي."
"- وأنا هكون زي البطل المهاجر ابن زياد."
وقالت طفلة:
"- وأنا هبقى زي امهات المؤمنين يا ديجا."
ضحكت خديجة لبرائتهم وقالت وهي تجول بعينيها عليهم:
"وأنا واثقة إنكم هتكونوا كدا لما تكبروا_أبطال زي الصحابة."
سئلت طفلة آخرى قائلة:
"انتِ عايزة تسبينا ليه يا ديجا؟"
فردت عليها خديجة، قائلة:
"عشان هتجوز."
"- خلاص متتجوزيش وخليكِ معانا."
سئل طفل في تلهف:
"هتحكيلنا حكاية انهو بطل خارق انهاردة."
تبسمت خديجة وهزت رأسها وقالت:
"انهاردة مش هحكي."
علا صوت أذان العصر مقاطعًا حديثها فعقد الصغار جميعهم أذرعهم وعم الصمت المكان إلا من همس ترديدهم مع المؤذن.
فما أن انتهى قالت خديجة:
"يلا نصلوا."
صلت برفقة الصغار وجلسوا.
جلست تسبيح بعد تأدية الصلاة.
تنحنحت خديجة وقالت في ارتياح:
"من اشتياقي لصحابة رسول الله كنت بحكي لكم عنهم وعن أمهات المؤمنين مثال عائشة وخديجة وفاطمة وزينب وأم سليم.
لكن غاب عن بالي المرأة التي ارضعت الرسول والتي سأحكي لكم عنها الآن."
ارهفت الآذان السمع في لهفة، وتعلقت الأبصار على وجه خديجة التي أردفت بصوت حنون:
"السيدة حليمة السعدية مرضعة الحبيب_صل الله عليه وسلم.
هذه السيدة الجليلة من بني سعد وقد كانوا سادت قريش يرضعون اولادهم في البوادي ليقوا أجسامهم ويفصحوا لسانًا."
و خلال طفولته مع السيدة حليمة وقعت للنبي أشياء كثيرة تدل على بركته وفضله.
راحت خديجة تروي لهم كيف إن النساء أبو أخذ النبي لإنه يتيم الأب متتعللون من يدفع لهن فـ أخذته السيدة حليمة حين لم تجد غيره.
وكيف أن ثديها در باللبن ما أن التقمه الرسول الحبيب المبارك وقد كان خاويًا فشرب حتى ارتوى، ثم شرب ابنها حتى روى أيضًا.
وأن ناقتهم المسنة العجفاء امتلاء ضرعاها باللبن فـ حلب منها زوجها وشرب وشربت.
و كيف ان الناقة اصبحت نشيطة بعد ان كانت هزيلة تتقدم دواب القوم جميعهم.
أخبرتهم كيف حلت البركة بيت السيدة حليمة حين دخول سيدنا محمد عليهم حتى ما أتم السنتين كانت حريصة على ان يبقَ معها واقنعت أم حبيبنا ان يظل معها حتى وافقت.
ثُم حادثتهم عن الحادثة الأعجب والأغرب وهو حين اخذ سيدنا جبريل وملك آخر النبي فشقا بطنه.
فخافت عليه السيدة حليمة وذهبت تعيده لـ أمه يومئذٍ.
قالت لها:
"- وهل تخوفتِ عليه من الشيطان يا حليمة؟"
فقالت:
"نعم."
فقالت ام الرسول:
"- كلا، والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لابني لشأنًا … فهل اخبرك خبره؟"
قالت حليمة:
"بلى."
فقالت ام رسولنا:
"- رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام... ثم إني حين ولدته نزل واضعًا يديه على الأرض، رافعًا رأسه إلى السماء."
هكذا كان حبيبنا مُباركًا أين ما حل.
فصلوا عليه وسلموا.
عقب أنتهاء خديجة من القصة وكـ كل حالها تفرح وهي تحكي القصة فرحة طائر حُر يخفق بجناحيه طائرًا سعيدًا مغردًا، فرقت على الصغار مصاحف مصحوب مع البنات حِجاب و ودعتهم مغادرة.
وما ان خرجت حتى تلاشت فرحتها وحل الحزن محلها، حزن المغادر من وطنة لوطن آخر لا ينتمى إليه.
يا ليتها لم ترى اراس هذا ولم تلتقى به يا ليت.
تمرُ الأيام فما ندري كيف تمُر، لا ندرك كيف مرت، وكيف تحسب من أعمارنا التي تجري جري السحاب في مرورها.
تعبر الأيام من خلالنا وتذرنا وراءها كريشة تتقاذفُها الرياح من كلُ حدبٍ وصوب.
هكذا الأيام تمر كأنها لا تمر، تُعاد كأنها فلمٌ سنمائي لم يكتب المؤلم إلا سيناريو واحد يدور في فُلك واحد.
صوت الاناشيد دون موسيقى تملأ المكان الذي بات يتلألأ بالأنوار.
الاضواء والزينه تغمر المكان.
الزغاريد تنطلق من افواه النسوه بنشوه يخالطها السعاده.
وقف جان يتأمل جدهُ أدهم وهو يملي أوامره على الشباب بضحكة.
لقد وُلد من جديد منذُ أن جاء هذا المنزل.
الفرحة لا تغادر قلبه.
جميل شعور السند أن يغدو لك أحدٌ يهتمُ بشأنك، يغدقك بالحنان، يغمرك بالأهتمام، يزرعُ في قلبك الأطمئنان، يغزو روحك بالأمل، يعزز فيك الراحة، يكون لذاتك مؤئلًا، ولفؤادك موطنًا، ولروحك سكنًا وملجئًا.
لم يتخيل يومًا أن يكون له عائلة كان من المحال أساسًا أن يفكر في هذا.
تمنى دائمًا أن يعرف معنى شعور الأهل حول المرء وها هو ينعم فيها، من كان يظن إنه سيُرزق بعائلة كهذه؟
كان دائمًا يسمع عن العوض والآن علم معنى الكلمة جيدًا.
لقد عوضه الله بكل جميل وطبطب على قلبه بنعمُه التي لا تُحصى.
الضحكة لم تعد تفارق قلبه الذي تفتحت فيه أكمامُ الورد مزدهره.
أمه، هيثم، أجداده، العائلة كلها تغدق عليه بالحنان فيروِ ظمأ روحه القاحلة.
فاق من شروده على صوت جده أدهم يصيحُ:
"- قولت ظبط المقاعد دي على الجنب، إيه اللي حطها في النص."
جز خالد على أسنانه غيظًا من اوامر جده أدهم التي لا تكف كأنه يعمل لديه لكنه أمرٌ جميل على قلبه يروق له مشاكسته.
بادر إسلام يقول وهو يكاد يذهب ليغير مكان المقاعد:
"- سأوضبها أنا يا جدي، أترك خالد فهو منشغل."
فوكزة أدهم بعكازة قائلًا بصرامة:
"- وهل قُلت لك أنت قف مكانك ولا تبرحه حتى لا تجد هذا العكاز يهوى فوق عنقك."
ثم التفت لخالد أمرًا:
"- اعمل ياض إللي قولت عليه يلا."
لوى خالد فمه وهو يسب في خفوت منفذًا أمره صاغرًا.
فضحك إسلام مغيظًا إياه في مرح، وسمع صوت ادهم يقول وهو يطوق كتفه:
"- ذرهم يفعلوا كل شيء وتعال لنجلس، لم اشبع منك."
أخذهُ وجلسا على المقاعد التي في الحديقة.
وبين الفنية والأخرى يرتفع صوت أدهم صارخًا في الشباب، وهل سيتم الأمر عادي، اليوم مميز، مميز جدًا، كتب كتاب بنات عائلة الشرقاوي له وقع خاص وحضور خاص وتجهيز خاص.
لمح إسلام خالته وعد تقبل بكرسيها المتحرك عليهما فقفز واقفًا مندفعًا نحوها آخذًا بالمقعد وهو يهمس عاتبًا:
"- لماذا لم تناديني يا خالتي؟"
فردت وعد بمحبة:
"- ولماذا أتعبك!"
رمقها إسلام بعتاب ولم ينبس وهو يترك ذراعِ المقعد قرب مقعد أدهم الصارخ في الشباب.
فهدأته وعد قائلة:
"- يا بابا مش كده سيبهم يعملوا."
شوح أدهم بكفه بلا مبالاة وغمغم:
"- اسكتِ أنتِ لازم أوريهم يعملوا اي بلاش يعكوا الدنيا."
هُنالك ارتفع صوت مالك قائلًا بغيظ:
"- نعك أيه يا جدو يا حبيبي، ما تقوم أنت تعمل."
حدجه أدهم مغضبًا وهو يشير لوعد:
"- عجبك كدا."
ضحكت وعد بإنطلاق متمتمة:
"- سيبهم يا بابا."
دارت رأسها إلى إسلام، وقالت بضيق:
"- لم أجد ما أفعله بالداخل فخرحت لأجلس معك ونتحدث."
قالت عبارتها بآسف مشوب بالرضا وهي تنظر إلى قدميها العاجزتين، وتابعت بلطف:
"- حدثني عن نفسك، عن حياتك فيمَ مضى، أود ان اعرفك أكثر."
شردت مقلتيّ إسلام هنيهة، وقبع حزن الذكريات القاسية عينيه، وحين استدرك نفسه تبسم ضاحكًا في خفوت، وقال بمرح:
"- لا أبغ الآن يا خالتي، اليوم سنزوج أروى وخديجة وشيماء، لا وقت الحديث."
فدفعته وعد بكتفها في كتفه، وقالت بتمعن:
"- حسبك لا أتركك حتى تحادثني عن سر هذا الحزن في عينيك."
زم إسلام شفتيه قليلًا وراح يقصُ عليها بعد الطرائف، وصمت حين وصله صوت خديجة تنادِ على خالد الذي اختلس نظرة ضيقة نحوها ولم يبالى، ما زال هذا الشاب لا يحادثها منذُ علمه بأنها ستتزوج من ذاك المجرم آراس.
فنهض متوجهًا نحوها حين رأى الحزن يكتسى وجهه، وقال:
"- قولي ليّ ما تريدين وسآتيكِ به في الحالُ يا ديجا."
فـتنبهت له خديجة مصوبة انظارها الحزينة عن خالد إليه، وتبسمت مدحره شجونها في منأى عنها، تطلب منه ما تريد بهدوء وتولي مغادرة.
فعاتب إسلام خالد بضيق.
بعد صلاة العصر كان كتب كتاب كُلاٍ من أروى و حمزة، خديجة وآراس، شيماء وعبد الله يُكتب في المسجد.
كتب آراس قبلًا ثُم توجه مع عمرو إلى خديجة لتمضي على القسيمة، رغم الزغاريد حولها والنظرات المعلقة عليها، أحبتها الذين احدقوا بها كان بين جنبيها خافقٌ يتلظى بالشجون، يمورُ بالقلق، يتأججُ بالبكاء.
توالت عليها المباركات وكانت توزع الابتسامات المصتنعة، كأنها قد مضت على ورقة جحيمها، جحيم قد لا تعود منه بخير!
لكن ذلك التيهة لم يدم فما هي إلا لحظات وكانت تشرق أسارير وجهها فرحًا بـ أروى وحمزة وشيماء وعبد الله.
وعاد الرجال للمنزل جميعًا وسط الحضور وأنطلقت الأناشيد دون موسيقى.
في إحدى الكافيهات صاح إسلام بغضب مستعر للجالس أمامه:
"- كيف تفعل هذا؟ لماذا جلبتني إلى هذا الكافية؟ ما الذي تود فعله!"
فقال له الآخر بغضب مماثل:
"- لا يجب أن يرآك آراس يا غبي، سيأخذ زوجته ويسافر وحينها تعود أنت لكن الآن لن اسمح لك."
ضرب إسلام بقبضته على الطاولة مع أنفعاله الثائر وهو يجأر:
"- معتوهٌ أنت؟ ليراني هذا الآراس لا يعنيني."
ثُم هب واقفًا ممسكًا بياقتيّ قميصه يوقفه رغمًا عنه، وقال بنبرة حادة:
"- إسمع يا ضياء لا تجعل ثورتي تثور لأني حينها سأكشف ورقتك لجدتي غير آسف على هذا، ستحل عني وإلا سأطوي دفترك للأبد."
عيون الحاضرين توجهت عليهما، وندت شهقات الفزع أثر صوت إسلام، فدار بصر ضياء يمنة ويسرة ونفض كفيّ إسلام بقوله بغيظ:
"- تمهل، تمهل يا إسلام عيون الناس علينا! أنا فعلت هذا لأجلك آراك تنغمس في خدعاهم وتنجرف وراء برائتهم المزيفة، فوجب عليّ أن أحذرك، أبقَ هنا حتى يرحل آراس فضلًا من ان يُكشف أمرك."
أنهى عبارته وتحرك وقبل أن يجتازة وقف إزاءه وهمس وهو يرمقه بجانب وجهه:
"- لا تثريب عليك فهم يخدعوا أعتى الرجال، ولكن خذ حذرك ولا تنسى والدك الذين أحرقُه، وأنت أحرى بأن تأخذ ثأرة أوتذره وراءك وتنسى وتكمل كأن كل معاناتك لم تكن."
افتر جانب ثغرة على بسمة خبيثة قبل أن يتحرك بخطوات ثابتة خارج الكافية، ألقى إسلام بجسده على المقعد وطائفةٌ من الاسئلة والأفكار السيئة غمرت رأسه.
في المنزل كان الجميع يهلل ويبارك، وعلى مقعدين بعيدين عن الضجة قليلًا، جلس آراس بجانب خديجة، وهو لا يكاد يصدق أنها أصبحت زوجته، كيف ضحكت له الحياة هكذا، لقد ظن أنها لن تضحك له أبدًا، لكن هل تثأر على كل جرائمه فيها؟
أنى السبيل للخلاص من منغصات التفكير السيء الذي يعصف به مكدرًا فرحته.
عيناها تتأمل فستانها الأسود اللامع بأعجاب، وبسمة متهكمة زينت ثغرة لقد حسبته سيضاق ذرعًا من فعلتها؟
غريبةٌ هي خديجة تارة تعامله بنبرة رقيقة ناعمة وأخرى قاسية، بعث إليها بفستان أبيض صُمم خصيصًا لأجلها فـ ذرته مرتدية فستانٌ أسود، ولو ظنت إنها هكذا تغضبه فلم تفلح، فقد كانت في الون الأسود فائقة الجمال رغم النقاب الذي يواري وجهها.
"- سنسافر متى؟"
تنبه من شروده بها على سؤالها الحانق، فـ أخذ نفسًا عميقًا وهو مسبلًا جفنيه على عينين تنطق بالعشق و زفرة بتمهل وهو يستعيد ثباته باسمًا لها بلطف، وردد:
"- بعد ساعة من الآن."
لم تعيره أهتمام بل ألتفتت تبحث بعينين متلهفتين، متحسرتين، عن أخيها خالد الذي يقاطعها؛ مقاطعة لا يستطع على حملها قلبها الضعيف الذي يود التقوي به في تلك اللحظة، الدموع تجمعت في مقلتيها و ودت لو تبكي وأن تطلق صرخةً من صدرها صداها يؤلمها.
نادى آراس بـ أسمها فنظرت له بحدة نظرةً مشتعلة، فـ أردف هو في هدوء تام:
"- خديجتي، أنا لن أوؤذيكِ أبدًا، ولا اسمح بأي أذى قد يصيبك، أنا أحبتتك يا خديجة، بين جنبيّ خافق لا يخفق إلا بأسمك، ومهجتي لا يسكنها غيرك كأنك مهجة القلب التي أن غادرت أغادر الحياة، لا حياة ليّ بدونك، أنا أتنفسك يا خديجة، أصلحيني سأفعل ما تقولين وسأغير من نفسي لأجلك، ربما تظنيني غبيّ من يقع في حب فتاة من يأسره صوتها هذا أمرٌ محال لكن صوتك عبر إلى قلبي وتشعب فأصبح قلبي لا ينطق إلا به."
قد يظن المرء أن الكلمات قد تؤثر لكن مع خديجة فقد دخلت من إحدى الأذن وخرجت من الأخرى، حركت كتفيها وهي تقول دون أكتراث:
"كلامٌ حسنٌ جميل لكن لا يغريني أفهم أنا من المحال أن ابادلك نفس المشاعر، محال أن أحبك، ومحال أن أسلمك قلبي، ومحال أنت أن تخترق بيبانه، لك مني كل الاحترام والود لكن إلا الحب."
ثمة كلمات تصبح أشد وقعًا من طعنة خنجر، أونحر سيفٌ، أو كُليب من نار، أوجعته كلماتها أشد وجع وهز رأسه بثقل ردًا عليها:
"حسنٌ لا تحبيني يكفى حبي أنا ليغدقنا نحنُ الأثنين يا وضيئة."
تبسمت رغمًا عنها مع آخر عبارته.
غادر المعازيم الذين لم يدم بقاءهم من الأساس، وبقت أفراد العائلة، الفرحة التي كانت آنفًا والضحكات قلبت إلى بُكاء، فـ أصبح البيت يضجُ بالبواكي، أبدلت خديجة ملابسها و ودعت الجميع بنحيبٌ حارق، وذهب معها الشباب والفتيات ما عدا شيماء التي ذهبت برفقة عبد الله.
لم يودعها خالد لم ينظر إليها حتى وهذا ما يقبض قلبها فيعتصر بالألم، في صالة الأنتظار بقى نظرها معلقًا على الباب، ربما يأتي، ربما يبرز أمامها الآن، فقط ليظهر لتطمئن ربما لن ترآه مجددًا، ونداء القلب قد لبى وها هو يقبل راكضًا من باب المطر ويقف يتلفت عنها حتى استقرت عيناه عليها فتبسم واستمطرت عينيها المشرقة برؤيته سارت نحوه فنهبت قدميه جريًا المسافة الفاصلة بينهما ليعتصرها داخل حضنه موسعًا وجهها لثمًا من فوق النقاب، فضحكت وسط بكاءها وضمت وجهه بكفيها، وهمست بصوت متحشرج:
"أفتكرتك مش هتيجي يا خالد، كنت هموت لو مشفتكش، كنت هموت يا خالد من وجع قلبي."
ضم رأسها إلى صدره مرة أخرى، وند عنه صوت خَنين، وقال بصوت يغلفه الحزن:
"- متقوليش كدا يا حبيبتي، حقك عليَّ."
قبل أعلى رأسها، وعلا صوت ينبئ بقرب أقلاع الطائرة، فـ أبتعدت عنه لتضم الفتيات واحدة تلو الآخرى بخافقٌ يتلظى بنار الحنين العزاءُ لقلبها المكلوم، الفراق كم مؤلم عن الأحبة!
حضر آراس يستعجلها، فمال خالد على رأسها وهمس:
"- مش هغيب هتلاقيني ورآكِ أنا فاهم كل حاجة؟"
ثم غمز لها متابعًا:
"- بس مكنش في داعي يعني تخبي عليَّ، مش عاوزك تخافي من حاجة أيام وهكون معاكِ."
كادت تستفسر لكن آراس سحب يدها في تعجل فلوحت للفتيات وهي تسير معه ورأسها مستدير نحوهم:
"- كفاية عياط متوجعوش قلبي، لا إله إلا الله خلوا بالكم من نفسكم، هوصل واكلمكم سلمولي على إسلام!"
ردوا عليها الفتيات، فطافت عيناها عليهم جميعًا بوداع ورحلت خديجة إلى عالم آخر، وحياة لم تكن لها ولن تكون، ربما تعود او لن تعود لكن حتمًا ستعود فاقدة شيئًا لن تداويه الأيام ولن يطمسه النسيان ربما الذكريات؟ من يدري؟
تأملت شيماء عبد الله المتهجم بغرابة، لا تبدو عليه السعادة!
يبدو متهجمًا، حزينًا، كئيبًا، كأنه يحمل بثقل الجبال همًا.
فتطلعت عبر النافذة الزجاجية للمظهر الخارجي لـ هنيهة، ثُم ألتفتت إليه برأسها، وسئلت فجأة:
"- أنت سرحان في إيه؟ مالك مش حساك فرحان.."
فقاطعها قائلًا بضيق و وجه عابس:
"- مفيش حاجة؟!"
دمعت عينيها يدموعٌ حبيسة، لم تعتقد إنه في هذا اليوم بالتحديد سيعاملها بكل هذا الجفاء والبرود، أين معاملته الطيبة؟
أين كلماته التي كانت تذيبها عشقًا؟
أين غزله؟
أين هو من الأساس هذا الذي أمامها يبدو شخصًا أخر!
شخصٌ لم تعرفه، ولم تعهده يومًا قاسيًا!
نفضت الأفكار عن رأسها وهي تغتصب ابتسامة ومالت بجذعها للأمام ومدت كفيها تحل عقدة كفيه قسرًا فـ أبتسم لها بسمة مشمئزة لم تستفسرها، همست له برقة لتُذيب جليد بروده الذي أوشك على تجميدها:
"- بقيت مراتك وتجوزناا!"
"جوازة الندامة" قالها عبد الله في نفسه وهو يحدجها بجانب عينه بإذدراء، وسحب كفيه بعنف راعها، واندهشت عندما قال بقسوة:
"- تزوجنا، بس يا ترى أروى اقنعت حمزة إزاي؟"
وأعقب قوله متهكمًا:
"- يا مراتي؟"
فردت عليه متنهدة وهي تعود بظهره مسترخية:
"- عادي قال إني حرة وإن دي حياتي أنا. وبعدين هو اصلًا ملهوش الحق يرفض ولا ليه دخل في حياتي."
عقد ذراعيه وهو يرمقها بنظرات مشتعلة مستحرقة وتجمدت ملامحه ولم ينبس لدقيقة، وفجأة قال:
"-اشربي عصيرك عشان أروحك، عشان ألحق أوصل أهلي."
خرجا من الكافية و وقفا حتى وصول سيارة أجرة، فـ استبدت بها الحيرة وسئلته بهدوء:
"- هو في إيه حساك متغير، هو في حاجة حصلت؟!"
كفها الذي وضعَ على مرفقه كانت قبضته تعتصره بعنف مرددًا بلهجة لم تعتادها:
"- حلي عن نفوخي السعادي يا شيماء خليني أغورك."
تدلى فكها دهشة، وجحظت عينيها بآنينٌ خافت، وهي تحاول نزع كفها وهوى دمعها منسكبًا من شدة الصدمة التي لم تستعبها، وانفرجت شفتيها بكلامًا غاص بحنجرتها عندما أشارة لسيارة أجرة وفي لمح البصر كان يدفعها دفعًا لتصعد.
عاد الجميع للمنزل بعد وداع خديجة فكان الصمت يسودُ المكان، والحزن يغلفه، والبكاء يعمه؛ بدا موحشًا كئيبًا كأنه ينعي فراقها الثقيل، ويبكي رحيلها المفاجئ من بين جدرانه، ويحنو إلى صوتها و وجودها من الآن.
ما أن وطأت قدمين خالد للداخل حتى جال ببصره في الأنحاء، ودموع الشجن تلمع في حدقتيه فلم يستطع صبرًا وخرج مزمجرًا، حانقًا، من قال أن خديجة فقط أخته؟
وما أدرك من خديجة أنها اختٌ بنكهة أمٌ وفي لذة رفيقة لدربه القاسي، كانت نورًا يضيء له أشدُ الحُلكة وهكذا تصبح غير موجودة بينهما أميال، تبًا للفراق فإنه ليس بهين أبدًا.
خرج الشباب وراءه وجلسا على إحدى الموائد في الحديقة يغشاهم السكون التام، وبينما هُم جُلساء إذ أقبل إسلام و وقف سائلًا بضيق:
"- أين ديجا؟ هل سافرت؟!"
قال بجزع حقيقي نابع من صميم قلبه، لقد جاء متلهفًا لرؤيتها ضاربًا بالخطة عرض الحائط لكن الأمور وشت بأن مجيئة كان متأخرٌ للغاية.
رد عليه معاذ بصمت وهو مطرق:
"- نعم سافرت."
"- أين كنت أنت؟ لم أراك منذُ سويعات؟"
سئل حمزة مستفسرًا فتقدم إسلام جالسًا بجانبه، وأجاب وهو ينظر لما بين يديه:
"- كنت أنتقي هدية لخديجة، لكن قد فات الآوان!"
ران الصمت مرة أخرى مشعب بالحزن، دفن خالد رأسه بين كفيه على الطاولة، فربت عليه إسلام وقال يطمئنة:
"- لا تحزن يا خالد، ستكون ديجا بخير، كلنا معك سنعوضك غيابها."
ثم ألتفت إلى حمزة وقال مشاكسًا وهو يرفع حاجبيه:
"- ما بك يا عريسنا جالس هكذا! ألا تجلس مع عروستك؟ أو تأخذها للتنزه؟"
فأيده معاذ قائلًا وهو يضع كفه على كتف حمزة:
"-معه كل الحق خذ أروى إلى احدى الأمكان لتروح عن نفسك وعنها، هيا قم."
نفى حمزة برأسها مردفًا:
"- لن تقبل أن تترك البنات أعلم هذا وكلي يقين."
"- إذن نخرج معًا جميعنا وتجلسان بمفردكما ما رأيك؟"
سئل مالك مقترحًا، فوافقة خالد الذي شاركهما الحوار:
"- بالفعل، لنخرج معًا ولكن بعد صلاة المغرب."
فسئل إسلام قاطبًا:
"- وأنى نذهب؟"
إلفتت له حمزة وسئله:
"- أنت اين تحب أن تذهب، أي الأماكن تودُ رؤيتها!"
"- نهرُ النيل."
"- أذن يبقى نهرَ النيل."
"- على ( الكورنيش )"
جلس الشباب والفتيات على إحدى المقاعد يتسامرون، بينما سارا حمزة وأروى بمحازة السور، بصمت الناطق الوحيد بينما الأرتباك والحياء الذي يغلفانها.
ارتكن حمزة على السور موليًا ظهره للنهر ثُم جلس فوقفه، فوقفت أروى بجانبه صامتة، تنحنح هو وقد أثقله الصمت والحروف انحسرت بداخله كأن لسانه قد عُقد ولا يدرِ ما يقول، فدار بصره هربًا وحانت منه ألتفاته إلى ملك فسئل:
"- حاسس أن مالك في حاجة جبراة على الجوازة دي!هي محكتش لكم حاجة."
هزت أروى رأسها نفيًا، وقالت بصوتٍ مبهم ببصر مرتكزًا على ملك:
"- وأنا كمان حاسة بكدا وهعرف في أيه … أكيد؟!"
تلاقت أعينهما فخفق قلبها، وتسارع فؤاده، مسك كفها برقة في راحته فـ أقشعر جلدها مرتبكًا، متوترًا، وسحبت كفها في أستحياء ، فتفهم حمزة ذلك باسمًا وأسند كفيه على السور بجانبيه، وعلى حين غرة منها وبينما هي مطرقة إذ أردف:
"- عايز اسئل سؤال، أنتِ كدبتي عليَّ فيه قبل كده!"
شحب وجهها لا أردايًا وانتظرت ثوانٍ قبل أن ترفع رأسها إليه مغمغمة:
"- اسئل!"
لقد علمت ماهية السؤال الذي يود معرفة إجابته ورغم ذلك استفسرت فقال بلهجة خرحت حادة:
"- كنتِ بتعملي أيه مع عبد الله لوحدك ؟"
أسبلت جفنيها بعنف كأن السؤال كان صفعة على وجهها، فسئلته بنبرة ذات معنى:
"- نبرتك بتقول أنك شاكك فيا!"
زفر حمزة بضيق وذاغ ببصره، مردفًا:
"- مش حكاية شك، ليه كدبتي عليَّ لما سئلتك، كنتِ معاه ليه؟"
تجمعت العبرات في مآقيها وقالت بصوت متحشرج:
"- كدبت عشان شكك دلوقتي، كان متخاصم هو وشيماء وقابلته عشان أصالحهم على بعض."
أججت نارًا في صدره، فضرب بقبضته السور فـ أنتفض جسدها للخلف وقفز أمامها بغته صائحًا فيها:
"- يولعوا هما الاتنين، تقابليه ليه، قولي لأي حد يكلمه، ملقيش علاقة بيه؟!"
احتاجتها نوبة بكاء عارمة أوشكت على الحلول، فقالت بشهقة وصوت يوحي بذلك:
"- أنا عايزة اروح."
عبارتها رقت قلبه فتنهد بآسف بيَّن ثُم فجائها بأن ضمها دون كلام رابتًا على ظهرها بحنو فـ اتسعت مقلتيها وهمهمت فقال مبتسمًا:
"- لا ما هو أنا منستش حضن كتب الكتاب!"
قبل جبهتها متابعًا:
"-حقك عليَّ يا ستي متزعليش، أنا لو موثقتش فيكِ هثق في مين؟ أنا أكتر شخص ممكن يثق فيكِ يا أروى بس أضايقت لما سئلتك ومصارحتنيش."
ابتعد عنها ناظرًا لوجهها الذي كساه حمرة الخجل فغضت الطرف عنه، فاستأنف بوداعة:
"- مش عايز حياتنا تتبني غير على الصدق وبس يا أروى، بلاش تخبي عليَّ حاجة."
رفع ذقنها لينظر في عينيها، وقال:
"- هو أنا قولتلك أنك قمر لما بتتكسفي."
"- أنت يا عم العاشق الولهان متنساش أننا في الشارع، امسك!"
قالها خالد متهكمًا وهو يرمقهما بسعادة وناولهما أكوزًا من الذرة، ثم سئل فجأة اروى:
"- هو ضايقك في حاجة، ولا مالك؟"
فنفت برأسها، فضرب على كتف حمزة، قائلًا:
"-أقسم بالله هتفكر بس مجرد تفكير تزعلها هجيب أجلك."
لوى حمزة فمه بأمتعاض ودفعه بخفة متمتمّا:
"- يلا من هنا يا بابا، عيب."
تابع ذهاب خالد إلى حيثُ الباقيين فضم كتف أروى بذراعه فـ ارتجف جسدها وكادت تنزع يده لكنه تشبث بكتفها وقال وهو يقطم حبيباتٌ من الذرة:
"- أنسي مش هشيلها."
فستكانت صاغرةٌ له، وفؤادها بات يحلق في صدرها من شدة الفرحة، لا تصدق انها بجانبه الآن، علاوة على أنها غدت زوجته، حانت من جانب عينها ألتفاتة إليه ثم تنهدت مرتاحة وهي تحمد الله في نفسها ثُم راحت تلوك بهدوء الذرة.
طرق إسلام بأصبعه على الطاولة وهو يختلس النظر إلى لمياء التي تتجنبه بكل جهدٌ منها، كانت رائعة هذا اليوم لتخلب قلبه.
أوجد عاصم إبن خالته يختطف النظرات إلى ناردين التي اختمرت فمال عليه هامسًا بعبث:
"- تُعجبك!"
رفع عاصم رأسه إليه وقد زوى ما بين حاجبيه متفاجئًا بالسؤال فغمز له إسلام قائلًا:
"- إنها جميلة، لكن لا تطيل النظر حتى لا أفقع عينيك."
انفرجت شفتيّ عاصم بكلام ابتلعه عندما ألتفت إسلام إلى مالك، سائلًا:
"- لم تخبرنا عن تلك الرائعة التي كانت برفقتك اليوم."
زم مالك شفتيه وقال مشوحًا بكفه:
"-رائعة ام غير رائعة لا يعنيني، فقط جلبتها لربما هذا يثير في نفسها شيء وتُحل عقدة لسانها؛ إنها مريضة لدي ليس اكثر من هذا."
هل حقًا ليس اكثر من هذا ولم يكذب؟
أما أن تلك الفتاة آثارت فيه شيئًا لم يعرف كنهه بعد؟!
عندما عادوا إلى المنزل تفرقوا، لكن إسلام الذي غاب لدقائق دنا من لمياء يستوقفها، ومد لها بعلبة آيس كريم، مردفًا ببسمةٌ:
"-هذه لكِ يا لمياء، علمت أنك تعشقين الآيس كريم فجلبته لكِ!"
لكنها نظرت له بحدة، وهتفت بصوتٌ خافت:
"- ومن ذا الذي قال أني سأقبل بأخذها وبالذات منك؟!"
"- هل ليّ أن أفهم لمَ تعاملينني بهذا الجفاء! لماذا تهربين مني؟ تتجنبيني؟"
توترت لوهلة وارتبكت أثر عبارته التي كانت كالأعصار في قلبها فقلبته هي لا تهرب منه؛ إنما تهرب من نفسها المنصاعة إلى حبه كالبلهاء! وهي لا تود ذلك لن تسمح لقلبها أن يحب قبل آوانه.
فنفضت رأسها بعنف كأنما تطرده عن عقلها المنشغل به، وردت بحدة:
"- ولماذا قد أهرب منك؟! ولمَ قد أفعل؟ أنى لك بذلك التفكير!"
فنظر لها بتمعن رافعًا حاجبيه، وقال وهو يخفضهما:
"- إذن تودين اخباري بأنك لا تهربين مني ولا تتجنبيني!"
هزت رأسها تؤكد قوله، فتبسم غامزًا لها بمشاكسة:
"- أظن ستقبلين أخذ الآيس كريم بمبادرة صلح بيننا!."
اذدردت لمياء لعابها وهي تركز بصرها على علبة الآيس كريم فـ أنتشلته منه في سرعة ادهشته وغمغمت:
"- حسنًا شكرًا لك مقبولة منك وبالهناء والشفاء ليّ، تصبح على خير."
همت بالفرار من أمامه لكن ألجمها قوله وخاصةً حين همس بصوتٌ حنون لامس وترًا مرهفًا بداخلها:
"- تأخذين العلبة وقلبي، فلما تأخذين قلبي معك؟ لمَ تسحرين روحي ببساطتك! وتأسرين هذا الخافق بداخلي!"
تسمرت ساقيها ولم تقو حتى على النظر إليه، بين جنبيها خافقٌ مضطربًا، مرتبكًا، أصابته الدهشة فراح يضرب قفصها الصدري ليخرج ملقيًا نفسه في أحضانه.
بزغت بسمة مشرقة على شفتي لمياء فلحت في كبحها وهي تفر من أمامه في لمح البصر تسطتير فرحًا.
هل جاءها السعدُ مرفرفًا بأجنحته الزمردية فوق ظلال أحزانها لينتشلها من قاعه؟ هل يطرق الحب الحلال بيبان قلبها؟
ولمَ لا؟
لكن ماذا وذاك القلق يستبد بها؟
إنه شاب يجاهد لينصلح حاله بعد ضياع كان منذُ نعومة اظافره فهل يستكمل المسير في دربه الجديد؟
أما ترآه يتزحزح وينحرفُ عن الطريق ويعود لما سبق؟
ماذا عن نزواته السابقة! هل يرجع إليها!
الحيرة حفرة عميقة للغاية صعب الخروج منها إلا بالتسلق فأما السقوط او النجاة منها.
مؤلم أن يجد المرء نفسه بغتة في الغربة، لا أهل ولا صديق ولا حبيب ولا قريب، وحيدٌ تمامًا في أرضًا لا يعرف فيها أحد، تصبح الحياة موحشة ثقيلة ثقل الصمّ الصلاب على الصدر، معتمة حالكة السواد كأنها ليالي الدادي لا بصيص نور فيها.
ويكون عذاب تلك الأيام أشد ألمًا، وعسرًا.
عندما وصلت برفقة آراس إلى البيت تعرفت إلى منة واختلطت مع الفتياتين اللتين خففتا من شعور الوحدة في قلبها، وعوضتا غياب أحبتها قليلًا.
لم يوجه لها آراس إلا كلمات قلائل حين يتطلب الأمر مما جعل شعور الراحة يتغمدها، وحين رأت آجار ودت لو تخبره بشكوكها لكنها آثرت الصمت حتى تصل لما أتت لأجله.
في اليوم الثاني كانت تهجز نفسها متهيئة للخروج، فسئلها آراس عن وجهتها فردت بهدوء:
"- سأذهب للمستشفى لم أتوان في عملي كما كنت في مصر."
"- حسنًا، لم أرفض ولن ارفض لكن اليوم خذي راحتك!"
فنفت قائلة:
"- لا، هذا سيريحني كثيرًا."
"- كما تريدين، سأصحطبك وأطمئن على أبي."
ذهبا لزيارة جومالي معًا، وهُنالك ألتقيا بـ ماهر الذي كانت خديجة تمعن النظر فيه بغموض وعرفها آراس عليه بكلمات مقتضبة، ورمي إليه بكلمات تنبئ عن كرهه له.
ودخلا لغرفة والده، فـ تقدم آراس ملثمًا جبهته، ونظر لها سائلًا بنبرة توحي بحزنٌ سحيقٌ بقلبه:
"- هل سيصبح بخير يا خديجة؟ أنا لا أصدق هؤلاء الأطباء، ربما أصدقك أنتِ، هذا الذي بين جنبايّ ينتمي إليكِ يخبرني بأنك لن تكذبين، وأن قُلتِ بأنه سيكون بخير فسيكون!"
فـ ابتسمت تدنو منه تربط على كفه لتصيبه بالزهول وهو يرمق كفها بدهشة ممزوجة بالصدمة حين تابعت بصوتٍ رقيق:
"-سيكون بخير كُن متفائلًا."
ثُم خرجا من غرفة العناية، وسئلته وهي تسير بجانبه في الممر:
"- بدا ليّ أنك تكره ماهر!"
أومأ آراس برأسه، مردفًا:
"-هذا صحيح لا اطيقه ولا اطيق وجوده ألبتًا!"
"- إذن لماذا خبئه والدك عن جدتي حين كانت تبحث عنه؟"
وقف لوهلة مندهشًا من هجومها، وحرك كتفيه قائلًا:
"- خديجة، لماذا في نبرتك اتهام يمسني؟ ما كان بين ابي وماهر لا يعنيني، ولا أعرف شيء عما تقولين ولا لماذا فعل أبي هذا."
قال جملته طارقًا بخفوت على باب حجرة الطبيب وادار مقبضه ليدفع الباب لتدخل هي اولًا واتبعها هو.
استتر ماهر متلصصًا عليهم ثُم اخرج هاتفه مُرسلًا برسالة كان محتواها:
"آراكِ أرسلتِ حفيدتك لجحر داري ألا تخافين عليها؟ أما إنكِ تذهدين فيها؟! إلى ماذا ترمين يا ترى؟! رباه أم إنه مخطط؟!
لكنه لن يجدي نفعًا يا ابنت الشرقاوي، ها قد نسيت أخبارك؛ سأرسل لكِ قريبًا … قريبًا جدًا هدية ستعحبك كثيرًا جدًا او بالأحرى ستوجعك يا لمار، أنتظري هديتي انها قادمة إليكِ"
"-متى بالله تكفين عن اقحام أنفك في المصائب، ما يعنيك من ذاك الحادث، وبكل بساطة تسيئين إلى المفوض، كيف تفكرين أنتِ بالله يا فتاة!"
صاح بها آجار في وجه منة التي كانت تأقلم اظافرها متربعةً فوق الفراش، فـ ألقت عن يدها وهي تقف على ركبتيه هاتفة بغضبٍ:
"- أنت كيف تعتقد إني قد أسكت عن فعل كهذا؟ طالما كل الحق معيّ لن أسكت."
كلماتها ذادته ثوران، جأر مزمجرًا:
"- لا، لا، لا تسكتين أن سكتِ بالأساس تموتين، يا فتاة بالله كيف تفكرين هذا المفوض لن يتركك."
أغمضت منة عينيها بعنف وفي هدوء غمغمت:
"- ها أنت ذا تقول، مفوض."
وتابعت وهي تتحرك عن الفراش تضم وجهه بين كفيها:
"- إي إنه لن يؤذيني."
فنزع كفيها وقال متهكمًا:
"- صوابع اليد لا تتساوى يا حبيبتي، إذ إنه هدد أهل الطفل وربما هو من ارسل تلك العصابة لهم،، ليس كل من ارتدى الزي فهو شريفٌ عادل جمهم اوغاد يفعصوكِ تحت اقدامهم كأنهم لا يروكِ ويمروا."
فتنهدت بيأس، وأردفت بحنق وهي تضيق عينيها:
"- معك حق يا آجار لكن لو تخلينا عن أهل الطفل فمن يقف معهم، هذا الرجل عديم الرحمة لم يبالي ودهس طفلًا صغير مزق جسده دون ذرة رحمة، وبكل بساطة يقول إنه حادث ويهدد اهله، هل اشاهد بصمت، هل اسكت عن الحق بربك!"
زفر آجار وقال باستسلام:
"-أنتِ ميوؤس من أقناعك، لا تزعمين أن الأمور ستمر مرور الكرام هكذا، يعزُ عليَّ إنك لا تفهميني."
"- آجار."
نادته منة بحزن، فـ أستطرد هو:
"- لا ضير أن كنتِ تودين المتابعة حسنًا، لكن رجاءً."
أمسك كتفيها بكفيه وصوب بصره في عينيها متابعًا بنبرة عميقة، اهتز لها قلبها:
"- انتبهي لنفسك وفكري فيّ قليلًا، وإنه إذ حدث لكِ شيء أموت يا منة، هذه الحياة تضيق عليّ حتى اختنق إذ لم تكوني فيها! إذ أصابك أذى ولو مثقال ذرة هذا القلب يتلظى، ويدميه الحزن، كوني بخير فأكون أنا بخير، رجاءً."
ضمنته منة بقوة هامسة بأسمة فحاوطها بحنان داعيًا أن يحفظها الله له.
توقع نفسها في المشاكل غير آبهة لكن ماذا لو أصابت هذه المشاكل من حولها؟
ضاق بها قلبها لوهلة، واستشعرت كم هي بحاجة إلى مكان تجلس فيه بعيدًا عن كل شيء، تستنشق بعض الهواء ربما يطيب خاطرها، فـ أزمعت الذهاب إلى البحر ومن فورها غادرت المستشفى مستقلة سيارة أجرة جلست فيها شاردة، مشتاقة إلى وطنها ومن فيه.
وصلت بعد وقت على الشاطئ فغادرت السيارة ومضت تسير على الرمال التي بدت كحبيباتٌ ذهبية أثر توهج الشمس فوقها، وقفت قليلًا عاقدة ذراعيها تتأمل تلاطم الأمواج بدموعٍ أبيه وفجأة سال دمعها فبكت بحرقها وهي تستقر فوق إحدى الصخور ثانية ساقيها إلى صدرها تطوقهما بذراعيها وعلا نحيبها بكسرة، تكالبت عليها الهموم حتى شعرت بثقل قلبها كأنما غير قادرة على حمله.
لا احد يمكنه أن يجزم كم مر من الوقت على جلوسها.
وعلى قرب منها كان شاب فارع الطول، عريض المتكبين، مرتديًا بدلةً سوداء، داسًا كفيه في جيبيّ بنطاله، مرتكنًا بظهره على جانب السيارة، يتآملها من خلف نظارته بنظرات غامضة، ثم حل كفيه وسار بتمهل نحوها وهو يخرج من جيبه منديلًا ورقيًا، مد يده به لها فتفاجئت به ونظرت لليد الممدودة ثم رفعت رأسها إليه، لم تتبين ملامحه التي أختفت وراء لحيته السمراء المنمقة ونظارته التي تخفي عينيه فبدا غريبًا، بقت يده طويلًا ممدودة دون ان يتلق اي ردة فعل، فوصلها صوته يأتي من مكنٍ سحيق أثر خفوته، ممزوجًا بمسحة من الرقة رغم حدته القليلة:
"- أمسحي عينيكِ لا تليق بسوداوتيكِ الدموع، ولا تجعلي احد يرى دموعك أبقي قوية وتحلي بالمثابرة كل شيء سيمر، وتتذكرين هذه الأيام بحلوها ومرها وتضحكين، افعلي شيئًا تحبيه وألقي الحزن وراء ظهرك؛ فإنه لا يرغب فينا حين لا نرغب فيه."
أرتبكت خديجة وهي ترفرف باهدابها لثوانٍ مترددة، بالأخير اخذته منه ونظرت أمامها تمسح عينيها من اسفل النقاب وما كادت تلتفت له لتشكره إذ تبخر ولم تجد له أثر، وثبت خديجة بفزع تبحث بعينيها عنه وهي تدور حول نفسها، ولولا المنديل لظنت إنه وهمًا.
ثم تنهدت وراحت تعدل من نقابها تخفي عينيها وعادت جالسة تفكر عن ماهية هذا الشخص؟!
وبعد دقائق قلائل كانت تخطر لها فكرة اسرعت بتنفيذها وأخرجت هاتفها من حقيبتها لتسجل نفسها، وهي تتنحنح قائلة:
"ربما لا يمكنني المجيء للمسجد، لكن لا شيء يمنع من جلستنا المحببة، وقد كُنا نتحدث عن اهوال يومُ القيامة واليوم سنسترسل فيه.
قولنا آنفًا أننا نُبعث من القبور ثم نحشر جميعًا وقد أخبرتكن أن الناس تحشر يوم القيامة حفاة عراة وغير مستورين والحشر يأتي بعد النفخ قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ {إبراهيم:48}
وقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن صفة هذه الأرض الجديدة التي يكون عليها الحشر، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي " قال سهل أو غيره: " ليس فيها معلم لأحد.
وفي تفسير القرطبي الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك، وذكر الحديث، وفيه، فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الظلمة دون الجسر، وذكر الحديث، وخرج عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: على الصراط، خرجه ابن ماجه بإسناد مسلم سواء، وخرجه الترمذي عن عائشة وأنها هي السائلة.
سكتت خديجة قليلًا تستردُ أنفاسها، وتابعت بصوتٌ رخيم يملؤه الراحة:
"فمن الناس من يكرمون يوم الحشر ويعافون، ومنهم من يهانون ويعذبون، كما قال تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا {مريم: 85ـ 86}.
وفي هذا اليوم تتجلى رحمة الله تعالى حين تدنو الشمس من الروؤس، ويتمكن العطش من الناس، ويشتد الكرب بهم حتى يطلبوا بدء الحساب، تتنزل رحمة الله يومئذٍ، إذ لم يتركهم عشطى يعانوا الظمأ، بل اكرمهم بحياض يشربون منها، ولقد جعل لكل نبي حوض يشرب منه هو واتباعه، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ( إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة ) رواه الترمذي وصححه الألباني ."
سكتت مليًا متقكرة، متخيلة، متحيرة، تدنو الشمس من الروؤس!
الشمس المحرقة يصبح الناس اسفلها حفاة عراة وهي فوق روؤسهم تمامًا ولكن الله رحيم إذ ثمة أحواض تشربُ الناس منها.
أخذت نفسًا عميقًا زفرته بتمهل وهي تدخر التخيل عنها، وأستتبعت تقول:
"ثُم نجد حوض حبيبنا محمدٌ وهو واقفًا بجانبه ( الكوثر) ربما اسمه لوحده يجعلك تبتسم والكوثر هو النهر الذي وعد الله به نبيه ﷺ في الجنة، والحوض هو مجمع الماء في أرض المحشر وماؤه مستمد من الكوثر، فالكوثر والحوض ماؤهما واحد، إلا أن احداهما في الجنة والآخر في أرض المحشر، قال – صلى الله عليه وسلم – في وصف الحوض: ( يَغُت فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورق ).
يغت: أي يدفق دفقا شديدا متتابعاً، فتبين بهذا أن ماء الحوض مستمد من نهر الكوثر في الجنة، وفي وصف الكوثر ذكر ﷺأوصافًا متعددة فمنها إن ماءه أشد بياضًا من البن، وأحلى من العسل، وأن طوله وعرضه سواء، وأن سعته كما بين أيلة وصنعاء، وأن عدد كؤوسه كعدد نجوم السماء، وأن من شرب منه لا يظمأ أبدا، وهذه الأوصاف ذكرها النبي – صلى الله عليه وسلم – في أحاديث، منها:حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: ( إن قدر حوضي كما بين أيله وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق بعدد نجوم السماء ) متفق عليه ."
سكتت لهنيهة كأنما تتأمل حوض الرسول مسبلةً جفنيها على مقلتين فاض فيهما الشوق ممزوجًا بالحنين، واستأنفت بصوتٌ رخيم وهي تسند ذقنها على راحتها المرتاحة فوق ركبتها:
"وعن ثوبان - رضي الله عنه - أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم – سئل عن شراب حوضه، فقال: ( أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، يغت فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما: من ذهب، والآخر من ورق ) رواه مسلم .
حديث حذيفة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إن حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن، والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، ولهو أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل ... ) رواه مسلم .
اختلفت الروايات في تحديد سعة الحوض ومساحته، فبعض الروايات ذكرت أن حوضه - صلى الله عليه وسلم- أبعد ( من أيلة إلى عدن ) وعدن معروفة، أما "أيلة" فهي مدينة بالشام على ساحل البحر، وتطلق أيضا: على جبل ينبع بين مكة والمدينة . والحديث رواه ابن ماجة عن حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وذكرت بعض الروايات أن سعة الحوض، ( كما بين المدينة وصنعاء ) وهذا في رواية البخاري عن حارثة بن وهب - رضي الله عنه.
إذن فـ حوض الرسول الحبيبُ صلوات الله عليه حوضٌ كبير متسع الجوانب والزوايا ربما والله واعلم.
وثمة صنفين من الناس سيكونون اول الشاربين من حوضه ﷺ الصنف الأول هُم فقراء المهاجرين ويدل على ذلك ما رواه ثوبان - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: ( أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين، الشعث رؤوسا، الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد ) رواه الترمذي.
وأما الصنف الثاني هُم أهل اليمن فعن ثوبان - رضي الله عنه - أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم – قال: ( إني لبعقر حوضي، أذود الناس لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم – يسيل عليهم - ... ) رواه مسلم ، قال الإمام النووي في شرحه: " معناه: أطرد الناس عنه غير أهل اليمن، .. وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه، مجازاة لهم بحسن صنيعهم وتقدمهم في الإسلام، .. فيدفع غيرهم حتى يشربوا، كما دفعوا في الدنيا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعداءه والمكروهات " .
فمن منا مشتاق إلى شربةٌ من كوثر الحبيب لا يظمأ بعدها أبدًا؟
من تلك التي تتلهف إلى شربةً من يد الرسول؟
من هذه التي ستأثر الفردوس على الدنيا فتذهد فيها بكل حلوها وملاذاتها؟
من ستصوم كثيرًا لتشرب كثيرًا يوم القيامة من كف الرسول وحوضه.
تخيلي أن تأتي يوم القيامة عاريةٌ حافيةٌ والشمس دانيةٌ ذلفى من رأسك وأرهقكك العطش ثُم تجدي الرسول بجانب حوضه يروي ظمأك، اللهم اجعلنا ممن يشربون من حوض الحبيب.
وكما أن هناك من يشرب من حوض الرسول فليس الجميع بشارب ثمة مطرودين فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول: ( أنا فَرطُكُم – أي أتقدمكم - على الحوض فمن ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا . ليردنَّ علي أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي ) .
قال الإمام القرطبي في "التذكرة" : " قال علماؤنا - رحمة الله عليهم أجمعين -: فكل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، .. والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستحفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة، إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد "
أخذت نفسًا عميقًا أعبقته بقولها:
"أما موضع الحوض فلا يكون على هذه الأرض وإنما يكون وجوده في الأرض المبدلة، كما قال تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض }(إبراهيم:48) .
ومن أسباب نيل شرف ورود الحوض عدم الدخول على أئمة الجور ممالأةً ونفاقاً لهم، فعن كعب بن عجرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ( أنه ستكون بعدي أمراء، من دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس يرد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض ) رواه الترمذي والنسائي."
أنهت خديجة درسها إذ قالت دامعة العينين:
"هذا هو حوضُ الرسول بأوصافه واهله، والمطرودين منه، لتعلم يا آبن آدم أن دخول الجنة ليس بهين، والشرب من كوثر الرسول ليس ببسير فأعلم السبيل إليه وسر نحوه بكل جهدك، وأعمل ليومٍ عظيم حره شديد.
ويا آبن آدم لا تغرنك الدنيا فتشقى، ولا تنغمس في ملاذاتها فتضل، شمر ساعد الجد وسر في درب الرحمن راجيًا رضا الرحيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وهداه."
أرسلت المقطع المسجل أتبعته بريكورد في الجروب بينها وبين الفتيات: " بنات يوم الجمعة شغلوه في المصلى، عاملين إيه وحشتوني كلكم "
توافدت الرسائل من الفتيات فراحت تحادثهم وقد تلاشى كل ضيقها، حتى لملمت نفسها وعادت إلى المستشفى.
خرجت خديجة من المستشفى بعد أنتهاء دوامها، وبينما هي تخرجُ من بوابتها إذ أبصرت آراس واقفًا بجوار دراجة ناردية ما أن
رواية جحر الشيطان الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندي ممدوح
مقيدة الذراعين وراء ظهرها، مكبلة الساقين، معصومة العينين، ملتصقة الفم. هكذا كان حال أروى ما أن فاقت من غشيتها. تزوم برهبة ملأت كل كيانها، آكلها الندم على عدم سماعها تحذير حمزة. أوقعت نفسها في مأزق ربما لن تحور منه. ليتهم فقط ينزعوا عصبة عينيها لترى أين هي.
الظلام يُغلف عينيها المغلقتين مما جعل الخوف يكتنفها كليًا. والجزع يستبد بفؤادها بل ويظلل روحها الهائجة. همهمت بكاءها، كل ما يصدر عنها. الغرفة المُلقاة بها كانت تحوي فراشًا يشبه فراش المستشفيات، وثمة أدوات طبية على إحدى المناضد بجانبه. لكن لا يوجد أحد.
دقائق، ثوانٍ وتناهى لها صوت خشفة أحد يدنو، فسكن جسدها مرهفة السمع بترقب حذر.
في أعلى تلك الغرفة، تفاجأ حمزة بمدير المحل يوصد الباب ويتبسم في وجهه بسمةً غامضة وهو يقترب في تلكؤ مبهم. فتصلب جسد حمزة متحفزًا، وقلبه يثور جنونه على أروى التي لا يدري عنها شيء. وفي سبيل أنقاذها يفتديها بروحه أن تطلب الأمر. لا يهم نفسه ولا ما يصيبه. الأهم أن تخرج هي من ذاك المكانِ سالمةٍ.
وضع المدير كفه على منكبه، وردد بنبرة جزلة:
"أنا النهارده هعرفك على حاجات تبع الشغل ومتأكد أنك هتوافق تبقى معانا. هخليك من النهارده عايش ولا الملك بس لو نفذت كل حاجة نطلبها وتكون أيدنا اليمين."
زوى حمزة حاجبيه رافعًا إحدهما بريب، وغمغم في تهكم بيّن:
"وإيه بقى اللي هيخليني ولا الملك؟ أكيد حاجة مش قانونية، ولا أنا غلطان يا باشا؟"
نفى المدير برأسه، وقال غامزًا له:
"لا طبعًا، مش غلطان. تعال ورايا!"
قاده إلى البروفا وضغط على زر قريب منه، فـ انفتحت الأرضية فتحة يمكن لجسد المرء أن يُدخل منها وتدلى سلم فجأة. عندئذٍ ألتفت المدير برأسه إليه وقال بصوتٍ أجش محذرًا:
"جهز نفسك، اللي هتشوفه تحت هيبهرك. بس اعرف أن اللي بيدخل تحت من غير ما يكون تبعنا وحافظ سرنا، نقتله."
قال آخر عبارته وهو يؤشر بإبهامه على عنقه بمعنى الذبح. فما كان من حمزة إلا أن تبسم ساخرًا وهو يؤمئ برأسه، ويمنى نفسه برؤية أروى، وخطى خلف المدير متسلقًا السلم نزولًا.
وقف يفحص الغرفة بعينين حادتين متربصتين كالصقر. أشار له المدير أن يتبعه ولحق به بصمت، فوقفا على أعتاب غرفة. ما بداخلها جعل حمزة يشهق بارتياع، فلح في إخفائه سريعًا، وجز على أسنانه غضبًا. فقد كان مجموعةً من الشباب يدسون أكياسٌ من المخدرات بطريقة مبهرة داخل الملابس. أبهرت حمزة رغمًا عنه ولم يستطع إلا الأعجاب بطريقتهم لتهريب المخدرات التي لا تخطر على بال.
تحرك المدير وسط الشباب الذين يعملون بجهد عظيم، ولم يلتفت أحد لهما كأنما لا يروهم. وقال بتكبر واضح في نبرته:
"هنا زي ما أنت شايف بنورد المخدرات في الملابس للي عاوز."
ورفع سبابته مسترسلًا:
"مخدراتنا مفيش زيها، دي بتتزرع بطريقة تخلي كل اللي يدوقها مرة يطلب ألف مرة. واللي ياخد من عندنا ميشوفش غيرنا."
ثم وقف قبالته متابعًا:
"النهاردة في صفقة مع شركة عالمية بس من بلاد بره. متستغربش كدا، إحنا مخدراتنا بتروح كل البلاد بدون استثناء وبتطلب بالإسم."
شد حمزة من عنقه ناظرًا بتمعن إلى عينيه، وقال:
"محدش أبدًا قدر يوقعنا ولا هيحصل. أنت عارف إحنا بنعمل إيه في الظابط اللي يلف ورانا؟"
قرب فمه من أذنه هامسًا:
"بندفنه حي في المقابر!"
قهقه عاليًا وهو يبتعد عنه موليًا إياه ظهره، وقال فاتحًا ذراعيه على وسعهما:
"متتفاجأش، المعلم بتاعنا دا جبار قدر يعمل الإمبراطورية دي بنفسه، دا حتى الشرطة بتعمل له ألف حساب."
أستدار لحمزة باسم الثغر وضم كتفه خابطًا عليه وسحبه خارج المكان وهو يستطرد:
"دلوقتي بقى هوريك الجانب التاني من أعمالنا واللي ميتوقعوش بشر. المحل اللي فوق ده ما هو إلا واجهة بس لينا. إحنا بنخطف البنات اللي يتكون لوحدها من غير حد معاها، بيكون سهل تختفي ومحدش يتوقع إنها اختطفت هنا. لكن مش بنقدر لو حد معاها."
"عارف بنعمل فيهم إيه؟" سأل وهو يقف، ويقف حمزة بدوره منصتًا لكل حرف باهتمام شديد. عاد المدير يضحك بنشوة ظفر مغمغمًا:
"بناخد أعضاءهم، كل حاجة ممكن تتوقعها. عينين، قلب، كلى، كبد، كل حاجة ممكن تفيدنا ونرمي بقيها أو بالأحرى بندفنهم هنا تحت الأرض."
عاد يسير وحمزة يسير بجواره مشتعلًا غضبًا. وبينما يدخلان إحدى الغرف، اتسعت عينين حمزة حتى كادا يخرجان من محجريهما وهو يشاهد أروى نائمة فوق فراش طبي، وطبيبًا يرتدي قفازات في يديه متهيئًا لما هو مقبل على فعله، وإلى جانبه ممرضة انتهت توًا من تخديرها. خفق قلبه النابض بارتياع وندّ عنه نداء خافت بإسمها.
وقبل أن يبدر عنه أي بادرة، وجد فوهة سلاح تلتصق بجبينه وصوت المدير يغمغم بانتصار:
"مش عيب يا سيادة المقدم تيجي تشرفنا وتشتغل معانا؟ طب مش تقول عشان نوجب! بس متقلقش، إحنا هنعمل أحلى واجب ومراتك الحلوة هنخليك تشوفها وهي بتموت قدامك وبناخد أعضاءها وحدة وحدة. أتمنى يكون قلبك جامد."
وعاد يقهقه غافلًا عن حمزة الذي استغل الموقف وفي لمح البصر كان يقفز مطوحًا السلاح من يده بعيدًا بركلة من قدمه، بينما ساقه الأخرى تدفع يد الطبيب الذي كاد يعري زوجته، ويمناه كانت تصفع الممرضة التي لم تستوعب لأي مما حدث سوى بصفعة قوية سقطت على أثرها لترتطم رأسها بحافة المنضدة وتسقط فاقدة الوعي. لم أحد يدرك ما حدث فقد غاص حمزة بقبضة في معدة المدير وهو يكيل له بيسراه عدة لكمات مهشمًا أنفه ودفعه بقسوة. ثم أنهال على الطبيب المتأوه ضربًا. لم يكد يلتفت إلى أروى وإذ بهجوم عاتي يقبل نحوه من الشباب، فقفز قفزة بارعة ممسكًا بالسلاح موجهًا فوهته على المدير وهو يقول:
"خطوة كمان ورأسه الحلوة دي هتتفجر."
توقف الجميع في مكانهم مزهولين مما جرى. بينما أشار لهم حمزة بأن يستديروا فـ أطاعوا صاغرين وجعلهم يسيرون حتى دخلوا إلى الحجرة التي كانوا يعملون بها وأوصد الباب من الخارج وهو يهتف:
"خليكم جوه يا شباب شوية، مش عاوز معافرة ولا وجع دماغ."
ركض إلى حيثُ أروى وأخذ يحاول على إيقاظها فلم يفلح. فما كان منه إلا أن حملها بين ذراعيه بهلع وخوف وسار بحثًا عن مكان للخروج، لكنه لم يجد مخرجًا إذ كان المكان يشبه المتاهة، والظلم يعم على جم الأرجاء. فتنهد بعجز وتفكير، جلس حين لم يعرف ما عليه فعله والخوف على أروى جعل تفكيره ينزوي. فتركها ونهض يبحث عن مياه إلى أن وجد وعاد إليها ومال فوقها ينثر على وجهها بعضًا منها فإذا بها تتململ متفاجئة أنها ما زالت على قيد الحياة، تتنفس، فبكت ملقية نفسها في حضن حمزة معقودة اللسان. ولم يتوان هو في ضمها وهو يهدئها. فما يدري الرائي هل يهدئها حقًا أم يهدأ قلبه الذي كاد يقف من شدة خوفه عليها؟
صوت صقفة تناهت لهما أبعدتهما، فـ ألتفت حمزة ليجد شاب طويل القامة لم يراه قبلًا مرتديًا جلباب صعيدي. فأحس بحدسه إنه ربما وراء كل ذلك. تشبثت أروى بذراعه وهما ينتصبان واقفان واختبأت وراءه. فدنا الشاب الذي كان يلتهمهما بنظراته الحادة، وقال بصوتٌ قوي:
"تعرف إن اللي عندنا ويدور ورانا كيفك كده بنعمل فيه إيه؟"
افتر ثغره عن بسمة شرسة، مسترسلًا:
"بنعدمه العافية ونرميه في الترب وهو حي، فلو مماتش من الخوف والوحشة، بيموت من الجوع والعطش، مع إني أشك إنه يفضل عايش. جوه المجبرة (المقبرة) لربع ساعة من الأساس."
حك ذقنه وهو يمعن حمزة الناظر إليه باستهتار، وتابع:
"لكنك عجبتني يا حضرة الظابط، فكرة زينة، زينة جوي إنك تيجي لحدنا برجليك وتضرب حد من رجالتي. لاه وكمان خطتك كانت هتنجح لو الراجل محذرناش منك وجال لنا."
"راجل مين اللي قال لكم؟" تساءل حمزة بشكه الذي كان يمور في صدره منذ مجيء أروى إلى المحل وها هو يؤكد ظنه أن ثمة من لا يريد للمهمة ان تنجح.
فقال الرجل ببساطة يُحدس عليها:
"راجل قريبك (قريبك) يا حضرة الظابط."
التف بغتة رجال حوله واحاطوا بهما إحاطة السوار بالمعصم، فضم أروى بذراعه وعقله جامدًا عن التفكير سوا بخروجها هي سالمة من هذا المكان. ثم وسع له رجاله ليعبر ودار حولهما وهو يقول بشراهة:
"أنت دلوق مستحيل تخرج من هنا إلا جثة. حتى لو قتلت كل الرجالة دي، الخروج مستحيل ببساطة لأنك متعرفش مكان الخروج. هنا متاهة محدش غيري يعرف يخرج منها، وأنا لو مسمحتش ليك تخرج مش هتخرج."
وفجأة سحب أروى بعنف موجهًا نصلًا حادًا على عنقها مما سمر حمزة مكانه. وقبل أن ينبس صاح الشاب الصعيدي وهو يجذب أروى التي تحاول التنصل منه بعيدًا:
"علموه الأدب يا شباب."
فرد حمزة عليه متهكمًا:
"الأدب ده تتعلموه أنتم يا بغل."
كان قد أختفى بـ أروى، وهجم شاب على حمزة بلكمة تلقاها في ساعده الأيسر وعاجله بلكمة هشمت فكه. في ذات اللحظة كانت قدمه تركل الرجل من خلفه، ثم رفع أحدهما بذراعيه وألقاه على الباقين وأسرع ليلحق بـ أروى التي كانت تصد لكمة قوية بوجه الشاب الصعيدي وركبتها تغوص في معدته ليتأوه بصوت مكتم. لم يعلم حمزة مكانها لكن فجأة ظهر أمامه رجل بسلاح مشهرًا نحوه وطلقة نارية تفاداها بالقفز بجسده على الجانب الآخر. وقبل أن تُطلق رصاصة أخرى قفز رافعًا السلاح للأعلى لتنطلق الرصاصة مستقرة في السقف. واستشعر الشاب بأن زلزالًا قد زلزله حين توالت لكمات حمزة على وجهه ومعدته ودفعه بعيدًا. بحث بعينه عن مخرج إلى أن وجد مدير المحل المترنح أمامه يقول بثبات:
"أي حركة منك وهتلاقي مراتك في عداد كان. اسمع كلامي عشان متخسرهاش."
اضطر حمزة صاغرًا من أجل نجاة أروى على الاستسلام قسرًا. فقاده المدير إلى إحدى الحجرات فبادر حمزة قائلًا بمراوغة:
"هعمل كل حاجة تقولوا عليها بس مراتي متتأذيش!"
فـ أومأ المدير، وقال قبل أن يغلق الباب:
"حلو أوي، ولك وعدي محدش هيلمسها."
جلس حمزة واضعًا رأسه بين كفيه، مفكرًا في حل للخروج دون خسارة.
لم يدم طويلًا وإذ بذو الجلباب يدلف في هدوء، فرفع حمزة بصره نحوه وضحك ساخرًا وهو يرى وجهه المكدوم، وتمتم متهكمًا:
"مراتي هي اللي علمت عليك كده، صح؟ والله عيبه في حقك تعلم عليك ست بس مش أي ست، دي بنت الشرقاوي."
تحسس الشاب إسماعيل مكان لكمة أروى، وقال:
"لولا إني ما بمدش إيدي على حرمة كنت دفنتها في مكانها."
فنهض حمزة واقفًا أمامه وقال وهو ينظر في عينيه مباشرةً:
"كنت عملتها عشان كنت دفنتك أنت وعيلتك وسلالتك كلها."
مرت لحظة صمت قبل أن يقول إسماعيل متفرسًا في وجه حمزة:
"إنت كده بتثبتلنا إنك بتحبها قوي، وتعمل عشانها أي شيء! وده حلو لصالحنا، ولا إيه يا باشا؟"
بغطرسة أستدار حمزة بهدوء جالسًا على المقعد الوحيد في الحجرة، و وضع قدم فوق أخرى، وتحل بالبرود وهو يقول في سخرية:
"كنت مفكرك ذكي بس طلعت غبي جدًا يا... يا إسماعيل."
"واه وعارف اسمي كمان؟"
"أومال دا أنت مطلوب بالإسم في المخابرات!"
كان كاذبًا، فهو ما جاء إلا ليعلم من يدير هذا الوكر الوَعر، ليعلم ذاك الداهية الذي يُهرِب المخدرات بطريقةٍ مُبهرة. دار إسماعيل حوله ورداء الصمت ملقيًا عليهما، حتى شقه إسماعيل بقوله الخبيث:
"آني المطلوب؟ متأكد أنت؟ ويا ترى هتساعدنا كيف؟"
ثم وقف وراءه مباشرةً ومال على أذنه هامسًا:
"إياك تفكر إنك تقدر تخدعنا تاني يا سيادة المقدم، دا أنا جبت كل كبيرة وصغيرة تخصك، وعارف ومتأكد إنك مستحيل تخون بلدك، مستحيل صح. بس معايا أنا هخليك تنطق غصب عنك وهطلع منك كل معلومة زي الشعرة من العجينة."
أخرج خفيةً نصلًا حادًا وكاد يغرسه في بطن حمزة، لكن حمزة ما فعله يثير الدهشة. فهو في ذات اللحظة وقبل أن ينغرس النصل في المنطلق نحوه كان يقبض على كف إسماعيل ملتفًا إليه ولكمة لكمة هشمت أسنانه وسالت الدم من فمه، أعقبها بلكمة أخرى في معدته ليميل إسماعيل صارخًا بألم وسدد لكمة إلى حمزة تفاداها بكل براعة وهو ينحني بجذعه ملتفًا خلف إسماعيل وركله بقوة في ظهره ليسقط على وجهه. في ذلك الحين فُتح الباب و دخل رجال إسماعيل وكاد حمزة يشب عراقًا معهم لولا هتاف مدير المحل الذي سمره:
"متنساش مراتك يا حضرة المقدم، إحنا رجالة متهمناش حاجة وأنت عارف."
استسلم حمزة لينهالوا عليه ضربًا طوعًا ثم قيدوه بعد أن فقد الوعي من شدة ما تلقى.
ليلة عصيبة مرت، كلٌ منهم في حجرة منفردة. لم تراه ولم يراها، ولا يدري أحد ما حدث للثاني. لم يدخل لها أحد مذ ضربة ذاك الرجل الصعيدي. الجو كان هادئًا نوعًا ما، خاليًا من البشر؛ هكذا حسبت.
عينيها لم تكتحلا بنوم رغم النعاس الذي استبد بها، فكانت تغفو لدقائق وتنهض مفزوعة تجول بعينيها في المكان بهلع. لم تعلم في أي وقت هيَ، صباحٌ أم مساء؟ لكن فجأة سمعت شيئًا يُفتح وجسد فتاة يهوى من السقف. فنهضت صارخة بفزع وهي تتراجع لآخر الغرفة شاخصة العينين. هدأت أنفاسها رويدًا رويدًا حين رأت الفتاة تعتدل ممسكة برأسها في ألم وقد نزف جبينها أثر الارتطام. فـ اندفعت تعاونها على الجلوس. فنظرت لها الفتاة بتوهان وهيَ تهمس بوهن:
"إيه اللي حصل؟ أنا فين؟ أنتِ مين؟"
همت أروى أن تهدأ من روعها، لولا الباب الذي فُتح ودخل منه طبيب يرتدي البلطو الطبي ومن وراءه ممرضة. فوقفتا مرتجفتين والخوف طل من شرفة عينيهما، ودوى صوت المدير وهو يدخل:
"إيه رأيك يا زوجة المقدم إننا نوريكِ فيلم إجرامي بحت، أنتِ ضيفتنا برضو ولازم نقدملك كرم الضيافة."
اتسعت عينين أروى بجزع، بينما تشبثت فيها الفتاة التي تقدم منها رجلين جذباها بعنف رغم تشبثها بـ أروى التي لم تستطع الدفاع عنها. وبينما هم يمسكانها إذ حقنتها الممرضة بحقنة مخدر جعلت الرؤية تتشوش أمامها وسرعان ما استسلمت للظلام ليلتقفها. حملها أحد الرجال واضعًا إياها فوق الفراش الذي دنا منه الطبيب وشرع يعري بطنها. فصرخت أروى بانهيار، ممزوج بالضعف والعجز، صرخة رُجت المكان رجًا. فضحك المدير بانطلاق وهو يغمغم:
"صرخي، صرخي الصراخ مفيد في التهوين عن النفس."
قبل أن يشق الطبيب بطن الفتاة، وقبل أن تصل يده كانت قبضة أروى تمسك به في ذات اللحظة التي كان حمزة يدفع الباب أثر صرختها ويفك قيده ببراعة وينطلق متتبعًا صدى صوتها. فوقعت عيناه على ما يجري وقبل أن يندفع لأنقاذ أروى التي شل حركتها إحدى الرجال إذ مسكه الآخر، فتردد الطبيب في المبادرة في عمليته، وراح ينقل بصره بين حمزة وأروى الهائجة التي نجحت في أصابته بالمشرط في ذراعه. فلح حمزة في الأفلات من الشاب ليوجه له لكمة في معدته، أتبعها بأخرى في فكه ورفع جسده مستديرًا به في طرفة عين وألقاه فوق المدير الذي تكوم على الأرض من الثقل الذي تلقاه بغتة.
واندفع سيلٌ من الشباب على الضجة اشتبك معهم حمزة الذي صاح في أروى مشجعًا وهو غارقٌ في الدفاع عن نفسه:
"تقدري يا أروى، أنتِ مش ضعيفة، هتقدري. دافعي عنها وعن نفسك."
كانت تقف ببدن مرتجف وبكاء حار وكلمات حمزة تنبه ذكريات تدريبها عن الدفاع أن تثور. كانت تظن نفسها ضعيفة لن تستطع فعل شيء، لكن ما بدر منها كان مذهلًا. فقد قفزت مجتازة الفراش وقدمها تضرب صدر الطبيب الذي تهاوى للخلف متفاجئًا. فما أن استقرت قدميها على الأرض إذ مالت فوقه تسحبه من ياقة ملابسه وقبل أن يضربها لوت ذراعه حتى صدر صوت تكسيرها، فـ أخذت تكيل له اللكمات وهي تسبه.
صوت صفقات أوقف المعركة ما كانت إلا من إسماعيل الذي كان يشاهد باستمتاع. وتقدم نحو أروى وهو يستل سلاحه ساحبًا الزناد غامسًا فوهته في جبهتها، وجأر بقسوة:
"لا عاش ولا كان اللي يوقف عملي جبل نهايته، وأنتِ يا حلوة تحديتيني."
ثم دفع رأسها بفوهة السلاح، قائلًا بغلظة:
"بس لاه مهجتلكش، إيه قولك اقتل الحلوة دي؟"
تساءل مصوبًا السلاح على رأس الفتاة الراقدة فوق الفراش، فهزت أروى رأسها بعنف. وصدح صوت حمزة الذين يكتفوه الشباب محيطون به، قائلًا:
"الشرطة محاصرة المكان برا واظن أن النهارده لازم الصفقة بتاعتك تتسلم. هساعدك في ده بس اروى والبنت يخرجوا من هنا بخير."
"لا يا حمزة مش مهم أموت بس متعملش كده."
لم يبال حمزة بها وتابع وهو ينظر مباشرةً في عينين إسماعيل الذي كان يقلب الأمر في ذهنه:
"ها قولِت إيه؟ هما يخرجوا بخير وأنا عليا أسلملك الشحنة."
تبسم إسماعيل بظفر وقال وهو يقبل نحوه:
"فكرة زينة، إحنا نقدر نطلع الشحنة بمعرفتنا بس المرة دي أنت اللي هتخرج بيها وتسلمها ولوحدك، لو اتمسكت ملناش يد عاد. متمسكتش فـ أنت هتبقى معانا هنا وهتنجل لينا كل أسرار المخابرات، وبكده نقدر نعرف إذا الشرطة مراقبانا ولا لأ وإذا وصلت لها معلومات عنينا ولا لأ. قولِت إيه؟ ولا أموت الحلوة مراتك؟"
"موافق."
نفت أروى برأسها، وقالت باستنكار:
"مستحيل يا حمزة، أنا مش هطلع من هنا."
ألقى حمزة نظرة تجاهها وتمتم لـ إسماعيل:
"سبني معاها شوية."
"وماله."
قال إسماعيل وهو يشير إلى رجاله بالخروج، فحملوا المصابين معهم وامتثلوا لأمره، فما إن أغلق الباب رنا المدير من إسماعيل وقال:
"أنا خايف الموضوع يوصل لأبوك في البلد ويعرف بالبنات اللي بنخطفها!"
أرتجف جسد إسماعيل تلقائيًا على ذكر والده، ولم يستطع كبح تلعثم فمه وهو يرد عليه:
"لاه لاه مهسمحش ليه إنه يعرف بالأساس."
فوضع المدير يده على منكبه، وقال:
"أنت فعلاً هتثق في المقدم حمزة؟ وهتطلع مراته والبت؟"
أومأ إسماعيل وقال في شرود:
"حمزة مادام أهنا البت مش هتنطق بحرف خوفًا عليه وإحنا هدد الاتنين، متجلجش أنا عارف أنا بعمل إيه."
في داخل الغرفة اقترب حمزة من أروى لكنها تقهقرت عنه في ازدراء وقالت بكره:
"أنت فعلاً هتساعدهم؟"
"لا يا أروى، أنت المهم تطلعي من هنا وأنا هتصرف. أول ما توصلي البيت عرفي ياسين أن في نفق بدايته من ...... إلى ........ هتخرج الشحنة خلاله. لو خرجت يبقى أنا فشلت ومات وهو يتصرف."
"حمزة."
رددت اسمه فضمها لفترة دون كلام، وابتعد عنها ضاممًا وجهها بين كفيه وقال:
"أنتِ قوية ولازم تطلعي من هنا، عشاني وعشان بلدك."
قبل جبهتها في وداع وهو يقص عليها عدة أشياء. ثم أنهى قوله بضحكة خفيفة، قائلًا:
"إحنا لو خرجنا كويسين من هنا أول حاجة نعملها نتجوز، مش هصبر تاني."
ضحكت أروى رغمًا عنها فطالعها بحنان.
في أعلى المحل كان عاصم ومعه قوة من الشرطة، يقلبون المحل رأسًا على عقب ويلقوا القبض على من فيه.
فتح آجار عينيه بإنزعاج على رنين هاتفه المتواصل فرفع رأسه متثاءبًا وهو يلتقط الهاتف ليستطلع اسم المتصل، فدعك عينيه بأصابعه وهو يعتدل باهتمام حين وجد اسم أخيه، فرد بلهفة وهو يغادر الفراش بعد أن ألقى نظرة على منة التي تململت منزعجة:
"جان، حبيبي كيف حالك؟ لماذا تتصل بهذا الوقت هل حدث شيء؟"
فجاءه صوت إسلام الغاضب وهو يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا:
"أنت وراء خطف أروى، إن كان شكي في محله فأقسم بأني..."
قاطعه آجار وهو يستند على سور الشرفة مندهشًا:
"أروى اختطفت؟ هل أنت جاد؟ كيف حدث هذا؟"
رد إسلام ضاربًا الحائط بقبضته:
"يكاد يموت الجميع هنا من فرط خوفنا عليها، وخاصةً خالتو سجى. هل أنت وراء اختطافها؟!"
لم يتمالك آجار نفسه، فصاح:
"ولماذا أكون السبب يا بني، لماذا أؤذي أروى."
"لأجل الانتقام، أليس معي حق؟ أين أروى يا آجار."
"يا إلهي ما زال يقول أين أروى! لم أفعل شيء محال أن أؤذي أروى، أغلق الآن سأتصرف."
سأل إسلام بترقب:
"ماذا ستفعل؟"
فرد آجار قبل أن يغلق:
"سأحاول إيجادها، سأفعل كل ما بوسعي، وحين أصل لأي شيء سأبلغك."
أغلق دون أن ينتظر رد وأجرى اتصالًا آخر.
جلست على فراشها وقد سقط في يدها؛ أروى أُختطفت بسببها؟ إن حصل لها شيء فلن تسامح ذاتها! لكن مهلًا، هي لم تظن الأمر هكذا، حسبت أنها ستسبب فجوة في علاقتها بأخيها وكفى، لكن الأمور انقلبت رأسًا على عقب.
رن هاتفها موقظًا قلبها من غفلته، فردت متهللة ما أن علمت ماهية المتصل:
"عبد الله، عامل إيه....."
بتر عبد الله حديثها بكلمات موجزة وصوتًا حاد:
"انزلي عاوزك أنا تحت."
وأغلق، نظرت في الهاتف مزهولة وهي ترمش بأهدابها، لكنها نفضت ضيقها من فعله وهبت نحو خزانة ملابسها تنتقي أفضل ما لديها وأرتدته ثم وضعت بعض مساحيق التجميل ولفت حجابها الذي تعمدت على ترك بعض الخصلات خارجه، وألقت نظرة سريعة عبر المرآة إلى نفسها برضا، وغادرت شبه راكضة وهي تهتف لتعلم والدتها.
أقبلت شيماء على عبد الله مشرقة المحيا، باسمة الثغر، وما كادت تحيه في سعادة إذ لجم هو فرحتها بقوله الحاد:
"كل ده تأخير؟ مستني الوزير أنا؟"
بسمتها تلاشت وهي تنظر إلى ملامحه القاسية برجاء أن تلين، وتلعثمت وهي تُفسر له:
"متأخرتش ولا حاجة أنا بس غيرت ونزلت على طول."
تجاهل قولها وهو يوقف سيارة أجرة، وأشار لها في امتعاض:
"طب اركبي اخلصي!"
امتثلت له وصعدت في هدوء، وحين استقر بجانبها، سئلته:
"هنروح فين؟"
فرد بإيجاز دون أن يلتفت لها:
"هوريكِ الشقة لو محتاجة تغيري فيها حاجة، أنا استأذنت عمي أنس."
برقت عينيها ببريق الفرح وما همت بالتحدث معه إذ تراجعت بسبب ضيق ملامحه. توقفت السيارة أمام البناية المنشودة، وهبط منها عبد الله بعد ما قضى السائق أجرته، وتبعته شيماء وهي تقول:
"أنا فرحانة أوي...."
فقاطع كلماتها بصوته القاسي وعيناه تفيض حقداً:
"افرحي، لازم تفرحي."
وسار للداخل بغير مبالاة بها ولحقت به وهي تستطير فرحًا. دفع باب الشقة وتنحى جانبًا لتدخل، فدخلت وتبعها للداخل وأغلق الباب وراءه، فقالت وعيناها تجول في أرجاء الشقة:
"بجد بجد روعة، مش مصدقة أن دي هتبقى شقتي أصلًا… آه آه"
صرخت متأوهة حين جُذب شعرها بقسوة، وحدة، من قبضة فولاذية وصوت عبد الله يصدح:
"أنتِ اللي بعتِ أروى المحل، مش كده؟"
ثم ترك خصلاتها التي سقط من فوقها الحجاب وجذبها بعنف من ذراعها وقبض على فكها مسترسلًا في سورة من الغضب:
"ليه عملتِ كده؟"
تدفق دموعها وهي تحاول نزع يده، صارخة:
"اوعى يا عبد الله، وأنت مالك مهتم بيها ليه أصلًا؟"
فلحت في دفع كفه عنها، وهي تلهث كأنها خرجت من سباق جري للتو، فركل عبد الله أحد المقاعد مع زمجرته:
"أروى، خط أحمر عن أفكارك السودة، لو تأذت أقسم بالله"
دفعها بشراسة مع عبارته:
"أولع فيكِ حية."
سقطت شيماء أرضًا أثر دفعه لها، وتعلقت عيناها على وجهه الغاضب، المكفهر، في دهشة، وصدمة، وذهول في آن. هذا ليس هو! هذا ليس من أولعت فيه عشقًا قط! هذا غيره تمامًا! أين حبيبها الذي ذابت فيه وذاب فيها؟ أين عبد الله الذي كان موئلًا لها من قسوة الحياة.
تطلع هو فيها متفاجئًا من صنيعه، ما الذي داهه؟! مشاعره تجاه أروى تطغى على كل شيء رغمًا عنه، أزدرد لعابه مشيحًا بجسده عنها يفكر في حل سريع لما أوقعه نفسه فيه، وابتسم وهو يتصنع الرقة ويصالحها بكلماته التي يدرك صنيعها في قلبها. كانت الغيرة تنهش قلبها، والحقد يتوغل بين حناياها لكنها أستسلمت لكلماته اللطيفة.
في غبش الليل، وسكون الدجى، ساق رجلان مزودان بمدافع آلية أروى والفتاة التي نجت بفضلها في ممر شبه مظلم يتغلله بصيص نور ضئيل جدًا آتيًا من لمبة مضاءة بنورٍ طفيف. يسير أحد الرجال أمامهما وآخر وراءهما، والفتاة تتشبث فيها برهبة أترعت قلبها. أما هي فكانت تختلس النظر ما بين الفينة والأخرى على أمل رؤية حمزة. طال بهما المسير، والممر لا ينتهي حتى ظنتا إنه ليس له نهاية قط، إلى أن لاح باب حديدي أسود اللون فتنفستا الصعداء، وراقبا الشاب الذي راح يفتحه وخرج مشيرًا لهما باتباعه، فما إن خرجتا، وطافت عينا أروى في توجس وقبل أن تتساءل أو تستفسر عن أي شيء إذ جاءه صوت من الخلف، يقول:
"خلصوا على البنت دي بس دي هاتوها على العربية."
قال بداية عبارته مشيرًا على الفتاة الذي ازداد ارتجافها، وبآخر عبارته نحو أروى التي تحفز جسدها كليًا، بينما أشهر الرجل من الخلف سلاحه موجهًا فوهته على رأس البنت وقبل أن يطلق كانت أروى في لمح البصر تدفع الفتاة جانبًا وتدور دورة كاملة بجسدها راكلة السلاح بعيدًا بقدمها في ذات اللحظة التي وجهت لكمة على عين الشاب، الذي استقرت قبضته في راحته ولكمها في وجهها بقسوة فصرخت بألم وهي تسقط أرضًا. وعلى عجل قفزت واقفة تلتقط المدفع وتوجهه نحو رأس المدير، وقالت للفتاة التي تقف خلفها مباشرة مرتعبة:
"امشي، اهربي من هنا وأنا هشغلهم عشان ما يلحقوكيش."
نفت الفتاة برأسها باكية، فلحت عليها أروى وهي تدفعها حتى ولت هاربة، فجز المدير على أسنانه وأشار للشاب الآخر أن يطلق على أروى فقبل أن يطلق عليها كانت تطلق هي على ذراعه وتصيبه لينزلق من يده السلاح ويتأوه بألم. وقبل ان يتدارك أحد ما حدث كانت تطلق على أقدامهم لتشل حركتهم وتلقي السلاح من يدها وتركض بكل قوتها.
في أوان ذلك كان حمزة يقف قبالة إسماعيل الذي أردف في اهتمام:
"دلوق جولي هطلع الشحنة إزاي؟"
تألقت بسمة ماكرة على ثغر حمزة، وقال بنبرة مبهمة:
"متقلقش هتخرج، أمال هتروح فين؟"
جالت عيناه على الكراتين التي تحوي في طياتها المخدرات وظاهرها ملابس، وتلاشت بسمته ليحل محلها القسوة والغضب وعلى غفلة من الجميع كانت قبضته تهوى في معدة إسماعيل الذي مال بجذعه ممسكًا بطنه في ألم ولم يمهله حمزة إذ هبط بحافة كفه ببراعة فوق عنقه في مكانٌ معين فتكوم فاقد الوعي.
أندفع أقرب شاب نحو حمزة وقبل أن يلكمه كان حمزة يميل بجسده محاوطًا وسطه ويلقيه للخلف فيهوى رأسًا على عقب منكفئًا قبل أن يستقر جسده أرضًا. تفادى حمزة لكمة أحدهم وقبض على ذراعه وثناه دافعًا إياه على زملائه ودارت حربٌ ضروس بينهم أسفرت عن ظفر حمزة المثخن بالجراح. ورغم جراحه والوضع الغير مستتب حمل عبوة من البنزين وأفرغه فوق الكراتين وقبل أن يُلقى بعود الثقاب لمح إسماعيل يعود لوعيه وتتسع عينيه في ذعر. لكنه بدلًا من أن يقاتله فرّ هاربًا، فـ ابتسم حمزة ساخرًا، وقال بتهكم:
"اهرب، بس هتروح مني فين بردوا."
وأشعل العود وألقاه لتنشعل النار ويندفع هو مغادرًا المكان متابعًا إسماعيل الذي سبقه، ومن وراءه ذادت ألسنة اللهب وقبيل وصوله إلى الباب، بالتحديد ما أن عبره حتى دوى انفجار هائل طير جسده في الهواء واستقر بعدها مرتطمًا على الأرض.
أنَّى ليّ بحياة دونك يا أبي؟ فلا تقل وداعًا رجاءً لا تتركني وراءك ريشة تتقاذفها الرياح كما يحلو لها! لا تنزع عني قلبي وتذرني أواجه قسوة الحياة بمفردي.
رفرفت أهداب حمزة رويدًا رويدًا والغشاوة تنقشع عن عيناه التي ما أن أعتادت الضوء حتى جالت في الغرفة ليدرك إنه في المستشفى، وسمع صوت أمه كأنه يأتي من مكانٍ سحيق وكفها تضم راحته:
"حمزة، حبيبي حمد الله على السلامة حاسس بإيه يا نور عيني طمني أنت كويس؟"
دار رأسه نحو الصوت ناظرًا إليها ولم يعلق. بل طافت عيناه عن وجهٌ محدد وسط الوجوه الحاضرة، وجهٌ لازمه في غشيته حتى فتح عيناه متلهفًا لرؤيته. أغمض عينيه لوهلة ظنًا إنه لم يرى جيدًا وفتحهما مجددًا ناظرًا حوله بتمعن فلم يجدها، فخرج صوته واهنٌ، ضعيف:
"أروى، أروى فين؟"
أذدردت سمر لعابها في بهت وقد باغتها السؤال، فسئلته بتريث:
"أروى، أروى هي مش كانت..."
قاطعتها لمار قائلة بحدة وهي تقف جوار رأسه:
"أنت اللي المفروض تجاوب على السؤال ده، أروى فين يا حمزة؟ المكان اتفجر بكل اللي فيه ومفيش أثر لـ أروى!"
صدمه كلامها فصاح وهو يعتدل:
"يعني إيه الكلام ده، آه!"
تأوه بألم مع صراخ جسده أثر الحروق التي نالت منه، علاوة على جروح جسده من العراك الذي نشب بينه وبين رجال إسماعيل. أوقفت لمار حركة جسده وأعادته مكانه وهي تقول برفق:
"بالراحة يا حمزة متندفعش كدا عشان جسمك."
أبعد كفيه وهو يأن بخفوت كابحًا ألمه، وسئلها بلهفة:
"أروى كان لازم تكون وصلت البيت، أنا أقنعت إسماعيل يسبها، إزاي مرجعتش؟"
حام بصره على وجوه العائلة الواجمة التي بدا على سمائهم القلق، وجاءه صوت والدته تقول:
"هنده الدكتور يطمنا عليك الأول، وبعدين نفكر إيه اللي حصل؟"
وقبل أن تهم بالذهاب أوقفها قول حمزة الصارم:
"اطلعوا بره عايز أتكلم مع جدتي، اطلعوا ومش عايز دكاترة."
احتج الجميع على قراره لكن مع إصراره غادروا الغرفة، لتسحب لمار مقعدًا جلست فوقه وقالت باهتمام:
"احكي بالتفصيل كل اللي حصل."
صبت جام تركيزها على ما يسرد حمزة بوهن، وما إن فرغ استوت واقفة وهي تصك على أسنانها غيظًا مردفة:
"ده يعني إنهم بس لعبوا عليك وخدوا أروى."
تجلى الغضب على وجهها حتى إن الرائي يحسب أنها ستتحول إلى وحشٍ ذا أنياب سينهش الجميع دون شفقة. ضربة الحائط بقبضتها وهي تندفع للخارج. أمره الشباب بالنبش تحت الأرض ولا يعودوا إلا بـ أروى فـ انطلقوا جميعهم متقسمين، فذهب جان مع خالد، وذهب عاصم مع عثمان، وحذيفة برفقة هيثم، بينما بقى ياسين ساهمًا لفترة قبل أن يندفع من المكان شبه راكضًا ولا أحد يمكن أن يتخيل ماذا سوف يفعل ليصل لأبنته.
ولج مالك لغرفة حمزة فصدم حين رآه يرتدي ملابسه متهيئًا للخروج غير مبالٍ بالحروق التي تستعمر جم ظهره كاظمًا ألمه، فصاح مذهولًا:
"أنت رايح فين كدا بحالتك دي؟ مستحيل أسمح لك تطلع؟"
"ما هو أنا مش هقعد وأنا مش عارف مراتي حصل فيها إيه ولا استنى لما تجيلي جثة."
قالها حمزة وهو يندفع للخارج منحيًا مالك بكفه عن طريقه الذي صاح وراءه:
"يا ابني الحروق في ضهرك، طب استنى جاي معاك."
لكن حمزة لم يعره اهتمامًا وتلاشى من أمامه مستقلًا سيارة وانطلق في سرعة جنونية أدهشت مالك الذي شيع السيارة ببصره، مغمغمًا:
"دا أنت ناوي تموت نفسك النهارده."
ضربة سمر على صدرها بخوف على حين أمرتهن لمار بالعودة إلى المنزل جميعًا.
ذهب حمزة إلى مقرّ إسماعيل الذي بات رمادًا أثر النار التي التهمته ومع ذلك ظل يبحث، غير مبالٍ بالآم جسده، وحين لم يجد فائدة من وجوده جاب بحثًا بالسيارة، يجول ويجول على أمل رؤيتها. الساعات تمرُ عليه وهو غير مهتمًا، أو شاعرًا بها، كأنما لا يشعر بأي شيء حوله وحينما استبد به التعب أوقف السيارة جانبًا واسند بمرفقيه على عجلة القيادة ودفن وجهه فيهم وسرقه النوم كأنه يرحمه من شدة ما ألَم بكيانه، يقسم إنه ألم لا يمكن وصفه أو شرحه، الآم فاقت الآم الجسد.
لم تغب عن خاطره لحظة. كان يراها في حلمه الذي سرقه من نفسه، ويراها بخياله وهو مستيقظ، وتمثلُ أمامه وهي ضاحكة الوجه مبتسمة تلك البسمة التي تؤثر فؤاده، وتارة يجدها باكية تناجيه، ويسمعُ رنينُ صوتها في أذنيه فينقبض قلبه، ويعتصر ألمًا. أترآه يفقدها ولن يراها مجددًا؟ ويلٌ له إن لم يجدها. وسحقًا لقلبه إن رحلت عنه. تبًا لكِ أيتها الحياة لمَ توجعينَ بأكثر ما لا نستطع عليه صبرًا. لمَ تقذفينا في فم الموت وتذرينا نقاتل بمفردنا على النجاة! لماذا لا ترحمين، تشفقين، أتريننا نستحق كل ذاك الوجع الأليم؟ فيا قلب رفقًا بحبيب بنيران الخوف يتلظى. وبنيران القلق ينكوي. وبنيران الانتظار كأنما يغلي في قَدَح. مؤلم الترقب والأشد ألمًا هو العجز عن إنقاذ ذاتك من الأمواج المتلاطمة في بحر لُجي.
اتسعت عينا حمزة مزعورًا من كابوس مخيف في غفيته، فنظر حوله كأنما يتذكر أين هو؟ وضغط على مكابح السيارة يطوي الأرض طيًا على غير هدى، فأين السبيل لحرقة روحه؟ أي السبُل يسلك وكل الدروب مغلقة، والخوف أكبر عامل على العجز. انتصف الليل وهو على حاله إلا أن الأم فاق التحمل، وشحب وجهه كأنه يحاكي الموتى. رنين هاتفه المتواصل لم يجب عليه حتى إنه لم يبال ليعرف من المتصل، وعاد إلى البيت مثقلًا بهمومه، يبكي قلبه بل ينزف دماءً على غبائه وعيناه جف فيهما الدمع ليت دموع عيناه تهوى ربما يخفف ذلك من وجعه، يهون على قلبه المكلوم، ويطبطب على ندوبه المتقرحة. لم يعر أمه التي أقبلت عليه ما أن خطى من لدن الباب اهتمامًا كأنما لا يراها، متغيبًا عن العالم وعمن حوله، فاقدًا روحه، يسير جسدًا دون حياة، وقد مات قلبه ربما.
دخل غرفته وأوصد الباب مرتكنًا عليه بظهره وأنزلق جسده ليجلس على الأرض ضاممًا قدميه إلى صدره، محاوطهما بذراعيه، مقلتاه شارده في اللاشيء أو في شيء يتمثل أمامه إذ لاح له صورتها متوهجة بغته أمامه فـ ابتسم ضاحكًا بخفوت وأسند رأسه على الباب وراءه متأملًا وجهها، بسمة رائعة تشرق على ثغره، ومن وراء الباب كانت سمر تدق منادية ومنهارةً باكية. خُيل لحمزة إنها تقترب، وتقترب منه وسمع صوتها قريب، خافت يهمس بوهن:
"ماما يا حمزة."
فـ أنتفض واقفًا وقد تلاشت تمامًا وراح يتلفت حوله بعينان متسعتين فلم يجد لها أثر، هُنا فقط تصور حالة سجى فمسح على رأسه مفكرًا وفتح الباب لتطالعه أمه المنهارة فدنا مقبلًا جبهتها بحنو، متمتمًا بامعان:
"أنا، أنا كويس يا ماما، رايح أشوف خالتي سجى."
لكن سمر تمسكت بمرفقه مانعةً إياه من التحرك، تهمس بصوتٌ متلعثم، باكي:
"يا حمزة أنت تعبان يا حبيبي، طب خليني أدهنلك حاجة لحروق ضهرك."
نفى حمزة بتيه وحرر ذراعه منها وهم بالتحرك لكنها تمسكت فيه مرة أخرى هامسة برجاء متحشرج:
"أنا أنا خايفة على أروى والله، دي بنتي أنا كمان، بس يا حبيبي لازم تكون بكامل صحتك، لازم تقعد تفكر، يا حمزة أنت بتتحرك بدون وجهه وعقلك واقف، تعال كل حاجة عشان خاطر أمك يا حبيبي."
كاد حمزة أن يرحل لكن شيماء وقفت أمامه ماسكة بكتفيه، وأردفت بتوسل:
"عشان خاطري أنا يا حمزة كُل حاجة عشان تقدر ترجع لنا أروى."
وبكت، هوى دمعها وقد شعرت بالذنب وتأنيب الضمير. هل لمن يملك كل ذاك الحقد في قلبه دون داعي أن يملك ضميرًا؟ أن ينكوي بنيران الذنب؟ في النهاية استسلم حمزة وقد راعه حالة أخته وتفاجئ بها! أخته التي تكرهه دون داعي هل الآن تبكي أمامه؟! هل ثمة سر في ذلك؟ لماذا تبدو كأنها قد ارتكبت جرمًا عسير التوبة فيه!
وضعت سمر الطعام أمامه، ومدت كفها تطعمه لكنه لم يبادر ويفتح فمه، بل وابل من الأفكار قد هجمت على ذهنه دون هوادة. كيف حال أروى الآن؟ أهي جائعة أم شبعة؟ بخيرٌ أم تتعذب؟ باكيةٌ هي أم لا تبكي؟ خائفة أو قوية؟ استغرقته هذه الفكر ولم يشعر إلا وصوت أمه يخترق أذنيه:
"حمزة كل يا حبيبي يلا."
أزاح حمزة الطعام من أمامه وشال كفها من فوق منكبه وانتصب قائلًا:
"مش قادر آكل، آكل إزاي وأنا مش عارف مراتي بيعملوا فيها إيه؟"
أولهما ظهره وفرّ من المكان فرارًا بلمح البصر، فرفعت سمر كفيها ورأسها إلى الأعلى عبر الشرفة ناظرةٌ للسماء وناجت ربها بفؤاد أمٌ مكلوم:
"يا رب، يا رب احفظهم ليّ يا رب، اللهم إني استودعتك ابني وبنتي فردهم ليّ سالمين."
لم تعرف ماذا تقول وكأن لسانها قد عُقد. أطبقت جفنيها لينساب الدمع بغزارة وقامت تتوضأ لتصلي. فسحَّ دمع شيماء وقلبها ينغزها بقوة من ثقل الذنب التي لم تستطع البوح به. ما أشد الندم حين فوات الأوان!
كانت دارين تصعد الدرج وهي تلاطف جعفر بين ذراعيها، وهو يضحك ببراءة، فتناهى لها صوت نحيبٌ خافت يأتي قرب شقة ياسين التي كانت في طريقها إليها، فـ أكملت ارتقاءها لتجد يوسف جالسًا على أول درجة دافنًا رأسه بين كفيه وصوت نهنته يتناهى لها. في جزع أردفت وهي تجلس بجانبه:
"يوسف، مالك بتعيط ليه كدا؟ أروى هترجع وهتكون بخير؟"
سكت البكاء عنه وكفكف دمعه تلقائيًا وهو يتحاشى النظر إليها، وقال بثبات:
"أنا مش بعيط."
لكن صوته المتهدج كذبه، فضمت دارين رأسه إليها، وقالت:
"البكاء مش عيب يا يوسف."
في صمت تام هوى دمع يوسف هويًا، وراح رأسه على كتف دارين التي قالت في مرح:
"جعفر انهارده اليوم كله مش لاقي حد يلعب معاه وصاحبه نسيه خالص، مش عيب عليك تبيع صاحبك كدا؟"
أنهت عبارتها وهي تلكزه بخفة فضحك بخفوت ولم يعلق. صوت وقع أقدام لجمت كلامهما وعلق بصرهما على الدرج الذي برز خالد عليه ووقف ما أن وجدهما يجلسان وقبل أن يتساءل، كان يوسف يهبط الدرج في سرعة البرق محاوطًا وسطه فضمه خالد إليه في صمت، وتساءلت دارين بلهفة وهي تنهض:
"هاا يا خالد في أخبار؟"
نفى خالد بأسف برأسه ومال حاملًا يوسف الذي عرف إنه يبكي بصمت وخطى الدرج قائلًا:
"اطلعي اقعدي مع خالتو سجى، يوسف معايا."
جلس فوق فراشه وما زال يوسف في حضنه، وتساءل وهو يمسح دمعه:
"في بطل يبكي كده؟"
انسكب دمع يوسف أكثر، وقال بشهقات متتالية:
"ماما بتبكي يا خالد وأنا خايف عليها لتتعب ومش عارف أعمل إيه، أروى هترجع يا خالد صح؟ أنت هترجعالي مش كده؟"
ضمه خالد بشدة، وهمس بألم:
"هش، بس يا حبيبي والله ما هيرتاح لي بال غير وهي وسطنا، هدفعهم التمن غالي أوي على كل الم عشناه."
وغصب بسمة وهو يبعد يوسف ناظرًا في عينيه مستطردًا:
"تعالى نشوف سجى بقا مالها الولية دي هي مش واثقة فينا ولا إيه؟"
لم يتمالك يوسف نفسه فضحك قائلًا:
"لا مش واثقة فيكم، بتقول دول بيلعبوا!"
رفع خالد حاجبه قائلًا بغيظ:
"هي قالت إننا بنلعب، ماشي يا بت ادهم!"
ضم كف يوسف في راحته، ودخل شقة ياسين وهو يقول متصنع المرح:
"إلا بيقولوا في واحدة هنا قالبها مناحة."
رمقته دارين شزرًا، ونهرته والدته فلم يبال بهن ودنا قائلًا وهو يجلس بجانب سجى:
"على جنب كدا يا ماما يا حبيبتي عشان أشوف القمر اللي بيبكي ده!" ثم شاكس سجى بمرح:
"الله، هو في قمر بيبكي، اول مرة أشوف قمر بيبكي."
وحاوط كتفها مردفًا بصدق:
"ممكن أفهم ليه العياط ده، حرام عليكِ عينيكِ لتتعبك أكتر، أنتِ مش واثقة فينا؟ والله هترجع وده وعد مني، هعمل كل حاجة حتى لو ههد الدنيا وهلفها كلها هترجع."
في آوان ذلك كان حمزة يطرق الباب ملقيًا السلام ودلف مهونًا عن سجى بدوره، وظلا يناكشها حتى ضحكت.
"هو الواحد يغيب شوية يرجع يلاقي مراته بيتحرشوا بيها؟" قالها ياسين في غيظ وهو يرى خالد يضم رأسها وحمزة ممسكًا بكفها فـ تقدم منهم ودفعهما بعيدًا وهو يقول بفم ملوي:
"روحوا استنوني تحت، يلا منكم ليه في المكتب!"
تبرم خالد وهو يسحب حمزة معه، فلثم ياسين جبهة سجى قائلًا:
"أنا مش هيبقى بالي مشغول بيكِ وبنتنا، أنا وصلت لحاجة وقريب هتكون وسطنا تحلي بس بالصبر والرضا ربنا كبير."
قفزت دارين فجأة متعلقة بذراعه وهي تصيح بلهفة:
"بجد يا ياسين عرفتوا حاجة!"
نظر لها ياسين زممًا شفتيه، وقال مغضبًا:
"عشان ياسين دي مش هقولك!"
لوت دارين فمها، وهي تقول لسجى بحزن:
"عجبك جوزك ده يعني؟ إيه ياختي الرجالة دي."
كتمت عائشة فمها وهي تسئل ياسين الذي أجابها وتحرك للأسفل. نظرت دارين في هاتفها الذي صدح رنينه، وقالت وهي تقلب بصرها بهن جمعيًا:
"خديجة بترن من بدري وكل شوية تقول انها حاسة أن في حاجة، أأقولها؟"
رفضت مكة، قائلة:
"لا، لا متقوليش لها حاجة، هي مش ناقصة."
فقالت أسماء مقترحة:
"قوليلها أي حاجة، لو سئلت عن أروى قوليلها بتجيب حاجات ناقصها هي والبنات وانك مروحتيش عشان جعفر."
أومأت لهن دارين وتنحنحت وهي ترد على الرنين الذي تكرر:
"خديجة، عاملة إيه؟"
"مش بتردي ليه عليَّ، في إيه مخبينه عني؟ أروى فين مش بترد عليَّ انا حاسة فيها حاجة."
اذدردت دارين لعابها وهي تطوف بنظرها عليهن، وتجيب:
"أروى بتجيب حاجات ناقصها ممكن مش سامعة التلفون؟"
جاءها صوت خديجة تهتف بغضب وعدم تصديق:
"كذابة، فين سجى، عايزة اكلمها بردوا مش بترد؟"
"سجى؟ سجى فـ."
علمت سجى أن خديجة تود محادثتها، فـ أستعادت رباطة جأشها ومدت كفها قائلة:
"هاتيها يا دارين!"
في حجرة المكتب جلس ياسين على المقعد وقال دون النظر لخالد وحمزة:
"هنستنى بس عاصم......"
قاطعه صوت عاصم يقول وهو يولج:
"عاصم جه اهو."
أشار له ياسين بإغلاق الباب، فما كاد ان يغلق إذ وجد جان الذي أشار له ياسين ان يدخل، فقال:
"أريد أن أعاونكم إذ كان هذا لن يضايقك يا..."
قال ياسين ملوحًا له:
"اجلس اجلس."
بدأ ياسين يقول في اهتمام والشباب منصتون بتركيز:
"لقد وجدت شقة إسماعيل! لكنه لم يعود إليها ولم يدخلها منذُ أيام من قبل حتى ما حدث يا حمزة، لذلك سيراقبها عاصم وجان حتى إذا عاد."
أوما له عاصم باهتمام ولم ينبس، فحاد ياسين ببصره على خالد وقال:
"أما أنت ستراقب منزل مدير ذاك المحل محمد عميرة شحاتة."
معلومة محمد ابن عم إسماعيل لكنه يسكن في القاهرة. رفع حمزة حاجبه باهتمام وانخفض وهو يقول ساخرًا:
"أومال كنا هنتوقع إيه؟"
تجاهل ياسين قوله، وتابع:
"وجدنا أخت إسماعيل أيضًا، والآن عثمان وحذيفة ذهبوا ليتأكدوا إذا هيَ أو لا."
كأنما ألقى قنبلة في وجوههم فقد اتسعت أعيُن الشباب دهشة، وابتسم حمزة قائلًا:
"عرفتوا كل ده امتى؟"
نظر له ياسين باهتمام ومال بمرفقيه على المكتب مشبكًا كفيه مع قوله بلهجة ذات معنى:
"لأننا بنفكر مش بندور بلا واجهة محددة!"
أطرق حمزة محرجًا فما مضى كان بالفعل غائبًا عن وعيه يهيم في الطرقات وقد توقف عقله عن العمل.
وضع مالك رأسه بين كفيه عندما غادر عثمان وحذيفة المكتب، شعر بثقل يجثم فوق صدره يعصر قلبه بداخله، وأخذ نفسًا عميق زفره وهو يعود برأسه على حافة المقعد ناظرًا للسقف وبقى للحظة على هذه الحالة، ثم نهض ووقف خلف النافذة الزجاجية وتطلع عبرها متأملًا السماء واضعًا كفيه في جيب بنطاله، تطلع بعمق في النجوم التي تضوي في صفحة السماء، وأغلق عينيه يدعي الله أن يرد أروى سالمة، وخرج من الغرفة منشغل الفكر، ووقف أمام إحدى غرف مرضاه بتردد ثم حسم أمره ودار مقبض الباب بحذر وتطلع من الفتحة المواربة فوجد الفتاة مستيقظة تجلس على مقعد بجانب النافذة وقد ضمت ساقيها إلى صدرها وحاوطتهما بذراعيه، ومالت برأسها لليمين شاردة، فطرق الباب لكنها لم تلتفت وخطى للداخل وهو يقول:
"ليه منمتيش؟"
كان يعلم انها لن تجيب لكنه سأل، وجلس على مقربة منها وتأمل السماء لهنيهة بدوره، ثم تطلع فيها آملًا إنها ليست أخت ذاك المجرم خاطف أروى، إسماعيل كما أخبروه توًا. تنهد تنهيدة عميقة، وقال بنبرة راجية بعد الشيء:
"في حياة حد غالي عليَّ أوي في خطر، ويمكن إنقاذ الشخص ده في إيدك، أنا عارف ومتأكد أنك مش بتتكلمي بإرادتك، حرري نفسك من أعماق الظلام اللي رميتي نفسك فيه برضا، ربنا بيختار لينا الأحسن، أنا مش عارف طبعًا إيه اللي عشتيه وصلك لكدا بس فين رضاك بالله؟ فين حسن ظنك فيه؟ قوليلي اسمك إيه؟ مهم أعرف ساعديني!"
رغم يقينه إنها لن ترد لكن كان في داخله بصيص أمل طفيف، وفي داخله كان يدعوا الله ألا تكون أخت إسماعيل. غطى وجهه بكفيه كأنه يواري وجعه عن اللاشيء وبينما هو كذلك إذ هيئ إليه صوت يقول بهمس شديد (منار).
أبعد كفيه ناظرًا لها بدهشة وهو يطرف غير مصدق ونظر لها وجدها ما زالت على حالها فـ أغمض عينيه باستياء وغمغم بيأس:
"أنت اللي شكلك محتاج دكتور نفسي يا مالك!"
"منار أحمد شحاتة."
تكرر الهمس الشديد مجددًا مخترقًا سمعه فـ انتفض واقفًا كمن لدغه عقرب سام، وقلبه شعر كأنه يغلي بداخله. منار أحمد شحاتة! وإسماعيل أحمد شحاته! يا إلهي هل أنقذ أخت خاطف أخته؟ هل كان يعمل المستحيل ليخرجها مما هي فيه! بينما اخوها ربما يعذب أروى! اتسعت عيناه ذهولًا وبقى محدقًا فيها وهي كذلك، حين تحرر من وطأة صدمته التي اعترته، همس بصوتٌ بطيء، متلعثم:
"أنتِ، أنتِ أخت إسماعيل؟ أنتِ أخت خاطف أروى أختي أنا! أنا هنا بساعدك وأنتوا بتدمروا أختي! وكنا هنخسر حمزة بسببكم!"
كانت منار مذهولةٌ تنظر له بخوف.
رواية جحر الشيطان الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندي ممدوح
مقيدة الذراعين وراء ظهرها، مكبلة الساقين، معصومة العينين، ملتصقة الفم، هكذا كان حال أروى ما أن فاقت من غشيتها.
تزوم برهبة ملأت كل كيانها، آكلها الندم على عدم سماعها تحذير حمزة. أوقعت نفسها في مأزق ربما لن تحور منه. ليتها فقط تنزع عصبة عينيها لترى أين هي!
الظلام يُغلف عينيها المغلقتين مما جعل الخوف يكتنفها كليًا. والجزع يستبد بفؤادها بل ويظلل روحها الهائجة. همهمت بكاءها، كل ما يصدر عنها.
الغرفة الملقاة بها كانت تحوي فراشًا يشبه فراش المستشفيات، وثمة أدوات طبية على إحدى المناضد بجانبه. لكن لا يوجد أحد.
دقائق، ثوانٍ وتناهى لها صوت خشفة أحد يدنو، فسكن جسدها مرهفة السمع بترقب حذر.
في أعلى تلك الغرفة، تفاجئ حمزة بمدير المحل يوصد الباب ويتبسم في وجهه بسمةً غامضة وهو يقترب في تلكؤ مبهم، فتصلب جسد حمزة متحفزًا، وقلبه يثور جنونه على أروى التي لا يدري عنها شيء. وفي سبيل أنقاذها يفتديها بروحه أن تطلب الأمر. لا يهم نفسه ولا ما يصيبه، الأهم أن تخرج هي من ذاك المكانِ سالمةً.
وضع المدير كفه على منكبه، وردد بنبرة جزلة:
"أنا النهارده هعرفك على حاجات تبع الشغل ومتأكد أنك هتوافق تبقى معانا. هخليك من النهارده عايش ولا الملك بس لو نفذت كل حاجة نطلبها وتكون أيدنا اليمين."
زوى حمزة حاجبيه رافعًا إحدهما بريب، وغمغم في تهكم بيّن:
"وإيه بقى اللي هيخليني ولا الملك؟ أكيد حاجة مش قانونية، ولا أنا غلطان يا باشا؟!"
نفى المدير برأسه، وقال غامزًا له:
"لا طبعًا، مش غلطان، تعال ورايا!"
قاده إلى البروفا وضغط على زر قريب منه فـ انفتحت الأرضية فتحة يمكن لجسد المرء أن يُدخل منها وتدلى سلم فجأة. عندئذٍ التفت المدير برأسه إليه وقال بصوتٍ أجش محذرًا:
"جهز نفسك، اللي هتشوفه تحت هيبهرك، بس اعرف أن اللي بيدخل تحت من غير ما يكون تبعنا وحافظ سرنا، نقتله."
قال آخر عبارته وهو يؤشر بإبهامه على عنقه بمعنى الذبح. فما كان من حمزة إلا أن تبسم ساخرًا وهو يومئ برأسه، ويمني نفسه برؤية أروى، وخطى خلف المدير متسلقًا السلم نزولًا.
وقف يفحص الغرفة بعينين حادتين متربصتين كالصقر. أشار له المدير أن يتبعه ولحق به بصمت فوقفا على أعتاب غرفة. ما بداخلها جعل حمزة يشهق بارتياع، فلح في إخفائه سريعًا، وجز على أسنانه غضبًا. فقد كان مجموعةً من الشباب يدسون أكياسًا من المخدرات بطريقة مبهرة داخل الملابس، أبهرت حمزة رغمًا عنه ولم يستطع إلا الإعجاب بطريقتهم لتهريب المخدرات التي لا تخطر على بال.
تحرك المدير وسط الشباب الذين يعملون بجهد عظيم، ولم يلتفت أحد لهما كأنما لا يرونهم، وقال بتكبر واضح في نبرته:
"هنا زي ما أنت شايف بنورد المخدرات في الملابس للي عاوز."
ورفع سبابته مسترسلًا:
"مخدراتنا مفيش زيها، دي بتتزرع بطريقة تخلي كل اللي يدوقها مرة يطلب ألف مرة، واللي ياخد من عندنا ميشوفش غيرنا."
ثُم وقف قبالته متابعًا:
"النهاردة في صفقة مع شركة عالمية بس من بلاد بره، متستغربش كدا، إحنا مخدراتنا بتروح كل البلاد بدون استثناء وبتطلب بالإسم."
شد حمزة من عنقه ناظرًا بتمعن إلى عينيه، وقال:
"محدش أبدًا قدر يوقعنا ولا هيحصل. أنت عارف إحنا بنعمل إيه في الظابط اللي يلف ورانا؟"
قرب فمه من أذنه هامسًا:
"بندفنه حي في المقابر!"
قهقه عاليًا وهو يبتعد عنه موليًا إياه ظهره، وقال فاتحًا ذراعيه على وسعهما:
"متتفاجأش، المعلم بتاعنا ده جبار، قدر يعمل الإمبراطورية دي بنفسه، ده حتى الشرطة بتعمل له ألف حساب."
أستدار لحمزة باسم الثغر وضم كتفه خابطًا عليه وسحبه خارج المكان وهو يستطرد:
"دلوقتي بقى هوريك الجانب التاني من أعمالنا واللي ميتوقعوش بشر. المحل اللي فوق ده ما هو إلا واجهة بس لينا. إحنا بنخطف البنات اللي يكونوا لوحدها من غير حد معاها بيكون سهل تختفي ومحدش يتوقع إنها اختطفت هنا، لكن مش بنقدر لو حد معاها."
"عارف بنعمل فيهم إيه؟!" سأل وهو يقف، ويقف حمزة بدوره منصتًا لكل حرف باهتمام شديد.
عاد المدير يضحك بنشوة ظفر مغمغمًا:
"بناخد أعضاءهم، كل حاجة ممكن تتوقعها، عينين، قلب، كلى، كبد، كل حاجة ممكن تفيدنا ونرمي بقيها أو بالأحرى بندفنهم هنا تحت الأرض."
عاد يسير وحمزة يسير بجواره مشتعلًا غضبًا. وبينما يدخلان إحدى الغرف، اتسعت عينين حمزة حتى كادا يخرجان من محجريهما وهو يشاهد أروى نائمة فوق فراش طبي، وطبيبًا يرتدي قفازات في يديه متهيئًا لما هو مقبل على فعله، وإلى جانبه ممرضة انتهت توًا من تخديرها. خفق قلبه النابض بارتياع وندّ عنه نداء خافت باسمها.
وقبل أن يبدر عنه أي بادرة، وجد فوهة سلاح تلتصق بجبينه وصوت المدير يغمغم بانتصار:
"مش عيب يا سيادة المقدم تيجي تشرفنا وتشتغل معانا؟ طب مش تقول عشان نوجب! بس متقلقش، إحنا هنعمل أحلى واجب ومراتك الحلوة هنخليك تشوفها وهي بتموت قدامك وبناخد أعضاءها وحدة وحدة، أتمنى يكون قلبك جامد."
وعاد يقهقه غافلًا عن حمزة الذي استغل الموقف وفي لمح البصر كان يقفز مطوحًا السلاح من يده بعيدًا بركلة من قدمه، بينما ساقه الأخرى تدفع يد الطبيب الذي كاد يعري زوجته، ويمناه كانت تصفع الممرضة التي لم تتعب لأي مما حدث سوى بصفعة قوية سقطت على أثرها لترتطم رأسها بحافة المنضدة وتسقط فاقدة الوعي. لم أحد يدرك ما حدث فقد غاص حمزة بقبضة في معدة المدير وهو يكيل له بيسراه عدة لكمات مهشمًا أنفه ودفعه بقسوة، ثُم أنهال على الطبيب المتأوه ضربًا. لم يكد يلتفت إلى أروى وإذ بهجوم عاتي يقبل نحوه من الشباب فقفز قفزة بارعة ممسكًا بالسلاح موجهًا فوهته على المدير وهو يقول:
"خطوة كمان ورأسه الحلوة دي هتتفجر."
توقف الجميع في مكانهم مزهولين مما جرى، بينما أشار لهم حمزة بأن يستديروا فـ أطاعوا صاغرين وجعلهم يسيرون حتى دخلوا إلى الحجرة التي كانوا يعملون بها وأوصد الباب من الخارج وهو يهتف:
"خليكم جوه يا شباب شوية، مش عاوز معافرة ولا وجع دماغ."
ركض إلى حيثُ أروى وأخذ يحاول على إيقاظها فلم يفلح، فما كان منه إلا أن حملها بين ذراعيه بهلع وخوف وسار بحثًا عن مكان للخروج لكنه لم يجد مخرجًا إذ كان المكان يشبه المتاهة، والظلم يعم على جم الأرجاء. فتنهد بعجز وتفكير، جلس حين لم يعرف ما عليه فعله والخوف على أروى جعل تفكيره ينزوي. فتركها ونهض يبحث عن مياه إلى أن وجد وعاد إليها ومال فوقها ينثر على وجهها بعضًا منها فإذا بها تتململ متفاجئة أنها ما زالت على قيد الحياة، تتنفس. فبكت ملقية نفسها في حضن حمزة معقودة اللسان. ولم يتوان هو في ضمها وهو يهدئها، فما يدري الرائي هل يهدئها حقًا أم يهدأ قلبه الذي كاد يقف من شدة خوفه عليها؟
صوت صقفة تناهت لهما أبعدتهما، فـ التفت حمزة ليجد شاب طويل القامة لم يراه قبلًا مرتديًا جلباب صعيدي فأحس بحدسه إنه ربما وراء كل ذلك. تشبثت أروى بذراعه وهما ينتصبان واقفين واختبأت وراءه. فدنا الشاب الذي كان يلتهمهما بنظراته الحادة، وقال بصوتٌ قوي:
"تعرف إن اللي عندنا واللي يدور ورانا كيفك كده بنعمل فيه إيه؟"
افتر ثغره عن بسمة شرسة، مسترسلًا:
"بنعدمه العافية ونرميه في الترب وهو حي، فلو مماتش من الخوف والوحشة، بيموت من الجوع والعطش، مع إني أشك إنه يفضل عايش. چوه المجبرة (المقبرة) لربع ساعة من الأساس."
حك ذقنه وهو يمعن حمزة الناظر إليه باستهتار، وتابع:
"لكنك عجبتني يا حضرة الظابط، فكرة زينة، زينة قوي إنك تيجي لحدنا برجليك وتضرب حد من رجالتي، لاه وكمان خطتك كانت هتنجح لو الراجل محذرناش منك وجال لنا."
"راجل مين اللي قال لكم؟" تساءل حمزة بشكه الذي كان يمور في صدره منذ مجيء أروى إلى المحل وها هو يؤكد ظنه أن ثمة من لا يريد للمهمة أن تنجح.
فقال الرجل ببساطة يُحسد عليها:
"راجل قريبك (قريبك) يا حضرة الظابط."
التف بغتة رجال حوله واحاطوا بهما إحاطة السوار بالمعصم، فضم أروى بذراعه وعقله جامدًا عن التفكير سوى بخروجها هي سالمة من هذا المكان.
ثُم وسع له رجاله ليعبر ودار حولهما وهو يقول بشراهة:
"أنت دلوقت مستحيل تخرج من هنا إلا جثة، حتى لو قتلت كل الرجالة دي، الخروج مستحيل ببساطة لأنك متعرفش مكان الخروج. هنا متاهة محدش غيري يعرف يخرج منها، وأنا لو مسمحتش ليك تخرج مش هتخرج."
وفجأة سحب أروى بعنف موجهًا نصلًا حادًا على عنقها مما سمر حمزة مكانه، وقبل أن ينبس صاح الشاب الصعيدي وهو يجذب أروى التي تحاول التنصل منه بعيدًا:
"علموه الأدب يا شباب."
فرد حمزة عليه متهكمًا:
"الأدب ده تتعلموه أنتم يا بغل."
كان قد اختفى بـ أروى، وهجم شاب على حمزة بلكمة تلقاها في ساعده الأيسر وعاجله بلكمة هشمت فكه في ذات اللحظة كانت قدمه تركل الرجل من خلفه، ثُم رفع أحدهما بذراعيه وألقاه على الباقين وأسرع ليلحق بـ أروى التي كانت تصد لكمة قوية بوجه الشاب الصعيدي وركبتها تغوص في معدته ليتأوه بصوت مكتم. لم يعلم حمزة مكانها لكن فجأة ظهر أمامه رجل بسلاح مشهرًا نحوه وطلقة نارية تفاداها بقفزه بجسده على الجانب الآخر. وقبل أن تُطلق رصاصة أخرى قفز رافعًا السلاح للأعلى لتنطلق الرصاصة مستقرة في السقف، واستشعر الشاب بأن زلزالًا قد زلزله حين توالت لكمات حمزة على وجهه ومعدته ودفعه بعيدًا. بحث بعينه عن مخرج إلى أن وجد مدير المحل المترنح أمامه يقول بثبات:
"أي حركة منك وهتلاقي مراتك في عداد كان، اسمع كلامي عشان متخسرهاش."
اضطر حمزة صاغرًا من أجل نجاة أروى على الاستسلام قسرًا، فقاده المدير إلى إحدى الحجرات فبادر حمزة قائلًا بمراوغة:
"هعمل كل حاجة تقولوا عليها بس مراتي ميتأذيش!"
فـ أومأ المدير، وقال قبل أن يغلق الباب:
"حلو أوي، ولك وعدي محدش هيلمسها."
جلس حمزة واضعًا رأسه بين كفيه، مفكرًا في حل للخروج دون خسارة.
لم يدم طويلًا وإذ بذو الجلباب يدلف في هدوء، فرفع حمزة بصره نحوه وضحك ساخرًا وهو يرى وجهه المكدوم، وتمتم متهكمًا:
"مراتي هي اللي علمت عليك كده، صح؟ والله عيبه في حقك تعلم عليك ست بس مش أي ست، دي بنت الشرقاوي."
تحسس الشاب إسماعيل مكان لكمة أروى، وقال:
"لولا إني مبمدش يدي على حرمة كنت دفنتها في مكانها."
فنهض حمزة واقفًا أمامه وقال وهو ينظر في عينيه مباشرةً:
"كنت عملتها عشان كنت دفنتك أنت وعيلتك وسلالتك كلها."
مرت لحظة صمت قبل أن يقول إسماعيل متفرسًا في وجه حمزة:
"انت كده بتثبتلنا إنك بتحبها قوي، وتعمل عشانها أي شيء! وده حلو لصالحنا، ولا إيه يا باشا؟"
بغطرسة أستدار حمزة بهدوء جالسًا على المقعد الوحيد في الحجرة، ووضع قدم فوق أخرى، وتحل بالبرود وهو يقول في سخرية:
"كنت مفكرك ذكي بس طلعت غبي جدًا يا... يا إسماعيل."
"واه وعارف اسمي كمان؟"
"أومال ده أنت مطلوب بالإسم في المخابرات!"
كان كاذبًا، فهو ما جاء إلا ليعلم من يدير هذا الوكر الوعر، ليعلم ذاك الداهية الذي يهرب المخدرات بطريقة مبهرة.
دار إسماعيل حوله ورداء الصمت ملقيًا عليهما، حتى شقه إسماعيل بقوله الخبيث:
"أنا المطلوب؟ متأكد أنت؟ ويا ترى هتساعدنا كيف؟"
ثم وقف وراءه مباشرةً ومال على أذنه هامسًا:
"إياك تفكر إنك تقدر تخدعنا تاني يا سيادة المقدم، ده أنا جبت كل كبيرة وصغيرة تخصك، وعارف ومتأكد إنك مستحيل تخون بلدك، مستحيل صح؟ بس معايا أنا هخليك تنطق غصب عنك وهطلع منك كل معلومة زي الشعرة من العجينة."
أخرج خفيةً نصلًا حادًا وكاد يغرسه في بطن حمزة، لكن حمزة ما فعله يثير الدهشة، فهو في ذات اللحظة وقبل أن ينغرس النصل في المنطلق نحوه كان يقبض على كف إسماعيل ملتفًا إليه ولكمة لكمة هشمت أسنانه وسالت الدم من فمه، أعقبها بلكمة أخرى في معدته ليميل إسماعيل صارخًا بألم وسدد لكمة إلى حمزة تفاداها بكل براعة وهو ينحني بجذعه ملتفًا خلف إسماعيل وركله بقوة في ظهره ليسقط على وجهه. في ذلك الحين فُتح الباب و دخل رجال إسماعيل وكاد حمزة يشب عراقًا معهم لولا هتاف مدير المحل الذي سمره:
"متنساش مراتك يا حضرة المقدم، إحنا رجالة متهمناش حاجة وأنت عارف."
استسلم حمزة لينهالوا عليه ضربًا طوعًا ثُم قيدوه بعد أن فقد الوعي من شدة ما تلقى.
***
ليلة عصيبة مرت، كلٌ منهم في حجرة منفردة، لم تراه ولم يراها، ولا يدري أحد ما حدث للثاني. لم يدخل لها أحد مذ ضربة ذاك الرجل الصعيدي. الجو كان هادئًا نوعًا ما، خاليًا من البشر؛ هكذا حسبت.
عينيها لم تكتحل بنوم رغم النعاس الذي استبد بها، فكانت تغفى لدقائق وتنهض مفزوعة تجول بعينيها في المكان بهلع.
لم تعلم في أي وقت هي، صباح أم مساء؟ لكن فجأة سمعت شيئًا يُفتح وجسد فتاة يهوى من السقف فنهضت صارخة بفزع وهي تتراجع لآخر الغرفة شاخصة العينين. هدأت أنفاسها رويدًا رويدًا حين رأت الفتاة تعتدل ممسكة برأسها في ألم وقد نزف جبينها أثر الارتطام. فـ اندفعت تعاونها على الجلوس، فنظرت لها الفتاة بتوهان وهي تهمس بوهن:
"إيه اللي حصل؟ أنا فين؟ أنتِ مين؟"
همت أروى أن تهدأ من روعها، لولا الباب الذي فتح ودخل منه طبيب يرتدي البلطو الطبي ومن وراءه ممرضة. فوقفتا مرتجفتين والخوف طل من شرفة عينيهما، ودوى صوت المدير وهو يدخل:
"إيه رأيك يا زوجة المقدم إننا نوريكِ فيلم إجرامي بحت، أنتِ ضيفتنا برضوا ولازم نقدملك كرم الضيافة."
اتسعت عينين أروى بجزع، بينما تشبثت فيها الفتاة التي تقدم منها رجلان جذباها بعنف رغم تشبثها بـ أروى التي لم تستطع الدفاع عنها. وبينما هم يمسكانها إذ حقنتها الممرضة بحقنة مخدر جعلت الرؤية تتشوش أمامها وسرعان ما استسلمت للظلام ليلتقفها. حملها أحد الرجال واضعًا إياها فوق الفراش الذي دنا منه الطبيب وشرع يعري بطنها فصرخت أروى بانهيار، ممزوج بالضعف والعجز، صرخة رُجت المكان رجًا فضحك المدير بانطلاق وهو يغمغم:
"صُرخي، صُرخي، الصراخ مفيد في التهوين عن النفس."
قبل أن يشق الطبيب بطن الفتاة، وقبل أن تصل يده كانت قبضة أروى تمسك به في ذات اللحظة التي كان حمزة يدفع الباب أثر صرختها ويفك قيده ببراعة وينطلق متتبعًا صدى صوتها، فوقعت عيناه على ما يجري وقبل أن يندفع لأنقاذ أروى التي شل حركتها إحدى الرجال إذ مسكه الآخر، فتردد الطبيب في المبادرة في عمليته، وراح ينقل بصره بين حمزة وأروى الهائجة التي نجحت في إصابته بالمشرط في ذراعه. فلح حمزة في الإفلات من الشاب ليوجه له لكمة في معدته، أتبعها بأخرى في فكه ورفع جسده مستديرًا به في طرفة عين وألقاه فوق المدير الذي تكوم على الأرض من الثقل الذي تلقاه بغتة.
واندفع سيلٌ من الشباب على الضجة اشتبك معهم حمزة الذي صاح في أروى مشجعًا وهو غارق في الدفاع عن نفسه:
"تقدري يا أروى، أنتِ مش ضعيفة، هتقدري، دافعي عنها وعن نفسك."
كانت تقف ببدن مرتجف وبكاء حار وكلمات حمزة تنبه ذكريات تدريبها عن الدفاع أن تثور. كانت تظن نفسها ضعيفة لن تستطيع فعل شيء، لكن ما بدر منها كان مزهلًا. فقد قفزت مجتازة الفراش وقدمها تضرب صدر الطبيب الذي تهاوى للخلف متفاجئًا. فما أن استقرت قدميها على الأرض إذ مالت فوقه تسحبه من ياقة ملابسه وقبل أن يضربها لوت ذراعه حتى صدر صوت تكسيرها، فـ أخذت تكيل له اللكمات وهي تسبه.
صوت صفقات أوقف المعركة ما كانت إلا من إسماعيل الذي كان يشاهد باستمتاع، وتقدم نحو أروى وهو يستل سلاحه ساحبًا الزناد غامسًا فوهته في جبهتها، وجأر بقسوة:
"لا عاش ولا كان اللي يوقف عملي جبل نهايته، وأنتِ يا حلوة تحديتيني."
ثُم دفع رأسها بفوهة السلاح، قائلًا بغلظة:
"بس لاه مهجتلكش؟ إيه جولك اقتل الحلوة دي؟"
تساءل مصوبًا السلاح على رأس الفتاة الراقدة فوق الفراش، فهزت أروى رأسها بعنف، وصدح صوت حمزة الذين يكتفوه الشباب محيطون به، قائلًا:
"الشرطة محاصرة المكان برا واظن إن النهارده لازم الصفقة بتاعتك تتسلم، هساعدك في ده بس اروى والبنت يخرجوا من هنا بخير."
"لا يا حمزة مش مهم أموت بس متعملش كده."
لم يبال حمزة بها وتابع وهو ينظر مباشرة في عينين إسماعيل الذي كان يقلب الأمر في ذهنه:
"ها قلت إيه؟ هما يخرجوا بخير وأنا عليا أسلملك الشحنة."
تبسم إسماعيل بظفر وقال وهو يقبل نحوه:
"فكرة زينة، إحنا نقدر نطلع الشحنة بمعرفتنا بس المرة دي أنت اللي هتخرج بيها وتسلمها ولوحدك، لو اتمسكت ملناش يد عاد. متمسكتش فـ أنت هتبقى معانا هنا وهتطلع لينا كل أسرار المخابرات، وبكده نقدر نعرف إذا الشرطة مراقبانا ولا لأ وإذا وصلت لها معلومات عنا ولا لأ. جولت إيه؟ ولا أموت الحلوة مراتك؟!"
"موافق."
نفت أروى برأسها، وقالت باستنكار:
"مستحيل يا حمزة، أنا مش هطلع من هنا."
ألقى حمزة نظرة تجاهها وتمتم لـ إسماعيل:
"سيبني معاها شوية."
"وماله."
قال إسماعيل وهو يشير إلى رجاله بالخروج، فحملوا المصابين معهم وامتثلوا لأمره، فما إن أغلق الباب رن المدير من إسماعيل وقال:
"أنا خايف الموضوع يوصل لأبوك في البلد ويعرف بالبنات اللي بنخطفها!"
أرتجف جسد إسماعيل تلقائيًا على ذكر والده، ولم يستطع كبح تلعثم فمه وهو يرد عليه:
"لاه لاه مهسمحش له إنه يعرف بالأساس."
فوضع المدير يده على منكبه، وقال:
"أنت فعلاً هتثق في المقدم حمزة؟ وهتطلع مراته والبت؟"
أومأ إسماعيل وقال في شرود:
"حمزة مادام هنا البت مش هتنطق بحرف خوفًا عليه وإحنا هدد الاتنين، متجلجش أنا عارف أنا بعمل إيه."
في داخل الغرفة اقترب حمزة من أروى لكنها تقهقرت عنه في ازدراء وقالت بكره:
"أنت فعلاً هتساعدهم؟"
"لا يا أروى، أنت المهم تطلعي من هنا وأنا هتصرف. أول ما توصلي البيت عرفي ياسين أن في نفق بدايته من ...... إلى ........ هتخرج الشحنة خلاله، لو خرجت يبقى أنا فشلت ومات وهو يتصرف."
"حمزة."
رددت اسمه فضمها لفترة دون كلام، وابتعد عنها ضاممًا وجهها بين كفيه وقال:
"أنتِ قوية ولازم تطلعي من هنا، عشاني وعشان بلدك."
قبل جبهتها في وداع وهو يقص عليها عدة أشياء. ثُم أنهى قوله بضحكة خفيفة، قائلًا:
"إحنا لو خرجنا كويسين من هنا أول حاجة نعملها نتجوز، مش هصبر تاني."
ضحكت أروى رغمًا عنها فطالعها بحنان.
في أعلى المحل كان عاصم ومعه قوة من الشرطة، يقلبون المحل رأسًا على عقب ويلقون القبض على من فيه.
***
فتح آجار عينيه بإنزعاج على رنين هاتفه المتواصل فرفع رأسه متثاءبًا وهو يلتقط الهاتف ليستطلع اسم المتصل، فدعك عينيه بأصابعه وهو يعتدل باهتمام حين وجد اسم أخيه، فرد بلهفة وهو يغادر الفراش بعد أن ألقى نظرة على منة التي تململت منزعجة:
"جان، حبيبي كيف حالك؟ لماذا تتصل بهذا الوقت هل حدث شيء؟"
فجاءه صوت إسلام الغاضب وهو يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا:
"أنت وراء خطف أروى، إن كان شكي في محله فأقسم بأني..."
قاطعه آجار وهو يستند على سور الشرفة مندهشًا:
"أروى اختطفت؟ هل أنت جاد؟ كيف حدث هذا؟"
رد إسلام ضاربًا الحائط بقبضته:
"يكاد يموت الجميع هنا من فرط خوفنا عليها، وخاصةً خالتو سجى. هل أنت وراء اختطافها؟!"
لم يتمالك آجار نفسه، فصاح:
"ولمَ أكون السبب يا بني، لماذا أؤذي أروى؟"
"لأجل الانتقام، أليس معي حق؟ أين أروى يا آجار؟"
"يا إلهي ما زال يقول أين أروى! لم أفعل شيئًا، محال أن أؤذي أروى، أغلق الآن سأتصرف."
سأل إسلام بترقب:
"ماذا ستفعل؟"
فرد آجار قبل أن يغلق:
"سأحاول إيجادها، سأفعل كل ما بوسعي، وحين أصل لأي شيء سأبلغك."
أغلق دون أن ينتظر رد وأجرى اتصالًا آخر.
***
جلست على فراشها وقد سقط في يدها؛ أروى أُختطفت بسببها؟ إن حصل لها شيء فلن تسامح ذاتها! لكن مهلًا، هي لم تظن الأمر هكذا، حسبت أنها ستسبب فجوة في علاقتها بأخيها وكفى، لكن الأمور انقلبت رأسًا على عقب.
رن هاتفها موقظًا قلبها من غفلته، فردت متهللة ما أن علمت ماهية المتصل:
"عبد الله، عامل إيه....."
بتر عبد الله حديثها بكلمات موجزة وصوتًا حاد:
"انزلي عاوزك أنا تحت."
وأغلق، نظرت في الهاتف مزهولة وهي ترمش بأهدابها، لكنها نفضت ضيقها من فعلته وهبت نحو خزانة ملابسها تنتقي أفضل ما لديها وأرتدته ثُم وضعت بعض مساحيق التجميل ولفت حجابها الذي تعمدت على ترك بعض الخصلات خارجه، وألقت نظرة سريعة عبر المرآة إلى نفسها برضا، وغادرت شبه راكضة وهي تهتف لتعلم والدتها.
أقبلت شيماء على عبد الله مشرقة المحيا، باسمة الثغر، وما كادت تحيه في سعادة إذ لجم هو فرحتها بقوله الحاد:
"كل ده تأخير؟ مستنى الوزير أنا؟"
بسمتها تلاشت وهي تنظر إلى ملامحه القاسية برجاء أن تلين، وتلعثمت وهي تفسر له:
"متأخرتش ولا حاجة، أنا بس غيرت ونزلت على طول."
تجاهل قولها وهو يوقف سيارة أجرة، وأشار لها في امتعاض:
"طب اركبي اخلصي!"
امتثلت له وصعدت في هدوء، وحين استقر بجانبها، سئلته:
"هنروح فين؟"
فرد بإيجاز دون أن يلتفت لها:
"هأوريكِ الشقة لو محتاجة تغيري فيها حاجة، أنا استأذنت عمي أنس."
برقت عينيها ببريق الفرح وما همت بالتحدث معه إذ تراجعت بسبب ضيق ملامحه.
توقفت السيارة أمام البناية المنشودة، وهبط منها عبد الله بعد ما قضى السائق أجرته، وتبعته شيماء وهي تقول:
"أنا فرحانة قوي...."
فقاطع كلماتها بصوته القاسي وعيناه تفيض حقدًا:
"افرحي، لازم تفرحي."
وسار للداخل بغير مبالاة بها ولحقت به وهي تستطير فرحًا.
دفع باب الشقة وتنحى جانبًا لتدخل، فدخلت وتبعها للداخل وأغلق الباب وراءه، فقالت وعيناها تجول في أرجاء الشقة:
"بجد بجد روعة، مش مصدقة إن دي هتبقى شقتي أصلًا … آه آه"
صرخت متأوهة حين جُذب شعرها بقسوة، وحدة، من قبضة فولاذية وصوت عبد الله يصدح:
"أنتِ اللي بعتِ أروى المحل، مش كده؟"
ثُم ترك خصلاتها التي سقط من فوقها الحجاب وجذبها بعنف من ذراعها وقبض على فكها مسترسلًا في سورة من الغضب:
"ليه عملتِ كده؟"
تدفق دموعها وهي تحاول نزع يده، صارخة:
"اوعى يا عبد الله، وأنت مالك مهتم بيها ليه أصلًا؟"
فلحت في دفع كفه عنها، وهي تلهث كأنها خرجت من سباق جري للتو، فركل عبد الله أحد المقاعد مع زمجرته:
"أروى، خط أحمر عن أفكارك السودة، لو اتأذت أقسم بالله..."
دفعها بشراسة مع عبارته:
"أولع فيكِ حية."
سقطت شيماء أرضًا أثر دفعه لها، وتعلقت عيناها على وجهه الغاضب، المكفهر، في دهشة، وصدمة، وذهول في آن. هذا ليس هو! هذا ليس من أولعت فيه عشقًا قط! هذا غيره تمامًا! أين حبيبها الذي ذابت فيه وذاب فيها؟ أين عبد الله الذي كان موئلًا لها من قسوة الحياة.
تطلع هو فيها متفاجئًا من صنيعه، ما الذي داهه؟! مشاعره تجاه أروى تطغى على كل شيء رغمًا عنه، أزدرد لعابه مشيحًا بجسده عنها يفكر في حل سريع لما أوقع نفسه فيه، وابتسم وهو يتصنع الرقة ويصالحها بكلماته التي يدرك صنيعها في قلبها.
كانت الغيرة تنهش قلبها، والحقد يتوغل بين حناياها لكنها أستسلمت لكلماته اللطيفة.
***
في غبش الليل، وسكون الدجى، ساق رجلان مزودان بمدافع آلية أروى والفتاة التي نجت بفضلها في ممر شبه مظلم يتغلله بصيص نور ضئيل جدًا آتيًا من لمبة مضاءة بنور طفيف.
يسير أحد الرجال أمامهما وآخر وراءهما، والفتاة تتشبث فيها برهبة أترعت قلبها، أما هي فكانت تختلس النظر ما بين الفينة والأخرى على أمل رؤية حمزة. طال بهما المسير، والممر لا ينتهي حتى ظنتا إنه ليس له نهاية قط، إلى أن لاح باب حديدي أسود اللون فتنفستا الصعداء، وراقبا الشاب الذي راح يفتحه وخرج مشيرًا لهما باتباعه، فما إن خرجتا، وطافتا عينين أروى في توجس وقبل أن تتساءل أو تستفسر عن أي شيء إذ جاءه صوت من الخلف، يقول:
"خلصوا على البنت دي بس دي هاتوها على العربية."
قال بداية عبارته مشيرًا على الفتاة الذي ازداد ارتجافها، وبآخر عبارته نحو أروى التي تحفز جسدها كليًا، بينما أشهر الرجل من الخلف سلاحه موجهًا فوهته على رأس البنت وقبل أن يطلق كانت أروى في لمح البصر تدفع الفتاة جانبًا وتدور دورة كاملة بجسدها راكلة السلاح بعيدًا بقدمها في ذات اللحظة التي وجهت لكمة على عين الشاب، الذي استقرت قبضته في راحته ولكمها في وجهها بقسوة فصرخت بألم وهي تسقط أرضًا، وعلى عجل قفزت واقفة تلتقط المدفع وتوجهه نحو رأس المدير، وقالت للفتاة التي تقف خلفها مباشرة مرتعبة:
"أمشي، اهربي من هنا وأنا هشغلهم عشان ما يلحقوكيش."
نفت الفتاة برأسها باكية، فلحت عليها أروى وهي تدفعها حتى ولت هاربة، فجز المدير على أسنانه وأشار للشاب الآخر أن يطلق على أروى فقبل أن يطلق عليها كانت تطلق هي على ذراعه وتصيبه لينزلق من يده السلاح ويتأوه بألم، وقبل أن يتدارك أحد ما حدث كانت تطلق على أقدامهم لتشل حركتهم وتلقي السلاح من يدها وتركض بكل قوتها.
في آوان ذلك كان حمزة يقف قبالة إسماعيل الذي أردف في اهتمام:
"دلوقتي قولي هطلع الشحنة إزاي؟"
تألقت بسمة ماكرة على ثغر حمزة، وقال بنبرة مبهمة:
"متقلقش هتخرج، أمال هتروح فين؟"
جالت عيناه على الكراتين التي تحوي في طياتها المخدرات وظاهرها ملابس، وتلاشت بسمته ليحل محلها القسوة والغضب وعلى غفلة من الجميع كانت قبضته تهوى في معدة إسماعيل الذي مال بجذعه ممسكًا بطنه في ألم ولم يمهله حمزة إذ هبط بحافة كفه ببراعة فوق عنقه في مكان معين فتكوم فاقد الوعي.
أندفع أقرب شاب نحو حمزة وقبل أن يلكمه كان حمزة يميل بجسده محاوطًا وسطه ويلقيه للخلف فيهوى رأسًا على عقب منكفئًا قبل أن يستقر جسده أرضًا.
تفادى حمزة لكمة أحدهم وقبض على ذراعه وثناه دافعًا إياه على زملائه ودارت حربٌ ضروس بينهم أسفرت عن ظفر حمزة المثخن بالجراح. ورغم جراحه والوضع الغير مستتب حمل عبوة من البنزين وأفرغه فوق الكراتين وقبل أن يُلقي بعود الثقاب لمح إسماعيل يعود لوعيه وتتسع عينيه في ذعر لكنه بدلًا من أن يقاتله فرّ هاربًا، فـ ابتسم حمزة ساخرًا، وقال بتهكم:
"اهرب، بس هتروح مني فين بردوا."
وأشعل العود وألقاه لتنشعل النار ويندفع هو مغادرًا المكان متابعًا إسماعيل الذي سبقه، ومن وراءه ذادت ألسنة اللهب وقبيل وصوله إلى الباب، بالتحديد ما أن عبره حتى دوى انفجار هائل طير جسده في الهواء واستقر بعدها مرتطمًا على الأرض.
"أنَّى لي بحياة دونك يا أبي؟ فلا تقل وداعًا رجاءً لا تتركني وراءك ريشة تتقاذفها الرياح كما يحلو لها! لا تنزع عني قلبي وتذرني أواجه قسوة الحياة بمفردي."
***
رفرفت أهداب حمزة رويدًا رويدًا والغشاوة تنقشع عن عينيه التي ما أن اعتادت الضوء حتى جالت في الغرفة ليدرك إنه في المستشفى. وسمع صوت أمه كأنه يأتي من مكان سحيق وكفها تضم راحته:
"حمزة، حبيبي حمد الله على السلامة، حاسس بإيه يا نور عيني طمني أنت كويس؟"
دار رأسه نحو الصوت ناظرًا إليها ولم يعلق. بلى، طافت عيناه عن وجه محدد وسط الوجوه الحاضرة، وجه لازمه في غشيته حتى فتح عينيه متلهفًا لرؤيته. أغمض عينيه لوهلة ظنًا إنه لم يرى جيدًا وفتحهما مجددًا ناظرًا حوله بتمعن فلم يجدها، فخرج صوته واهنًا، ضعيفًا:
"أروى، أروى فين؟"
أزدردت سمر لعابها في بهت وقد باغتها السؤال، فسئلته بتريث:
"أروى، أروى هي مش كانت..."
قاطعتها لمار قائلة بحدة وهي تقف جوار رأسه:
"أنت اللي المفروض تجاوب على السؤال ده، أروى فين يا حمزة؟ المكان اتفجر بكل اللي فيه ومفيش أثر لـ أروى!"
صدمته كلامها فصاح وهو يعتدل:
"يعني إيه الكلام ده، آه!"
تأوه بألم مع صراخ جسده أثر الحروق التي نالت منه، علاوة على جروح جسده من العراك الذي نشب بينه وبين رجال إسماعيل.
أوقفت لمار حركة جسده وأعادته مكانه وهي تقول برفق:
"بالراحة يا حمزة متندفعش كدا عشان جسمك."
أبعد كفيه وهو يأن بخفوت كابحًا ألمه، وسئلها بلهفة:
"أروى كان لازم تكون وصلت البيت، أنا أقنعت إسماعيل يسيبها، إزاي مرجعتش؟"
حام بصره على وجوه العائلة الواجمة التي بدا على سمائهم القلق، وجاءه صوت والدته تقول:
"هنده الدكتور يطمنا عليك الأول، وبعدين نفكر إيه اللي حصل؟"
وقبل أن تهم بالذهاب أوقفها قول حمزة الصارم:
"اطلعوا بره عايز أتكلم مع جدتي، اطلعوا ومش عايز دكاترة."
احتج الجميع على قراره لكن مع إصراره غادروا الغرفة، لتسحب لمار مقعدًا جلست فوقه وقالت باهتمام:
"احكي بالتفصيل كل اللي حصل."
صبت جام تركيزها على ما يسرد حمزة بوهن، وما إن فرغ استوت واقفة وهي تصك على أسنانها غيظًا مردفة:
"ده يعني إنهم بس لعبوا عليك وخدوا أروى."
تجلى الغضب على وجهها حتى إن الرائي يحسب أنها ستتحول إلى وحش ذو أنياب سينهش الجميع دون شفقة.
ضربة الحائط بقبضتها وهي تندفع للخارج. أمره الشباب بالنبش تحت الأرض ولا يعودوا إلا بـ أروى فـ انطلقوا جميعهم متقسمين، فذهب جان مع خالد، وذهب عاصم مع عثمان، وحذيفة برفقة هيثم، بينما بقى ياسين ساهمًا لفترة قبل أن يندفع من المكان شبه راكضًا ولا أحد يمكن أن يتخيل ماذا سوف يفعل ليصل لابنته.
ولج مالك لغرفة حمزة فصدم حين رآه يرتدي ملابسه متهيئًا للخروج غير مبالٍ بالحروق التي تستعمر جم ظهره كاظمًا ألمه، فصاح مذهولًا:
"أنت رايح فين كده بحالتك دي؟ مستحيل أسمح لك تطلع؟"
"ما هو أنا مش هقعد وأنا مش عارف مراتي حصل فيها إيه ولا استنى لما تجيلي جثة."
قالها حمزة وهو يندفع للخارج منحيًا مالك بكفه عن طريقه الذي صاح وراءه:
"يا ابني الحروق في ضهرك، طب استنى جاي معاك."
لكن حمزة لم يعره اهتمامًا وتلاشى من أمامه مستقلًا سيارة وانطلق في سرعة جنونية أدهشت مالك الذي شيع السيارة ببصره، مغمغمًا:
"ده أنت ناوي تموت نفسك النهارده."
ضربة سمر على صدرها بخوف على حين أمرتهن لمار بالعودة إلى المنزل جميعًا.
***
ذهب حمزة إلى مقر إسماعيل الذي بات رمادًا أثر النار التي التهمته ومع ذلك ظل يبحث، غير مبالٍ بالآم جسده، وحين لم يجد فائدة من وجوده جاب بحثًا بالسيارة، يجول ويجول على أمل رؤيتها. الساعات تمر عليه وهو غير مهتمًا، أو شاعرًا بها، كأنما لا يشعر بأي شيء حوله وحينما استبد به التعب أوقف السيارة جانبًا واسند بمرفقيه على عجلة القيادة ودفن وجهه فيهم وسرقه النوم كأنه يرحمه من شدة ما ألم بكيانه. يقسم إنه ألم لا يمكن وصفه أو شرحه، آلام فاقت آلام الجسد.
لم تغب عن خاطره لحظة. كان يراها في حلمه الذي سرقه من نفسه، ويراها بخياله وهو مستيقظ، وتمثل أمامه وهي ضاحكة الوجه مبتسمة تلك البسمة التي تؤثر فؤاده، وتارة يجدها باكية تناجيه، ويسمع رنين صوتها في أذنيه فينقبض قلبه، ويعتصر ألمًا. أترآه يفقدها ولن يراها مجددًا؟ ويل له إن لم يجدها. وسحقًا لقلبه إن رحلت عنه. تبًا لكِ أيتها الحياة لمَ توجعين بأكثر ما لا نستطيع عليه صبرًا! لمَ تقذفينا في فم الموت وتذرينا نقاتل بمفردنا على النجاة! لماذا لا ترحمين، تشفقين، أتريننا نستحق كل ذاك الوجع الأليم؟ فيا قلب رفقًا بحبيب بنيران الخوف يتلظى. وبنيران القلق ينكوي. وبنيران الانتظار كأنما يغلي في قَدَح. مؤلم الترقب والأشد ألمًا هو العجز عن إنقاذ ذاتك من الأمواج المتلاطمة في بحر لجي.
اتسعت عينا حمزة مزعورًا من كابوس مخيف في غفيته، فنظر حوله كأنما يتذكر أين هو؟ وضغط على مكابح السيارة يطوي الأرض طيًا على غير هدى، فأين السبيل لحرقة روحه؟ أي السبُل يسلك وكل الدروب مغلقة، والخوف أكبر عامل على العجز.
أنتصف الليل وهو على حاله إلا أن الأم فاق التحمل، وشحب وجهه كأنه يحاكي الموتى، رنين هاتفه المتواصل لم يجب عليه حتى إنه لم يبال ليعرف من المتصل، وعاد إلى البيت مثقلًا بهمومه، يبكي قلبه بل ينزف دماءً على غبائه وعيناه جف فيهما الدمع ليت دموع عينيه تهوى ربما يخفف ذلك من وجعه، يهون على قلبه المكلوم، ويطبطب على ندوبه المتقرحة، لم يعر أمه التي أقبلت عليه ما أن خطى من لدن الباب اهتمامًا كأنما لا يراها، متغيبًا عن العالم وعمن حوله، فاقدًا روحه، يسير جسدًا دون حياة، وقد مات قلبه ربما.
دخل غرفته وأوصد الباب مرتكنًا عليه بظهره وأنزلق جسده ليجلس على الأرض ضاممًا قدميه إلى صدره، محاوطهما بذراعيه، مقلتاه شارده في اللاشيء أو في شيء يتمثل أمامه إذ لاح له صورتها متوهجة بغتة أمامه فـ ابتسم ضاحكًا بخفوت وأسند رأسه على الباب وراءه متأملًا وجهها، بسمة رائعة تشرق على ثغره، ومن وراء الباب كانت سمر تدق منادية ومنهارةً باكية.
خُيل لحمزة إنها تقترب، وتقترب منه وسمع صوتها قريب، خافت يهمس بوهن:
"ماما يا حمزة."
فـ انتفض واقفًا وقد تلاشت تمامًا وراح يتلفت حوله بعينان متسعتين فلم يجد لها أثر، هنا فقط تصور حالة سجى فمسح على رأسه مفكرًا وفتح الباب لتطالعه أمه المنهارة فدنا مقبلًا جبهتها بحنو، متمتمًا بامعان:
"أنا، أنا كويس يا ماما، رايح أشوف خالتي سجى."
لكن سمر تمسكت بمرفقه مانعة إياه من التحرك، تهمس بصوت متلعثم، باكي:
"يا حمزة أنت تعبان يا حبيبي، طب خليني أدهنلك حاجة لحروق ضهرك."
نفى حمزة بتيه وحرر ذراعه منها وهم بالتحرك لكنها تمسكت فيه مرة أخرى هامسة برجاء متحشرج:
"أنا أنا خايفة على أروى والله، دي بنتي أنا كمان، بس يا حبيبي لازم تكون بكامل صحتك، لازم تقعد تفكر، يا حمزة أنت بتتحرك بدون وجهه وعقلك واقف، تعال كل حاجة عشان خاطر أمك يا حبيبي."
كاد حمزة أن يرحل لكن شيماء وقفت أمامه ماسكة بكتفيه، وأردفت بتوسل:
"عشان خاطري أنا يا حمزة كُل حاجة عشان تقدر ترجع لنا أروى."
وبكت، هوى دمعها وقد شعرت بالذنب وتأنيب الضمير. هل لمن يملك كل ذاك الحقد في قلبه دون داعي أن يملك ضميرًا؟ أن ينكوي بنيران الذنب؟ في النهاية استسلم حمزة وقد راعه حالة أخته وتفاجئ بها! أخته التي تكرهه دون داعي هل الآن تبكي أمامه؟! هل ثمة سر في ذلك؟ لماذا تبدو كأنها قد ارتكبت جرمًا عسير التوبة فيه!
وضعت سمر الطعام أمامه، ومدت كفها تطعمه لكنه لم يبادر ويفتح فمه، بل وابل من الأفكار قد هجمت على ذهنه دون هوادة. كيف حال أروى الآن؟ أهي جائعة أم شبعة؟ بخير أم تتعذب؟ باكية هي أم لا تبكي؟ خائفة أو قوية؟ استغرقته هذه الفكر ولم يشعر إلا وصوت أمه يخترق أذنيه:
"حمزة كُل يا حبيبي يلا."
أزاح حمزة الطعام من أمامه وشال كفها من فوق منكبه وانتصب قائلًا:
"مش قادر آكل، آكل إزاي وأنا مش عارف مراتي بيعملوا فيها إيه؟"
أولهما ظهره وفرّ من المكان فرارًا بلمح البصر، فرفعت سمر كفيها ورأسها إلى الأعلى عبر الشرفة ناظرة للسماء وناجت ربها بفؤاد أم مكلوم:
"يا رب، يا رب احفظهما لي يا رب، اللهم إني استودعتك ابني وبنتي فردهما لي سالمين."
لم تعرف ماذا تقول وكأن لسانها قد عُقد. أطبقت جفنيها لينساب الدمع بغزارة وقامت تتوضأ لتصلي، فسحَّ دمع شيماء وقلبها ينغزها بقوة من ثقل الذنب التي لم تستطع البوح به، ما أشد الندم حين فوات الأوان!
***
كانت دارين تصعد الدرج وهي تلاطف جعفر بين ذراعيها، وهو يضحك ببراءة، فتناهى لها صوت نحيب خافت يأتي قرب شقة ياسين التي كانت في طريقها إليها، فـ أكملت ارتقاءها لتجد يوسف جالسًا على أول درجة دافنًا رأسه بين كفيه وصوت نهنته يتناهى لها.
في جزع أردفت وهي تجلس بجانبه:
"يوسف، مالك بتعيط ليه كده؟ أروى هترجع وهتكون بخير؟"
سكت البكاء عنه وكفكف دمعه تلقائيًا وهو يتحاشى النظر إليها، وقال بثبات:
"أنا مش بعيط."
لكن صوته المتهدج كذبه، فضمت دارين رأسه إليها، وقالت:
"البكاء مش عيب يا يوسف."
في صمت تام هوى دمع يوسف هويًا، وراح رأسه على كتف دارين التي قالت في مرح:
"جعفر انهارده اليوم كله مش لاقي حد يلعب معاه وصاحبه نسيه خالص، مش عيب عليك تبيع صاحبك كده؟"
أنهت عبارتها وهي تلكزه بخفة فضحك بخفوت ولم يعلق. صوت وقع أقدام ألجمت كلامهما وعلق بصرهما على الدرج الذي برز خالد عليه ووقف ما إن وجدهما يجلسان وقبل أن يتساءل، كان يوسف يهبط الدرج في سرعة البرق محاوطًا وسطه فضمه خالد إليه في صمت، وتساءلت دارين بلهفة وهي تنهض:
"ها يا خالد في أخبار؟"
نفى خالد بأسف برأسه ومال حاملًا يوسف الذي عرف إنه يبكي بصمت وخطى الدرج قائلًا:
"اطلعي اقعدي مع خالتو سجى، يوسف معايا."
جلس فوق فراشه وما زال يوسف في حضنه، وتساءل وهو يمسح دمعه:
"في بطل يبكي كده؟"
انسكب دمع يوسف أكثر، وقال بشهقات متتالية:
"ماما بتبكي يا خالد وأنا خايف عليها لتتعب ومش عارف أعمل إيه، أروى هترجع يا خالد صح؟ أنت هترجعالي مش كده؟"
ضمه خالد بشدة، وهمس بألم:
"هش، بس يا حبيبي والله ما هيرتاح لي بال غير وهي وسطنا، هدفعهم التمن غالي قوي على كل اللي عشناه."
وغصب بسمة وهو يبعد يوسف ناظرًا في عينيه مستطردًا:
"تعالى نشوف سجى بقا مالها الولية دي هي مش واثقة فينا ولا إيه؟"
لم يتمالك يوسف نفسه فضحك قائلًا:
"لا مش واثقة فيكم، بتقول دول بيلعبوا!"
رفع خالد حاجبه قائلًا بغيظ:
"هي قالت إننا بنلعب، ماشي يا بت ادهم!"
ضم كف يوسف في راحته، ودخل شقة ياسين وهو يقول متصنع المرح:
"إلا بيقولوا في واحدة هنا قالبها مناحة."
رمقته دارين شزرًا، ونهرته والدته فلم يبال بهن ودنا قائلًا وهو يجلس بجانب سجى:
"على جنب كدا يا ماما يا حبيبتي عشان أشوف القمر اللي بيبكي ده!"
ثم شاكس سجى بمرح:
"الله، هو في قمر بيبكي، أول مرة أشوف قمر بيبكي."
وحاوط كتفها مردفًا بصدق:
"ممكن أفهم ليه العياط ده، حرام عليكي عنيكي لتتعبك أكتر، أنتِ مش واثقة فينا؟ والله هترجع وده وعد مني، هعمل كل حاجة حتى. لو ههد الدنيا وهلفها كلها هترجع."
في آوان ذلك كان حمزة يطرق الباب ملقيًا السلام ودلف مهونًا عن سجى بدوره، وظلا يناكشها حتى ضحكت.
"هو الواحد يغيب شوية يرجع يلاقي مراته بيتحرشوا بيها؟" قالها ياسين في غيظ وهو يرى خالد يضم رأسها وحمزة ممسكًا بكفها فـ تقدم منهم ودفعهما بعيدًا وهو يقول بفم ملوي:
"روحوا استنوني تحت، يلا من هنا ليه في المكتب!"
تبرم خالد وهو يسحب حمزة معه، فلثم ياسين جبهة سجى قائلًا:
"أنا مش هيبقى بالي مشغول بيكي وبنتنا، أنا وصلت لحاجة وقريب هتكون وسطنا تحلي بس بالصبر والرضا ربنا كبير."
قفزت دارين فجأة متعلقة بذراعه وهي تصيح بلهفة:
"بجد يا ياسين عرفتوا حاجة!"
نظر لها ياسين زممًا شفتيه، وقال مغضبًا:
"عشان ياسين دي مش هقولك!"
لوت دارين فمها، وهي تقول لسجى بحزن:
"عجبك جوزك ده يعني؟ إيه ياختي الرجالة دي."
كتمت عائشة فمها وهي تسأل ياسين الذي أجابها وتحرك للأسفل.
نظرت دارين في هاتفها الذي صدح رنينه، وقالت وهي تقلب بصرها بهن جميعًا:
"خديجة بترن من بدري وكل شوية تقول إنها حاسة أن في حاجة، أأقولها؟"
رفضت مكة، قائلة:
"لا، لا متقوليش لها حاجة، هي مش ناقصة."
فقالت أسماء مقترحة:
"قوليلها أي حاجة، لو سألت عن أروى قولي لها بتجيب حاجات ناقصها هي والبنات وإنك مروحتيش عشان جعفر."
أومأت لهن دارين وتنحنحت وهي ترد على الرنين الذي تكرر:
"خديجة، عاملة إيه؟"
"مش بتردي ليه عليَّ، في إيه مخبينه عني؟ أروى فين مش بترد عليَّ أنا حاسة فيها حاجة."
أزدردت دارين لعابها وهي تطوف بنظرها عليهن، وتجيب:
"أروى بتجيب حاجات ناقصها ممكن مش سامعة التلفون؟"
جاءها صوت خديجة تهتف بغضب وعدم تصديق:
"كذابة، فين سجى، عايزة أكلمها بردوا مش بترد؟"
"سجى؟ سجى فـ..."
علمت سجى أن خديجة تود محادثتها، فـ استعادت رباطة جأشها ومدت كفها قائلة:
"هاتيها يا دارين!"
***
في حجرة المكتب جلس ياسين على المقعد وقال دون النظر لخالد وحمزة:
"هنستنى بس عاصم......"
قاطعه صوت عاصم يقول وهو يولج:
"عاصم جه اهو."
أشار له ياسين بإغلاق الباب، فما كاد أن يغلق إذ وجد جان الذي أشار له ياسين أن يدخل، فقال:
"أريد أن أعاونكم إذ كان هذا لن يضايقك يا..."
قال ياسين ملوحًا له:
"اجلس اجلس."
بدأ ياسين يقول في اهتمام والشباب منصتون بتركيز:
"لقد وجدت شقة إسماعيل! لكنه لم يعد إليها ولم يدخلها منذ أيام من قبل حتى ما حدث يا حمزة، لذلك سيراقبها عاصم وجان حتى إذا عاد."
أوما له عاصم باهتمام ولم ينبس، فحاد ياسين ببصره على خالد وقال:
"أما أنت ستراقب منزل مدير ذاك المحل محمد عميرة شحاتة."
معلومة محمد ابن عم إسماعيل لكنه يسكن في القاهرة.
رفع حمزة حاجبه باهتمام وانخفض وهو يقول ساخرًا:
"أما كنا هنتوقع إيه؟"
تجاهل ياسين قوله، وتابع:
"وجدنا أخت إسماعيل أيضًا، والآن عثمان وحذيفة ذهبوا ليتأكدوا إذا هيَ أو لا."
كأنما ألقى قنبلة في وجوههم فقد اتسعت أعيُن الشباب دهشة، وابتسم حمزة قائلًا:
"عرفتوا كل ده امتى؟"
نظر له ياسين باهتمام ومال بمرفقيه على المكتب مشبكًا كفيه مع قوله بلهجة ذات معنى:
"لأننا بنفكر مش بندور بلى واجهة محددة!"
أطرق حمزة محرجًا فما مضى كان بالفعل غائبًا عن وعيه يهيم في الطرقات وقد توقف عقله عن العمل.
***
وضع مالك رأسه بين كفيه عندما غادر عثمان وحذيفة المكتب، شعر بثقل يجثم فوق صدره يعصر قلبه بداخله، وأخذ نفسًا عميق زفره وهو يعود برأسه على حافة المقعد ناظرًا للسقف وبقى للحظة على هذه الحالة، ثم نهض ووقف خلف النافذة الزجاجية وتطلع عبرها متأملًا السماء واضعًا كفيه في جيب بنطاله، تطلع بعمق في النجوم التي تضيء في صفحة السماء، وأغلق عينيه يدعي الله أن يرد أروى سالمة، وخرج من الغرفة منشغل الفكر، ووقف أمام إحدى غرف مرضاه بتردد ثم حسم أمره ودار مقبض الباب بحذر وتطلع من الفتحة المواربة فوجد الفتاة مستيقظة تجلس على مقعد بجانب النافذة وقد ضمت ساقيها إلى صدرها وحاوطتهما بذراعيه، ومالت برأسها لليمين شاردة، فطرق الباب لكنها لم تلتفت وخطى للداخل وهو يقول:
"ليه منمتيش؟"
كان يعلم أنها لن تجيب لكنه سأل، وجلس على مقربة منها وتأمل السماء لهنيهة بدوره، ثم تطلع فيها آملًا إنها ليست أخت ذاك المجرم خاطف أروى، إسماعيل كما أخبروه توًا. تنهد تنهيدة عميقة، وقال بنبرة راجية بعد الشيء:
"في حياة حد غالي عليَّ أوي في خطر، ويمكن إنقاذ الشخص ده في إيدك، أنا عارف ومتأكد إنك مش بتتكلمي بإرادتك. حرري نفسك من أعماق الظلام اللي رميتي نفسك فيه برضا، ربنا بيختار لينا الأحسن، أنا مش عارف طبعًا إيه اللي عشتيه وصلك لكده بس فين رضاك بالله؟ فين حسن ظنك فيه؟ قوليلي اسمك إيه؟ مهم أعرف ساعديني!"
رغم يقينه إنها لن ترد لكن كان في داخله بصيص أمل طفيف، وفي داخله كان يدعو الله ألا تكون أخت إسماعيل، غطى وجهه بكفيه كأنه يواري وجعه عن اللاشيء وبينما هو كذلك إذ هُيئ إليه صوت يقول بهمس شديد (منار).
أبعد كفيه ناظرًا لها بدهشة وهو يطرف غير مصدق ونظر لها وجدها ما زالت على حالها فـ أغمض عينيه باستياء وغمغم بيأس:
"أنت اللي شكلك محتاج دكتور نفسي يا مالك!"
"منار أحمد شحاتة."
تكرر الهمس الشديد مجددًا مخترقًا سمعه فـ انتفض واقفًا كمن لدغه عقرب سام، وقلبه شعر كأنه يغلي بداخله. منار أحمد شحاتة! وإسماعيل أحمد شحاته! يا إلهي هل أنقذ أخت خاطف أخته؟ هل كان يعمل المستحيل ليخرجها مما هي فيه! بينما أخوها ربما يعذب أروى! اتسعت عيناه ذهولًا وبقى محدقًا فيها وهي كذلك، حين تحرر من وطأة صدمته التي اعترته، همس بصوت بطيء، متلعثم:
"أنتِ، أنتِ أخت إسماعيل؟ أنتِ أخت خاطف أروى أختي أنا! أنا هنا بساعدك وأنتوا بتدمروا أختي! وكنا هنخسر حمزة بسببكم!"
كانت منار مذهولة تنظر له بخوف.
رواية جحر الشيطان الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندي ممدوح
مما أنتَ مصنوعٌ يا رجل؟ عدتُ من الموتِ توًا، وكُلُ همك الأطمئنان عليَّ؟! ماذا قد يصيبني وقد أنقذت حياتي؟!
همست بتلك العبارة خديجة الجالسة فوق إحدى المقاعد بجوار فراش أراس الذي أفاق منذُ مدةٍ قليلةٍ غير مدركٍ لما يحدث حوله، أو فقدانه لوالده.
ضم أراس كفها الصغير في راحته، وعيناه الهائمة برقت ببريقٍ عجيبٍ أرجف جفون خديجة خجلًا وهمس بصوتٍ يفيض بالحنان رغم الوهن الذي يختلط به:
سأظل أنقذها حتى الرمقُ الأخير يا خديجة، لا أسمح أن يُصيبك أي خدشٍ ما دمتُ على قيدُ الحياة.
وسأل بقلق:
لكن، ما بال هذا الحزن في عينيكِ؟! الجميع بخير؟
توترت خديجة وهي تجيبه زائغة البصر:
جميعهم بخير، لا تقلق أنت!
وعائلتك كلها بخير، لا تخفين عني شيئًا!
تبسمت خديجة بهدوء، وأجابته:
الجميع بخير، وكفاك تفكير فيّ، فكر في صحتك الآن ولا تشغل عقلك بأي شيءٍ سوا أن تقوم ليّ بخير.
لكِ؟؟
تساءل بحبورٍ، فـ أطرقت خديجة رأسها، وقالت متجاهلةً سؤاله:
كفى كلامًا حتى لا ترهق نفسك، ثُم تقول خديجة السبب.
ضحك أراس بخفوتٍ شديدٍ ردًا عليها:
خديجة محالٌ أن تكون سبب تعبي، إنها سبب فرحتي، جنتي، بسمتي، حياتي، أهدتني حياةٌ جديدة منذُ عرفتها، خديجة إنها روضة قلبي.
كلامه زادها حياءً، فـ افتر ثغرها ببسمةٍ رائعةٍ، فغير أراس الحديث مشفقًا على حالتها:
أبي بخير؟
سعلت خديجة فجأة، وأربكت وأشاحت بوجهها عنه وقالت بتردد:
بخير، بخير لا تقلق، يجب أن أخرج لأطمئن عليه وتأخذ أنت قسطًا من الراحة.
تفاجأ من ردها المريب خاصةً حين هرولت من الغرفة مغلقة الباب.
***
جالسٌ وراء مكتبه شارد الفِكر، والبالُ، والقلب، والعينين؛ في تلك التي رحلت عنه دون وداعٍ يُذكر، تاركةً النيران تضرم في فؤادهِ من شدة الذنب، فحين سكت عنه الغضب قرر "مالك" أن يذهب إليها ليسمع ما لديها ويعتذر عما بدر منه، لكنه وجد الممرضة توقفه وتناوله ورقةً مطويةً وتخبره برحيلها هكذا بكل بساطةٍ، فعاد إلى مكتبه يجر أذيال الخيبة معه وفض الورقة، وسرت عيناه على محتواها:
"السلامُ عليكَ يا دكتور مالك.
رد مالك السلام في قرارة نفسه وتابع القراءة بقلبٍ يخفق:
أتعلم! هذه أول مرةٍ أكره اسمي ونسبي كثيرًا، لكن ما باليد حيلة، لم يكن ليّ اختيارٌ، أبي وأخواتي، أحقًا ظننتني متفقةٌ مع أخي؟ هل حسبت إن الحادث الذي كاد يودي بحياتي إنه خدعة؟ هلا فكرت قبل اتهامي؟ بالله كيف اعتقدت إني قد أأذيك وأنا أدينُ لك بحياتي! أعدك بأن أفعل جل ما في وسعي لأنقاذ أختك من براثن أخي! ما زلت لا أعلم كيف لطبيبٍ مثلك أن يعلم بأن أخي يتاجر في المخدرات ولماذا أخي… عفوًا ليس بأخي مثل هذا لا يقالُ عليه أخ! لماذا إسماعيل اختطف أختك؟ لكني سأخبرك لأحسن صورتك أمامك، أخي هذا هو أكثر من أذاني وحالتي كانت بسببه، هل لك أن تتصور إنه قتل صديقه الصدوق… حبيبي أمامي؟!
لا يا دكتور مالك أنا لستُ بتلك البشاعة، أنا أكثر من يود لإسماعيل أن ينال عقابه وسأفعل كل ما أستطيع عليه… أعدك بذلك.
منار"
كرمش مالك الورقة في قبضته ونهر نفسه بضيقٍ أضناه:
أنت غبي يا مالك، غبي، كان لازم تسمع منها قبل ما تتهمها.
نفخ في ضيقٍ وأسبل جفنيه ليتمالك نفسه قبل أن يمسك هاتفه طالبًا رقم عاصم يُدلي له بالجديد الذي طرأ.
***
وقفت منار أمام باب شقة أخيها مترددةً ومدت يدها بالمفتاح الذي أخذته من البواب متطلعةً فيه بفؤادٍ واجفٍ وهي تقلبه بين أصابعها، ثُم أخذت نفسًا عميقٍ حاسمةٌ أمرها ووضعت المفتاح في القفل وأدارته حتى أصدر صوتًا منبئًا بأنه تم عمله، فدفعت الباب وهاجمتها برودةٌ مفاجئةٌ، وبثقلٍ شديدٍ أجبرت قدميها أن تدخلان، فـ أطاعت.
وأوصدت الباب وراءها وما همت أن تلتفت إذ جاءها صوتٌ أنوثيٌ مخيفٌ يهمس في برود:
حمد الله على السلامة.
فـ أنفزعت مطلقةً صيحة خوفٍ وهي تتراجع بجسدها تلقائيًا، حتى وقع بصرها على امرأةٍ كبيرةٍ في العمر، لكن رغم كبر عمرها ما زالت تتحلى بجسدٍ بدا لها رياضي، وتجاعيد وجهٍ خفيفة، تبتسم بسمةً ساخرةً وتنهض عن المقعد في بطءٍ شديدٍ كأنما تبثها بالرعب وراحت تسير بتؤدةٍ كأنها ستنقض عليها لتفترسها، مع كل خطوةٍ تخطيها تعود إزاءها منار أخرى، وأجمعت أطراف شجاعتها وقسرًا تحركت شفتاها في همسٍ متلعثمٍ خائف:
أنتِ… أنتِ مين؟
أرتج عنها الكلام حين قاطعتها لمار بصوتٍ يجمد الدم في العروق:
جدة مالك، جدة أروى اللي أخوكِ خطفها!
شُلت ساقا منار عن الحركة، وتجلت الدهشة على ملامحها وقد زال الخوف قليلًا، وغمغمت:
دكتور مالك، أنتِ جدته؟
تأملتها لمار بصمتٍ تامٍ، وما كادت تتحرك حتى انتفضت منار المرتجفة متقهقرةً للخلف، فلم تعيرها لمار اهتمامًا وتحركت نحو الأريكة وجلست فوقها باسترخاءٍ يثير الأعصاب، بل ومدت ساقيها على المنضدة أمامها كأنما هي مالكة الشقة وقالت في برودٍ ورأسها تستند على كفيها المتشابكين على ظهر المقعد ناظرةً للسقف:
أخوكِ واخد حفيدتي، والله لو أصابها بس خدش بسيط لهخليه يقضي اللي باقي من عمره في السجن… وهو كدا كدا محبوس، مبقاش لمار الشرقاوي لو مخدتش حق كل بنت أخوكِ قتلها.
شهقت منار شاخصةً العينين وهمست بصوتٍ باهت:
أنتِ، أنتِ بتقولي إيه؟
إيه مكنتيش تعرفي إن أخوكِ بيخطف البنات وياخد أعضاءها؟ أو بالأحرى كل اللي بيدخل محلكم لوحده؟ ولا متعرفيش إن المخدرات أخوكِ بيهربها في الملابس اللي بتبيعها!!
لقد كانت الطامة الكبرى على قلب منار التي تهاوت أرضًا كأن ساقيها غير قادرتين على الوقوف، فجثت على ركبتيها ودموعها كنهرين جاريين فوق وجنتيها يطفقان من مآقيها.
بحدةٍ هدرت لمار وهي تعتدل جالسةً بلهجةٍ فزعتها:
فين أخوكِ يا بت؟ من قبل ما يخطف حفيدي وهو مرجعش الشقة!
بشفتين مرتعشتين ردت منار بصوتٍ متحشرجٍ أثر البكاء:
أنا… أنا هتصرف، هعرف إزاي أجيبه لحد هنا.
أمعنت لمار النظر في عينين منار التي يغشاهما الدمع، وتساءلت في اهتمام:
إذآكِ في إيه؟
لم تنبس منار ببنت شفة، بل قالت وهي تسند رأسها على الحائط بعد لحظات:
تلفوني مش معايا ومش حافظه إلا رقم بابا.
ضاع منك فين؟
ليت لمار لم تسأل فسؤالها أجج ذكرى يعزُ عليها نسيانها! ذكرى تريد أن تفعل المحال لتُمحى من خانة الذكريات! تلك الذكرى التي دفنتها وهي ما زالت على قيدُ الحياة.
يوم إن كانت في هذه الشقة، يومئذٍ خرج أخوها ولم يلبث عن رحيله الكثير فجاءتها رسالةٌ مريبةٌ على هاتفها كان مضمونها: "أخوكِ قدوتك دلوقتي في طريقه عشان يقتل "علي" حبيب القلب، لو مش مصدقاني روحي على المكان ده ********** وشوفي بعينك، سلام يا حلوة" فاعل خير".
لم تدرك أو تصدق ما قرأته، وحسبتها مزحةً من إحدى مزحات "علي" السخيفة، فمن ذا قد يصدق أن أخيها قد يُخاصم حتى علي صديق طفولته وليس قتله، فضحكت باستهتارٍ ومع ذلك فقد حسمت أمرها في الذهاب، لا ريب إن حبيبها هو من أرسلها، فذهبت بسيارة أجرةٍ أقلتها إلى العنوان المطلوب ومن زجاج السيارة رمقت المكان النائي بقلبٍ مترددٍ، خائف، ولم تمكث أن لوحت سيارة أخيها على مد البصر، فقضت السائق أجرته وهبطت في حماسٍ، وسارت وهي تتلفت في حذرٍ حولها فوجدت منزلًا أدهشها في مكانٍ خالٍ من السكان، وتابعت سيرها حتى وجدت علي يقف بجانب سيارته على ما يبدو إنه جاء توًا، وأخيها يخرج من المنزل ليقف قبالته، فكادت تخطى لكن انتظرت حين بادر علي قائلًا بصوتٍ يملؤه القلق:
إيه في يا إسماعيل؟ جولتلي تعال طوالي وجيت، خير في حاجة حصلت في الشحنة؟
شحنة! عن أي شحنة يتحدث؟ فضولها وتساؤلات نفسها جعلتها تستتر خلف الحائط ليصلها صوت أخيها يقول نافيًا:
لاه مفيش حاجة متجلجش كده، المخدرات اتسلمت ووصلت كمان بخير ومن غير أي دوشة وعمك أحمد فرحان جوي.
شهقت منار في مكانها كاتمةً صيحةً كادت تفلت من بين شفتيها، ورأت أخيها يضع كفه على منكب علي وهو يقول بصوتٍ حزين:
ليه عملت كده يا علي؟ ليه كده يا صاحبي؟
قطب علي حاجبيه مستغربًا، وسأل في تعجب:
عملت إيه أنا؟
وأستدار ناظرًا إليه، فقال إسماعيل بصوتٍ متهدج:
أمنتك على أختي يا علي، جولتلك خلي عنيك عليها وكون زي ظلها! لكن تحبها؟ وهي تحبك؟
ازدرد علي لعابه في توترٍ، وقال مرتبكًا:
كنت هجولك يا إسماعيل وهاجي أخطبها بس مستني تخلص امتحاناتها.
ما أنت عارف إن أبويا مش هيدي منار لواحد من رجالاته!
فـ أسرع علي قائلًا:
كنت هسيب الشغل معاكم وهشتغل في الحلال، وأظن إنك عارف إني بس بنفذ اللي عمي أحمد بيقوله وبسلم الشحنات ومليش في حاجة غير دي.
فجأة! ضمه إسماعيل باكيًا بمرارةٍ ولم يجب تساؤلات علي عن سبب بكائه، كأنما ضمة وداعٍ قبل أن يلقى مصيره على يديه.
وعجبًا للمرء، فدائمًا ما تأتيه الطعنة من أقرب حبيب.
ابتعد إسماعيل عنه وردد بصوتٍ باكيٍ مرير:
سامحني، سامحني يا علي، سامحني يا صاحبي، أنا بحبك جوي أكتر من أخ، وأنت عارف مليش قريب غيرك بس أوامر أبوي صدرت وأنت عارف كلامه سيف على رقبتي.
وبغتة كان يتراجع مشهرًا السلاح في وجه علي الذي باغتته المفاجأة، فشخص بصره عليه غير مستوعب، وهز رأسه في صدمةٍ، متمتمًا:
هتقتلني؟ هتقتلني يا إسماعيل، هتقتل صاحبك؟ أخوك علي!
وتبسم قائلًا بثقةٍ بعد دقيقة:
مهتعملهاش، أنا متأكد، دا أنت مكنتش تستحمل تشوفني عيان، ولا حد يكلمني نص كلمة وتجيبلي حقي، مهتعمل…
ما كاد ينهي عبارته وأخترقت رصاصة إسماعيل صدره فـ أهتز جسده متقهقرًا للخلف، وحاد ببصره ناظرًا لكفه الذي ضغط تلقائيًا على مكان الطلقة فوجده مغطى بالدماء، فعاد ببصره إلى إسماعيل مترنحًا وقبل أن يتهاوى جسده كان إسماعيل ملقيًا السلاح ويتلقى ثقله كأنما أفاق لتوه من فعلته وراح يصرخ بانهمار.
في ذلك الحين كانت منار تلهث، واضعةً كفها على صدرها في ذات الجانب الذي تلقى فيه علي الرصاصة، ومرتاحةً بكفها الآخر على الأرض وهي منكفئة على وجهها، صدى الرصاصة اخترق فؤادها وليس أذنيها، وصرخ قلبها صرخةً مدويةً لم تعبر حنجرتها التي عُقدت بالصم فجأة، كانت تجاهد أن تنادي باسمه لعلها تلحقه ولم تستطع، ثُم استوت جالسةً القرفصاء تنظر أمامها رامشةً وتحيد ببصرها على أخيها الذي يضم جسد حبيبها ولم يكف عن البكاء، فضحكت فجأةً كاتمةً فمها بكفها، هامسةً كمن أصابه مسٌ من الجن:
هش هش، هيسمعوكِ، اسكتي.
وضربت على فمها ثم انتحبت وهي تنهض مترنحةً وألقت نظرة وداعٍ عليهما وهي تلوح بكفها كأنهما يراها ومشت هائمةً على غير هدى في الطريق الذي طال مسيره حتى وجدت نفسها على الرصيف لكنها لم تشعر إلا باحتكاك عجلات سيارة خلفها وقبل أن تستدير كانت السيارة تسبقها لتنصدم في جسدها الذي كان في مهب الريح بيسرٍ ويطير جسدها دون صراخٍ من حنجرتها ويرتطم أرضًا ثوانٍ وكان الألم يصرخ في جسدها برمته وجفنيها يرفرفان بثقلٍ عظيمٍ قبل أن تغيب عن الوعي.
فاقت من ذكراها لتجد ذاتها كانت تصرخ بكل ثقل قلبها ولمار تحاول جاهدةً أن تهدأها، ناولتها كوبًا من الماء بشفقةٍ وقالت بحنوٍ وهي تجثو أمامها:
مين علي ده اللي قتله أخوكِ؟
كانت في شرودها أمام لمار تهذي بكلماتٍ فقهتها لمار جيدًا، دلكت لمار ذراعيها صعودًا وهبوطًا بكفيها، وهي تهون عليها قائلةً:
عدى، كل شيء سيمضي.
***
أستجمعت منار جمع شجاعتها وكظمت كل الآلام بداخل فؤادها المُتقرح، وطلبت رقم أبيها من هاتف لمار الجالسة بجانبها، كانت كأنها تستمدُ الشجاعةُ منها إذ إن بصرها مُعلقٌ بها، وقدميها تهتزان بتوتر.
جاءها صوت أبيها قوي النبرات، أجش الصوت، يتساءل عن هوية المتصل، فـ أغرورقت عيناها بدموع كُرهٍ، فحثتها لمار على الرد، فتحمحمت وقالت بنبرةٍ جاهدت أن تخرج عاديةً لا توحي ببكائها:
بابا، أنا منار…
بتر والدها عبارتها بقوله المتلهف:
منار بتي حبيبتي، أنتِ فين؟ أنتِ بخير ردي على ابوكِ يا بتي، حصل إيه معاكِ.
كانت منار مطبقة أجفانها وهي تستمع إليه ودموعها تترى على خديها، وأجابته بصعوبة:
اسمعني يا بابا الأول وهحكيلك كل حاجة بعدين، أنا في شقة إسماعيل حاليًا بس هو مفيش وأنا خايفة أفضل لوحدي وتلفوني ضاع مني لما خبطتني العربية، أنا يلا طالعة من المستشفى!
خليكِ عندي متتحركيش من الشقة أنا هكلم أخوكِ يجيلك دلوج، بس إيه اللي حصل معاكِ؟ أخواتك كلهم نزلوا يسألوا عليكِ في المستشفيات والأقسام ودوروا وملقوش ليكِ أثر.
يا بابا هحكيلك كل حاجة حاضر، بس كلم إسماعيل يجيلي أنا خايفة.
أجاب والدها بتعجلٍ وهو يغلق:
طيب طيب هقفل معاكِ وهكلمه، ما عايزكش تخافي.
ولم يكذب والدها خبرًا، فما إن أغلق معها حتى طلب إسماعيل وأمره بالذهاب فورًا إلى شقته، ورغم رفض إسماعيل من خوفه أن تكون الشرطة محاطة بالمكان، إلا أن والده أجبرهُ على الذهاب فـ أطاع.
أغلق إسماعيل مع والده وحدج أروى التي تبكي وهي تطلب المخدرات بجمودٍ، لقد أسرف في إعطائها كل الأنواع غير عابئٍ بما قد يصيبها أو تموت أثر ذلك، و التقط علبة سجائر من فوق المنضدة وأخرج واحدة وألقى العلبة دون اكتراث وأشعل السيجارة وما زال بصره على أروى، وراح ينفث الدخان مقهقهًا على حالتها التي ساءت بغبطةٍ كأن فؤادًا قد بُدل بالصم الصلب، ونهض وهو يطفئ السيجارة في الطفاية وألتقط كيسًا يحتوى على بودرة بيضاء ما أن رأتها أروى حتى أشرقت ملامحها الشاحبة وهي تضحك في سعادةٍ، وتقدم نحوها وهو يقطع طرف الكيس بأسنانه ويبصقه ويسكب محتواه على كفه الذي قربه من أنفها فراحت تشمه بنشوةٍ ثم رفع كفه ناثرًا ما تبقى على أنفها فيتناثر على وجهها.
قال إسماعيل وهو يتحرك مغادرًا:
انهارده هرحمك ومش هطفي فيكِ السيجارة، عشان أختي رجعت زينة.
وكمن تذكر شيئًا عاد أدراجه نحوها وقد ارتسمت علامات الحزن على محياه، وقال:
أجولك سر؟ ما هو أصلي حاسس إني هموت من الكتمان، أنا جتلت صاحبي كان صديقي من الطفولة وجاري، كبرنا سوا وتعلمنا سوا وعيشنا سوا.
وضحك متابعًا بوجع:
عارفة جتلته ليه؟ عشان حب أختي! أبويا أول ما عرف أمرني بجتله، عشان خاف لـ أختي تتمسك فيه وهو عاوز يجوزها لحد زين مش بيبع مخدرات زينا اصلها تستاهل كل الحلو.
وهوت دموعه وقال بصوتٍ يفيض بالكسرة:
هو ليه اختارني أنا أجتله وهو عارف أنا بحبه جد إيه؟ آه دُنيا غدارة يا مرات المجدم، غدارة جوي، متعرفيش امتى هتقلب ع الواحد.
وتحولت ملامحه للقسوة مجددًا، وقد كانت أروى لا تعطيه اهتمامًا إذ كانت مغلقة جفنيها بوجهٍ شاحب… شاحب للغاية بتلك الهالات السوداء التي أحاطت بشدة عينيها، و وجهها المصفر، الذي غطته الحروق جراء إطفاء إسماعيل عُقب السيجارة عليه، وجسدها متهدلًا كأنما عظمها برمته بات لينًا… شديد الليونة.
بصوتٍ جادٍ، غمغم إسماعيل متأهبًا للمغادرة:
هسيبك شوي وراجعلك نكمل وصلت العذاب، وادعي ربنا ميكونش جوزك مترصد لي بالمكان عشان هجتله طوالي.
عاد إسماعيل إلى شقته وقد بدل جلبابه الصعيدي ببنطالٍ من الجينز وقميصٌ وخبأ عيناه خلف نظارة سوداء وتسلل للبناية بحذرٍ وترقبٍ وهو يتلفت حوله، حتى وصل إلى شقته، أغلق الباب وراءه، وتنفس الصعداء، وأشرقت ملامحه وهو يهرول إلى منار بلهفةٍ، مصيحًا:
منار حبيبتي، أنتِ زينة يا جلبي.
ضمها لكنها لم تستطع أن تبادله سوء جمود المشاعر، لقد خُدعت!
كانت مخدوعة منذُ ولدت! والدها خدعة وأخوها خدعة، وحياتها خدعة، كل شيء بات خدعة فجأة.
كانت تحيا في وهمٍ ويا ليت هذا الوهم لم يزول! ليتها ظلت موهومة في كل ما حولها! لا غرو! الوهم أهون من الواقع أحيانًا.
وخفيةً وضعت جهاز ترقبٍ في ملابسه دون أن يدري، وفعلت ما أمرت به لمار تمامًا.
ثُم جلسا وطفق يسألها عن الحادث وهو على يقينٍ تامٍ بمن دبره لأخته.
وفجأة! تساءلت منار بتريثٍ وهي تركز عيناها في عينيه:
أومال فين علي؟ لما نزلت عشان أجيب حاجات من السوبر ماركت مكنش موجود! ودلوقتي بردوا مش موجود؟
راعها إن أخيها أجاب بهدوءٍ كأن ذكر من قتله لم يثر فيه شيئًا، ولم يكن يُعني له شيئًا:
علي سافر، أبوكِ وداه يخلص له شغل، وهيتأخر شوية وراجع، المهم إنك زينة ورجعتيلنا بخير… واللي كان السبب هياخد جزاته.
كظمت منار كلُ ألمٍ هام في جوانحها، وقالت وهي تكبح موجةً من البكاء:
سافر! وهيرجع فعلاً تاني.
أومال إيه؟ مصير الغايب يعود لأهله!
نظرت له نظرةً متوقدةً بنار الحزن، يا له من جرئ ومُمثل رائع! يكذب أيضًا بكل مهارة؟
تساءلت منار مرةً أخرى باهتمام:
إلا هو الحادثة عمد، أصلك بتقول هياخد جزاته؟ هو مين؟
رد إسماعيل بحنوٍ وهو يملس على رأسها:
متوجعيش دماغك أنتِ بالحاجات دي، جومي ارتاحي جوة وأني هنا وفي الصبح بدري هنسافر ونرجع بلدنا.
أومأت له منار وقامت وما همت بالرحيل أوقفها قائلًا:
أيوه صح افتكرت، لو صحيتي مع الفجر وملقتنيش متجلجيش ولا تخافي لأني هعدي مشوار كده وراجع.
بسمت ظفر ارتسمت على ثغر منار وهي تعي إلى أين سيذهب أخوها.
***
انسابت سيارة إسماعيل عقب آذان الفجر في الطريق، تتبعها سيارة خالد الجالس خلف عجلة القيادة وبجانبه حمزة وفي الخلف قبع عاصم ولمار، ومنار التي لم يغمض لها جفن، حتى أحست برحيل أخيها فـ أسرعت ركضًا إلى السيارة التي كانت تدرك تمامًا إن لمار تقبع فيها بجانب البناية، فوجدتهم على وشك اللحوقك بأخيها فأصرت على الذهاب معهم، فغادر جان السيارة وصعدت هي بجوار لمار.
لم يشعر إسماعيل أو يشك بالسيارة التي تتعقبه ولم يخطر له على بال.
أتبع حمزة بعينيه نزول إسماعيل من السيارة، فإذا بنيران الحقد، والغضب تتأجج في فؤاده، وفتح الباب لكنَّ خالد أمسك بساعده ما أن استقرت إحدى قدميه على الأرض، وقال:
اصبر بس يا حمزة أكيد في رجالة.
لكن حمزة لم يبال ونزع ذراعه وترجل، فترجل خالد وعاصم وراءه فورًا، مشهرين سلاحيهما، كان رجلان جالسان على مقعدين إزاء بعضهما يتسامران حين أحسا برياحٍ هوجاء تندفع نحوهما فحانت منهم التفاتة، وقبل أن يستلا سلاحيهما كان خالد وعاصم يطلقان على أكفهما فرفعا إيديهما في استسلام.
كان إسماعيل لم يصعد إلى أسيته حين تفاجأ بعاصفةٍ دفعت الباب على مصرعيه، وبرز حمزة مشتعلًا غضبًا بث الزعر في قلب إسماعيل الذي قبل أن يستوعب وجوده أنقض عليه حمزة بلكمةٍ ساحقةٍ على فكه هشمت أسنانه، وكومته أرضًا، فرفعه حمزة من تلابيبه وكال له لكمةً ما بين عينيه جعلت الدنيا تظلم في عينه والأرض تميد به، ومن شدة الألم الذي صرخ في وجهه لم يعرف كيف يدافع عن نفسه إذ أنهال عليه حمزة بلكمةٍ تردفها أخرى دون هوادة، حتى أنهارت أرضًا فـ اندفع خالد يحاول إبعاد حمزة وهو يصيح:
هيموت في إيدك يا حمزة سيبه، روح شوف أروى أنت.
بصق حمزة فوقه، ودفع خالد صاعدًا السلالُم في سرعةٍ، تمالك إسماعيل نفسه وأسند بكفيه على الأرض وكاد يقف حين ركله خالد فاعاده مكانه، فصاح عاصم ساخرًا:
هو ده اللي هيموت يا حمزة سيبه؟
باخد نصيبي يا جدع، الله، وبعدين لسه، هو شاف حاجة.
صدح صوت لمار وافيًا من لدن الباب، تقول:
اطلعوا شوفوا حمزة، وتأكدوا إن أروى بخير.
أنصاع الشبان فورًا دون أن ينبسوا، فتقدمت لمار لتظهر منار من خلفها، رفع إسماعيل بصره بصعوبةٍ أثر انتفاخ عينيه من لكمات حمزة، شطر الباب، فرأى منار، ظن إنه يُخيل إليه، فـ أسبل عينيه وفتحهما ممعنًا النظر فيها إلى أن تأكد إنها هي… أخته.
توترت منار وهي تفرك كفيها في ارتباكٍ، فـ انتفخت أوداج إسماعيل وهو يربط كل شيء في بعضه؟ أخته من قدمته لهم لقمةً سائغة؟ نهض مترنحًا متحاملًا على نفسه واجتاز لمار التي حدقته ولم تبادر بأي شيءٍ، و وقف قبالة منار وبقى ذاهلًا قليلًا، ثُم أردف بصوتٍ خافتٍ كمن يُمني نفسه إنها ليست هي:
أنتِ مش أختي منار، صح؟
ثُم أردف، يقول بهمس:
لا، لا أنتِ، أنتِ سلمتيني ليهم كده؟ ليه يا بت أبوي؟
هزها من كتفيها صائحًا فيها فلم يتلق إلا دموعٍ تنساب من عينيه بخزى، وحسرة.
رفع إسماعيل كفه بغية صفعها مع صياحه:
انطقي، ليه عملتِ كده دا أنا أخوكِ.
وقبل أن يهوي كفه على وجهها وبينما هي مغمضة العينين بقوةٍ إذ قبضة لمار أمسكت كفه وظهرت حائلًا بينهما فجأةً، ودفعت إسماعيل للخلف مع هتافها فيه:
أيدك إياك تتمد على أي بنتٍ وخاصةً أختك، أنت محدش علمك الرجولة؟
أشتعل صدر إسماعيل غضبًا، وصرخ فيها وهو يهم بضربها:
منقصشي غير مرة تعلي صوتها عليّ.
ثنت لمار كفه خلف ظهره، وهمست له في أذنه بصوتٍ يجمد الدم:
يبدو إنك متعرفيش أنا مين؟ أنا لمار الشرقاوي، الاسم ده افتكروا دايمًا عشان هيكون بداية جحيمك، وبعد كدا فكر تلعب مع اللي قدك.
لو إن أحدًا قد أخبره إن ثمة امرأة ترعب أعتى الرجال وبقدرات لمار المذهلة ما صدق! فقد دفعته لمار بقوةٍ وقبل أن يلتفت كانت هوى بلكمةٍ قويةٍ في معدته.
اندفعت منار نحوه وصفعته بكل ما يصطخب بداخلها من أحاسيسٍ شتى، وصاحت فيه:
أنت من انهارده مش اخويا، علي اللي سافر أنت اللي قتلته، أنا اخويا مش تاجر مخدرات ولا بيقتل، يا شيخ يخرب بيت اليوم اللي اتولدت فيه وخدتك فيه قدوتي، أنا بكرهك.
نزلت كلماتها على مسامعه نزول الصاعقة فكانت الطامة الكبرى له.
في أثناء كل هذا، كان حمزة يضم جسد أروى بعد ما فك قيودها، ينظر لوجهها المكتسي بالحروق بعجز، وشحوب وجهها بخزى، وهالاتها بجزع.
ضربات قلبها كانت متزايدة للغاية، وبدا له إنها تلتقط أنفاسها الأخيرة.
فغدا كطفلٍ صغيرٍ يُناجي والدته ألا ترحل. ألا تتركه. يعتذر عن كل ما عاشته!
كان خالد وعاصم واقفان بجانبه بصمتٍ، عيناهما لم تفارق جسد أروى، المتهدل كأنما فارقت الحياة.
استدمعت عينا خالد بمرارةٍ، وبكى حمزة وهو يضم جسدها مرددًا:
سامحيني أنا جيت متأخر، بس متسبنيش يا أروى، يا ريتني كنت مكانك.
وبكى… بكى كطفلٍ صغيرٍ يرجو أمه ألا تذهب. كضالٍ يتوسل أن تستهديه! كغريقٍ في بحرٍ لُجي يستنفر بذورق نجاةٍ تعيده على المرسى.
ثُم نهض حاملًا إياها بين ذراعيه، وصك على أسنانه، قائلًا بغضبٍ عارم:
الكلب كان بيديها مخدرات، والله ما هرحمه.
رواية جحر الشيطان الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندي ممدوح
فتحت منة عينيها على ألم حاد في معدتها فقبضت بيدها فوق الألم وهي تكتم أنينها.
ألقت نظرة على آجار النائم بجوارها وآثرت الخروج من الغرفة حتى لا تزعجه.
لكن ما إن همت برفع رأسها من فوق الوسادة وإذا بالغرفة تدور بها دوارًا شديدًا.
ودوار شديد داهم رأسها فتهاوت رأسها على الوسادة وأطبقت أجفانها وهي تجز على أسنانها حتى لا يصدر صوت تأوهها.
انسابت دموعها من حدة الألم الذي لم تتحمله وقد بلغ ذروته، ومغصٌ فظيع كالسكاكين يُقطع في أمعاءها.
تململ آجار بجوارها حين بلغته نهنهة بكاء، فهب مفزوعًا وأنار الضوء ليغمر الغرفة ويطل على منة وهو يتساءل في جزع:
"منة، ما بكِ؟"
لم تستطع منة أن ترفع عيناها إليه، فأجابت باكية وهي تكاد تعصر بطنها في كفها:
"أموت من الألم يا آجار، لا أتحمل."
نهض آجار من فوق الفراش ودار حوله وجثى على ركبتيه أمام رأسها، وتساءل وهو يمسد على خصلاتها برفق:
"هذا لأنك لا تأكلي جيدًا، بات أكلك ضعيف فكيف لا تريدين لبطنك أن لا تؤلمك؟"
بدا له إنها لم تسمعه إذ وثبت دافعة إياه من طريقها وهي تهب واقفة وكفها الآخر فوق فمها وركضت إلى دورة المياه.
فذهب في إثرها وهو يهتف في قلق ويطرق الباب الذي أُغلق:
"منة، لا تصيبيني بالقلق يا فتاة؛ ماذا تشعرين؟ تبًا لهذه القرحة التي أصابتها غدًا سنذهب إلى طبيب آخر."
تناهى له صوت استفراغها وهي تتأوه بصوت مزق قلبه فعاد يطرق الباب، قائلًا:
"افتحي الباب يا منة دعيني أكون معك."
لم ينتظر طويلًا فقد فُتح الباب، ونظر إلى وجهها الشاحب الذي غطاه الاصفرار، والهالات السوداء، وجسدها الهزيل، وهي تقبض على معدتها، وتسند على الجدار وتمتمت بصوتٍ خفيض:
"إني بخير يا آجار لا تقلق."
أمسك كفها في راحته وطوق ظهرها وهو يسندها إلى حيثُ الفراش.
لكنّ في منتصف المسافة توقفت بغتة زائغة العينين ورأت الغرفة تدور… وتدور، والأرض تميدُ بها، وغشى عيناها ضبابًا حجب الرؤية.
ثم لم تسمع إلا صوت آجار المنادي باسمها في جزع، وصوت ارتطام صم أذنيها.
لم تكن خديجة نائمة في هذه السويعات من الليل حين استمعت إلى وقع أقدام جارية آتية من عند غرفة آجار، فأسرعت لترى ما الذي يحدث.
وفتحت الباب ليتراءى لها آجار يحمل منة بين ذراعيه فلحقت به عند الدرج وهي تتساءل:
"آجار، ما بها منة؟"
ألتفت آجار إليها كالتائه، وقال:
"لا أدري فجأة أغمي عليها سأخذها إلى المستشفى."
كادت أن تجيبه، لكن أراس أجاب بدل عنها، حين قال من وراءها في عجل:
"أنتظر سأذهب معك، ثوانٍ وأكون جاهز."
"وأنا أيضًا."
أومأ لهما آجار وتابع نزوله، ولم يلبث أن حضرا أراس وخديجة التي بدت متوترة وهي تسأل آجار بقلق داخل السيارة التي تنهب الأرض نهبًا:
"هل الطبيب الذي شخص حالتها وقال إنها قرحة جيد؟ هل عمل إشاعات وما شابه!"
هز آجار رأسه وعيناه لم تحيدن عن وجه منة بين ذراعيه.
بان القلق على وجه خديجة وهي تضع كفها على معدة منة ثم ألقت نظرة إلى أراس عبر مرآة السيارة التي أمامه وآثرت الصمت وكبح شكها.
وصلوا إلى المستشفى وظلت خديجة معها اثناء الفحص الذي أسفر عن سرطان في المعدة.
سُقط من يد خديجة ولم تدري ماذا تفعل؟!
كيف تخبر آجار بذاك المرض اللعين؟
أنَّى لها بالقدرة أن تبوحُ بذلك خبر سيحطمه؟
كان عسيرٌ عليها إن يأتيها مريضٌ بهذا المريض الخبيث وتخبر أهله وربما كان عاديًا لكن أن يصبح المريض فجأة قريبها.
بكت في صمت وهي تتطلع إلى وجه منة بكسرة.
كانت المحاليل تسري في أوردتها في انتظار أن تفيق لتستكمل عمل الإشاعات لتعرف حجم الورم وإلى أين يمتد وكم ستستأصل من المعدة إذا لم يكن كلها!
لكنها ستدعو الله ألا يكون المرض تمكن منها بذاك السوء.
سبحان الله، كيف الإنسان يكون في كامل صحته وقوته، وفي غمضة عين يغدو طريحُ الفراش، مجرد عظامٌ يكسوها الجلد.
سبحان الله! كيف المرض قادر على سلب الإنسان كل شيء؟!
يا الله من هذه الدنيا حين تنقلب على المرء فجأة وتذره ريشة في مهب الريح، جسدًا خاويًا من الحياة، يحيا على الأدوية!
تطلعت إلى هاتفها الذي لم يكف عن الرنين لحظةٍ واحدة بغير مبالاة.
كان كل ما يشغل بالها هو كيف ستبوح لآجار بمصاب منة؟
كيف تكون هي من تحطمه؟ وتكسر قلبه؟!
"طبيبة خديجة، هلا نظرتِ رجاءً؟!"
قالت الممرضة من وراءها فـ التفتت لها خديجة في تساؤل.
فـ استتبعت الممرضة تقول:
"ألم تعرفي ما الذي حدث؟"
في تعجبٍ جم، رددت خديجة:
"ما هو؟ هل حدث أسوء مما أنا فيه؟"
"هلا تنظري إلى الهاتف رجاءً!؟"
"وهل هذا وقته؟"
"رجاءً الأمر جلل، لا ضير إن ألقيتِ نظرة!"
في سأمٍ تناولت خديجة الهاتف منها، لترى فيديو لما حدث لملك، العروسة التي تركها زوجها في ليلة زفافها لأنها سارقة؟!
فيديو آخر.
"في ليلة زفاف حفيدة عائلة الشرقاوي حدث حادث أودى بثمانية كبارٌ من السن وطبيب."
الكثير والكثير من الإشاعات والفيديوهات التي انتشرت على جميع شبكات التواصل الاجتماعي.
كاد جسد خديجة يتهاوى من هول الصدمة، دموعها انهمرت دون أن تشعر، وأحست بقدميها لم تحملها.
أسندتها الممرضة، لكن خديجة ابتعدت مغادرة عن الغرفة.
وقفت أمام أراس وآجار الذي كاد يبادر بسؤاله عن زوجته لكن ما إن لاحظ حالتها آثر الصمت.
قلبت خديجة بصرها فيهما في توهان، فبادر أراس متسائلًا وهو يمسك ذراعها:
"خديجة، ما بكِ أنتِ بخير، ما هذه الحالة؟"
في صوتٍ باهت همست خديجة بتصدعٍ متهدج:
"من منكما قتل…"
لم تستطع إكمال عبارتها.
بالأساس أمرٌ لا يصدق، هل خسرت في طرفة عين أجدادها؟!
كبار عائلتها، فقدت الحنان جله؟!
من ذا يصدق إنه خلاص الفراق وليس ثَم أمل لترآهم!
قطب آجار عينيه متذكرًا رنين أخيه الذي تجاهله حتى يطمئن على زوجته، فسأل بجزع:
"من مات يا خديجة؟"
لكن خديجة بدلًا أن تجيب سألت بصوت متحشرج:
"من الذي اتهم ملك بكل تلك التهم؟ من دمر أختي يا هذا؟"
أنهت عبارتها وهي تقبض على ملابس أراس بتشككٍ بيّن في عينيها أصابته بالحزن، هل تعتقد أنه قد يكون سببًا في حزنها يومًا؟
إلى الآن لم تعرف كيف يحبها بجنون؟
نزع كفيه عنها وقال وهو يقبض عليهما بين راحتيه:
"لماذا تتهميني دائمًا بأي مما يحدث؟ هل لهذه الدرجة تريني بكل هذه البشاعة!"
رأى تخبطها، ندمها عما تفوهت، زوغان مقلتيها التي تناشده إن يكذب كل ما علمت به توًا، فجذبها إلى حضنه واستكانت تبكي في صمت وهي تهمس:
"كل هذا كذب يا أراس، أليس كذلك؟"
"حين أعود سأجد أدهم في انتظاري، وسأتجادل مع هالة لأنها نسيتني، وستعاتبني حبيبتي لأني غبت، و…"
"أشش، اهدئي… دعيني أعلم ما الأمر."
همس أراس في أذنها وهو يربت على رأسها برفق.
رفعت خديجة رأسها تنظر في عينيه، وأردفت:
"منة!"
"هل هي بخير؟"
"لديها ورم في المعدة!"
صُعق أراس متسع العينين وهو يتطلع إليها ذاهلًا، عيناه حادت إلى موقع آجار فلم يجده.
كان آجار في هذا الحين يجيب على اتصال إسلام، الذي هتف ما أن فُتحت المكالمة:
"أنت سبب هذا الحادث، أليس كذلك؟ ما الذي جنيته الآن! هل انبسطت؟ أتكرهني لهذه الدرجة حتى تريد قتلي؟ كان يجب أن أكون أنا مكان هيثم الآن…"
أغلق آجار المكالمة، لم يكن لديه المقاومة أن يوضح لأي أحد، أو يبرئ نفسه لأيًا كان.
ولج آجار إلى منزل ماهر وهو ينادي عليه هائجًا، فخرج الآخر من غرفة نومه، وقال:
"ها أنا ذا، ما الذي آتى بك في هذا الوقت المبكر؟"
توجه صوب الدرج لكنّ آجار سبقه وهو يرتقي السلم في خطوات سريعة، ووقف قبالته يجأر بصوته:
"ما الذي فعلته من ورائي؟ كيف سولت لك نفسك على محاولة قتل أخي…"
قاطعه ماهر وقد زوى ما بين عينيه متعجبًا:
"أخيك؟ تقصد جان؟ وهل أفعلها؟ تظنني حقًا حتى قد أفكر في هذا؟"
دفعه آجار بحدة من صدره، وقال في امتعاض:
"اتفاقنا كان فقط لمار لما آذيت كل من آذيت منهم."
رفع ماهر كفيه يستوقفه، وهو يقول:
"رويدك يا آجار، وهل أفعل؟ كانت خطتي لقتل لمار لكن ما العمل إذا فشلت الخطة وحدث ما حدث للآخرين!؟"
ومال هامسًا في أذنه:
"وهيثم قد لقي مصرعه."
تبسم آجار بسمة شرسة، وغمغم:
"أوه، قل هذا يا رجل!"
ثم أردف:
"كنت أفضل أن أسوموه سوء العذاب، أن أقتله بنفس الطريقة التي قتل فيها أبي؟!"
وضع ماهر كفه على منكبه، متمتمًا في دهاء:
"هون عليك، لا ضير فقد تعذب أيضًا، وتعذبت لمار."
وغمز له فقهقه آجار في نشوة ظفر، مستريحًا أن ماهر قد قتل هيثم ولقى حتفه.
هم آجار بالتحدث قاطعه رنين هاتفه باسم أراس فأشار لماهر بإشارة من يده، ورد عليه فأسرع أراس متسائلًا:
"أين ذهبت يا بُني؟ تعال في الحال، أريدك في شيء هام!"
"هل منة بخير؟ فاقت!؟"
"تعال يا آجار لأخبرك قبل أن تفيق!"
انقبض قلب آجار ما أن نطق أراس دون سبب، احتدم في نفسه الضيق ومار في قلبه القلق.
تذرنا الحياة في منتصف الطريق، وتحيطنا بكلاليب الأحزان تتخطفنا من كل حدبٍ وصوب، نقف تائهون، متأملون هؤلاء الذين رحلوا عن عالمنا ولم يرحلوا من قلوبنا، من ذا الذي قال إن الحزن يقتصر على لحظات الوداع الأولى؟ نحن فقط نختزنها في خانة الذكريات متى شئنا، أشتقنا؛ أحضرناها تأملناها.
ساذجٌ من يظن إننا ننسى الراحلين، وكيف القلب ينسى وهو ساكن في السويداء، يشاركه أفراحه، واتراحه.
نحن فقط نفتقد وجودهم، لمس طيفهم، ضمهم في أوج أوجاعنا، أفراحنا.
يُنتزعون من بيننا فجأة ويسرقهم الموت منا دون إنذار فنبكي لبقائنا بدونهم، اشتياقًا إليهم، وانتظارًا لعودتهم ونحنُ على يقين إنهن لن يعودُ ولن نرآهم... يرحلون ولا يدرون ما يُصيبنا بدونهم وما أخلفوه وراءهم من قلوبٌ مهشمة، وأرواحٌ محطمة ودموعًا لا تجف.
آه لو يعلمون إننا ببعدهم أحياء كـ الأموات.
كانت تجلس لمار متشحةٌ بالسواد فقدت زوجًا وأخوة وإخوانًا.
كانت تصافح النسوة بقلبٌ غائب وعين تائهة، كانت تنصت للقرآن بروحٌ راضية، غافلة عن جسد وعد الذي كان يتشنج، والتنميل سرى في قدميها العاجزتين ما أن وصل القارئ إلى بعض آيات السحر، وزامت فجأة غير واعية، وحدقتاها تحولتا لبياض خالص مخيف، كفها قبضت على ذراعين المقعد المتحرك وانفاسها تسارعت، وضاق قلبها، وسكن جسدها وثقلت أجفانها وذهبت روحها حبيسة إلى عالمٍ آخر…
بعد وقت تنبهت لها مكة فأخذتها إلى الغرفة معتقدة أنها غافية.
صوت إشعار رسالة نبه لمار فما أن لمحت أول عبارة في الرسالة جزت على أسنانها وأبتعدت عن المجلس، فتحت الرسالة وجرت عيناها عما مكتوب.
"ما رأيك في هديتي يا سيدة لمار؟ أوجعتك أليس كذلك؟ كيف حال قلبك إذن؟ أتمنى إنه ما يزال قويًا للهدية الأخرى! وآه أنتِ من اضطررتيني للهدية الأخرى فـ أنتِ من أرسلتِ حفيدتك إليّ… ودعيها قبل فوات الأوان فـ أنتِ لن تستطيعي أنقاذها!"
خديجة! تلك البعيدة في بلاد الغربة!
تعاني الحزن دون أنيس! دون إخوانها.
اشعلت حدقتاها، لو إن النيران تخرج من العين لكن كل ما حول لمار الآن رمادًا، كادت أناملها أن تتصل برقم معين، لكنّ ذو الرقم كأنما يشعر فقد أضاءت الشاشة باسمه وردت هي هاتفة بفزع قبل حتى أن ينبس:
"خديجة، ألحق خديجة، لا تفارقها ماهر يخطط لشيء سيؤذيها."
في هدوءٍ عجيب بارد جاء رد متصلها واثق:
"هدئي من روعك، سأهدم مأرب ماهر برمته فقط اهدئي، خديجة في عيناي لا اسمح أن يصيبها أذى… الآن أصغي لما سأقوله!"
"هات ما لديك."
"لقد علمت عين ماهر عندك!"
في تريثٍ جم، وقلبٌ يخفق، وعينان تطوف حول الجميع، همست لمار:
"من قُل؟"
أطبقت جفنيها، كانت تهاب أن تسمع اسمًا يصيبها في مقتل، وفتحت عينيها في عنف مرعب حينما نطق:
"ضياء، ضياء زوج إسراء وصديق زين."
استتبع الصوت يقول في جدية:
"انشغلي فقط بضياء، ولا تشغلي عقلك بخديجة أنا كفيل بسلامتها."
حانت اللحظة الفارقة في حياة ضياء كان في قرارة نفسه يعلم إن الأمر جلل، فـ لمار من المحال أن تطلبه مقابلته في وقتٍ كهذا! تاركةً زائريها المعزين.
طرق على غرفة المكتب، ولم يلبث أن بلغه صوت لمار تدعوه للدخول، فـ أخذ نفسًا عميقًا حبسه في صدره مخافةً من الآتي.
دفع الباب ودخل مغلقًا إياه خلفه، أشارت له لمار أن يجلس إزاءها؛ فجلس، وتلاقت الأعين في حديثٌ صامت سرى الرعب في جسد ضياء.
نظر ضياء إلى وجه لمار ورأى شرارة غضب اقشعر لها بدنه، هل يمكن أن يكون إسلام باح بما يعلمه عنه؟
أيمكن أن يكون قد قدمه لها لقمة سائغة؟
هذه المرأة التي أمامه أسدٌ ضارٍ سواء كانت تتكلم أم لا فهي مرعبة، تبدو لينة، جميلة، عطوفة، حنونة، لكنَّ الصراحة هي نمرٌ يتربص بفريسته وينقض عليها يفترسها دون شفقة.
من يعصمه من افتراسها الآن، تبسمت له أخيرًا، فشعر بالارتياح مما دفعه ليستجمع أطراف شجاعته ويبادر متسائلًا:
"طلبتي تقابليني ليه، في حاجة ولا إيه؟"
هزت لمار رأسها مبتسمة، وهي تتفرس في ملامحه، وبغتة مالت بجزعها وأشارت بسبابتها له أن يدنو برأسه، فدنا… فمدت كفها بكل رفق وأمسكت بمؤخرة رأسه، وهمست بصوتٍ كالفحيح، وعيناها في عينيه مباشرةً:
"قتلت زين ليه؟ عملت نفسك الصاحب المخلص ليه؟ دمرت بنتي وعيالها ليه؟ استفدت إيه من كل ده؟!"
صرخت في آخر ما لديها، كلماتها كما الصاعقة ضربت في أذنيه وعبرت إلى قلبه تنبئه بالخطر، فخرج صوت ضياء في صعوبة قائلًا بتلعثم خائف:
"إيه… إيه اللي بتقوليه ده؟ كل ده غلط…"
لم يسترسل في حديثه، بسبب لمار التي هبت ضاربة وجهه في المنضدة، صارخة:
"مبحبش الكذب، إلا الكذب."
تصاعد أنين ضياء وهو يرفع رأسه ممسكًا بأنفه الذي تضرج بالدماء، ناظرًا إلى لمار التي دارت واقفة بجواره مباشرة ومالت على أذنه هامسة بنبرة جمدت دماءه:
"يبدو إنك مكنتش عارف مين لمار عز المعرفة."
بسمة شرسة تألقت على ثغرها وهي تغمز له، قائلة:
"كنت مفكر إيه؟"
أمسكت بفكه تنظر بإمعان عن كثب إلى عينيه، مستكملة:
"إنت فكرت عشان كبرت مش هعرف عملتك؟ ادعي ربنا إن ملك الموت يرأف بيك وياخدك لأن من دلوقتي أوعدك بأنك مش هدوقك طعم الراحة أبدًا."
فجأة… ابتعدت عنه دافعة برأسه إلى ظهر المقعد، وتحركت في أرجاء الغرفة على غير هدى، كأنها تعاتب نفسها على عدم اكتشافه قبلًا، كيف كانت معمية البصر بسبب فقط إنه أنقذ أبنتها وغشى الامتنان عينيها عن خبثه؟
"مين ماهر؟ وده مش اسمه أصلًا! مش كده؟"
ارتجف جسد ضياء تلقائيًا من شدة الرعب، إن باح بماهية ماهر فهو بميت؛ ماهر لن يتركه حي!
وإن لم يبح فلمار لن تتوان عن فعل أي شيء ليصرح بما في جعبته.
أي النار أرحم يا ترى؟
نار ماهر أم ناهر لمار؟!
كلهما نار ستحرقه حتمًا فالنار هي نار ستشوي لحمه وتذيب عظمه!
أنَّى له بمهربٍ الآن، وأين السبيل للخلاص؟
تبًا للمال الذي أغراه به ماهر ليصبح من بعدها وحشًا ضاري يجري وراء المال فقط… زين يموت وستبقى أخته بمفردها بكل أملاك والدهم فلمَ لا يستغل الفرصة؟! فتخلص من زين مع ماهر وقد عمى حب المال عينيه وغشاهما.
فُتح الباب ودخل آخر شخص كان يود رؤيته، وهو إسراء زوجته التي ما همت بفتح فاهٍ حتى وثبت إليه فزعة ما أن رأت دماءه.
لكنَّ لمار جذبتها من مرفقها بعيدًا وهي تغمغم بحقد:
"أظن لهفتك دي مهيكونش ليها أثر لو عرفتِ إنه شارك في قتل أخوكِ، وأخويا إللي ضحى عشان بنتي إللي أنتِ معتبراها أختك، وشتت عيال اخوكِ وفي منهم بقى مجرم."
آخر عبارة لمار الغامضة لم تفقه إسراء منها حرفًا، فقد اتسعت عينيها على آخرهما في صدمة جمة، وشخصتا على وجه ضياء الذي أطرق في خزى.
وخرج صوتها كأنما يأتي من مكانٍ سحيق:
"إيه؟!"
صرفت بصرها إلى لمار مستتبعة:
"اللي بتقوليه ده صح؟ بجد!"
طفقت دموع عينيها وعلى يقين تام بأن لمار لن تمزح بمثل تلك الطريقة، وإنها إن اتهمته بأي شيء فأكيد عن تأكيد ولكنَّ القلبُ لم يأبى التصديق، والروح هفت إلى شريك الدرب، تسأل في لوعة وهي ترفع وجهه إلى وجهها:
"اللي قالته لمار ده صح؟ أنت… أنت شاركت في قتل زين أخويا؟!"
هز ضياء رأسه في خفوت بالغ يكاد يُرى، وهمس في تهجج متألم:
"دي… دي كدبة!"
ندت عن لمار ضحكة مستهزئة وهي تعقد ذراعيها ولم تنبس.
اندفع ضياء مدافعًا عن نفسه علّ كذبه يجد مأواه:
"أنا أنا مستحيل أعمل كدا، أنتِ شفتِ أنا أنقذتكم أصلًا معرفش مين اللي عاوز يوقع بينا وبلغ لمار بالكدب ده كله."
كانت لمار الآن تجلس إزاءه واضعة قدمٌ فوق الأخرى، مسندة ذقنها إلى قبضتها تستمع إلىه في استمتاع ساخر بثه بالرهبة.
لم تدرِ إسراء ماذا تفعل، لكنها نظرت إلى لمار وأردفت بثقة وهي تكفكف أدمُعها:
"أنا واثقة في لمار، وواثقة في كل كلمة قالتها ومعاها في أي إجراء هتاخده عليك."
تجلت الدهشة على وجه ضياء وهو يحدق في إسراء مصعوقًا.
لم يتدارك إياهما ماذا حدث فقد اتسعت عينين لمار وفي لمح البصر كانت تدفع إسراء جانبًا لتخترق رصاصة جبهة ضياء فورًا قبل ان تصل يد لمار لتدفعه، شهق الأثنين من الدم الذي انبثق متدفقًا من ثقب بين عينين ضياء…
ولأن الرصاصة التي اندفعت كانت من مسدس مزودًا بكاتم للصوت لذلك لم يكن أي من الحاضرين يستمع لأي شيء إلا صراخ إسراء وزهول لمار التي أحدقت بجسد ضياء الذي خر أرضًا، وأنفتح الباب على مصراعيه داخلًا منه ياسين الذي كان قريبًا من غرفة المكتب ووقف مبهوتًا في الجسد المسجى أرضًا أمامه...
رأت شيماء عبد الله وهو يدس مسدسًا خلف ظهره، وهي تقف في الشرفة فـ أنتابها الشك حوله.
وطوفان من الذكريات التي أيدت شكها هجمت على ذهنها بلا هوادة.
كم مرة بكلماته الرقيقة جعلها تتصنت على حمزة لتعلم إلى أين سيتجه أثناء عمله؟!
كم مرة فشل حمزة من بعد ظهور عبد الله في حياتهم؟!
لماذا هاج وضربها حين أرسلت أروى؟!
تراه يحبها حقًا أما إنها موهومة؟
لا… لا فيمَ تهذي هي الآن إنها مجرد هواجس هوجاء فقط وسرعان ما ستتلاشى عبد الله يحبها!
تناولت هاتفها وحادثته بإرادتها في رؤيته فوافق، وكانا الأثنين في منزل آل شرقاوي يتقابلا في منأى عن أعين ومسمع الحاضرين، بحيثُ لا يراهما أحد ولا يسمع.
وهناك وقفت شيماء قبالته، متمتمة:
"عبد الله، عمو ضياء توفى أصيب برصاصة وهو قاعد في المكتب، اللي ضرب عليه أكيد من هنا."
ازدرد عبد الله لعابه في توتر، وغمغم متسائلًا:
"أيوة، أيوة سمعت بس ليه؟"
"هو أنت معاك مسدس ليه؟"
سؤالها أربكه وتجلى الخوف على قسمات وجهه، وتلقائيًا تلفت حوله، ثم دار بعينيه صوب المكان الذي تخفى فيه حينما أطلق على ضياء، وأجاب في تلعثم:
"مسدس إيه اللي معايا وهجيبه ليه معايا أصلًا، وبعدين أنا مبمسكش مسدسات."
بدا الكذب واضحًا كضوء القمر في ليلة معتمة، وبقيت لدقائق فقط تتطلع إليه حائرة، مفكرة وشحب وجهها فجأة وتراجعت خطوتين، أطل الخوف في مقلتيها، وأرتجف جسدها بصورة واضحة، وخفق قلبها وهي تقول شبه مزعورة:
"يا الله، أنت… أنت اللي قتلته؟ أنت السبب في الحادثة… أنت سألتني عنهم قبل ما الحادثة تحصل واختفيت… أنت السبب في اللي كان بيحصل لحمزة، أنت خدعتني؟"
صاح عبد الله خائفًا، مذعورًا وهو يتلفت حوله:
"بتقولي إيه أنتِ اسكتِ؟"
فاضت عينا شيماء بالدموع وجرت على وجنتيها، وهي تقول:
"ليه، ليه أنا أنا حبيتك بجد، ليه؟"
كاد يمسك ذراعيها وهو يهم بكلام معسول ليهدأها لكنها سحبت مرفقيها صارخة باسم حمزة في رعب شديد.
كتم هو فمها بكفه وجذبها من طرحتها نحوه هامسًا بصوت خشن:
"بما إنك فوقتِ يا غبية فـ اسمعي بقا آه أنا كنت بضحك عليكِ، تخيلتي إني ممكن أحبك؟ اللي زيك متتحبش ولا يتأمن لها… وحطيها حلقة في ودنك محبتش غير أروى ومش هخلي اخوكِ يتهنى بيها، أنتِ طالق أنا كنت مجبور أصلًا أرتبط بيكِ بأمر من اللي بشتغل معاهم عشان أنقلهم أخباركم وأنتِ كنتِ متساقة زي البهيمة كدا بالظبط، واعرفي أنا اللي قتلت ضياء، وأنا سبب الحادثة."
فجأة… أفلتها في عنف وما كادت تستدير حتى شهقت ما إن لاح لها المسدس المصوب إليها، وأشتمت رائحة الموت من كلماته البغيضة:
"وزي ما موتهم هموتك يا حلوة، مع إني مكنتش عايز أعمل كدا بس لازم اخرسك للأبد عشان أطمن."
سحب إبرة السلاح على مهل كأنما يستمتع بخوفها، وارتجاف جسدها، وتراقص بريق مخيف في عينيه وهو يهمس:
"وداعًا يا طلقتي."
صرخت شيماء وهي تسد أذنيها بكفيها، وتغلق عينيها، في انتظار اختراق الرصاصة جسدها، لكنَّ لم يحدث شيء.
فتحت اجفانها لتجد شابًا يقبض على رسغ عبد الله رافعًا كفه للأعلى ثم هوى بقبضة ساحقة على وجهه سقط على إثرها.
دفعها الشاب للخلف وهو يلقي عكازه و نصب قامته أمام عبد الله الذي قفز واقفًا وكر على الشاب كره أوقعته أرضًا وجلس فوقه وراح يلكم وجهه في جنون.
استجمعت شيماء شجاعتها وأمسكت بالعكاز وهوت به على عنق عبد الله الذي التفت إليها مزمجرًا، وهم بالنهوض عندما رفعت العكاز وهوت به على رأسه عدت مرات… فسقط على الأرض بجوار الشاب الذي لم يكن إلا محمد رفيق خالد، الذي تناهى له أثناء مغادرته صرخة فحضر على الفور وفي الوقت المناسب منقذًا شيماء.
بصق محمد دمًا كان عالقًا في فمه، وهرعت نحوه شيماء تحاول أن تساند ليجلس، وسألته بلهفة وهي تبكي:
"أنت… أنت كويس؟"
ثم تابعت بصوت متحشرج:
"أنا آسفة مكنش لازم تيجي كنت سبته يقتلني!"
تطلع فيها محمد كأنما يحاول تذكرها، وضيق عيناه لوهلة متذكرًا وقال في تعجب:
"أنتِ قريبة خالد قالت مش كده؟"
أومأت له شيماء ولم تكف عن الارتجاف فـ أشفق عليها وقال:
"تمام، تمام حصل خير مفيش حاجة أنتِ كويسة صح؟"
هزت رأسها في صمت فألقى محمد نظرة إلى جسد عبد الله وسألها:
"مين ده؟ كان عاوز يقتلك ليه؟"
أطرقت شيماء وذاد نحيبها، فرق قلبه واقترح:
"روحي طيب نادمي حد من العيلة وأنا هبقى مع الكلب ده!"
هم أن يقف لكن دوار رأسه درءه عن ذلك وكاد يسقط لولا مساندة شيماء التي قالت في إصرار:
"لا، لا مش هسيبك معاه مينفعش لو فاق هيقتلك… امشي معايا وهقول لحمزة يجيله."
سقط محمد فجأة منها مغشيًا عليه، فذاد هلعها وركضت إلى البيت وهي تنادي باسم حمزة غير عابئة بأحد.
ما أن تناهى لحمزة والشباب نداءها حتى هبوا جميعًا إلى مصدر الصوت، ارتمت شيماء بين ذراعين حمزة اللذين تلقاها في خوف، وهو يسألها ملتاعًا:
"في إيه، مالك إيه حالتك دي؟"
ذاد بكاءها وذاد تهدأته وهو يربت على ظهرها برفق، ثم بدأت تهذي قائلة:
"عبد الله… عبد الله كان هيقتلني."
صاح حمزة مقاطعًا كلامها في موجة عارمة من الغضب وهو يهزها:
"بتقولي إيه؟ مين ده اللي يقتلك هو فين الكلب؟"
ظن حمزة إنه مد يده عليها فقط، لكنها ما كادت تشير على أحد الأزقة حتى اندفع عاصم ومعاذ ومالك ليجدوا محمد ملقيًا أرضًا ولا أثر لعبد الله.
كانت تجلس خديجةٌ فوق الفراش تستمع إلى رعاية الصلاة "للشيخ سمير مصطفى" والدموع تستمطر من عينيها حينما أشتمت بغتة رائحة بنزين قوية جعلتها تسد أنفها بأصبعيها وتغلق الهاتف مغادرة الفراش.
واتجهت إلى المطبخ كي تطمئن إن كل شيء على ما يرام ووجدت كل شيء في محله ولا أثر لتسريب مثل ما تشم.
خرجت من المطبخ متنهدة في حيرة.
حرارة مفاجئة لفتحها ونارٌ تندلع من الخارج في ثنايا المكان، فتجمدت محلها وقد شلتها الصدمة…
لم يكن غيرها في المنزل فـ آجار وأراس مع منة في المستشفى، وهنا لدى أخيها الذي لم تراه إلى الآن أركان.
طفقت تنظر إلى النار التي انعكست في عينيها بشكل مرعب وتلقائيًا راح لسانها يكبر الله، ألسنة النار بدأت تنتشر في أركان المنزل من الداخل حتى كادت تلامسها، الدخان ملأ رئتيها فراحت تسعل بثقل.
ثم اندفعت على السلم وذهبت إلى غرفتها، وفي هدوء غير مناف للنكبة التي تحيط بها أخذت الهاتف وأجرت اتصالًا على أراس الذي لم يجيب، ففي يأس تركت الهاتف ووقفت تفكر في سبيل للخروج من هذا المأزق.
لمحت النار تكاد تصل إلى غرفتها تلتهم جل ما يقابلها التهامًا.
فأغمضت عينيها مستسلمة وهي كلها يقين إن الله قادرٌ أن يكفيها شر النار إن كُتب لها النجاة أما إن كان قد زف خروج روحها فهو أمر الله.
فجأة! دفعةٌ قوية مع صوت رجولي يسعل بشدة، جعلتها تفتح أجفانها لتجد ذات الشاب الذي أعطاها منديلًا عند الشاطئ رث الهيئة وحروقٌ بدت واضحة في أجزاء جسده.
انطلق نحوها وتمتم من بين سعاله:
"أأنتِ بخير، كنتُ أهاب أن يصيبك أذى!"
أطلت الحيرة في وجه خديجة لكن صوت معمعمة النار أرعدت جسدها وهمت أن تسأله كيفما يخرجان.
لكنه، أسرع قائلًا:
"الآن ليس لدينا حلٌ أخر، أسرعي وراءي."
لحقت به إلى الشرفة ورأته وهو يقفز في لمح البصر على السور، ثم يغمغم:
"سنقفز لا سبيل للخروج من بين النيران إلا هكذا!"
"ماذا؟؟"
ما كادت خديجة تكمل صراخها وكان كفه المغطى يجذبها من مرفقها وقبل ان تستوعب ألقى جسدها وجسده ليهويا أرضًا، سقوط مدويٍ مصحوبٌ بصراخ خديجة المفزع التي ظنت أنها لن تنجو فإذ بها تجد ذاتها فوق ذاك الشاب الذي تحمل ثقلها وكل الألم.
أبتعدت خديجة عنه سريعًا فكان يتأوه بشدة من عظام جسده التي تئن إثر السقوط… ولحسن الحظ إنهما كانا في الدور الأرضي.
راقبت خديجة المنزل الذي احترق أمام بصرها في أسف، وجاءها صوت أراس المتلهف مناديًا باسمها في قلق وهو يهرع إليها متسائلًا:
"خديجة، أنتِ بخير لم تصابي بأي سوء، أليس كذلك؟"
رغم أنها هزت رأسها نفيًا إلا أنه شملها بنظرة فاحصة قبل أن يضمها لصدره بقوة كأنما يخشى أن تنزلق من بين يديه وتتلاشى.
لثم أراس رأسها بحنان، وهمس:
"يا إلهي كاد قلبي يتوقف خوفًا عليكِ ما أن لاحت لي النيران."
تهربت خديجة من عيناه الهائمة التي تتفعم بالحب وغمغمت متذكرة:
"هذا الشاب هو من…"
تفاجئت خديجة بخلو الأرض بجانبه دون أي أثر لأحد، فرفرفت بأهدابها بدهشة، وصاحت:
"يا إلهي أين ذهب هذا الشاب؟"
استوضح اراس في تعجب غمر فؤاده بالغيرة:
"من يا خديجة، أي شاب هذا؟"
"الذي أنقذني كان هنا، أين بالله ذهب؟!"
"لا يوجد غيرك يا خديجة."
دون أن يأبه بأي شيء آخر رمق منزله الذي استحال رمادًا ومال حاملًا إياها، متجهًا إلى السيارة.
أخذها إلى المستشفى وجعل الأطباء يفحصوها قسرًا، حتى ما أن اطمئن عليها جلسا سويًا بعد ما أحضر لها عصير.
وسألها في اهتمام:
"كيف اندلعت النيران في المنزل؟"
تطلعت خديجة بصمت لوهلة إلى العصير بيدها، ثم وضعته جانبًا فسرت على شفتي أراس همهمة حانقة عما تفعل، وهتف:
"العصير من مال حلال يا خديجة، منذُ تزوجتك وعلمت إنك تستحرمين الأكل في بيتي وكل شيء وأنا أعمل… هذا من تعبي ولا أكذب عليك، صدقًا."
رآها ترتشف من العصير أسفل نقابها، فتمتم في مرح:
"آراكِ صدقتيني في الحال هذه معجزة!"
ضحكت خديجة لطرافته في هدوء، وقالت:
"أنا لا أدري كيف اندلع الحريق، فجأة وجدت النيران تحيط بالمنزل!"
"إذن فثم من يحيك من ورائنا؟"
استفسرت خديجة في جدية:
"عمد؟ الحريق تم عمدًا لقتلي!"
رقت نبرة أراس، وضم يسراها في راحتيه بحنان، وهمس:
"لا يمكن لأحد أن يقتلك وأنا ما زال فيّ نفس يروح ويجيء!"
آنسَت الروح بوجوده، واطمأن إليه الفؤاد فوارَت عينيها عنه منشغلة في ارتشاف العصير.
كانت خديجة على يقين إن ماهر وراء الحريق ولا مرية في ذلك.
تذكرت ما حل بمنة وآجار، فألتفتت إلى أراس، وقالت:
"كيف حال آجار؟"
سكت أراس لوهلة، أطل فيها الأسف في عينيه، وارتسم الحزن على قسمات وجهه، وردد في أسى:
"ليس بخير يا خديجة! أهاب أن يحدث له شيء مما ألَم به، آجار لم تزره الفرحة قط وهأنذا ما أن زارته وكان للقدر رأيٌ آخر!"
في استنكارٍ بيّن هتفت فيه خديجة:
"يا الله ما هذا التشاؤم، منة ستتعافى وستعود بكامل صحتها وأفضل بإذن الله… إن الله قادرٌ على كل شيء ستتعافى."
"أتمنى ذلك من كل قلبي!"
وفي لطف سألها:
"أنتِ بخير؟ هل أصبحت أحسن؟"
لم يتلق ردًا سوى عينا خديجة التي تعلقت بعينيه في حديث صامت بين كلام العيون.
وفجأة! ترقرق الدمع في مقلتيها، وأمسكت بكفه في راحتيها، وقالت في نبرة تقطر حزنًا:
"أراس، أن كنت تنتظر مني حبًا أنا محال أن أفتح قلبي لك! لا يمكنني أن أحبك رغم أنك تستحق كل الحب، حاولت صدقني لكني لم أستطع ليس بيدي، أنا لا أستحق حبك، وكل هذه المشاعر الجميلة التي تغرقني بها، منذُ تزوجتك وأنت تفعل كل شيء لسعادتي، وراحتي، ورضاي، وهذا والله يبهجني لكني لا يمكنني أن أحبك."
هل احترق فؤادك يومًا؟ هل استشعرت كيف تتوقد فيه النيران ولا تجد من يخمدها!
أوَ ليت النيران طالت جسده وأحرقته على أن يسمع هذه الكلمات من فم خديجة!
ربما كان الموت حرقًا أهون عليه من حرق القلب بكلام قاسٍ!
لم ينبس أراس ببنت شفة لكنه سحب كفه في هدوء، وقام واقفًا وهو يقول:
"هيا سنغادر."
ولم ينتظر ردها بل سار غير آبهًا إذ لحقت به أم لا، لقد تقرح قلبه قرحًا ليس له علاج إلا بحبها المحال.
أيامٌ قلائل مرت، كانت قاسية كالصم الصلاب على قلب خديجة، فمنذُ قالت ما قالت لـ أراس وبات يتجنبها يأخذها يوميًا إلى المستشفى ويعودان دون حديث يذكر كأنما لا يراها، ولم تكن تدرك إن حضوره الغائب مؤلم مضنينًا لروحها.
كانت قد أنهت وردها اليومي، واستوحشت الحديث مع أراس الذي أحضرها إلى هذه الشقة ولا يلتقيان إلا نادرًا.
لكنها حسمت الأمر اليوم وفي الحال ستتحدث معه، ستكلمه وتعيده إليها، خرجت من الغرفة واتجهت إلى الغرفة التي أصبحت مأواه، وتناهى لها عن كثب نهنهة بكاء، وهمهمة كلام، فتهافتت روحها، وأرهفت السمع مقربة أذنها فإذا بها تسمع صوت الشيخ سمير مصطفى.
نعم! تعلم هي هذه المحاضرة! الجزء الثاني من رعاية الصلاة! تعلم هذا المقطع وقد أبكاها كثيرًا! لكنّ أراس! يا عجبي لذلك؟!
دقائق وأستمعت إلى صوت تكبير متحشرج باكي، فعلمت إنه يصلي؛ يا الله كم هذا عجيب، ورائع.
لم تشعر بدمعها الذي انسكب وقد أسبلت عينيها.
أترعت الفرحة قلبها، كأنها فراشة تخفق بجناحين جميلين تطير في حرية…
كانت تضحك وتبكي في آن يحسبها الرائي إحدى المجانين ربما.
وفجأة! كتمت ضحكتها بكفها وقفزت مكانها كطفلة صغيرة تود بالفعل أن تطير من شدة الفرح الذي جعلها خفيفة الثقل.
أنتظرت حتى سلم من صلاته، فطرقت الباب طرقًا خفيفًا وهي تكبح ضحكتها، وانتظرت قليلًا حتى جاءها صوته يأذن بالدخول، فأطلت من الباب وتفاجئت إذ لم تجد أثر لمصلاة، ولا مصحفٌ فنظرت له رافعة إحدى حاجبيها، لكنه سأل بجفاف:
"ما الأمر؟ ما الذي أتى بكِ؟"
"هل يتم استقبال الناس هكذا، أين الترحيب، أين تفضلي يا خديجة؟"
كتم أراس ضحكة كادت تفلت من بين شفتيه، وكرر:
"تفضلي يا خديجة."
دفعت خديجة الباب ودلفت، وهي تقول:
"بالطبع سأدخل، هل سأنتظر أن تسمح أو لا تسمح بالأساس!"
جلست على طرف الفراش، وأشارت له ليجلس، فجلس مبرطمًا وهو يقول في تأفف:
"هأنذا كلي آذان صاغية، هاتِ ما لديكِ أريد أن أنام لست متفرغًا."
قربت خديجة وجهها من وجهه، وقالت في تحد:
"ستتفرغ لي وقتما أشاء وأين ما أشاء! وستسمعني قسرًا أو طواعية."
أشاح بوجهه مسبلًا جفنيه التي فاضت حبًا، وبسمة واسعة تراقصت على شفتيه، وغمغم بخشونة متعمدة خرجت رغم عنه لطيفة، حنونة:
"أسمعك يا خديجة في أي وقت تشائين لا يشغلني شيء عنك."
فتبسمت خديجة في ظفر وهي تعقد ذراعيها، وقالت:
"إذن اسمعني ما سأقوله مهمًا للغاية!"
تنحنح أراس ناظرًا إليها في اهتمام، وقال:
"أخبريني أنصت!"
"غير لي كل حواسك رجاءً!"
قطب أراس دون فهم لكنه في اضطرار أومأ برأسه ودنا منها، وهو يقول في ترقب:
"أقلقتيني يا خديجة، هل حدث أي شيء؟ هل أمر محزن! أعائلتك بخير؟ أم أنك تمرين بمشكلة!"
صاحت خديجة في لهفة:
"هأنذا وصلت لما أريده، نعم، أنا واقعة في مشكلة، مشكلة… عميقة ليس لها حل وأخاف كثيرًا ألا أجد."
هز أراس رأسه في ضيق، وغمغم في ثقة:
"لمَ تقولين هذا؟ لا يوجد مشكلة ليس لها حل، أخبريني."
حركت خديجة كتفيها في استهتار، وقالت في بساطة:
"هل يرضيك أن يعاملني زوجي بجفاء، كأني غير موجودة؟ أيرضيك ألا أجد من أحدثه في هذه الشقة؟ هل تجد فتاة مثلي بكل تلك الرقة ليس لها أحد تكلمه وقتما تشاء وهذا لأن زوجها الغبي ذاك مخاصمًا لها."
كان اراس في بلاهة يهز رأسه في استنكار حتى استوعب إنه هو زوجها فصاح مقاطعًا إياها:
"على رسلك يا حبيبتي ماذا قلتِ توًا، من هذا الغبي؟"
بسطت خديجة كفها على وجنته وهي تجيب:
"زوجي!"
كظم اراس ضحكته، وردد:
"إذا قلتِ إنه غبي فهو غبي بالطبع… وسيرضيكِ كيف يالله يتركك هكذا دون أن يحادثك؟"
هزت خديجة رأسها متصنعة الحزن، وبوجه عابس قالت:
"إنه قاسٍ القلب!"
"هل تهذين يا خديجة تحرميني من نومي فقط لأنك تشعرين بالضجر!"
"أليس هذا سبب كافٍ برأيك؟"
"سأفكر في هذا والآن دوري لأخبرك ما عندي!"
في جدية رمقته خديجة، فقال في هدوء:
"نحن معزومان لحفل عند ماهر صديق أبي هل…"
قاطعته خديجة بلهجة حاسمة تعجبها:
"سأذهب معك."
"ولكن؟"
"سأذهب يا أراس قلت."
وتمتمت في نفسها:
"أنها فرصتي الوحيدة."
وافق اراس واشار لها نحو الباب قائلًا:
"أريد أن أنام، هيا تصبحين على خير إنرتِ غرفتي!"
فزمت خديجة شفتيها، قائلة وهي تدور حول الفراش:
"سأنام هنا من قال أني سأغادر من الأساس، هل سمعتني أقول؟ بالطبع لا، فلا تقل شيئًا لم أقوله."
استقرت على الجانب الآخر من الفراش ورنت بوجهها نحوه، وأردفت:
"أتعلم ما الذي اشتاق إليه؟"
هز أراس رأسه نفيًا، فقالت في حنان وعيناها تفيضان شوقًا:
"أن يصلي بيّ زوجًا إمامًا، ونتشارك الصلاة."
ثم شردت بعينيها قائلة في هيام:
"أن أقف وراءه ونصلي معًا يا الله كم أشتاق لهذا!"
أزدرد أراس لعابه متوترًا، مرتبكًا، واجفًا، بينما لمعت الدموع في عينا خديجة حتى فاضتا، واستتبعت:
"أتعلم ما هو أقسى اشتياق أيضًا؟"
هز أراس رأسه نفيًا، وبدا الاهتمام في عينيه، فقالت:
"الاشتياق لشخصٌ وأرى الثرى! لمن رحل عن عالمنا، وأخذه الموت، إنه أقسى اشتياق لأننا لن نرآهم مجددًا مهما أجج الاشتياق قلوبنا."
في حفلة ماهر، حضرت خديجة قسرًا لسبب محدد، رغمًا عنها كانت تشعر بالاشمئزاز من كل ما حولها، لكن أراس كان حينئذ وضيء الوجه، بهي الطلة، ترتاح له العين، وتأنس النفسُ به، ويطمئن إليه الفؤاد.
لم تحيد خديجة بنظرها عنه كأنه أجمل من بالحفل، والحق يقال إنه في نظرها كان أجمل الحاضرين رغم إنها لا تدري من الحاضرين.
كان يغمرها باهتمامه، ويضمها بين جفونه، كان خائف عليها من كل من بالحفل…
أجواء لم تحياها خديجة قبلًا، ولا تعرف عنها شيء كان يعلم علم اليقين أن أتيانها وراءه أمر ولا مرية في هذا.
كان ماهر منذُ دخولها المنزل يراقبها، حتى اقترب منهما وراح يتحدث مع أراس بعدما حياها برأسه، فـ استغلت انشغالهما خاصةً حين اقترب نفرٌ من الرجال منهما، فتسللت خفية وسط الحضور وارتقت الدرج للأعلى بحذر وهي تتلفت حولها، وفي ترقب حذر دخلت إلى أول غرفة قابلتها فإذا بها غرفة نوم، انسابت في داخلها تفحص كل ما تراه في اهتمام من… أوراق، ملفات.
وبينما هي تولي ظهرها إلى الباب، واقفة أمام الخزانة، أوجدت ملفٌ راحت تقلب فيه فإذا بها تجد صورٌ لكل عائلته بداخله.
بغتة! أحست بيد تمسك بمرفقها، وظل شخصٌ خلفها، لم تدري كيف دخل! كيف لم تشعر أو تحس بوجوده!
ألتفتت بعنف لتجد ماهر أمامها فتقهقرت للخلف مرتطمة في الخزانة بقوة وهي تشهق في فزع.
فإذا بصوت ماهر يأتي دافئًا:
"لا تخافي."
مد ليمسك ذراعها لكنها هوت على وجهه بصفعة قوية أودعت فيها كامل قوتها، و وقفت تلهث أمامه في خوف كعصفور وقع في المصيدة، اتسعت عينيها، وتدلى فكها وتلاشى خوفها إلى صدمة وهي تنتفض ملتاعة:
"يا الله!"
تُتبع.....
تُرى ماذا سيصنع ماهر في خديجة بعدما رآها تبحث في أغراضه؟
هل تنجو منة من سطوة المرض؟
هل بإمكان حمزة إيجاد عبد الله؟