تحميل رواية «غرام المغرور» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجلس على جانب الطريق أمام مقر عمل زوجها كعادتها مؤخراً. عيناها تنهمر منها عبراتها بلا توقف. بين يوم وليله انقلبت حياتها رأساً على عقب. توفي زوجها الحبيب بعد زواج استمر لثلاث سنوات فقط، وأصبحت أرملة وهي لم تتم عامها الثاني والعشرون. تدهور بها الحال للغاية، ووصل بها الأمر أنها تركت شقتها الصغيرة التي كانت تسكن بها هي وزوجها بعدما قامت ببيع كافة أثاثها حتى تستطيع الإنفاق على صغيرتها ذات العام والنصف. وانتقلت للعيش برفقة والدتها التي بالأساس كان ينفق عليها زوجها نظراً لضيق الحال، ولأنهما من طبقة أقل...
رواية غرام المغرور الفصل الأول 1 - بقلم نسمة مالك
تجلس على جانب الطريق أمام مقر عمل زوجها كعادتها مؤخراً.
عيناها تنهمر منها عبراتها بلا توقف.
بين يوم وليله انقلبت حياتها رأساً على عقب.
توفي زوجها الحبيب بعد زواج استمر لثلاث سنوات فقط، وأصبحت أرملة وهي لم تتم عامها الثاني والعشرون.
تدهور بها الحال للغاية، ووصل بها الأمر أنها تركت شقتها الصغيرة التي كانت تسكن بها هي وزوجها بعدما قامت ببيع كافة أثاثها حتى تستطيع الإنفاق على صغيرتها ذات العام والنصف.
وانتقلت للعيش برفقة والدتها التي بالأساس كان ينفق عليها زوجها نظراً لضيق الحال، ولأنهما من طبقة أقل من المتوسطة، وزوجها كان هو العائل الوحيد لهما رغم أنه كان عامل صغير بإحدى الشركات الضخمة.
سعت كثيراً على أوراق تأمين زوجها لعلها تحصل على راتب شهري، ولو قليل يعينها على متطلبات الحياة، ولكن سعيها كان دون جدوى.
فما أصعب الإجراءات القانونية بتلك الحالات خصوصاً إذا كانت لمواطن فقير لا وسيط له غير المولى عز وجل.
أغلقت جميع الأبواب بوجهها.
تكاثرت الديون عليها، حتى بدأت تفقد السيطرة على أفعالها حين رأت الجوع والمرض بدأ ينهش والدتها، وصغيرتها تبكي باستمرار من شدة جوعها.
فحسمت أمرها اليوم.
لن تعود لمنزلها إلا بعدما تصل لصاحب تلك الشركة لعله يساعدها في الحصول على حق زوجها.
رفعت يدها، ومسحت عبراتها بعنف، وهبت واقفة عندما رأت سرب حافل من السيارات الفارهة تقترب من باب الشركة معلنة عن وصول مالكها.
ارتجل من السيارات الكثير من رجال الحراسات الخاصة، وأسرع أحدهم بفتح باب سيارة بيضاء من أحدث الموديلات العالمية.
لم تفكر مرتين، وبلمح البصر كانت ركضت بهرولة وهي تصرخ مرددة اسمه لمرتها الأولى: "فااااارس بيه".
تأهب جميع الحرس، ووجهوا أسلحتهم بوجهها، ولكنها لم تأب لهم، وأكملت طريقها إليه.
كان يهم بالخروج من سيارته ولكنه بقي مكانه حين اخترق صراخها أذنه.
خلع نظارته الشمسية لتظهر عينيه الجريئة ونظر نحوها بنظراته الحادة.
تركض هي بكل سرعتها وتدفع يد كل من حاول إيقافها بغضب شديد، وهو يشاهد ما تفعله بهدوء ودهشة من هجوم تلك المجنونة التي لم ير وجهها بوضوح حتى الآن.
"سبوني أنا ليا حق عند صاحب الشركة دي، وعايزة حقي".
قالتها وهي تلكم كل من يحاول الاقتراب منها بحقيبة يدها.
"اضربها طلقة خليها تجري من هنا.. بس خف إيدك".
أردف بها "فارس" بأمر لإحدى حراسه.
لينصاع الحارس له في الحال دون تردد، ووجه سلاحه نحوها، وأطلق النار عليها باحترافية شديدة.
صرخت بألم حاد، واتسعت عينيها بذهول حين مرت طلقة نارية من جانب ذراعها تاركة به جرح ليس بهين بدأ ينزف بغزارة.
سقطت من يدها الحقيبة، وشحب وجهها بشدة، وتوقفت عن الحركة حين شعرت بانقطاع أنفاسها ودوار شديد بدأ يجتاحها بلا رحمة، خصوصاً وأنها لم تأكل شيئاً لها أكثر من يومان.
أطبقت جفنيها بوهن لتهبط دمعة حارقة على وجنتيها وهي تهمس باسم صغيرتها التي أصر والدها أن يسميها على اسمها من شدة عشقه لها: "إسراء".
استجمعت قوتها لأجلها، وفتحت عينيها التي بدأ يتطاير منها الشرار دليل على شدة غضبها، ونظرت باتجاه سيارة ذلك الـ "فارس".
كان ارتجل هو خارج سيارته، ووقف يتابعها بهمجية، وغرور ظاهر على ملامحه الوسيمة الصارمة، وظن أنها ستفر هاربة بعد ما حدث لها.
لكنه رفع حاجبيه بدهشة، وهو يراها تسير باتجاهه بخطوات متثاقلة، وجسدها يتهاوى يميناً، ويساراً، ولكنها تجاهد حتى تصل إليه.
كلما اقتربت تزيد دهشته وذهوله وهو يتمعن النظر بملامحها الجميلة حد الفتنة.
هم أحد الحرس بإيقافها.
لكنه أشار له بيده أن يتركها.
ظل يتابعها وهي تقترب منه ببطء يدل على ضعفها وتألمها الشديد.
ضيق عينيه ورمقها بنظرة متفحصة حين توقفت فجأة قبل أن تصل إليه بعدما تملك منها دوارها وألم ذراعها جعلها تتأوه بقوة قبل أن تستسلم لتهاوي جسدها الذي خانها وأجبرها على الاستسلام لإغمائها.
ظل واقف مكانه يراقبها ببرود لا يخلو من غروره ظناً منه أنه لن يبالي لمخلوق كما يفعل دائماً، ولكن تلك الفاتنة حطمت حصونه حتى أنه لم يشعر بقدميه التي قطعت المسافة بينهما بخطوتين، والتقطها بين يديه قبل أن ترتطم بالأرض الصلبة.
رأسها تتوسط صدره.
رفعت عينيها ونظرت له نظرة زلزلت كيانه.
لم تستطع أي أنثى قبلها أن تؤثر به هكذا، ولكنه عندما لمح لون عينيها الساحرة، وملامحها البريئة، ودفء جسدها على جسده انتفض قلبه انتفاضة أكثر من رائعة كان قد تناساها منذ زمن.
حاولت هي الحديث فلم يسعفها لسانها غير نطق اسم ابنتها.
تردده بقلب ملتاع: "إسراء".
همسها وصل لسمع ذلك المغرور.
توقع أنه اسمها فابتسم لها باصطناع وهو يقول: "ايه اللي رماكي في طريقي يا؟".
مال قليلاً ووضع يد أسفل ركبتيها ويده الأخرى حول خصرها، وحملها على ذراعيه القويتين مكملاً بتلذذ: "إسراء".
خطي بها لداخل شركته تحت نظرات الدهشة والذهول من جميع العاملين، بل نظرات الصدمة.
رواية غرام المغرور الفصل الثالث 3 - بقلم نسمة مالك
"إسراء".. تجلس على الفراش بملامح شاحبه من شدة تعبها، تحمل صغيرتها بين يديها وتقوم بإرضاعها. الطعام الوحيد المتاح لديها.
كتمت آهة نابعة من ألم قلبها، وليس ألم ذراعها الذي لم يشفَ بعد رغم أنه مر عليه أكثر من أسبوع. ولكن قلة غذائها وعدم توافر المال لجلب الدواء جعله لم يلتئم، بل زادت حالته سوء، وهي تتحامل على نفسها أضعاف فوق طاقتها.
شعرت بدوار عنيف يجتاحها، وبدأت تتصبب عرقًا غزيرًا. فضمت صغيرتها بحب تستمد منها بعض القوة، متمتمة بضعف:
"يارب اديني الصحة لخاطر أمي وبنتي".
جاهدت حتى لا تفقد وعيها، ومدت يدها لكوب من الماء موضوع على كرسي صغير بجوار الفراش. ارتشفت منه قليلاً، وعدلت وضع صغيرتها التي غاصت بنوم عميق، ووضعتها بحذر بجوار والدتها النائمة بعدما أمطرتها بوابل من القبلات المتفرقة على وجهها الملائكي.
أخذت نفسًا عميقًا، وغادرت الفراش بوهن متجهة نحو عباءتها السوداء، ارتدتها على عجل، وحجابها من نفس لون العباءة. واقتربت من والدتها، مسدت على يدها بحنو ومالت على أذنها قائلة بهمس:
"ماما أنا خارجة يا حبيبتي.. إسراء نايمة جنبك، وأنا بأمر الله هحاول متأخرش عليكم".
فتحت "إلهام" عينيها ونظرت لها، وتحدثت بلهفة حين لمحت شحوب وجهها:
"رايحة فين يا بنتي، وإنتي شكلك تعبانة أوي كده؟!"
توجهت بنظرها للشرفة وتابعت بذهول:
"هتخرجي إزاي دلوقتي، والشمس لسه مطلعتش يا إسراء؟!"
ابتسمت لها "إسراء" ابتسامة باهتة، وبأسف قالت:
"الجو مغيم شوية، وشكلها هتمطر، واطمني الساعة سبعة ونص يا ماما".
اعتدلت "إلهام" وجلست على الفراش، وبقلق قالت:
"طيب قوليلي إنتي رايحة فين بس يا بنتي.. أنا ببقى قلقانة عليكي، ومش عارفة إنتي فين ولا بتعملي إيه".
ربتت "إسراء" على ظهرها بحنان بالغ، وأردفت بتنهيدة:
"يعني هكون بروح فين يا ماما.. اديني بلف يمكن ربنا يكرمي بأي حاجة أشتغل فيها.. مش عايزة أهلك تقلقي عليا يا حبيبتي، ولو إسراء جاعت اديها لقمة عيش تاكلها على ما أرجع، وإن شاء الله ربنا يرزقني وأرجع لكم بأكلة حلوة".
"طيب ريحي قلبي يا بنتي وقوليلي إيه اللي حصل معاكي لما رحتي لصاحب الشركة.. قولولي يا بنتي الراجل عمل معاكي إيه، إنتي من يومها مش عجباني ولا اللي قولتييه دخل دماغي يا إسراء".
أردفت بها "إلهام" بصوت متحشرج بالبكاء.
أطبقت "إسراء" جفنيها بعنف لكبح عبراتها، ورسمت ابتسامة زائفة على ملامحها الفاتنة، وتحدثت بجدية قائلة:
"وأنا من إمتى بخبي عليكي حاجة يا ماما!! الراجل طلع في منتهى الذوق زي ما قولتلك، وخد مني الورق، وقالي هيتابع الإجراءات بنفسه بس طلب استنى عليه أسبوعين تلاتة على ما يخلص شغل مهم في إيده، وهيبعتلي معاش رامي الله يرحمه لحد عندي كمان".
رمقتها والدتها نظرة متفحصة، وحركت رأسها بالإيجاب، وهي تقول:
"ادينا داخلين في الأسبوع التاني أهو.. وماله نستنى ونشوف إيه اللي هيتم، والميه تكدب الغطاس".
"ادعيلي".. قالتها "إسراء" وهي تسير نحو الخارج، غالقة الباب خلفها، ووقفت أمامه تبكي بصمت متمتمة بسرها:
"أقولك إيه بس يا ماما.. اللي حصلي على إيد المغرور ده ميتقالش".
جففت عبراتها، وهبطت الدرج بخطى مرتجفة حين داهمتها برودة الجو الشديدة.
"توكلت على الله".. همست بها بقلب يستجدي المولى أن يرزقها رزقًا حلالًا من حيث لا تدري ولا تحتسب.
تسير بطريقها كالسيف، غافلة عن تلك السيارة التي تتابعها منذ خروجها من منزلها. بها مجموعة من الرجال يتابعون كل ما تفعله ويقومون بتصويرها.
...
بقصر الدمنهوري..
رنين هاتف باستمرار أزعج ذلك الوسيم الذي أوشك على النوم بعد مكوثه بإحدى الملاهي الليلية حتى شروق الشمس.
اعتدل بتكاسل، وأمسك هاتفه، ضغط زر الفتح، وتحدث بصوته الصارم قائلًا:
"إيه الأخبار؟"
أتاه الرد سريعاً:
"فارس باشا.. البنت خرجت من بيتهم زي كل يوم بتلف على المحلات تسأل عن شغل.. بس شكلها انهاردة تعبانة أوي، ورجعت أكتر من مرة، وكل ما تحس إنها هتقع بتقعد على الأرض".
انتفض من على الفراش، وهب واقفًا وسار نحو غرفة الثياب، أخرج ملابس له وبدأ يرتديها وهو يقول بأمر:
"ابعتلي لوكيشن بمكانها حالًا".
"أمرك يا باشا".
أغلق الهاتف، وتابع ارتداء ثيابه محدثًا نفسه بغيظ:
"أنا شفت حريم كتير يمكن بعدد شعر راسي.. لكن مشوفتش زيك ولا زي غبائك يا إسراء!!"
صك على أسنانه حين تذكر حديثها المتهور التي ألقته بدون ذرة تفكير منها.
.. فلاش باااااااااااك ..
كان يقبض على عنقها بقبضة يده بقوة، كاد أن يزهق روحها، ولكنه ابتعد عنها ببطء حين أخبرته أنها أرملة لإحدى العاملين بشركته.
تطلع لها قليلاً، ومن ثم سار للخارج بخطوات مسرعة.
لتسرع هي، وتعتدل بوهن جالسة، وبحثت بعينيها عن عباءتها. وجدتها موضوعة بجوارها على الفراش. نزعت تلك الإبرة من يدها الموصلة بمحلول معلق بجوار الفراش.
وارتدت ثيابها، وهبت واقفة بصعوبة. وسارت نحو الخارج بخطى مجهدة.
كان "فارس" يقف أمام الباب واضعًا كلتا يديه بجيب سرواله. شهقت بصوت خفيض حين لمحته.
رمقته بنظرة محتقرة وهي تقول:
"حيوان بهيئة إنسان".
نظر لها نظرة دبّت الرعب بأوصالها، واقترب منها مال على أذنها، وهمس بوعيد:
"سمعتك على فكرة، وهحاسبك على غلطك ده".
ضحكت ساخرة. ضحكة أظهرت جمال وفتنة ثغرها المزموم، وبصوتها الساحر قالت:
"هتقول لرجالتك تضربني بالنار تاني؟!"
قالتها، ولم تنتظر منه إجابة، وبدأت تسير نحو الخارج متمتمة:
"حسبي الله ونعم الوكيل".
"استني".. أردف بها "فارس" بحدة أوقفتها دون إرادتها.
سار نحوها، وتابع حديثه وهو يشير نحو مجموعة من العاملين يقربون نحوهما.
"إنتي مش جاية عايزة معاش جوزك؟"
"إسراء" بنظرة حارقة:
"يغور من وشك المغرور ده يا فارس بيه".
"لو غلطتي تاني صدقيني هندمك على اليوم اللي اتولدتي فيه". قالها "فارس" بابتسامة مصطنعة، وهو يتعمق النظر لعيينها الواسعة التي تأثر بجمالها لينتبه على صوت أحدهم يقول بعملية:
"فارس باشا أنا "سيد شعلان" مدير المصنع اللي كان شغال فيه رامي حسنين".
"شنطتي".. قالتها "إسراء" وهي تجذب حقيبتها من يد إحدى الواقفين بعنف.
على مضض ابتعد "فارس" بنظره عنها، ونظر لذلك الشخص وتحدث بصرامة قائلاً:
"ليه متصرفش لأهل "رامي" معاشه لغاية دلوقتي يا أستاذ سيد؟!"
أجابه قائلاً:
"لأنه اتطرد من الشغل يا فندم بعد ما اتماسك وهو بيسرق".
"اخرس قطع لسانك.. أنا جوزي أشرف منك، ومن اللي مشغلهم كلهم".
صرخت بها "إسراء" بغضب عارم، وصمتت لبرهة وتابعت بهدوء مريب:
"يا سيد يا حرامي ياللي بتسرق الراجل!"
نظرت لـ"فارس" وأكملت بأسف مصطنع:
"المغرور ده ولبستها لجوزي الغلبان، وموته بحسرته بعد ما اتهمته إن هو اللي سرق.. بس ربك مبيرضاش بالظلم وخلى جوزي يحكيلي تاريخكم الأسود كله، وكنت ناوية أقوله لصاحب الشركة".
شحبّت ملامح "سيد" وازداد لعابه بصعوبة، وهو يتنقل بنظره بينها، وبين "فارس" الواقف يتابع كل ما يحدث بصمت، وهدوء مريب.
أخذت "إسراء" نفسًا عميقًا، ونظرت لـ"فارس" بستحقار، وأكملت قائلة:
"بس اطمن يا سيد يا حرامي أنا مش هحكي لولي نعمتك عن عمايلكم السودة خصوصًا بعد ما شفت كمية الغرور اللي عنده دي".
أنهت جملتها، وسارت من أمامهم جميعاً. ليسرع "سيد" ويتحدث بخوف ظاهر على محياه:
"دي بتكدب يا فارس باشا.. أنا شغال مع سيادتك من أكتر من 15 سنة من أيام محمد باشا والد حضرتك، وتاريخي يشهد عليا".
أشار له "فارس" بالصمت، وسار من أمامه وهو يقول:
"هاتلي ملف رامي ده على مكتبي حالًا".
"أمرك يا باشا".
انتظر حتى اختفى "فارس" عن عينيه، ونظر لإحدى الواقفين جواره، وتحدث بأمر:
"البت دي لازم تحصل جوزها بأسرع وقت.. قبل ما تقول للباشا اللي تعرفه عننا.. عايزها تموت من غير نقطة دم.. تقطعوا عنها أي وسيلة مساعدة.. خليها تموت من الجوع ومتلاقيش اللقمة.. مفهوم".
ابتسم له رجل ابتسامة شريرة مرددًا:
"طبعاً مفهوم.. دي رقبتها يا رقبتنا يا كبير".
بينما بعث "فارس" رسالة للحرس الخاص به محتواها:
"عايز حراسة مكثفة على البنت اللي هتخرج من الشركة دلوقتي".
حرك رأسه بيأس محدثًا نفسه:
"مش هيسبوها بعد كلامها ده".
نهاية الفلاش باااااااااااك ..
ارتجل سيارته، وقاد بنفسه خلفه سيارات الحراسة الخاصة به متجهًا نحو العنوان التي تتواجد به تلك الساحرة.
كانت "إسراء" تستعد للنهوض بعد جلوسها فترة على جانب الطريق حين داهمها دوار عنيف، وبدأ جسدها يرتجف بوضوح. وتتعرق بغزارة رغم أنها تشعر ببرودة شديدة تكاد أن تكسر عظامها.
استطاعت الوقوف بصعوبة بالغة، وسارت نحو إحدى المتاجر، وهمت بدفع الباب الزجاجي. ليوقفها رجل الأمن الواقف على الباب قائلاً:
"ملكيش شغل هنا يا ست.. اتكلي على الله يله".
تلاحقت أنفاسها دليلًا على شدة تعبها، ونظرت له بذهول، وبصوت ضعيف قالت:
"انت عرفت إزاي إني هسأل عن شغل؟! وبعدين ما إنتو معلقين ورقة على الباب أهي طالبين ناس تشتغل".
"يله يا ست من هنا الله لا يسيئك مش ناقصين مصايب".
قالها الرجل بنبرة راجية، وعيناه زائغة بينها، وبين سيارة زجاجها معتم تقف على مقربة منهما.
امتلأت عينا "إسراء" بالعبرات وبعدم فهم حدثت نفسها:
"هو إيه اللي بيجرالي ده يا ربي.. كل ما أدخل مكان يقولولي ملكيش شغل عندنا.. أروح فين بس يارب.. أنا تعبت أوي".
اندفاعها بالحديث جعلهم يضعوها داخل دائرة مغلقة. هما مجموعة من الرجال الفاسدين يعملون داخل شركة الدمنهوري. يمحون كل من يكتشف عيبهم، وهي أعلنتها صريحة أنها تعلم عنهم كل شيء.
ظلت تسير بالطرقات بلا هوادة. خطواتها مرتجفة تدل على شدة تعبها. عيناها تملؤها العبرات، ولكنها تأبى الهبوط. ضاقت عليها من جميع الجهات. تقفلت بوجهها كل الأبواب. كيف ستعود للمنزل بدون علاج لوالدتها، وطعام لصغيرتها؟!
ظلت تسير حتى توقفت بجوار إحدى المطاعم. تطلعت على الجالسين بالداخل تتابعهم بخجل واحراج شديد، وقلب يعتصر ألمًا مبرحًا يكاد أن يزهق روحها. ازدردت لعابها بصعوبة، وألقت بكل شيء عرض الحائط، وأولهم كرامتها، وعزة نفسها. رسمت ابتسامة هادئة على ملامحها الفاتنة الحزينة، وخطت نحو الداخل حتى وصلت لإحدى العاملات بالمكان، وتحدثت بصوتها الناعم قائلة:
"لو سمحتي يا آنسة مش عايزين حد يشتغل معاكم هنا؟!"
رمقتها الفتاة بنظرة منذهلة لثيابها غير المنمقة وأجابتها بأسف:
"لا مش عايزين".
اقتربت منها "إسراء" خطوة، وهمست باستحياء ورجاء قائلة:
"طيب ممكن تديني أي حاجة آكلها حتى لو بواقي أكل من اللي بترموه؟"
شهقت بفزع حين قبض على معصمها يد قوية. استدارت تنظر بغضب لصاحب تلك اليد.
لتتسع عيناها حين وجدت ذلك الرجل الذي تلقبه هي بـ "المغرور".
جحظت عينا "فارس" حين لمح شحوب وجهها الشديد، وتحدث بنبرة حاول جعلها لينة، ولكنها خرجت جامدة كعادته:
"اهدي يا إسراء أنا هنا علشان أساعدك".
"مش عايزة مساعدة منك أنت بالذات".
همست بها بضعف، وهمت بدفع يده بعيدًا عنها بعنف، ولكن خانها جسدها. هنا ولم تحتمل أكثر. انقطعت أنفاسها وشعرت أن روحها تنسحب من جسدها، وفي لحظة كانت استسلمت لدوارها، وسقطت بين يديه فاقدة الوعي.
رواية غرام المغرور الفصل الرابع 4 - بقلم نسمة مالك
"أنت بتخرف بتقول إيه يا جدع إنت؟!"
قالها "تامر" بغضب عارم، وهو يقبض على عنق إحدى رجال "سيد شعلان".
دفعه الرجل بعيداً عنه بعنف، وتحدث بلا مبالاة قائلاً:
"وأنا مالي يا عم تامر أنا بقولك شوفت مرات أخوك بعيني، والباشا فارس الدمنهوري شالها على إيده وركبها عربيته، وجيت أقولك علشان إنت ابن منطقتي، وميصحش أشوفك بقرون لامؤاخذة. تقوم إنت سايب المعزة السايبة اللي عندكم وتمسك فيا أنا؟!"
إنهال عليه "تامر" بلكمات عنيفة متتالية، وبثقة تحدث قائلاً:
"مرات أخويا أشرف من الشرف يا ابن ال***."
أسرع المارة بالطريق بإبعادهم عن بعضهما.
ليصرخ الرجل بغيظ شديد قائلاً:
"لو مش مصدقني روح شوفها بنفسك في قصر الدمنهوري. أكيد هياخدها على هناك زي كل مرة. وساعتها هتعرف إنها خلصت من أخوك علشان تعرف تاخد راحتها مع صاحب الشركة."
تعمد رفع صوته بكلماته السامة حتى يتسبب بفضيحة على الملأ.
رمقه "تامر" بنظرة حارقة، وركض مسرعاً نحو منزل زوجة شقيقه.
كانت ملامحه لا تبشر بالخير وكأن شياطين الأرض تملكت منه وتدفعه بقوة لارتكاب جريمة قتل.
أقسم أن رأى "إسراء" الآن لن يتركها إلا وهي جثة هامدة لا محالة.
وصل للمنزل وخطي مندفعاً نحو الداخل.
لتقابله زوجته "إيمان" التي شهقت بعنف فور رؤيته بهذا الشكل، وتملك الفزع من قلبها حين رأته يصعد الدرج كل درجتين معاً متجه نحو شقة صديقتها الغالية التي تعتبرها بمثابة شقيقتها.
ركضت خلفه، وهي تردد اسمه بلهفة قائلة:
"تامر.. استنى رايح فين بس؟!"
كانت "إلهام" تداعب حفيدتها، وتحتضنها بحب شديد متمتمة:
"قلب ستك، ونن عينها يا ضنايا."
قبلتها مرات متتالية.
"نسخة من أمك وهي صغيرة يا إسراء. سبحان الخالق المبدع. ربنا يحفظك إنتي وهي يا حبيبتي، ويرزقك يا إسراء يابنتي بفرحة قريبة تعوضك عن تعبك وحزن قلبك؟!"
إنتفضت بهلع وبكت الصغيرة بخوف حين اقتحم "تامر" الباب الخشبي المتهالك، واندفع للداخل، وهو يصرخ قائلاً:
"إنتي فين يا مرات أخويا.. إنتي فين يا بنت الأصول؟!"
"أهدي يا تامر.. مينفعش اللي بتعمله دا."
هتفت بها "إيمان" ببكاء، وهي تمسك ذراعه تسحبه نحو الخارج.
دفعها بعنف بعيداً عنه.
لتسقط أرضاً وتتأوه بصوت خفيض، ولكنها هبت واقفة واسرعت بالركض خلفه مرة أخرى.
اندفع هو لداخل الغرفة الوحيدة الجالسة بها "إلهام"، ووقف أمامها مباشرة وتحدث بأنفاس متهدجة تدل على شدة غضبه.
"بنتك فين يا إلهام؟"
نظرت له "إلهام" بذهول، وتحدثت بخوف من هيئته قائلة:
"في إيه يا تامر يا ابني.. عايز إيه من إسراء؟!"
مال "تامر" عليها قليلاً، وصرخ بوجهها فجأة قائلاً:
"أنا مش ابنك.. إنتي واحدة متعرفيش تربي، وردي عليا قوليلي فين بنتك الصايعة اللي مرافقة صاحب الشركة وقتلت أخويا علشان يخلللها الجو معاه يا إلهام؟!"
لطمت "إيمان" وجنتيها وازدادت نشيجها، وهي تستمع لحديث زوجها اللاذع.
بينما اشتعلت أعين "إلهام" بالغضب، وضمت حفيدتها بيد، ودفعته بيدها الأخرى بكتفه بكل قوتها مرددة بصراخ هي الأخرى:
"أخرس يا قليل الأدب.. قطع لسانك.. أنا بنتي متربية أحسن تربية، وصاينة شرف أخوك وهو في قبره، ويله اطلع بره من هنا. أنا ساكتة على عمايلك دي لغاية دلوقتي علشان خاطر إنت أخو رامي اللي كنت بعتبره ابني. لكن توصل إنك تتهجم عليا بالمنظر دا وتغلط في بنتي. يبقى تطلع بره بدل ما ألم عليك الناس وأعملك محضر في القسم كمان."
ابتسم لها "تامر" ابتسامة مصطنعة، وتحدث بهدوء مخيف قائلاً:
"عندك حق. بنتك وإنتي أدرى بيها وبتربيتها."
توجه بنظره للصغيرة التي تختبئ بخوف داخل حضن جدتها، ومد يده جذبها منها بالقوة غير عابئ لصرختها، وصرخات "إلهام" تردد بنبرة متوسلة:
"سيب البت يا تامر.. حرام عليك.. سيب البت هتكسر إيديها."
"بنت أخويا.. لحمي، وأنا أولى بيها، وبنتك اللي مرمغت شرف أخويا في الطين، والله ما هسيبها."
قالها وهو يسير بالصغيرة نحو الخارج بعدما تمكن من أخذها من جدتها بصعوبة.
اقتربت "إيمان" بلهفة تساند "إلهام" التي أوشكت على السقوط من أعلى الفراش وساعدتها على الاعتدال بجلستها وهي تقول بنحيب:
"حقك عليا أنا يا خالتي، واهدي ونبي وأنا هجبلك إسراء لما تامر يهدي."
ضربت "إلهام" بكلتا يديها على صدرها مرددة ببكاء حاد:
"خد البت يا إيمان.. خد مني البت.. أقول لأمها إيه لما ترجع.. يا حرقة قلبك يابنتي اللي مش عايزة تهدي، ولا تنطفي."
رفعت عينيها الباكية للسماء وصرخت بحرقة من صميم قلبها:
"ظلموا بنتي ياااارب.. اتهموها في شرفها، وبنتي عفيفة، وإنت عالم بيها ياارب.. اااه يا إسراء.. إنتي فين يا ضنايا."
***
داخل قصر الدمنهوري.
صف "فارس" سيارته، وهبط منها حامل بين يديه "إسراء" الغائبة عن الوعي.
سار بها بخطى مسرعة نحو الداخل.
لتقابله امرأة بأواخر عقدها الرابع. ذات وقار وهيبة شديدة.
عقدت حاجبيها ورمقته بنظرة مندهشة مرددة:
"فارس.. إيه اللي بيحصل دا؟!"
وجهت نظرها لـ "إسراء" وتابعت بفضول:
"ومين دي؟!"
"هقولك يا عمتي.. بس قوليلي الدكتورة اللي بعتها على هنا وصلت، ولا لسه؟"
قالها "فارس" وهو يصعد بها الدرج وعينيه مثبتة على ملامح "إسراء" الفاتنة رغم شحوب وجهها.
"اسمي ديجا يا ولد إنت فاهم، وإياك تقول عمتي دي تاني."
قالتها "خديجة" بغيظ، وهي تصطك على أسنانها.
وصعدت خلفه الدرج بلهفة، وفضول شديد.
"أنا هنا يا فارس باشا."
أردفت بها الطبيبة، وهي تنتفض واقفة، وتركض بهرولة خلف "فارس" الذي تحدث بأمر:
"تعالي ورايا بسرعة."
انتقى غرفة تقع جوار غرفته الخاصة، وسار بها لداخلها.
اقترب من الفراش، ووضعها بحرص وهو يتأملها بنظرة إعجاب واضحة.
لكنه أخفاها سريعاً.
حبس أنفاسه، وسحب يده من حولها ببطء لينتفض قلبه وجسده برجفة طفيفة، ولكنها راقته كثيراً.
اعتدل واقفاً يهندم ثيابه بهنجعية، وقد عادت ملامحها الصارمة، وتحدث بنفاذ صبر موجهاً حديثه للطبيبة التي تنظر له بنبهاار، وهيام.
"ما تشوفي شغلك يا ماما!!"
تنحنحت الطبيبة بحرج، واقتربت من "إسراء" وبدأت تفحصها بدقة تحت أنظار "فارس" الجامدة، ونظرات "خديجة" له العابثة حين شعرت بقلقه الذي يجاهد بإخفائه.
بدأت الطبيبة تبعد عن "إسراء" حجابها ليظهر خصلات شعرها الحريرية بلونهم الكستنائي الساحر، وهمت بخلع عبائتها.
لتسرع "خديجة" نحو "فارس" بخطوات هادئة، وسحبته من يده نحو الخارج متمتمة بخجل:
"استنى بره يا ولد يا فارس يا نوتي."
رفع حاجبيه بدهشة مردداً كلمتها:
"نوتي؟!"
أشار على جسده مفتول العضلات مكملاً:
"كل دا ونوتي إزاي يا عمتي؟!"
"اممممم."
دمدمت بها "خديجة" بتحذير.
لتتعالى ضحكات "فارس" وأشار لها أن تهدأ وهو يقول:
"طيب خلاص متزعليش يا ديجا، وادخلي للبنت اللي جوه دي، ولا أدخلها أنا."
لكزته بقبضة يدها بكتفه برفق، وعادت لداخل الغرفة، وهي تقول قبل أن تغلق الباب:
"يا سلام على الإنسانية.. يا سلام على الشهامة اللي نزلت عليك. بس أنا فاهماك كويس يا ابن أخويا، وعارفة إنك هتموت وتشوف البنت لابسة إيه تحت هدومها."
"دي حقيقة فعلاً."
قالها "فارس" بابتسامة لعوب.
لتتورّد وجنتا "خديجة" بحمرة الخجل، وبغضب مصطنع قالت:
"مافيش فايدة فيك.. خليك إنت هنا وأنا هفضل معاها، وإياك تدخل يا فارس. خليك مؤدب مرة واحدة، ولما أخرجلك هتحكيلي كل حاجة بالتفصيل. فاهم."
أنهت جملتها واغلقت الباب بوجهه.
جعله يعض شفتيه السفلية بغيظ مغمغماً:
"ماشي يا عمتييييي."
مسح على جبهته صعوداً بشعره كاد أن يقتلعه من جذوره من شدة غيظه محدثاً نفسه:
"مؤدب إزاي بس يا ديجا بعد ما شفت بيجامتها الروز اللي طيرت عقلي المرة اللي فاتت."
تراقصت ابتسامة ماكرة على محياه الوسيم مكملاً:
"ياترى لابسة لون إيه المرادي تحت عبايتك اللي تجنن دي يا إسراء؟!"
رفع إحدى حاجبيه، وهم بفتح باب الغرفة وهو يقول:
"وأنا هحير نفسي ليه.. أنا هدخل أعين بنفسي."
أوقفه رنين هاتفه.
فأخذ نفس عميق، وضغط زر الفتح وتحدث بصرامته المعهودة قائلاً:
"إيه الأخبار؟!"
أجابه الطرف الآخر على الفور:
"كل اللي قولته حصل فعلاً بالحرف يا فارس باشا. رجالة سيد وصلوا لـ تامر أخو رامي وبلغوه بوجود مرات أخوه في القصر عند سيادتك. بقى زي المجنون، وطلع على بيت مرات أخوه خد البنت الصغيرة واحنا وراه دلوقتي. شكله جاي عندك في القصر."
ساد الصمت لبرهة.
قطعها "فارس" بتساؤل:
"ووجدة البنت فين دلوقتي، وإزاي سبته ياخد البنت بالسهولة دي؟"
"إحنا عرفنا إن جدتها قعيدة، وللأسف سمعنا صوتها وهي بتصرخ وبتنادي عليه زي المجنونة."
أطبق "فارس" جفنيه بعنف، وتحدث بأمر قائلاً:
"ابعت عربية تجيب جدتها على القصر هنا حالاً، وخليكم ورا تامر دا، وبلغوني بكل جديد."
"تحت أمرك يافندم."
أغلق هاتفه، وهم بفتح الباب مرة أخرى.
لتسبقه "خديجة" التي فتحت الباب، وتحدثت بفزع وخوف ظاهر على ملامحها:
"فارس الحق البنت حالتها صعبة أوي و؟"
لم ينتظر لسماع باقي جملتها، واندفع نحو الداخل دون إرادته حتى أصبح بجوار "إسراء" على الفراش التي بدأت تتشنج بقوة، وتصطك على أسنانها بعنف، وعينيها زائغة.
أسرع بإحتوائها داخل ذراعيه كمحاولة منه لتهدئتها، ونظر للطبيبة نظرة ارتعد قلبها منها، وهو يقول بصوت عالٍ للغاية:
"إيه اللي بيحصلها دا انطقي."
أجابته الطبيبة بصوت مرتجف:
"درجة حرارتها عالية جداً بسبب التهاب شديد في جرح إيديها، ولازم ننزل الحرارة بحمام ميه بارد حالاً."
بلحظة كان حملها "فارس" بين يديه للمرة الثانية.
وخطى بها لحمام الغرفة.
أحكم يده حول خصرها، وأوقفها على قدميه، وفتح صنبور المياه بيده الأخرى.
لتنهمر المياه الباردة فوقهما جعلتها تشهق بقوة، وتنكمش داخل حضنه متمسكة بثيابه بكلتا يدها، وجسدها بدأ يهدأ قليلاً، وتهاوت بين يديه.
حاوطها بذراعيه سريعاً.
رأسها تتوسط عنقه، وانفاسها الساخنة تلفح بشرته تجعله يغلق عينيه بستمتاع متمتماً:
"طلعتيلي منين."
"رامي."
همست بها بصوت يكاد يسمع، وهي تحاوط عنقه بوهن، وتتأوه بتعب شديد، وبدأت تبكي بضعف وتهذي بكلمات اعتصرت قلبه حين قالت:
"متسبنيش.. خدني من الدنيا دي.. أنا تعبت."
"مش هسيبك."
همس بها داخل أذنها وهو يزيد من ضمها بقوة داخل صدره.
بمكان آخر.
"سيد بيه الواد أخو رامي واخد بنته وطالع على قصر الدمنهوري."
قالها أحد رجاله بخوف شديد.
ليصرخ "سيد" بأمر قائلاً:
"أوعى يدخل بالبنت الصغيرة القصر. لازم تفضل بره. دي اللي هتجيب رقبة أمها تحت رجلينا."
"يعني نعمل إيه يا بيه؟!"
أجابه "سيد" بشيطانية:
"امنعوه يوصل بيها للقصر بأي طريقة، هدده. خوفه. اضرب عليه نار. المهم البنت تفضل بره سطوة الدمنهوري. علشان طول ما هي بره أمها هتخرج وتبقي عايزة تشوفها، وساعتها أجيبلك خبرها."
رواية غرام المغرور الفصل الخامس 5 - بقلم نسمة مالك
داخل قصر الدمنهوري.
بعد مرور عدة دقائق، أغلق "فارس" المياه الباردة التي تنهمر بغزارة عليه وعلى "إسراء" التي بحالة يرثى لها بين يديه.
قام بجذب منشفة كبيرة ولفها بها بإحكام، لتسرع "خديجة" الواقفة تنظر بشفقة لـ"إسراء" التي تجاهد لفتح عينيها، ولكن شدة تعبها لم تسعفها.
جلبت منشفة أخرى صغيرة ووضعتها على شعرها، وحملها "فارس" بين يديه، وسار بها للخارج بخطوات حذرة، خلفه "خديجة" تتحدث ببكاء ونبرة راجية:
"على مهلك عليها يا فارس.. البنت شكلها بتموت ولا إيه؟!"
جملتها جعلت قلبه ينتفض بفزع لا يعلم سببه، وشدد من ضمها لصدره مغمغماً بهدوء مصطنع:
"أهدي يا ديجا.. أول ما حرارتها تنزل هتبقى كويسة."
جلس بها على الفراش، ووضعها بحرص عليه ودثرها جيداً بالغطاء، مكملاً بنبرة تهديد:
"مش كده يا دكتورة."
"هعمل كل جهدي، وإن شاء الله هتبقى كويسة جداً يا فارس باشا."
أردفت بها الطبيبة وهي تقوم بتعبئة وتجهيز بعض الحقن والمحاليل الطبية، وبعملية تابعت:
"بس لازم نغير لها الأول هدومها المبلولة دي قبل ما أعلق لها المحلول، والأفضل لو ننقلها المستشفى؟!"
"هجيب لك المستشفى لحد هنا، بس هي مش هتخرج من القصر."
قالها "فارس"، وهو يعدل وضع "إسراء"، وهم بخلع المنشفة عنها.
لتشهق "خديجة" بعنف، وتركض نحوه، أمسكت يده وهي تقول بدهشة:
"أنت بتعمل إيه يا ولد؟!"
أجابها "فارس" ببرود:
"هقلعها الهدوم المبلولة!!"
"أنت ليه مصر تحسسني إني مربتكش في ثانية يا فارس؟!"
قالتها "خديجة" ببكاء مصطنع، وهي تسحبه من يده بقوة حتى هب واقفاً ودفعته لخارج الغرفة، مكملة بأمر:
"اتفضل على أوضتك غير هدومك أنت كمان، وأنا هجيب لها هدوم من عندي، وهغير لها."
على مضض سار معها للخارج، بينما عيناه مثبتة على تلك الجميلة النائمة، محدثاً نفسه بانبهار:
"ساحرة."
وجه نظره للطبيبة وتحدث بصرامة، وحده:
"خلي بالك منها، وكلمي المستشفى تبعت لك كل اللي تحتاجيه.. المهم عايز أشوفها كويسة بأسرع وقت.. مفهوم."
"مفهوم يا فارس باشا."
أغلقت "خديجة" باب الغرفة خلفهما، ونظرت لـ"فارس" بابتسامة عابثة مرددة:
"غير هدومك على ما أغير للبنت هدومها، وهجيلك علشان تفهمني إيه اللي بيحصل ده بالظبط يا فارس باشا."
أنهت جملتها، وربتت على كتفه برفق، وسارت نحو غرفتها بخطوات مسرعة.
نظر "فارس" لغرفة تلك من يدعوها بالساحرة متمتماً بسره:
"ياترى لما تفوقي وتعرفي إنك في بيت فارس الدمنهوري اللي كل الستات تتمنى تعدي بس من قدامه هتعملي إيه؟!"
ابتسم بمكر مكملاً:
"شكلنا هنتسلى، ونقضي وقت لذيذ سوا يا إسراء."
بدأ يفتح أزرار قميصه واحد تلو الآخر، وهو يسير نحو غرفته، بل جناحه الخاص.
بالقرب من قصر الدمنهوري.
يقف "تامر" حاملاً بيده "إسراء" الصغيرة، ويتحدث بغضب بصوت خفيض حتى لا يزعجها قائلاً:
"أنت ماشي ورايا ولا إيه يا عماد؟!"
"يا جدع أنت قلت لك إنت ابن منطقتي، وميهونش عليا أشوفك بتضيع كل حاجة في لحظة غضب.. أنت لو روحت ببنت أخوك لقصر الدمنهوري هتتاخد منك، وهتبقى خسرت أخوك وبنته كمان.. عشان كده جريت وراك، وقلت أنبهك للصح."
قالها "عماد" بخبث.
زحف القلق والخوف لقلب "تامر"، وضم الصغيرة لـ صدره بلهفة، ونظر لـ "عماد" وقال بتهكم:
"وايه هو بقى الصح اللي أنت يا عماد هتنبهني ليه؟!"
جذبه "عماد" نحو التاكسي الخاص به، ودفعه للداخل برفق، مكملاً بجدية:
"تعالى بس نقعد في العربية خليني أفهمك."
تنهد "تامر" بنفاذ صبر مغمغماً:
"اخلص يا عم عماد في أم يومك ده مش فايق لرغيك."
"لما تسمعني هتعرف إن كلامي صح وهتشكرني."
أردف بها "عماد" بثقة وهو يستدير حول السيارة وجلس بجواره بمقعد السائق، وتابع قائلاً بما أمله عليه ذلك الشيطان المسمى بـ"سيد":
"دلوقتي أنا قبل ما أجلك شفت رجالة فارس الدمنهوري وهما واخدين أم مرات أخوك ورايحين بيها على القصر عند بنتها.. تقوم أنت رايح لهم برجلك بالبت الصغيرة، وطبعاً أمها هتصرخ وتمسك في بنتها، وأنت مش هتقدر تقف قدام فارس باشا ده."
ابتسم بانتصار حين لمح القلق والخوف ظهر على وجه "تامر". بدأ يقود سيارته مبتعداً عن محيط قصر الدمنهوري، وهو يقول:
"بنت أخوك أنت أولى بتربيتها، واطمن طول ما هي معاك يبقى هتجيب لك أمها لغاية عندك، وساعتها هتعرف تاخد منها تار أخوك، وتريحه في نومته، وليك عليا هكلم لك كل رجالة الحتة، والسواقين حبايبي اللي يتمنوا يخدموني وهنكون في ضهرك، ولو فارس ده فكر يبعت الحرس بتوعه علشان ياخد منك البت هتبقى معركة هيطير فيها رقاب يا صاحبي."
داخل جناح فارس.
يقف أمام المرآة يمشط خصلات شعره الحريرية بعناية. أمسك زجاجة عطره المفضل ذو الرائحة المثيرة، ونثر منها الكثير، وهم بالخروج من الغرفة متجه نحو تلك الساحرة، ولكن طرقات رقيقة على الباب يعلم هو صاحبتها جعلته ينفخ بضيق، ويقول بملل:
"ادخلي يا ديجا عارف إنك مش هتسكتي غير لما تعرفي كل حاجة."
"بالظبط كده."
قالتها "خديجة" بعدما خطت للداخل، وأغلقت الباب خلفها، وسارت نحو أقرب مقعد واضعة قدم فوق الأخرى وبأمر قالت:
"احكي حالاً."
تنهد "فارس" وهو يقول:
"قلت لك هحكيلك بس خلينا نطمن على إسراء الأول."
ضيقت عينيها، ورمقته بنظرة متفحصة، وهي تقول:
"اطمن يا فارس.. إسراء أخدت الدوا اللازم وراحت في سابع نومة، والدكتورة جنبها، وقالت مش هتفوق قبل الصبح.. فتفضل احكي بالذوق وفهمني إيه اللي بيحصل.. علشان أنا مش أبجورة في البيت ده."
أخذ "فارس" نفس عميق، وبدأ يخبرها بكافة شيء حتى انتهى.
"يعني "إسراء" دي للدرجاتي ساذجة علشان تقولهم إنها عارفة عنهم كل حاجة، وإنهم حرامية، وفاكرة إنهم هيسبوها في حالها بعد كلامها ده؟!"
هتفت بها "خديجة" بذهول.
حرك "فارس" رأسه بيأس متمتماً:
"ما أنا بقول لك أنا بحياتي مشوفتش بغبائها."
ابتسم بإعجاب، وتابع بعبث:
"غبية بس تجنن."
لكزته "خديجة" بكتفه، وبتساؤل قالت:
"طيب أنت ليه ساكت على اللي اسمه سيد ده بعد ما عرفت حقيقته؟"
ظهر الغضب على وجه "فارس" وبتعقل شديد أجابها:
"سيد ده أنا ممكن أفعصه هو واللي وراه كلهم.. بس كده مش هعرف أوصل للراس الكبيرة."
عقدت "خديجة" حاجبيها قائلة:
"مش فاهمة قصدك؟"
"فارس."
"يعني سيد ده مجرد ديل لتعبان كبير.. لو قطعته التعبان هيهرب وهيفضل عايش مش هيموت.. فدلوقتي أنا ماسك ديل التعبان اللي هو سيد، وعن طريقه هوصل لراس التعبان، وأقطعها من جذورها."
"ولحد ما توصل لراس التعبان "إسراء" هتفضل معانا هنا؟!"
أردفت بها "خديجة" بدهشة.
ليدهشها "فارس" أكثر حين قال بابتسامة مصطنعة، وهو يحرك رأسه بالإيجاب:
"هي ووالدتها وبنتها اللي جايين في الطريق."
همت "خديجة" بالرد عليه، لكن طرقات على الباب وصدع صوت إحدى العاملين بالمنزل باحترام قائلاً:
"فارس باشا رئيس الحرس عايز يقابل سيادتك، ومعاه واحدة ست."
هب "فارس" واقفاً، واتجه نحو الخارج وهو يقول:
"دي أكيد والدة إسراء."
"استني خدني معاك أرحب بيها.. دي مهما كان في بيتنا، وإكرام الضيف واجب."
قالتها "خديجة" وهي تسير بجواره لخارج الجناح.
بردة القصر.
دفع إحدى الحرس الكرسي المتحرك التي تجلس عليه "إلهام" الباكية بصمت.
"أهلاً وسهلاً يا مدام إلهام."
قالها "فارس" وهو يقترب منها بخطواته الرزينة الواثقة حتى توقف أمامها مباشرة مكملاً:
"أنا فارس الدمنهوري صاحب الشركة اللي جوز بنتك كان شغال فيها."
"بنتي.. هي فين بنتي.. دي خارجة تعبانة أوي امبارح، وأنا قلت لها متخرجش مسمعتش كلامي، وأديني مش عارفة هي فين دلوقتي."
قالتها "إلهام" ببكاء حاد.
لتقترب منها "خديجة"، وتربت على ظهرها بحنان قائلة:
"متخفيش إسراء هنا معايا فوق."
نظرت لها "إلهام" وقالت بلهفة:
"بنتي هنا.. هي فين.. هي كويسة.. حصلها حاجة.. أبوس إيدك وديني عندها.. عايزة أطمن عليها."
جلس "فارس" على أقرب مقعد وتحدث بتعقل قائلاً:
"مدام إلهام أهدي من فضلك، واطمني إسراء كويسة، وهتطلعي تشوفيها وتطمني عليها كمان بس لازم أتكلم معاكي الأول."
"إلهام" بابتسامة من بين دموعها:
"أنت يا ابني شكلك راجل شهامة، وزوق زي ما إسراء بنتي قالت لي عنك."
اعتلت ملامح "فارس" الدهشة، وتحدث بذهول قائلاً:
"إسراء قالت لك عني كده؟!"
أجابته "إلهام" بتلقائية:
"أيوه يا ابني شكرت لي في أخلاقك، وقالت لي إنك هتساعدها تاخد معاش جوزها الله يرحمه."
انبلجت ابتسامة على وجه "فارس" قمعها سريعاً، حين أجهشت "إلهام" بالبكاء وتابعت برجاء:
"بس الله لا يسيئك يا ابني ساعدنا نرجع بنت إسراء اللي عمها خدها مني غصب عني.. إسراء روحها في بنتها، ومتقدرش تبعد عنها لحظة واحدة."
أثناء حديثها صدع صوت رنين هاتف "فارس":
"لحظة واحدة وابقى معاكي."
أنهى جملته، وأجاب على الفور:
"إيه الأخبار؟"
"تامر ركب تاكسي، وشكله راجع بيته، واحنا وراه يا فارس باشا."
"خليهم وراه، واستنى مني تليفون."
قالها "فارس" وأغلق الهاتف، ونظر لـ"إلهام" وقال بهدوء:
"أنا عرفت اللي تامر عمله معاكي، والكلام اللي قاله في حق بنتك، وأنا أقدر أجيب بنت إسراء منه في غمضة عين.. بس هجيب البنت من عمها بصفتي إيه؟! لو عملت كده هبقى بأكد كلامه علينا فعلاً."
ابتلعت "إلهام" ريقها بصعوبة وهي تقول:
"عندك حق يا ابني."
جحظت أعين "إلهام" حين قال "فارس":
"علشان كده أنا بطلب منك إيد إسراء يا مدام إلهام."
نظرت له "إلهام" نظرة يملؤها الحزن، وبأسف قالت:
"بنتي مستحيل توافق تتجوز بعد جوزها يا ابني."
جملتها أشعلت غضب "فارس" ولكنه تحكم بغضبه، وقال بثقة:
"مافيش حاجة اسمها مستحيل، وأنا واثق إنها هتوافق."
تابع محدثاً نفسه بغرور:
"مقدرتش ترفض فارس الدمنهوري."
لتحرك "إلهام" رأسها بالنفي وبثقة عمياء قالت:
"بنتي مش هتوافق.. دي بتعشق جوزها، ومش هتكون زوجة لغيره."
صك "فارس" على أسنانه، وهب واقفاً وهو يقول بتحدي:
"هتوافق.. أنا هخليها توافق."
رواية غرام المغرور الفصل السادس 6 - بقلم نسمة مالك
أشرقت شمس صباح يوم جديد..
"فارس"..
لم يغمض له جفن..
ظل طيلة الليل بغرفة الرياضة المتواجدة داخل الجناح الخاص به..
يفكر بما يحدث له، وظهور تلك الساحرة بحياته التي تجعل ابتسامته تظهر على محياه الصارمة كلما تذكر نظرة عينيها الحزينة..
ابتسامتها الزائفة..
ملامحها الملائكية التي تروقه كثيراً..
توقف عن حمل الأوزان الثقيلة رياضته المفضلة، وأمسك منشفة قطنية يجفف بها عرقه، وسار نحو الخارج بخطوات مهرولة حين رأى إحدى الممرضات عبر شاشة عرض كبيرة تظهر كل شبر داخل وخارج قصره..
تسير الممرضة نحو غرفة "إسراء"، وبجوارها إحدى العاملات بالقصر تقوم بسحب عربة صغيرة موضوع عليها الطعام..
"أيه أخبار إسراء هانم دلوقتي؟!"
قالها "فارس" بصوته الصارم..
فأجابته الممرضة بعملية قائلة..
"الحمد لله يا فارس باشا.. الحرارة بدأت تهدي شوية.. بس الهانم رايحة في سابع نومتها. حاولنا كذا مرة نصحيها، ومش عارفين، ووالدتها طلبت نسيبها وهي هتصحيها بس للأسف نامت جنبها، ولازم الهانم تصحي علشان تاكل، وتاخد باقي علاجها"..
"أنا هصحيها"..
قالها "فارس" وهو يسير نحو الغرفة وفتح الباب، وخطى للداخل دون أدنى استئذان..
كانت "إلهام" تجلس بجوار "إسراء" بعدما أصرت أن تظل بجانبها رغم إلحاح "خديجة" عليها حتى تستريح بغرفتها بجوار غرفتها، وتترك الطبيبة والممرضات برفقة "إسراء"..
غلبها النعاس بعد ساعات طويلة من البكاء الشديد حين رأت مدى تعب وضعف وحيدتها..
فنامت بثيابها، وحجابها وهي جالسة..
صوت أنين هامس جعلها تفتح عينيها بفزع، وشهقت بصوت خفيض عندما وجدت "فارس" يقوم بحمل "إسراء" الغارقة بالنوم أثر دوائها، ولف يده حول خصرها ورفعها قليلاً، وأسرع بالجلوس خلفها على الفراش جعل ظهرها مقابل صدره..
جحظت أعين "إلهام" من فعلته هذه التي أصابتها بالصمت للحظات..
انتبه "فارس" لها.. فنظر نحوها بابتسامة وهو يقول..
"صباح الخير يا مدام إلهام"..
"خير أيه يا بيه؟!"
أردفت بها "إلهام" بذهول وهي تتأمله بدهشة، وهو محتضن ابنتها بتملك، وجرأته شديدة ملتف بكلتا يديه حولها، ومستند بذقنه على كتفها..
في لحظة كانت مدّت يدها، وأمسكت يد ابنتها تجذبها عليها ببعض القوة غير منتبهة لتلك الإبرة الموضوعة بكفها مكملة حدّتها..
"حصلت تدخل عليا أنا وبنتي واحنا نايمين؟!.. أنا عارفة إننا في بيتك بس اللي بتعمله دا ميصحش يا بيه، واتقي الله، وأبعد إيدك عن بنتي"..
"أهدي يا مدام إلهام، وحاسبي إيد إسراء فيها كده النه"..
قالها "فارس" بلهفة وهو يزيد من ضم "إسراء" داخل صدره بحماية..
لتبعد "إلهام" يده بعنف مغمغمة بغضب..
"يا بيه اختشي على دمك وسيب البت عيب كده"..
أكملت بسرعة..
"وانا اللي فكرتك محترم"..
لم تعطيه فرصة للرد عليها، ونظرت للممرضة الواقفة تتابع ما يحدث بنظرات منذهلة، وتابعت بأمر..
"أنتِ اللي واقفة تتفرجي.. شيلي السلك اللي في إيد بنتي دا أوامر"..
انصاعت الممرضة لها في الحال لتتفادي الأذى ليد "إسراء"..
لتتمكن "إلهام" بضم وحيدتها بعدما تركها "فارس" بصعوبة، وهبَّ واقفاً وتحدث ببرود قائلاً..
"ليه كل عملك دي يا مدام إلهام!!.. أنا طلبت إيد إسراء للجواز يعني هي بقت في مقام خطبتي"..
عدّلت "إلهام" وضع "إسراء" على الفراش، ودثرتها بالغطاء جيداً..
حتى أنها قامت برفع الغطاء على وجهها وشعرها..
ليرفع "فارس" حاجبيه وهو يقول بلهفة فشل في إخفائها..
"ابعدي الغطا عن وشها علشان نفسها"..
تنهدت "إلهام" وتحدثت بتعقل قائلة..
"بنتي مش خطبتك لسه يا بيه، وحتى لو بقت خطبتك ميصحش تدخل عليها وهي نايمة وتحضنها بالشكل دا.. لأنها لسه مش حلالك، ومظنش إنها هتكون.. إسراء مستحيل توافق عليك يا ابني.. فمتعشمش نفسك بحاجة مش هتحصل"..
صَكَّ "فارس" على أسنانه وهو يقول بغرور..
"بنتك مش هتكون غير مرات فارس الدمنهوري.. يعني ملهاش حرية ترفض"..
أنهى جملته، وسار لخارج الغرفة بخطوات غاضبة..
تاركًا "إلهام" تنظر لأثره بخوف شديد من نبرة التهديد التي تملئ صوته..
أذْرَدَتْ لعابها بصعوبة، وأسرعت بإبعاد الغطاء عن وجه ابنتها، وحدَّثتها برجاء قائلة..
"إسراء فوقي يا ضنايا خلينا نروح بيتنا.. أنا عارفة إنك تعبانة أوي.. بس قومي يا بنتي عشان نمشي من هنا الله لا يسيئك، ولما نروح هسيبك تنامي زي ما أنتِ عايزة"..
خبطت على وجنتيها برفق مكملة بصوت متحشرج بالبكاء..
"يا بنتي قومي متوجعيش قلبي"..
"آآه يا ماما مش قادرة"..
همست بها "إسراء" بضعف شديد دون أن تفتح عينيها، تأوهت بقوة أكبر وبدأت تفتح عينيها ببطء متمتمة بوهن..
"بنتي فين"..
فتحت عيونها أخيراً ونظرت حولها باستغراب مكملة بتساؤل..
"احنا فين يا ماما؟!"
رواية غرام المغرور الفصل السابع 7 - بقلم نسمة مالك
"خديجه".. كانت بطريقها نحو غرفة "إسراء" حين اندفع منها "فارس" بخطوات مسرعه ووجه يظهر عليه الغضب الشديد.
فهرولت خلفه وهي تقول بقلق:
"فارس.. مالك يا حبيبي.. حاجه حصلت؟!"
دفع باب غرفته بقدمه، وخطي للداخل وبدأ ينزع كنزته السوداء ذات الحمالات العريضه، وألقاها أرضاً وظل عاري الصدر.
رغم برودة الجو الشديدة.. كان جسده يتصبب عرقاً غزيراً، وأنفاسه متهدجة.. يلتقطها بصوت مسموع.
لا يعلم ما السبب الحقيقي وراء سلب أنفاسه لهذه الدرجة.. أهو غضبه من حديث "إلهام" وثقتها بأن ابنتها سترفض الزواج به.. أم قربه من تلك الساحرة.. حين ضمها داخل صدره.. أقسم بأنه لأول مرة يذق طعم الدفء وهي بين ضلوعه.
أطبق جفنيه بعنف، ومسح على شعره بقوة كادت أن تقتلعه من جذوره مغمغماً من أسفل أسنانه:
"متقدرش ترفض طلبي.. دي ما هتصدق أكيد أني طلبتها للجواز."
نظرت له "خديجه" بدهشة متمتمة:
"انت فعلاً بتتكلم جد يا فارس؟!.. عايز تتجوز البنت دي؟!.. أنا لحد دلوقتي فاكراك بتهزر!!"
التزم الصمت، وخطي لداخل الحمام.
لتسرع خلفه "خديجه" التي أكملت بحده قائلة:
"أنا بكلمك رد عليا يا فارس باشا، ولا نسيت أني عمتك؟!"
أخذ "فارس" نفس عميق يحاول به السيطرة على غضبه العارم، والتفت لها، وتحدث بابتسامة يخفي بها مدى ألمه وحزنه:
"انتي مش بس عمتي يا خديجه.. انتي أمي اللي ربتني، ورفضت تتجوز واكتفت بيا."
صمت لبرهة، وتابع بغصة مريرة:
"رغم أني مش يتيم، وأمي وأبويا عايشين."
ترقرقت أعين "خديجه" بالعبرات، واقتربت منه احتضنت وجهه بين كفيها، وبصوت متحشرج بالبكاء قالت:
"أنت ابني اللي مخلفتهوش يا فارس.. وعلشان كده بقولك بلاش تتجوز البنت دي.. مش لونك ولا شبهك خالص، وكمان انت ناسي إنك خاطب بنت رئيس الوزراء؟!.. هتعمل مشاكل لنفسك أنت في غنى عنها.. خلينا نساعدها هي ووالدتها ونمشيهم من هنا.. أكتر من كده هتبقي بتجازف بكل حاجة.. أنا خايفة عليك يا حبيبي."
ربت "فارس" على يدها برفق، ورفع يده ومسح عبراتها التي هبطت على وجنتيها ببطء مدمدماً:
"اممم.. خايفة عليا يا ديجا؟!.. شكلك نسيتي ابنك يبقى مين!"
أنهى جملته، واختفى داخل غرفة الاستحمام ذات الزجاج العاتم الذي يمنع الرؤية.
بينما توجهت "خديجه" نحو غرفة الملابس.. أحضرت له ثيابه وعادت مرة أخرى، وتحدثت بفضول قائلة:
"طيب فهمني يا ابني.. انت ناوي على إيه بالظبط، واشمعنى البنت دي اللي طلبتها للجواز على طول كده؟!"
"بختار واحدة تنفع تكون أم ولادي يا ديجا، و إسراء أنسب واحدة شوفتها لغاية دلوقتي."
قالها "فارس" بصوت عالٍ نسبياً لتستطيع "خديجه" سماعه من صوت هديل المياه الغزيرة المنسكبة فوقه.
"إسراء!!!.. دي اللي اختارتها تكون أم أحفاد الدمنهوري يا فارس؟!"
أردفت بها "خديجه" بذهول، وعدم تصديق.
ليغلق "فارس" المياه.. ومد يده لمئزر الحمام ارتداه على عجل، وسار للخارج.
لت تعطيه "خديجه" ثيابه ببعض العنف، وهي ترمقه بنظرات عاتبة.
أخذها منها، وسار لغرفة الملابس اختفى بداخلها، وتحدث بتعقل، وهو يرتدي ثيابه:
"أيوه إسراء يا ديجا.. البنت دي جميلة فوق الوصف.. مش بس شكل.. لا كمان معدنها نضيف، ويمكن نادر.. انتي متخيلة يا ديجا إن رغم فقرها الشديد دا وتقريباً مش لاقية تاكل إلا إنها محافظة على شرفها.. في غيرها عندهم كل حاجة ومع ذلك معندهمش ريحة الشرف."
انتهى من ارتداء ثيابه المنمقة.. عبارة عن سروال جينز بلو بلاك، وكنزة زرقاء وحذاء رياضي أبيض اللون ذات ماركات عالمية.
اقترب من المرآة وبدأ يمشط شعره بعناية حتى انتهى، وأمسك زجاجة العطر الخاص به نثر منه بكثرة، والتفت ينظر للشاشة التي تظهر غرفة ساحرته وتابع بابتسامة إعجاب قائلاً:
"شوفتي إسراء جميلة إزاي وهي في عز تعبها."
اقترب للشاشة وتأمل "إسراء" الجالسة على الفراش بجوار والدتها.. شعرها الحريري متناثر على وجهها الملائكي بأعين منبهرة مكملاً:
"عايزك تتخيليها يا ديجا.. لما تبقي مرات فارس الدمنهوري.. هخليها ملكة.. ملكة جمال، وهتكون ملكي لوحدي."
تلاشت ابتسامته، وحل مكانها الغضب، وهو يرى "إسراء" تغادر الفراش بضعف، وسارت نحو ثيابها، وبدأت ترتديها.
رفع "فارس" الصوت ليتمكن من الاستماع لحديثهما.. ليصطك على أسنانه حين استمع لصوتها الرقيق تقول بتعب:
"اطمني يا ماما هنمشي من هنا ومحدش هيقدر يمنعنا، ولا حتى اللي اسمه فارس السافل دا."
شهقت "خديجه" بصوت خفيض وبذهول قالت:
"عرفت منين إنك سافل يا ولد.. أنت عملت إيه بالظبط لما كنت عندها في الأوضة؟!"
"أنا لسه معملتش حاجة يا ديجا.. بس شكلي هوريها سافلتي حالاً."
قالها "فارس" وهو يسير لخارج جناحه بخطوات مسرعة.
***
بمنزل تامر..
تجلس "إيمان" حاملة الصغيرة "إسراء" وتضمها بحب شديد، وتنظر لزوجها الجالس بعيداً عنهما.. واضع رأسه بين كفيه، ويبكي بصمت.
بكت زوجته لبكائه، وبصوت حنون قالت:
"وحد الله يا تامر.. وفهمني إيه بس اللي حصل يوصلك للحالة دي؟!"
"أخويا "رامي" كان زينة الشباب.. طول عمره ماشي بما يرضى الله.. عمره ما أذى حد، ومن أول ما خطب وهو اتكفل بخطبته، وأمها كمان.. كان بيشتغل 16 ساعة علشان ميحرمهاش من حاجة.. عمره ما قصر معاها علشان تتسبب بموته، وتمرمغ شرفه بالمنظر دا."
أردف بها "تامر" بقهر، وحزن شديد.
لتسرع "إيمان" بالرد عليه بلهفة قائلة:
"لا يا تامر أوعى تظلم.. إسراء عمرها ما تعمل كده أبداً.. دي كانت روحها في أخوك و؟!"
"اخررررررسي."
صرخ بها "تامر" جعل زوجته تنكمش بخوف، وتضم الصغيرة التي انتفضت بفزع، وتربت على ظهرها بحنان بالغ.
ليتابع "تامر" بذهول مقارب للجنون:
"دي في قصر عاشقها يا هانم، وبعتت خدت أمها."
وجه نظره للصغيرة، وتابع بأسف:
"وسابت بنتها كأنها ما صدقت تخلص من البت.. زي ما خلصت من أبوها."
اشتعلت عيناه بنيران حارقة، وتابع بوعيد:
"بس وحياة حرقة قلبي على أخويا الوحيد اللي موتته في عز شبابه ما هسيبها."
***
بمكان آخر..
"يعني البت الصغيرة في بيت عمها دلوقتي؟!"
قالها "سيد" بتساؤل.
ليجيبه "عماد" قائلاً:
"أيوه يا فخامة.. أنا موصله بنفسي، وسايب رجالي بتراقبه."
أردف "سيد" بأمر:
"ميغبش عن عينك لحظة واحدة، وقصر الدمنهوري يتراقب 24 ساعة.. أول ما أم البت تظهر جبهالي علشان أعرف منها بطريقتي قالت حاجة لفارس باشا ولا لأ.. لو معرفتش تجبهالي.. متسبهاش عايشة.. تجبلي خبرها.. مفهوم."
"عماد."
"مفهوم يا فخامة.. بس كله بتمنه."
***
بغرفة إسراء..
"أنا خايفة عليكي من اللي اسمه فارس دا يا إسراء.. دا بيقولي ملكيش حرية الرفض."
قالتها "إلهام" بصوت متحشرج بالبكاء.
اقتربت منها "إسراء" بخطوات مرتجفة تظهر مدى تعبها.. بعدما انتهت من ارتداء عباءتها، ولف حجابها.
جلست جوارها على الفراش، وتحدثت بضعف قائلة:
"متخفيش يا ماما.. لو هو قوي.. ف ربنا أقوى منه."
"إلهام" بتنهيدة:
"ونعم بالله يا بنتي.. بس ربنا قال اعقلها وتوكل.. دلوقتي أنا وانتي لوحدنا، وتامر الشر مالي عينه نحيتك يا بنتي، وعايز يأذيكي، وفارس دا شكله جريء أوي ومش زينا خالص.. بس قلبي بيقولي إنه عمره ما هيأذيكي مش عارفة ليه."
جذبت "إسراء" الكرسي المتحرك الموضوع جانب الفراش، وتحدثت بهدوء قائلة:
"اللي ربنا معاه.. مفيش عبد يقدر يأذيه.. خلينا نمشي من هنا يا ماما.. بنتي واحشتني."
"هجبهالك لحد عندك.. لكن انتي مش هتخطي بره القصر."
أردف بها "فارس" بعدما فتح باب الغرفة دون استئذان كعادته، واندفع للداخل حتى أصبح على مقربة من ساحرته.
شهقت "إلهام" بعنف من وجوده المفاجئ.
بينما "إسراء" ثابتة ترمقه بنظرات محتقرة تروقه كثيراً، وبقوة قالت:
"أنا هخرج من هنا أنا وأمي، ومحدش هيقدر يمنعنا يا عديم الذوق والأخلاق.. اللي وصلت بيك الجرأة تجيبني بيتك، وتحضني قدام أمي بمنتهى الوقاحة."
جحظت أعين "إلهام وخديجه".
"متغلطيش، والزمي حدودك وأنتي بتتكلمي معايا."
أردف بها "فارس" بنبرة محذرة، وهو يرمقها بنظرات حارقة تظهر مدى غضبه.
ابتعدت "إسراء" عن عينيه المحاصرة لها، وتحدثت بحدة قائلة:
"أنا مبغلطتش في حد."
نظرت له بابتسامة مزيفة، وتابعت بقوة أذهلته:
"بس مبصكتش للي يغلط فيا، وبالنسبة لحدودي فأنا عرفها كويس.. فلزم أنت حدودك معايا يا فارس بيه."
ابتسم لها ابتسامة مخيفة، وهو يقترب منها بخطوات بطيئة مريبة حتى أصبح أمامها مباشرة، ومال عليها مغمغماً بغرور:
"فارس الدمنهوري ملوش حدود يا."
تأمل محياها بنظرات وقحة جعلت وجنتيها تتورد بحمرة الخجل لشدة خجلها، وتابع بتلذذ:
"ساحرة."
عقد حاجبيه، وهو يرى الدماء تنسحب من وجهها، وحل الشحوب الشديد على ملامحها، وبدأ يظهر على محياها بوادر ألم يجتاحها.
لانت ملامحه ونظر لها بلهفة فشل في إخفائها، وتحدث بهدوء قائلاً:
"اقعدي، وارتاحي انتي لسه تعبانة، وليكي علاج لازم تاخديه."
همت "إسراء" بالرد عليه ولكنها تأوهت بألم حاد، ورفعت يدها أمسكت معدتها مرددة بضعف:
"ااه بطني.. الحقيني يا ماما."
بلمح البصر كان جذبها "فارس" لداخل حضنه، وتحدث بأمر موجهاً حديثه لـ "خديجه":
"ديجا هاتي الدكتورة بسرعة."
"ابعد إيدك عني."
همست بها "إسراء" بصوت يكاد يسمع، وهي تدفعه عنها بوهن شديد، وبصعوبة تابعت:
"عايزة أرجع."
حملها "فارس" وسار بها بخطوات مهرولة لحمام الغرفة، ومن ثم نحو المرحاض، وعدل وضعها جعل ظهرها مقابل صدره.
لتبدأ هي بالتقيؤ بقوة، وتتأوه بصوت عالٍ.
بكت "إلهام" بنحيب وهي ترى مدى تدهور حالة وحيدتها.
بينما "فارس" جلس بها أرضاً.. وبدأ يبعد عنها حجابها حين شعر بها لا تستطيع التنفس، وتحدث بأذنها بنبرة حانية عكس صرامته وحدته منذ قليل قائلاً:
"أهدي يا إسراء، وخدي نفسك واحدة واحدة متخفيش."
حاولت تدفعه بعيداً عنها، ولكنه زاد من ضمها مغمغماً:
"قولتلك متخفيش مني.. مش هأذيكي، وانتي تعبانة كده.. عايزك تخفي، وترجعي شرسة علشان أنا بحب الشراسة."
شعرت بدوار يجتاحها بعنف.. فرتمت بجسدها عليه، بهمس قالت:
"أنا بكرهك."
هب واقفاً بها، وقام بغسل وجهها، وفمها بالمياه بنفسه تحت أنظار "خديجه" المنذهلة، وسار بها للخارج، وهو يهمس بأذنها:
"هعرف إزاي أخليكي تعشقيني.. مش بس تحبيني يا ساحرة."
رواية غرام المغرور الفصل الثامن 8 - بقلم نسمة مالك
بعد مرور عدة ساعات..
كانت "إسراء" استعادت قوتها قليلاً بعدما أخذت دوائها اللازم.
بينما ظل "فارس" جالس بجوارها على الفراش، مصطنع البرود واللامبالاة لنظرات "إلهام" الحارقة، وحديثها الصارم.
تقول بتعقل، وهي تجذب الغطاء على وحيدتها وتدثرها به جيداً:
"ميصحش كده يا بيه.. مش معني إننا في بيتك إنك تتحكم فينا وتخدش حيائنا بالشكل دا يا ابني".
"هطمن على إسراء وهخرج على طول يا مدام إلهام".
قالها "فارس" وهو يقوم برفع الغطاء عن وجه "إسراء" التي تختبئ أسفله عن عينيه الجريئة، وتتحدث بغيظ بصوت خفيض يظهر عليه التعب:
"ما تحترم نفسك بقي يا جدع انت، وقوم من جنبي.. انت ايه معندكش حاجة اسمها حياء، ولا خشوع".
جذب الغطاء بعيداً عن وجهها، ومال بوجهه عليها قليلاً، ونظر لعينيها التي تفقده صوابه بفتنان، وتحدث بابتسامة ماكرة قائلاً بهمس:
"دا أنا كده مؤدب معاكي علشان خاطر مخدتش حياء مدام إلهام.. لكن لو عليا عايز استخبي معاكي تحت الغطا والله".
شهقت "إسراء" بعنف، وتحول وجهها لكتلة حمراء، وبلحظة كانت أخرجت يدها السليمة من أسفل الغطاء وهمت بضربه على ملامحه الوسيمة وهي تقول بصوت مرتعش بعدما كادت أن تذوب من شدة خجلها:
"ا ا انت قليل الأدب".
لكنه أمسك يدها، ورفعها على فمه قبل باطنها بعمق، وهو يضحك بصوت عالٍ مستمتعاً بخجلها الذي يجعل قلبه يتراقص فرحاً، وتحدث من بين ضحكاته بصعوبة قائلاً:
"صدقيني أنتي أول واحدة أكون مؤدب معاها كده".
جحظت عينيها من جرأته، وملمس يده الضخمة على يدها الصغيرة، لتلجمها الصدمة أكثر حين شعرت بشفتيه على يدها.
فتوجهت بعينيها لوالدتها التي تنظر لـ"فارس" بفم مفتوح ببلاهة على آخره غير قادرة على استيعاب أفعاله المشينة بالنسبة لها، وتحدثت بصوت تحشرج بالبكاء قائلة:
"الحقيني منه يا ماما.. انتي سكتي ليه بس".
انتبهت "إلهام" على حالها.
استجمعت قوتها، وجذبت "إسراء" عليها حتى أصبحت جالسة على قدمها، ووضعتها برفق بالجهة الأخرى من الفراش، وجلست هي حائل بينهما، وبين فارس الذي يشاهد ما فعلته بنظرات منذهلة.
"يعني هي كده بقت بعيد عني مثلاً؟!".
قالها "فارس" بتهكم.
لتجيبه "إلهام" بحده قائلة:
"اسمع يا أخينا أنت.. احترم نفسك واتقي الله، وبطل اللي بتعمله دا، وملكش دعوة ببنتي خالص علشان متنزلش من نظري".
غمزت له وأكملت بهمس:
"خليني أقف معاك وأخليها توافق على جوازك منها.. بدل ما أقف ضدك".
تهللت أسارير "فارس"، وحرك رأسه لها بالإيجاب، وهب واقفاً، وسار نحو الخارج، وهو يقول:
"انتي تأمريني يا مدام إلهام".
بعدت "إسراء" الغطاء عن وجهها، ونظرت بعين واحدة تتأكد من ذهابه.
لتتفاجأ به يقف على باب الغرفة ينظر لها ببراءة مزيفة، وهو يقول:
"شوفتي يا إسراء أنا مؤدب إزاي وبسمع الكلام وهخرج دلوقتي.. بس طبعاً هرجعلك تاني في كلام كتير لازم أقولهولك وأنتي هتسمعيه، وتنفذيه بالحرف".
غمز لها بعبث مكملاً:
"يا ساحرة".
أنهى جملته وأغلق الباب خلفه.
لتتنهد "إسراء" براحة واعتدلت جالسة وتتحدث بإصرار قائلة:
"إحنا لازم نمشي من هنا يا ماما قبل ما السافل المغرور دا يرجع".
"هنروح فين يا إسراء؟!".
قالتها "إلهام" بأسف، وهي تمسد على شعر ابنتها بحنو.
عقدت "إسراء" حاجبيها، وبدهشة قالت:
"هو إيه اللي هنروح فين يا ماما؟!.. هنرجع بيتنا طبعاً".
حركت "إلهام" رأسها بالنفي وببوادر بكاء قالت:
"مش بالسهولة دي يا حبيبتي".
نظرت لها "إسراء" بعدم فهم.
فتابعت هي بعدما ابتلعت غصة مريرة بجوفها:
"الموضوع طلع كبير أوي.. أكبر مننا وممكن نروح فيها أنا وأنتي وبنتك كمان لقدر الله يا بنتي".
اذدردت "إسراء" لعابها بخوف، وبقلق قالت:
"دا مكنش رأيك أمس، وكنتي بتصحيني علشان نمشي من هنا.. إيه اللي حصل يا ماما.. احكيلي".
بكت "إلهام" واردفت بحسرة قائلة:
"سلفك عرف إنك هنا في بيت صاحب الشركة اللي كان جوزك شغال فيها، ومش بس هو اللي عرف.. دا الحتة كلها، وسمعتنا بقت على كل لسان يا إسراء، وتامر حالف ليخلص عليكي ويغسل عار أخوه".
ضحكت "إسراء" بسخرية ودمدمت بتساؤل قائلة:
"اممم، ومين بقي اللي قالك الكلام الفارغ دا.. أكيد المغرور فارس بيه علشان يلوي دراعنا، ونفضل تحت رحمته هنا صح؟!".
أخرجت "إلهام" زفرة نزقة من صدرها واجابتها بأسف:
"لا مش هو.. أنا اتصلت على "إيمان" من تليفون الست "خديجة" اللي تقرب للواد الجرئ دا علشان أطمن على بنتي، وهي اللي قالتلي".
شحبت ملامح "إسراء" والتزمت الصمت.
لتكمل "إلهام" حديثها بتعقل قائلة:
"لازم نفكر كويس قبل ما نعمل أي حاجة يا بنتي.. أنا مش مستغنية عنك، ولا عن حفيدتي.. أنا عايشة علشانكم يا إسراء".
أنهت جملتها، وأجهشت ببكاء مرير.
لتضمها "إسراء" وتربت على ظهرها بحنان مغمغمة:
"أهدي يا ماما.. أكيد هنلاقي حل".
صوت طرقات رقيقة على باب الغرفة.
جعلت "إسراء" تنتفض بفزع، وتبتعد عن والدتها، وتختبئ سريعاً أسفل الغطاء.
ضحكت "إلهام" من بين دموعها، واردفت بثقة:
"لا دا مش هو المعدول.. هو مبيخبطش وهو داخل.. اطمني".
"معدول إيه بس يا ماما.. قولي معوج.. مايل.. منيل".
هتفت بها "إسراء" بغيظ شديد وهي تصك على أسنانها.
"ممكن أدخل".
قالتها "خديجة" بنبرة مرحة، وهي تطل برأسها من باب الغرفة.
ابتسمت لها "إلهام" وهي تقول:
"طبعاً يا ست "خديجة".. دا البيت بيتكم، واحنا ضيوف عندكم".
خطت "خديجة" لداخل وأغلقت الباب خلفها، واقتربت منهما جلست أمامهما على الفراش، وتحدثت بابتسامة بشوشة قائلة:
"خديجة بس يا إلهام، وبعدين أنتوا أصحاب مكان، ولا إيه يا إسراء.. طمنيني عليكي عاملة إيه دلوقتي".
لم تجبها "إسراء".
بل تطلعت بها بعينين متسعتين بعدما لمعت برأسها فكرة ستكون منقذها الوحيد، وحسمت أمرها بتنفيذها.
"حضرتك والدة فارس بيه؟!".
أردفت بها "إسراء" بلهفة.
لتبتسم لها "خديجة" ابتسامة تخفي بها حزنها وهي تقول:
"لا يا حبيبتي.. أنا عمته، وفارس بيعتبرني زي مامته".
وجهت "إسراء" نظرها للهاتف الذي بيد "خديجة" وهمست بخجل:
"طيب ممكن أعمل مكالمة أطمن على بنتي؟!".
"طبعاً ممكن.. اتفضلي".
قالتها "خديجة"، وهي تعطي لها الهاتف بعدما قامت بفتحه.
طلبت "إسراء" الرقم الوحيد الذي تحفظه.
ليأتيها الرد على الفور.
"الوو أيوه يا خالتي إلهام.. طمنيني إسراء فاقت ولا لسه".
أجابتها "إسراء" قائلة:
"أنا إسراء يا إيمان".
بكت "إيمان" وهي تقول بلهفة:
"إسراء.. انتي كويسة يا حبيبتي؟!".
"الحمد لله على كل حال.. طمنيني على بنتي.. بتعيط يا إيمان".
"بتعيط شوية، وبتلعب شوية.. متخفيش أنا معاها وأكلتها وحميتها وحطاها جوه عنيا.. بس المهم انتي أوعي تيجي يا إسراء.. تامر قايد نار، وحالف ليرتكب جناية لو شافك".
اعتلت ملامح "إسراء" الغضب وهي تقول:
"هيقولي إيه يعني.. فهمي جوزك إني معملتش حاجة غلط يا إيمان".
صمتت لبرهة، وأكملت بجملة جعلت عيني "خديجة" تتسع على آخرها حين قالت:
"أنا بشتغل عند الست خديجة خدامة علشان أصرف على علاج أمي وبنتي يا إيمان".
شهقت "إيمان" بعنف مردفة:
"خدامة يا إسراء؟!".
"إسراء" بقوة مزيفة:
"أيوه خدامة.. لا عيب، ولا حرام مدام بالحلال، واعملي حسابك وعرفي جوزك إنني هاجي آخد بنتي".
"علشان خاطر ربنا بلاش تيجي دلوقتي يا إسراء.. أنا خايفة عليكي يا حبيبتي، واطمني على بنتك، والله أنا بعتبرها بنتي وانتي عارفة يا إسراء.. خليكي عندك، وأنا هحاول أجبهالك.. بس انتي خليكي.. علشان متحصلش مصيبة، ونرجع نندم كلنا".
ترقرقت عيني "إسراء" بالعبرات، وبصوت اختنق بالبكاء قالت:
"طيب بوسيهالي، واحضنيها أوي يا إيمان على ما أشوفها".
"عنيا يا حبيبتي، وانتي خلي بالك من نفسك وابقي طمنيني عليكي علشان أنا لازم أقفل.. تامر شكله جه.. سلام دلوقتي".
أغلقت "إسراء" الهاتف، وأعطته لـ"خديجة" مغمغمة:
"شكراً".
"على إيه بس يا إسراء، وليه قولتي إنك بتشتغلي هنا.. انتي متعرفيش إن فارس طلب إيدك من والدتك؟!".
قالتها "خديجة" بهدوء، وهي ترمقها بنظرات متفحصة.
تود رؤية رد فعلها.
"مستحيل أتزوج بعد جوزي الله يرحمه.. هو كان آخر الرجال المحترمين بعد والدي الله يرحمه هو كمان، وبنظري مبقاش في رجال خلاص في الدنيا دي، وخصوصاً فارس بيه المغرور بزيادة".
قالتها "إسراء" بحدة، وملامح جامدة رغم عبراتها التي تهبط على وجنتيها ببطء.
"انتي عارفة لو فارس سمع كلامك دا هيعمل فيكي إيه؟!".
أردفت بها "خديجة" بنبرة محذرة.
أخذت "إسراء" نفساً عميقاً، وتحدثت بقوة زائفة قائلة:
"مبخافش غير من اللي خلقني، ولو حضرتك معندكيش شغل ليا.. قوليلي وأنا هدور على مكان تاني أسترزق منه.. لو عندك يبقي جزاكي الله كل خير، وجميلك هفضل شايلاه على راسي العمر كله".
نظرت لها "خديجة" بنظرات منذهلة مرددة:
"بترفضِ تبقي صاحبة القصر، وعايزة تشتغلي خدامة فيه؟!".
أطبقت "إسراء" جفنيها بعنف، وفتحت عينيها، ونظرت لـ"خديجة" تستجديها قائلة:
"أنا طالبة مساعدتك.. فارس بيه شكله مش هيسبني أخرج من هنا بسهولة، وحضرتك بتقولي إنه بيعتبرك زي مامته.. يبقى أكيد ليكي كلمة عليه.. فارجوكي احميني منه.. يا تخرجيني من هنا.. أو توافقي أشتغل عندك".
احتضنت "خديجة" وجهها بين كفيها، وتحدثت بأسف قائلة:
"حبيبتي لا أنا ولا غيري لينا كلمة على فارس، ورفضك ليه دا هيسبب مشكلة مش هينة.. فنصيحتي ليكي تفكري كويس، وبلاش تعاندي".
هبت واقفة، وسارت نحو الخارج وهي تقول:
"فكري كويس يا إسراء، وأنا هبعتلكم العشا علشان تاخدي علاجك".
استدارت ونظرت لها نظرة ارتعد منها قلب "إسراء" وأكملت بابتسامة مصطنعة:
"وأوعي تقولي الجملة بتاعت مفيش رجال دي قدام فارس.. صدقيني هتزعلي أوي من رد فعله، واللي هيعمله وقتها".
وجهت نظرها لـ"إلهام" وتابعت:
"عقليها يا إلهام".
أنهت جملتها، وسارت للخارج غالقة الباب خلفها.
"أنا ليه بيحصلي كل دا؟!".
همست بها "إسراء" بصعوبة من بين شهقاتها الحادة.
لتزيد والدتها من ضمها، وتربت على ظهرها بحنو متمتمة بصوت متحشرج بالبكاء:
"استغفري ربنا يا بنتي، وارضي وقولي الحمد لله، وبمشيئة الله ربنا هينصرك".
تأوهت "إسراء" بقوة، وبنحيب قالت:
"أنا خايفة يا ماما.. لو كدبت على نفسي مش هكدب عليكي انتي.. أنا مرعوبة من فارس المغرور دا.. مش عارفة هو ناوي يعمل إيه معايا بعد اللي عملته، وقولته لعمتو، وأكيد هي هتقوله".
رفعت وجهها ونظرت لوالدتها بأعين تغرقها الدمع، وتابعت بلهفة شديدة:
"خوفي عليكي انتي وبنتي أكتر من خوفي على نفسي.. لو عليا أنا بتمنى أموت وأرتاح".
"بعد الشر عليكي.. دا أنا ما صدقت لقيتك يا ساحرة".
همس بها "فارس" الذي يتابع حديثهما باهتمام، وقلب زحف له القلق حين رأى بكاء ساحرته الذي يهدد بالانهيار.
رواية غرام المغرور الفصل التاسع 9 - بقلم نسمة مالك
"خديجه" تقف خلف "فارس" الجالس يتابع ساحرته باهتمام عبر الكاميرا الموجودة بغرفتها، والموصلة بشاشة داخل جناحه الخاص.
عقدت يديها أمام صدرها، وتحدثت بنفاذ صبر قائلة:
"وبعدين معاك يا فارس؟ أنا أول مرة أشوفك مهتم بواحدة بالشكل ده حتى بعد اللي قالته عنك دلوقتي؟"
"قالت إيه يا ديجا؟ أنا كان معايا تليفون شغل، ومسمعتش حوارك معاها."
قالها "فارس" وعيناه لم تتزحزح عن "إسراء".
جلست "خديجه" بجواره، وربتت على كتفه برفق مردفة براحة:
"أنا برضه قولت إنك أكيد مسمعتش، وإلا كان زمانك عامل مصيبة إحنا في غنى عنها."
ابتسم "فارس" بتهكم وهو يقول:
"هي لدرجاتي غلطت فيا ولا إيه؟"
أجابته "خديجه" بتعقل قائلة:
"البنت شكلها تعبانة قوي وقلبها مجروح جرح مش هين، وأكيد كلامها مش قصدها، ولا فاهمة معناه، وأنت لازم تفكر كويس جداً في حكاية جوازك منها دي.. لأنها للأسف بحالتها دي، واللي قالته صعب توافق عليك أو على غيرك حتى.. فبلاش تحرج نفسك معاها يا حبيبي."
هب واقفاً، وسار نحو الشاشة ببطء.
قام بتصويب الكاميرا على ساحرته فقط، حتى أصبح وجهها الملائكي الباكي ظاهر بوضوح.
رفع يده ومسح على وجنتيها كأنه يزيح عبراتها بمنتهى الرقة.
وتحدث بدهشة من نفسه وأفعاله قائلاً:
"أنا نفسي مستغرب اللي حصلي من ساعة ما شفتها يا ديجا.. هي فعلاً ساحرة.. ساحرتني بجمالها الصافي، وأخلاقها اللي مقبلتش زيها في حياتي قبل كده."
أخذ نفساً عميقاً، وتابع بأسف:
"كل الستات اللي اترمت في طريقي معظمهم عرضوا نفسهم عليا من غير جواز حتى، اللي طمعانة في فلوس، واللي شغالة لحساب أعدائي، وبنت رئيس الوزراء دي خطوبتنا مجرد بسنس وبس."
طرد زفرة نزقة وأكمل بتنهيدة:
"ومش هكون مثالي وأقولك إني مستغلتش شوية من الستات الرخيصة دي لحسابي.. بس خلاص.. العمر بيجري وأنا بقيت عندي 33 سنة ولسه مجبتش وريث لأملاك الدمنهوري، وإسراء ظهرتلي في الوقت المناسب.. وقت عايز فيه إنسانة تاخد بأيدي للصح وتمنعني عن أي غلط بعمله يا ديجا."
رفعت "خديجه" حاجبيها بدهشة، ورمقته بنظرات منذهلة وهي تقول:
"وتفتكر إسراء هي الإنسانة دي يا ابني؟"
ابتسم "فارس" لها ابتسامة هادئة، وحرك رأسه بالإيجاب عدة مرات وهو يقول:
"هي يا ديجا هي.. قدرت تعمل اللي قبله فشلوا فيه."
صمت لبرهة وتابع بفرحة غامرة اعتلت ملامحه الوسيمة:
"خطفت أنفاسي، ونبض قلبي من أول لحظة وقعت عيني عليها."
حركت "خديجه" رأسها بالنفي واقتربت منه وضعت كف يدها على جبهته وتحدثت بشك قائلة:
"لا لا لا.. أنت مش طبيعي أبداً.. فارس الدمنهوري طول عمره ملوش في الكلام الرومانسي، ولا حركات الرجالة الحبيبة دي.. أكيد في حاجة غلط."
رفع "فارس" إحدى حاجبيه ونظر لها بفخر قائلاً:
"ده أنا ليا وليا كمان.. وعندي بحور رومانسية شيلها للحبايب يا ديجا."
دمدمت "خديجه" بصوت هامس محدثة نفسها:
"اممم ربنا يستر.. شكلنا داخلين على بحور فعلاً، وعلى الله محدش يغرق."
بينما عاد "فارس" يتابع ساحرته باهتمام، وابتسامة بدأت تختفي شيئاً فشيئاً حين استمع لحديثها الباكي الذي يدل على شدة حزنها، وألم قلبها.
***
بغرفة إسراء..
كانت "إلهام" يعتصر قلبها بألم حاد على بكاء وحيدتها.
ليس بيدها أي شيء تقدمه سوى الدعاء لها وضمه لحضنها، والبكاء معها.
تلك الفتاة الصغيرة التي أصبحت بين ليلة وضحاها.. أرملة ومسؤولة عن ابنتها، ووالدتها أيضاً.
دفنت حزنها بين ثنايا روحها.
جاهدت حتى تظهر قوية بعدما رأت نظرة بعض أشباه البشر لها.
نظرة كالسوط تجلد جسدها، وتمزق قلبها.
وبالأخير وقعت تحت رحمة "فارس" ذلك المغرور كما تطلق عليه هي.
بنظرها الحياة ليست عادلة، ولكنها على يقين أن الله الذي خلق هذه الحياة سيكون عادلاً، ورحيماً بها.
أطبقت جفنيها ببطء حين داهمتها ذكرى زوجها الخلوق.
الرجل الذي تفنن بعشقها.
رغم ضيق الحال، والظروف الكثيرة الصعبة التي مرت عليهما أثناء فترة زواجهما القصيرة إلا أنه كان سنداً لها عند ضعفها.
ظلاً تستضيء به في الهموم والأحزان.
مصدر قوتها وأمانها.
لينتهي كل هذا وتصبح وحيدة من دونه بعدما حرمت منه للأبد.
بكت "إسراء" داخل حضن والدتها.
ملجأها الوحيد.
تتمسك بها بكل قوتها مردفة بغصة مريرة:
"أنا مش حمل كل اللي بيحصلي ده يا ماما.. جوزي حب عمري يموت في عز شبابه.. ويسبني لوحدي في الدنيا القاسية دي.. أنا من غيره بقيت ضهري مكسور."
رفعت وجهها ونظرت لها بعينين شديدة الاحمرار، وتابعت بصعوبة من بين شهقاتها:
"من يوم ما مات وأنا بلف حوالين نفسي في دايرة مقفولة مش عارفة أخرج منها، وقولت أعمل محاولة وأروح لصاحب الشركة يمكن ربنا يجعله سبب وأقدر أصرف معاش رامي."
ازداد نشيجها وأكملت بأسف:
"بس طلع معندوش قلب وخلى الحرس بتوعه يضربوا عليا نار.. أنا كدبت عليكي.. هو مكنش ذوق ولا نيلة معايا يا ماما."
شهقت "إلهام" بصدمة مرددة:
"يا كبدي يا بنتي."
مسحت "إسراء" عبراتها بظهر يدها بطفولة، وتابعت بغيظ:
"ودلوقتي جابني البيت عنده هنا علشان يعرف مني اللي جوزي شافه عنده في الشركة وقالي عليه قبل ما يموت."
عقدت "إلهام" حاجبيها، ونظرت لها بقلق وتحدثت بتساؤل قائلة:
"وهو عرف منين إن جوزك قالك حاجة عن شغله يا إسراء؟"
زَمت "إسراء" شفتيها وأجابتها بملامح عابثة:
"أنا اللي قولته قدام الحرامي اللي بيسرقه واللي عامل مصايب في شركته من ورا ضهره علشان أحرق دمه زي ما سيح دمي وخت 6 غرز مش عايزين يخفوا لحد دلوقتي."
"يالهوي على هبلك يابت.. بقي علشان تحرقي دمه توقعي نفسك مع واحد حرامي ممكن ينتقم منك ويعمل فيكي حاجة يا إسراء؟"
أردفت بها "إلهام" بعتاب وهي تخبط على صدرها بخوف وفزع شديد.
عضت "إسراء" على شفتيها، وبإحراج قالت:
"أنا عارفة إني اتغبيت وقتها، وغضبي وغيظي عمياني ومبقتش عارفة بقول إيه.. بس ده ميدلوش الحق إنه يبقى مراقبني في كل خطوة بعدها لحد ما استغل تعبي وجابني على بيته."
وضعت "إلهام" أصابعها أسفل ذقنها تفكر بحديث ابنتها بتتمعن، وتحدثت قائلة:
"يبقى أنا نظرتي في فارس ده صح.. الراجل فعلاً طلع عايز يحميكي بعد كلامك اللي قولتي قدام الحرامي."
صكت "إسراء" على أسنانها بغيظ متمتمة:
"يا سلام يا ست لوما، وهو عشان يحميني يقوم يتجوزني؟"
ضحكت "إلهام" بقوة وامسكت وجنتيها بين أناملها تداعبها بلطف وهي تقول بخبث:
"ما أنتي عجبتيه، ودخلتي دماغه، وبإذن الله هتعشش في قلبه قريب أوي يا كبد أمك، وأنا قلبي مطمني ليه مش عارفة ليه يا بت يا أم إسراء مع إنه بجح وجريء ومبيتكسفش خالص سبحان الله."
رفعت كلتا يديها للسماء ودعت من صميم قلبها قائلة:
"يارب لو فارس ده خير لبنتي اجعله من حظها ونصيبها، وعوض وفرحة لقلبها يمحو حزنها وتفرح معاه بشبابها يااااااارب."
ترقرقت عينا "إسراء" بالعبرات، ونظرت لها بعتاب قائلة:
"أنتي بجد عايزاني اتجوز بعد رامي الله يرحمه، وأكون لواحدة غيره يا ماما؟"
ربتت "إلهام" على كف يدها بحنان، وبتعقل قالت:
"يشهد ربنا يا بنتي إن موت رامي شق قلبي عليه كأنه ابني اللي مخلفتهوش، ولو كانت ظروفنا أحسن من كده، وأنا سليمة ومش حمل عليكي بمرضي؟"
أسرعت "إسراء" بوضع يدها على فمها توقفها عن تكملة حديثها، وهي تقول بلهفة:
"أنتي عمرك ما كنتي حمل عليا يا ماما.. ده انتي وبنتي أهلي، وناسي وعزوتي اللي مليش غيرهم في الدنيا.. ربنا ميحرمنيش منكم أبداً يا حبيبتي."
جذبتها "إلهام" لحضنها.
تضم رأسها بحنان بالغ، ولثمت جبهتها بحب وهي تقول:
"ولا يحرمني منكم يا ضنايا.. بس اسمعيني وافهمي كلامي كويس يا بنتي.. أنا عمري ما هضرك، ولا هسيبك تضري نفسك.. إحنا حالنا دلوقتي لا يسر عدو ولا حبيب، وأنتي لفيتي على شغل ياما ومافيش حاجة نافعة معاكي، وأنا لو كنت أقدر أشتغل كنت ساعدتك وشلت عنك شوية بس ما باليد حيلة. الحمدلله على كل حال."
وضعت أناملها أسفل ذقنها جعلتها تنظر لها وتابعت بصوت متحشرج بالبكاء:
"أنتي لسه صغيرة والحياة قدامك.. متدفنيش شبابك بحزنك، وأدي لنفسك فرصة تانية يا بنتي يمكن يكون فيها خير وفرح لقلبك."
حركت "إسراء" رأسها بالنفي، وهمت بالاعتراض.
لتسرع "إلهام" قائلة بأمر:
"متستعجليش وفكري الأول، بطلي عياط وفوقي لنفسك انتي مش بطولك عشان تاخدي قرار لوحدك.. أنا وبنتك متعلقين في رقبتك، واللي هتعمليه هيعود علينا كلنا.. فقومي اتوضي ووضيني معاكي واوقفي بين إيد ربنا واطلبي منه يوفقك للصالح."
"إسراء" بطاعة:
"ونعم بالله العلي العظيم.. حاضر يا ماما هتوضي، وأساعدك تتوضي، ونصلي سوا."
اعتلى وجهها غضب مفاجئ وتابعت بإصرار:
"ولو ست خديجة موافقتش تشغلني.. يبقى هاخدك ونمشي من هنا غصب عن عين اللي اسمه فارس بيه ده."
بينما "فارس" يتابع حديثهما باهتمام شديد.
ومن ثم اتجه لخارج جناحه قاصداً غرفة ساحرته.
وعلى وجهه ابتسامة متسعة تظهر مدى استمتاعه بالحديث مع تلك المشاكسة.
***
"إيمان".. تتابع "تامر" زوجها المحتضن "إسراء" الصغيرة ويمسح على ظهرها بحب، ويقوم بإطعامها بنفسه، ويداعبها فتدوي صوت ضحكاتها البريئة تدخل السرور على قلب من يراها.
اعتلت ملامحها ابتسامة حزينة تخفي بها عبراتها التي ملأت عينيها، وتنهدت بصوت عالٍ.
واقتربت ببطء جلست جوارهما بعدما شعرت أن نوبة غضب زوجها هادئة الآن.
تتأمله بأعين عاشقة.
تشتاقه حد الجنون.
منذ موت شقيقه من ثمانية أشهر، وهو تبدل حاله معها.
أصبح شخصاً آخر غير حبيبها الذي كان لا يطيق الابتعاد عن حضنها ليلة واحدة.
اقتربت منه قليلاً حتى أصبحت تفصلهما بضعة إنشات، وأغمضت عينيها لتهبط دمعة حارقة على وجنتيها مسحتها سريعاً وأخذت نفس عميق تستنشق عبق رائحته التي تتوق لها.
غير منتبه هو لها.. أو مصطنع عدم الانتباه.
انتفضت بفزع، وكتمت شهقة خافضة حين تحدث بأمر قائلاً:
"قومي حضري لنا العشا عشان البت شكلها جعانة."
قالها "تامر" بنبرته الصارمة، والتي أصبحت جافة مع زوجته طيلة الفترة الأخيرة.
كأنه شعر بقربها واشتياقها له فقرر إبعادها عنه.
ظلت جالسة بمكانها جواره تنعم بقربه للحظات.
تستجدي قلبه أن يرأف بها.
رسم الغضب على ملامحه واستدار فجأة ينظر لها نظرة دبّت الرعب بأوصالها.
وبغضب مكتوم قال من أسفل أسنانه:
"أنا مش قولت اتزفتي قومي حضري لنا عشا عشان البت جعانة.. إيه مسمعتيش؟"
ظنت أنه سيضربها كعادته مؤخراً.. لا يتحدث بلسانه.. فقط بيده.
فرفعت يدها بتلقائية، وأخفت وجهها بخوف مرددة بطاعة:
"حاضر يا تامر.. هقوم."
جحظت عيناه من رد فعلها، وما أوصلها إليه.
أسرعت هي، وانتفضت واقفة، وسارت نحو المطبخ بخطوات مهرولة.
أمام نظراته المنذهلة.
لتتوقف فجأة دون أن تلتفت له، وقد أغرقت عبراتها وجهها، وتحدثت بصوت جاهدت لإخراجه طبيعياً لكنه خرج مرتجفاً يظهر به كم قهرها، وحزنها.
"تامر أنا عارفة إن علاجي طول أوي.. أكتر من 4 سنين بتعالج، ومافيش نتيجة، وشكلي مش هقدر أخلف أبداً."
تشنج جسد "تامر" وهو يستمع لحديثها الذي أعاد عقله له، وجعله يتذكر مرض زوجته، وقلبها المجروح الذي زاد هو جرحه أضعاف بمعاملته لها وابتعاده عنها.
مسحت "إيمان" دموعها بعنف، ورسمت ابتسامة زائفة على ملامحها الحزينة، واستدارت ببطء وتابعت دون أن تنظر له، وألقت جملة جعلته يأنب نفسه على ما أوصلها إليه.
"وأنت من حقك يكون عندك أولاد يشيلوا اسمك.. علشان كده بطلب منك تتجوز يا تامر."
صمتت لبرهة تحاول الحفاظ على ثباتها، وتسيطر على بكائها، وأكملت:
"كنت خايفة أقولك الكلام ده قبل كده لتتجوز واحدة متوافقش إني أفضل على ذمتك، وتخليك تطلقني."
نظرت له بعشق شديد ظاهر بعينيها الحزينة، وتابعت بلهفة:
"وأنا مش عايزة أطلق منك يا تامر.. عايزة أفضل على ذمتك حتى لو اتجوزت عليا."
هبطت عبرتها بغزارة، وبصوت مبحوح قالت:
"أنا بحبك ومليش حد غيرك."
وجهت نظرها للصغيرة المستكينة داخل أحضان عمها، وأكملت بحنو:
"وزي ما قولت قبل كده.. أنت أولى بلحم بنت أخوك."
أخذت نفس عميق، وبقوة مزيفة قالت:
"اتجوّز إسراء يا تامر.. أنت ظلمتها وهي شريفة.. كلمتني وفهمتني كل حاجة وانت عارف إنها لو كدبت على الدنيا كلها مبتكدبش عليا.. قالتلي إنها راحت بيت صاحب الشركة عشان تشتغل خدامة عند مامته و؟!"
قطعت حديثها حين لمحت ملامحه التي تبادلت من الهدوء.. للغضب العارم.
وضع الصغيرة أرضاً بجوار ألعابها الذي جلبها من أجلها، وهب واقفاً وسار نحوها ببطء مريب حتى أصبح أمامها مباشرةً.
ضيق عينيه، ومال برأسه على وجهها وأردف قائلاً بتساؤل:
"عايزني أتجوّز عليكي أرملة أخويا اللي أنتي بتعتبريها أختك يا إيمان؟"
رواية غرام المغرور الفصل العاشر 10 - بقلم نسمة مالك
"عنيده!"
"إيمان".. برغم رهبة الموقف، إلا أنها نظرت له بفرحة غامرة. نطق اسمها بنبرة صوته التي تدغدغ مشاعرها جعل قلبها يتراقص. منذ زمن لم ينطق اسمها بكل هذا الشغف الظاهر بصوته.
عضت شفتيها بخجل من نظرته المتفحصة لملامحها، وقد قرأت ما يدور بذهنه. برفقته هي طيلة الوقت، ولكنه توقف عن النظر لها.
حزنه على شقيقه سيطر عليه جعله منطوي ومبتعد عن زوجته التي تحملت جميع تقلبات مزاجه، وغضبه على أتفه الأسباب حتي وصل به الأمر للضرب في الكثير من الأحيان.
شرد بها وبملامحها الرقيقة الحزينة. رونق وجهها انطفئ. قلة اهتمامه بها جعلها كالوردة الذابلة. فاق من شروده على صوتها الهامس تقول ببكاء:
"أيوه تتجوز إسراء.. هي كمان بتحبني وبتعتبرني أختها ولو وافقت تتجوزك مش هتخليك تتطلقني يا تامر".
رفع يده قاصداً يجذبها لداخل حضنه، لكنها ابتعدت عنه سريعاً ووقفت خلف إحدى الأرائك تحتمي منه، وبرجاء قالت:
"بلاش تضربني قدام البنت الصغيرة ونبي يا تامر مصدقنا تاخد عليك.. مش عايزها تخاف منك تاني".
أطبق جفنيه بعنف يكبح عبراته حين اعتصر قلبه على هيئتها المرتعبة منه. رفع يده، ومسح على وجهه صعوداً بشعره مغمغماً بذهول:
"لدرجاتي أنا كنت وحش معاكي الفترة اللي فاتت دي علشان تخافي مني كده يا إيمان؟!".
رفعت يدها وضعتها على موضع قلبها تحاول بث الطمأنينة لنفسها قليلاً حين شعرت أنها على وشك فقدان وعيها من شدة خوفها، وبأنفاس لاهثة إجابته:
"انت من بعد ما أخوك مات مكنتش بتتكلم معايا يا تامر.. كنت بتضربني بس كأني السبب بموته.. لدرجة اتمنيت أموت أنا كمان علشان أريحك مني".
لهنا ولم يحتمل أكثر. فتح ذراعيه لها وتحدث بلهفة قائلاً:
"تعالي في حضني يا إيمان".
لجمها خوفها منه مكانها. نظرت له بقلق. ليتابع هو بنبرة متوسلة:
"متزعليش مني.. حقك عليا.. بس بلاش بصتك اللي مليانة خوف مني دي يا إيمان.. بتقطعي قلبي".
"سلامة قلبك يا حبيبي"، قالتها "إيمان" وهي تركض نحوه، وارتمت داخل حضنه تضمه بكل قوتها. استقبالها هو بكل ترحاب، غالقاً ذراعيه حولها بحماية، ورفعها بين ضلوعه مدمدمداً بشوق:
"واحشتيني".
بكت بصوت أشبه بالصراخ مرددة بتأوه:
"آه يا تامر.. لو تعرف أنت اللي واحشتني قد إيه".
لكمته على كتفه بقبضة يدها الصغيرة مكملة بأمر:
"أوعى تبعد عني تاني.. ولا تخوفني منك تاني.. أنا مليش غيرك في الدنيا".
ابتعد بوجهه عنها قليلاً ليستطيع النظر لعينيها، وبعتاب همس لها:
"ولما أنتي ملكيش غيري.. عايزاني أتزوج عليكي ليه يا إيمان؟!".
وضعت جبهتها على جبهته، وبألم مبرح يجتاح قلبها همست:
"حقك تبقى أب، وأنا مش أنانية".
لثم جبهتها بقبلة عميقة وبتأكيد قال:
"مستحيل يكون لي زوجة غيرك يا إيمان.. أنا اكتفيت بيكي، وأنتي عارفة ده كويس".
انهمرت عبراتها على وجنتيها، ونظرت له وهمت بالحديث. لكنه رفع يده ووضع أنامله على شفتيها وتابع بأمر:
"مش هيحصل في يوم يا إيمان.. ده وعد مني ليكي.. ولادي لو مش منك إنتي يبقى أنا مش عايزهم، وخلص الكلام على كده".
دوت ضحكاتها بسعادة وذادت من ضمه لها مردفة بدلال:
"وبالنسبة لضرب الحبيب؟!".
ربت على شعرها، وظهرها وبتنهيدة أجابها:
"تنقطع إيدي لو اتمدت عليكي تاني".
قبلت كتفه بعشق وبلهفة قالت:
"بعد الشر عليك".
رفع يده ومسح دموعها وعينيه تتنقل بين عينيها وشفتيها بشوق جارف متمتماً بتساؤل:
"لسه زعلانة مني؟!".
تنحنحت كمحاولة منها لإيجاد صوتها، وهمست بصوت يكاد يسمع:
"تؤ.. مبزعلش منك.. بزعل عليك يا تامر".
تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل حين لف يده حول خصرها جذبها عليه أكثر، ومال بوجهه عليها قاصداً شفتيها.
لتسرع هي وتدفعه بضعف وقد أيقنت لن ينتهي الأمر بمجرد قبلة، والصغيرة بدأت تبكي.
"تامر البنت بتعيط.. خليني أجهز العشا".
حاول السيطرة على فيض مشاعره التي بعثرتها هي، وأخذ نفس عميق مردفاً بنبرة حانية:
"متعمليش عشا، وادخلي البسي، ولبسي إسراء.. هعشيكم عند البرنس، وأفسحكم فسحة معتبرة".
قفزت "إيمان" بين يديه بفرحة طفولية وركضت على الصغيره حملتها وقبلتها بحب، وعادت بها تندس بحضن زوجها وهي تقول براحة بعد شهور من التعب والبكاء:
"الحمد لله.. كنت واثقة إن ربنا هينور بصيرتك، ويحنن قلبك عليا يا تامر".
......................................
أمام غرفة إسراء..
يقف "فارس" برفقة الطبيبة يتحدث معها بأمر قائلاً:
"ادخلي إنتي والمساعدين بتوعك خدي مدام "إلهام" وقوليلها "خديجة" هانم عايزة تتكلم مع حضرتك على انفراد".
"الطبيبة":
"أمرك يا فارس باشا".
كانت "إلهام" تجلس على كرسيها المتحرك بعدما أنهت صلاتها تدعو لوحيدتها من صميم قلبها. بينما "إسراء" مازالت ساجدة تستجدي المولى وتدعوه بإلحاح وبكاء شديد حتي أنها لم تشعر بخروج والدتها من الغرفة.
ظلت على حالها.. منفصلة عن العالم بصلاتها التي أثلجت نيران قلبها. حتى انتهت، وهبّت واقفة حملت مصليتها واستدارت تبحث عن والدتها وهي تقول:
"عندك حق يا ماما.. أنا ارتحت أوي لما وقفت بين إيدين ربنا؟!".
صرخت بهلع، وقفزت بمكانها بخضة حين رأت "فارس" يجلس على مقعد بمنتصف الغرفة، واضعاً ساقه فوق الأخرى بهنجعية، ويتابعها بابتسامة إعجاب فشل بإخفائها.
"إنت إيييييه يا بني آدم إنت؟!".
كادت أن توبخه ولكنها تذكرت أنها داخل منزله. فابتسمت بسخرية مرددة:
"ما أنا اللي غلطانة إني موجودة في بيتك لغاية دلوقتي".
تلفتت حولها تبحث عن والدتها مكمله بتوتر من وجودها معه بمفردها داخل الغرفة.
ازدردت لعابها بخوف حين رأت باب الغرفة مغلق. فردت ظهرها ورفعت رأسها بثقة وشموخ مصطنعة القوة، وأكملت بحدة:
"ماما فين؟!.. خليني آخدها ونمشي من هنا".
أشار لها على مقعد مجاور له وتحدث بهدوء قائلاً:
"تعالي اقعدي خلينا نتكلم يا إسراء".
اقتربت من حذائها، وارتدته على عجل، وسارت نحو باب الغرفة، وهي تقول بغضب:
"مفيش كلام بيني وبينك يا فارس بيه؟!".
ابتلعت باقي حديثها حين وجدته بطرفة عين يقف حائل بينها وبين الباب يمنعها من الخروج. اتسعت عينيها بدهشة من طوله الفاره. شعرت بضآلتها أمامه.
رجعت خطوتين للخلف، وعقدت يديها أمام صدرها ورفعت عينيها الساحرة، ونظرت له بتحدي مردفة بتهكم:
"إنت فاكر إنك هتقدر تمنعني أمشي من هنا؟!".
حك ذقنه بطرف أصابعه، وهو يرمقها بنظرة مسلية، وابتسامة لعوب تزين محياه، وأجابها بثقة قائلاً:
"بغض النظر إني أيوه أقدر أمنعك، وأقدر أعمل حاجات كتير أوي ممكن متخطرش على بالك.. بس خليها بعدين".
شهقت بصوت خفيض، والجمتها الصدمة حين سحبها من معصم يدها وسار نحو المقعد أجلسها عليه، وجلس بجوارها مكملاً بنبرة محذرة:
"دلوقتي الأحسن لكِ إننا نتكلم بالعقل".
صكت على أسنانها بغيظ، وهمت بالصراخ بوجهه. لكنه أشار لها بالصمت، وتابع بوعيد:
"بلاش تختبري صبري عليكي.. لأن محدش هيزعل غيرك في الآخر".
زفرت بضيق، وبنفاد صبر قالت:
"إنت عايز مني إيه بالظبط يا "فارس" بيه؟!".
تأملها بنظرات جريئة، وهو يقول:
"عايزك إنتي يا إسراء".
حجظت عينيها، وتوهجت وجنتيها بحمرة الخجل من وقاحته، وهبّت واقفة واندفعت من أمامه وهي تحدث نفسها بصوت مسموع:
"فعلاً سافل".
لم تسير سوى خطوتين وانقطعت أنفاسها هذه المرة حين جذبها ببعض القوة سقطت جالسة على قدمه ملتفاً بيده حول خصرها، وقربها لصدره، وغمز لها بمكر مردفاً:
"سافل بس لذيذ".
تلاحقت أنفاسها وبدأت تتنفس بصوت مسموع، وصدرها يعلو ويهبط بوضوح، ولكمته بكلتا يديها على صدره كمحاولة منها للفرار من حصاره لها مرددة بذهول:
"إنت اتجننت.. أبعد إيدك عني يا حيوان".
قبض على وجنتيها بأصابعه بعنف، وقرب وجهها من وجهه بالإجبار، وتحدث بغضب من أسفل أسنانه:
"اغلطي تاني، وأنا هعتبرها دعوة منك إني أدوق الشفايف اللي مطيرة عقلي دي، وأنا فعلاً عايزك بس بالحلال.. بدليل إني طلبت إيدك للجواز من والدتك، وصدقيني مش هتندمي.. هعيشك عيشة متحلميش بيها.. مامتك هتعمل العملية في أحسن مستشفى بره مصر، وبنتك هتتعلم أحسن تعليم، وهعتبرها بنتي، وهتكفل بكل مصاريفها".
تحركت بين يديه بهستيرية مرددة بصراخ:
"ابعد إيدك عني بقولك.. إنت أكيد مجنون علشان عايز تتجوز واحدة متجوزة".
لم تستطع الإفلات من بين يديه. بل هدأت حين رأت عينيه اشتعلت بنيران حارقة، وتحدث بنبرة دبت الرعب بأوصالها:
"متجوزة؟!".
قبض على ذراعها بعنف غير منتبه لجرحها الذي لم يشف بعد، وتابع بغضب عارم:
"متجوزة مين انطقي؟!".
"سبني الأول وأنا أقولك"، أردفت بها بألم ظهر على ملامحها. فخفف قبضته عليها قليلاً، وفك يده من حولها على مضض.
ابتعدت عنه هي سريعاً، ووقفت بعيداً عنه، وتحدثت ببوادر بكاء قائلة:
"جوزي يبقى رامي.. أبو بنتي.. هو بالنسبالي لسه عايش.. عايش جوايا.. مبيفرقنيش أبداً، وعلى طول معايا في أحلامي.. فاهم يعني إيه معايا.. يعني مش هقدر أتجوزك إنت أو غيرك، وأنا قلبي وعقلي وجسمي مش ملكي.. ملكه هو.. هو وبس".
يستمع لها بهدوء. حديثها بمثابة سكب الزيت على النيران. صمتت لبرهة تلتقط أنفاسها وتابعت بتأكيد:
"وأنا هفضل مراته وشايلة اسمه لحد ما أروحله".
ضحك باصطناع، وهبّ واقفاً واقتربت عليها بخطوات بطيئة وهو يقول بذهول:
"إنتي مدركة إنتِ بترفضى تبقي مرات مين؟!".
لتتراجع هي للخلف، وأجابته بلا مبالاة:
"أيوه مدركة وكويس أوي، حضرتك فارس بيه الملياردير اللي كل الستات تتمنى نظرة منه.. بس أنا مش من الستات دي.. أنا واحدة زي ما بيقولوا وش فقر.. مش هقدر أرضي غرور معاليك يا باشا وأوافق على عرضك المغري ده.. فسبني في حالي، وخليني أمشي من هنا أنا وأمي، وأوعدك إنك مش هتشوف وشي تاني أبداً".
حاصرها بينه وبين الحائط خلفها. وابتسم لها ابتسامة صفراء وهو يقول بثقة:
"إنتي فعلاً لو خرجتي من هنا مش هشوفك تاني.. لأنك هتتقتلي أول ما تخرجي من باب القصر".
رمقته بنظرة محتقرة وهي تقول:
"مش مستغربة على فكرة ما إنت ضربتني بالنار قبل كده.. عادي إنك تقتلني.. بس الأعمار بيد الله وحده، واللي مكتوب لي هشوفه، ومن فضلك ابعد إيدك دي خليني أعدي".
لكم الحائط بقبضة يده بقوة، وتحدث بصوت عالٍ للغاية يدل على نفاذ صبره، وشدة غضبه:
"إنتي دماغك دي بتفكر إزاي.. فووووقي.. تهورك بالكلام ده خلاكي مستهدفة من ناس عايزين يخلصوا عليكي إنتي، وأي حد تابعك، وأنا عايز أساعدك، وأحميكي يا هانم".
"إسراء" بصراخ:
"لو عايز تساعدني فعلاً يبقى متجبرنيش على الجواز منك، ولو على الحماية فالحامي هو ربنا".
"يا بني آدمة افهمي.. إنتي مش هينفع تخرجي بره القصر، وبنتك أنا حاطط عليها حراسة هي وعمها ومرات عمها كمان.. لحد ما أكتب عليكي، وأجبلك إياها منه".
قالها "فارس" بهدوء رغم شدة غضبه منها.
نظرت له بحزم، وتحدثت بإصرار قائلة:
"أنا مش هتجوزك، ولو هفضل هنا في القصر يبقى سيبني أشتغل عند الست خديجة إن شاء الله خدامة، وساعتها هبقى تحت حمايتك، وآخد مرتب على شغلي أقدر أصرف بيه على أمي وبنتي ويبقى كده كتر ألف خيرك أوي.. غير كده يبقى الله الغني عنك وعن خدماتك يا فارس باشا".
ابتعد عنها وهو يرمقها بنظرات منذهلة. عقله غير قادر على الاستيعاب. أيعقل تلك الساحرة ترفض الزواج من "فارس الدمنهوري"؟
دار حول نفسه، وهو يفرك جبهته، ويحاول التحلي بالصبر حتى لا يكسر عظامها. رفضها له الآن جعل رغبته بها تتضاعف. نظر لها بابتسامة مصطنعة، وتحدث بهدوء ما يسبق العاصفة قائلاً:
"وماله.. موافق يا إسراء.. هتشتغلي هنا في القصر".
شهقت بصراخ حين جذبها فجأة من خصرها حملها بذراع واحد داخل حضنه حتى أصبحت قدمها لم تعد تلمس الأرض، وبوعيد تابع:
"وأنا هعرف إزاي أخليكي تبقي ملكي، ومعايا حتى في أحلامك يا ساحرة".
رواية غرام المغرور الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نسمة مالك
اغتيال!!..
.. مر يومان..
أصبحت "إسراء" بصحه أفضل عن زي قبل بفضل الأهتمام المبالغ فيه من قبل الطبيبات المشرفات على حالتها، وحالة والدتها أيضاً بتعليمات من "فارس" شخصياً..
استيقظت بنشاط من نومها بالصباح الباكر.. توجهت نحو حمام الغرفه اختفت بداخله قليلاً، وخرجت مسرعه بعدما ارتدت كامل ثيابها..
قامت بأداء فرضها بخشوع وقلب ملتاع.. تشتاق لصغيرتها بجنون، ولكنها اتخذت قرارها ستفعل اي شيء وكل شيء حتي توفر لعائلتها الصغيره حياة كريمة مهما كلف منها الأمر..حتي لو على حساب حياتها هي..
"صباح الخير يا ضنايا"..
أردفت بها "الهام" بنبره حانيه، وهي تعتدل جالسه على الفراش.. لتسرع "" إسراء " وتقترب منها تساعدها على النهوض وهي تقول بابتسامة حزينه..
" صباح النور يا حبيبتي "..
ضيقت" إلهام" عينيها ونظرت لها بشك مردفه..
" انتي لابسه كده ورايحه على فين؟!"..
نظرت لها" إسراء " نظرة يملؤها الأسى وقلة الحيله..
لا تعلم من أين تبدأ.. ما يحدث لها لم تكن تتوقعه بيوم..
تشعر أنها مغيبه.. لا تمتلك حق الرفض.. خضعت لعرض ذلك الذي تلقبه بالمغرور مجبره..
أطبقت جفنيها بقوه كمحاوله لمنع عبراتها من الهبوط، وبتنهيده متألمه قالت..
"أنا موافقه اتجوز فارس بيه يا ماما"..
اعتلت ملامح "إلهام" الدهشه لتغير رأيها المفاجئ، وزحف القلق لقلبها جعلها تتحدث بصوت مرتجف قائله..
"انتي غيرتي رأيك ليه؟!.. مش قولتيلي أنك هتشتغلي هنا؟.. صرحيني يا بنتي هو عمل فيكي حاجه يا إسراء لما خدوني عند الست خديجه؟!"..
حركت" إسراء" رأسها بالنفي، واجابتها قائله..
"أهدي يا ماما وأنا هحكيلك.. بس عيزاكي تعرفي أني غيرت رأيي علشانك أنتي وبنتي"..
ربتت" الهام" على وجنتيها بحنان، وببكاء قالت..
" متجيش على نفسك يا بنتي.. متشليش فوق طاقتك، ولينا رب اسمه الكريم قادر يحلها من عنده، وزي ما بيقولوا كل شيء بالخناق إلا الجواز بالاتفاق"..
رسمت" إسراء" ابتسامه زائفه على محياها، وتحدثت بأسف قائله..
" بالظبط كده.. إتفاق.. جوازي من فارس بيه مجرد إتفاق مش أكتر، وهيبقي بعقد ومده محدده كمان أول ما تخلص كل واحد هيروح لحاله"..
نظرت لها" إلهام" بعدم فهم، وبنفاذ صبر قالت..
" انتي بتكلميني بالالغاز.. ما تفهميني يا بنتي تقصدي أيه بكلامك دا؟!"..
أخذت "إسراء" نفس عميق، وبدأت تخبرها عن ما دار بينها وبين المغرور" فارس"..
.. فلاش باااااااااااك..
"وانا هعرف إزاي اخليكي تبقي ملكي، ومعايا حتي في أحلامك يا ساحره"..
همس بها "فارس" أمام شفتيها وهو يزيد من ضمها
لصدره بحميميه شديده..
يتأملها بعينيه بفتنان.. ساحره هي حتي أثناء غضبها.. تأثره بملامحها الملائكيه، وغضبها الطفولي، ورفضها له يشعل نيران رغبته أكثر وأكثر..
حاولت" إسراء" ابعاده عنها بعدما صدمتها جرائته معها جعلتها كمن فقدت النطق ..جاهدت للأفلات من بين يديه لكنها فشلت فشل زريع.. فقد قام بتقيد كلتا يدها بأحكام، ونظر لها بابتسامة لعوب، وتحدث بستمتاع قائلاً..
"لازم تتعودي على وضعنا دا.. لأنه من هنا ورايح هيتكرر كتيرررررر أوي"..
"أنت مجنون"..همست بها "إسراء" بصوت يكاد يسمع، وقد اغرقت عينيها بالعبرات، وبدأ جسدها يرتجف بشدة بين يديه..
اختفت ابتسامته، وتحدث بجديه قائلاً..
"بيكي.. مجنون بيكي يا إسراء"..
تحركت بين يديه بهستريه، واعتلي نشيجها.. ليتابع هو بنبرة محذره قائلاً..
"اسمعيني كويس احسنلك.. أنتي عجباني ودي حاجه مبتتكررش كتير، وأنا طلبتك بالحلال وانتي رفضتي"..
صمت لبرهه، ونظر لعينيها الباكيه بعمق، وتابع بأسف..
"واللي ميجيش مع فارس الدمنهوري بالرضا يجي بالغصب، وأنا مش عايز أخدك بالغصب يا إسراء"..
تنقل بعينيه بين ملامحها ببطء حتي توقف بنظره على شفتيها المرتجفه، وتابع بابتسامة ماكره..
" عايزك بمزاجك.. فخلينا نتفق إتفاق أنا واثق انه هيعجبك"..
"طيب سبني الأول"..
قالتها" إسراء" بنبره راجيه متعمده عدم النظر لعينيه، وملامحها يظهر عليها الاشمئزاز منه مما ازعجه كثيراً .. فصك على أسنانه، وتحدث بغيظ قائلاً..
"مستحيل أسيبك، ولما تتكلمي معايا تبصيلي"..
ضغط على خصرها بعنف محبب مكملاً بأمر ..
" فاهمه"..
تأوهت بصوت خفيض فقدته صوابه، وبضعف همست من بين شهقاتها..
"فاهمه.. بس سبني أيدي المتعوره وجعتني"..
خفف يده حولها، وأنزلها من حضنه على مضض،وهو يقول بصرامه..
"بما إنك متهوره، ومبتفكريش كويس قبل ما تاخدي اي قرار.. رافضه تتجوزيني ،ومصره أنك تشتغلي هنا أو تمشي من القصر خالص" ..
مسحت "إسراء" دموعها بعنف، وسيطرت على ارتجاف جسدها ، وتصنعت القوه واردفت بحده..
"انا فعلاً همشي من هنا خالص ومش هفضل ولا دقيقه بعد سفالتك معايا دي"..
ابتسم" فارس"بتهكم، وتحدث ببرود قائلاً..
"انتي من هتعرفي تخرجي بره اوضتك.. مش بره القصر،وبعدين افتكري مامتك اللي محتاجه عمليه، وبنتك اللي عايزه تأمني مستقبلها، والناس اللي عايزين يخلصوا عليكي..فصدقيني جوازي منك هيفيدك فوق ما تتخيلي"..
ابتلعت غصه مريره بجوفها، واعتصر قلبها بألم حاد، وبصوت منكسر همست..
" انت واحد حقير علشان تستغل ضعفي بالشكل دا"..
نظر لها نظره جامده للحظات، ومن ثم صرخت بفزع حين قطع المسافه بينه وبينها بخطوه واحده، ومال على وجهها وهم بتقبيلها.. لتصفعه هي على وجنته صفعه عنيفه، وبصراخ تحدثت قائله..
"احترم نفسك بقي"..
جحظت عينيه بصدمة.. انتبهت هي على ما فعلته.. فرمشت بأهدابها ببراءه، وأسرعت بالحديث قائله..
"قولي أيه هو الاتفاق يا فارس بيه"..
شبه ابتسامة ظهرت على محياه حين نظرت له بعينيها أخيراً تستجديه ان يتغاطي عن هذه الصفعه مدمدمه بخوف..
"اممم انا مكنتش قصدي أضربك.. دا خدك هو اللي خبط في أيدي"..
ابتعد عنها موليها ظهره يحاول التحكم بوتيرة غضبه، وبصوت مخيف قال..
" انتي متعرفيش أنا عايز اعمل فيكي أيه دلوقتي"..
نظر لها نظره دبت الزعر بقلبها، وبوعيد تابع..
"كله بحسابه يا إسراء،ودلوقتي تسمعي الأتفاق الجديد"..
وضع يده بجيب سرواله، وتحدث بابتسامة مصطنعه قائلاً..
"أنا عايز ولد يشيل اسمي تكوني أنتي أمه سواء قبلتي تتجوزيني أو لا هخلف منك"..
اتسعت أعين" إسراء" بذهول مقارب للجنون، وشهقت بخجل شديد.. ليتابع هو بلامبالاه..
" القرار ليكي.. بس لازم تعرفي أنك هتلاقيني في حضنك في اي وقت،وفي أي مكان"..
حديثه الجاد، وتهديده الصريح جعلها تدرك انه لا يمزح، ونظرته الهائمه بها تخبرها انه ينتظر بستماته ان ترفض عرضه لينقض عليها الآن كالاسد الجائع..
التزمت الصمت قليلاً، ولم تجد أمامها سوا ان توهمه بموافقتها حتي تطمئن على والدتها وصغيرتها.. زفرت بضيق، وبتعقل تحدثت قائله..
" موافقه بس بشرط.. تستني عليا 4شهور يكون أبو إسراء الله يرحمه كمل سنه، وأكون انا اطمنت علي ماما، وتخلص أنت موضوع الناس اللي عايزين يخلصوا مني دول، وكمان لو اتجوزتني دلوقتي هتاكد لاخو جوزي الكلام اللي اتقال عليا.. فخليني اشتغل هنا الاربع شهور دول زي ما قولت لمراته "..
تفهم هو ما يدور برأسها.. فرمقها بتهكم وبأصرار قال..
"موافق.. كده يبقي هكتب عليكي برضو ومش هندخل ولا نعلن غير بعد 4شهور"..
هبطت دموعها على وجنتيها بغزاره، وبصراخ مقهور قالت..
" وانا موافقه"..
نهاية الفلاش بااااك..
" يعني هيكتب عليكي في السر يا إسراء؟! "..
قالتها" إلهام " بغضب، وعدم رضا..
قبلت "إسراء" يدها، وبتوسل قالت..
" ماما عايزاكي تعملي العمليه وتخفي بسرعه وترجعيلي ، وسبيني انا اتصرف مع المغرور دا، واطمني كل حاجه هتعدي.. سواء حلو او وحش كله بيعدي،وانا اهم حاجه عندي دلوقتي أنك تقومي بألف سلامة"..
.........................................
"سيد"..
يتحدث بهاتفه بخوف شديد..
" يا معالي الباشا البت جوه قصر الدمنهوري.. مستنين تظهر بره القصر، وهجبلك خبرها"..
صرخ بأذنه الطرف الأخر بغضب عارم قائلا..
" انت متخلف.. دي أكيد قالت لفارس على كل حاجه، وبيخطط لنا دلوقتي ينتقم مننا ازاي، واحنا لازم نسبقه"..
ازدارد "سيد" لعابه بصعوبه، وبعدم فهم قال..
" يعني نعمل ايه يا باشا"..
صمت الأخر لبرهه، وبأمر قال..
" فارس هو اللي لازم يموت مش البت.. خلي رجالتك تنفذ انهارده"..
ظهرت ابتسامه متسعه على وجه" سيد"، وزفر براحه وهو يقول بحماس..
" بس كده هنحتاج رجاله تاني، وفلوس زياده حبيتين تلاته"..
"كل اللي هتحتاجه هبعتهولك.. بس اقرا خبر موت فارس الدمنهوري بعد ساعه بالكتير"..
......................................
.. أمام شركة الدمنهوري..
وصل "فارس" بسيارته.. خلفه سيارات الحراسه التابعه له.. ركض إحدي الحرس، وقام بفتح باب السياره.. ليخرج" فارس" بكامل هيبته، ووقاره وسار خطوه والثانيه وإذا بوابل من الطلقات الناريه انهمرت عليهم بغزاره..
تجمعت الحراسه من حوله سريعاً وتبادلو إطلاق النار بمهاره عاليه..
ليتفاجئو بعدد كبير من الرجال المسلحين يركضون نحوهم، وبدأ شجار دامي سقط على أثره الكثير من حراسات " فارس" ..
حتي وصل رجل ضخم البنيه ل "فارس"،وهم بأطلاق النار عليه.. ليسرع "فارس" بلكمه بقوه حتي سقط سلاحه بعيداً عنه..
هجم عليه الرجل بأله حاده يلكمه بوحشيه، وغل وكره دفين..