تحميل رواية جحر الشيطان بقلم ندي ممدوح pdf
بقلم ندي ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت ليلة شاتية شديدة البرودة، والظلام يلف غرفتها برداء حالك السواد. صدح منبه هاتفها كما وقتته مع إنتصاف الليل. فتحت أجفانها بتقاثل. ومدت كفها من أسفل الغطاء برجفة من برودة الجو وأوقفت رنينه. تنهدت وهي تخرج رأسها من أسفل وسادتها. تحركت من على الفراش ليهاجمها البرد القارص، فضمت نفسها بذراعيها وهي ترتعش. لكنها لن تضع البرد يغدو حائلاً بينها وبين قيام ليلها. أسرعت لتشعل الأنوار. ولفت انتباهها أثر الغيث العالق على زجاج نافذتها المغلق. فأسرعت نحوه واتسعت حدقتيها وهي تصرخ في حماس وتصفق بكفيها. ثم نظرت...
رواية جحر الشيطان الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ندي ممدوح
كان وقع الصدمة شديدًا على خديجة التي ارتدت إلى الخلف في حركة حادة، بفم فاغر، وعينين متسعتين بمزيج من الصدمة، والذهول، والدهشة وهي تهتف في صوت متجمد:
_ يا الله.
رفرفت بأهدابها حينما لمحت ماهر ينزع وجهه سافرًا عن وجه خالد أخيها متبسمًا في مشاكسة واضحة، وهو يغمغم ضاحكًا:
_ مكنتش عارف إن وشي يخض كدا يا خديجة يا حبيبتي!
ظلت خديجة على حالها لا تحرك ساكنًا، نقلت بصرها بين الوجه المطاطي في كف خالد، الواقف متبسمًا في هدوء في انتظار أن تستوعب الصدمة.
قاطع خالد السكون الذي غشاهما مرددًا:
_ يا بنتي بقا والله أنا خالد.
ادحرت خديجة صدمتها بعيدًا، وتساءلت في لهفة وعدم تصديق:
_ ده إزاي مش فاهمه؟ أنت خالد فعلاً؟!
ضيق خالد عينيه، واردف وهو يعقد ذراعيه في صرامة:
_ حبيبتي أنا خالد قدامك.
دعكت خديجة عينيها، كانت تدرك أن أخاها يجيد التنكر لكن ليس لتلك الدرجة أن لا تعرفه؟
حدقت فيه مليًا كأنما تتطمن إلى أنه أخاها بالفعل، إلى أن النظر إلى وجهه لم يكن كافيًا، فتقدمت وامسكت وجهه ثم قرصت وجنته فصاح خالد في ضيق:
_ يا خديجة يا حبيبتي والله وشي، مش وش حد تاني.
ثم أتبع ضاحكًا:
_ وحشتيني.
تألقت عينا خديجة في جزل، وضحكت كاتمة فمها بكفها، وهتفت في بهجة:
_ خالد … أنا مش مصدقة، أنت من امتى هنا؟
قالت عبارتها وهي تضمه، فربت خالد على ظهرها مجيبًا:
_ من فترة مش بعيدة من قبل …
أرتج عليه لم يقدر على قول "من قبل أن يموت من مات"، من قبل أن يرحل الراحلون.
أبتعدت خديجة عنه وهي تساءل في اهتمام:
_ وانت إزاي منتحل شخصية ماهر، فين ماهر أصلًا.
رد خالد في هدوء آثار دهشتها:
_ ماهر في الحفظ والصون معانا، انتحلت شخصيته إزاي فـ دي سهلة يا حبيبي عادي.
غمزت له خديجة قائلة بمرح:
_ الله، يعني هشوفك وأنت بتشتغل في المهمات، مكنتش أعرف إنك بتتنكر حلو كده.
قهقه خالد ضاحكًا، وقال في استهتار:
_ يا بنتي دا أنا أعجبك وممكن أتتنكر فيكِ لو عايزة.
رفعت خديجة إليه حاجبًا في تحدي، فرجع عن كلامه قائلًا:
_ لا طبعًا بهزر هقلب نفسي بنت إزاي يعني.
مس خالد ذقنه بدأ بتفكير عميق، وسألها في جدية:
_ هو أنتِ يا خديجة بتدوري على إيه صح؟ مستحيل تلاقي حاجة هنا... أنا قلبت البيت مفيش حاجة.
زمت خديجة شفتيها بيأس، وغمغمت في ضيق:
_ طب والعمل هنعمل إيه دلوقتي؟ هدور على إيه؟
تنهد خالد، وهز كتفيه في الامبالاة، وقال في بساطة:
_ متعلمتش أقول لحد خطواتي يا حبيبي ولكن عشان أنتِ اختي وكدا، فبدور على صور ما قبل وبعد التجميل إذا ما كان ماهر محتفظ بيهم وإلا مستحيل نعرف حقيقة ماهر دي أبدًا!!
في سؤوم زفرت خديجة وهي تردد في حيرة دفينة:
_ طب وهنعمل إيه؟
رد خالد في بساطة وهو يثبت الوجه مجددًا:
_ ولا حاجة هننزل عشان محدش يشك في غيابنا يلا!
أوقفته خديجة تسأل في تذكر متحير:
_ استنى بس، إذا أنت هنا من قبل الحادثة فده يعني إن مش ماهر إللي …
قاطعها خالد موضحًا في هدوء، صارم:
_ أنا جيت قبل الحادثة أيوه بس كان لسه ماهر حُر.
انتهى الحفل وأودعت خديجة خالد بنظرة عذبة تقطر بالدعاء الصافي من فؤادها النقي، وتغادر برفقة أراس الذي رمقهما بنظرات مبهمة، مضى الطريق والصمت يخيم عليهما، قاطعه أراس بقوله المفاجئ وهو ينظر إلى انعكاس صورتها في المرآة:
_ أعجبك الحفل؟ تبدين سعيدة وقد زال توترك!
تفاجئت خديجة من عبارته وتوتر بؤبؤ عينيه زائغًا وهي تجمجم في شحوب:
_ من ذا الذي يكون برفقتك ولا تغمره السعادة؟
راعها قولها المراوغ، فاختلس نظرة مبهمة على وجهها المتواري وراء نقابها وعاد يركز بصره على الطريق، مغمغمًا في صوت أجش:
_ لم يكن هذا قولك آنفًا، من يسمع ما تفوهتِ به في المستشفى يظن أن الكره يسكن قلبك ولا غير ذلك!
اعتدلت خديجة في مجلسها في احتجاج، وقالت مستنكرة:
_ أكرهك؟! هل تحسبني أكرهك حقًا يا أراس؟!
بدا هادئًا عندما لم يأبه حتى بالنظر إليها، وأعتقدت خديجة أنه لن يجيب، لكن صوته علا بغتة متمتمًا بحنق:
_ ألا تكرهيني حقًا!
قلبت خديجة كفيها وهي تقول في ذهول مشوب بالغضب:
_ يا الله هل تود اقتراني بالكره قسرًا؟ لمَ قد أكرهك!
رد أراس في برود مستهتر:
_ ولا تحبيني!
أسترخت خديجة في مقعدها، وخُيل إليه أنها لن تجيب، لكن صوتها خرج هادئًا، هامسًا، وهي تعقد ذراعيها وتسبل جفنيها:
_ نعم قلت لا أحبك ولم أقل أكرهك، ثم من يدري ما سوف يحدث في المستقبل، القلوب تتقلب بساكنيها.
ران عليهما الصمت بعد عبارتها، إلى أن توقفت السيارة وضرب وجهها هواء جميل ذات نسمة منعشة ففتحت عينيها ناظرة من النافذة إلى البحر، قائلة ببسمة بشوش:
_ جيد أنك أتيت إلى البحر.
التفتت إليه فوجدته يسند مرفقه على عجلة القيادة، مسلمًا ذقنه إلى كفه، ناظرًا لها بعاطفة تموج في نفسه موجًا، وسألها فجأة بنظرة تشملها في حب:
_ هلا أخبريتني كيف كنتِ تريدين زوجك!
سؤاله أثار دهشتها وهي تعتدل مواجهة له، وافتر ثغرها عن بسمة وضيئة، أوهجت عينيها ببريق عميق أذابها، وهمست بعذوبة:
_ لقد وددت دائمًا أن يُرزقني الله بزوج رحيم، عطوف، حنون، ذو خلق ودين. أتعلم ماذا تمنيت؟ أن أُرزق بمن هو يتحلى بصفات الصحابة رغم يقيني التام أنه لا يوجد أحد مثلهم في هذه الأيام ولن يوجد.
توهجت بسمة شاردة فوق شفتيها، وسال الدمع من عينيها، وأسترسلت في همسها بصوت يفيض بالوجع:
_ حلمت دائمًا بشخص يكون في عدل عمر، أوَ تدري أني أعشق وإني أكب على سيرته يوميًا ألتهمها التهامًا والله لو علمت إن أحدًا في آخر الكون يحمل من خبره شيئًا لشددت الرحال إليه مهما طالت المسافة غير آبهة بمشقة الطريق إنه الفاروق. أردته في صدق الصديق، وفي شجاعة خالد المقدام، وفي تضحية البراء، وذو حق مثل سلمان، وفي رقة قلب وحياء أبو عبيدة، وزاهدًا مثل أبو هريرة، وحكيمًا مثل أبو الدرداء، وعالمًا مثل عبد الله، الكثير والكثير من الصحابة ما علمت منها وما لم أعلم.
وفي نظرة شاردة وصوت باهت، تابعت:
_ أردته مقتديًا بالرسول، لكننا في زمن فقدت فيه الرجولة.
من بين كلماتها كان يختلج شيئًا ما في صدره … شيئًا لا يعرف كنهه.
وبين الحسرة والمرارة، بين الوجع والخوف، بين الحلم واليقظة.
وبين هذا وذاك ينمو حبها حتى تشعب إلى شغاف قلبه، مستقرًا في السويداء، آخذًا من جوانحه مستقرًا، وموئلًا، ومن ثنايا صدره وطنًا لا يريد أن يغادره.
حق له أن يخاف من فراقها، أن يتوجع لكلماتها التي هي بعيدة كل البعد عنه.
أوحسرتاه لفؤاده لو لم يملك حبها.
ويا مرارة هذا الحب إن لم يجد مسكنًا في قلبها.
ويلٌ لروحه أن ظلت منبوذة عن موطنها.
أوَ ليت حلمه يكون حقيقة فيجد حبه مكانًا فسيحًا في صميم قلبها.
كيف السبيل إلى قلبها الآن، كيف يفرش السعادة تحت قدميها! ويركع حبه أمام روحها.
انتشلته خديجة من هوة أفكاره، قائلة في تأنيب ضمير:
_ أوَ تدري؟ ثمة شخص أوجدت له مكانة في قلبي، هي أقرب إلى الأمان والطمأنينة، شخص هكذا في وجوده يكون القلب مطمئنًا، ساكنًا، متطامنًا، شخص أعتصم به من قسوة الحياة.
أمسكت كفه بين راحتيها، ناظرت إلى عينيه بنظرة متلألئة بالثقة، وبصيص الأمل، وهمست بصوت خافت:
_ ربما هذا الشخص كان بعيدًا عن قلبي حقًا كل البعد، الآن تغير قلبي فقد علمت إنه يشق الصراط المستقيم هرولةً إلى الله، لله ليس لأحد، يصلح من نفسه ومن أعماله ويعمل بجهد دون حياء عملًا حلال.
وكررت تمنيها الذي أذاب قلبه وهي تترك كفه:
_ شخص أنتظر أن يأتي ويخبرني إنه صار شخصًا آخر، شخصًا يليق بخديجة وخديجة تليق به، ويصلي بي إمامًا لأني أشتاق لهذا وأشعر بقربه.
إنه شخصًا أسبغ عليها بوارف حبه، مظللًا، مطوقًا، معانقًا، حاميًا، فكيف ألا تعطي لقلبها فرصة بقبول هذا الحب وحتى ولو إنها تشعر بمحالة، ربما ليس محال … أراس يستحق منها المحاولة.
تلاقت نظراتهما بكلام لم يقهه إلا القلب، وسألها على حين غرة:
_ كيف حال عائلتك؟ ملك بخير؟
تمالكت خديجة جأشها وأشاحت برأسها إلى البحر الساكن، الراكد، وقالت:
_ لا أعلم لا تحادثني لكنهم يقولون إنها بخير!
اقترح أراس في اهتمام محبب لعله يسعد خديجة:
_ ما رأيك أن تدعيها هي والفتيات إلى هنا، لتروح عن نفسها وتبتعد لبعض الوقت عما حصل ربما تتغير نفسيتها؟!
ابتسم في فرحة حقيقة وهو يراها تقول في شغف، متهللة الأسارير:
_ فكرة رائعة يا أراس جدًا، أشكرك.
في إنهاك جمع، وجسدٌ كليل ألقى خالد بثقله فوق أقرب مجلس إليه في اختناق، وهو ينزع الوجه في تأفف اعتراه ويأخذ نفسًا عميقًا مترعًا به قلبه الذي كان يضنيه هذا الجو.
بدأ الأمر منذُ أن أخبراه ياسين ولمار بالخطة الموضوعة لسحق ماهر، وموافقة خديجة حتى تكون بقرب الجميع وتدلي لهم بالمعلومات التي تطرأ فجأة وفي أي وقت، وقد حضر بالفعل وأمضى أيامًا يحوم حول ماهر، ويجمع كل أخباره، وأندس في بيته على هيئة أحد الخدم، وعلم إنه وراء كل ما حدث لعائلته من كشفه لملك في يوم زفافها الذي ود لو يشكره على ذلك لأنه لم يكن يستسيغ شهاب ألبتًا، ثم يبرحه ضربًا عما عانته ملك جراء ذلك.
وأُختطف ماهر، وكان عليه أن يقيم الحفل الذي أعلن عنه ماهر قبل اختفاءه وحل هو محله.
احتقن وجه خالد بالغضب وهو يسترجع أحداث الأيام الفائتة، التي كانت أثقل أيام قضاها، واعتدل ينظر إلى أنحاء المنزل في ازدراء، لم يكن يروقه كل هذا!
الخمر، الموسيقى، كل شيء.
وما كاد يغلق أهدابه وإذ بجرس الباب يعلن عن قدوم زائر جديد غير مرحب به، فعلم أن لا راحة في هذا المنزل حتى تنتهي مهمته، فارتدى القناع المطاطي مجددًا في امتعاض، وقفز من مجلسه إلى الباب وفتحه، وسرعان ما تلاشى كل ضيقه وتأففه وهو يبتسم في اتساع، ويهتف مرحبًا:
_ مرحبًا بك يا صاح؟ كيف حال أسيرنا!
اكتفى الشاب الذي كان يرتدي حلة سوداء مع قفازين أسودين في كفيه، حاجبًا عينيه بنظارة، ببسمة شبه مرئية، وردد:
_ بخير حال يا رفيق يا خالد، أتمنى أن يكون يومك سعيدًا!
وضع خالد كفه على كتفه، قائلًا في جدية:
_ ما الذي أتى بك؟ هل ثمة أمر طارئ؟
نزع الشاب نظارته مسفرًا عن عينين في صفاء العسل، ذات أهداب طويلة، وبدا شديد الوسامة بذقنه الحليقة، وأجاب في هدوء:
_ تعال لترى ماهر! وتدلو لي بالجديد!
أومأ خالد برأسه، وطلب منه أن ينتظره في السيارة، إلى أن عدل هندامه وأغلق الباب ولحق به.
جلس خالد والشاب خلف شاشة كمبيوتر يظهر بداخلها ماهر المقيد الذراعين، والساقين، ومعصوم الفم، ويزوم في شراسة.
وتحدث خالد وهو يجز على أسنانه غضبًا:
_ لم تخرج منه أي معلومة؟
نفى الشاب برأسه وأطل الأسف في عينيه، وغمغم:
_ لم يبح بأدنى كلمة، لذلك عليك أنت أن تعجل وتعلم من يعاون ماهر، ومن يكون!
ربط مالك على كتف الشاب، وأردف في هدوء:
_ لا تبتئس يا أركان ستأخذ انتقام أبيك حتمًا من ماهر.
ثم هب واقفًا سرعان ما ظهر على شاشة الكمبيوتر وهو يدخل إلى القبو في جانب مظلم، واندفع صوته شبيهًا لصوت ماهر، وهو يقول:
_ لقد اشتقت إليك يا رجل كل هذه غيبة؟
ظن ماهر لوهلة إنه يتخيل وما شابه، وأمعن النظر إلى البقعة المظلمة الذي لاح فيها طيف شخص، وقال في انفعال:
_ مَن؟ مَن أنت؟ ماذا تريد؟
تحرك خالد نحوه ببطء فارتد جسد ماهر مصعوقًا وهو يرى صورة طبق الأصل منه، وخفق قلبه بجنون، وصاح متسع العينين:
_ أوه يا إلهي هذا مستحيل!
جلس خالد أمامه وقال وهو يتفرس في وجهه:
_ ما هو المستحيل بالضبط؟
مال خالد نحوه، وغمغم بخشونة:
_ نهايتك دنت يا ماهر … باتت قاب قوسين أو أدنى من الهلاك.
لكن ماهر بدا واثقًا وهو يضحك كمن أصابه مس من الجن، وقال:
_ أنت أركان من غيرك يمكنه التنكر؟ لا تنس يا سيد أركان أنا قتلت أبيك … وقد حطمتك.
صمت لحظة، بينما قطب خالد حاجبيه مستفهمًا، والتساؤل واضحًا في عينيه بشدة، أستطرد ماهر في بطء، واثق:
_ لا تقل ألم تعلم بعد أني أنا من حطمتك؟
هز رأسه في أسف، وتابع في أسى:
_ أحزنتني يا رجل، ألم تعلم أن حبيبتك أنا من عاون السفاح على قتلها؟
قهقه في جنون مستمتعًا.
فجأة … اندفع الباب في عنف مصدرًا صوتًا مخيفًا، وكرّ عليه أركان ولكمة لكمة ساحقة في أنفه، أعقبها أخرى على فكه وكاد ينهال عليه لولا خالد الذي ذاد عنه، وهو يردع أركان قائلًا:
_ اهدأ، اهدأ ليس هذا وقته، ما زلنا بحاجة إليه.
_ اتركني يا خالد على هذا الحقير.
تجلت الصدمة في أسمى معانيها على وجه ماهر الذي يتابعهما في ذهول، وتمتم مندهشًا في بلاهة:
_ تبًا أنت لست أركان؟ إذن … إذن مَن أنت يا رجل بالله عليك.
لكن سرعان ما تلاشى كل ما اعتراه، وهو يقول بلهجة الواثق:
_ السفاح الذي قضى على حبيبتك يا أركان لن يرحمكم لأجلي، وسترون سأخرج وستصابون بالجنون حين تعلمون من يكون! سيخرجني من بينكم دون أن تشعروا بي.
حاد ببصره إلى خالد المنتحل شخصيته، وجأر بغتة:
_ أما أنت أيها الزائف فسرعان ما سيتعرف عليك … ولن يرحمك.
هذه المرة أنقض عليه خالد، ممسكًا إياه من سترته، هاتفًا:
_ أنا من لن يرحمه أيها الوغد وسترى، سأكون جحيمك وموتك … فعد أيامك وسترى كيف سأوقع بصديقك ذاك.
عاد ماهر يضحك في استهتار، فهوى خالد بلكمة ساحقة بين عينيه ألقته أرضًا فاقد الوعي وهو يهتف في انفعال:
_ أضحك، أضحك يا ماهر فقريبًا ستشتاق للضحك حتمًا.
أستدار بجسده نحو أركان الذي اعتمد بكفيه على المقعد وهو يلهث في جنون منفسًا عن غضبه، ربت خالد على كتفه، وهو يقول في هدوء بارد:
_ هدأ من روعك يا رجل، لقد علمنا الآن أن من يعاون ماهر ليس بغريب وإنه أحد بينكم.
استدار له أركان في حركة حادة منفعلة، وقال:
_ ولكن مَن؟
توترت ملامح خالد دقيقة، في نفسه لم يطرأ خاطره وكيانه إلا اسمين ليس لهما ثالث فأما آجار، أو جان لا ريب.
خرجا من القبو، وجلسا إزاء بعضهما يفكران، في حين غمغم خالد:
_ لم تخبرني كيف علمت أن ضياء مع ماهر؟
رد أركان في بساطة، وهو يهز كتفيه:
_ لقد تعقبت هاتف ماهر وعلمت وأخبرت جدتك فورًا.
وأستطرد في هدوء:
_ منذُ أن اتصلت بكم وطلبت أن نتعاون وأنا فعلت كل ما بوسعي لأمسك أي طرف خيط يوصلنا لأي شيء.
أنسابت سيارة خالد في طريقه إلى منزل ماهر في ظلمة الليل السجي، وبينما هو يقود مرتكز العينين على طريقه.
فجأة … وبدون سابق إنذار ظهرت فتاة أمامه من اللا مكان وسقطت على بعد أمتار قلائل من السيارة، فضغط على مكابح السيارة في عنف لتتوقف، وأرتد جسده إزاء حركته المفاجئة للأمام والخلف، واتسعت عينيه على آخرهما وهو يمسك بقبضتيه عجلة القيادة، مغمغمًا في ذهول:
_ دي ماتت دي ولا جرالها إيه؟
غادر السيارة في سرعة جاثيًا جوار الفتاة المنقلبة على وجهها أرضًا، وأعدلها، ثم لطم على وجهها لكنها بدت غائبة عن الوعي تمامًا، فلم يجد بُدًا من حملها إلى السيارة وانطلق بها مبتغيًا المستشفى، لكن ما هي إلا دقائق، وراحت الفتاة تئن بصوت مسموع وهي تمسك رأسها متصنعة الألم، فبادر خالد قائلًا بلهفة:
_ لا بأس، لقد كدنا نصل إلى المستشفى، أنتِ …
بتر عبارته فجأة حينما أطل الرعب في مقلتيها، وصرخت في ارتياع:
_ لا لا سيقتلوني إلا المستشفى.
نظر لها خالد في تمعن يحاول استشفاف خبيئتها وأعدل طريقه إلى منزل ماهر، ولم ينبس إلى أن وصلا، فعاونها على النزول وهو يفكر: أين رأيتها؟ وهو على يقين تام إنه سبق له رؤيتها!
اعتصر ذهنه وهو يجلسها … وفجأة! تدفق نهر الذكريات إلى عقله متذكرًا إنها نفس الفتاة التي أنقذته ذات مرة، إنها نفس العيون، والجسد، والصوت.
فتبسم في عبث من يروق له اللعب.
وقال بغتة ناظرًا لها باستهتار:
_ ما كان سبب إغمائك يا تُرى؟ ولما أمام سيارتي بالذات؟
لم تكن الفتاة إلا هنا، التي شحب لونها مخافة أن يكون توصل لكذبها، وغمغمت في ثبات واهٍ:
_ إني … كنت في طريقي للعودة حينما هجم عليّ بعض اللصوص، ثم إني أعاني من الربو ربما من حسن حظي أن أقع في طريقك.
قال خالد وهو يعقد ذراعيه:
_ وربما كان من حسن حظي أنا!
أرجعت هنا بعض الخصلات خلف أذنها، وابتسمت بسمة ساحرة، وهي تكرر:
_ ربما!
اتسعت عينيها برهبة قوية، وخوف هائل ملأ قلبها، عندما جلس خالد قبالتها متمتمًا في برود كالثلج:
_ حسنًا أيتها الفاتنة والآن ما السبب الحقيقي وراء ادعائك الإغماء أمامي … كيف تعرفينني؟ والأدهى … لماذا تكذبين في هذا الشأن ما وراءك؟!
انفرجت شفتا هنا بكلام انحسر في قلبها، وران عليها الصمت لهنيهة، قبل أن تقول بحذر:
_ لم أكن أدعي أي شيء مما تتهمني به، ثم كيف أنقذ حياتك وهذه أول مرة أراك فيها.
وسبت في نفسها أخاها أراس على ما وضعها فيه، وهبت واقفة وهي تردف في هدوء:
_ سأغادر الآن حتى تطمئن أنني لا أعرفك.
وسارت حتى ما وصلت إلى الباب تسمرت على سماع صوته البارد يقول في هدوء:
_ انتظري، كيف ستغادرين وثمة من يطاردك؟ أبقي هنا إن أردتي!
فتلفتت هنا ببطء، مغمغمة في ترقب:
_ هل أنت متأكد من ذلك؟
أجاب خالد ببسمة:
_ أكيد؛ أمكثِ حتى يهدأ الوسط وغادري في الصباح.
كان يعز عليه أن يطردها تغادر في هذا الوقت من الليل، بينما أبتسمت هي في ظفر وهي ترمقه في إعجاب هائم.
قبيل الفجر دق باب غرفة خديجة ثم أطل أراس منه، وقال في هدوء:
_ هل أدخل؟
أومأت خديجة في هدوء وهي تغلق المصحف وتضعه جانبًا، فجلس أراس بجانبها وهو يهمس في عاطفة:
_ ألم تخبريني إنك مشتاقة أن يصلي زوجك بكِ إمامًا؟
تألقت عينا خديجة في جذل، وغمغمت:
_ أهمني خاطر أنك لن تبادر أبدًا!
مال أراس نحوها، وفي رقة أحاط بوجهها بكفيه، وفي نعومة همس بصوت يفيض بالحنان:
_ ربما أنا أيضًا ظننت أني لن أبادر، لكنني أقصيت جم هذه الأفكار في مكان سحيق، وحسمت أمري في المبادرة.
صمت قليلًا تألقت فيها عيناه بمزيج بين الحياء، والشغف، ثم أتبع يقول:
_ منذُ زواجنا وثمة شيء يختلج في صدري أغمني، وأهمني، حديثك عن يوم القيامة، المحاضرات التي كنتِ تسمعيها، الكتب؛ كل هؤلاء كنت أستمع وأقرأ فيهم باهتمام، هنالك أنارت بصيرتك، ثمة نور هكذا اخترق صدري فأناره ودلني على طريق واحد إن الله مطلع على كل أعمالي، وأفعالي ولن يغفر لي.
أرتج عليه فسكت مليًا، وأسترسل والدمع يترقرق في عينيه:
_ لكنني لم أستسلم يا خديجة، الصلاة التي كنت لا أعرف كيف يؤدونها تعلمتها، حفظت سورة الفاتحة وسورة وروحت أصلي بها، أنا الآن مستعد لأصلي بكِ إمامًا.
خدعته دمعته إذ انحدرت إلى وجنته مع صوته المتهدج يستطرد:
_ أراس السابق لم يعد موجودًا بقي له شيئًا هينٌ، بسيط ويطوي صفحة الأجرام عن حياته.
سكت هنيهة، متطلعًا إلى خديجة التي استطيرت فرحًا، رغم نهرين الدمع اللذان طفقَ من مآقيها، وقال:
_ هلا نصلي الفجر معًا؟
أومأت خديجة عدة مرات وهي تكفكف أدمعها، فاستراح قلبه وغمغم:
_ لم يكن لحياتي السابقة معنى، حتى دخلتيها فأصبحتِ حياتي.
شكرًا لأنك قبلتِ بوجودي معكِ!
شكرًا لأنك غدوتِ روضة دنيتي!
شكرًا لأنكِ بتِ مشكاة تنير طريقي الحالك الظلمة!
هنيئًا لفؤادي بجنته التي أحالته إلى بستان من الزهور، أرجو ألا تزبل!
لثم جبهتها بقبلة ناعمة، صافية، حانية، وقال بدمعة هوت من عينيه على وجهها:
_ أتمنى ألا يحرمني الله منكِ يا وردة دنيتي، ورفيقة دربي، وحصني المنيع، وبسمة قلبي... أحبك يا خديجتي.
همست خديجة في هدوء ورقة:
_ أتضرع إلى الله يا مَن رزقت حبه ألا يحرمني الله منك.
ثم دنت منه وضمته بقلب خافق، وأسندت رأسها إلى صدره، هامسة:
_ أدامك الله أمانًا لروحي يا طيف الأمان الذي ضمني.
رغم إنه تفاجئ من صنيعها، حاوطها في هدوء وسكينة، مطمئنًا، وعندما أذن المؤذن طلبت منه أن يردد الأذان ففعل، ثم صلى بها إمامًا.
جلست خديجة تردد أذكار الصلاة وهو يرددها خلفها، فما أن فرغت حتى تبسمت له، وقالت بسعادة ملأت وجهها، وقلبها:
_ لا تدري كم أشعر بالسعادة يا أراس، ظننتك لن تهتدي أبدًا وإذ بالله العلي القدير يأخذك من الضلال إلى الهدى … ويصطفيك عن خلقه بالتوبة الصادقة، سأدعوا لك دائمًا أن يمحو الله لك كل ما بدر منك … ويمحص آثام قلبك برحمته التي وسعت كل شيء، أعلم إنه مهما ضاقت الحياة عليك وظننت إنه لا يوجد مخرج، وأنك هالك لا محالة … ألا تفقد حسن ظنك بالله وسترى كيف أن الله سيوسع ضيقك ويجعله رحبًا.
ضم أراس كفيها في راحتيه، وهمس مبتسمًا:
_ أنا ممنون لكِ يا خديجة، حمدًا لله على وجودك العظيم ذاك، الشكر ليدك التي أنتشلتني من مضلات الحياة إلى نعيم الآخرة.
الشكر لصوتك الذي كان بصيص النور المضيء في دربي الطويل...
كل الشكر لقلبك الذي كان كالبدر متوهجًا، يضيء قلبي بصنيعه.
أنكِ تلك الرحمة التي نزلت علي من السماء تطوقني لتحلق بي إلى جنات النعيم.
أستطرد فجأة متسائلًا:
_ هل لي بطلب؟
في اهتمام أومأت خديجة، وهي تقول:
_ اطلب ما بدا لك.
تنهد أراس وقال في لهفة:
_ ما رأيك أن نذهب إلى مكة ذات يوم ونحج.
شهقت خديجة في أوج انفعالها، ثم صاحت بقلب يرفرف فرحًا:
_ هل أنت جاد؟
تحمحم أراس مرددًا في بساطة:
_ بالطبع يا عزيزتي، هل تعلمين لمَ؟
قطبت خديجة في تساؤل، فـ أردف مبتسمًا:
_ ثمة أحد يستعمر قلبي أريد أن أحقق له ما يتمنى.
ضحكت خديجة في حبور، ورددت:
_ لقد كانت أمنيتي دائمًا أن يكتب لي الله زيارة بيته.
سكتت لهنيهة شاردة، وقالت على حالها:
_ يا الله كم أشتاق أن أطوف حول الكعبة، وألمس الحجر الكريم، ومقام إبراهيم، وجحر إسماعيل، وأرتوي من ماء زمزم.
أرتج عليها، فلاذت بالصمت، ودموع الشوق تتأرجح على أهدابها، وأستتبعت بصوت متحشرج هائم:
_ أشتاق أن أزور قبر النبي، وأبو بكر، وعمر … هل تعلم ماذا قد أفعل حينها؟
لم تأبه بأن يجيب، وهي تسترسل كأنما روحها غائبة:
_ سأجلس هنالك طويلًا، وسأحكي مع الرسول كثيرًا، وسأبكي بغزارة وأنا أخبره عن شوقي لرؤياه، وحبي له، وهموم قلبي.
أفاقت خديجة من أسترسال أحلامها على صوت أراس يقول:
_ قريبًا إن شاء الله، والآن هل سوف تسجلين؟
زمت خديجة شفتيها في عبوس، قائلة:
_ كدت أنسى.
بدأت خديجة تسجل، وأراس جالس منصتًا تمامًا في اهتمام، وأنشأت تقول:
_ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته …
كيف حالكم يا أحباب؟ أتمنى أن تكونوا بخير.
كيف أحوال قلوبكم مع أهوال يوم القيامة؟
هل انتفعتم؟ غيرتم مما فيكم؟ هل أرجعتكم من الضلال إلى الهدى؟
هل جعلتكم تعلمون أننا كلنا راجعون إلى الله، وأن الحياة الدنيا فانية، والموت آتٍ لا محالة؟ ولا مرية أن الحساب آتٍ وأما جنة أم نار؟! والقبر هو بيت الإنسان الوحيد الذي يجب أن يعمره وأن تلك البيوت التي تبنونها وتفرشونها أجمل وأروع فرش وأثاث إنكم فيه ضيوف ستغادرونه يومًا إلى بيتكم الأساسي؟
هل علمتم أم لم تعلموا؟
هل فكرتم في ذنوبكم قبل فوات الأوان أم الحياة شغلتكم؟ وملاذتها أغرتكم؟ وحسبتم إن الموت عنكم ببعيد وما هو ببعيد، عساه قريب منك للغاية، فهلا تفكرت من أي اتجاه سيحضر ملك الموت؟ عن يمينك أم يسارك من أمامك من خلفك؟ أي ملائكة ستأخذ روحك، أملائكة العذاب أم الرحمة؟
كيف ستخرج روحك؟
هينة دون أن تشعر أما عسيرة لن تقو على خروجها ولن تجد حينئذٍ منجي لك من وعورتها!
الآن نحن بصدد الهول الهائل من أهوال يوم القيامة وألا وهو تطاير الصحف وعرض الأعمال.
ولنبدأ بتطاير الصحف؛ وقبلًا هل تعلم ما تطاير الصحف تلك الصحيفة أو الكتاب التي تحوي كل أعمالك من ذنوب وحسنات، وسيئات، وصالحات الأمر هائل فكل ذرة خير أو شر فعلتها في هذا الكتاب مكتوبة.
يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه ( ( أي ساعٍ إلى الله وعامل بالخير أو الشر.) فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا [ الانشقاق : 6 - 15 ] .
وقال الله تعالى : وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [ الكهف : 48 - 49 ]
وقال تعالى : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم الآية . [ الأنعام : 94 ]
وقال تعالى : يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية [ ص: 6 ]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ; فعرضتان جدال ومعاذير ، وعرضة تطاير الصحف ، فمن أوتي كتابه بيمينه ، وحوسب حسابا يسيرا ، دخل الجنة ، ومن أوتي كتابه بشماله دخل النار "
سكتت خديجة لهنيهة، ألقت نظرة إلى أراس الذي كان يرتج بجانبها رجًا ساحقًا، كأن الكلمات تزلزله وتصعقه صعقًا، فلم تأبه وتابعت:
_ هلا فكرت أيها المؤمن كيف ستلتقط صحيفتك بشمالك أم يمينك؟ هل عملت لهذا اليوم؟ هل حرصت أن يكون كتابك مشرفًا أمام الله عز وجل يحتوي على أعمال صالحة، وحسنات، وتوبة ومغفرة، أكثر من الذنوب والخطايا، أم لعلك لم تفق من غفلتك؟
انهض يا صاح فالوقت يمر، والأيام تولي، والموت تزايد ولا تدري نفسٌ متى الأجل!
طوبى لمن سيأخذ كتابه بيمينه.
وأحسرتاه على من سيأخذه بشماله!
جعلني الله وأياكم من أصحاب اليمين!
ثم ماذا يا ابن آدم، هل صاحبت جوارحك قبل أن تشهد عليك يوم القيامة، عيناك ستشهد، يداك ستشهد، قدماك ستشهدان، كل ما بك سيشهد عليك فهل تجهزت لهذا اليوم، لهذه الساعة؟
لا تعجب فإنه والله ليوم هائل يجب على ذكره أن يرتجف جسدك، وتصيبك رعدة قوية، أم أنك لا تشعر بعظم هذا اليوم؟
قال تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [ الإسراء : 13 ، 14 ] .
قال الحسن البصري : لقد أنصفك يا بن آدم ، من جعلك حسيب نفسك .
والميزان منصوب لوزن أعمال الخير والشر ، والصراط قد مد على متن جهنم ، والملائكة محدقون ببني آدم وبالجن ، وقد برزت الجحيم ، وأزلفت دار النعيم ، وتجلى الرب سبحانه لفصل القضاء بين عباده ، وأشرقت الأرض بنور ربها ، وقرئت الصحف ، وشهدت على بني آدم الملائكة بما فعلوا ، والأرض بما عملوا على ظهرها ، فمن اعترف منهم ، وإلا ختم على فيه ، ونطقت جوارحه بما عمل بها في أوقات عمله ، من ليل أو نهار .
وقال تعالى عن الأرض : يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها [ الزلزلة : 4 ، 5 ] ، وقال تعالى : ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون الآيات إلى قوله : فأصبحتم من الخاسرين [ فصلت : 19 - 23 ] .
وقال تعالى : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين [ النور : 24 ، 25 ] ، وقال تعالى : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون إلى قوله : ولا يرجعون [ يس : 65 - 67 ] ، وقال تعالى : وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [ ص: 11 ] [ طه : 111 ، 112 ] .
أي لا ينقص من حسناته شيء ، وهو الهضم ، ولا يحمل عليه من سيئات غيره ، وهو الظلم .
اللهم يسر وأعن .
توقفت خديجة عن الحديث تلتقط أنفاسها، واختسلت نظرة إلى أراس الذي صب لها كوبًا من الماء ناوله لها، لترتشف منه قليلًا، وعادت تستكمل حديثها في نبرة تقطر جزعًا، ورهبة، ورجفة:
_ يُخيل لي أن هذا اليوم المهيب لن يمر، وأخشى أن يكون مثواي في نار جهنم فاللهم أجرنا منها، أتدري ما هو الصراط؟
الصراط منصوب على ظهر جهنم يمر عليه الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يجوزه ناجيًا، ومنهم من لا ينجو.
تخيل يا بن آدم الصراط منصوبٌ على ظهر جهنم، على حافتيه خطاطيف وكلاليب، يأمر الله الناس أن تمر على ظهره.
تزلزل قلبها عندئذٍ، واقشعر بدنها، وخرج صوتها متهدجًا، مرتجفًا، والدموع تنساب من عينيها بغزارة وصمت:
_ يا له من موقف مهيب، يالها من بلوى عظيمة، لكن الجميل عند الصراط أن الرسول يدعو فيقول: اللهم سلِّم سلِّم.
تبسمت خديجة حينذاك، وقالت في ارتياح:
_ أول من يجتاز الصراط هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بأمته فعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاءنا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ؛ اللهم: سلم سلم . وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يبقى بعمله، أو الموبق بعمله، أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى ... ) رواه البخاري.
ويتفاوت المارون على الصراط في مروره، كلٌ حسب عمله، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم كالطير، ومنهم يشد كشد الرجال.
فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم –: ( فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر، ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب - جمع كَلُّوب حديدة معطوفة الرأس – معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس في النار ) رواه مسلم.
والمخدوش من تمزق جلده بفعل الكلاليب، والمكدوس من يرمى في النار فيقع فوق سابقه مأخوذ من تكدست الدواب في سيرها إذا ركب بعضها بعضا.
وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في ذكر مشاهد يوم القيامة: ( ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك - شوكة صلبة -، تكون بنجد، فيها شويكة، يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلّم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم ) رواه مسلم .
فالثبات يوم القيامة على الصراط بالثبات في هذه الدار، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم . وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط .
خوفًا عظيم هائل هذا الذي ملأ قلب خديجة ونفسها، جعل الدمع ينسكب من عينيها انسكابًا، وتتنفض كأنها محمومة، وتعلي نحيبها وشهقاتها حتى رويدًا رويدًا بدأت بنهنهة، وقالت بعد ما تمالكت جأشها:
_ دلت الأحاديث السابقة على أن الصراط دحضٌ مزلةٌ، أي: موضع تزل فيه الأقدام ولا تستقر، على حافتيه خطاطيف وكلاليب وحَسَك أي – شوك صلب من حديد - وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف عن أبي سعيد – رضي الله عنه – موقوفاً قال: ( بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد من السيف ).
رواه مسلم.
هل جزعت يا صاح؟ أيتها النفس الغافلة متى تفيقين؟
أليس بعد هذا النوم من استيقاظ؟
أو بالله ترآكِ غفلتِ عن الصراط، هل تفكرتِ كيف ستجتازيه أم لم تفكري ولم تبالي؟
الصراط يا نفسي أدق من الشعرة، وأحد من السيف فكيف ستخطين عليه؟ بل أنَّى لكِ النجاة من الخطاطيف والكلاليب؟ ماذا لو وقعتِ في نار جهنم وتقولي يا آسفي وتودين لو تعودي لعلك تعملي صالحًا، وإنهم إليها لا يرجعون فلا تفوتي ما زال يومك طويل والتوبة في انتظارك فعودي إلى ربك، واطلبي عفوه ورضاه ورحمته فمن ذا يرحمك غيره؟!
ثم نأتي إلى القنطرة وهي بين الجنة والنار، إذا خلص المؤمنون من الصراط حبسوا على قنطرة - جسر آخر – بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم ، وهؤلاء لا يرجع أحدٌ منهم إلى النار ، لعلم الله أن المقاصة بينهم لا تستنفذ حسناتهم ، بل تبقى لهم من الحسنات ما يدخلهم الله به الجنة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمدٍ بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ) فهذا الصراط خاص بتنقية المؤمنين من الذنوب المتعلقة بالعباد حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غلٌ ولا حسدٌ لأحدٍ، كما وصف الله أهل الجنة فقال: { ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } .
هذا هو الصراط، وهذه هي أحوال الناس عند المرور عليه، فتفكر – أخي الكريم - فيما يحل بك من الفزع بفؤادك، إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وَضَعْتَ عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته، والخلائق بين يديك يزلّون، ويعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصبعه، و مجاز ما أضيقه .
إذن فبعد انتهاء الحساب ومرحلة الصراط يدخل المؤمنون إلى الجنة ويكون أول من يدخلها هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم لحديث أنس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم " أنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة ".
ربما قد نكون انتهينا لكن أسأل قلبك الآن، كيف حاله؟
أسَاكنًا، مطمئنًا، راضيًا؟ أم خائفًا، وجلًا، مرتعبًا؟
تفكر أجنة أم نار قبل أن يحضرك اليقين.
وإلى اللقاء مؤقتًا إلى دروس وعبر آخر، لكن بالله عليك خذها نصيحة الدنيا لن تدوم فعد إلى الله بقلبك وروحك وجوارحك فيا لها من لذة، لذة قربه.
ويا لها من راحة.
الدنيا فانية فلا تتكئ عليها وتنغمس فيها فتنسى نفسك وتفيق من غفلتك على ملك الموت، لا تجعله يعاجلك، استعد الآن للموت حتى تظل مرتاحًا حينما يجيء وليس نادمًا متحسرًا على ما فرط.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
رفعت خديجة رأسها فوجدت أراس يتأملها متلهفًا، ثم قال ببسمة منيرة على ثغره، بصوت يحمل حنان الدنيا:
_ ما أعظمك يا خديجة.
ما أعظم قلبي الذي حظي بوجودك في حياتي.
ما أعظم تلك الحياة لأنك فيها! وما أعظم هؤلاء الذين يمتلكونك في حياتهم!
يا لهم من محظوظين، ويا حسرتا على من لا يملكون خديجة!
يا لي من رجل اصطفاه الله بزوجة صالحة مثلك.
زوجة هي روضة في الدنيا، وكوكب في سماء قلبي، وسراج منير في دربي، وبلسم لأي جرح لا أجد له دواء، فأنتِ الدواء لكل داء.
جعلك الله لي دومًا كل الحياة يا أجمل ما في الحياة.
وبينما هي مطرقة في استحياء تفاجئت به فجأة يغير كلامه هاتفًا:
_ متى ستحفظيني القرآن فهو عسير على من مثلي؟
فرفعت رأسها له تلقائيًا، وزالت دهشتها سريعًا، لترد متبسمة:
_ متى تشاء نبدأ.
لكنه عبس قائلًا بوجوم:
_ لكنه شاق عليّ يا خديجة وستتعبين معي.
فأجابته خديجة في هدوء محبب:
_ لا بأس، لا تبتئس … فعن عائشة رضي الله اللَّه عنها قالت: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُو ماهِرٌ بِهِ معَ السَّفَرةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يقرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُو عليهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْران متفقٌ عَلَيْهِ.
لا بأس يا أراس فلك أجران وليس أجر وهذا أعظم لو تعلم.
وقفت ملك أمام النافذة تتأمل معاذ، وهي عاقدة الذراعين، مثقلة القلب، منهكة الروح، كليلة هي، وعليلة الجسد.
ليت الحياة ترحمها؟
لا عجب! هي ليست بخير وربما قد لا تكون!
لقد أصبحت تهاب الخروج من البيت بل الأدهى من غرفتها!
لم تعد تريد رؤية أحد!
لقد حاولت الانتحار … عند هذا الخاطر ذرفت عيناها الدمع.
تقسم أنها لم تكن في وعيها.
لا تدري كيف بادرت على فعل كهذا! هي أبدًا يستحيل أن تغضب ربها!
لكنها فعلت ولولا مالك لكانت الآن تواري الثرى!
فُتح الباب سافرًا عن مالك الذي رمقها في حزن وخطى صوبها ووقف بجانبها صامتًا لوهلة، قبل أن يقول:
_ لأمتى هتفضلي حابسة نفسك عن العالم كده؟
في صوت باهت، حزين، فاقد الشغف في الحياة، أشارت ملك:
_ ما أظنش هيجي اليوم اللي أطلع فيه!
_ غلطانة!
قالتها أروى وهي تتجه نحوهما ومعها باقي الفتيات، وضمت كتف ملك، مغمغمة:
_ أيوه غلطانة طبعًا، اللي بيحبس نفسه ده بيكون عامل حاجة كبيرة ومخبي نفسه من الناس، مكسوف من كل اللي حواليه، أنتِ بقا عملتِ إيه عشان تتكسفي من الناس.
ما لها أروى الآن ألا تدري ماذا كانت تفعل؟ ألا تدري أنها سارقة، الجميع يلقبونها هكذا؟
ترقرق الدمع في عينا ملك، واشارت:
_ يعني أنتِ مش عارفة…
بترت أروى كلامها، وقالت برفق:
_ لا مش عارفة يا ملك، كلنا مش عارفين غير إنك بتعاني من مرض متملك منك بيمشيكِ زي ما هو عايز وغصب عنك.
توترت ملك وتعصبت بشدة، وكادت تدفع أروى عنها، لكن أروى زادت من ضمها بحنان وقالت:
_ دي مش حاجة عيب ولا حرام يا ملك، دا مرض لازم يتعالج بالعكس بيكون مدمر عن أمراض البدن المرض النفسي ده وحش أوي لأنه مش بيكون ملموس ولا مرئي لحد، بيكون جوه الإنسان.
كفاية حبسه، تعالي نخرج كلنا زي الأول كفاينا حزن بقا، متفكريش في الناس دول آخر همهم مشاعر غيرهم، مش معاهم غير سيرة غيرهم وبس … مرضك مش حاجة حرام عشان تداري وتخبي نفسك … من انهاردة ابدأي علاج كلنا معاكِ إياكِ تفكري إننا بنستحقرك ولا شايفينك أقل مننا، ولا مستعربين منك على العكس.
تطلعت في عينيها مردفة باعتزاز:
_ أنا فخورة بيكِ يا ملك … فخورة بيكِ بدرجة لا تتخيليها، فخورة أن عندي أخت اتحملت كل ده لوحدها وما زالت، فخورة إنك بتحاربي مرضك ده وعلى العكس انتِ أفضل مننا كلنا.
ومالت على أذنها فجأة، وهمست:
_ وفي حد بيحبك أوي، يوم ما كان هيسافر أول ما قولتل له عن حالتك ساب الدنيا كلها عشانك ومسافرش، شخص مستعد يخوض معاكِ أي حرب نفسية عشان ترجعي زي الأول وأحسن، شخص يا ملك فخور بيكِ والله ولسه بيحبك بل ده حبك في قلبه زاد أكتر.
وغمزت لها هامسة:
_ معاذ.
هُنا صاحت لمياء وهي تدفع أروى جانبًا في مرح:
_ إوعي يا بت كده، بصي يا ست ملك من الآخر كده أنتِ مرات اخويا وملناش دعوة توافقي متوفقيش هنخطفك ياختي غصب وهتتجوزيه، وإسمعي برضو من النهارده هتابعي حياتك وتشوفي مستقبلك وأنا أهوو معاكِ وخلي بقا حد يفتح بقه والشبشب في رجلي.
ضحك الجميع، بينما صاحت دارين فجأة في حماس:
_ وبعدين ياختي في زيك خديجة بعتتلنا مخصوص نسافر عشانك، عارفة يعني إيه؟ هنقضي كام يوم محصلوش.
هل القلوب تشعر بما هي مقبلة عليه؟ أم هي نبوءة تفوهت بها دارين دون دراية!
فهذه السفرية لن يكون لها مثيل أبدًا.
تبسمت ملك في شحوب، سرعان ما تلاشى وحل الفرح على وجهها وتألقت عينيها بجذل مع صوت معاذ:
_ لا يا ماما متحلميش هما يومين هنكون إحنا اللي نحدد هنقضيهم إزاي.
نظرت له دارين في امتعاض متصنع وهمت بكلام فرّ من حلقها وهي تشاهد نظراته العاشقة على ملك ثم دنا منهم، وقال مخاطبًا ملك:
_ عاملة إيه؟
اكتفت ملك بهزة بسيطة من رأسها وهي تحاول الانصراف، مخافةً، وخجلًا مما علمه معاذ عنها، كانت تشعر بشتى المشاعر السلبية.
تُرى هل تغيرت نظرة معاذ نحوها؟!
أيراها سارقة؟ أيستحرقها؟ لا يحترمها؟ نزلت من عينيه؟
توقف معاذ سادًا الطريق عليها على بعض خطوات، وأردف:
_ أنا أستأذنت عمو حذيفة عشان نتكلم فبلاش تهربي مني بالذات كل شوية، وشيلي أم الأفكار السود دي من راسك، أنا عمري نظرتي ليكِ ما تتغير، على العكس أنا فخور بيكِ وهيزيد شعوري لو تقبلتِ مرضك اللي بيتحكم فيكِ ده وتحاربيه بدل ما بتستسلمي ليه.
أنا قلتهالك قبل كده وهقولها أنا عمري ما هتخلى عنك.
وغصب نفسه أن يقول:
_ كأخت.
رمشت دارين في عينيها، وغمغمت:
_ أجمل اتنين عصافير والله... أخت إيه يا عم الحج انت دا البيت كله عارف إنك بتح…
لكزتها أروى، وكتمت فمها لمياء، فـ أزاحت كف لمياء قائلة:
_ أما أروح أشوف ابني حبيبي جعفر مع البت ناردين بدل المرارة متتفقع.
كانت تريد الهرب ربما من ذكريات هاجمت على رأسها فجأة في ذاك الأمير الراحل!
الذي آسر قلبها، وخلب روحها منها دون استئذان.
لماذا كُتب على المتحابين الفراق؟ لماذا بعد ما يجد القلب شطره يتوجع؟ وينكوي بنار الفراق؟ لماذا يرحلون هؤلاء الذين يسكنون فينا؟!
أم لم يعجبهم المستقر؟ أم أعجبهم وفضلوا أن يأخذوا كل جميل فينا ويرحلوا!.
ألا يشفقون على قلوبنا من نار الاشتياق؟ ومن عذاب الغياب؟ ومن لوعة الانتظار؟!
حينما انفض الجمع، جلس مالك بجانب ملك المطرقة، فرفع رأسها لأعلى لتنظر في عينيه وقال في صرامة:
_ رأسك دايمًا تكون مرفوعة، إياكِ تخفضيها لأيًا كان، المرض النفسي مش عيب ولا حرام، دا ابتلاء من ربنا زيه زي أمراض البدن بالظبط وأسوأ لو متعالجش لأنه بيتحكم في عقل، وتصرفات الإنسان لو استسلم له، اللي بيروح لدكتور نفسي مش مجنون ولا غلط دا شخص بيلحق نفسه من متاهة الاكتئاب اللي ممكن توصله للكفر بالله وهو الانتحار.
تنهد ثم أتبع يقول:
_ بلاش تحسي نفسك قليلة، ولا تستحقري روحك كوني فخورة بنفسك يا ملك، لازم تتقبلي مرضك وتبدأي علاج، ولو مش عايزاني أعالجك هشوفلك دكتورة كويسة.
هزت ملك رأسها نفيًا، فضحك قائلًا:
_ ما تقولي طيب أنك عاوزاني أنا اللي أعالجك وأكون دكتور بقا وكده؟ أأقولك سر؟
أومات برأسها في اهتمام، فاستطرد:
_ تعرفي ليه درست الطب النفسي؟
هزت رأسها، فقال:
_ أولًا يا ستي عشان بحبه، ثانيًا عشانك.
قطبت ملك بعدم فهم، فأردف:
_ كان نفسي أعالجك من اللي عشناه في طفولتنا خلاكِ فقدتي النطق يا ملك.
وتابع في حزن:
_ هو أنا إزاي مخدتش بالي منك؟ هو أنا كنت بعيد لدرجة دي عنك؟
هزت ملك رأسها، ثم أشارت له:
_ كنت بخطف حاجتك أنت إزاي ملحاظتش!
ضحك مالك ليهون عن نفسه لكن ضحكته بدا فيها الوجع جليًا، وهو يقول في مرح:
_ إيه ده بقا أنا كمان؟ يا بنتي أيوه أيوه افتكرت بس كنت بحسب عادي يعني ما هي حاجتي هي حاجتك فيها إيه يعني لو خدتيها.
أشارت له ملك مجددًا:
_ محظوظ اللي عنده طبيب نفسي في حياته!
فرفع مالك إحدى حاجبيه، متمتمًا:
_ ليه ياختي بقا؟
فـ أشارت له غامزة:
_ بيلاقي حد يفهمه … شكرًا لأنك جنبي يا مالك ومحسستنيش أني وحيدة.
ضمنته وهي تبكي دون صوت، فطوقها بين ذراعيه قائلًا في مناغشة:
_ يا بت دي أسرار المهنة!.
ويلا بقى اجهزي عشان هنطلع كلنا، وبعدين إيه رأيك نروح الأكاديمية بكرة عند أروى وتقضي اليوم معاها وتتدربي.
هزت ملك رأسها في عنف للطلبين، لكنه هزها في عنف، صائحًا بحدة:
_ هتخرجي يا ملك، أنتِ.
رواية جحر الشيطان الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ندي ممدوح
حزنٌ هائلٌ ذاك الذي ملأ آل الشرقاوي، حزنٌ لن يزول أبد الدهر!
فـ الراحلة ليست أي أحد، إنها وتد العائلة الذي انقلع من مكمنه، فتهاوى البيت بما فيه.
من قال إن الحزن قد يزول!
من قال إن الفراق هين؟
لو كان هينًا لما صرنا كأننا في متاهة نبحث عمن فقدنا دون أثر، لأننا في قرارة أنفسنا نعلم إنه فارقنا بلا عودة.
المنزل كان يسوده الهدوء، السكون؛ لكن ضجيج الأفئدة فإنه عالٍ يصيبُ بالصم.
لم يبكي أحد على فراق لمار منذُ أن ذاع الخبر، كأنهم لا يصدقوا غياب من كانت السند.
لا أحد يدري!
ربما هي الصدمة!
وربما هو الأمل في عودتها!
سَرَت ارتجافة قوية في جسد ( هنا )، حين همس ( خالد ) و سبابته على فمه لها أن تصمت:
"أشش، لا تتكلمي."
أشرأب ( خالد ) برأسه من النافذة ليتراءي له خمسةٌ رجال بمدافع رشاشة يتسللوا إلى المنزل.
هتفت ( هنا) بقلق:
"ما بك، لماذا تبدو متوترًا؟"
ألتفت إليها ( خالد) وغمغم في تهكم:
"توتر ماذا يا عزيزتي؟، إني في انتظار زائرون غير مرحب بهم لأنهم أتوا دون دعوة."
أنهى عبارته وهو يسحبها من مرفقها ودفعها في إحدى الغرف وأغلقه قبل أن تستدرك ما الذي يفعله، وقال:
"لا أريد لعيناكِ الجميلتين أن تريا شيئًا قبيحًا لن يروق لكِ."
وأستتر خلف أحد الحوائط وشاهد الرجال يتسللون في أنحاء المنزل، ثُم تجمعوا فاقدي الأمل في نقطة قريبةٌ منه، وقال أحدهما غاضبًا:
"لماذا لا أحد في المنزل؟ إنه لم يخرج من ليلة أمس؟"
فـ أجابه أحد الرجال، قائلًا:
"لعله خرج دون أن نرآه؟"
رمقه الرجل الأول في غضب وهو يلكزه، قائلًا بغلظة:
"كيف خرج ولم نرآه أيها الغبي؟ والآن تُرى أين ذهب هذا الـ…"
بتر عبارته عندما شعر بيد تخبط على منكبه، وسمع صوتًا ساخرًا يقول في تسلية:
"هل تبحث عني أيها الأبله؟ ها أنا ذا لم أذهب لأيةً مكان!"
أستدار الرجال سريعًا إلى خالد، وأُشهرت خمس مدافع آلية في وجهه، فتبسم قائلًا في استهتار:
"يا له من عرض يا رجال، ويا لي من رجال عظيم حتى يأتيني خمس رجال لقتلي."
صرخ أحد الرجال في وجهه:
"آراك تملك روحًا مرحة يا رجل وتسخر أيضًا؟ رصاصة واحدة ستنطلق من فوهة مسدسي سترديك قتيلًا وأسخر في الجحيم كما بدا لك."
رد خالد غامزًا:
"ربما تذهب للجحيم أنت قبلي يا فتى."
ودار على عقبيه في رشاقة فـأطاح بإحدى المدافع بعيدًا، وأمسك أثنيين بقبضتيه، وركل إحداهما ليطيح به بعيدًا، ثُم جذب أدنى الرجال إليه وأحاط بعنقه بساعده في قوة، وغمغم:
"هيا أيها الأوغاد القوا أسلحتكم وإلا حطمت عنق زميلك الجميل هذا!"
"_ وماذا لو فجرت أنا رأسك؟"
جاءه صوت رجل من الخلف مع فوهة سلاح تلتصق برأسه، فلم يتخلى خالد عن بسمته وهو يستدير رافعًا كفيه في أستسلام، وما هم أن يرى الرجل إذ سدد له لكمة قوية في فكه جعلته يترنح، ويرخي قبضته على السلاح فسحبه خالد منه، وأشار لهم جميعًا قائلًا بصرامة:
"هيا أيها الحمقى توقفوا بجانب بعضكم."
فعلوا الرجال ما طلب صاغرين ووقفوا جميعًا بجانب بعضهم في صفٍ واحد، فسار خالد أمامهما وهو يوجه فوهة السلاح عليهم، قائلًا:
"والآن يا حلوين من أرسلكم؟"
تعالى طرق الباب في الحجرة التي أحتجز بداخلها هنا مع صراخها، فتراجع بظهره في يأس نحو الحجرة وهو ينظر للرجال ويقول محركًا المدفع:
"إن لاحظت أي حركة سأطلق فورًا، فقفوا ثابتين خاضعين يا شطار."
تمتم أحد الرجال في حنق:
"هل يحادث أطفال هذا؟ اقسم بأني لن أدعه ينجو من رصاصتي."
تناهى لخالد ما قال رغم خفوته، فرد عليه في تهكم:
"يا لك من وغد يا صغير."
وقال وهو يفتح الباب لـ هنا التي أندفعت للخارج ذاهلة:
"صرعتيني أيتها الحسناء، ألا يوجد صبرٌ لديكِ؟"
نقلت هنا بصرها بينه وبين الرجال، قبل أن تهمس قي دهشة:
"ما الذي يحدث هُنا؟"
وكان هذا التشتت الذي صنعته هنا وهي تحادث خالد، كفيل لأن يبادروا الرجال إلى أسلحتهم ويطلقوا رصاصتهم في سخاء …
فجأة!
دفع خالد هنا عن مرمى النيران لتخترق أحد الرصاصات كتفه، وتمرق أخرى جوار رأسه مباشرةً لو لم يميل برأسه لكانت اصابته حتمًا.
ثُم قفز من مكانة لتتطيش رصاصات الرجال، ويتدحرج هو على الأرض وأطلق رصاصته لتطيح بمدافعهم جملةٌ واحدة، ثُم وثب في طرفة عين وسط الرجال وانهال عليهم بلكمات والركلات وشاركته هنا في ذلك، إذ ركلت أحدهم قبل أن يُغافل خالد ويهوى على عنقه بقبضته ثُم لكمه أخر لكمه تفاداها في ماهرة وكاد يصفعها لكن قبضة خالد خشبت ذراعه في الهواء وهو يهتف:
"أكثر ما اكرهه في حياتي أن يضرب رجل إمراة، لذلك فـ أنت تستحق هذا!"
لم يعرف الشاب ما حدث فقد هوت قبضة فولاذية على فكة أطاحت بأسنانه، أعقبها بأخرى كالصاروخ في معدته شعر على إثرها بكل اعضاءه تصرخ ألمًا وما كاد يصرخ ألمًا إذ هوت قبضة أخرى على عنقه فتكوم على إثرها فاقد الوعي.
نظر خالد إلى الرجال الخمس الذي لم يكن منهم إلا ثلاثة أحدهم ماسك معدته منحنيًا في ألم، والآخر يضرح ألمًا وهو يمسك بوجهه، والآخر تكوم على نفسه زائغ العينين والأثنيين الآخرين فاقدي الوعي، نفض خالد كفيه وتبسم، قائلًا في بساطة:
"في رسالة أريدُ منكم أن توصلوها لمن أرسلكم؟"
ثلث رؤوس أرتفعت إليه وهو يضيف:
"أخبروه أن الجحيم آتٍ فلينتظرني فقط."
هُنالك قال احد الرجال في ضعف:
"لن تنجو سرعان ما يشعروا رفقاءنا بتاخرنا ويأتون."
ولم يكذب الرجل خبر، فقد انهمر الرصاص على المنزل، وتبسم الرجل قائلًا في ظفر:
"ألم اقل لك؟ لن تنجو!"
جز خالد على اسنانه وسمع صوت هنا وهي تجذبه بعيدًا محذرة:
"ابتعد يا خالد."
فـ أمسك كفها وهو يعدو بها إلى باب خلفي للمنزل كان يعلم بوجوده حين فحص المنزل و كانت سيارة موجودة أمام الباب، فأمر هنا قائلّا:
"اسرعي وأجلسي في المقعد الآخر."
فما كانا يستقرا بالداخل حتى صاحت هنا في جزع وهي تنظر إلى ذراعه النازف:
"ذراعك ينزف لن يمكنك القيادة!"
فجأة!
ظهرت سيارتين أطلت رؤوس ومدافع من نوافذها فهتف وهو يدير محرك السيارة:
"ليس مهم ذراعي الآن يا عزيزتي المهم هو الأفلات من هؤلاء، على ما يبدو إن أولآء يصرون على قتلي ولن اسمح لهم."
وأنطلق بسيارته وخلفه سيارتين وكلما اقتربت احدهم من سيارته حتى ينهال عليهما الرصاص فيسير خالد بأعوجاج يمينًا ويسارًا كالأفعى وبينما هو منغمسٌ في الأفلات من السيارتين، أخرجت هنا سلاحٌ من سترتها وعادت إلى المقعد الخلفي، فصاح فيها خالد وهو يشاهدها من المرآة:
"ماذا تنوين يا عزيزتي، هل تجيدين استخدام السلاح؟"
"_ سترى!"
نطقت بها هنا وهي تضرب الزجاج الخلفي بكعب سلاحها فتشرخ وهوت عليه عدت مرات فتهشم الزجاج وتناثرت شظاياه وأخرجت سلاحها وصوبته على عجلة القيادة وأطلقت فأصابت رصاصتها هدفها في عجلة القيادة التي دارت سيارتها حول نفسها فأرتطمت فيها السيارة الآخرى، فصاح خالد من داخل السيارة مبهورًا:
"أوه يا فتاة لقد فعلتيها يا لكِ من بارعة ما رأيك أن نجدنك لحسابنا؟"
عادت هنا إلى المقعد بجواره، وغمغمت في ضيق:
"كيف لك نفسٌ في الابتسام والمزاح في هذا الوقت العصيب؟"
ثم أقتربت من ذراعه، وأردفت في لوعة:
"يا إلهي لقد فقدت دمًا كثيرًا."
أجابها خالد وهو مرتكز البصر على الطريق امامه:
"لا تقلقي ما زال لدي القدرة على القيادة لن تنقلب بنا السيارة، ولن تفقدي حياتك!"
أنهى جملته غامزًا لها بعبث في مرآة السيارة فمطتت شفتيها، في ضيق وهي تقول:
"لا اخاف على حياتي."
قالتها وهي تخلع الجاكت لتشق منه جزاءًا لكن …
قبل أن تفعل كان خالد يجذب منها الجاكت، قائلًا في حزم ونبرة أرهبتها:
"أرتدي الجاكت يا فتاة لن اربط ذراعي وتسيري معي هكذا؟"
واوقف السيارة جانبًا ملتفًا لها بنظرة غاضبة، وقال وهو يتميز غيظًا:
"والآن أريد معرفة من أنتِ، ومن أين تعرفيني؟"
همت بأن تجيب ألا انها اطبقت شفتيها عندما صرخ فيها محذرًا بسبابته:
"إياكِ والكذب يا فتاة فقد ناديتني بإسمي … إياكِ هل تسمعين؟"
أذدردت هنا لعابها في خوف من لهجته، وخرج صوتها متهدجًا، متوترًا وهي تبوء له قائلة:
"أنا … أنا اخت أراس زوج خديجة أختك!"
تنفست الصعداء، بينما يجوس الشك في قلب خالد من معرفة اراس بأمره!
وادهمه أن يرسل أخته له؟ لماذا فعل؟ وكيف عرف؟ وما الذي سيجنيه من فعلته؟
الأسئلة تموج في نفسه بلى إجابات، وقد بلغ منه الجهد مبلغه، فقال في وهن:
"إذن فـ أراس يعرف بأمري؟"
اومأت هنا في تلكؤ متعجب من هدوءهُ، ففتح باب السيارة وقال قبل ان يغادرها:
"إذا كنتِ تجيدين القيادة فتعالي مكاني."
تبادلا الأماكن وقال خالد بعدما استرخى في مقعده:
"قودي إلى منزل أخيكِ أركان لا بد أنك تعرفيه!"
رمشت هنا بأهدابها تستوعب ما تفوه بها و وودت لو تسأله عن كل ما يجوس في نفسها عن علاقته بأخيها لكنه أسبل جفنيه وأسند رأسه لظهر المقعد وقد بدا كأنه ذهب في سُبات عميق، فـ أدارت محرك القيادة دون أن تنبس.
🌾 إنما اشكو بثي وحزني إلى الله 🌾
إذن فـ أراس يعلم من أنت!
تساءل أركان بعدما تحسنت حالة خالد قليلًا، فرد عليه خالد وهو يعتدل في مجلسه:
"السؤال هو كيف علم؟"
تنهد أركان وأقترح وهو يحرك كتفيه:
"ربما خديجة قد أخبرته؟!"
نظر له خالد في استنكار، وقال في غلظة:
"خديجة، محال أن تخبره ولو سهوًا!"
توقف اركان أمام هنا التي لا تزل على سكونها المنكمش في آخر الآريكة دون أن يصدر عنها اي حركة او همسة، وغمغم في ضيق:
"وأنتِ يا عزيزتي هنا ألن تخبريني كيف علم أراس!"
زمت هنا شفتيها وهي تتميز غيظًا، وردت عليه ثائرة:
"يا إلهي هل هذا جزات من يساعدكم؟ ما ادراني كيف علم أراس! كل ما قالُه ليّ أن خالد هُنا ينتحل شخصية ماهر."
حدجها خالد شزرًا حينما نظرت إليه وهي توجه حديثها عليه، ثُم أتبعت تقول وهي تحيد ببصرها إلى أركان:
"أراد مني أن أفعل شيئًا حتى أظل معه وأرسل له بأخباره!"
صرخ خالد قائلًا وهو يضرب راحته على الآريكة بجانبها:
"لماذا؟ هل أنا صغير لتبقين معي هااا، هل ترضعيني أيضًا!"
جزت هنا على أسنانها في سورة من الغضب وهي تشيح بوجهها عنه، هاتفة بضيق:
"وقح!!"
ردد خالد وهو يوليها ظهره:
"يا الله، سأصاب بالجنون."
"اتركينا بمفردنا يا هنا قليلًا!"
قالها أركان مشيرًا لها بعينيه ورأسه إلى الأعلى، فهبت واقفة في اهتياج وهي تصيح كما الآسير الذي فُتحت له أبواب السجن:
"يا الله أفراج أخيرًا، حمدًا لله."
ثُم ضربة كفٍ بكف وهي ترغي وتذبد فتبسم أركان هزًا رأسه بيأس، ودنا من خالد، وربت على كتفه وهو يسأل:
"ما الذي يقلقك لهذه الدرجة يا رجل، ماهر ما يزل في قبضتنا!؟"
نظر له خالد لوهلة في حزن، ثُم أبتعد جالسًا على أقرب مقعد ومال إلى الأمام و وضع رأسه بين كفيه كمن يحمل طنًا من الهموم، وغمغم أخيرًا بصوتٌ يقطر بالضيق قطرًا:
"لا تظن الأمر هين، القضية ليست قضية شخصية، هذا الحقير يتلاعب بأمن مصر وسرق أسرارًا خطيرة يجب أن اجدها، كم إنه يسمم ابناء وطني بإدخاله هذا السم بينهم أنا لن أرحمه ولن أسمح لنفسي ان أفشل!"
صوته يترعُ بالصدق، بالوفاء، بالحزن الدفين، الذي جعل أركان يتنهد أسفًا، متأثرًا، وجلس بجانبه وهو يأخذ نفسًا عميقًا، مستطردًا:
"أنا أعلم يا خالد أنك تضحي بروحك لأجل حماية وطنك لا مرية في هذا قط، لكن لم نخسر شيئًا ما زال هذا الحقير ماهر معنا، وما معنى ان يعرف معاونُه؟ فليعرف ولكن لماذا لا نستغل هذا؟"
قطب خالد حاجبيه وهو يلتفت إليه، فـتابع أركان في نبرة عميقة:
"لا ريب ان هذا الشخص الذي يعاونه متخبط لا يدري ماذا يفعل، يتصرف دون تخطيط فنحن سنستغل هذا."
وصاح متذكرًا بغتة:
"لا شك إن أراس لديه الحل لكل اسئلتنا فإذا كان هذا الشخص علم بشخصك عن طريقه فـ أن اراس يعرف من يكون."
أومأ خالد برأسه في أمل، فطمئنة اركان بعينيه التي أسبلتا في تطامن واثق، وتناول هاتفه ليجري اتصال على أخيه أراس.
🌾 اللهم أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين 🌾
كانت الشمسُ تتكبد عنانُ السماء، تُلقي بوهجها على ذاك القائم يصلي بخشوعٍ وسكينة ودموعه تسيلُ على وجنتيه تضرعًا إلى الرحمن، الغفار؛ بالمغفرة.
فما أن فرغ ونهض يطوي المصلية، إذ سمع صوتًا حبيبًا، عذبٌ يداعب قلبه واوتاره فيتبسم، صوتًا يغشيه بالسكينة، ويطيب دنياه، تناديه بأسمه:
"أراس."
فأنفجرت أساريره وأترع فؤاده بالطمأنينة وهو يلتفت إليها متبسمًا في تساؤل، فـ أقبلت خديجة، تقول:
"ألا أهديكَ بهديةٌ؟"
فنظر أراس بحيرة إلى يديها الخاليتين، وهو يردف متعجبًا:
"هدية! إية هدية تلك؟"
عقد ذراعيه وهو يرفع إحدى حاجبيه فرنت خديجة إليه، وهمست:
"هدية هي غالية بمقدار الدنيا وما فيها!"
تهللت أساريره وذاد حماسه وهو يسألها بلهفة:
"إليّ بها إذن."
تنهدت خديجة وأتسعت ابتسامتها مع همسها الخافت، ومقلتيها الامعتين:
"هدية تجعل بينك وبين الجنة الموت فقط حائلًا!"
علم فورًا أنها ستهديه بالفعل هدية هي كنزٌ عظيم سيحظى به بمفرده، فردد في شغف:
"زدتيني شوقًا، هيا قولي!"
أمسكت خديجة بكفيه في راحتيها، وقالت وهي تنظر في عينيه باسمةٌ:
"آية الكرسي، أن قرأتها بعد كلُ صلاة لم يكن بينك وبين الجنة إلا الموت."
تألقت عيناه بجذل، وغمرته السكينة لم تفتئ أن تلاشت وهو يستدرك في أسف:
"لكني لا أحفظها!"
أجابته خديجة في حنان، وببسمتها البسيطة التي تأسرهُ، وهي تضع كفها على وجنته:
"بسيطة سنقرأها معًا بعد كل صلاة!"
دنا أراس برأسه ملثمًا جبهتها بأعتزاز، في حب، وتساءل:
"أنا أطمعُ في هدية أخرى."
وحقٌ له الطمع! فمن ذا الذي لا يطمعُ في هديةٌ كتلك؟
أفتر ثغر خديجة عن بسمةٌ سعيدة، مرتاحة، وهي تغمغم في حماس:
"إليك إذن، ألا تريد يومُ القيامة ذلك اليوم المهيب، العظيم، المهول، المخيف الحار شديدُ الحرارة إذ تدنوا الشمس من الرؤوس أن يكن لك غمامتان؟"
كلماتها التي رددتها في غمرة حماسها ونشوتها، رجت قلبه رجًا لكن سرعان ما سكن حينما قالت غمامتان، فإذا به يقول بخفوتٌ:
"أخبريني يا خديجة."
ردت خديجة في هدوء:
"سورة البقرة وآل عمران من حافظ عليهما كانتا له غمامتان يوم القيامة فوق صاحبهما لقول الحبيب ﷺ قال : " اقرأوا القرآن ، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ، اقرأوا الزهراوين : البقرة ، وسورة آل عمران ، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان ، أو كأنهما غيايتان ، أو كأنهما فرقان من طير صواف ، تحاجان عن أصحابهما ، اقرأوا سورة البقرة ، فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة " رواه مسلم .
ثم أردفت تقول:
"اقرأوا القرآن إي أغتنموا قرأته وداوموا على تلاوته فإنه يشفع لقارئه يوم القيامة، والبقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة غمامتان لقارئهما، غمامتان يعني سحابتان تظلان صاحبهما عن حر الموقف، وسورة البقرة أخذها بركة أي المواظبة عليها فيها منفعة عظيمة، وتركها حسرة أي ندامة يوم القيامة."
تساءل أراس وهو يطوي المصلية على ذراع المقعد، ويجلس في اهتمام شديد، صابٌ جم تركيزه وحواسه وجوارحه عليها:
"وما معنى كأنهما فرقان من طير صواف."
لاذت خديجة بالصمت لوهلة، قبل أن تستطرد قائلة:
"فرقان أي طائفتان من طير ( صواف ) جمع صافة وهي الجماعة الواقفة على الصف أو الباسطات أجنحتها متصلا بعضها ببعض. … والله وأعلم."
أومأ وهو يسأل مرةٌ أخرى:
"وتحاجان! كيف تحاجان لم أفهم!"
"_ أي السورتان تدافعان (عن أصحابهما ) والله وأعلم."
لانت قسمات وجه أراس وهو يتنهد في أرتياح، ويقترح في ترقب:
"ما رأيك إذن أن نقرأهما معًا؟"
صاحت خديجة هاشةٌ وباشةٌ:
"بالطبع، بالطبع هذه أمنيتي."
تأملها أراس لبرهة، وهو يطلب:
"أطمح في هدية أخرى إذن."
لزمت خديجة السكون لهنيهة، قبل أن تردف في اهتمام هادئ:
"يخافُ المرء من عذاب القبر ولا يدرك أن الله قد مَّن عليه بسورةٌ من ثلاثون آية تنجيه من عذاب القبر، فيفرط فيها ولا أعلم كيف بالله يفرط، وقد حق عليه أن يتخذ منها عادة يومية، وأن تكون أحب الأشياء إليه!"
يا إلهي! ماذا بالله تفعل به خديجة؟
ماذا تفعل في قلبه فتجعله مضطربًا مطمئنًا في آن!
أنَّى هذا؟
يا فرحته أثمةُ سورة منجية من عذاب القبر ولم يكن يعرفها؟
ألهذه الدرجة عن بعيدًا عن ربه؟
كم الله رحيم لطيف بعباده، كيف للمرء ان يفرط في سورة تنجيه من عذاب القبر؟
كيف الأنسان بفقره لله أن يفرط ويهجر القرآن وهو الذي سيأتيه شافعًا يوم القيامة، بلى ويقال لقارئ القرآن ( اقرأ وارقَ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)
كيف يفرط ولا يغتنم في تلاوته البقرة وآل عمران وهو يعلم أنهما ستظلانه من حر يوم القيامة؟
انتبه أراس من شروده على صوت خديجة المنادي عابسة الوجه فتنبه لها متآسفًا في مرح، فتقبلت أسفه وتابعت:
"أنها سورة الملك ثلاثون آية تنجى صاحبها من عذاب القبرفقد قال: صلى الله عليه وسلم سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر. رواه الحاكم . وقال صلى الله عليه وسلم قال: إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له."
"أخبريني بالله كيف آتي بقلبٍ حتى أحبك به فقد فاض حبك في الفؤاد فيضًا؟
ماذا ستفعلين بقلبي وروحي التي تهيم فيكِ يا خديجتي؟!"
تضرجت وجنتا خديجة في حياء وهي تغضُ الطرف، فتأملها ولهانًا، هائمًا، سعيدًا، مسرورًا!
لقد لونت حياته الحالكة … جعلتها بستانًا، وصنعت من قلبه روضة تثمر فقد ببذور حبها … حبها الذي تشعب بداخله فغمر السويداء، وتخلل ثنايا جوانحه وحناياه، وسرى مجرى الدم في عروقه وامتزج بدمه فصار يهواها.
يهوآها ولا يريد إلا رضاها، ومسكنها.
انتبه من سرحانه الهائم فيها على صوتها وهي تقول:
"سأذهب لزيارة منة في المستشفى، هلا أوصلتني!"
"_ وهل هذا سؤال برأيك، بالطبع سأفعل."
فجأة!
أحتد صوتها، وقست قسمات وجهها وهي تهتف متذكرة في وجهه:
"هلا لديك تفسير للرجال الذين تضعهم وراءي، لماذا تراقبني يا رجل؟"
راق له عصبيتها فعقد ذراعيه، وابتسم في عبث، وهو يقول في برود:
"هذا شأني لوحدي، ثم لماذا تدخلين أنا أضعهما لحماية زوجتي من اي أذى."
لوت خديجة فمها ساخرة وهي تقاطعة قائلة في تهكم:
"نعم يا حبيب زوجتك، من تلك التي لا تتدخل، أتقصد ألا يعنيني."
أومأ في بطئ متلذذ، فضربته في صدره مغمغمة:
"لا يا حبيبي لن تضع وراءي أحد!"
قرص أراس وجنتها مغيظًا وهو يردد:
"اسمعي كلام حبيبك يا حبيبتي وكوني زوجة مطيعة، تغض الطرف على ما يروق لها؟"
تخصرت خديجة وقالت وهي تتميز غيظًا وتهز قدميها:
"هكذا إذن؟"
أومأ في بساطة، فرفعت قدمها لتهوى بها فوق أصابع ساقه وهي تفرد ذراعيها، هاتفة في بساطة:
"هكذا أرتحت."
🌾 اللهم أصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما 🌾
وقف آجار خلف واجهة زجاجية يتطلع من خلالها إلى جسد منة في جهاز الرنين الذي راح يدخل ويخرج بها إلى داخل الأشعة وهي ممدة، بجواره جلس طبيب خلف كمبيوتر يظهر فيه الورم في المعدة، الدموع كانت تتلألأ في عينيه لكنها أبت الهطول، ظلت حبيسة داخل جدارن أهدابه، وما أن أنهى الطبيب عمله، وتوقف الجهاز ودلفت الممرضة لتساعدها حتى هرع إلى الحجرة، فتبسمت له منة بسمة شاحبة بدالها هو بآخرى جميلة وقبل أن تنهض كان يحملها بين ذراعيه، وتوجه بها إلى الغرفة الخاصة بها، و وضعها فوق الفراش برفق ودون أن ينبس ببنت شفة قرب مقعدًا وجلس بجانب رأسها وطفق يمسح على رأسها بحنان وهو يتأمل وجهها الشاحب، الذي بدا عليه الوهن والضعف والنحول جليًا.
فبادرته منة سائله في اهتمام وبصوتٍ ضعيف:
"ألم تأتي خديجة بعد؟"
فهز رأسه نفيًا وهو يتمتم:
"أنها على وشك الحضور لا مرية في ذلك، متى تأخرت خديجة عنك؟ ولكن حذاري فأنا بدأت أغار منها .. ها!"
قالها، وضحك في خفوت، فضحكت لضحكته وهي تردد في حب:
"وهل يُغار من خديجة؟"
"_ أنا أفعل!"
أطل الحزن والضيق والأسف في عينين منة، وأكتسى بهم وجهها، وقالت بصوت يقطر وجعًا:
"أتعبك معيّ يا آجار، سامحني … أنت لست مضطرًا لهذا صدقني …"
قاطعها آجار بضيق مماثل:
"يا إلهي، لا تفتأي في حديثك الغريبُ هذا! هل أضرب رأسك حتى يعود لوعيه؟"
قالها، وهو ينخز رأسها بسبابته في رفق، فزمت شفتيها، قائلة:
"سأخبر خديجة حينها، وهيا أتصل ليّ بها لقد مللت الجلوس معك."
لوى آجار فمه ساخرًا وهو يقول في تهكم:
"مللتي ماذا يا حبة عيني؟ إذن من ذا الذي كان يولول وهو يقول " آجار إياك أن تتركني، آجار إياك أن تنهض من جانبي ""
قهقهت منة عليه وهو يقلدها، وضربته في ذراعه قائلة:
"أنا لا أتحدث بتلك الطريقة!"
"_ بلى تتحدثين كفاكِ كذبًا أيتها الأثمة …"
بتر عبارته عندما لاحظ شرودها في اللاشيء، وهم أن يستفسر عن سببه، لكنها باردته قائلة بصوتٍ حزين شارد:
"ماذا ستفعل عندما أموت؟ هل ستتزوج وتنساني؟"
أعتصر الألم قلبه للهجتها، وأطل الدمع في عينيه فشاح بوجهه متنهدًا في حرارة، ثم ألتفت إليها، وأغتصب بسمة وهو يقول في مرح:
"ماذا سأفعل؟ برأيك ماذا قد أفعل؟! سأتزوج بالطبع وهل سأظل أعذبًا وما زلت شابًا."
أدارت منة رأسها إليه وهبت جالسة فجأة، وطفقت تضربه بعشوائيه جنونية وهي تقول بغيرة:
"ماذا ستفعل؟ ستتزوج؟ وهل سأتركك تتزوج سأقتلك قبل أن أموت حتى لا تفكر حتى."
صاح آجار وهو يتلقى ضرباتها ضاحكًا:
"كفى جنونًا يا مجنونة، بالأساس سؤالك غريب! الأكيد اني سأتزوج غيرك!"
قالها، بغية إثارة غيظها، لكنها بغتة أمسكت بذراعيها معدتها متألمة، فوثب فورًا ومدد جسدها وهو يقول في عتاب:
"كفاكِ جنونًا حتى لا تتعبين، أستلقي هيا!"
عاد لجلوسه وصمته، وغشاه السكون، وجعها، تأوهه كخنجرٌ يطعن فؤاده فيدميه ويرديه قتيلًا، أصطبغ صوته بألمٌ دفين، وحزنٌ سحيق وهو يهمس بجانب أذنها، وكفه يمسح على خصلاتها و وجهها:
"يا ليتني أستيطع أن أأخذ عنك كل ألم تشعرين به ولا أراكِ هكذا؟
ليت بأمكاني أخذ كل تعبك وانقله لجسدي وتكونين بخير، فكل شيء هين لقلبي إلا وجعك، وتألمك … أعذريني على عجزي الذي يكبلني فما أقدر على تهوين، وتخفيف الوجع عنك، سامحيني رجاءًا."
طأطأ رأسه يخفي عن عينيها دمعة سالت رغمًا عنه، محاها لكن كيف يُمحي المرء بكاء قلبه؟ كيف يعبر عن ذاك الوجع الذي يمزق الفؤاد إربًا؟ كيف يكتم صراخه؟ كيف يداوي جرحًا غائرًا في السويداء.
غشى الدمع عينيه وهو يرفع عينيه إليها، وقسرًا خرج صوته متهدجًا، باكيًا كصوت من يموت ذبحًا، يطلب النجاة فما يلقى:
"يا حبة القلب، قلبي يرفرفُ كالذبيح بين جوانبي خيفة من فقدك!
جفناي يخشيان أن يسبلا فلا يريانك مجددًا.
وفؤادي يهاب أن يغفل عنك فلا يجدك!
وروحي تجزع أن تغيب عن الطوف حولك فتنزلقين منها!"
سكت هنيهة، بكت فيها عينيه المسبلتين وهو يتنهد في ألم، ثم قبل كفها ولثم عينيها الباكيتين، وهمس:
"أخاف من رحيلك يا منة لا تسمحي للمرض أن يأخذك مني، لا تتركيني أعاني، لا تذريني لوحدتي فلو فقدتك ستلتهمني ولن أعود للحياة مجددًا … كوني بخير لأجلي."
رمت منة نفسها بين ذراعيه، فضم رأسها لصدره بقوة خوفًا أن لا يسمح له القدر بضمها مرة أخرى بين ذراعيه.
فجأة!
دق الباب فابتعد فورًا عنها مكفكفًا دموعه، فأطلت خديجة وهي تقول ببشاشة:
"كيف حال حبيبة قلبي اليوم."
أنفجرت أسارير منة، وأشرق وجهها …
لا غرو! فثمة أشخاص حين رؤيتهم يشع الوجه نورًا من شدة الفرح.
أشخاص رؤيتهم قادرة على تطيب قلوبنا من أوجاعها.
لا عجب أن كلماتهم بلسم، ولهم نورًا في القلب ينعكس على وجوهنا.
دلفت خديجة وسألت آجار عن حاله، فرد:
"بخير حال يا خديجة، سأتركما وأخرج لـ أراس."
وغادر مغلقًا الباب خلفه، حينذآك قبلت خديجة وجنتاي منة، بعد ما رفعت نقابها، وجلست قائلة:
"ألا تشعرين بتحسن اليوم؟"
ردت منة مبتسمة:
"حين رأيتك أصبحت أفضل. هل ليّ أن أسألك سؤال؟"
في عتاب قالت خديجة:
"وهل بيننا تلك المقدمات؟! أسألي ما تشائيين يا ابنني!"
أدمعت أعين منة، وهي تسألها بصوتٍ باك:
"ما هو الموت يا خديجة؟ هل سأعذب؟ أنا لم أفعل في حياتي أي شيءٍ صالح على العكس كنت أحادث شباب كُثر، لم أصلي يوماً ولم أقرأ القرآن ولا أعلم اي شيء عنه ولا عن نبي الله، ملابسي لم تكن مثل ملابسك فضفاضة قط، وشعري لم يُغطى أبدًا، هل سيغفر ليّ الله، هل مرضي هذا عقابٌ من الله."
لم تغب بسمة خديجة عن وجهها وهي تستمع إلى منة في اهتمام شديد، ثُم هزت رأسها، وهمست في حنو وهي تتكأ بمرفقيها على طرف الفراش وتميل على وجه منة:
"نبي الله أيوب ظل ثمانية عشر سنة مريضًا …"
قاطعتها منة ذاهلة:
"نبي الله مريض ولثمانية عشر سنة؟! هذا لشيءٌ عجيب!"
أردفت خديجة:
"أستمعي إذن لقصته … لا غرو حينما أنهي ستلهمك بالصبر على كل بلاء، ستتعلمين أن بعد كل بلاء فرج، ومخرج، وعوض من الله الرحيم."
سكتت لبرهة ثُم أردفت تقول:
"كان نبي الله أيوب عليه السلام صاحب أموال كثيرة، وله ذرية كبيرة، فابتلاه الله في ماله وولده وجسده، فصبر على ذلك صبراً جميلاً، فأثابه الله على صبره، بأن أجاب دعاءه، وأعاد إليه أهله، ورزقه من حيث لا يحتسب.
خسر نبي الله أمواله، وأولاده، ومرض مرضًا شديدًا، حتى لم يبق من جسده مغرز إبرة سليماً سوى قلبه، ولم يبق له إلا زوجته دون ذلك فلا شيء فقد فقد كل ما يملك، وكانت زوجته تخدم الناس بالأجرة، وتطعمه، ورفض القريب والغريب نبي الله أيوب، إلا زوجته لم تفارقه لا صباحًا ولا مساءً إلا لخدمة الناس ثم ما تلبث أن تعود لرعايته، ولما طال عليه الأمر، واشتد به الحال، بعد ثمانية عشر سنة يدعوا أيوب ربه ويتضرع إليه { أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين}"
ران عليهما لحظة صمت، قبل أن تسترسل خديجة في جذل:
"ولا عجب فدعاء نبي الله أيوب مثير للدهشة إذ أنه بعد ثمانية عشر سنة يقول إني مسني مجرد مسّ، طيلة هذه السنوات لم يجزع ولم ييأس بلى إنه حين دعا الله قال " أني مسني الضر "عندئذ أستجاب له أرحم الراحمين، وأمره أن يقوم من مقامه، وأن يضرب الأرض برجله، ففعل، فأنبع الله عيناً، وأمره أن يغتسل منها، فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر، فأنبع له عيناً أخرى، وأمره أن يشرب منها، فأذهبت ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهراً وباطناً؛ ولهذا قال تعالى: {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب}.
ورزقه الله بالصحة وعفاه، ورزقه بالمال، والأولاد.
ربك رحيم رحمته واسعة، للصبر رحمة، وعاقبته الفرج، والمخرج، والراحة.
في قصة نبي الله أيوب نتعلم دائماً وأبداً في السراء والضراء، في العسر واليسر، أن نلجأ إلى الله، وأن نملأ قلوبنا صبرًا واحتسابًا على الله، فلا مجيب إلا الله عز وجل، ولا كاشف للبلاء إلا الله سبحانه وتعالى، فهو المعين والكافي، إن الله يختبر عبده في الصحة، والمال، والفقد ليعلم الصابر من القانط، كل ما يسلب منه هو خير لنا وسيرده الله بأحسن ما كان.
وقد ذكر حبيبًا قصة أيوب فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن نبي الله أيوب عليه السلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين، كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال: أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: من ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به، فلما راحا إليه، لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال أيوب: لا أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمُرُّ على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله عز وجل، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه السلام، أن {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} فاستبطأته، فتلقته تنظر، فأقبل عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان. فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك! هل رأيت نبي الله هذا المبتلى. فوالله على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك، إذ كان صحيحاً. قال: فإني أنا هو. قال: وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير - الأندر: البيدر - فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رجال البزار رجال الصحيح.
يا منة ها هو نبي الله طال مرضه حتى عافه الجليس واوحش منه الأنيس وأُخرج من بلده وألقي بعيدًا، لم يكن له إلا زوجته تخدم الناس بالأجرة صابرة محتسبة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما رواه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت:"يا رسول اللّه، أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وان كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ضمت خديجة كف منة في راحتيها وهي تستتبع، قائلة:
"كوني صابرة محتسبة حامدة مثل نبي الله أيوب عليه السلام، يقول الله عن أيوب {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(44) }صفقد كان أيوب دائم العودة إلى الله بالشكر والصبر."
نهرين جاريين من الدمع على خدي منة، التي همهمت باكية:
"يا الله أني راضية يا خديجة وسأصبر مهما طال وعظم البلاء."
أومأت خديجة بأهدابها، وقالت:
"أن الله قريبٌ منكِ يا منة (عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده)"
مسحت منة دموعها، وقالت برفق:
"يا الله من الجيد أنك بجانبي يا خديجة، منذُ عرفتك وأنا أشعر بأني لم اعد وحيدة في هذه الحياة … لو كان ليّ أخت لم تكن ستكون مثلك يا خديجة."
غمغمت خديجة ضاحكة:
"أنا اختك يا فتاة ولن أتركك ابدّا ثُم سيصلن غدًا من سيصيبوكِ بالجنون أكثر وسيجعلوا كل تعبك كأنه غير موجود."
قطبت منة حاجبيها، وقالت في دهشة:
"من هن؟"
"_ اخواتي … الصراحة هن أقاربي ولكنهم أقرب من اخواتي سنكون كلنا معكِ."
هتفت منة في حبور:
"يا الله كم هذا رائع، لقد شوقتيني لرؤيتهن."
وقالت بصوت يموج بالأمتنان:
"أشكرك على وجودك بجانبي رغم كل ما تمرين به ورغم كل من فقدتيه من أحبه."
غمزت لها خديجة، وقالت:
"أنا لا اتخلى عنك مهمًا كان يا فتاة."
تنهدت منة وقد بدت عليها الراحة، ثم ألتفتت إلى خديجة قائلة في اهتمام:
"كم أتحسر على كل ثانية مرت وأنا بعيدة عن الله، وعن لذة الصلاة وقربه، أتحسر لأني لم أهتم لأعلم سيرة رسولي."
هتفت خديجة سريعًا في حماس:
"لم يفتئ لديكِ وقت يا حبيبة قلبي ما رأيك أن نسمع معًا سيرة الرسول للشيخ سمير مصطفى واعهدك على أنك ستعيشين في رحاب الرسول وزمانه وستهوين كل حرف سينطق به الشيخ سمير، لقد سمعتها قبلًا لكني لا أزل كل فترة يغمرني الشوق إليها مجددًا."
تراقص قلب منة في شوقٍ، وقالت في شغفٍ وهي تبعد طرف الفراش، وترفع الملآة، قائلة:
"هيا، هيا اسرعي تعالي بجانبي وشغلي لنسمع معًا."
ضحكت خديجة في إنطلاق وهي تندس بجانبها ولم تلبث أن شغلت أول درس من ( السيرة النبوية للشيخ سمير مصطفى جزاه الله كل خير عنا، وفك أسره)
في الخارج صمت تام خيم على أراس وآجار الجلسان أمام الغرفة، قطعه أراس وهو يسأل آجار دون النظر له:
"أتسعر أن الدنيا تضيق بك ذرعًا، مخنوقٌ كأن ثمة قبضة يد فولاذية تعصر عنقك؟ تريد البكاء، والصراخ، أثمة جرحٌ غائرٌ في القلب لا تدري كيف تداويه؟ تفرقت بك السبل؟ تشعر بالوحدة، والتوهة؟"
ألتفت له آجار هادئ وتلاقت نظراتهما لبرهة قبل أن يؤمأ آجار في بطئ، فضمه آراس وتعانقا عناقٌ أخوي يشدُ فيه على أزره، ويشركه في ألمه، ثم ربت على ظهره مردفًا:
"كل ما تشعر به سيتلاشى ما أن تسجدُ للرحمن وتبكي فينزع عنك هم الحياة وما فيها، حاشاه أن يردك خائبًا من امام بابه، حاشاه أن لا يطبطب على قلبك، سيسمع فهو السميع العليم، القريب منك يعلم بك وبما تشعر فاذهب إليه وادعوه وتضرع له وألح في الدعاء، ستجد راحة لم تذقها يومًا، وسيستجيب فقط أحسن ظنك فيه."
رفع آجار رأسه إليه، وقال:
"بت تتكلم مثل خديجة!"
"_ ربما لأنها باتت محور أيامي وسحبتني من الضلال إلى الهداية."
"_ليت كان ليّ نصيب من العيش معها!"
أطلت الدهشة من عيناي أراس وهو يهتف:
"ماذا؟"
نفى آجار قائلة:
"لا شيء، على ما يبدو إني أهذي."
نهض أراس وهو يقول:
"ربما لو لم أن اثق بك لكنت فهمت جملتك خطأ …"
بتر آجار عبارته بقوله:
"إلى أين ذاهب؟"
"_ طلب آركان رؤيتي فسأذهب لأرى!"
هم بالرحيل لكن استوقفه آجار قائلًا في تذكر:
"أنتظر."
قالها، وقام، و وقف بجواره وهو يسأل في همس خافت:
"هل صحيح ما عرفته؟ هل بالفعل بلغت عن كل الرجال؟ بلى وهددت أدورد بالسلاح وأنت تسرق المستندات."
عقد اراس ذراعيه في هدوء، وقال في برود:
"نعم فعلت ذلك، أبتلك السرعة وصلتك المعلومات؟"
في غصب هتف آجار:
"فيما تتحدث يا هذا؟ كيف تفعل هذا بمفردك؟ لماذا لم تأخذني معك؟ هل من عاقل يدعوا رجال بينهم قتالين قتلة ويسرق منهم مستندات واوراق ويأخذ منهم اعتراف ثم يهددهم بكبيرهم ويرحل."
في استهتار رد أراس:
"كان نجيب معي لا تقلق، لقد حُل الآمر إلى الللقاء."
شيعه آجار بنظراته في تحسر وهو يغمغم:
"يا لك من جريئ حقًا."
وفجأة!
رأى ماهر الذي ينتحل خالد شخصيته يقبل فنفخ بضيق وهو يغمغم:
"أوف، وهل كانت تنقصه هذا أيضًا؟"
أقترب خالد حتى وقف أمامه، وسأله:
"ما لي أراك ممتقع الوجه من رؤيتي!"
تبسم آجار قسرًا، وقال من بين أسنانه:
"ما هذا يا رجل وهل ليّ ألا أفرح؟"
"_ لا ييدو ليّ هكذا؟ كيف حال زوجتك؟"
رد آجار بحنق:
"بخير، ما سبب مجيئك؟"
رفع خالد إحدى حاجبيه وهو يرد عليه في مكر:
"ما سبب مجيأي؟ ألم تسمع آخر الأخبار ام ماذا؟ لقد نفذت وعدي لك، وماتت لمار محروقة!"
لم يُخفى على خالد أختلاج ملامحه على ذكر موت لمار، وذاك الوجع الذي مر في عينيه، فقال:
"ماذا ألست سعيدًا؟ ألم تقتل هي والدك لقد اخذت أنتقامه!"
هُنالك، أرتاحت قسمات وجه آجار وهو يرد في هدوء:
"بالفعل!"
عنذئذ فُتح باب حجرة منة وأطلت خديجة، قائلة:
"هل غادر اراس يا آجار."
فألتفت لها مجيبًا، فعادت إلى الحجرة دون ان تغلقها وجلست قريبة من الباب وهي تنظر لخالد خلسة، الذي مال على أذن آجار، هامسًا:
"لقد خلصنا على لمار، ما رأيك بي …"
قالها، وأشار برأسه على خديجة فدفعه آجار بغلظة، صائحًا:
"إياك وأن تفكر من الأقتراب منها حتى."
فرفع خالد كفيه وهو يتقهقر إلى الوراء، مرددًا:
"حسنٌ حسنٌ، لن اقترب!"
🌾 اللهم أغفر ليّ خطيئتي يوم الدين 🌾
دلف أراس إلى منزل أركان وقد علم إنه قد كُشف أمره بسبب إرسال هنا إلى خالد
رحب أركان به هو وهنا وجلس ثلاثتهم وأركان يقول في غيظ:
"أخبرني كيف علمت أن ماهر هو ذاته خالد منتحلًا في شخصه؟"
زفر أراس في برود وهو يشبك أصابعه خلف رأسه مسترخيًا في مجلسه، وقال:
"علمت في الحفل حين ألتقى هو وخديجة وأسفر عن نفسه!"
ضرب أركان براحته على ذراع المقعد وهو يصيح فيه:
"هل أنت غبي يا هذا لماذا ترسل أختك هلا أخبرتني؟
لقد كشفتنا بطريقتك تلك، أدلوا ليً الآن ومن يعرف غيرها؟ من اخبرت أيضًا؟"
في شراسة التفت له أراس، هاتفًا:
"صوتك لا يعلو عليّ يا أركان، ولم يعرف أحد غير هنا بالأساس، لست غبيًا لأخبر أيًا كان؟"
في ثورة من الغضب قال أركان وهو يفتح ذراعيه متعجبًا:
"لم تخبر احدًا؟ حسنٌ وكيف علم رجل ماهر إذن هلا اخبرتني؟"
في برود مثير للغيظ هتف أراس وهو يهز كتفيه:
"ما ادراني يا رجل."
وصمت متذكر حينما أخبر هنا، واوضح:
"لم يكن احد معنا حين أخبرتها!"
أيدت هنا كلامه، بقولها:
"معه حق بالفعل، لم يكن أحد موجودًا!"
ضرب أركان رأسه في ظهر المقعد، قائلًا وهو يتميز غيظًا:
"إذن كيف عرف يا رجل؟ سأُجن بحق الله."
فجأة!
تبدلت ملامحه وهو يقول في تريث مخيف:
"ما الذي فعلته اليوم؟ بالله هل تود أن تصيبني بجلطة تودي بحياتي!"
نهض أراس في ضيق، قائلًا:
"ماذا فعلت يا روحي؟ هل سوف أبرر لكم بالدور، أتركوني في حالي هذا شأني ما لكم بيّ."
ولم ينبس بكلمة أخره إنما غادر وهو يرغي ويذبد، جلس خلف عجلة القيادة وأمسكها بقبضتيه وارتسمت بسمة مخيفة على ثغره، ثم ضحك بغتة، واسترخي في مقعده متذكرًا: "لقد أمر باجتماع عاجل حضر له جل الرجال الذين يعملون في اعمال غير مشروعة، في البيت الآمان المخصص لأجتماعهم وقد عكف على أن يجعلهم يجلبوا معهم مستندات ستدينهم أشد إدانة، وهنالك أشهر سلاحه على الكبير فيهم، فشهق الرجال خوفًا، وأشهاره كانت بمثابة بدأ لرجاله ونجيب أن يستلوا اسلحتهم ويسددوها على رؤوس كل الموجودين، وهتف في برود وهو يهز قدميه: "لا، لا لا تخافوا لن اقتل أحد منكم إلا إذ صدر منه مبادرة ستثير ريبتي، والآن مثل الشطار سلموا هذه المستندات إلى نجيب و…"
قاطعة أحد الرجال مرتجفًا:
"ما الذي تقوله يا سيد اراس، هل تعلم أن هذه المستندات ستوديني بنا إلى الجحيم!"
رد أراس في برود:
"أعلم يا رجل وانا الجحيم نفسه."
وألتفت إلى نجيب، مستطردًا:
"ماذا تنتظر، هيا خذ منهم كل ما معهم."
سرى الخوف جميعًا في الرجال، وتسلل إلى أفئدتهم التي راحت ترتجف، وحين رفض احد الرجال الأنصياع، استدار أراس إليه وهو يقول في برود:
"لماذا ترفض ان تعطيه يا عزيزي ألبرد هيا كن مطيعًا فأنت تعلم علم اليقين أنك لن تستطع مجابهتي!"
قال ألبرد مرتعشًا وهو يتصنع الثبات:
"لن افعل، أنت ستهلكنا جميعًا، ما الذي جرى لك؟ لن تسلم أنت تعلم هذا؟ أليس كذلك."
"_اعلم يا روحي لا تخف بشأني!"
قالها أراس، و في طرفة عين كان يطلق رصاصة على قدمه فسقط ألبرد من فوق المقعد وهو يصرخ من الألم ممسكًا بقدمه، عندئذ هاج الرجال جميعهم وسرى بينهم الأرتجاف، واطل الخوف من عيونهم وعلى الفور كانوا يسلموا كل ما يملكوا من مستندات، وأوراق.
نهض أراس وهو يلكز ادورد بفوهة سلاحه:
"قم يا حبيبي، هيا."
طوق عنقه بذراعه وما زال فوهة السلاح ملتصقه بجبهته وتراجع به للخلف حتى خرج من الغرفة هو ورجاله، ثم دفعه للداخل وأغلق الباب في احكام، قائلًا:
"اقضوا معًا يومٌ جميل يا رجال، وداعًا."
فاق من ذكرياته وهو يضحك ثُم ادار محرك القيادة مبتغي المستشفى ليعيد خديجة للمنزل، وبالفعل ذهبت معه وفي الطريق كان يسألها عن صحة وتقدم منة في العلاج حتى رن هاتفها، فردت متلهفة:
"السلام عليكم، يوسف حبيبي عامل إيه؟"
رد يوسف السلام، وقال في اشتياق:
"الحمد لله وحشتيني يا خديجة اوي، البنات ركبوا وبكرا هيكونوا عندك، أنتِ هتيجي معاهم لما يرجعوا؟"
رددت عليه خديجة بذات الأشتياق:
"وأنت كمان وحشتني جدًا، إن شاء الله يا حبيبي، قولي محافظ على حفظ القرآن؟"
أجاب يوسف في حماس:
"ايوة طبعًا، بس أتوحشت اسمع عن الرسول والصحابة والأنبياء منك، وكمان انا دلوقتي بكلمك عشان عاوز اعرف قصة عبد الله ابن حذاقة السهمي فقد أثارني أمره مع ملك الروم وسمعت عنه فقولت لازم اسمع قصته منك ."
استرخت خديجة في مقعدها، وهبت نسمة على قلبها روحت عنها أمر الدنيا وما فيها، وكأنما ذهبت في رحاب ذلك اليوم، وطافت روحها إلى ابن حُذاقة مع ملك الروم، وإذ بعينيها تتألق في جذل وتلمع، وقلبها يخفق في شوق لذاك المشهد العظيم ، فهمست بصوتٌ رخيم يستروح له الفؤاد:
"ابن حُذاقة الذي قال عنه عمرو الفاروق."
ولم تدري أن يوسف يهمس مع همسها، ليقولان معًا:
"حَق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذاقة، وأنا أبدأ بذلك."
سكتت خديجة هُنيهة أسبلت أهدابها وهي تستنشق الهواء، وتقول مأخوذة:
"آهٍ من عبد الله بن حذاقة، إنه لبطل الأبطال وحق على كل مُسلم ان يقبل رأسه.
بطلٌ يحق على كل مسلم أن يذكره وبالأخص حادثته مع ملك الروم.
بطلٌ وجب على كل أهل أن يذكروه لأولادهم ليعلموهم البطولة الحقة.
إليك إذن بطل قصتنا عبد الله بن حذاقة لقد كان لإبن حُذاقة لقاء أتاح له الإسلام فيه بلقاء كسرى ملك الفرس، وقيصر عظيم الروم.
وإنهما حادثتين لم يزل يذكرها الدهر، ويرويها التاريخ، وترسخ في القلوب، ولنكتفى بحادثة ابن حُذاقة مع قيصر عظيم الروم.
لقد كان لقاؤه مع قيصر في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنها قصة من روائع القصص وأبهاها.
ففي السنة التاسعة عشرة للهجرة بعث عمر بن الخطاب جيشًا لحرب الروم فيه بطلنا عبد الله بن حُذاقة السهمي … وقد كان تناهى لقيصر أخبار المسلمين، وشجاعتهم وإيمانهم القوي الراسخ، واسترخاص النفس في سبيل الله.
ربما كانت تناهت له وعلم لكنها حتمًا نُقشت في قلبه مع موقفه بابن حذاقة.
فأمر رجاله إذا ظفروا وامسكوا بأسير من أسري المسلمين أن يبقوا عليه، وأن يأتوه به حيًا له …
وشاء الله عز وجل أن يقع عبد الله بن حُذاقة السهمي أسيرًا في أيدي الروم، فحملوه إلى ملكهم وقالوا:
إن هذا من أصحاب محمد السابقين إلى دينه، قد وقع أسيرًا في أيدينا، فأتيناك به.
نظر ملك الروم إلى عبد الله بن حذاقة طويلًا ثم بادره قائلًا:
"إني أعرض عليك أمرًا؟"
فقال عبد الله:
"وما هو؟"
فقال القيصر:
"أعرض عليك أن تنتصر … فإن فعلت، خليتُ سبيلك، وأكرمت مثواك."
فقال الأسير عبد الله في حزم:
"هيهات … إن الموت لأحب إليّ ألف مرة مما تدعوني إليه."
فقال قيصر:
"أني لأراك رجلًا شهمًا … فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك أشركتك في أمري وقاسمتك سلطاني."
فتبسم الأسير المكبل بقيوده وقال:
"والله لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما فعلت."
فقال القيصر:
"إذن أقتلك"
فرد عبد الله:
"انت وما تريد …"
هُنا وجب علينا أن نقف إزاء هذا الموقف مبهوتين، مذهولين، معتزين، فخورين بعبد الله
لا غرو إنه لشيءٌ عجيب، كم بقلبه من بسالة وجسارة عبد الله ألا يخاف الموت؟ وملك الروم يقول له " إذن أقتلك؟ "
ألم يتزعزع؟
ثُم ماذا! وهو يعرض عليه ان يشاركه في سلطانه فكان العجب أن ملك الروم بملكه وأماله لم تغر عينيه، ولو أحدٍ آخر لأغرت حتمًا، لكنه الإيمان الصادق في قلبٌ صاحب محمد ﷺ
حينذاك أمر القيصر أن يصلبوا عبد الله بن حذاقة وقال لقناصته: ارموه قريبًا من يديه.
وهو يعرض عليه التنصر فأبى.
فقال: ارموه قريبًا من رجليه، وهو يعرض عليه مفارقة دينه فأبى.
فأمر أن يكفوا عنه، وطلب ان ينزلوه عن خشبة الصلب، ثم دعا بقدرٍ عظيم فصُب فيها الزيت، ورُفعت على النار حتى غلت، ثم دعا بأسيرين من أساري المسلمين، فأمر بأحدهما أن يُلقى فيه فأُلقى، فإذا لحمه يتفتت …
ثم التفت إلى عبد الله ودعاه إلى النصرانية، فأبى أشد من ذي قبل.
فلما يئس منه، أمر بأن يلقى في القدر التي أُلقي فيها صاحباه.
وُهُنا وجب علينا أن نغمض أعيننا ونتخيل، ونضع انفسنا مكان عبد الله، إذ الزيت يغلي أمامه، ورأى صاحباه الأسيرين يُلقوا بداخل القدر فإذا بلحم أجسادهم يتفتت أمام عيناه، ويرى العظم، لو أن أحدٍ غيره لخاف لكنه بطلٌ فاق كل الأبطال بساله، وشجاعة، بطلٌ جزعت الكلمات أن تجد له وصفًا.
فلما أقترب به من القدر دمعت عيناه، فقال رجال القيصر له: إنه قد بكى …
فظن إنه قد خاف وجزع، وقال: ردوه إليّ.
فلما وقف عبد الله بين يديه، عرض عليه التصرانية فأباها.
فقال: ويحك، فما الذي أبكاك إذن؟
قال: أبكاني أني قُلت في نفسي، تُلقى الآن في هذه القدر، فتذهب نفسك، وقد كنت أشتهى أن يكون ليّ بعدد ما ف?
رواية جحر الشيطان الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ندي ممدوح
الخوف استبد بقلبها من حبيب بات عدوًا. لم تعد تتلاقى دروبهم. خوفٌ جعل الدمع يهوى من مقلتيها بغزارة، وهي تحاول الإفلات جاهدة، أو التحرر من كفه الضخم المكمم لفمها، فتستنجد بأحد.
لكن عبد الله لم يترك لها الفرصة، إذ غرس فوهة سلاحه في جنبها وهو يهتف بخشونة سرى لها الرعب في أوصالها:
_ أمشي معايا من غير صوت… هبعد دلوقتي إيدي بس، قسمًا بالله لو نطقتي بحرف لأفرغ رصاصات المسدس فيكِ!
أومأت شيماء موافقة، فأبعد كفه عن فمها مع همسه الضعيف:
_ هتيجي معايا دلوقتي من غير ولا كلمة!
همت بالفرار من أمامه، لكن ما كادت حتى أن تستدير وتركض، وكانت قبضته تحيط إحاطة السوار بالمعصم، على معصمها وضغط بشدة على يدها وهو يسحبها إليه مجددًا ويلصق فوهة السلاح في صدغها، قائلًا بامتعاض:
_ شكلك مستغنية عن عمرك، وأنا رهن إشارتك.
أعتصرت شيماء عينيها وهي تدرك أن لا مفر من حصاره أبدًا. كم أصبحت تمقته يا الله؟ إنها تستحق كل هذا، فهي من أمانته عمياء البصيرة رغم تحذير الجميع! ويلٌ لهذا القلب أن ذاق من كرهه كما ذاق من حبه الزائف وانخدع بسهولة! لكن الآن لا بُد أن تتعلم مما اقترفته بنفسها! مؤلم هو ذاك الحب، بلى أشد إيلامًا أن جاء من قلب حسبنا إنه لن يؤلمنا يومًا ولن يطعننا، فإذا به يطلق علينا كلايبه محمية بالنار، ويذرنا نحترق غير آسف أو صان للحب والود!
صوت وقع أقدام رزينة تهبط الدرج، نبه عبد الله الذي بادر بكتم فم شيماء التي تلوت بين يديه هائجة وقد راودتها فكرة الصراخ والاستنفار بالشخص، لكن صرختها انحسبت في صدرها وبكت بضعف حين تلاشى وقع الأقدام. ثم أحست بقبضة عبد الله تضغط على فمها وهو يديرها ليخبط ظهرها بعنف في الحائط، ويهتف:
_ أصرخي يلا أصرخي…
لوح بالسلاح أمام عينيها، وهو يضيف:
_ عشان تكوني سبب في موت أي حد يحاول بس يقرب.
لهثت شيماء في انفعال وهي تغمض عينيها، مخافة رؤية وجهه البغيض، الذي لم يعد فؤادها يهواه بل يهابه ويخشاه. لكنها نظرت له فشهقت وهي تضع كفها على فمها، واتسعت عينيها ذعرًا وذهولًا، وهي تهتف ونظرها على بقعة دماء فوق قميصه:
_ إيه ده أنت متصاب…
_ بالضبط يا حبيبتي كده، وعشان كده زي الشاطرة هتيجي معايا عشان تعملي اللي هقولك عليه!
هتفت شيماء باستنكار وقد استجمعت جأشها:
_ أجي معاك؟ أنت اتجننت؟ مستحيل طبعًا، وأمشي من هنا بدل ما حد يشوفك ووقتها هتتسجن.
ببسمة باردة قال عبد الله مشدوهًا:
_ بقي ليكِ صوت معايا وتتكلمي يعني وتعارضيني!
صاحت شيماء في عصبية شديدة وقد فاض بها:
_ تعرف إنك أذبل وأحقر إنسان عرفته في حياتي، هو أنت شايف نفسك راجل…
بترت عبارتها صفعة قوية أسقطتها أرضًا أسفل قدمي عبد الله الذي مال عليها وأمسك حفنة من شعرها المتواري أسفل حجابها الذي تشعث وأسفر عن خصلاتها المستترة تحته، وقال بغلظة:
_ مش الراجل ده اللي كنتِ هتبوسي إيديه ورجليه عشان يتجوزك؟
سحبها لتقف على قدميها وهو يشد من قبضته، هاتفًا بسخط:
_ اسمعي هتيجي معايا من غير ولا كلمة وهتمشي عدل لحد العربية وإلا والله هتبقى مذبحة هنا وأنتِ السبب ومش هيهمني كام شخص هقتله لو فكرتي تصرخي!
صرخت شيماء من فرط الألم، ولهثت من شدة خفق قلبها، حينما دفعها هو بقوة، وهتف:
_ امسحي دموعك وأخلصي!
ترنح لوهلة أمامها وبدا شديد الشحوب وهو يمسك جانب بطنه في توجع، ففكرت بضربه والعدو هربًا، لكنه عاد يصوب المسدس عليها وسبابته على الزناد، وقال وبنبرة واثقة:
_ بلاش الأفكار تلعب بعقلك اخلصي معنديش صبر.
اضطرت شيماء صاغرة أن تنفذ، وتسير بجانبه وهو يخفي السلاح في سترته ويهددها حتى وصلا إلى السيارة واستقلاها وقاد في صمت وهو يتأوه كابحًا وجعه.
هل يكره المرء نفسه؟ ربما حين يفضل من لا يستحقون! ربما عندما يحب القلب من لا يليق به الحب! ربما حين يظل القلب يخفق من أجل من خان، وغدر. كانت في الأمس القريب تتصور أحلامًا، وتبني حياةً محورها هو فقط وفلكها هو فقط. أنى انهدمت تلك الأمنيات في لحظة! كيف لمن ظنته الأمان أن يصبح أكثر من تخشاه في الحياة؟ لقد زلها الحب الذي حسبته روضة في قلبها، وأطاح بروحها دون شفقة. وها هي ذا تذوق ثمار هذا الحب الذي أغرقها هي.
توقفت السيارة أمام بناية متهالكة نوعًا ما، وترجل من سيارته وهو يأمرها أن تحذو حذوه، ففعلت خاضعة ووقفت خلف باب السيارة كأنما تحتمي فيه منه، وكم غدا مؤلمًا لها هذا الأمر أن لا تجد ملجأ ممن ظنته ملجأها الوحيد، وأبت أن تتزحزح من مكانها، فأثار غضبه وهجم عليها وجذبها من ذراعها في قسوة وهو يهتف من بين أسنانه:
_ مفيش حد هنا ممكن تستنجدي بيه لأن الحارة مفيهاش غير الشممين وبس.
تحركت معه إلى شقته التي أغلق بابها فور دخولهما، فزاد ارتجاف جسدها وهي تتراجع للخلف كأنما استوعبت لتوها إنها معه في الشقة بمفردها وهي الآن ليست زوجته. ألقى هو جسده على أقرب أريكة وراح يرفع قميصه ليتراءى لها جرحًا غائرًا نازف، بشع المنظر جعلها تشمئز، واضجع في مقعده وهو يقول:
_ متخافيش، أول ما تخلصي هخلص عليكِ وهدفنك في أي مكان وخلاص.
كانت تعرف إنه لا يمزح. تعلم إنه لا يخدع. إنه يعني بالفعل كل حرف نطق به. لن يتورع في قتلها دون أن يطرف له رمش. في مرارة هتفت شيماء:
_ يمكن الموت أفضل من وشك ده، ربنا ياخدك، أنا إزاي كنت مخدوعة فيك كده؟
تجاهل عبارتها عمدًا، وقال في حنق:
_ إحنا هنرغي؟ يلا هاتي علبة الإسعافات من جوه وتعالي نضفي الجرح ده… عشان نشوف اللي ورانا!
جلبت شيماء علبة الإسعافات وراحت تنظف جرحه قسرًا، وفيما هي كذلك سألته:
_ أنت ناوي على إيه بالظبط؟
فتح عينيه المسبلتين وشرد باسمًا رغم الوهن والحرارة التي استعمرت جسده، وقال هائمًا:
_ هنجبر أروى تيجي.
ثم أدار رأسه إليها قائلًا:
_ بالأحرى أنتِ هتطلبي منها تيجي لأنك واقعة في مشكلة… وهتيجي.
أذدردت شيماء لعابها في توتر، فـ أروى قد سافرت، أنى لها بالمجيء، لكنها كبحت جماح خوفها وهي تؤمئ برأسها لتجاريه، وتهربت بسؤال آخر بينما استرخى هو وأسبل جفنيه:
_ مين اللي عمل فيك كده؟
أجاب عبد الله، وصوته يخفت تدريجيًا، وكأنه يوشك على فقدان الوعي:
_ الشرطة.
اتسعت عينا شيماء ذهولًا، وهي تردف مسرعة خيفة أن يغرق في النوم:
_ الشرطة؟! ليه؟ عملت إيه بالظبط؟!
بدا صوته كأنه يأتي من مكان سحيق وهو يقول:
_ رشيت ظابط يجيب لي بعض المستندات وكشفونا وهو بيسلمهم ليا ونجحت في الهرب منهم بس الرصاصة مرت من جنبي أصابتني إصابة سطحية.
بدا كأنه يهذي، ولا يدرك ما يقول، وبغتة أدار الحوار، وقال:
_ أنا عايز أروى، أول ما هتيجي هخطفها وههرب بيها بلاد بره وهتجوزها و…
فقد وعيه دون أن يستكمل عبارته، وبكل المقت والبغض الذي سكن قلب شيماء نحوه بصقت على وجهه، وهبت واقفة نحو الباب وحاولت فتحه إلا إنه كان محكم الإغلاق ولا يوجد أثر للمفتاح، فعادت إلى جسد عبد الله وأخذت تبحث في ملابسه عن المفتاح دون جدوى، وغمرها اليأس وهي تقف حائرة لا تعلم كيف النجاة، وأظلمت الدنيا في عينيها وأُغلقت الأبواب.
كيف السبيل للخروج من هذا المنزل؟ والنجاة من براثن حقير مثل عبد الله؟ تعرف إنه لن يتوان في قتلها أن استيقظ وعاد لكامل صحته. ولِوهلة سبحت في ذكرياتها في بحر حزنها. وراحت تسترجع لحظاتهما معًا، أحاديثهم، وكلامه التي كانت تذوب فيه. كم أحبته! إنها لم تحب في حياتها كلها سواه، ولم يخفق قلبها إلا من أجله. وتعجبت كيف خدعها وأوهمها بحبه، لكنها كانت واهمة أشد وهمًا. كيف سمحت لقلبها ألا تسمع تحذير أخيها وأقرب ما لها.
أقدام آتية من أمام الباب جعلتها تفوق من ذكرياتها، فحثت الخطى إلى الباب وطرقته بعنف وهي تصرخ في رجاء:
_ حد هنا.. حد يساعدني ويفتح الباب، أنا محبوسة هنا.
ولم تدرك أن صراخها وطرقها المدوي على الباب جعلا عبد الله يتململ فاتحًا جفنيه في إرهاق ولم يأخذ وقتًا ليتذكر ما حدث بل اعتدل جالسًا ورمقه بتجاهل وقال:
_ محدش هنا هيهتم بيكِ!
شحب وجهها حين بلغها صوته، وتسمرت قبضتاها على الباب في تهالك أليم، لكن صوته القاسي كان أشد إيلامًا. وفي بطء استدارت له ورمقته شزرًا وهي تراه جالسًا في استرخاء وقد استرد بعض من عافيته وشرع ينثر الماء من الزجاجة على وجهه، ثم يصبها فوق رأسه لتغمر المياه رأسه بأكملها وأخذ ينفضها بقوة وهو يمسح بكفه وجهه، لتتناثر قطرات الماء حوله، ثم التفت وحدقها بنظرة صارمة لا مبالية، ونهض آخذًا من البراد زجاجة عصير وشرع يتجرعها في ارتياح وهو يسترخي في مقعده قائلًا في هدوء آثار الرعب والقلق في أوصالها:
_ متستعجليش على عمرك، هريحك مني ومن الدنيا كلها بس اصبري شوية وقت مش أكتر لحد ما أنفذ خطتي.
سرت ارتجافة قوية في قلبها وهي تفقه إلى ما ترميه عبارته، وأنكمشت أمام الباب الذي دفعها بقوة إلى الأمام لتسقط على وجهها مع ظهور محمد أمامه وهو يهتف لاهثًا في انفعال:
_ متأخرتش صح؟ أنتِ كويسة؟
وأندفع يعاونها على النهوض متأسفًا لسقوطها بسببه. وعندما نهضا وجدا محمد ينظر لهما باستمتاع وهو يسند ذقنه إلى راحته مغمغمًا:
_ الله، إيه المشهد الحلو ده؟ البطل جه ينقذ البطلة!
وصفق بكفيه في حرارة وهو ينهض في تلكؤ، ويتابع:
_ رائع بجد رائع ابهرتوني جدًا! مش أنت اللي أنقذتها برضو المرة اللي فاتت؟
وصوب بصره إلى شيماء التي تشبثت في ذراع محمد مرتعشة واختفت وراء ظهره مع صوت عبد الله وهو يضيف ويقترب منهما:
_ أنتِ يا حلوة لحقتي تحبي؟ قلبك ده غريب يا شيخة والله، بس بقولك إيه يا أخ أنت شيماء دي محبة بجد.
صب محمد وشيماء سمعها إلى عبد الله الذي غفلهما ليغلق الباب مجددًا وانتزع مسدسه من جيبه وأشهره في وجههما، وقال:
_ بس للأسف انتوا الاتنين هتموتوا سوا، بس مش قبل ما تقولي بتدافع عنها ليه؟
تحفز جسد محمد تلقائيًا، وأبعد جسد شيماء وراءه وكان مستعدًا ليفديها بروحه ولا يصيبها أذى حتى يرد لخالد بعض من صنيعه لأجله وفضله. وهتف مراوغًا عبد الله:
_ بدافع عن خطيبتي، عندك مشكلة؟
نظرت له شيماء بطرف عينيها في دهشة واستنكار، بينما صاح عبد الله مبهورًا وهو يرخي ذراعه إلى جانبه التي تمسك السلاح:
_ واو خطيبتك! إيه يا شوشو بالسرعة دي؟ برافو عليكِ أتخطيتي لعبتي في أعجوبة تستحق التصفيق.
وقهقه ضاحكًا فهجم عليه محمد بجسده وسقطا معًا على الأرض، تفاجئ عبد الله من صنيعه وسقط على ظهره صارخًا من الألم الرهيب الذي طحن عظامه، وكاد يرفع السلاح على صدغ محمد لولا أن هذا الأخير قبض بأصابع من فولاذ على معصمه وراح يضرب كفه في الأرض حتى ترك السلاح، فأطاح به محمد بعيدًا، في نفس اللحظة الذي دفعه عبد الله لينقلبا ويصبح هو فوقه وأمسك برأسه وضربه في الأرض عدت مرات… لكن فجأة، قبضة أصابع محمد على عنقه مما اضطر عبد الله بترك رأسه وشرع يحاول إفلات عنقه من أصابع محمد التي بدت كقبضة فولاذية صعب فكها، وسعل مختنق وكاد يتهاوى أرضًا، فشهقت شيماء بخوف وهي تبتعد منكمشة في إحدى الزوايا وكم تمنت أن يكون حمزة معها. فتشعر بالأمان ويزول خوفها! فقط لو كان موجودًا لكنها الآن تدرك أن ما بينها وبين حمزة بحار وجبال وبلاد. ورغم أن محمد كان موجودًا وبدا إنه قد ظفر عندما ضرب عبد الله في جرحه الذي نزف مجددًا وركله فارتد عبد الله على الحائط وسقط على وجهه، ورفع رأسه رامقًا السلاح فلاحظ محمد نظره على السلاح وتدارك إنه ينوي أخذه وقبل أن يقفز نحوه كان عبد الله المبادر في الوثب عليه ووقف ضاحكًا في شماتة مصوبًا السلاح على قلبه مباشرةً.
خبأت شيماء وجهها بين كفيها، وتركت لدموعها العنان، وهي تنادي حمزة أن يكون موجودًا… الآن فقط أدركت أن أمانها كان يكمن في أخيها ووجوده. الآن أدركت إنه سندها وإنه قد يضحي بروحه لأجل سلامتها.
سحب عبد الله إبرة سلاحه بصوت مسموع، رهيب، أرجف جسد شيماء التي وقفت في ذعر وهي تقلب بصرها، وتحفز جسد محمد ورأت شيماء سبابة عبد الله متحفزة على الزناد وفي بطء راح يضغط، فصرخت في انهيار وهي تغمض عينيها بعنف، وتسد أذنيها مع صوت إطلاق النار.
نعم انطلقت الرصاصة… لكن وللمفاجأة، إنها خرجت من مسدس ياسين الذي حضر توًا أمام الباب ولم يلبث أن أطلق على عبد الله وأخترقت رصاصته ذراعه وانزلق السلاح من يده، ونظر بهلع إلى الشرطة التي اندفعت تحيط به إحاطة السوار بالمعصم، فعلم إنها النهاية… نهاية خائن لوطنه… فالخائن ليس له مكان قط في وطن يعظم أبناءه! الوطن يضم من يحافظ عليه فقط! وهذا خائن لا يستحق إلا سجن سحيق. انتهت حياته وانتهى حبه.
فتحت شيماء جفنيها وما كادت ترى ياسين إذ انطلقت نحوه ملقية نفسها بين ذراعيه وهي تبكي منتحبة:
_ خالو.
ضمها ياسين رابتًا على ظهرها برفق، هامسًا:
_ أنتِ بخير؟ متقلقيش مفيش حاجة أنا جنبك يا…
اتسعت عيناه في هلع مع بتره لعبارته وهو ينظر لشيء وراءها صائحًا:
_ لا، لا إياك.
ودوى صوت رصاصة أفزع شيماء وأرتجف قلبها وهي تلتفت في سرعة وشهقت في عنف عندما تراءى لها جسد عبد الله متهاويًا أرضًا والدماء تنفجر من رأسه بعدما جذب سلاح إحدى الجنود واطلق فورًا النار على نفسه.
صاح ياسين في عطف وهو يأخذ شيماء خارج الشقة:
_ تعالي معايا.
والتفت إلى محمد الذي تبعهما، قائلًا:
_ خدها دلوقتي عند والدتك لحد ما أخلص شغلي.
وافق محمد بإيماءة من رأسه وأخذها إلى شقته التي يقطن فيها مع والدته، التي كانت سببًا في نجاة شيماء، ودرء مخطط عبد الله. فقد رأته وهو يسحبها قسرًا لداخل البناية وتعرفت عليها فورًا حين ذهبت لمنزل آل الشرقاوي في حفل زفاف ملك الذي لم يتم، وبلا هوادة اتصلت على ابنها لتخبره بما رأت وقام محمد بدوره بإبلاغ ياسين وذهب هو لإنقاذ شيماء ويرى ما عليه فعلاً. وقد كان ما كان.
في المطار وبين الذاهبون والقادمون وقفت خديجة تحترق شوقًا في انتظار ظهور الفتيات بعد ما حطت الطائرة على أرض المطار، وشرعت تشرأب برأسها وتشد قامتها، وتقف على أطراف أصابعها تنظر في الوجوه بلهفة، حتى رأتهم أمامها جميعًا، فتهللت أساريرها وهي تلوح لهم، فلوحوا لها وهم يحثون الخطى إليها، وبدا مشهدًا مثيرًا للدموع، ودافئًا للقلب لكل من يراهن وهن يتعانقن في شوق امتزج بدموعهن.
آترون إنهن يبالغن! وإن الغياب لم يطل وإذا به يتتوجه بالتلاقي! ربما… هكذا تظنون، لكن أولاء لم يغبن يومًا عن بعضهن، فماذا عن تلك الأيام والليالي التي مرت وهن لست معًا! كانت عسيرة شاقة إذ كانت نوارة البيت غائبة. وخديجة هي منارة البيت إذ غشاه الظلام ليلًا. وهي السراج المنير لقلوبهن إذ لفتهن الظلمة لحظة. فتحتم اللقاء بكل هذا البكاء… بكاء الفرح، والاشتياق، وربما عتاب الغياب أيضًا. لكن ملك كان لها النصيب الأكبر من حضن خديجة التي كادت تخفيها بداخلها. أسفًا لأنها لم تكن بجانبها في نكبتها. وحزنٌ إنها لم تكن موجودة لتؤزرها. عزاءها الوحيد إنها لم تكن بمفردها فيما مرت به، عزاءها إنها لم تكن قريبة فتذهب إليها وقتما تشاء، وإلا فيعز عليها تركها.
قالت خديجة والدمع يهطل من عينيها في أذن ملك وهي تضمها بشدة:
_ سامحيني عشان مكنتش جنبك يا ملك، بس كنت عارفة إنك هتعدي، كنت متأكدة إن ملك قوية مش هتنهار من أي حاجة.
رحبت بالشباب في غبطة، وصافحهم أراس بذات الفرحة التي قبلت بالبرود التام من طرف الشباب. استقلوا ثلث سيارات نقلتهم إلى المنزل الذي استأجروه بقرب منزل خديجة. كان منزل صغير يطل على حديقة رائعة المنظر، ألوانه هادئة تبعث السكينة في القلب، وجلسن الفتيات معًا في إحدى الغرف تاركين الشباب مع بعضهم.
وعلى الفراش الذي احتواهن، قالت خديجة لملك:
_ ها عاملة إيه في العلاج مع دكتورة هيام.
أشارت لها ملك باسمة بـ:
_"إنها طبيبة جيدة وتعاملها كأنها أخت وليست مريضة لديها."
كانت قد بدأت في الجلسات مع طبيبة اقترحتها لها خديجة ومالك بعد ما رفضت رفضًا تامًا أن يكون معالجها مالك، ربما خجلًا منه، فمع شخص غريب حتمًا سيكون الأمر هين عليها. في أول الجلسات كانت تجاهد ألا تمد يدها على شيء بكل جهدها، وهي تنفذ كلام الطبيبة، والحق إن الفتيات في تلك الفترة تركوا كل شيء ليكونوا معها ويمنعوها حتى من سيطرة هذا المرض عليها. الطبيبة تحادثها يوميًا عن طريق الرسائل، وباتا صديقتين مقربتين، وكان الفضل يعود لعائلتها التي شاركوها محنتها.
أنفض اليوم وغادرت خديجة برفقة أراس، بعد ما أبلغتهن إنهم سيذهبون لزيارة صديقة لها مريضة، ووافقن البنات فورًا. في اليوم الثاني مرت عليهن خديجة وتناولت معهن الفطور، لم يكن الشباب موجودين ولم تسأل لأنها كانت تعرف إنهم حتمًا سيقابلون خالد أخيها، وأخذتهن لزيارة منة، كانت تشعر خديجة بالقلق طيلة الطريق مخافة أن يروا البنات آجار وتحدث مشكلة وما شابه، وكانت تدعو الله أن يمر الأمر بسلام، وحين وصلن لمبتغاهن، ركن أراس السيارة جانبًا وانتظرت خديجة البنات حتى نزلن فالتفتت إليه، وقالت بقلق لم يخف عنه:
_ هل حادثت آجار وسيرحل من غرفتها؟
لم يدري ما سر اهتمام وحذر خديجة بأن يرحل آجار حتى لا يتقابل مع البنات، فزفر بضيق، وهو يقول:
_ أجل يا خديجة لن يبقى…
ثم أردف مستفسرًا:
_ لماذا تصرين على هذا؟ ما الذي يخيفك ويقلقك؟! هل ليّ بتفسير لذلك.
رمشت خديجة ذاهلة إثر السؤال المباغت، وتجلى التوتر في عينيها وهي تغمغم بارتباك:
_ لا يوجد سبب لذلك لماذا ظننت هذا؟ أنت تعرف إن البنات لن يوافقن على زيارة منة في حضرة غريب لهذا السبب.
لم يزاوله الشك إلبتًا، ومع ذلك أومأ لها متصنع التصديق، وهمس:
_ حسنًا يا خديجة، أنتِ أدرى!
تنفست خديجة الصعداء وهمت بفتح الباب لكنها عادت تنظر إليه حين ناداها، قائلًا:
_ خديجة، انتبهي لنفسك جيدًا وأن حدث أي شيء اتصلي بي، ونجيب سيبقى في انتظاركن هنا لن يبرح مكانه حتى يوصلكن.
التقط كفها ولثمه، وقال بنبرة حنون رخيم:
_ سأشتاق إليكِ كثيرًا.. فلا تغيبين.
كادت خديجة أن تجيبه عندما أطلت أروى على النافذة ودقت عليها بسبابتها، هامسة:
_ يلا يا خديجة.
فأومأت لها خديجة وردت في عجل:
_ جايه أهو.
ودارت رأسها إليه قائلة:
_ سأذهب الآن.
أفلت أراس كفها من راحته وهو يومئ برأسه، كادت خديجة أن تترجل حينما أمسك مرفقها مجددًا بلهفة يستوقفها:
_ رويدك رويدك.
قالت خديجة بحنق:
_ ماذا هناك أيضًا؟ ما الذي أصابك اليوم؟
كيف يجيب وهو لا يدري سبب تلك الغصة في حلقه؟ أنى له أن يعرف سر تلك القبضة الباردة التي تعصر قلبه بألم ساحق. ترآه يبالغ إذ قال إنه لا يريدها أن تغادره؟ وأن تظل بجانبه هكذا حتى تزول هذه الغصة التي لا تفتأ تمزق قلبه! فجأة، ضمها بقوة إلى صدره فتفاجئت خديجة بفعله وتوترت مخافة وخجلًا إن يراهما أحد، وهمست بصوت خافت:
_ اراس ما لك اليوم لا تبدو على سجيتك هل حدث شيء؟
غشاوة دمع ظللت عيناه كبحها بداخله وهو يتمالك جأشه، قائلًا:
_ أنا بخير.
وأحاط وجهها براحتيه، ونظر لعينيها، وهمس بنبرة آسرة مفعمة بالحنان والحب:
_ انتبهي لنفسك جيدًا من أجلي، وأعلمي إني لم أحب غيرك، ولم يخفق قلبي إلا لكِ، ولم يسكن سويداءي سواك، ولم ترى عيناي غيرك، اعرفي أنني…
سكت هنيهة قبل أن يستتبع قائلًا:
_ بدونك لا شيء مجرد فُتات تذره الريح أين ما تشاء، وإني أهدم وأحرق الدنيا…
صمت لحظة، وقال:
_ ناهيك عن الدنيا، أنا أحرق العالم كله لأجل عينيكِ يا خديجة، إياكِ أن تفارقيني فأفارق نفسي أو تغيبي فيغيب روحي.
لمست كلماته قلبها، فتطلعت حولها خجلة، وقلبها يخفق في تأثر، ثم قالت بصوت خافت:
_ حسنًا هذا ليس المكان المناسب لهذا الكلام، حين أعود.
ودفعت الباب تغادر السيارة بعجلة فابتسم متابعًا إياها بعينيه التي امتلئت بالحنان والدفء. جميلة هي خديجة! عذبة الحديث، رقيقة الشمائل، منبع من حنان، إنها كوكب دري في سماء قلبه أزال سواده وأترعه بالضياء. إنها عيون النجوم تضيء طرقات ليله، هي الحبيبة التي لم يعرف القلب حبيبه غيرها. لا يمكنه أن يتخيل خسرانها، يتحمل أي شيء وقد يدخل في لجة اللهب لأجلها ولا تصاب بأذى. غيابها عن عينيه وإن كان لدقائق مؤلم، يهاب دائمًا ألا تعود ويجد نفسه بلا ملجأ. هي موئله في هذه الحياة، ليته كان سربالًا فيتيح له إحاطتها في كل حين ووقت. آهٍ من تلك النخزة الطاعنة لفؤاده المكلوم تنبهه أن أمرًا جلل سيحدث!
دارت خديجة بصرها في البنات وهي تسأل متعجبة:
_ أين لمياء، لا أراها؟
فتنبه الفتيات لغياب لمياء عنهن دون أن ينتبهن أين ذهبت؟ وشملهن القلق والتوتر والخوف وهن يدرن حول أنفسهن. إما لمياء فقد كانت تلحق مسرعة بـ آجار ظنةً منها إنه إسلام وراعها أن تجده في المستشفى وهي على يقين إنه ذهب مع الشباب لمكان لم يسفروا عنه أمامهن. لم تستطع مجابهة خطواته وهي تنادي باسمه، ولأنه كان يتحدث في الهاتف باهتمام لم يلتفت إليها، فأسرعت خطاها نحوه وما كادت تقترب منه وتلفظ باسم إسلام.
وفجأة! كان يستدير آجار ممسكًا بمنكبيها ودفعها في الحائط بقسوة وهم بأن يستل سيفه، فتسمر أمامها وهو ينظر لها مبهوتًا، هامسًا:
_ لمياء!!
تلقت لمياء الارتطام بتأوه مكتوم وهي مصدومة مما فعل، وتشهق بخوف جلي، فاذدرد آجار لعابه بتوتر، لقد ظن في بادئ الأمر إنه أحد يود اغتياله لذلك تصرف بذلك العنف، وكان من الجيد أن تنتبه قبل أن يخرج السلاح، نظر لها بإشفاق وهو يرى الخوف يطل من عينيها، فغمغم بهمس خافت يهدئ من روعها:
_ اهدئي رجاءً، أنا أسف لم أظن إنه أنتِ.
للحظات ظلت تنظر له كالحة الوجه، وأطل الهلع في مقلتيها، وأخذت نفسًا عميق تهدئ من أعصابها الثائرة، وهي تقول:
_ يا الله اخفتني يا إسلام ما الذي جرى لك؟ ثم ما الذي تفعله أنت هُنا بالله عليك؟ ألم تذهب برفقة الشباب؟
لم يدرك آجار بما يجيب؟! بما يقول… بما يفسر… والأدهى ماذا لو علمت هويته وإنه ليس إسلام؟ انفرجت شفتيه لكنه عاد يطبقهما وقد انعقد لسانه، فحثته لمياء، قائلة:
_ أخبرني ماذا تفعل هُنا؟
بدا تائهًا زائغ العينين، وعن قرب أوقف أراس سيارته ودفع بابها وكاد أن يغادرها لولا إن رأى خديجة تقبل عليهما فجأة وتتحدث معهما، ثم أخذت بكف لمياء وغادرت، لم يفقه شيء مما جرى! ولكن… بدا له إن آجار يعلم ما هي لمياء حق المعرفة. ثم توتر خديجة الملحوظ الذي زاد من ارتيابه في الأمر. لم يسمح لذهنه بالغرق في التفكير، أنما أدحره بعيدًا وأغلق باب السيارة وقاد اتجاه آجار ووقف بجانبه ليصعد آجار وينطلق.
" ماذا تنوي فعله بالضبط؟.. " صاح بهذه العبارة آجار وهو جالس بجانب أراس على مقدمة السيارة أمام الشاطئ.
فهز أراس كتفيه وهو يجيب وراحتيه تستند على السيارة خلف ظهره:
_ سأكمل ما بقي لي من عمر في مصر مع خديجة.
عاد آجار بظهره للخلف وأسند كفيه خلفه في محاذاة أراس، وهتف مستنكرًا:
_ أراس، ما بك يا صاح اليوم، هل تتحدث بصدق، هل تنوي فعلًا هذا الأمر الجنوني؟
ألتفت له أراس، سائلًا في تعجب:
_ جنوني! .. ما الجنون في الأمر يا رجل؟ .. لن أحرم المرأة الوحيدة التي أحب عن عائلتها.
هتف آجار في دهشة وهو يضرب كفًا بكف:
_ أنت مجنون حتمًا.
في حنق رد عليه أراس وهو يسبل جفنيه مستنشقًا الهواء بعمق:
_ ما بك يا رجل اليوم لا تملك إلا كلمة الجنون تنطق بها؟ نعم سأستقر في مصر من أجل خديجة وربما آخذها معي هنا.
ران لحظات صمت، سبح فيها الاثنان في تفكير عميق، وإذ فجأة انبعث صوت آجار بنبرة تحمل حزنًا دفين:
_ إذن سأعود وحيدًا مجددًا، لماذا يتلاشى من بين يدي كل ما أحب؟ لماذا الفرحة لا تطرق باب قلبي يا رجل؟ هل نحنُ على خصام، أم أنها لا ترى غيري في الوجود؟
نبرته الأليمة زادت قلب أراس إيلامًا، آهٍ لو يعرف المرء أن بعض الكلمات التي يظنها ألمه فقط هي طعنة في قلب أحبائه، لما نطق بها، لما فكر في أن يتألم. وآجار لم يكن يومًا غريبًا، أواه، كان أخًا ضمه في قلبه واحتواه بين ذراعيه، لا يفتأ يخشى عليه من لمسة رياح قد تصيبه بأذى. لا يزال يراه في قلبه ذاك الطفل الصغير الذي كان يرجوه بعينيه ألا يتركه. يا لجمال الصداقة حين تكون برباط متين لا ترخيه الأيام. ضم آراس كتفه إليه، وهمس بنبرة تتفعم بالحنان والعطف:
_ يا لك من غبي يا فتى، وهل تظن إني قد أتخلى عنك؟ ثمة أواصر ألفة تربطنا أقوى من ألف رابط دم، فكيف بالله أتركك؟
تنهد آجار تنهيدة حزن وهو يسند رأسه على كتفه، وغمغم:
_ إذن لا تسافر!
زفر أراس ولاذ بالصمت لفترة قصيرة، وقال وهو يميل برأسه لترتاح فوق رأس آجار:
_ ضع نفسك مكاني، وإذا بالفتاة التي تذوب فيها عشقًا وغرامًا وطنها وعائلتها وسعادتها بأكملها في بلد آخر… ألن تستقر في هذا البلد لأجل راحتها؟
عقد آجار حاجبيه بضيق، وقال:
_ أنت أيضًا وطنك هنا، هل ستتخلى عنه لأجل خديجة…
قاطعه أراس يقول بنبرة تقطر حبًا وولعًا:
_ أتخلى عن كل شيء لأجل عيون خديجة يا آجار، ببساطة لأنها وطني الذي أوجدته بعد غربة شاخ لها قلبي وهرمت روحي. غربة لم أذق فيها إلا العذاب والمهانة والوحدة وهجران الروح، أتظن إني بعدما وجدت روحي بعد طيلة هذا الهجران ألا أذهب في لمح البصر لأستقر في وطني؟
تنهد ساجيًا للحظة، وقال بصوت رخيم عذب:
_ خديجة هي وطن إذا وجده المرء لا يغترب منه أبدًا لأن العالم بدونها غربة مخيفة موحشة.
رفع آجار عينيه في عيني آراس، وهمس:
_ أتحبها لهذه الدرجة يا رجل؟ لدرجة أن تغادر وطنك، بكل ذكرياته التي عشتها فيه، وأهلك وتذهب دون أن تولي على شيء!
رد أراس وهو يومئ برأسه:
_ ربما سأذر ذكريات لم تأتيني منها إلا الوجع وقهر الضمير لأصنع ذكريات أجمل.
تهدج صوته بغتة، وخُيل لآجار أنه رأى عينيه ترقرقان بالدموع، وهو يستطرد:
_ هُنا ليس لي ذكريات غير ذنوب ومعاصي وأخطاء، هنا لم أصنع إلا كل ما يغضب ربي، أنا الآن أشعر أني بت إنسان يا رجل، إنسان يعيش وهو لا يفكر إلا كيف سيموت ومتى وأين، وإن مات هل سيغفر لي الله؟ هل سيعفو عني؟
بسط كفيه أمام وجهه وتابع بحسرة:
_ تُرى هل ستشهد عليّ يدي بكل من قتلتهم؟ حين يوارى جسدي الثرى تُرى هل سأثبت عن سؤال الملكين وأجيب، هل سيستنير قلبي بنور الله أم سيظل مظلمًا، هل سيكون قبري حفرة من حفر النار أم روضة من رياض الجنة؟ حين سأقف فوق الصراط هل سأسقط، أم تتخطفني الكلاليب، أما سأمر سالمًا. هل ستكون خديجة زوجتي في الجنة أم لا؟ هل تظنني كنت أحيا، ربما أنا أيضًا حسبت نفسي إني كنت أحيا لكني علمت أن حياة القلب في رحاب الله فقط. وأن لذة الراحة بقربه لا تعادلها أي لذة. خديجة غيرت فيّ الكثير أشعر باني مهما أفعل لن أوفيها حقها، كل ما أريده ألا يحرمني الله منها.
حين التفت إلى آجار وجده صامتًا، مأخوذًا بكلامه، دامع العينين، ولفهما صمت طويل، شقه آجار يقول:
_ أتعلم، أنا أيضًا أهاب أن يسرق المرض مني منة، منة التي كانت سببًا في إنعاش قلبي… لماذا الحياة توجعنا فيمن نحب يا رجل؟ تختار أكثر ما يؤلمنا وتصفع.
خيم عليهما الصمت والسكون مليًا، قبل أن يقهقه أراس ضاحكًا، ودفع بكتفه آجار متمتمًا:
_ أنظر ماذا فعل بنا العشق يا رجل؟ لقد جعلنا عطفيين للغاية.
أطلق آجار ضحكة مرحة وهو يغمغم:
_ تبًا على الحب الذي حطمنا.
صاح الاثنان فجأة معًا وهما ينظران لبعضهما:
_ حطمنا؟؟
ضحكا مجددًا وهما يصفقان كفًا بكف، وامتزج صوت ضحكتهما مع أمواج البحر التي هاجت فجأة معلنة عن وجودها، وسماعها، ومشاركتهما، كأنما تخبرهما أن الدنيا بما فيها لا تستحق الحزن على شيء إلا البعد عن الله عز وجل.
تلقى آجار رسالة على هاتفه من إسلام جعلت ضحكته تخفت وهو يقرأها:
" يجب أن نتلاقي الآن… أنا في انتظارك، تعال على هذا العنوان **** لا تتأخر "
زفر آجار وشرد فسأله أراس في اهتمام:
_ ما بك عبست فجأة، هل كل شيء على ما يرام؟
قفز آجار واقفًا وأستدار له، قائلًا:
_ بخير لا تقلق، ثمة أمر طارئ سأذهب الآن.
أومأ أراس متفهمًا، فخبط آجار على كتفه مودعًا.
قضت البنات يومًا جميل هادئ مع منة التي بدت نفسيتها مرتاحة في وجودهم كأنها تفتقد للمة العائلة وجوها، وانغمست مع الفتيات اللآتي تعاملن معها كأنها واحدة منهن ولست وحدة قد تعرفا عليها في يوم واحد، وزادت بهجتها حين حضرت هنا وشاركتهم الجلسة.
" إذن ستخرجين غدًا، كم هذا رائع " هتفت بتلك العبارة أروى في حماس، فتدخلت خديجة تقول:
_ غدًا لن يكون يومًا عادي، سنخرج ونروح عن أنفسنا.
ترقعت هنا بأصبعيها فجأة وصاحت في لهفة:
_ أتركن أمر غدًا ليّ، هذا عندي، سأخذكم لأمكان ولا الأحلام.
وكانت صادقة فهم بصدد الذهاب إلى مكان لم يخطر على بال أبدًا. نظرت منة إلى لمياء الشاردة، وسألتها في اهتمام:
_ ما بكِ يا لمياء شاردة هكذا؟ أأنتِ بخير؟
تبسمت لمياء، وهزت رأسها وشاركتهم الحديث. ولما عسعس الليل، وجاء وقت ذهاب البنات، ودعنها على وعد أن يتقابلا غدًا، واستقروا في السيارة التي كان نجيب يقودها، بينما ركبت هنا على دراجتها النارية وثبتت الخوذة على رأسها ثم ارتدت قفازات في كفيها، ثم انحنت لتقبض على ذراعي الدراجة، بعد ما أدارت المفتاح فيها وصدر صوت المحرك وهي تدور دورة دائرية خفيضة، وأبطأت وهي تنطلق بمحاذاة سيارة البنات ومالت برأسها على نافذتهما ملوحة لهم.
وفجأة، ضغطت على دواسة الوقود وأنطلقت بصورة جعلت البنات يشققن في هلع وتتطلعن من النوافذ الجانبية يحاولن استشفاف أين ذهبت؟ وإن أصابها مكروه، لكنها لم تلبث أن لاحت من بعيد تنطلق بذات السرعة فتنهدن في ارتياح. تنبهت خديجة إلى أن نجيب متوترًا، ينظر إلى المرآة بحذر، ويسرع بالسيارة، فنظرت لما خلف البنات الذين التصقن في أنفسهن حتى يكفيهم المقعد في قلق، ونقلت بصرها إليه وسألته في اهتمام:
_ نجيب، لماذا أراك متوترًا، قلق، هل حدث شيئًا ما؟
أتتها الإجابة لكنها أبدًا لم تكن من نجيب، بل من رصاص انهمر على السيارة بغتة، فصرخ نجيب وهو يناور السيارتين اللتين تلحقان بسيارته:
_ انبطحن لأسفل، هيا.
أنصعن الفتيات في هلع وانخفضن أسفل المقعد ودوي الرصاص المفزع كاد يصيبهن بالصم، فتمسكن ببعضهن في خوف جلي. وارتجفت أجسادهم بصورة واضحة، وارتعشت أفئدتهم، خوفًا من السيارة التي تنهب الأرض نهبًا، والرصاصات التي انهالت عليهم كالمطر ولكنها للعجب لم تصب زجاج السيارة، إنما كان قناصيها محترفين إذ كانت جل الرصاصات متوجهة إلى العجلات فقط، بصورة أوحت أنهم يريدون إيقاف السيارة. راوغ نجيب وناور… وظن إنها النهاية… لكنه أخرج سلاحه حاسمًا الأمر، فأن كان الموت حتمًا فسيقاتل لآخر رمق، سحب إبرة مسدسه وهو يقول:
_ من منكن متعلمة قيادة السيارة.
فصاحت أروى في سرعة:
_ أنا.
هتف نجيب وهو ينحرف يسارًا:
_ إذن تعالي للأمام، هيا.
تحركت أروى منحنية للمقعد الأمامي للسيارة في نفس اللحظة التي فتح فيها نجيب باب السيارة وقفز خارجها، فتسلمت أروى القيادة في سرعة مندهشة، تدحرج نجيب في مرونة، وثب واقفًا، وصرخ ملوحًا لأروى:
_ ابتعدي بهن، هيا.
قالها، وهو يركض مستترًا خلف حاجز ضخم وراح يطلق النار على السيارتين اللتين لم تتوقفان. ورفضت الفتيات أن ينطلقن بالسيارة ويتركوه بمفرده، فما همت أروى بإيقاف السيارة إذ فجأة حانت منها التفاتة للأمام، ورأت هنا تنطلق بالدراجة نحو السيارتين القادمتين، وكادت ترتطم في جدار لولا إن تداركت نفسها وتحكمت في السيارة، وتطلعت رؤوس البنات من الزجاج الخلفي للسيارة فرأين هنا ترتفع بدراجتها النارية فوق مقدمة إحدى السيارتين التي تهشمت زجاجها الأمامي تمامًا في وجه السائق والذي يليه وعلا صراخ الرجال فيها وهم ينبطحن عن سقف السيارة التي احتكت إطاراتها في الأرض ودارت حول نفسها وانقلبت كذا مرة حتى استقرت رأسًا على عقب، وهبطت بالدراجة إلى الأرض، ثم دارت مجددًا وأندفعت إزاء السيارة الأخرى وصاحت إزائهم وهي تشير لهم بكفها:
_ هيا فاجئوني بمهارتكم أيها الأوغاد، تعالوا.
وأنطلقت في مسار متعرج لتفادي الرصاص وهم خلفها وقبل أن تختفي عن أنظارهم، وآخر ما رأوه هي دراجتها تنقلب بها جانبًا بدوي مخيف، وشعرن برزاز مخدر يملئ السيارة قبل أن يسقطن جميعًا في هوة سحيقة، عميقة، مظلمة. وهناك كان نجيب ملقى أرضًا بعد ما خدره أحدٍ ما من الخلف غدرًا.
" إذن فلتبق في حفرتك السحيقة يا رجل " انبعث هذا الصوت فجأة من خلف آجار مصحوبًا بإبرة تنغرز في ذراعه فما هم بالاستدارة، راعه أن وجد ماهر الذي ينتحل خالد شخصيته وراءه وما كاد أن ينقض عليه حتى تهاوى أرضًا، فاقد الوعي.
رواية جحر الشيطان الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندي ممدوح
عاد الشباب إلى المنزل الذي كان خاليًا، فصعد مالك لغرف الفتيات التي أوحت إنها فارغة ولا أثر لأي أحد فيها.
هبط السلم وهو يقول بنبرة قلقة، مفعمة بالتوتر:
_ البنات مفيش فوق.
سرت موجة قلق عارمة وسط الشباب وهم يقفوا جميعًا، وساد بينهما الصمت.
بتره حمزة باستفهام:
_ مش فاهم إزاي مفيش فوق؟ لازم يكونوا هنا دلوقتي!
تبادلوا جميعهم نظرة قلقة.
اقترح عاصم:
_ رن على أراس كده شوفه يمكن عند خديجة، تلفوناتهم كلهم مقفولة.
تنهد مالك وهو يتصل بـ أراس الذي أجاب من أول رنة، قائلًا:
_ كيف حالك يا مالك؟ هل خديجة ما زالت لديكم أن هاتفها مغلق، أنا في طريقي إليكم.
بُهت مالك، إذن فالفتيات ليس في المنزل! ولا موجودين عند خديجة.
هذا أمر يثير القلق. يخيف القلب.
كرر أراس نداءه حين لم يتلق ردًا من مالك:
_ مالك، أنت معي يا رجل؟
جاءه رد مالك يقول في عجل:
_ نعم، تعال، تعال بسرعة يا هذا، ثمة أمر جلل.
وأغلق الاتصال وقد شحب وجهه.
وعلى الجانب الآخر، نظر أراس في الهاتف طويلًا، ممتقع الوجه، مضطرب القلب، مرتجف الروح.
إذن تلك قبضة حق لها أن تعصر قلبه وجلًا.
ضغط دواسة الوقود وانطلق بأقصى سرعة، والخوف يستبد به، وراحت النار تستعر في أعماقه أكثر وأكثر، حتى كادت تلتهمه بلا رحمة. بلى شفقة. بلى هوادة.
مر الليل عسيرٌ شاق، حالك الظلمة، مُغلق الأبواب، طويلٌ كأنه لا يريد أن يولي مغادرًا.
بدت الشمس إنها لم تخرج في موعدها، وكانت النفوس ثقيلة، والقلوب هائمة، والأرواح سارحة.
يا لها من ليلة ليس لها مثيل.
يا لها من ليلة لم يغمض فيها جفنٌ. ولم تنعم الأجساد براحة.
وكانت عيون النجوم تطل مشفقة عليهم وهم يبحثون على البنات في خوفٍ كاد يلتهمهم إلتهامًا.
حتى ضاقت بهم الدنيا وعادوا إلى المنزل مكدودين، مكلومين، حائرون، مفكرون، يكاد القلق أن يصيبهم بالشلل.
جن جنون خالد حين علم وحضر فورًا إليهم هائجًا، وبدأ بأفتعال شجار مع أراس، منعه الشباب.
فجأة، وفي غمرة حيرتهم وتفكيرهم، إذ تراءى لهم نجيب يقبل راكضًا.
فنهض أراس في لهفة وحث الخطى نحوه، وبادر قائلًا:
_ نجيب، أين كنت يا رجل؟! أين خديجة والبنات! أين كنتم.
تطلع برأسه خلف نجيب، وطل الشغف في عينيه سرعان ما خبى عندما لم يجد أحد.
طأطأ نجيب رأسه في خزى، حين أطلت الحسرة والوجع في عيني أراس الذي تمتم بنبرة منهارة:
_ أين خديجة يا نجيب؟ أين زوجتي يا رجل! لقد أمنتُك عليها؟!
أحاط الشباب كلهم نجيب، وصاح خالد وهو يلكزه:
_ تحدث يا رجل ما الذي حدث؟
قص عليهم نجيب ما حدث، وتمم قوله وهو يخرج من جيبه فلاشة ناولها لـ آراس، قائلًا:
_ عندما أفقت لنفسي وجدت هذه في جيبي وجئت مسرعًا إليك بعد ما حادثتك في الهاتف آخذًا عنوان تواجدك.
لم يسمع أراس حرفًا مما تفوه به، بل كان ينظر طويلًا إلى الفلاشة، والقلق يجوس في نفسه، والحزن يمور في قلبه، والوجع ينبئه إن فرحته لن تكتمل وأن خديجة ستُؤخذ منه.
يا الله. هل حينما بدأ يحيا؟
حين أحلوت في عينه الحياة؟
عندما وجد سببًا ليعيش؟
بعض الناس هم حياة في قلوبنا.
حياة تجعل القلب بستانًا يترع القلب بالآزهار والورد، أصواتهم تكون تغريدة العصافير، أشخاص نود أن نسبغ عليهم بوارف حبنا، كلا يرحلون.
أشخاص لما نجدهم نطمئن، ومن بعدهم لا نريد أحد.
أشخاص يكفونا العالمين جميعهم ويصبحوا وطن يحتوينا بكل دفء وحنان.
" ملك "
صيحةٌ ندت عن الشباب وهم يجلسون خلف الكمبيوتر محملقون في شاشته التي ظهرت فيها ملك. بالطبع لم تتراءى لهم ملامحها بسبب الظلام الذي تغرق فيه الغرفة، لكن بكاءها الملتاع جعل قلوبهم جميعًا تتوقف.
ليس ملك يا إلهي، ليس ملك!
ملك لديها رهاب من الظلام، تخشى الجلوس فيه، تجن إذ بقيت في العتمة بمفردها. ستنكس مجددًا وعلاجها لن يأتي بفائدة.
آهٍ يا ملك كم أنتِ تعيسة. لا تفتأ الحياة تحطم كل ما تبنيه.
تهاوى مالك وهو يسد أذنيه عن صراخ أخته الذي أصابه بالصم، وأصاب فؤاده بمقتل، وطعنت نفسه بالعجز.
كيف بالله تُخطف في وجوده؟ كيف يجلس الآن عاجزًا وهي تكاد تموت خوفًا أن لم تمت من الصراخ الذي مزق حنجرتها العاجزة وهشم سويداءه.
ترقرق الدمع في عينين معاذ الذي امتدت كفه تلامس الشاشة كأنما أراد أن يطمئنها، وصدى بكاءها كان يشق قلبه شقًا، وانبعث صوتًا في نفسه يقول:
_ أنا قريبٌ منكِ يا ملك.
بينما اعتصر خالد قبضته كابحًا غضبًا هائلًا لو كان تركه لهد الدنيا بما فيها بحثًا عن ملك التي آنفًا بدأت في علاجها وها هي تنتكس مجددًا.
وجز حمزة أسنانه في ثورة من العصبية، وخبط عاصم بقبضته المنضدة، بينما بدا إسلام هادئًا وأن أوحت عيناه المدمعتين ما يموج في نفسه من حزن.
لم تلبث الصورة المظلمة أن توارت وتلاشى الصوت كأن لم يكن، وإذ بـ أروى تتبين على الشاشة فاقدة الوعي، مقيدتين القدمين والمعصميين على أرض باردة مليئة بالماء.
فهتف حمزة جزعًا:
_ أروى.
وأختفت أروى وكانت دارين بمثل حالها، وأختفت لتسفر الشاشة عن خديجة وهي تزوم بفمٍ ملتصق، وجالسة على مقعد وقد عُقدت كفيها خلف ظهرها، وثمة سلاح ملتصق بصدغها دون أن يتبين وجه حامله إلا قبضته.
فتفجر الغضب في أعماق أراس، وخفق قلبه في جنون، وتسارعت أنفاسه حتى راح يلهث وكور قبضته وقد بدت مقلتيه مخيفتين حمراوتين بحمرة داكنة وشعتا نارًا.
تنبهت لهياج أخته هنا التي كانت تركل بابًا حديديًا صارخة بجنون.
فزاد غضبه. زاد لدرجة أن رآه الرائي لظن إنه سيتحول إلى كتلة من نار لا تبقى ولا تذر.
وكانت لمياء جالسة في غرفة بمفردها وقد دفنت وجهها بين ركبتيها المثنيتين إلى صدرها.
هُنا وأنفتحت أبواب الجحيم. ولن تغلق أبدًا. إلا ببحرٌ من دم.
فقد هب آراس واقفًا، فلحق به نجيب، لكنه توقف على إشارة من آراس صارمة وهو يواصل طريقه.
ولم يلبث خالد أن غادر وشياطين الغضب تكسى ملامحه.
لن يهدأ لهم بال حتى يعودوا البنات في أمان. ولو سيقلبوا الدنيا رأسًا على عقب.
ألم تنقلب؟! إنها أنقلبت وحدثت ما حدث. وحسم الأمر.
دموعٌ غزيرة هوت على وجه آجار مع لمسات حانية للغاية لم يعتدها، تسللت إلى كيانه فشعر بهما وهو ما زال مغمض العينين فور استعادته الوعي، يحاول أن يدرك ما أصابه.
وفي سرعة انهمرت الذكريات عقله، رسالة أخيه، أعقبها مقابلتهما، ثم ماهر يغرز في ذراعه إبرة، وعندما وصلت أفكاره إلى تلك النقطة تيقن إن ما احتقن في أوردته هو مخدر؛ مخدر ليفقد الوعي، لكن السؤال هنا هو: لماذا؟؟!!
ثمة أحد بجانبه. أحدٌ يبكي دموعه تنزل على وجهه، وشفتين ناعمتين تلثمان وجهه في لهفة استشعرها.
هُنا ولم يتمالك نفسه ليخطط لشيء ولا للأفكار، فدفع هذا الشخص وهو يهب جالسًا ولم يلبث أن اتسعت عيناه وهو ينظر إلى جسد عائشة التي سقطت جوار الفراش إثر دفعه.
غادر الفراش فاغرًا فاه، خافق القلب بشدة، لم يصدق عيناه في بادئ الأمر، فراح يغمضهما ويفتحهما مندهشًا!
ونوبة بكاء كادت تغدر به وتتحرر كبحها بجهدٌ عظيم!
إنها آخر شخص توقع أن يراها!
وأكثر شخص يتمنى أن يراها!
أن ينام ولو لمرة في حضنها!
أن ينعم في حنانها!
أن ينال العيش معها ويشعر بالدفء ذاك الدفء الذي لم يناله قط.
تلاقت أعينهما دون أن تتحرك عائشة من سقوطها، وسال الدمع من عينيها.
ابنها الذي حيت حياتها كله تبكي على فقده! على موته محترقًا! على احتراق قلبها!
يا الله كم جميلًا! كم كبر! كم بدا وسيمًا! وكم تمنت أن تضمه بشدة إلى حضنها!
لا، لن تكتفي بضمه، أنها تريد أن تخبئه في فؤادها.
امتزجت بسمتها الباهتة مع دموعها وهي تقف، لكن قدميها خانتها وكادت تتهاوى لولا أن استندت على طرف الفراش براحتها وجلست، ثم غطت وجهها في كفيها وانفجرت باكية في حرارة.
وبقي هو ينظر إليها مبهوتًا، كأنما استحال إلى تمثال صلب.
بكاءها جعل الدمع يتسلل من عينيه، فألصق ظهره على الجدار الذي وراءه وانهار على ركبتيه.
كم مؤلم للمرء أن يكون أقرب ما له قريبًا منه وبعيدًا في ذات الوقت!
لم تدر عائشة كم مر حين رفعت وجهها إليه، وألمها قلبها لمرآها لدموعه، وفي بطءٍ شديد مضطرب كانت تنهض تقترب إليه وتنزل إلى مستواه على قدميها وتمد كفيها على ظهره المحني، لكنها صُعقت حين ما كادت تفعل إذ انتفض جسده كله كأنما كفيها أصابته بصاعقة كهربائية، ونهض ناظرًا لها في هلع وهو يردد:
_ أبتعدي عني.
وجذبها من ذراعها بحدة لتقف، وصرخ فيها:
_ ما الذي فعلتموه بيّ، لمـــــــــاذا جلبتوني إلى هذا المكان؟ أين أنا.
رغم صراخه كانت عائشة هادئة، عيناها تتألقان في حنان وهما تنظران إليه كأنما تحفر ملامحه في فؤادها حفرًا، وتنقش كل ما به نقشًا.
هزها آجار بعنف غير عابئ بأي شيء، وهو يصرخ هادرًا:
_ أنطقي هل انقطع لسانك أم ماذا أيتها المجرمة.
وببسمة شرسة ارتسمت على ثغره وهو يضغط على كتفيها، هتف:
_ لم يحن دورك بعد، دورك آتٍ قريبًا، سأنتقم لأبي الذي قتلتيه أنتِ وعشيقك، سأنتقم لنفسي وكل ما عشته، ولأخواتي أيضًا، لقد قتلنا والدتك ألم تشاركك فعلتك الحقيرة!
تلقى صفعة قوية من عائشة على غرة، جعلت وجهه يلتف جانبًا، وقبل أن ينظر إليها مجددًا، كانت تهوي بصفعة أخرى وهي تصرخ:
_ لما تتكلم مع أمك تتكلم بأدب، أنت فعلاً لازم تفوق.
وعاجلته بصفعة أخرى في غمرة ذهوله وصدمته، مع صراخها:
_ لازم تفوق لنفسك، ومن عماك، ومن …
قاطعها آجار وقد استرد شراسته وهو يدفعها في قسوة:
_ ما تلك القسوة التي تتحلين بها يا امرأة!؟ كيف تجرئين على صفعي يا هذه؟
همت عائشة أن تصفعه لكنه قبض على مرفقها هامسًا جوار أذنيها بفحيح:
_ ليس كل مرة تسلم الجرة يا عزيزتي، هل خُيّل لكِ أني سأبكي شوقًا وأحتضنك وأنسى فعلتك…
رفع وجهها لتنظر في عينيه هامسًا في غضب:
_ أنتِ واهمة. مثلك لا يليق بها لقب الأم.
كم قاسية تلك الكلمات التي تخرج جبرًا من أفواهنا عكس ما في قلوبنا!
كم مؤلم أن نتصنع القسوة لمن نهوى!
وقد كان قاسيًا يعلم!
رغم ما يمور في صدره من انفعالات ومشاعر لو ترك لها زمام الأمر لأنكب باكيًا، ملقيًا نفسه في حضنها!
لكنه لن يفعل. لا يفتأ يذكر للآن كل ما عاناه مع هذا… ماهر.
لكن عائشة تقبلت هيجانه في رحابة صدر، وابتلعت كلماته في جوفها في رضى تام، وضمت وجهه بين كفيها وهي تهمس في حنو:
_ قول اللي تقوله براحتك بس أنا عارفة ابن زين وحفيد لمار الشرقاوي لا يمكن يكون قلبه حجر وكل حرف نطقت بيه مش من قلبك.
واستدركت فجأة:
_ وآه أتكلم عادي أنا عارفة إنك فاهم لغتنا، دارين قالتلي.
في ارتباك غمغم آجار، مرددًا في لطف:
_ دارين!
أومأت عائشة في هدوء، لكنه أبعدها مجددًا مرددًا في شراهة:
_ عايز أخرج من هنا!
وفي برود مستفز أجابته عائشة وهي تجلس على مقعد جوار الفراش:
_ مستحيل تخرج من هنا.
أطلق آجار ضحكة مفتعلة كأنما يواري ما يجوس في صدره وهو يتمتم:
_ ومين هيمنعني؟
أجابته عائشة في اللا مبالاة:
_ أمك اللي هتمنعك.
عاد يضحك في استهتار، وهو يشير بسابته إليها مغمغمًا:
_ أمي اللي هو أنتِ؟ دلوقتي عرفتي أن ليكِ ابن!؟ كان فين حبك لما قررتي تحرقيني وتخلصي مني…
كاد يباشر في كلماته القاسية، لكن صرختها الهادرة منعتة وهي تهتف ببكاء يفطر القلب:
_ بس، بس بقا كفاية!
وثبت فجأة نحوه ماسكة بملابسه وهي تنظر لعينيه مردفة بانهيار:
_ كفاية أنت معندكش دم؟
وأضافت وهي تضرب رأسه:
_ معندكش عقل تفكر بيه؟
انتحبت وهي تمسك قلبها، قائلة بنبرة مزقت قلبه:
_ مفكرتش ولا مرة فيا؟ إياك تتكلم ربع كلمة عني وأنت متعرفش أيه اللي عشته ومريت بيه، متعرفش يعني إيه أم تكون مستنية عيالها يرجعوا من المدرسة وفجأة يجيلها خبر إن العربية اتفجرت وهما في الطريق، متعرفش يعني إيه يفقد الإنسان رفيق حياته، مشفتش حرقت قلبي…
وصرخت قائلة:
_ يبقى متتكلمش، طالما معشتش اللي عشته مطنتقش.
كل حرفٍ خرج منها، خرج من قلب أمٌ مكلوم، بات رمادًا، دموعها كانت صادقة، ولوعتها أيضًا، فكتم آجار حزنه، وترك لدموعه العنان وشريط طفولته يمر أمام عينيه، وهو يردد بنبرة تقطر وجعًا:
_ وأنتِ معشتيش اللي عشته، متعرفيش يعني إيه طفل صغير يمسك مسدس ويكون وسط ضرب نار وعالم ومكان مكنش يحلم إنه يشوفه حتى، متعرفيش يعني إيه طفل يصحى على الضرب وينام مضروب عايش في ذل.
وصرخ بعبارته:
_ متعرفيش يعني إيه لما تطالبي إنك تعيشي زي طفل عادي فتحترقي.
قالها وهو يوليها ظهره رافعًا قميصه، ليكشف عن حرقٌ صغير واضح في ظهره، فشُهقت وهي تكتم دموعها وعيناها تحيدان إلى كاميرا في أعلى الغرفة. ولم تلبث أن عادت ببصرها إليه عندما تابع بكل ألم الدنيا:
_ عارفة ليه الحرق ده عشان الرصاصة مجتش في الهدف، وكنت ببكي من المسدس اللي في إيدي، وعارفة مين سببها؟
استدار إليها متابعًا في بطء:
_ ماهر، تعرفي ليه؟ قال إيه؟ عشان عاوزني أكون راجل يقدر لما يكبر يبقى زي ما أنا دلوقتي؟ تعرفي بقا إني كنت بروح معاه الصفقات اللي كان بيديرها؟ واشتباكات خضناها؟
سحبها من ذراعها نحوه، وتابع:
_ فجأة لقيت أراس بيحميني منه لكن بعد ما سافر واختفى أنا دُقت العذاب من ماهر!
تركها وراح يدور في الغرفة كفهدٌ جريح، مستطردًا:
_ تعرفي إني بردوا بسبب آراس كملت تعليم؟
تنهد صامتًا للحظات، واستكمل:
_ هربت منه! بس كان العالم بره غير معاه؟ مكنش معايا ولا قرش ولا مكان أنام فيه! كنت بنام في الشارع وسط البرد.
وتهدج صوته بنبرة بكاء دون بكاء:
_ وكنت باكل من القمامة الأكل اللي بيرميه الناس لحد ما لقاني ماهر تاني.
هُنا وانهارت عائشة أرضًا، فمال هو عليها، قائلًا:
_ أنا مش ببغض ماهر لأني من غيره مكنش هيبقى ليا كيان ولا مكان يأويني، هو اللي رباني يمكن تربيته كانت قاسية فعلاً بس أنا ممنون ليه.
وابتسم وهو ينصب قامته، مسترسلًا:
_ أنا دلوقتي ليا اسم وليا مكانة، بستعمل السلاح حلو وبموت برصاصة وحدة والآن ولا مرة أخطأت هدفي، لمار اللي أغلب أحفادها من المخابرات فحفيدها دلوقتي مطلوب من المخابرات.
صمت لوهلة قبل أن يتابع:
_ ماهر كان معاه حق لما علمني وأنا صغير، ماهر بمقام أبويا.
كلمته الأخيرة فجرت مشاعرها. ألهبت أحاسيسها. وذكرياتها.
وقالت في عنف غاضب:
_ مفيش حد زي أبوك. ماهر هو اللي كان وراء قتله، أنت متخيل إنكم لو كنتوا عايشين كانت جدتك لمار هتسيبكم كده؟ كانت هتسيبك مع ماهر الكلب ده؟ أنت متعرفش هي عملت إيه لما أنا اتجننت ودخلوني المستشفى.
أزدَرَد آجار لعابه وهو يلتفت إليها في انفعال، وفتح فمه ليقول شيئًا ما، لكنه عاد يطبقه لاذًا بالصمت، فتابعت هي:
_ مش مصدقني؟ أبوك قبل ما يموت كان ضياء الخاين ده بيكلمه وبيبلغه بحاجة خلته يقلق ويتوتر وفجأة بلغني إننا هننزل مصر، حتى مستناش قلي أجهز الشنط وراح يجبك انت واخوك من المدرسة بس لا هو رجع ولا أنت ولا اخوك.
قالتها، بنبرة باكية متوجعة.
فنظر لها طويلًا في صمت، ثم ابتسم غامزًا:
_ أنتِ بارعة في التمثيل دا. أنا لوهلة كنت هصدقك و…
قبل أن يكمل عبارته، تفاجأ بمن يدفع الباب بدوي عنيف وينقض عليه بلكمة ساحقة دفعته على الحائط، وشهقت والدته الملتاعة وهي تصرخ:
_ خالد، بتعمل إيه؟
لكن خالد لم يجبها، لم يسمعها حتى، فقد أنقض على آجار وأمسكه من ياقته، صارخًا:
_ هما فين يا وليد؟ أخواتي فين؟ عملت إيه؟
أبعده آجار عنه بلكمة كالصاعقة على فكه وهو يهتف:
_ أولًا مسمييش وليد، ثانيًا إياك ترفع إيدك عليا، ثالثًا اخواتك مين؟
مسح خالد الدماء التي سالت من طرف شفتيه بكفه، وقال وهو يجز على أسنانه وعائشة تتشبث به في قوة:
_ أهدا يا خالد في إيه يا بني؟
لوح خالد بسابته في جنون، مغمغمًا:
_ البنات أتخطفوا.
أخترقت عبارته مسامع عائشة وآجار كالصاعقة، فنظرت له عائشة بهلع، بينما التفت له آجار، قائلًا في هدوء:
_ دارين؟ دارين معاهم؟!
جز خالد على أسنانه غضبًا، وقال:
_ كلهم، وأكيد أنت عارف هما فين و…
قاطعه آجار صارخًا:
_ ليه كل حاجة تحصل تلبسوها فيا أنا؟! هو مفيش غيري! أنت مبتفهمش أنا هخطف اختي ليه؟
هجم خالد عليه مرة أخرى وسدد له لكمة في أنفه فحطمته وانفجرت منها الدماء، وتألقت عينا آجار بغضب مخيف، شرس، عصبي، وقال له في هدوء وهو يكتم بكمه أنفه:
_ أنت منتبه لنفسك عملت إيه؟
ضحك خالد في شراسة، مرددًا:
_ خوفتني، لا هبكي. ابكي؟
وصرخ هاتفًا:
_ فين البنات؟
دفعه آجار من صدره، صائحًا:
_ معرفش، وبدل ما جاي تتخانق معايا فكر مين ممكن يخطفهم؟ اهدا عشان نقدر نوصل لحل.
هم خالد في غمرة غضبه التي سيطرت عليه أن يهجم عليه مجددًا، لولا عائشة التي أمسكت بذراعه، مرددة في توسل:
_ معاه حق يا خالد اهدا عشان تعرف تفكر وتلاقي البنات غضبك مش هيفيدك، أنا متأكدة أن وليد مستحيل يكون السبب.
تبادلت مع آجار نظرة قابلها هو بحنق.
وقف آراس على حافة تل عالية ينظر إلى السماء، ويتأمل القمر بعينين أغرقتا دمعًا غزيرًا أبى أن ينهمر، وتقدم مسبل العينين إلى طرف التل وبدا كأنه سيلقي نفسه في الهواء لكنه وقف على آخر لحظة، وأعتصر جفنيه المغلقتين وهو ينفض رأسه بعنف كمن يود طرد شيئًا ما في رأسه.
وبالفعل كان كل ما يبغيه أن يدحر وجه خديجة عن ذهنه. أن يطرد صوتها الذي يشوش عقله.
وفجأة! صرخ صرخة رجت الأرض أسفله، وزلزلت كيانه، وقطعت نياط قلبه قطعًا. وصمت بغتة كما صرخ فجأة واستدار عائدًا إلى سيارته. ولم يلبث أن جلس أمامها وأسند رأسه على مقدمتها، وأثنى قدميه أمامه. وراحت الذكريات تتوافد في أعمق أعماقه. كل همسة تبادلاها هو وخديجة. كل ضحكة، كل كلمة، كل بسمة، كل نظرة حنان. يا الله كم اشتاقها.
شمل الجزع جسده، وأقلقته الحيرة.
من ذا الذي قد يخطف خديجة؟ أهم رجال المافيا؟ لكن لو هم لكان الآن هو ميت. لن يخطفوا خديجة والبنات أجمعهن.
أهو ماهر؟ لكن ماهر حبيس عند أخيه؟
لقد اعتاد هو الخوف. الخوف على نفسه. هذه أول مرة يغمره الخوف على أحد وكم مؤلم.
إنه لا يتصور حياته بدونها.
وفي تلك اللحظة وهو يرتكن على السيارة، كان يشعر أنه فقد نصف قلبه، بل قلبه كله.
كان لأول مرة يبكي. كان ينعى حياته كلها.
مسح دموعه مع آذان الفجر الذي انتشله من آلامه، وأوجاعه، وأحزانه.
ونهض مخرجًا زجاجة مياه من سيارته وتوضأ وأخرج المصلى وصلى. ذهب إلى الله بكيانه، وقلبه، وجوارحه، يتضرع إليه أن يردها له سالمة.
وجلس بعد ذلك يشاهد شروق الشمس هادئًا، مستكينًا عكس عقله الذي كان يعتصره ليعرف أين ذاك المكان الذي شاهده في الفيديو.
وارتسمت بسمة مشرقة على وجهه بغتة، وتألقت عيناه بصورة واضحة، وفي حماس شديد قفز واقفًا ودار حول السيارة ليحتل مقعد القيادة وانطلق فجأة بأقصى سرعة وفي عيناه بريقٌ وحشي مخيف. يبرق. ويبرق. ويبرق. معلنًا إنه آن أوان الحرب ليستعد نفسه مهما كلفه الأمر، حتى لو فقد روحه في سبيل ذلك.
كانت منة تعد نفسها للخروج من المستشفى إلى حين موعد عمليتها بعد نتيجة العينات، حائرة من عدم مجيء آجار إليها، متعجبة لإنه لم يغب عنها كما اليوم وخاصةً وهو يدرك إنها ستخرج.
تنبهت لطرقات على الباب فما كادت تستدير، وهمت بالسماح لمن بالباب، إذ أطل آجار باسمًا أنيقًا وقال بنبرة مرحة وهو ينقر على الباب:
_ أتحتاج أميرتي إلى توصيلة سريعة؟
عبس وجهها، وهي تقول في حزن:
_ ظننتك لن تأتي.
أغلق آجار الباب وهو يجيبها في هدوء:
' حقًا؟ .. هل ظننتِ ذلك؟ أتعتقدين إنه يوجد شيء قد يبعدني عنك؟!
كان قد اقترب منها، وأمسك بكفها في راحته، وداعب أصابعها في حنان، وقال في رفق:
_ كان رغمًا عني التأخير، هل تسامحني أميرتي؟!
تبسمت له وهي تتصنع الحزن عاقدة كفيها، وسألت:
_ وأين خديجة؟ لماذا لم تأتي أيضًا؟
تلاشت بسمته حين ذاك، وتجلى الهم على وجهه، وخبت لمعة عينيه، وتنهد متمتمًا:
_ أعذري خديجة يا منة، لو كانت موجودة لما تأخرت عنك أبدًا.
تساءلت منة في اهتمام حذر:
_ لو كانت موجودة؟ ماذا تقصد؟ .. أين ذهبت إذن؟
أخذها من يدها لتجلس دون أن يجيب تساؤلها، وشرع هو في غلق حقيبتها، وألتفت إليها، قائلًا:
_ لا أحد يعلم أين خديجة؟
مرة أخرى تملكتها الدهشة، وسألت مستغربة:
_ كيف يعني لا أحد يعلم أين هي؟! هلا أخبرتني وكفاك غموضًا.
في لهجة تحمل قلق الدنيا كلها، أجابها آجار:
_ لقد أُختطفت خديجة هي وهنا والبنات أجمعهم!
اتسعت عينا منة في ارتياع، وقفزت صارخة في لوعة:
_ رباه، ماذا تقول بالله عليك؟ هل .. هل تمازحني؟
بكل آسف هز آجار رأسه، وأمسك كفها قائلًا ببسمة حنون:
_ تعالي لأخذك لأحد قريبة ليّ ستبقين معها حتى أكون مع أراس.
تساءلت وهي تسير معه:
_ إلى أين؟ ومن هي؟
نظر لها فجأة كمن تعجب السؤال ولم يكن يتوقعه.
ماذا يقول؟ أيقول إلى أمي؟ لن يخبرها بذلك أبدًا.
لأنه ببساطة لن يسامح أمه ولن يعترف بها.
لكنه الآن لا يملك حلٌ آخر إلا أن يتركها معها هكذا سيطمئن حتى يبحث عن أخته وهو مرتاح البال.
راحت عينا شباب آل الشرقاوي تتابع قدوم آراس متهلل الوجه وهو يقول في أمل بثه في قلوبهم:
_ لقد علمت المكان الذي فيه البنات!
تسأل خالد باهتمام وهو يدنو منه:
_ أأنت واثق يا هذا؟ أين؟
أومأ أراس برأسه، وغمغم:
_ واثق.. واثق ولكن المكان بعيد ولن نذهب خالي الوفاض يجب أن نجهز أنفسنا!
قطب حمزة وهو يسأله:
_ ما الذي تعنيه؟
نظر له آراس وقال في بساطة:
_ لا تشغل بالك فيما أقول، المكان بحق بعيد وفي بقعة يسودها الأشجار والأدغال وربما وحوش، أي انها خالية من السكان تحتاج منا لجهد لنصل.
ضرب عاصم على كتفه، وهو يقول:
_ لا تشغل بالك بنا نحن نخوض أشد النار أتونًا يا رجل ولا يصيبهم أذى.
رمق آراس وجوههم بنظرة سريعة، وقال:
_ إذن استعدوا ح…
" أراس، يا أخي "
أنبعث صوت آجار من خلفه، فنظر لـ إسلام أمامه عاقدًا حاجبيه في تساؤل مندهش، وارتد للخلف مصعوقًا بغتة حينما وقع بصره على آجار الذي اندفع نحوه، فراح ينقل بصره بينهما كمن رأى شبح.
فتبادل آجار وإسلام نظرة حذرة، ثم قال آجار ببطء:
_ هذا أنا يا رجل. آجار. ثم أشار إلى إسلام متابعًا: وهذا إسلام. وأردف بما صعقه حقًا: أخي.
خال لـ آراس أن عدم نومه أصابه بتشوش في الرؤية ففرك عينيه، وأغمضهما وفتحهما مرتين، وقلب بصره على الشابين، وقال في تمهل:
_ أخيك!!! هل تمازحني يا رجل؟ هل لك عائلة؟
ودار بصره في الجميع، هاتفًا:
_ هلا وضح ليّ أحدكم ما يجري هنا!
هتافه، جعل خالد يشوح بكفه مغضبًا وهو يهمهم بكلمات غير مفهومة تنبأه عن استيائه.
لم يبال به آجار وهو يقترب من أراس، متمتمًا:
_ سأخبرك بكل شيء، دعنا نذهب لننقذ الفتيات، ربما في الطريق اخبرك.
حدجه اراس شزرًا ودفعه عن طريقه وهو يغادر المكان في عصبيه، فرمق آجار إسلام بنظرة حانقة، ساخطة ولحق به.
دفعةٌ واحدة استيقظت كل حواس أروى دون أن تفتح عينيها، وسكنت تمامًا مرهفة السمع.
لم يبد لها وجود أحد فالمكان هادئ تمامًا، خالي.
مقيدة الذراعين، والساقين بحبالٌ غليظة، مُلقاةٌ فوق أرضية رطبة مبللة، وفي بطء فتحت عينيها لتدور في المكان بحذر وهي تعتدل جالسة.
كان مكان شبه مظلم وشبه مهجور، والبقعة التي فيها لم تجد فيها إلا جدران صلدة، على يمينها رأت بابٌ مغلق، وآخر أمامها. فمطت شفتيها بضيق.
سرعان ما تناهى لها صوت آتيًا من وراء الباب الذي عن يمينها، فأرهفت السمع سرعان ما هتفت في ارتياع:
_ ملك، يا الله ملك.
ورفعت صوتها، مع هتافها:
_ ملك أنا هنا، هفتحلك بس اهدي.
لم يكن الأمر عسيرًا لتعلم إن ملك داخل غرفةٌ مظلمة، وإن لم تفعل شيء فستخسرها للأبد ما أن يبلغ رعبها الذروة.
فزحفت إلى الباب بعد ما وجدت إنه محال أن تتحرر من قيدها، وحاولت أن تنهض لكن محاولتها باءت بالفشل، فكانت تكلم ملك التي هدأت نوعًا ما قليلًا، لكن هدوءها أثار خوف اروى عليها فسكنت لتفكر مسبلة العينين، وفي حذر وتركيز تام راحت تفك قيد ذراعيها الذي أخذ بضع دقائق منها لكنها فلحت، فضحكت في ظفر وهي تدلك رسغيها، ولم تلبث أن فكت قيد قدميها وألقت بالحبال بعيدًا في لا مبالاة، ونهضت تدفع الباب المغلق في إحكام تام، وهي تصيح:
_ ملك، ملك أنتِ كويسة ردي عليا بالله عليكِ.
على ما يبدو إن خوفها عليها جعلها تنسى أن ملك لا تتكلم.
وقفت في إنهاك مسندة على الباب في عجز، لكن فجأة قفزت في ذهنها فكرة في غمرة هدوئها ذاك، فالتقطت دبوسٌ من خصلاتها وأخذت تعالج رتاج الباب وهي تهمس:
_ الواحد لازم يفكر الأول مش يندفع وخلاص.
تكة واحدة نبأتها إن محاولتها قد أفلحت، فتنفست الصعداء وهي تدفع الباب مندفعة بدورها للداخل، فقابلها ظلامٌ دامس، فغمغمت بضيق:
_ الكلاب.
اخترقت ببصرها الظلام السائد حتى أبصرت ملك التي كانت ترتجف وهي تدفن وجهها بين ذراعيها على ركبتيها المثنيتين.
فضمت جسدها بلوعة، وهي تهمس مهونة:
_ أنا هنا يا ملك أنا معاكِ اهووه، أنتِ مش لوحدك.
تيبس جسد ملك بين ذراعيها سرعان ما انفجرت باكية وهي تتشبث فيها بانهيار، وأروى تمسح دموعها برفق، متمتمة في غضب أعمى:
_ والله لأدفعهم التمن غالي. تعالي نطلع من هنا.
أمسكت بكف ملك المرتجف وأحاطت جسدها وخاصةً رأسها الذي كان مدفون في كتفها حتى تهرب من الظلام المحيط بها.
كانت شاحبة الوجه كمن لم يصدق إنه نجا من موتٌ محتم.
فما إن أحست بالضوء يغمرها إذ ابتعدت عن أروى التي، قالت لها:
_ استنى هنا.
شرعت تعالج رتاج الباب كما فعلت سابقًا حتى صك أذنيها صوت تكة قفل الباب الذي انفتح بيسر، فضمت كف ملك وهي تدفع بكفها الآخر الباب وما كادت تخطو خطوة واحدة إذ وقع بصرها على فوهتين مدفعتين موجهتين على رأسهما، فزمت شفتيها وهي تتراجع بملك التي انكمشت على نفسها، وألتصقت فيها.
لوحت اروى للرجلان في إنفعال، وضحكت ضحكة قصيرة، أعقبتها بقولها المفتعل:
_ هاي.
واستجمعت كل قوتها، لتدفع ملك جانبًا خلف الباب، في نفس اللحظة التي دارت فيها على عقبيها راكلة إحدى المدفعين، وبيسراها أمسكت مسورة الآخر ورفعته لأعلى، وبيمناها وجهت للأول لكمة على فكه، وركلت الثاني في معدته ركلة أودعت فيها كل ما تملك من قوة، فأرتد للخلف وكانت هي تسحب المدفع منه وهوت بكعبه على أنفه الذي انفجر بالدماء بصورة مخيفة، جعلت ملك تشهق وهي تكتم فمها بكفيها في ارتياع، والفزع يطل من عينيها.
ورأت أحد الرجال يكتف أروى وهم الثاني بلكمها إلا انها قفزت محيطة بعنقه من الخلف، وبأسنانها عضت كتفه، فأطلق الرجل صرخة عالية، وفي مهارة مقاتل محترف كان يسحب ذراعها في عنف وألقاها إلى الجدار فارتطمت به في قوة وسقطت أرضًا على رأسها الذي انفتح، فاتسعت عينا أروى وقد اشتعلتا غضبًا، وهدرت قائلة:
_ ستدفع الثمن يا هذا.
قالتها، وهوت بمرفقها عدت مرات على معدة الرجل الممسك بها من الخلف، ودفعته عنها لتواجهه، وشياطين الغضب تتراقص أمام عينيها لتفجر في أعمق أعماقها كل ما تدربت عليه، فقفزت على المدفع الآلي في ذات اللحظة التي كاد الشابين أن يهجما عليها فتصادما وسقطا أرضًا، وقبل أن يعتدلا كانت فوهة المدفع في وجهيهما، فأطلقت منه طلقتين على ساق كلا منهما، وهي تغمغم:
_ إي إيد ضربت بيها أختي يا حقير.
صرختين متألمتين انطلقتا من أفواه الرجلين، وقد بدا أنهما لم يفهما حرفًا مما قالت، فأطلقت على ذراع الرجل الذي ضرب ملك، فأطلق صرخة عالية رجت الأرض رجًا، وكاد يهجم عليها لكنها بادرته على عنقه بالمدفع في مكان معين فخر أسفل قدميها، وصرخ الآخر وهو يزحف للخلف ملوحًا بكفه:
_ لا، لا تقتليني لقد كنت أنفذ الأوامر فقط، صدقيني.
رفعت أروى رأسه إليها، وهي تغمغم:
_ صدقتك يا رجل، ممن هذه الأوامر إذن؟
أطل الفزع من عينا الرجل المتسعتين، وهز رأسه وهو يقول:
_ لا يمكنني أن أخبرك، سيقتلني.
ألصقت اروى فوهة المدفع في صدغه، وهي تهتف فيه بسخط:
_ وأن لم تخبرني سأقتلك أنا يا هذا… أيهما تفضل موتي أم موت الوغد الذي تعمل معه أيًا كان؟
في جنون منفعل وارتياع هز الرجل رأسه، فلكمته أروى في عنف لكمتين على فكه، وصرخت:
_ أنطق يا هذا… لن تخبرني إذن؟… أنت حُر.
ومالت عليه، هاتفة في قسوة:
_ أين باقي البنات الذين كانوا معي.
ألتقطت أذنا الرجل حفيف أقدام، فتلاشى كل رعبه وهو يقول لها:
_ لقد انتهيتِ ها هم باقي الزملاء قد حضروا… لقد أنتهيتن.
رفعت أروى المدفع فوق رأسها وهوت به على رأسه، وهي تصيح:
_ ليس بعد يا هذا، لا يمكنك أن تجزم من سينتهي الأول.
ذهب الرجل في غيبوبة عميقة، فاستدارت هي إلى ملك وعاونتها على النهوض والتقطت المدفع الآخر لتعلقه على كتفها، ودار ببصرها في المكان المملوء بالأشجار وقالت في حيرة وهي تدفع ملك لتسير أمامها في الطريق الذي لم يأتيها منه أدنى حركة:
_ يا رب يكون الطريق الصح أنا محتارة.
وتناهى لها وقع أقدام تقترب.. وتقترب.. وتقترب..
فجذبت ملك وشرعت تركض في طريقٌ لا تعلم إن كان طريق النجاة، أم طريق الهلاك.
أمام مصنع مهجور متفرغ، وسط بقعة نائية، مليئة بالأشجار الكثيفة، التي تظلل أغصانه ذاك المصنع، انتشر الشباب خلف الأشجار وكلٌ منهم متهيئٌ للقتال متذودين بالأسلحة، وراحوا يراقبون المصنع بحذر وترقب شديدين، إلا أن طال الوقت دون أدنى حركة تنبأ عن وجود أحد داخل المصنع أو خارجه حتى.
فتحرك أراس من موقعه وتقدم بحذر وهو يشهر السلاح أمام وجهه، ويدير بصره حوله، وباغتته حركة من الخلف، جعلته يتحفز وهو يستدير في عنف وأصبعُه على الزناد، وأرتخى تحفزه وجسده حين وجد أن تلك الحركة صادرة عن خالد الذي يتبعه في حذر، وتلفت ليجد الشباب حذو حذوه كلهم، فواصل سيره إلى أن وقف جانب باب المصنع، ورفع فوهة السلاح عاليًا، وبيده الخالية دفع الباب في نفس اللحظة التي قفز فيها خالد أمام الباب من الجانب الآخر له مشهرًا السلاح، لكنه تفاجئ بعدم وجود أي رجل، أو أثر للحياة في الداخل، فعقد حاجبيه متعجبًا وتسلل للداخل و وراءه باقي الشباب، وهنا تلاشى كل تحفزهم للقتال وحل محله الحنق وهم يفتحوا كل غرف المصنع التي لاحت خالية، فخرجوا كلهم في الوسط، وغمغم أراس مغضبًا:
_ يا الله، لا يوجد أحد.
جز خالد على أسنانه غيظًا، ولوح بسلاحه، وقال في غضب هادر:
_ الآن لا أحد؟ ضيعت وقتنا يا هذا، لماذا جئت بنا إذ لم تكن واثق…
بترت عبارته فجأة، صيحة حمزة، وهو يندفع إلى الباب ملتقطًا شيئًا من الأرض، متمتمًا:
_ هذا لـ أروى.
قالها، وهو يتأمل دبوس خصلات أروى في حنان، فأخذه أراس من كفه وهو يغمغم:
_ إذن كانوا هنا.
وشرد فجأة في حزنٌ عميق أكتنف كل كيانه، وشق قلبه شقًا.
تُرى كيف حال خديجة؟ أبخير أم تعاني؟ يا ويلهم أن مسها أحدٌ بسوء. بل يا ويلهم جميعًا منه أن كانت بخير أو لا. فقط لتعود إليه ويقسم إنه لن يتمنى إي شيءٍ آخر في الحياة. فقط لتعود بخير. سالمة. آمنة. فهي سلامه وأمانه بدونها هو ريشة بالية تتقاذفها الرياح كما يحلو لها.
" إذ كانوا هنا فأين هم؟ كيف علموا بمجيئنا فأخرجوهن قبل أن نصل؟ هل… هل ثمة خائن بيننا "
قال إسلام تلك العبارة في توتر ملحوظ، ممزوج بالقلق، والحيرة في آن.
فأومأ خالد وهو ينقل بصره بين أراس وآجار، وقال متهمًا إياهم في شراسة:
_ أكيد بيننا خائن يتصنع الانتماء والطيبة.
حدجه آجار في غيظ، فمنذُ أن علم إنه هو من أحقنه بإبرة مخدرة، وقد كان ينتحل شخصية ماهر وهو يغلي غضبًا، ويود لو ينقض عليه يفترسه، وقد راودته الفكرة وكان قاب قوسين أو أدنى من تنفيذها لولا إن صاح عاصم في ارتياع فجأة:
_ قنبلة… ثمة قنبلة في هذا المصنع اخلوا المكان.
ساد الهرج بينهما وإيا منهم لم يتحرك، فصرخ فيهم وهو يدفع كل من تطيله يده أمامه:
_ قُلت أخلوا المكان، تحركوا يا مجانين لم يعد لدينا وقت سنتفجر في الحال…
ما كاد يتمم صراخه الهادر فيهم وإذ بالانفجار يدوي من خلفهم، انفجار رهيب، عظيم، مخيف دفع أجسادهم للأمام عدت أمتار.
وتساقطوا كلهم على وجوههم، ولفحتهم النار بحرارة رهيبة، جعلت إسلام يسعل باختناق وهو يمسك قلبه ويلتفت إلى النار التي تندلع في المصنع بهلع.
هل كان سيلقى حتفه توًا؟ رباه! ألو لم يخرج لكان الآن استحال رمادًا!
أنعكست النار في عينيه وهو يراقب خبوها بعينين فزعتين لا تصدقان إنه نجى، ونظر بجانبه ليجد مالك قد انقلب على ظهره متمتمًا:
_ كنا هنموت.
استعاد أراس جأشه فورًا وهب واقفًا، وفي ذات اللحظة التي أمطر عليهم وابلٌ من الرصاص فانحنى أراضًا وهو يلتقط سلاحه الذي سقط منه إثر الانفجار ويعاون آجار على النهوض ويستتروا خلف الأشجار ويتبادلان النيران الذي اندلعت فجأة، بينما حمى آجار ظهور باقي الشباب حتى اختبئوا.
ورأى عاصم يأخذ أخيه إسلام ومالك وسمع خالد يقول:
_ في أمانتك يا عاصم.
دفع عاصم الشباب أمامه واختبئ بهم وانشغل فجأة بإفراغ خزانة مسدسه.
لم يكن الأمر هين. والخصم بدا لهم خصمٌ غير مرئي إلا خيالات الرجال التي كانت منتشرة في كل مكان، وبدا لهم الأمر عسير، إذ نفذت ذخيرة أراس، والأسلحة التي بحوذتهم أجمعهم لن تكفي لصد هذا الهجوم غير المتكافئ، ولم تلبث مسدسات باقي الشباب أن نفذت كلها، وسرت بينهم موجة توتر عنيفة، مع قلق مبهم للموقف العصيب هذا، وفي يأس غمغم أراس:
_ أهي النهاية؟ ألن أنقذ خديجة؟!
وصك على أسنانه وعيناه ترصد الرجال حتى التقطا أقربهم إليه، فضرب قبضة يده في راحته الأخرى وهدر في شراهة:
_ فليكن، أتريدها حربًا… فليكن.
وعدا فجأة والرصاص يتساقط حوله، بين قدميه، وتمرق جوار رأسه، واخترقت أحداهم فخذه لكن كل هذا لم يبطئ من عدوه نحو هدفه، ولم يزعزع ثباته. كان كل همه خديجة وليذهب كل شيء غير هذا.
وراقبوه الشباب بفزع، وغمغم حمزة:
_ ماذا يفعل هذا المجنون؟
أجابه خالد في حيرة، وهو يراقب عدو أراس في خط ركض متعرج والرصاص يطيش حوله:
_ بل قل ماذا دهاه ليلقي نفسه بين النيران غير آبهًا بنفسه!
وواصل مراقبته في انبهار وهو يقفز عاليًا ليركل بيمناه الرجل قبل أن تستقرا قدميه أرضًا، ويسحب منه المدفع وهو يلكمه لكمة ساحقة ردته للخلف لينصدم في الشجرة ويرتد للأمام مجددًا كقطعة إسفنج.
وفجأة… أطلق صرخة من أعمق أعماقه وهو يحصد الرجال في مهارة، ويتدحرج على الأرض، ويتفادى.
فهجم الشباب بدورهم مثله، وبرز عاصم فجأة وراح يلقي قنبلة بين الرجال بعد ما حدد هدفهم.
وضحك ضحكة قصيرة وهو يراقب الانفجار الذي صنعه، لكن ضحكته خبت فجأة مع شهقة إسلام، فاستدار تلقائيًا ليرى خمس رجال موجهين أفواه المدافع عليهم، فدار على عقبيه راكلًا أقرب مدفع، ومطيحًا بآخر بقبضته، وعاونه مالك وإسلام.
وعلى الجانب الآخر كانت قد نفذت ذخيرة أراس فألقى المدفع في نفس اللحظات التي التقطت فيها عيناه أحدٍ يصوب السلاح عليه ويطلق. وفي مهارة قفز جانبًا، وأعتدل على ركبتيه ممسكًا بحجر بحجم الكف وألقاه في وجه من أطلق نحوه، وقبل أن يهب واقفًا كانت عشرات المدافع مصوبة عليه، فدار ببصره على الرجال وعقله يعمل في خطة لهذا المأزق.
وفجأة، جاءته النجدة فقد دوى هدير مروحة هليكوبتر، وبداخل الطائرة تردد صوت أركان ممزوجًا بصوت المروحة:
_ لقد جئتكم أيها الأوغاد، إلى الجحيم.
وأنهمرت رصاصات الهليكوبتر تحصد الرجال حصدًا، وهو يمسك عصا القيادة، ويدور في المكان حتى لم يبق منهم أحد، وانخفض بالهليكوبتر وهو يهتف في الشباب الذين تجمعوا، وقفز اراس بداخلها. وأثناء قفزته للداخل انهمر الدم من إصابته، فصاح فيه أركان:
_ يا إلهي… أنت تنزف.
فرد عليه آجار، وهو يهرع إلى أراس:
_ سأهتم أنا بجرحه وأهتم أنت بأقلاعك.
فخطف أركان نظرة ليتاكد أن الشباب كلهم بخير، ورفع عصا القيادة لترتفع الهليكوبتر.
حلق أركان بالهليكوبتر حتى وجد نقطة يهبط فوقها بسلام، وبداخلها كان أراس جالس مستسلم تمامًا لـ آجار الذي كان يضمد جرحه، ولم ينبس ببنت شفة. كان يتطلع عبر الواجهة الزجاجية، صامتًا كتمثال من الحجر، وعيناه شاردتان، وكل خلجة من خلجاته تعلن الاستغراق في تفكير عميق… وحزن أكثر عمقًا.
وراح عقله يسترجع كل لحظة قضاها مع خديجة حبيبة فؤاده، ودواء روحه، لا هي قريبة فيطمئن ولا هي بقربه فيسكن، لا هي معه ولا يعرف مكانها، وكم مؤلم هذا.
« هلا أخبرتني يا سيد أراس ما الذي فعلته بماهر؟ إلى متى ستظل متهورًا يا فتى!»
تسللت عبارة أركان إلى أذنيه بغتة، لتدحر عنه صورة خديجة، وصوت خديجة، وضحكة خديجة، وكلمات خديجة، وارتسمت على ثغره بسمة ساخرة ولم يعر أخيه أي اهتمام بإجابته، وراح عقله يستعيد ما فعله بماهر.
بعد ما صلى الفجر، وبينما هو صافي الذهن يفكر فيمن ممكن أن يكون له يد في خطف البنات وراح كل تفكيره فجأة إلى ماهر، بيد إنه عدو لمار الوحيد وأكثر من يريد قتلهم جميعًا، ودون أدنى تقاعس أو تمهل طار بسيارته إلى القبو الذي يأسر فيه أخيه ماهر وأخذه إلى مكان خاص به، أو بوكره بالأصح، وكانت رؤيته كرؤية شيطان مارد يتأجج بالنيران بالنسبة لماهر، وهناك ثبته على إحدى المقاعد وبجواره صاعق كهربائيّ، وأمسك خنجرًا وهو يسير أمامه ذهابًا وإيابًا، متسائلًا:
_ أين خديجة يا رجل، من خطفها، أنا كلي يقين بأن لك يد في هذا!
وفي ارتياع هز ماهر رأسه بنفي، والزعر يطل من عينيه هائلًا، وهمس بصوت خافت للغاية خشية أن يثير صوته غضب أراس:
_ لا أعلم اقسم لك لا أعلم، ليس لي يد بهذا!
وقف أراس فجأة واستدار في عنف زاد من رهبة ماهر الذي انكمش في نفسه، وقال ببطء مخيف أرجف قلب ماهر:
_ إذن أنت تصر على أنك لا تعلم…
وقبض على ذراعي المقعد وهو يميل إلى ماهر متطلعًا في عينيه، وهمس:
_ تصر على عدم التعاون معي… وهذا يعني.
أبتعد عنه وارتسم على ثغره بسمة مخيفة، ماكرة وهو يصوب خنجره بين قدمي ماهر، مغمغمًا:
_ هذا يعني أنك تستحق هذا.
ورمى خنجره، وصرخ ماهر صرخة رعب من صميم قلبه، وهو يغلق عينيه في عنف لكن… مهلًا لم يشعر بأي ألم قط، ففتح عينيه وتطلع أسفل قدميه فوجد الخنجر جوار إبهامه مباشرةً، وانتزعه صوت أراس، في حنق:
_ لا إراقة دماء لقد وعدت خديجة، ألن تتكلم يا ماهر، أنت تعلم كم أبغض الرجال العنيدين أمثالك، أما إنك لا تدرك هذا؟
حدق فيه ماهر وهو يكاد يموت خوفًا، وصرخ:
_ لا أعلم صدقني لا أعلم، ليس لدي أدنى فكرة عن مكانهم ولا من فعل هذا.
رفع اراس حاجبه وخفضه وهو يقول:
_ هكذا؟؟ فليكن.
وقرب إصبعه برفق إلى زر جعل قلب ماهر يهوى بين قدميه، والزعر يصرخ في عينيه وهو يهز رأسه، لكن أراس ضغط، وراح جسده ينتفض بأكمله، وضاعت صرخته مع انتفاضة جسده بصورة رهيبة، حتى أوقف أراس الجهاز وتهاوت رأس ماهر فوق صدره، والغرق يتصبب من جسده بغزارة، بدا كأنه على وشك الموت أو مات وهو جاحظ العينين متراخي الجسد.
وصدح صوت اراس مجددًا صرامًا، مخيفًا، حازمًا:
_ أتصر على ألتزام الصمت يا ماهر… أأتابع؟
لم يتلق ردًا فمد كفه إلى الزر ما كاد يبلغه إذ هتف ماهر بتهالك، وضعف:
_ أعرف، أعرف… أعرف سأخبرك، لكن لا تفعل… لا تكهربني.
عقد أراس ساعديه، وابتسم في ظفر وهو يهمس:
_ رائع… رائع للغاية أليّ بما تعرف يا سيد ماهر.
تردد ماهر لهنيهة، ولاذ بالصمت مليًا وهو يستعيد الفيديو الذي أراه له أراس، وغمغم:
_ المكان الذي به البنات هو مكان كان خاص بعمليات والدك في إحدى مصانعه في ********.
" والآن ماذا سنفعل "
نطق خالد العبارة، التي جذبت انتباه الجميع بلا استثناء، وأنتشلت أراس من شروده، فتطلع فيه في صمت تام وهو يفكر.. ويفكر.. ويفكر. وفجأة صاح في اهتمام، وبنبرة تموج بالصرامة، والحزم:
_ سنفعل ما علينا فعله!
قاطعه حمزة في اهتمام وهو يميل للأمام:
_ كيف؟
تنهد أراس وعاد بظهره للخلف وشرد مليًا، قبل أن يغمغم:
_ لنضع أنفسنا بدل المختطفين. أين يمكن في رأيك أن نغير مكان الآسرى الذي انكشف في هذه السرعة…
قلب كفيه متمتمًا:
_ لن يكون هناك وقت بالتأكيد فالمكان بعيد كما ترى، لذا ثمة أمرين لا ثالث لهما…
قاطعه عاصم متسائلًا:
_ ما هما؟
نقل أراس بصره في وجوه الجميع، الذين يتطلعون إليه في اهتمام، وأردف:
_ أولاً أن يكون ثمة مكان قريب في تلك البقعة بالتحديد ونقلوا البنات فيه…
غمغم آجار:
_ هذا ممكن جدًا.
وقال مالك في حيرة:
_ ولكن كيف سنجد هذا المكان؟
تجاهل أراس قولهما، وتابع:
_ إما الثاني فهو أن أترك البنات وحدهن وسط هذه الغابة المخيفة وهذا أصعب حل على ما يبدو.
خيم صمت تام بعد أن فجر عبارته التي أثارت قلقهم، فغمغم مالك في مرارة:
_ ملك بتخاف من الظلمة.
لم يفهم أراس وأركان وإسلام ما قال غير اسم ملك، بينما تبادل هو وإخوانه نظرة قلقة تمور بالاضطراب.
تطلع أراس إلى الشفق بعينان غشاهما الحزن والمرارة، وقال:
_ الشمس على وشك المغيب والليل يُعَسْعَسَ…
وهب واقفًا وهو يضيف في صرامة:
_ لن أبقى هنا ولا دقيقة واحدة، سأذهب لأنبش هذه الأرض نبشًا حتى أجدها أو أموت.
وقفز من داخل الهليكوبتر وهو يسترسل:
_ سآخذ معي ما يلزمني ولن أعود إلا وهي معي.
تبعه خالد والحيرة تجوس في نفسه. هل يحب هذا الشاب أخته لهذه الدرجة؟ أمستعد أن يضحي بروحه لأجل أن تكون بخير! لقد قفز وسط النيران دون أن يأبه لنفسه من أجل خديجة فما هذا الحب الذي يكنه لأخته؟!
وقف قبالته، وقال وهو ينظر مباشرة في عينيه:
_ أتحب أختي لهذه الدرجة يا هذا؟ لدرجة أن تلقي نفسك وسط النيران، والآن تريد أن تتوغل داخل مكان لا تدري ما الذي ينتظرك بداخله؟
وضع أراس كفيه على كتفي خالد، وقال في صرامة وهو يتطلع في عينيه:
_ أنا أدافع عنها بحياتي، وأفديها بروحي يا هذا.. لأن؛ ليس ليّ شيء أخسره إذ خسرتها… روحي ونفسي لا قيمة لهما بدونها.
شعر خالد بصدق حديثه الذي لامس وترًا مرهفًا في قلبه، وكان عقله متوقفًا عن التفكير خوفًا، وقلقًا، فقال:
_ إذن ما الذي ينبغي أن نفعله؟
أجابه أراس في هدوء:
_ أن نخوض تلك الغابة وننبش الأرض قرب المصنع بحثًا.
أومأ خالد وقد استعاد لهجته الصارمة:
_ سنفترق إذن.
ألتفت أراس يواجه باقي الشباب وهو يجيبه:
_ هذا ما يجب أن يكون، وأتمنى أن يفلح.
وقال وهو ينظر إلى أخيه الجالس خلف مقعد القيادة:
_ سأكون أنا وأركان وآجار معًا.
قاطعه خالد بنفي:
_ أنا من سأكون معك، وآجار سيكون مع إسلام…
قاطعه آجار في حده وهو يرمق إسلام في غضب:
_ لن أكون مع غير أراس يا هذا.
أشار له أراس في صمت:
_ بلى كونا معًا ابحثا عن أختكما، وأنا وأركان وخالد سنبحث معًا، حمزة وعاصم ومعاذ ومالك سيكونا معًا.
" لقد أتيت وماذا عني "
أنبعث صوت نجيب لاهثًا من خلفهم، فأقبل عليه أراس وألتقط منه حقيبة سوداء وهو يتمتم:
_ جيد لقد أتيت في الوقت المناسب ستكون معي.
وفتح الحقيبة ليعطي كل واحد من الشباب منظار للرؤية الليلية وهو، يغمغم:
_ ستفيدكم هذه كثيرًا… وثمة أسلحة لمن يريد.
قالها، وهو يخرج عدت خناجر علقها في حزامه وتناول مدفع آلي علقه على كتفه، وقال:
_ هنا سنفترق يا رفاق، لنكن على تواصل إذ ما جد شيء.
قال عبارته، وسار في طريقه وخلفه أركان وخالد ونجيب، وانتشر الشباب في المكان، وتوغلوا أكثر… فأكثر… فأكثر… دون أن يدرك أحد منهم ما في انتظاره في هذا المكان!
حل الليل.
رواية جحر الشيطان الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ندي ممدوح
على الرغم من إن الظلام الحالك يلفها برداء حالك السواد، والطريق معتم لا ترى حتى يديها.
جروحٌ طفيفةٌ انتشرت في جسدها بأكمله؛ جراء الزروع المشوكة التي لم تلاحظها.
كانت خديجة تسير على غير هوادة.
كانت تعلم لا ريب إنها ربما تقطع الطريق الخطأ.
وربما تواجه ما لا تستطع عليه صبرًا.
وربما هو طريق بلا عودة.. بلى أمل.. بلى نجاة.
رغم كل هذا كانت تسير في هدوء مثير للعجب.
وخفف ساقيها كان يرعد فؤادها برعدة قوية.
ولسانها يردد في هدوء عكس جم ما يجوس من أعماقها، من قلق ليس على نفسها، بل على البنات.
"لا إله إلا الله."
بيقين تام، وثقة، وحسن ظن في الخالق، كانت ترددها بكل راحة.
"أوليس بذكر الله تطمئن القلوب، وتسكن؟"
وهي كانت مطمئنة القلب، واثقة الإيمان.
فجأة!
قفزت في ذهنها أنشودة من اللا مكان.. أنشودة عن الحبيب محمدٍ ﷺ.
وراح عقلها يرددها:
"فيا حبٌ ويا وجد واشتياقٌ لا يحدُ
يا رسول الله قلبي لم يزل باسمك يشدو
أنت للعالم رحمة جئت تمحو كل ظلمة
نحن يا خير رسول بك صرنا خير امة
حبك الساكن فيا لم يزل يهمي علي
بهجة في الروح فاضت وسلاما ابديا
صل يا رب عليه واسقنا من راحته
ذابت الروح وتاقت وبكت شوقا اليه
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع"
وبغتة انفجرت باكية، وهي ترددها كأن قلبها قد وجد ضالته.
واستندت إلى جذع الشجرة وانهارت على ركبتيها، وهي تنظر حولها في خوف.
وبعد إن شق عليها هذا الظلام الحالك، رفعت عينيها إلى صفحة السماء التي غطت بالنجوم الساهرة كأنها تخبرها همسًا: "ألا بأس نحنُ معكِ، لا ضير من البكاء، ففي الدموع راحة".
ودارت ببصرها إلى القمر المنير، المكتمل، فبدا جميلُ الطلة، مريحٌ للنفس، يرمقها في حنان، قائلًا خلسة: "هأنذا أنير طريقك، فلما البكاء؟"
كان بداخلها اشتياق غريب طفى في فؤادها دون سابق إنذار إلى حبيبها المصطفى.
فجرى الدمع منهمرًا من مآقيها، وانتحبت وهي تنقل بصرها إلى القمر، والنجوم.
وقالت بنبرة متحشرجة كأنما تخاطب رفقاءها، منصتون إليها، مهتمون:
"هو أنا خلاص هموت هنا؟ ولا هخرج؟ أنا مش خايفة من الموت أبدًا، عشان لما اموت هشوف حبيبي محمد وحشني أوي واشتقت ليه جدًا."
صمتت لهنيهة، مسحت خلالها أدمعها، وشردت كأن روحها، وقلبها، رفرفا محلقين، وتألقتا مقلتيها بلمعة تضوي.
ورددت بصوت يقطر شوقًا، وحنانًا، و وجدًا:
"لقد كان رسول الله ﷺ متوسط القامة، لا طويلٌ ولا قصير، ذا وجهٌ مستدير إذا تبسم استنار وجهه كالقمر، أكحل العينين، كث اللحية، شديد سواد الشعر، كان طيبُ الرائحة، عريضُ الصدر."
"بحُبك يا رسول الله رق قلبي وطاب، بحُبك يا رسولي اطمئن، وبذكرك استنار دربي، حُبك ملأ الحنايا شوقًا، وفاض القلب حنينًا لمرآك يا سراجُ نفسي، فاسقني يا رب من راحتيه الشرفتين فهذا كل ما أرجوه."
لا مرية في أن خديجة لم تدرك كم مر عليها، وهي في تلك الحالة من الوعي واللا وعي.
فمن غير الممكن أن يكون المرء وحيدًا في مكان نائي عن البشر.. عن العالم.. ويظل بهذا الثبات، بهذا اليقين، بهذا الهدوء.
لكننا لا نتحدث عن أي أحد، إننا نتحدث عن خديجة.
خديجة ذات الإيمان القوي، والعزيمة الشديدة.
فقوتها تكمن في حسن ظنها بالله.
وإرادتها تنبعث من إن ( لا إله إلا الله).
حين ضاق بها المقام، نهضت، وتلفتت حولها مرة أخيرة، قبل أن تتحرك دون هدف محدد، أو سبيل معين.
لقد تركت لقدميها دفة المسير وتوكل قلبها على الحي القيوم.
سيعينها عما هي فيه، وإن شاء لها النجاة فستنجو ولا قوة ستقدر على ردع ما هو مكتوب.
وبينما هي تسير، وفي غمرة حيرتها، وتخبطها، انزلقت قدميها في بحيرة عميقة سحبتها في سرعة إلى أعماقها.
ومع صراخها الذي انكتم إثر اندفاع جسدها للأسفل، تحركت ذراعيها، وقدميها، ليضربا الماء وتسبح لأعلى وهي تختنق.. وتختنق.. وتختنق..
حتى ظنت إنها النهاية.
وفجأة شهقت.. شهقت الحياة وهي تلهث ما إن وصلت إلى سطح البحيرة، واستنشقت الهواء لتملأ به رئتيها.
"يا الله هل في الهواء حياة؟"
فقد أحست إنها عادت للحياة ما أن تسلل الهواء إلى رئتيها.
"كم نعمك لا تحصى يا رحمن؟ فسبحانك."
كان نقابها مبتلًا، بل يغرق في الماء ويُصب منه صبًا وأحست بالاختناق.
في نفس اللحظة التي سقطت فيها، كانت هناك على مقربه منها عينان شرستان، متوحشتان، تتألقان في جذل ظافر، وهما يشاهدانها.
وردد الصوت مهللًا:
"ستموتين يا خديجة الآن، أنا لم أفعل كل هذا، وآتيت بكل تلك الوحوش حتى أخسر؟ حتمًا لن تخرجوا جميعكم أحياء."
لكن ما أن طفت خديجة على سطح البحيرة، ورآها كيف عامت وها هي ذا أمامه تلتقط أنفاسها، حتى جز على أسنانه، مغمغمًا في مقت:
"مما مصنعون أحفاد لمار هؤلاء؟"
لكن سرعان ما تلاشى مقته، وحل محله بسمة تشف عن أن خديجة هالكة لا محالة.
وردد:
"لن تنجي يا خديجة، فأنا لم ادفع كل ما دفعت لتنجي، ستكونين وجبة دسمة يا فتاة."
وانطلقت ضحكته، خافتة، شامتة.
وعند خديجة أحست فجأة بشيءٍ ما، شيء يتحرك في سرعة رهيبة نحوها.
وفي بطء كانت تستدير وما كادت تفعل إذ ترآى لها تمساح يقبل نحوها.
وما كاد يقترب.. ويقترب.. ويقترب.. والمسافة تنزوي أكثر، وأكثر، وأكثر إذ فتح التمساح فكيه على آخرهما.
واتسعت عينا خديجة في هلع، وزعر، وهزت رأسها.
وراوَدها خاطر أن تعوم مبتعدة لكن.. آهٍ من لكن تلك!
آهٍ وألف آه!
هل ستضاهي سرعتها سرعة تمساح؟ لا وألف لا.
خفق قلبها في جنون، وانتفض جسدها، وراقبت فكي التمساح أمامها مباشرة، مخيف، رهيب، وسيبتلعها حتمًا.
فصرخت من كل أعماقها وهي تغطي وجهها بذراعها وتنظر بعيدًا عن فك التمساح الرهيب…
***
شعور هائل بالعجز ذاك الذي ملأ قلب خالد، شعورًا لم يشعر به يومًا، ولم يزر حياته قط، بعد أن تفرق مع آراس وأركان في أماكن قريبة جدًا حتى إذ حدث شيئًا ما يتوجب وجودهم ثلاثتهم.
وبينما هو يسير إذ على غرة ارتطم فيه جسد ضئيل، جعله يتراجع خطوة.
وصوت أنثى مألوفًا يهمس في ألم:
"فيم أنصدمتِ يا هنا الآن؟ يا إلهي، جبيني تحطم."
ثُم رفعت عينيها إلى خالد الذاهل، وصاحت في انفعال:
"كالد، أهذا أنت؟ لا أصدق.. أخيرًا وجدت أحد…"
قاطع خالد حديثها، قائلًا في استنكار:
"كالد!! اسمي خالد يا حبيبتي .. وليس كالد هذا."
شوحت هنا بكفها في لا مبالاة، وغمغمت:
"ماذا تفعل هنا؟"
رفع خالد حاجبيه مندهشًا من سؤالها لدقيقة، سرعان ما اخفضهما وهو يجيبها في حنق:
"أروح عن نفسي يا عزيزتي، ألا ترين؟ هنا مكان ولا في الأحلام.."
واستطرد في عصبية منفعلها، جعلتها تنتفض:
"ما هذا السؤال أيتها الغبية! في رأيك ماذا أفعل بالتأكيد لم آتِ لأتنزه هنا."
زمت هنا شفتيها في حنق، وغمغمت:
"ألا تعرف أن تتحدث دون سخرية؟"
مرر خالد كفه في شعره، وقال في هدوء:
"ألم تري أي أحد من البنات؟"
هزت هنا رأسها في قلق، وأجابته:
"لا، ولكن هما ه…"
لم تكمل عبارتها، فقد تناهى لهما صدى صوت أخيها أركان بإسم خديجة.
وخالد راح يعدو كالمجنون أمامها متتبعًا الصوت، فتلفتت حولها وهي تقول في خوف:
"لماذا تركني هذا المجنون بمفردي؟"
وتحركت تمشي في المكان الذي ركض فيه.
***
خفق قلبها في جنون، وانتفض جسدها، وراقبت فكي التمساح أمامها مباشرة، مخيف، رهيب، وسيبتلعها حتمًا.
فصرخت من كل أعماقها وهي تغطي وجهها بذراعها وتنظر بعيدًا عن فك التمساح الرهيب…
لم تدر خديجة ما حدث، فبينما هي تعصر جفنيها، في انتظار أن يبتلعها هذا التمساح، لم تشعر بأي ألم ولكنها سمعت صوت يصرخ بإسمها.
ثُم الماء يتناثر عليها بشدة، فما إن فتحت عينيها، حتى جحظتا في هلع.
فأمامها كان آراس يصارع التمساح وقد غرس في فكة الخنجر، وذراعه مصاب بشدة والدم يتنفجر منه تفجيرًا.
وشخصًا آخر يعتلي التمساح الذي راح يزمجر في ألم ويضرب بزيله الماء هائجًا، ثائرًا.
ولمحت عدت تماسيح تقترب منهم، فصرخت بإسم آراس الذي إلتفت إليها وضم وسطها بذراعه وسبح بها بعيدًا، والتماسيح تلاحقه.. تلاحق رائحة الدماء التي جذبتها.
لكنه كان سريعًا بحق فقد حمل خديجة وأخرجها من البحيرة وخرج بدوره.
وسائلها وهو يلهث في إنهاك:
"أأنتِ بخير؟ هل أصابك أي أذى؟"
أتاه ردها بأن ألقت نفسها في حضنه وهي تبكي بحرقة أدمت قلبه.
وقبل أن تنطق بحرف، كان خالد يسأل لاهثًا:
"خديجة."
أبتعدت خديجة على الفور عن آراس وألتفتت إليه بجانب عينيها، فسأل بغيرة واضحة:
"أنتِ كويسة صح باين إنك كويسة!"
كان آراس يحتويها بكل حنان الدنيا، كأنما يطمئن قلبه إنه وصل في الوقت المناسب، وأنقذها وها هي بين ذراعيه بجانب فؤاده.
صاح خالد فجأة حين لمح آركان في البحيرة يقاتل في استماتة:
"يا إلهي آركان!"
و وثب فورًا في البحيرة ليآزره.
أبعد آراس خديجة التي تشبثت به، فهمس في خفوت:
"سأعود إليكِ يجب أن أساعدهما!"
هم بالنهوض حين تعلقت خديجة في ذراعه السليم، وأطل الجزع في عينيها، وتمتمت بنفي:
"ذراعك مُصاب لا تذهب."
وأخفضت صوتها وهي تهمس في خوف غمر فؤادها:
"لا تتركني بمفردي."
كان الأمر عسيرًا عليه، من جهةٌ أخيه، وأخرى حبيبته التي لم يهوى القلب غيرها.
ومع ذلك أثر على أن يساند أخيه، فتحاشى النظر إليها كلا يرجع عما نوى وأفلت ذراعه وقفز داخل البحيرة.
ومع قفزته أشهر خنجره ليعتلي ظهر إحدى التماسيح الذي هاج وهو يضرب بزيله من خصمه الذي راح يطعنه دون هوادة في جنبه، وظهره فغاص أسفل الماء وراح يتقاتل معهم في جسارة.
وآركان وخالد يواجهوا المثل، لكنهما لم يفلحا.
فها خالد كاد إحدى التماسيح أن يقضم قدمه، وآركان يحاول بأستماته النجاة.
لكن آراس كان يصيبهم حتى يتفجر من جروحهم الدماء فيتكابل عليه اخواته.
وخرج من البحيرة لاهثًا وهو يستند بكفيه على الأرضية في أعياء، والماء يتصبب من جسده صبًا.
وقبل حتى أن يلتقط أنفاسه، سمع صوت خالد يسأل في تهالك قلق، وبصوت خافت يقطر بالإجهاد:
"أين خديجة، ألم تتركها هنا يا آراس؟ أم ماذا؟"
أعتدل آراس في الحال رافعًا رأسه إليه في حركة حادة، ولم يلبث إن راح يدير عينيه في المكان.. لكن بالفعل لم يكن هناك أثر لخديجة نهائيًا.
فهب واقفًا وراح يدور في المكان وهو يهتف:
"خديجة، خديجة أين أنتِ؟"
تكرر ندائة عدة مرات، قُبال بالهدوء التام وصدى صوته في المكان فقط، فزاغت عينيه كأن بريق الحياة قد خبى فجأة، وروحه قد فارقته، وتلاحقت أنفاسه، وخفق قلبه.
لقد فقدها.. فقدها مجددًا.. ولن يسامح نفسه أبدًا..
لقد ترجته ألا يتركها بمفردها وقد فعل.. فعل دون أن يدرك إنه لم يكن عليه تركها.. إنه يستحق ذلك..
لكن السؤال الوحيد الذي يدمي قلبه، أين ذهبت؟
لثاني مرة تنساب من بين يديه.. لثاني مرة ترحل عنه.. لكن هذه المرة هل يجدها..؟
أطلق صرخة مجلجلة بإسمها، صرخة نبعت من فؤاد يبكي.
ربما لم تبك عيناه، وظلت جامدتين، لكن قلبه بكى، والدموع راحت تهوى بداخله كأنها خطاطيفٌ من النار تلهب جسده.
***
سقطتت لمياء على وجهها في عنف، كانت تلهث بانفعال، وفؤادها يخفق في خوف كاد يوقف قلبها.
وما همت أن تعتدل لتستمر في فرارها لم تجد مناص من الهرب فسرعان ما سقطتت مرة اخرى جالسة.
وعيناها تحدقان في عينان الأفعى التي وقفت تتطلع عليها بفحيح دب الرعب في أوصالها.
فزحفت للخلف ومع تحركها فتحت الأفعى فمها وسال لعابها ليسقط على قدماي لمياء.
فأطلقت لمياء صرخة انشق لها فؤادها، وتزلزلت الأرض من تحتها، ونهضت وهي تنتحب من شدة الخوف، ودموعها تنصب صبًا من مقلتيها.
وتسمرت محلها حينما دارت الأفعى في سرعة فائقة ولُفت على جسد لمياء، مرة وراء مراء.
وراء أخرى..
وأرتفع جسد لمياء عن الأرض، و وجه الأفعى في وجهها تمامًا بينما باقي جسدها ملتف حول جسد لمياء التي شحب وجهها، وجحظت عينيها، وراحت الأفعى تعصر جسدها، ولمياء تختنق وتختنق بلا هوادة.. وبلا امل في النجاة..
وفجأة أنقض آجار على الأفعى، غارسًا الخنجر في عنقها فزمجرت في ألم وأفلتت لمياء التي هوى جسدها متخشبًا كأنما أصبح تمثال من الصلب.
وتلقفه إسلام بين ذراعيه في هلع..
ورفع وجهها الشاحب، ولطم على وجنتها في جزع وهو يردف في ارتياع:
"لمياء، حبيبتي، رجاءً أفتحي عينيكِ، أنتِ بخير أليس كذلك؟"
أمسك كفيها بين راحتيه وأخذ يفركهما في رفق وهو يردد اسمها في قلق.
وفجأة!
شهقت في قوة لتنظر له للحظة في فزع قبل ان تتلفت حولها في هلع وتنفجر باكية.
فتنفس إسلام الصعداء، وهو يهمس:
"أنتِ بخير، أليس كذلك؟ لم تصابي بأذى؟"
وانبعث صوت من جانبها الآخر يسألها في قلق:
"أأنتِ بخير، لا بأس لقد مضى.. لا بأس أنتِ على ما يرام."
سكت عنها البكاء، ومسحت دموعها وهي تنظر إلى إسلام، ثُم دارت رأسها ببطء إلى آجار، وازدردت لعابها في خوف.
بقت لدقيقة تنقل بصرها بينهما، وجسدها يرتعش برعدة قوية.
وبغتة بكت في حرقة وهي تصرخ ظنًا منها إنهما من الجن، او عفاريت.
فراح لسانها يستعوذ ويبسمل، وقلبها كاد ان يتوقف من فرط الرعب.
ونهضت فجأة مبتعدة، فتبادلا الشابان النظر في توتر، و وقفا.
واقترب إسلام منها هامسًا في تريث:
"لمياء، اهدئي يا عزيزتي هذا أنا إسلام."
توقف حينما تقهقرت للخلف عن التقدم نحوها، وراقب رأسها الذي اهتز في جنون رفضًا لكلامه.
فغمغم بضيق وهو ينظر إلى آجار:
"يا إلهي، الفتاة ستموت من فرط الرعب، أفعل شيء يا رجل! لماذا جئت معي بالأساس لم يكن جيدًا أن يدعونا معًا."
لم يعره آجار اهتمامًا، وقال في خفوت للمياء التي ترتجف كمن أصيبت بصاعق كهربائي:
"هلا توقفتي عن البكاء قليلًا.. رجاءً اهدئي أنا…"
آجهم أن ينطق باسمه الذي دعاه به ماهر، لكنه في اللحظة الأخيرة، همس في اضطراب:
"أنا وليد.. أنا وليد.. وليد."
كان يردد اسمه كأنما يخبر قلبه أن اسمه هو هذا ( وليد) ولد من جديد، ليس قاتل، ولم يفعل ما يُشين.
ومع ترديده سكتت لمياء وهي تحدق فيه بعينين متسعتين.
***
هوى جسد ملك من أعلى المرتفع، لكن تلقائيًا تعلقت بنتوء بارز بكفيها، فكان المنظر، رهيب، مخيف فجسدها يتطاير في الهواء.
ولولا إنها تعلقت بذاك النتوء لكانت في خبر كان الآن.
سالت دموعها من شدة العجز وهي تنظر للأسفل فأجتاح رأسها دوار شديد وانتفض قلبها من عمق الأرتفاع الشاهق، وتلك الصخور الصلدة التي ان سقط جسدها عليها فستحطم بدنها تحطيمًا.
أصابعها بدأت تنزلق من على النتوء من ثقل جسدها، فشهقت وهي تعصر جفنيها محاولة منها على أن تتماسك وتواجه الموت ببسالة.
وأحست بأناملها تنفلت شيئًا فشيئًا وجسدها يهتز.
وأنفلتت أصابعها وهوى جسدها سرعان ما ثبت في الهواء وارتطم بالجدار الصخري.
وأصابع قوية، خشنة، من فولاذ كانت تقبض على رسغها، وصوت معاذ خائف، مرتجف، مرتاب، يهمس:
"مسكت أيدك متخافيش هطلعك، اثبتي."
تلقائيًا ضمت كفها الآخرى على كفيه الممسكين بيمناها، فكان جسدها متعلقًا في الهواء مثير للشفقة.
سحبها معاذ لكن نتوء حاد انغرس في بطنه فجز على أسنانه وكاد يفلت كفها بسبب كفيه اللذان تراخا للحظة.
وسمع بكاء ملك الخائف يقطع نياط قلبه.
كان جذعه الأول بأكمله مائلًا في الفراغ، وتلاقت عيناها بنظرة متألمة، ورأت الدماء تغرق صدره.
فدارت بصرها إليه مرة أخرى لترى عيناه ثابتان، ممتلأتين حبًا، وخوفًا من الفراق، وهم بسحبها مرة أخرى وهو يهتف:
"ساعديني يا ملك، امسكِ ايدي كويس متسبهاش، هتطلعي."
كانت تشعر إنها لن تنجو قط، يستحيل أن لا تهوى.
فهزت له رأسها بدموعًا نزلت على قلبه كحمم بركانية وهو يقبض بقوة أكبر على أصابعها التي كانت تنزلق من ثقل جسدها الذي يتدلى.
وفي جنون صرخ:
"هتطلعي قولت، مش هسيبك."
أحست بكف آخر يقبض على اصابعها وصوت مالك يقول:
"مسكتك، متخافيش."
سحبها الأثنيين لأعلى ومع سحبها تدفق الدم من جرح معاذ أكثر من إثر الضغط.
وما إن ارتفع جسد ملك واستقر على الأرضية، حتى احتواها مالك في حضنه بحنان جارف، وهو يحمد الله، بينما بكت هي وهي تستكين في حضنه.
بكل مرار الدنيا، دون أن يشعر حتى بجرحه النازف، كان معاذ يدفن رأسه بين كفيه، ودموع ملك كالجمر تكوي قلبه، ليت له الحق بأن يمسح دموعها.
يضمها إلى صدره.. ليطمئن قلبه الخافق بين جنبيه على الأقل.. لقد كان يفقدها، يفقد الوحيدة التي خفق لها الفؤاد.
الحبيبة التي تجعل لحياته معنى.. ملاكه ذات البسمة التي تشرق قلبه وتمحو كرب الحياة منه.
تنبه لشروده على صوت أروى تقول:
"معاذ أنت بتنزف."
أحس معاذ بألم في بطنه ورأى الدم الذي ينزف منه، فرمق ملك وهو يجيب في خفوت:
"مش مهم.. المهم إن ملك بخير."
خلب قلبها الذي ألتفت إليه مع عيناها، فتلاقت نظراتهم، فلم تلبث ان خفضت بصرها في حياء.
تلفتت أروى حولها في اهتمام وهي تسأل:
"لمياء فين؟"
وهبت واقفة، وهي تصيح في انفعال:
"لمياء يا ربي."
ركضت وتلاشت في لمح البصر من امامهم فلحق بها معاذ على الفور، فين حين قال مالك مندهشًا:
"في إيه؟ هي لمياء كانت معاكم؟"
لم يتلق ردًا فملك وثبت واقفة لتلحق بـ اروى في خوف على لمياء، فغمغم مالك:
"في إيه؟ إيه اليوم ده يا ربي؟ لا إله إلا الله."
توقفت أروى في حركة مباغتة، فتوقف معاذ بجوارها وظهر من خلفهما ملك ومالك.
وأمامهم رأوا لمياء ترتجف و آجار يقنعها إنه وليد، فما إن رأتهم لم تكد تصدق عينيها، وركضت لتستقبلها اروى في حضنها.
غمغم معاذ في تهالك:
"هو إيه بيحصل هنا؟"
قبل ان يجيبه احد، ابتعدت لمياء وقالت وهي تشير بسبابتها هلى آجار وإسلام:
"عفاريت يا معاذ، عفاريت كانوا هيكلوني."
صاح معاذ في تعجب:
"يكلوكي؟ وعفاريت؟ هي العفاريت بتاكل الناس؟"
انفجر مالك ضاحكًا وهو يضرب كفيه ببعضهما، بينما رفع آجار حاجبه في دهشة، ولم ينبس إسلام لعدم فهمه لحرف مما قالت.
دبت لمياء الأرض بقدميها وهي تصرخ باكية وتواجه أروى:
"يا أروى دول عفاريت صدقيني! طب أنتِ شيفاهم."
في غمرة شرود أروى هزت رأسها نفيًا دون أن تدرك إنها ترسخ الفكرة في عقل لمياء، التي صرخت في خوف قائلة وهي تتحرك دون هدف:
"هتلبس، هيلبسوني هيلبسوني، او هيقتلوني وهكون عفريته، يا رب لا يا رب مش عاوزة اموت على أيد عفريت.."
هزها معاذ فجأة من كتفيها، وغمغم في صرامة ألجمتها:
"يا بت أهدي بقا عفريت أما يركبك يا شيخه."
ولف وجهها نحو آجار قائلًا:
"ده وليد وعايش مماتش.. وده إسلام"
قالها، وهو يدير رأسها جهة إسلام، ثم ضرب رأسها قائلًا في تهكم:
"ربنا يكون في عون الطلاب اللي هيطلعوا تحت أيدك."
تفاجئ بعد كل ما قاله بها تقول في تساؤل:
"إيه ده؟ أنت بتتكلم جد؟!"
قلب معاذ كفيه في حنق، وقال في ضيق:
"صبرني يا رب."
لوح آجار بكفيه مغمغمًا:
"إنها مجنونة.."
وإلتفت إلى إسلام ضاربًا كتفه قائلًا:
"كان الله في عونك يا أخي، ولكن نصيحتي لك ما زلت على البر (لم قلبك وجري ومتفكرش ترتبط بيها دي مجنونة)"
لم يفهم إسلام عبارته الأخيرة فعقد حاجبيه في سخط، بينما صاحت لمياء تنهره:
"مين اللي مجنونة يا اض أنت؟ بقا انا مجنونة أنت اهبل."
تجاهلها آجار تمامًا وقال وهو يتحرك:
"أظن إننا لن نظل في مكاننا هذا، هيا تحركوا يجب أن نبحث عن الباقيين!"
كان يتحرك وفجأة أنتابه دوار مفاجئ وكاد يسقط لولا أن أسندته أروى وهي تقول:
"خلي بالك!"
فنظر لها قائلًا بامتنان:
"أشكرك يا عزيزتي."
تحركوا جميعًا خلفه وجمعهم الدرب بحمزة برفقة دارين الذي ألتقى بها اثناء بحثه.
فما إن لمح أروى، حتى احتواها بين ذراعيه وهو يلقي نظرة على لمياء وملك ليطمئن إنهن بخير قبل أن يضمها بقوة مسبلًا جفنيه.
وهمس في أذنها برفق، وعاطفة:
"لقد كاد قلبي أن يتوقف وعاد للحياة حين رآكِ يا رفيقة القلب."
أنهمرت الدموع من عيناي أروى، دموعًا حبيسة أبت أن تتحرر إلا في حضن يحتويها.
مسح حمزة دموعها بسبابته، وهو يهمس بصوت يقطر حنانًا:
"أنا معاكِ وجنبك وأفديكِ بروحي يا روحي وآه لما نطلع من هنا اول حاجة هنعملها هي الفرح ولا أأقولك بلاش فرح اصلًا أنا بقيت اتشآم."
ضحكت أروى ضحكة كثيرة خافتة، وهمست له خفوت:
"حمزة أنا تعبت من المشي ومش قادرة أكمل."
لم تستطع قول هذا للشباب، نعم إنهم إخوانها وأحبائها وتربوا معًا لكنها لم تستطع، لم تبين حتى خوفها، ورعبها مما هم فيه لأجل البنات.
لكن الآن وحمزة معها، حبيبها، ورفيقها، وزوجها، وشطر قلبها مما قد تخاف؟ أو تستحي؟
فربت حمزة بحنان على ظهر كفها، ونظر للبنات التي بدا عليها الأرهاق، وقال:
"خلينا نقعد في اي مكان شوية الفجر قرب بالأساس الشروق يطلع ونكمل."
فوافقه الجميع وجلسن البنات معًا ودارين تقول في شوق:
"جعفر وحشني أوى يا ترى عامل إيه دلوقتي؟"
أغروقتا عينيها بدموع الحنين، فطوقتها اروى بذراعها وهي تقول:
"جعفر أكيد بخير وبعدين دا مع مامتك عائشة يعني هو في امان متقلقيش."
أسندت دارين رأسها على كتف اروى، وهي تسأل:
"مين اللي بيعمل فينا كدا؟ وهيكسب إيه؟"
لم تحر جوابًا من إي احد ولاذ الجميع بالصمت، حتى أنبلج الشروق.
وبينما هم جميعًا بدأوا في التحرك لاح لهم رجال مدججين بالسلاح يتقدمن على بعض منهم.
فتقدموا الشباب للأمام وغمغم حمزة:
"مالك معاذ خدوا البنات وتحركوا."
فنفى مالك بحزم:
"مستحيل."
ألتفت إليه آجار وقال فجأة:
"قال خدوا البنات وأبعدوا يلا انتوا اصلا مش هتعرفوا تتعاملوا مع الأشكال دي هو ظابط وأنا.."
لم يتمم جملته، لأنه لم يدرك ماذا يقول، لكن فجأة غامت الدنيا أمامه وتقهقر للخلف وهو يمسك رأسها في قوة، ويجز على اسنانه في ألم.
ورغوة بيضاء انبثقت من فمه مصحوبة بانتفاضة قوية كصعقة كهربائية أصابته دون سابق إنذار وسقط أرضًا جثه هامدة وقد تخشب جسده.
فهرعوا جميعًا إليه حتى الرجال المدججين بالسلاح اقتربوا منه، وسمع صرخة بإسمه لم تكن من الشباب حوله، بل كانت من خالد، الذي وجده بغته جاثيًا بجانبه وهو يصرخ في مالك:
"ماله حصل إيه؟"
صمت مالك كأنما لا يدري ما يقول، او كيف يقول وغمغم في توهان:
"وليد، وليد متسمم.. وتصاب بشلل، لازم يروح المستشفى."
رفع خالد رأس آجار وهو يحتوي جسده بين ذراعيه مغمغمًا:
"سم؟! سم إيه ده؟ إزاي مستحيل لا مش هسمح لحاجة تحصل له."
كان آجار يسمع ما يقولون لكنه عاجز عن الرد.
عاجز عن الحركة.. جاحظ العينين..
وبداخله كان يتسال ( هل هذا هو خالد ذاته الذي لم تمر عليهما إي مواجهة إلا وتجادلا، وتخانقا وضربا بعضهما)
وزاغت عيناه فجأة على وجه اخته دارين، وأراد لو يمد أصابعه ويمسح دمعها ويطمئنها إنه بخير، ثم نقل بصره على أخيه وأروى أخته في الرضاعة، وعلى الجميع وأسبل جفنيه مستسلمًا تمامًا للظلام الذي ابتلعه.
رواية جحر الشيطان الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ندي ممدوح
توقفت سيارة أراس، مخلفة وراءها موجة من الغبار. التقط من تابلوه السيارة مسدسه وجذب مشطه في قوة، وتركه يرتد بصوت رنان. فتح الباب في عنف وغادر سيارته، والغضب يتفجر من وجهه وعيناه. في خطوات سريعة أشبه بالركض، كان يتوجه صوب المنزل الذي أرسل له خالد موقعه، مستعدًا استعداد تام لأي قتال، حتى لو حال البيت إلى بركة من الدماء.
وحتى آخر نفس في صدره..
وحتى آخر نقطة دماء..
لن يعود إلا بخديجة.. خديجة زوجته وحبيبته.. خديجة التي يعشق كل تفصيلة فيها.. خديجة التي يموت لأجل أن تكون بخير.. خديجة التي علمته الحب، وأعادت قلبه للحياة.
من ظن إن كان له قلبٌ يخفق بين ضلوعه؟
لم يكن قط إلا حين دخلت خديجة إلى حياته فأصبحت النبض، والقلب، والحياة، والنفس. إنها حياته التي يحيا فيها.. بدونها هو مجرد مهاجر في بلاد الغربة، فقد وطنه ولن يعود. إنه ينتمي إليها فقط.. بها ولها يكون.
كان المكان هادئًا، وعيناه تجول حوله، حتى إذ رمق أحد الرجال كان يطلق بكل بساطة على رأسه قبل حتى أن يضغط الرجل زر الزناد، ودون حتى أن يتوقف ثانية واحدة. ولمح بطرف عينه آخر يطلق عليه، فأنحنى ببساطة وهو يطلق عليه بكل جرأة. ودخل إلى المنزل هائجًا، وفتح كل الغرف بحثًا عنها، لكن لا أثر. فوجد درجًا يؤدي للأسفل، فهبطه دون أدنى تردد أو تفكير. وما كاد ينهي الدرج، إذ اتسعت عيناه في لهفة ما أن وقعا على خديجة مقيدة على أحد المقاعد شبه غائبة. فهتف باسمها وهو يلقي السلاح من يده ويهرع إليها. بكل القلق الذي يعصف بداخله، رفع رأسها المتدلي وهو يهتف باسمها، بل يصرخ.. بل يرجوها.. بل يتوسل ربما، أن تجيبه.
رفع نقابها ليضع سبابته على أنفها، فوجد نفسها بطيئًا للغاية. فأمسك رسغها ليقيس نبضها وهو يهتف بصوت يفيض غضبًا وكمدًا:
"يا إلهي، حبيبتي ماذا فعلوا بكِ؟ ماذا فعلوا بكِ يا قلبي؟ ما تلك الحالة يا نبض الفؤاد؟ يا ليتني كنت مكانك يا خديجة، فأنا أتحمل كل شيء إلا ألمك."
ضم رأسها في حنان جارف، وتحسس بسبابته عينيها المغلقتين، ولم يشعر بدموعها التي راحت تتساقط على وجهها بكل ندم الدنيا. ولسان حاله يقول بصوت يفطر القلوب:
"ليتني لم أتزوجك يا خديجة، ليتني لم أدخلك حياتي! لكانتِ الآن بخير وكان قلبي بخير، فبداخلي وجعٌ لا حدود له، عسيرٌ عليّ تفسيره ووصفه.. سامحيني يا ملاكي، سامحيني."
انتفض فجأة جسده على همهمة خافتة منها، ولمح جفنيها يرتجفان، فوجد قلبه يشرق، وظلمته تتبدد إلى نور يتوهج. وابتسم بسمة صافية عذبة، وهمس بحنان ورفق:
"خديجة، أتسمعينني؟ أنتِ بخير.. أليس كذلك؟"
تلفت حوله وهو يعتدل واقفًا، وألتقط شيئًا وراح يعالج قيدها. ولمح جهاز الصاعق الكهربائي، وبكل الغضب الذي بداخله صرخ وهو يندفع نحو الجهاز وراح يضرب فيه حتى تحطم. ولم يكتفِ، بل تراجع وأفرغ خزينة مسدسه فيه، كأنه هكذا ينتقم! ينتقم من الشيء الذي أذى قلبه!
لم تكن خديجة هي المتضررة، بل كان قلبه.. قلبه الذي ينزف بداخله.. يبكي.. يصرخ.. ينوح.. ويا للألم! فوجع القلب ليس له دواء.. لا يلتئم ولا يطيب.. تظل ندوبه تنزف، وتبكي دمًا بلا توقف.. يا ليت الأوجاع تقتصر فقط على دموع العين لكان هين.. لكن ندوب القلب من ذا يداويها؟ من ذا يمسح دموعها؟
"آراس"
أيمكن لصوت أن يعيد للقلب خفقاته؟ أن يجعله يتراقص فرحًا، ويرفرف سعادة؟ أيمكن لصوت أن ينعش القلب فيرد له الحياة؟ انبعث صوت خديجة واهنًا، ضعيفًا، خافتًا، متعبًا، صوت بطعم الدموع والبكاء. فالتفت إليها لامع العينين وهو يهمس:
"خديجة."
أرتج عليه، لم ينطق غير اسمها الذي راح لسانه يردده كأنما لا يعرف اسمًا غيره، كلمة غيرها. واحتوى جسدها في حضنه. ولما يعرفا كم مر من الوقت، حين ابتعد هامسًا وكفيه يحيطان بوجهها بكل عاطفته:
"تعذبتي، تعذبتي بسببي يا خديجة، سامحيني، سامحيني يا حبيبتي. لو أقدر على أن أعيد الزمن للوراء قليلًا لأحتويتك في حضني ولم أتركك ثانية واحدة، حتى لا يحدث ما حدث. أشعر بقلبي يذوب يا خديجة من فرط الألم، أشعر به ينهار لانهيارك وقد عهدتك قوية لا يزحزحك أي شيء!"
سالت الدموع من عيناي خديجة بغزارة، وهي تريح رأسها المنهك على صدره، وتهمس بصوت يقطر ألمًا:
"لا تتركني يا أراس، لم أعد أتحمل هذا الألم."
فجأة! أحتدت نظراته وهو يقول في قسوة:
"من الذي فعل بكِ هذا؟"
حين أبعد رأسها عن صدره، اكتنفها دوار حاد، جعل رأسها يدور، وجاهدت أن تظل عينيها مفتوحتين وهي تهمس:
"ن.. نج.. آه جسدي.. جسدي يؤلمني، لا أشعر به. هل.. هل أصبت بالعجز، هل…"
قاطعها في صرامة وهو يضع سبابته على فمها، هاتفًا:
"هش.. لا تقولي مثل هذا الكلام، أقسم لكِ بأن من فعل هذا لينال أضعافه، لن أتركه يحيا."
أحست بضربات قلبها تزداد وعيناها تنغلقان، وراحت تهمس بصوت سحيق:
"لقد.. فعل هذا لأنك فعلت هذا بـ ماهر."
وتركت نفسها لغيبوبة عميقة، وتراخى جسدها. فضمها لصدره بتلقائية، ومال بذراعه ليرفع قدميها، وحملها بين ذراعيه، وتحرك بها للخارج.
وفي طريقه، بالأدق حينما كاد أن يعبر الباب، وجد نجيب يهرول نحوه، ويقول بلهفة:
"هل وجدتها؟ يا الله ما الذي حدث لها؟"
حدجه أراس شزرًا ثم تحرك من أمامه وهو يهمس:
"لقد صعقوها بصاعق كهربائي، وأقسم بأني سآخذ حقها ممن فعل بها هذا، سأذيقه سوء العذاب."
ارتسمت بسمة مستهزئة على شفتاي نجيب من وراء ظهر أراس، وغمغم بين نفسه:
"حق لك أن تنتقم، هذا إن كان لكَ عمرًا ولم تمت."
ثم ركض صوبه وهو يقول بجدية ويفتح له باب السيارة:
"أكيد نحن سوف ننتقم.. لن ندع من أذى زوجة أخي حيًا أبدًا، ما يؤذيك يؤذيني ولن يغمض ليّ جفن إلا عندما نأخذ بثأرها."
استقر أراس خلف عجلة القيادة، وقال وهو يغلق الباب:
"أكيد سنفعل، هيا سآخذها إلى مشفاي، ألحق بيّ!"
أومأ نجيب مجيبًا:
"حسنًا.. حسنًا."
لم يبالِ به أراس بعد ذاك، بل دار محرك السيارة وأنطلق في طريقه وهو يقود بأقصى سرعة، ويختلس ما بين الفنية والأخرى نظرة إلى خديجة.
وصل أراس إلى المستشفى، وأودع خديجة في إحدى الغرف لتخضع لفحص طبي. وجلس خارج الغرفة على مقعد مقابل الباب مباشرة، وشبك كفيه أمام وجهه وهو يميل للأمام، مطرق الرأس كأن هم الكون كله على كاهله. دقات قلبه تنبض بالألم عما جرى لخديجة، كأن كل ما أذقته قد ذاقه هو بقسوته، ومرارته، ووجعه.
وأقبل نجيب من بداية الرواق بملامح جامدة تخفي كل ما يموج في صدره من اضطراب. لقد تحتم عليه المجيء، وإلا بما يعلل عدم مجيئه ووقوفه بجانب أراس؟ وكان القلق ينهش فيه، والخوف يستبد به.. ماذا لو أفاقت خديجة؟! لا.. لن يجب أن تفيق.. سيقتلها ما أن تحين الفرصة، وسيقتل أراس وينتهي الأمر. سيصبح ما تمنى الأب الروحي للمافيا.. لقد تعاون مع كثير من المنظمات لأجل هذا، وها هو قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه. إذن فما الضير من قتل أراس غدرًا وعلى غفلة! أراس يعطيه كل ثقته.. كل أسراره.. كل حبه.. سيكون يسيرًا قتله لأنه لن يظن أن الطعنة ستأتيه منه.
كان قد جلس إلى جواره في صمت، حتى تنبه أراس لوجوده من شروده، فالتفت له قائلًا:
"أين كنت مختفيًا؟"
أجابه نجيب مترددًا:
"كنت أتقصى عن الفاعل."
سأله أراس بنبرة خاوية:
"وهل وصلت لشيء؟"
رد نجيب في أسى وهو يهز رأسه في أسف:
"لا، كل تعبي ذهب هباءً دون أدنى خيط يدلنا على الفاعل."
قال أراس في هدوء، دون أن يلتفت إليه:
"لا بأس، سيقع في يدي حتمًا إن عاجلًا أم آجلًا، لن يظل مجهولًا طويلًا."
ردد نجيب بصوت عميق:
"أكيد، أين سيختفي منا! حتمًا سيقع."
استأذن أراس منه مغادرًا لفترة قصيرة، عاد بعدها وجلس معه في صمت تام. وفي عقله يدور سؤال محير، مقلق.. أين خالد؟ أين اختفى؟ لماذا لم يعد؟ بل والأدهى لماذا لا يوجد له أثر؟ معرفته بخالد تؤكد إنه حتمًا كان سيقلب الدنيا رأسًا على عقب لما عانته أخته. من المفترض أن يصل هو إلى خديجة قبلًا، لكن ما الذي حدث بالضبط يا ترى!
كانت الدقائق تمر ببطءٍ، والحال كالحال لم يتغير، ذات القلق يملأ قلوب الجميع. وفي كل الأذهان يتردد سؤال واحد معلق بلا جواب: "أين خالد؟" كيف اختفى، وأنَّى ذهب؟
البنات كلهن تجمهرن أمام غرفة أروى في انتظار خروج حمزة ليدلفن للأطمئنان عليها. وفي الداخل كان حمزة يجلس على مقعدٍ قريبٌ منها وقد ضمدت جروحه واسترد بعد من صحته. في حنانٍ جارف ضم أصابعها في راحته في رقة، وهمس وهو يرنو إليها:
"عاملة إيه دلوقتي؟ أفضل.. في حاجة تعباكِ؟"
كانت إحدى قدميها متجبسة بعد ما خضعت إلى عملية (شرائح ومسامير) وبعض اللصقات الطبية على جروح وجهها، لكنها بدت له جميلة، رقيقة كما هي دائمًا. وأجابته بصوت واهن:
"الحمد لله أنا كويسة، خديجة عاملة إيه.. هي كويسة؟"
رد عليها دون إبطاءٍ أو تردد:
"خديجة كويسة متقلقيش عليها ورجعت بخير."
ضوَّى وجهها بفرحة عميقة تنبع من فؤادها، وأسبلت جفنيها هامسةً:
"الحمد لله."
فجأة أحتد بصر حمزة وأحتدم بالغضب، وهو يقول:
"ممكن بقا أفهم إيه إللي رجعك ورايا؟"
أجفلت من نبرته التي تبدلت فجأة، ونظرت له باستنكار وهي تقول:
"أنت بتتحول فجأة كده ليه؟"
غمغم باقتضاب:
"معلش أنا كده.."
وصرخ فجأة:
"جاوبيني."
انتفض جسدها، وران صمت مفاجئ عليهما. راحت خلالها أروى تتأمله في غيظ، ناكر الجميل، فلولها لكان ميتًا الآن، كيف أتته الجرأة أن يغضب عليها وهي في حالتها تلك؟ صاحت فجأة متأوهة في تصنع هربًا من الرد الذي بدا لها إنها إن أجابته لن يزيده جوابها إلا غضبًا وجدالًا:
"آه رجلي يا حمزة رجلي، آه هما مسمروا رجلي إزاي كانوا شايفينها حيطة قدامهم عشان يدوقها بشرايح ومسامير.."
رفع حمزة إحدى حاجبيه مستنكرًا صنيعها، مدركًا تصنعها، ثم لم يلبث أن أخفضه عازمًا على مجاراتها، فتمتم في خبث:
"دول شنيروها…"
اتسعت عيناها بصدقًا هذه المرة، غير مصدقة إنهم قد شنيروا قدمها، وواصل حمزة غير عابئًا بدهشتها:
"بس سيبك من كل إللي حصل في رجلك، ينفع إللي عملتيه أثناء البنج ده؟"
تساءلت في اندهاش:
"عملت إيه أنا؟ مش فاكرة!"
أجابها ببساطة وهو يهز كتفيه في استهتار:
"ولا حاجة شتمتي وهزأتي الدكاترة ومش كده وبس غالبًا شتمتينا كلنا وكنتِ بتصرخي زي المجنونة وتقولي حوشوا رجلي هيقطعوها يالهوووي ألحقني يا حمزة ألحق رجلي، الدكاترة هيمسمروها ويشرحوها."
ظلت لهنيهة واجمة، ثم انفجرت ضاحكة بإنطلاق من تقليده لها، وتخيلها لما فعلت. كانت تتقهه من قلبها، غافلة عن تأمل حمزة الهائم لها، ببسمة تبزغ على شفتيه. بسمة عرفت طريقًا إلى قلبه قبل شفتيه! كأن عبوسه قد خجل أن يظل أمام ضحكتها المشرقة.. ضحكتها التي أوهجت قلبه بضياء الفرح مهللاً! قلبه الذي اطمأن بعد ساعات ظن خلالها إنه خسرها.. وإن الموت خطفها منه، لكنها ها هي عادت إليه، بضحكتها، ورقتها، وطفولتها النادرة.
تلك الساعات التي مرت كانت كالسنون مضنية حد الألم الذي لا شفاء منه. كان قلبه خلالها متوقفًا عن النبض.. متوقفًا عن الحياة.. وعاد للحياة ما إن عادت إليه.
لحظات ثقيلة على قلب أراس وهو ينتظر أن تفيق خديجة، بجانبه كان شقيقاه ونجيب، لكنه لم يشعر بوجود أحد، كأنه في عالم آخر يحيا فيه بمفرده والظلمة تحيط به من كل جانب. وفجأة استمع إلى صوت أنثوي يقول:
"من السيد أراس؟"
تعمقت العيون عليها، بينما أجاب أراس بلهفة وهو ينهض:
"هذا أنا، هل…"
قاطعته الممرضة في تعجل:
"الطبيبة خديجة تطلب رؤيتك."
كان قولها كعبارة مباركة الأب لوليده الأول، إذ تألقت عيناه، وتبسم في سعادة وهو يتجه مسرعًا إلى الغرفة، ولحقت به هنا وأركان. بينما كان نجيب كمن تلقى صاعقة لا مناص منها، إذ تجمد مكانه تمامًا، وعيناه تحملان قلقًا لا حدود له. وفجأة غادر، بل غادر المستشفى كلها بطريقة مبهمة، توحي إن الآتي لن يكون هينًا أبدًا، وإن الخسارة آتية لا محالة.
ولج أراس إلى الحجرة، فرأى خديجة جالسة على حافتها وتهز قدميها، والتفتت له قائلة:
"أراس حمدًا لله إنك أتيت، أبغي أن أخبرك بأمر هام جدًا، لا يمكن أن يتأجل."
كانت قد وقفت مع عبارتها، وهمت بالأندفاع نحوه، لكنه كان الأسبق إذ أقترب في خطوات سريعة وحملها فجأة، قائلًا:
"ما زلتِ في مرحلة النقاهة لا يمكنك التحرك كيفما تشائين."
مع نهاية قوله، كان يضعها برفق حنون فوق الفراش، فتضرجت وجنتاها بحمرة الخجل، وهي لا تزال تتعلق بعنقه، مطأطئة رأسها. فضحك ضحكة قصيرة صافية، وقال بعذوبة:
"لا بأس لدي أن بقيتِ هكذا لبقيت العمر، ولكن ماذا لو دخل أحد؟"
اتسعت عيناها فجأة على آخرهما وهي تنظر إلى وجهه القريب منها، وتلاقت عيناها ببسمة محببة، ثم نظرت إلى يديها التي لا تزال تحيط بعنقه، فضحكت في توتر وهي تفلت يدها، مغمغمة في خجل:
"رباه، لم أنتبه!"
تمتم أراس ببساطة:
"خذي راحتك، كيف أصبحتِ الآن؟"
ظن في أول وهلة إنها ستجيبه، لكنها باغتته بصياحها:
"يا إلهي ستجعلني أنسى ما أريد قوله، هل تعلم من فعل بيّ هذا؟ لن تصدقني أقسم لك، فهو شخص لن يخطر على بالك أبدًا وربما لم يخطر قط إنه… هذا أنت؟"
هتفت خديجة بآخر عبارتها متفاجئة بـ أركان وهنا الوقفان عند الباب، كان لا يزال أراس منحني الجزع عليها حين التفت برفع حاجب وهو ينصب قامته، قائلًا:
"هل ليّ أن أفعل ماذا تفعلان هنا؟"
ثم التفت إلى خديجة، سائلًا في دهشة:
"ما تعنين (بهذا أنت)؟ هل تعرفين شقيقي؟"
"شقيقي؟ كيف!"
"ماذا كيف؟؟ إنه شقيقي أركان؟"
اعتدلت خديجة فجأة وهي تصرخ مواجهة أركان:
"ويحك كيف تدخل إلى الحجرة هكذا يا عديم الذوق؟"
تلون وجه أركان بحياء كان يغض بصره منذُ أن حضر. خديجة لم تسمح له بالتبرير قط، وبلغه صوتها تقول لشقيقه:
"لقد التقيت به مرتين، مرة عند الشاطئ، والأخرى في المنزل هو من أنقذني من الحريق."
أسر أراس نارًا في صدره، وأجج عيناه الغضب، كبحه في صعوبة وهو ينظر إلى شقيقه مغمغمًا:
"لماذا؟ لماذا لم تخبرني!"
أجابه أركان في سرعة وهو يرمقه بنظرة صارمة:
"دعنا نتحدث في هذا لاحقًا، أتيت للأطمئنان على زوجتك!"
أجابه أراس في حنق بيّن:
"زوجتي بخير كما ترى، هيا اذهب."
حدجته خديجة في استنكار، بينما غادر أركان بضيق. وتقدمت هنا تقول في مرح، علها تلطف الموقف:
"خديجة يا حبيبة قلبي كيف حالك يا عزيزتي!"
تبسمت خديجة وانفرجت شفتيها لتجيب، لكن رد أراس بدلًا عنها ببساطة:
"بخير يا قلب أخيكِ، وستكون أفضل إن غادرتي.. هيا.."
كانت هنا تهم بالجلوس حينما تفاجئت بـ شقيقها يدفعها للخارج مع قوله. فبرطمت في مقت، فيما خديجة تصيح:
"يا قليل الذوق ماذا تفعل بالله عليك؟"
رد عليها أراس وهو يغلق الباب ببساطة:
"لقد سئمت منهم جميعًا يا عزيزتي، ولا أريد لأحد أن يزعجنا."
مطت خديجة شفتيها في ضيق من صنيعه، وفجأة ضربت جبينها وهي تقول بانفعال:
"لن يوقفني أحد هذه المرة، هل…"
قاطعها أراس بعد ما جلس على طرف الفراش واضعًا سبابته على فمها يمنعها من أن تنبس وهو يقول بعذوبة ساحرة:
"هل لكِ أن تصمتين قليلًا وتسمعينني؟!"
هزت خديجة رأسها نفيًا وهي تكاد تذوب خجلًا من نظراته، فتابع هو دون أن يعر رفضها أدنى اهتمام:
"أولًا لقد علمت إنني بدونك حقًا لا شيء، وإني إن خسرتك أموت يا خديجة، لا يمكنك استيعاب ما كنت أشعر وأمر به وأنا عاجز عن فعل شيء لكِ، شعور مدمر لا أقوى عليه."
ألم فظيع قاس هذا الذي احتل فؤاد خديجة لمرآها دمعة ترقرقت في عينيه، وغمغمت في وجد:
"أراس، أنا بخير ها أنا ذا أمامك ومعك!"
رفع بصره لتلقي نظراتهم في لحظة صمت، ثم بنبرة تقطر ألمًا قال:
"لستِ معي يا خديجة، أنتِ معي نعم أعرف لكن قلبك لا، روحك لا، ما زلت لم أطرق باب قلبك، وإذ طرقته لن تفتحيه!"
صمتت لحظة مطرقة الرأس، أرتج عليها، فلم تعرف بما تجيب.. وماذا تقول! هل هي أحبته؟ أم لم تحبه؟ لا يمكنها أن تجيب نفسها لتجيبه حتى! وسمعت تنهيدة، تنهيدة حارة عميقة كأنها تأتي من بركان يقذف حممًا مميتة، وبعدها يهمس وهو يضم أصابعها بحنان في راحتيه:
"قد لا تحبيني، لكن رجاءً يا خديجة لا تبتعدي عني لحظة واحدة، أبقِ معي فبعض الغياب لا يأتي بعده لقاء! وأنا أخاف أن يأتي هذا الغياب الذي ليس بعده لقاء! أهاب أن أغمض عيني فتنسرقين مني ولا أجد لكِ أثر."
أنسالت دمعة حنون من عينيه، أجابتها هي بأخرى وهي ترفع نقابها عن وجهها، وهمست برقة حنونة:
"بالله كيف تحبني كل هذا الحب؟ كيف تفعل لأجلي كل هذا؟ هل أنا أستحق كل هذا الهوى؟"
نظر لها بعيني طفل وهو يقول بلمعة تبرق في عينيه:
"تستحقين أكثر من هذا!"
تفاجئت بها تلقى نفسها في حضنه وهي تهمس بصوت رجراج باكٍ:
"أتدري ماذا؟ لقد انكشفت إنني لا أشعر بالأمان إلا معك، فالعالم بات مخيفًا للغاية وأنت محرابي الأمان، وموئلي، وملاذي الذي لا يمكنني إلا الأطمئنان فيه، أنت سكني."
ضم رأسها بقوة، ولثم جبينها، قائلًا:
"عودتك ليّ سالمة بفضل الله عز وجل، يجب أن أصلي له شكرًا، أشعر بحاجتي الملحة إلى هذا، أريد أن أذهب إلى الله يا خديجة!"
كم مؤلمة تلك اللحظة التي تكون كلماتنا فيها نبوءة عما سيصيبنا.
ابتعدت خديجة عنه وهي تزيح دمعها، قائلة بلهفة:
"فليكن، هيا قُم لتتوضأ وتصلي، ثم ستسمعني لأن ما لدي مهم جدًا لك يجب أن تعلم به."
نهض وهو يجيبها بلطف:
"أنا متوضئًا سأصلي بجانبك هاهنا، ثم سأجلس بكل آذان صاغية لكِ."
أومأت خديجة برأسها باسمة، وأتكأت بمرفقها على الوسادة، وسلمت لراحتها رأسها وراحت تراقبه ساهمة وهو يفرد المصلية ويقف هامسًا، ثم يرفع كفيه مكبرًا.. صوته جميل في التكبير، وأجمل في القرآن.. يا حسرتاه لأنه فرط في كل ما فات من حياته دون التقرب إلى الله، لكنه عاد إليه.
أراس الذي لم يسجد قط ها هو الآن يضاهيها خشوعًا، تكاد تسمع بكاءه في سجوده الذي طال، فتستدمع عينيها وجدًا.. وبالفعل كان أراس يبكي، يبكي عن كل شيء.. فالمؤسف في المرء إنه حين يؤلمه أمر يتذكر كل ما فات كأنه لا يكفيه ألم واحد، حزن واحد، ضياع واحد، ذنب واحد.
كان ينشج بقوة شاعرًا إن ثمة شيء سيحدث! فناجى الله بفؤادٍ ينوء.. يتضرع له بالتوبة، أن يتوب عليه ويقبل توبته.. لكن ألا يؤذيه في خديجة.. وخارج المستشفى على وجه الدقة.
في بناية أمام المستشفى، بناية ليست بالقريبة قط. مع ذلك كان على سطحها نجيب راقدًا على بطنه، ممسكًا بمدفع آلي مسندًا على كتفه، مزودًا بمنظار راح ينظر من خلاله ويراقب حجرة خديجة، ورآها وصوب فوهة مدفعه على جبينها مباشرة وسحب مشط المدفع. ودون أدنى تردد أو تفكير أطلق، وأنطلقت رصاصة راحت تواصل طريقها عبر الحجرة. وأخترقت النافذة في ذات اللحظة التي اعتدل فيها أراس مؤديًا الركعة الأخيرة، فأخترقت الرصاصة جبينه، وجحظت عيناه. وجحظت عينا نجيب معه، سرعان ما زم شفتيه مغمغمًا:
"لا بأس ها قد تخلصنا من أراس، لنودع خديجة أيضًا."
وفي الحجرة سقط أراس كالحجر الأصم وتفجرت الدماء من جانب جبينه. واعتدلت خديجة شاخصة العينين فيه في ذهول تام، لا يصدق، ثم أغمضت عينيها وفتحتهما ورددت باسمه وهي تلقي نفسها عليه وما زالت على صدمتها. ورفعت رأسه إليها وهي تقول كم أصيب بغياب العقل:
"أراس يا هذا، ماذا حدث؟"
خافت أن تفكر حتى في إنه مات. فردد لسانها ودموع وجعًا تهوى من مآقيها:
"هل ستنام الآن؟ لم تسمعني بعد! ألا تريد أن تعرف من فعل بيّ هذا؟ ألا تريد أن تأخذ بثأر حبيبتك يا هذا، أجبني هيا، هذا ليس وقت النوم…"
ولطمت على خده وهي تكرر النداء باسمه، وتساقطت عبراتها تنصب صبًا على وجهه، وهتفت:
"أجبني يا أراس بالله عليكَ، أجبني يا.. حبيبي."
وجلجلت صرختها باسمه العالم كله وهي تحتوى جسدها في حضنها. انفعل نجيب حين اختفت خديجة عن مرمى عينيه عندما انكفأت على أراس، وهاج للغاية وهو لا يدري ماذا يفعل. ولملم أشياءه على عجل ليفر هاربًا قبل أن يعلم به أحد. ووصلت له صرخة خديجة تفطر القلب، وتضنيه بالبكاء، لكن ليس قلبه بالتأكيد، ليس قلبٌ كالحجر. فقد مط شفتيه بامتعاض وهو يغمغم بجحود:
"نعم، هيا اصرخي كما يحلو لكِ الميت لن يعود فلما ترهقين نفسك ببكاء لا يجدي نفعًا، يا هؤلاء المحبين!!"
رواية جحر الشيطان الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ندي ممدوح
انتفض جسد خديجة، انتفاضة قوية. أشد من انتفاضة الصاعقات الكهربائية التي تلقتها آنفًا، واعتدلت جالسة على الفور، مجفلة، متزلزلة. لقد زال قلبها وهي تحدق في جسد اراس الذي سقط أمامها بدوي هائل، مزعج، محطم. حطم فؤادها الذي تناثرت شظاياه بين جنبيها. ارتفعت دقات قلبها بقوة وهي ترى الدماء تنفجر من جبهته، فسرت قشعريرة باردة في بدنها، وتدفق الدمع من عينيها وهي تلهث مرتجفة.
"ما الذي حدث؟"
"كيف أمامها يكبر! كيف سقط جثة هامدة هكذا؟"
"هذا ليس اراس حتمًا.. هذا ليس هو."
"لا لن تصدق عينيها أبدًا، فالعين في بعض الأحيان تكن كاذبة لا ترى."
"لا غرو! فؤادها لا يصدق رغم تحديقه في جسده دون إلتفات."
استجمعت قواها لتندفع أرضًا زاحفة على ركبتيها وكفيها وهي تردد اسمه كالتائهة، وراحت تلطم على خدها بتوسل، ترجوه أن يجيبها.
أن ينبس بأي حرف يطمئن قلبها! ليفتح عيناه ويجيبها لتصرخ بحبها له. نعم، هي الآن تعترف إنها بدأت تحبه. تحب اراس الذي كان يصنع لأجلها المستحيل لترضى. تحب اراس الذي لا يهون عليه دمعة من مقلتيها. تحب اراس الذي كاد يجن حين اختطافها. تحب اراس الذي يفديها بروحه لتكن هي بخير.
رفعت رأسه إلى صدرها وتساقط دمعها بحرقة على وجهه كاللهب، ثم صرخت وهي تشهق. صرخة طويلة. صرخة تقطع نياط القلب. صرخة تردد صداها في الأرجاء.
وفي حجرة قريبة من حجرتها كان آجار جالسًا بداخلها بجانبه مالك ومعاذ. وعلى الفراش جلسن البنات حول أروى. كان آجار يشاهد فيديو على جوال مالك وهو طفلًا وتنطلق ضحكته صافية عذبة، ربما لم يضحكها يومًا، بالتحديد منذُ طفولته.
وفجأة! سقط منه الهاتف وانتفض قلبه مع صرخة خديجة باسم اراس. تلك الصرخة التي يقسم إنه لم يسمع أوجع منها قط. صرخة نبأته إنه سيخسر عزيز. عزيز كان له سند قبل أن يكون رفيق.
وحدق بعيناه وهو ينقل بصره بين الشباب مرددًا بخوف:
"خديجة؟ اراس؟!"
ثم قفز راكضًا نحو غرفتها وخلفه باقي الشباب والبنات الذين اندفعت أيضًا. بينما صاحت أروى:
"خديجة، خديجة بتصرخ.. دي خديجة مال خديجة."
كانت تردد دون وعي لدموعها التي قفزت من عينيها على صرخة خديجة التي انغرست في فؤادها كنخجرًا محميًا بالنار.
فتح آجار الباب ولم يقو أن يخطو خطوة واحدة فأسند ظهره على حافته، وحدق في الدماء التي تنسال من جبين اراس. فسأل دمعُه يهوى كسيلٍ جارف، أو نهرين جاريين.
في حين صمتت خديجة تمامًا وهي تحدق في وجه اراس لاهثة بانفعال، وغاضت عيناها. توقف الجميع حولها بلا حراك، صدمهم حزن خديجة الذي شطر قلوبهم شطرًا. خديجة التي تعد الأخت الكبرى لهم. النور الذي يضيء حياتهم.
كانت أروى تحاول أن تنهض بكل قواها لكنها لم تستطع بسبب قدمها حتى سقطت على وجهها. وهمت أن تزحف لتذهب إلى خديجة حين اقتربن منها ممرضتان بمقعد متحرك نقالتها عليه وأخذتها إلى خديجة.
كان الأمر مؤلم.. مؤلم بحق. رفعت خديجة نظرها وتطلعت في وجوههم جميعًا وهي تهمس:
"نجيب إللي قتله، نجيب."
كانت صدمة حقيقة عليهم كأنما ألقت قنبلة موقوتة بينهم، حتى لم يلاحظن أخذ الأطباء والممرضين لجسد اراس من أحضان خديجة.
ونهضت وهي تؤمئ مغمغمة:
"نجيب بيعمل كل إللي بيأمره بيه ماهر."
رشق آجار بنظرة غريبة. فاقتربت منه وهي تحدق في عينيه مباشرة متمتمة:
"ماهر ونجيب هما إللي وراء كل اللي حصل لنا."
اندفع آجار من أمامها وهو يتعثر في خطواته مغادرًا الغرفة وهو يتمتم:
"هقتله.. هقتلهم، هقتلهم."
توقفت السيارة بالتحديد أمام المنزل الذي كان نجيب يأسر خديجة بداخله. وترجل حمزة وعاصم وسحبا نجيب من داخلها وهو يحاول جاهدًا الإفلات، ويزوم بوحشية. وعبرا به المنزل ونزلا إلى القبو الذي كان يعذب خديجة فيه. وفي داخل القبو كان مظلم جدًا. وألقى حمزة وعاصم نجيب أرضًا. وقبل أن يهم بالنهوض ضغط حمزة على صدره. وانبعث صوت أنثوي يقول في برود الثلج:
"جئتم به؟"
أومأ حمزة كأنها تراه، وقال:
"ها هو."
تلفت نجيب في خوف واضح حوله، في محاولة اكتشاف من التي تتحدث والتي كانت تنهض في بطء تام، مغمغمة ببساطة:
"إذن ينبغي علينا أن نكرم ضيفنا."
وفي خطوات متأنية اتجهت نحو نجيب ومالت عليه بشراسة مخيفة، وغمغمت:
"يجب أن يذوق مما أذاق به غيره."
ونهضت مستطردة ببساطة:
"ثم نسلمه للشرطة هدية مميزة منا."
امتقع وجه نجيب على ذكر اسم الشرطة، وكاد أن ينهض محاولًا مواجهتهما حين قبض عاصم على عنقه بإصابع كالفولاذ وهو يقول:
"ما زلنا لم نرحب بك يا صاح.. أين تتجه؟ تعال معي.. هيا."
دفعه عاصم بغلظة حتى أجلسه فوق المقعد التي كانت خديجة تجلس عليه آنفًا، وقيد معصميه على ذراعي الكرسي. ثم انتصب واقفًا وهو يحرك حاجبيه في مرح، وقال ببساطة وهو يضرب سبابته على وجنة نجيب:
"لا تخف يا صاح.. سيكون الأمر ممتعًا."
"كيف حال خديجة؟"
انبعث صوت المرأة فجأة، حاملًا قدرًا هائلًا من القلق والحزن.
أجابها حمزة بوجد:
"لم أرآها."
غمغمت المرأة باقتضاب:
"نفعل كل هذا لأجلها.. أسأل الله أن تظل بخير حتى ننتهي."
آمن حمزة وعاصم على دعاءها معًا:
"آمين."
استطرد حمزة باهتمام وهو يتطلع إليها:
"ماذا سنفعل الآن؟"
سألته المرأة في جدية:
"متى سيأتي؟"
جاءها الرد من أعلى الدرج، لصوت غاضب قاس يقول:
"ها أنا ذا."
وهبط الدرجات في خطوات سريعة، ووقف أمامها قائلًا بخشونة:
"لن أغفر لكِ ما فعلتيه قط!"
رشقته المرأة بنظرة باردة، وغمغمت:
"ستشكر صنيعي يا أركان حتمًا."
نظر آركان إلى عاصم الواقف بقرب نجيب، واشار له بكفه، قائلًا:
"ماذا تتنتظر بالله عليك.. إبدأ! ولا تجعل القيامة تقم على رؤوسنا."
قال عاصم في مرح وهو يضغط زرًا ما:
"إليك هذا بكلُ سعة صدر."
ما كاد ينهي عبارته، وإذ بجسد نجيب ينتفض في قوة رهيبة من رأسه حتى أخمص قدميه وجلجلت صرخته في المكان كإنها قنبلة تفجرت بغتة.
وصدت المرأة أذنيها بكفيها، بينما همس عاصم بضيق:
"ألم يكن من الأفضل أن نسلمه للشرطة وفقط؟"
رفع حمزة حاجبيه في دهشة، ورد عليه باقتضاب:
"أتُشفق على من مثله؟ الذين على شاكلته يستحقون ما ينالهم، فهو لم يشفق على خديجة قط."
أوقف حمزة الصاعق، ورويدًا سكن جسد نجيب متهدلًا، متراخيًا متصببًا عرقًا، وقد أغمى عليه.
فرفعت المرأة كفها، قائلة بصرامة:
"هذا يكفى، إنها مجرد قرصة ودن ليعلم إن الرجولة لا تعلو على المرأة قط، دعه وشأنه."
ونقلت بصرها بينهما، وطرقعت سبابتها وإبهامها، مستطردة:
"تعالوا إلى الخارج، يجب أن نعرف أين خالد."
وأسرعت ترتقي الدرج، وحمزة يقول من وراءها:
"أقسم بإن هذا الحقير يعرف أين مكانه."
ردت عليه وهي تجلس على أحد المقاعد:
"سنرى حتمًا."
"لا زلت لا أصدق أن نجيب هو من غدر بنا، لقد كان لنا مثل الأخ وأكثر، هل هكذا يجزي أخي؟"
غمغمت بتلك العبارة هنا، والدموع تنهمر من مقلتيها، فربتت لمياء على كتفها ولم تنبس، وران الصمت على المكان لم يكن يقطعه إلا شهقات البكاء، والنشيج.
كان قد ذاع خبر موت اراس في كل مكان، لكن الجنازة لم تقم قط، فقد رفض أركان رفضًا تامًا محيرًا. وتناولت الصحف والمجلات خبر وفاته، حتى نشرة الأخبار، الجميع أصبح يعلم بموته متيقنين به.
قطعت الصمت خديجة، التي كانت ساهمة بغرابة، ورددت بثبات رغم الدموع التي تجري من مآقيها:
"الغدر يكمن داخل المرء دائمًا وأبدًا، نحنُ من نعطي ثقتنا كالعميان لمن لا يستحق، فننصدم في الأخير وتعلمنا الحياة إننا بالفعل عميان.. عميان البصيرة."
رفعت رأسها إلى هنا، وأضافت ببسمة حزينة تنبلج فوق شفتيها:
"نبي الله يوسف ذهب مع أخوته، يوسف لم يكن يعرف إنهم يضمرون في أنفسهم الشر إليه، لم يكن يعرف إنهم يكرهونه إلى حد جعلهم يخططون لقتله، يوسف كان مطمئن وذهب معهم لأنهم اخوته، فإذا بهم يغدرون به أقسى غدر قد يحياه المرء، ويلقون به في بئر دون رحمة به، أو حتى لأنه من دمهم. ويا للعجب، وكل العجب فبعض سنين طوال يتهموه بالسرقة! لماذا لم يتلاشى كرههم نحوه؟ لماذا لم تخف غيرتهم منه بعد مرور كل هذي السنون؟ أتعجب حال نبي الله يوسف كيف تحمل غدر اخوته؟ كيف شعر وهو يُلقى داخل الجب بيد من ظنهم مأمنه وعائلته؟ تُرى كيف كان حال قلبه؟"
ثم أسندت رأسها على ركبتيها المضمُمتين، واستطردت:
"هلا تركتموني بمفردي قليلًا رجاءً؟"
هزت لمياء رأسها، وقالت:
"لن أذهب إلى أي مكان!"
لم تجبها خديجة لدقيقة كاملة، قبل أن تقول بغتة:
"سأغادر غدًا، سأرحل إلى مصر.. لقد اشتقت إلى والدتي، إنني بحاجة إليها."
صاحت منة مزعورة بأعياء:
"ماذا؟! لا تهذين يا خديجة.. ألن تجرين ليّ العملية؟"
كان صوتها قد تهدج في آخر عبارتها بعبرة حزينة قطعت نياط قلب خديجة، فاستدركت قائلة بتذكر:
"على رِسلك يا منة، بالطبع أنا من سأجريها لكِ، لا تؤخذيني لقد نسيت إنها هفوة مما أنا فيه… أعذرينني."
همهمت منة ببسمة مجهدة:
"لا بأس.. فقط كوني بخير لأجلنا، جميعنا بحاجة لكِ."
قالت خديجة ببسمة خافتة:
"وأنا بحاجة إن أبقى بمفردي قليلًا."
أحست أروى بحاجة خديجة الماسة إلى مناجاة ربها عز وجل، فأشارت إلى البنات، وقالت:
"دعونا نتركها بمفردها قليلًا لترتاح، ثم نعود إليها لاحقًا."
عاونتها لمياء وملك للخارج بسبب قدمها التي لم تشفى بعد، وقبيل خروجهم أوقفتهم خديجة بقولها للمياء:
"لمياء أخبري مالك أن يعطي الأدوية إلى منة كما علمته، حسنًا."
اكتفت لمياء بهزة من رأسها، وخرجن جميعهن وأغلقن الباب خلفهم.
أسترخت خديجة في مجلسها، وسال دمعها بغزارة توجع القلب وتقطع نياطه، كأن على قلبها يوجد ثقلٌ جاثمًا، رويدًا رويدًا انهارت تمامًا وأصبحت دموعها نشيجًا ونحيبًا وشهقات عالية مكتومة.
"لماذا أراه في كل مكان؟ كيف أحبته؟ متى أحبته؟ لكنها أحبته ما أن خسرته عرفت إن قلبها قد هواه.. لا تصدق إنه مات.. هل اراس مات؟ مات حقًا.. كان أمامها فكيف خطفه الموت هكذا؟ يا لها من دنيا! يا لها من حياة؟ كيف الموت يأخذ أقربهم للقلب، وأحبهم للروح، هكذا فجأة من أمام أعيننا دون أن يترك لنا ثانية واحدة بوداع… وداع نظل أبد الدهر على ذكرآه! بحضن نأنس به في وحدة أيامنا القادمة! يا لك من قاسي أيها الموت حين تباغتنا فجأة وتأخذ أقرب الخلق إلينا، وأكثرهم فهمًا وحبًا لنا. هل الآن حين تذكره ستقل (رحمة الله عليك)؟ هل ستضع تلك العبارة قبل اسمه بعد الآن؟ ها هي الدنيا يا ابن آدم آتراها تسحق أن تنغمس في نعيمها الزائل؟ تراها تستحق أن تغضب ربك لأجلها؟ أتحسبها تدوم لك؟ والله لن تدوم والموت آت ربما أنت القادم والموت ليس له موعد ولا إنذار ربما وأنت الآن ممسك بهاتفك يباغتك، ربما وأنت واقف تجده أمام وجهك هكذا الموت يا صاح. فحذار يا عزيز من الدنيا وبادر إلى الله بأعمالك الصالحة فهي الباقية، وهي المنجية."
مسحت خديجة دمعها وهي تتنهد بعمق، ثم نهضت وأدت صلاتها وجلست تقرأ في كتاب الله ربما تجد دواء لقلبها في كلام الله، وستجد حتمًا.
حين فرغت قامت إلى الفراش مجددًا، وتلفتت حولها وقد خُيل إليها إن أريج الحبيب قد فاح، لكن لا أثر له.
أمسكت هاتفها وراحت تنقل آلامها في كلمات، ربما تهون عليها غصة فؤادها:
"هل من بعد الآن سأقول رحمة الله عليك؟ ولا رحمة الله على قلبي الحزين؟ أتظنني فقدتك أيها الحبيب أم فقدت نفسي؟ كنت راحة قلبي إذا أضطرب بالأعياء والأعباء فمن ذا يريح فؤادي بعدك من أوجاعه؟ كنت نورًا ينبلج في صدري في أحلك لحظاتِ سوءًا. حزني عليك يعقد لساني فلا ينبس، ويرسل دمعي ليتكلم بمرارة، أتراءى لك حبي الذي أكنه لك؟ إما إنه توارى تحت الثرى مع روحك الطيبة؟ ستقول وداعًا! ستقول سلامًا؟ سأقول مرحبًا لعتمة أيامي القادمة دون وداع، دون نهار يجليها.. ففراقك يعني النهاية.. نهاية روحي وبداية عذابِ. يا حبيبَ القلب، ألم أخبرك ألا تقل وداعًا أبدًا بل قل إلى اللقاء، فكلمة الوداع قاسية بشدة على قلبي. فيا قلب تهيئ لأحزانك فهي لن تأتي زائرة بل مقيمة.. مقيمة إلى الأبد يا قلبي."
أختنقت أنفاسها فجأة، وأحست بقلبها ينقبض، وذرفت آمآقُها فركضت نحو النافذة، وفتحتها، ومالت ممسكة بكفيها حافتها وأسبلت جفنيها لتفيضُ أدمُعها، عندما رفعت رأسها لاح شيئًا، جعل الدمع يتجمد في الأجفان.. بل ينزوي مختبئًا، والشفاه المرتجفة تتوقف، وحدقت وسط ظلمة الليل في اراس الواقف أمامها فخفق قلبها، وتسارعت أنفاسها، ومرتين متتاليتين راحت تغمض عينيها وتفتحهما وكالمعتوه سحبت نقابها لترتديه بعجل وهي تهرول خارج الغرفة وخارج المنزل، وحين وصلت إلى مكان وقوفه لم تجد أحد قط فبكت مجددًا بحرقة.
"لما تحس بوجوده؟ تشعر إنه قريب.. وإن عينيه الآن تراقبانها.. أهي في يقظة أم حلم؟"
همت أن تسير داخل البيت حينما صد طريقها أركان، فتقهقرت خطوة وهي تتطلع إليه في غضب، مغمغمة:
"ماذا تريد؟"
حرك أركان كتفيه وهو يسألها في دهشة:
"ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟"
تخطته خديجة في خطوات سريعة وهي تهتف:
"ليس هذا من شأنك."
شيعها أركان بنظراته حتى اختفت من أمامه فمط شفتيه كالح الوجه وهمس بعبوس:
"ليس من شأني! إذن من شأن من؟"
في خفة وبعد إن تأكد آجار وإسلام من خلو المكان إلا من نجيب، حتى تسللا للداخل وأعلى الدرج التفت آجار إلى شقيقه وأردف في صوتٌ خافتٌ للغاية:
"أبق أنت هنا، أنا من سأحرر نجيب الآن."
هتف إسلام في استنكار:
"ماذا؟! لم يكن هذا.."
قاطعه آجار بنبرة حاسمة:
"أخرس، الآن هذا ليس الوقت المناسب للمناقشة، سأحرر نجيب وسآخذه في سيارتي وأنت ستلحق بنا، أفهمت؟"
أجابه إسلام في استهتار:
"فليكن."
واستطرد فجأة بعبوس:
"أسمع يا آجار كل ما تفعله لا يعد جيدًا يا أخي!"
شوح له آجار بلا مبالاة، وغمغم مستدركًا:
"انتظرنا الآن في السيارة.. هيا انطلق."
أستدار إسلام لينفذ ما قاله آجار، وواصل آجار طريقه أسفل القبو، وتوقف أمام نجيب وضحك بخفوت لهيئته قبل أن يهزه، قائلًا:
"نجيب، نجيب استيقظ يا هذا، أفق بسرعة قبل أن يصل أحد… هيا يا رجل."
تململ نجيب وهو يتأوه من ألم جسده كان قد مر على مكوثه في القبو ثلث أيام بياليها ومرارتها وعذابها، حتى ظن إن شباب آل الشرقاوي لن يحرروه قط. وتمنى لو قتلوه بدل كل هذا العذاب.
وعندما رفع رأسه وهو يحاول فتح عيناه المتورمة، واستطلع آجار في تمعن، وفجأة تراجع برأسه صائحًا في ذعر:
"لا، لا.. كفى ضربًا.. كفى لم أعد أتحمل."
كظم آجار ضحكته في أعماقه، وكبح غضبه كي لا يفترسه في مكمنه، وقال وهو يربت على كتفه:
"بما تهذي يا رجل.. هذا أنا آجار، أرسلني ماهر لأنقذاك!"
ولأن نجيب يعلم إن ماهر يتلاعب بآجار فقد انبسطت أساريره على الرغم منه وهتف متهللًا:
"حقًا؟! هل سأنجو أخيرًا."
واستطرد وهو يرمق قيده في سرعة:
"هيا يا فتى، ماذا تنتظر! حل قيدي سريعًا قبل أن يرآنا أحد."
مال آجار يحل قيده وهو يقول:
"لقد قلقنا عليك بشدة!"
سأله نجيب في حذر لا يخلو من الشك:
"متى أخبرك ماهر بكل شيء عنا."
أجابه آجار دون أن يلتفت إليه:
"منذُ أن اختفيت قص ليّ كل شيء، ومن حينها ونحنُ نبحث عنك، لم نكن نتوقع إنهم آسروك هنا."
غمغم نجيب في حقد وهو يدلك معصميه ويهب واقفًا:
"لن أنتركهم.. سأدمرهم كلهم، أقسم بهذا."
ربت آجار على كتفه وهو يسرع في الخروج قائلًا:
"بالطبع يا رجل.. هيا ألحق بيّ."
لحق به نجيب للخارج وهو يفتش جيبيه سائلًا في حيرة وقلق بالغيين:
"يا إلهي.. أين هاتفي؟"
ونبش فيه القلق بقوة حين لم يجده، واستقروا داخل السيارة وأنطلق آجار بأقصى سرعة، وانتظر إسلام قليلًا ثم لحق بهم.
وفي إحدى السيارة القريبة، كان حمزة وعاصم جالسان في داخلها امام كمبيوتر متنقل، ينقل لهما كل ما حدث داخل القبو، واستمعوا لكل حرفٍ تبادلاه.
وغمغم حمزة وهو ينزع السماعة من فوق اذنيه متبسمًا في ظفر:
"لقد حصل بالضبط ما توقعته."
رد عليه عاصم وهو يفتح باب السيارة:
"المهم إلا نتأخر.. هيا."
لم يكن آجار يعرف بالأساس عنوان تواجد ماهر، ولكنه ظل يقود دون وجهة، حتى تنبه نجيب من شروده والتفت له قائلًا:
"عجبًا! أين تذهب يا فتى؟ دعني أوجهك إلى طريق مختصر إلى منزلي، انحرف يسارًا.. هيا."
كانت فرصة جاءت لآجار على طبقٌ من ذهب فراح يقود حيثُ يوجههُ نجيب، حتى توقف أمام منزل نائي تحيط به الخضرة والأشجار، وراح يعبر من بوابة سوداء انفتحت تلقائيًا لسيارته، وعلى جانبه الأيسر ثمة حمام سباحة ورأى خادمة تنظف المكان الذي كان نظيفًا ليس بحاجة، وتوقف حين اشار له نجيب، وغادرا السيارة ونادى نجيب الخادمة التي أقبلت ركضًا، فسألها:
"أين السيد ماهر؟"
أجابته الخادمة في تلقائية:
"مرحبًا بك يا سيدي، السيد ماهر هناك في الغرفة المنفردة."
اومأ لها نجيب وأشار لها بالمغادرة، وقال لـ آجار:
"هيا تعال، لا بُد إنك رأيت و تعرف المنزل الآن حق المعرفة."
اومأ له آجار دون أن يعلق وهو يسير بجانبه، وعند غرفة منفتحة الباب ابصروا ماهر ينفث سيجاره وما أن وقع بصره عليهما، حتى أطل الهلع من مقلتيه، وألقى سجارته ارضًا، وهو يدير عينيه على آجار المقبل برفقة نجيب، وعلى خالد النسخة منه، وسعل فجأة بقوة وهو يردد:
"من هذا؟ من هذا؟"
رمقه نجيب في حيرة وهو يقول:
"هذا آجار، ما بك.. ألم ترسله لينقذني."
صاح ماهر مستنكرًا:
"منَ؟ أنا؟"
واستطرد كمن اصابه مسٌ من الجن:
"إذا هذا آجار، فمن هذا؟"
أشار على خالد الذي يجلس بالداخل مكبل الذراعين من الخلف وأطل برأسه ليستطلع الأمر حتى رمق آجار فقهقه وهو يقول:
"مرحــــــــبًا."
تبسم له آجار وهو يكبح ضحكة كادت أن تفلت منه، وأسترد صرامته وهو يقول في حدة:
"أنا آجار.. من هذا الذي بالداخل؟"
"بل أنا آجار"
انبعث الصوت فجأة من خلف آجار صادرًا عن إسلام الذي مضى نحوهم، وتوقف، فأطلت دهشة عارمة من عيناي ماهر، وأومضت عينا نجيب ودارت حدقتها في محجرها.
خيم الصمت بعد عبارة إسلام، أشعل خلالها ماهر سيجارة أخرى راح ينفث دخانها في توتر واضطراب وهو يدير عينيه علىٰ الثلاثة. وقال في حيرة:
"أهي لعبة؟"
غمغم آجار في سخرية:
"ربما!!"
تراجع فجأة خطوة حادة حينما رفع ماهر سلاحه في وجهه وأشار له لداخل الغرفة، مغمغمًا:
"أدخل.. أدخلا أنتما الأثنين، هيا."
صاح إسلام في اضطراب وهو يرفع كفيه فوق رأسه:
"يا الله ما هذا الآن؟ لماذا لم تخبرني إنه يوجد أسلحة؟"
رمقه آجار بنظرة متهكمة وقال ببساطة وهو يجلس بجانب خالد في استرخاء:
"المرة القادمة سأخبرك يا روحي."
غمغم إسلام متحسرًا وهو يجلس بجوار خالد على الجانب الآخر:
"هذا إن كان في مرة أخرى يا عزيزي."
غمغم خالد ضاحكًا:
"أعذراني لا يمكنني الترحيب بكما، هل احضر لكما شاي؟"
قهق آجار ضاحكًا وهو يقول:
"بأس أصنع."
التفت خالد إلى إسلام وقال في أسف:
"وأنت ماذا تشرب؟ اعلم إنك لا تحب الشاي."
غمغم إسلام شبه منهارًا ونجيب يكبل كفيه:
"يؤسفني أني لن أذوقه قط، فالموت يلوح ليّ أقرب ليّ من نفسي! سُحقًا ليّ!"
وصاح فجأة وهو يكاد يبكي:
"ماذا فعلت أنا وأتبعت هذا المعتوه وجئت معه، سُحقًا ليّ!"
أنهى نجيب من أحكام قيودهما، ووقف بجانب ماهر الذي تأملهم مليًا، حتى قال:
"من منكم آجار؟"
صاح آجار ضاحكًا:
"أقسم لك إنه أنا آجار."
هم ماهر بأن يقول شيئًا، فأطبق شفتيه عندما قال خالد نافيًا:
"إنه يكذب.. أنا هو آجار."
انفرجت شفتي ماهر ليقول شيئًا وعاد يلوذ بالصمت حينما صاح إسلام:
"لا، لا.. أنا هو آجار يا عزيزي ماهر."
سقط في يد ماهر وعيناه تدور بينهم في دهشة بالغة، فأخذ منه نجيب السلاح في حدة، وسحب مشطه في قوة، وصوب فوهتة على رؤوسهم، وقال في غضب:
"من منكم آجار يا هذا، أنطقن وإلا فجرت رصاص هذا السلاح في رؤوسكم."
زم آجار فمه وهو يقول باقتضاب:
"إنه انا يا رجل.. لماذا لا تصدقني؟!"
تقدم نجيب منه وهو يقول:
"إذن أنت آجار…"
قاطعه خالد وهو يقول عابسًا:
"أنا هو آجار أيها الوغد.. لماذا لا تصدقني؟"
صرخ نجيب في انفعال وهو يستدير إلى ماهر، مغمغمًا:
"أخبرتك أيها الكهل الأبلة ان تتخلص منه، ولكن لم تستمع إليّ.. أردت أن توجع لمار، أليس كذلك؟ أنظر الآن من يوجع الآخر. بدل من أن تلعب به، هو من يلعب بك الآن!"
ورفع السلاح على رأس ماهر الذي انتفض مزعورًا وبرق بصره، وقال مرتعشًا:
"لن تقتل من رباك يا نجيب، أليس كذلك؟ اهدأ يا بني سنتخلص منهم هم الثلاث."
فجأة انقلب المشهد رأسًا على عقب.. فلقد انقض خالد فجأة واقفًا مطوقًا عنق نجيب في قسوة، وهو يغمغم بصوت صارم:
"ليس بعد يا أوغاد، قتلنا ليس بهين!"
"بالطبع.. لا عاش ولا كان أن يمس أحفاد لمار الشرقاوي وهي على قيد الحياة."
تردد الصوت فجأة في المكان، وعلت ضحكات خالد عالية مجلجلة، وقفز آجار بعد ان فك قيده، مغمغمًا:
"اشتقت لكِ يا جدتي.. كيف عرفتِ المكان؟"
ومال ليفك قيد أخيه، بينما ارتجفت أوصال ماهر، وأطل رعب هائل من عينيه وهو يتراجع ملتصقًا في الحائط وعيناه تحدق في المرأة التي أمامه.. المرأة التي لم تكن إلا لمار.
لمار الشرقاوي.
بكل هيبتها وجرأتها وشجاعتها. رافعة الرأس يحيط بها حفيديها من كلا الجانبين عاصم وحمزة.
وضحكت لمار عاليًا وقد راقها رعب ماهر، وغمغمت:
"مُفاجأة.. أليس كذلك؟"
رواية جحر الشيطان الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ندي ممدوح
كانت صدمة ساحقة ماحقة لماهر إن لمار لا تزال على قيد الحياة.
لقد حسب أنها انتهت، وأنه انتهى منها إلى الأبد. ونفذ ما كان يحلم به يومًا. لكن أن يراها أمامه هكذا!
تسمر جسده وشحب وجهه وجحظت عيناه، وهوى قلبه بين قدميه من فرط الرعب الذي ملأه.
وقال بعد ما خارت قواه وسقط على ركبتيه بنبرة ملؤها الخوف والحسرة والانكسار في آن:
_ أنتِ.. أنتِ.
ارتجف فمه وبكى قبل أن يسترسل عبارته. كان يريد أن يسألها كيف ما زالت على قيد الحياة؟ كيف نجت؟ ماذا ستفعل به الآن؟
وقرأت لمار كل هذا في عينيه، وتحركت لتجلس على المقعد بعد ما أفسح لها خالد الطريق.
تنهدت لمار في عمق ومالت للأمام وهي ترشقه بنظراتها شزرًا، وقالت في هدوء بارد آثار الرهبة في قلب ماهر:
_ لا ريب إنك تتساءل، كيف إنني ما زلت على قيد الحياة؟
صمتت لحظة وهي تمعن النظر فيه وتسترجع لحظة انفجار السيارة التي لم تكن لها.
ولنعد معها نحن أيضًا، بالتحديد حينما كانت تقود السيارة، ويلحق بها القاتل الذي أرسله ماهر. ربما يظن المرء أنها كانت تفر منه هاربة، لكنها أبدًا لم تكن كذلك.
فما أن أصبحت سيارة القاتل إزاءها مباشرة وألقى قنبلة يدوية داخل سيارتها بعد أن سحب فتيلها، إذ راقبت لمار كل هذا بعينين كالصقر.
وما أن رمى القنبلة، إذ تلقطتها في كفها وفي غمضة عين كانت تعيدها مكان ما جاءت، وضغطت دواسة الوقود، لتنطلق في سرعة.
ودوى الانفجار قاتل.. رهيب، قبل أن تنالها ألسنة اللهب.
وتوقفت بعيدًا عن مكان الانفجار تراقبه حتى انعكس في حدقتيها، وغمغمت في أسف:
_ ما كانت لتفضل أن يحصل هذا، لكن قاتل متسلسل مثلك يستاهل.
ودار بصرها على السيارات التي توقفت عن السير عبر الطريق بسبب الانفجار.
"وهكذا يا عزيزي نجوت بفضل الله عز وجل وعنايته."
أتمت لمار روي قصتها بتلك العبارة، فتيبس جسد ماهر تمامًا حتى صار أشبه بالصخر الصلب. يكفيه أنها لا تعرف هويته الحقيقية!
وما كاد هذا الخاطر يخالج صدره، إذ استمع صوت لمار تقول في قسوة مخيفة:
_ هلا تفكرت قبل أن تفعل بيّ وبعائلتي كل هذا يا..
لا يدري ماهر لماذا انتفض قلبه مرتجفًا، خائفًا وقد خُيل إليه أنها تعلم من يكون. ولم يدم تساؤله هذا في أعماقه، فقد قست نبرة لمار، وفاضت شراسة مع استرسالها:
_ ولا ماذا يا عزيزي مراد؟
تدفقت الدموع من عيني ماهر بغزارة وهو يحدق فيها ذاهلًا، مصدومًا. ومرت لحظات طوال وهو يحدق في لمار وهي كذلك.
لم يقطع تلك اللحظة إلا خالد وهو ينزع تنكره:
_ يا الله كدت أختنق.
والتفت إلى آجار متابعًا:
_ وجهك يخنق يا روحي.
_ لماذا ارتديته إن لم تكن تطيقه؟
قال خالد بهم مصطنع:
_ كنت مضطرًا، لم يكن هناك حل آخر.
مط آجار فمه متهكمًا فضحك خالد، وقال وهو يضرب على كتفه:
_ إني أمزح يا صاح، لا تأخذ على خاطرك.
نبهتهما لمار في صرامة:
_ هلا توقفتما عن هزلكما؟
أدى خالد التحية العسكرية وهو يضرب كعبيه في الأرض مغمغمًا بثبات:
_ عُلم.
انسكب دمع ماهر أكثر، وقال بشفاه مرتجفة وأحرف متلعثمة:
_ كـ.. كـ.. كيف.. عر..
لم يستطع إكمال جملة من شدة رعبه. وتراجعت لمار في مقعدها، وعقدت ساعديها أمام صدرها، وراحت تحدجه في صمت.
في حين غمغم حمزة في ازدراء:
_ ياللرجال حين تنهز رجولتهم!
قال له عاصم في برود:
_ ويحك يا حمزة! وهل تُطلق على هذا لقب رجل؟
تدخل خالد معهما في الحديث، قائلًا ببساطة:
_ صَه أنتما الاثنين، إنه أشبه بطفل صغير تبول على نفسه ويختبئ خيفة من والدته كي لا تضربه.
انطلقت الضحكات من أفواههم جميعًا، حتى لمار تبسمت.
فردد آجار من بين ضحكاته:
_ عجبًا! لماذا إذن يبدو لي كالجرو الساذج؟
رد عليه إسلام متهكمًا:
_ على رِسلكم يا شباب، لن نختلف في هذا الآن، الموضوع يحتاج إلى قرعة لنحسم الأمر.
غمغم خالد متبسمًا باتساع:
_ فليكن!
افتر ثغر لمار عن بسمة، وزجرتهم قائلة:
_ ما خطبكم يا فتيان اليوم؟ هل اكتفيتم؟ ألن تدعوني أنبس ببنت شفة أم ماذا! ألزموا الصمت دعوني أخبر عزيزي مراد كيف عرفت هويته الحقيرة.
اقشعر جسد مراد، وهو يراقب لمار تنهض بتؤدة، وتقول بنبرة هادئة يخامرها غضب طفيف في كلماتها:
_ أتدري كيف عرفت يا عزيزي..
صمتت مستلذة برعبه، وأضافت بصوت خفيض وهي تضغط على حروف كلماتها:
_ أنت من أخبرتنا بكل بساطة.
اتسعت عينا مراد، وتراجع للخلف في حدة عندما مالت لمار نحوه فجأة، مستطردة:
_ أخبرت حفيدي خالد وهو ينتحل شخصية نجيب. كان من الخطأ أن يسمع نجيب آراس يخبر أخته بما علمه بخصوص ماهر. كان خطأ فادح يا رجل، كشف أمره ببساطة بالنسبة لي.
مال خالد على أذن حمزة هامسًا:
_ مال جدتك يا حمزة، تبدو مخيفة!
رمقه حمزة بمقت وهو ينظر له بطرف عينه، متمتمًا:
_ اصمت بدلًا من أن تثور عليك كهذا الرجل.
أطبق خالد شفتيه ونصب قامته باعتداد عندما حدقته لمار بنظرة صارمة، وكتم ضحكته وإن أعرب وجهه عنها فأنفلتت ضحكة بسيطة جعلت لمار تعتدل هاتفة:
_ اخرج يا خالد!
قال خالد ببساطة:
_ خالد لم يتكلم ليخرج.
وسألها في اهتمام:
_ ثم بالله عليكِ، أترين من العدل أن تحرميني مما يدور هنا، ولولاي لم يكن شيئًا لينجح.
قالها مزهوًا، فلم تعره لمار اهتمامًا، والتفتت إلى ماهر، الذي جلس القرفصاء، وهم الكون كله تجلى على وجهه، كأنه استسلم تمامًا لمصيره.
قبضت لمار فجأة بكل قوتها على عنقه لتلصق رأسه في الحائط، ولم تبال به وهو يقاوم دون جدوى، بل قالت بغضب يقطر من كل حرف تلفظ به:
_ أتعلم يا عزيزي مراد أكثر شيء أندم عليه في حياتي ما هو؟
واحتد صوتها وإن اختلج لذكرى موت شقيقها يوسف مضحيًا بحياته لحياة ابنتها:
_ إني علمت حقير مثلك، وتدرب على يدي، فهذه اليد قتلت أغلى ما عندي.
اختنق مراد بشدة، وجحظت عيناه وهو يقاومها بكل بسالة، لكن قبضتها بدت له أشبه بكلابة تنشب في عنقه.
وضغطت لمار بأصابعها وهي تتذكر لحظة موت يوسف، جنون ابنتها عائشة، ألمها، وحزنها، وتشتت عائلتها الصغيرة.
غمغم خالد متوترًا:
_ ستقتله، هل نتدخل؟
وهم بالاقتراب لولا أن منعه ذراع حمزة الذي امتد أمامه، متممًا:
_ قف مكانك، لا تقترب، دعها تنفث عما بداخلها.
فوجئ مراد بكف لمار يتخلى عن عنقه، فمسك عنقه وهو يسعل بقوة، وقد ظن أنه آخر نفس له. ولم يتوقع أن تتركه.. لكنها فعلت.
اعتدلت لمار واقفة ودفنت كل حزنها بداخلها، وهي تسير في أرجاء المكان لتسترد أنفاسها وهدوءها، ثم تابعت في هدوء كأنها لم تكن تقتله توا:
_ آهٍ يا مراد، لم أتوقع منك كل هذا. لقد تعبت حتى علمت بحقيقتك الحقيرة. عندما أبلغني خالد أن ثمة من عرف هويته وأرسل من يقتله لم يأت على بالي إلا نجيب لقربه من آراس، ولأني أعلم أنه محال أن آراس يخبره فقد خمنت أنه تصنت عليه خفية دون علمه. وبيد أن نجيب هذا معك يشاركك كل شيء، فلا ريب أنه يعلم عنك كل شيء. وكانت الخطوة الثانية من عائشة ابنتي فقد تصنعت أن سيارتها قد تعطلت بجانب الطريق بعد ما علمت وقت عودته من خديجة، واستوقفته ووقف نجيب ليمد يد العون. ألست غريبة؟
تنهدت بحرارة قبل أن تتابع:
_ فالأوغاد أمثالكم هل يساعدون!! هذا ليس شأننا الآن. لقد تسللت إلى منزل نجيب وقلبته رأسًا على عقب بحثًا عن أي شيء يدلني على هويتك. ويا للعجب، لا تتخيل ماذا وجدت!!
ضاقت عينا مراد في تساؤل حائر.. فهو على يقين أن نجيب لا يملك دليلًا واحدًا لهويته الحقيقية.
وبرغم كل ثقته بهذا، كان يدرك أن لمار وجدت شيئًا حتمًا.
لم يطل تساؤله في أعماقه، فسرعان ما أجابته لمار فورًا كأنما تقرأ أفكاره:
_ وجدت على إحدى الوريقات "مراد سليم القاضي". مراد الابن الغير شرعي لسليم عم زين. مراد الذي لم أعلم حقيقته هو ووالده إلا متأخرًا.. متأخرًا جدًا. وظننت أن كلًا منهم أخذ جزاءه، فتعود أنت لتتابع انتقامًا لا أجد له سببًا.
صاح مراد وهو يهب واقفًا كالمعتوه:
_ لا يوجد ماذا؟ لا يوجد سبب! بحقك ألا يوجد؟ لقد عشت طيلة حياتي مع والدتي دون أن أرى والدي إلا نادرًا ليلقي لي ببعض المصاريف ويرحل، ويدخلني كلية الشرطة. علاوة على أن زين يتمتع بكل شيء بمفرده هو وابنتك وأخته وأنا النكرة! لكن انتقامي منك كان لموت أبي الذي قتلتيه غرقًا. كان انتقامًا منكم جميعًا.. كلكم دون استثناء.
وقهقه وهو يتقدم من آجار مشيرًا إليه بفرحة تغمره غمرًا:
_ لكني فلحت في الانتقام منك، وأوجعتك. أعلم أنك تتوجع أن ابن ابنتك من المافيا.
وصاح وهو يلوح بكفيه في شماتة:
_ لمار الشرقاوي التي قضت عمرها تحارب الإجرام ها أنا ذا فلحت في صنع حفيدك مجرمًا بحق.
صرخ آجار وهو ينقض عليه ليلكمه في فكه:
_ أيها الوغد.
سقط مراد على وجهه إثر لكمة آجار التي أودع فيها كل قوته، وهم أن يهجم عليه مجددًا، لولا أن منعه خالد بقوة.
وقف مراد مترنحًا وهو يمسح الدماء بكمه من طرف شفتيه.
وتابعت لمار شاردة:
_ بالفعل فلحت وكان خبرًا قاسيًا على قلبي. نجحت في أوجاعي يا مراد، ولكن هذا ليس موضوعنا أبدًا. لقد أبهرتني خطتك في الهرب.
تبسم مراد في زهو، بينما هي تواصل:
_ كان الأمر عسيرًا ذا نوائب لا مناص منها. فمن ناحية أنا على يقين أنك تم شنقك حينما حكم عليك بالإعدام شنقًا، ومن ناحية فسليم قد لقى حتفه أمام عيني غرقًا.
سكتت لمار هنيهة، مضت خلالها نحو المقعد، وجلست باسترخاء، وتابعت في هدوء:
_ لذا لم يخطر على بالي إلا أمر واحد، ألا وهو أن ثمة شخصًا يشتت انتباهي، وهذا الشخص لا أعرفه قط. وهنا كانت متاهة ظننت أنني لن أحور منها.
وفجأة! ترقعت بسبابتها وإبهامها، وهي تستطرد:
_ هنا جلست جلسة هدوء استغرقت فيها تفكيرًا عميقًا، تفكيرًا وضعت نفسي في محلك أنت ووالدك. وكان أيضًا من المحال أن يظل أحدكما حيًا. وذادت حيرتي، وثبتت على عدة اتصالات ومقابلات ساعدتني أكثر على التذكر. فقبيل شنقك أنت مرضت فجأة وتم نقلك للمستشفى.
وصمتت لحظة، ثم أردفت تقول:
_ وبما أنك أنت ووالدك ذا علاقات بالمافيا فقد وضعت خطة محكمة.. خطة تستحق الإعجاب.
صفقت بكفيها، وقال خالد فجأة:
_ لا تقولي هذا! فأنا من انتحل شخصية نجيب وذهبت لهذا الحقير وعلمت كمالت القصة، وطلع استنتاجك في صحيح مائة بالمائة، وهذا الغبي وقع في الفخ.
أومأت لمار برأسها تؤكد قوله قائلة:
_ بالفعل هذا هو ما حدث يا خالد. لقد فعلت المافيا عملية تجميل لشخص قريب بدنيًا من مراد فأصبح نسخة منه. وهكذا تم إبدالهما، ومن تم إعدامه هو رجل المافيا وليس مراد قط. ولقد ساعدني معرفة هذا مستشفى جومالي. ففي أثناء بحثي وجدت ملفًا لعملية تجميل أجريت لشخص ليشبه مراد مباشرة.
عقدت لمار ساعديها وهي تتطلع في عيني مراد، قائلة:
_ ما رأيك يا عزيزي مراد؟
فوجئت لمار به يثب إلى السلاح الملقي ويرفعه في وجوههم، قائلًا:
_ لن تنجين، سأقتلك، أقسم بأني سأقتلك!
أسترخت لمار في مقعدها أكثر، وهي تغمغم في بساطة:
_ حقًا؟ فليكن، ها أنا ذا اقتلني يا عزيزي.
وعلى الرغم من أن ماهر هو من يمسك السلاح ويهدد، إلا أن قول لمار هذا جعل أصابعه ترتعش حتى كاد السلاح ينزلق من يديه، وبدا له الموت أقرب من حبل الوريد.
وسحب إبرة سلاحه وقال بارتجاف وسبابته على الزناد:
_ استعدي الموت. أنا أعلم أنكِ لن تقتليني، هذا ليس من شيمك، ستتجهين للقانون حتمًا.
هزت لمار كتفيها في استهتار، وقالت ببساطة متهكمة:
_ الضرورات تبيح المحظورات يا عزيزي مراد.
صوب مراد السلاح على رأسها، وقبض عليه بقبضتيه، ورغم أنه يرتعش من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، بالفعل هم بإطلاق النار.
وتفاجأ فجأة بقدم آجار تطيح بذراعه فطاشت الرصاصة، ودار آجار دورة مدهشة، ولكمه لكمة كالقنبلة حطمت أنفه، وهو يردد:
_ ليس بعد يا عزيزي، فأنا أشتهي رؤيتك تتوجع.
تراجع مراد من عنف اللكمة وارتطم في الحائط وارتد عنه للأمام فأستقبله آجار بركلة كالقنبلة هشمت بقايا أنفه، وجذبه من تلابيبه ليقف وكالمجنون راح يلكمه في وجهه.
لكن فجأة أمسكت لمار بذراعه، وقالت في صرامة:
_ كفىٰ.
أفلت آجار ذراعه، واستشاط غضبًا وتميز غيظًا، وصرخ في وجهها:
_ كفىٰ! أتجرؤين على إيقافي؟
دفعته لمار من صدره، وهي تهتف بحزم:
_ أنا بالفعل أفعل.
صاح آجار وهو يميل عليها بحركة حادة:
_ سأقتله يا لمار يا شرقاوي، سأقتله و..
لم يتم عبارته إذ فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، ولم يخطر على بال.
ففي غمرة انشغالهم بمراد تسلل نجيب إلى الخارج، وها هو ذا يحضر منتفخ الأوداج، محاطًا برجاله إحاطة السوار بالمعصم، كأنهم سيحولون بينه وبين الموت.
ووقف في تباهٍ ورجاله يعدون داخل الحجرة ليكتفوا الشباب من الوراء على غرة.
بينما اقترب أحدهم ليسند مراد الذي أوشك على السقوط، فسند على ذراع الشاب، ورمق آجار بنظرة مقيتة وهو يتحرك، قائلًا بتشفٍ:
_ لن أموت اليوم يا فتى، ستدفع ثمن هذا، سأعود لأقضي عليك.
جن جنون آجار وهو يقاوم الرجلين بشراسة ورأى مراد ونجيب يستقلان سيارة وينطلقان.
فهاج أكثر وهو يصرخ:
_ لن أسمح لك، سأقتلك اليوم.
والتفت إلى لمار الهادئة يقول في ثورة:
_ ما بكِ هادئة وكأن الفريسة لا تزال بين يديكِ؟
هزت لمار كتفيها ببطء، وهمست غير مبالية:
_ لقد انتهى أمره بالفعل، فالشرطة أصدرت أمرًا بالقبض عليه.
إما نجيب فيأسفي لن ينجو من رجال الأب الروحي للمافيا الذي كان نجيب يخطط هو وبعض المنظمات باغتياله هو وكل نسله.
إننا لن نلوث أيدينا في دماء حقراء مثلهم.
ذادت ابتسامة آجار غموضًا وهو يقول:
_ أما أنا يا جدتي العزيزة فأحب أن ألوث يدي بمن قتل والدي.
أنهى عبارته وهو يرفع قدميه عاليًا وفي حركة بارعة مدهشة كان ينقلب جابرًا ذراعي الشاب على تركه، وتفادى لكمة من الآخر، وهو يميل جانبًا، ويعتدل مصدًا له لكمة كالصاروخ في معدته أعقبها بأخرى في أنفه، وأخرى في فكه فمال الشاب متألمًا فهوى آجار بحافة يده على مؤخرة عنقه فهوى الشاب متكومًا، وتلقى آجار لكمة الشاب الآخر على ساعده ووثب ليركله وهو يسحب منه المدفع ويهوي بكعبه على وجه الرجل ليفقد الوعي.
كانت لمار حينها تهتف في ذعر:
_ لا تفعل يا آجار بالله عليك، لا تضيع نفسك.
ضاع كلامها هباءً حين تحرر آجار في غمضة عين من الشابين وانطلق يعدو بالمدفع الآلي خلف السيارة.
فجذبت لمار رأس إحدى الرجال من وراءها لتسقطه وهي تصيح:
_ لن نسمح له.
وكان قولها بداية إعلان حرب شعواء، فدبت الحياة فجأة والحماسة في أحفادها الذين كانوا مستسلمين، ودارت حرب ضروس.
ولأن الرجال لم يأمرهم أحد بقتلهم لم يطلق أحدهم رصاصة واحدة.
انطلق آجار يعدو خلف السيارة، كأنه آلة ركض صُممت خصيصًا لهذا.
وأمام عينيه كانت السيارة تتلاشى مبتعدة، فتوقف لحظة غارقًا في تفكير عميق وانطلق مجددًا لينحرف إلى زقاق ضيق.
التفت نجيب إلى مراد، لم يكونا قد لاحظا أيًّا منهم آجار بسبب بعد المسافة.
وقال وهو مرتكز البصر على الطريق أمامه:
_ أأنت بخير يا رجل، كادوا يقتلونك.
أجابه مراد وهو يحاول كتم الدماء التي تسيل من وجهه:
_ بخير، لا تقلق بشأني ألبتًا، اهتم بطريقك.
وألتقى حاجباه وهو يقول مستدركًا:
_ مهلًا، إلى أين سنذهب؟
رمقه نجيب بنظرة سريعة، وهو يرد عليه قائلًا:
_ سنبتعد، الطائرة في انتظارنا، وإلا فلنقل رحمة الله علينا، فمن الطبيعي أن تلك العائلة لن تدعنا نحيا، فلا بد أن نفر بأرواحنا.
وأشار بإبهامه على عنقه، بمعنى الذبح وهو يغمغم:
_ وإلا ذبحونا كالنعاج.
فجأة! دوى ثقل ما على سطح السيارة، أجفلهما وأرعبهما، فهذا يعني أن أحدًا ما من شباب الشرقاوي قد بلغهم.
وارتجفت أوصالهما، وصرخ نجيب بإنفعال:
_ ماذا يحدث؟ يا إلهي.. يا لهم من شياطين.
وكان آجار في الأعلى يعتدل على سطح السيارة جالسًا بعد ما سقط من أعلى البناية فوقه.
وتحرك إلى طرفها، صارخًا:
_ لن أترككما أحياء لآخر نقطة دم في جسدي، سأريق دماءكم مهما كلفني هذا.
اتسعت عينا نجيب وهو يستمع إلى كلمات آجار، واقشعر جلده من نبرة آجار المخيفة التي تتفعم بالغضب الأعمى.
وضغط على دواسة الوقود أكثر، وسار في مسار متعرج ليوقع آجار، لكن آجار كان يتشبث بحافة السيارة بكل ما يملك من قوة وهو مستلقٍ على بطنه.
استل مراد سلاح نجيب من غمده، ووجه فوهته على سطح السيارة وهو يقول:
_ أنت مستغنٍ عن روحك يا آجار يا ولدي؟! فليكن.. لك هذا.
وأطلق رصاصته بغزارة في البقعة التي يتشبث بها آجار، وكانت الإصابة حتمية لا مناص منها، فإما أن يهوي في الفراغ أو يبقى فتصيبه الرصاصات.
اللهم اجعلني من أصحاب اليمين.
رفعت منة عينيها الدامعتين إلى خديجة، وهمست بتهالك:
_ خديجة، ألن يأتي آجار؟ ألن يجلس معي قليلًا قبل دخولي العمليات؟
ثم أضافت بتهدج:
_ أخاف ألا أخرج منها حية.
كان الخوف ينهش في قلبها من فكرة الغياب. أن تموت وربها لم يغفر لها بعد. هل سيكون مأواها الجنة، أم النار؟ هل سيعفو عنها؟ هل ستخرج حية من غرفة الموت تلك؟ هل سيزول هذا الألم وتتحرر منه؟ أم الألم سيظل ملازمها إلى الأبد!
نهرتها خديجة في صرامة وهي تجلس بجوارها على طرف الفراش:
_ صَه، ما الذي تقولينه؟ عمليتك ستنجح وستخرجين بخير، ونعود كلنا إلى مصر ولن نفترق أبدًا.
قالت منة بعبوس:
_ ما زلت لا أصدق أنك وآجار من عائلة واحدة، ولم يدخل عقلي كل ما أخبرني به آنفًا.
شوحت دارين بكفها، وهي تقول:
_ بلى صدقين، فأنا أخته.. واسمعي يا عزيزة قلب أخي، كفاك نواحًا مثل الأطفال، ستخرجين بخير وإلا بحثت لأخي عن زوجة من الآن.
حدجتها منة في غضب وكادت تدخل في مشاحنة معها، لولا أن لحقت لمياء الأمر، وقالت وهي تضع كفها على منكب منة برفق:
_ جميعنا سنكون في انتظارك، وأثناء العملية سندعو ونقرأ القرآن خارج الحجرة إلى أن تخرجين لنا بخير.
أدمعت عين منة بحنان، وقالت وهي تستطير فرحًا:
_ كم يسعدني هذا، رائع أن يكون للمرء في عز مرضه أناس يقفون معه لا لشيء إلا لحبهم له.
داعبت خديجة شعرها بحنو، وهمست كأم تريد أن تنسي ابنتها خوفها:
_ هل تشتاقين إلى الرسول؟
تجمعت العبرات في مقلتي منة، وقالت بصوت يقطر حزنًا:
_ هل هذا سؤال يا خديجة! يا له من سؤال غريب جدًا، ألا أشتاق إلى رسولي! إني أشتاق إليه إلى الحد الذي يجعلني أحسد من نالوا صحبته وأنا لا، من جلسوا معه وأنا لا، من رأوه وأنا لم أحظ برؤيته قط.
سكتت لهنية وأردفت تقول:
_ ربما في الماضي كنت فتاة لا تعرف عن نبيها شيئًا، ولم تغترف من سنته قطرة. الآن وبكِ ومعاكِ ومنذ عرفتك وأنا لا يغمض لي جفن قبل أن أدعو الله أن يرزقني رؤيته، ولا يمر بي يوم إلا وأنا أتعلم سنة من سنته.
قالت خديجة وهي تعبث في هاتفها:
_ عظيم، استعدي فأنتِ الآن ستعرفين وصف الرسول من صحابته.
انبعث صوت الشيخ سمير مصطفى للدرس الـ 6 من دروس (السيرة النبوية)، فغشاهم الصمت كأن على رؤوسهم الطير، وافترت الثغور عن بسمات كنسمات الفجر أو انبلاجه، وأنصتت الآذان، وترقبت القلوب وهي تخفق في شغف.
إما خديجة فأسبلت عينيها وأسندت رأسها على الحائط تتخيل حبيبها _صلى الله عليه وسلم_ شعره، لحيته، عيناه، وأهدابه، وثغره، وجبينه، طوله، وعرضه.. يصف الشيخ وهي تتصوره، تتخيله.
هي في معية الحبيب آمنة.. وفي رياض الجنة مستروحة.. والقلب يبكي يناجي خالقه، بصحبة الحبيب يجمعه.
والروح ترفرف في السعادة غارقة.
وبجوار الحبيب راجية.
تتوسل من يديه أن تشرب شربة تروي ظمأها.
والعين تفيض شوقًا بالعبرات متضرعة ألا تحرم من كوثرِه.
فيا عين مهلًا توقفي، رويدك بالبكاء تمهلي.. فحاشا رب العباد يحرمك من صحبة الحبيب المصطفى.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا وشفيعنا محمد.
كان موقف خطير، رهيب، هائل لا بد منه. فإما أن يسقط على الأسفلت بتلك السرعة الخارقة التي تسير بها السيارة، والتي توحي بعدم نجاته قط، أما أن يبقى فتخترق الرصاصات جسده.
وأطلق مراد رصاصات سلاحه على سقف السيارة حتى جعله كمصفاة من كثرة الثقوب التي سببتها، وانبسطت أساريره، وبرقت عيناه وهو يهلل قائلًا:
_ لقد فلحت، انتهى آجار تمامًا.. لقد مات؛ فمن المحال أن ينجو حتمًا.
لم يستطع إتمام عبارته، فقد تلقى لكمة كالصاعقة على فكه جعلته يسقط على نجيب، فأختل توازن السيارة لثوان، وعاد نجيب بالتحكم فيها، واعتدل مراد سريعًا وهو يحدق في صدمة هائلة على آجار الذي كان يتشبث بكل قوته على حافة السيارة، تاركًا جسده يتأرجح في الفراغ وهو يغمغم ساخرًا:
_ مفاجأة! لم أمت بعد أيها الوغد، فمحال أن أذهب بدونك!
صرخ مراد مغضبًا، مذهولًا:
_ يا لك من شيطان!
بينما هتف نجيب وهو يتميز غيظًا:
_ سُحقًا لك.
قال قوله وتحرك بالسيارة محاولًا إخلال توازن آچار ليتخلى عنها، وهم مراد أن يفتح الباب ليجبر آچار على ترك تعلقه، وامتدت يده بالفعل وكاد يفلح لكن قبضة آچار بادرت بالقبض على عنقه عبر النافذة وراح يخنقه بكل قوته، وهو يردد كمن أصيب بمس من الجن:
_ سأقتلك أقسم بأني سأفعل، سآخذ بثأري منك عن كل ما عشته، وعن فراقي بعائلتي، وقتلك لأبي.
كان عسيرًا على نجيب أن يمد يد العون وهو يقود، وكان عصيبًا عليه أن يرى مراد يختنق وعيناه تجحظان، ويهرب لون الحياة عن وجهه وهو يحاول إفلات أصابع آچار التي نشبت في عنقه ككلابة صلبة، فولاذية، فحاول أن ينزع كف آچار الوحيد المتشبث بحافة السقف.
وفطن آچار لهذا، وكانت محاولة مذهلة، مدهشة، بارعة تلك التي فعلها فقد وثب فجأة بجزعه عبر النافذة وهو ما زال قابضًا على عنق مراد الذي بدا كأن موته عسير، واستقر آچار في السيارة بالتحديد قرب مراد مباشرة.
وأنطلقت قبضته في وجه مراد بلكمات متعددة، وهذا الأخير لم يقو على تفادي ذلك أو حتى المدافعة عن نفسه، وخنقه آچار مجددًا في تلك المرة بأصابعه العشرة.
رغم محاولات نجيب العديدة أن يتقاتل معه لكنه لم يبالِ كأن عيناه لا ترى إلا مراد أمامه، علاوة على أنه هكذا كان بالفعل وهو يتذكر تلك اللحظة البعيدة جدًا منذ طفولته، وقتما كان داخل السيارة مع والده وأخيه، وراقب دون فهم أبيه يخفض من سير السيارة ليدفعهم خارجها وهو يردد بكلمات لم يفقهها.
بعض لحظات الطفولة، تلك اللحظات التي تمر علينا سواء بفرحة غامرة، أو حزن يسلب منا شيئًا لا تنساه روح الطفولة قط، فتلك اللحظات تبقى في مكان عميق داخل القلب إيًا كان في خانة الحزن، أما الفرح، ومع هذا وذاك يكون الطفل متشتتًا، ضائعًا، وتلك اللحظات حاضرة أبد الدهر.
فجأة! وفيما آچار يخنق ماهر.. وهذا الآخر يشعر أنه سيموت وإنها فقط لحظاته الأخيرة..
دفعهما نجيب بكل قوته خارج السيارة وهي تنطلق، وإنقلبا خارجها، وتدحرج جسداهما بقوة رهيبة وراح ينزلقان حتى استقرا.
فلهث آچار وهو يعتدل، كانت الدفعة قوية، ومباغتة، والرصيف أثخنه بالجراح في كل جسده، وبدا متهالكًا وهو ينهض في ترنح طفيف، والدماء تسيل من بعض الجروح في وجهه إثر السقطة، وتمزق قميصه ظاهرًا صدره بالندوب النازفة.
وتطلع على جسد مراد الساكن تمامًا، متراخيًا وقد وافته المنية، فأطلت صدمة هائلة في مقلتيه، واندفع صوبه، وهو يصرخ:
_ لا، لن تموت هكذا، أنا من سيقتلك، أنا من سيقتلك حتى تلفظ نفسك الأخير.
كان وصل إليه، وجثى بجواره، وقاس نبضه المتوقف، وطفق يضرب فيه وهو يهتف مصدومًا، هائجًا:
_ لا تمت يا مراد، لا تمت، قم انهض ليس الآن، لم أشفي غليلي منك بعض.
وتسمرت كفاه فجأة، وتوقفت الشفاه، وأومضت حدقتاه.
لقد علم أنه لا فائدة.. مراد قد فارق الحياة.
لا جدوى من الثوران ليس الآن.
قاتل آراس ما زال حيًا وهرب من بين يديه.. لكنه لن يسمح له بالفرار.
سيقضي عليه حتمًا.. سيأخذ ثأر آراس.
آراس الذي لم يحزن عليه بعد.. فقد أقسم ألا يبكي أو يحزن قبل أن يقتل قاتله.. قبل أن يثلج قلبه.. ثم يبكي كأنه لم يفعل قط.
على آراس سيبكي، إن لم يبكِ عليه فعلى من يبكي؟
إنه الصديق، وإنه الحبيب، وإنه الأخ، وإنه السند، وإنه المأمن، والمأوى وقد راح سلب منه بغتة دون سابق إنذار.
كم هي غريبة تلك الحياة حين تختطف الأحبة من أمام أعيننا.. والذين كنا نراهم كما يحلو لنا، نغدو لا نراهم مهما فعلنا.
وقاسي الاشتياق لمن غادر عالمنا.. فهذا هو الاشتياق الوحيد الذي لا ينطفئ لهيبه أبدًا.
نهض آچار بتؤدة وعيناه تدوران في المكان الذي بدا خاليًا، فارغًا رغم السيارات التي تروح وتجيء دون أن يتساءل راكبوها أن يعلموا ما أصابهما.
أين سيذهب نجيب؟ وعلى أي شطر سيتجه!
لا ريب أنه سيحاول إنقاذ نفسه وسيغادر البلد!
لكن ماذا سيستقل؟
حتماً طائرة، إنها أسرع طريقة ستنقذه لا مراء في هذا!
إذن ينبغي عليه أن يصل إلى المطار بأقصى سرعة.
دار كل هذا في عقل آچار، وعيناه تدوران على مواصلة سريعة تقله، حتى راقب دراجة نارية تقترب، فتحرك للأمام واعترض طريقها وهو يحرك كفيه للشاب، هاتفًا:
_ قف يا فتى قف!
توقفت الدراجة باحتكاك عالٍ قبالته، فحث الخطى إلى الشاب، وقال في لهجة توحي بخطورة الأمر:
_ اسمع أيها الشاب، أنا مفتش وفي مهمة عاجلة، لذا أعرني دراجتك لألحق بالرجل الذي سأقبض عليه.
قال الشاب في توتر:
_ لكن يا سيدي، كيف أصدقك..
قاطعه آچار بعجلة، ونبرات صارمة:
_ ما لك أيها الشاب، دولتك في حاجة إليك، هل ستتخلى عنها؟ إننا نقوم على حمايتكم ليلًا ونهارًا. ما اسمك.
صاح الشاب مذعورًا وهو يتخلى عن الدراجة:
_ لا يا سيدي لا، تفضل إنها لك، كلها لك. إننا..
فوجئ بآچار يدفعه بعيدًا قبل أن تستقر قدماه على الأرض وينزع خوذته، وركب الدراجة وانطلق في سرعة والشاب يهتف خلفه:
_ مهلًا يا سيدي تمهل..
وضرب كفيه في فخذيه وهو يخفض صوته مغمغمًا بأسف:
_ لم يأخذ الخوذة ولم يخبرني متى آتي لأستلم دراجتي.
بلغ آچار بوابة المطار ودون حتى أن يهتم بالأمن أو بأحد، ولج بالدراجة محدثًا ضجة هائلة في الوسط، فراحت الناس تتطاير في كل مكان وشاع الذعر.
وحاول رجلان أمن أن يعترضا طريقه، لكنه لم يتوقف قط، أو يقلل من سرعته فقفزا في آخر لحظة يمينًا ويسارًا وانطلقا يعدوان خلفه وهما يهددانه.
كان نجيب في تلك اللحظة قد أنهى بعض الأوراق، وفي طريقه إلى الهليكوبتر الخاصة به، وتناهى له الذعر والضوضاء التي أحدثها آچار.
وما إن لمحه لم يلبث أن ركض بكل قوته إلى الطائرة ووثب داخلها وهو يصرخ في الطيار:
_ أقلع يا رجل بسرعة أقلع، هيا.
وانصاع الطيار وارتفع بالهليكوبتر، وراقب نجيب من النافذة آچار الذي انطلق بالدراجة نحو الهليكوبتر التي ترتفع عن الأرض بقلق وتوتر بالغين، ورجال الأمن يعدون خلفه، ووابل الرصاصات ينطلق خلفه لكن أيًّا منهم لم تصبه بسبب خط سيره الغير منتظم.
وتنهد نجيب مرتاحًا عندما انقلبت الدراجة، وظن لوهلة أن آچار قد لقى حتفه، لكن..
قبل لحظة واحدة، وقبل أن تسقط الدراجة لتنزلق على أرض المطار، كان آچار يقفز من عليها، قفزة هائلة، بارعة، مدهشة، مرنة، ويتعلق بها.
واختل توازن الطائرة بغتة من الثقل الذي تعلق فيها على حين غرة، وتأرجحت لثانية قبل أن تحلق في السماء.
وغمغم نجيب شاحب الوجه:
_ يا للشيطان.. لقد تشبث بالطائرة.
في الأسفل كان ثمة شاب يركض محاولًا إلحاق بآچار، وصرخ ليمنعه من التعلق بالطائرة وهو يهتف:
_ توقف يا آچار لا تفعل.. لا تفعل هذا أنا.
لكن هتافه ضاع هباءً ونثرته الرياح مع هدير مروحة الهليكوبتر.
وقف بجواره رجل يرتدي حلة سوداء ومن ورائه وقف عدد لا بأس به من رجال الحراسة ذوي بدل سوداء، وتابع ببصره الطائرة:
_ يبدو أننا وصلنا متأخرًا.
وفي دقائق معدودة كانت لمار والشباب قد اجتمعوا في المطار، وخالد يصرخ بثورة عارمة:
_ أريد طائرة.. أريد طائرة سألحق به.
تفاجأ نجيب بإندفاع جسد آچار داخل السيارة، وقفز آچار واقفًا، وهو يواجه نجيب، الذي غمغم في غضب:
_ أحدنا سيموت أليس كذلك؟ لكن هذا الشخص لن يكون أنا قط، لن يكون.
هتف آچار وهو يقترب منه:
_ ولن يكون أنا أيضًا.
تراجع آچار تلقائيًا، عندما رفع نجيب السلاح في وجهه، وهو يهتف:
_ إذن قل وداعًا للدنيا، فأنت من ستذهب للجحيم.
في سرعة مذهلة وقبل أن يستوعب نجيب، وثب آچار راكلًا السلاح وهو يهتف ساخرًا:
_ الجحيم لا يأوى إلا أمثالك يا عزيزي نجيب، وكم يسعدني أن أرسلك إليه.
أطلق نجيب صرخة متعصبة لفقده لسلاحه الذي طار في آخر الطائرة، وركله آچار في معدته فتقهقر للخلف، وهم بركله مجددًا في عنقه مباشرة، لكن نجيب مال برأسه للخلف متفاديًا إياها، واعتدل وهو يقبض على قدم آچار ويسقطه على ظهره، واستدار مسرعًا نحو سلاحه، لكن آچار قبض على قدمه فأسقطه على وجهه، وما كاد يعتدل نجيب على ظهره فوجئ بآچار يجثم على صدره بإحدى ركبتيه وقبضته اليمنى كإعصار مدمر يدمر وجهه، فجعل أنفه كتلة من اللحم المفري، وتورمت عيناه، وسالت الدماء من فمه وقد فقد بعض أسنانه، وآچار لا يسمح له حتى بالتقاط نفسه، فكانت قبضته كآلة لا تعرف إلا اللكم على وجهه، فتوجب أن ينقذ نفسه من براثنه، وإلا سيموت في يده حتمًا.
فرفع ذراعيه وهو يجذب آچار ليطيح به خلفه، وجاءت الدفعة مفاجئة لآچار وقريبة من السلاح فتناوله وهو يثب واقفًا ويطلق النار بسخاء تجاه نجيب الذي انحنى للأسفل فطاشت الرصاصات في جانب الطائرة، والطيار يهتف في ذعر:
_ ماذا تفعلان بالله عليكما ماذا تفعلان، هل أصابكم الجنون، سنموت معًا.
هجم نجيب كالثور الهائج على آچار، وحاوط وسطه بذراعيه، واندفع ليضربه في ظهر الطائرة، وصرخ آچار من الارتطام، وجأر كالأسد وهو يضرب بحافة كفه ظهر نجيب، فتراخت ذراعي هذا الأخير عن وسطه وتركه، فصد له آچار ركلة دفعته للخلف، وقبض على تلابيبه وراح يلكمه مجددًا، وتارة يتلقى هو اللكمات، أو الركلات، ومع ذلك لم يتوقف أي منهما لثانية واحدة.
وفي الخارج حلقت طائرة في محاذاة الهليكوبتر وبابها مفتوح، ووقف شاب يصرخ وهو يشاهد نجيب وآچار على الأرض يبرح كل منهما الآخر ضربًا:
_ توقف يا آچار، توقف بالله عليك.
وأيضًا صرخته ذهبت هباءً، فالتفت إلى خالد صارخًا:
_ اقترب يا خالد سأقفز عندهما و..
اتسعت عيناه، وأطل رعب هائل منهما، وحدق في نجيب الذي كان توًا أسفل آچار الذي يضربه بوحشية فإذا بـ نجيب كمن كان يفعل هذا عمدًا وفي لحظة دفع بذراعيه آچار الذي تدحرج جسده، وتخبط وهوى من باب الطائرة، وصرخ الشاب باسمه.
وفي هذه المرة وصلت صرخته مسامع آچار، الذي أسرعت قفاه لتتعلقان بالطائرة، وتأرجح جسده من باب الهليكوبتر، ورغم ذلك كان يبتسم باتساع، بسمة أشرقت أساريره، وتألقت عيناه وهو يهتف متلعثمًا:
_ آر.. آراس!
صرخ فجأة وهو يوجه وجهه يمنى ويسرى:
_ آراس هذا أنت، أنت بخير، على قيد الحياة، يا هذا هل تمازحني؟
هتف آراس وهو يكاد يموت ذعرًا من الهليكوبتر الأخرى:
_ هذا أنا أيها المعتوه، تماسك سأنقذك.
تراجع نجيب في هلع وهو يحدق في آراس، ويردد:
_ محال، مستحيل، لقد.. لقد أصابتك الرصاصة في جبهتك، أنا متأكد من هذا، كيف هذا..
وصرخ:
_ كـــــــــــــــــيف.
كان في نفس اللحظة آچار يحاول القفز داخل الطائرة، ودفع بالفعل جسده بداخلها، مع قول نجيب الذي فطن لفعلته:
_ إن كان هو لا يزال حيًا، إذن فلتمت أنت.
وفي غمرة غضبه التي تفاقمت إلى ثورة هادرة اندفع وهو يمد كفيه ليدفع آچار الذي استقر لتوه داخل السيارة، وعلت صرخة آراس وخالد تنبؤانه، فما كاد آچار يرفع رأسه إلى نجيب حتى مال قافزًا جانبًا بجسمه في اللحظة الأخيرة، وبدلًا من أن يدفع نجيب آچار اندفع جسده إلى الأمام، واتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وهوى جسده للخارج، في الفراغ ودوت صرخته ترج المكان وهو يهوي.
ومد آچار له كفه، لكن جسد نجيب راح يهوي.. ويهوي.. ويهوي.. حتى سقط جثة هامدة من السماء على الأرض في بركة من الدماء حوله، ومنظره بدا مخيفًا، واختفت معالم وجهه التي كستها الدماء.
استلقى آچار على ظهره داخل الطائرة متسع العينين، متلاحق الأنفاس، خافق القلب، وردد مبهوتًا:
_ يا الله نهاية لا أتمناها حتى لعدوي.
وبلغه صوت الطيار يصرخ في ارتياع وهو يرفع كفيه:
_ لم أفعل شيئًا، لم أفعل!
فالتفت له آچار ورمقه في حنق، ووثب واقفًا وهو يتجه إليه، فزاد خوف الطيار وهو يردد شبه باكيًا:
_ أقسم بأني لم أفعل شيئًا.
ابتسم آچار في تهكم، وهو يعقد كفيه، ويرتكن بجانبه على المقعد، قائلًا ببساطة:
_ عُد أدراجك يا رجل واهبط.
هز الطيار رأسه وهو ينفذ، قائلًا:
_ فليكن فليكن، ما تؤمر به.
رمى آچار جسده على المقعد وهو يهمس شاردًا والأرتياح والفرح يغمرانه:
_ حمدًا لله آراس حي.
واستدرك في خفوت:
_ أتمنى ألا أكون تأخرت عليكِ يا منة، أتمنى يا حبيبتي.
ما كادتا الطائرتان تهبطان حتى كان آچار وآراس في آن يقفزان منهما ويركضان تجاه بعضهما ويتعانقان في حب أخوي، وآچار يسأل في اهتمام:
_ كيف، كيف هذا! كيف ما زلت..
قاطعه آراس وهو يجيبه في بساطة:
_ لقد كانت رصاصة زائفة من تلك الرصاصات التي تستخدم في عالم التمثيل، ما أن تنصدم في أي جسد تطلق سائلًا لزجًا بلون الدم فيظن المرء أنه دمًا، وما هو بذلك.
وزفر وهو يضيف:
_ كل هذا لم يكن ليمر بخير لولا لمار الشرقاوي، فهي من أخبرتني عن نجيب عندما أنقذت خديجة وكنت أجلس معه في الانتظار فإذا برسالة منها تأتيني وحينما ذهبت إليها أخبرتني بأن نجيب سيحاول قتلي، وكان حمزة وعاصم يراقبانه وغير ا السلاح.
أطلق آچار ضحكة صافية، وهو يقول:
_ رائع، ولكن لماذا كل هذا؟
أردف آراس وهو يغمز بعينه:
_ كان يجب فعله، وإلا ما كنت حيًا للآن قط.
واستطرد يسرد عليه الأمر:
_ نجيب قد تعاون مع بعض المنظمات التي أرادت اغتيال الأب الروحي للمافيا بكل عائلته وبعض الرجال ومن ضمنهم أنا أو على قائمتهم، لذا زيفنا أمر موتي، وسافرت لأبلغ السيد كوان، في ذات اللحظة التي أخذت فيها هاتف نجيب وعملت خدعة على المنظمات وتم القبض عليهم مع غلق كل أمر يخصني.
قاطع حديثه صوت صارم ينبعث من الخلف:
_ هذا صحيح.
ابتسم آراس لـ كوان، والتفت آچار له، في حين قال كوان مبتسمًا في هدوء:
_ لا أعرف إن أحمل لك الامتنان أو ماذا! لكن تعلم، لقد أنقذت هذا النجيب من عذاب كان سيتمنى خلاله أن يموت ألف مرة قبل أن يفكر في اغتيالي.
هم آچار أن يقول شيئًا، انحسر بداخله مع مجيء بعض رجال الشرطة الذين أحدقوا به، وقائدهم يقول:
_ أنت رهن الاعتقال لقتلك اثنين من الرجال ومخالفة القواعد.
فصاح خالد مدافعًا:
_ آچار لم يقتل أحد لتقبضوا عليه، الرجل سقط من الطائرة أمامكم.
لم يعره المفتش أي اهتمام وهو يقول:
_ لم يفعل شيئًا، أو فعل نحن من سنحدد هذا!
وكاد أن يكبل آچار، أوقفه صوت كوان بصرامة:
_ توقف أيها الضابط، هل تعلم ما أنت بصدده، كيف تجرؤ على أحد من رجالي.
توتر الضابط وهو يدافع عن نفسه قائلًا:
_ أهو إحدى رجالك يا سيد كوان؟ لم أكن أعلم! ولكن..
تهدج صوته بارتجاف وهو يتابع:
_ لا يمكنني فعل شيء في هذا الأمر، يجب أن نقبض عليه.
غمغم كوان في لا مبالاة:
_ فليكن خذوه ولكني أعرف كيف أخرجه من القانون ورجاله.
كور قبضته أمام وجهه وهو يتابع:
_ في قبضتي.
كانت لمار تقف تراقب كل هذا بصمت عجيب، ودون أن تتدخل كأن الأمر لا يعنيها.
وقاد الضابط آچار دون أن يكبل ذراعيه، وفتح باب السيارة وهو يقول بنبرة هادئة مخافة من كوان:
_ ادخل.
أومأ آچار برأسه ببطء، وفوجئ رجال الشرطة بآچار يدور حول نفسه وهو يغلق باب السيارة ويركل الضابط، وتنقض قبضته على معدة أحد الجنود، ودفع آخر على الباقين ودار حول مقدمة السيارة، وجلس وراء عجلة القيادة وأدار محركها وانطلق متجهًا إلى المستشفى، وكل ما يشغل باله هو أن يفى بوعده إلى منة ويرآها قبل دخولها العمليات، وإلا لن يسامح نفسه إن أصابها مكروه.
وكان الضابط يصرخ وهو يعدو إلى سيارة أخرى:
_ أمسكوه، امسكوه بأي ثمن لا تدعوه يفلت.
واستقل السيارة هو وجنوده ولحقوا بسيارة آچار.
ركن آچار السيارة أمام المستشفى وغادرها راكضًا إلى الداخل، وانطلق يعدو عبر الممرات، وتوقفوا الفتيات ما أن وقعت أبصارهن عليه ونهضت منة واقفة، وهي تقول ببكاء حار:
_ لقد أخبرتكم محال ألا يأتي ليرآني.
تبسم لها آچار وهم أن يواصل سيره إليها، وقبل أن يدركها هوى كعب إحدى مدافع الشرطة على مؤخرة رأسه فسقط على ركبتيه من هول الضربة المباغتة، وشهقت الفتيات، وصرخت دارين باسمه، وركضت منة وهي تكاد تسقط نحوه، وضمته وهي تبكي، وقبل أن يحاول الجنود إبعادهما صرخ آراس وهو يقبل:
_ حاول لمسهما يا رجل إن كنت مستغنٍ عن عمرك.
وهتف كوان في أمر صارم:
_ تراجعوا.
ما كاد يأمرهم حتى كانوا رجاله يدفعون جنود الشرطة ويشكلون دائرة حماية حول آچار الذي كان يضم منة في حضنه وهي ساكنة في تهالك ودموعها تنهمر على وجنتيها، وهمست بوهن:
_ لقد، خفت ألا تأتي، لكن قلبي كان يخبرني إنك ستأتي، فربما أموت ولا أخرج حية.
أرتجت عليه وراحت دموعها تصبح نحيبًا عالًا.
أجابها آچار بدموعه وهو يشدد من ضمها:
_ هل أخسرها.. أأفقدها! لو فقدها كيف يحيا من بعدها؟ كيف يكون له حياة بدونها، وهي حياته! لقد اكتملت حياته منذ وجدها، بدونها كانت ناقصة، ليس لها معنى! أيعاقبه الله عن كل ما اقترفه ببعدها؟
كانت الأفكار تدور في عقله وكفاه تحوطانها أكثر، حتى أحس بتراخي جسدها بين ذراعيه.
كانت في تلك الأثناء خديجة تقف في ذهول أمام آراس، دموعها فقط كانت تتكلم أسفل نقابها، تتأمله بعينين لا تصدقان إنه هو ذاته أمامها، وقد مات بين ذراعيها.
وتبسم آراس ضاحكًا وهو يلتهم الخطوات التي تفصله عنها، ليمسك بكفيها، قائلًا:
_ ها أنا ذا.
تهدج صوت خديجة بالبكاء وهي تردد:
_ آراس، أنت.. أنت.
ضمته فجأة، فقال هو في جذل:
_ لم أكن أعلم أن موتي سيجعلك تحبينني هكذا.
ابتعدت خديجة عنه مع صوت آچار وهو يحمل منة بين ذراعيه مناديًا عليها، فأسرعت لتدخله غرفة العمليات، ليضعها على الفراش، ورفع عيناه إلى خديجة يقول بتهالك:
_ ستكون بخير.. صحيح؟
أومأت له خديجة وهي تقول بإطمئنان:
_ ستكون بخير بإذن الله عز وجل، نأمل هذا.. والآن هيا اخرج.
خرج آچار، وتجمع الأطباء في غرفة العمليات، وأحقنوا منة بالمخدر، وركبوا جهاز الأكسجين على أنفها، وقياس نبض القلب.. وبدأت العملية.
ومرت الساعات قاسية على قلب آچار الذي كانت عائشة تضم رأسه في صدرها، والبنات بجواره يقرأن القرآن، بينما ذهبت لمار لتصلي.
وتوقفت أفراد الشرطة قرب آراس بعد ما أجرى كوان اتصالاته التي أجبرتهم أكثر على الرضوخ له.
وأخيرًا وبعد طول انتظار، خرجت خديجة منهارة في البكاء وتوقف قلب الجميع رعبًا، وقلقًا، ولم يقو آچار على الوقوف وأن اختنقت أنفاسه و..
رواية جحر الشيطان الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ندي ممدوح
رواية جحر الشيطان الفصل التاسع و الثلاثون 39
( الوداع )
النهاية في بعض الأحيان تك&;ن بداية&; و الوداع قد يبقى أثره&; في الفؤاد أبد الدهر لا ي&;نسى وإن كانوا صحاب هذا الوداع من محض خيال.
ها نحن&; أ&;ول&;اء&; في الوداع الأخير&; مع بطلة رواية سنشتاق لأحاديثها عن صحابة المصطفى&; التي كانت تغمرنا بالحنين.
ها نحن&; نلقي النظرة الأخيرة على&; خديجة التي ستكم&;ن حتم&;ا في قلوبنا جميع&;ا لا لشيء إلا إنها قد علمتنا شيئ&;ا في ديننا&; أو غيرت في قلبنا وطر&;ا&; أو ربما لإنها علمتنا إن هذه الحياة فانية&; والجنة لن ندخلها بيسر بل تحتاج منا لجهد.
لن اقول وداع&;ا يا خديجة فستبقين في قلبي وقلوبنا جميع&;ا لا شك&;.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنطلقت سيارة سوداء تعبر الشوارع في طريقها إلى المطار&; تتبعها أخرى تحمل قدر&;ا لا بأس به من رجال الحراسة&; وبداخلها كان آجار يجلس في المقعد الخلفي&; وبجانبه كوان&; مرت عليه أيام طوال في السجن حتى خرج&; بعد ما تنصل من كل التهم الموجهة إليه&; فـ آراس قد أبلغهم إنه عاونه في كشف رجال المافيا&; وبعلاقات السيد كوان أخلوا سبيله بكل بساطة.
انبعث صوت كوان يقول في عتاب محبب :
_ لن أسامحك على هذا يا آجار&; كان يج&;ب أن تبقى حتى إلى الغد&; لقد خرجت اليوم من السجن&; لم&; هذي العج&;لة!
كان آجار شارد&;ا&; عيناه معلقتان عبر زجاج النافذة&; والتفت إليه باهتمام&; وتبسم بسمة خفيفة وهو يقول في حنين :
_إنه الحنين إلى عائلتي يا سيد كوان&; حنين يملء قلبي حتى أظنه سيفيض ليملأ العالم برمته.
سكت لـ هنيهة&; ثم أردف بعينان تتألقان :
_هذه أول مرة سأخطو أرضي على إنني واحد&;ا منها&; أول مرة سيجمعني بيت&; واحد بكل من انتمي إليهم.
وأستدرك فجأة&; في مرح :
_ ث&;م يا رجل لقد قضيت اليوم كله معك ألا يكفي هذا&;
لوح كوان بكفه في نفي&; وقال في نبرة محتدة :
_ بالطبع لا يكفي&; لقد خرجت وأخذت حمام&;ا وأبدلت ملابسك ونمت ساعتان ثم أستيقظت كمن يتلبسك مائة من الأشباح وليس على لسانك إلا مصر&; فمتى جلست معي يا فتى&;!
تنهد آجار&; وقال له بنبرة تقطر شوق&;ا :
_ لقد أستبد بي&; الأشتياق للأحبة فما أملك الحق على نفسي&; إن الشوق يحركني.
غمز كوان وهو يقول في مشاكسة :
_ زوجتك!
ضحك آجار بإنطلاق&; كأن ذ&;كر&;ها يداعب أوتار قلبه&; وغمغم :
_ بالطبع .. كما إنه بعد سنون طوال ها قد حان الوقت لأجتمع بعائلتي التي ح&;رمت منها.
صو&;&;ب بصره نحو زجاج مقدمة السيارة كأنما يرجوا السيارة أن تستعجل&; والطريق أن ينتهي.
فـ أردف كوان وهو يربت على كتفه :
_ جمعك الله بهم يا ب&;ني دائم&;ا.. وأتمنى أن توصد البيبان في وجه أي&;&; فراق قادم لحياتك&; أنك تستحق السعادة يا آجار.
قال آجار بامتنان وهو يلتفت إليه بوجهه :
_ هذا اليوم لم يكن ليأتي لولاك يا سيد كوان.
ربت كوان على فخذ آجار وهو يقول :
_ لم أفعل إلا ما يحتمه علي&; ضميري يا عزيزي آجار&; ث&;م إنك لم تقتل نجيب لقد وقع بنفسه من الهليكوبتر على مرأى من الجميع&; ومراد لقد اثبت الطب الشرعي إن موته جراء ارتجاج عنيف في المخ وهذا بسبب سقوطه من السيارة.
رمقه آجار بنظرة ماكرة وهو يقول في تخابث :
_ ربما كذلك بالفعل&; ولكن هذا لم يكن ليحدث بهذه السرعة لولا حديثك مع الكبار.
ومال عليه&; وهو يسترسل :
_ عجب&;ا! كيف تخضع لك الشرطة بكل هذا الخنوع يا سيد كوان.
قهقه كوان ضاحك&;ا&; وقال من بين ضحكاته وهو يحرك إبهامه فوق إصبعين من أصابعه :
_ إنها الفلوس يا عزيزي آجار&; تفعل بالمرء ما لا يفعله اي شيء قط&; بعض الناس عبدة وكلاب للمال يا فتى ..
واعتدل ناظر&;ا له باهتمام&; وهو يقول :
_ لو جدتك هن..
احتد&;&;ت نظرات آجار&; وقاطعه قائل&;ا بلهجة عدائية :
_ ما بها جدتي يا رجل.
هم كوان أن يقول شيئ&;ا&; لولا إن انبعث صوت سائقه بغتة :
_ لقد وصلنا يا سيدي إلى المطار.
في وقت واحد إنفتح كلا البابي&;ن من شباب الحراسة&; فتبسم كوان وهو يهبط قائل&;ا :
_ ها نحن&; ذا وصلنا إيها الشاب المتعجل في كل شيء.
دار آجار حول السيارة&; و وقف ليصافح كوان الذي قال :
_ لقد فهمتني خطأ يا صاح&; ولم تنتظر لإتمام حديثي&; فقد كدت&; اتابع&; قائل&;ا إنه لو جدتك هنا&; لكن&;ا بخير&; يس&;ؤني إلا يوجد مثلها في هذا العالم&; فلو كان لكان الآن العالم بخير&; لا يشتكي من مظلمة&; ولا جريمة&; ولا خوف من السير في الطرقات مهما كان الوقت&; إنكم محظوظون بها&; بلغها سلام&; الحار&; وأعلم يا فتى إن لك&; هنا صديق وبيت&; آخر مفتوح&; لك في أي وقت.
أجابه آجار في ود :
_ إني محظوظ بمعرفتك يا سيد كوان&; واعلم أنت ايض&;ا لك بيت في مصر في أي وقت ومتى أحتجتني ستجدني ر&;هن إشارتك.
خبط كوان على ذراعه وهو يقول :
_ اعلم هذا يا فتى&; يحزنني رحيلك حق&;ا.
_وانا أيض&;ا.
_يا لك من مخادع.
قالها&; كوان وهو يجذب آجار في حضنه&; قائل&;ا :
_دعني اودعك يا صاح&; فقد لا نلتقي مجدد&;ا.
ربت آجار على ظهره وهو يقول :
_ ما الذي كنت ستفعله مع نجيب لو لم يمت.
قست عينا كوان فجأة&; وقال في شراسة مخيفة :
_ كنت سأعتصر عنقه في يدي كي لا يفكر أبله مثله في أذيت من ينتموا لي&; يا رجل&; لقد كان غبي حين فكر إنه يمكنه قتلي بكل سهولة.
أنتهى حديثهم&; بجلوس آجار يحتل مقعده داخل الطائرة التي ستقله إلى القاهرة&; وإرتفع صوت المضيفة&; قائل&;ا :
_ سيداتي وسادتي رجاء&;ا ربط أح&;زمة الأمان&; والأمتناع عن التدخين&; فالطائرة ستقلع الآن.
ربط آجار حزام الأمان وعقد ذراعيه وهو يسترخي في مقعده وأسبل جفنيه&; وانهمر الحنين في أعمق اعماق قلبه&; وهو يتذكر تلك اللحظة التي كاد قلبه يتوقف فيها بالتحديد يوم عملية حبيبته منة ( منته) كما يسميها&; عندما خرجت خديجة منهارة في البكاء وظن قلبه إنها النهاية&; فإذا بها تضحك من وسط بكاءها لترد له الروح&; قائلة :
_ لقد نجحت العملية&; لقد نجحت&; لقد نجحت.
نعم لقد نجحت العملية&; نجحت وردت لي&; روحي امانة مطمئنة
غريب&; أمر&; الحياة&;من كان يحسب إن حياتي ستنقلب&;
وإني سأولد من جديد بإسم جديد&; إسم على مسمى ( وليد) كأنما ولدت&; من جديد حق&;ا.
لا أزل أذكر تلك اللحظة التي انتعش فيها قلبي&; عندما نجحت عملية منة&; وقتها همست في اذنها&; قائل&;ا :
_إسمي وليد&; ناديني من الآن بوليد&; فإنني ولدت&; من جديد&; وقد م&;&;ن الله علي&;&; بحياة جديدة&; حياة ليس بها هذا الـ آجار الذي لا أنتمي له ولا ينتمي لي&;&; إنني إبن زين القاضي وحفيد لمار الشرقاوي لم أكن يوم&;ا ذاك الشيطان الذي كان يقبع بداخلي&; كل ما أرجوه أن تنتظريني مهما طال الغياب والفراق فحتم&;ا سأعود إليك&; لإنك موطني.
همست&; بها قبل رحيلي إلى السجن&; ربما تظنون إنه كان أسر وعقاب بالنسبة لي&;&; ولكني على العكس لقد كان لي&; محرب&;ا اتعبد فيه بعيد&;ا عن العالم أجمع&; كان محرابي بداية لقربي من الله عز وجل.
بداية لقلب&; جديد ..
ينبض&; من جديد ..
يشتهي مغفرة تنسيه كل خطاياه وما اقترفت يداه ..
كانت أيام جلست&; فيها لا ابرح عتبة الرحمن&; أبسطت كفي بكل يقين إن الله سيفتح&; لي&; باب الإستجابة&; وسيهمى علي&; بالفرج&; وسيبدد ظلمة نفسي بنور الإسلام&; ألا تقول&; خديجة ( حاشا لله إن يرد عبده خائب&;ا&; حاشاه أن لا يعوضه&; حاشاه ألا يمنن عليه من كرمه الواسع&; إنه الرحمن الرحيم الحنان المنان فحشاه ألا يطبطب على قلب عبده&; يكفى أن يكتفي المرء ويعتصم به وسيجد الرضا والراحة في فؤاده حتى يظن إنه الوحيد على وجه الأرض)
كم رائعة هي خديجة&; دائما تبثنا جميع&;ا بالأمل&; وتداوي ندوب قلوبنا مهما بلغت صميم&; القلب&; إنها كالبلسم يوضع على الجرح يطيب.
وقد طاب قلبي الم&;ثخن بالجراح.
كم جميل أن يكون للمرء عائلة يحتمي بها من مرارة الحياة&; عائلة تحبه&; تتمنى له الخير&; والسعادة&; والراحة وليست عائلة بالطمع والحقد تتودد.
لا أدري أأحسد&; نفسي&; أم أبك&; فرح&;ا لإني ر&;زقت بعائلة هكذه..
يوم&;ا ما ظننت&; إن السعادة لن تطرق باب قلبي ابد&;ا&; وإني سأظل بلى عائلة&; حينها كنت&; بعيد&;ا عن الله بقلبي وجسدي&; وها أنا ذا أخبركم من كان الله آنيسه فلا خوف عليه ولا حزن&; من كان الله وكيله ففي معية ربه دائم&; من كان الله حبيبه فهو من الخلق آمن ومكتفي.
نعم لقد محراب أتعبد في&; أصلي ولا أبرح المصلى&; أقرأ قرآن ببكاء كان يغسل أوساخ&; قلبي&; دموع&;ا كانت تطهرني&; ويبقى امر واحد يقلقني هل سيغفر لي&; الله&;
سيتقبل توبتي&;
أحين موتي سأدخل جنة&; أم نار&;
آتراني بخير&; أنا لست بخير&; فالقلق دائم في قلبي&; والخوف لا يضعني اتهنى بنوم.
الخوف من الموت على غفلة ..
متى ينتهى هذا الطريق&;
لماذا يبدو لي&; بعيد&;ا!
كم أود&; لو أغل&;ق عيناي وأفتحهما لأجد نفسي هناك&; بين ذراعي أمي&; وفي امان جدتي&; وفي حنان إخواني&; كم اشتاق أن أرى خالاتي والجميع لو يمر الوقت كلمح البصر وينطفئ لهيب الشوق!
🥀 اللهم اجمعنا في الفردوس الأعلى أنا ومن يقرؤون كلماتي هذه 🥀
لا شيء يبق&;ى على&; حال&;ه ك&;ل&; شيء&; ل&;ا ب&;د&;&; له&; أن يتغير&; قد تنقل&;ب حياة المرء&; فجأة إلى&; فجوة قد يظنها نكبة كبرى لن يحور م&;نها&; وإنها ستكون نهاية حياته&; لكنه يتفاجئ بهذه الطامة الكبرى على&; إنها بداية لحياته وليست النهاية ..
بداية لحياة&; القلب&; ودقاته&; وبسماته ..
لم أتصور قط أن يرزقني الله بزوج كـ ( آراس ) بل لم يخطر حتى&; على&; بالي&; لكن مشيئت الله قد آنت&; وكان هو نصيبي ..
و ( خديجة) التي لطالما تمنت زوج&;ا به&; من رائحة الصحابة والرسول ها هي ذي تتزوج م&;ن شاب يهواها ولا تهواه ..
لم يكن قلبي يحبه قط ..
لم أحسب إني قد أحبه&; أو أن تنفتح بيبان قلبي له ..
لكنه فعل&; أحبتته عندما وجدت فيه روح&;ا جديدة مستعدة لتكون شيئ&;ا أفتخر به..
وكيف لا أحبه بعد ما أغدقني بحنانه&; ورعايته&; وأمانه.
لقد ظللني وارف حب&;ه&; وأسبغ علي&;&; بالحب&; والأمان والأحتواء.
كيف إذن لا أحب&;ه&;
كيف لا أغرم به&;
كيف لا أخذ من حضن&;ه&; بيت&;ا&; ومن عيناه&; موئل&;ا&; ومن سويداءه ملج&;أ.
لقد بات كوكب&; قلبي الد&;ري&;&; ينير سماءه مهما غشاه الظلام.
ويبدد&; أي&; حزن&; يغمرني.
إنه سكني&; وأماني غدا.
جميلة هي تلك اللحظة&; التي نحفظ فيها مع&;ا القرآن.
ما أجملها تلك التي نجلس فيها نذكر الله..
ما أروع الصلاة وهو يؤم بي&;..
ما أبهاه&; حين يدافع&; عني بكل&; ثقة حتى ولو لم يعرف ما الحكاية&; لا لشيء إلا لثقته في&;&; إني لا أخطئ&; ودائم&;ا ما أقف&; مع الحق.
أتدرون ما أحلى شيء يمكن أن يحصل عليه المرء في هذه الحياة&;
أن يكون الشريك لا دعوة له إلا وجودك معه في الجنة
أن ت&;رزق بمن يفهمك دون كلام
ويحتويك دون أن تطلب
ويمسح دمعك بكل&; حنان الدنيا
إن يكون لك شخص أن خذلتك الحياة يكون هو الملاذ الأمن&; والحضن الدفء&; والبسمة المشرقة..
أن يكون معك من لا يهون عليه دمعك&; ولا حزنك&; ولا ألمك.
أن يعرف ما في عينيك ببساطة&; ويعلم خبيئة قلبك دون كلام.
إني ر&;زقت حبه&; ولن أفرط فيه قط.
لقد جاءني السعد يرفرف ما أن وجدته ..
كدت&; أنسى اليوم&; يوم&; جميل&; يوم يحق الأحتفاء به.
اليوم سأرى حبيبة قلبي أروى في الأبيض ..
سأرآها ت&;زف لمن تحب&; كم حلو هذا الشعور&; وكم حلوة هي تلك اللحظة.
أن ترزق البنت بنصيب يكون العوض عن كل مرارة الحياة.
تنهدت خديجة في حرارة&; وهي تتراجع لظهر المقعد&; وتترك القلم فوق دفتر&;ا&; كانت تدون به تو&;ا&; ولم تلاحظ وجود آراس الواقف لدن الباب&; مرتكن&;ا على الحائط المقابل له&; وهو عاقد الساعدين&; ويتأملها بمنتهى الحنان&; والحب&; والعشق.
وأردف بنبرة مفعمة بالعاطفة&; وهو يتحرك نحوها :
_ هل تجهزتي&;
مال مطوق&;ا عنقها من الخلف&; وأسند وجنته على وجنتها&; وهو يهمس بنبرة تداعب أوتار قلبها :
_أوحشتني كثير&;ا.
رفعت خديجة إحدى حاجبيها&; في دهشة مصتنعة&; وهي تجيبه :
_ أوحشتك! حق&;ا&; كيف هذا هل لك أن تخبرني&; نحن لم نغب لتشتاق لي&;.
زم شفتيه في عبوس&; وهو يردد :
_ يا لك&; من قاسية يا زوجتي العزيزة.
أبعدت خديجة كفيه في غيظ&; وقالت محتدة :
_ قاسية! .. من أنا&; .. أنا قاسية أم أنت.
ضرب آراس كف&;ا بكف قائل&;ا :
_لا إله إلا الله&; أنا قاسي!.. إنه لأفتراء يجب أن ت&;ع&;اق&;بي عليه.
وعبارته كانت بالفعل صادقة&; فـ آراس لا يدر معنى القسوة معها.
ولا يدخر وقت&;ا ليغرقها في حب&;ه&; وهمسه&; وكلماته التي تذيب قلبها خجل&;ا وأزدهار&;ا&; طوبي لفؤادها بشطر&;ا مثله.
أستطرد آراس بغتة :
_ يبدو إنك تأخرت&; على&; أروى&; متى ستذهبين&;
تطلعت خديجة لحظة في عيناه&; وردت :
_ الآن ..
بترت عبارتها مع رنين&; جوالها&; الذي أرتفع فجأة&; فتناولته في لهفته&; و وضعته على اذنها وهي تقول :
_ نعم يا اروى جاية اهوه.
جاءها صياح أروى على الطرف الآخر يصم&; الآذان :
_ جاية!! جاية امتى إن شاء الله&; اخلصي يا خديجة.
وأخفضت صوتها بغتة :
_ أنا متوترة وخايفة.
أطلقت خديجة ضحكة صافية&; وأجابتها في حنو وهي تتربع على الفراش :
_ مفيش داعي للخوف ولا التوتر&; هغير بس وهكون عندك&; كلها دقايق.
غمغمت أروى :
_ ايوة والدقايق بتبقي ساعات.
_ظلماني ليه&;
_أنا وحشة يا ستي.. خدي كلمي يوسف عشان مصدعني.
_ هاتيه.
جاءها صوت يوسف&; يقول متلهف&;ا في سرعة :
_خديجة عاملة إيه&; كويسة .. بقولك عايز أعرف حكاية أسيد.
ضاقت حدقتا خديجة وهي تسأل :
_ أ&;سيد&; بن&; الح&;ض&;ير&;
قال يوسف :
_ ايوة&; احكيلي دلوقتي.
_أنا خلاص جايه واحكيهالك.
صاح يوسف في نفي :
_ لا&; لا يا خديجة مش هستنى احكي ليا دلوقتي&; يلا.
بعد إلحاح طويل&; خضعت له خديجة بصدر&; رحب&; قالت :
_ يلا هحكي.
قال يوسف في اهتمام :
_ كلي آذان مصغية.
التفتت خديجة إلى آراس الذي كان يجلس وهو يعبث في هاتفه&; فنادته قائلة :
_ آراس&; أترك هاتفك يا حبيبي واعرني سمعك.
ألقى آراس هاتفه على&; الطربيزة دون اكتراث&; وهب واقف&;ا وذهب ليجلس بجانبها&; مدرك&;ا إنه بصدد سماع قصة من قصص الصحابة.
هولاء الذين يحسدهم على رؤيتهم للرسول&; ومجالسته&; وسماع صوته&; لكل شيء&; نعم .. إنه&; يحسدهم بقدر حب&;ه الذي نبت بداخله لهم.
تبسمت خديجة بسمة استنار لها وجهها&; وتألقت عيناها في شغف&; وتحمحمت وهي تقول بصوت مفعم بالحب :
_ أ&;سيد&; بن&; الح&;ض&;ير&; ولأن الوقت لا يسعفنا فسنأخذ&; قبس&; من حياة&; أ&;سيد بعد إسلامه على يد الداعية الأول م&;صعب بن عمير.
كان أ&;سيد رخيم الصوت&; وكان الصحابة الكرام يترقبون أوقات قراءته ليسمعوا إلى تلاوته.
وقد كانت تطيب له قراءة القرآن أكثر إذا سكن الليل&; ونامت العيون.
فيا سعد من أتاح له سماع القرآن من فمه&;.
وكما استعذب اهل الأرض سماع صوته في القرآن&; فقد استعذبته ملائكة السماء.
ففي جوف ليلة من الليالي كان أسيد جالس&;ا وراء بيته&; وابنه&; ( يحيى&;) نائم&; إلى جانبه&; وفرس&;ه التي أعدها في سبيل الله مربوطة&; غير بعيد عنه.
كان الليل وقتذاك ساجي&;ا&; والسماء&; صافيه تسطع بالنجوم الساهرة&; وفي هذه الأجواء الرائعة&; وفي نسمات الليل المنعشة&; راح أسيد يقرأ في سورة ( البقرة)
فإذا به يسمع&; فرس&;ه قد هاجت وتحركت حركة شديدة كادت تقطع&; رباطها.
فسكت&; فسكنت الفرس.
فعاد يقرأ&; فتحركت الفرس حركة أشد من التي قبل&; فسكت
فسكنت.
وتكرر ذلك مرار&;ا&; فكان إذا قرأ أجفلت الفرس وهاجت&; وإذا سكت سكنت.
فخاف على ابنه أن تطأه إذا انحل رباطها&; فمضى كي يوقظه وه&;نا حانت منه نظرة&; إلى السماء.
ويا سعد ما رأى ..
رأى غمامة كالمظلة لم تر العين أروع منها قط&; وقد ع&;لق بها كالمصابيح فملأت الآفاق ضياء&; ونور&;ا&; وصعدت إلى أعلى حتى غابت عن ناظريه.
فلما أصبح ذهب إلى رسول الله_صل الله عليه وسلم_وقص عليه ما رأى&; فقال له النبي_صل الله عليه وسلم_:
( تلك الملائكة كانت تستمع&; إليك&; يا أ&;سيد &; ولو إنك مضيت في قراءتك لرآها الناس&; ولم تستتر منهم)[ البخاري ومسلم]
أدمعت عين خديجة&; وهي تلوذ بالصمت لـ هنيهة&; وقالت بصوت متحشرج :
_ لقد تاقت نفسي إلى صوت&; أسيد وهو يقرا القرآن&; هذا الصوت الذي تنزلت الملائكة لتسمعه.
ت&;رى كيف كان&;
أجميل&;ا لهذه الدرجة&;
رائع&;ا&; جميل&;ا&; شجي&;ا&;
إن كتب لي&; الله دخول الجنة حينها سأجلس لأسمع صوت أسيد سأهرع إليه فور&;ا ليتلو لي&; بصوته.
ذ&;رفت عيناها دمع لم يلبث إن مسحه آراس بإبهاميه في رفق مفعم بالحنان&; فأهدته خديجة أروع بسماتها وأعذبهم&; واستدركت تقول ليوسف :
_ هذا كان نبذة قليلة من قصة أسيد العامرة&; وإن شاء الله نحكيها ذات يوم كاملة.
أغلقت مع يوسف بعد هذا&; وركنت الهاتف جانبها&; ونظرت لـ آراس قائلة :
_ سأبدل ملابسي ونذهب.
رد آراس ببساطة :
_حسن&;&; وانا سأوصلك وأذهب إلى الشباب كي أعاونهم.
أومأت له خديجة وهي تتحرك من أمامه مبتعدة&; فسرح هو وتكلمت نفسه ساهمة&; تتأملها بهيام.
( آراس)
أليس غريب&;ا أن يرزق من مثلي بزوجة صالحة كـ خديجة&;
عجب&;ا قد كانت تتحدث عن صوت أ&;سيد&; ونسيت إني بصوتها ج&;ذبت إليها&; وفي خشوع تلاوتها سكن قلبي..
ومن ظلمته الكاحلة استنار ..
لا غرو! فالصوت أحيان&;ا يعبر عن صاحبه ..
وصوتها عبر وأخذني أسير&;ا ..
والقلب رمقها قائل&;ا : إنه لا يريد إلاها.
والروح كالظل راحت تصاحبها&; ولم تعرف النفس لذة للحياة إلا بمعرفتها.
وأوصد قلبي بابه بعد دلوفها&; إمرأة مثلها لا تعوض .. لا تعوض&; لا تعوض.
كنت أعلم إن قربها خطير&;ا&; مهدد&;ا لحياتي ولعملي هذا الذي بت&; الآن أستعار منه
لكنها وأدته ووارى الثرى&; ورحت&; أغترف من إيمانها&; وطهارتها فأتطهر من كل ذنوب&; وخطاياي وأثامي.
لم أكن اعرف كيف يصلي المرء ويناجي ربه&; ولم افكر في هذا قط&; ولم يشغل حتى بالي&; لكنها ما أن عرفتها وتغير كل الشيء&; الجميل إني لم أتغير لأجلها&; فقد تغيرت لأجل الله&; وخشية&; منه&; لأني لا اريد النار لقد تبت وكل أملي عفو&;ا من الله الرحيم.
امرأة كـ خديجة لم تكن لتقبل أن يتغير المرء لأجلها قبل أن يقبل على الله بقلبه و روحه ونفسه في آن.
بدونها لا يهمني العالم إن لم يكن معها ..
إنها حبيبتي وطفلتي في آن واحد&; سكني ومستقري&; ومحرابي.
سأدعوا الله أن أعيش العمر .. كل العمر معها.
ها هي تخرج&; أمامي تربط&; نقابها بكل اهتمام&; كي يخفي كل وجهها&; ما أروع أن يكون للرجل زوجة مستترة عن العالم لا يراها إلا هو
ولا يلمسها إلا هو ..
زوجة بالنقاب تتزين&; وفي قلب زوجها تتوج ملكة&; وهي ملكتي&; ملكة قلبي وحياتي
أود&; أن أخبرها إن النظر إلى وجهها الذي أملكه أنا فقط هو التحليق إلى عالم آخر عالم مزدهر&;ا.
أود&; أن أخبرها إن النظر إلى عينيها جنة لا أريد البعد عنها.
أريد&; أن اخبرها إني بها ولها أكون
وإنها الحبيبة التي لا يوجد في القلب حبيبة غيرها.
صارت لي&; جنة أترع&; فيها دون خوف من أن تزول.
صارت لي&; حب&;ا يغمرني
صارت لي&; طفلة أدللها كيفما أشاء.
خديجة لا ولن يكون مثلها في الوجود ..
في بعض&; الأحيان&; يهمس&; لي&; قلبي ( هل كنت&; أحيا من قبلك) فأرد&; عليه قائل&;ا ( لا&; لم نكن نحيا)
دعيني إذن أخبرك إن الحياة هي أنت&;&; فيا ليت لي&; فوق العمر عمر&;ا لأحيا معك&; وفي الصدر قلب&;ا آخر يهواك&;.
فيا أيتها الحبيبة الغالية أبقي دائم&;ا بقربي
فإني أخشى أن يسرقنا الموت من أنفسنا.
( آراس&; حبيبي لقد انتهيت هيا&; سأرى هنا)
تنبه آراس من شروده على صوت خديجة العذب&; فنهض متهج&;ا إليها&; وهو يقول :
_ وهنا&; هل انتهت&;
هزت خديجة كتفيها بعدم معرفتها لذلك&; وما هم آراس أن يتفوه ببنت شفه&; إذ جاءهما صوت هنا وهي تخرج من إحدى الغرف قائل&;ا :
_ ها أنا ذا جاهزة.
كانت ترتدي فستان يعلوه خمار&; بدت فيه&; كالبدر في ليلة اكتماله&; والسر في هذا هو خديجة&; وكلام خديجة&; ويد خديجة التي لا تترك إلا على باب الرحمن.
استقروا في السيارة&; وأنطلق آراس بها إلى منزل آل الشرقاوي&; توقف آراس على جانب الطريق ما أن بلغ وجهته&; وترجلت هنا عندئذ&; لمحت خالد يقدم نحوهم&; فتوردت خجل&;ا&; وطأطأت رأسها&; وراحت تفرك كفيها في توتر&; و وقف خالد غاض&;ا الطرف وهو يسأل :
_ هنا&; كيف حالك&;
ردت هنا بصوت هامس يكاد&; يسمع :
_ بخير.
والتفتت إلى نافذة السيارة&; قائلة في أستحياء :
_ هيا يا خديجة.
فتحت خديجة باب السيارة وآراس يقول لها مبتسم&;ا :
_ إلى اللقاء أيتها الحبيبة الغالية.
وغمز لها&; فلوحت له في خجل&; وغادرت السيارة&; و واجهت خالد&; قائلة :
_ اخويا حبيبي عامل إيه&;
رد عليها خالد بغيظ :
_ بخير يا أختي.
ربتت خديجة على كتفه&; مغمغمة :
_ حبيبي أمتى هتاخد خطوة.
قالتها وهي ت&;لمح إلى هنا&; فدفع خالد كفها&; هاتف&;ا :
_ بس يا ماما.
أمسك باب السيارة الذي لا يزل مفتوح&;ا&; وألتقطتت خديجة كف هنا&; وهي تحث الخطى للداخل فرار&;ا&; بعد إن قالت في غيظ :
_ماشي يا كاليـــــــــــــــــد.
مط خالد شفتيه وهو يرغي ويذبد مردد&;ا وهو يحتل مكان خديجة :
_ كاليد&; ماشي يا خديجة&; الله يسامحك يا هنا شردتي إسمي.
نظر له آراس وهو يدير محرك السيارة&; قائل&;ا :
_ ما بك&; يا رجل&; تبدو غاضب&;ا&;
التفت له خالد&; وقال وهو يزم شفتيه :
_ ق&;د يا رجل ق&;د.
ثم استطرد فجأة :
_ هل تزوجني أختك&;
ح&;د&;ج&;ه آراس بنظرة عابسة&; وقال بإشمئزاز مصتنع :
_ لا&; فأنت لا تروق لي&;!
غمغم خالد في عصبية :
_ على أساس إني سأتزوجك أنت كي لا اروق لك&; ألزم الصمت يا حبيبي وإلا قلبت أختي عليك.
أستدرك آراس في سرعة :
_ ما الذي فهمته يا خالد يا حبيبي&; أنا أقصد إني لن أجد قط زوج&;ا لأختي أفضل منك.
نظر له خالد بتكبر مصتنع&; وأنفجر ضاحك&;ا ورد عليه آراس بضحكة عالية.
🌼اللهم اجعلنا من الصالحين 🌼
(ملك)
كم مؤلم أن يحيا المرء على الخوف .. الخوف من ك&;ل&; شيء&; من فقد الأحبة&; ومن فقد الحياة&; ومن فقد موت القلب&; ومن فقد النفس
وفقد النفس أ&;م&;ر وأقسى لو تعلمون ..
وأنا فقدت نفسي&; فقدتها في متاهة دروب الحياة فتحولت إلى حطام ..
لم أهنئ بيوم يسير&; كل أيامي كانت خوف وتوتر ..
كنت أسرق! الأمر ليس هين ويسير على نفسي.
كنت افعل هذا رغم&;ا عني&; ثمة شيء يدفعني لذلك&; ث&;م ما أن يجن&; الليل&; وتنام العيون&; وتصفى النفوس&; أهرول إلى الرحمن ساجدة&; باكية&; مناجية أن يغفر لي&; وينجيني.
كانت أيام ثقيلة على قلبي ومتعبة لحد&; الألم&; فؤادي قد أثخنته الندوب&; ندوب ظننت إنها لن ت&;شفى قط.
كان مرض لعين أقسم لكم&; أقسى من مرض الأبدان&; فمرض البدن له علاج&; أما هذا المرض حسبتني لن أحور منه إلى الممات.
كنت&; أخاف&; دوم&;ا أن يعرف أحد به كنت سأشعر بالعار.
وعلى حين غرة أصبح مرضي كالعلكة في حلوق الناس.
المؤلم في أمر الناس إنهم يوجعوننا دون أن يشعروا بالخزى من أنفسهم.
والجميل إنه حين عرفوا أفراد عائلتي لم يدعونني أشعر بالخجل&; أو بالعار بقيت في قلوبهم كما أنا لم أتغير&; عاونوني على الشفاء مما أنا فيه.
لا أزل&; أذكر جلسات العلاج القاسية التي ممرت بها&; فقد تعمدت طبيبتي أن تجعلهم يصوروني ما أن أأخذ شيئ&;ا لتريني إياه فأحتقر ذاتي&; ممرت بأيام ثقال حتى شفاني الله منه ورحمني.
إنها رحمة اصدقوني القول.
اليوم سأكون على اسم من أحببته منذ&; نعومة أظافري.
( معاذ) هذا الرجل الذي لا يوجد مثله رجال ..
لم يتركني في فترة علاجي ابد&;ا&; كان سند&;ا حين تميل&; بي&; الأيام لا يميل.
كان معي بروحه&; وقلبه&; وكلامه المشجع الذي كان يمدني بالقوة.
يا الله ما أروع إن يكون للفتاة حبيب&;ا&; لا يتخلى عنها مهما تخلى من حولها&; يكون معها في عز تعبها كبلسم&; يداويها.
هل أكون غبية إن ق&;لت إني بدونه لا شيء!
أأكون بلهاء لو ق&;لت إنه بيتي&; و وطني&; ومسكني.
فهو كذلك&; هو البيت الذي ارتاح فيه
هو الوطن الذي أنتمى إليه.
هو السكن من كل ضجيج الحياة.
كم رائعة الحياة إن كانت عادلة كما تهدينا الحزن تهبنا السعادة.
إني ممنونة لعائلتي تلك العائلة التي احسد نفسي عليها.
كم انا محظوظة بهم فبعض البشر لديهم عائلة دون عائلة&; عائلة بالاسم فقط&; كم انا جيدة الحظ بـ حبيب مثل ( م&;عاذ)
أو&; ليت الحبيب يعرف إن القلب بدونه خاوي&;ا
وإن الروح لغيره ميتة.
وإنه البسمة&; وإنه الضحكة&; وإنه الأمان
يا ليت يعرف إن عيناه وحدهما موطني
موطن أحياء به دون قلق&; دون خوف&; دون تفكير في القادم.
ليته يعرف إن قلبه مستقري
🌹 اللهم اجعلنا من ورثة جنة النعيم 🌹
في أكبر قاعات الزفاف&; كانت افراد عائلة الشرقاوي يستقبلون المعازيم ببسمات&; صافية&; م&;رحبة.
اقترب إسلام من والدته&; و وجهه يتوهج فرح&;ا تعجبته عائشة&; وهي تسأل :
_ ما بك&; يا حبيبي&; ما تلك السعادة التي تنطق من عيناك.
أجابها إسلام سريع&;ا :
_ لنرى سعادتك أنت&; حين تعلمين ما علمته.
همت عائشة أن تتساءل في اهتمام عما يعنيه&; لكنه قال سريع&;ا :
_ينبغي علي&; أن اذهب الآن لأمر هام&; حسن&;.
ما كادت تجيبه حتى كان قد اختفى من أمامها&; فزمت شفتيها واستدارت لجعفر الصغير الجالس فوق الطاولة المتزينة&; وقالت '
_ هو أنا يا ب&;ني خلفت أغبياء بس ولا إيه الواد سابني ومشي من غير ما يرد.
لم يعيرها جعفر اهتمام وهو يصفق بكفيه الصغيران&; ويراقب الصغار على المسرح&; فغمغمت :
_ حتى أنت كمان ماشي .. ماشي.
علا صوت&; الدف&; فالتفتت بسرعة إلى باب القاعة مع الباقيين&; حيث&; انبعث دخان اصطناعي جميل استغرق لحظات&; ثم عبره العروسان&; حينذاك انبعثت من كل الحلوق آهات إعجاب وانبهار.
وتألق حمزة في ح&;لته السوداء&; وأروى في ثوب الزفاف الأبيض&; وهي تتأبط ذراعه&; وسعادة الدنيا كلها تنفجر من كل خلجة من خلجاتهما مع&;ا.
واستمعت عائشة إلى صوت سجى&; تقول في خفوت حنون :
_ عائشة&; أروى طالعة جميلة صح&;
تأبطتت عائشة ذراع سجى&; وقالت في حنان لتصفها لها :
_ جميلة بس&; قولي قمر&; قولي بدر منور في فستانها الأبيض وتاج رأسها و ..
قالت سجى في حيرة :
_ و&; إيه&;
غمغمت عائشة بأعي&;ن دامعة :
_ وبنقابها.
كررت سجى في حيرة :
_ نقابها!! هي اروى تنقبت&;
أومات عائشة ونظرها على العروسان وقالت :
_ ايوة باينلها كانت عاملها مفاجئة لينا ك&;لنا.
همست سجى بعينين تسبحان في الدمع :
_ يا الله.
ران عليهما الصمت&; وتابعت عائشة رقصت العروسين&; وبديا لها أشبه بمشهد جميل في رواية رائعة&; بنظرة الحب الجميلة التي يتبادلها&; كل منهما ينظر إلى عيني الآخر&; وكأنه لا يرى سواه&; والدخان الاصطناعي يحيط بهما في منظر بديع ..
ودمعتا عينا أروى&; وهي تهمس :
_ هو إحنا في حقيقة ولا حلم جميل&;
فتطلع حمزة في عينيها في حب وحنان دافقيين&; وهمس بدوره :
_ حقيقة يا حبيبتي .. حقيقة من إنهاردة إنك هتكوني جنبي لآخر العمر إن شاء الله ..
ومال على اذنها هامس&;ا :
_ حاسس إني طاير من الفرحة&; مكنتش متخيل إنك هتفاجئيني بالنقاب إنهادة&; دي أروع واجمل واحلى مفاجأة حصلتلي في حياتي.
همست أروى وهي تتحسس وجنته :
_ بجد!
قربها إليه اكثر&; وهو يهمس بصوت خافت مفعم بالحب :
_ بجد يا حبيبة القلب والروح.
وقربهما كان معاذ يلتقط كف ملك ويأخذها إلى المسرح ليرقصا مع&;ا&; كانا قد انكتب كتابهما قبل مجيئهما إلى القاعة.
لم يتحدثا وإن تحدثت عيونهما عما في القلب من حب وهيام.
وقرأ معاذ في عينيها أشياء كثيرة.
لكنه أسند جبهتها على جبهتها&; كأن العالم لا يوجد عليه سواهما&; وهمس بتنهيدة عميقة :
_ أنت&; بقيت&; مراتي بجد.
اومأت ملك برأسها بحزن&; عميق&; كم تتمنى أن تهمس له بحبها&; أن تتحدث عن أشياء كثيرة&; إن تفصح بحبها&; واحس بدموعها تهدد بالنزول في اية لحظة&; فضم رأسها على صدرها ليخفيها وهو يهمس بكل حنان الدنيا :
_ إنهاردة بس مسموح إنك تبكي ولكن على صدري&; مش مهم أي حاجة في الدنيا يا ملك غيرك&; أنا من غيرك ولا حاجة يا ملاك&;&; يكفيني من الدنيا إنك جنبي وبخير ومعايا&; أنا بفهمك من عينك بعرف عاوزة تقولي إيه وإيه لا&; زي ما انا متأكد دلوقتي إنك عاوزة تقوليلي حاجات كتير في قلبك بس انا قراءتها&; صدقيني مفيش أي حاجة ممكن تشغل بالي غير إنك تكوني بخير وقدام عيني.
ضمته ملك في قوة&; وكبحت دمعها كلا ينهمر.
تحركت دارين حيث&; أ&;مها لتأخذ جعفر&; ثم حانة منها إلتفاتة إلى الباب فاتسعت عيناها وهي تهتف في صياح :
_ آجار&; يا إلهي آجار جاء.
ما كادت تنطقها حتى كانت منة تلتفت إلى الخلف وما كاد بصرها يقع عليه حتى هبت واقفة&; وركضت نحوه وهي تتخبط في الحاضرين دون حتى أن تنتبه او تأبه بهذا&; وكان آجار قد حث الخطى إليها حتى تلقفها بين ذراعيه في شوق غامر وراح يدور بها في سعادة دون أن يعر إي أحد اهتمام.
وسكت عن الدوران بها وهو لا يزل محتضنها&; وبدا أشبه بمن يتنفسها وهو يساءلها بكل لهفة :
_ منة&; حبيبتي&; روحي&; قلبي كيف حالك يا حب&;&;ة القلب&;
أبتعد فجأة عنها واتسعت عيناها في دهشة وهو يتأمل خمارها&; فقبل جبهتها&; لم تستطع منة أن تجيبه&; كأن دموعها فقط هي من تجيب&; تعبر عن مرارة ب&;عد&;ه&; وتنبأه بقساوة الأيام دونه&; فجذب رأسها لصدر مجدد&;ا وهو يهمس :
_ لقد عدت إليك&;&; عدت يا حبيبتي ولن نفترق أبد&;ا&; اعدك.
" وليد "
آتاه صوت ولدته فجأة متهدج&;ا&; متلعثم&;ا&; باكي&;ا&; يحمل قدر&;ا هائل&;ا من الحنان&; فأبتعد عن منة وهو يتتطلع إليها&; وتعلقت نظراتهما بقلب&; مرتعش&; وفجأة رمى نفسه في حضنها.
غمغم إسلام بنبرة متأثرة :
_ يا لها من لحظة لم احظ بها قط.
حدجته عائشة بنظرة صارمة فتطلع نحو البنات وهو يغمغم :
_ أين لمياء&;
رفعت عائشة حاجبها فلمحها&; وقال في احتجاج :
_ماذا ه&;ناك&; اريد أن أتزوجها.
ولوح مستطرد&;ا في غيرة :
_ أكملي&; اكملي إحتصان والدك&; ولا تعيريني اهتمام&;ا.
ضحكت عائشة رغم&;ا عنها&; والقت نظرة على وليد الذي اندماج مع باقي العائلة والتعرف عليهم&; وقرصت وجنتة إسلام قائلة بمشاكسة :
_ أتريدني أن أزوجك إياها&;
أبعد إسلام وجهه&; وقال عابس&;ا :
_ لقد رفضتني.
غمغمت عائشة في دهشة :
_ رفضتك!! كيف لا افهم متى تقدمت لها.
استدار لها إسلام في اهتمام&; وقال :
_ لقد ذهبت&; إليها واخبرتها إني اريد خطبتها&; فتركتني وسط الطريق وهرولت من امامي كمن يرى شبح&;ا.
رددت عائشة في جدية :
_ ماذا فعلت&; لا ريب إنك فعلت شيئ&;ا خاطئ&;
بسط إسلام كفيه وهو يهز كتفيه&; قائل&;ا في بساطة:
_ لا شيء لم أفعل شيء..
وأستطرد وهو يستدعي تلك اللحظة في خلده :
_ كل ما ق&;لت&;ه لها هو إنني سأتقدم لها بـ ..
تلعثم فمه فجأة وهو يردد :
_ مـ.. مـ.. مش ها هي تلك الكلمة تذكرت&;ها..
حملقت فيه عائشة بصدمة&; وهتفت مذهولة :
_ مــــــــــاذا&;! يا م&;صيبتي ما أن تتعلم كلمة عربية تتعلم كلمة&; مش!
وأنطلقت ضحكات خالد عالية مجلجلة فجأة&; وهو يضع كفه على منكب إسلام&; ويقول دون إستطاعه على إيقاف الضحك :
_ مش مين علمك الكلمة دي&; أقصد من ذا علمك تلك الكلمة يا هذا..
وارتفعت ضحكاته وهو يقول :
_ لا شك إنه مالك الأبله.
وضرب كف&;ا بكف متمتم&;ا:
_ أنت تحمد الله إنها لم تبصق في وجهك يا عزيزي.
واجهه إسلام وهو يقول في حيرة :
_ لماذا&; ما بها تلك الأكلة!
لم يستطع خالد تمالك نفسه فواصل ضحك&;ه وهو يقول بصوت متقطع :
_ نصيحة لا تجلس مع مالك ولا تسأله في اي شيء يخص الزواج&; فما قاله لك محال أن يذهب به الشاب وهو يتقدم لفتاة.
سأل إسلام ببساطة :
_أهو شيء بشع&;
هز خالد رأسه&; فقال إسلام :
_ إذن فهي أكلة جبدة!
كتم خالد ضحكته&; وقال :
_ لا بأس لا تشغل بالك سأجعلك تذوقها غد&;ا&; والحكم لك أن كنت ستتقدم بها.
وعاد يضحك بقوة تثير العجب.
هنا واتبعث صوت عاصم&; يقول :
_ هل تعلم..وأنا ايض&;ا أريد ان أتزوج.
حدجه إسلام شزر&;ا وصاح :
_ طلبك مرفوض&; ناردين لن توافق عليك&; وإذا وافقت فأنا أرفص.
رمقه عاصم بنظرة نارية&; والتفت إلى خالد&; قائل&;ا :
_أي رأيك اتجوز&;
شوح له خالد&; وهو يقول في غيظ :
_ يا عم وانا مالي هو أنا إللي هتجوز.
عبس عاصم&; وقال :
_ سأتزوجها إنها فائقة الجمال.
وسرح فجأة&; فطافت عائشة ببصرها عليهم&; وغمغمت بضيق :
_ يا ادي النيلة هي العيلة كلها عايزة تتجوز فجأة كده.
وتناهى لها صوت وليد يسأل آراس في اهتمام :
_ أركان لم يأتي&;
فرد آراس&; قائل&;ا :
_ بلى&; لكني لا أعرف لما تأخر.
كان في هذا الوقت دارين تتحرك بجعفر الباكي إلى الخارج وهي تناغيه&; قائلة :
_ بس يا حبيبي بس.. خالوا وليد يلا جاية عاوزة اقعد معاه.
فهتف هو باكي&;ا :
_ ماما.
_ يا عيون ماما بس.
وتراجعت في حركة حادة&; عندما كادت تنصدم بـ أركان الذي تراجع بدوره&; هاتف&;ا:
_ عفو&;ا لم أقصد .. آه دارين كيف حالك .
ردت دارين مبتسمة :
_ بخير&; متى جئت&;
أجابها أركان وهو ينظر إليها بنظرة إعجاب :
_ لقد وصلت لتوي.
بين جنبيه خافق نبأه إن شيء ما حدث له&; تلك الأنتفاضة وتلك الخفقة&; شيئ&;ا ما في دارين منذ&; رآها يجذبه&; شيء مبهم.
تناول منها جعفر الصغير وهو يقول :
_ ما به لماذا يبكي&; هاته.
حمله منها وهو يهزه ويهدهده ليصمت فلم يجدي نفع&;ا&; فقال وهو يتطلع إلى دارين :
_ ساخرج به ربما يهدأ.
تبعته دارين وهي تقول :
_ سآتي معك.
خرجا لخارج القاعة&; فتنفست دارين الهواء وهي تقول :
_ لماذا الجو خانق.
اختلس أركان نظرة سريعة نحوها&; وسألها في توتر :
_ هل لي&; بسؤال.
فنظرت دارين له باهتمام&; واومأت برأسها&; قائلة :
_ س&;ل ما بدا لك بالطبع.
تحرج اركان وهو يسأل بجدية :
_ أين زوجك&; أقصد والد إبنك.
لا يدر لم&; إجابة السؤال أخافته&; وكان قلبه مترقب&;ا قي خوف شديد&; لكن فجأة استراحت نفسه&; وسكن قلبه من لوعته&; عندما قالت في حدة :
_ أنا لست متزوجة او مرتبطة حتى يا هذا.
وفي حركة حادة جذبة من بين ذراعيه جعفر وهي تصرخ :
وهات الصغير إياك ان تحمله.
واستدارت مغادرة&; فهز اركان كتفيه وهو يحدق في أبتعادها&; قائل&;ا :
_ ماذا فعلت لكل هذا! يا لك&; من شرسة.
في الداخل كان كل شقيقان يرقصان مع&;ا&; حمزة وشيماء&; خالد وخديحة&; مالك وملك&; معاذ ولمياء وياسين مع إبنته وفي نص الرقصة تركها إلى حمزة&; وذهب إلى سجى وطوق كتفها في حنان&; وهو يقول :
_ بنتنا إنهاردة خلاص هتسبنا&; هي كبرت امتى&; إزاي السنين عدت كده.
أسندت سجى رأسها على كتفه&; وهي تقول:
_ السنين بتعدي في لمح البصر لأن معدش في بركة في الأيام&; وإحنا كمان كبرنا.
تأملها ياسين في حنان&; وهمس بنبرة مفعمة بالحب :
_ فعل&;ا كبرنا بس الغريب إن حبنا زي ما هو لا قل ولا نقص دا بيذيد دون أن يشيخ زينا.
هتفضلي بنتي وحبيبتي ونوارة البيت وضياءه.
وتابع همس&;ه في أذنها :
_ هتفضلي قلب ياسين&; وحياة ياسين&; وكل حاجة حلوة لياسين يا بسمة وضحكت ياسين&; والجانب الحلو الصافي في حياته.
كانت عينا لمار تجوسان على افراد عائلتها في حنان&; وتراقبهم في سعادة وهي تحمد الله&; وبلغها صوت يوسف يقول :
_ يا تيتا بقا هو مش آراس ده مات&; رجع ليه.
ضحكت لمار بإنطلاق وهي تميل نحوه&; قائلة :
_ وانت مالك يا روح تيتا.
صاح يوسف كأنه يبرر لنفسه :
_ واخد مننا خديجة&; أنا رايح ابعدها عنه أصلا&; ولا اقولك ..
همت لمار ان تستفسر لكنه أردف يقول :
_ أنا رايح أخد أروى وخديحة مفيش واحدة هتبيت بره البيت إنهارده&; مش كفاية خديجة كمان عايزين تبعدوا اروى.
وغادر في خطوات حادة عنيفة&; فضحكت لمار وهي تسترجع ذكريات تلك اللحظة التي عادوا فيها إلى البيت وكلمات يوسف لـ آراس.
يا الله أما زلت حي&;ا! .. ألم تمت بعد&;
فرد عليه آراس في مناغشة :
_لا أنا ميت.
فصاح يوسف متعجب&;ا :
_ميت! ميت كيف&; وأنت تحادثني.
_أوه يا إلهي ألم تعرف&; فالموتى يمنكهم الأتصال بالاحياء.
_أنت تكذب خديجة لم تخبرني شيئ&;ا هكذا قط.
🍃 اللهم صل&;&; وسلم وبارك على سيدنا محمد 🍃
كان عاصم يجلس مع والدته في الأرض الذراعية وسط الخضرة ولون الحياة وهواء الأرض الرطب&; وفيما هم يتناجيان وهم يتذكرون حفل زفاف حمزة وأروى&; إذ أقبل شاب من الشباب العاملين لديهم في الأرض&; وهو يهتف بصوت&; مرتفع:
_ يا أستاذ عاصم .. يا استاذ عاصم .. يا أستاذ عاصم.
هب عاصم واقف&;ا فور&;ا ليواجه الشاب الذي وقف يلهث أمامه&; ويلتقط أنفاسه&; وتعلقت عينا وعد عليه في اهتمام عندما قال من بين لاهثه :
_ في مرة طلباك بالإسم بره&; وبتجول موضوع م&;هم جوي.
انزوى حاجبي عاصم في دهشة حقيقة وهو يسأله في اهتمام :
_ وحدة بنت! ودي عايزني في إيه&; وتعرفني إزاي أصل&;ا.
هز الشاب كتفيه وهو يقول :
_ مخبرش يا أستاذ عاصم.
زم عاصم شفتيه وهو يتبادل نظرة متسأله مع والدته&; فأشارت له وعد قائلة ببساطة :
_ روح يا عاصم شوف في إيه.
وافقها عاصم بإيماءة من رأسه&; وضرب على كتف الشاب وهو يقول :
_ خلي بالك من ماما لحد ما رجع.
وذهب شبه راكض&;ا&; والشاب يصيح من خلفه :
_ في عنيا يا استاذ عاصم&; مش ههملها غير أما ترجع.
كان الأمر غريب&;ا فعاصم ليس له اختلاط مع إي أحد سواء الرجال الذين يعملون معهم في الأرض او جيرانهم الأقربون.
لذا كان الأمر محير أن يطلبه أحد وهذا الأحد فتاة.
استغرق عقله في التفكير حتى خرج من الأرض الذراعيه فقفز عابر&;ا (الفحيرة) الممتلئة بالماء&; وعيناه تدور بحث&;ا عن من تريده.
فإذا بعيناه تقعان على منار التي توليه جانبها&; فضيق عيناه في حيرة اكبر&; ومضي نحوها وهو يقول بنبرة تفيض دهشة :
_ منار!
التفتت له منار&; وبدت شديدة التوتر والارتباك&; وهي تتلفت حولها في خوف جلي&; لكنها استجمعت شجعاتها وهي تقول :
_ ايوة انا منار&; أنت فكرني&;
رد عاصم في سخرية :
_ ق&;لت إسمك يعني اكيد فكرك.
واستطرد بنبرة جافة :
_ خير&;!
كان لا يزل يذكر إنها أخت للشاب الذي أذى اروى فكان من العسير أن يعاملها بكرم أو ترحيب&; ومع ذلك فقد أحس بتأنيب الضمير&; وتحمحم قائل&;ا بنبرة لينة :
_ إحم&; أقدر اساعدك في حاجة&;
ظلت عيناها تجوسان في المكان وهي لا تحر جواب&;ا&; فنظر عاصم بدوره فيما حوله&; وغمغم :
_ بدوري على حد هنا ولا إيه!
أخير&;ا تنبهت له فهزت رأسها نفي&;ا&; وارتجفت شفتيها وهي تقول :
_عايزة دكتور مالك!
ما كاد عاصم يستمع لطلبها&; حتى صاح في تهكم:
_ نعم يا أختي!! عايزة مين&; مالك! أنت&; بتستهبلي حضرتك&;!..
بتر سخريته حينما لمح الدموع المترقرقة في عينيها&; فعقد ساعديه وهو يشتف أن الأمر هام&; فسألها في جدية :
_ ممكن أعرف عايز&;ة في إيه&;
رغم الشمس الحارقة التي ت&;لقي ضوءها عليهما&; فقد راحت منار تمسح على ذراعيها بكفيها كمن يعاني من البرد القارص&; وخرج صوتها كأنه يأتي من مكان&; سحيق وهي تهمس :
_ عاوز&;ه يساعدني في حاجات كتير ..
قاطعها عاصم بنفاذ صبر&; وقد ارتسمت بسمة متهكمة على شفتاه :
_ زي!!
أرتجف صوت منار أكثر وهي تقول :
_ مش هقدر أقولك&; بس ضروري تبلغه إني محتجاه ..
كرر عاصم ذاهل&;ا :
_ محتجاه&;&;!!
لم تأبه منار بذهوله&; بل بدت لم تلاحظه وهي تتلفت حولها&; وتقول في تلعثم :
_ أنا .. أنا لازم امشي قبل ما حد يشوفني&; ارجوك بلغه&; أرجوك.
قالت توسلها واستدارت مغادرة كمن يلاحقها شياطين الكون كله.
فقلب عاصم كفيه في حيرة أكبر&; وأخرج هاتفه ليجري إتصال بمالك&; الذي رد قائل&;ا في مرح :
_ عصوم&; عامل إيه يا عم&; وخالتوا عاملة إيه&;
تفاجئ بصوت عاصم يأتيه قائل&;ا بصوت جاد&; حائر :
_ منار كانت هنا!
فكرر مالك متعجب&;ا :
_ منار! منار مين&;
واستدرك بغتة :
_ متقولش منار إللي ك&;نت بعالجها وإللي اخوه&;
قاطعه عاصم في هدوء لا يخلو من القلق :
_ ايوة&; هي بشحمها ولحمها!
قال مالك&; وهو ينهض من خلف مكتبه&; ويتجه إلى النافذة لينظر من خلالها :
_ ودي عاوزة مني إيه&; مالها&;
قال عاصم:
_ مش عارف مقالتش غير إنها محتجاك ..
قاطعه مالك مندهش&;ا :
_ محتجاني!
أجابه عاصم وهو يجلس على عتبتة منزله :
_ ايوة&; قالت إنها محتاجة مساعدتك في حاجات كتير&; كانت خايفة ومتوترة بس فإيه&;
أستند مالك بكفه الحر على حافة النافذة&; وهو يقول :
_ مش عارف&; دي هتكون عاوزني في إيه&;
طب مقالتش حاجة تاني&;
هز عاصم رأسه نفي&;ا وقد ألتقط عود&; صغير طويل راح يرسم به على الأرض :
_ مقالتش يا عم والله لو قالت كنت قولت&; هتعمل إيه&;
_حاجة محيرة!
_فعلا&;.
أتكأ مالك بظهره على النافذة&; وقال :
_طب تنصحني بـ إيه&;
ساد الصمت بينهما لدقيقة كاملة&; قاطعه عاصم وهو يقول بعد تفكير :
_ تعال منه تغير جو هنا عندنا ومنه نشوف البنت دي عاوزة إيه.
لم يتلق رد&;ا فور&;ا من مالك&; فردد :
_ مالك .. أنت يا ابني روحت فين!
رد مالك بصوت&; شارد:
_ معاك أهوه&; مش عارف بجد&; وبعدين انا هساعدها في إيه اصل&;ا.
رد عاصم بنبرة مبهمة :
_ تعال يا مالك .. الموضوع شكله كبير..
تنهد مالك وهو يسأل :
_ ايوة برضو أنا هساعدها في إيه&;
_ مش عارف يا عم&; أنت حر لو هتيجي تعال مش عاوز خلاص.
زم مالك شفتيه لثانية&; ثم قال :
_ خلاص يا عم أنا اصل&;ا ليا كتير منزلتش الصعيد وأهوه هاجي اغير جوه وسطكم ونشوف عاوزة إيه&; حاسس الموضوع بخصوص اخوها.
أيده عاصم بقوله :
_ وأنا برضو.
أنهى عاصم الأتصال مع مالك&; وقفز واقف&;ا وهو يلقي العود من كفه&; وقفز من فوق الماء عابر&;ا إياها&; وسار على جانب الأرض الذراعية حتى وصل إلى والدته&; التي بادرته قائله باهتمام :
_ مين دي يا عاصم إللي كانت عاوزاك&;
سحب عاصم المقعد ليجلس عليه وهو يرد عليها :
_ أبد&;ا متشغليش بالك!
رفعت وعد حاجبها&; وغمغمت:
_ يا واد مين دي&;
هرب عاصم من الإجابة عندما لمح والده فظلل فمه بكفيه وهو ينادي :
_ يا بابا&; إنت يا عم الحج تعال شوف ماما.
أقبل رحيم نحوهما وهو يقول :
_ مالك يلا عامل وش كده ليه&; مش كفاية قاعد لا شغله ولا عمله.
نهض عاصم وهو يبرتطم بكلام غير مفهوم ثم قال :
_ والله لنا ماشي من هنا.
قبل ان يخطو. خطوة واحدة&; وما ان استدار أحس بذراع والده يقبض على كتفه في حزم&; مع صوته يقول في غلظة :
_ تعال هنا يلا رايح فين&;
غمغم عاصم في ضجر وهو يستدير له :
_ يا حج يا حج عيب كده&; برستيجي يا جدع.
كرر رحيم في ازدراء :
_ برستيجك! تاك القرف أنت وبرستيج&; خد يلا امك رجعها البيت عشان لسه مش راجع دلوقتي!
جذب عاصم ذراعي المقعد المتحرك&; وهو يتمتم :
_ وانا إللي ق&;لت هسيب لكم الجو عشان تقعدوا قاعدة رومانسية متكررش.
رد رحيم وهو يضرب على ظهره :
_ قعدة رومانسية وأنت موجود&; بطل نق يا حبيب بابا واتكل..
صاح عاصم وهو يفلت من يد والده :
_ ظهري يا حج ظهري في يوم هتشل منك.
راقبه رحيم ببسمة تبزغ على شفتيه وهو يردد :
_ بعد الشر عليك من الشل.
وتنهد قائل&;ا :
_ يا رب اشفي لي&; وعد يا رب.
&; عجبك يعني جوزك ده&; واللي بيعمله معايا&;
قالها عاصم&; متصنع العبوس وهو يجر أمامه مقعد والدته&; فغمغمت وعد :
_عيب يا ولد ده بابا يقول إللي ..
&; عاصم رحيم&;&;
قطع عبارة وعد صوت انثوي فجأة من وراءهم&; فالتفت عاصم تلقائي&;ا إلى مصدر الصوت&; ليرى امرأة ترتدي عباءة سوداء جميلة&; ذات ملامح صعيدية حازمة&; و قوام ممشوق&; فرفع حاجبه وهو يغمغم بصوت وصل إلى مسامع والدته :
_ هو مال عاصم إنهاردة هي البنات مش لاقيه غيره.
حدجته وعد بنظرة صارمة&; وقالت للمرأة :
_ تفضلي حضرتك في حاجة نجدر نساعدك بيها&;
اقتربت المرأة منها فجأة ودققت في قدميها النظر وقد خفق قلبها وعلا&;ها السكون&; فغمغم عاصم في ضجر :
_ في حاجة حضرتك&; خير&;
رمقته المرأة بنظرة سريعة&; وعادت تنظر إلى وعد&; ثم شدت قامتها وانتصبت في وقفتها وهي تواجه عاصم&; قائله :
_ انا جريبة منار!
تبسم عاصم بسمة صفراء مقيتة وهو يغمغم :
_ يا أهل&;ا هي العيلة كلها ناوية تيجي&;!
رمقته المرأة بنظر نارية&; وأفسحت له الطريق وهي تقول :
_ دخل أمك وتعال عايزك.
رد عليها عاصم بنبرة مقيتة :
_ عاصم مش موجود إنهاردة!
نهرته وعد قائله :
_ عاصم عيب كده يا بني&; من امتى بنعامل ضيوفنا كده&;!
طأطأ عاصم رأسه&; وقال بكل احترام :
_ حقك عليا يا ماما.
وحدج المرأة بنظرة نارية وهو يقول :
_ استنيني أهنا لحد ما اجيلك.
أومأت المرأة وهي تتنحى جانب&;ا وشيعته بنظراتها حتى اختفى&; فتنهدت في إشفاق وهي تقول :
_ بإذن الله تخفي يا ست وعد&; منهم لله إللي ماذينك دول.
لم يمكث عاصم طويل&;ا&; وكان يقف قبالتها&; ويقول :
_ نعم يا ست تؤمري بإيه حضرتك.
تفاجئ عاصم&; بل ص&;عق&; عندما قالت المرأة بدون مقدمات :
_ رايدة چدتك!
ولم يلبث إن نفض صدمته سريع&;ا&; وهو يقول :
_ نعم!! رايدة مين&;
غمغمت المرأة وهي ترشقه بنظراتها :
_چد&;تك&; لمار الشرجاوي.
رفع عاصم إحدى حاجبيه&; وتعجب إن المرأة تع?