تحميل رواية جحر الشيطان بقلم ندي ممدوح pdf
بقلم ندي ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت ليلة شاتية شديدة البرودة، والظلام يلف غرفتها برداء حالك السواد. صدح منبه هاتفها كما وقتته مع إنتصاف الليل. فتحت أجفانها بتقاثل. ومدت كفها من أسفل الغطاء برجفة من برودة الجو وأوقفت رنينه. تنهدت وهي تخرج رأسها من أسفل وسادتها. تحركت من على الفراش ليهاجمها البرد القارص، فضمت نفسها بذراعيها وهي ترتعش. لكنها لن تضع البرد يغدو حائلاً بينها وبين قيام ليلها. أسرعت لتشعل الأنوار. ولفت انتباهها أثر الغيث العالق على زجاج نافذتها المغلق. فأسرعت نحوه واتسعت حدقتيها وهي تصرخ في حماس وتصفق بكفيها. ثم نظرت...
رواية جحر الشيطان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندي ممدوح
قد وهن العظم منها واشتعل الرأس شيبًا، بعدما مرضت بداء السكر حزنًا وكمدًا. بعد تكدر قلبها مباشرةً، راحت تلهو مع حفيدها الأصغر والأحب لقلبها. وللصدق كلهم لديهم محبةٌ خاصة بقلبها، لكن هذا الصغير شيءٌ آخر للغاية. ربما لأن اسمه على اسم العزيز؟ أم لعجبها من نفسه؟ فهو راجح العقل للغاية، يبدو أكبر من سنه. قاموا بتدريبه فنون الدفاع عن النفس، وللعجب تعلم دون أدنى محاولة مرةٌ ثانية. في كل مرة يثير دهشتها وحبها وعجبها.
تمتم الصغير يوسف متسائلًا بسؤم:
- يعني مش هتحكيلي اروى فين؟
رفعت لمار حاجبها تُردد في دهشة وهي تهزه من مقدمة ملابسه:
- ولا صوتك بيعلى عليَّ ليه؟ دا انا محدش بيقدر يعملها غيرك، كله كان اول ما يشوفني يخاف.
نفض ياقة قميصه منها وهو يعتدل في خيلاء مرددًا:
- هو انا اي حد؟ أنا يوسف الشرقاوي.
وراح يلامس باعتزاز على مؤخرة شعره في كبرياء. لتنخرط لمار في نوبة ضحك جعلتها تسعل. ما هذا؟ الاسم والشبه والطباع هذا غير ممكن، كأن نسخة مصغرة من أخيها أمامها.
يا الله من عوضك كم جميل!
غابت بسمتها بغتة وهي تحيد ببصرها نحو إطار صورة معلقة بغرفتها أمام فراشها لأخيها الحبيب ورفيقة البسمة السعيدة تزين ثغورهم وأعينهم بدت لامعة سعيدة مشرقة. وأخذت تتأملهما بعينان حزينتان مشتاقتان قتلهما الحنين وأطفأ بهجتهم. أطرقت بذكرى حزينة حيثُ لم يغب أشهر على موت أخيها ولحق به صديقه.. صديق حياته ويبدو أنه رفيق جنته إن شاء الله.
زهد في الحياة دون شطر قلبه فـ زهدت فيه.
وقف خلف نافذة غرفته.. يُطالعها بذات الشغف ككل يوم وهي ترسم إحدى لوحاتها. يحفظ حركاتها عن ظهر قلب، ويحفر في قلبه طريقة رسمها بكفها الرقيق وهي تسير بخفة على اللوحة أمامها. أعتاد أن يصحو باكرًا لأجلها فقط. منذُ بدأت تجلس بالحديقة والأدوات حولها وترسم في جوٍ هادئ لطيف. تشد الشال على كتفيها تصمت ساهمة ساكنة عن الحركة تتأمل لوحتها بعينان شاخصتان تتخيل الرسمة في ذهنها قبلًا، قبل ان تترك يداها لتبدع. ربما أتخذت من الفرش والتلوين ملاذًا لتخرج به ما بجعبتها؟
لم يمض طويلًا حين نظرت لساعة معصمها لتقف تلملم أشياءها على عجل وتدلف. فـ أستدار هو ليستعد ليذهب خلفها. كم حال دون ان تدرك أنه يتبعها إلى مقر المركز الخاص لذو الاحتياجات الخاصة. ربما تجد سجيتها بينهم، تجد عالمها وأن ثمة من يفهمها وتفهمه بيسر دون عُسر!
هبط الدرج سريعًا وهو يرتدي جاكته على عجل. وأوقف سيارة أجرى وتبعها. ولم يغادر حتى اطمئن أنها دخلت للمبنى.
قاد مجددًا ليذهب لصديقه الذي سيقابله في الجامعة. لم تكن بعيدة عن مقر المركز التي به. وقبل أن يهبط من سيارته التي صفها، اغمض عينيه مستحضرًا صورتها في إنتشاء لتغمره الراحة غمرًا... وكذا السعادة. ضحك فجأة متذكرًا حين كانت صغيرة وتأتي إليه راكضة متذمرة تدب الأرض بقدميها تبكي بصمت وهي تخبره أن يخبر من تحادثه بما تريده. كان الوحيد الذي يفهمها.. يفهم إشارتها ولغتها. هل كان الحب هو من جعله هكذا؟
منذُ ذاك الحين وهو يشعر انه مسئول عنها. لقد بات مغرمًا بها وحسم الأمر. أسرت قلبه وصار جزءٌ منه غائبًا لديها فقط.
خرج من السيارة وتوجه لداخل الكلية. ليطلب منه صديقه المكوث مع الطلبة حتى يعود فورًا لأمر هام. وقف أمام الطلبة شباب وفتيات وعرف عن نفسه وحكاهم بإيجاز نبذة عن المادة، قبل ان ينصرف. وما لبث ان عاد بصندوق صغير وضعه امامه مسندًا كفيه عليه وهو يردد:
- يقول رسولنا الحبيب، صلوا عليه قبلًا.
صلوا الجميع على الحبيب، فأستطرد معاذ قائلًا:
- أن الصدقة تغفر الذنوب وتطفئ الخطيئة.
تقطر الدهش في اعين الطلاب الذين جحدوه بأستغراب، لا يدركون ما دخل الصدقة في مادتهم. بينما تابع معاذ في تفهم وقد قرأ صفح وجوههم:
- هذا الصندوق احضرته اليوم معي صدفة لم تكن محددة، خطرت لي الفكرة الآن، عله يكون لنا جميعًا نجاة من النار. علكم تتسألون ما الذي أقوله. معكم حق! هذا لا يخص المادة في شيء لأنها أهم ربما بالقدر الكافي.
صمت هنيهة وتابع وهو يجوب بعيناه في وجوههم:
- اتدرون أن للصدق باب للمتصدقين فقط؟
وأضاف يجب نفسه وقد بدأ يتحرك تجاههم:
- باب ينادى منه فقط المتصدقين، تخيل ان تقف يوم القيامة فتسمع اسمك بغتة وتدخل في زمرة المتصدقين الجنة من باب الصدقات. لماذا نتصدق؟ نتصدق حتى يغفر الله لنا. كي يُشفى مرضانا ونتقرب إلى الله حتى ندخل من بابه متهللين الوجه سعداء القريرة من النجاة من النار، ربما كانت صدقتك التي تستهين بها هي نجاتك من جهنم ولا تدري.
فـ الرسول قال (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
حل عقدة كفيه من خلف ظهره وهو يعود واقفًا خلف الصندوق مغمغمًا في أمل:
- سيبقى هذا الصندوق هنا لآخر السنة، كل يومًا سنضع به ما تيسر لنا لتحل علينا البركة وتنفرج همومنا، وسنتبرع به لإحدى المستشفيات. وسأخبر محمود بهذا.
رفع رأسه إليهم سائلًا:
- هل أحد عنده سؤال لهذا الأمر؟
هز الجميع رؤسهم بتأثر وبدأ الجميع يقف ليضع به ما تيسر له واولهم فعل معاذ متمنيًا ان تكن ملك من نصيبه.
لم يلبث طويلًا بعد عودة رفيقه، ولم يطل حديثهم وخرج مسرعًا إلى الشركة التي يعمل بها وكذلك حبيبته. أنطلق بسرعة حتى وقف أمام بناء شاهق الطول، يحيط به الزجاج، وترجل في رزانة وهو يحث الخطى للداخل. ساقته قدماه إلى مكتبها. كانت منهمكة في الكتابة على الحاسوب، حين فوجئت به أمامها يقول:
- ملك! أنتِ جيتِ؟
نظرت تجاه وجهه محركها أناملها بعلامة «أنت شايف مين قدامك يا بني.. أيوه جيت».
قال معاذ باسمًا بتحرج:
- مش قصدي كنت بطمن عليكِ.
في حياء هزت ملك رأسها وقد تخضب وجهها بحمرة الخجل وهي مطرقة وقد علا وجيب قلبها. فتأملها لدقيقة قبل أن يتنحنح قائلًا بارتباك:
- مروحتيش الكلية انهاردة؟
هزت رأسها نفيًا دون ان تلتفت له، فسئل بأهتمام:
- هتخلصي تدريبك امتى؟
هزت رأسها مجددًا. فنفخ قائلًا في ضيق:
- ملك اطلبي نقلك من الشركة دي؟
رفعت رأسها إليه في حدة، وعينان تشعان غضبًا ليبرر قائلًا برفق:
- بقولك كدا عشان خايف عليكِ.
ضيقت عينيها تشير إليه وقد بدت الحيرة على ملامحها «من أي؟».
قطب معاذ حاجباه قليلًا مفكرًا فما الذي سيقوله لها عن مدير هذه الشركة وانه يخشى عليها منه. تنهد في ثقل ثم أرتسمت بسمة مطمئنة على محياه بثت الأمان في فؤادها وردد في ثقة:
- تشغليش بالك أنا هنا.
أستدار ليغادر إلى مكتبه فأرتطم بتلك اللزجة، لا يحبذها ولا يحبذ هذا النوع من الفتيات. كم راودته عن نفسه واستعملت تلك الفتاة لعوب بدرجة تخيفة لكنه قادر على صدها في كل مرة. غض الطرف عنها سريعًا وهو يتراجع للخلف في عنف وما همت بالأسف في دلال حتى أجتازها بخطوات سريعة جعلتها تشخص عيناها في صدمة. وهي تُردد:
- دا تجاهلني!
رأت ملك كل ما دار أمام عيناها لكن لم يرف لها جفن، فهي تثق ثقة عمياء في معاذ لا يشوبها شائبة. وعادت بعيناها للحاسوب كأن شيئا لم يكن.
في تلك اللحظة، رنت صديقة الفتاة التي ارتطمت في معاذ مغمغمة في تشفي:
- دا تجاهلك يا سهيلة، أحسن ابعدي عنه عشان شكله مبيحبش غير ملك.
استدارت لها سهيلة منفعلة وصاحت في غضب هادر:
- بقولك أي شوفي شغلك، هيحب واحدة خرصة؟ ليه خلصت البنات من الدنيا؟
بعد إنتصاف النهار، وبينما هو في مكتبه إذ دخل زميلٌ ليه وأخبره بأن المدير أخذ ملك معه للإشراف على المبنى الذي يُعد. فوقف مصعوقًا كأنه يغلي كـ القدر الذي بداخله ماء يُغلي. وسرعان ما تنبه ليجذب جاكته وهاتفه ويسرع ركضًا للخارج بعد ما طلب من صديقه تولي أمره في غيابه.
أنطلق بسيارته في سرعة فائقة للمكان المنشود. وصل أمام بناء ما زال يُشيد والعاملين يتابعون عملهم في انتظام. طافت عيناه في المكان بدقة وحذر، فأبصرها تُكاد تُرى من بين الرجلين الذين يقفون وأجسادهم تسترها لرفع وقصر قمتها. أبتسم بأرتياح لوهلة لم تبق طويلًا إذ تهجم وجهه واتسعت عيناه في خوف وركض بكل قوته تجاهها. على غفلة كانت يد قوية تدفعها بحدة لتسقط أرضًا.
خرجت من الشقة وهي تعدل عويناتها على أرنبة أنفها. وانتفضت فجأة مستديرة بحركة مفاجأة، على صوت مالك الذي تعالت ضحكاته في مرح. وحرك كتفيه متنحنحًا وهو يرى وجومها وغمغم:
- لمياء.. كنت بهزر يا بت اتخضتي ليه كدا؟
رمته بنظرة غاضبة وردت بصوتٍ قوي النبرات لا يوحي للأنوثة بشيء:
- أنت شفتني بنت أختك ولا حاجة عشان تخضني؟
قطب مالك حاجباه في غيظ وتمتم بصوت مختنق:
- لا يا عم عبد السميع.
قالها وهبط الدرج راكضًا حتى لا ينال صوتها الطليق. لتدب الأرض بقدميها تتبرم في تذمر:
- أنا عبد السميع؟ ليه هو مش شايف الحلاوة الأعمى ده؟
أنهى درجات الدرج برشاقة وما زالت الضحكة تظلله. أبصر لمار جالسة فتوجه لها مطوقًا عنقها من خلف المقعد، وقال:
- لمورتي عاملة إيه.. وحشاني يا تيتا والله!
لمست لمار على ذراعه في حنان وهي تجيبه:
- بخير يا حبيبي طالما انتوا بخير! رايح فين كدا؟
لثم جبهتها، وقال:
- المشفى يا حبي يعني هكون رايح فين؟
خبطته لمار في كتفه. تفاجأ فجأة بمنشفة تضرب وجهه وصوت لمياء يصدح في ظفر وهي تتخصر:
- مش أنا عبد السميع؟ فـ اشرب بقا يا مالك.
لوت فمها وهي تتخطاه في عصبية وتذمر كالأطفال. فـ ارتفعت ضحكاته وهي يضرب كف بكف متمتمًا في بلاهة:
- وحياة عمي زحلف أنتِ عم عبد السميع فعلاً. أكذب يعني؟
تعمد علو صوته في آخر عبارته، واختلس نظرة فيما وراءه فوجدها ترفع كفها لتقذفه بمظهرية هذه المرة. فصرخ منفزعًا وهو يستتر منها في لمار.
وقف حمزة بعد ساعة من مجيئه إلى الفندق برفقة أروى التي كانت تنتظره. فأشار لها لتتبعه إلى موظف الاستقبال. فمال حمزة إلى الشاب الذي استقبلهما باسمًا مرحبًا، وسئله فجأة:
- هل ممكن ان تتصل بغرفة صديقي كريم عبد الله أنه يقيم هُنا؟
لم يخف على حمزة ارتجاف الشاب والزعر الذي تجلى عليه وقال متعلثمًا:
- من.. من كريم عبد الله.. بيس لدينا نزيل بهذا الاسم؟
تظاهر حمزة بالتفاجؤ وهو يقول في دهشة:
- اوه حقًا.. كيف هذا؟ أنا متأكد أنه هُنا لقد أخبرني بنفسه، لكنه للأسف لا يجيب على اتصالاتي في هذا الوقت!
تحمحم الشاب، وقال بوجهًا شاحب:
- لا أدري لكنه ليس هنا!
خبط حمزة بقبضته على المكتب صائحًا في غضب:
- كيف ليس هنا يا هذا؟ هل تود إصابتي بالجنون؟ أين كريم عبد الله؟
تعمد علو صوته وهو يلفظ اسم رفيقه، جذب دفتر المدون بها الأسماء من أمام الشاب الذي تفاجأ وهو يقول هادرًا:
- سأرى بنفسي إن كان هنا أو لا.
ما كاد يفتحه إذ انتشله الشاب سريعًا وقال في نبرة يشوبها الحدة:
- لا تفعل سيد حمزة هذا غير لائق، كم أنك تضع عملي في موقف حرج!
رماه حمزة بنظرة متوعدة وهو يغادر صائحًا:
- سأجده يا هذا كريم عبد الله هنا.
لاح شبه ابتسامة على شفتيه وهو يرمق الشاب في طرف خفي وهو يسرع مجريًا اتصال.
صعدا إلى جناحهما، كانت الأفكار تتوافد على ذهنها لا تدرك ما الذي يفعله حمزة بالضبط. رفعت رأسها إليه بينما كان يتحرك أمامها ذهابًا وإيابًا في صورة سفرت أنه يفكر. قطعت أفكاره وهي تسأله في لهجة حائرة:
- حمزة... أنا مش فاهمة حاجة ليه عملت كدا تحت؟
ابتسم ساخرًا ورد في تهكم بين:
- حبيت ألعب.. يعني أكون عملت كدا ليه؟
ترقرقت دمعة في عينيها ونكست رأسها. وسكنها الحرج للحظات قبل ان يجلس أمامها ويتنهد في صوت مسموع وقال برفق راق لها وطابت نفسها:
- معلش يا أروى أنا مخنوق شوية أعذريني! دماغي فيها مليون حاجة وبفكر.
رمقته بنظرة سريعة قبل ان تغض الطرف عنه. فقال حمزة بنبرة جادة:
- اسمعيني كويس.. الموظف ده بيخفي حاجة.
قاطعته صائحة وهي تهب واقفة:
- عرفت ازاي؟ وليه مقبضناش عليه؟
مسح وجهه في عنف بكفه وطلب منها ان تجلس بعد ما سيطر على انفعاله. وأستطرد من بين أسنانه:
- متقطعينش يا أروى لو سمحتِ.
أومأت وهي تنصت في اهتمام، فتابع وهو يميل للأمام:
- بما ان الموظف ارتبك أول ما سمع اسم كريم يبقى يعرف حاجة ومش بعيد يكون مشترك مع الخاطفين.
قبل ان يتابع كلامه معها أستمعا طرقًا على الباب، فضيق حاجباه وهو يقترب من الباب متسائلًا:
- من؟
- خدمة الفندق يا فندم.
فتح حمزة الباب، فتفاجأ بهذا العميل يدفعه بحدة ويغلق الباب خلفه مشهرًا سلاحه في وجهه. تقهقر حمزة للخلف رافعًا ذراعاه فوق رأسه. واتسعت حدقتا أروى رعبًا وهي تحدق في السلاح المصوب نحوهما. تبادلت نظرة سريعة مع حمزة، قبل أن يسئل الرجل في غلظة:
- من أنتما؟ ومن أرسلكم؟ هل أنتم من المخابرات؟
تقدم حمزة إليه حتى باتت فوهة السلاح ذا الكاتم للصوت ملتصقة بصدره، وحدق في عين الرجل وهو يسئل في لهجة تخلع القلوب من شدتها:
- أين أخفيتم كريم يا هذا؟ أين مكانه؟
زاغت عينا الرجل قليلًا وأرتجفت كفه وهو ينظر له في تزحزح وقد دب الرعب في أوصاله:
- من كريم عبد الله يا هذا وما دخلك به؟
رفع في بسمة ماكرة فوهة السلاح لجبهة حمزة الساكن، بينما شهقت أروى كاتمة فمها، وسحبت أنفاسها حين غمغم الرجل بصوت أجش:
- سلام أيها الرجل كنت أتمنى أن يطول الوقت معك.
- أوه ما هذا.. سحقًا يا رجل!
قالها حمزة وعيناه معلقة فيما خلف الرجل الذي ألتفت ليرى فركل حمزة السلاح ليسقط من يده، وباغته بلكمة أطاحت فكه أعقبها بأخرى في معدته ودفعه إلى الجدار جعلته يخر أرضًا. تناول السلاح وصوبه نحوه وهمس في برود:
- ما رأيك الآن يا هذا؟ كان يجب أن تطلق النار فورًا! والآن ام ان تخبرني أين كريم أم ودع حياتك.
قال الرجل وهو يرتعد خوفًا:
- لن تفعلها.. مستحيل ماذا ستخبر إدارة الشركة والشرطة!
هز حمزة كتفاه في بساطة، وقال:
- لا شيء، كنت ادافع عن نفسي وعن زوجتي!
وقعت الكلمة على قلب أروى صادمة.. سعيدة و وقرت به، وتبسمت في استحياء ما أن دار بخلدها في غير أوانه أنها ترتدي فستانًا أبيض وتزف إليه. تنهدت حالمة وأجفلت على صوت حمزة:
- أروى.. أروى.
نظرت له في دهشة كأنها تنبهت أين هي واشار لها أن توثق الرجل بحبل في حقيبته، وانصاعت فورًا تنفذ، قبل ان يهتف على عجل وهو يحثها على تتبعه:
- امشي بسرعة.
لم يجد المصعد فأضطرا أن يهبطا الدرج ركضًا، واثناء نزولهما برز رجلين واخرجا أسلحتهما في وجوههما. ارتعدت أروى وهي تتراجع وفجأة صرخت في حمزة:
- أنا مش عايزة أموت أنا لسه صغيرة يا ربي أي اللي وقعني معاك أنا يا فاشل.
حدجها بنظرة غاضبة جعلت انظار الشابان تنحرفان عليها، فأسرع بلطم أحدها بالحقيبة في وجهه ثم انهال عليه لكمًا. واشتد بينهما الاشتباك إذ دفعه الشاب ليترنح للخلف والتحما فجأة بالأيدي فوق بعضهما على الأرض. دفعه حمزة من فوقه وقفز ببراعة واثبًا، فهجم عليه الشاب بلكمة تفاداها حمزة وهو ينحني بمهارة ثم رفعه في الهواء بذراعيه والقاه أرضًا.
في أوان ذلك تراجعت أروى للخلف مرتعدة وهي تتفحص ذو الهيئة الضخمة التي تزيدها أضعاف وبدأت ترتجف وهي على وشك البكاء. تنادي بهمس على حمزة كأنها تخشى أن يصل صوتها لذاك السمين الباسم في خبث، كأنه مستمتع برعبها ويحلو له ذلك. أستطاعت الإفلات منه قبل ان يسدد لها لكمة، فضربت قدمها في قدمه وسددت له لكمة في معدته لم تؤثر به البتًا، لكنه استشاط غضبًا فرفع كفه ولكمها بقوة جوار عينيها جعلها تصرخ وهي تندفع على الحائط من إثر اللكمة. هم الرجل أن يندفع إليها مجددًا، لكن قبضة قوية من الخلف جذبته من ملابسه وهوت به أرضًا. وكـ طلقة مدفع انطلق حمزة عليه بلا هوادة يضربه في غل مغمغمًا:
- قاتل رجل في قوتك يا هذا ولا تتفاخر!
تناهى له وقع أقدام وتجمع الناس مزهولين حول ما يحدث ليجذب كف أروى على غفلة وأسرع هربًا من المكان.
في بهو الفندق وجد الشرطة قد وصلت فوقف مكانه، واقبل عليهما الضابط وتساءل:
- ما الذي يحدث هنا سيد حمزة؟
- أنتم من ستخبروني ما الذي يحدث هنا؟
احتدمت نبرة حمزة وقال منفعلًا:
- لقد كدت أخسر حياتي وأخسر زوجتي لقد تأذت انظر، ولن أسكت على هذا!
تبسمت من وقع الكلمة رغم ألمها، وأغمضت عيناها متمنية. في حيث أتى مدير المشفى واعتذر لهم وعهدهما أنه سيهتم بهذا الأمر ولن يحدث هذا مجددًا.
مر كل هذا على مرأى من آجار الواقف يشاهد في ملل، ولاحت منه نظرة إلى أروى وتأملها قليلًا وهو يضع كفيه في جيبي سترته.
بعد قليل كان يجلس أمام رجل طويل القامة أشيب الرأس نحيل الجسد، وغمغم في برود:
- ولماذا أساعدك يا سفاح؟
أردف السفاح في ثقة وهو يميل للأمام ناظرًا في عمق عيناه:
- لن آخذ بثأري من قتلكم بأخي؟
ران الصمت فور انتهاء جملته عليهما، ثم تراجع آجار بظهره ورأسه منفجرًا في موجة من الضحك لم تدم طويلًا إذ غابت وأكفهر وجهه و وجم وهو يميل بدوره قائلًا في برود:
- تريد أن تخبرني أن دم أخيك لا يعنيك؟ يا حسرتي كم أنا آسف على هذا، وهل تظن نفسك أخ؟ ما بك يا رجل قتلنا أخيك قم وقاتل وخذ حقه!
نفى السفاح برأسه في بساطة وقال دون اكتراث:
- لا يهم.. هل ستساعدني؟
تصنع آجار التفكير مليًا وهو يتجاهل تساءلت السفاح، ثم قال وه هو ينهض ويدور حوله:
- ربما سأساعدك إذ... إذ وافقت أن تكون تحت طوعي تلبي ما أطلبه منك دون أدنى اعتراض!
رد السفاح تلقائيًا:
- أوافق.
غادرها حمزة بعد ما أخبره أن لديه مشوار هام و أن تنتظره ولا تفتح الباب لأي أحد. طرق الباب فجأة فـ انتفضت وهبت واقفة وهي تفرك كفها في قلق. لم يتوان الطرق بل زاد بخفوت وبقت هي على حالها لدقائق كانت تتقدم إلى الباب بقدمين مرتعشتين. قربت أذنها ترهف السمع وهي تتساءل عن هوية الطارق. لم يصل لها رد بل تجدد الطرق مع صوت خافت همس كأنه سيشي بسر خطير:
- افتحي الباب يا سيدة سأخبرك بأمر هام بخصوص السيد حمزة.
فتحت الباب مسرعة دون تفكير متلهفة.. خائفة عليه. وفي لمح البصر كان يظهر آجار ونثر شيءٌ ما على وجهها لتقع للأمام فتلقفها ورفعها على كتفه وهو يتلفت حوله.
عاد للجناح فلم يجدها، بحث فلا أثر. جن جنونه وأمسك في المدير وكاد ان يقتله وهو يسأل أين اختفت. فرغ الكاميرات لكن لا أثر لها لم تخرج حتى من الغرفة منذ دخلاها سويًا وتركها. بلغ القلق في نفسه إلى ذروته، وكاد يموت هلعًا. مادت به الأرض تحت قدميه.
رويدًا رويدًا بدأت تصحو وهي تفتح عيناها في وهن. دار بصرها في المكان بتفحص دقيق كانت غرفة منظمة فظلت مكانها حتى دلف إليها آجار. سرت في عروقها الرعب فـ جمده وازدردت لعابها وهي تنكمش على نفسها وتضمها بحماية. فـ أبتسم هو ساخرًا، وقال في برود:
- لا تخافي يا روحي لن أؤذيكِ!
مال إليها وأردف في همس رهيب:
- أنتم من الاستخبارات المصرية، ما رأيك أن تدليني ببعض المعلومات وأتركك؟
تحلت بالشجاعة فجأة وبصقت في وجهه صائحةً فيه:
- اقتلني يا حقير لا أخون وطني!
اعتدل في هدوء ماسحًا بمنديل ورقي وجهه، ورفع كفه يود صفعها ألا أنه تراجع قائلًا وهو يكور قبضته:
- لحسن حظك أني لا أرفع يدي على امرأة مهما كانت.
تحرك في الغرفة قليلًا حتى رد على اتصال جاءه وتهللت أساريره وقال لها في فرحة ضاحكًا:
- سيموت رفيقك يا بنت.. سيموت متفجرًا؟
اتسعت حدقتاها صدمة وهي تندفع نحوه كالسهم امسكت ملابسه تصرخ فيه وتهدد فدفعها بحدة سقطت على أثرها واستدار مغادرًا وقد شعر بشوكة حادة توخز قلبه لم يدرك سببًا لها.
في ذاك الحين كان حمزة يقود سيارته. لمَ خرجت سيارة في موازته ظلت تقترب من سيارته عمدًا. حاول أن يتجاوزها لكن سائقها لم يسمح له، فلم تتسن له الفرصة أن يرى وجهه الملثم. حاول أن ينعطف يمينًا ويتخطاها لكنها أبت إلا أن تتركه. وعلى غرة فُتح نافذة السائق الذي كان يشد فتيل قنبلة يدوية بنظرة خبيثة وألقاها في سيارته. اتسعت عينا حمزة وحين كان يلقي القنيلة كانت يده تُسرع لتفتح الباب ويهوي بجسده للخارج قفز سريعًا معتدلًا وركض بكل قوته وهو يسب السيارة التي اندفعت مبتعدة، ودوى صوت الانفجار خلفه دويًا ارتجت له الأرض.
كان القلق ينهش قلب وعقل أروى. كانت خائفة للغاية أن يموت حمزة. قد قُتل.. قُتل؟ لا لا لن يموت ستبعد هذا الاحتمال تمامًا ولن يكون له أثر. لكن ماذا لو كان هذا الشخص صادقًا وأنهم قتلوه.
أسبلت جفناها تكتم حزنها وقلقها وهي تدعو أن يكون بخير. تناهى لها طلق نار بالخارج كأن الحرب قائمة فتنبهت كل حواسها و وثب قلبها بترقب شديد.
بالخارج كان حمزة مستترًا خلف إحدى الحوائط يترصد لحارس المكان الذي به أروى بعدما أخبره مدير الشركة بمكانها بعد ما ضربه وهدده. ما أن أعطاه الحارس ظهره حتى انقض عليه مكممًا فمه.. مسيطرًا على حركته وكانت قبضته الأخرى تهوى بشدة فوق عنقه في مكان محدد ليسقط فاقد الوعي، فتناول مدفعه وسار بحذر شديد للداخل. رآه حارس آخر كان يسير فما هم برفع مدفعه حتى أصابته رصاصة حمزة الذي كان أسرع منه. صوت إطلاق النار جعل كل الرجال تتجمهر يتلفتون حولهم بزعر، بينما توارى حمزة عن أعينهم متسلقًا السور وقف بطوله وأخذ يطلق عليهم بمهارة. قفز من فوق السور بحركة بارعة بعد ما فحص المكان بسرعة، وخطى للداخل ما كاد بتجاوز البوابة إذ دُفع للخلف بسبب ركلة قوية مفاجأة طرحته على ظهره وظهر آجار فجأة بوجه مخيف. قفز حمزة سريعًا وركل المدفع بعيدًا وتلاحما بالأيدي، كل منهم قد نال من الجروح ما يكفي في وجوههما، دفع آجار حمزة أرضًا وانقض عليه يشل حركته وراح كالمجنون يلكمه بوحشية كأنه متغيب عن الوعي. غمغم حمزة بصوت متحشرج مفعم بالألم:
- أروى فين؟
رد آجار بتهكم:
- من هذه؟
وخلال ذلك صدح صوت أروى وهي تدفع الباب من الداخل تنادي عليه بصراخ. فنهض آجار من فوقه وأستدار ببسمة مخيفة هامسًا بذات النبرة الساخرة:
- لما لا نخرج رفيقتك لتشاهد موتك؟
أتجه وفتح الباب لتدفعه أروى مهرولة إلى حمزة الذي كاد يفقد وعيه من ذاك الدم السائل من خلف رأسه عندما باغته آجار بضربة مباغتة خائنة. أقترب آجار بقلب ميت وأشهر سلاحه لصدر حمزة مغمغمًا:
- ودعيه يا فتاة!
دوى صوت الرصاصة أعقبها صمت.. مخيف.. مهيب طويل.
قال جومالي أمرًا نجيب وهو يقول في صوت مهيب وهما في حديقة منزله:
- اجهز يا نجيب يجب أن ننزل مصر لأمر مهم للغاية أمر شخصي، وربما انتقام شخصي لا بُد منه يجب أن أواجه لمار الشرقاوي.
أومأ نجيب في احترام وهو يقف أمامه في كل أدب:
- أمرك يا عمي كل شيء سيكون كما تريد؟
تبسم جومالي في ثقة وقال:
- لم تخب ظني بك أبدًا يا نجيب.
ثم بجدية تابع وهو يميل للأمام بمرفقيه على فخذيه:
- ننهي فقط الأعمال التي على عاتقنا ونشغل آراس حتى لا يدرك ونذهب، لكن احذر أن يعرف آراس أي شيء!
عاد نجيب يومأ في ثقة وقال في تأكيد:
- لا تخف يا عم آراس لن يعرف شيء.
ما الذي يخطط له جومالي؟
ما الذي سيحدث لحمزة وأروى في جحر المافيا؟
خالد أين اختطف؟
حمزة وشيماء... أبناء أنس وسمر.
أروى ويوسف... أبناء ياسين وسجى.
خديجة وخالد... أبناء عمرو وورد.
ملك ومالك... أبناء حذيفة وأسماء.
لمياء ومعاذ... أبناء عثمان ومكة.
عاصم... ابن رحيم ووعد.
دارين... بنت عائشة وزين.
رواية جحر الشيطان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندي ممدوح
الحياة لا تعطينا كل ما نحتاج، ربما حفنة من السعادة والكثير من الأحزان. لن يرضى إلا من كان على يقين بالله أن بعد كل هذا البلاء عوضٌ جميل سينسينا مرارته.
البلاء يأتينا فجأة، نعم. ربما في فقدان عزيز، أو خسارة حبيب، أو خذلان من قريب. ربما في المال أو الأولاد، وربما مرض يطرحنا على الفراش لسنوات كثيرة. هنيئًا لمن علم أن الموت آتٍ، آتٍ لا محالة. وذاك اختبار نجاح وخسارة. إن نجحت فحبذا لك الجنة وطوبى لك. أما إن خسرت فياحسرة عليك وأسفي.
تنقلب حياتنا فجأة، كما انقلبت حياتي بغتة. لا بأس، لقد ران في قلبي فقدان الشغف، الأمل، والأهم هدفي. هدفي الذي لطالما سعيت لأجله كثيرًا. ها هو شخص واحد غريب يكدر حياتي ويسلبني أمني وأماني وهدوء حياتي. انتابني الهرب طبعًا، لكن كيف للمرء أن يهرب من أقداره.
كنت ما زلت أنتفض، ربما قلبي يرتجف وروحي باتت ذبيحة. أحس أني أحيا في كابوس، الرعب يحيطني من كل جانب. ما زال منظر ما رأيت يفجعني. حين أطلقت صرخة فزع وأنا أتقهقر للخلف وقد تجمد دمي في شراييني. ما هذا يا الله؟ منظر لم أتصور يومًا أن أراه حتى في أحلامي. رجال تتناثر فوق بعضها يغرقهم الدماء بشكل بشع. وددت لو اختفي. حملقت بهم وقد انخلع قلبي وتيبست قدماي وشلت أطرافي.
صرختي جعلته ينتبه فجأة. ركضًا واقفًا أمامي يحول بيني وبين ذاك المنظر. لم يتوقع أن منظرهم قبع في مقلتي وأبت أهدابي أن تبثقه. أغمض عينيه في عنف كأنه يعاتب نفسه على تركي لثوانٍ معدودة وحيدة. فتح جفنيه ببطء وهو يهمس بقلق لم أدري كنهه:
"خديجة، أهدئي.. أهدئي فقط. تنفسي بانتظام. ليس هناك شيء مخيف، هذا لا شيء. فقط اهدئي.. تنفسي، هيا تنفسي."
بدأت أتنفس بهدوء كما قال. أبذل قصارى جهدي حتى أطرد ذاك المنظر من خيالي، لكنه ترك أثرًا بي. أثرًا مرعبًا مخيفًا. من كان يتخيل أن يحدث كل هذا؟ تلك كلها أمور مستترة في ضمير الغيب لا يعلمها إلا الله.
خرجت معه من هذا الجانب وقد زادت شهقاتي دون دموع. بقيت الدموع عالقة في أهدابي وأبى كبريائي أن يحررها ويرى ضعفي. جلست محملقة في الفراغ. لم أستمع لكمة مما يرددها حتى ناولني كوبًا من الماء تجرعته برعشة.
بعد ما هدأت نفسي قليلًا، أودعني عند أخته ورحل. فجأة خيم علينا السكون مليًا دون أن يقطعه أحد. وأخيرًا تكلمت كـ المترددة:
"خديجة.. هل أنتِ بخير؟"
هززت رأسي دون أن أنبس. فوضعت كفها على منكبي واقتربت جالسة مني تكاد تلتصق بي وهمست بلطف وهي تمسد على ظهري بحنو:
"أتمنى ذلك. ما رأيتيه ليس هينًا.. لكن اعتبري نفسك رأيتي مرضى حدث لهم حدث وتوفاهم الله!"
بالطبع الأمر ليس هينًا، ومن يظنه هين؟ أنا الآن في جحر مجموعة من المافيا أسرتني قسرًا لأنقذ لهم أخيهم. ولا أدري ماذا سيكون مصيري معهم. هل سيتركوني؟ لا أظن ذلك بتاتًا.
أفقت من شرودي حين قالت تطمئني كأني صفحة مقرؤة أمامها:
"سترحلين من هنا، أعدك. ستتابعين حياتك أيضًا وستنسين كل ما مررتِ به."
قلت فجأة خاطر يخيفني:
"وماذا لو مات آجار هذا؟ هل سأرحل؟"
لم أتمم عبارتي حيث انتابها سعال فجأة أفزعني. وما إن هدأ حتى بدأت تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي تلهث بشدة. فهلعت وأنا أنتصب واقفة لوهلة. لم أعرف ما عليّ فعله، كأني نسيت أني طبيبة. سرعان ما بدأت أعاونها على تكوير قبضة يدها وتقريبها من فمها. وسألتها سريعًا عن بخاختها فهي تبدو مريضة ربو. أشارت لي على حقيبة يد فأفرغت ما فيها وبت أُقلب محتوياتها حتى وجدتها وأعطيتها لها. دقائق وبدأت تعود لطبيعتها لكنها كانت ساهمة. وخُيل لي أنها دامعة العينين. فجلست بجوارها وكـ طبيعة قلبي بدأت أمسح على خصلاتها بحنو. حتى وإن كانت شخصًا غريبًا، يستحوذني شعور أنها لطيفة السيرة.
"أنتِ تخافين أن تفقدي آجار."
عُلق سؤالي بالهواء واعتقدت أنها لن تجيب، لكنها قالت بعد برهة:
"بل.. أخشى أن أخسر أحدهم. إن كان آجار أو أراس أو أبى أو أخي آركان الذي غادرنا!"
"هل لديكم أخ آخر؟ هل مات؟"
قالت ببسمة بها مرارة وهي تهز رأسها:
"لا، لم يمت. لكنه بعيد للغاية وقريب أيضًا. أقرب قريب ربما.. لكنه تركنا نعيش بمفرده لا نعلم عنه شيء."
"لماذا يعيش بمفرده؟ لِمَ ليس معكم يا هنا؟"
نظرت في عيني وهي تبوح:
"أخي يعمل في الاستخبارات، أي أنه كان. لأنه انفصل من عمله.. لم يرد العيش مع.."
تبسمت هازئة وأضافت:
"مع أناس يسفكون الدماء يعملون في السلاح!"
ضيقت عينيها لوهلة وتابعت وكأن هم الحياة بات يحملها على منكبيها:
"أخي آركان أقوانا وأطيب منا جميعًا. دائمًا ما كنت أحسه أبي وليس أخي.. أتعلمين؟"
كادت أن تجهش في البكاء لكنها تماسكت وتابعت وهي تشير لي بالبخاخة التي ما زالت تقبع في قبضتها:
"هذه أول مرة تنتابني الحالة وأجد أحدًا بجواري قلقًا متلهفًا لنجاتي!"
"أليس لديك أحد اخت أو أم مثلًا؟"
"بلا، معي أم وليس لدي أخت. لكن في أحيان كثيرة أود أن تكون عائلتي كلها بجواري. لا لشيء إلا أنهم خائفون عليّ. أود أن أتذوق طعم العائلة حين تكون بالقرب بقلب نقي. حين كنت أذهب للمشفى ليس معي أحد بالطبع. إخوتي وأبي في أعمالهم وأمي في البيت. كنت أشعر بالخنقة وأحسد المريض الذي تجتمع حوله كل عائلته."
رق قلبي لحالها وتخيلت لوهلة حياتي دون عائلتي. يا الله أنا لا شيء دونها، أنا صفر ليس له وجود. فحمدت الله كثيرًا ولهج قلبي بشكره.
فجأة استمعنا لطلق نار، ففزعت ودب الهلع روعي. بينما هي تبسمت بمرح وانحنت فجأة لتنهض بمسدسين. ودون أن تلتفت إلي قالت:
"ادخلي عند آجار يا خديجة ولا تخرجي!"
كدت أن أرفض تركها بمفردها، لكن ضرب النار أنهال علينا فجأة فدفعتني تجاه الغرفة حتى أغلقتها عليّ. وقفزت سريعًا خلف إحدى النوافذ وبدأت تطلق عليهم بمهارة أدهشتني. كنت أراقبها من خلف الزجاج.
فـ الداخل، أنين خافت جذب انتباهي. فـ التفت فوجدته آجار بدأ يفيق. هرولت نحوه ورحت أُفحصه بينما تساءل هو قاطبًا حاجبيه:
"من أنتِ؟"
"الطبيبة خديجة."
قلتها وأنا ما زلت أُفحصه فسكن لثوانٍ قبل أن يقول فزعًا ما أن تنبه لطلق النار بالخارج:
"ماذا يحدث؟"
أجبته:
"لا أدري. هجم رجال على المكان وهنا بالخارج!"
ضيّق عينيه وهو يسأل بقلق:
"بمفردها؟"
هززت رأسي فكاد ينهض متلهفًا قلقًا لكنه سقط مكانه من أثر الدوار. وساندته سريعًا وأنا أقول على عجل:
"ابقَ مكانك، أين تذهب؟ ما زال جرحك لم يلتئم!"
حاول النهوض مجددًا وقال:
"لا، يجب أن أخرج. لن أتركها بمفردها."
ثبته من كتفيه هادرةً فيه:
"لا تتحرك يا بُني، ما بك؟ أنا طبيبتك وهذا أمر. سمعت؟"
قلتها في عصبية، وعجبي حين أغلق عينيه كأنه مستمع بتعنيفي وامتثل لكلامي. فُتح الباب وقالت هنا من خلفي:
"خديجة.. أنتما بخير!"
أومأت برأسي وخرجت وراءها بعدما أمرت آجار ألا ينهض من مكانه. فبطاعة أدهشتني هز رأسه في خفوت وهو مغلق العينين في إرهاق.
بالخارج ثمة رجال ينقلون الجثث. لماذا أشعر أني اعتدت الأمر؟ وكان أراس يقف مواجهًا لرجل آخر يبدو كبيرًا في العمر، ربما قرب عمر ياسين وعثمان! حاولت أن أستشف ما يقولون لكن لم أستطع. نادتني هنا فجلست بجوارها. فبت قريبة منهما وصلني صوتهم!
"لا تخبرني أنك حقًا تخاف أن يصيبه أذى؟" قالها أراس بعينين تطلق شرار.
فرد عليه الآخر في نبرة هادئة:
"هل تسأل أب إذا كان قلقًا على ابنه أم لأ؟"
قال أراس في تهكم:
"أبيه؟ أين هذا الأب؟ لا أرى!"
كاد الآخر أن يتجاوزه ليمر، وقال:
"آراس، اتركني. أريد أن أطمئن على ابني!"
دفعه أراس للخلف غير عابئ بكبر سنه وغمغم في حدة:
"لن تراه يا هذا.. ارحل يا ماهر من هنا وكن بعيدًا عنه، وإلا أقسم لك بأني سأجعلك تتمنى الموت ولن تجده!"
أطبق ماهر أهدابه محاولًا مسك أعصابه وقال:
"آراس، سأراه وأرحل! ولن آتي مجددًا؟"
لم ينتظر الرد وإنما اندفع للداخل، لكنه تصنم حين سأله أراس في غموض:
"هل يعرف آجار أنك لست أباه؟"
استدار ماهر في تؤدة وقال بتروّ:
"يعلم.. يعلم يا آراس، كل شيء."
همس أراس بجوار أذنه بلهجة كالفحيح:
"إذن لا تقترب منه يا هذا."
جز ماهر على أسنانه وقال:
"آجار يتيم يا آراس. أنا جئت به من الملجأ."
أشار له أراس بـ ازدراء ليطمئن على آجار.
لم أُكث طويلًا معهم. عودة مجددًا لحياتي، وكأن شيئًا لم يكن. لكن بداخلي ظل أثر كل شيء قابعًا في حناياي. لم يظهر أي منهم أمامي مجددًا، لكن دائمًا كنت أشعر بشبح يلاحقني أينما ذهبت. من السكن للمشفى والعكس. حتى انتهت فترة تدريبي وعدت إلى أهلي ووطني التي لا أحس إلا بالأمان فيها. لم أروِ لأحد شيئًا مما حدث، وبات كل ما حدث في نفسي كأنه خيالي لم يعد له أثر.
حتى ذاك اليوم الكئيب الحزين الذي تحطمت فيه كل أحلامي وتكسر فيه قلبي وتفطر، وتصدعت روحي. أعجب بي شاب طبيب كان في ذات القسم الذي أعمل به. حاول أكثر من مرة محادثتي لكني كنت أصده وأتجاهله. وسرى في نفسي شيء لطيف لم أعشه قبلًا. هذه أول مرة يهتم بي شاب. يعلم الله أني كنت أغض البصر دائمًا وأحافظ على قلبي.
جاء لخطبتي ووافقت. وكان متعجلًا لزفافه بحجة أنه حصل على وظيفة بمرتب مجزي بإحدى البلدان. كان فقط شهرًا. شهر لم نتحادث ولم نتقابل. وإن جاء لبيتنا كان معنا أخي خالد أو أبي، وكان نقابي يسترني دائمًا. وكانت كلماتنا مقتضبة مختصرة. وأقترب يوم الزفاف. كان ثمة وخزة في قلبي غريبة لم تنتابني قبلًا، كأنها تحذرني من حدث مجهول سيحدث. ولكني فسرتها بأنه قلق فقط.
كان الجميع يجهز للعرس، الكل على قدم وساق. كان الشباب يهتمون بالزينة وأجواء الحفل برمته. وكانت فرحتي في أوجها، وخاصة حين عاهدني أننا سنحج قريبًا. كان شابًا مهذبًا وخلوقًا جميل الطلعة مرح النفس. لكن.. منظر المرء أحيانًا يكون مرآة تعكس ما بداخله. فخلف المظاهر الحسنة تقبع النفوس الخبيثة. وليس كل جميل جميل السيرة، ربما مجرد مظهر فقط.
كان يقترب الوقت وتزداد دقات قلبي وتوتري. فستان الزفاف الأبيض، كنت أطل منه كالبدر في ليلته. بينما نقابي زادني جمالًا وكأني كوكب دري طلع في ليلة من ليالي الدجى. بكاء والدتي والفتيات الممزوج بالفرح حطم قلبي ولم أتخيل أني سأغادر وأتركهم.
كان كتب الكتاب والزفاف في يوم واحد. انقطعت الأنوار فجأة بعد انتهائي من الزينة وصرت جاهزة. فخرجوا جميعًا ليروا ما حدث، ورحل الفتيات. منهم من ذهب للمساعدة ومنهم ومنهم من تركني ليعلم متى سيكتبون الكتاب. ظللت أذكر الله وأنا أفرك في أصابعي حتى شهقت فجأة صارخة وأنا أتوثب حين لاح لي شبح رجل يلج من الباب. كدت أرتعش ولا أرى أي بصيص نور بينما الشبح يتقدم حتى أصبح قريبًا مني.
يا إلهي، إنه هو (آراس). ما الذي أتى به؟ ظلام.. ظلام حالك ابتلعني بغتة. وكان آخر ما رأيته وجهه. وآخر ما التقطته أذناي كان صوته الغاضب:
"لن تكوني لغيري يا خديجة..."
"العروسة اختفت."
"اختفت إزاي، راحت فين؟"
"دي أكيد هربت يا أختي، بنات آخر زمان. يمكن هربت مع واحد."
"أكيد غلطت مع واحد فـ هربت من الفضيحة."
سرى الهمز واللمز بين المعازيم كالنار في الهشيم ما أن علموا باختفاء خديجة المفاجئ. كان العريس لم يعرف بعد؟ ولم يأت بعد.
البشر دائمًا هكذا، يقولون ما يحلو لهم ويحملون وزرًا دون أن يعرفوا السبب، دون أن يذكروا ما يحدث. يحيكون قصصًا من عقولهم وينشرونها على هواهم وكما يحلو لهم يخوضون أعراض الناس دون اهتمام. يجرحون، يُوجعون دون أهمية دون حساب دون شفقة. بعض الناس قلوبهم كالصخر أو أشد قسوة. لا يعلمون معنى الرحمة. ها هم الآن لم يصمت الجميع إلا حين هدرت لمار بصوتها المهيب فغشاهم الصمت والسكون.
عاد الجميع للبحث عن خديجة، وفجأة طُلّت. من أين؟ وأين كانت؟ لا أحد يدري. علا الدف من حولها وهي تهبط الدرج متأبطة ذراع عمرو ذو الثغر الباسم والوجه المشرق. أجلسها برفق وتجمع حولها الفتيات. واقترب عمرو من العريس بجوار المأذون. وعُقدت أفواه المعازيم في حرج بيّن. ما أن المأذون أن يبدأ وإذ بالعريس ينهض ضاحكًا في هستيريا وهو يقلب كفيه. تعلقت أعين الجميع عليه في صدمة وبهت شديد. هدأت نوبة الضحك التي انتابته وأرتكن على المقعد يجول بعينيه في الوجوه حتى استقرت على خديجة الساكنة في هدوء مبهم. وكتم ضحكه كادت أن تفلت منه. وران ببصره على وجه عمرو الواقف يطالعه في زهول والصدمة تطل من عيناه. وأردف في تهكم:
"معلش يا عمي، أنا آسف."
كتم بسمة هازئة وهو يضيف:
"هو أنت فكرة إني ممكن أتزوج بنتك المعقدة دي؟"
وأشار بسبابته على خديجة. كور عمرو قبضته. وتحرك خالد وقد فار غضبًا لولا أن لمار جذبتة من ذراعه فبقى في مكانه. تحفز الشباب جميعهم في غضب. في حين راح (طارق) العريس يدور بينهم وهو يقول في تهكم ممزوج بالسخط:
"يا جماعة أنا مستحيل أتزوج بواحدة زي خديجة، ده كان رهان وربحته. واحدة معقدة، كلام لأ، خروج لأ، تكلمني لأ، تقعد معايا لوحدنا لأ، أربعة وعشرين ساعة متكفنة خلف نقابها. أنا عاوز أتزوج واحدة نتكلم ونخرج من غير اللي على وشها ده. الناس تفكرني متزوج واحدة قبيحة الجسم والشكل."
هُنا واستشاط الشباب غضبًا وفي لمح البصر كانوا ينهالون عليه ضربًا حتى كاد أن يدركه الموت. لقد ظن أنه سيفر هاربًا بعد هذه الفضيحة التي سينسبها لها. لكن هيهات كيف له هذا؟
أشار خالد بكفه لأبناء أعمامه بترك طارق فـ ابتعدوا. وأمسكه من مقدمة ملابسه ثم قال وهو يغرس عينيه في عيني طارق التي تقرحت من أثر الضرب:
"يا بني، أنت متأكد أنك راجل؟ أنا بشك فيك! ما هو طبيعي المرة متحبش غير مرة زيها."
هوى بقبضته على فكه في غضب وتابع:
"أنا أختي أميرة تليق بأمير زيها يا... مش لاقي لك لقب ألقبك به."
ألقاه بكل قوته على إحدى الطاولات ليتراجع الناس في صيحة فزع. وهجم هو مجددًا عليه وصاح فيه وهو يقبض على عنقه:
"أنا أختي رهان يالا."
كـ الوحش الضاري بات يلكمه دون هوادة والجميع يشاهد في سكون تام وربما خوف.
علا صوت خالد وهو يرفع طارق من الأرض:
"انت ما كنتش أصلًا نازل من زور لولا أنها وافقت، بس نقول إيه بقا الكلاب اللي زيك آخرتها بتبقى تحت رجل أميرتهم."
قالها وكان يلقي به تحت أقدام خديجة الثابتة في مقعدها دون حراك.
هجم حمزة فجأة عليه وهو يدفع خالد برفق وكال له اللكمات وهو يجأر:
"يالا، أنت عار على الرجالة اللي عايز يعرض مراته شرفه واسمه للناس. ده إيه؟ مش لاقيلك وصف."
لكمة بقوة فتلقاه معاذ فجأة وصوب له ركلة طرحته أرضًا وهو يغمغم:
"اللي ضايق أميرتنا يالا يبقى دفن نفسه بالموت، فما بالك باللي عملته."
صاح الناس مجددًا فصرخ فيهم خارجًا طاردًا ففروا هاربين. في أوان ذلك كان جسد طارق الذي لم يعد جسدًا، بين يدي مالك الذي تأمل وجهه قليلًا وغمغم في أسف متصنع:
"يا عيني، دول نسوا نصيبي. يلا زيادة الخير خيرين؟"
في لمح البصر كان مالك يحرك كفيه باللكمات في أماكن متفرقة في جسده بطريقة سريعة تثير الدهشة.
صمت ثقيل حل في المكان بعد صوت لمار الأمار ليتركوه وإشارة لهم بالابتعاد فبعدوا متحفزين بأنفاس متلاحقة. مالت لمار على طارق وسحبته من ملابسه ليواجه عينيها الحادتين وغمغمت في خفوت مهيب رهيب:
"أنت فكرة بأنك هتهرب بعد عملتك؟"
ضحكت ساخرة وأسترسلت:
"يا بني، اللي بيأذي حد يخصني يبقى لازم يواجه اللي واجهته ده. أنت آذيتنا كلنا، بس عارف صعبان عليا!"
صمتت هنيهة وأردفت:
"عقليتك صغيرة، ما عندكش مروءة ولا كرم ولا شهامة ولا غيرة على أهل بيتك واللي منك. أنت مفكر أنك جرحتنا؟"
صكت أسنانها وهي تهز رأسها في عنفوان، وقالت:
"إحنا مبنتوجعش لكن بنوجع. أنت اللي هتعرف يعني إيه خديجة؟ روح اتجوز وعيش حياتك."
ثم هزت كتفيها في حيرة:
"بس هتتجوز إزاي وأنت.... طب والله مش قادرة أقول عليك راجل لأني بأهين الرجولة."
وفجأة انتصبت وهوت بقدمها مرتكزة أسفل حزامه وغمغمت:
"ابقى اتجوز...."
كان عمرو جالسًا كالحجر، بينما ورد أغرق وجهها بالدموع والفتيات يتجمهرن حول خديجة، حتى سحبوها للأعلى. وحين أغلقوا الباب تعجبوا حين ولت وجهها عنهم وأبت نزع نقابها. بعد معافرة نزعته وإذ بها غير خديجة تمامًا. صدمة وأي صدمة طافت على وجوههم. أين خديجة؟
رويدًا رويدًا بدأت خديجة تفيق. تطلعت حولها في تيهة وتلمست حجابها وألقت نظرة على فستانها كأنها تتأكد من أنها مستورة تمامًا. انتفضت كمن لدغته عقرب ما أن تذكرت (آراس) فـ راحت تجول بعينيها في الغرفة قبل أن يطل هو بملامح مكفهرة، لم تخلو من القلق. وسأل ما أن لمحها قد أُفِيقَت:
"كيف حالك الآن؟"
حدقت فيه بغل، كيف يسألها عن حالها وقد خطفها توًا من وسط عائلتها دون ذرة خجل؟ ومن عرسها الذي سيقام! ماذا سيقول عنها الناس؟ لا بد أن الجميع قلق عليها. اندفعت نحوه وصاحت فيه:
"كيف تجرؤ على اختطافي يا هذا؟ من الذي سمح بك، وكيف تفعل هذا... لا بد أن الجميع قلق لاجلي... ماذا سيقول عني طارق؟ سأتسبب له في فضيحة لن أغفرها لنفسي أبدًا."
رد (آراس) ببرود نافيًا:
"لا، لن يشعر بغيابك أحد!"
أجفلتها عبارته فرفرفت بأهدابها تستوعب كلماته ظنته جن، أنه يهذي لا محالة. ران عليها الصمت برهة قبل أن تهمس بهدوء:
"لماذا جئت بي إلى هنا؟"
أشار لها برأسه لتتبعه ففعلت، فـ أشعل الحاسوب ووضعه أمامها في صمت مطبق. كادت تفور غضبًا لكنها كبحته وهي ترى فتاة ترتدي ذات فستانها ونقابها وكل شيء تهبط الدرج مع والدها. فكادت تتحدث لكنه أشار بإصبعه على فمه لتسكت. فأمتثلت وحدقت في شاشة الحاسوب وشاهدت كل ما حدث. كانت الدموع تغرق وجهها، لا تصدق كل ما مر. هل طارق كان خدعة؟ كانت لعبة له؟! كان يرسم الفضيلة والخلق الحسن كأنه شيخ ليوقعها في فخ؟!
راق لها ما فعله فيه الشباب، لكن صدمت! هل ثمة أناس حقًا قلوبهم جاحدة قاسية لتلك الدرجة كـ قلب طارق هذا؟! بكت.. بكت بشدة وتركها هو تفرغ ما بجعبتها وقلبه يتفطر كمداً. آه لو تعلم ما تفعله دموعها في قلبه، كـ الكي هي تكويه وتتلظى.
كان يطالعها برفق وود لو يضمها. لو يسحب الحزن القابع بداخلها. أراد أن يخفي هذا الأثر من قلبها لكن كيف؟ كيف السبيل لقلبها أساسًا.
أيغضب أم يحزن؟ هل تبكي لرجل لا يعني للرجولة شيئًا؟ هل أحبته خديجة؟
معذور هو لا يدرك ولا يعرف أن قلب قلب خديجة غامر بالإيمان محفوف بالرضا له سياج باليقين. لا يبكي إلا لله. كانت تبكي نعم، لكن حمدًا للرحمن المنجي نجاها من كرب عظيم وبلاء شديد. انتشلتها عناية الله في لمح البصر من غياهب الضلال لنور الهدى. تبكي فرحًا وقد تزينت حياتها مع طارق لو تزوجته؟ كانت ستتغير، ستتحطم ربما نزعها من نقابها الذي هو تاجها، ربما حرمها من الاقتداء بأمهات المؤمنين، وأجبرها أن تكون كاسية عارية. أو ربما ظل الرجل المطيع لله الذي لا يخطئ وهو يخونها ويخون الأمانة.
ضحكت فجأة ضحكة أدهشته. ضحكة ليست حزينة، ضحكة مفعمة بالأمل. ضحكة داعبت أوتار قلبه.
كان يتطلع للرجال الذين يصطفون بالخارج يستشف إذا تناهى لأحد صوتها أم لا.
نهضت خديجة وشكرته قائلة:
"أشكرك أراس، لقد.. لقد أنقذتني؟"
سألت في حيرة:
"كيف عرفت.. ولماذا خطفتني؟ لا أعرف السبب للآن!"
تنهد وهو يقف وقال في نبرة حادة ممزوجة بالحنو:
"علمت بطريقتي يا خديجة.. وخطفتك لأني أعلم أن وقع ما حدث بوجودك لن تنسيه، وخاصةً والناس متجمعة يا حبيبة!"
اتسعت عينيها وبدت عليها دلائل التفكير، قبل أن تسأله:
"أظن خطفتني لأنك تعلم أني لم أكن أقدر على تحمل ما حدث وأنا أراه بعيني... لماذا فعلت هذا؟ فيمَ يهمك حزني؟"
"يهمني.. يهمني كثيرًا يا خديجة."
"لماذا تفعل معي كل هذا؟"
"لأني أريدك..."
قاطعته في حدة وهي تتراجع للخلف:
"ماذا؟"
دس كفيه في جيبيه وهو يهز رأسه في برود مغمغمًا ببساطة:
"ستكونين ليّ.. زوجتي ولن تكوني لغيري."
مادت بها الأرض فجأة وداهمها الدوار فـ انهارت على المقعد خلفها. لم تهتز له شعرة وهو يقول في حدة:
"ستتزوجيني برضاكِ أو غصب عنك!"
قالت في تلعثم وكأنها في كابوس:
"أنت.. أنت مجرم!"
ابتسم في مرارة واردف بتهكم:
"نعم عزيزتي، أنا أفعل كل ما لا يتخيله عقلك الصغير."
قالت خديجة بأعين غارقة في الدموع:
"وإن رفضت!"
هز كتفيه وقال:
"ستكونين سببًا في قتل كل عائلتك!"
"أنت تمزح!"
قال أراس متعجبًا:
"أمزح!؟ أنا لا أمزح يا روحي، أنا أنفذ!"
أقترب من النافذة بمنظار وراح يتطلع من خلاله لشخص فوق إحدى البنايات مع بندقية مزودة بمنظار متهيأً للإطلاق وجاهز. أشار لها فدنت ببطء وقدمين مرتعشتين تناولت منه المنظار ووجهه للشاب الذي يوجه البندقية إلى منزلهم الذي عاد له الجميع للتو. والآن فقط تنبهت أنها في منزل قريب من منزلهم للغاية كان لجار لا يأتيه إلا في الإجازات. وقف خالد أخيها يروح ويجي أمام البوابة، بينما الشاب يتطلع بإحدى عينيه من خلال المنظار المزود في البندقية وكفيه على وضع الإطلاق. كانت تتطلع تارة لأخيها وتارة للآخر وهزت رأسها في جنون وهي تبكي، قائلة بصوت متهدج مخنوق:
"لن تفعلها يا أراس، هذا أخي، هذا مني أنا أفديه بروحي؟"
رق قلبه وقال برفق:
"وأنا لن أؤذي روحك يا خديجة، فإن آذيتك آذيت قلبي."
تمسكت ببصيص أمل من كلماته فقالت في حذر:
"لن تؤذيه؟"
وضع كفيه في جيبي معطفه وهو يهز رأسه نفيًا، وقال:
"ولكن لي شروطي!"
جف حلقها وهي تسأله في ترقب:
"ما هي؟"
قالت والدموع تنساب على وجنتها بقهر، فرد ببرود متظاهر:
"لن تتزوجي يا خديجة أبدًا. سأرحل إلى بلدي، لكن أخبارك ستأتيني حركة بحركة. لن تقبلي بأي أحد، فهمتِ؟"
في الوقت الحالي، كان معاذ في غرفة الكشف بعد ما سقط فوقه لوح خشب هرس قدمه. بقت ملك بالخارج تبكي في صمت ينهشها القلق، ويستبد بها. تضمها خديجة بحنو. لم يلبثوا طويلًا واخبرهم الطبيب أنه بحاجة ماسة لإجراء عملية لتمزق الأربطة.
كان شهاب مدير الشركة يقف قريبًا، يتميز غيظًا فقد فشل ما كاد أن ينفذه بسبب معاذ. أراد أن يختلي بـ ملك يحاول التقرب منها حتى تخضع له. كان سيرشيها، سيرقيها لمرتبة أعلى لتسلم له نفسها. شيء ما بتلك الفتاة يجذبه ليس كالآتي يعرفهن. فهي بريئة وصادقة، ربما بدأ يعجب بها وهذا ما لا يريده.
أقترب بغتة منهما وقال موجهًا حديثه لـ (ملك):
"ملك، تعالي أوصلك في طريقي ومتقلقيش، أنا هرجع أطمئن عليه."
أسرعت خديجة في الرد بنبرة هادئة ليست مرتاحة لنظراته التي لم تروق لها:
"ملك هتفضل جنب معاذ. اتفضل أنت!"
جز (شهاب) على أسنانه مغمغمًا:
"أنا بتكلم مع ملك!"
نهضت خديجة غاضبة وأردفت بأدب:
"لو سمحت، وجودك مش مسموح به هنا. اتفضل وملكش دعوة بملك غير في حدود العمل."
طالعها بنظرة ازدراء من رأسها لأخمص قدميها قبل أن يبتلع إهانته ويغادر.
لم يمض وقت طويل حين جاء عاصم مصابًا هو الآخر وارتجت المشفى بكل العائلة وقد علم الجميع باختفاء خالد المبهم.
في مكان آخر يغشاه الظلام خالي من أي شيء إلا من مقعد خشبي موثوق القدمين ومكبل اليدين خلفه. بدأ يئن بخفوت من أثر جروحه. حرك رأسه بثقل. وتدريجيًا بدأ يرفرف بأهدابه يحاول تذكر ما حدث له. انتفض بغتة معتدل الرأس يجوب بنظراته حوله. ما هذا الظلام الذي يغرق فيه؟ أين هو؟ كل ما يذكره إصابة عاصم ولم يشعر بشيء بعدها. تناهى لسمعه وقع أقدام تقترب. حاول وجاهد وهو يتفحص ذاك المكان على الأقل يعرف الباب الذي سيدخل ذاك المجهول منه. تكه بسيطة اخترقت أذنه فـ أسرع بإغلاق عينيه وأسند رأسه كما كانت. أحس بخطوات تقترب وتقترب حتى بقت قريبة للغاية. أنفاس كريهة لفحت وجهه تلاها صوت أجش يقول قريبًا من وجهه:
"خالد باشا، هتنورنا هنا لحد ما تخضع لينا."
لم يستطع خالد التظاهر أكثر فـ ابتسم ساخرًا وقال بتهكم:
"لا والله، وأنتوا مين بقا؟"
قهقه الرجل في انبساط تام وقال:
"إحنا مين مش مهم تعرف يا أستاذ خالد، ولكن..."
غمغم خالد برفع حاجب:
"ولكن؟"
أردف الرجل وهو يميل نحوه:
"هنردك لحد ما تخضع لينا وتكون تحت طوعنا. أنت مطلوب جدًا يا راجل في كل حتة. وبما إننا قدرنا نجيبك لحد هنا فمش بعيد نخليك زي الخاتم في صباعنا."
بصق خالد في وجهه، وقال:
"بتحلم يا كلب."
ضربه الرجل بلكمة قوية في فكه سالت على أثرها الدماء من جانب فمه، ثم قال متهكمًا:
"بنحلم والحلم هنحققه وهتكون كلب لينا."
كان خالد يزوم في مكانه كوحشًا كاسر وهو يتحرك بعنف هادرًا بصوت كالفحيح:
"أنت اللي كلب يا كلب.. الكلاب اللي زيك هيا بس اللي تقاتل بالطريقة دي. واجهني كـ رجال لو راجل."
دفعه الرجل بحدة من صدره وصوب نظراته في وجهه وقال:
"أنا راجل غصب عنك يا عم. أنت وعيلتك كلها هنخلص عليكم واحد واحد."
"كان غيرك فلح!"
وتبسم ساخرًا:
"يا راجل."
قالها خالد بنبرة وبسمة ساخرة. أثارت سخط الآخر فـ انهال عليه ضربًا، لكن خالد كان يضحك ليستفزه أكثر وهو يلفظه بكلمات ساخرة، فما تعب من ضربه وقف يلهث وخرج صافقًا الباب خلفه. عاد الظلام يكتنفه مرة أخرى، وحرك كفيه ربما يتخلص من قيده. طاف مجددًا حوله لكن الظلام كان يبتلعه فسكن مكانه، داعيًا الله أن ينجي عاصم.
كانت تجلس بمقعدها المتحرك جار النافذة تتمأمل الخضرة حول منزلها، تستشعر بنخزة تنخر فؤادها.
"حبيبي عامل إيه؟" قالها رحيم وهو يقترب من وعد ملثمًا جبهتها فـ استقبلته ببسمة رائعة وهي تجيبه:
"بخير يا حبيبي الحمد لله."
أمسك بكفيها بين كفيه وهو يجثو أمامها متسائلًا بقلق:
"مالك يا وعد حاسة إنك قلقانة؟"
ردت وعد بعينين خاويتين يملؤها القلق:
"حاسة إن عاصم فيه حاجة!"
تلقى رحيم دمعة كادت أن تفر من عينيها بسبابته وقال بثقة:
"وإن حصل.. إخواته معاه وعيلته كلها، متقلقيش!"
سطعت عيناها في بريق مطمئن وقالت باسمة:
"معاك حق، هخاف إزاي عليه وأخواته معاه."
غمز لها رحيم وانتصب في وقفته واستند بظهره على النافذة وما زال كفيها قابعان بين كفيه بلطف. كانت وعد تتأمله بلمحة حزينة مشوبة بالألم. فتنبه لها وسأل برفق:
"مالك يا وعد.. ليه الزعل تاني شايفه في عينيكِ؟"
هزت وعد رأسها نفيًا:
"مش حزن.. بس أنا مديونالك بشكر."
قطب رحيم حاجبيه حيرة وسأل مندهشًا:
"شكر! شكر إيه يا حبيبتي؟"
غمغمت وعد وهي تبعد كفها لتضم هي كفيه بكفيها:
"شكر عشان فضلت جنبي ومتخلتش عني ومفكرتش ولا مرة تسبني، عشان ولا عيرتني ولا مرة بعجزي، عشان دايمًا كنت بتعاملني حلو وكأني بنتك بتهتم بيا وبعلاجي وبنفسي، وبتخاف عليا وبتحتويني رغم تقصيري معاك."
ثبتت نظراتها في عينيه وهي تقول دامعة:
"بشكرك يا رحيم عشان ولا مرة حسستني إني وحيدة، بتخرجني وبتدخلني المطبخ عشان أطبخ وبتساعدني عشان محسش إني عاجزة، بتعاملني كأني واحدة مش مشلولة."
أطرقت برأسها فجأة تداري عن عينيه دمعها، فتأثر من كلماتها وفاضت عيناه ومال بغتة ورفعها بين كفيه لتشهق متفاجئة سرعان ما تبسمت ساكنة، وهو يجلس ويحتويها في أحضانه. لاح شبح ابتسامة على شفتيه وهو يقول لها برفق:
"ده واجبي يا حبيبتي إني أكون احتواء وسند ليكِ في الدنيا. يوم ما خدتك من بيت أبوكِ، البيت اللي فيه دفء وأمان وسند من إخواتك ووالدك، فيه إخوات يشاركنك همومك وحزنك وفي أم بتخاف عليكِ من الهوا الطاير وتسهر جنبك وقت تعبك. يوم ما خدتك خدت أمانة تشاركني حياتي وأكمل بيها نص ديني، فـ كان لازم أكون قد الأمانة وأكون ليكِ كل دول وأكثر. أنتِ أمانة وسكن في قلبي زي ما أنتِ سكن ليا."
ترقرق الدموع في مقلتيها وقد وقرت كلماته في قلبها الحارق فـ أثلجته.
وقف أراس صائحًا هائجًا أمام آجار الملفوف ذراعه في شاش من أثر رصاصة أراس التي أصابته في ذراعه حين كاد يطلق على حمزة:
"يا معتوه، ما الذي كدت تفعله؟ كنت ستقتل الشاب يا بُني، أتدري من يكون هذا؟"
دفعه آجار بحدة من صدره بذراعه السليم هاتفًا بغضب:
"لا أعلم من يكون حتى تطلق النار على صديقك، من يكون؟ أخبرني، هيا؟"
أزاح أراس ذراعه بغضب وغمغم:
"إنه قريب الطبيبة خديجة يا معتوه! خديجة التي أنقذت حياتك.. وتدين لها."
سكن الاثنان برهة، رمش خلالها (آجار) عدة مرات مزهولًا لا يصدق ما تفوه به رفيقه، فـ حدق فيه مصدومًا وهو يهمس بتوتر:
"حقًا؟"
اكتفى (آراس) بإشارة من عينيه، فصاح (آجار) مبهوتًا:
"يا إلهي."
ثم وجه بصره إلى وجه (آراس) وتابع:
"طلب مني السفاح قتله حين طلب مقابلتي و......."
قاطعه (آراس) متسائلًا برفع حاجب:
"من الذي قابلك يا هذا؟! التمساح كيف؟"
هز (آجار) كتفه وردد:
"كيف؟ ماذا يا أخي؟ أقول لك طلب مقابلتي وتقابلنا وطلب مني قتل حمزة وقتل كري..."
بتر باقي عبارته حين صدحت قهقهات (آراس) بغتة، فسأله قاطب الحاجبين مضيقًا عينيه:
"ما المضحك في هذا؟ لماذا تصر على إثارة جنوني؟"
رنا إليه (آراس) ممسكًا بمنكبيه غارسًا عينيه في عينيه، وقال بحدة وحزم:
"السفاح لا يظهر يا بُني لأي كان، وخاصةً أعداءه يرسل رجاله فقط. أي أن الذي قابلته إحدى رجاله. السفاح يخطط لشيء ما. أظن أنه يخطف كريم فقط ليستدرج حمزة وأروى لسبب مجهول وليس من أجل تصميم وما شابه هذا. الرجل يود أن يوقعنا في بعض واعتقد أن ثمة من وراءه."
حل منكبيه وعقد ذراعه وهو يضيف:
"عليك الآن أن ترد الدين للطبيبة خديجة وتحافظ على سلامة حمزة وأروى."
كان ما زال يحدق فيه مزهولًا لوقت قصير بعد أن أنهى ما بجعبته، فـ أطبق جفنيه قليلًا يستوعب ما استتبع عليه توًا جملة واحدة، ثم قال:
"يا إلهي، هذا السفاح داهية!"
أفتر شفاه عن بسمة ماكرة متلاعبة وهو يتابع باستمتاع:
"إذن لنواجه السفاح ليعود حمزة والفتاة بخير ونرد دين خديجة."
ساد الصمت بينهما لوهلة قبل أن يهمس (آراس) لنفسه بتمني:
"وأتمنى أن تنجح هنا فيما كلفتها فيه."
لازمت أروى حمزة الذي بدأ يفيق تدريجيًا، وانتفض فورًا جالسًا حتى رآها تقبل نحوه بتلهف وخوف، فـ اطمأن قلبه أنها بخير. سأل عما حدث، فقصت له ما جرى وعن تغيرهم المفاجئ معهما، فدُهش. وفكر قليلًا يجوب الغرفة بعينيه بحثًا عن مخرج حتى تبسم بظفر وعيناه معلقة على النافذة. نظر من خلالها للأسفل فوجد المسافة قريبة عن الأرض، فـ رنا لها قائلًا:
"اسمعي، هننزل من الشباك تمام؟... هتنزلي الأول وأنا وراكِ."
اتسعت عينيها وتجلى فيهما الارتياب والاستنكار وهي تردد بخوف:
"لا لا، افتراض موت!"
لوى شفتاه ساخرًا، وقال وهو يجز على أسنانه:
"أروى، موت إيه؟ هتنزلي."
ألقت نظرة للأسفل فحثها على النزول. ساعدها حتى باتت جالسة على حافة النافذة ساقاها متدلية للأسفل. فقالت وهي تنظر له بترجّ:
"حمزة، انزل أنت الأول، أنا لا؟"
مسح وجهه بكفه وهو يقول من بين أسنانه:
"يا أروى، يا بنتي، مفيش وقت، اخلصي."
وفي لمح البصر كان يقفز برشاقة جاذبًا إياها معه دون حتى أن تدرك ما فعله. وهوى بجسديهما على الأرض وكفه كان سريعًا للقبض على فمها حتى لا تصيح. لم يمهلها أن تستوعب ما حدث فما شال كفه حتى جذبها من ذراعها مهرولًا بها للخارج ذاك المنزل مستترًا في ظلام الليل.
فما إن باتا في مكان آمن بعيد عن المنزل نسبيًا، راحت تدور حول نفسها صائحة بنبرة على وشك البكاء مضحكة:
"مجنون، مجنون رماني من فوق. أنا موت، أنا ميتة يا لهوي، اتكسرت مش عارفة إيه اللي حصل لي يا مرارك يا أروى يا حزينة يا فقرية."
لم يستطع كتم بسمة تلألأت على شفتيه وهو يقول بخفوت:
"ممتيش، لسه عايشة."
رمقته بنظرة نارية فقال بهدوء:
"أنتِ متأكدة إنك دخلتِ شرطة ودربتي كويس؟"
تخصرت وهي تجيبه بحدة:
"ليه يا أخويا، مش بشبه ولا مش بشبه؟"
ثم باغتته بلكمة تفاداها ببساطة وهو يقول ضاحكًا:
"بس بس، أنا متأكد إنك في الشرطة خلاص."
رفعت رأسها بكبرياء وقالت:
"أيون كدا، هنروح فين؟"
حاد ببصره نحو سيارته التي تركها مذ مجيئه وما زالت في موضعها. وأشار لها لتتبعه. وبعد أن استقرا بداخلها وانطلق قالت أروى:
"يا ترى هو الشاب اللي جه في الآخر أنقذك ليه؟"
أسترَقَ نظرة سريعة عليها من المرآة ولم يجبها. فضمت ذراعيها وسرحت مفكرة.
في صباح اليوم التالي كانا يتحركان لمكان لا تدرك كنهه ولكنها آثرت الصمت ولم تتفوه بحرف. ركن السيارة فجأة عن بُعد لمنزل مهيب، وقال ملتفتًا نحوها:
"أروى، خليكِ هنا ومتخرجيش، تمام؟"
أومأت دون أن تنبس فترجل من السيارة وسار تجاه البيت ودار حوله ثم ظهر فجأة أمام الباب برفقة شاب طرق على الباب. بينما توارى (حمزة) خلف الجدار. فُتح الباب وتحادث الشابان وبغتة برز حمزة من مكمنه ودفع الشاب المرافق له على الذي فتح الباب فـ انطرحا الاثنان أرضًا فدفعهم بقدمه وهو يشهر سلاحه وأغلق الباب خلفه. وجد أربع شباب أخرى ما أن أبصروه بادروا برفع أيديهم فوق رؤوسهم. ثم صاح حمزة فجأة، موجهًا حديثه للشاب والذي كان ذاته مدير الفندق:
"أين كريم يا هذا؟"
أطرق المدير بصمت يأبى أن يبوح، فـ باغته حمزة بحركة سريعة إذ لف ذراعه حول عنقه ولصق فوهة المسدس في جبهته، وهدر بانفعال:
"ستخبروني بكل شيء!"
صرخ المدير صائحًا بهلع وهو يغمغم بتلعثم:
"ليس لنا ذنب في كل ما جرى يا هذا، لقد أُمرنا بفعل كل شيء بأمر من السفاح. أما هذا كريم فهو بخير."
كز (حمزة) أسنانه وهو يسأله:
"من هو السفاح يا هذا؟ وأين يخفي كريم؟"
اضطراب المدير قليلًا ورمى الشاب الذي باح بمكانه بنظرة حاقدة متوعدة وقال متلعثمًا:
"لا أحد يرى السفاح ولا يعرفه. هو لا يظهر لأحد أبدًا، يجد طريقه دائمًا ويراسلك."
طافت بسمة ساخرة على وجه (حمزة) وهو يزجره بعنف:
"أين كريم؟"
صمت (المدير) تمامًا فشد (حمزة) ذراعه على عنقه أكثر فـ تمتم مخنوقًا:
"إنه في... على يخت خاص بالسفاح يُسمى..."
أفلته حمزة وأطرحه فوق الرجل وفر هاربًا فصاح المدير أن يتبعوه. كانت أروى تنتظره بالسيارة وهي تستعد للانطلاق فما صعد حتى داست بنزين وانطلقت بسرعة.
كان حمزة يوجهها للطريق لمبتغاه، وقص لها بإيجاز ما سيفعلونه. استئجار يخت وراح يشق طريقه في البحر وبالتحديد إلى حيث يخت السفاح. أوقف يخته عن مقربة من الآخر وراح يتطلع خلاله ويفحصه بدقة سريعة. التفت إلى أروى وأمرها:
"هتفضلي هنا لحد ما أديكِ إشارة تقربي تمام."
"تمام، بس... بس خلي بالك من نفسك."
أومأ بهدوء وهو يثبت أنبوب الأكسجين على ظهره، وانهى سريعًا ارتداء ملابس الغطس. وقفز برشاقة سابحًا نحو اليخت، حام حوله أكثر من مرة يكتشف ثغرات ويسد ثقوبه ويضع الخطة. تسلقه وبات بداخله فـ أسرع بالاختباء من الحراس وهو ينحني. مر شاب فأنتظر حتى أهداه ظهره وانقض عليه كاتمًا فمه وضغط على إحدى عروقه ليفقد الوعي مباشرة. وما أن جذبه ليواريه وإذ بآخر يصيح لرفاقه بوجوده. ففي غمضة عين كان يخترق المسافة ويلكمه بقسوة عدت لكمات دون هوادة، لكمات متفرقة متتابعة طرحته أرضًا. تجمع الحراس حوله وشلوا حركته فـ طفق يزوم في سورة من الغضب. كاد يحاول الإفلات منهم بشتى الطرق، لكن الكثرة تغلب الشجاعة، وهو كان كـ أسد جامح صعب رضروخه. ران الصمت كأنه رداء ألقى بعباءته فوقهم حين ارتفع صوت خطوات مهيبة مصحوبة بصوت مهيب رهيب:
"أخيرًا جئت يا سيد حمزة، كنا في انتظارك يا رجل، طالت غيبتك وطال انتظارنا حتى مللنا."
بإشارة بسيطة من إصبعه ترك الرجال حمزة الذي اعتدل فورًا مواجهًا ذاك الرجل الغامض ذا الحلة البنية ونظرات حادة تخلع القلب ولكن فيها فخامة تعبر عن ذوق راقي. وقف كالطود واضعًا إحدى كفيه في جيبه، ونظراته تتمعن في وجه حمزة وكذلك حمزة يفترسه بنظراته.
"أين كريم يا هذا؟"
أومأ السفاح برأسه وطرقع بأصابعه وخرج رجلان يجذبان كريم الموثوق الذراعين أسفل ظهره، ووجهه امتلأ بالجروح. صرخ (حمزة) على أسنانه غاضبًا ما أن رأى صديقه الواهن الذي لا يكاد يبصره من عينيه التي تحيطها الزرقان. هم أن يهرول إليه لكن السفاح خطى خطوة واحدة ووقف قبالته وقال:
"أين يا حبيب؟.. لم نتفق بعد!"
"إتفاق ماذا؟"
"إتفاق بسيط للغاية يا رجل، سيرحل صديقك على أن تُؤسر أنت."
تبسم (حمزة) بعبث وخبث، وقال:
"ليكن هذا إذن، لكن سأطمئن أولًا على ذهابه؟"
في برود قال السفاح:
"ليكن هذا يا بُني، صديقك والفتاة لهم الأمان حتى يصلا لأرض مصر ويأتي رفيقك الآخر."
توقع حمزة بأنه أحد أبناء أعمامه فهجم عليه، وكاد الحراس أن ينالوا منه لولا إشارة السفاح لهم بكفه، ثم نزع ببرود كفي حمزة ودفعه برفق، وقال:
"كل شيء سيصير كما أريد يا حمزة حتى لا تخسر الجميع هنا."
لم يجبه حمزة وإنما اقترب من سياج اليخت وأخرج شيئًا ما من جيبه وأطلقه في السماء ليصدر نور. وكان يخت أروى يقترب. صعد عليه كريم بمساعدة أروى. وحين لم يقفز (حمزة) وجهت إليه سؤالها قائلة بخفوت:
"حمزة، يلا أنت..."
قاطعها حمزة قائلًا بحسم:
"امشي!"
"لكن؟"
"هذا أمر أيها الملازم."
فاضت عيناها بالدموع وهي تهمس:
"خلي بالك من نفسك يا حمزة!"
أومأ حمزة قائلًا بثقة:
"متقلقيش، هرجع."
أهدته بسمة واثقة قبل أن يشير لها لترحل فأنصرفت مسرعة حتى تداوي كريم أيضًا الذي فقد وعيه.
بينما استدار (حمزة)، ليقول السفاح:
"أحسنت صنعًا يا حمزة.. والآن لنتصافح يا صاح."
فـ ماهر بانتظارك. مد كفه لـ حمزة فمد حمزة كفه وما كادت تستكين في كفه حتى سحبه حمزة لافًا ذراعه حول عنقه يعصره عصرًا، أما الآخر لم يقاوم إلا بصورة بسيطة بدت لـ حمزة إنه مستسلم. بلا ربما أراد ذلك.
هجم الحراس على حمزة الذي أخذ من السفاح ركنًا فتحمل عليه ورفع قدمه ليركل أحدهما في وجهه تلاها الآخر، وبحركة سريعة أدار السفاح ليقبض على عنقه فتوقف الرجال فورًا في عجز وعلت قهقات حمزة المخيفة قبل أن يتحدث بغضب:
"من أنت يا هذا.. ولماذا تفعل ذلك؟"
لم يجبه السفاح فكرر سؤاله مرارًا حتى فاض به فأبرحه ضربًا بقبضته. فجأة هجم عليه الرجل من الخلف وانهالوا عليه، وعلى حين غفلة كانوا يتساقطوا حوله واحدًا تلو الآخر فرفع رأسه لم يجد حوله أحد حتى السفاح اختفى. وكان ذورق يحوم حوله ويقترب حتى قفز آجار وهو يقول:
"مفاجأة.. لماذا هربت يا هذا؟"
"لماذا ساعدتني؟"
كاد أن يجيبه آجار لكن حمزة لم يمهله وهوى فجأة برأسه بحديدة تناولها في طرفة عين، فـ أمسك آجار رأسه وداهمه الدوار كالأعصار فسقط على ركبته منحنيًا. غمغم حمزة غاضبًا:
"كنت سأغفر لولا أنك اقتربت من شيء لا يخصك."
كان يقصد أروى لا غير، هجم عليه ممسكًا بحفنة من خصلاته ورفع وجهه إليه صارخًا:
"لا تحلم مجددًا بلمس أحد من أقاربي يا هذا."
شق ثغر آجار بسمة شاحبة وهو يردد بوهن:
"فلتبقَ كما أنت يا حمزة.. لقد وفيت بديني وهذا ما يهم وأنت بخير يا فتى."
قالها بثقل وأغمض عينيه وسكن تمامًا.
خطوات رقيقة حادة راحت تقترب منه، فأطرق السمع لولا الظلام لكن أدرك فورًا من الآتي مختلسًا. أحس بكفين ناعمتين تفك قيده برفق وعجل في آن واحد، فما أن حلت ذراعه حتى بدأ يفركها بألم من أثر القيد. وانحنت الفتاة أمامه تفك ساقيه قبل أن ترتفع. فـ أمعن النظر إلى وجهها الملثم فحصها بنظرة سريعة، كانت غامضة بشيء محير. وسألها وهو يمد ذراعيه:
"أنتِ مين؟"
لم تجبه فظن أنها خرساء. أشارت له بكفها لتتبعه وسار خلفها في الظلام الدامس حتى انحنت أسفل الجدار وإذ بها تظهر فتحة يتخللها الضوء. قفزت بمهارة فتبعها. ثم قفزت مجددًا مستندة بقدميها وأخفت الفتحة تحت دهشته.
وقفت أمامه تنفض كفيها، فسألها مجددًا قائلًا:
"أنتِ مين، وليه ساعدتيني؟"
هزت الفتاة كتفيها وقالت:
"ليس مهم أن تعرف يا هالد."
رفع حاجبه مندهشًا وقد فغر فاه من فرط زهوله حين ركضت وكأن وحشًا مخيفًا يهرول خلفها. كاد يلحق بها، لكنه وقف ساكنًا لوهلة يفكر في أمرها. ونظر حوله وخرج كما خرجت وأوقف سيارة ليعود لمنزله.
تعافى عاصم تمامًا أما معاذ فـ كان ما زال يلزم الفراش بسبب قدمه. وعاد حمزة وأروى. وقصوا ما حدث للمار التي باتت شاردة مترقبة تئن على الجميع قبل خروجه. تحولت تمامًا وغدا خوف الفقد يقبع بين ثناياها. اسم ماهر لا يخيفها، الذي يخيفها أنها لا تدري من يكون؟
خرج آجار من المنزل بهيبة متوجهًا إلى السيارة. لكن أراس ناداه من خلفه يستوقفه:
"آجار."
استدار آجار وهو يزيل عويناته فتقدم أراس مغمغمًا:
"أين تخرج والصحافة تحوم حولنا منذ أن ألقاك حمزة أمام إحدى المستشفيات."
نفخ (آجار) بحنق مرددًا:
"أنا لا أخشى صحافة أو غيره يا أخي وسأخرج."
أنهى جملته واستدار مغادرًا قبل أن يتحدث أراس مرة أخرى، الذي رمقه بحنق أشد وهز رأسه بقيلة حيلة وعاد للداخل.
قاد آجار سيارته قاطعًا البوابة التي أغلقت خلفه. وكاد أن ينحرف يمينًا حتى داس على المكابح وقد اتسعت عيناه حتى كادت تخرج من محجريهما. لقد توقفت دراجة نارية أمامه جعلت دقات قلبه تتوثب وفار جنونه. فخرج صافقًا الباب خلفه بعنف هادرًا:
"أمجنون أنت يا هذا حتى تخرج أمامي بتلك الطريقة! إن كنت..."
لم يتمتم عبارته إذ بصاحبة الدراجة أزالت الخوذة ونفضت رأسها ليتطاير شعرها فجأة ونظرت له بنظرة مرحة مغمغمة:
"أتعبتني يا سيد آجار لي وقت أبحث عنك من أجل الحوار."
قطب جبينه وهو يتساءل:
"حوار ماذا يا بنت؟"
أسندت وجهها إلى كفها وهي تجيبه:
"حوار صحفي يا سيد، ما بك."
رمقه بمقت وهو يشير لها بغضب:
"لا تثيري أعصابي واغربي عن وجهي."
ترجلت عن دراجتها واقفة أمامه وهي تحرك الخوذة بين كفيها قائلة بتصميم:
"لقد تعبت حتى وجدتك ولن أرحل قبل أن آخذ الحوار معك."
صك أسنانه وكظم غيظه واستدار ليركب سيارته فوقفت أمامه تسد طريقه عاقدة الذراعين. فقطب حاجبيه قبل أن يقود بسرعة لتبتعد فورًا بعنف. سقطت أرضًا على ظهرها، واعتدلت سريعًا تتلفت حولها وهي تمسك ظهرها مغمغمة:
"معتوه أحمق، ولكني سأعمل اللقاء معك طالما أتيت لن أرحل بدونه."
وثبت سريعًا وصعدت دراجتها وأدارتها لتحلق بها. وما أن أدركته حتى أخذت تصيح باسمه حتى فتح النافذة فبادرت صائحة:
"يا سيد آجار أنا عنيدة للغاية ولن أرحل قبل المقابلة. ضع هذا في ذهنك، سأتبعك حتى توافق فـ أحسن لك أن تنفذ."
أغلق النافذة مجددًا ببرود وركز بصره للطريق أمامه. كان يسمع صياحها لكنه لم يعبئ به ألبتًا.
راقه تتبعها له وإلحاحها على ما تريد، فانطلق دون وجهة. ولوقت طويل وهي على حالها لم تيأس ولم تعود أدراجها قط.
كان يتبسم على صوتها الغاضب وهي تصيح فيه.
وعلى غرة تنبه لسيارة تلحق به فقطب حاجبيه وخشى أن يصيبها مكروه بسببه، ففتح النافذة وصاح فيها:
"يا امرأة انطلقي بسرعة من هذا المكان.. هيا."
ضحكت ساخرة وهي تختلس النظرات إليه وتعيدها للطريق وتقول:
"أنا لم أقطع كل هذا الطريق خلفك حتى في الآخر تخبرني أن أرحل."
جز على أسنانه هادرًا فيها:
"سأفعل معك اللقاء يا بنت، ارحلي حالًا."
قالها وهو يرمق السيارات بطرف خفي، لكنها نفت بعناد وقالت بإصرار:
"انسى، لن أغادر قبل الـ..."
لم تكمل جملتها وإذ بطلقة نار مرت بجوارها لتصرخ. وصاح هو فيها:
"أسرعي هيا....."
كان قد أخرج مسدسه وهو يطلق من النافذة عليهم في حين سبقته هيا للأمام كان يحاول حمايتها. لكنها أيضًا أبت الفرار وتركه. فبعدما ظن أن عرض أقل.
رواية جحر الشيطان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندي ممدوح
في مصنعٌ خالي من كل شيءٍ، ما عدا شابٌ مذعورٌ بمدفعٍ يروح ويجيء أمام آجار والفتاة اللذان جالسا في خشوعٍ مقيدان الأيدي خلفهم.
مالت الفتاة قليلًا على آجار وهمست:
- ماذا سنفعل؟
غمز لها آجار قائلًا بعبث:
- ليس الآن يا حلوة، سترين!
لم يمهلها فرصة الحديث مجددًا إذ أشار للرجل الذي يحرسهما في برودٍ وغمغم:
- إنت!
التفت له الشاب، فأشار لهُ آجار برأسه ليقترب، فحدجه في مقتٍ ودنا منه، فتطلع إليه آجار وسئله:
- من مديرك يا هذا أخبرني؟ من أمركم بخطفي؟
ألقى عليه الشاب نظرةً هازئةً وهو يقول بلا اهتمام:
- وما دخلك يا هذا؟
فطن آجار من لهجة الشاب وابتعاده أنه لن يحصل منه على أي معلومة، ولن يبوح أبدًا، فأطرق مفكرًا مليًا قبل أن يرفع رأسه هامسًا في حزنٍ مصطنعٍ وحسرةٍ للفتاة:
- تدرين؟ أنني أكثر الناس حظًا تعسًا بسببك، فلولاكِ لكنت الآن أتجول وأعبث وليس مكتفًا هكذا!
عضت الفتاة على أسنانه وهي تجيبه في استنكار:
- أنا؟ من مِن المفترض أن يلوم الآخر؟ أنت السبب في أسري في هذا المكان.. والآن كيف سننجو؟
ابتسم في مكرٍ وبساطةٍ، سألها:
- ما اسمك؟
- منة.
تأمل ملامحها قليلًا، وقال في لطف:
- إذن يا منة أنتِ مسؤلة مني وعليَّ إخراجك من هنا وهذا سهلٌ، ولكن ستفعلين ما أقوله دون أسئلة، حسنًا؟
أومأت برأسها وهي تسأله في عناد:
- وستقبل أن أعمل معك حوار؟
فغر فاه من فرط دهشته، فيمَ تفكر تلك وهو لا يدري هل سيخرجان أحياءً أم جثتان، رمش بأهدابه مغمغمًا في حنق:
- يا لكِ من غبية ومعتوهة، فيمَ تفكرين أنتِ؟
قالت منفعلة:
- ستوافق أم لا؟
تنهد في غضبٍ بيّن وقال من بين أسنانه:
- أوافق يا منة، أوافق.
ابتسمت في راحةٍ فزم شفتيه حنقًا، تحمحم قبل أن ينادي للشاب فألتفت إليه، فهتف آجار فيه بوجهٍ محتقن:
- أريد أن أشرب يا بُني، أم ليس لديكم ماء؟
وقف الشاب ساكنًا يحدجه في غضبٍ قبل أن يدمدم وهو يبتعد عنهما.
فحرك آجار بحذرٍ كفيه وجذب بأنامله نصلًا من بين أكمام كفه الأيسر، وفي يسرٍ كان يحركه على الحبال المعقودة حول مرفقيه حتى حلّت العقدة، فتهدل منكباه في آنٍ ذلك وصل الشاب وانحنى بفوهة القارورة إلى فم آجار، الذي مال بفمه ولكن قبل أن يلمسها حرر كفه ليضرب الزجاجة في وجه الشاب الذي تقهقر للخلف وكانت الزجاجة تلقائيًا تنسكب أرضًا، وثب آجار وركل الزجاجة بقدمه، وقبل أن يستوعب الشاب اندفع آجار نحوه وصوب له لكمةً في صدره تلاها أخرى في معدته، وأنهال عليه ضربًا، فدفعه الشاب بغتةً للخلف وابتعدا ثم التحما ودارت بينهما معركةٌ شرسةٌ، ومنة تشاهد بأعينٍ مبهرةٍ متسعةٍ وفاهٌ فاغرٌ من فرط الذهول، سدد الشاب لكمةً في بطن آجار الذي مال متأوهًا لثوانٍ كانت كفيلةً أن يخرج الشاب نصلًا ويغرزه في ذراع آجار مع صيحةٍ منه الفزعة المحذرة، تفادى آجار النصل الذي كاد يُغرز في جنبه إذ مال لجانبه فمر في الهواء وأمسك بذراع الشاب وطفق يضربه حتى انزلق من كفه وثنى ذراعه خلفه ثم دفعه على الجدار وأمسك بمؤخرة رأسه ودفعه على الحائط مرةً والأخرى وكان الشاب يفقد وعيه منهارًا..
تركه وهرول نحو منة وفك قيدها وامسك بكفها وخرج بها من المصنع، كادت تثرثر حين رمقها بنظرةٍ كانت كفيلةً أن تبتلع كلماتها وتلزم الصمت، التفت حوله.
يفحص الطريق فوجد سيارةً بدا له أنها تابعةٌ لصاحب المصنع، فنظر من النافذة فوجد المفتاح فيها فأمر منه أن تصعد.
دار محركها وقاد في سرعةٍ، بعد فترةٍ وجيزةٍ تنبه لسياراتٍ تتبعه مجددًا فضرب بكفه عجلة القيادة ناظرًا لـ منة بنظرةٍ حارقةٍ فوجدها شاردةً، ويخشى أن يصيبها شيءٌ ويكون بسببه، تنبهت لـ نظراته التي أصابتها بحرجٍ شديدٍ، فغضت الطرف وهمست بخجل:
- آسفة.
لم يعرها انتباهه بل صب جُل تركيزه على الطريق وذاد من سرعة القيادة فجأةً كان الرصاص يخترق عجلات السيارة التي راحت تدور حول نفسها قبل أن تقف، فترجل سريعًا وهو يصيح فيها أن تنزل وأمسك بمرفقها في عنفٍ وركض في سرعةٍ تجاه الغابة فلحق به الرجل، وقفا وراء شجرةٍ وأخذ يتابع الرجال، بحدقتين حادتين كـ الصقر قبل أن يزمجر كنمرٍ متوحشٍ.. ألتقط حجرًا وألقاه بعيدًا لجهةٍ أخرى فركض الرجال جميعًا خلف الصوت الذي أصدره الحجر وفلح في تشتيتهم.
نظر لـ (آجار) الساكن أمامه وقال:
- أتتعرفين كيف تتسلقين؟
نظرت له دون فهمٍ وهزت رأسها فأعطاها ظهره وهو يغمغم:
- إذن ستعرفين يا فتاة، تشبثي.
ترددت قليلًا قبل أن تضع كفيها على منكبيه ولفت ساقيها حول جذعه في سرعةٍ كان يتسلق بها الشجرة في خفةٍ وقد ساعدته نحافتها وجسدها الهزيل، تركها متعلقةً على جذع نخلةٍ وقفز هو فورًا وراح يسير في حذرٍ خلف الرجال الذين كان يتبعه فسار العكس وبات هو يتبعهم، لمح طيف أحدهم فتوارى وتربص به حتى هم أن يمر فوضع ساقيه فتعثر فيها الآخر وقبل أن يصيح كانَ (آجار) يلتقط سلاحه الذي وقع منه حين تعثره وأطلق على جبهته فسقط صريعًا في الحال، التفت حوله والسلاح في يده على وضع الاستعداد تربص بآخر وهوى بمؤخرة السلاح على رأسه ففقد وعيه ودفعه لـ يُطرح أرضًا، برز أمامه أحدهم فـ ألقى السلاح بعيدًا وتفرس ملامحه وانقض على بعضهما، كاد أن يركله لكنه صد ركلته وأمسك بقدمه ولواها ودفع الشاب ليسقطا أرضًا وثب ووثب الآخر صوب له لكمةً فـ أمسك (آجار) بقبضته وهو يتراجع برأسه وكال له الضربات بقبضته الأخرى، داره و أطبق ذراعه على عنقه وسأله في حِدة:
- من خلفك يا هذا؟
أزرق وجه الشاب وشحب لونه وهو يهمس بأنفاسٍ متقطعةٍ بصعوبة:
- الـ.. السفاح.
نطق بأحرفٍ متقطعةٍ، فشدد آجار على عنقه حتى خرجت روحه وتركه وهو ينفض كفيه ويعود لـ منة، لينزلها من فوق الشجرة، كانت ساهمةً.. مرتعشة الأطراف ترتجف وتنتفض تأملها وهم أن يسألها إذا بخير لكن بدلًا عن ذلك دفعها في هلعٍ للجانب الآخر وقفز هو لتخترق رصاصة الشجرة، وثب منطلقًا إلى الشاب الذي أطلقها وركل يده ليقع السلاح منه، ودفعه الشاب فسقط فضرب آجار ساق الشاب فوقع على ظهره فتدحرج ملتقطًا السلاح وقبع بركبته على صدره وأطلق رصاصةً في وسط جبهته أعقبها صرخة منة الفزعة فـ أعتدل واستدار لها، فراحت تتراجع في خوفٍ وهي تهز رأسها والدموع تتلألأ في أهدابها، أطبق جفنيه لفترةٍ قصيرةٍ وبتُروٍ همس:
- منة، كان يجب أن أفعل هذا وفعلت، كان إما أن نموت أو يموتون.
وقفت ساكنةً وسالت دموعها تهوى إلى وجنتيها فـ أضناه التعب وزراعه النازف، تقدم إليها في تريثٍ شديدٍ وقال في تنهيدة:
- منة لو سمحتِ أنا...
هزت رأسها وهي تشهق قائلةً بصوتٍ مختنق:
- لن أخبر أحدًا، لا تقتلني!
أوجعته كلماتها كانت كالجمر ينقذف لفؤاده دون ذرة رحمةٍ، فقال بصوتٍ مرتجف:
- ماذا تقولين؟
دمدمت قائلةً:
- لا تقتلني رجاءً.
أمسك بكتفيها وهزها في عنفٍ صارخًا لتفوق وكان لا بُد من ذلك:
- منة أنا لن أؤذيكِ ويستحيل أن أجعل أحدًا يؤذيكِ بسببي!
طرفّت قليلًا وأجفلت من كلماته ونظرت له وفجأةً ارتتمت بين يديه باكيةً بقوةٍ، فتخشب قليلًا وهو يربت على ظهرها برفقٍ مغمغمًا:
- لا بأس.. لا بأس لم يحدث شيءٌ، أنتِ بخير ستعودين إلى أمك.
هُنا وذاد بكاؤها أكثر وتشبثت أكثر في ثيابه، فغمغم قائلًا وقد فقه أنها فقدت والدتها حين بدأت تهمس بذلك فـ أشفق عليها ورحلا من هذا المكان، كان يقود أحد سيارات هؤلاء الرجال الذين كانوا يتبعونه وهو يختلس النظر إليها، انطفائها فجأةً أرعبه، ضحكتها الغائبة هالته، ألتقى بها منذُ دقائق وكانت كتلةً من الحماس والحيوية والحياة، وأنطفئت بسببه..
كانت ساكنةً تسند رأسها للنافذة شاردةً، أوقف السيارة بجوار منزله هو... حتى تستعيد رباطة جأشها... فدَلفت معه وتعرفت على أخته هنا التي أخذتها معها لغرفتها وراحت تهدأها بكلماتها المرحة وغسلت لها وجهها وأهدتها ملابس أخرى، وغادرت بعد أن صارتا رفيقتين، أوصلها آجار بنفسه ورَ منزلها ولمح والدها الذي كاد يجن من فرط قلقه عليها وأخذها في عناقٍ طويلٍ ليطمئن قلبه إنها بخير، لم ينصرف إلا بعد أن توارت وراء الباب وهي ما زالت تتشبث في والدها...
أوقف دراجته وتأمل سكونها قليلًا قبل أن يخطو إليها، كانت تقف تتأمل أمواج البحر المتلاطمة، تعقد ذراعيها، وشعرها يتطاير مع كل نسمة هواء تداعبة، وكذا كان فستانها الرقيق الذي ترتديه، تواثبت دقات قلبها فعلمت فورًا بحضوره فـ استدارت مستنيرة الوجه وهي تهمس بصوتٍ رقيق:
- جان.
حل الزعر على ملامحها وهي تشخص نظرها في ذراعه المجروح بشقٍ غريبٍ وامسكت كفه تقلب فيه بلهفةٍ ووجل:
- جان ما هذا؟ كيف جرحت؟ متى جرحت؟
هز كتفيه للأعلى وهو يجيبها في هدوء:
- لا أدري!
رفعت نظرها إليه قائلةً في غيظ:
- كيف لا تدري يا جان، إلى متى ستظل مهمل؟
- سأسافر غدًا لدي حفلةٌ مهمة!
أجفلت منتفضةً للخلف وفلتت ذراعه، تنظر في خوفٍ وقالت:
- أنت تمزح.. أليس كذلك؟
طالعها هنيهةً في صمتٍ قبل أن يدنو واقفًا أمامها، ورفع ذقنها بسبابته، وثبت عيناه في عينيها وهو يقول بلطف:
- لن أغيب فور انتهاء الحفل سأعود.
هزت رأسها نفيًا تودُ أن يستنكر لها ما يقول فضمها بحنوٍ مغمغمًا بقلبٍ متفطر:
- سأعود يا ناردين، أنتِ كل عائلتي يا فتاة، لن أتخلى عنكِ، ليس ليّ غيرك يا قرةُ عيني.
راقت له كلماته وطابت نفسها فغمغمت:
- كم ستغيب؟
لم يود إخبارها إنه سيغيب لأن لديه الكثير من الحفلات فتجاهل سؤالها عن عمدٍ وقال:
- سآتيكِ بـ فيو (فيديو) الحفل كاملةً لتشبعي منها.
توهجت نظراتها وقالت في حبور:
- ولن تغيب.
هز رأسه لها نفيًا:
- لن أغيب.
- ستذهب كل الفرقة معك؟
- بالطبع.
جلسا على الشط وضم كتفها وراحت رأسها على كتفه، يتأملان معًا البحر في جوٍ بديعٍ مبهجٍ للروح.
كانت حاضرةً معه وغائبةً في ذاك الوقت، ما زال خبر سفره يؤلمها، تخشى أن يغيب عن عينيها كما حدث بالسابق، ولكن إن غاب هذه المرة ستموت حتمًا، لن استطيع فراقه أو إكمال حياتها بدونه.
كان يقبل رأسها وكفه يُداعب خصلاتها يُطمئنها وكأنه يبث لها أن هذه المرة لن يغيب، في السابق كان شيئًا والآن شيئًا آخر، في الماضي كان لابد له أن يهرب من الملجأ.....
صباحُ يوم الجمعة، اليوم المميز للجميع.. وخاصةً لقلبُ خديجة، ففي هذا اليوم ستعطي محاضرةً للبنات في المسجد.
في الصباح الباكر كان الشباب يتدربون في الحديقة فيما بينهم وتراقبهم لمار ببسمة فخرٍ لم تفارق ثغرها حتى انتهوا.
خرجوا جميعهم وتوزعوا في السيارات التي ستقلهم للمسجد، وبعد أداء صلاة الجمعة، والاستماع للخطبة بقلبٍ مفروغٍ من كل شيءٍ، طاردًا الحياة الدنيا حتى لا تشغله وهي في رحاب الإيمان، مع صوتُ الشيخُ الرخيم الذي ينفذ إلى القلوب السليمة مباشرةً، تربعت خديجة في أحد زوايا المسجد مسندةً ظهرها إلى جداره في راحةٍ تامةٍ، وفؤادٌ مطمئنٌ، عامرٌ بذكرُ الله، وروحًا تحلق في فضائه، تربعت الفتيات حولها في حلقةٍ دائريةٍ، أقارب وغرباء، في انتظار ما تقصه لهم، مما طلبوا وكما أرادوا.
قالت وعيناها تجوب في سكينةٍ في الوجوه المتعلقة في وجهها في اهتمام:
- جاهزون أنتم لنحلق معًا في رحاب الحبيب، ربما نروي ظمأ الفؤاد من عبق أريجه، ونقتنص لحظات طمأنينةٍ معه، نحلق في سمائه ونلتحف من سيرته برداءٍ يلهمنا على السير قدمًا، ونطمئن الفؤاد أن اللقاء قريب عند كوثره، لنهدأ من اشتياقنا إليه فنتخيل، هلموا نحلق معًا بأرواحنا نُسرى مع الرسول إلى المسجد الأقصى ونعرج معه إلى السماء.
صمتت هنيهةً وإذ بالوجوه ازدادت تعمقًا، لهفًا، شوقًا والآذان تترقب والأعين تتلألأ كأنها نجومٌ ثاقبةٌ، تابعت بتنهيدةٍ مستكينةٍ كأنها تحلق حقًا، وكيف لا؟! وهي تتحدث عن الحبيب المصطفى:
- كان العام العاشر للبعثة، حيثُ خيم الحزن على قلب الحبيب وألقى رداءه بظلالٍ ثقيلةٍ في ثناياه، عُرف بعام الحزن فقد مات عم الحبيب أبو طالب وماتت زوجته خديجة التي كانت تسانده وتزيح عنه الأذى أول من آمنت به وأول من واساه، فقد الحبيب حبيبان في عامٍ واحدٍ، وازداد أذى المشركين له، وتأذى بسببهم كثيرًا، كان يدعوهم لعبادة الله الواحد الأحد فيعرضون قلوبهم صماءٌ قاسيةٌ، يؤذونه فيدعو لهم، يغيبون عن إيذائه فيسأل، يمرض أحدهم فيعوده، وحين أضناه أذى المشركين وظل يدعو الله، فعرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين، فأبى الحبيب وراح يدعو لهم ويسأل الله أن يُخرج من أصلابهم من يوحد بالله لا شريك له.
سكتت للحظاتٍ والدموع تترقرق بين جفنيها، تتأمل كيف كانوا المشركين يؤذون الحبيب وهو يدعو لهم بقلبٍ مسامحٍ لا يحمل لأحدٍ شيئًا، كيف تحمل؟
تابعت خديجة ساهمةً أو غائبةً محلقةً:
- وجاءت البشرى، وفرحة الحبيب، وتضميد الجروح، أنها الإسراء والمعراج.. الإسراء هو ذهاب الرسول ﷺ من مكة إلى المسجد الأقصى بالشام وصلى بالأنبياء جميعهم ثم عرج إلى السماء.
وقد قال الله تعالى في سورة الإسراء { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }
أما المعراج فهو رحلةٌ سماويةٌ عرج فيها الرسول مع جبريل إلى السماء...
وتبدأ القصة عندما نزل جبريل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – بصحبة ملكين آخرين، فأخذوه وشقوا صدره، ثم انتزعوا قلبه وغسلوه بماء زمزم، ثم قاموا بملء قلبه إيمانًا وحكمةً، وأعادوه إلى موضعه.
ثم جاء جبريل عليه السلام بالبراق، وهي دابةٌ عجيبةٌ تضع حافرها عند منتهى بصرها، فركبه النبي - صلى الله عليه وسلم – وانطلقا معًا، إلى بيت المقدس.
وفي هذه المدينة المباركة كان للنبي - صلى الله عليه وسلم – موعدٌ للقاء بإخوانه من الأنبياء عليهم السلام، فقد اصطحبه جبريل عليه السلام إلى المسجد الأقصى، وعند الباب ربط جبريل البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء جميعًا، ثم دخلا إلى المسجد، فصلى النبي – صلى الله عليه وسلم – بالأنبياء إمامًا، وكانت صلاته تلك دليلًا على مدى الارتباط بين دعوة الأنبياء جميعًا من جهةٍ، وأفضليته عليهم من جهةٍ أخرى.
ثم بدأ الجزء الثاني من الرحلة، وهو الصعود في الفضاء وتجاوز السماوات السبع، وكان جبريل عليه السلام يطلب الإذن بالدخول عند الوصول إلى كل سماءٍ، فيؤذن له وسط ترحيبٍ شديدٍ من الملائكة بقدوم سيد الخلق وإمام الأنبياء – صلى الله عليه وسلم -.
وفي السماء الدنيا، التقى – صلى الله عليه وسلم – بآدم عليه السلام، فتبادلا السلام والتحية، ثم دعا آدم له بخيرٍ، وقد رآه النبي – صلى الله عليه وسلم – جالسًا وعن يمينه وشماله أرواح ذريته، فإذا التفت عن يمينه ضحك، وإذا التفت عن شماله بكى، فسأل النبي – صلى الله عليه وسلم – جبريل عن الذي رآه، فذكر له أن أولئك الذين كانوا عن يمينه هم أهل الجنة من ذريته فيسعد برؤيتهم، والذين عن شماله هم أهل النار فيحزن لرؤيتهم.
ثم صعد النبي– صلى الله عليه وسلم – السماء الثانية ليلتقي بـ عيسى و يحيى عليهما السلام، فاستقبلاهُ أحسن استقبالٍ وقالا: "مرحباً بالأخ الصالح والنبيّ الصالح".
وفي السماء الثالثة، رأى النبي– صلى الله عليه وسلم – أخاه يوسف عليه السلام وسلّم عليه، وقد وصفه عليه الصلاة والسلام بقوله: (..وإذا هو قد أُعطي شطر الحسن) رواه مسلم.
ثم التقى بأخيه إدريس عليه السلام في السماء الرابعة، وبعده هارون عليه السلام في السماء الخامسة.
ثم صعد جبريل بالنبي– صلى الله عليه وسلم – إلى السماء السادسة لرؤية أخيه موسى عليه السلام، وبعد السلام عليه بكى موسى فقيل له: "ما يبكيك؟" فقال: "أبكي؛ لأن غلامًا بُعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي".
ثمّ كان اللقاء بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، حيث رآه مُسندًا ظهره إلى البيت المعمور - كعبة أهل السماء - الذي يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة لا يعودون إليه أبدًا، وهناك استقبل إبراهيم عليه السلام النبي – صلى الله عليه وسلم – ودعا له، ثم قال: (يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي.
وبعد هذه السلسلة من اللقاءات المباركة، صعد جبريل عليه السلام بالنبي– صلى الله عليه وسلم – إلى سدرة المنتهى، وهي شجرةٌ عظيمة القدر كبيرة الحجم، ثمارها تُشبه الجرار الكبيرة، وأوراقها مثل آذان الفيلة، ومن تحتها تجري الأنهار، وهناك رأى النبي– صلى الله عليه وسلم – جبريل عليه السلام على صورته الملائكية وله ستمائة جناح، يتساقط منها الدرّ والياقوت.
ثم حانت أسعد اللحظات إلى قلب النبي – صلى الله عليه وسلم -، حينما تشرف بلقاء الله والوقوف بين يديه ومناجاته، لتتصاغر أمام عينيه كل الأهوال التي عايشها، وكل المصاعب التي مرت به، وهناك أوحى الله إلى عبده ما أوحى، وكان مما أعطاه خواتيم سورة البقرة، وغفران كبائر الذنوب لأهل التوحيد الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك، ثم فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة.
وعندما انتهى – صلى الله عليه وسلم – من اللقاء الإلهي مرّ في طريقه بموسى عليه السلام، فلما رآه سأله: (بم أمرك؟) فقال له: (بخمسين صلاة كل يوم)، فقال موسى عليه السلام: (أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف)، فعاد النبي صلى الله عليه وسلم – إلى ربه يستأذنه في التخفيف فأسقط عنه بعض الصلوات، فرجع إلى موسى عليه السلام وأخبره، فأشار عليه بالعودة وطلب التخفيف مرةً أخرى، وتكرر المشهد عدة مرات حتى وصل العدد إلى خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، واستحى النبي – صلى الله عليه وسلّم أن يسأل ربه أكثر من ذلك، ثم أمضى الله عز وجل الأمر بهذه الصلوات وجعلها بأجر خمسين صلاة.
وقد شاهد النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذه الرحلة الجنة ونعيمها، وأراه جبريل عليه السلام الكوثر، وهو نهرٌ أعطاه الله لنبيه إكرامًا له، حافتاه والحصى الذي في قعره من اللؤلؤ، وتربته من المسك، وكان عليه الصلاة والسلام كلما مر بملأ من الملائكة قالوا له: "يا محمد، مر أمتك بالحجامة".
وفي المقابل، وقف النبي – صلى الله عليه وسلم – على أحوال الذين يعذبون في نار جهنم، فرأى أقوامًا لهم أظفار من نحاس يجرحون بها وجوههم وصدورهم، فسأل جبريل عنهم فقال: "هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم"، ورأى أيضًا أقوامًا تقطع ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار، فقال له جبريل عليه السلام: "هؤلاء خطباء أمتك من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟".
ورأى شجرة الزقوم التي وصفها الله تعالى بقوله: { والشجرة الملعونة في القرآن } (الإسراء: 60)، وقوله: { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رءوس الشياطين } (الصافات: 64 – 65).
ورأى مالكًا خازن النار، ورأى المرأة المؤمنة التي كانت تمشط شعر ابنة فرعون، ورفضت أن تكفر بالله فأحرقها فرعون بالنار، ورأى الدجال على صورته، أجعد الشعر، أعور العين، عظيم الجثة، أحمر البشرة، مكتوب بين عينيه "كافر".
وفي تلك الرحلة جاءه جبريل عليه السلام بثلاثة آنية، الأول مملوء بالخمر، والثاني بالعسل، والثالث باللبن، فاختار النبي – صلى الله عليه وسلم – إناء اللبن فأصاب الفطرة، ولهذا قال له جبريل عليه السلام: "أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك" رواه البخاري.
قاطعتها فتاةٌ تسأل في حيرة:
- لدي سؤال إذ الرسول صلى الله عليه وسلم قد صلى بالأنبياء جميعًا فلماذا سُئل عنهم جبريل ولم يعرفهم؟
أجابت خديجة في نبرةٍ تنبض حبًا:
- سؤال مميز، وإجابته بسيطة للغاية، فالرسول قد صلى بهم لكنه لم يتعرف عليهم في حين لقيهم في السموات سأل سيدنا جبريل عن أسمائهم وتعرف عليهم...
بقت (خديجة) لفترةٍ مع الفتيات الذين انهالوا عليها ببعض الأسئلة وكانت تجيبهم بكل رفقٍ حتى انتهوا، وخرجت مع الفتيات متعلقين بها يتأبطون أذرع بعضهم، وخلفهن يسير كبار العائلة يتسامرون، كان الشباب في انتظارهم بجوار السيارات، رفعت أروى عيناها باغتةً تمشط الوجوه عن وجه والدها فتلاقت عيناها في عينا حمزة الذي أسرع في إبعادهم والتصنع بالتشاغل بالحديث مع خالد، لكن تلك النظرة لم تمر مرور الكرام، كان لها وقع على القلوب فقد زاد الوجيب وفاض ألمًا وكل منهما يتعذب بداء الحب، طرفت بعينيها مستغفرةً لكنها ليس لها سلطان على القلب العاشق الذي أُغرم به منذُ نعومة أظافرها، لكن ذاك الحب لم يهدها إلا الوجع، فحمزة لم ولن يلتفت لها يومًا، وقد تأكد حدسها بعد ظهور أخرى معه شرطية، تراه كيف يعاملها، انتشلها من صراعها القائم في نفسها أصوات الفتيات وكفوفهن فأنتزعت بسمةٌ مصطنعةٌ رسمتها ببراعةٍ مخلفًا وراءها فؤادًا مكلومًا وندوبًا لا تبرأ، ربما يلفت لها حمزة يومًا.. امتقع وجه أروى ما أن وقعت عيناها فجأةً على الفتاة (ريتاج) رأت خطواته نحوها، راقبت كيف ابتسم ودعاها ليوصلوها معهم، حسنًا ريتاج تبدو أنضج منها، ناجحة في كل مهمةٍ تقوم بها، جميلة عنها، غلبها الحزن ولم تشعر إلا وهن يتوزعن في السيارات ورأت (ريتاج) تستقل السيارة التي هي بها بعدما جاءت بها سمر وأنتقلت السيارات إلى المنزل، كان الجميع موجود إلا (شيماء) التي انزوت بعيدًا عن العائلة وشملها.
تجمع الشباب في الحديقة يتسامرون وقد التفوا حول الطاولة، زفر "مالك" بمللٍ وجال ببصرهُ في الشباب وتمتم في حنق:
- هنفضل قاعدين كده؟ أنا زهقان!
رمقهُ "خالد" بنظرةٍ هازئةٍ، وقال وهو يلوي فمه متهكمًا:
- زهقان؟ ومش عاجبك قعدتنا؟ عايز تعمل إيه يعني؟ ولا حابب خديجة تعلم عليك؟!
زمّ "مالك" شفتيه في حُزنٍ مُصطنعٍ، وقال:
- أنتَ دايمًا كاسر بنفسي كده يا بني؟ طب وربنا ما ينفع قعدتنا كده.
طاف ببصره بالشباب وقال وهو يمد أنامله على الطاولة ويبدأ في الدق بتناغم:
- وربنا لهغني، خديجة طلعت هي والبنات أصلًا مش هتسمعني.
أنهى جملته مصحوبًا بدويّ صوته وهو يدندن ويحرك كتفيه:
- أنا جدع، أيوه أنا جدع، ولا مرة حد مني توجع، ولا لساني نطق بكلمة ورجع...
أخذ مالك يدندن وشاركه باقي الشباب بالتصفيق والترديد خلفه ما عدا خالد، انتبه "خالد" لقدوم "ديجا" بوجهٍ لا يُفسر بينما احتدمت عيناها في غضبٍ قد يحرقهم حرقًا، استوى واقفًا وهو يزدرد ريقه في توترٍ جليّ، نكز مالك عدة مراتٍ في كتفه، لكنه لم ينتبه له واستمر في الغناء، صمت الشباب بخوفٍ وهم يحلقون في خديجة في رعبٍ ملأ أفئدتهم، نظر مالك لهم في بهتٍ لتوقفهم عن الترديد، وما هم أن يتسائل حتى جاءه الرد من خديجة التي دوىّ صوتها كـالرعد:
- بتغني يا مالك؟ هاااا، طب أنا هوريك.
اتسعت حدقتا مالك على إخرهما ووقف في تلكؤٍ وهو يستدير ببطءٍ شديدٍ فما كاد أن يبرر فعلته، حتى كانت خديجة تميل لتلتقط نعلها في ثانيةٍ، وتلقيه عليه فـ صاح مالك في رهبةٍ فما هم بالركض حتى تعثرت قدمه في المقعد المجاور له وكاد أن يسقط على وجهه، ولكنه لحق ذاته فـ تلقائيًا تمسك بكفه في الطاولة، ركض بكل ما أُتي من قوةٍ وهو يصيح ويستغيث بأحدٍ وخديجة تركض خلفه وهي ترغد وتزبد، لذا وقع الشباب أرضًا من فرط الضحك ومنظر مالك وخديجة. وتعالت ضحكات الفتيات وهم يتخذن بقعةً للجلوس في الحديقة وانضمت لهن خديجة، ران فجأةً عليهن خالد وطلب أروى لثوانٍ فنهضت فورًا ووقفت أمامه في مكانٍ قريبٍ عنهم ولكن أصواتهم لا تصل للحاضرين، باغتها متسائلًا في قلق:
- مالك يا أروى أنتِ كويسة؟ من لما خرجتِ من الجامع وأنتِ زعلانة، في حاجة حصلت؟
نفت برأسها وقالت في حبور:
- لا يا خالد اطمئن مفيش حاجة.
- متأكدة؟ متأكد بأنكِ تخبئين حاجة!!
غابت ابتسامتها لثوانٍ شاردةً ثم قالت:
- مفيش بجد مجرد إرهاق ممكن.
ارتطمت في ظهرها كرةٌ جعلتها تئن في صمتٍ وهي تمسد ظهرها في ألمٍ وقد احتقن وجهها وهي تنظر لأخيها الضاحك المنبسط، في حين جز خالد على أسنانه وركض خلفه قائلًا:
- ولا أنا مش قلت تبطل العادة دي؟ افتراض حصلها حاجة!
ركض يوسف ضاحكًا وخلفه خالد وشاركهم الشباب وأخذ يلهون كرة القدم وأخذن الفتيات في مشاهدتهم ببسمة.
ابتسمت أروى فقد رُزقت بـ أخٍ يتمثل في خالد منذُ الطفولة وهو يشاركها كل شيءٍ ألعابه خباياه و أسراره، يخاف عليها ويهتم بها وكأنه أبوها الثاني.
أما ملك فكانت ولم تكن، فهي حاضرةٌ لكن غائبةٌ ليس بعالمهم، لم تمكث طويلًا وصعدت غرفتها وجلست فوق فراشها تحملق في الفراغ بضياعٍ وربما تيه....
ارتمى الشباب على المقاعد يلتقطوا أنفاسهم، قبل أن يفجر مالك قنبلته قائلًا:
- أنا احتمال أسافر... أتصل بيا مدير مستشفى للأمراض العقلية وعرض عليا الشغل معاها بعد ما اطلع على كل الحالات اللي عالجتها وبفكر أسافر وأغيب لفترة...
غشاهم الصمت للحظاتٍ قبل أن يهتف معاذ مستنكرًا:
- بتفكر إيه؟ تسافر!
في هدوءٍ أجاب مالك في بساطة:
- أيوه هناك أفضل؟
لكزه خالد في صدره مغمغمًا في ضيق:
- أنت عايز تقولي إنك عايز تاخد علمك وتقدمه لغير بلدك؟! هي المستشفى هنا قصرت معاك في حاجة طب سيبك منها العيادة.
أطبق مالك جفناه وفتحهما مجيبًا وهو يهز كتفيه للأعلى:
- أنا شايف فين مصلحتي ومستقبلي وحاسس أن هناك هكمل حلمي اللي مبدأتهوش وهتابع وهبحث أكتر وهطور....
في سَورةٍ من الغضب قاطعه معاذ منفعلًا وهو يضرب بقبضته سطح المكتب:
- يعني إيه تسافر؟ طب وأختك مفكرتيش فيها؟ ولا هتعمل إيه بعد ما تمشي، أنتِ أناني للدرجة دي.
كان غاضبًا يهتف في سخطٍ.. جعل الجميع ينهدشون من غضبه الغير مبررٍ فما زال يتناقشون، حرك مالك رأسه وهو ينهض متسائلًا:
- في إيه يا بني أنا مش هقوم أسافر دلوقتي!
وبعدين مالها أختي؟ حدجه معاذ بنظرةٍ مقيتةٍ قبل أن يشوح له ويبتعد من أمامهم.
فتبادلوا الشباب النظر في بهتٍ شديدٍ..
ارتقى معاذ الدرج بوهجٍ محتقنٍ من الغضب، وولوج للشقة ومنه إلى غرفته وصفع الباب خلفه في عنفٍ جعله يصدر صوتًا عالٍ، جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يتنفس في اختناقٍ، يبدو أن مالك نسي تمامًا حالة ملك، وأنها بحاجةٍ لرعايةٍ خاصةٍ فهي ما زالت تعاني من الخوف، يتملكها رهابٌ من كل شيءٍ، منهم ومن الجميع تخشى أن تحب أحدًا ويهجرها، فمنذ اختلاف والديها وهو عائقٌ في طريقها.. تظن أن الجميع يخدعها وقد يهجرها ويتركها تعاني كما فعل والدها وترك والدتها ثم عاد.. ما زالت تملك رهابًا من الدم أن رأته.... ما زال أثر الحادث تاركًا أثرًا في فؤادها لا يبرأ جعلها تتقوقع في نفسها وتنزوي، ظنت أن مالك سيعالجها فورًا لكنه يبدو أنه تناسى تمامًا ولم يستطع أن يحادث أحدًا بهذا الموضوع خشية أن يظنوها مجنونةً.
انتشله طرقٌ خفيفٌ على الباب.. وقبل أن يسمح للطارق بالدخول، طل مالك من فرجته مغمغمًا:
- ولا ممكن أدخل؟
أشار له معاذ.. فدخل مالك وجلسا متجاورين على الفراش، سكنًا قليلًا قبل أن يقول مالك موضحًا:
- أنا منستش ملك يا معاذ دي أختي.
رفع معاذ عينيه إليه مندهشًا وما هم بالأستفسار حتى بادر مالك مشيرًا له:
- أنا اخترت أكون طبيب نفسي بس عشانها، و بديها العلاج في الخفاء عشان متحسش بحاجة هي رافضة تعترف أنها مريضة نفسية بتعاني.
ابتسم هزئًا وقال في مرارة:
- إحنا ما زلنا مجتمع جاهل بنفكر في كلام الناس اللي حوالينا حتى على حساب حياتنا في حين أن الناس مش بتهتم بمشاعرنا بتؤذينا بس بإستمتاع، مجتمع جاهل بيفكر إن اللي بيعاني من اضطرابات نفسية مجنون، برغم أن المجانين دول أكتر الناس ذكاء، دول عالم توجعت وربما طُعنت من أقرب قريب أو فقدت وبدل ما نساعد بنحطمهم أكتر ونموتهم بالبطيء.
فاضت عيناه بالدمع وهو يكور كفه قائلًا بحزن:
- ما زلت فاكر يوم ما ملك حاولت تنتحر، لما كانت جثة ما بين إيدينا أنا وأنت..
ربت معاذ على كتفه مقاطعًا حديثه، وقال:
- مالك إنت لازم تقنعها تسيب الشركة اللي بتدرب فيها دي!
أُندهش مالك وهو يتساءل عن السبب فروى له معاذ ما يُقال عن المدير وبأنه فقط ينتظر الدليل ليودعه السجن على أفعاله الدنيئة.
صاح أراس في فزعٍ وهو ينتفض واقفًا:
- سافر؟ تقولها ليّ بكل بساطة يا نجيب؟ لماذا لم تخبرني!
غض نجيب بصره في حرجٍ وتمتم أسفًا:
- أنت تدري أوامر أبيك يا أراس.
أشار له أراس بعد دقائق أن يغادر، وجلس واضعًا رأسه بين كفيه مغتم الوجه ودمدم محدثًا نفسه:
- ماذا لو قتل لمار، يا إلهي.. أو جمع رجاله وقتل كل العائلة... خديجة!
ومضت صورة خديجة فورًا في خلده، وعند هذا الخاطر كان يوثب واقفًا ويخرج عازمًا على السفر فورًا...
تجمعت الفتيات جوار لمار في غرفتها مع غياب أدهم بالخارج..
جالت لمار عينيها في وجوههم وهي تتسائل:
- أمال فين ملك؟
هزت لمياء كتفيها مجيبة:
- أكيد في أوضة الرسم.
شردت لمار قليلًا قبل أن تحثهم:
- حاولوا تخلوها تقعد معاكم يا بنات، متخلوهاش تتحبس وسط لوحاتها.
أومأت الفتيات لها في حين قالت أروى وهي تعقد ذراعيها:
- يلا كملي لنا عن جدو يوسف وفيكتور.
اتسعت ابتسامة لمار وتهلل وجهها وبدأت أن تقص لهم عن الأحبة الذين رحلوا وذكراهم لم ترحل ما زالت تسكن شغاف القلب كما يسكنوا سويداءه.
- الحبايب متجمعين في أوضتي بيعملوا إيه؟
قاطع حديثهم صوت أدهم وهو يدخل فركضت الفتيات مرحبين به وساندوه على الجلوس في ارتياحٍ بينما ذهبت إحداهن لتحضر له كوبًا من الماء وظل الباقيات يدردشون معه عن يوسف وفيكتور.
في حين ذلك كانت لمار غائبةً عنهم، تضيق عينيها في حيرةٍ شديدةٍ وهي تقرأ الرسالة التي أُرسلت لها أنفًا:
- سيدة لمار معك جومالي جيهان.. هل تتذكريني؟ أعلم إنك ما زلتِ تتذكريني جيدًا، أود مقابلتك لشيءٍ هام أريد إراحة ضميري وأخبارك بأشياء كثيرة، أتمنى أن تحددي موعدًا والمكان لنتقابل، الموضوع لا يقبل الانتظار.
تبسمت ساخرةً وهي ترسل له في تهكم:
- « أوه سيد جومالي، أراك ما زلت تتذكرني؟ ماذا هل قررت بعد بكل هذه السنوات الانتقام يا رجل أم ماذا، ما رأيك في المفاجأة التي تركتها لك قبل رحيلي؟»
قطبت جبينها زاهلةً ما أن جاءها الرد في سرعةٍ لم تتوقعها وكأنه كان في انتظار رسالتها:
- « سيدة لمار رغم سخرية حديثك والتي سأتجنبها تمامًا فالأمر هام وبالأخير أنتِ الخاسرة، أردت فقط أن أخبرك بما أعلمه بأشياء ربما تغير حياتك.. بخصوص مفاجأتك ليّ فهي راقت ليّ صدقيني سيدتي كنت في حاجة لهذا السجن وأنتِ لم تفعلي إلا واجبك، أنا لم آتِ لشن حرب بيننا ولا إراقة دماء ولا إثارة كره وانتقام، أريد فقط إخبارك بعدت أسرار مخبأة منذُ سنين.»
أعادت قراءة الرسالة عدة مراتٍ، وتقلب كلماته في ذهنها، ماذا يريد أن يخبرها؟ وما هي الأسرار التي يقصدها؟ انتبهت من شرودها على أصوات البنات لتندمج معهم متناسيةً أمره تمامًا.....
في صباح يومٍ جديدٍ قضته لمار في التفكير بأمر جومالي وطلبه بالمقابلة انتهى بها الحال إلى الموافقة وأرسلت له رسالةً بأنها ستقابله في إحدى المطاعم في نهار اليوم التالي.
ما أن جال في ذهنها خاطرٌ إنه ربما يود إخبارها شيئًا بخصوص ماهر!؟
بينما استيقظ جومالي على أراس فوق رأسه هائجًا ثائرًا يصرخ فيه بإنفعال:
- ماذا تريد من لمار يا أبي؟
اعتدل جومالي جالسًا ومسح بكفه وجهه وهو يكظم غيظه وقال:
- ما هذه الحالة يا بني هل يوجد ابن يحادث أباه هكذا؟
صرخ فيه أراس في غضبٍ يتفاقم:
- يوجد يا أبي يوجد، ماذا تريد بالتحديد من لمار لن أسمح لك أن تؤذيها أو تؤذى خ........
أزاح جومالي الغطاء ونهض وهو يقاطعه في برود:
- خديجة حبيبتك لا تقلق لن أؤذيها ولن أسمح لأحد أن يؤذيها ما دمت حيًا، لا تنسى يا هذا أني أنا الذي كان يحميها من كل شخص أراد أذية لمار فيها ولم أنسى أنك تحبها.
كانت نظرته الثاقبة ونبرته الحادة قادرةً على لجم أراس الذي ارتبك لدقائق وهو يطرق برأسه، يسمع والده كـ المخطئ، في حين تابع جومالي وهو يلكزه:
- لم آتِ إلى هنا للانتقام وإن أردت كنت فعلتها منذُ سنوات فور أن أدخلتني السجن وأنت اعلم بهذا، ما بيننا شيءٌ آخر ذنبٌ يقبع في صدري أود أن أتوب عنه.
نظر أراس في عينيه وهو يسأل في بهت:
- ذنب؟ ما هو هذا الذنب الذي سيكون بينك وبين لمار؟
ولى جومالي ظهره ينهي النقاش في إيجاز:
- هذا أمرٌ بيننا يا بني لا أستطيع إخبارك به حتى أبوحه لها وهي تقرر ما تفعله... وتستفعل بيّ حتى إن أردت قتلي فسأرحب أستحق ذلك.
خرج أراس من عند والده مفكرًا بذهنٍ شاردٍ وهو يتجه إلى الشرفة يتطلع لمنزل خديجة ويراقبه بشوقٍ كان يعلم أنها بهذا الوقت تكون بالمشفى لكنه لم يفقد الأمل بأن يراها، ربما تقر عيناه المشتاقة، ويرتوي فؤاده الذي فاض حنينًا.
علا رنين هاتفه بغتةً، ابتسم وهو يرى اسم آجار يضيء الشاشة وأسرع بالرد عليه، لكنه سرعان ما ابتلع حروفه حين وصله صراخ آجار الذي كاد أن يصم أذنيه:
- كيـــــــــــــــف تفعل هذا يا أراس، تنزل مصر دون إخباري، ليس هذا فقط ومعك عمي جومالي يا بني فيما تخططون لماذا لم تخبروني، سأجهز وأكون عندك في أقرب وقت، ما زلت لا أصدق أنك بالفعل سافرت.....
كان أراس قد أبعد الهاتف عن أذنه قليلًا قبل أن يصرخ بدوره ليسكته وغمغم:
- ما هذا يا معتوه متى أصبحت ثرثارًا يا بني؟ أعطني فرصة الرد يا هذا.
سكت له هنيهةً وأسترسل وهو ينقر بسبابته على سياج الشرفة بينما عيناه معلقة على منزل آل الشرقاوي:
- نحن كلها يومين وسنكون لديك فلا داعي أن تأتي، فليكن أحد منا موجود بالوسط وحتى من أجل هنا لا تبقى بمفردها.
في برودٍ رد آجار قبل أن يغلق الهاتف في عناد:
- ساعات وستجدني عندك يا أراس، هذا آخر ما لدي.
بعد ساعاتٍ كان آجار يترجل من سيارة أجرةٍ أمام بوابة المطار على موعد الحجز الذي حجزه أنفًا، سار في تمهلٍ للداخل ولكن قبل أن يجتاز البوابة كانَ هتاف (منة) بأسمه يوقفه فـ استدار وهو يخفض يده الممسكة بالحقيبة لترتخي تمامًا كانت قد وقفت أمامه تثرثر دون انقطاعٍ رغم لهاثها:
- يا سيد آجار ما هذه السرعة يا رجل؟ هذه ثاني مرة ألحق بك من المنزل! أين تذهب قبل المقابلة، لن أتركك قبل أن أجريها معك لا يمكنك الهرب مني.......
صاح فيها بلهجةٍ أجفلتها:
- كفي عن الثرثرة يا فتاة.
تقهقرت للخلف ما أن علا صوته غاضبًا:
- لماذا تلحقين بيّ؟ ماذا تريدين مني؟ اغربي عن وجهي وألا لا أدري ما قد أفعله بكِ إن خرجتِ أمامي مجددًا! لذلك لا تريني وجهك مجددًا مهما كلفك الأمر.
كانت عيناه متسعةً على آخرهما يشعُ الغضب منهما، عروقه نافرة وملامحه بدت مخيفةً جعلتها ترتعش، ودب الخوف منه في أوصالها، تجمعت الدموع في مقلتيها اللاتين انخفضتا وقالت بتوجسٍ متلعثمة:
- أنا.. أنا آسفة لن أخرج أمامك مرة أخرى اعتذر.
همت أن تبتعد فرق قلبه ما أن ألتمس رنة البكاء في نبرتها وغمغم بصوتٍ أرفق:
- إنتظري.
توقفت دون أن تلتفت كـ إشارةٍ ليتابع ما يريد فدار حتى وقف أمامها وهمس:
- اعتذر لكِ عن فظاظتي معك يا منة.
رفعت إليه حدقتين مندهشتين فقال في مرح:
- أنا رجل لا أجيد التعامل مع الجنس اللطيف الرقيق مثلك.
ضحكت في خفوتٍ فـ ابتسم وقال في جدية:
- كيف حالك بعد ما حدث؟
ردت وهي تتحاشى النظر إليه:
- بأفضل حال الحمد لله.
فهز رأسه قائلًا في عجل:
- حمدًا لله لقد قلقت عليكِ، ما أن أعود من السفر إن شاء الله سأجري معك المقابلة.
قالت في لهفةٍ لم تستطع مداراتها:
- ستسافر؟! هل ستغيب!
ابتسم في هدوءٍ وهو يرد:
- لن أغيبُ يا منة، كما أننا سنتقابل كثيرًا.
فركت كفيها في ارتباكٍ وهمست وهي مطرقة الرأس:
- تعود سالمًا يا سيد آجار إن شاء الله.. إلى اللقاء.
غمز لها بعينه مغمغمًا قبل أن يُلقي بحقيبته على كتفه ليبتعد:
- إلى اللقاء يا منة.
توقف بعد خطوتين ساكنًا للحظةٍ فرفعت نظرها إليه في ترقبٍ فـ استدار وخطاها مجددًا وقال في اهتمام:
- منة كفاكِ ما تفعلينه، تصرفاتك ستلقيكِ في مأزقك يا بنت انتبهي، بعض البشر لا يعرفون الرحمة فلا تلقي بنفسك في جحورهم.
هزت كتفيها وهي تجيبه بنبرةٍ تنبضُ بالحماس:
- لم أستطع فعل هذا، أبي أيضًا يحذرني دائمًا لكني لا أستطيع، هذا عملي وأنا أحبه وأحب المخاطرة وخاصةً مساعدة الشرطة في الإمساك بالذين يستترون خلف قناع الشرف والخلق وهم يرتكبون أبشع مما نتخيل.
أزد ر د لعابه وهو يسعل باختناقٍ وأمتقع وجهه وأغتصب بسمةً وأردف:
- الله يوفقك فيما تفعلين ولكن خذي حذرك فـ في بعض الحماس والمخاطر قد نفقد أرواحنا.
ابتسمت مبتهجةً وودعها بتلويحه وهو يسير بظهره قبل أن يستدير ليتخفى من أمامها، فمالت بوجهها قليلًا وازدادت ابتسامتها وهي تراقبه قائلةً:
- يبدو إنك أسرت قلبي يا سيد آجار، حفظك الله.
ابتعد عنها ناقصًا شيئًا.. شيئًا قد علق معها هنالك حيثُ تقف، شيئًا لا يدرك كنهه بعد، لكن كلماتها الأخيرة كانت كالمطرقة تضرب أذنه بلا هوادةٍ فتشتت تفكيره وتبدد أفكاره فيها، ضُرب في جسدٍ ما أثناء شرودٍ فتنبه سريعًا وتلقائيًا كانَ يمسك بخصر الفتاة التي كادت أن تقع، هم أن يعتذر لها، لكنها فاجأته حين صرخت فيه:
- يا أعمى أين تظن نفسك تسير يا هذا، لا أدري كيف يتركون المعتوهين يسيرون هكذا بيننا.
صرخ آجار على أسنانه وأمسك ذراعها في قسوةٍ وغمغم:
- هل تسمع أذنيكِ ما تتفوه به شفتاكِ.
جذبت الفتاة ذراعها في حدةٍ وصرخت فيه:
- أجل تسمع يا هذا، لم يبقَ إلا أنت.
رمقته بنظرةٍ ساخرةٍ قبل أن تنصرف مبتعدةً في غمضة عينٍ فوقف آجار مكانه مصدومًا وما استوعب إهانتها له وألتفت حوله كانت قد اختفت.. فكور قبضة يده وذهب جالسًا على مقاعد الانتظار وهو يغلي.
على الطرف الآخر كانت الفتاة ترغي وتزبد، قبل أن يسألها ضياء:
- دارين ما بكِ لماذا تحدثين نفسك بهذه الطريقة، هل أحدٌ أضاقك؟
نفت دارين وهي تحرك كفيها في سخط:
- وهل يوجد أحدٌ يستطيع أن يضايقني؟ أنا آكله بأسناني.
قالتها وهي تعصر كفها وتكشف عن أسنانها وهي تصر في سخطٍ، أغمضت عينيها وراحت تهدأ نفسها قبل أن ترسم بسمتها ببراعةٍ لتزين ثغرها وتقول في هدوء:
- أوه لا أصدق أني أخيرًا سأنزل مصر سأرى الفتيات يا الله كم اشتقت لهم، ستكون زيارتي هذه المرة جد مفاجأة.
- لا شك في هذا جميعهم يحبونكِ وسيفرحون.
ثم تابع وهو يهم بالمغادرة:
- سأجري اتصالًا على عمتك وأأتي حالًا حسنًا؟ إن أعلنت المضيفة عن الصعود إلى الطائرة فأفعلي وسألحق بكِ.
أومأت دارين دون اكتراثٍ وهي تجلس تهز في قدميها، بينما ابتعد ضياء تمامًا عنها، لم يمضِ طويلًا وانساب صوت المضيفة تطلب من المسافرين إلى مصر بالتوجه للطائرة.
فوثبت واقفةً والتقطت حقيبتها في عجلٍ وتسير شبه راكضةٍ إلى الطائرة وأتخذت مقعدها وهي تتنهد في ارتياحٍ فما هي إلا ساعاتٍ وستلتقي بهم كان الفؤاد مترقبًا في لهفةٍ إلى الأحبة وخاصةً والدتها الأخرى سجى.
ارتفع صوت المضيفة مرةً أخرى تطلب من الجميع ربط حزام الأمان لأن الطائرة ستقلع، ففتحت عينيها وربطته وما كادت أن تريح رأسها لظهر المقعد حتى فُغرت فاها من شدة الدهشة وهي تصيح في غضب:
- هذا أنت يا أبله؟
لم يعرها آجار أي اهتمامٍ لدقيقةٍ قبل أن يتمتم في تهكم:
- يظن المعتوهين أن الجميع معتوهين مثله.
اتسعت حدقتاها وهي تهمس في عدم تصديق:
- معتوهين، أنتِ تقصدني أليس كذلك.
هز رأسه يؤكد ظنها بينما تتابع:
- أنا معتوهة يا هذا؟ أنا؟! أنت مجنون أكيد ولن أعدي هذا الأمر على خير.
أغمض عينيه وأسند رأسه إلى الخلف دون ذرة اهتمامٍ، فظلت ترغي وتزبد قبل أن تريح رأسها هي الأخرى في غيظ.
مع استقرار الطائرة في الفضاء فك رباط الأحزمة، وراحت دارين تنظر كـ الطفلة عبر النافذة إلى السحاب تكاد تلصق وجهها بالنافذة، فكتم آجار ضحكته عليها... بعد وقتٍ طويلٍ سمع آجار صوت شابٍ يُناديه من الخلف فـ أجفل مستغربًا وإلتفت للخلف في اندهاشٍ، قبل أن يقف متسمرًا من الصدمة ما أن رأى الشاب مُبعدًا عن طرفا معطفه ليسفر عن قنبلةٍ يرتديها، ضحك الشاب وهو ينظر إليه يه في شماتةٍ متمتمًا في زهو:
- السفاح يُرسل لك سلامه و وداعه يا آجار.
انتفض آجار مذعورًا يهز رأسه في صدمةٍ بينما هاج الركاب وعلت الهمهمات ممزوجةً ببكاء الصغار، دارت مقلتا آجار في الأطفال حتى استقرتا على دارين التي نهضت واقفةً بجواره تكتم فمها بأناملها في خوفٍ جليٍ، ردد آجار بنبرةٍ يهددها القلق والخوف:
- ثمة أطفال على متن الطائرة يا هذا.. لا تفعلها أعدك ما أن تستقر الطائرة سأسلم لك نفسي أفعل بها ما تشاء لكن لا تؤذي أحد.
بسمة الشاب المتهمة أكدت له أنه لم يتأثر فتابع وعيناه تجري في خوفٍ على الصغار:
- ثمة أرواحٌ كثيرةٌ هنا يا هذا.
ارتجت الطائرة فجأةً فأرتج الجميع وسقطوا أرضًا، يعلو الصراخ في ذعرٍ، بكت دارين وهي ترتعش لم تتخيل أن الموت قريب للغاية بل وياتي قبل أن ترى أحبتها، ذاد نحيبها وهي تتذكر الجميع وطفولتها معهم، وسرعان ما راحت تذكر كلمات خديجة عن الحوقلة فحوقلت وذكرت الله تدريجيًا كان صوتها يعلو فعلاً معها صوت الركاب يقولون كما تقول.
في تلك اللحظة كان جسد آجار يتهاوى على إحدى الركاب سرعان ما استجمع ثباته وانقض على الشاب ليشل حركته دارت بينهما تشابك بالأيدي كان خلالها آجار يتعامل معه بحذرٍ قبل أن يقفز خلفه ويباغته بحافة كفه على عنقه في وريدٍ محددٍ فسقط متهاويًا فاقدًا الوعي وذاد ارتجاج الطائرة بصورةٍ غير طبيعيةٍ جعلت ق عرض أقل.
رواية جحر الشيطان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندي ممدوح
ذو الهيئة السوداء»
دار رأسه مصدومًا إلى جسد والده وهو يذدرد لعابه في مرار كـ الحنظل. استمع لصوت فتاة في الأسفل تُسئل عنه، يليها وقع أقدامها على الدرج. كانت أروى التي وقفت مكانها تتطلع له في دهشة، إلى وقوفه الغريب ووجهه الشاحب وعيناه الغائرتين.
تساءلت في ارتباك وهي تنظر له في اهتمام:
«أراس، أأنت بخير؟ هل حصل شيء؟»
لم تتلق ردًا، فتابعت في ارتباك أشد وحرج:
«لقد أتيت لأخبرك أن... أن حمزة لا يعلم عنك شيء و... يا إلهي، ما هذا؟!»
صرخت في زعر وهي تبصر جسدًا ملقى أرضًا والدماء تسيل من جسده على إثر عدة طلقات نارية. ارتقَت باقي الدرجات متجاوزة أراس دون أن تعيره أي اهتمام، ومالت على جسد السيد جومالي تتحسس نبضه قبل أن تصرخ في أراس الذي تطلع لها ممتقع الوجه. لم يتحرك قيد أنملة، ينظر لها في ترجٍّ لإخباره أن والده بخير. فصرخت فيه عن ضرورة نقله للمشفى حالًا.
كان نجيب قد وصل إليها وحمل جومالي، تتبعه أروى التي صرخت في وجه أراس قبل أن تهزه صائحة:
«والدك سيكون بخير يا أراس، فوق يا هذا.»
تنبه أخيرًا لها وهبط الدرج مهرولًا وهي خلفه. كانت لمار في طريقها إليهم حين أبصرت ما يجري، فأسْرعت معهم إلى السيارة. توجه نجيب للطريق إلى المشفى.
أسرعن الممرضات بنقل جومالي وتم فحصه سريعًا من قِبل الطبيب قبل أن يؤمر بنقله إلى غرفة العمليات حالًا.
جلس أراس والقلق والخوف من فقدان والده يأكل شغاف قلبه. خفق قلبه خفقانًا عظيمًا وجِلًا، ووابل من الأفكار عصفت به. فتلقائيًا حدَّ ببصره نحو لمار الواقفة بجانب حفيدتها في صمت.
هل لمار هي من قتلت والده؟
حين خرج من المنزل لم يكن أبيه موجودًا، فما الذي جعله يعود؟ هل لحق مقابلة لمار بهذه الدقائق المعدودة؟ وما الذي حدث دفع لمار لقتل أبيه؟
شعر باحتياجه الشديد لصب جام غضبه في شيء، فقفز واقفًا وراح يلكم الحائط هائجًا مزمجرًا. لولا نجيب الذي أحاط بجدعه ليبعده، لكان حطم أنامله في الحال.
في خلال ثوانٍ كان يدفع نجيب بقسوة من خلفه، وينطلق إلى لمار مشيرًا بسبابته في وجهها، ويصيح بوجهها مسودًا:
«لمـــــــــــاذا؟ لماذا قتلتيه؟ ما الذي فعله لكِ؟ ما الذي أخبرك به دفعك لقتله؟ لماذا يا لمــــــــــار...؟»
بُترت كلماته ما أن ظهرت خديجة حائلًا بينه وبين لمار، هادرة في وجهه:
«لماذا تصرخ يا هذا؟ ومن قتل من؟ هل تدرك ما تتفوه به؟ إن كانت قتلته، فلماذا ستنقذه؟»
كان ينظر إليها في تشتت وأنْفاسه متلاحقة. أنزل كفه ما أن تنبه أنه يرفع سبابته بوجه خديجة، وبدا عليه الاقتناع.
استدار دون أن ينبس، وذرع الرواق جيئة وذهابًا بذهن يكاد ينفجر. وقف ساكنًا حين قالت لمار وهي ساهمة:
«ذهبت للمطعم المتفق أن نلتقي فيه ولم أجده، فقررت أن أنتظره على مضض. لكن وصلت ليّ رسالة أن تم هجوم على المنزل وتذكرت أن الرجال جميعهم بالخارج وهم فقط في البيت، فخرجتُ في هلع حتى وصلت، والباقي أنت تعلمه.»
حدجها بنظرة حادة قبل أن يُصرح قائلًا في حيرة:
«قبل الهجوم بدقائق خرج أبي بالتحديد قبل خروجك بثوانٍ بسيطة، أي أنه من المفترض أن يصل قبلك، فما الذي حصل؟»
لم يتلق إجابة مباشرة لدقائق، قبل أن تقول لمار بعد ما تجلى على ملامحها التفكير العميق:
«ثمة تحليل واحد لِمَ جرى. هناك شخص لم يرد أن نتقابل، فخطط للهجوم على المنزل وإرسال رسالة ليّ لأتوجه مباشرةً عائدة. وقتل والدك ليظهر أني السبب.»
أمعنت النظر في وجهه قبل أن تقول:
«ثمة شخص يعلم ماهية الأسرار التي أراد والدك البوح ليّ بها ولم يردني أن أعلمها!»
نهضت وأقبلت نحوه، وقالت:
«ما الذي أراد والدك أن يخبرني به؟»
إزدادت دقات قلب أراس وهو يهمس في ضياع:
«لم يخبرني بأي شيء، متعللًا أنكِ أول من يعرف وأنه ذنب أراد أن يتوب عنه.»
سألته لمار تلقائيًا وقد لمعت عيناها بغتة:
«بخصوص زين؟»
«من زين؟»
«يبدو أنك لا تدري شيئًا.»
عقد أراس ذراعيه وهو يقول ساخرًا:
«بالطبع لا أدري، من أنا لأعلم... من زين هذا؟»
علا رنين هاتفه مقاطعًا حديثهم، فرد وهو يبتعد. ولم يلبث أن عاد بوجه لا يفسر، كأنه فقد روحه. وتخطاهم نحو نجيب الذي رنا إليه يسأله في قلق:
«هل حدث شيء آخر؟»
لم يجب أراس، ولم تتلاش نظرة الصدمة من مقلتيه. فسأل نجيب مترقبًا:
«هل حدث شيء لـ هنا؟»
صمت هنيهة وسأل مجددًا:
«آجار؟»
تجمعت الدموع بحدقتي أراس، فصاح نجيب فزعًا:
«ما الذي حصل له؟ هل هو بخير؟ ماذا حدث؟ تحدث! قل شيئًا!»
انهار أراس على أقرب مقعد وراح يقص له ما عرفه توًا، بينما نظرات الثلاثي تتابعهم في فضول. قبل أن تتلقى لمار اتصالًا قلب ملامحها وهي تصيح:
«بتقولي إيه؟ دارين مالها... طيب طيب تعالي... أهدي يا حبيبتي، خير، أنا هروح أتابع بنفسي.»
ما همت بإغلاق الرد حتى انهالت عليها أسئلة البنتين في قلق. قبل أن يسأل أراس وهو يقف:
«هل أحد يقرب لكم كان في الطائرة التي لا أثر لها؟»
أومأت لمار في تيهة قبل أن تهمس بقلب متهاوي:
«دارين... حفيدتي.»
شهقت الفتاتين في صدمة وهما يكمما شفتاهما بعدم تصديق.
***
دارين»
كان الأمر كـ انسحاب الروح من الجسد حين تهاوت الطائرة للأسفل، كأن ثمة مغناطيس يسحبها لعمق المحيط. لم أشعر بأي شيء بعد ما دوى الصراخ حولي يكاد يصم أذني، قبل أن أفتح عيناي في ثقل وأنا أسعل لأتذوق طعمًا لاذعًا في فمي. فانتفضت لأرفع رأسي لأجد نفسي على الشاطئ ساقطة على بطني ووجهي وملابسي مدرجين تمامًا بالرمال. وبدا لي إن أمواج البحر العاتية هي من قذفت بي لشاطئها. وثبت واقفة أنظر حولي لأجد المكان خاليًا تمامًا من الحياة، إلا من الأشجار التي بدت أوراقها مخيفة، وأغصانها كـ أشباح ليل مستتر. أنساب الخوف في عروقي، وخفق قلبي. الآن فقط أحسست بالجائحة التي أصابتني، وكيف السبيل للعودة الآن؟ لقد ضاقت بي السبل في هذا المكان الساكن، الهادئ هدوء القبور.
داهمني البرد بغتة، فضممت جسدي بذراعي وقررت أن أسير ربما أجد ذورقًا للنجاة. لا بد أن أجد أحدًا يرشدني للخروج.
تقدمت كمن أصيب بالشلل، أقدم قدمًا وأؤخر أخرى. وسرت متوغلة بين الأشجار وأنا أتلفّت حولي ودموعي تسيل على وجنتاي في خوف جم. هبت رياحٌ عاتية فجأة هزت غصون الأشجار لأجفل صارخة في ارتعاب، قبل أن يعلو صوت نحيبي وأنا أتابع السير منتفضة، تارة أنظر للشمس الموشكة على المغيب، وتارة أنظر أمامي خشية أن يظهر لي أي حيوان ويلتهمني.
ورن في خلدي خاطر مخيف: ماذا سأفعل إن حل الليل؟ كيف أسير في الظلام بمفردي وأنا في هذا المكان؟ أقسم إني سأموت رعبًا، لن أتحمل.
بدأت قدماي في الركض، لكن الطريق لا ينتهي وأنا لا أدري إلى أين سيأخذني المطاف، وهل هو الدرب الصحيح أم لا. وماذا سأواجه.
رويدًا رويدًا بدأ الليل يسدل رداءه الحالك، وألقاه على قلبي تمامًا الذي أحسست أنه توقف عن النبض لوهلة. ووقفت ساكنة قبل أن أبكي مجددًا بنحيب ونشيج يمزق فؤادي، والرعب يسري في أوصالي. كان الظلام قد خيم على المكان، أكاد لا أبصر يداي ولا قدماي، وكأن أحدًا ألقى بي في مقبرة توًا، فجثوت على الأرض وأخذت أتلمس أي جزع نخلة أحتمي به. أسندت ظهري إليه وتكورت على ذاتي في هيئة تصيب الناظر بالشفقة. كان جسدي ينتفض ويرتجف مع كل نسمة هواء تحرك أوراق الشجر الذي بدا كالأشباح.
فدفنت رأسي في قدماي أبكي كمن استسلم لمصيره. أنا هالكة لا محالة...
لا أعرف كم مضى وأنا بتلك الحالة، حتى أحسست بحركة مفاجأة تحوم حولي. وما أن رفعت رأسي في حدة ممسكة عن بكائي، مر طيف سريع أمام نظري، فاجفلْت واقفة أكفف دمعي وأنا أذرد ريقي في رهبة. اضطرب قلبي مع صوت غريب مخيف صدح فجأة قرب أذني، فبتُ أتلفّت حولي قبل أن أركض بكل ما أوتيت من قوة صارخة أستغيث بأي أحد، لكن صدى صوتي كان يتردد فما يصيبني إلا خوفًا.
بدأ ركضي يضعف... ويضعف، وصرت منهكة للغاية أكاد لا أتنفس من الوهن الذي استعر بيّ. لكني كنت أواصل الركض، أحس بـ أحد يتبعني. وبينما ألتفت ورائي، صدمت بجسد ما طرحني أرضًا، فأغلقت عيناي في عنف خشية أن أرى موتي أمامي. ولا أكاد أتخيل ما الذي ينتظرني، وددت الموت فقط دون أن أنظر لشبح الموت المتمثل أمامي. كان قلبي يخفق في عنف وأزحف للخلف وفمي يبسمل.
وصوت آخر تناهى لي يستعوذ... مهلًا، هذا الصوت سمعته قبلًا، أيقن من هذا. فتحت إحدى عيناي ببطء فرأيته الشاب الذي صدمت به في هذا الصباح في المطار، كان يستعوذ وهو مطبق الأجفان. انتظمت أنفاسي، وهدأ روعي قليلًا ما أن أبصرته. ففتح عيناه وصرنا ننظر لبعضنا البعض ذاهلين.
صرخ مستهجنًا ما أن استوعب إني أمامه:
«إنتِ؟!»
لم أستطع أن أرد عليه. فنهضت مقتربة منه، وما أن رأى دموعي العالقة في أهدابي حتى لاذ بالصمت وإطراق. فقلت والدموع تنساب من عيناي بينما أشير إلى المكان الذي جئت منه:
«يوجد... يوجد أحد كان يتبعني.»
أذرد ريقه وهو ينظر لي في قلق، وقال كأنه يحاول طمئنة نفسه المضطربة:
«احتمال أنه أحد الراكبين الذين كانوا في الطائرة.»
نفيت برأسي سريعًا قائلًا:
«لا، هذا ليس بشر.»
اتسعت حدقتاه وغمغم في خوف حذر:
«لا بد أنكِ تتوهمين من شدة خوفك.»
كدت أن أجيبه حين دوى صوت غريب مخيف كزمجرة أو صرخة لم ندرك كنهه، فتيبست أقدامنا ونحن نلتصق في بعضنا.
وفجأة شهقنا متراجعين ما أن ظهر أمامنا جسد ضخم مفرط الطول يرتدي عباءة سوداء كاحلة كـ وجهه المظلم تمامًا، كأنه مسحة ظلام. لولا بياض عيناه الأحمر وبؤبؤهما الأبيض، لما كنا نعرف أين وجهه من جسده أو الظلام بمعنى أصح.
تراجعنا بخطوات وائيدة وهو يمسك في كفي، قبل أن يصيح الشاب فزعًا:
«أركـــــضـــــــــــــــي! يا الله ما هذا؟ بسم الله الرحمن الرحيم.»
ركضنا بكل ما أوتينا من قوة ونحن نمسك بأكف بعضنا، نعبر بين الأشجار كريشتين تتقاذفهما الرياح. صرنا نبسمل بصوت عالٍ نحن الاثنان، قبل أن يهجم كف ذو الهيئة السوداء ممسكًا بي يرفعني من ملابسي للأعلى وهو يخنق على عنقي، بينما دموعي تسيل وأنا أنظر إلى عيناه المخيفة وقد عقد لساني.
تلفت الشاب حوله قبل أن يقفز نازعًا غصن نخلة، وفي لمحة خاطفة كان يقفز قفزة عالية أدهشتني، غارسًا الغصن في عيني ذي الهيئة السوداء، قبل أن يصرخ صرخة مجلجلة تصم الآذان وهو يتقهقر للخلف، قبل أن أنزلق من قبضته ساقطة أرضًا زاحفة للخلف. فهرع الشاب إليّ وساندني على الوقوف وأمسك بقفي وهَرَعنا هاربين.
وأثناء ركضنا بعد فترة وجيزة، مر طيف غير مرئي أوقعنا أرضًا مندفعين للخلف على وجوهنا. وإذ فجأة كان الشاب يطير بقوة خفية في الهواء رافعًا رأسه ممسكًا بعنقه كأنه يختنق، وأخرج لسانه وراحت قدماه تتحركان في عشوائية وأزرق لونه. فوثبت واقفة وأحسست بكفين ترفعانني للأعلى فصرختُ وسبحان من ألهمني ذكره في تلك اللحظة. أسرعت بقراءة القرآن قبل أن ترج المكان صرخة مخيفة رجت لها قلبي رعبًا. وفجأة سقط الشاب على وجهه. في أوان ذلك، أحسست إن جسدي يرتفع ثم طار في الهواء قبل أن يهوي أرضًا.
طرفَت بعيناي قليلًا وأنا أعلق بصري بالشاب الفاقد الوعي تمامًا، قبل أن يثقل جفناي ولا أشعر بشيء آخر.
***
لم يدركا كم مر عليهما وهما غائبي الوعي. تململ آجار وهو يئن في ألم وكل عضلة في جسده تصرخ من شدة التعب. أطلق آهة وجع وهو يعتدل جالسًا ينظر حوله في تشتت وقد غمر ضوء الشمس المكان حوله. تنهد حامدًا الله وتعجب من ضياء الشمس كيف تبث الأطمئنان للقلوب وتدفئها. جال في ذهنه دارين وقد نساها في لحظة استيقاظه. هب واقفًا باحثًا بعينيه وهو يسير حتى وجدها راقدة على وجهها. اندفع إليها بقوة ودار جسدها، فهاله وجهها الملطخ بالدماء إثر السقطة الساحقة. فمسح وجهها بكفه ليزيل عنه الأتربة وانتصب واقفًا. خلع قميصه ولفه حول جذعه قبل أن يميل واضعًا ذراعًا أسفل رأسها وآخر أسفل ركبتيها ورفعها بين ذراعيه. دار حول نفسه في تيهة خائفًا من أن يقطع الطريق الخاطئ. أطبق جفنيه مفكرًا للحظات، وفتحهما وقد استقر على أن يتجه إلى البحر مجددًا. وخطى متوكلًا على الله. ظل يسير لوقت لا بأس به، حتى لاح له زرقة البحر من بعيد وصدى أمواجه المتلاطمة، فحث الخطى نحوه. تركها جانبًا وأسرع يملأ كفيه بالماء ليمسح وجهها يزيل الدماء العالقة فيه. وأخذ يلطم على وجنتها حتى تململت وهي تفتح جفنيها قبل أن تنشقع الغشاوة عنهما لتبصره، فانتفضت جالسة تتلفت حولها في رعب. فهدأها قائلًا:
«لا تخافي، نحن على الشاطئ.»
تطلعت فيه للحظات تستشف صدق عبارته كأنها لا تصدق عينيها الناظرة للبحر أمامها، وقالت متلعثمة:
«ما الذي حصل؟ هل ما حدث حقيقي أم كابوس؟ هل ما زلنا على قيد الحياة؟»
أشفق عليها فابتسم ماسحًا على خصلاتها بحنو قائلًا:
«مجرد كابوس وانتهى يا صغيرة.»
ثم أردف في تهكم:
«أظن أننا موتى!؟ هل عقلك ما زال موجود أم فقدتيه؟ أننا بخير، لم يحصل لنا شيء.»
نظرت له شزرًا قبل أن تدفع كفه صائحة بانفعال:
«من الصغيرة يا هذا؟ أنت تقصدني؟ أنا صغيرة! أأنت أعمى أم ماذا! يقول صغيرة سيصيبني بالجنون.»
قالت آخر جملتها محدثة نفسها بصورة مضحكة. استفزته كلماتها فلوى جانب فمه مغمغمًا بسخط:
«فيمَ تفكرين يا بنت، أنظري أين نحن وفكري فيمَ قد يحصل لنا، وانظري إلى نفسك على ما تعترضين. بالفعل أنتِ معتوهة. أنا مخطئ إن كنت حملتك حتى جئت بكِ إلى هُنا.»
قالها وقد نهض مهتاجًا يضع كلا كفيه في جذعه يتنفس في سرعة. فرمقها برفع حاجب حين ترقرقت الدموع في مقلتيها، وقالت بنبرة متهدجة مختنقة بالبكاء:
«هل سأعود لأهلي مجددًا؟ أيمكنني رؤيتهم مرة أخرى؟ يا ترى كيف حال والدتي الآن؟»
رفعت بصرها إليه، وقالت والدموع تنساب على وجنتيها:
«أقسم بأن أمي قد جُنت أو قد غادرتها روحها مع خبر فقدي. أظنها تظن أني ميتة الآن.»
غطت وجهها بكفيها وعلا نحيبها وشهقاتها وهي تتابع:
«أخشى أن نموت هنا ولا نعود، نحن لن ننجو.»
رق قلبه لها. كلماتها ضربت في أذنه كالسوط. تنهد في عمق، وقال:
«سنجو وسنخرج من هنا، أنا على يقين من ذلك، لن يخيب من قال يا رب.»
«يا رررب، الآن ما خطوتنا التالية؟ إذ لم ننج من هذا المكان وتقتلنا أشباحه، سنموت جوعًا لا محال.»
نظر لها في تهجم. معها حق فيما قالت، لكن لا ضرر من المحاولة إذ كان الموت يحوطهم هكذا عاجلًا أم آجلًا.
قفز فجأة متسلقًا الأشجار يخلع أغصانها قبل أن يقفز مجددًا ويسنّن مقدمتها، فساءلته مندهشة:
«ماذا تفعل؟»
«أصنع ما يمكن أن يحمينا في سيرنا يا فتاة.»
ابتسمت في تهكم وقالت مستنكرة:
«أنت أبله، وهل هذه ستحمينا؟»
لم يعرها اهتمامه وصب كل تركيزه على ما يفعل، حتى انتهى. فتقدم منها وناولها واحدة وهو يقول في جدية:
«إن حدث شيء وتفارقنا، وظهر أمامك أي وحش، فقط اغرزي هذه في عينيه ليفقد البصر واهربي.»
تساءلت في جزع:
«وهل سنفترق؟»
هز كتفيه وقال:
«لا ندري ما الذي يخبئه لنا هذا المكان، كل شيء وارد.»
أشار لها لتسير خلفه، وفي هذه المرة اختاروا طريقًا آخر، طال بهم المسير. في تلك الأثناء استراحا قليلًا منهكي القوة، يكادان يموتان جوعًا. كانا يسترحا ليستردّا أنفاسهما ويتابعا السير. وما زال على حالهما حتى لاح من بعيد صحراء جافة ذات أرض صلدة. فتلفت آجار حوله مذهولًا وقد تنبه غياب الأشجار. لاحظ تشبث دارين به فسأل تلقائيًا وهو يشد على يدها يطمئنها:
«ما اسمك؟»
«دارين.»
وقفا ساكنين يتأملا الصحراء في دهشة، فقالت دارين في إحباط:
«ماذا سنفعل؟ هل سنعود؟»
هز آجار رأسه قائلًا:
«العودة ليست آمنة، واعتقد أننا قد نجد إحدى الجزر التي قد يساعدنا أهلها لطريق العودة.»
أومأت موافقة على كلامه، وخطيا معًا. لفح دارين القلق أكثر، فضغطت على كف آجار الذي شدد من ضم كفها في راحته. وفجأة وبينما يسيرا، انزلقت قدم آجار مصحوبًا بصرخة دارين، قبل أن تتسع حفرة وانزلق جسده بداخلها خلفه دارين التي لم تكف عن الصراخ وهما ينزلقا على منزلق رملي في سرعة فائقة.
كانا ينزلقان بسرعة شديدة في هوة عميقة. سقط آجار فوق رأسه منقلبًا وخلفه دارين مباشرةً. اصطدم جسداهما سرعان ما تماسكا. ونظر ذاهلين للفجوة والمنزلق اللذان تلاشى ولا أثر لهم. رمشا بأجفانهما في حيرة وقلق. ونهضا فورًا ينفضَا الغبار عن ملابسهما، ودار بصرهما في الصحراء الذهبية المفترشة أمامهما. تبادلا النظر في قلة حيلة وعجز، قبل أن يكررا السير. اقشعر جسدها فبادرت بوضع كفها في راحت كفه، فأبتسم يطمئنها.
***
طال بهما المسير، قلبهما امتلأ بالرجفة والأضطراب، وأرواحهما استسلمت تسليمًا عظيمًا للموت في أية لحظة، وتسرب الرعب في أوردتهما. وفجأة تراقص قلبيهما فرحًا، وتهلل وجهيهما سرورًا، والأمل بدد الخوف في أفئدتهما. قرب آجار ساعة معصمه دون تصديق وهو يهتف بلهفة ونظره معلق على دارين التي صاحت صيحة فرح وهي تطالعه في ترقب:
«أراس! يا هذا أنت تسمعني أم أني أهزي فقط؟»
«أيها الوغد، قلت لك ألا تسافر. لماذا تصر على موتي بسكتة قلبية؟ أقسم لك أني كدت أفقد روحي ما أن سمعت بخبر الطائرة...»
وصاح منفعلًا صيحة أرجفت دارين:
«أيـــــــــــــــــــن انت يا هذا؟ أقسم بأني سأبرحك ضربًا ما أن أراك....»
قاطعه آجار قائلًا وعيناه تجوب الصحراء الممتدة أمامه:
«أهدأء يا هذا، أظن إني سأموت حقًا. أنا لا أدري أين أنا، كم إني معي بنت.»
سأل أراس في ترقب:
«من؟ هل تعرف دارين زين القاضي؟ هل كانت معك على متن الطائرة؟»
هُنا صاحت دارين في لهفة:
«أنا... أنا هي! من أنت؟ تعرفني؟»
واستطردت في نبرة على وشك البكاء:
«لو سمحت اخبر جدتي لمار الشرقاوي أنني على قيد الحياة، أخبرها أن تنقذني في أسرع ما يمكن.»
ربت آجار على كتفها، بينما قال أراس بنبرة هادئة:
«لا تقلقي يا بنت، معك آجار أكبر زعيم مافيا لا يهاب من أي شيء. وبخصوص جدتك سأخبرها برسالتك، ولا تقلقا سأرسل من يبحث عنكم حتى تعودا.»
كان يتابع حديثه بينما ارتجفت دارين وهي متسعت العينين في آجار، وكلمة واحدة تضرب في أذنيها: زعيم مافيا! هل هكذا ستطمئن حقًا وهي مع رجل مافيا؟ يقتل، يسرق، يتلذذ بقتل ضحاياه كيفما يشاء، كيف لا بد أنه معتوه هذا الآخر.
أذرد آجار لعابه وهو يبتسم لها في بلاهة، وقال:
«أراس يا هذا، ما بك؟ تقولها بفخر يا رجل.»
رنتين حادتين أعلنتا عن إغلاق الساعة في وجه أراس بعد فقدانها الشحن، وهربت هي الأخيرة كأنها لا تريد إنصافهما... ولا نجاتهما.
فتبادلا النظرات المفعمة بالإحباط، واقترب آجار منها قائلًا:
«ماذا سنفعل؟ هل نتابع السير أم ننتظر هنا؟»
قالت دارين وهي تمعن النظر في وجهه:
«هل حقًا أنت زعيم مافيا؟»
أومأ برأسه في برود فتقهقرت للخلف محدقةً فيه. أُفتر ثغره ببسمة باردة وقال متهكمًا:
«لن آكلك يا بنت، أنا لست من آكلي لحوم البشر ولا أستغيثه.»
اشمأزت ملامحها، بينما تابع:
«لا تهابيني، لا أؤذيكِ، وخاصةً أن أراس يعرفك، فـ اطمئني. أنا لا أؤذي الجنس الرقيق.»
أشاح بوجهه وأتمتم ساخرًا:
«رغم إنك بعيدة كل البعد عن الجنس الرقيق.»
تدلى فكها من فرط الصدمة، وقالت وهي تشير لنفسها بسبابتها:
«أنا؟! أنا يقال ليّ بأني بعيدة كل البعد عن الجنس الرقيق.»
هز رأسه في برود ولاعب حاجبه في استفزاز، فاندفعت تدفعه من صدره وهي تصيح:
«إيها المجنون، لا بد إنك أعمى القلب وأعمى العين حتى لا ترى كتلة الجمال هذه أمامك.»
تراجع بخطواته مبتعدًا عن سيل ضرباتها، ورفع كفيه في استسلام مرددًا:
«حسنًا، حسنًا أيتها الفاتنة. أردت فقط استفزازك لأشعر أننا على قيد الحياة.»
تخصرت وهي تنفث غضبها في زفرة عميقة وزمت شفتيها مغمغمة:
«اعتدل يا سيد ولا تثر جنوني، فـ أنا حين أفلت أعصابي أصبح مخيفة، لا يغرك تلك الرقة.»
قالتها وهي تزجر وتكشف عن أنيابها مثل نمر يتربص الانقضاض على فريسته.
فضحك عليها وغشاهما السكون للحظات، قطعته دارين وهي تمسك بطنها مدمدمة بأسى:
«إني جائعة... يبدو إننا سنموت جوعًا هُنا؟»
نفى بثقة يحسد عليها وهو يشير لها برأسه لتتبعه، وقال:
«كفاكِ كسل وهيا نتابع السير. أما الموت أو أن نجد أي شيء يسد جوعنا. لن نستسلم وربما وجدنا بعض الركاب الذين كانوا معنا، هيا بنا.»
سارت خلفه تترنح من إثر الإنهاك بينما كان يسير هو في حماس ويحثها على الإسراع.
وقفت مجددًا واستوقفته ليستدير لها في سخط، فتجاهلت سخطه وغمغمت وهي تزم شفتيها كطفلة:
«أنا عاوزة آكل يا بغل أنت، أنا إيه ذنبي إنك ثور مبتحسش وجسمك يستحمل... في رأيك الجسم السكر العسل الرقيق ده يتحمل زيك؟ دا أنا بذوب زي السكر في الشاي والله حرام.»
بدا على ملامحه التهجم وأنه لم يفهم أي حرف مما تفوهت به، فضيق عينيه وقطب حاجباه وردد مندهشًا:
«ماذا تقولين؟ لا أفهم، أعدلي فمك وتكلمي جيدًا.»
في سورة من الغضب صاحت دارين غاضبة:
«أقــــــــــــــــــــول إني جائعة، أريد أن آكل، جسدي الرقيق هذا لا يتحمل مثلك، تصرف.»
رمقها بنظرة سريعة من رأسها لأخمص قدميها في ازدراء زائف وهمس:
«من تعنين بصاحبة الجسد الرقيق؟ أنتِ؟»
ثم صاح ليتجنب انفعالها غير المبرر بمثل هذا الوقت وتلك النكبة:
«إنك فاتنة يا بنت ولست جميلة.»
ابتسمت وهي تنكس رأسها في حياء، فـ تفل عن يمينه وهو يدمدم:
«سحقًا للفتيات، وسحقًا لوجودهم معنا، وهم في أصعب لحظاتهم ومصائبهم يهتمون بأنفسهم وبمن يلقي على مسامعهم كلمات غزل، ويصبحون وحوشًا إن قلل أحدهم بجمالهم... أوغاد.»
«ماذا تقول... هل قلت شيئًا؟»
تنبه فورًا وهز رأسه في عنف:
«لا لا لا، ماذا قد أقول أنا فقط....»
بُترت كلماته صهيل أحصنة وأزيز حوافرها يصدر صوتًا يرج الأرض رجًا من أسفلها، بينما عاصفة من الغبار والضباب كانت تعبئ المكان فجأة. فدنت منه دارين هامسة بانبهار:
«ما هذا؟»
ثم انفجرت أساريرها وقالت وهي تقفز:
«الحمد لله يا رب! في ناس، في حد هينقذنا، هييييه!»
صمتا وارتكزت أبصارهما نحو الأحصنة التي راحت تتقدم في سرعة نحوهما. مرت الثواني محملة بكل مشاعر الخوف والترقب، منتظرًا عما سيسفر هذا المشهد المهيب. وفجأة اتسعت أعينهما وفغرت أفواههما وهما يُمعنان النظر بالرجال ذوي الهيئة الغريبة وقلنسوات أغرب، واندفعت الأحصنة تدور حولهم وهم يدوروا حول نفسهم كما تدور. وبغتةً صوت مهيب يهتف:
«من أنتما؟»
لم يردا من فرط زهولهما. اصطفت الأحصنة جوار بعضها، قبل أن يتجلى أحدهم ويقترب منهما متأملًا إياهما بفترة، وقال:
«من أين أنتم؟»
هتف صوت أحد الرجال من خلفه:
«يبدو إنهما غريبان يا سيدي وخطران!»
تبادلت دارين النظر دهشة مع آجار، قبل أن يعلقا بصرهما في الواقف أمامهما يروح ويجيء عاقدًا كفاه خلف ظهره متفكرًا. وعلى غرة وقف والتفت إليهما. لتصيح دارين فجأة:
«الأميرة ميليا... مين دي؟ وإيه الاسم الغريب ده؟ ما كانوا سموها ملايين أحسن.»
صاحت صيحة دهشة حين أسرع الرجل بوضع كفه موضع قلبه والآخر ظل خلف ظهره وانحنى برأسه قائلًا بوقار:
«مولاتي، أين هي؟»
ترقّع بأنامله وفوجئ آجار بالرجال تندفع خلفه ليجبروه على الركوع أرضًا، فلكم أحدهم من فرط عصبيه. فـ إنهالوا عليه ضربًا بأقدامهم، في حين كانت دارين تتأمل الرجل في انبهار مغمغمة في ابتهاج:
«أميرة؟ من هي الأميرة أيها الوسيم؟»
صاح آجار مستغيثًا:
«أيتها الساذجة أنا سأموت! أنقذيني، افعلي شيئًا!»
شوحت بكفها دون النظر إليه، وتابعت تحديقها في القابع أمامها في إجلال:
«من هي الأميرة؟»
رد الرجل في هدوء وهيبة:
«كيف من هي؟ أين الأميرة؟ نحن لم نكف عن البحث عنها!»
انتفضت فجأة تخبره أن يأمر الرجال بترك آجار، فتركوه فورًا. وظل يسبها وهي غير مبالية به البتًا.
بينما قال الرجل الذي أمامها في نبرة حادة وقورة:
«يجب أن تري الأمير حالًا!»
«أمير!!!»
رددتها دارين مبهوتةٌ قبل أن يجروا آجار عنوة ويسحبها الشاب في رفق.
***
لم يهدأ لهم بال بالبحث عن دارين. حتى أن لمار استغلت مكانتها في إرسال طائرة للبحث عنها وعن المفقودين. ألهبت الصدمة قلوبهم، وخاصةً قلب سجى التي تعتبرها ابنتها التي لم تلدها، فهي التي اهتمت بها منذ الصغر. كان جو البيت مشحونًا بالكآبة.
طرق أراس على باب حجرة مكتب خديجة في المستشفى ووقف في انتظار أن تدعوه للدخول، الذي لم يطل وجاءه صوتها المحبب يأذن له. ففتح الباب وطل منه، لتنظر إليه في وجل وهي تترك الملفات من يدها. تنحنح من سطوة تأثيرها الطاغي عليه وتقدم تاركًا الباب خلفه مفتوحًا وجلس أمامها دون أن يأذن له بذلك.
غشاهما السكون لدقائق، كانت خلالهما تنقر بالقلم على المكتب في توتر. قال وهو ينظر لها فجأة:
«دارين قريبتك بخير!»
لم تستطع كبح لهفتها وهي تنظر له منتفضة:
«جد؟ كيف عرفت؟ من أخبرك؟»
أذرد لعابه متنهدًا من لهفة نظرتها الخاطفة إلى عيناه وغمغم:
«هي بخير، مع آجار، وقد حادثتها.»
هتفت خديجة بحنق وقد خالجها شعور أنه يكذب:
«حقًا؟ وكيف حادثتها؟ أخبرني!»
نظر لها شزرًا وقال وهو يجز على أسنانه:
«لا تلفي أعصابي يا خديجة بسخريتك.»
وهدأت نبرة صوته مستطردًا:
«أردت فقط أن أطمئنك لتطمئني أهلها أنها بخير، وطالما آجار برفقتها فهي ستعود سالمة.»
سألته خديجة وهي تصرف كل جوارحها بعيدًا عنه:
«أود أن أعرف كيف علمت بذلك، وهل يمكنك التواصل معهم؟ هل تعرف مكانهم؟»
قال أراس وهو ينظر لساعة مرفقه المستند إلى المكتب:
«لدي أنا وآجار هنا ساعة قادرة على بث أصواتنا لبعضنا في أي مكان كان.»
رفعت خديجة حاجبيها وقالت في استنكار:
«هذا عجيب؟ وهل الساعة تعمل بعد سقوطهم؟»
نهض أراس في إشارة لغلق النقاش ويقول:
«الساعة من صنع آجار، وهأنذا أخبرك دارين بخير وستعود حتمًا. أنا أعمل ما بوسعي لأصل لمكانهما.»
هم أن يغادر لكنها استوقفته منادية باسمه، وهتفت وهي تقوم:
«هل يمكنني أن أحادثها؟»
قال دون أن يلتفت:
«يؤسفني أن بطارية ساعته قد انتهت.»
قالها وتقدم حتى ما أن وصل إلى الباب قال:
«سآخذ أبي ما أن تستقر حالته وأسفره لأطمئن، وحينها سأفضي للحديث معك، فـ حان الوقت...»
انصرف فور جملته، تاركًا إياها تنظر لأثره مبهوتة تتوجس خوفًا، وقد فطنت أن كلامه الغامض مغلف بقرارات تبغضها. ماذا يريده منها؟ وما سيفعله؟
زفرت في استسلام للقادم وعادت جالسة خلف مكتبها تتذكر صياحها وهي في عمر الثانوية في ياسين ومشاكستهما أمام الباب التي انتهت بنزولها الدرج قائلة بتذمر مرح:
«ظباط، العيلة كلها ظباط ومفيش ولا ظابط بص في خلقتنا ولا عريس نط في وشنا..» ثم تابعت في هيام: «ولا مجرم خطفني ووقعنا في غرام بعض وعشنا جو من الأكشن والمغامرات. يااااه، عيلة فقر.»
اجترت بعض الذكريات الأليمة وفاقت منها ببسمة أليمة هامسة في نفسها:
«يبدو أن كلامي التافه اللي مكنش له معنى هيتحقق.»
وتابعت في ثقة وكره:
«بس أنا مستحيل أحب مجرم، مستحيل قلبي يدق لـ أراس مهما كان...»
انتشلها من دوامة نكبتها طرقات على الباب، فرفعت عينيها تأذن للطارقة ببسمة مرحبة وهي تتقدم نحوها وعانقتها وهي تدعوها للجلوس. كانت والدة لإحدى الحالات لديها، جلست تفرك كفيها في توتر، فحثتها خديجة ببشاشة:
«ليه التوتر يا أم يمنى؟ قولي على طول إحنا أخوات.»
بشاشة خديجة جعلت المرأة تهش وتبش وابتسمت وهي تردف لها وإمارات القلق على وجهها:
«فكرت كتير قبل ما أقرر أجلك، والصراحة أنا مترددة لأن الموضوع مش بخصوص يمنى ولا حتى علاجها، دا موضوع شخصي ومش هلاقي أفضل منك ينصحني فيه؟»
انصتت خديجة إليها كليًا ومالت بجذعها في اهتمام، لتذرد المرأة ريقها وتابعت في حذر يشوبه التوتر:
«معايا اخت يمنى الكبيرة، والدها جاب لها تلفون وعمل لها صفحة على الفيسبوك بغرض أنها تنشغل عشان ما تصابش بحالة نفسية بعد بُعد اختها وحجزها في المستشفى، فـ لاحظت امبارح بالصدفة لما رجعت أجيب هدوم أنها بتكلم شباب.»
سكتت المرأة تستشف رد فعل خديجة التي بدت هادئة للغاية ومترقبة لتتمة الحديث مما شجعها لتتابع:
«لحظت عليها كمان أنها ليل نهار قاعدة عليه، حتى على الأكل بتأكل وهو في إيدها، تنام على نفسها وهي ماسكة، مبتسبهوش غير على الصلاة اللي بقيت تقروتها وتصلي في سرعة وتقعد تمسكه.»
صمتت برهة وقالت في رجاء:
«حاسة إن بنتي بتضيع مني! اعمل إيه؟»
ردت خديجة في حكمة وهي تضم ذراعيها وتتراجع لظهر المقعد:
«الحكاية كلها عاملة زي إننا بنرمي الطفل في النهر ونقول له يا إما تسبح وتُعوم وتخرج يا هتغرق. وبنتك غرقت ملقتش ذورق نجاة ينجيها، وتخللتوا عنها كلكم وسبتوها تغرق لوحدها من غير ما تعلموها إزاي تعوم. وده حال التلفون عامةً والفيسبوك، طالما بندي عيالنا تلفون وخد العب واعمل ما بدالك من غير ما نوجه ونعرفه الغلط من الصح، فطبيعي العيل يتوه وينغمس في حاجات جديدة عليه مش فاهمها.»
صمتت لهنيه وقالت موضحة أكثر:
«كان لازم حد كبير يقعد مع العيل ساعة على الأقل يعلمه أضرار الفيسبوك وخطورته، يعلمه أن زي ما فيه حلو فيه وحش، وزي ما ليه مميزات ليه أضرار. مينفعش أرمي ابني في النار وأكتف إيدي وأتفرج، كدا هيضيع ومش هو السبب. الغلط الأكبر بيبقى مننا إحنا الكبار. مينفعش أعاتبه وأمنعه وأحرمه من التلفون وأعاقبه، لأن قبل كل ده الغلط يكمن من الأكبر لأنهم بيحتاجوا توجيه.»
«بنتك مكنتش بتتكلم ولا كانت تعرف يعني إيه فيس ويعني إيه ماسنجر، ولا كان في حد يوجهها، فبالتالي هي لقيت عالم تاني. لقيت حد يكلمها ويشاركها يومها. هي عارفة إن ده غلط بس بترجح أنه عادي طالما والدها عملها الصفحة، متعرفش أضرار دا كله عليها. وتسليت الشباب احتويها، وخذي مهلة كوني جنبها وصاحبيها وعرفيها الصح من الغلط، هتلاقيها بدل ما بتتكلم بتغير الدفة، هتقرا كلام مفيد وهتتعلم من غلطها وتستعمله في الخير. متسمحيش لبنتك تنغمس أكتر في العالم المخيف ده والحقيها.»
أنهت خديجة كلامها والبسمة تزين ثغرها، فشكرتها المرأة وسألتها بضع أسئلة قبل أن تنصرف، أعقبها انصراف خديجة لتخبرهم بما قاله أراس.
***
بعد إصرار عائشة التي جاءت منذ ساعات من السفر، لم تجد أروى بُدًا من أن تصطحبها إلى منزل أراس. فبعد ما علمت من خديجة ما قاله، جن جنونها وثارت وترجتها لتذهب بها إليه، فقبلت قسرًا وأخذتها خفية دون أن يعلم أحد.
رنت أروى الجرس ووقفت في انتظار أن يفتح لها بجوارها عائشة الشاحبة شحوب الموتى. لم يدم انتظارهما طويلًا وإذ بـ أراس يهل من فرجة الباب ورمقهما في دهشة، لكنه سرعان ما ابتسم لأروى مرحبًا وتنحى جانبًا وهو يشير لهما بالدخول:
«تفضلا، تعالي يا أروى تفضلي.»
دخلت أروى في توتر في أثرها عائشة. أغلق أراس الباب ودعاهم للجلوس، لكن باغتته عائشة منفجرة في البكاء هاتفة بقلب منفطر:
«هل حادثت ابنتي صدقًا؟ هي بخير؟ ستعود أم أنها ستم...»
لم تستطع إتمام عبارتها وظلت تنتحب، فأجفل أراس وقال في حنو:
«رفقًا بقلبك يا أمي، أبنتك بخير، ثقي في كلامي... فلتجلسي أولًا.»
ضمتها أروى وأخذتها لتجلسا، فغادرهما أراس وعاد سريعًا بكوب من الماء ناوله لعائشة لترتشف منه قليلًا وأعادته له، فجلس على حافة الطاولة أمامها ومال بجذعه وأردف:
«أنتِ بخير الآن، أحسن؟»
أومأت عائشة وكانت قد هدأت نوبة نحيبها وشهقاتها وكفكفت دموعها وهي تقول:
«بخير... دارين ابنتي هي بخير حقًا.»
أدمعت عينيها وهي تتابع بصوت مبحوح:
«أنا لن أستطع أن أخسر أحد مجددًا، لم يعد لي قلب ليتحمل، ما حصل لوالدها وأخويها ما زال يوجعني، أمات قلبي. إن رحلت سأفقد روحي.»
أدمت كلماتها فؤاده فقال بلطف:
«لا تتحسسي ندوب قلبك يا أمي. الراحلون ليسوا موتى، هم أحياء في القلوب ينيرون عتمتها. دارين بخير، هي مع أخي.»
صمت لبرهة وغمغم:
«لا أدري إن كان معهم أحد آخر، لكن ثقي أن أخي معها وسيحميها وستعود لكِ. كما أنني لم يهدأ لي بال وأرسلت من يبحث عنهم، لن يغمض لي جفن قبل أن يعودا بخير، حتى لو اضطررت لقلب العالم بحثًا عنهم سأفعل، لكن أنتِ طمئني قلبك ليس هناك فقد مجددًا وستعود بحضنك قريبًا، وهذا وعدٌ مني.»
«سأثق بك فلا تخيب ظني يا بُني.»
«ثقي بأني سأعيدها إليكِ يا أمي.»
شكرته أروى وعائشة ورحلتا وقد انقلب حال عائشة وتبدد حزنها وقلقها لأمل. الآن تعلم أن ابنتها على قيد الحياة.. وليست بمفردها وهذا يكفي. ستتضرع إلى الله ليلًا ونهارًا حتى تعود، سيعيدها الله إليها، هو أعلم بحال قلبها المكلوم وسيجبره ولن يخيب ظنها فيه، إنه مجيبٌ قريب.
***
تجمعت الفتيات في جلسة مليئة بالبهجة والسرور ممزوجة بالقلق القاتل الذي يحاولون وأده بأشد الطرق. الفرحة لم تكد تسعهم، وخاصةً بعد مجيء وعد هي الأخرى التي ما أن جاءها الخبر حتى حضرت في خلال ساعات برفقة رحيم.
بينما تجمع الرجال في حديقة المنزل يتسامرون هم والشباب. قرروا أن يصلوا قيام الليل معًا، تامهم خديجة. فوقفن جميعهم الفتيات والكبار في شقة ياسين. بينما جلست وعد لتصلي على مقعدها المتحرك. بدأت خديجة الصلاة وما أن صوتها بأختراق أذن وعد حتى صارت تتنهد في صورة غير طبيعية، وصدر عنها صوت مهيب مخيف وهي متسعة الحدقتين حتى كادتا بؤبؤهما أن يخرجا من محجريهما. صار رأسها يتحرك يمنة ويسرة، وقبضتيها تضرب في ذراعي المقعد. لم تكن تدري بذاتها، فهي قد سُحبت أو بالاحرى سُجنت لدى عالم آخر في روح أخرى.
تناهى لهن صوت غريب يصدر من وراءهن فلم تلتفت أي منهن أو تعطي له بالًا، إذ كانت خديجة في خشوع تام وقلب مرفرف يبكي كدموعها التي بدأت تهوى هويًا إلى وجنتيها.
بعد ما فرغن التفتن جميعًا ليعرفن مصدر الصوت، فهالهم منظر وعد التي بدأت تزوم وهي تنظر في سورة من الغضب إلى خديجة تحدق فيها بهيئة غريبة كأنها ستنقض عليها. الصدمة شلت أقدمهن. رويدًا رويدًا بدأت وعد تغلق عينيها وتهدل جسدها تمامًا وسكن. فهرعن نحوها مزعورين. وراحت خديجة تضرب بخفة على خدها فراحت تهمهم بعد دقائق من القلق الذي استعر بقلوبهم.
فتحت مقلتيها في وهن وهي تمسك رأسها بصداع حاد كاد أن يفجرها وداهمها دوار جعل رأسها تميل على جانب واحد ولم تنطق ببنت شفة غير:
«آه رأسي أنا... أنا دايخة.»
أسرعت أروى إلى المطبخ وأعدت كوب ماء محلى بالسكر وسقته لها على مهل، فشكرتها وعد وانفض الجمع وعادوا ليتسامرون معًا. رغم ضحكاتهم وإظهارهم المرح، ألا أن القلق والخوف كان يغلف أفئدتهم.
***
وقفت خديجة أمام المشعل تعد العشاء للجميع. لم يكن هنالك غيرها. وبينما هي تعد وتقلب ما أمامها، ظهرت وعد بغتة خارج المطبخ على مقعدها بمقلتين تقدح شرارًا ووجهًا يطفح غضبًا. حدقت في النار المشعلة أسفل الإناء فإذا بنار مهيبة مخيفة ترتفع.
رواية جحر الشيطان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندي ممدوح
وَقفت خديجة أمام المشعل تعد العشاء للجميع، لم يكن هُنالك غيرها. وبينما هي تعد وتقلب ما أمامها، ظهرت وعد بغتة خارج المطبخ على مقعدها بمقلتين تقدح شرارًا ووجهًا يطفر غضبًا. حدقت في النار المشعلة أسفل الإناء، فإذا بنار مهيبة مخيفة ترتفع. تلقائيًا اندفعت خديجة مصعوقة من هول ما رأت، متقهقرة للوراء حتى أوشكت على السقوط على ظهرها لولا تمسكها بحافة الطاولة. بسملت تلقائيًا، فهدأت النار حتى توارت تمامًا وكأن شيئًا لم يكن.
قامت وما زال بصرها معلقًا على الموقد أمامها، فأطفأت الشعلة سريعًا وولّت هاربة متوجسة خوفًا، وقد ظنت أنها تتوهم ذلك أو خُيّل لها. ظلت عيناها زائغة طيلة الوقت، تتلفت يمنى ويسرى في وجل. وجُل ما في نفسها أنها تتخيل فقط، رغم أن مظهر النيران وهي ترتفع حتى كادت أن تلامس السقف لا يبرح ذهنها. راحت تطمئن فؤادها وتتلو بعضًا من الذكر الحكيم لتُسكن روعها الهائج. ومر باقي الليل في سلام.
كان القلق يتآكل من شِغاف قلبها بشدة، بل يلتهمه التهاما. لكنها كالعادة لا تبوح لأحد. وكيف تبوح وهي خرساء؟ كحياتها الخرساء تمامًا، حتى الألم باتت تخرسه في فؤادها وتجمحه بداخلها. حين يفيض قلبها ألمًا وينبض بالأوجاع، تهرع إلى لوحاتها وفرشاتها وألوانها فترسم ألمها عساه يبرح فؤادها، لكنه كالغراء يظل ملتصقًا مهما حاولت نزعه. فالحزن يبقى مقيمًا داخل الفؤاد لا يُبرح مكانه مهما جار عليه الزمن.
وعبر نافذة غرفته كان يرتكن بجنبه على حافتها، عاقد الساعدين، مرتخي الرأس إلى الجدار، يتأملها دون ملل كأنها لوحة بديعة صعب إبداعها مرة أخرى. يتبسم قلبه ويزهر مع كل حركة، همسة، التفاتة منها، فتفعل في قلبه فعل السحر أو أشد وتأخذ قلبه المتيم بها.
وما زال على حاله من تأملها المشدوه، حين هتف فيه مالك في مشاكسة حينما دخل ولم يشعر به وأمسك به يتأمل ملك:
"يا جدع ارحم قلبك بقا.. والله حرام."
أُجفل معاذ مضطربًا وتبسم في توتر مردفًا:
"في إيه يا عم؟ وبعدين في حد يدخل على حد كدا؟"
قال مالك وهو ينظر للأسف ويده على منكب معاذ:
"عشان في حد فقد عقله ممكن مش منتبه للباب ولا اللي بيخبط وعقله في جهة تانية خالص مالص."
ضربه معاذ على صدره يدفعه للدخل وهو يهتف في جدية:
"طب أبعد يا خفيف يا خفيف."
سقط مالك متعثرًا من إثر دفع معاذ على الأريكة، ودون انتباه اندفع الآخر فوقه. وقبل أن يتداركا نفسيهما أو ما حصل وهما على وضعهما المضحك حيث مالك جالس وفوقه معاذ بكامله، انطلقت ضحكات خالد وعاصم. وابتدر خالد قائلًا وهو يضرب كفًا بكف متحسرًا:
"اي ده اموت وأعرف الدنيا جرى فيها إيه، مش مكسوفين من نفسهم وانتوا بتعملوا كدا!"
تبادلا مالك ومعاذ النظر في دهشة والتفتا إلى عاصم الذي قال في أسف وهو يربت على كتف خالد:
"هي الدنيا كدا يا بني مفيهاش أمان حتى مع الصحاب."
"توبة استغفر الله دول عايزين طلقتين في نفوخهم جبولنا العار چبر يلمهم."
انتفض معاذ مبتعدًا وكذلك مالك الذي أسرع نحو الفراش وامسك بالوسائد يلقيها عليهم قائلًا في غيظ:
"بتقول ايه يا زفت إنت؟ چبر (قبر) يلمك وحدك."
تلقف الشابان الوسائد وهما يقهقهان، وتقدم خالد وهو يقول في جدية:
"هو انتوا كنتوا بتعملوا إيه؟"
غمز له مالك وقال مازحًا:
"تيجي أقولك؟"
أومأ خالد موافقًا واقترب بأذنه من فم مالك الذي صرخ في صوت عالٍ، جعل خالد يقفز في مكانه وهو يسد أذنه دافعًا إياه للخلف بازدراء.
وبعد انخراطهم في الضحك والمزاح الشافي للفؤاد، جلسا على فراش معاذ يتهامسون.
علا رنين جوال خالد ورفعه في عجل وهو يرد على حمزة الذي طلب منه الحضور لأمر عاجل هو وعاصم، فغادرا على الفور.
تنهد مالك وهو يستلقي مشبكًا كفيه خلف رأسه قائلًا:
"يا رب ترجع دارين بخير، أنا خايف اوي عليها وعلى خالتوا عائشة."
"وأنا كمان."
قالها معاذ وهو يحذو حذوه، وتابع داعيًا في تمنى:
"يا رب يرجعها لينا بخير ويحفظها من كل سوء..."
أمن مالك على دعائه في تضرع، وقال فجأة في مكر:
"تعرف يا مالك؟ انا في وحدة هنا بحبها حب يا بني ميتوصفش واحلى حاجة فيها انها مش بتتكلم وبتحب الرس.... آه آه ايدك يا غبي.."
صرخ بها مالك منتفضًا حين انقض عليه معاذ من ملابسه ثائرًا في وجهه يهتف في غضب جلي:
"أياك يا مالك إلا ملك أنت سامع والله أنا...."
قاطع كلماته ضحكات مالك وهو يعتدل جالسًا يضرب كفًا بكف، وقال في حسرة من بين ضحكاته ويهز رأسه في أسف:
"يا عيني على الحب لما يبهدل صاحبه، يا ابني كنت عاقل جرالك إيه الله يحرقك، إلا ملك مين."
قهقه بملء فيه وقال:
"ملك دي اختي يا غبي، الحب عمل فيك آيه، عقلك اتلسع خالص ما شاء الله."
دلك معاذ مؤخرة عنقه في حرج وبسمة بلهاء، فوضع مالك كفه على منكبه وقال وبصره معلق ببصر مالك:
"مينفعش تحب حد من غير ما تقرب من الشخص ده وتعرف اللي في قلبه ليك عشان متتوجعش، حاول تتقرب منها يا معاذ واعرف إذا بتكن لك حاجة ولا لأ، أنت كنت اقرب حد ليها ويمكن ما زال فــ متعلقش نفسك في حبال دايبة ممكن توقعك في اي لحظة، أحسم مشاعرك يا معاذ وشوف مشاعرها."
صمت معاذ مفكرًا وكلمات مالك تدور وتتقلب في ذهنه، وخيم عليهما السكون. قاطعه صوت معاذ يقول في ترديد:
"في رايك احاول أبين لها؟"
رد عليه مالك في بساطة:
"طبعًا يا بني هتستنى إيه؟ أنت ما شاء الله بتشتغل وتصرف على نفسك من صغرك وشاب وحليوة وشقتك وبتجهزها من تعبك ومهندس قد الدنيا اثبت نفسك رغم صغر سنه، هتنتظر إيه عايزين نفرح بيك يا خويا."
لوى معاذ فمه في سخرية من كلماته، فرفع مالك حاجبه دهشة وغمغم:
"إيه يا خويا مش عجبك كلامي."
هم معاذ أن يجيبه فأخترق جلستهما صوت لمياء وهي تدخل ممسكة بصنية محملة بمشروبات وبضع شندوتشات لهم تقول في حنق:
"لا مش عجبه ولا في حاجة عاجبه."
وضعت الصنية في عنف أجفلهما وقالت:
"خدامة ابوكم عملتلكم العصير والسندوتشات يارب ما تعجبكم زي ما انتوا مش عاجبني."
رمقتهما في سخط وهي تغادر في إكبار. لم يتمالك أي منهم الرد إذ ظل بصراهما معلقًا في أثر ذهابها قبل أن ينظرا لبعضهما في بلاهة ويقول مالك في تعجب:
"هي البت دي مالها بينا كدا بتعاملنا كدا ليه كأننا عدوينها."
مط معاذ شفتاه وهو يهز كتفيه علامة عدم المعرفة وشوح بكفه قائلًا وهو يلتقط الصنية يضعها في حجره:
"سيبك يا عم منها هي على طول كده."
"غريبة اوي، البت دي لازمها تربية."
دفعه معاذ بالسندوتش في صدره مغمغمًا:
"متحترم نفسك يا عم انت خُد كل وانت ساكت."
قضم مالك من السندوتش على مضض وقال:
"إيه البيت اللي الواحد ميعرفش يهزر فيه ده؟"
وتابع وهو يأخذ قضمة أخرى:
"ليه سدين نفسي على الأكل دايمًا كدا اكل فين يعني؟"
حدجه معاذ في بلاهة قبل أن يقهقه عليه في غلب ويتابعه وهو يأكل واحدًا تلو الآخر.
لملمت أشياءها مع جرس إنذار انتهاء الحصة. وقبل مغادرتها الفصل أوقفها صوت فتاة تقبل نحوها في عجل، وقالت وهي تمد يدها بورقة مطوية:
"مس لمياء، اتفضلي."
تناولتها منها ببسمة وانصرفت. لقد حازت على حب طلابها بدرجة كبيرة لم تكن تتخيل أن تصل إليها. كما أنهم باتوا يعتبرونها أختًا وصديقة، فأصبحوا يبثون لها بما في قلوبهم وهي تنصحهم. قررت بعمل ما قاله لها أخوها معاذ بخصوص صندوق الصدقة، وبالفعل وجدت إقبالًا من الطالبات يتصدقن بعد ما قصت لهن عن فضلها. ثم قررت بأن تخصص حصة على أن يكون كل موضوع فيها غير الذي قبله. فمثلًا.. أول حصة طلبت منهم مقالًا عن "سر السعادة" لتعلم تفكير كلٍ منهن. وفي أخرى قصت عليهن قصة من قصص الصحابة التي تضمن عبرة. وهأنذا كانت هذه المرة للأسئلة التي تدور في خلدهن على أن يكتبوها في ورقة وهي ستجيب ببساطة، سوا موضوع شخصي أو مشكلة ما، أو هم يعتمل قلوبهن.. إلخ.
جلست خلف مكتبها وراحت تنفض الرسائل واحدة تلو الأخرى. وبينما هي كذلك إذ جذب انتباهها فتاتين يبكيان في آخر الرواق من فصلها، فقامت في قلق واتجهت إليهم وسألتهم أن كان بهما شيء. فما أن نطقت بسؤالها حتى ارتتمت إحداهن في حضنها تبكي بشدة، فربتت على ظهرها في قلق وأخذتهما إلى مكتبها. انتظرت لمياء حتى هدأت الفتاة تمامًا فسألتها في إلحاح حتى همهمت بنبرة مختنقة وهي تشهق:
"المديرة قالتلي لو مدفعتش المصاريف هترفض!"
ضيقت لمياء عينيها، وقالت:
"وإيه سبب انك لسه مدفعتيش لحد الآن يا آية؟"
انفجرت الفتاة باكية مجددًا وهي تهمس في خفوت:
"بابا سبنا.. بسبب الديون اللي عليه.. وماما مش معاها عشان تدفع لي المصاريف.. وكمان احتمال تتحبس عشان ديون بابا."
خيم السكون عليهن، والد الفتاة هرب، والأم يمكن أن تُسجن بسبب الديون المتراكمة على كاهلها! ليس بأمكانها فعل أي شيء! وبالطبع المدرسة لن تُقدر ذلك.
ضمت لمياء كفيها في راحتيها وبزغت بسمة مطمئنة على ثغرها، وقالت في هدوء:
"ولا تبكي ولا تزعلي نفسك بإذن الله محلولة.. قومي روحي فصلك ومتشليش هم ولا تفكري."
ثم برفق مدت أناملها تزيح دمعها، فترددت الفتاة والقلق يستبد بها وهتفت في قلق:
"تقصدي إي يا مس لمياء؟"
قالت لمياء وهي تربت على كتفها:
"ثقي فيا ومتفكريش يلا."
انصرفت الفتاتين، وقد عزمت هي على سداد مصروفاتها المدرسية، ودفع ديون أبيها ليعود لهم.
جلست خلف مكتبها وانكبت على قراءة فحوى الورق، وإذ بها فجأة كمن أصابه مس كهربائي، إذ ارتجفت واقشعر بدنها واتسعت مقلتاها وهي تكرر إعادة كلمات إحدى الورق:
"مس لمياء، أنا مش عارفه أقولهالك إزاي، بس أنا تعبانة اوي، بكره البيت بتاعنا جدًا، باجي المدرسة وبتمنى ما تخلص ولا ينتهي الدوام، بخاف اوي أروح."
رمشت بعينيها تحاول استيعاب ما تقرأ من كلمات وضحت لها أن صاحبة الرسالة تواجه تحرش من عمها وهي غير قادرة على النطق لأي أحد من والديها. كلماتها زلزلت قلب لمياء التي تكاد تموت رعبًا من تلك الفكرة. طوت الرسالة مجددًا وقد تجمدت الدموع بحدقتيها تكاد تغلبها، وأحست بالتيهة والعجز.
رن الجرس معلنًا عن انتهاء الدوام، فنهضت بقلب مكلوم مثقل بالألم ولملمت أشياءها شاردة وخرجت تسير كالمتغيبة، تنظر في وجوه الفتيات في غرابة، حتى أنها لم تجب على بعد التحيات من الفتيات أو سلامهن. كيف تشعر بهن؟ وهي تحدق في وجوههم تبحث عن وجه صاحبة الرسالة، تود أن تسألها كيف ما زالت تحيا بذاك العبء القاتل، والسر المميت. ما زالوا صغارًا هما في نظرها في الثانوية العامة ما زالوا على غير كفاءة لتلك الحياة وثقلها.
وجدت نفسها في المشفى. لماذا جاءت ولِمَ بالتحديد لا تدرك ذلك. شيء ما ساقها إلى ها هنا، شيء لا تدرك كنهه بالأساس.
اِدردت لعابها وهي تسير في الرواق مبتغية مكتب مالك بعد ما علمت بوجوده فيه من إحدى الممرضات. وقفت لمياء أمام الباب حائرة تريد أن تعود أدراجها. وبداخلها شيءٌ كالمغناطيس يجذبها. أخذت نفسًا عميقًا تستعيد شتات نفسها ورفعت كفها تطرق على الباب بخفوت، فجاءها صوته العملي يأذن لها بالدخول. ففتحت الباب فما أن رآها حتى صاح غير مصدقًا أنها أمامه:
"إيه ده لمياء؟"
ضيّق عينيه، وقال مازحًا:
"يا ألف نهار أبيض دا انتِ ولا أنا بتخيل."
"هرجع تاني وربنا."
قالتها لمياء في غضب وهي تشير للخارج، فاعترض قائلًا وهو ينهض:
"ترجعي إيه بس.. أنا بهزر معاكِ.. نورتي مكتبي يا ست البنات.. تعالي أقعدي."
جلست وجلس مقابل لها، فتنحنحت وهي تضع حقيبتها فوق المنضدة الفاصلة بينهما وقالت في جدية:
"جيالك في موضوع مهم يا ملك.. بخصوص حالة نفسية اعرفها."
أبدى اهتمامًا حثيثًا وهو ينصت في تركيز، فتابعت قائلة:
"هو ممكن لما بنت عندها 16 سنة وتتعرض للتحرش أنها تصاب بحالة نفسية؟"
رمقها في تفكير وهو يضع أنامله أسفل ذقنه مفكرًا، وصمت لبرهة قبل أن يجيبها في تأني:
"بالطبع لازم تُصاب يا لمياء، على العكس تمامًا دي ممكن تقلب معاها بعقدة، أنها تكون خايفة طول الوقت من اقرب ما ليها، وبتشكك في كل اللي حواليها، أبوها اخوها عمها خالها ولادهم هكذا لكن لو خضعت للعلاج المبكر فـ شيء أكيد هتخف."
صمت لهنية وهو يميل بجذعه مشبكًا كفيه متسائلًا:
"مين دي يا لمياء؟"
تساءل، لكنها لم تسمع. لم تكن معه، غائبة مفكرة تائهة. لقد تذكرت صاحبة الورقة، الفتاة التي دائمًا هادئة من وسط زميلاتها. لا تتحدث إلا لماما، وجودها طفيف للغاية كأنها غير موجودة، مع أنها لا تنكر تفوقها وذكاءها.
تنبهت من شرودها على ترقعت أنامل مالك في وجهها وهو يقول:
"إيه يا بنتي روحتي فين؟"
التفتت له لمياء وقالت في ترقب:
"ولو المتحرش حد قريب ليها؟"
تحلى مالك بالجدية والعملية وهو يعقد كفيه متكئًا لظهر المقعد وبدأ في شرح الحالة لها وكيفية العلاج وضرورته وسلبيته.
كانت تبكي بصوت مكتوم مبحوح وهي تتحدث في الجوال قائلة في توسل ورجاء:
"عشان خاطري يا علي.. عشان خاطري متسبنيش مش هخرج من غير أذنك تاني بس بالله عليك متسبنيش.. أنا اموت لو سبتني."
قاطعها الطرف الآخر قائلًا في تأفف:
"ما خلاص بقا يا شيماء قولتلك خلاص وحلي عن نفوخي أنا مش ناقص."
أنهى عبارته واغلق المكالمة، لتثور مهتاجة تبكي في عنف يمزق القلب. لقد شغفها حبًا وحسم الأمر، وأصبحت متيمة به. حبيبها وخطيبها هو لكنه قاسي ربما، فتارة يعايرها أنها كانت تحادثه قبل الخطبة، وتارة يهددها بالهجر إن خالفت كلامه. غير مسموح الخروج من باب البيت دون إذنه، وإن خرجت قام عليها جلدًا بالسوط على فؤادها الضعيف في حبه. في أحيان يطلب صورها بملابس تكشف أكثر ما تستر. ما المانع أن تبعثها لهُ تحت بند الزواج وإنه العاشق الولهان الذي يخاف عليها أكثر من أبيها ومشتاقٌ حد الموت، وأن أبت هاج وثار وأبتعد مهددًا إياها بالبعد والرحيل، فتعود إليه ذليلة منكسرة وتفعل ما يريد كالمتغيبة. وهي متغيبة حقًا في عشقه، عمياء القلب والبصيرة لا ترى حقيقة خدعة التي زُينها لها في إطار الحب الزائف الذي سيتهاشم من أدنى ارتطام طفيف. حقيقةٌ أن مرآة الحب عمياء فصاحبها لا يرى عبرها إلا المظاهر، وما خفي فيها كان أعظم وأمر.
كم مر من الوقت لا يهم فقد استيقظ شيطان نفسها الذي يصور لها السعادة في بث الكره في قلوب محبيها لمن أحبوا.
اعتدلت وكفكفت دموعها واجرت اتصالًا على أروى. لم يدم الرنين طويلًا إذ جاء رد أروى تقول في لطف:
"السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته يا شوشو.... فينك يا بنتي مش باينه ليه؟"
تحمحمت تُجلي حنجرتها لتمحو أثر البكاء، وهي تبتسم قائلة:
"الحمد لله يا رورو أنتِ عاملة ايه يا حبيبتي؟"
"بخير الحمد لله.. بردوا منوتيش تخرجي كدا وتيجي."
"إن شاء الله هاجي."
سكتت لهنية ثم قالت في نبرة تقطر مكرًا وغلًا:
"ألا صحيح عملتِ إيه في اخر مهمة أصل اللي سمعته ميطمنش."
"ايه اللي سمعتيه.. قولي يا شيماء على طول، في أي؟"
قالتها أروى في توتر ممزوج باللهفة. فردت شيماء ببسمة خبيثة خفتت عن عيني أروى وهي تقول في أسى مشوبة التردد:
"أصل حمزة بيقول.. بيقول أنك يعني!"
سألت أروى بصوت خافت باهت وهي تذردرق ريقها:
"قال إيه يا شيماء، بالله لتقولي وألا هزعل منك."
"لا لا مفيش حاجة انا بهزر."
قالتها بأسف متعمد، فصاحت فيها أروى وهي تكاد تجن:
"بالله لتقولي يا شيماء والا بجد مش هكلمك تاني."
تنهدت شيماء تنهيدة عميقة وبخت سمها مغمغمة في خبث يُذهل الرائي من تمثيلها المتقن:
"الصراحة مش عارفة أقولهالك إزاي، ولكن.. حمزة بيقول انك فاشلة ودا مش مكانك، وإنك... مش بتعرفي تعملي حاجة وانك في كل مهمة بتكوني زي الهبلة او زي اللي غرقان ومبيعرفش يعوم، وكان بيشكر في حبيبته ريتاج بيقول انها ممتازة جدًا وناجحة وشايف ليها مركز أعلى في خلال أيام وبأنك هتفضلي زي ما انتِ... أروى، الو اروى."
نظرت في الهاتف فإذا بها أغلقت فانخرطت في نوبة من الضحك والسعادة. كيف تقتنص سعادتها من أحزان الآخرين وتفرقهم لا تدري لكن هي كذلك، تعلم علم اليقين بحب أروى لأخيها الذي تكرهه وتحقد عليه وعليها كثيرًا. لماذا أخوها محبوب من الجميع إلا هي؟ لماذا لا يحبها أحد ويفعل لأجلها أي شيء وليس شخص تتوقع رحيله في كل حين ووقت. هل حدث وأن رأيت أحد يأخذ سعادته وفرحة فؤاده وبهجة حياته من حقده وغيرته على الآخرين؟ إذ لم تجد فاحذر فهم كثر حولك توخى الحذر والأنتباه فهؤلاء يمثلون الحب ببراعة ويتقنون بث سمومهم بالقلوب.
جمعت لمياء الشباب والفتيات في حديقة المنزل بعدما نظمت جلسة من عدة مقاعد واهتمت أن يكون للشباب مكان خاص ليس ببعيد ولا قريب عن الفتيات حتى يتناقشوا. حضر الجميع لرغبتها.. بالطبع ما عدا شيماء ابنة عمتهما سمر. وعلى الرغم الحزن القائم في قلوبهم على دارين لم يوقفوا أعمالهم، فقررت أن تقضي وطرًا معهما.
في صفين متقابلين كانا الشباب والبنات يجلسون بينهما لمياء تروح وتجئ، وتحمحمت ثم بدأت حديثها كأنها تعطي درسًا لطلابها في الصف:
"بصوا يا عيال."
تبادل الشباب النظر في دهشة وهم يرددون جميعهم في صوت واحد: "عيال؟!" لم تبل لمياء بذهولهم.. بل رمقتهم بنظرة حادة من خلف نظارتها قبل أن تعدلها وتهتف في حدة:
"سكوت مش عاوزة صوت، أسمعوني."
غشاهم الصمت وأوحيت وجوههم الاهتمام الشديد لحديثها حين قالت في حدة:
"عايزين نشترك في حاجة تساعد الناس، إحنا أكبرنا خلاص وكل واحد فينا بقي ليه شغل خاص، ومفيش مشكلة لو حددنا مبلغ بسيط من قبضنا نساعد بيه الناس."
قاطعتها خديجة قائلة وهي تضم ذراعيها:
"ما إحنا بنعمل كدا يا لمياء!!!"
سكنت لمياء عن تحركها واستدارت ناظرة لها، وقالت:
"حاجة عن حاجة تفرق يا خديجة!"
بدا الاهتمام على وجه خديجة، بينما أضافت لمياء:
"لما أنا أطلع مبلغ لوحدي مش هيكون زي ما هنطلع مبلغ كلنا في فرق، فكرة كتير لحد ما وصلت لحل."
قاطعها خالد متسائلًا في اهتمام:
"اللي هو؟"
التفتت له لمياء وقالت بنبرة تقطر حماس:
"أننا نعمل زي جمعية أو مكتب نضيف فيه أسماء الناس اللي محتاجة أدوية ومش في إمكانيتها تجيبوه، اللي محتاج عملية أو علاج أو كشف ودي حاجة سهلة علينا وخاصةً إن المستشفى تحت أمرنا.. ندور ونبحث في القرى عن أسماء الناس المحتاجة ونقدم المساعدة من غير ما حد يعرف وطبعًا هنعلن أننا بحاجة لمساعدة من الأشخاص اللي في مقدورها."
قال مالك مندهشًا:
"دا ليه كل ده؟"
صوبت لمياء بصرها إليه وهي تتابع:
"إحنا منعرفش كل الناس يا مالك وأغلب الناس متعرفش، إحنا بالجمعية دي هنشترك فيها كلنا ونشوف الجماعة رأيهم بس بعد ما نقرر."
ثم قالت في جدية وهي تعد على أصابعها:
"هنشوف بنات محتاجة تجهيز ونساعد أهلها، ناس عليها ديون ونساعدهم، شباب محتاجة شغل نساعدهم، نساعد الفقراء وخاصةً الأمهات اللي عيالهم."
سكتت وأغلقت جفنيها في عنف، وقالت في وجع وهي تفتحهما في بطء:
"اللي عيالهم رموهم ونحاول نوفر لهم رعاية."
رن الصمت إلا من همس خفيف بينهما، في حين فاضت عينا لمياء في ألم وذكرى أليمة تجوب في خاطرها تتذكر ذات يوم عندئذ وجدت امرأة تهتش في الطرقات أخذتها إلى المركز وهناك جاء أولادها، رأتهم كيف كانوا يصرخون عليها وينكزوها بكل قسوة، علمت حينها أنها أُصيبت في سكتة دماغية أدت لفقدانها العقل فباتت كالطفل الصغير، بحاجة لمن يرعاها ويعلمها كيف ترتدي ملابسها وتخلعها وكيف تأكل وتشرب وقضاء الحاجة، باتت كالرضيع بحاجة لمن يطعمه ويهتم بهِ من كل ناحية، فكانوا فيها من الزاهدين.
لاقت لمياء القبول لفكرتها من الجميع وقرروا بالفعل بتجميع المال فيما بينهم كما أنهم قرروا إعلان ذلك لمن أراد أن يساعد ممن معه.
بسمة مشرقة أُضيئت وجه خديجة وهي تشعر بالفخر، كم جميل أن يتعاونا على فعل الخير فيأتون يوم القيامة يدخلون الجنة سويًا وكما كانوا في الدنيا مترافقين متجاورين سيمرون بإذن الله في الجنة هكذا وأقرب.
فكرت كثيرًا، بل طال بها التفكير، حتى أخيرًا وصلت إلى حل. بحثت في ملف الفتاة عن رقم والدتها ووجدته و دونته في هاتفها، وقررت بعد انتهاء اليوم الدراسي أن تحادثها. وكانت قد حادثت الفتاة التي كانت تبكي بإنكسار وهي تروي لها ما يحاول عمها فعله وكيف حاول في عدة مرات التقرب منها. نصحتها لمياء أن لا تخرج من غرفتها في حضرته حين يأتي لزيارتهم وأن اضطر الأمر تغلق الباب على نفسها وتتصنع النوم، ولم تخبرها بقرارها أنها ستحادث والدتها في ذاك الأمر. أكدت لها أنها معها ووعدتها بعدم تركها. وحين ذهبت إلى المنزل وتناولت شيء بسيط وأعدت قهوتها، دخلت إلى حجرتها واغلقت بابها وجلست فوق فراشها عاقدة ساقيها تمسك بين راحتيها فنجانها ساهمة. شاردة تفكر فيم تنوي فعله. كانت خاوية نوعًا ما، لا تشتهي شيئًا ألبتًا. فأرتشفت رشفة من قهوتها ووضعتها جانبًا، وتنهدت في عمق تنهيدة محملة بالثقل والحيرة، أغلقت عينيها وراحت تحادث نفسها وتشجعها أن تفعلها وتنقذ الفتاة التي لا حول لها ولا قوة. من عم لا تسوقه إلا شهوته منغمسًا انغماسًا تام في ملذات الحياة.
التقطت هاتفها واجرت الاتصال، وانتظرت الرد الذي لم يطل وإذ بها يأتيها صوت امرأة تردد السلام. فردت لمياء السلام وعرفتها عن نفسها وأنها مدرسة نرمين. ثم صمتت قليلًا، وقالت في تردد:
"كنت عاوزة اقولك بس لحضرتك أنك تهتمي ببنتك شوية، وتاخدي بالك منها، لأن البنت مش كويسة وبتشتكي من..."
قاطعتها الأم في نبرة فظة غليظة:
"بتشتكي؟ تشتكي من إي!؟ أنتِ عاوزة تقولي إيه بالظبط أنتِ شكلك وحدة مجنونة ولا إيه؟"
صكت لمياء على أسنانها واندفعت في غيظ قائلة:
"بنتك بتشتكي ان عمها بيتحرش بيها وأسأليها عندك وعرفي منها وحافظي على بنتك عشان متخسريهاش بتفكر تنتحر واعرضيها على دكتور نفساني وامنعي عمها ده من دخول البيت دا إذا كنتِ خايفة على بنتك السلام عليكم."
أغلقت الخط في عنف وهي تكاد تنفجر غيظًا. ولم تكن تدرك أن المكالمة كان قد سمعها الزوج والعم لأن المرأة كانت فاتحة مكبر الصوت. وقد أوقعت نفسها في مأزق ربما لن تحور منه وربما تحور.
الحزن والهم يخيمان على فؤادها بظلالهما، كالحة الوجه، حائرة، شاغلة البال في من؟ تلميذتها التي لم تأت إلى المدرسة وتركتها تتخبط في أفكارها تكاد تصعق من القلق عليها.
تُرى ما الذي حدث لها؟ ما الذي قد يكون فعلته أمها بعد ما حادثتها؟ طوفان من الأسئلة يعصف خلدها. كانت في طريقها إلى ركنها المريح.. حيث سعادة نفسها. إلى دار المسنين لتزور المرأة التي قابلتها يومًا تحس بالراحة حين تراها وتفرح نفسها.
تبسمت تلقائيًا ما أن تذكرتها فـ أشرقت في القلب بسمة، طوت جل حزنها خلف شغافها حين وقفت السيارة أمام بوابة الدار الشاهقة، فترجلت متنفسة في عمق كأنها تستنشق عبير وطنها بعد طول غياب وخطت للداخل بقلب يرفرف فرحًا للقائها.
تهادت في الرواق تلقي السلام على القائمين فيه ببسمتها التي لا تفارق ثغرها، ويرد عليها الجميع السلام في غبطة.
ضاقت حدقتاها وهي تقف محلها محدقة في باب غرفة المرأة المسنة المنفرج على عقبيه، ثم سارت في حدة. دخلت إلى الحجرة كالأعصار ووقفت متجمدة في صدمة، لم تتخيل أن تجد لديها أحد. وهي التي لها سنة في الدار لم يزرها غيرها؟ فما الذي تغير؟ من ذاك؟! ليس بأحد أبنائها فهي قد رأتهم قبلًا، هذا في الأساس يبدو غريبًا، غريب الطلة.. غريب الشكل، بشرته السمراء سمار حلو جذاب، ليس أسمر للغاية، سمرته غريبة جميلة، شعره مسترسلًا إلى جبهته من شدة نعومته ممشطًا بتصريحة جذابة أيضًا، شعره أفضل من شعرها الذي تتمنى أن ينعم يومًا.
بدا عليه التوتر، وناظرها في انتظار أن تتكلم لكنها لم تفعل، بقت تحملق فيه فقط.. لا شيء غير ذلك.
ما الذي ينبغي فعله الآن؟
"أنت مين؟"
طالعها في استفهام وهو يقطب حاجباه ودون أن ينبس هم أن يتجاوزها خارجًا، لكنها أبت أن تتركه دون معرفة هويته، فـ أسرعت في الوقوف قبالته تسد عنه الطريق للخارج بذراعيها وصاحت فيه مجددًا في عنف كأنها على وشك خوض حرب:
"بقولك أنت مين؟ إيه مبتسمعش؟!"
عقد ذراعيه ورد في هدوء:
"ولما أخبرك من أكون؟"
رفعت حاجبها في مقت مردفة في سخط:
"آه أنت مش مصري بقا؟ تعرف ست ام احمد منين.. أنا اول مرة أشوفك هنا؟!"
تبسم هازئًا وردد في تهكم:
"وما دخلك أنتِ؟"
هم أن يغادر مرة أخرى لكنها لم تسمح له وقد استشاطت غيظًا:
"والله ما أنت معدي غير لما أعرف أنت مين الأول؟"
ضيّق عينيه نافثًا غضبه وقال من بين أسنانه:
"ومن أنتِ؟ وماذا تقربيها؟"
ارتخى جسدها تمامًا وبدا عليها التفكير وهي مطرقة الرأس، فـ ابتسم في سخرية وما كاد أن ينصرف أو يخطو خطوتين هتفت فيه في غضب:
"وأنت مالك أصلًا أنا مين؟ إيه الفقر ده!"
رمقها من رأسها لأخمص قدميها قبل أن يهز رأسه مغمغمًا في ازدراء:
"حُثالة!"
اتسعت مقلتاها في صدمة وكادت تموت غيظًا. أخذت ثوانٍ تتنفس في سرعة وعيناها متسعة وهي تنظر لسيره في الرواق مصفرًا، فخرجت تتعثر وهي ترفع إحدى قدميها تفك رباط حذائها وعلى حين غفلة منه صوبته تجاهه ليضرب في صدره وتقف متخصرة في تشفٍ. شفت قلبها ونفسها وتنفست في راحة.
استدار لها ببطء والغضب يشع من عيناه الساحرتين، فـ ادردت لعابها وابتسمت في بلاهة ثم لوحت له وركضت إلى الغرفة تغلق بابها خلفها.
زمجر هو في غضبٍ جم وما كاد أن يتبعها حتى تجمعن حوله الممرضات ليأخذن صورًا معه، فأستعاد بسمته الساحرة وهو يلتقط معهن الصور واحدة تلو الأخرى وقد نسى أمر لمياء تمامًا.
ارتكنت إلى الباب بعد غلقه واضعة كفها موضع قلبها ذا النبضات المتسارعة تهدأ من روعتها. تنفست الصعداء حين طال الوقت ولم يتعقبها، فـ تبسمت ضاحكة من قلبها وهي تدنو من المرأة تقص عليها ما حصل:
"شفتِ يا ام احمد الواد البارد ده بس ضربته... يااااه كان نفسي تشوفي شكله اول ما فردت الكوتش ضربت في ضهره."
شهقت متذكرة فردة حذائها فقالت وهي على شفا حفرة من البكاء:
"يا رب اطلع ألاقي فردة الكوتش يا رب، وألا هرجع إزاي حافية أنا."
بقت ساكنة لدقائق قلائل تفكر قبل أن تقفز في حماس مصفقة، وقالت وهي تجثو على قدميها أمام المرأة التي تتابعها في انبهار:
"مقولتلكش أنا جايه انهاردة أأقضي اليوم كله معاكِ.. معاك لوحدك يا جميل."
قالت المرأة وهي تمسك كفيها في رجاء:
"عاوزة أحمد ابني وعماد ومجدي."
امتقع وجه لمياء ولمعة في مقلتيها الدموع وقالت في حنو وهي تقبل كفيها:
"هييجولك بإذن الله يا ماما متقلقيش هما بس مشغولين شوية وهييجولك."
أبتسمت المرأة مبتسمة فأشرقت بسمتها وجه لمياء، التي ما أن أحست أنها قد قضت حاجتها على نفسها حتى نهضت تشمر ساعديها وهي تقول في محبة مازحة:
"اخص عليكِ يا توتة كدا تعمليها على نفسك، لكن ولا يهمك بنتك اللي ربنا بعتها ليكِ موجودة."
أسندت المرأة وأخذتها إلى الحمام.
في هذا الأوان كان هو يقف خلف الباب يده متخشبة على مقبضه وقد ابتسم في صفاء وهو يتمتم:
"أظن أني سأسامحك لِمَ فعلتيه أيتها المجنونة ذات القلب الكبير."
كان قد سُئل عليها الممرضات الذين ما صدقن أن يتحدثن معه فـ أخبره أنها هي من تعول ام أحمد وتدفع تكاليف الدار، بل وتأتي كل أسبوع لتقضي يومًا معها وترعاها بنفسها، بل ربما أتت كلما كان لديها وقت فتقضيه معها وترعاها.
أنتشله من شروده رنين الهاتف فـ أجاب وهو يغادر من الدار بأكمله:
"نعم.. أنا آتى.. هل كل شيء جاهز، إذن سنتقابل في مكان الحفلة."
وأغلق راكبًا السيارة التي استأجرها حتى يقضي وطرًا من هُنا.
وقفت لمياء على باب الدار في انتظار أخيها معاذ الذي حادثته ليأتي لأخذها مذ دقائق. كانت سعيدة.. بل سعيدة للغاية تكاد ترفرف كفراشة بجناحيه تجوب الحياة والطرقات مبتهجة. ولم لا! وهي قد فعلت أمرًا لله ربما ينقذها يوم القيامة من أهواله، أو يكون سببًا في دخولها الجنة. الجنة التي تشتاق إليها. يا الله عن تلك اللذة الغارقة فيها، لذة لا تعادلها أية لذة في الوجود.
لفحتها برودة الجو فعقدت ساعديها وراحت تفرقهما ربما يبثها هذا ببعض الدفء، وقد حسمت أمرها أن تسير خارج الشارع علها تجده وتغادر. ورغم أن الليل ألقى رداءه سارت على دجاه متوجسة خفية تتلفت حولها. تمشي حافية في إحدى قدميها تزم شفتاها وتدمدم عساها تؤنس نفسها. باغتها فجأة ظهور شخصين من الرجال أمامها فوقفت تطالعهم في وجل وقلب مزعور لكنها تحلت بالشجاعة ورفرفت بأهدابها وهتفت في قوة وهي تتراجع في تأني:
"انتوا مين؟"
أقبل الرجل بعينين مفعمتين بالمقت والانتقام ووقف قاب قوسين أو أدنى منها وقال في صوت أجش أقشعر له جسدها:
"أنا عم نرمين يا أستاذة لمياء."
اِدردت لعابها في رهبة، وسرعان ما رفعت رأسها في كبرياء تنظر في عينيه في تحدٍ، وغمغمت في حدة:
"وعايز إيه يا عم نرمين؟ مش مكسوف من نفسك تظهر قدامي."
ثم ضحكت ساخرة بجانب فمها وأضافت وهي تستجمع أطراف شجاعتها:
"ولا هتتكسف إزاي وأنت مش مكسوف من ربنا ولا مراعي بنت اخوك الصغيرة اللي زي بنتك.. إلا صحيح اخوك هيعمل إي لو عرف؟!"
دار حولها فسري الرعب في أوصالها، وقال:
"هو أنتِ متعرفيش يا أستاذة؟"
دارت معه حيث يدور تخشى أن يهاجمها على غفلة منها، سكت هنيهة في تعمد مبتغيًا خوفها أكثر وقال في صوت هادئ لا يخلو من الخبث:
"اصل انا اخويا مش بيصدق الغرباء أمثالك، بيصدق اخوه من لحمه ودمه، وبنت اخويا انا هعرف إزاي هردعها وتبقي تحت طوعي تقول اللي آمر بيه.. ولكن"
وقف ساكنًا ووقفت في دورها، كلمة "ولكن" أرعبتها. نظرته لجسدها زادت من دقات قلبها وقالت في صوت باهت وقد تجلى الخوف في عينيها وبدا لها جليًا:
"ولكن إي؟!"
طال صمته وهو ينظر لها نظرات شهوانية حقيرة قبل أن يردد وهو يعض على شفته السفلى:
"مين هينقذك انتِ مني؟"
وتابع غامزًا في مكر:
"وخاصةً انك طلعتي صاروخ كدا وقمر."
وقال في نبرة حاقدة:
"أنتِ اللي جيتي في طريقي يا بنت الناس متلوميش إلا نفسك ومحدش هيقدر يضرني عشان هضره، وأنتِ كل همك تضريني وتكرهي اخويا فيا وأنا هنسفك."
ضحكت لمياء في خوف وهي تقول في ثقة:
"دا انا ناوية اسجنك وهخليك تقضي باقي عمرك في السجن."
أشار بكفه للرجل الذي معه فامسك بذراعين لمياء بكف والكف الآخر كمم فمها ورغمًا عنها وعن مقاومتها كان عم نرمين يرفع قدميها واتجهوا صوب السيارة التي لم تكن بعيدة، وقد كان بابها الخلفي مفتوحًا، لكن قبل أن يدفعوها بداخلها استطاعت لمياء بحركة بارعة تعلمتها من جدتها أن تفلت قدمها وتهوي بوجه عم نرمين.
دفعت الرجل بساقها فسقط على ظهره على إثرها، وقبل أن يتدارك أحدهما شيئًا كانت ترفع قدمها تطيح بالأخر وتضرب حقيبتها في وجهه وتولي هاربة منهم وهم خلفها قد ركضوا تلقائيًا وراءها وهم يتوعدوها. أشارت لكل سيارة تمر أن تقف لها، لكن ولا واحدة ارتضت. التفتت خلفها فإذا بهم على مقربة منها، فـ انطلقت غير عابئة بالسيارات التي تروح وتجئ كخلية النحل. ضربة بها سيارة فـ انزلقت الحقيبة من يدها لتستند على مقدمتها كلا تقع، وامسكت معدتها من أثر الضربة متألمة. أشارت لسائقها لكنه ألقى عدة سباب لها وأنطلق يسابق الريح ففاضت عيناها دمعًا وهي تتابع ركضها على جانب الطريق كالمتسولة. نعم من يراها يظن هكذا، تركض كالمجنونة تتلفت حولها والدموع تسيل إلى وجنتيها، حافية القدم رثة الثياب والهيئة حتى خمارها متشعث، وبتنا في زمن كله لا يهمه إلا نفسه. ذهبت عن جميع المرء المروءة والجدعنة، زمن غريب وناس أغرب. يقولون على بعض الحيوانات وحوش ويا للعجب نسوا الوحوش التي تحيا وسطنا، أليس نحن بزمن أمسى فيه الناس وحوشًا؟
قد جن الليل وضجيج السيارات يربكها ويصيبها برعدة وربما صعقة في فؤادها ولم يملوا من اللحاق بها، انحنت تركض في شارع نائي ليس فيه سيارات إلا لماما، ضاقت بها الحياة بما رحبت كما ضاقت بها الطرق وخلت ومادت، وأحست بدنو أجلها تقسم بأنها ستقتل نفسها إن أمسكوا بها. وقفت تلتقط أنفاسها لاهثة وتهدأ بكفها ضربات قلبها التي تتسارع في أضلاعها حتى كاد أن يقفز من مكمنه خوفًا. لاح لها من بعيد أضواء منبعثة وصوت موسيقى عالية فـ اطمأنت قليلًا، ونظرت وراءها لتشهق متقهقرة للخلف ما أن أبصرتهما فـ أطلقت ساقيها الريح إلى حيث مصدر الموسيقى الصادرة. رأت فتيات وبنين يترقعون بأناملهم في تناغم مع الموسيقى وهم مطبقي الأجفان ويدندنون مع الأغنية الصادرة بالإنجليزية. توغلت بينهم وخلفها الرجلان باحثين عنها، انسد الطريق أمامها ولم يتزحزحا البنتين من أمامها فوقفت تتلفت والخوف يطل من عينيها حتى وجدتهم خلفها قاب قوسين أو أدنى يتبسمان لها في تحدٍ سافر، ونظرة متشفية فـ أين قد تذهب وهي الآن في قبضتهما. لكن هيهات أن فكرا على التغلب من حفيدة لمار الشرقاوي عكس ما في فؤادها من فزع، رغم هشاشتها ورقة قلبها ألا أنها في طرفة عين جذبت الفتاة من خلفها في حركة سريعة ودفعتها على الرجلين وتوغلت وسط الحشد حتى ارتقت سلالم وهي تنظر خلفها وإذا بها تجد أحد يجذب كفها في راحته ويلفها في حركة راقصة ويضع كفه الآخر على كتفه وكفه الآخر حول خصرها في حذر كلا يلمسها. كانت متسعة العينين تحدق فيه في عدم تصديق، صوته الساحر والسالب للألباب لم يهز بها شعرة واحدة، على العكس تمامًا أوقد النيران في قلبها، كانت كالمتغيبة يسوقها هو كيف يشاء وكما يحلو له هل ينتقم عما فعلته هي فيه في الصباح؟ أنى لها أن تعرف.
دار بها فجأة دون توقف لدقيقة كاملة وصوته يغرد حتى وقف لاهثًا ينظر لعينايها وهي كذلك وضج المكان بالتصفيق. ثم الهمهمات المتفاجئة من هيئتها، أنى لها بتلك الهيئة في حفل كهذا ومع أشهر مغني أجنبي؟ هذا غير معقول؟ أهذا جزءًا من العرض أم ماذا؟
كادت أن تنأى عنه لكنه أبى تركها حتى تذكرها فدفعها للخلف وهو يتراجع خطوتين صائحًا وهو يرمقها في اشمئزاز:
"هذا أنتِ أيتها الغبية؟"
نظر لها ثم نظر لجمهوره وردد في ازدراء:
"يا الله ماذا سيقولون الآن، ألم يوجد غيرك لتخرجي أمامي؟ ما الذي جاء بكِ جواري مكانك بالأسفل، ثم ما هذه الحالة تبدو كالمتشردين."
صاحت فيه لمياء غاضبة وهي تتقدم في عنف وهو يتراجع مندهشًا من جرأتها:
"من المتشردة يا حقير، وهل تظن نفسك مغني أقسم لك أن صوتك يلم علينا الحشرات يا حُسالة، ثم كيف تمسك بكفي وترقص معي يا حقير."
كان صوتها يعلو تدريجيًا مع عبراتها، كان قد عم السكون والجميع استمع لحوارهم متعجبون ينظرون لهم في استمتاع وترقب. معتقدين أنهم يقدمون عرضًا.
قبل أن يهم هو بتوبيخها صاح صوت غليظ:
"هتروحي مننا فين يا أستاذة؟"
تلقائيًا رفعا نظريهما تجاه الصوت لترتجف لمياء وهي تردد في تلعثم:
"روحت فيها خلاص.. اعمل إي دلوقتي، يا رب."
قبل أن يتقدما الرجال ضحك هو معطيًا إشارة بنزول ستارة عن مرأى المسرح وبالفعل تجلت فور إشارته فجذبها من معصمها قسرًا وركض بها للخلف ومنه لزاوية جانبية.
رواية جحر الشيطان الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندي ممدوح
كل شيء بدا غريبًا، مخيفًا، رغم ذلك مدهشًا. نعم، قد لا تدرك كم قضت من الوقت وهي محبوسة في حجرة تشبه الخيال، إذ ألوانها الباهية وفراشها الكبير الغريب الجميل أيضًا، الأرائك والمقاعد، كل ما حولها ذا جمال باهر. كم مرّ؟
أيام أم ساعات؟ وما حل بالشاب الذي كان معها لا تدرك. كل ما تتذكره وهي تسير في هيبة وسط حشد من الرجال يفسحون لها الطريق في وقار، بينما تسير مبهورة مشدوهة في السماء الصافية وشمسها الذهبية التي بدت أكثر روعة على صفحة النهر الجاري وشلاله الخاطف للألباب. وتنتشر الأشجار والزرع والورود والزهور بألوان شتى خلبت قلبها من أول نظرة، حتى أنها لم تحيد بناظريها عنهما، حتى لجت إلى قصر عتيق مهيب شامخ يجذب النظر إليه. ألوانه الذهبية ذات الإطلالة الرائعة أثارت دهشتها. وعلى أسكفته أرفقها رجل واحد فقط، وبقي الباقون بالخارج. ولجت إلى قاعة يحفها الرجال الذين بدوا لها أنهم حراس وجنود، كانوا يحيون الرجل في وداعة. أشار لها بكفه لتقف وتجاوزها واقفًا قبالتها مباشرة، وغمغم في لهجة حادة لم تخلو من الاحترام:
- سيأتي الأمير براء. لا تراوغي معه، فهو برغم احترامه الشديد للنساء لا يرحم أحدًا إذا تعلق الأمر بالأميرة. كوني مطيعة وأخبريه بما تعرفينه ودون إسهاب، واحذري الكذب يا فتاة.
تدلى فكها في بهتة وسكتت هنيهة محدقة فيه في صدمة قبل أن تسأله:
- أقسم لك بأني لا أفقه حرفًا مما تتفوه به. ماذا تقول؟ وماذا تريد؟
تقدم إليها في خطوة حادة وهو يزم قائلًا وكفه يضغط على سيفه في غضب جم:
- حسبك، ها أنا بدأت تراوغين. لا تفلتي أعصابي وتضطريني لقتلك.
لم يتمم عبارته أن هتف هاتفًا من خلفه:
- يا صهيب، حسبك يا رجل. هل هكذا نعامل ضيوفنا؟
إذدرد صهيب لعابه وهو يلتفت منحنيًا في وقار ويده موضع قلبه، وقال:
- عذرًا مولاي، لكنك تعرف لا أحب المراوغة. هي بدأت تفقدني أعصابي.
لم تشعر حين أشار للجميع بالانصراف بإشارة من يده، إذ كانت منشغلة في التفحص في تعجب لكل ما تقع عيناها عليه. أقبل الأمير نحوها ويمناه خلف ظهره يسير في تؤدة ووداعة حتى وقف أمامها. فرفعت عيناها إليه فتقابلت النظرات وبقيت لثوان، حتى قطع السكون صوته المهذب مرحبًا ببسمة لطيفة:
- مرحبًا بكِ يا جميلة في قصر الأمير براء.
اتسعت عينيها وهي تصيح في دهشة وتصفق في حماسة:
- البراء ابن مالك الأنصاري؟
قطب حاجبيه متسائلًا في تعجب:
- من هذا؟
ثم أردف في نبرة حادة وهو يدور حولها:
- يبدو أنك ستراوغين حقًا. إذن فأنتِ لا تعلمين من أكون وما أفعله في أمثالك.
وقف حين وصل قبالتها وصاح بصوت أكثر حدة وارتفاعًا:
- أين الأميرة ميليا يا فتاة؟ أين أختي؟
تقهقرت للخلف مذعورة. عيناه المتسعة بدت مخيفة للغاية. وجهه المحتقن بحمرة الغضب بدا كأنه سينفجر، حين صرخ مرة أخرى، هزت منكبيها مجيبة في خوف وتوتر:
- من ميليا؟ ومن هي أختك؟
نظرت حولها فلم تجد غيرها معه، فازداد الخوف في قلبها وتسلل إلى سويداءه. في حركة واحدة وجدت نفسها يجذبها من معصمها القابض عليه في قسوة يقربها إليه وهو يجز على أسنانه قائلًا في صوت كالفحيح:
- الأمير وابنها أين يا فتاة؟ لا أحد يعلم باختفائها أبدًا، فلماذا نطقتِ باسمها حين رأيتي صهيب؟
أسبلت جفنيها تواري عبراتها التي أشرفت في مقلتيها، وودت أن تنأى عنه وتستتر في جان الذي لم تعلم أين أخذوه آنفًا. قالت في نبرة على وشك البكاء وهي تنظر إلى عيناه في رجاء، وذراعها يجاهد أن ينفلت من قبضته:
- ابتعد يا هذا، أنا لا أعلم من أختك. قراءة اسمها صدفة، منقوشة على سترة ذاك صهيب.
- حقًا؟
صاح بها الأمير في تهكم غير مصدق وهو يحرر ذراعها ويبتعد خطوتين. وبقى يتابعها ويمعن النظر إليها في سكون هز قلبها رعبًا. ثم قال في لهجة تقطر دهشة وهو يشملها بنظراته:
- لماذا تبدين غريبة؟ ملابسك وهيئتك، من أي الممالك أنتِ؟
فغرت فاه مشدوهة وهي تردد في بهتة:
- ممالك؟ ممالك إيه دي وتبع إيه؟
ضيق عيناه متسائلًا في تعجب:
- ماذا؟
حكت (دارين) فروة رأسها وهي ترفع شدقيها في تهكم من نفسها، وعصرت جفنيها مجيبة في جفاء:
- أنا لا أدري من أختك أو أين هي، وأنا لست من هنا. لا أعرفك ولا أعرف أين أنا ولا هذا المكان. كل ما في الأمر أن الطائرة سقطت بنا وبفضل الله نجونا وأمسينا هنا.
لاح لها شبه ابتسامة متهكمة ظهرت على زاوية فمه قبل أن تنقلب ملامحه ويصيح في حدة وهو يحل عقدة ذراعيه من خلف ظهره ويصفق بهما:
- أيها الحراس.
فور ندائه، حضر حارسان مذودان بسلاحين في غمدهما، ووقفا ناكسي الرأس في انتظار أمره الذي لم يطل. وقال وهو يحدج دارين في غضب جم:
- خذوا هذه وزجوا بها في السجن. أما أن تبوح بما في مكنونها أو أن تموت جوعًا.
اتسعت مقلتي (دارين) في صدمة وراحت تصرخ أن يفلتوها وتستنجد بـ (جان)، لكن لم يزد صراخها إلا جرًا لها عنوة حتى زجوا بها في غرفة.
تنبهت (دارين) من ذكرياتها على صوت انفراج الباب ووقوف الأمير (براء) أمامها كحاله جميل جذاب أنيق في ملابسه الغريبة، واضعًا كفاه خلف ظهره يرمقها في تمعن ونظره شاملة. دنا من الفراش لتعتدل واقفة أمامه وران عليهما السكون للحظات قبل أن يسألها بصوته الرزين الهادئ:
- للآن أعاملك جيدًا وليس لي حاجة في أذيتك صدقًا. وقد تراجعت عن إصدار أمري في سجنك وأودعتك هنا، ولكنك لا تتفوه بحرف. وهذا كثير وأنتِ ليست أفضل لدي من أختي التي هي حياتها في خطر. ربما أستطيع إنقاذها هي وطفلها. فأنا وزوجها نبحث عنها دون جدوى. وإزاء حياة أختي قد أخل بكل المبادئ والقيم.
صوته الرخيم اشتد قساوة وهي يضيف من بين أسنانه:
- لن أمهلك فرصًا أخرى. أما أن تجاوبين أو سيكون مأواكِ السجن ودون طعام حقًا كما أمرت. هاتي ما عندك أفضل لكِ. الأميرة (ميليا) أميرة مملكة ميليا أين هي؟
كادت أن تموت خوفًا وبدأت ترتعش أمامه. دموعها التي هوت إلى وجنتيها لم تهز فيه شعرة وهو يقف في شموخ أمامها. ولكن صوتها الباكي الحزين هز قلبه الصلد الذي لم يعرف الحب يومًا. بل ربما انتفض متزلزلًا وهي تشهق في بكاء صامت مرددة في قهر:
- بالله لا أدري من هي وأين هي. كل ما حصل كان في محض الصدفة لا أكثر. أين جان؟ أريده، أريد أن أرحل من هنا.
سكتت هنيهة تخفي وجهها بين كفيها تعتصر صورة أمها التي ممكن أن تكون في عداد الموتى الآن أو في مشفى الحالات النفسية. لن تسامح نفسها إن كانت السبب أبدًا. راحت تهزي في نبرة أقشعر لها بدنه الضخم:
- أمي يمكن أن أخسرها إن لم أعد لها. اتركني أرحل أرجوك.
نظرتها المغشية بالدمع رقت قلبه ولم ترق ملامحه وارخت جسده. وربما ظنت أنه سيتركها، لكنه حطم آمالها حين تشنجت ملامحه وشد قامته في شموخ رافعًا رأسه مجيبًا في نبرة حادة كالسيف:
- وأنا ممكن أن أخسر أختي وابنها. وهذا ما لا اسمح به. لذلك ستبقين في السجن.
الحياة بدت كقبر حالك السواد، أو ككلاليب من المصائب والهموم تلتف حولها فتكتفها بشدة فلا تستطيع الحراك. الحياة لم ترأف بها في كل فرصة تسنح لها تقتص منها كل ما تريده دون ذرة رحمة. بين أربع من الجدران باتت حبيسة بينهم. تنام وتصحو في مكانها، بل تقسم أن النوم قد فارقها كما الحياة. الأرق فقط كان أنيسها وصوت جان. أسندت رأسها في وهن من قلة الزاد إلى الجدار وهمهمت لتطمئن قلبها الخائف:
- حقًا أن اسمك ليس جان؟ أم أنك فقط تمازحني!
تبسم آجار من الطرف الآخر وهو يزفر في ملل مجيبًا:
- قولي أنك تموتين خوفًا وترديني أن أتكلم حتى تطمئني!
نفخت (دارين) وهي تعتدل قليلًا للأمام مسندة بكفيها على حافة الأريكة الصغيرة التي تأويها:
- حسنًا، هذا حقيقة ولكني لا أصدقك. هل حقًا ليس اسمك جان؟
- أخبرتك مرارًا وتكرارًا اسمي آجار. لا أدري من جان هذا.
- أشعر كأني في درب من الخيال! هذا غير ممكن أن يكون هذا الشبه بينكما. هل لديك أخ مغني؟
ارتفع جانب فم (آجار) ببسمة ساخرة وأجاب في تهكم وهو يعقد ذراعيه:
- وهل تظنين أن رجل عائلته من المافيا أن يكون لديه أخ مغني؟
همست (دارين) في تعجب:
- إذن لك عندي أن أريك المغني جان. أنا من أكثر معجبيه. إنه يشبهك كثيرًا جدًا.
طرقت في رأسها فكرة فقالت في حماسة:
- أم أنك تود إخفاء هويتك عني؟
قهقه (آجار) مجيبًا في قلة حيلة:
- يا إلهي! ما نقوله نعيده. أقسم لك بأني لست مغنيًا.
بعدم تصديق لوت (دارين) شدقيها متمتمة:
- طيب!
تحسس (آجار) ندوب وجهه الغائرة، والقى نظرة إلى كدماته الزرقاء وتميز غيظًا لثوان وهو يتذكر، ضرب الجنود المبرح له حين انفعل وصاح على صوت صراخ (دارين) حتى فقد الوعي.
أتاه صوت (دارين) تقول:
- جان يا هذا أنا جائعة.
بترت عبارتها انفعاله مرددًا:
- اخبرتك أن إسمي آجار، آ ج ا ر، أحفظيه عن ظهر قلب هيا.
- حسنًا، ألست جائعًا يا آجار.
شدت على حروف اسمه في تعمد وتابعت في صدق وهي تتضرر جوعًا:
- اكاد أموت من الجوع ولو بقيت لساعات أخرى دون طعام أظن أني سأفارق الحياة.
طعنته جملتها في قلبه لكنه هام فجأة سارحًا وقال وبسمة حزينة تبزغ فوق شفتيه:
- أجوع؟ أنت لا تعلمين ما عانيت يا دارين، الجوع ليس بالأمر المهم بالنسبة لي.
كلماته المبهمة لم تستغيثها، فقالت:
- أوه أنا جائعة.
ثم قالت في تزمر وهي تنظر إلى بطنها:
- واخرتها هتموتي جعانة يا فقرية، أنا قلت وشي نحس.
قبل أن يتقدما الرجال، ضحك هو معطيًا إشارة بنزول ستارة عن مرأى المسرح، وبالفعل تجلت فور إشارته، فجذبها من معصمها قسرًا وركض بها للخلف ومنه لزاوية جانبية. ترك معصمها وهو يلهث، واضعًا يمناه في جذعه والآخر يلوح به وهو يغمغم ناظرًا لها في ضيق:
- ماذا فعلت يا وجه المصائب؟ لماذا هؤلاء يركضون خلفك! أي مصيبة تلك!
انفرجت شفتيها لتهينه، لكن قاطع صوتها مجموعة من الشباب والفتيات يقبلن إليه، وقال إحداهما:
- ما الذي حصل يا جان؟ لم يكن هذا في العرض، من هذه؟
قالها وهو يؤشر بازدراء إلى (لمياء) التي تشجنت ملامحها وصاحت فيه منفعلة وهي تتخطى جان:
- ماذا تقصد بإشاراتك هذه يا هذا؟ هل تدري مع من تتحدث؟
حركت فتاة كتفيها في دهش مرددة:
- من هذه يا جان؟ من أين لك معرفتها؟
لم تسنح لأحد الفرصة بالرد، فما حصل جعلهما مصدومين، إذ أمسكت (لمياء) بكف (جان) وركضت وهي تهتف:
- اسكت يا وجه الفقر أنت! وأنتِ هي ستوصلني يا رجل.
كان يجب عليها فعل ذلك بوجود شخص، وإن كانت شخصيته سخيفة، ولكنه يبدو شخصًا جيدًا يمكن أن تأمن له. جذب ذراعه فجأة في عنف وقد تبدلت نبرة صوته الهادئة المازحة إلى جدية غاضبة وهو يهتف فيها:
- ماذا تفعلين يا مجنونة؟ أين تأخذيني! من أنتِ لتجذبيني هكذا وتركضين ومن أعطاكِ الحق في ذلك؟
وقفت كالبلهاء تمامًا لثوانٍ، وكلماته قد استشعرتها بفضاحة ما فعلت، فكيف لها أن تفعل ذلك؟
لكن طرأ خاطر في خاطرها، فرفعت حاجبها تسأله في وجوم متحلق:
- وإنتِ لماذا ارتضيت الجري معي كل هذا؟
"تبدو ذكية" هكذا ردد بينه وبين نفسه، فتنحنح حاكًا مؤخرة رأسه في حيرة من هذا المأزق، فتبسم قائلًا ببساطة بعد هنيهة من الصمت:
- أنتِ سحبتيني دون أن تأخذي رأيي ولم أستطع الرفض، فقد كنتِ خائفة! أليس كذلك؟
عقدت (لمياء) ذراعيها، ورمقته في مقت وهي تدمدم:
- بالفعل معك حق، والآن أنت حر، انطلق إلى حفلتك ومعجبينك وجمهورك، فأنا لا أريدك أن تساعدني أن أصل لأخي!
ولم تنتظر إجابته، كانت تتميز غيظًا. بقى جان مكانه مطويًا شفتيه قبل أن يناديها قائلًا:
- يا هذه انتظري.
وقفت دون أن تلتفت، فما إن أدركها بسط كفه مشيرًا لها على السير مغمغمًا:
- أين أخيكِ؟
هزت كتفيها بدليل عدم معرفتها، فسار بجوارها وسأل:
- إذاً أين ستجديه؟
أجابته تلقائيًا:
- هو من سيجدني.
- ما اسمك؟
- لمياء، وأنت؟
- جان.
التفتت له وهي تهز رأسها في حسرة، وهمست في نبرة حزينة:
- مغني..
قاطعها بإيماءة من رأسه، وقال:
- ولم تقوليها هكذا! هي موهبة.
- موهبة لا ترضي الله.
إزدَرْدَ لعابه وسار معها شاردًا مليًا قبل أن يقطع السكون السائد بينهما مرددًا:
- لماذا كان هؤلاء الرجال يلاحقونك؟
سكتت (لمياء) لبرهة قبل أن تقول مدارية:
- ولا حاجة، متشغلش بالك أنت، أنا هعلمهم إزاي يقفوا في طريق بنت الشرقاوي.
اكفهرت ملامحه وقطب حاجباه وهو يحدقها في عدم فهم، فأبتسمت في بلاهة وقالت ما جال في خاطرها:
- معك هاتف!
أومأ ولم ينبس، واستل جواله مناولًا إياها، فاخذته وسكنت في مكانها تضرب أرقام أخيها معاذ، قبل أن تستمع لرنين الهاتف الذي لم يطل، وسرعان ما جاءها صوته متلهفًا:
- السلام عليكم، مين؟ لمياء؟
ارتسمت البسمة على وجهها، فأشرق في روحه الأمل، وراح يتأملها وهي تتحدث بتلقائية تخبر أخيها في مكانهما.
كان معاذ برفقة مالك، الذي علم منه باختفاء لمياء حين كان يحادثه، حقيبتها الملقية أرضًا كانت قد بثّت الرعب في أوصالهم. وصل إليها في غمضة عين بسيارة مالك، ليترجل معاذ وتركض هي مختفية في حضنه وتنفجر باكية، وأخذ يربت هو على ظهرها ويتفحصها بعينيه ليطمئن قلبه أنها بخير. اقترب مالك منهم وراح يسأل عما جرى، لكن لم يتلق إلا البكاء.
تبسم جان في حزن، مرآة لصورة الإخوة أثارت في قلبه أشياء كثيرة مفتقدها حد الموت. هوت دمعة قسرًا من مقلتيه تأثرًا، من كان يظن أن هذه الفتاة التي كانت تخانقه مذ قليل دون ذرة خوف، ما إن وجدت أمانها حتى انفجرت منهارة، تاركة نفسها تأمن في حضنها الأمن، وسندها الذي لا يميل. كم جميل رؤيتهم هكذا.
قاطع شروده قول مالك له:
- شكرًا يا……
أتاه صوت لمياء فورًا وهي تكفكف دموعها بظهر كفيها كطفلة صغيرة:
- كلمة بالانجليزي، ميعرفش لغتنا ده.
قهقه مالك مغمغمًا وهو يضرب كفًا في كف:
- أنت في أي ولا أي، مخليك في اللي أنت فيه، مش مكفياك البلد جيبلنا من بلاد برا!
- مالك؟
عنفه معاذ بنظرة صارمة وهو يترك كتف لمياء مقتربًا من جان يصفعه وهو يشكره بامتنان. بينما خلع مالك سترته وأهداها للمياء التي جذبتها منه في قرف وارتدتها، لينظر لها في اشمئزاز قائلًا:
- وإذا مقروفة منها بتخديها ليه؟ باردة.. وبعدين إيه اللي حصل معاك؟
اشتعلت ذكريات ما عاشته آنفًا، فاغرورقت الدموع عينيها، فطل القلق من مقلتي مالك وهو يسألها في سورة من الغضب:
- حد اتعرضلك؟ أنطقي!
ضربة كف تلقاها من معاذ الذي همس له في غضب:
- اكتم بوقك لحد ما نروح ونعرف إحنا في الشارع، وسيب البنت، انت مش شايف خايفة إزاي.
جز مالك على أسنانه مكورًا قبضته، بينما رمق معاذ لمياء بنظرة فهمتها لتنكس رأسها، فضم كتفها وغادرا مخلفين خلفهم جان الذي ينظر في أثرهم، بنظرة مفعمة بالوداع للمياء.
تناهى له صوت (دارين) الذي هز كيانه وهي تئن، فنهض من غفوته واثبًا مسندًا بكفيه إلى الجدار الفاصل بينهما، وقال:
- داريـــــــــن! أنتِ بخير ما بكِ؟
لم يصل إليه رد، فجن جنونه، وفي سورة من الغضب ودون تفكير راح بكتفه يضرب الجدار، لا هم له إلا الاطمئنان عليها، أن يراها بخير وكفى، وأن كان فيه موته، ليموت في سبيل أن تكون بخير.. نعم، تلك العابرة يشعر بالمسؤولية تجاهها وهو لم يعتاد خذلان أحد، وخاصة إن أوصاه عليها أخيه.
تهدل كتفه وأرتكن على الجدار مع صوت سقطة قوية نبأته أنها لها لـ (دارين) التي لم يدخل الذاد في جوفها مذ أيام. هرول نحو الباب الحديدي ذو القضبان السوداء وصرخ بصوته كله وهو يشد فيه، لكن لم يكن أقوى من الباب، ولكن صوته أحدث جلبه. جاء على أثرها إحدى الجنود وما كاد أن يعنفه، حتى بادره آجار إذ مد كفيه من الفتحات جاذبًا إياه من ملابسه وثبته في الباب وقبض على عنقه مردفًا بنبرة كالفحيح المميت:
- انظر يا هذا، أن أردت أن لا تموت الآن، ستنقذ الفتاة. حسنًا!
مع كل كلمة يلفظ بها كان يعتصر عنقه غير عابئ بأن يموت في يده، وقد كاد أن يموت حقًا إذ اتسعت عيناه وتهدجت أنفاسه وعلا وجيب صدره لولا أن تركه آجار أخيرًا وهو يلهث يحدجه في غضب ويؤشر له بأن يرحل. فسعل الجندي وفي طريقه ألقى نظرة مختلسة على دارين الفاقدة للوعي، فأكمل طريقه متعجلًا. لكن ما رآه كان عجيبًا، إذ كان الأمير لأول مرة يركض لخارج القصر وخلفه زوجته، فلحق به دون تفكير.
لقد رأى الأمير (براء) وصيفة أخته أو بالأحرى رفيقتها مقبلة إلى قصره تسقط تارة وتسير متعثرة تارة غارقة في الدماء تلهث، فاتسعت عيناه وهو يهرول خارجًا من الشرفة بل إلى خارج القصر بأكمله، صارخًا في صهيب أن يسرع إليها، وقبل أن يهبط درجات الدرج ذهبية اللون كانت الفتاة تسقط، ولكن استقبلتها ذرعاه وحال بينها وبين الوقوع الذي لو تم لفقدت وعيها في الحال. لم ينبس إذ راحت هي تلتقط أنفاسها المتعالية في صعوبة بينه للجميع الذين رمقوها في دهش، وقالت بصوت يهدهده الإغماء وعيناها مثبتة في عيني الأمير:
- ألحق الأميرة يا أمير، إنها... إنها في خطر قد لا تصل إليها.
قاطعها قائلًا وعيناه من صدمته تكاد أن تخرج من محجريهما:
- أين هي؟ أين الأميرة؟ أجيبِ!
شهقت شهقة عميقة رفعت صدرها وأرخت رأسها وهي تردد في تعجل وهي تشعر بدنو أجلها، فكان لا بد قبل أي شيء أن تبوء بوصية أميرتها التي كانت بمثابة أخت:
- توصيك الأميرة أن ترجع حق ابنها الأمير الصغير، تم ذبحه.
صمتت مليًا، وهو من فرط صدمته لم ينبس بحرف، يظنها تهذي، هل حقًا مات ابن أخته؟ الذي كان ابنه؟ إنه أول فرحته الصادقة. نظر إليها مداريًا دموعه حين همهمت في همس بطيء وحروف متقطعة وصلت لمسامعه:
- ميليا تخبرك أنها لن تسامحك إن لم توقف ما يجري وتأتي بحق من قتلوا.
في هذه المرة حل الخوف في عينيها وشخص بصرها من الرعب وهي تنظر فيم وراءه قبل أن تهم برفع سبابتها التي سقطت فورًا وسقط رأسها فوق حجره.
أصابه الهلع وهو يهزها لتجيب عن أسئلته، ثم نظر في جنوده صارخًا فيهم في إحضار طبيب، وحملها سريعًا مهرولًا بها لغرفة أخته.
عمدت (لمياء) على إخفاء الأمر لفترة عن معاذ حتى لا يفعل ما لا يحمد عقباه، وها هي تتوسط الدائرة المتمركزة حول (خديجة) التي تستعد أن تلقي درسها. العيون تناظرها في تلهف، والقلوب مشتاقة لكلماتها وحديثها وصوتها. الآذان صاغية تهفو إليها بكل حب. تحمحت بعد ردح من الزمن كانت تستعيد ثباتها وتقلب ما ستلقيه إليهن. جالت ببصرها في الوجوه وأردفت ببسمتها المضيئة فوق شفتيها:
- سيكون حديثنا اليوم.. غير أي حديث آخر، حديث سيحلق بنا إلى عالم آخر، عالم سيعلمنا أن هذا العالم ما نحن فيه إنما هو زائل، حديث سيفيقنا من غفوتنا وغفلتنا لنصحو ونعلم أن ما نبنيه ونجمعه ونسكنه زائل، أننا يومًا ما سنرحل غير تاركين خلفنا أي شيء.
ربما قلب أحبنا بصدق يدعو لنا بين الحين والآخر. بالاخير لن يبقى لنا إلا الذكرى الحسنة، هذه هي الحياة. فيا ابن آدم..
يا من تظن أنك لن تموت، غارقًا ومنغمسًا في ملاذات الحياة، تجمع الأموال وتبني البيوت وتنجب الأطفال، تحل لنفسك كل محرم.
ناسي أن كل نفس ذائقة الموت، حتى الأنبياء قد ماتوا، فما بالك يا ابن آدم لا تتعظ.
نسمع الأذان فلا نلتفت، وربما نكسل أن نقوم إليه، رغم علمنا أن الصلاة أول ما نحاسب عليها.
وربما إذا أدناها تعجلنا، لا نخشع ولا نطمئن ولا نتذوق طعمها وحلاوة القرب من الله.
أيتها النساء، انظرن إلى عمر بن الخطاب، الفاروق العادل الذي بشره الرسول بالجنة، يبكي خوفًا من خشية الله، يبكي أن يُسأل عن رعيته وهو المبشر بالجنة العادل، فهل بشرتكم في الجنة لتتمسكوا هكذا في الحياة الدنيا؟
أتعلمون كيف تخرج الروح من الجسد؟
والله لو علمتم، لمتّم في هذه الدنيا.
كلنا سيذوق الموت، وربما يكون خفيفًا أو شديدًا، فهذا على حسب أعمالنا وحسناتنا. قال الرسول: "إن للموت سكرات".
وقد قال مبينًا لنا سهولة خروجها من روح المؤمن ومن الكفار فقال:
"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. فتخرج، فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا عبدي إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فتقطع منها العروق والعصب، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ}.. فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا. فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: كذب عبدي، فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة." رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع.
سكتت خديجة تلتقط أنفاسها لهنيهة وقد أدمعت عينيها، وهي تجيل في عيون من حولها التي تتطلع إليها في تأثر منهن، من بكى ومنهن من أدمع، وتابعت:
"المحتضر يرى ملك الموت، فأن كان من أهل الجنة يراه في صورة حسنة، ويرى ملائكة الرحمة بيض الوجوه، معهم أكفان من الجنة يجلسون منه مد البصر. ثم يأتي ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول: يا فلان أبشر برضى الله عليك، فيرى منزلته في الجنة. ثم يقول ملك الموت: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.
وأما إن كان من أهل الشقاوة، فإنه يرى ملك الموت في صورة أخرى، ويرى ملائكة العذاب سود الوجوه، معهم أكفان من النار وحنوط من النار. ثم يأتي ملك الموت ويجلس عند رأسه، ويبشره بسخط الله عليه، ويرى منزلته من النار، ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، أبشري بسخط من الله وغضب."
تهدجت أنفاس خديجة لوهلة وأضافت:
"ومن علامات حضور الموت.. شخوص البصر، فـ عن أم سلمة رضي الله عنها: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شخَص بصره وأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر..) الحديث. ورواه مسلم وأحمد.
وبرودة الجسد، والله أعلم.
أما من علامات حسن الخاتمة.....
فعن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود والحاكم.
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (موت المؤمن بعرق الجبين) أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وغيرهم.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر) رواه الترمذي.
اللهم نجنا من فتنة القبر ووحشته وظلمته وعذابه.
ومن علامات حسن الخاتمة أن يموت على طاعة من طاعات الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما لو مات في صلاة أو في صيام أو في حج أو في عمرة أو في جهاد في سبيل الله أو في دعوة إلى الله. ومن يرد الله به خيرًا يوفقه إلى عمل صالح فيقبضه عليه.
وعن أنس رضي الله عنه قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجبت). ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجبت). فقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ فقال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه.
أسرعوا بالتوبة إلى الله، فما تعلم نفس متى الأجل. أتدري ما السفود؟ السفود هو عود من الحديد يشوى فيه اللحم.
فتخيلوا معي أن روحك تخرج كالسفود من جسدك فتقطع أعصابك، هل تتحمل يا ابن آدم؟
جاء في كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الحياة عبارة حفرة في قلبي لا تبرحه، إذ يقول الشيخ رضي الله عنه:
أيها الناس، قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه، وحان للغافل أن ينتبه من غفلته قبل هجوم الموت بمرارة كؤوسه، وقبل سكون حركاته وخمود أنفاسه ورحلته إلى قبره ومقامه بين أرماسه.
أيها الناس، والله إن زماننا قد أغمر بالفتن وانغمسنا فيها انغماسًا، ونسينا الآخرة وما فيها، ونسينا أن الموت آتٍ لا محالة، فاعمل لآخرتك وجنتك وليس لحياتك، فما هي إلا دنيا زائلة وأننا بها عابرو سبيل سنرحل، فهذا ليس بيتنا ولا مسكنًا، ونرجو الله أن يرزقنا حسن الخاتمة ولا يأخذنا ونحن مفتونون عاصون.
تنهدت تنهيدة عميقة وهي تغلق أجفانها، وقالت باسمة:
"أتمنى أن يكون درسنا اليوم قد ترك بكن أثرًا ما، وغير فيكن شيئًا ما، ودرسنا المقبل سيكون عن مراحل القبر إن شاء الله تعالى، فأستعدوا له أيما استعداد."
بعد بعض من الوقت مر في أسئلة البنات التي أجابت عنها خديجة برحابة صدر، وغمزة للبنات وخرجن حتى لا يتأخرن، فما أن وطأت أقدامهن أعتاب المسجد، حتى عقدت خديجة حاجبيها في تعجب وهي ترمق خالد المكفهر في دهشة وقالت موجهة حديثها لأروى:
"مال الواد ده؟"
هزت أروى كتفيها، وقالت:
"مش عارفة."
أقبل خالد إليهن برفقة حمزة ووقف أمام أروى متسائلاً في غلظة:
"ممكن أعرف إيه اللي سمعته ده؟"
ردت أروى ببراءة ولم تتدرك ماهية السؤال:
"إيه مش فاهمة؟ إيه اللي حصل؟"
هم بتعنيفها، لكن صوت خديجة هدأه وهي تقول:
"خالد أهدئ."
أومأ برأسه وكظم غيظه وهو يقول من بين أسنانه:
"فهميني يا أروى إزاي هتستقيلي؟ مش ده عملك اللي تحديتي الكل عشان تدخليه؟ بسهولة كدا هتتخلي عنه؟ حصل إيه؟ متأكد إن في حاجة."
تحولت نظرات الفتيات إليها في دهشة وعدم تصديق، بينما رمقت هي حمزة بنظرة سريعة وقالت:
"عشان ده اللي كان لازم يحصل من الأول، ده مش مكاني ولا ليا يا خالد، أنا لولاكم..."
قالتها وهي ترمقهما سويًا وأردفت في صدق:
"كان زماني ميتة. أنا مليش كتير متعينة وعلى أصابع اليد القضايا اللي مسكتها، ولولا لمار مكنتش اتقبلت. أنا مشاعري بتحكمني، ده مش مكاني، أنا منفعتش ليه ولا هو نفع لي."
اعتصر خالد جفنيه، وبادر حمزة متسائلاً بتشكك:
"متأكدة من كلامك؟"
همهمت أروى وهي تنظر له في أسى:
"يا ريته كان كلامي."
كلامها المبهم لم يفهم أحد كنهه. لم ينبس خالد بحرف حين سحبه حمزة مغادرين المكان، وأثناء سيرهما قال خالد في حدة:
"متأكد إن في حاجة حصلت خلتها تاخد القرار ده، أنا عارف أروى كويس."
ربت حمزة على كتفه مجيبًا:
"صدقني كدا أفضل ليها، هي في أمان."
وبعدين يا عم، ما ساكنة معاك في نفس البيت، عاوز إيه تاني؟
ضحك خالد لمزحته وغمغم مشاكسًا:
- ملكش دعوة يا عم، خليك في ريتاج.
قهقه حمزة، محركًا رأسه نفيًا وقال:
- يا أدي ريتاج يا بني، قلت معجب مش بحبها، بتفهموا إزاي بس.
رفع خالد حاجبه، فلكزه حمزة مغمغمًا:
- امشي خلينا نشوف وراءنا إيه، تلاقي عاصم بيدعي علينا.
لم تسلم أروى من تساؤل البنات حتى وصلن إلى المنزل، وجلسن حولها وما ظلن في ثرثرتهن وإصرارهن على معرفة لم فعلت ذلك حتى رن جرس الباب. توجهت خديجة لفتحه وهي تعدل من نقابها، فوجدت ضابط شرطة مشهرًا الكرنيه الخاص به، وغمغم في أدب:
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
- عندي أمر بالقبض على الأستاذة لمياء عثمان زيد.
اتسعت عينا خديجة وهي تشهق في صدمة، جاء على إثرها كل من بالمنزل وهي تصيح:
- إنت بتقول إيه، أكيد غلطان.
ارتجفت لمياء وهي تكاد تبكي من فرط الخوف، في حين ضمتها مكة وهي تسب الظابط الذي ما زال مغلفًا كلماته بالأدب، وهو يردف:
- أنا جاي من غير قوة ولا حاجة، احترامًا للعائلة، ولكن ضروري إنها تيجي معايا.
صاحت فيه أروى غاضبة:
- لا بقا، إنت اتجننت، مين دي اللي تيجي معاك، وقضية إيه؟
استل الشرطي ورقة، أنفضها في وجه أروى وهو يغمغم:
- في محضر في الآنسة لمياء بأنها... بأنها بتشغل البنات في الزنا.
صفعة قوية أطاحت بوجهه للجهة الأخرى من لمار، وهي تخرسه في صوت عالٍ:
- اخرس، قطع لسانك.
علا بكاء لمياء وازداد نحيبها وهي تهز رأسها وترتعد، أمسكت لمار بياقة قميص الظابط الشاب وهي تصرخ فيه:
- إنت سامع نفسك بتقول إيه، فوق، دي بنت لمار الشرقاوي.
نكس الظابط رأسه، قائلًا في أدب واحترام، فإن التي أمامه كانت سببًا في تدريبه ونجاحه، وحق لها أن تفعل به ما تشاء في لحظة غضب:
- أنا جاي بنفسي آخدها، وحتى حين تثبت براءتها، هتفضل في مكتبي، وإنت عارفة ده أضراره إيه، ولكني متأكد من براءة الآنسة، ولكن ده واجبي يا فندم، وإنت أكتر حد عارف إنه غصب عني.
تنحت لمار جانبًا، مشيرة له قائلة:
- اتفضل تابع شغلك يا سيادة الرائد، وهناك هعرف كل حاجة، ومين اللي قدم البلاغ وليه.
ظل عينيها ووجهها غمامة سوداء مخيفة، وقبضت جفنيها وهي تستمع لاستنفار لمياء بها وبكائها الذي مزقها مع صراخ مكة وصياح الباقيين.
رواية جحر الشيطان الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندي ممدوح
"مجنونة وستصيبني بالجنون"
ظلت في مكتب ذاك الظابط الذي ساقها من بيتها بتلك التهمة اللعينة، مصدومة، مبهوتة، لا تنفك مقلتيها من البكاء، رغم أنها على يقين أنها لن تمكث في هذا المكان كثيرًا، فإن وعد جدتها نافذ لا محالة. لا تصدق أن تلك الفتاة قد اتهمتها بتلك التهمة بأوراق مزورة أنها فقدت عذريتها، تقسم أنها لن تساعد أحد مرة أخرى. ندمت.. أشد ندم على قرارها بمساعدتها في الأساس، كان يجب أن تتركها هكذا فمالها ومالهن هي... هذا العالم مخيف للغاية ليس كما كانت تعتقد وتعلمت وعلمت أنها وسط ذئاب بشرية. لقد ظنت أن الجميع طيب ذو روح نقية، لكنها نسيت أن أصابع اليد غير متساوية، وهذا هو حال البشر، منهم من يتلون بمائة وجه، منهم الخبيث والماكر الذين يجيدون تمثيل الطيبة. حسنًا، لقد أخطأت ولن تتكرر مرة أخرى، هي آسفة جدًا لنفسها.
فُتح الباب بحركة عنيفة لتنتفض ملتفتة برأسها تستطلع الطارق، فما كان إلا أخيها، حبيبها، سندها، وثبت واقفة تبكي بحرقة ليغلق معاذ الباب راكضًا إليها حابسًا إياها بين ذراعيه يجاهد على تهدئتها بكلمات مطمئنة وكفه يمسح على خمارها الطويل في خزى من نفسه، يشعر إنه غير جدير أن يكون أخاها، كان يجب أن يهتم بها أكثر، ويعلم ما يجري في حياتها وتعانيه وتحياه.
أخته الرقيقة، الطيبة، ذات الروح النقية لا تدرك من خبث البشر شيء، لذا وجب عليه أن يكون حذرًا، مراقبًا لها، يشاركها يومها بكل ما تعانيه.
غمغم معاذ وهو يقبل هامتها:
"اهدئي يا لمياء أنا جنبك يا حبيبتي، والله ما هخلي اللي عمل كدا يتهنى ولا يدوق الفرح في حياته، هدفعُه التمن يا غالية بس انتِ اهدي."
لم تبتعد عن حضنه، ولم تزيدها كلماته إلا بكاءً وتشبتًا فيه. رفعت رأسها تنظر في عينيه برؤية مشوشة من أثر الدموع، وقالت:
"أنا معملتش حاجة يا معاذ صدقني والله ما عملت حاجة، خرجني من هنا يا معاذ أنا خايفة."
عادت تدفن رأسها في صدره فشدد من ضمها أكثر جازًا على أسنانه في سورة من الغضب يستشعر رهبة قلبها من كل ما حولها، وتمتم في نبرة حاول جعلها هادئة قدر الإمكان:
"حبيبتي أنا عارف إنك مستحيل تعملي كدا، بابا وماما وتيتا العيلة كلها جنبك مش هنسيبك، محدش منا هيسيبك وأنتِ عارفه كدا.. و دلوقتي..."
رفع وجهها في وجهه وتابع في صلابة بمسحة من حنان:
"قوليلي كل اللي حصل معاكِ عشان أقدر أطلعك."
فغرت فاه لوهلة مفكرة، مترددة، تخبره أم لا تخبره، هو سر لإحدى طلباتها فهل تبوح به؟ عمَّ تفكر هي الآن، أليس من الأجدر أن تفكر في نفسها!
أومأت برأسها مع زمجرة معاذ لها وهو يقول صاكًا على أسنانه:
"بتفكري في إيه أنتِ! ولا حابة تتحبسي!"
هزت رأسها رفضًا وهي تقص عليه جل ما حدث آنفًا معها، وفي منتهى الغضب صاح فيها معاذ معنفًا:
"أنــــــــــتِ غبية ولا معندكيش عقل خالص إزاي تتصلي وتقوليلهم كدا على طول من غير أي تفكير وإزاي تخبي عليّ كل ده؟"
انتحبت لمياء وهي تتمخط في منديل ورقي جذبته من جيبه وقالت بصوت متهدج:
"أنا خوفت على البنت عشان كدا اتصرفت كدا."
ثم قالت منفعلة وهي تنفجر باكية بصوت عال:
"وبعدين انت بتلومني على إيه أصلًا."
"- على خيبتك يا اختي..." قالها معاذ نافثًا عن غضبه وهو يوليها ظهره يستدعي كل هدوئه، بينما جلست هي منتحبة. دام صمته، وعلى بغتة جلس على الطاولة أمامها يميل بوجهه على وجهها وهو يضمه بكفيه هامسًا:
"قلبك الطيب ده مينفعش في الزمن دا يا لمياء يا حبيبتي، اللي عملتيه حلو، بس اهوو شوفي البنت عملت فيكِ إيه واتهمتك بـ إيه هي وعمها، بس ولا تشيلي هم أنا جنبك وهطلعك من هنا وهدفعهم التمن غالي على كل دمعة نزلت من عينك، قوليلي بقا إسمه وعنوانهم وكل اللي عرفتيه عنهم."
باحت له لمياء بكل ما تعرف.. وقد سكن وجيف فؤادها، وغزاها الاطمئنان. الجميع معها هي ليست وحيدة، ثمة من يشاركها مصائبها بل وسيساعدها أيضًا، فبات الحمل خفيفًا.. وكيف لا يكون وهي تمتلك مثل هذه العائلة والألفة.
غادرها معاذ على وعد اللقاء مجددًا ببشرة خروجها، فلم تجد نفسها إلا أن تستأذن من الظابط لتتوضأ وتصلي وقد كانت بمفردها في المكتب بعد ما تركه لها.. وقد سخر لها الله من يرق لحالها ويثق في برائتها، فماذا لو كان ظابط آخر غير هذا؟ تُرى كيف كانت ستكون؟ تكاد تجزم أنه إذا كان غيره لكانت الآن بين قضبان إحدى الزنزانات، أو في جلسة استجواب. يا الله كم هو رحيم بها، فحق لها أن تلجأ إليه وتبث إليه شكواها، تشكيه مرارة قلبها فيجبره، هي على يقين أنها ستجبر، فمن ذا الذي طرق بابه ولم يفتح له؟ من راح إليه مهمومًا ولم يعد مجبورًا؟ دائمًا باب الرحمن لا يغلق بوجه أحد، نحن من نزل أنفسنا بلجوئنا لغير الله عز وجل.
صعد معاذ سيارته في سورة من الغضب، في قلبه نيران مندلعة ويخشى أن تندلع في وجه أحد غير صاحبها. كاد أن يقود لكن باغته فتح بيبان السيارة ودخول الشباب جملة واحدة، فجال ببصره عليهم وما هم إلا أن يصرخ فيهم، حتى قال خالد رابتاً على كتفه بنبرة صارمة:
"إطلع يا عم..."
"- عايز ابقى لوحدي شوية، لو سمحتوا انزلوا!" قالها معاذ مغتاظًا، فـ وكزه حمزة من الخلف مغمغمًا:
"بتقول إيه أنتَ مش سامع، عيد كِدا يا حبيبي."
ثم بانفعال قال:
"إطلع يلا، بلا كلام فاضي، من امتى وإحنا بنسيب حد فينا لوحده."
كاد معاذ أن يجيب لولا مالك الذي صاح:
"ما تطلع يا بني أنت مستنى إيه، دا اللي ياكل لوحده يزور."
قاد معاذ في سرعة هائلة، وعلى مقربة من منزل نرمين ركن السيارة وترجلوا منها منتشرين حول البيت في انتظار فريستهم لتخرج من عرينها. انقضت الساعات دون فائدة تذكر، فما كان في جوف الليل إذ شق السكون صرخة ملتاعة نبأتهم بأن أمرًا جلل قد تم، وما هي إلا دقائق قلائل وكان والد نرمين يهبط الدرج في تعجل حاملًا ابنته التي قطعت شرايين كِلا معصميها ومن ورائه امرأة بدا لهم أنها والدتها فقد كانت منهارة، منهارة تمامًا..
غمز حمزة لـ مالك ففهم بيسر مغزاها، فأسرع إلى السيارة ووقف أمامهما عارضًا عليهم أن يوصلهم إلى المشفى ولم يجد أي اعتراض حتى أنهم لم يتفوهوا بحرفًا فقد صعدوا دون صوت إلا من بكاء الأم الحارق وتهدج أنفاس الأب.
تربص الشباب وإذ ما ظهر عم "نرمين" خارجًا من المنزل متحدثًا في الهاتف حتى اعترض "معاذ" طريقه بثغر باسم.. بسمة خبيثة ويميل وجهه لليمين قليلًا ملوحًا له بكفه، وردد في نبرة مرحة:
"السلام عليكم يا حبيب قلبي اخيرًا ظهرت؟"
اتسعت عينا عم "نرمين" صدمة، فاغر فاه وقد تجلى الخوف على قسمات وجهه وكان يعلم ماهية الواقف أمامه أخ لمدرسة ابنته الذي اتهمها زورًا آنفًا وأودعها في السجن، غير آسف على ما فعله فقد عمل ما رآه مناسبًا وهو أن يزجها في السجن ويظهرها بصورة بشعة حتى لا أحد يصدقها وخاصة أخيه. ماذا يفعل هو في شهوته وقد أحلوت ابنته أخيه في عينيه، لا يريد أن يعلم أخيه.. لا يريد أن يخسره، وفي آن لا يستطيع كبح شهوته كـ البهائم هو لا يفرق بين قريب وغريب وقد وقع مع الأشخاص الخطأ، إذن ليذوق ثمار ما جناه...
تقهقر خطوة للخلف وهو يستدير ناويًا الفرار من "معاذ"، لكن تسمرت خطواته في محله ما أن وقع بصره على "حمزة" واقفًا بتعابير متهجمة، والغضب يطل من شرفة عينيه، باسطًا كفه الأيسر مكورًا كفه الأيمن يضرب بقبضته. مرارًا وتكرارًا في كفه المنبسط. هم أن يركض يمينًا فغمز له خالد بعينين تشع بالنيران بثّت الرعب في فؤاده. مع من أوقع نفسه هو بحق الله! أنَّى يهرب الآن من براثنهم.
لم يهملوه التفكير في الفرار، إذ هجم عليه "معاذ" دون أن يمهلوه حتى تدارك من أين تأتيه اللكمات، فقد جذب ياقة تشرته بكف والآخر طفق يصد به اللكمات في وجهه دون هوادة. وهو يصيح بنبرة هادئة تقطر غضبًا رغم ذلك:
"دي عشان كل دمعة نزلت من اختي يا ابن ال*****، ودي عشان فكرت بس تأذيها... ودي بقا عشان انت أذيتها فعلًا... ام دي فـ عشان أعلمك الرجولة وإزاي تبقي عم بحق... ودي عشان تعرف يا كلب أنت مع مين وقعت نفسك عارف إحنا مين يلا.؟! إحنا من عيلة الشرقاوي أسأل عنها، عشان شكلك كدا مسألتش، دي عشان تعرف أن اللي يرشنا بالمياة نرشه بالدم."
دفعه على حمزة لـ يسطرد أنفاسه اللاهثة، فلم يتوان حمزة وهو يتلقفه وابرحه ضربًا، برز صوت "خالد" مغمغمًا في حزن مصطنع:
"اللي ياكل لوحده يزور يا جدعان سبولي حته، اللاه."
غمز له "حمزة" هاتفًا من بين لهاثه وهو يثبت الرجل:
"نفسك في حتة، من عيوني انت تأمر يا خالد باشا."
وتابع وهو يدفع الرجل نحوه:
"خد يا بني خد نصيبك ومتنساش سيبلي الورك."
ضحك معاذ قسرًا متسائلًا في غلب:
"دا وقت مزاحك يا حمزة، هو فرخة هنفرقه؟"
علا صوت خالد فجأة في حزن وهو يقلب في وجه الرجل الذي غطت الدماء ملامحه:
"إيه دا والله هزعل وهجيب ناس تزعل دا شلفطوك يا جدع عملوا منك خريطة مصر، دا كساح عدى عليك مش لكمات من حد دي لأ، تصدق زعلت عليك بجد، بجد تستاهل..."
ثم ناوله لكمة سقط على إثرها، فنفض خالد كفيه وهو يغمغم ضاحكًا بإنطلاق:
"تمت المهمة، وشفينا غليلنا."
بعد ساعة، سُكب عليه ماء هائل أفاق فزغًا على إثره، نفض رأسه تلقائيًا يستعب أين هو، أنَّى قد يكون؟! فجابت عيناه على الشباب المصطفين أمامه في شموخ مهيب، فـ استيقن إنه هالك لا محالة، النجاة من إيديهم مستحيلة، وقد سقط في عرينهم ولا فرار منه، ومع ذلك رفع أنفه محاولًا تهديدهم الذي لم يهز شعرة واحدة من أي منهم:
"والله ما هسيبكم بعد اللي عملتوا فيا ده، هدفعكم التمن غالي وهتشوفوا."
رمقه خالد بنظرة سخرية، وقال في تهكم:
"يا جدع! طب قوم يلا ورينا هتعمل إي قوم يلا؟"
نهض الرجل سرعان ما سقط مترنحًا في مكانه وهو يهدر ثائرًا:
"بتتكاتروا عليَّ والله لهرفع فيكم قضية تجيبكم الأرض."
علت قهقهات حمزة ضاربًا كفًا بكف، وقال:
"دا انت بجد بقا متعرفش إحنا مين؟"
نظر له الرجل في هجوم، وقال في اضطراب لم يُخفَ عليهم:
"هتكونوا مين يعني! إيه هتقتلوني، قّتلوني يلا مستنيين إيه؟"
تناهى لآذانهم جميعًا وقع خطوات أعقبها ظهور مالك عابسًا وهو يردد ونظره على الرجل:
"أنا مخدتش نايبي على فكرة وده ميرضيش ربنا يا ظالم."
كاد يهجم على الرجل لكن خالد حال بين ذلك وهو يسد طريقه، وقال وهو يدفعه بكفيه:
"بس يا عم كفياه كدا خد نصيبه واكتر."
نظر مالك للشباب محركًا رأسه في حزن مصطنع وتراجع للخلف. بينما دنا معاذ من الرجل محذرًا بسبابته وفي لهجة حادة رغم هدوئها قال وهو يميل عليه:
"هنسيبك تمشي إحنا مش قتلة قتلة وأختي هتطلع فـ زي الشاطر كدا تطلع من هنا تسحب دعوتك انت وبنت اخوك وقد أحذر من أنذر، والبادي أظلم."
ثم استقام فجأة كما مال فجأة موليًا الرجل ظهره صارخًا فيه:
"امشي من هنا يلا بدل ما ارجع في كلامي."
أشرق وجه الرجل وكأنه توًا ردت فيه الحياة وهرع من أمامهم كمن يخفق بحناحيه لا يصدق إنه قد نُجي وتركوه بعد ما ظن إنه لا مؤل منهم.
عبس مالك بوجهه وهو يتساءل في تهجم:
"دا إي دا بقا، إزاي تسيبوه يمشي كدا، انتوا بتفكروا في إيه يا أحفاد الشرقاوي بالظبط رسوني، مش معقول بعد كل اللي عملناه تسيبوه كدا بسهولة...."
بتر كلامه مع وضع كف حمزة على منكبه موضحًا له في هدوء:
"متقلقش كل حاجة متخطط لها، اصبر بس واتفرج..."
لا شيء بدا عاديًا، يسيرًا، سهلًا، كأنه على وشك دخول حرب ستسفك الدماء سفكًا، وستصبح الأرض بركة من الدماء، هذا ما كان يجول في خلد الأمير "براء" منذ أن أغمى على خادمة أخته، وكلماتها تتواتر في روعه كـ سكاكين تنهش فيه. سار أمام الجناح الذي يأوي "دارين" شاعرًا بالذنب حيالها، فما جرى لها هو السبب فيه، كان يجب عليه أن يصدقها، ولكن ما حدث قد حدث وحسم الأمر.
أقبل "صهيب" نحوه بخطوات حادة، وملامح مكفهرة ووقف أمامه، قائلًا وهو ينحني برأسه:
"مولاي أنا جاهز، وكُن متيقنًا إني لن أطأ أرض المملكة غير ومعي الأميرة ميليا وخبر ما حصل مهما كلفني ذلك."
تبسم "البراء" رابطًا على منكبه في فخر، وبنبرة واثقة أردف:
"هذه ثقتي فيك يا صهيب واعلم إنك لن تخذلها أبدًا، في أمان الله يا حبيب."
أومأ صهيب مسبلًا أجفانه وتراجع خطوة واحدة وهو يحييه وما هم أن يوليه ظهره حتى صاح "البراء" يستوقفه في لهفة:
"على رُسلك يا صهيب، هلُم معي."
تخطاه ومشى صهيب في إثره، حتى دلفا إلى غرفته الملكية، وقبل أن يستفسر صهيب وقد ران على ملامحه الدهشة والتساؤل، حتى ضيق الأمير عينيه وهمس في نبرة هادئة مبهمة:
"لا يجب لـ أحد أن يعلم أين أنت ذاهب، كُن حذر، وعد بخير فأن حصل لك شيء لا أتحمل، أريدك أن تدخل بينهم دون أن يشك أحد فيك وتأتيني بأخبارهم."
وقبل أن ينبس صهيب ببنت شفه، كان يبتعد فاتحًا دلفتي خزانته ذات الإطار المذهب بفصوص لامعة من اللون الأبيض، وألتقط خنجر أسود اللون يتلألأ بلمعانه وناوله له وهو يردف في حذر:
"ضع هذا معك سيعينك."
نفى صهيب وهو يتقهقر للخلف، مستنكرًا:
"ما هذا يا أمير معي سيفي ويكفي."
"- أعلم هذا ولكن في حين كنت بمأزق هذا سيفيدك، تعلم كيف تستخدمه، أليس كذلك؟"
أومأ صهيب وما كاد يرفض حتى أمره الأمير بأخذه فـ أخذه ثم نزع "البراء" تاجه المرصع بالزبرجد وفتح ذراعيه له، ليضمه صهيب في ود وهمس في أذنه:
"كُن بخير يا رفيقي فـ أنا لا أملك غيرك."
"- لا تقلق يا أمير."
أنصرف "صهيب" وشيعه الأمير بنظراته حتى غاب، ثم خطى إلى الشرفة وهو يضع تاجه متابعًا "صهيب" وهو يعتلي صهوة فرسه في قفزة ماهرة ثم شد لجامه وأنطلق ينهب الأرض نهابًا مخلفًا سورة من التراب وراءه كأنها تودعه، فتنهد الأمير مطبقًا جفنيه داعيًا أن تكون أخته على ما يرام، وتعود له سالمة. زمجر فجأة جازًا على أسنانه، كاشفًا عن أنيابه وهو يتذكر وصيتها الغامضة التي أوقدت نيران الغضب في فؤاده، وكور قبضته ضاربًا الحائط بجواره.
"لقد فاقت الفتاة الغريبة يا أمير."
قالتها فتاة من خلفه مطأطأة الرأس في نبرة حانية، فـ أشار لها بكفه أن تنصرف دون أن يلتفت وغمغم في نفسه:
"لماذا جائتني أيتها الغريبة؟ في هذا الوقت بالتحديد.. وقت الحرب.. وما حكايتك."
وعلى بغتة كانت ملامحه تتحلى بالصرامة وهو يخرج مبتغيًا جناحها، يسير في وقار وكأنه عاصفة تهل فجأة محدثة دمار. التهم المكان الفاصل بينهما في خطوات سريعة، حادة، وقورة، وحين دخوله تناهى له جملتها وهي تصيح:
"أريد أن أخرج من هنا يا آجار، اخرجني."
فـ رد هو بالنيابة عن آجار قاطعًا حديثهم، مختطفًا نظراتهم المحتدة:
"لا خروج لكما من هنا دون أمري يا صغيرة."
قفزت فجأة في طرفة عين واقفة أمامه تحذره بسبابتها بشكل جعله يضيق عينيه متعجبًا، وقالت في غضب جم:
"من أنت يا هذا لتقول ليّ أذهب أو لا أذهب، لقد كدت أموت توًا بسببك فماذا تريد، ما دخلك فيمَ يخصنا يا هذا؟"
رماها "البراء" بنظرة حادة، وكظم غيظه وهو يجيبها في هدوء يُعاكس غضبه الذي تفاقم بداخله:
"سأعتبر هذا الكلام من جهلك لشخصي ولن أجيبك."
فدفع "آجار" "دارين" واقفًا هو في مواجهته صائحًا فيه بإنفعال:
"ماذا تقول يا هذا؟ من أنتَ لتمنعنا بحق الله. سنخرج من هنا وسترى."
لاح لهما شبح ابتسامة خبيثة طافت على ثغره وهو يهز رأسه في تؤدة واضعًا ذراعيه خلف ظهره، وقال وهو يرمقهما بنظرة متهكمة:
"أنتم من أتيتم لمملكتي لم آتِ بكما بنفسي، أنتم هنا تحت سقفي أنا، لذلك الخروج بدون إذني لن ينفعكما على العكس سيدينكما."
حدجه "آجار" بنظرة غاضبة، وقد ران عليهم السكون حتى خطى الأمير نحو إبريق الماء وصب منه في كأس وتجرعه جرعة واحدة، وقال وهو يتقدم منهما:
"هل لكما فكرة كيف ستخرجان من هنا؟"
لم يعط أيٌ منهم فرصة الرد ورد هو على نفسه وهو يكتف ذراعيه:
"بالتأكيد لا، فأنتم غرباء عن مملكتي، ولا أظن أنكم تابعون لإحدى الممالك المجاورة، إذًا الخروج من هذه الأرض يحتاج لدليل."
حاد ببصره إلى "دارين" ولانت نبرته وهو يسترسل:
"لقد صدقتك واعتذر عما بدر مني، ولذلك سأساعدكم في الخروج من هنا وهذا وعد."
تبدلت "دارين" مع "آجار" النظرات المذهولة، بينما أولاهم "البراء" ظهره وقبل أن ينصرف قال:
"وحتى أصل لحل ووصيلة رجاءً اعتبروا هذا المكان مكانكم، والقصر قصركم، أتمنى أن تعجبكما الإقامة لدينا، إلى اللقاء."
زمَّت "دارين" فمها وهي تهز منكبيها قائلة:
"بدأت أحب الراجل ده أنا، شكله يخطف القلب والله، وإظاهر إنه طيب يلا ربنا يكرمه بقا."
إلتفتت لتجلس تحت نظرات "آجار" المتهكمة، تربعت فوق الفراش الكبير ذات الألوان الخلابة وتلامسته وهي تقول في هيام:
"يااااه الواحد عمره ما شاف سرير زي كدا أبدًا، أخيرًا هنام."
كادت أن تتمدد لكنها انتفضت جالسة وهي تصيح:
"بطني ياااختي أنا جعانة هموت، إيه الأمير البخيل ده معندهمش أكل، امال أمير إزاي يا ختي ده.. إيه يا ربي البخل ده ده مسألنيش حتى جعانة ولا لا، أكلت ولا مأكلتش، أعمل إيه أنا دلوقتي."
وقع بصرها على "آجار" الناظر إليها في صدمة بينة، وتابعت وهي تلوي فمها في سخط:
"والأخ المقرف ده كمان ماله واقف كدا ليه معندوش دم يطلع هيبقي لا أكل ولا نوم، إيه القرف ده بس كان مستخبيلي فين كل ده، منك لله يا آجار الفقر يعني كان لازم أصبحت بوشك في المطار."
صك "آجار" على أسنانه وهو يخطو نحوها لكنها في قفزة واحدة كانت تنهض وهي تقول:
"هو أنا هقعد كدا ولا إيه لما أروح أشوف حاجة آكلها بلا قرف هو مش قال القصر قصرك يبقى قصري."
"- أنتِ مجنونة يا بنتي مين اللي مقر........" لم يتابع عبارته إذ إنها اختفت من أمامه في لمح البصر وعلى ما يبدو إنها لم تسمع ولم تدرك بعد إنه يفهم ما تقوله، بل ويتحدث المصرية أيضًا بطلاقة.
ضرب كفه في وجهه وهو يقول على مضض:
"يا رب دي هتجنني أكيد، يا رب متعملش مصيبة سترك يا الله."
ليلة.. ليلة واحدة لا غير قضتها في المكتب، ليزف إليها خبر براءتها بعد ذلك، فقد تبذل الشباب لهذا الأمر حتى أثبتوا براءتها تبريًا تامًا، والحق قد ظهر، والمجرم سيأخذ حقه لا محالة، كانت خطة ناجحة من الشباب، فبعد ضرب عم "نرمين" ذهب للمشفى وكذب على أخيه أنه تجادل مع السائق الذي أوصله بسبب الأجرة، وقد كان تم إسعاف "نرمين" وإنقاذها إذ كانت الجروح سطحية وغير مقلقة، يبدو من خوفها لم تستطع قطع شرايينها قطعًا جازمًا.
وما أن فاقت واطمأن عليها والدها وأمها لكنها لم تجب إياهما بأي إجابة لفعلتها تلك، خرج والدها ليتحدث مع الطبيب، وذهبت أمها لتجلب لها عصائر وقد وصت عمها أن يظل معها. فجأته الفرصة على طبق من ذهب لتفريغ غضبه فيها، وطل برأسه من الباب لتنفزع وتدور عينيها في كل اتجاه كمن سيغشى عليه من الفزع، ودنا منها مغلقًا الباب وراءه، هناك تجمعت العبرات في مقلتيها، مال هو قليلًا عليها لتتراجع برأسها، وبنبرة مخيفة مقيتة، قال:
"بسببك أنا أضربت واتمسح بيا تراب الأرض، شايفة اللي جرالي، شايفة."
هزها من كتفيها بعنف ودون رحمة بتعبها البين، وصاح:
"شايفة ولا مش شايفة انطقي."
سالت عباراتها وهي تومئ برأسها، مردفة بنبرة متهدجة:
"شـ .. شايفة انا شايفة."
فدفعها ليرتطم ظهرها بظهر الفراش، وتابع في عينين يطل منها الإجرام:
"بتحاولي تقتلي نفسك عشان أخويا يعرف الحقيقة مش كدا؟ دا أنا هشرب من دمك بس بعد ما البت الأستاذة دي اضمن أنها هتأخذ مؤبد بإذن الله."
تبسم بسمة خبيثة، وقال:
"عشان تحكي لحد تاني؟ إنتِ السبب في اللي هيجرالها وادي جزات اللي يعمل خير لحد، أكيد كرهتك دلوقتي."
تعالى بكاء "نرمين" يقطع نياط القلب، في حين قال هو وهو يتحسس جسدها بجراءة:
"يا بت دا أنا عمك هتستخسري فيا الجسم الملبن ده دا حتى عيب عليكِ، عيب اوي يعني."
ثم ابتعد خوفًا من دخول أحد إلى الغرفة، ونبرة جائعة قال وهو يبلل شفتيه بلسانه:
"امسحي دموعك إياكِ حد يحس إنك بتبكي نخلص بس وأفضالك."
ثم غمز لها.. فشهقت في قهر وهي تشعر بالعرى أمام نظراته الملتهمة لجسدها، عاجزة عن التفوه بحرف، شعور مؤلم أن يصبح من هو أمانك سر خوفك، وسندك هو الحفرة التي لا نجاة منها..
أصابها فجأة الصراخ مع فكرة العودة إلى البيت والبقاء معه في مكان واحد، فراحت تصرخ وتبكي وتتشنج بهيئة تمزق نياط القلب فاتسعت عينيه وهو يكمم فمها لكنها صارت متوحشة تخربشه وتدفعه بقوتها الوهنة، ولا رحمة لمن لا يرحم.
اندفع الباب مصدرًا صوتًا عال وتجمهر الناس حول الغرفة، بينما انطلق عاصم كالسهم قابضًا على عمها وصد له لكمة سقط على أثرها فهدأ صراخها كأن قلبها قد أثلج وهي تنظر في استنجاد إلى عاصم الذي رفع عمها فاقد الوعي وقال لاهثًا:
"حقك وحق لمياء رجع، ولا رحمة لمن لا يرحم، ولا حياة لمن لا يستحي، الرحمة تجوز على الميتين بس كمان والأحياء."
وسدد لكمة أخرى للرجل ليترنح ساقطًا أرضًا، ومن بين الحشد كان والد نرمين يحاول الوصول للغرفة بإستماتة، حتى وصل وهلع وهو يهرع لأخيه يتفقده فصاح عاصم في غيظ:
"مش فاهم انا انت إزاي أب."
اندفع والد نرمين وكاد أن يمسك فيه وهو يهتف بكلمات غير مفهومة، فأمسك عاصم بذراعيه وثناهما خلف ظهره وهمس جوار أذنه:
"أنت عارف انا مين عشان تفكر بس تمد ايدك عليَّ، أكيد مش عارف وهقولك، أنا المقدم عاصم رحيم يلا، اصل عيب على الرجالة لو اعتبرتك راجل."
ثم دفعه ليسقط أرضًا من شدة الدفعة، والتفت صائحًا في الحشد أن يتفرق، ومد كفه لشاب يحمل حاسوب تلقفه منه ببهجة وبضغطة واحدة كان يصدح صوت وصورة لعم نرمين وما حدث آنفًا من أول دخوله لحجرتها حتى أصابتها تلك الحالة ودخوله. شاهده والدها والصدمة تحتل كل قسماته، وود لو تنشق الأرض وتبتلعه في الحال.
كيف للعم أن يفكر حتى مجرد تفكير أن يفعل هكذا مع بنت أخيه؟ لولا أنه رأى بعينه ما كان صدق.
تنهد عاصم وهو يغلق الحاسوب، وأشفق لوهلة على الرجل الذي ظن إنه شاب فجأة، نظر لـ ابنته التي انكمشت أكثر على نفسها، ثم راح يصفع نفسه محملًا نفسه الذنب، لكن عاصم حال بين هذا قائلًا بشفقة:
"اهدئ يا أبو نرمين بنتك بخير بفضل ربنا، وأخوك بقا فأنساه عشان من دلوقتي خلاص هو أذى حد مني يعني مش هيشوف النور تاني، احمد ربنا بقا."
ظل الرجل واجمًا صامتًا، حتى قال في هم:
"أخويا بيشرب..."
فضحك عاصم قائلًا:
"يا أهلًا والله فرحتني."
بدا إنه لم يسمعه إذ تابع:
"كنت عارف إنه بيشرب السم الهاري ده وسكت مكنش بإيدي حاجة أصلًا مكنتش أعرف إنه هيوصل لكده، يبص لبنت اخوه، اللي هي زي بنته، يا ريتني عملت أي حاجة ومنعته من الشرب يا ريتني عالجته، مكنش كدا أبدًا مكنش كان قريب منها أكتر مني دي كانت بتخاف مني وتتحامى فيه، مكنتش عارف ان الحشيش والمخدرات هتوصله لكده يبقي متوحش وينهش في لحمه."
لانت ملامح عاصم ناظرًا بأسى للرجل، يعلم ذاك الشعور جيدًا، ولكنه يحمله الخطأ لماذا لم يسرع وينقذ أخيه من هذا المستنقع الذي يجعل الإنسان كالحيوان؟
أشار عاصم للعساكر بأخذ عم نرمين، وقال وهو يتنهد ناظرًا لـ نرمين بأسف:
"لمياء مكنتش تتوقع منك الغدر، كانت مستعدة تساعدك وتعمل عشانك إي حاجة، مش تسجنيها."
انتحبت نرمين وهي تستتر عنه تحجب وجهها في كفيها، فنهض والدها قائلًا بقهر:
"إحنا أسفين للأستاذة لمياء ويا ريت تسامحنا."
رمقه عاصم بنظرة مشمئزة وهم أن يخرج لكنه وقف لدا الباب وقال دون أن يلتفت:
"يا ريت تودوا نرمين لطبيب نفسي عشان ميسببش معاها عقدة في المستقبل، لمياء مش بتشيل من حد، لو نرمين حابها تشوفها وعلى العكس هتساعدها تخرج من اللي هي فيه."
هاج القصر فجأة بمن فيه، الجميع في حالة زهول وصدمة، حيارى من تلك الفتاة الغريبة التي تعتلي رخامة المطبخ وأمامها كل الأواني التي تحوي الأكل، كالمفجوعة تلتهم الأكل بكلتا يديها من آنية على قدميها، وتلوح لهم في بلاهة وغمغمت بصوت متحشرج من الأكل الممتلئ في فمها وتضحك:
"تعالوا، تعالوا كلوا معايا متتفرجووش."
ابتلعت ما بفمها سرعان ما ألقت غيره وهي تقول:
"يااااه إيه الأكل الحلو ده أول مرة أدوق أكل طعم كِده جميل أووي."
طفقت "دارين" تأكل في استمتاع غير مبالية بالهمز واللمز الصادر من المتفجرين من حراس وخدم وغيره، دوى صوت الأمير الغاضب وهو يقف في آخر الممر وخلفه حارسان على ما يبدو إنهما من أخبرُه بما يجري:
"ما الذي يحدث هُنا، فصل للجميع على تلك المهزلة التي تجرى هذا هو عقابكم."
هاج الجمع وهما ينصرفوا منتشرين هنا وهناك يكادوا يصطدموا في بعضهما البعض، بينما تابع هو طريقه ووقف مشدوهًا ممتقع الوجه على أسكفة المطبخ، ينظر إلى "دارين" وما تفعله في دهشة جمة تملكتُه، وقال:
"أوه، يا إلهي ما هذا؟ ألم تأكل آنفًا هذه؟ ما الذي تفعله."
استل نفسه من صدمته وهو يأمر الحراس بالابتعاد وخطى للداخل واقفًا بنبرة صارخة:
"ماذا تفعلين يا هذه، كيف استطعتي قلب مطبخي هكذا."
أُجفلت "دارين" وقفزت واقفة مما أدى لوقوع أغلب الآنية من حركتها العنيفة ليتناثر الطعام على ملابسه، فأغمض عينيه وهو يجز على أسنانه ويكور قبضته يكبح غضبه كلا ينفجر فيها، وقال بلهجة قوية صارمة وهو يفتح جفنيه مشيرًا لها:
"انزلي إلى هنا."
نفت "دارين" وهي على شفا حفرة من البكاء:
"لا لن أنزل."
وضع "البراء" كفه على وجهه مكدودًا يحاول التحكم في أعصابه، فقالت "دارين" وهي تضرب بقدمها:
"تريد حبسي مجددًا ومعاقبتي، صحيح؟"
هز "البراء" رأسه قائلًا في غلب جلي:
"لا لن أحبسك فقط انزلي لنتحدث في هدوء."
هم أن يجذبها إلا أنها صارت تركض منه مغمعمة:
"أنت عبيط يعني ولا إيه مفكر إني هصدق، أنا عارفك هتحبسني تاني."
تشنجت ملامحه بعدم فهم وهو يتساءل:
"ماذا؟"
شوحت "دارين" بكفها، قائلة:
"يا عم غور بقا أنا ناقصة أترجم لك كمان."
برز فجأة صوت "آجار" المصدوم:
"يا الله ماذا فعلتِ، يا لكِ من فتاة إنك مصيبة متنقلة."
تصنعت "دارين" أنها تبصق عليه وأجابت:
"إنتَ معي أم لا يا هذا انقذني افعل شيئًا."
نفى "آجار" مبتسمًا في ظفر وهو يضم ذراعيه ويرتكن بكتفه على الحائط ملاعبًا حاجبيه في مشاكسة:
"هذا تخليص حق يا حبيبتي تستحقين كل ما يجري."
على غرة صدح صوت البراء صارخًا في انفعال وعصبية:
"لك سحـــــــقًا لكما أخرجا من هُنا الآن."
نظراته فجأة بدت مرعبة مما جعل دارين تتخشب في مكانها ليكتم آجار ضحكته وهو يردد:
"سأخلصك منها يا رجل لا تتعصب."
في حركة مباغتة هاج الأمير وراح يلقي كل ما في المطبخ على الأرض وهو يصيح:
"يكفـــــــــــــــي يكفــــــــــــــــي اتركوني وشأني يكفي ما بيّ."
رمش آجار مدهوشًا وحمل دارين على كتفه مغادرًا بها وهو يرغي ويذبد، في حين قالت دارين في حزن:
"ماله المجنون ده يا ربي هو حد عمله حاجة؟ ده غبي ده ولا إيه؟"
ألقاها آجار فجأة بعنف على الفراش لتصيح وما كادت بتعنيفه حتى مال هو عليها يحذرها بنبرة مخيفة:
"لا اريد ان أسمع صوتك يا دارين وإلا؟"
"- وإلا، ماذا ستفعل."
أشار آجار بأبهامه على عنقه بمعنى الذبح وظن أنها سترتعب إلا أنها ضحكت ضاربة كفًا بكف:
"استغفر الله العظيم، إيه اللي وقعني بس وسط المجانين دول ربنا ينجيني منهم من غير ما أتجنن يا رب."
رفع "آجار" كفه عاليًا وقبل أن تهبط على وجنتها كانت ترمقه برفع حاجب فكور قبضته ضاربًا الفراش وهو يغادر مغمغمًا في حسرة:
"يبدو أنه ذنب وستخلصه تلك المعتوهة."
ثم سأل نفسه حائرًا:
"تُرى إي ذنب منهم؟"
وأنصرف خارج القصر مبتغي التحدث مع الجنود عن هذا المكان الغريب.
خرجت "لمياء" من باب المركز غير مصدقة، والبنات يحيطن بها من كل جانب، تضمها "خديجة" لصدرها. رأت "معاذ" يستند على السيارة يرمقها بجمود، كانت أول مرة تلقاه بعد المواجهة التي تمت في المكتب، فسالت دمعها وهي تنظر له، وهمت بالكلام، ترددت فيه قليلًا أو كثيرًا، بالنهاية باحت قائلة:
"معاذ أنا آسفة، أنا.. أنا مش مصدقة أني طلعت، أنا مش هخبي عليك حاجة تاني."
من غيره يكون مؤئلاً إذا صعب بها المسير، وضاقت السبل، من غيره يذود عنها، ضمها في صدره مشددًا على أحضانه، يكتم بكاءها أو ربما يحمله عنها في قلبه هو، غير عابئ أين هم؟ ولا الزمان ولا المكان ولا بالمتواجدين حولهم، هو أخيها وهذا واجبه وكفى. هو السند الذي لا يميل ولن يميل مهما اتكأت وأن كان حملها كالجبال.
ضم وجهها في كفيه، وهم أن يتحدث، لكن سبقه يوسف وهو يظهر فجأة بجانب لمار قائلًا بأسف:
"آخرتها بقيتي رد سجون يا لمياء."
التفتت له لمياء وما كادت بتوبيخه حتى قال هو بإشمئزاز:
"بعد كده أنا مستحيل أقعد مع وحدة رد سجون."
ثم تلاعب بحاجبيه مغنيًا وهو يخرج لسانه:
"يا رد سجون، يا رد سجون. أيه رايك في السجن حلو."
صاحت فيه لمياء:
"يا يوسف هموتك."
ركض يوسف وهي خلفه، يختبئ تارة في خديجة التي تكاد تموت من الضحك، وتارة في أروى، أو ملك أو معاذ... حتى مسكته فضمها لصدره مربتًا على ظهرها وهو يقول في نبرة تخلو من المزاح:
"متزعليش يا لمياء أنا جنبك أهو ولما أكبر هموتهم ليكِ بس متبكيش تاني أنا جنبك أهو ومش هخلي حد يقرب منك."
دارت لمياء وجهها في حضنه، كادت تميل لتمسك أذنه لكنه جذبها محتضنًا إياها كأنه شاب كبير.
"مس لمياء؟"
نهضت لمياء وحدجت نرمين المستندة على والدتها في حزن وفي لحظة كانت تصعد السيارة موصدة بابها في عنف، ليقول معاذ في تزمر:
"وسيارتي إيه ذنبها بس."
صعدت البنات جوار بعضهما وحتى تكفيهم السيارة، جلست ملك ويوسف في المقعد المجاور له وخديجة ولمياء وأروى في الخلف وقبل أن ينطلق سألهم:
"إيه رأيكم نروح أي مطعم ناكل حاجة ونغير جو."
لم تهمل لمياء أي أحد بالموافقة إذ قالت في تعجل:
"لا لا وديني البيت يا معاذ عشان خاطري."
قاد معاذ وهو يرفض رفضًا تام قائلًا:
"مفيش لا أنا هنا اللي أقرر وطالما قلت هنروح يبقى هنروح."
ناولها الهاتف حين أضاء باسم والدته وقال:
"خدي طمني ماما عليكِ، أكيد بابا قال لها أنك طلعتِ وعرفيها أننا خارجين."
جلسن الفتيات حول الطاولة يتسامرون، بينما اتخذ معاذ مقعدًا جوار لمياء وإلى جواره يوسف يتجادلون، مجادلة محببة لقلبيهما. ذهبت أروى لدورة المياه، ولم تلبث أن جاءت بملامح غير الملامح سرعان ما أخفت توترها وهي تنخرط معهن في الحديث، وإذ فجأة عُلق بصر لمياء على أحدٍ ما، وتبسمت؛ كان جان يجلس على طاولة قريبة منهم، ومعه فئة من الشباب والفتيات، لم يلاحظ وجودها فلم تتمكن من ردع بصرها عنه الذي راح من الحين للآخر يختلس النظرات إليه..
سحب "مالك" مقعدًا وجلس جوار "يوسف" ملقيًا السلام، ولم تسلم "لمياء" من هزاره الذي تؤلفه. وقع بصر "مالك" على "جان" فـ دقق النظر فيه حتى عرفه، وتذكره، فوخز "معاذ" الذي رفع بصره إليه مستنكرًا فعلته:
"إيــــــــه يا عم."
فقاطعه "مالك" مشيرًا له بعينه:
"بص هناك كدا؟ مش ده نفس الواد اللي كان مع لمياء؟"
أومأ "معاذ" برأسه مؤيدًا كلامه ونظره عالق على "جان":
"آه هو فعلًا."
التفت إلى "لمياء" فتنبه لنظراتها نحو جان، فـ أشار لـ مالك قائلًا وهو ينهض:
"قوم نسلم عليه."
نفى مالك متذمرًا:
"لا يا عم ولا أسلم ولا يسلم أنا جعان ومستني آكل وأمشي."
فجذبه معاذ من ذراعه وهو ينهره:
"قوم يلا أنت عيل، قوم كدا معايا، يلا."
نفخ مالك متبرمًا، في حين قال معاذ وهو يميل على أذن لمياء:
"لمياء الواد اللي ساعدك هناك أهو هنروح نسلم عليه، عيب علينا بردوا نشوفه ومنسلمش خاصةً إننا مشكرنهوش حلو على مساعدته."
إرتبكت "لمياء" وهي تومئ في اضطراب، وغابت بفكرها، وعقلها، وربما قلبها معهم، تراه ينهض والبسمة تعلو ثغره، ويصافحهم في بهجة، فما راتهم ينظرن إليها ويتحدثا علمت أن الموضوع يدور حولها. فتوترت وذاغ بصرها وهي تخلق كلمات مبهمة تتحدث بها إلى الفتيات.
صُدمت وتخشبت حين قال معاذ:
"لمياء جان جاي يسلم عليكِ."
رفعت رأسها تلقائيًا تنظر إليه وضحكت في بلاهة وقد ساد الصمت وجميع الأنظار نحو جان الذي تنحنح قائلًا:
"لمياء، كيف حالك؟"
رمشت بعينيها وهي تنهض، وردت في ثبات تُحسد نفسها عليه:
"بخير الحمد لله، وأنت كيف حالك يا جان؟"
رد جان بنبرة تفيض حنانًا:
"بخير، أنتِ لا تبدين بخير، هل حدث شيء، هل تعرض لكِ ذاك الرجل مرة أخرى؟"
نفت لمياء برأسها وهي تجيب:
"لا أنا بخير لا تقلق لم يحدث شيء؟"
باغتهما يوسف قائلًا:
"يا الله لمياء هو انتِ تعرفي أجانب ومخبية، اسئليه كدا معاه اخوات بنات قدي."
رمقه جان في تعجب، ونظر في تساؤل لـ لمياء، التي بدت كالبلهاء تمامًا ببسمتها السخيفة، فنزل جان على ركبة واحدة وقال لـ يوسف:
"ما إسمك يا صديق؟"
رد يوسف في زهو:
"يوسف الشرقاوي، وإنتَ؟"
بسط جان كفه ورد في رتابة:
"تشرفت بمعرفتك يا يوسف، وأنا جان."
صافحه يوسف وغمز له قائلًا:
"هل معك اخوات بنات مثلك يكونون في سني."
إنفجر جان ضاحكًا في حين جذب مالك يوسف وهو يغمغم في ضيق:
"يا ابني تعال هنا، بنات إيه بس؟ دا أنا وأنا في سني كنت بخاف من خديجة."
تدارك كلمته فنظر إلى خديجة، وقال:
"آسف يا ماما خديجة يا حبيبتي متخديش على خاطرك."
نظر جان إلي لمياء وقال باسمًا:
"أتمنى أن تكوني بخير لأن لا يبدو عليكِ ذلك، ربما هذا آخر لقاء لنا لكنه لقاء ترك أثرًا في قلبي، لن أنساه مهما مر من العمر."
ربط معاذ على كتفه حين طال صمت اخته ورد نيابة عنها:
"للحق يا جان ونحن أيضًا لن ننساك يا فتى، فـ أنت شخصًا لا تنسى، ومن يدري ربما لنا لقاء مجددًا، فكما جمعتنا الصدف من قال أنها ستفرقنا."
إلتفت جان له وقال وهو يصافحه:
"معك حق كل الحق ربما نلتقي من يدري ما يخبئه القدر لنا، لكن ميعاد طائرتي غدًا صباحًا وسررت إني ألتقيت بكما قبل ذهابي."
عانقه معاذ وهمس:
"سررنا بلقائك يا جان، أنت من اللحظة اخًا لنا لذلك حين تأتي إلى القاهرة لا تنسى أن لك إخوة وجب عليك رؤيتهم."
طار قلب جان فرحًا من كلمات معاذ، وودعه ولوح لـ لمياء التي غشاها الحزن لوهلة، وطاف ببصره لا إراديًا على وجوه الفتيات لا يدرك سر ذاك الحنين الذي فاض في قلبه وتمنى بداخله أن يبقى معهم، لذا حين عرض عليه معاذ أن يشاركهم في تناول الطعام لم يرفض بل رحب في سرور وجلس جوار مالك الذي أفسح له من قلبه مكانًا رحيبًا في تلك الدقائق القليلة.
إرتاب من نظرات أروى الحارقة وهي تنظر في ساعة هاتفها وتحدجه بكره بيّن، فجأة هل حمزة واقترب من جان الذي نظر له في تعجب يشوبه الارتياب.
ضرب حمزة على الطاولة أمام جان وهو يهتف:
"قوم يلا، انهض هيا."
اتسعت عينا معاذ مستنكرًا ما يحدث وهو يدفع حمزة:
"في إيه يا حمزة عيب كدا."
حذره حمزة بسبابته:
"دا شغلي اطلع برا منها يا معاذ، وابن الـ*** دا هيتحجز لحد ما أعرف جاي مصر يخرب إي."
وقف مالك حائلًا بينهما:
"استهدوا بالله كدا، عيب يا حمزة اللي بتعمله ده."
هاج حمزة قائلًا:
"انتوا مش عارفين دا مين؟ ولا جاي ليه، ولا عاوز إيه وسعوا..."
اقترب جان منه وتساءل في هدوء:
"لا أدري ما الذي يجري، من أنت؟"
ضحك حمزة مستخفًا، وقال:
"من أنا؟ إنك بارع في التمثيل يا سيد آجار."
نقل جان بصره على الشباب في عدم فهم:
"من آجار هذا!"
"- هتعرف دلوقتي تعال بس معايا."
سحبه حمزة ولم يبدي جان أي اعتراض وهو يرافقه حتى سيارته. فتبسمت أروى في ظفر بينما صاحت لمياء فيها:
"مفيش غيرك اللي قولتي لحمزة طالما شوفت النظرة دي، ليه كدا يا أروى جان عمل لك إيه؟ انتوا مجانين أكيد."
أمسكت أروى بكتفيها وقالت موضحة:
"ده مش جان يا لمياء ده اسمه آجار زعيم مافيا دا كان هيقتلني ويقتل حمزة، كمان انتِ مش فاهمة إذا هو هنا أمال فين دارين، أراس قال أن دارين مع آجار وطالما آجار هنا ودارين ملهاش أثر يبقى هو لوحده يعرف هي فين، حسيت إنه بيمثل علينا."
همت لمياء بالكلام، فسبقها معاذ:
"إيه الكلام ده! يعني الشخص ده يعرف فين دارين؟"
أومأت أروى في هدوء وأضافت:
"أيوه زي ما بقول كدا، دارين مع آجار وآجار هنا يبقي فين دارين، فعشان دارين ترجع كان لازم دا يحصل ويتحقق معاه وحمزة هيعرف فين دارين وعملوا فيها إيه."
صاحت لمياء وهي تنهض غير مصدقة ما تسمع:
"مستحيل أصدقكم إيه اللي بتقولُه ده، جان مغني وكان جاي عشان حفلة هنا انتوا مجانين، أنا لازم أساعده زي ما ساعدني."
قبض معاذ قبل أن تخطو على معصمها مرددًا:
"اصبري بس نعرف إيه الحكاية."
قصت أروى لهم مقابلتها مع آجار وما حدث وما قاله أراس عن تواجد دارين معه.
فنفخ مالك بضيق:
"يعني كان بيستغفلنا!"
"- لا مأظنش." قالتها خديجة بعد تفكير طويل، وسكتت لهنيهة وتابعت:
"حاسة في حاجة مش مفهومة."
"- والله متأكدين مش متأكدين أنا متأكدة إن في حاجة غلط وزي ما وقف جنبي هقف جنبه وهساعده." قالتها لمياء فـ أيدها معاذ:
"وأنا بردوا مش هتخلى عنه لو مظلوم هكون أنصفته لو ظالم هياخد حقه.. يلا بينا عشان نمشي..."
وقفت "دارين" تشاهد "البراء" من شرفة جناحها، لا تنكر الإعجاب الذي غمر فؤادها به، ولكن يبقى سؤال واحد يحيرها وينغص حياتها "تُرى هل هي في حلم؟ أم واقع حقًا؟ وإذا واقع أنَّى هي يا ترى؟"
الآن كانت تحد قسمات وجهه يبدو إنه يصرخ في ذاك الحارس المنحني مرتعشًا تجزم إنه يكاد يبلل سرواله. مالت برأسها حين انصرف الحارس وراح هو يروح ويجيء، لماذا يبدو حزينًا، كئيبًا، لهذه الدرجة؟ فكرت.. فكرت طويلًا أن تنزل وتحادثه، ترددت، لكن في النهاية عزمت على الذهاب إليه.
أقبلت نحوه في تردد وإرتباك، ووقفت ما بين الخطوة والأخرى تنوي الرحيل لكنها تتراجع في آخر لحظة وتتقدم حتى وقفت على مقربة منه، وظهر إنه لم ينتبه لها إذ ظل على حاله.
فتنحنحت وهي تتصنع التلهي عنه حين سكن ناظرًا لها. تبسم لها، بسمة أربكتها، بسمة مشرقة كأنه لم يحزن يومًا، وقال في هدوء بعد صمت طويل:
"كيف حالك يا غريبة؟"
ضحكت فجأة متحمسة وقد لمعت عينيها، فـ على ما يبدو إنه قد زال غضبه تجاهها، وصاحت وهي تصفق.. صفقة أجفلته إذ صدرت بغتة:
"هل زال الغضب عنك!"
"- ما رأيك بأن تتجولي في حديقة القصر قليلًا ستنال إعجابك حتمًا! هل ترافقيني ويمكنك اعتباره هذا اعتذار عما بدر مني! ما قولك؟"
كان ينتظر إجابة، مترقبًا، أما ما بدر منها أدهشه فقد اتسعت عينيها وتجلى فيهما الصدمة وقالت بنبرة ناعمة متجمدة:
"هل تدرك ما تتفوه به أنت أم إن بك شيئًا!"
فهز كتفيه مجيبًا في حيرة:
"ليس بي شيء، لِمَ تقولين ذلك؟ يمكنك الرفض بكل بساطة."
قفزت بصيحة متحمسة وهي تتعلق بذراعه وتهتف:
"أرفض ماذا هيا بنا فقد مللت."
أبعد ذراعه عنها مدهوشًا من تصرفاتها الغير طبيعية بالنسبة له، وأشار لها بالسير بجواره فسارت متذمرة وهو إلى جوارها مشبكًا كفيه خلف ظهره، وراح يُريها كل ما تقع عينهما عليه، وهي مبهورة متسعة العينين، سعيدة كطفلة صغيرة، تركض أمامه من الحين للآخر وربما دارت حوله راكضة وهي فاتحة ذراعيه، فيتبسم من قلبه، قلبه الذي لم يتبسم يومًا هكذا، وربما هي بسمته الغائبة. أو ضحكته المفقودة، أو دنياه التائهة. ماذا دهاه فيمَ يفكر، وفيمَ يسرح، فهذه الغريبة سترحل يومًا إنها عابرة.. لكن عبورها كان عبور غير أي عبور، عبور مر على شغاف قلبه فترك فيه أثرًا، وروحًا حلوة، وضحكة جميلة، وذكرى ستحييه من بعدها.
كادت أن تقطف وردة، وردة حمراء لامعة كأن عيناها لم تر الورود يومًا، فقد خطفت الوردة عينيها، فراحت تقطفها لولا كفه الذي قبض على معصمها حائلًا، وهتف فيها بخشونة:
"على رسلك يا فتاة ستُجرحين أصابعك."
زمت "دارين" شفتيها بوجه عابس، فلانت ملامحه القاسية رويدًا رويدًا وبزغت بسمة لطيفة أنارت وجهه المستتر نصفه في لحية سوداء جذابة، وقال:
"لا عليكِ فهي لكِ."
طرقع بأصابعه فحضر فورًا الحارس منحنيًا، فـ بإشارة من رأسه كانت كافية ليقتطفها دون كلمة ويناولها له، وبإشارة أخرى كان ينصرف عنهما، فمد يده لها فصاحت في حبور وهي تختطفها من كفه تتشمم أوراقها في نفس عميق تغلل في رئتيها.
وبينما هي على حالها، إذ سئل هو بغتة:
"هل أنتِ جائعة، أنا لم آكل شيئًا ما رأيك أن تشاركيني."
ودت لو تقبله الآن فهي بالحق جائعة، فقالت حالمة:
"لا تسألني إذ كنت جائعة فـ الأكل هو متعتي، إذ جائعة أم لا فـ أنا آكل فلا تسألني ذاك السؤال مجددًا."
كتم "البراء" ضحكة كادت أن تفلت منه، وقال:
"إذًا هي أيتها الجائعة دائمًا لنأكل."
كاد أن يسبقها إلى القصر، لكنه توقف وقد غزته الدهشة واستول عليه التعجب، حين قالت من خلفه:
"لديكم مخلل."
التفت متنغص الوجه، يرمقها شزرًا، وهتف قاطب الجبين:
"ما هذا؟"
اقتربت منه "دارين" شبه راكضة وهي تكاد تصرخ فيه لكنها صاحت مصدومة بصوت عال:
"إنها جريمة يعاقب عليها القانون من لا يعرف المخلل؟ أم أنك تستغفلني، ألا تحب المخلل، الخيار والجذر والزيتون..."
قالت عبارتها سارحة كأنها تتخيل ما قالت، فهز رأسه متعجبًا وقال في غلظة:
"تريدين زيتون، قولي هذا منذ البداية لِمَ هذه المراوغة، إلحقي بيّ."
انفجرت أساريرها وهي تلحق به، تكاد تسبقه لسرعة خطواته الحادة الرتيبة، واصطحبها إلى حجرة كبيرة الحجم، بل كبيرة جدًا، يتوسطها طاولة لم تأت بأولها أو آخرها مقعدها من اللون الذهبي ذات نقوش تبهر الأبصار، وخيل إليها أن هذا الرجل عاشق للون الذهبي الذي بدأ يروق لها جلست إلى جواره، وسئلت حائرة وعينيها تتفحص المكان بتدقيق شديد:
"هل سنأكل بمفردنا؟"
أومأ دون أن ينبس ظنًا إنها رأت إيماءته لكنها لم تفعل فـ التفتت صائحة فيه:
"لماذا لا تجيبيني هل أكلم نفسي!"
رفع حاجبه للحظة، يحدجها في صمت دام لوقت، ولسان حاله يردد بداخله "مجنونة وستصيبني بالجنون"
وضِع الطعام أمامهما والزيتون كما أمرت، فبتلهف أخذت الطبق ونظراته الخانقة الغير راضية على فعلها سهام مصوبة عليها، لم يقرب الطعام كان ساكن تمامًا يشاهدها، بينما رمت هي حبة زيتونة وما كادت أن تمضغها حتى بصقتها فوق ذراعه الممتد على الطاولة، ونهضت تتفل وهي تغمغم في إشمئزاز:
"يع يع يع جيبلي إيه أنت، الله يسامحك ابقي شوف مين هياكل معاك تاني، جيبلي زيتون ني وكمان مُر."
استدارت له على وشك البكاء وضربة الأرض بقدمها وهي تهدر فيه غير مستوعبة ملامحه المتجهمة ونظراته المشتعلة العالقة على ذراعه جازًا على أسنانه مكورًا قبضته:
"كنت قولي مش عاوزك تاكلي ليه تعمل كدا؟ ليه فهمني؟ أنت مبتفهمش يعني؟"
فما أن أدركت أنه لا يفهم أي مما تقول حتى تراجعت حين نهض ضاربًا الطاولة دافعًا ما عليها، وتابعت صارخة:
"أنت يا هذا مجنون حسنًا مجنون وأنا مخطئة لأتياني لك الاعتذار لا تستحق ذلك مني لن آكل من هنل مجددًا."
فرت من أمامه بعد عبارتها بينما كاد يتبعها مبتغيًا ضربها إذ طالها لكن صوت بكاء عال سمرهما هما الاثنين و...
رواية جحر الشيطان الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندي ممدوح
"أموت أنا في سبيل أن تكون هي بخير، أمير قلبي."
تخطاها الأمير شبه راكضًا فلحقته، فإذا به يدخل إلى حجرة. وهنالك بعد الجاريات يحملن بطفلٌ صغير، طفلٌ جميل، يشبه الأمير بدرجة كبيرة. إلا أنه كان يبكي، ليس بكاء جائع أو بكاء تعب، بكاء أحست فيه بخوف الصغير المنهار تمامًا. أما ذاك الأبله، فآثار نفورها وغضبها وهي تراه يصرخ في الصغير ليسكت، بل يصرخ في الجميع أن يحاول اسكاته.
دَلفت فجأة أميرة متعجلة في سيرها تأخذ الصغير بلوعة، جميلة، بل جميلة جدًا، ملابسها وهيئتها وشعرها المنساب على كتفها تبدو كـ حورية.
كاد الأمير أن ينفجر فيها لكنه تمالك نفسه ونهرها أن تهتم بصغيره، لكن الصغير لا يهدأ، بل زاد بكاءه وصراخه كأنه يرى ما لا يروه.
ألمها قلبها ألمٌ شديد واندفعت إلى الأميرة واطالت النظر للصغير الذي ظنت أنه سيموت من فرط الصراخ. تجمعت العبرات بعينيها تود القفز لكنها حبستهم جيدًا، وهمست في تأثر ويدها ممدودة: "هل يمكن أن أحمله، ربما يهدأ معيّ!"
فحدجتها الأعيُن الخضروين الجميلتين في عصبيه قاتلة وهتفت دون وعي: "ما لك أنتِ، اغربي عن وجهي ولا تريني وجهك ولا تبقي أمامي."
ثم صبت جام اهتمامها في الصغير وراحت تهدده وتروح وتجيء وتهزه، وشردت عينيّ دارين مصدومتين مزهولتين. ورغم عن ذلك كانت في سرعة البرق تلتفت إلى الأمير براء بعينين تبرقان ترجوان وهمست في وداعة: "دعني أجرب ربما يهدأ معي، إن لم يهدأ يمكنك أن تأخذه."
اذرد الأمير لعابه يطالعها مليًا، فظنت أنه لن يوافق أن تأخذه لولا عيناه التي تبسمت فجأة وراح نحو زوجته ليأخذ الولد ويعطيه لها. فرمتها الأميرة بنظرات غاضبة والشرر يتطاير منهما، وقد لاح لها تغيير في لونها ونار حقًا تخرج منهما، فارتشعت ورجف قلبها وهي تضم الصغير تلقائيًا لصدرها وتتراجع للخلف بنظرات هلع. زلت على صدمتها حتى غابت الأميرة، ولم تشعر إلا وكف الأمير يوضع على كتفها هامسًا في قلق: "أنتِ بخير؟ ما بالك.. اهدئي، اهدئي هذا أنا ما بكِ."
قالها مطمئنًا ما أن شهقت مفزوعة بأعين متسعة، فهزت رأسها وعينيها تجوب الحجرة بحثًا عن الأميرة الغريبة، المخيفة من وجهة نظرها.
شرعت تهز الصغير الذي بدأ يسكن تدريجياً، ترافقها نظرات الدهشة من الأمير الذي خلا الحجرة إلا منهما. وتأملها وهي تحتضن إبنه بذراع والآخر تناغشه فيضحك ضحكة ساحرة وتضحك ضحكةٌ سعيدة، تلاطفه وتدغدغه وكانها طفلة قد وجدت من يُحيي طفولتها تلك.
اقترب منها وأخذ يلاعب صغيرة مستمتعًا، إبنه الذي هدأ بين يديها هي، وقد كان له فترة لا يرق من دمع ولا يهنأ بنوم حتى ظن إنه مريض، مرضٌ خطير. وجاء له بكل الأطباء والحكماء إلا أن الجميع أكد أن صحته جيدة ولا يعاني من أي شيء، فضاق ذرعًا.
غمغمت دارين وهي تضحك بطفولة: "إيه الطفل الحلـــــــو ده، وسكت معايا حضني حنين أكيد مش زي الناس اللي هنا."
طيف ابتسامة مر ثغره وهو يسمع كلماتها المبهمة التي لا يفقه منها شيء، لكنها بدت تروق له ويحبها أيضًا، فهي حين تتحدث بها تبدو طفلة جذابة، سعيدة، مرتاحة. يا الله ستفقده عقله، ولوهلة تمنى أنها هي زوجته أم ابنه أميرة مملكته.
"هذا ابنك؟ أم ماذا؟"
تنبه من شروده فيها على صوتها فـ اطال الصمت قليلًا لوجهها قبل أن يقول في هدوء: "نعم ابني."
"صدقًا! … أول مرة أعلم هذا."
اخفضت دارين وجهها من نظراته، واضطربت قليلًا متسارعة الأنفاس، وسألت بعد ردحًا من الزمن وهي تتأمل وجه الصغير النائم في أمان في حضنها: "ما اسم هذا الملاك؟"
"جعفر."
نطقت دارين فجأة متعجبة: "جعفر! أتدري أن أسماءكم على أسماء الصحابة؟"
ابتسم بهدوء ضاحكًا في خفوت، وقال: "أعلم هذا."
تلاقت نظراتهم لبرهة، فغضت عينيها سريعًا، فبادر هو قائلاً في لهفة: "كفاكِ الآن وقوف بالصغير، يمكنك أن تضيعيه في سريره وترتاحي أنتِ."
فتشبثت هي بالصغير تضمه أكثر، وقالت في نبرة هادئة شبه هجومية: "سيبقى معيّ، سينام معي لن يبقى بمفرده."
لاحت لها بسمة على زاوية فمه سرعان ما اختفت، فـ أزدَرَدَت ريقها مستدركة ما قالت فراحت توضح بإرتباك: "أقصد يعني … لقد رأيت كيف كان يبكي ولم يستطع أحد أن يهدأه … فأقترحت ذلك أن سمحت."
فـ أجاب بنبرة ناعمة، و ود لو كان في محل الصغير تمامًا بين كفيها وقلبها هكذا، يا الله ماذا دهاه وفيمَ يُفكر. انفض رأسه: "ولِمَ لا أسمح يممكنه أن يبقى معك، لكني أخشى عليه."
صمت متعمدًا، فرمقته في حيرة من أمرها، وحين لم يبرر قالت بعد هنيهة: "مما تخشى عليه وهو معي وفي قصرك."
فرد بدفاع: "لا أخشى من هذا."
"إذًا!"
"أخشى عليه من التعلق، أن يُأسر لشخصٍ لن يدوم معه، أن يعتاد على من سيرحل يومًا، أخشى عليه من الوحدة فيمَ بعد .. أخشى عليه من التوجع و من كسرة القلب يا … يا غريبة."
تأملته دون أن تنبس وكلماته لا تدري هل ألمتها أم أسعدتها!
وبعد وقت .. وقت طويل مشحون بالنظرات فقط كأنها صلة القلبين .. التواصل بينهما، بكل هدوء ودون حرفٍ غادرت بالطفل وتركته، ينظر في أثرها وحيدًا، ضائعًا، تائهًا، فاقدًا للحياة تحت سطوة تفكيره القاتل في غياب أخته المقلق.
غاب وغابت روحه حضوره الطاغي، يومًا كامل لم تراه ولم تكتحل عينيها برؤيته، ليسكن وجيب قلبها. يا إلهي منذُ متى وكان غيابه يفرق معها، أم اعتادت مشاغبته فقد مرت عدة أيام وهو محور يومها. أجل لم تكن تراه على مدار اليوم كاملًا لكنها كانت تراه لعدت ساعات ربما أو دقائق تدور بينهما أحاديث عدة. طفله الصغير "جعفر" لم يفارقها وخاصةً بعد ان أمر هو بهذا، فحين جاءت والدته لتأخذه هاج الصغير كأنه يرى شبحًا يصرخ ويصرخ بلا هوادة حتى أمرها هو بتركه لها. وللحق أنها لم تسترح لهذه المرأة أبدًا، بها شيئًا غريب، شيءٍ مخيف لم تدرك كنهُه. تبدو في بعض الأحيان مرعبة رغم جمالها الآخاذ وعيناها الخضروتين وبيضاها آهٍ من بياض بشرتها ولا عيناها، إنها ساحرة بكل ما تُعنيه الكلمة من معنى. لم ترها منذُ أن عنفها الأمير لأجلها، لأجلها فقط وللصغير أيضًا.
دلف آجار فجأة عابسًا قاطب الجبين يغمغم في غضب: "وهذا ما كان ينقصني أحمق آخر يتطاول بلا داعي!"
كلماته كانت مبهمة، غير مفهومة ولم تدرك منها دارين شيئًا، لكن لم يخف عليها غضبه. فـ إلتفتت وهي تنظر من الشرفة وبين يديها الصغير، وسألت: "تبدو غاضبًا يا رجل … ما بكَ؟!"
شردت عيناه لوهلة على وجهها ثُم على الصغير، فهتف بضيق بيّن وهو يجلس على حافة الفراش الفخم: "ماذا حل بكِ أنتِ؟ … لماذا تهتمين بهذا الطفل؟!"
أجابته دارين وهي تقترب إليه بنبرةٌ صادقة: "هل هذا ما يضايقك يا آجار؟! ولكني سأُجيبك أيًا يكُن … هذا الصغير أشعر بالمسؤولية نحوه لا أدري لماذا، هذا الشعور يتوغل قلبي بطريقة غريبة.. طريقة عجيبة."
رمقها في ذهول رافعًا إحدى حاجبيه فتابعت وهي تجلس إلى جواره، وتنهدت بعمق وهي تتابع ناظرةً بحنو إلى الوجه الملائكي بين كفيها: "آهٍ لو تنظر إليه وهو يصرخ بين كفايّ أمه وذراعاه تمتد نحوي كأنه يرجوني لآخذه خوفًا منها … لم أدرك معنى قول خديجة بأن الأطفال أحباب الله إلا حين رأيت هذا الصغير."
ثم إستدارت برأسها نحوه تقول متذكرة: "ما الذي يغضبك لم تخبرني!"
زفر آجار متذكرًا اصطدامه في رجل سمج أمام القصر فذم شفتيه وهو يجيب: "لا شيء لا تشغلي بالك لقد رأيت شخصٌ أحمق توًا أغضبني."
سألت دارين تلقائيًا مستفسرة: "هل هو ذاك الرجل الذي يرتدي ملابس من اللون الأسود وتاجًا فوق رأسه الذي دخل منذُ دقائق!"
"نعم هو لا غيرهُ، رجل سمج آه بالمناسبة إنه زوج الأميرة المفقودة."
سرحت دارين بغتة وهي تقول: "أقطع ذراعي إن لم يكن هو خلف اختفائها فهذا الوجه يشع منه الشر."
اتكأ آجار بكفيه للخلف وقال بصوت أجش: "أظن ذلك أيضًا ملامحه غير مريحة."
اشتعلت عينا دارين وهي تقف واقفة صائحة فيه: "متى ستكف عن مغازلة النساء هُنا ستوقعنا في مأزق إن علم البراء...."
قاطع كلماتها انفجار آجار ضاحكًا ورأسه تتراجع تلقائيًا مع ضحكته حتى سكنت رويدًا رويدًا مع انخفاض رأسه وسعل وهو يقول وقد أغروقت عيناه بالدموع: "هل تغارين أم ماذا وللعلم من باب الشيء هُن من يحومن حولي وليس أنا … ثم إنهن جميلات ماذا عليّ أن أفعل حيال هذا فلا تلوميني، لقد وقعت منهن فتاة في حبي ولا أدري كيف الخلاص منها."
نظر لملامحها المكفهرة في تبلد، فقالت بإشمئزاز أخيرًا: "غبي أحمق وغبية من تنظر إليك."
وضعت الصغير الذي غفى على الفراش ولم تملك القدرة على وضعه في فراشه وفي حجرته لذا حاوطته بعدت وسادت يمنى ويسرى خوفًا من أن ينقلب من فوقه، وران عليهما الصمت إلا من صوت خطواتها وهي تذهب وتجيء، ثم قفزت فوق الفراش وهي تصيح في حماس: "آجار يا هذا لقد علمت ربما من يكونوا هؤلاء."
انتفض آجار من حركتها المباغته وكاد أن يطلق سبة بذيئة ابتلعه قبل أن يبوح بها وغمغم مهتمًا وهو ينظر إلى جلوسها الغريب وهي تجلس على ركبتيها: "ما الذي عرفتيه فجأيني!"
صاحت دارين وهي ترمش: "لقد رأيت هذا البراء يصلي كما نصلي فعلمت إنه من الجن المسلم."
"نعم يا روح أمك الغالية!"
ضمت دارين شفتيها عابسة ودفعته من كتفه قائلة بتذمر: "لا تأتي بسيرة والدتي يا هذا حتى لا أقطع لسانك هذا."
كتف آجار ذراعيه مكملاً مع حديثها المهيب ليعرف أخرته: "حسنًا، اعتذر لا أقصد شيء، ولكن لماذا جن!"
ردت دارين وهي تفتح ذراعيه مع اهتزاز كتفيها: "وماذا تسمي هذا، هل لك أن تعرف! أين نحن ومن هؤلاء وما هذه الجزيرة الغريبة، إنهم جن لا محالة ونحن في العالم الآخر."
لوى آجار فمه وهو ينصت في اهتمام، ماذا لو كلامها في محله، وهؤلاء من الجن حقًا، فماذا يسمي هذا. لكنه لا ينكر عدم تأني هذا البراء في بحث عن طريقه لهم، يسأل كل من له خبرة في ذلك أمامه ومعه. لقد ألف آنفًا صداقة عميقة معه، رَ مملكته ورعاياه الذين يحبوه حبًا جمًا، و التمس حزنه في فقدان أخته وقد دعا لها أن تعود سالمة، معفاه. هذا الأمير يكن له جميل لن ينساه ويود لو يرده له لكن هو إنسان مثله تمامًا ولا ريب في هذا.
فقال بعد تفكير طال: "لا أظن يا دارين إنه إنسان مثله مثلنا، ربما لا أعرف أين نحن ومن هؤلاء لكن … لكن بدأت أعتاد هذا المكان والبراء يبدو شخصًا طيبًا له فضل علينا لن ننساه فلولاه يعلم الله ماذا كان حالنا في هذا المكان الغريب."
وضع يده على منكبها وهمس في حنو: "لا تفكري كثيرًا، أنا أشعر بخوفك أنا معك ولن أسمح لأي شيء مهما يكون أن يؤذيكِ."
ابتسمت لها عينيه بسمة مطمئنة دافئة كأنها تحتويها وتلفها بسياجٌ متين وتضمها فـ بادلته الابتسامة بأخرى مطمئنة بينهما رابط عميق لا تدرك ما هو لكنه يبقى رابط قوي مطمئن محبب لها وشعور أن ثمة من تستند عليه تريح فؤادها...
كانت تسير سعيدة كأنها إحدى الفراشات تطيرُ بحرية، تختال في ملابسها الجديدة وتمسك بطرفيه بأطراف أصابعها وتدور حول نفسها ضاحكةً في سعادة، فهي تبدو كالأميرة في تلك الملابس المذهبة وذاك الفستان المطرز. وصلت إلى مبتغاها فقد أرادت أن ترى آجار والذي غاب عنها يومًا كامل دون أن يظهر له أثر وهذا ليس من سجيته. تسمرت قدميها على أسكفة حجرتة بعد ما دفعت الباب بعد طرقةٌ واحدة دون انتظار الإذن، تلاشت بسمتها كأن لم يكن لها وجود وأتسعت مقلتيها رويدًا رويدًا، وهتفت في صدمة وهي تخطو للداخل ركضًا: "آجار يا هذا ماذا حل بكَ؟"
كان يتلوى بألم ممسكٌ بجنبه ويأن بوجهًا شاحب مزرق كأنه قد تم ضربه توًا، هالها هيئته هكذا وحين لم تتلق رد أغروقت مقلتيها بالدموع وهي تتفحصه في اهتمام مغمغمه بنبرة متحشرجة: "آجار أجبني رجاءًا ماذا حل بكَ، من فعل بك هذا؟"
هم أن يجيبها لكن الكلمات لا تسعفه كأنها باتت ثقيلة فجأة، فضمت وجهه والدموع تسيل من عينيها، قائلة: "آجار اخبرني من الذي فعل بك هذا، هل ضربك احد، أم أنك مريض؟"
ثم قالت فجأة وهي تنهض بشراسة: "أقسم بأني سأحرق هذا القصر وسترى..."
كادت أن تركض خارجة مشتعلة بغضب عميق، وقد ماج قلبها بالشراسة لكن كفه قبضت على معصمها وصوته الهامس يردد في ألم: "مهلاً، مهلاً يا دارين ليس لأحد دخل بحالتي أبدًا، أشعر أني مريض، لا، لا ليس مريض لا أعلم، عساي أعلم فأني أشعر بأني أتلقَ ضربًا مبرحًا."
جلست بجانبه على حافة الفراش تمسح على خصلات شعره في وداعة وقالت بصوتًا هادئ رقيق: "إذًا ماذا أستطيع فعله، هل أطلب لك طبيب؟ أم أحضر لك شيئًا؟"
هز رأسه نفيًا مستمتعًا بهذا الاهتمام بشدة وهمس في خفوت: "افعلي شيئًا واحد … وهو أن تبقِ بجانبي."
أمسك كفها بين راحتيه وظلت هي بكفها الحر تمسح على خصلاته وتقرأ ما تحفظ من القرآن والتي كانت سور قصيرة هي ما تحصيها فلم تبخل بها حتى راح في سباتٍ عميق، فسحبت كفها بحذر كلا يشعر، ونهضت متنهدة في حزن ومالت تمسح من أول جبهته حتى شعره تبعتها بقبلة عميقة على جبهته، وخرجت مغلقة الباب خلفها ببطء. أستدارت في راحة سرعان ما انتفضت في فزع للخلف على صوت الأمير براء وراءها يقول: "ماذا تفعلين هنا؟!"
ردت في غيظ وهي تضع يدها محل قلبها المنتفض: "ماذا هل يفزع أحد هكذا لقد كدت تقتلني خوفًا يا هذا، يا إلهي لم تعد هذه حياة."
تبسم الأمير بسمةٌ خفيفة وبرقت عيناه وهو يردد: "رائع تبدين جميلة في هذه الملابس كأنك واحدة من مملكتنا، سعيد أنها …"
"إنها ماذا؟"
"رائعة عليكِ وتناسبك تبدين كـ كـ … كـ حورية بحر."
أطرقت رأسها خجلة باسمة في حياء وابعدت خصلة خلف اذنها وهي تجيب بصوت خافت: "شكرًا."
تبسم بإتساع وراق له خجلها وتقدم منها يشملها بنظرات محب فرفعت نظرها لتتلاقى أعينهما وطال النظر بينهما كأنه حديثٌ خاص، فتحمحم أخيرًا وسألها: "ما رأيك بما أنك لا تخرجين ولم تتسن الفرصة لتري مملكتنا بأن أصتحبك في جولة أحصنة؟"
قفزت فجأة مصفقة في سعادة وهذه المرة لم يجفل فقد اعتاد تصرفاتها التي تطيبه ووافقت فورًا قائلة: "نعم نعم يا ريت هي بنا."
"ألن نأخذ آجار معنا؟"
راقب ملامحها التي عبست في حزن فجأة فضيق عيناه وقبل أن يستفسر قالت: "آجار مريض اليوم لكن سيكون بخير حين يستيقظ يبدو إنه في حاجة إلى راحة قليلاً."
أومأ الأمير براء آسفًا وهو يتمتم: "هل آتي له بطبيب يطمئنك على صحته."
"لا لا داعي سيكون بخير أنا بجانبه لن أتركه الليلة."
كور قبضة يده فجأة واشتعلت عيناه لكنه لم يتفوه بحرف بينما صاحت هي في حماس: "هل عدت برأيك في صحبتي على جولة أحصنة أم ماذا!"
لمعة عيناه بنظرة حنان، ودون وعي وجد كفه تمتد لها هامسًا: "وهل أفوت عليّ صحبة أميرة مثلك."
وأغلق عيناه وصوت بداخله يردف: "أميرة قلبي."
كفها بتردد شديد استكان في كفه فأطبق عليه بأصابعه فـ أضطرب قلبه كأنه دك دكًا مما زاد من تسارع دقاته ومع كل دقة تهمس باسمها، متى أحبها وكيف تسللت بخفة إلى شغاف قلبه فشغفها حبًا، متى باتت غالية تلك الدرجة، مشاعر جديدة لم يحياها قبلًا تخبره بسرٌ خطير أن تلك الساحرة التي أسرت قلبه ستوجعه حتمًا.
أمام بوابة القصر الشامخة كان ما زال يضم كفها وهي تقف إلى جواره مترددة بحياءً جميل في انتظار مجيء الحارس بجواد الأمير، فمالت عليه تهمس في أذنه في خفوت، وبصرها يتنقل من حولهم خشيت أن يسمعها أحد: "هل سنخرج هكذا ماذا إذا رأتنا زوجتك!"
هز الأمير براء كتفيه متعجبًا مرددًا: "لترنا إذًا وتعلم أيضًا هل تخشين منها."
ضمت دارين شفتيها وهي ترتفع على أناملها فمال هو أكثر عليها، بينما همست هي في خفوت شديد وكفها يُظلل فمها: "لا أخشى أن تتجادل معك إذ رأتني معك وتغار."
ابتسم فجأة بسمة هازئة وهو يقول ناظرًا لعينيها: "من التي تغار يا أميرتي! زوجتي؟ … اطمئني زوجتي لا يهمها ما الذي أفعله، ثم لا دخل لها بمن أخرج أو أدخل القرار قراري وحدي."
"أوه والله!"
اكتفى بهزة بسيطة وأمسك بلجام الجواد الذي سلمه له إحدى الحراس وابتعد خطوتين، فـ أشار الأمير برأسه إلى دارين وربت على صهوة الجواد متمتمًا: "هيا!"
ابتعدت خطوة للخلف مترددة، وظهرتْ عليها علامات الخوف وهي تقول: "لا لا لن أركب هذا الحصان أنا لم أفعلها قبلًا، ثم لن أستطيع التعامل معه."
مال رأسه قليلًا يتأملها مليًا كـ المأخوذ، وأشار لها بسبابته أن تقترب فدنت منه مترقبة، فقال بحنو: "ألا تثقي بيّ أم ماذا، ثم من قال لكِ بأني سأتركك … هيا اركبي اقتربي لأساعدك."
بدا له أنها لم تسمعه من فرط ذهولها وهي تطالعه في شرود، فقال بحدة خفيفة: "دارين، هي يا ابنتي قبل الليل. … دارين، دارين."
"هاقالتها فاعرة فاه، فرفع إحدى حاجبيه وهو يجيبها: "ما حل بكِ بربك هيا يا فتاة."
ضحكت ضحكةٌ خفيفة وهي تظلل شفتيها بكفها، فخلبت لبه وساعدها مستمتعًا حتى ارتاحت في جلستها وأردف خلفها محاوطًا إياها بذراعيه وهو يمسك لجامه وقبل أن يخطو الفرس خطوتين حتى استمع وقع خطوات فقال آمرًا دون أن يلتفت: "لا أحد يتبعني."
فـ جاءه صوت شاب يقول من وراءه: "هذا لا يصح مولاي دعنا نرافقك."
شد لجام الفرس وهو يرفع يده بإشارة لهم بأن لا يتبعوه وصهل الجواد بقوة كأنها صيحة فرحة وهو ينهب الأرض بحوافره كأنه يعلم مبتغاه غير عابئًا بصراخ من تعتليه صراخه، هدأها الأمير قاطبًا: "كفى صياحًا يا دارين لن تموتي."
كادت أن تنهره وهي تفتح عينيها المطبقتين بعنف لكن خطفت عيناها مما تراه فراحت تتأمل البيوت والناس من حولها في انبهار. الأحصنة تنطلق من حولها والجميع يحيي الأمير ويبادلهم هو التحية ببسمة لم تزول من فوق ثغره، المباني ذات طابق واحد بالألوان تسلب القلب، والأطفال يلهون وضحكاتهم تملأ الأرض بهجة. غاب هذا المظهر لينطلقوا داخل طريق محفوف بالأشجار من كلا الجانبين، حتى هدأ الفرس رويدًا رويدًا في مكان مليئ بالزهور وأرضه من الخضرة وأمامه شلال ماء ساحر. قفز الأمير من فوقه ومد يده ليساعدها لكنها بدت مأخوذة عن الوجود وهي ترمش بعينيها في زهول وتمتمت: "يا إلهي ما هذا بحق الله هل هي الجنة."
كفه الممدودة لم تبصرها فجذبها برفق وانزلها وهو يجيب: "بربك وهل توصفين هذا المكان بالجنة التي لا مثيل لها فيها ما لا عين رأت، إنها أحد نعم الله فـ سبحانه في خلقه وقدرته."
نزع تاجه وهو ينفض رأسه مسرحًا خصلاته بأنامله فضحكت دارين وهي تحاول كتم ضحكاتها بصعوبة فضيق عينيه منتظرًا التوضيح لكنها انفجرت ضاحكة أكثر وهي توليه ظهرها، فـ سأل مندهشًا: "ما المضحك بالله لِمَ تضحكين."
كتمت فمها وهي تستدير متأملة لصلعة رأسه من الأمام بينما خصلاته تبدأ من نصف رأسه إلى كتفيه شديدة السواد كـ لحيته الخفيفة المنمقة. حين تأملته راق لها هيئته وأحبت خصلاته فـ تحولت ضحكاتها لبسمة رقيقة، وقالت: "شعرك مذهلًا لم أرى مثل هذه التصريحة من قبل."
هز رأسه مستخفًا وهو يتربع على الخضرة مشيرًا لها أن تجلس، فقالت بصدمة: "ما هذا هل ستجلس هُنا ماذا لو رآك أحد."
"بالله يا دارين ما بكَ اليوم يا فتاة تبدين غريبة، وإذا رآني أحد لا أدري ما المشكلة في هذا، ماذا تظنيني يا فتاة؟"
قالت دارين مستنكرة وهي تجلس: "ما المشكلة أنت أمير يا هذا!"
أغمض عيناه وهو يسترخي آخذًا نفسًا عميقًا من هواء البحر وأجاب: "وهل لا يحق للأمير أن يعيش أم ماذا! دارين، أنا أحب أن أستمتع أن أجلس على الأرض وأتأمل البحر وأحادثه وربما أبثه بما في جعبتي حين تضيق بيّ وحدتي فهو أأمن صديق يأخذ ولا يبوح لا يمل ولا يكل يأخذ إلى أعماقه، يأخذ أحزاننا وأوجاعنا ويعطينا الراحة والهدوء. نعم أمير لكني بشر أيضًا هؤلاء جميعهم أهلي لا أفرق بين قريب وقريب، كبير وصغير كُلا له احترامه."
همت أن تتحدث لكنه رمقها بنظرة حادة: "كفى عن الثرثرة واغمضي عيناكِ واستمتعي."
لوت دارين شفتيها وقامت وهي تجول في المكان مستمتعة كأنها في حلمٌ جميل ومعها فراسها فماذا تريد غير هذا! لتستمع بلحظة فقد لا تتكرر، ومن يدري قد تنقلب سعادتها لذا فلتغتنمها.
بقى الأمير براء شاردًا في زرقة المياه، مفكرًا، متذكرًا، هذا المكان لطالما جلب أخته فيه … أخته التي لا يدري أين هي وما حل بها … أخته التي اشتاق لها كثيرًا وكم يود لو يضمها بين ذراعيه ليخفيها عن العالم … كيف تختفي من حياته بتلك الطريقة، إن قلبه يشتعل تتوقد فيه النار ولا يطفئها إلا رؤيتها سالمة.
ضجة دارين انتشلته من شروده دون إنذار كأنها تعطيه إنذار بوجودها وإنه غير مسموح التفكير بأحد وهي معه فنهض مقتربًا منها عاقدًا ذراعيه وهي تدور حول إحدى الأشجار كأنها طفلة صغيرة تلهي نفسها، ناداها لتقف أمامه عابسة فـ أردف متسائلًا: "لماذا تدورين هكذا."
كتفت ذراعيها مثله وهي تلف ناظرة بعيدًا عنه و همست: "ألهي نفسي ربما فثمة من جاء بيّ وتركني بمفردي."
"أوه، لقد أحزنتك دون قصد يا صغيرة؟"
ردت دارين غاضبة وهي تلوح بكفها: "لم أحزن يا هذا، ثم كفى عن مناداتي بصغيرة أنا لست صغيرة."
"بلى."
"قلت لا."
"بلى صغيرة."
ضربة دارين الأرض بقدمها وما كادت أن توبخه حتى وضع سبابته على فمها يمنعها عن الكلام، وردد في لطف: "بلى أنتِ صغيرة تشبهين الكبار ببراءة الأطفال أبقى دائمًا هكذا رجاءًا ولا تجعلي الحياة تغير منك شيء مهما جاءت بهمومها وأوجاعها وأحزانها حافظي على تلك البراءة بداخلك يا حورية."
رمشت بأهدابها تستعب كلماته قبل أن تشير إلى نفسها في صدمة هامسة: "من أنا."
ابتسم لها دون ان يجيب وبعد هنيهة من الصمت ضم كفها بين كفيه يسيرون جنبًا إلى جنب قُرب الشلال الرائع، عندئذ سألها سؤالٌ يؤرقه لم يستطع دفنه: "هل آجار زوجك؟"
اضطرب فؤاده خوفًا من الإجابة، بينما قد عُقد لسانها من قربه المهلك وبعد برهة ردت مطرقة الرأس: "لا."
تنهد براحة تنهيدة عميقة استشعرتها، وقال: "إذًا أخيك أم بماذا يقربك؟"
"لا يقرب ليّ بأي شكل."
وقف مكانه يصيح مستنكرًا: "ماذا، هل تمزحين؟"
هدرت فيه دارين غير مراعية لشيء: "فيمَ أمزح بالله عليك! هو ليس بقريبي وليس بأخي ولم أعرفه إلا في قرب وقوعنا هنا."
قطب جبينه من ردة فعله وهو يردف: "سبحان من رزقك الهدوء يا فتاة فـ وأنتِ هادئة كأنك ملاك ألا تعلمين كيف تتحدثي بلباقة."
تخصرت وهي تهتف مستنكرة: "لباقة؟ تركتها لك يا أستاذ لباقة."
ضرب الأمير براء جبينه في غُلب متمتمًا: "سحقًا للساني الذي تحدث معكِ في شيء."
"يا هذا أنا أمازحك فقط لا تصبح جدي لتلك الدرجة."
لم يعيرها اهتمام وهو يكمل سيره وقد ترك كفها، وقال: "لكن آجار يبدو خائفًا عليكِ طيلة الوقت، لقد جن جنونه حين وضعتك في السجن ولو كان في استطاعته لقلب الدنيا رأسًا على عقب فكيف هذا أذًا وما ذاك الشيء الذي بينكم."
ردت دارين باسمة شاردة: "لا أعلم ربما لأننا من مكان واحد ويجمعنا لقاء واحد ربما وضع تحمل مسؤولية عودتي على كاهله لأني فتاة وبمفردي وهذه شهامة منه ليس إلا، لكن مع ذلك أنا أيضًا أخاف عليه من أن يصيبه أي شيء وحتى أن كان غريبًا أظنه لم يعد منذُ لقاءنا."
سكت مليًا متأملًا إياها وحين الشفق كان المنظر بديعًا والهدوء بنسمات حلول الليل منعشًا وحفيف الأشجار كان له صوتٌ جميل وصوت شلال المياه المتدفق كان منظر يسلب القلب قبل العين، الزهور بدت ألوانها أجمل في ظلمة الليل. تنفست دارين نفسٌ عميق وهي تطبق أجفانها وهمست بوداعة: "يا الله كم هذا جميل، سبحان الله."
نظر إليها البراء ولم ينبس لوهلة ثم قال: "هيا بنا لنذهب."
فـ عبست دارين بحزن حقيقي وتكدر وجهها، وقالت: "بهذه السرعة؟"
"لا تعبسي يا صغيرة سنأتي مجددًا هذا وعد."
"قلت لك لا تناديني بصغيرة."
أمسك كفها بحنان فجأة، فرفعت رأسها تنظر له، كان ضوء القمر يلقي بضوءه على وجهه لينيره، كأنه يشاركهم لحظتهم ويشهد معهم. فهمس الأمير بما يعتمل صدره: "يا صغيرة هل تتذكرين حين أخبرتك بأني أخشى على ابني من التعلق ووجع القلب وكسرته؟!"
أزدَرَدَت دارين لعابها في توتر وهي تؤمأ برأسها، فتابع بصوت رخيم: "أنا الآن أخشى على قلبي."
ران الصمت لـ ردحًا من الزمن تلاقت فيه الأعين بلقاء يقرب القلوب برباط متين، وأضاف فجأة ببسمة ساحرة خاطفة تكاد لا تظهر: "على مرأى من هذه النجوم والقمر شاهد بيننا على قدر ضوءه أقسم أنك سراجًا وهاجًا تسللت في خفة لقلبي فأناره بنور السعادة ومحى عتمته الحالكة وأحيا النبض في قلبي."
أنهى عبارته واضعًا كفها على قلبه في رقة، واسترسل دون ان يرف له جفن وقد تفعمت مقلتيه بمشاعر شتى: "قد لا أعلم عنك شيء، لكن هذا القلب يخبرني خلسة إنه قد وجد ضالته، مسكنه، وبيته، وسكينته، أن أخبرتك أني أتمنى ذهابك ورجوعك لوطنك فأنا كاذب للحق بداخلي شيء يدعوا ليلٍ ونهار أن لا يكون هنالك طريقة لإبتعادك عني، قد تعودين لوطنك لكني سأفقد وطني، اعلم هذا شيء عجيب ان يغرم الفؤاد بغريب سيعبر من فوق قلبي تاركًا له مكان إذ لم يكن كله، لكنك يا غريبة كلما نظرت في عينيك أستشعر إني أعرفك منذُ دهر، أحسك ابنتي …"
تغضن وجهه فجأة وامتقعت ملامحه حين هوت دموعها هويًا على وجنتيها فضم وجهها تلقائيًا يهتف في قلق: "لماذا تبكين هل قلت ما يغضبك، أنا … أنا."
بُتر كلماته حين هزت رأسها وهي تقول من بين شهقاتها: "اشتقت إلى عائلتي كثيرًا، اشتقت إلى بابا هيثم فأني لا أشعر بالأمان اتدري ماذا هو ليس بـ أبي لكنه أبي."
ضيق عيناه دون فهم فوضحت وهي تكفمف دموعها: "لقد توفى أبي وأنا صغيرة وهيثم هو من رباني كبرت على يديه فكان ليّ الأب والأخ والصديق أنا اشتقت لـ اروى وخديجة وماما سجى ولجدتي لمار اشتقت لهم جميعًا."
قال البراء متفاجئًا: "كم أم واب لديكِ أنتِ يا فتاة من كل هؤلاء؟"
ضحكت فجأة وهي تتهرب بعينيها عن عينيه فهمس باسمًا: "نعم هكذا لا تخفين هذه الضحكة لأي سببًا كان أجعليها تهل في سمائي لتنيره فإذ غابت يغيب القمر."
غمز لها فجأة فصرخت فيه متخصرة: "هل تغازلني يا هذا أم تتحرش بيّ."
رفعت سبابتها وتابعت في حدة: "لا تظن إني إني لا أستطيع الدفاع عن نفسي فـ أنا آكلك يا هذا وآكل نبضات قلبك وأهشم رأسك الجميل هذا."
رفع إحدى حاجبيه مندهشًا وردد: "تأكلين نبض قلبي! وتهشمين رأسي الجميلة! بالله كليهم يا فتاة لا بأس عندي هيا يا دارين كفانا اليوم."
تخطته إلى الجواد فغمغم هو في نفسه: "هل كانت تغازلني أم تهددني."
قبيل دخولهم للقصر نادى إحدى الحراس على الأمير فـ أشار لـ دارين أن تدخل هي واستدار هو للحارس الذي اقترب وقال مطأطأ الرأس: "مولاي لقد تم إيداعه في السجن كم أمرت ولم يكف من حينها عن الصياح بإسمك فماذا ترى."
ابتسم البراء في خبث ماكر وهو يولج القصر: "إذًا لنلبي دعوة زوج أختي هو ضيفنا يا رجل."
"لنطمئن على السيد آجار كيف أصبح."
قالتها دارين وهي تفتح باب حجرة آجار وتطل برأسها لتجده واقفًا بجانب الشرفة ممسك بكوبٍ به مشروبٌ ما، فدنت منه متهللة الوجه وهي تقول في فرحة: "أوه أراك بصحة جيدة يا رجل أعتقد أني سآتي وأجدك ميتًا أو ما شابه."
انقض عليها فجأة ملقيًا الكوب من يده في عنف فـ أجفلت منتفضة أمسك بمرفقها وهو يجأر في غضب أعمى: "أيـــــــــــــــن كنتِ يا بنت كدتُ أجن لماذا تخرجين مع هذا الرجل بمفردك لماذا لم تخبريني."
صرخة دارين مثله وهي تفلت ذراعها في عنف: "اترك يدي يا آجار لا يحق لك سؤالي."
هجم عليها يهزها من مرفقيها وهو يهدر غاضبًا وقد اشتعلت عيناه: "كيف لا يحق لي، ماذا إذا حصل لكِ شيء هل تهذين."
"يويويوه أنت يا عمي ملكش دعوة بيا وبعدين هيحصلي ايه يعني ولو حصل إي يعني هموووت."
لجمته كلمتها فترك كفيها فجأة، وراح ينظر لها مليًا قبل أن يقول بلهجة تجمد الدم في العروق: "إياكِ يا دارين لم تري وجهي الثاني للآن ولا أتمنى أن تريه دعي هذه الأيام تمر على خير وتجنبي غضبي، والآن هي إلى جناحك غدًا، غدًا سنرحل من هنا سنغادر وسنبحث حتى نخرج من هذا المكان متأكد أن أراس الآن أرسل من يجدنا، هيا."
أغروقت عينيها بالدموع وهي تهمس: "أنتَ يا هذا أقسم بأن حينَ نعود لأجعل جدتي لمار تبرحك ضربًا حتى لا تصرخ في وجهي هكذا مجددًا."
انصرفت من أمامه وما همت بفتح الباب حتى جذب كفيها وادراها لتوجهه وقال بصوت أجش: "دارين لا تبكي يا بنت أقسم إني الساعات التي مرت كدت أن أموت فيها من قلقي عليكِ لا تبكي يا صغيرة حسنًا هذا من خوفِ عليكِ أم أنك تعاتبيني على هذا الخوف الذي لا دخل ليّ به كان ينهش قلبي يا اختي الصغيرة."
ازاحت دموعها فجأة وهي تهمس في تريث: "أختك الصغيرة؟"
"نعم اختي، أم أنك تريدين أن تصبحي شيء أكثر من هذا؟!"
أنهى جملته تزامنًا مع غمزة جميلة جعلتها تضحك وهي تهز رأسها في يأس منه.
صرخة، صرخةٌ شقت سكون الليل رجت الأرض رجًا، ومزقت قلب آجار التي كانت باسمه ليفتح عينيه على وسعها مع صُراخ دارين المرعب بإسمه فهب جالسًا يصرخ بإسمها وهو يركض للخارج يكاد يتعثر في كل ما يقابله...
قبل دقائق وبينما هي نائمة والصغير بجوارها الذي اعتادت وجوده إذ أحست فجأة بإهتزاز في الغرفة زلزل فؤادها قبل أن يزلزل المكان فرمشت وهي تفتح عينيها فهالها طيف شبح عملاق له حوافر مخيفة وأسنان بشعة وجهً أسود وجسدٌ ضخم الهيئة أسود عيناه حمراء متسعة دون بؤبؤ لهما انتفضلت جالسة وهي تحملق في قدومه البطيء نحوها، وظلت تزحف على الفراش بفؤاد خيل لها أنه توقف عن النبض من هول ما رأى، دموعها كانت تنساب كأنها شلال على وجنتيها، جسدها دون مقاومة كان يرتعش ويرتجف سكنت حين فتح فمه وهو يجثو على الفراش نظره على الصغير جعفر فأخذت الصغير بين ذراعيها تحميه من هذا الشيء الذي لا تعرف كنهُه، رويدًا رويدًا ماج صراخها مع صراخ الصغير واطبقت عينيها عن مظهره المخيف في قوة، انقض كف ضخم أكحل اللون على ذراعها ففتحت عينيها وهي تحاول الوقوف والإبتعاد، وكفها الآخر يكابد كلا يقع الصغير أو يأخذه. نظرت إلى الباب وهي تصرخ بإسم آجار فـ ترآت زوجة الأمير تقف عاقدة ذراعيها وتبتسم لها بشماته وعينيها تخرج منها نيران وقد بدأت بنزف الدم، صرخت صرخة متألمة حين عصر ذو الهيئة السوداء كفها في فمه، فأوقعت الصغير من يدها ولسان حالها يصرخ بإسم آجار الذي برز فجأة على أسكفت الحجرة متسع العينين وقد اختفت زوجة الأمير، صرخ بإسمها مرتعبًا وهو يهجم على هذا الشيء الضخم فوق ظهره وراح يلكم رأسه صارخًا في دارين ذات الذراع النازف أن تبتعد فحملت الصغير وهي تهبط من فوق الفراش مبتعدة لآخر الغرفة، و ولج الأمير مشهرًا سيفه سرعان ما تشابك مع هذا الغريب الذي طرح آجار أرضًا وكاد أن يدهسه بقدمه فغرس السيف في باطنها ليسقط صارخًا صرخة عالية بهزه عنيفة زلزلزت المكان، هجم الحراس عليه والأمير لكنه كان بيدًا واحدة يطاير السيوف ويقبض عليهم يأكل لحومهم في سرعةٌ فائقة، كانت قد جثت جوار آجار واعطت الطفل لأحدى الخادمات، وما أن أنهى على الحراس واصاب الأمير الفاقد الوعي حتى قبض بذراع واحد على دارين التي تشبثت في كف آجار الذي حاول أن ينهض فـ سدد له ذو الهيئة السوداء ضربة قوية على رأسه جعلته يعود أرضًا مرتخى الجسم وهو ينظر على غياب دارين رامشًا وغمغم هامسًا قبل أن تميد به الأرض ويحيطه السواد ولا يرى شيء.
"دارين يا أختي الصغيرة مستحيل اسمح أن يصيبك أذى."
كافحت أن تبعده ضربته بذراعيها وقدميها وهي تتلوى لكنه كان كـ المبرمج يسير دون ان يشعر، يحمل الصغير الباكِ الذي أخذه من الخادمة عنوة ودفعها دفعة قوية، وفي الآخر كان يحملها هي...
رواية جحر الشيطان الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندي ممدوح
تجمعت الفتيات بعد صلاة ظهر الجمعة حول خديجة، يحيطونها كما يُحاط الخاتم بالأصبع، ملتفات حولها في حلقة دائرية، قلوبهن في لهفة لدرسها اليوم، يأتين لها وهن على علم بأنهن لن يخرجن كما أتين، فبعد قليل سيرحلن بقلوب عامرة بالإيمان، زاهدة في الدنيا، راغبة في الآخرة، الآذان مشتاقة لصوتها البديع الذي يعبر لقلوبهن وأرواحهن ويتوغل بين ثناياها تاركًا أثرًا عظيمًا لا يُمحى.
وجهها الوضاء المشرق مبتسم، ملامحها المريحة ضاحكة، كل ما بها يبث الراحة والطمأنينة في الفؤاد. تحمحمت لتجلي صوتها، وعيناها تدور في الوجوه من حولها، تنهدت بعمق وهي تبدأ قائلة:
"كيف حالكن يا أحباب الرحمن؟ أتمنى أن تكن بخير جميعكن في أفضل حال وصحة وراحة بال. تحدثنا فيما سبق عن سكرات الموت، للعلم لم نعطها حقها، فالحديث يطول عنها. أما اليوم فحديثنا رهيب عن عالم آخر ربما. نعم، عالم آخر مظلم، مخيف، موحش، به حساب ثم جنة أو نار. الآن حبيباتي، أغلقن أعينكن، أغلقن، أغلقن، هيا لا تخفن، وتخيلن ولا تقطعن حبل التخيل. أن جاءكن ملك الموت وحضرتكن سكراته، وها روحكن تخرج، والصراخ والعويل يعم المكان، ثم يغسلنكن وأنتن لا حول لكن ولا قوة، ثم يُكفّن جسدكن في كفن تحمله الأكتاف، بعد أن يُصلى عليكن وينزلنكن القبر ويرحل الجميع، الجميع بلا استثناء. فها أنت يا ابن آدم وحيد وسط ظلمة كاحلة لا ينساب فيها بصيص نور حتى، وحيدًا بلا مال ولا جاه ولا صديق ولا أخ ولا حبيب ولا والد ولا والدة، بمفردكن تمامًا، خالي من كل شيء، والأهم أنتن بمفردكن. يأتينكن ملكان يدعيان منكرًا ونكيرًا، يجلسنكن، وها وقت الثبات قد حان. فكيف ظننتن أن الموت ليس آتٍ، وتعمقتن في الحياة وانغمستن في ملاذاتها، غير آسفات، غير مدركات متى أجلكن؟ فالأجل ليس له معاد أو مكان أو زمان. ربما الآن وأنتن جالسون بيننا، لن يصرفه عنكن أحد، ولن يشارككن أحد. ولن يشعر بكن أحد. ستواجهنه لوحدكن. نحن فقط سننظر ونبكي، وربما نتعظ، وربما لا. لكن حتمًا هنالك قلوب ستتزكى."
قطعت كلماتها تأخذ نفسًا عميقًا، تهدأ أنفاسها وضربات قلبها، وسكتت لهنية قبل أن تتابع قائلة بنبرة رخيمة:
"عذاب القبر يشمل الروح والبدن، وليس البدن فقط أو الروح فقط. ولكم حديث عن سيد الخلق، عن نبي الرحمة، والهداية. حديث يصف لنا ما سنلقاه عند دخولنا القبر. القبر الذي لن نأخذ له معنا شيئًا إلا أعمالنا الصالحة، الصلاة، والصوم، وفعل الخير، صدقتكن، وزكاتكن، وما أحصيتن من القرآن. فهل هذه الأشياء تُهجر؟ علينا أن نهجر ملاذات وآثام الحياة فقط."
"في الصحيحين عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: 'إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه يسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ - لمحمد - فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما، ويفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلى يوم يبعثون. وأما الكافر أو المنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه'."
"فقوله صلى الله عليه وسلم: (يسمع قرع نعالهم - فيقعدانه - ضربة بين أذنيه - فيصيح صيحة - حتى تختلف أضلاعه) كل ذلك دليل واضح على شمول الأمر للروح والجسد."
"الحديث ليس في حاجة إلى شرح، فإذا تأملته وتعمقت كلماته عرفت عذاب القبر."
"ثم نأتي إلى حديث آخر رواه الترمذي من حديث أبي هريرة بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'إذا قُبِر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم. فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون قولًا فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبًا، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك'."
"فقوله: 'فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه' صريح في ذلك."
سكتت تلتقط أنفاسها، والبسمة مرسومة على ثغرها، تجول بعينيها على الوجوه التي ظهرت فيها علامات التأثر والخشوع، بعضهن فاضت أعينهن دمعًا من خشية الموت والتفكير فيه وفيما سيجري في القبر.
"تُرى هل سنثبت عن سؤال الملكين أم لا؟ هل سينير قبرنا أم لا؟"
"تلك كلها أمور مستترة في ضمير الغيب لا يعلمها إلا الله."
"وما نحن إلا في امتحان نسعى له حتى ننجح ونجتازه بامتياز لنفوز بالحياة الأبدية، بمسكن لنا في الفردوس الأعلى، ويا الله إذا كان جوار الحبيب محمد وصحبه والشهداء. تخيلي معي حبيبتي ولا تحرمي عيناكِ من التخيل، فإنا لا نملك غيره. ماذا لو كان لكِ قصر في الجنة؟ نعم، الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ناهيكِ عن هذا، يكفي إذ بها الرسول، الحبيب محمد، نبي الرحمة، وأهله والصحابة. يا الله، ألا تستحق الجنة أن نجهد ونسعى لأجله؟ ألا نستحق أن نزهد من ملاذات الدنيا لملاذات الآخرة؟"
أخذت نفسًا عميقًا وأدمعت عيناها، أطرقت برأسها وقالت بصوت يهدده البكاء:
"عن البراء بن عازب الطويل الذي رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة والحاكم وغيرهم بسند صحيح وأوله: 'إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه'. وفيه: 'يحملونها (الروح) في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط… ويصعدون بها... فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه…… وفيه: 'فـ يُفسح له في قبره مد بصره'. وفيه عند الحديث عن العبد الكافر وأن الملائكة تصعد بروحه فلا تفتح له أبواب السماء: 'فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا، فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه……'. وفيه: 'ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه'. وهذا صريح في أن الروح مع الجسد يلحقها النعيم أو العذاب."
"حان الآن أن نعرف ضمة القبر، ضمة لا ينجو منها أحد، كبيرًا أو صغيرًا، مؤمنًا أم كافرًا، صالحًا كنت أم طالحًا. ضمة قال عنها الرسول، لو كان أحد ناجيًا منها، لنجا سعد بن معاذ. هل تعلم من سعد؟ نعم، إنه هو 'سعد بن معاذ' الذي اهتز عرش الرحمن لموته."
"- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيًا منها لنجا منها سعد بن معاذ)."
"- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'هذا الذي تحرك له عرش الرحمن - يعني سعد بن معاذ - وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُم ضمة ثم فُرج عنه'. رواه النسائي."
"- عن أبي أيوب رضي الله عنه: أن صبيًا دُفن، فقال صلى الله عليه وسلم: (لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي)."
تابعت خديجة وعبراتها تسيل على خديها:
"ما بالكن قد غرتكن الحياة الدنيا وزينتها وفتنتكن؟ وقد امتلأت فتنًا وأنتن لا تجاهدن لتتجنبنها. أراكِ تغرقين يا أختي. هلا فكرتِ في سكرات الموت وخروج الروح؟ هل فكرتِ في القبر، ظلمته، وحشته، سؤال الملكين، وضمته؟ ماذا تعتقدين نفسك؟ هل تفكرين أنك ستنجين؟ لو نجا أحد لكان معاذ. هذا معاذ يا أختي الذي اهتز له عرش الرحمن، فمن أنتِ بالله؟"
"عذاب القبر يا أختي لن يراه أحد ولا يسمعه أحد، ستكونين وحيدة. يقول الله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور) فاطر/22."
"لمثل هذا اليوم اعملي يا حبيبتي، فإن الموت والله آتٍ، وأخشى عليكِ أن يأتيكِ على معصية. فبادري إلى صلاتك مع كل 'الله أكبر' ولا تأجليها، فما تدري نفس متى الأجل. صومي وتصدقي ولو بجنيه، ولو بشربة ماء لعابر سبيل، أو كلمة طيبة لشخص حزين بائس. تجنبي فتن الدنيا، ومن الآن توبي عن كل ذنب وابتعدي. سيعوضك الله صدقًا في جنته. ضعي الجنة صوب عينيكِ وسيري إليها. أعلم السير صعب، وقد تكون على ظهرك معوقات، لا بأس، ألقيها. ألقي هذه الذنوب الحائل في طريقك للجنة، فالسائر إليها بحاجة لظهر خفيف الحمل."
"رُج المسجد بالبكاء، وربما بكيتِ أنتِ أيضًا يا من تبحر عيناكِ الجميلتان بين كلماتي. فـ أخبريني كيف حال قلبك؟ هل تراكِ كلامي فيكِ أثر، أو زحزح فيكِ أي شيء؟ هل اتعظتِ؟ وإني والله أعلم أن كلماتي ربما لا تجدي نفعًا، فكيف لي أن أصف القبر وضمته؟ لكن ربما كنت سببًا في صلاح قلبك يومًا، وربما هداية أرسلها لكِ الله. قد تتخطين الفقرة الدينية وقد تقرأينها، فإذا سبحت عيناكِ فيها، فـ رجاءً دعي عينا قلبك أن تقرأ وتلمسها، واتركي الباقي لله..."
أزاحت خديجة دمعها، ووجهها المستدير بدا كالقمر في ليلة كماله، وعيناها تلمعان كنجمتين في سماء صافية، وأردفت مشرقة المحيا:
"الآن هل أحد لديه سؤال؟"
"- حدثينا عن الخطبة يا خديجة؟"
قالتها إحدى الجالسات، فنظرت لها خديجة، وقالت:
"لنا درس خاص له، لكن إن شاء الله بعد دروس يوم القيامة وأهوالها، إذا أذن الرحمن… وإذا كان أحد آخر له سؤال أو يريدني أن أتحدث في شيء، ليكتب ذلك في ورقة ويعطيها لي قبل رحيلي. وقبل أن ننهي هذا اليوم الذي هو من أحب الأيام لقلبي، أردت أن أهديكم هدية."
"أتدرون إننا في دقيقة يمكننا بناء قصر في الجنة؟"
"- كيف ذلك؟"
"- أن نقرأ سورة 'الإخلاص' عشر مرات."
"لن تأخذ منكِ إلا دقائق قلائل، تستحق تلك الدقائق أن تغتنميها ولو مرة في اليوم، إنه قصر يا فتاة، وليس أي قصر، إنه قصر في الجنة حبيبتي."
اللهم اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
بعد إغلاقها للمسجد هي والفتيات وقد سبقوهن أمهاتهن، وفي طريقهن نحو السيارات المرتكنة، وبينما هي تضحك في خفوت وتتسامر معهن، جحظت عيناها حين رأته واقفًا في أحلى طِلّته، عويناته التي تخفي عيناه المعلقة بها، يديه الموضوعة في جيب معطفه الأسود، ارتكانه بظهره على السيارة، برفع إحدى قدميه، تبسم لها فشحب وجهها خوفًا، وفزعًا، وتوجسًا. داهمها فجأة الدوار، فأمسكت تلقائيًا بذراع ملك وكتف أروى. فبادرت ملك قائلة بنبرة قلقة:
"خديجة، أنتِ كويسة؟! مالك أنتِ دوختي فجأة ولا إيه؟!"
استبان أنها لم تسمع، إذ كان بصرها لا يحيد عنه، خاصة حين رآها متشبثة في ذراعي الفتاتين وتقدم خطوتين.
قاطع زمهرير أفكارها أروى تهمس:
"ديجا، في حاجة ولا إيه؟!"
هزت خديجة رأسها مجيبة:
"لا، لا مفيش حاجة، بس نسيت حاجة مهمة وهو إني لازم أطلع على المستشفى. يلا ارجعوا انتوا البيت وأنا هاخد تاكسي وأروح."
رفضن الفتيات وأوصلها في طريقهن، وفي نفسها كانت تعلم أنه يتبعها، وأنه لم يأت إلا للمصائب. يا الله، إنها تخافه وبشدة. هل جحيمها سيبدأ الآن أم لا؟ لقد ظنت أنها نجت، ثم يخرج أمامها هكذا كشبح سيسلب كل الحلو في حياتها.
أسرعت خطاها في المشفى حتى أوصدت باب مكتبها خلفها بعنف وهي تتنهد:
"تبًا لك يا أراس، ماذا يريد؟ لماذا عاد؟"
طرقة خفيفة، كانت تعلم لمن. ولج دون إذن، ناظرًا لها مليًا كأنما يروي ظمأ عينه. خلع نظراته، وعيناه جالت فيها من رأسها لأخمص قدميها. وأخيرًا، بعد دقائق من القلق والخوف اللذين نهشا قلبها، قال بهدوء:
"ألن تدعيني للجلوس يا طبيبة أم ماذا؟ فـ أريد أن أكشف."
ازدردت لعابها وهي تشير له على المقعد بحروف متعثرة:
"إتفضل، إتفضل اقعد."
سبقته لتجلس خلف مكتبها وجلس أمامها. تبًا له ألف مرة. ما زال يلتهمها بنظراته التي لا تحيد عنها، والسكون كان لها كنار تأكل من جسدها. ماذا لو كانت لا ترتدي نقابًا؟ ماذا يا ترى كيف كان قد ذاب فيها هذا المجنون؟ كيف بالله أحبها؟ وهل لقلبه أن يعرف الحب؟
لا بأس، ستصبر حتى تسفر عن سبر أغواره. لتدحر التفكير الآن جانبًا وتتحل بالشجاعة. رفعت رأسها بكبرياء وقالت بوجوم:
"ماذا تريد مني بالتحديد يا أراس؟ لماذا عدت؟"
مال بيمناه على المكتب ووجهه قائلًا:
"كان لي أن أعود، فقلبي وروحي وجميع نفسي هنا بالتحديد، فكيف بربك أتركهم؟"
كظمت غيظها وهي تقول بشراهة:
"سحقًا لقلبك ولروحك ولنفسك ولك يا رجل."
لم تتلق ردًا غير بسمة سخيفة انبلجت على شفتيه، ورجع بظهره للخلف مسترخيًا وقال بهدوء متلذذًا:
"عيب أن تحادثي زوجك المستقبلي هكذا يا بنت."
وثبت من مكانها، تضرب بقبضتها على المكتب، متسعة العينين تحدق بغضب، صائحة فيه:
"من زوجتك هذه يا هذا؟ هل جُننت؟ انطق ما الذي تتفوه به!"
في هدوء مستفز قال:
"شششش، لا أحب الصوت العالي هذا أولًا. ثانيًا، مسموح لكِ أنتِ فقط يا خديجتي."
"- لك تبًا لخديجة وللذي جاء بها على هذه الحياة. ستفقدني عقلي يومًا ما. ماذا تريد مني...."
قام واقفًا وهو يقول ببرود مزررًا معطفه:
"أريدك وسأحصل عليكِ، وسترين."
همت أن تخطو نحوه وتوبخه، إلا أنه أشار لها بالسكوت هامسًا:
"هششش، ثمة مرضى لا نريد إزعاجهم. أنتِ طبيبة، عيبٌ عليك."
دنا منها، ومع كل خطوة تتوجس خفية في نفسها، وينكمش قلبها رهبة. وقف قاب قوسين أو أدنى منها ومال برأسه قليلًا نحو وجهها وتمتم بنبرة مهددة لا تخلو من مسحة حنان وعشق:
"حين آتي لطلب يدك ولو تم رفضي من قبل أهلك، فستوافقين وستجعليهم يوافقون يا خديجتي، وإلا..."
تبسمت خديجة هازئة، ورغم رعب فؤادها قالت بحدة:
"إنك تحلم يا هذا. أنا مستحيل أن أوافق. ماذا ستفعل؟ أين تظننا؟ أتعلم ابنة من أكون أنا؟ لي أهلي جميعهم يزوجون بك تحت الأرض ولا يعرف لك أحد مكان."
"تؤ تؤ تؤ، عيب عليكِ يا خديجتي. ثمة فرق يا روحي، عن طريق الحق وطريق الباطل، طريق الباطل يفعل المستحيل ليأخذ ما يريد... ويتلذذ بضحاياه مما لا يخطر على قلبك النقي هذا. إن رفضتِ ولم تقنعيهم حينها يا خديجة، أقسم لكِ بأن حياة عائلتك كلها ستصبح جحيمًا، وستتلقى أرواحهم سابحة في دمائهم دون ذرة رحمة، كأوراق خريف بالية."
اعتدل في وقفته، وأولى ظهره مطبقًا جفنيه يخبئ عنها عينيه اللتين ستفضحان كذبه لا محالة، وقال بتعجل قبل أن ينصرف:
"سأتركك لتفكري يا خديجة، وأنتِ من ستكررين مصيرهم. إلى اللقاء الآن."
خرج مخلفًا وراءه إنسانة سُحبت عنها روحها، وكـ الجسد الصلب سقطت فوق المقعد فاقدة لكل شيء، وتواترت الأفكار في أغوارها، أفكار كان جميعها سيئة. يا الله، يُخيل إليها الآن ممرضة تدخل عليها تطلب منها المجيء في الحال لحالة طارئة، حالة لم تكن إلا لخالد أخيها غارقًا في دمائه، ملامحه تكاد تُخفى. انتفضت صارخة والدموع تنساب انهمارًا على وجنتيها، توقع بحنون كل ما فوق المكتب حتى راحت تضرب فوقه بذراعيها. فـ فُتح الباب وهرولت نحوها إحدى الممرضات تسألها في قلق وقد هالها رؤيتها بتلك الهيئة المحزنة التي لأول مرة تعهدها عليها:
"دكتورة خديجة، حضرتك بخير؟ تحبي أتصل على حد من عيلتك يجي لحضرتك؟!"
نظرت لها خديجة نظرة خاطفة وقامت متناولة حقيبتها من الأرضية وغادرت دون أن تنبس بحرف.
🥀 لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 🥀
كم مر من وقت، وكم انقضت ساعات لا تُذكر. كانت في أمس الحاجة لعزلة… عزلة تختلي فيها بنفسها، فربما تجد حلًا. لكن كل الحلول مغلقة، لا نفاذ لها. أين السبيل وأين المفر من القدر!
لا يوجد، لذا عليها الإذعان. ستترك كل شيء دون أن تحاول إبعاده، وليتم المكتوب والمقدر لها. بقلب منفطر وأعين تغشاها الدمع، كانت تسير في الطرقات تائهه، مقهورة. دروبها أظلمت فجأة. حسمت أمرها بالعودة لتبقى في محرابها لتستخير الله، لتلجأ لبابه من غيره موئلًا لها إذ صعب المسير وتعسرت خطواتها.
استفاقت من شرودها على صوت الجوال، ففتشت في حقيبتها وأخرجته مجيبة باهتمام:
"السلام عليكم....."
"- دكتورة خديجة، لازم تيجي فورًا رجاءً عشان، عشان خالد أخو حضرتك جه في حادثة عربية."
بهتت فجأة وذرفت عيناها الدمع، كالتائهة كانت تنظر حولها كأنها لا تدري أين تذهب. قلبها يهمس باسمه، وروحها تكاد تذوب قلقًا عليه. أوقفت سيارة أجرة وأملت السائق العنوان لينطلق سريعًا.
سألت عن حالته فطمأنوها إنه بخير ولم يصب بأذى، لكن كيف لقلبها أن يطمئن دون أن يراه؟
ركضت في خطوات سريعة نحو الغرفة التي دُلّت عليها، فأدارت مقبض الباب وما أن رأته واقفًا يبتسم لها وإحدى ذراعيه متجبسة، شهقت في فزع راكضة إليه تضمه تارة وتقلب فيه تارة تلو الأخرى وبكاؤها صار بصوت عالٍ، فضمها لصدره بذراعه الآخر يربت على ظهرها مغمغمًا جوار أذنها:
"خديجة، ماما خديجة، أنا بخير قدامك والله مفيش أي حاجة."
أبعدها عنه ووضع كفه على نقابها يهمس بلطف:
"أنا بخير والله مفيش أي حاجة، اهدي، وإوعك تكوني عرفتي حد."
هزت رأسها وهي غير قادرة على كظم دمعها، فتنهد وهو يأخذها لحضنه مرة أخرى علها تهدأ. لكنها كانت تتشبث فيه وتضمه أكثر.
صوت تحمحم صدر من لدن الفراش، فـ ابتعدت عنه تلتفت لترى مصدره فطالعها عينان ناظرتان إليها في نظرة غريبة، نظرة إعجاب. بالله كيف حتى وهي محجوبة عن الجميع أن تنال إعجابهم.
قال خالد بجانب أذنها:
"خديجة، دا الشاب اللي عمل الحادثة معايا ورجليه مش هيتحركهم أو هنقول إنه اتصاب بشلل فيهم."
أومأت خديجة عدد مرات في تفهم، ولمعت عيناها بعطف وقالت بصوت حانٍ:
"زال البأس لحضرتك، طهور إن شاء الله، وعليك أن تفرح بهذا الاختبار وتخرج منه صابرًا، راضيًا."
كيف لفتاة منتقبة أن تخطف قلبه هكذا؟ بها شيء غريب أو هالة تجذب وتسر الناظرين. ما له الآن قد نسي ما حل عليه وغرق في تلك البراءة أمامه. حين شروده لم يدرك أنها قد غادرت وجلس خالد على كثب منه.
سارت خديجة في رواق المشفى، وعلى حين بغتة منها كانت يد تجذبها في إحدى الغرف الجانبية، فشهقت في خوف وكادت تصرخ حين انغلق الباب واندفع ظهرها عليه. ألقت على أراس نظرة غاضبة، وصاحت:
"أنت مجنون! بتعمل إيه؟!"
وصفعته مع عبارتها صفعة قوية جعلته يتشنج ويلامس خده. عيناه ترقرقت بدمع الغضب واشتد فيها الاحمرار. كز على أسنانه وهو يغلق عينيه مستدعيًا هدوءه وفتح جفنيه بتمهل، مرآه لخوفها وضربات قلبها المتسارعة أذابت جليد عينيه. فهمهم في صوت هادئ محذر:
"أن تكررت مرة أخرى يا خديجة، لا أوعدك حينها أن أمسك أعصابي، ولا تضطريني لأن أظهر وجهي الآخر، والذي أبدًا لا أتمنى أن تريه."
انهارت فجأة باكية، قلبها يؤلمها لدرجة الصراخ، لكنها تماسكت وهي تقول بصوت مختلج بالبكاء:
"حرام عليك بقى، أنت مش خايف من ربنا؟ عايز مني إيه؟ أنا بخاف منك أنتِ، إزاي مفكر إني ممكن آمن لك؟ دا أنا شفتك بعيني بتقتل ولا كأن القتل ده لعبة بتلعبها. قولتلي هتأذيهم بس مفكرتش إنك...."
رغم ندوب قلبه التي كانت تنزف بداخله من إثر كلماتها، رفع إصبعه يردد بصدق:
"مهلًا، مهلًا يا خديجة. أنا لهذا السبب جبتك لهذه الغرفة لأخبرك إني ليس لي دخل بحادث خالد. أقسم لكِ بأني لم أقربه ولا أفكر حاليًا. تصدقي أم لا، أنا لا أكذب عليكِ وأردت إخبارك فقط لأني أعلم بأنك ستشكين فيّ… ابتعدي هيا."
تنحى جانبًا، ففتح الباب وقبل خروجه همس دون النظر إليها:
"لا تجعلي الدموع تعرف طريقًا لعينيكِ يا خديجة، استحلفك بالله، فـ أنتِ لا تعلمين ما تضرمه في قلبي من نيران لا قدرة لي على إطفائها. رجاءً يا خديجة، لا، لا تسمحي لدمعك بالانهيار، فهذا يؤذيني."
أغلق عينيه طاردًا عنه طيفها الباكي الذي شطر فؤاده نصفين وخرج.
فـ أغلقت عيناها لتنساب ما بقي من دموع عالقة في أهدابها.
عادت في هذا اليوم إلى المنزل محطمة. التيه يتمكن منها، لزمت غرفتها طيلة الوقت تصلي وتناجي ربها. ما بالها في حضرة هذا الأراس تكون ضعيفة، مهشمة، هشة، لا تقوى على الثبات؟ لماذا تخافه لتلك الدرجة وتسمح له أن يرى دموعها التي لم تهو يومًا إلا خشية من الله أو في إحدى الدروس المؤثرة أو موقف زلزلها؟ لا، لن تسمح له أن يرى ضعفها مرة أخرى. ستقبل بالزواج منه، لن تنتظر أن يحدث شيء لأحد في عائلتك. لقد كادت أن تموت خشية أن يدرك أخيها أذى، فماذا لو نفذ كلامه....
🌸 ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين 🌸
التعاطف هو كل ما كان يعتمل صدره تجاه هذا الشاب الذي افتعل معه الحادث. وحيد هو، أمٌ هي كل ما تبقت له في هذه الحياة. لديه عائلة نعم، لكن عائلة فقط بالاسم لا غير. إذاً هو محظوظ… محظوظ للغاية يملك عائلة لا أحد يملكها، أمٌ وأبٌ يمتلكان من الحنان والسند والأمان ما يكفي العالم ويفيد، وأخت… أخت هي الحياة، إنها أم أخرى والركن الذي يستند عليه مهما مالت به الحياة. إنها أمان وسكينة لقلبه تجعله يتساءل في بعض الوقت "من منهما سند الآخر؟". صديقة هي إذ احتاج لمن يسمع بكل تريث، وأخت هي إذ احتاج لنصيحة، وأمٌ إذ ألمته الحياة وأتعبته يجد لديها راحته. وآهٍ من باقي أفراد العائلة جميعهم فردًا فردًا، وأخواته الممثلون في أبناء العائلة. يا الله كم عائلته جميلة. أدى صلاة المغرب في المسجد الملحق في المشفى، كان بحاجة أن يشكر ربه على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. لكن هل الشكر يكفي؟ والله لا يكفي. إن نعمه كثيرة، يخجل من كرم الله عليه. قبل أن يدخل الغرفة أجرى مكالمة على مالك يطلب فيها أن يجيء له. فتساءل مالك متعجبًا:
"أجيلك! أجلك ليه، في حاجة ولا إيه؟"
"- عايزك يا ابني تعالى."
رد مالك مشاكسًا بنبرة مرحة:
"عايزني! ولوحدنا؟ توبة استغفر الله، عيب يا حبيبتي لما نتجوز مينفعش نتجمع قبل كده."
ابتسم خالدًا ضاحكًا لقوله، وقال:
"يا ابني بطل بقى مزاحك دا واخلص، عايزك تجيلي المستشفى."
هُنا، وهب مالك في وقفته يسأل بقلق صادق:
"مستشفى! مستشفى إيه؟ أنت فيك حاجة؟ أنت كويس، مستشفى إيه، انطق."
ابتسم خالد بسمة متسعة وطمأنه على حاله وأن شخصًا له في المشفى وطلب منه المجيء مع مقعد متحرك. أنهى المكالمة ودلف الغرفة ببسمة لطيفة، وطالع محمد باهتمام وقال بوداعة:
"عامل إيه دلوقتي؟ أحسن؟"
أومأ محمد دون أن ينبس، فجاوره خالد بعدما سحب مقعدًا جالسًا فوقه، وراح يخبره بفضل الصبر على ابتلاء الله، يبثه بالرضا. وقد تعجب أن شخصًا مثل محمد لم يقرب الصلاة يومًا، ولم يفتح مصحفًا قط، لم يقترب من الله، منغمسًا انغماسًا تامًا في الحياة، حياته كلها عبارة عن التسلية مع الفتيات، خروج مع هذه وأحاديث مع تلك. شعر بالأسف لما آل إليه شباب اليوم. شباب الحاضر من بعد عن الله وتمسك في الدنيا الزائلة.
لم يمر وقت طويل وحضر مالك والقلق ما زال يحتل قسماته حتى مرآه لخالد بخير، مما جعل العجب يتسلل لقلب محمد. ما بال خالد وعائلته في العصر تأتي فتاة منتقبة متلهفة، قلقة، تفتش في جسده عن أي جرح متواريًا عنها كأنها لا تصدق عيناها إنه بخير. اللهفة بعينيها كانت لهفة جميلة، كم تمنى أن يحظى بمثلها. وها الآن يأتي شاب لم ترتاح تعابير وجهه وترتخي أعصابه حتى اطمئن عليه. لماذا لا يملك إلا والدته؟ سأل دون مقدمات بينما كان خالد يقص على مسامع مالك الحادث:
"دا أخوك يا خالد؟"
رفع خالد أنظاره نحوه ورد بهدوء:
"لا، فيك تقول قريبي اسمًا، وأخويا معنويًا وترابطًا وقربٌ من القلوب."
"- أنت إمتى بقيت فلسفي يلا!"
قالها مالك برفع حاجب، فضرب خالد على كتفه مغمغمًا:
"من زمن يا حبيبي، يلا إيدك ننقل محمد عشان نوصله.."
أوصلوه الشباب إلى حارة بسيطة، وشقة أبسط تدل على فقر صاحبها وحالته الميسورة. وضعوه في غرفته وفوق فراشه مع وعد خالد له بالقدوم إليه غدًا، وتعرفوا على والدته ورحلوا مع صداقة تشق طريقها للبداية...
🌱 اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك 🌱
وقف متكئًا بكتفه على إطار الباب، يُشاهد زوجته وابنته ببسمة رائعة فوق ثغره، كأنهما لوحة بديعة. تنبهت له أروى فـ ابتعدت عن حضن سجى قائلة ببهجة وهي تقبل إليه:
"ألف سلامة يا حج ياسين."
هجمت عليه تضمه وتقبل وجهه، في حين صاحت سجى بمقت وهي تفصلهما:
"بس يا حبيبتي، أنا بغير على جوزي."
غمز ياسين لـ أروى وهو يضم سجى وساد الصمت كأنه يوثق هذه اللحظة بين قلبين عاشا كأنهما قلب واحد. تمتمت أروى بسخط:
"أهووو، هنبدأ بقى بما إنكم اتجمعتوا والحضن هيطول وأنا عزول ولازم أمشي."
ابتعدت سجى بحرج، في حين أعادها ياسين لأحضانه رامقًا ابنته بضيق، وقال:
"بس يا بنتي بس، كفاية عين خديجة، مش انتِ وهي!"
استكان فجأة مسندًا رأسه على رأسها متنفسًا رائحتها وهمس مطبق الجفنين:
"وحشتيني يا حبيبة قلبي، وحشتيني أوي أوي أوي."
لوت أروى فمها متمتمة:
"يا ادي النيلة، دا انتوا مكملكوش ساعات سايبين بعض، لحقت وحشتك."
لوح لها ياسين بكفه، وهو يطوق كتف سجى داخلًا بها الغرفة فقالت أروى بغيظ:
"طب قول بنتي واقفة طيب، عيب أسيبها واقفة كدا على الباب وأدخل أحضن مراتي."
"- وأبوس مراتي."
قالها يوسف وهو يقترب من الغرفة، فلطم ياسين وهو يخلع جاكته مرددًا:
"أهو جه الأستاذ اللي مش بيعمل حاجة غير إنه يبعدنا عن بعض.. اطلع برا يلا."
أخرج يوسف لسانه مغيظًا إياه واقترب محتضنًا سجى وهمس بتمثيل مصطنع:
"ماما شوفي بابا بيطردني عشان مقعدش معاكِ."
دون كلمة ودون صوت إلا من دوي ضحكات أروى كان يتطاير في الهواء حين مسكه ياسين من مؤخرة ملابسه وألقاه أمام الباب وصفقه في وجوههما، فتبادلوا النظرات في ذهول، وأخذ يوسف يعدل ملابسه بزهو ثم نظر لـ أروى التي تهمس:
"إيه ده، إحنا اتوهنا ولا إيه؟"
غمز لها يوسف قائلًا بمشاغبة:
"متجيبي بوسة مشبك يا بت."
شهقت أروى شهقة مصدومة وهي تميل ملتقطة نعلها تركض خلفه، فترك يوسف قدميه تسوقنه هربًا للأسفل وهو يستغيث بأحد ويولول، بينما أروى لا تكف عن كلمات صارخة خلفه غير مفهومة. ركض خلف بعضهما في حديقة المنزل، لم تستطع إمساكه ولم يتعب من الركض وهو يلتف مرة تلو الأخرى يُغيظها، بحركات مضحكة تارة، وإغاظتها بلسانه تارة، حتى قبض عليه خالد هادرًا فيه:
"ولا أنت بتعمل إيه، وبتتعب اختك ليه؟ مش قولتلك إلا أروى يلا في البيت ده."
أفلت يوسف منه وقال مكتفًا ذراعيه وقد وصلت أروى تلهث:
"يا عـــــــــم أنت مالك دي اختي،، آه آه آه."
تأوه حين قرصته أروى من خده فركض مستترًا خلف خالد الذي وقف أمامها قائلًا:
"عملك إيه الواد ده وأنا أعلمه الأدب."
هتف يوسف ببساطة:
"كل ده عشان بقولها هاتِ بوسة مشبك، ومعاه حضن بريء. أنا طلبت حاجة غير كده يعني؟"
غطت أروى وجهها بكفيها وهي تجز أسنانها فرد خالد عليها فورًا:
"إبن ياسين طبعًا ولازم يطلع زيه، أمال هيطلع لمين."
هُنالك لم تقوَ أروى على الصمود فراحت تركض خلفه بغية ضربه، فصدم في خديجة التي تسألت عما يحصل فأخبرها فضحكت ضاربة كفًا بكف قائلة:
"قليل أدب زي ياسين عادي، هيطلع لمين؟"
"- أوعي يا خديجة لازم أضربه."
ضمتها خديجة تمنعها عنه وتسحبها بعيدًا، فهجم فجأة معاذ بكرته ليشاركه اللعب خالد ومالك الذي حضر فجأة، وضج المكان بلعبهم وصياحهم على الهدف وعلى ضرب الكرة.
فما إن انتهيا أقترب معاذ وهو يضرب الكرة في الأرض عدد مرات متسائلًا:
"بنات، أمال فين ملك؟"
"- أكيد في المرسم بتاعها!"
قالتها أروى فذهب هو. اقترب خالد من مجلسهما ومعه يوسف، في حين ذهب مالك مع معاذ الذي أخبره بتغير طرأ على ملك لا يدري كنهه. كانت الجلسة محتواها عن حالة محمد ليستشير خديجة التي وعدته أنها ستسأل في الشفاء.
لم يغب عن خديجة نظرات خالد العاشقة تجاه أروى. هل أصاب الحب قلب أخيها لتلك الدرجة البائنة عليه؟
"السلام عليكم يا شباب، متجمعين في الخير إن شاء الله."
قالها حمزة وهو بجوارهم. فاستشعرت خديجة ارتباك أروى وهنا، وكأن طعنة غُرست في أعمق نقطة في قلبها.
ضرب خالد في خفوت مؤخرة رأس يوسف وهو يحذره:
"يوسف، إياك تزعلها عشان لو تكررت هموتك."
التفت له يوسف بتحدٍ قائلًا بانفعال:
"هي اختك ولا أختي؟"
"- ملكش دعوة."
"- بس يا عم طيب."
لم يجيب خالد إذ عُلق بصره على شيء أصابه في مقتل، تلك النظرة في عين أروى، لمعتها، وبريقها، توترها وارتباكها الذي تجلى في جلستها وحركتها. هل تحب حمزة وهو غافلًا عن هذا! حمزة! وهل يبادلها حمزة المشاعر!
انفض رأسه، لا يمكن هذا، إنها مجرد هواجس تملكته ليس إلا.
قاطع عليه تفكيره وقوف حمزة قائلًا:
"هطلع لعمو ياسين عشان محتاج له في حاجة."
نظر لـ أروى وتابع:
"ممكن تطلعي معايا عشان.. عشان يعني تعرفيهم.. تفهميهم.."
تفهمت أروى خجله ونهضت على الفور قائلة:
"حاضر..."
تبعه هو، ولحقته ووقف متنحيًا جانب الباب فدخلت هي وهي ترحب به وأجلسته وأبلغت والدها وذهبت للمطبخ تعد لهما مشروبًا. في أثناء ذلك أعلن هاتفها عن اتصال من سمر تطلب منها المجيء لأمر هام، فوافقت أروى دون تردد تخبرها أنها ستأخذ إذن والدها قبلًا، وأخذت صينية المشروبات ووضعتها على الطاولة أمامها واعتدلت تستأذن والدها:
"بابا، خالتو سمر رنت عليَّ وعايزني أروح لها، فـ أروح ولا إيه؟"
أومأ ياسين بعينيه قائلًا:
"روحي، خلي حد من الشباب يوصلك ولما تيجي اديني رنة."
همت أن تنصرف فوقفت محلها حين قال حمزة:
"هي ممكن تنتظرني وأخدها في طريقي، طالما طريقنا واحد، مش عارف ماما مقالتليش ليه! بعد إذنك طبعًا يا عمو."
ربت ياسين على فخذه قائلًا:
"ممكن طبعًا، أنتَ في مقام أخوها يا حمزة."
تبسم حمزة بسمة باهتة وتابع حديثه الذي أتى لأجله.
بينما نزلت أروى للأسف متفكرة، حائرة فيه. هل سيظل حبها طي الكتمان! حمزة لا يبدو أنه يراها من الأساس!
جلست بجانب خديجة الشاردة فشردت هي الأخرى وشرد خالد فيها. قلوب مشتتة بأمر الحب، ممزقة من الوجع، تفتقد بصيصًا من الأمل. وبين هذا وذاك ندبة تخشى أن لا تندمل على مر الزمان.
اصطحبها حمزة معه إلى منزله، ورحبت بها سمر بحرارة. قال حمزة قبل أن يتوجه لغرفته:
"منورة يا بنت عمي البيت بيتك، ماما اعمليلي قهوة."
واختفى داخل غرفته، فـ ابتسمت أروى بسخرية "ابنة عمه؟!" هل هكذا يراها فقط!
صبّت جام اهتمامها على سمر التي غمّزت لها أن لا تتطرف للحديث أمام حمزة، ودلفتا إلى المطبخ فطلبت منها سمر أن تحضر القهوة حتى تراه وتعود لها، فصنعتها بحب له، وتوجهت بها إليه. لكن قبل دخولها تيبست قدماها وهي تسمعه يقول:
"هي بتحبني يا ماما وبتلمح كذا مرة ومش عارف يعني أحكم قلبي. هي، هي طيبة وجدعة وشجاعة بما فيه الكفاية ولا قضية خسرت فيها، بتحب الأكل."
"- أنت بتحبها؟"
هكذا سألت سمر ابنها التائه الذي لم يستطع إخفاء الأمر عنها خاصة حين رأته يحادث زميلته في العمل ريتاج.
فصمت زائع العين كما القلب، وقال شاردًا:
"مش عارف بحبها ولا لا، لا باين مش حب يعني، فيها حاجة بتشدني قوية وتلقائية وعملية، بس مش حب، لا إعجاب بس........"
هُنالك وأخذت أروى نفسًا عميقًا كاتمة معه ألمها الذي لن يبرأ ودلفت بعد طرقها الباب، فـ أخذ منها حمزة الكوب دون شكر وهو يرتشف منه ساخنًا. فوقفت سمر ساحبة أروى وهي تقول:
"القرار قرارك وحدك يا حمزة، فكر أنهاردة وخذ خطوة بكرا يا حبيبي. هنطلع إحنا."
جلستا في المطبخ، وأطرقت سمر رأسها بهم لما ألَمّ بها، فوضعت أروى كفها على كتفها تسأل بقلق:
"أنتِ بخير يا خالتوا؟ مهمومة ليه؟ حصل حاجة؟"
"- قولي محصلش إيه يا أروى، بنتي بتضيع."
قالتها سمر مجهشة في البكاء وهي تدفن رأسها بين ذراعيها المكتفين على الطاولة، فترددت أروى وسألتها:
"بضيع! بضيع إزاي يعني يا خالتو! مالها شيماء؟"
الصمت عم الأجواء قليلًا، قبل أن ترفع سمر رأسها تقول بألم:
"مش طبيعية، وشها اصفر وعلى طول بتبكي في أوضتها، ولما أسألها ترفض تقولي وتزعق وتطردني من الأوضة. لا بتاكل معانا ولا بتشرب حتى، خروج من الأوضة مفيش، حابسة نفسها طول الوقت. شيماء مبتحبش حد عارفه وبتكره حمزة أوي، لكن… لكن مكنتش كدا، بقيت تخس بطريقة غريبة، أنا خايفة يكون عندها حاجة وحشة."
انفجرت دموعها جاريات على وجنتيها فسحبتها أروى إلى حضنها تهدئها بقلب منفطر، ووعدتها أن تعلم ما بها.
🍃 اللهم اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها كانت مستقرًا ومقامًا 🍃
أقتربت أروى من شيماء النائمة في تمهل، وجلست على طرف الفراش وراحت تهزها ببطء قائلة:
"شيماء، حبيبتي."
لاح لها انتفاضتها وصوت يئن في ألم وشهقات متقطعة، فتملكها القلق لوهلة وأدارتها وهي تقول:
"أنا عارفة إنك صاحية.........."
هالها هيئة شيماء الباكية، ووجهها المسفر الشاحب وعيناها المحيطة بهالة من السواد، فـ إذا بها تسأل:
"شيماء حصل إيه؟ أنتِ في حاجة معاكِ؟ زعلانة أنتِ وخطيبك؟"
هُنا وثبت شيماء فزعة وانهمرت دموعها سيلًا جاريًا وارتمت في حضنها مرتعشة، كيف تخبرها بما جرى! كيف تقول وما هذا المأزق، مأزق لن تخرج منه على ما يرام أبدًا.
بكت أروى تأثرًا ولم تنبس، أرادت فقط أن تهون عليها وتشاركها بكاءها وأن تكون بجانبها. وما الرفيق للرفيق إلا حياة أخرى إذ توالت عليه الطعنات وأغلقت السبل وتولى عنه الجميع وأسدل الليل ظلامه دون زوال، يكون الرفيق هو السراج المنير الذي ينتشله من مستنقع الدنيا ليجعل رفيقه زهرة مفتحة مهما ذبلت وعمها الغبار.
رويدًا رويدًا بدأ بكاؤها يهدأ وابتعدت تنظر لها في صمت فاتر، فاتر جدًا، ثقيل. وقالت أخيرًا بصوت متقطع:
"أروى! أنا… أنا عملت جريمة، أنا، أنا أنا اتجوزت وحامل."
خيم السكون المكان ولم يلبث أن قاطعته أروى رامشة بأهدابها وندت عنها صوت مستنكر وقالت ببلاهة:
"أنتِ بتهزري يا شيماء؟!"
دموع شيماء المنتحبة كان رد سؤالها، فوقفت أروى تطالعها في صدمة وأخذت تروح وتجيء، تقف أمامها وتفتح فاهً للتكلم ثم تصمت كأنها لا تجد ما تقوله، وظلت هكذا لبعض الوقت أنفاسها متهدجة كأنها في كابوس وتنتظر أن تستيقظ منه، وبدا الوقت ثقيلًا محملًا بالهم يجثم على صدرها، تيبست قدماها في محلها حين بدأت شيماء تقول بشرود كأنها تشاهد فيلمًا سينمائيًا يُعرض أمامها وكل ما حدث كأنه يُعاد:
"فضل يزن فترة عليا عشان نتزوج وفتح بابا في الموضوع وبابا رفض معلنًا إنه لسه بدري وأنا أصلًا عارفة إنه بيرفض عشان حمزة مش موافق عليه، فـ اقترح إننا نتجوز ونحطهم قدام الأمر الواقع، وهددني إنه هيسيبني لو موافقتش. وفقت وكتبنا الكتاب عند مأذون وبعدها خدني عشان نشوف الشقة و…. و…."
هُنا وغطت وجهها بين قدميها، تبكي حالها وما أوقعت نفسها فيه. لكن أروى كانت صامتة تمامًا كأن من أمامها تهذي أو أخرى فقدت عقلها، فما تدري ماذا تقول. تنظر إليها كالتائهة حتى جرت قدماها لتجلس بجانبها وقالت وهي تضع كفها على كتفها:
"شيماء، أنا عارفة أنتِ بتحبي خطيبك قد إيه، بس بس بلاش تكدبي وتهزري هزار بايخ كدا. إي نعم أنا مش عارفة بتحبيه على إيه، لكن مراية الحب عامية. دا إنسان بيتحكم في كل خطوة بتخطيها. خروج لا، مشاوير لا، بتكلمي مين ومش بتكلمي مين، وكلمي دا ومتكلميش دا، اعملي دا ومتعمليش دا، هاتي ده ومتجبيش ده. دا عمره ما كان حب، دا إنسان عاوز يتحكم في حياتك ويتملكها، لكن مش حب. الحب زي…. زي بابا وماما كدا، أنتِ عارفة هما عايشين إزاي، لدرجة بحس أوقات إنهم شخص واحد متكرر اتنين معانا.. الحب ثقة واهتمام وأمان وسكن وسكينة. الحب بيتمركز في ياسين وسجى، هو عينها اللي بتشوف بيها إيديها ورجليها، حتى معيشها ملكة على عرش قلبه، وخاتم اسمُها على جدرانه. بيحبها كأنها الحياة والجنة فيما بعد، ولا مرة زعلها ولا مرة شفتها بتعيط منه. لا بيتحكم في حياتها ولا بيقولها لا لحاجة ليه؟ لأنهم بيتناقشوا في أي حاجة قبل القرار، لازم يكون في حل وسط يرضي الأطراف. الحب عامل زي القمر والشمس كدا، يا إما نار بتحرقك يا إما نور بيضيئك."
رفعت شيماء عينان محمرتان إحمرار فاتح كـ اللون الدم، وهزت رأسها مع همسها بضياع:
"أنا بحبه يا أروى، بحبه أوي ومقدرش أعيش من غيره عشان كدا وافقت اتجوزه."
غشاها الصمت بعد جملتها تلك، قاطعته أروى وهي تقول بصوت وآهٍ:
"أنتِ أنتِ بتتكلمي جد؟"
ثم بصوت متلعثم وجل قالت:
"إتجوزتيه فعلاً؟"
اكتفت شيماء بهز رأسها إيجابًا وهي سابلة جفنيها بألم واهن وهمست:
"وحامل...."
صفعة هي كل ما تلقته من أروى. صفعة حادة مؤلمة من كف أودعت فيه كل قوتها.
وعم السكون من بعدها، كأن الوقت يتحالف معهن. هبت أروى واقفة فجأة وسارت نحو الباب ثم عادت إلى الفراش وقالت بصوت غريب:
"فين القسيمة."
شهقة صدرت عن شيماء وهي ترد بصوت متحطم:
"معاه هو.."
ضحكة أروى ضحكة خاوية وهي تتحرك دون وعي كـ الملثوعة، وقالت بيأس:
"وهو فين دلوقتي؟ رني عليه."
"- مبيردش من كام يوم."
زفرت أروى زفرة حارة وقلبها يخفق بجنون، بخوف، ببعض من الأمل، وغمغمت وهي تتناول هاتف شيماء من فوق المنضدة:
"تمام هرن عليه أنا من عندي، لما نشوف."
أجرت الاتصال عدت مرات وفي كل مرة يأتيها مغلق، وكأن الليل قد عسعس عليها فجأة بغيمة ظللتها بكل ما تحمل من خزى، وقلق. وعلا صوتها قائلة بتنبئ:
"مش هيرد ولا هيرد لا دلوقتي ولا بعدين. عارفه ليه؟ عشان دا مبيحبكش وخلاص خد اللي عاوزه...."
قطعت كلامها شيماء وهي تقول بانفعال:
"لا مستحيل، أنتِ بس بتكرهيني فيه، مستحيل يسبني."
ضربت أروى كفًا بكف بسأم، ما الذي تنتظره تلك البلهاء الآن؟ هل تملك عقلًا بحق الله! لا بد أن عقلها لا يعمل، تلك الساذجة تدافع عنه، تبًا لذاك الحب الذي يزل صاحبه ويجعله عاجزًا مقهورًا محطمًا، فـ الحب إن لم يسمُ بصاحبه ليس حبًا.
كزت على أسنانها وقالت وهي تقترب بوجهها إلى وجهها ناظرة إلى عينيها:
"أنتِ واحدة مجنونة فاقدة عقلها. دا إنسان مستحيل يرجع لأنه لو بيحبك مكنش عمل كدا. بس على مين، أنا وراه ونشوف، هو اللي جنى على نفسه."
هتفت شيماء بتلعثم:
"أنتِ ناوية تعملي إيه؟ أوعي تأذيه؟"
"- أأذيه دي كلمة قليلة على اللي هيشوفه. اصبري بس."
"- لا يا أروى، أوعي."
انتصبت أروى في وقفتها وقالت وهي تتجه نحو الباب:
"خلي بالك من نفسك يا شيماء وهحاول آجي أوديكِ لدكتور بس لما ألاقي طريقة مناسبة عشان محدش يلاحظ. انتبهي لنفسك."
همت بفتح الباب لكنها التفتت فجأة قائلة بتذكر:
"مين المأذون اللي كتب؟"
وصفت لها شيماء المكان وغادرت أروى الغرفة راسمًة على شفتيها بسمة أليمة.
ما الذي قد يحدث أسوأ من هذا؟ لماذا تشعر أنها في كابوس وستفيق منه لتجد أن شيماء بخير لم يتم اللعب بها بعد، هل غفلوا عنها لتلك الدرجة؟!
ما الذي سيحدث إن علم أنس وحمزة وسمر؟ رفقًا بالآتي يا الله، فإن القلوب لن تتحمل.
خرجت إلى سمر المكلومة لتطمئنها كاذبة أن كل شيء بخير وإنها فقط تود الجلوس بمفردها، واستأذنت بعد ذلك ذاهبة، وقبل خروجها أوقفها حمزة قائلًا وهو يرتدي معطفه:
"استني جاي أوصلك."
تبسمت بسمة مرتبكة وخرجا سويًا، وأثناء الطريق كان يراودها عصيان بأن تخبره بكل شيء ثم تعود وتنهر نفسها، كلا يصيب شيماء أذى. لعلها تستطيع أن تنقذ الموقف قبل أن يتدهور.
تنبهت من زمهرير أفكارها التي لا تكف، على صوت حمزة يسأل باسمًا:
"بما إنك استقلتي فـ قررتي تعملي إيه؟ في مشروع عمل في بالك؟ ولا بكفاية كدا وهتقعدي في البيت؟ مع إني أشُك في ذلك."
لم يكن باستطاعتها الكلام، لكنها أرغمت أن تجيب قسرًا فـ أردفت على مضض:
"لسه بفكر في حاجة وطبعًا هحتاج قرار بابا معايا، ومعاك حق مش هقعد في البيت، أنا إنسانة ليا أهداف."
"- والجواز؟"
قالها حين غفلة من صمته، هل أراد معرفة أن كان خالد قد اعترف لها أو صرح أم لا!
لا يدرك تمامًا ما أراده من هذا السؤال، لكنها أجابته على كل حال بصوت باهت حزين:
"لا مش بفكر..."
أومأ برأسه ولاذا بالصمت حتى أعلن هاتفه عن اتصال من ريتاج فـ أجاب على الفور غير عابئ بتلك التي تغلي من الغيرة بجانبه، وراعها فجأة امتقاع ملامحه وهو يضرب المقود قائلًا:
"أنا جاي أنا جاي، متأذيهاش، إياك تلمس شعرة منها."
أغلق هاتفه صائحًا في غضبٍ جم، منعطفًا إلى طريق آخر بسرعة فائقة، ولم يجيب تساؤلات أروى بأي إجابة. صف سيارته أمام باب منزل ريتاج واستل سلاحه ساحبًا الزناد وفتح الباب وهو يقول:
"خليكِ هنا، إياكِ تخرجي."
أنهى عبارته مترجلًا وسار بمحاذاة سور البنية منحنيًا حتى قفز من فوقه وغاب عنها، فـ ترجلت بدورها وراءه وحذت حذوه.
رمق بحذر الرجل المدجج بمدفع ناري وأسرع خطواته ليأتي من خلفه ومد يديه ليثني رقبته بحركة بارعة وأطاحه أرضًا وتابع سيره للداخل مترقبًا، وقرب الباب وجد رجلين مسلحين فتوارى خلف الجدار وعلى غفلة منهما أطلق بسلاحه عليهما في ثانية ودفع الباب بقدمه مشهرًا سلاحه، لكن برز رجل موجهًا فوهة سلاحه على رأس ريتاج، بينما أمره آخر أن يدخل فدخل وأُغلق الباب خلفه. صاح فيه الرجل قائلًا وهو يشير إلى ريتاج:
"سيب سلاحك في الأرض وإما والله أفجر رأسه."
قال جملته ضاغطًا بفوهة السلاح في رأس ريتاج الثابتة ثبات الجبال الراسخة بنظرات خاوية لا تعبر بشيء، فـ مال حمزة واضعًا السلاح أسفل قدميه واستوى واقفًا رافعًا يديه إلى الأعلى مستسلمًا ونظراته معلقة على ريتاج التي هتفت بقوة:
"متسمعش كلامهم واعمل اللي عليك، مش مهم أنا."
أطاح الرجل بالسلاح بعيدًا عن قدمين حمزة، قال حمزة بقوة جازًا على أسنانه:
"أنا جيت، سيبها تمشي."
نفى الرجل قائلًا بغلظة:
"حذرتك قبل كده وأنت ملتفتش لكلامي وخسرتني صفقة بالملايين متتقدرش، أنت نهتني عارف ده؟"
ضحكت ريتاج بانطلاق هادرة:
"فـ أنت بتغلي من جواك وعايز تاخد حقك؟! تستاهل عشان اللي زيك آخره."
أتبعت قولها ببصقها على وجهه ببسمة صامدة وعينان تبرقان بالقوة، فمسح الرجل وجهه من أثر بصقها وقال ببسمة غامضة:
"تعجبيني، ويعجبني كل حد كدا بيخاف على بلده وأمين ليها، بس يا ترى هل الأرض دي أمينة ليكِ وهتجيب حقــــــــــــــك."
قال عبارته مطلقًا رصاصة استقرت في بطنها مباشرةً، وقبل أن تتبعها الأخرى كان حمزة صائحًا باسمها مندفعًا نحوه متشابكًا معه بالأيدي يحاول بكل جهده أخذ السلاح منه، بينما سقط جسد ريتاج ملفظًا أنفاسه الأخيرة.
كاد الرجل الآخر أن يدافع عن معلمه إلا أن أروى هلت فجأة ممسكة بيده وهي تضرب ذراعه عدد مرات حتى يترك السلاح، ثم رفعت قدمها لتهوي بها فوق قدمه لينزلق السلاح من بين أصابعه، فلم تمهله أي فرصة إذ جذبته ضاربة ركبتها في معدته أتبعتها بلكمة قوية على فمه سال على أثرها الدماء من زاوية فمه، بينما تكاثر باقي الرجل على حمزة الذي دار دورة كاملة راكلًا أحدهم في وجهه ولكم الآخر في معدته أتبعها بعدت لكمات توالت عليه في وجهه وركلة قوية دفعته للخلف، انحنى حمزة جانبًا يلتقط قبضة أحدهم وكانت أصابع كفه الأخرى تقبض على عنقه لحقها رفع قدمه راكلًا أحدهم ودارت حرب عنيفة بينهما، أنهها حمزة إذ تساقطوا جميعهم أرضًا متأوهًا في ألم، صرخة قوية صدرت عن أروى جعلته يتنبه لها وهاله إذ رأى الرجل يدفع راسها في الحائط مرارًا فـ انطلق كـ السهم نحوه وأنقذها من قبضته وأمسك برأسه ضاربًا إياها في الجدار حتى خر فاقد الوعي.
_في المشفى جلس حمزة في الانتظار يديه وملابسه ملطخين بالدماء، وجهه ممتلئ بالكدمات والجروح النازفة، لكن قلبه حزين يتألم. لقد كان كل همه حين أصابته الشرطة أن يبعدها عن كل خطر، كان يتمنى أن تترك هذا العمل خوفًا عليه، لكن يصبح هو سببًا في أذيتها، ألمها، وجعها. يا ليته كان قُتل قبل هذا. لو أصابها مكروه لن يسامح نفسه أبدًا، أروى التي هي جزء من روحه.
أروى التي يبقى جزء أقل.
رواية جحر الشيطان الفصل العشرون 20 - بقلم ندي ممدوح
"الشوق لرؤياكِ جعلني أرَ طيفكِ في كل الوجوه يا أميرة القلب".
"يا ابنتي ماذا اخبرك؟... انتظري قليلًا دقائق وسنلتقي، لقد نلت ضربًا مبرحًا يا فتاة من اغبياء..."
قالها جان متحدثًا في الهاتف اثناء خروجه من المطار، يجر حقيبته خلفه، غير عابئ بالمارة حوله.
وحين خروجه من باب المطار صاحت ناردين في لهفة وهي تنطلق إلى حضنه:
"جان اشتقت لك يا هذا".
ضمها بقوة حتى ارتفعت قدميها عن الأرض وهو يغمغم:
"وانا ايضا اشتقت إليكِ كثيرًا".
أبعدها بعد لحظات، محاوطًا وجهها بين كفيه هامسًا:
"كيف حالك؟ أنتِ بخير؟"
أومأت دون رد واراحت رأسها على صدره تضمه بذراعيها بأعين تترقرق بها الدموع.
استقرا في السيارة التي انسابت في الطريق تتهادى، كفها في راحته مستكين، في حين سئلت:
"من الذي ابرحك ضربًا؟ ولماذا؟"
تنهد بقوة وشرد، شرد في حمزة الذي كاد يسجنه لولا تلك المرأة التي جعلته يتركه بكلمة واحدة، إمرأة لن ينساها أبد الدهر.
مُحاطة بهيبة تجعل أعتى الرجال يهابها، رغم كبر عمرها، وتجعيد وجهها وزبول ملامحها، صلابتها وقوة صوتها، كيف ينساها؟ وهو ألتمس بها شيئًا جميلًا، يذكر كيف جلست إلى جانبه مبتسمة وهي تستجوبه بصلابة بمسحة من رأفة، وحين تأكدت من صدقه راحت تضمد جراحه بكل تأني واهتمت به، فهل ينساها؟
انفض رأسه ليدحر التفكير عنه، وابتسم مجيبًا:
"لا شيء لا تهتمي، مجرد حادث من شاب أرعن".
ضيقت عينيها ولم تعقب بل أسندت رأسها على كتفه في راحة متنعمة في هذا الدفء الذي افتقدته.
ترجلا من السيارة فسبقته ناردين نحو البناية، لكنها توقفت فجأة لتخطف نظرة للخلف، فرأته يتحدث في الهاتف، فغمغمت بضيق بيّن:
"وهذا وقته هاته وتحدث في الأعلى، هيا".
أشار لها بكفه أن تُمهل، فمطت شفتيها في حنق، وما كادت تخطو خطوة واحدة حتى ابتسم لها مقبلًا نحوها.
وفي سرعة البرق كانت سيارة تصطدم جسدها في تعمد، وفي لحظة كان جسدها يتطاير للأعلى قبل أن يرتطم على الأرض في بركة من الدماء حولها.
هُنا تجمدت ملامحه وتصنم جسده، كانت عيناه فقط تلاحق جسدها الذي تطاير حتى استقر أرضًا، فرفرف بأهدابه عدت مرات يحاول أن يصدق ما رأى.
تُرى هل حلم؟ أم إنه واقع عليه الإذعان له؟ لماذا إذن أحس بأن قلبه قد نُزع من بين ضلوعه ساقطًا أرضًا، وإن روحه اقتلعت فجأة صارخةً بيتم.
يتم! نعم إنه يتيم إذ لم تكن موجودة.
آيته تلك الزهرة النادرة، لكنها لن ترحل، لن يسمح لها، لن يبقَ باقي حياته بدونها، أن كانت سترحل فليرحل معها.
سترحل! هل ترحل وتتركه مهجورًا دون وطن، يتيم دون أم أو أب أو أهل!
مع هذا الخاطر كانت الدموع تتجمع قسرًا في مقلتاه، وازدادت خفقات قلبه جنونًا وصرخ باسمها وهو يركض إلى جسدها المسجى، الناس التي تجمعت حولها كأنه لا يراهم، كأن العالم قد خلا إلا منهما، فراح يزيح عن طريقه بعنف كل من يسد طريقه، حتى جثم جوارها وهاله الدماء من حولها التي طالت ملابسه وهو يدير جسدها المنكفئ لتحتل رأسها قدميه بين ذراعيه، ملامحها توارت بالدماء فلم تستبان، فهوت دموعه كأنها سيل جارف عسى أن تجرف هذه اللحظات معها ويكون حلمًا سينساه ما أن يصحو.
بأنامله راح يزيح الدم لعل ملامحها التي اشتاقها أن تظهر، وصوته المتهدج الخائف ينبض بجم الألم بصدره:
"ناردين، حبيبتي لقد جئت اوعدك أني لن أتركك مجددًا، أبدًا ها قد وعدتك استيقظي لقد عدت لا تنامي طويلًا فأني أخشى الوحدة يا طفلتي، أخشى البقاء بمفردي، هل تعلمين ينتابني هاجس في الظلام أن ثمة من سيقتلني غدرًا لكن أنتِ من تنقذيني، أنتِ الحلو الذي أحيا لأجله في هذه الحياة فقط لا تتركيني، أنتِ أملي، هل يمكن أن يعيش المرء دون أمل، ترافقي بقلبي ولا تيتميه رجاءً، سأموت إن رحلتي وأنا أعنيها".
قرب كفها إلى وجهها وقبله بقبلة عميقة حتى تراخت كفها وسقطت، فسقط قلبه معها، فحدق بعينيه في الفراغ وهز جسدها بعنف مناديًا باسمها ظنًا إنه هكذا ستلبي النداء ككل مرة، لكنها خيبت أمله ولم تلبي، فضمها لصدره، وصرخ...
صرخة شقت قلبه لنصفين ومزقت أحباله الصوتية، صرخة صدرت عن قلب يُرفرف كالذبيح وقال بروح مكلومة:
"لا يا الله، لا لا لا يمكنني أن أعيش بدونها، لا تأخذها يا الله ليس ليّ غيرها".
حضرت سيارة إسعاف وأخذها المسعفون من حضنه قسرًا وتركوه مفتشًا الأرض ضامًا ذراعيه كأنها ما زالت بينهما، عيناه لا تكف عن سيل الدمع، ورأسه متدلى على جانبه كأنه شخص تُسحب منه روحه وهو لا قدرة لديه على المنازعة واستعادتها.
يأبى أن يتحرك من مكانه خوفًا من صدمة فارقها.
ففارقها يعني موته لا محالة.
لن يشرق قبل أن تتوهج هي!
فهما كالشمس والقمر يكملان بعضهما، هو شمس حارقة وهي نور جميل تضيئه، فكيف يحيا من دون نور، أنّى له ذلك!
"اللهم إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين".
أدركت دارين إنها هالكة لا محالة، إذ كيف تهرب من ذاك الشيء المخيف، ذراعها ما زال يؤلمها ألمًا شديد لا مرية فيه، لا سيما إنه قد قطم قطعة من لحمها، هل سيأكلها أم ماذا يريد منها هي خاصةً والصغير المسكين جعفر الحبيب، الذي يغفى الآن فوق صدرها المُفعم بالمحبة، لكنها في قرارة نفسها تجزم أن زوجة الأمير هي السبب، فقد كانت واقفة والبسمة تُظلل شفتيها.
"رباه... هذا ابنها هل طاوعها فؤادها بأن تلقي به بتلك الطريقة... لا والله هذه ليست أم أبدًا."
عَمَّ تفكر الآن وفيمَ منشغلٌا ذهنها؟
أليس عليها أن تفكر في الهرب والنجاة عما تسعى وهي خاوية الوفاض لا ريب.
تململت تأن في خفوت، ناظرة للصغير الكامن بين ذراعيها بأسف.
"هل كُتب عليه الشقاء صغيرًا؟!"
ما الذي تعيشه هي الآن تقسم إنها في حلم وحتمًا ستصحو منه قريبًا وستذكره وتضحك وهي ترويه على مسامع الفتيات فيقهقهون من سخافتها ورحابة لُبها.
كادت تعتدل كي تعرف أين هي وما هذا المكان الذي هي فيه، لكن يدًا قوية كأنها صخرة صلدة وُضعت فوق ساقها منعتها من التزحزح حتى، فبقت مكانها مستسلمة تتحاشى النظر إليه كلا تموت رعبًا من هيئته.
كان الصغير يبكي بكاء الجائع في حجرها الطافح بالحنان، فكانت تنظر إليه في أسف وعجز، فماذا قد تفعل له، وما بيدها وهما محبوسان الآن.
لم يمضِ طويلًا من الوقت إذ تناهى لها صوت أحصنة قادمة فتهلل وجهها مستبشرًا، وثبت واقفة وهي تصيح في غبطة:
"سننجو يا جعفر ثمة آتٍ لأنقاذنا!"
مع انتهاء عبارتها كانت الأحصنة أمامها مباشرةً، وما أن هدأت سورة الغبار حتى تراءى لها رجال ملثمون يرتدون ملابس سوداء اللون، منهم واحد راح يحوم حولها بفرسه فتوجست خفية في نفسها.
توقف الرجل أمام ذاك ذي الهيئة المخيفة وقال بصوت غليظ صلب:
"أحسنت صنعًا يا أولمان، سيكافئك الملك بما تريد، سنأخذ الفتاة والطفل لأن غدًا ستتم المراسم".
لم يُجب أولمان إلا بهزة من رأسه شبيهة بالبومة.
تراجعت دارين بجسدها للخلف وما همت بأن تستدير للركض حتى كان الملثمون يُثبوا عليها، وانتشل احدهم الصغير وآخر قيدها وأخرج منديل قماشي لفه وربط به فمها وعقدة من الخلف، حملها دون جهد لرفع بدنها وقصر قامتها ورفعها على الجواد وامتطاه خلفها وانطلقت الأحصنة.
قُرب بوابة سوداء ضخمة مهيبة كان الحارس يُغمي عينيها بقماشة سوداء فما رأت أي شيء يدلّها عن مكانها، لكن الخوف بدا يتسرب بأوصالها وعرقها مجرى الدم، ودموعها طفقت تسيل من مقلتيها.
انسابت الأحصنة ببطء وسط أرض عامرة بأهلها إذ كان رجال ونساء وأطفال منتشرون، وطال الطريق حتى وقفت الأحصنة أمام قصر مهيب ذو طراز غريب ورسوم من جماجم، رغم غرابتها إلا أنها تُسر الناظرين.
هُناك نزع أحد الحرس القماشة عن عيني دارين التي راحت تتلفت حولها بقلب يخفق في جنون.
يدًا قوية دفعتها لتتقدم للداخل، فسارت قسرًا إلى القصر يدفعها أحد الحرس الذي قادها إلى ممر طويل في آخره درج أسود كاحل، هبطت الدرج مع اختفاء الضوء رويدًا رويدًا، ثم سارت في ممر متفرع منه عدت ممرات، استشعرت أن الممر موازٍ للأسفل فجزمت أنها تحت الأرض، وأمام زنزانة فتح الحارس بابها ودون كلمة دفعها للداخل وأوصد الباب خلفها ورحل.
فـ انهارت باكية من شدة العجز والخوف.
"إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون".
فتح جفنيه مُحملقًا في الفراغ فجأة، رغم الوجع الحاد المنتشر في جسده بأكمله، ألا إنه حين عاودته ذكرى اختفائها، صوتها الذي اخترق مسامعه كـ صدى مرافق له، نظراتها المستنجدة، وكفها الممدود إليه، توالى كل هذا متمثلًا أمامه، فهب جالسًا بأنفاس متلاحقة.
فوجد نفسه عاري الصدر، ورأى رجلًا يقف يمنعه من النهوض هامسًا بصلابة:
"لا ترهق نفسك جراحك لم تلتئم بعد، استلقَ رجاءً!"
أبعده عنه وهو ينهض ناظرًا حوله كالضائع... التائه، وكاد يسقط أرضًا من شدة الدوار الذي داهمه، فلحق به الرجل فبادره آجار قائلًا وهو يتشبث فيه بنظرة راجية:
"دارين، دارين اختي ما الذي حصل لها؟"
التفت حوله يمنة ويسرة وسأل:
"أين براء؟"
"أجلس هنا وسأجيبك لا تقلق لكن استريح حتى لا تفقد وعيك مرة أخرى".
استسلم آجار له تاركًا له نفسه تمامًا وجلس منتظرًا أن ينطق الرجل الذي لم يطل وقال وهو يجلس مقابله تمامًا:
"الأمير ذهب مع الحراس للبحث عن الغريبة، ولن يعود إلا بها اطمئن فقط".
"يطمئن!" كلمة بعيدة كل البعد عن قلبه.
بالله كيف يطمئن ونداءها يلاحقه، كيف لن يُلبى؟
هيهات أن يطمئن قبل أن يراها بخير وبجانبه.
هب واقفًا وهو يضغط على جانبه الصارخ بالألم، فوقف الرجل بدوره وما هم بالاعتراض، فـ إذا بـ آجار يقول في ثبات هادئ:
"لن أبقى أي دقيقة أخرى قبل أن تعود سالمة، سأذهب أنا أيضًا وأبحث عنها، حتمًا سأجدها لن تُصاب بأذى لأني لن أسمح بذلك ولو على حساب روحي".
اختفى في لمح البصر فور عبارته ينهب الأرض للخارج كاتمًا عن آلمه، معتصرًا إياها بداخله، أحضر له الحارس إحدى الأحصنة في لحظة كان ينطلق قافزًا على صهوتها، ليصهل الجواد عاليًا وهو يرفع قدميه لأعلى، وسأل آجار وهو يمسك جيدًا بـ لجام الفرس:
"أي طريق سلكوا؟"
تحرك الحارس بجواده خطوة للأمام وهو يومئ قائلًا:
"اتبعني يا سيد آجار وأنا سأدلك".
شد آجار لجام الفارس الذي صهل صهيلًا أعلى وهو ينطلق في سرعة محدثًا دويًا مرعبًا مخلفًا غبارًا عم المكان، كان في الهزيع الأخير من الليل الحالك وهما ينطلقا دون بصيص نور، وعلا صوت آجار قاطعًا دجي الليل بصوت ذبيح ينادي باسمها، تشتهي عيناه أن يجدها أمامه، كله آذان صاغية لـ أي همسة قد تصدر عنها في ظلمة الليل، حفيف الأشجار من حوله مخيف، فـ كيف حالها قد يكون!
وحيدة هي الآن فماذا يا تُرى جرى لها؟
هل هي بخير؟
هل ستعود سالمة؟
كيف حال قلبها الوحيد الآن بماذا تشعر؟
ليدفع نص عمره في سبيل أن تكون بخير والأهم ألا تموت رعبًا.
مر الوقت، وطال البحث، حتى انقشع الليل وانبلج الصباح... منيرًا... هادئًا... جميلًا... كئيبًا على قلبه الذي يتآكل في توجس.
تباطأت حركة الأحصنة، فـ التفت الحارس إلى آجار قائلًا:
"يبدو أن الأمير قد ابتعد ولا ندري من أي الطريق سيعود، فرأيي أن نعود أدراجنا لعلهم عادوا خاصةً أن سيرنا هكذا لن يجدي نفعًا".
بنظرات زائغة محطمة أومأ آجار مستسلمًا في يأس... في قهر.
وعادوا أدراجهم وقُرب القصر رأوا الأمير يتقدم بمفرده ممتطيًا جواده الأسمر الذي يركض به في سرعة.
علا صوت آجار متسائلًا:
"يا براء هل من أخبار من دارين؟"
"انتظر يا هذا أحادثك! ألا تسمعني؟"
قالها آجار في عنف ممزوج بالغضب حين بدا على الأمير إنه شارد في ضياع، مترجلًا عن جواده دون أن يولي على شيء، داخلًا القصر بخطوات سريعة إذ لم تكن راكضة، فلحق به آجار بأعين مشتعلة.
دفع براء الباب على مصرعيه كأنه عاصفة عاتية أتت تقتلع الأخضر واليابس، ما أن رأته الأميرة استوت واقفة في توتر بيّن فضحه عيناها النجلاوين، وقالت في ارتباك:
"يا أمير ما أخبار ابني هل عرفت عنه شيء؟"
بخطوات متمهلة سار نحوها ووقف مقابلها وسكت قليلًا قبل أن يهمس بصوت بدا كالفحيح:
"ابنك! من ابنك؟ هلا أخبرتيني فلا فكرة لدي... أتعلمين كم صبرت لأتبين سبر أغوارك؟ لأعرف ما الذي فعلتيه بزوجتي بوفارديا!"
شحب لونها وهي تتقهقر للخلف مصدومة وعلى عجل هزت رأسها نافية تهمس بصوت متقطع، خائف:
"لا أفهم ما الذي تقولُه، ماذا تعني بكلامك هذا!"
صاح فيها بلهجة جمدت أوصالها وهو يقبض على حفنة من شعرها بعنف:
"هــــــــــــــــــاي على رسلك أيتها الساحرة أكره الكذب، بل أكرهُه كثيرًا وهذا كفيل لجعلي أقتلك، هل تظنين أنكِ بأستطاعتك أن تحتلي مكان زوجتي دون علمي! وأن تبقي بقصري بإرادتك، من خلفك يا امرأة؟ وأين ابني ودارين."
تشنجت ملامحها وقبل أن يرتد له الطرف كانت فجأة كأن قوتها تضاعفت قوة جيش كامل إذ شوحته بكفها إلى الجدار ويديها رويدًا ظهرت لها مخالب وهي تتدرج باللون الأسود، عيناها النجلاوتان أصبحتا بلون الدم ونار حارقة تخرج من بينها، لسانها راح يردد طلاسم غريبة فسقط أرضًا منهارًا وهو يرفرف كالذبيح ممسكًا برقبته يحاول نزع يد لا تتراءى له تخنقه حد الموت، أنفاسه راحت تتلاشى، باغتها بعل صوته مرددًا بعضًا من آيات القرآن ويتعوذ ويبسمل، فـ اختفت النيران المشعة من عينيها وتوارى اللون الأحمر، واتسعت عينيها فزعة وطفقت تصرخ في ألم وهي تمسك رأسها فـ ابتسم بسمة ماكرة وهو يثب إليها جاذبًا شعرها يجرها وراءه مجتازًا آجار الشاخص العينين في ارتياع، وفي مسجد القصر الصغير ألقاها بداخله، هُنالك كان رجل ذو لحية بيضاء ووجه وضّاء وقف على رأسها يُنثر عليها مسك وصراخها يزداد ويزداد حتى فقدت الوعي، فتنفّس البراء الصعداء وارتاحت ملامحه وهو يضع كفيه في جذعه متنهدًا تنهيدة عميقة وجلس قرب رف يحوي مصاحف عدة، ناوله الشيخ كوبًا من الماء تجرعه جرعة واحدة وللعجب كان عطشانًا للغاية، كيف لم يشعر؟
ارتوى واسترخى في جلسته مسبل الجفنين، فتحهما مع وضع الشيخ يده على منكبه وقال بلطف:
"لا تثريب عليك يا بني لكل أجل كتاب، لا تلوم نفسك على شيء سيمر هذا الوقت الثقيل سيمر مرور السحاب، قم توضأ وأقبل على الله لن يردك خائب الرجاء، واعلم أن ما أصابك هو المكتوب لا مفر منه، هيا يا ولدي لترى ما ينتظرك وتنطلق في دربك العصيب عساه يسلك... أكون أنا علمت لك مكان ولدك والفتاة من هذه المرأة.
لكن اعلم أن بضعفها ضعف هذا الكائن الذي آسرهم."
ركن إليه براء وصلى ركعتين، ركعتين ناجى بهما الرحمن والتجأ إليه ولاذ به ودعاه..
ركعتين صب فيهما كل ضعفه ليتبدد بالقوة وداوى إرهاقه مُدججًا بالثبات محتلًا بالصبر.
سلم من صلاته رافعًا كفيه ووجهه إلى السماء مناجيًا الرحمن بدعاء خالص نابعًا من القلب وآمن على دعائه ماسحًا بكفيه على وجهه ونهض مكفهر الوجه واجمًا وهو ينظر للمرأة بشيء من الغل، قبض على شعرها صرخًا:
"لسانك لولا إننا بحاجة إليه لقطعتُه أقسم لك دون ذرة شفقة، من الذي أرسلك؟"
ابتسمت ضاحكة في استفزاز وقالت بازدراء:
"لن أخبرك… تعلم هذا! أليس كذلك؟"
ضغط على فكها مقربًا وجهه من وجهها وقال في هدوء قاتل:
"أعلم من أرسلك وأعلم الخطة تمامًا وأعدك أنك ستذوقين ثمار بثورك حنظل أنتِ ومن أرسلك، الآن أين ابني و......."
قاطعته حديثها الذي ألجمه:
"يؤسفني أنهم قد تم ذبحهم الآن يا أمير فأن دماءهم نحن بحاجة إليها لـ ملك مملكتنا فلا ضير أن أخبرك بالمكان..."
نثر الشيخ عليها ماءً جعل جلدها يحترق وهي تتأوه في ألم.
فما كاد يعيد سؤاله حتى باحت بالمكان عسى أن يكفوا عن إيجاعها.
"ثمة هموم لا يعلم بها إلا أنت يا الله فـ افرجها".
انطلق البراء يتقدم حراسه وآجار إلى المكان الذي دلتهم عليه الساحرة بوفارديا بخطة براعة أسس جيشه للقضاء على أولمان.
توقف فجأة رافعًا كفه بإشارة ليقف الجميع خلفه، ورأى أمامه أولمان وطالت بينهما نظرة عميقة قبل أن يهتف البراء بصوت صلب:
"أين ابني والفتاة يا أولمان."
بصوت خشن غليظ هدر أولمان بصوت يهز الأرجاء:
"قد يكون ذُبح يا أمير."
"إذًا أنت تريد الحرب!؟"
"إذا كان لا بد لها فلتكن، افعل ما بدا لك يا أمير."
دون كلمة أخرى رفع براء كفه مشيرًا بها للأمام فتوالت السهام جملة واحدة على أولمان الذي صرخ بصوت عالٍ دك الأرض دكًا، وأشهر البراء سيفه وهو يشد لجام فرسه وتقدم نحوه، وفي لمح البصر كان يشق بطنه ليسقط أولمان على إحدى ركبتيه، وقبل أن تأتيه طعنة أخرى كان يخفق بجناحيه الأسودين ويطير عاليًا منهزمًا مكسورًا، وتوالت عليه السهام دون هوادة.
ترجل براء من فوق جواده لاهثًا بتعب بيّن، فترجل آجار بدوره متميزًا غيظًا وغضبًا وصاح فيه:
"أين أختي يا هذا هل لك أن تخبرني."
لوح بسبابته وتابع:
"أقسم بأن أصابها أذى لن تكفيني روحك بمفردها."
في سورة من الغضب صرخ فيه البراء قائلًا:
"هـــــــــــــــاي اخرس يا هذا ولا تسمعني صوتك، وهل تظن إني سأتخلى عنها معها ابني يا هذا هل تظن بأني سأمرر لهم اختطافهم له."
هدأت نبرته وقال في تفهم وهو يأخذ نفسًا عميقًا:
"لا تثريب عليك يا آجار الآن أعلم ما يختلج صدرك من قلق وخوف، لكن يا رجل وأنا أيضًا أقلق عليهم كثيرًا، لكن ما يطمئني أن مملكة الأولمان بها صهيب وطالما هو هناك فسيضحي بروحه ليحميهم."
فكر قليلًا ببسمة خبيثة وغمغم بمكر:
"ثم معنا ورقة رابحة إبن مملكة الأولمان معانا ويمكننا استغلاله."
ضيّق آجار عينيه في عدم فهم وردد بغباء:
"زوج أخت؟!"
"ليس بعد الآن سأذبحه وأمام والده وسترى، كما تدين تدان."
التفت إليه وتابع في اهتمام:
"هيا بنا لنعود أدراجنا فما لنا حاجة من هذا المكان."
امتطى صهوة جواده فـ لاح له طيف دارين يبتسم له، فـ علق بصره عليه ببسمة بدت كضوء الفجر تتوهج ودار بحصانه عدت دورات وهو ينظر لطيف الحبيب قائلًا في همس:
"الشوق لرؤياكِ جعلني أرى طيفكِ في كل الوجوه يا اميرة القلب".
"ربي أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
فُتح باب الزنزانة فهبت دارين من مكانها محملقة في الحارسين اللذين سحبوها ليخرجوا بها من ساحة السجن، وسنحت لها الفرصة أن ترى هذا القصر غريب الأطوار إذ جمع رسومه جماجم غريبة وطلاسم وأشياء تشبه الحيوانات، عيناها مفعمة بالأنبهار والذهول في آن وهي تتلفت حولها حتى راعها بغتة رؤية زوجة الأمير براء ذو بطن بارز، فرفرت بأهدابها غير مصدقة، بينما رمقتها الأخرى بنظرة دون معنى وأكملت سيرها للخارج.
ما كادت دارين أن تقف محلها من هول الصدمة حتى دفعها الحارس بقوة فـ أكملت سيرها وقبيل دخول إلى حجرة واسعة فك الحارس قيدها فدلكت ذراعيها في ألم وهي تحركهما ضم وفرد، ودلفت إلى ساحة واسعة ذي مقاعد من كلا الجانبين على هيئة أفعى وأمامها رجل يبدو إنه بلغ من الكبر عتيًا يجلس فوق كرسي ضخم متلألأ اللون، على ما يبدو جاء بالخطأ في هذا المكان المرعب، كان يحدقها بنظرات قاتلة وهو يستند بمرفقه على فخذه حتى صاح فيها بصوت أجش:
"تقدمي لن آكلك."
أزدَرَدَت دارين لعابها بغصة خائفة ودحرت التفكير عنها، وما أن صارت على بعد خطوات منه حتى نهض بتريث يثير الرعب وتقدم إليها بخطى ثابتة مهيبة، فرفعت رأسها صارفة الخوف عنها وقالت في جمود:
"من أنت وماذا تريد مني؟ أين الصغير جعفر."
سكت قليلًا باسمًا قبل أن يقهقه بصوت عالٍ يثير الاشمئزاز ودار حولها متأملًا إياها، حتى وقف أمامها، تمتم في هدوء وهو يميل وجهه عليها:
"انسي الصغير فلن تريه مجددًا، ثم ما خطبك يا فتاة يجب أن تفكري في نفسك فقط وما سيحصل لك."
امتقع وجهها وتكدر بينما استدار هو جالسًا فوق كرسيه مسندًا مرفقيه على ذراعي المقعد وأخذ نفسًا عميقًا وقال دون اكتراث:
"أردت فقط رؤيتك فما لي حاجة فيكِ إلبتًا."
سكت لهنيهة مستلذًا برعشتها واضطرابها وخوفها وقال:
"ستشرفين في سجننا لبعض الوقت أتمنى البقاء معنا يروق لكِ."
أشار لها بسبابته أن تقترب فتراجعت عدت خطوات وآثرت المكوث بمكانها، لكنه جأر فيها مزمجرًا:
"قلت اقتربي يا فتــــــــــاة."
بخطى متمهلة دنت منه فمشت عينيه على جسدها من رأسها لأخمص قدميها، فعض على شفته ومد يده ممسكًا بخصلة من شعرها لكنها انفضت رأسها واشاحت بكفه بعيدًا بعينين اشتعلتين غضبًا، وما كادت أن تعنفه حتى قال قائل من ورائها:
"جلالة الملك سيحون وصل لك خطاب من الأمير براء."
صرف سيحون بصره إلى الحارس وأشار له برأسه أن يتقدم، فـ أقبل عليه فاتحًا الخطاب ذو الورقة الصفراء فتهللت أسارير دارين واستبشرت خيرًا وتسربت الطمأنينة لفؤادها.
"أقرأها الآن."
قالها سيحون فتنحنح الحارس وعلا صوته قائلًا وآذان دارين صاغية:
"عزيزي جلالة الملك سيحون الأحمق."
سعل الحارس لتتسع أعين الملك وتند عن دارين ضحكة كتمتها فورًا حين حدجها بنظرة مرعبها وصاح في الحارس قائلًا بغضب:
"أكمل دون توقف."
"عزيزي جلالة الملك سيحون الأحمق تحية غير طيبة لك.
أما بعد:
فنهارًا أسودًا فوق مملكتك أيها الملك الجبان... على رسلك يا رجل لا تغضب فلا تثريب عليّ أنت بالحق جبان وما عهدت مني إلا الصدق أيها المخادع كيف سولت لك نفسك على خطف ابني وحبيبتي هذا أمر لن أمرره مرور الكرام ولا تنس بيننا انتقام روح أختي وابنها أعدك بأن آخذ روحك مقابل لهما، أوه أنسيتني ولدك الحقير الغدار في ضيافتنا في نهار الغد سأعطيك فرصة لأخذه مقابل ابني وحبيبتي، سأنتظرك لا تتأخر أيها الـ..... الحثالة."
انفجرت دارين ضاحكة وإذ نهض الملك صارخًا يطيح بكل ما تطوله يده في حين صاحت دارين من بين ضحكاتها:
"يا لغبائي هل كنت أخشى من حثالة، بل أحمق وجبان أيضًا، تبًا لي؟"
سكن الملك بأنفاس متلاحقة والتفت إليها فسكنت مكانها ثابتة في لحظة كان يعصر مرفقها في راحته الضخمة وهو يصرخ فيها:
"ماذا قلتِ؟ ها ماذا قلتِ؟ أنا... أنا حثالة وأحمق أنا؟!"
أنهى جملته بصفعة فوق وجنتها طرحتها أرضًا على أثرها فبقت قليلًا مسندة بكفيها على الأرض بنظرات حارقة، وصرخ في الحرس أن يزوجها بالسجن فسحبوها عنوة وهي تجاهد كي تصل للملك لتثأر بنفسها لكنها لم تفلح.
"الظلام يلف المكان لا بصيص من نور حتى، فتكورت على نفسها لم تكن على سجيتها أبدًا، كانت خائفة خوف بدد شعورها بكل شيء، قلقة قلق يلتهم روحها بلا هوادة.
كيف السبيل للخروج من هذا المكان؟
هل سيتركها لا تظن يبدو إنه غدار قوله غير فعله!
إذن ما العمل!
هل ستبقى هنا!
دفنت رأسها بين ذراعيها كلا تموت من خوف الظلام الذي يخيل إليها بأشباح قد تخرج لها بغتة من حيث لا تحتسب، لولا ذاك الحارس الواقف على الباب لكانت ماتت حتمًا وذابت من شدة الخوف.
تناهت لها حركة غير عادية فـ أرهفت السمع وهي ترفع رأسها على الحارس الذي تحيطه هالة من نور طفيف فإذا بيد تبرز فجأة مكممة فمه ترفع رأسه للأعلى فشهقت وهي تكتم فمها تحدق في الخنجر الذي انساب على عنق الحارس لينساب الدم كالنهار ويسقط الحارس، وارت عينيها بين كفيها وهي تثب واقفة تبتعد مستترة في الجدار بجسد اعتراه رعشة قوية وقلبٌ غمرته الواجفة......."
"سبحان الله وبحمده".
صدمة.. صدمة كل ما احتلت قلب ياسين وهو يهوي بكل جسده على الحائط ظنًا إن ابنته قد فارقت الحياة، عيناه جاحظة على الطبيب في توهان، فهرع إليه حمزة ممسكًا به وقال وهو يربت على ظهره:
"مش.. مش هيَ أكيد لا."
فنظر الطبيب إلى ياسين ثم إلى حمزة وتمتم:
"اللي ماتت المريضة اللي متصابة برصاصة."
تنهد حمزة آخذًا نفسًا عميقًا كأنه كان يغرق في بحر لجي وجاء ذوّرق نجاة لينقذه وارتاحت ملامحه وارتخت، بينما أغمض ياسين عينيه متنفسًا بإنتظام وضربات قلبه تهدأ رويدًا رويدًا.
يا إلهي لا يصدق تلك الدقائق كيف مرت وهو يتلقى خبر وجودها في المستشفى كأن روحه قد أُقتلت وها هي ترد إليه.
ضحك حمزة ضحكة طفيفة لا تكاد تُسمع وهو يقول:
"أروى بخير هيَ بخير."
جذبه ياسين إلى حضنه وربت على ظهره عدت مرات غير قادر على النطق وأخيرًا قال بعد ما ابتعد عنه:
"هشوف خالتي لمار وأجيلك عشان معاها سجى."
أومأ حمزة له وجلس على أقرب مقعد قابله.
هُنا وتجمدت ملامحه متذكرًا موت ريتاج.
هل الآن افتكر؟
لكن لا تثريب عليه هل كان فيه عقل؟
ظلل الحزن في عينيه سرعان ما قام من مكانه على صوت الممرضة تخبره:
"المريضة دلوقتي تقدر تدخل تشوفها."
لم ينتظر لا قدرة له على الانتظار لا مرية إنه يود أن يطمئن عينيه المشتاقة إنها بخير حتى يصدق قلبه المكدود.
لقد كان السبب فيما حصل لها ويستحق ذاك الألم القاتل، يا ويل قلبه أن كان حصل لها شيء.
طرق في توتر على الباب قبل أن يدير مقبضه ويطل برأسه ليجدها مسندة ظهرها على وسادة خلفها ورأسها مربوط بشاش، كم بدت هشة الآن.
تبسمت فـ تبسم وخطى للداخل مرتبكًا يغض بصره في حياء وقال:
"الحمد لله على سلامتك."
ردت عليه بصوت رقيق:
"الله يسلمك، ريتاج عاملة إيه؟"
خطف نظرة إليها ثم تصنع الانشغال بجلب مقعد ليجلس جوار الفراش مطرق الرأس في حياء وجيب قلبه المتسارع ينبئه بجريمة قد تحصل في قربها المهلك، فـ تحمحم وقال بصوت متقطع:
"ريتاج، ريتاج تعيشي أنتِ."
شهقة صدرت عنها وهي تكتم فمها بأناملها وأغرورقت عينيها بالدموع وهي تقول:
"إن لله وإن إليه راجعون البقاء لله."
ساد صمت كئيب حزين لوهلة تطالعه في آسف.
هل قلبه الأسيف حزين الآن؟
بماذا يشعر يا ترى؟
يا ليت بإمكانها أخذ وجعه ولا تشعر إنه حزين.
تنبهت من زمهرير أفكارها على صوته الحاني يقول فرفعت بصرها إليه لتتقابل مع عينيه التي تقطر عشقًا فسره قلبها الأحمق بغير ذلك:
"أروى أنا آسف لأني السبب، كنت دايمًا بدور على أي حجة عشان تسيبي الشغل من خوفي عليكِ، لكن متخيلتش أبدًا إني أكون السبب في اللي...."
قاطعته أروى قائلة وهي تهز رأسها:
"لا، لا متحملش نفسك الذنب أنا اللي نزلت وراك وبعدين انت ما أجبرتنيش وحصل خير أنا بخير دلوقتي."
"ولو كان جراك حاجة كنت هعمل إيه؟"
قالها حمزة بنبرة صادقة بمسحة من حنان فـ ران عليهما السكون وهم ينظران لبعضهما في توتر لكن القلوب كانت تدق كالطبول، فُتح الباب فجأة فـ التفتوا سويًا ليبصروا خالد وخديجة فنهض حمزة قائلًا بتوتر ملحوظ:
"تعالوا ادخلوا."
توجهت خديجة بلهفة إلى أروى، بينما دارت نظرات غامضة بين حمزة وخالد قبل أن يقول حمزة متحاشيًا النظر إلى خالد:
"أنا، أنا هطلع أشوف عمو ياسين."
خرج تشيعه أروى بنظراتها وهذه المرة لم تخف على خالد الذي أزدَرَد مرارته وتوجه مبتسمًا نحوها يطمئن عليها.
لم يمضِ طويلًا وكانت كل العائلة تحضر.
فقال يوسف ضاربًا كفًا بكف:
"هي العيلة جرالها إيه؟ خالد يعمل حادثة، وأروى تضرب ولمياء تتسجن."
ثم تابع وهو يطوق كتف أروى رغمًا عنها:
"عين وصابتك يا أختي يا حبيبتي عين وصابتك."
جذبته خديجة من ذراعه قائلة:
"يا ابني جايب الرط ده منين تعال معايا."
خرجا سويًا وبينما تسير في الرواق برز أراس على حين غرة قائلًا بتعجل:
"خديجة أنا."
جزت خديجة على أسنانها قائلة:
"ما الذي تفعله هنا؟ ماذا تريد مني، هل ستصبح حياتي جحيم هكذا وسأجدك أمامي في كل خطوة."
هم بالحديث لكنها أوقفته قائلة:
"ولا تخبرني أن هذه صدفة أن يحدث كل هذا بعد تهديدك...."
"اخرسي."
قالها أراس غاضبًا قبل أن يلتفت حوله ليقول في خفوت:
"أخبرتك يا خديجة إني لم أؤذِ خالد والآن أقول ولم أؤذِ أروى ومستحيل أن أؤذيها أتيت لأطمئن عليها."
قطبت خديجة مستفسرة:
"وكيف عرفت، ولماذا تطمئن عليها؟"
أنهت جملتها عاقدة ذراعيها، فسأل يوسف بغتة:
"هو مين المز ده يا خديجة."
نظرا الاثنان عليه كأنهم للتو تذكروا وجدوه الذي نسوه في غمرة جدالهم فضحكت خديجة بتوتر قائلة:
"دا دا دا دكتور أروى."
لوى يوسف فمه في شك، فـ أسرعت خديجة تقول:
"يوسف تعال يلا نشوف مامتك.."
لم تجد أراس فبحثت بنظرها ولا أثر له فحركت كتفيها في حيرة وتابعت سيرها.
"سبحان الله وبحمده".
خرجت منه من غرفة العناية الراقد بها جسد والدها الغائب عن الحياة مؤقتًا، ترتدي ملابس سوداء اللون بنطال ضيق أسود يعلوه تيشرت دون أكمام أسود وضيق أيضًا وفوقه معطف أسود لبعد الركبة، شعرها الأسود القصير منساب فوق ظهرها، بدت متعصبة وهي تقف أمام الباب تتحدث في الهاتف قائلة:
"حبيبةً من يا هذا الذي قتلتها؟ هل جُننت! أخبرتك آجار غير موجود لا تثير غضبي وتجعلني آتي لأخلص عليك وأرتاح من هذه الثرثرة."
أنهت جملتها وأغلقت الهاتف في عنف كأنها تنتقم منه، وتنهدت وهي تضع يديها في جذعها وتلتفت يمنى ويسرى في حركة سريعة قبل أن ترفرف بأهدابها في ذهول وهي تعيد نظرها إلى الجهة اليمنى لتتسع عينيها على آخرهما وتفعمتا بالصدمة، فركتهما وهي تحملق في آجار الجالس واضعًا رأسه بين كفيه في منظر يثير الشفقة كأنه فقد كل من له في الحياة دون وداع.
و كم مؤلم أن يغادرك أحد هكذا دون وداع.
ويتركك تواجه الحزن بمفردك.
وفراقه يترك فيك جرح لا يلتئم مهما جارت عليه السنون، جرحٌ يجعلك لا تطيق الحياة لكنك مجبور على العيش فيها.
هرعت نحوه فجأة منادية باسمه فتوقف جان متعجبًا يرمقها في حيرة بينما دون كلمة أخرى ضمته بقوة وهي تهمس بنبرة تقطر فرحًا ممزوج بالحزن:
"آجار يا هذا، هل هان عليك تغيب عني كل هذا الوقت! متى جئت؟ كيف عدت! ماذا تفعل هنا، أوحشتني يا رجل بقيت وحيدة في غيابك لا أجد من أخنقها."
ابتعدت عنه مكفكفة دموعها فلم ينبس هو بحرف، فضيقت عينيها متسائلة وهي تضرب كتفها بكتفه:
"ما بك هل تفاجئت بوجودي أم ماذا؟"
صمت للحظات يستجمع رباطة جأشه وأردف:
"لا، لا لم أتفاجأ كيف حالك يا حبيبتي؟"
"بخير، لماذا أنت في المستشفى، ماذا تفعل هنا هل بك شيء؟ هاهي قُل تبدو متغيرًا."
نظر جان تجاه غرفة العمليات بقلب خافق ثم أعاد نظره إليها ولاذ بالصمت غير قادر على النطق، بينما هزت منه رأسها في يأس وتوجهت نحو غرفة العمليات لتتطلع من زجاجها الخارجي فلم تبصر شيء، فعادت إليه قائلة بغمزة:
"جبيبتك، أليس كذلك؟"
أومأ جان وهو يحرك كفه على شعره في توتر، فقالت هي متخصرة:
"ولماذا لم تخبرني قبلًا، ها؟"
تبسم جان بشحوب وتمتم في خفوت:
"لم تسنح الفرصة."
أومأت منة وسكتت مليًا قبل أن تلتفت إليه تقول على عجل:
"إذًا هذا الرجل هو بالفعل كان هو السبب في الحادث، أقسم بأني لن أمررها على خير، ابق معها."
انفجرت شفتا جان ليتحدث لكنها ما إن رمت بكلماتها كانت تختفي، فـ أطبقهما مجددًا وقد نوى ما نوى.
هؤلاء الذين التقى بهم في مصر كانوا على حق، إذًا هو يشبه أحد رجال من المافيا!
لكن هل يعقل أن بينهما شبه لتلك الدرجة الكبيرة حتى لا يفرقوهما!
بل والأعتى هم سبب حالة ناردين وهو سيبطش بهم سيذوقهم مما ذاقته سيدفعون ثمن هذا وسيكون سعيد أن يعاون الشرطة في إمساك مثل هؤلاء القوم.
تبدلت ملامح وجهه ولانت وهو يجلس مجددًا مسندًا رأسه إلى الجدار مسبلًا جفنيه.
تُرى ما الذي ينتظره في وكر الإجرام هذا الذي سيلقي بنفسه فيه؟
"سبحان الله العظيم".
وقف خالد أمام حمزة الذي كان جالسًا في الانتظار، نهض ما أن أبصر خالد... غريبًا، متعجبًا، صامتًا، فتساءل بقلق:
"خالد إنتَ بخير؟"
"ليه؟"
كلمة واحدة فقط هو كل ما نطق بها في غمرة حيرته ووجعه، وجع سعيد مغلف بالمرارة وما بين هذا وذاك هو تائه.
وابل من الأفكار يجول في خلده يا إلهي هل ضحى حمزة بحبه ودعس على قلبه فقط لأجل حبه لـ أروى؟
لكن أنَّى له أن يعرف؟!
هل كان هو سبب وجعه وبكل بساطة راح وأخبره بعشقه لها والأخير بدا سعيدًا مسرورًا، كيف استطاع أن يخفي عنه.
والأهم كيف لضابط مثله أن لا يقرأ جيدًا ما يُخفى بعين أخيه!
نعم هم إخوة ومن يقول غير هذا قد كذب.
هل يظنون الأخوة فقط بالدم؟
من رحم أم واحدة؟!
إذن ماذا يسمون من يلدون من رحم الحياة ويأتون على هيئة عوض جميل مطعم بالسعادة والراحة.
غزرت الدموع في قلبه لا بعينه ودون كلمة ومع دهشة حمزة الذي تساءل عما يعنيه بـ "ليه" ضمه خالد بقوة فبادله حمزة في صمت احترامًا لرغبته.
همس خالد بجانب أذنه:
"وهي كمان بتحبك على فكرة."
اتسعت أعين حمزة وهم بالكلام وهو يبتعد لَّمَّا إن خالد هز رأسه وما كاد أن يستدير ليغادر فصد حمزة طريقه موضحًا:
"أنتَ فاهم غلط، اسمعني!"
تبسم خالد وقال وهو يربط على راحته حمزة بين كفيه:
"تؤ مش فاهم غلط ولا حاجة، أنتَ أحسن أخ يا حمزة ومن حسن حظي إنك معايا وجنبي."
دنا منه واحتدت ملامحه وقال من بين أسنانه:
"أخويا وحبيبي وكل حاجة بس قسمًا بالله هتزعلها هتلاقيني في وشك عدو مش أخ يا حمزة."
دفعه حمزة حتى أجلسه على المقعد وهو يغمغم:
"يا عم اقعد نتكلم، استغفر الله هتجنني."
"وادي قعدة، عايز تقول إيه؟"
جلس حمزة ملتفًا بجسده إليه وقال:
"أنت كل اللي بتقوله ده....."
قاطع خالد حديثه قائلًا في تذمر:
"أيوه أيوه كل اللي بقوله إيه؟"
نظر له بجدية وتابع:
"يا بني يا حبيبي أنتَ بتحبها وهي بتحبك، حمزة لو مفكر إني زعلان ومجروح تبقي غلطان صدقني سعادة أروى تهمني جدًا زي ما أنت بردوا سعادتك تهمني، تعرف حاجة أنا كنت بحقد على أروى وأنا صغير أو مش حقد غيرة كدا فـ خديجة قالت لي حاجة عظيمة ' يا خالد أروى معندهاش أخ أكبر منها فكون أنت الأخ ده ' ومن وقتها وأنا بحاول أكون لـ أروى أخ من غير ما أتخطى حدودي صدقني فرحتي هيَ لما أشوفكم سوا."
لم يجد حمزة ما يقوله مع جم تلك المشاعر فردد:
"خالد، أنا....."
"متقولش حاجة فرحوني قريب بفرحتكم وبالكثير يا أخ أنت اسبوع وتكون متقدم لبنتنا إحنا معندناش قلة أدب ومسخرة."
مط حمزة شفتيه في تعجب:
"قلة أدب ومسخرة؟ ولا تصدق أن الكلام معاك أصلا عيب."
"أيوه يا حبيبي أنت مفكر إيه يعني تحب في بنتنا وكدا ونسكت لا يا غالي أنت تجي تتقدم وإحنا نحط رجل على رجل ونتشرط براحتنا ونتأمر."
صاح حمزة ممثلًا إنه سيخلع نعله:
"لا بقا انت لازم تتربى مين اللي يحط رجل على رجل يلا؟"
صدحت ضحكات خالد وهو يبتعد في لمح البصر مغمغمًا:
"إحنا أكيد مش أنت."
هز حمزة رأسه والبسمة تظلل شفتيه، أسبل جفنيه حامدًا الله بفؤاده، تُرى كيف يوافي الله شكره؟
أفا الله كثيرة عليه هل يستطيع أن يشكره عليها؟
إنه يتنعم في نعم مهما ظل يعد فيها يقسم إنها لن تنتهي!
فكيف يؤدي شكره للمنان؟!
نهض فجأة مغادرًا مبتغيًا أقرب مسجد ليحمد ربه عسى نعمة لا تزول.