تحميل رواية «غرام المغرور» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجلس على جانب الطريق أمام مقر عمل زوجها كعادتها مؤخراً. عيناها تنهمر منها عبراتها بلا توقف. بين يوم وليله انقلبت حياتها رأساً على عقب. توفي زوجها الحبيب بعد زواج استمر لثلاث سنوات فقط، وأصبحت أرملة وهي لم تتم عامها الثاني والعشرون. تدهور بها الحال للغاية، ووصل بها الأمر أنها تركت شقتها الصغيرة التي كانت تسكن بها هي وزوجها بعدما قامت ببيع كافة أثاثها حتى تستطيع الإنفاق على صغيرتها ذات العام والنصف. وانتقلت للعيش برفقة والدتها التي بالأساس كان ينفق عليها زوجها نظراً لضيق الحال، ولأنهما من طبقة أقل...
رواية غرام المغرور الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نسمة مالك
"موافقه".
قالتها "إسراء" بصراخ، وهي ترمق "فارس" الذي ينظر لها بابتسامة واسعه تدل على فرحته الغامره.
وضع يده بجيب سرواله أخرج ورقه مطويه. فتحها ببطء، واقترب من "إسراء" التي تتابع ما يفعله بدهشه.
أخفى يده داخل معطفه، واخرج قلم وضعه بيدها، وهو يقول بنبرة صارمة:
"أمضى".
عقد حاجبيها، وبتساؤل أردفت:
"أمضى على أيه؟!"
تأمل ملامحها بفتنان، وغمز لها بشقاوه وهو يقول:
"عقد جوازنا يا بيبي.. عقد شرعي، ومتسجل في الشهر العقاري، وناقص امضتك وبس".
تنقلت "إسراء" بعينيها بينه، وبين تلك الورقه التي بيده بصدمه. أيعقل ستصبح زوجة هذا المغرور؟ تسارعت دقات قلبها بعنف، وتعالت وتيرة أنفاسها، وبأنفاس متهدجه همست:
"أنت أكيد بتهزر!!"
"لا مبهزرش، وامضي يا إسراء علشان أنا على تكه واحده، وصدقيني هثبتلك بالفعل أني مبهزرش".
قالها "فارس" بنبره محذره تحمل بين طياتها الكثير من الرغبه. راتها هي بوضوح بعينيه الجريئه.
ارتجفت شفتيها، وبصوت هامس قالت مستفسره:
"طيب زي ما اتفقنا جوازنا هيكون على ورق بس، وهشتغل هنا لحد ما اطمن على ماما، ومش هنعلن غير لما يعدي أربع شهور زي ما قولتلك".
مال برأسه عليها لتتراجع هي برأسها للخلف سريعاً. تعمق النظر داخل عيونها، وبتهكم واضح على محياه قال:
"وتفتكري مرات فارس الدمنهوري ينفع تشتغل خدامه يا ساحره؟!"
"دا شرطي يا فارس بيه.. علشان انا عارفه غرضك أيه من جوازك مني كويس أوي".
همست بها بغصه يملؤها الأسى جعلته ضيق عينيه، وتحدث بتساؤل قائلاً:
"وايه هو بقي غرضي؟!"
ابتسمت ابتسامه زائفه تخفي بها عبراتها التي تجمعت بعينيها، وبهمس مقهور قالت:
"انت يا بيه عامل زي اللي داق كل حاجه حلوه في الدنيا، ونفسه جزعت.. فمال لحاجه حادقه.. اللي هي أنا للأسف".
مال عليها أكثر حتي لفحت أنفاسه الساخنه بشرتها الشاحبه، والبارده من شدة خوفها منه، وتحدث من بين أسنانه بغيظ قائلاً:
"وانا لو كان دا غرضي كنت قولتلك عايز اخلف منك؟!"
صمت لبرهه يحاول السيطرة على وتيرة غضبه من اندفاعها، وتهورها بالحديث، وبصوت دب الرعب باوصالها قال:
"أمضى احسنلك".
"أوعدني الأول".
همست بها بصوتها الهامس الرقيق الذي يدغدغ مشاعره، وببطء رفعت عينيها، ونظرت له تستجديه ان يلبي طلبها، وبرجاء أكملت:
"أوعدني يا بيه متجبرنيش على حاجه أكتر من كده، وتخليني اشتغل هنا زي ما قولتلك".
هبطت دمعه حارقه على وجنتيها وتابعت بصوت متحشرج بالبكاء:
"خليني احس بحبة كرامه.. بلاش تحسسني أني رخيصه أوي كده".
اعتلت الدهشه ملامحه، وهو يقول:
"رخيصه؟!.. هتبقي حرم فارس الدمنهوري وتقولي رخيصه يا إسراء؟!"
حرك رأسه بيأس من حديثها المتهور، وبنفاذ صبر قال:
"أمضى يا إسراء حالاً".
"طيب خليها لما اطمن على ماما الأول".
أردفت بها "إسراء" برجاء.
نظر لها "فارس" نظره جامده، وتحدث بجديه مصطنعه قائلاً:
"وماله.. زي ما تحبي.. بس زي ما قولتلك.. هتلاقيني في حضنك في اي وقت، وفي أي مكان يخطر على بالك".
تأملها بجرائه مكملاً بعبث:
"مش همنع نفسي عنك، ولا هحرم نفسي منك، وكنت عايز اعمل كده وانتي على زمتي.. بس انتي اهو اللي بترفضي الحلال.. يبقي استحملي شقاوتي يا ساحرتي".
"قصدك سافلتك".
قالتها "إسراء" ببكاء شديد، وهي تأخذ الورقه، والقلم من يده بعنف، وكتمت أنفاسها وهي تدون أسمها معلنه أنها أصبحت زوجة "فارس الدمنهوري".
أنهت امضتها، وبسرعة البرق كانت ركضت مبتعده عنه بعدما قرأت ما يدور بعقله تجاهها. لتتعالى ضحكاته بستمتاع، وبمكر تحدث قائلاً:
"بتجري مني من أولها يا بيبي.. خلاص مبقاش ليكي غير حضني".
صدمة اعتلت ملامح "إلهام" حين رأت توتر وارتباك وحيدتها. تتهرب بعينيها منها حتي لا تقرأ ما فعلته بهما. والدتها هي وتعلم ما يدور بذهنها عن ظهر قلب.
بيد مرتجفه امسكت ذقنها جعلتها تنظر لها. لتشهق بصوت خفيض وبذهول همست قائلة:
"أوعى تقولي انك عملتي كده يا إسراء؟!"
أطبقت "إسراء" جفنيها بعنف، وتأوهت بصوت مسموع مردفه بألم يعتصر قلبها ورحها:
"ااااه يا ماما.. عملت كده".
نظرت لها بأعين شديدة الاحمرار. ممتلئه بالعبرات تأبي الهبوط، وبتنهيده أكملت:
"عشانك انتي وبنتي مضيت عقد مع فارس الدمنهوري".
اذداردت "الهام" لعابها بصعوبه، وضربت بكف يدها على صدرها، وهي تقول بذهول:
"عقد عرفي يا إسراء؟!"
ربتت "إسراء" على ركبتها بحنان، وابتسمت لها ابتسامه باهته ومغمغمه بخفوت:
"شرعي.. اطمني يا ماما.. بس تقدري تقولي هو بالنسبالي عقد شغل أكتر من انه عقد جواز.. انتي عارفه انا وفارس بيه مننفعش لبعض اصلاً.. أنا بنسباله نوع جديد مجربوش قبل كده، وعنده فضول يجربوا مش أكتر".
"ولما انتي عارفه انه كده.. ايه اللي جبرك على جوازك منه يا بنتي؟!"
قالتها "الهام" بصوت متحشرج بالبكاء.
صكت "إسراء" على أسنانها بغيظ شديد، وهي تقول:
"مرضيش يسبني غير لما يمضيني وإلا كان احححم؟!"
جحظت أعين "إلهام"، وبخوف همست:
"انتو دخلتو كمان يا إسراء؟!"
حركت "إسراء" رأسها بالنفي سريعاً، وهي تقول:
"لا لا يا ماما مافيش حاجه من دي حصلت، ولا هتحصل حتي.. بس هو سافل زي ما انتي عارفه، وهددني بسفالته لو ممضتش على العقد".
أطلقت "إلهام" زفره نزقه، وبهدوء قالت:
"يعني دا دلوقتي جواز شرعي ولا عرفي.. فهميني يا بنتي".
"قولتلك انه مجرد عقد بالنسبالي يا ماما، ومش هنعلن عن جوازنا غير لما اطمن عليكي".
هبطت دموعها بغزاره وتابعت بحزن:
"ويعدي سنه على موت رامي الله يرحمه".
وضعت "إلهام" أصابعها أسفل ذقنها، وبسخريه قالت:
"وهو سي فارس بتاعك دا هيستني عليكي بسفالته دي؟!.. دا قالهالك صريحه عايز يخلف وريث.. يعني مش هيسيبك غير ما تشيلي منه يا حبيبتي".
"مش هيحصل".
قالتها "إسراء" بثقه.
ساد الصمت قليلاً. قطعته "إلهام" بأمر:
"يبقي الناس والدنيا كلها لازم تعرف أنك بقيتي مراته.. علشان الجواز أساسه الاشهار يا إسراء.. مش عايزين الناس تقول علينا حاجه أكتر من كده".
ضحكت "إسراء" بصوت عالِ للغايه، ودموعها تنهمر على وجنتيها بغزاره، وتحدثت بصعوبه من بين ضحكاتها:
"الناس.. وهي الناس بتبطل كلام يا ماما.. كانوا فين الناس دي وانا وأنتي وبنتي هنموت من الجوع.. أنا لو مكنتش اتجوزت خالص كانوا هيقولوا اللي عنست ايه، ولما اتجوزت قالو جوزتيها صغيره ليه.. لما جوزي مات قالوا وشي وحش عليه، وستات الحته بقوا يخافوا على اجوازهم من إسراء الأرملة، ولو فضلت من غير جواز الكلام هيكتر حواليا، والعين هتبقي عليا، ولو اتجوزت دلوقتي.. هيقولوا اوام وقعت راجل غيره.. الناس مش هتسكت ولا تبطل كلام أبداً يا ماما، ولو مشينا وراهم هنقع على جدور رقبتنا والناس برضوا هيدوسو علينا بجزامهم".
ضمتها "إلهام" داخل حضنها وقبلت جبهتها مردده ببكاء:
"عندك حق يا ضنايا.. أهدي يا حبيبتي.. حقك عليا انا".
قبلت "إسراء" يدها مرات متتاليه وهي تقول بلهفه:
"حقك عليا انا يا ماما.. مش قصدي اتعصب عليكي يا حبيبتي".
قبلت وجنتيها، وهبت واقفه، وتابعت بمزاح:
"سبيني بقي أنزل استلم شغلي في المطبخ اللي قد الحته بتاعتنا كلها، وعايز توكتوك يوصلني لعنده في مغارة فارس بابا اللي مقعدنا فيها دي".
أنهت جملتها، وسارت نحو باب الغرفه. ليوقفها صوت "إلهام" تقول بلهفه:
"بت يا إسراء".
نظرت لها فحركت شفاتيها دون إصدار صوت قائلة:
"انتي مشلتيش الوسيلة لحد دلوقتي؟!"
ابتسمت "إسراء" ابتسامه واسعه، وتنهدت براحه وهي تحرك رأسها لها بالايجاب.
"هو دا الواحد اللي بعتينه يخلص عليا يا سيد؟!"
قالها "فارس" بصوت جوهري، وهو يخطو من باب المخزن، ويسير بهيبته بخطوات واثقه حتي اقترب من "سيد" المقيد جيدا بسوط عريض، والظاهر على ملامحه أثار ضرب مبرح.
"أبوس رجلك يا فارس باشا.. انا قولتلك اللي أعرفه.. مكنتش أعرف أنهم هيبعتو كل الرجاله دي".
قالها "سيد" بصوت متقطع من شدة فزعه.
وقف "فارس" أمامه يرمقه بنظرات مشتعله، وبهدوء مريب تحدث قائلاً:
"ولسه متعرفش مين اللي مشغلك؟!"
"والله ما أعرفه يا باشا، ولا عمري شوفته.. اللي بنا كان مجرد أوامر باخدها بالتليفون، وهو اللي كان بيتصل، وكل مره من رقم شكل".
قالها "سيد" بضعف.
ربت "فارس" على كتفه بعنف، واستدار متجه نحو الخارج وهو يقول:
"طيب يا أبو السيد هتفضل مع رجلتي هنا لحد ما يبان لك صاحب أو تقابل وجه كريم".
صرخ "سيد" بتوسل قائلاً:
"أبوس جزمتك يا باشا.. انا غلطان في حقك.. سبني أعيش وانا هبقي خدامك".
نظر له "فارس" من فوق كتفه، و ادرف بنبره صارمه موجه حديثه لحرسه الخاص:
"عايزه يفضل عايش لحد ما نعرف اللي مشغله.. مفهوم".
أنهى جملته، وسار بخطي واسعه للخارج.
"فارس باشا.. هجيب لسيادتك دكتور".
قالها إحدي الحرس، وهو يفتح له باب سيارته الخلفي. ليغلقه "فارس"، وفتح الباب الأمامي وجلس بمقعد السائق، وهو يقول بأمر:
"لا.. انا رايح القصر.. في دكاتره هناك.. خليك انت هنا وبلغني بكل حاجه اول بأول".
"أمرك يا باشا".
انطلق "فارس" بسيارته خلفه سيارات الحرس بأقصي سرعه. هيئته مزريه. ثيابه ممزقه، وجهه مملوء بكدمات عنيفه، وجرح نافذ ينزف بغزاره بجانب صدره. أمسك هاتفه وتحدث به برساله صوته قائلاً:
"اعمل حسابك كويس لازم أشوفك في أقرب وقت.. خد كل حذرك وهحدد ميعاد وابلغك بيه يا تامر".
مرت عدة دقائق، ووقف أمام باب قصره الخارجي، وضغط على بوق السيارة بغضب. ليسرع إحدي الحرس وقام بفتح الباب على مصراعيه. ليندفع هو للداخل فجأه بدون مقدمات حتي انه اصتدم بالجدار وتهشم جزء كبير من السيارة. ارتدل منها، وصفق الباب بقوه كاد أن يهشمه هو الأخر، وسار لداخل القصر بخطوات شبه راكضه.
"فاااارس.. أيه اللي حصلك يا حبيبي".
صرخت بها "خديجه" ببكاء حاد، وهي تركض عليه وتضمه لحضنها بخوف شديد. لم يجيبها في الحال. عينيه تبحث عن ساحرته بلهفه واشتياق لم يشعر به تجاه اي امرأه من قبل. تهللت أساريره حين لمحها تسير بشرود كعادتها تجاه المطبخ غير منتبها لوجوده. هرول خلفها، وهو يقول بصوت مجهد يظهر به مدي تعبه:
"سبيني دلوقتي يا ديجا، وهحكليك بعدين".
همت "إسراء" بدخول المطبخ، ولكن يد "فارس" التفت حول خصرها، وحملها داخل حضنه. ظهرها مقابل صدره، وبسرعة البرق صعد بها الدرج ومن ثم نحو جناحه مباشرةً.
"يا نهاااااااار اسوح ومهبهب عليا وعلى اليوم اللي وقعت فيه في طريقك يا فارس زفت بيه".
صرخت بها "إسراء" بغضب عارم، وهي تلكمه بكل قوتها، وتركل بقدميها في الهواء حتي تفر من بين يديه. لكنه لم يتركها إلا بعدما أصبح داخل جناحه الخاص، وأغلق الباب خلفه جيداً.
قفزت من بين يديه، واستدارت تنظر له وهمت بالصراخ بوجهه. لكنها صدمت من هيئته، وشهقت بعنف مردده:
"ايه اللي عمل فيك كده؟!"
لم يجيبها، ولم يبتعد بعينيه عنها. بدأ يفتح أزرار قميصه واخد تلو الأخر، وخلعه بألم واضح على ملامحه، ووضعه على جرحه النازف يوقف به الدماء المتدفقه، وبأمر قال:
"تعالي يا إسراء.. عايز أحضنك".
نظرت له ببلاهه. كأنها تراه برأسين، وبغضب قالت:
"أنت في ايه، ولا في ايه يا بيه؟!"
ابتسم لها ابتسامه هادئه، وتحدث بأسف قائلاً:
"انا كنت هموت انهارده من غير ما أعرف طعم حضنك أيه.. فقربي مني كده زي الشاطره وهاتي حضن جامد يا مدام فارس".
همت "إسراء" بالرد عليه، ولكن طرقات هادئه على باب الجناح يليها صوت إحدي الخدم يتحدث بأحترام شديد:
"فارس باشا.. انسه دييمه خطيبة سيادتك وصلت تحت ومنهاره جداً".
اتسعت أعين "إسراء" بذهول مردده بعدم تصديق:
"خطيبتك؟!"
رواية غرام المغرور الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نسمة مالك
"إسراء".. إخلاصها لزوجها المتوفي يعتبر نادراً في وقتنا هذا. قلبها ينبض بالحب الحقيقي رغم مدة زواجها القصيرة، فالعلاقات لا تقاس أبداً بطول العشرة، ولكن تقاس بجميل الأثر وجميل الإخلاص والمحبة. فكم من معرفة قصيرة المدى لكنها بجمالها وهدوئها أعمق وأنقي بكثير من أطول معرفة.
أغلقت قلبها على حبها ووفائها وقررت عدم فتحه لأحد مرة أخرى. بنظرها لن تجد مثل والد طفلتها. اكتفت بحب والدتها وصغيرتها وتعمدت تنسى نفسها، وتدفن شبابها بيدها. غافلة عن القدر وما يخبئه لها. لم تضع في حسبانها أنها ستقع بقبضة رجل سيقتحم بعشقه قلبها المغلق.
داخل جناح فارس.
تدور "إسراء" حول نفسها بملامح يظهر عليها الصدمة والذهول بعدما استمعت لصوت إحدى العاملين يخبر "فارس" بوصول خطيبته "ديمه" منهارة من شدة خوفها عليه بعدما علمت عن الهجوم المسلح الذي حدث له.
رفعت كف يدها ومسحت على وجهها بعصبية، وهي تطرد زفرة نزقة من صدرها متمتمة لنفسها بصوت خفيض: "أنا إيه اللي عملته في نفسي دا ياربي؟!"
بينما يتابعها "فارس" باهتمام بعدما اعتدل بجلسته بوضع أكثر راحة مستنداً بظهره على المقعد ورفع قدميه على طاولة أمامه، وقد تناسى إصابته وجروحه البالغة وهو يتأمل جمالها البريء.
"أنت اتجوزتني وأنت خاطب؟!"
أردفت بها "إسراء" وهي ترمقه بنظرات منذهلة، وبعقلها بدأ يدور ألف سؤال وسؤال إجابتهم جميعاً أنها وقعت تحت سطوة مغرور.
عقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت له بملامح جامدة رغم تعاطفها مع هيئته المزرية، وجرحه الذي لم يتوقف عن النزيف.
بادلها "فارس" النظرة بأخرى مستمتعاً، وغمز لها بشقاوة قائلاً بتساؤل: "بتغيري عليا ولا إيه؟!"
ابتسمت بسخرية وهي تقترب منه بخطوات بطيئة وكأنها تسير على إيقاع نبضات قلبه حتى توقفت أمامه مباشرة ومالت برأسها عليه قليلاً. تنظر لعينيه بكراهية شديدة ظاهرة عليها بوضوح، وتحدثت من أسفل أسنانها قائلة: "أغير عليك إيه وزفت إيه يا فارس بيه!! أنت مش واخد بالك إنك مش نازلي من زور يا مغرور".
أين هذا المغرور هو فقط يتأمل ملامحها الرقيقة التي تروقه وتثير جنونه بدقة وافتتان.
اعتدلت بوقفتها، ونفخت بضيق مكملة بنفاذ صبر: "ذنبها إيه خطيبتك دي تظلمها معاك وذنبى أنا إيه علشان تتجوزني عليها؟!"
شهقت بفزع حين جذبها من يدها ببعض العنف. فختل توازنها وسقطت على قدميه. حاولت الفرار منه، لكنه حاوطها بيده السليمة، وضمها لصدره بقوة. مستنداً بجبهته على جبهتها، وتحدث بأنفاس متلاحقة تدل على شدة تعبه: "ذنبك أنك بقيتي غرامي يا إسراء".
تنقل بنظره بين شفاتيها وعينيها وتابع بتلذذ: "بقيتي غرام المغرور يا ساحرتي".
انبلجت ابتسامة ماكرة حين شعر بارتجاف جسدها بين يديه فظن أنه استطاع التأثير عليها وأنها على وشك الخضوع لوسامته الشديدة كحال معظم النساء معه.
لتتلاشى ابتسامته وتحل مكانها الصدمة حين دفعته بعيداً عنها بكل قوتها غير عابئة لجرحه النازف جعلته يتأوه بصوت عالٍ. وهبت واقفة أمامه وتحدثت بغضب، ونبرة محذرة قائلة: "أنا مش غرامك ولا هكون في يوم من الأيام، وأظن أن جوازنا دا مجرد اتفاق أو عقد بمدة محدده يا فارس بيه، وأنت وافقت عليه. فبلاش شغل النحنحة دا علشان مش هياكل معايا، ولا هيخليني أغير اتفاقي معاك".
توقفت عن الحديث وبدأ يظهر عليها التوتر والفزع وهي تراه يئن بألم حاد، وقد ازداد نزيف جرحه. عضت على شفتيها وأصبحت في حيرة من أمرها بعدما تحطم جمودها وقوتها الزائفة وهي ترى مدى تدهور حالته.
حاولت رسم اللامبالاة على محياها، وتحدثت بأسف وصوت جاهدت على إخراجه طبيعياً لكنه خرج مرتعشاً من شدة قلقها: "وبعدين أنت إيه اللي شلفطك على الآخر كده، ومروحتش المستشفى ليه بجرحك اللي عمال ينزف دا قبل ما دمك يتصفى، ولا غرورك مخليك مش عايز تتنازل وحد من البشر يعالجك".
عادت ابتسامته تزين ملامحه الشاحبة حين لمح خوفها عليه ظاهر عليها، ورفع رأسه نظر لها بعينيه الجريئة المجهدة، وتحدث بصوته الرجولي ذي البحة المميزة قائلاً: "جيت على هنا علشان في دكاترة هنا في القصر ولا نسيتي، ومتخفيش عليا أنا واخد على كده، ومش أول مرة أتعور وأنزف".
غمز لها وتابع بوقاحة: "لما تاخدي عليا شوية كمان هوريكي كل الإصابات والرصاص اللي في جسمي واخليكي تعالجيني بنفسك من أول وجديد".
جحظت عينيها على آخرهم من مخزي حديثه الجريء، وحركت رأسها بيأس وهي تجز على أسنانها بغيظ مردفة: "سافل حتي وأنت تعبان؟! أنا مش هعالجك لا أنا هعيد تربيتك من أول وجديد".
رمقته بنظرة حارقة، وسارت نحو باب الجناح وتابعت بحدة قائلة: "أنا هروح المطبخ أكمل شغلي، وابعتلك الدكاترة بتوعك يمكن يشوفوا علاج لوقاحتك ولسانك اللي عايز أصه دا هو كمان يا فارس بيه".
"مافيش خروج من باب الجناح قبل ما أحضنك يا إسراء".
قالها "فارس" بإصرار مريب وهو يقوم بربط جرحه بكنزته بعدما قام بخلعها وظل بجزعه العاري.
صكت "إسراء" بأسنانها كادت أن تحطمهم، وحدثت نفسها بغضب عارم قائلة: "ي ربي إيه البني آدم البارد دا.. في حياتي ماشوفتش كمية سفالة وبرود بالشكل دا".
استجمع "فارس" قوته، وهب واقفاً وبدأ يسير بخطوات متعبة لكنها متزنة.
استمعت "إسراء" لخطوات قدمه فنقطعت أنفاسها، وركضت مسرعة مبتعدة عنه.
"أهدي مش هحضنك غصب إلا لو انتي جبرتيني على كده.. أنا هجيب حاجة أشربها تفوقني شوية علشان استمتع بحضنك اللي كنت هتحرم منه للأبد من قبل حتى ما أدوقه".
قالها وهو يفتح ثلاجة صغيرة بإحدى جوانب الغرفة، وأخذ منها زجاجة غريبة الشكل.
عقدت "إسراء" حاجبيها وهي تمعن النظر لتلك الزجاجة، ومن ثم شهقت بقوة وهي تقول بعدم تصديق: "خمرة؟!.. بتشرب خمرة يا فارس بيه؟!"
سكب فارس كأس مملوء، وتناوله على مرة واحدة مردداً: "دي شمبانيا يا بيبي.. تعالي خدي كاس هتعجبك أوي صدقيني".
نهى جملته، وسكب كأس أخر ومد يده لها به.
نظرت له لأول مرة تتأمل هيئته بتفحص. تود رؤية الوجه الآخر لذلك المغرور الذي يخفيه خلف صرامته الشديدة. عينيه بهما حزن دفين، ملامحه رغم وسامتها إلا أنها قاسية. يبدو كمن يقف بين نارين رغم أن الطريق أمامه إلا أنه لا يمكنه السير بعيداً عن تلك النيران. نظرته لها نظرة غريق يستجديها أن تنقذه. يريد المساعدة ويد العون التي تساعده على السير بل الركض بعيداً عن النيران قبل أن تحرقه.
حسمت أمرها بعدما تردد بذهنها لما لا تكن هي تلك اليد، وتدفعه للطريق الصحيح وتفوز بالأجر والثواب؟!.
أخذت نفس عميق واقتربت منه وهي تقول بتعقل: "القصر دا فيه حاجات كتير أوي عايزة تتغير من أول اليونيفورم العريان بتاع البنات اللي شغالين هنا".
أخذت من يده الكأس والزجاجة بهدوء ووضعتهم على الطاولة، ونظرت له وتابعت بشفقة: "لحد اللي مشاغلهم اللي هو أنت يا فارس بيه".
صمتت لبرهة، وأكملت بتساؤل قائلة: "هتسمحلي أغير اللي شايفاه غلط؟!"
اقترب هو منها حتى وقف أمامها مباشرة بينهما خطوة واحدة. فتراجعت هي للخلف خطوتين حين مال برأسه عليها، ونظر لعينيها بلهفة ظاهرة مغمغماً: "هسمحلك.. أنتي الوحيدة اللي مسموحلك تعملي أي حاجة في القصر وصاحب القصر يا سيدة القصر".
أطبقت جفنيها بعنف، ونفخت بضيق، وفتحت عينيها وتحدثت بنفاذ صبر دون النظر له: "طيب ممكن تفتحلي الباب علشان أتنيل أخرج أشوف شغلي، وكمان أنت راجل خاطب، وخطيبتك تحت وممكن تطلع في أي لحظة، ومينفعش تطلع تلاقيني معاك هنا".
"مينفعش ليه؟!.. أنتي مراتي، ولو طلعت هقولها كده".
أردف بها وهو يقترب منها بابتسامة عابثة، وهي تتراجع للخلف، وبنبرة راجية تابع: "ويله بقي تعالي في حضني، وصدقيني لو جربتيه هتدمنيه".
رفعت كف يدها، وأشارت له أن يتوقف، وتحدثت بتقطع من شدة خجلها وغضبها قائلة: "فارس بيه من فضلك التزم باتفاقك معايا، ولازم تعرف إني مش هقدر أكون لك زوجة بالسهولة دي.. لأني لسة بعشق جوزي الله يرحمه".
صرخت بصوت خفيض حين سحبها من خصرها فجأة لداخل صدره، وضمها بكلتا يديه لصقها به، وقد استطاعت الخمرة إخفاء ألم جرحه قليلاً. توهجت وجنتيها حين استشعرت ملمس جسده على يدها وهي تدفعه عنها بضعف بعدما تملك منها خوفها من نظرته الحارقة، وأنفاسه الساخنة التي تلفح بشرتها وتدل على شدة غضبه.
"احضنيني".
همس بها بنبرة أمره، ومحذرة بأن واحد لا تحتمل النقاش.
رفعت عينيها ببطء ونظرت له لتندهش من لمعة عينيه الغاضبة بالعبرات. يستجديها أن تضمه لتتفادى بركان غضبه حتى لا ينفجر، وستكون أول من يطولها.
"مش هقولها تاني يا إسراء".
همس بها وهو ينظر داخل عينيها بعمق غلفه الاشتياق الشديد.
هبطت عبراتها على وجنتيها بغزارة، وحركت رأسها بالنفي عدة مرات وهي تردد بصعوبة من بين شهقاتها: "مش هقدر.. والله ما هقدر".
سارت بيدها على يده حتى أمسكت قبضته التي تعتصر خصرها، وحاولت دفعها عنها وهي تقول بتوسل: "سبني يا بيه الله لا يسيئك".
"مستحيل أسيبك يا إسراء.. أنتي مش عارفه أنتي بالنسبالي إيه، ولا عارفه أنا مستني اللحظة دي بقالي قد إيه".
قالها "فارس" وهو يضمها له أكثر، وتابع بابتسامة وفرحة غامرة قائلاً: "بقولك إنهرده كنت هموت وربنا كتبلي عمر جديد، وعايز أعيشه كل لحظة معاكي أنتي.. جوه حضنك أنتي قبل ما أتقتل يا إسراء".
اتسعت عينيها بصدمة من جملته الأخيرة. ليحرك رأسه هو بالإيجاب، وبأسف أكمل: "أيوه أتقتل.. ليا أعداء مش هيرتاحوا غير لما يقتلوني، وشكلي كده هخليهم يوصلوا لهدفهم.. علشان لو قتلوني هيشيلوكي من دماغهم، وهتبقي أنتي في أمان".
انعقد لسانها لم تستطع النطق بحرف واحد. أيعقل سيضحي بحياته لأجلها؟!. نظرت له بشرود متمتمة ببكاء دون وعي: "تتقتل وأبقى أرملة للمرة الثانية؟!".
ابتسم لها ابتسامة حزينة، وبتنهيدة قال: "ما أنا عايز أخلف منك ولد علشان أبقى مطمن عليكي، ومتبقيش لوحدك أنتي وإسراء الصغيرة".
أمسك يديها، ولفها حول رقبته، وضمها بقوة دافناً وجهه بعنقها مستغل شرودها، وبتأكيد تابع: "أول ما تحملي مني هسيبهم يقتلوني، وأريحك مني ومن غروري للأبد يا ساحرة".
"مش هيحصل".
قالتها "إسراء" وهي تتحرك بهستيرية داخل حضنه كمحاولة منها للابتعاد عنه، ونظرت له وتابعت بثقة: "لو قتلك واقف على حملي.. فاطمن أنا مش هحمل منك يا فارس بيه".
رفعت يدها، وامسكت لحيته بين أصابعها وتابعت بابتسامة مصطنعة: "قلتلك في حاجات كتير عايزة تتغير في القصر دا.. سبني خليني أبدأ أغيرها من النهارده".
ابتسم "فارس" ابتسامة عريضة حين رأى مدى قلقها، وخوفها عليه يملأ عينيها. أو أقنع نفسه أنه رآهما، وتنقل بنظرة لشفتيها، ومال عليها بوجهه وهم بغمرهما بقبلة عاشقة. لتفر هي من بين يديه مسرعة نحو باب الجناح وبرجاء قالت: "افتح الباب يا بيه؟!".
رفعت يدها وضعتها على فمها تكتم شهقتها حين دوي صوت أنثى باكية تطرق على الباب بقوة مرددة: "فارس افتح حبيبي.. افتح أنا هموت من قلقي عليك".
بمنزل تامر.
تجلس "إيمان" بجوار زوجها حاملة "إسراء" الصغيرة النائمة على قدمها. تستمع لما يقوله لها زوجها بصدمة وذهول وبعدم تصديق تحدثت قائلة: "انت بتقول إيه يا تامر؟!.. عايز تفهمني إن كل اللي كنت بتعمله معايا ومع إسراء مرات أخوك والبهدلة اللي بهدلتهالنا كانت اتفاق بينك وبين اللي اسمه فارس الدمنهوري دا؟!".
أشار لها "تامر" بالصمت وبهمس قال: "وطي صوتك الحيطان لها ودان".
صمت لبرهة، وتابع بأسف: "أيوه يا إيمان، وفارس بيه من يوم وفاة رامي أخويا الله يرحمه، وعينه كانت على إسراء وبنتها، وكل اللي حصل دا من تخطيطه علشان يخلي إسراء تروحله برجليها ويقدر يحميها من اللي قتلوا جوزها".
"لا دا أنت تحكيلي كل حاجة بالتفصيل".
قالتها "إيمان" بإصرار شديد.
هب "تامر" واقفاً وتحدث باستعجال قائلاً: "مش وقته.. لازم أروح لفارس بيه عايز يشوفني ضروري.. ادعيلي محدش يشوفني وأنا معاه، ولو رجعت هحكيلك على كل حاجة".
"إيمان".. ببكاء حاد: "لو رجعت إيه.. أنا مش هسيبك تخرج يا تامر.. أكيد أنت متراقب، وأنا معنديش استعداد أخسرك".
ضمها "تامر" لحضنه مقبلاً رأسها وبابتسامة تحدث: "لسه بتحبيني يا إيمان بعد كل اللي عملته معاكي؟!".
"إيمان".. "وعمري ما هبطل أحبك.. أنت كنت بتعمل كده وليك عذر يا تامر".
"يعلم ربنا إني عملت كده من خوفي عليكي وعلي مرات أخويا وبنته، ودلوقتي لازم أروح يا إيمان مدام قالي عايز يشوفني يبقى الموضوع مهم وخطير ولازم أروح".
رواية غرام المغرور الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نسمة مالك
ركضت "إسراء" مبتعدة عن باب الغرفة تبحث عن مخرج آخر تحت أنظار "فارس" المندهشة من رد فعلها.
"أهدي يا بيبي، دا أنتي مرات فارس الدمنهوري يعني متخفيش من أي حاجة ولا أي حد."
أردف بها "فارس" وهو يسير نحو الباب التي لم تتوقف خطيبته "ديمه" بالطرق عليه، وهم بفتحه. لتهرول إليه "إسراء" وتمسك كف يده الضخمة بيدها الصغيرة، وجذبته بعيداً عن الباب قبل أن يفتحه وتحدثت بصوت يكاد يكون مسموع:
"يا بيه محدش يعرف أني مراتك، وخطيبتك لو عرفت أكيد هتنقهر وأنا ميرضنيش أكون سبب في قهرة ست زيي، وكمان مش عايزة حد يبصلي بصه مش كويسه.. فخليني أخرج من غير ما حد يشوفني وخصوصاً خطيبتك اللي مفحومة من العياط برة دي."
لم تجد منه رد على حديثها. فقد ينظر لها بابتسامة حالمة. ضيقت عينيها ونظرت له باستغراب. لتشعر بيده تحتضن يدها ويضغط عليها بقوة محببة. انتبهت لحالها وأنها هي من تمسك بيده، فأسرعت بسحب يدها منه ببعض العنف، وتابعت بنفاذ صبر:
"في زفت باب تاني أخرج منه؟!"
"خليكي معايا.. متخرجيش."
همس بها "فارس" بنبرة راجية، بل متوسلة وهو يتمعن النظر لملامحها الرقيقه بهيام. حركت "إسراء" رأسها بالنفي، وببوادر بكاد همست:
"بحلفك بالله سبني أخرج.. أنا مش هستحمل أكون سبب في كسر خاطر حد.. كسرة الخاطر بتجلب المخاطر."
دموعها أجبرته على الخضوع لطلبها على مضض. نفخ بضيق، وهو يحرك رأسه لها بالإيجاب، وبلحظة كان حاوطها بذراعه السليمة، واضعها على كتفيها رغم اعتراضها، وسار بها نحو مرآه كبيرة معلقة على إحدي جدران الغرفة. ضغط على جزء منها فتحركت من مكانها، لتجحظ أعين "إسراء" حين ظهر باب سري يؤدي إلى حمام الغرفة التي خصصها لها.
رمقته بنظرة حارقة، وضربت الأرض بقدميها بغيظ وهي تخطو لداخل الحمام، وهمست من أسفل أسنانها:
"المرايه دي بتظهر اللي في الحمام من عندك مش كده؟!"
ابتسم "فارس" باتساع وهو يحرك رأسه لها بالإيجاب، وببراءة مصطنعة تحدث:
"بس اطمني يابيبي انا ماكنتش ببص علي حد غيرك أنتي بس."
"أبو سفالتك يا أخي.. اقفل الزفت دا."
أردفت بها "إسراء" بغيظ وغضب شديد وهي تمسك بيدها إحدي زجاجات سائل الاستحمام وتقذفه بها لكنه تفادها بمهارة، وألقى لها قبلة بالهواء قبل أن تنغلق المرآه مرة أخرى ليظهر عندها هذا الباب على هيئة مرآه.
"كان بيبص عليا وأنا في الحمام الوقح اللي ماشفش تربيه دقيقة واحده."
تمتمت بها لنفسها ببكاء، وهي تسير لخارج الحمام. لتقفز بفزع حين شهقت والدتها بقوة مردفة بذهول:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. بت يا إسراء أنتي طلعتي منين يابت؟!"
لمحت على ثيابها آثار دماء فتابعت بخوف ولهفة:
"وأيه الدم اللي على هدومك دا يا بنتي؟!"
اقتربت منها "إسراء" وارتمت بحضنها وتحدثت بهدوء قائلة:
"متخفيش يا ماما.. دا مش دمي.. دا دم فارس زفت بيه السافل."
ضربت "إلهام" على صدرها بكف يدها، وببكاء قالت:
"يالهوي قتلتيه يا إسراء؟!.. ليه كده يا بنتي.. عمل فيكي ايه علشان تقتلليه.. ياخسارة شبابك يا ضنايا؟!"
ربتت "إسراء" على يدها بحنان وتحدثت بصوت عالٍ قليلاً قائلة:
"ياااا مامااااا اقتل مين بس.. ما هو زي القرد في أوضته."
بكت باصطناع وأكملت محدثة نفسها:
"رغم أنه يستاهل والله اخلص عليه اللي عمال يقولي يا بيَبي وطلع وقح وبيبص عليا وأنا بعمل بيِبي."
ضمتها "إلهام" بحب وتحدثت بتساؤل قائلة:
"طيب فهميني أيه اللي حصل، وشكلك معيطه ليه يا قلب أمك."
تمسكت بها "إسراء" بكل قوتها، وبدأت تبكي بنحيب مرددة من بين شهقاتها الحادة:
"بنتي و رامي واحشوني أوي يا ماما."
بكت "إلهام" لبكائها، وباشتياق قالت:
"ومين سمعك.. البت بنتك واخده قلبي معاها يا إسراء.. ربنا يردها لحضنك يا ضنايا، ويبرد قلبك ويعوضك خير عن كل الوجع اللي شوفتيه في حياتك يا بنتي."
"مافيش حاجة تعوضني عن رامي أبو بنتي وحب عمري يا ماما."
همست بها وهي تعتدل جالسة ونظرت لوالدتها، وتابعت بتنهيدة حزينة:
"انتي عارفة يا ماما برغم ان رامي كان علي اد حاله في كل حاجة بس كانت راحة البال والرضا والقناعة ملين حياتنا بركة."
دارت بعينيها للغرفة الفاخرة التي تفوق منزلها اتساع وضحكت ساخرة:
"شوفي فارس بيه دا عايش في قصر عامل إزاي وعنده حرس اد أيه وجاي من شوية دمه سايح بعد ما ناس طلعوا عليه رنوه علقة معتبرة."
"إلهام."
"لا حول ولا قوة الا بالله.. ليه يعملوا فيه كده بس."
أجابتها "إسراء" بأسف:
"بيقول عنده أعداء عايزة تقتله.. اهو اللي زي دا تلاقيه مبينمش، ولا عمره عرف يعني اية راحة البال رغم كل فلوسه ونفوذة دي كلها."
نظرت لها "إلهام" وابتسمت بعبث وتحدثت بجدية مصطنعة:
"هو صحيح جريء شويتين تلاته بس تصدقي صعب عليا يا بت يا أم إسراء، وشكله كده هيصعب عليكي انتى كمان وقلبك هيمله."
هبت "إسراء" واقفة ومسحت عبراتها وسارت نحو باب الغرفة وهي تقول بثقة:
"قلبي انا قفلته، وعمره ما هيميل لحد بعد رامي الله يرحمه."
أنهت جملتها، وفتحت الباب وتابعت قبل أن تخطو للخارج:
"انا هروح أكمل شغلي في المطبخ وهطلعلك على أذان المغرب علشان أساعدك تتوضي.. ادعيلي من قلبك يا ماما بنتي ترجع لحضني."
رفعت "إلهام" يدها للسماء وبدأت تدعو من صميم قلبها مرددة:
"ربنا يلم شملك انتي وبنتك، ويريح قلبك ويسعدك ويرزقك الفرح والهنا مع اللي يستحقك يا إسراء يا بنتي."
بينما تسير "إسراء" الباكية تنظر لفخامة القصر حولها وتتذكر شقتها الصغيرة وزوجها الخلوق. رغم أنه لم يكن أفضل من غيره، ولكنه جعلها تملك قناعة قوية تجعلها ترفض مقارنته بأحد. بنظرها السعيد من راضى نفسه على الواقع والتمس أسباب الرضا والقناعة حيثما كان. فالقناعة خير من الغنى. في العالم كثيرون ممن يبحثون عن السعادة وهم متناسين فضيلة القناعة. فإذا كان هذا ال "فارس" غني بأمواله، فهي تري أنها أغنى منه. يكفي أنها تملك "غنى النفس" تشعر أنها غنية بنفسها وليس بما تملك. تستمد قيمتها من نفسها. فمن لا يرضى بالقليل لا يرضى أبداً. أغمضت عينيها ببطء لتهبط دمعة حارقة على وجنتيها حين تردد بذهنها جملة كانت تقولها لزوجها دوماً:
"إذا طلبت العِزَّ فاطلبه بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فمن أطاع الله عز وجل نصره، ومن لزم القناعة زال فقره."
وقفت أمام باب المطبخ وجففت عبراتها، ورسمت الصرامة والحزم على ملامحها الرقيقة، وخطت للداخل بخطوات ثابتة. تنقلت بنظرها بين الفتيات العاملات بملابسهن القصيرة للغاية تصل بالكاد لمنتصف فخذهن، وتحدثت بجدية، وهدوء بأن واحد قائلة:
"الكل يسيب اللي في ايده بعد إذنكم خليني اخد مقاستكم للينيفورم الجديد."
اقتربت منها "صابرين" مديرة المطبخ، وهي ترمقها بنظرات نارية حاقدة وتحدثت بتعالي وتكبر مردفة:
"وأنتي تبقي مين علشان تاخدي مقاسنا؟!"
"أبقى اسألي اللي مشاغلك، وهاتيلي حاجة يا شابة اخد بيها مقاساتكم."
قالتها "إسراء" وهي تربت على كتفها بقليل من العنف.
"انتي مش هتعملي أي حاجة قبل ما اسأل فارس باشا بنفسي يا بتاعة انتي."
قالتها "صابرين" وهي تسير لخارج المطبخ قاصدة جناح فارس.
تامر..
يجلس على إحدي المقاهي بعدما ظل يسير لأكثر من ساعتين يحاول الفرار من مراقبينه ولكن جميع محاولاته فشلت. فقد تفاجئ بأكثر من سيارة تسير خلفه. أخرج هاتفه وطلب إحدي الأرقام وانتظر الرد وهو يحدث نفسه بأسف:
"كده مش هعرف اجيلك يا فارس باشا."
"تامر.. أنت فين يا حبيبي؟!.. طمنيني عليك.. أنت كويس."
أردفت بها "إيمان" بلهفة شديدة.
"تامر.." بابتسامة:
"أنا كويس متخفيش.. طمنيني انتي و إسراء عاملين ايه؟!"
"إيمان."
"إحنا بخير طول ما انت بخير.. شكل مشوارك منفعش."
"تامر.." بأسف:
"لا منفعش وشكله مش هينفع الليلة وبكلمك علشان تحضري الغدا.. انا جاي في الطريق.. شوفي لو عايزه حاجة اجبهالك وأنا جاي."
"إيمان" بفرحة غامرة فقد عاد لها زوجها الحنون بطبعه الهين اللين:
"عايزة سلامتك وبس يا حبيبي.. متتاخرش علينا."
"تامر."
"ان شاء الله مسافة السكة.. مع السلامة."
أغلق معها، وهب واقفاً ووضع يده بجيب سرواله وأخرج بعض النقود وضعهم على الطاولة، وسار نحو منزله وهو ممسك بهاتفه يكتب بها رسالة نصها:
"أنا معرفتش أخلع من اللي مراقبني.. هستني منك رسالة يا باشا تقولي هنعمل أيه."
فور تأكده من وصولها قام بمسحها في الحال.
بجناح فارس..
بعدما قاموا الأطباء بمعالجة جروحه.. يقف أسفل الميه التي تنهمر عليه بغزارة ينعم بحمام بارد يساعده على الراحة قليلاً من الذكريات التي تداهمه قبل أكثر من عام مضى....
فلاش باااااااااااك..
يجلس بمكتب شركته ينظر لشاشة كبيرة تظهر جميع العاملين بالصوت والصورة. يقف بجواره إحدي العاملين ويتحدث باحترام شديد قائلاً:
"فارس باشا جالنا معلومات ان في موظف عايز يوصل لسيادتك بأي طريقة بيقول عنده معلومات خطيرة عايز يقولها لمعاليك."
"وريني شكله ايه الموظف دا؟!"
قالها "فارس" وهو يشير له على الشاشة أمامه. أسرع العامل بالضغط على جهاز التحكم بالشاشة ليظهر "رامي" يقف بأحدي الجوانب ممسك هاتفه يتحدث به بوجه يظهر عليه التوتر، والقلق والخوف.
"هو دا يا فندم."
"فارس.." بأمر:
"عايز اسمع بيقول ايه، وخلي واحد من رجالتنا تراقبه زي ضله."
"إحنا فعلاً مراقبينه وسيادتك تقدر تسمع هو بيقول ايه من على تليفوني.. واحد من رجالتنا يبقي أقرب أصحابه وبيسجله النفس اللي بيتنفسه."
أخذ "فارس" الهاتف وبدأ يستمع بتركيز ل "رامي" الذي لم يكن يحدث سوى زوجته، وكانت أول كلمة استمع لها هي اسمه الذي راقه كثيراً:
"إسراء.. أنتي رزقي الحلو في الحياة.. زي ما قال رسولنا الكريم الدنيا متاع وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة.. واحدة غيرك كانت شجعتني على الغلط وخلتني أقبل الرشوة واسكت عن الحق.. لكن أنتي أصيلة.. بترفضى ملايين هكسبها بالحرام، وراضية تعيشي معايا بملاليم بالحلال.. اللي زيك قربوا ينقرضوا يا أحلى إسراء.. ربنا ميحرمنيش منك."
حديثه جعل الدهشة والذهول تعتلي ملامحه. أيعقل مازال يوجد نساء من هذه النوعية؟!.. شيء ما بداخله تمنى أن يكون بمكان هذا الرجل الذي فاز بزوجة كهذه. دفعه فضوله لرؤيتها. فنظر للعامل الواقف بجواره، وتحدث بأمر قائلاً:
"تجبلي كل المعلومات عنه هو وكل أسرته وأولهم مراته."
....
نهايه الفلاش بااااك..
"من أول لحظة شوفتك فيها وأنتي سحرتيني واتمنيتك تكوني ليا يا ساحرة."
تمتم بها "فارس" وهو يغلق صنبور المياه، وغادر حوض الاستحمام بعدما جذب منشفة كبيرة لفها حول خصره، وأخرى يجفف بها خصلات شعره الحريرية، وسار لخارج الحمام متجه نحو غرفة الملابس. لينصدم ب "ديمه" التي ألقت نفسها داخل حضنه وضمته بحميمية مرددة:
"كنت سبتني أساعدك وانت بتاخذ الشور بتاعك يا حبيبي."
بعدها عنه بضيق، وتحدث بغضب:
"ديمه فوقي لنفسك بقي أنتي مش صغيرة ولا مراهقة على حركاتك دي، ويله اخرجي خليني البس هدومي عندي مشوار مهم."
صكت على أسنانها، وتحدثت بهدوء رغم غيظها:
"مكنتش سنة دي اللي انا اكبر منك فيها يا فارس علشان تزلني بيها كل شويه."
عقدت يديها أمام صدرها، وتحدثت بحاجب مرفوع:
"ومن أمتي وانت بتخرجني من اوضتك وانت بتغير هدومك؟!"
أعطاها ظهره، وأمسك سيجاره الفاخر أشعله وتناوله، وزفره على مهل وهو يقول:
"من انهارده، وعايزك تفتكري ان اللي بنا مجرد بسنس علشان شكلك نسيتي، وكمان انتي عارفة اني مبعدش كلمتي مرتين."
جملته الأخيرة كانت تحذير لها بأن تغادر جناحه على الفور. لم تجد أمامها غير الانصياع لأوامره كعادتها، وسارت مسرعة نحو الخارج بخطوات غاضبة قبل أن يلقيها هو بالخارج. نظر لآثارها بجمود، وارتدى ثيابه المكونة من قميص أبيض، وسروال من الجينز قاتم اللون، وحذاء رياضي بلون القميص. صفف شعره بعناية، ونثر عطره ذات الرائحة المثيرة بسخاء، وأمسك هاتفه تفحصه لبرهة مدمدمًا:
"اممم كنت عارف أنهم مش هيبطلو يرقبوك يا تامر.. كده يبقي أنا اللي هروحلك.. مش هينفع اسيب البنت بعيدة عن إسراء أكتر من كده."
طرقات متتالية على باب الجناح جعلته يتحدث بقلق قائلاً:
"ادخل."
اندفعت "صابرين" نحو الداخل، واقتربت منه وقفت أمامه وتحدثت بغضب هادئ قائلة:
"فارس باشا البنت الجديدة اللي اسمها إسراء شايفه نفسها علينا كلنا، وعايزة تغير الينيفورم بتاعنا كمان على مزاجها وبتقول ان سيادتك اللي قولتلها."
سار "فارس" لخارج الغرفة وهو يقول بأمر:
"تعالي ورايا."
ابتسمت "صابرين" بانتصار وهرولت خلفه ظناً منها أنه سيقوم بتوبيخ "إسراء" كما يفعل مع كل من تشكو له منه.
"كل اللي في القصر يجمع عندي هنا حالاً."
قالها "فارس" بصوت جوهري. جعل جميع العاملين يقفون أمامه صف واحد بأقل من لحظة. خافضين رؤوسهم باحترام. تنقل بنظره بينهم حتى توقف بعينيه على ساحرته، وبدأ يسير ببطء حولهم، وهو يقول بصرامة:
"من انهارده في نظام جديد هتمشوا عليه."
وقف خلف "إسراء" مباشرة وابتسم بخبث، ورفع يده وسار بأصابعه على ظهرها صعوداً وهبوطاً. اتسعت عينيها على آخرها، وتسارعت دقات قلبها بجنون، وتحول وجهها لكتلة حمراء من شدة خجلها. ليتابع هو بصوته الحازم ويده لم تبتعد عن ظهرها. بل تعمق أكثر وبدأ يفتح سحاب فستانها ببطء مريب:
"قوليلهم ايه هو النظام يا إسراء."
أي "إسراء" فقد أصبحت بحالة يرثى لها. أوشكت حقاً على الإغماء، وبعدم تصديق تحدث نفسها:
"لا انا بيتهيألي أكيد هو مش وقح لدرجاتي."
استجمعت قوتها بعدما أوهمت نفسها أن ما يفعله ليس حقيقي، وتحدثت بهدوء عكس ما بداخلها من بركان غضب:
"ممنوع اللبس العريان، ممنوع العمل في وقت الصلاة.. أول ما الآذان يأذن كلو يسيب الشغل اللي في ايده ويصلي فرضه ويرجع يكمل شغل.. ممنوع أي نوع من الخمور تدخل القصر نهائي."
أغلق سحاب فستانها، وهو يقول:
"اللي قالته إسراء دلوقتي، واي حاجة تقولها تتنفذ بالحرف بدون نقاش.. مفهوم."
أجابه جميع العاملين بنفس واحد:
"مفهوم يا فارس باشا."
"كل واحد على شغله يله."
قالها "فارس" بصوت عالٍ نسبياً يظهر به لهم أنه غاضب للغاية الآن. بينما هو أكثر من سعيد. هرول الجميع على أعمالهم. انتظر هو حتى تأكد من عدم وجود أحد، وركض خلف ساحرته التي أوشكت على الوصول للمطبخ، وانتشلها داخل حضنه ظهرها مقابل صدره، ومال على وجنتيها قبلها بعمق مردداً بفتنة:
"ينفع تبقي حلوة وتجنني أوي كدة."
لهنا ولم تحتمل أكثر وسقطت بين يديه فاقدة الوعي.
رواية غرام المغرور الفصل السادس عشر 16 - بقلم نسمة مالك
يجلس فارس بجوار إسراء على الفراش ممسك كف يدها بين يديه رغم اعتراضها المستمر. أثناء فحص الطبيبة لها، وبنفاذ صبر وغضب تحدث موجهًا حديثه للطبيبة:
"ما تتكلمي، قوليلي مالها، وإيه سبب الإغماء اللي حصلها دا؟!"
أجابته الطبيبة على الفور:
"هي كويسة يا فارس باشا، بس ضغطها عالي شوية، وأنا اديتها العلاج اللازم وهتبقى أحسن إن شاء الله."
بدون سابق إنذار، مال فارس بوجهه على إسراء وطبع قبلة طويلة أسفل شفتيها، جعلت جميع من في الغرفة يشهقون بنفس واحد. وتحدث بلامبالاة لوجودهم:
"اطمني، طول ما أنا جنبك.. هتبقي كويسة.. متخفيش."
بكت إسراء باصطناع، وقد بدأ ضغطها يعلو ويهبط في آن واحد. وبغيظ شديد قالت:
"مين ضحك عليك وقال لك إني ببقى كويسة في وجودك؟ أنت ناوي تجلطني، ولا تشلني يا جدع أنت؟!"
قطعت حديثها واتسعت عيناها بصدمة أكبر حين حملها بين يديه بلهفة وأجلسها على قدميه، وضمها بتملك مجنون مرددًا:
"بعد الشر عنك.. قلت لك أنا جنبك ومعاكي مش هخلي حاجة تزعلك ولا تضيقك."
داعب وجنتيها بأصابعه، وغمز لها مكملاً بثقته وغروره المعتاد:
"وبعدين أنتي بقيتي في حضن فارس الدمنهوري يعني تنسي الدنيا والناس وأي تعب أو زعل جواكي."
تنظر له بفم مفتوح ببلاهة. لم يستطع عقلها استيعاب حديثه وأفعاله معها. تعجز حقًا عن وصفه بأي كلمة، فجرأته وغروره فاق كل توقعاتها.
اقتربت خديجة الواقفة تتابع ما يحدث بأعين منذهلة من تصرفات ابن أخيها الغريبة كليًا عليه، وكأنه أصبح شخصًا آخر بفضل ساحرته. جلست على الفراش بجوارهما بعدما استجدتها إسراء بنظرها أن تنقذها مما يفعله بها هذا الفارس.
وأردفت بحدة قائلة:
"روح أنت مشوارك يا فارس وأنا هفضل جنبها.. البنت مش حمل عمايلك دي كلها."
مدت إسراء لها يدها تحثها على حملها كالصغيرة التي يحملها أحد الغرباء وهي تبغضهم، وتريد أن تأخذها والدتها منهم.
ضحك فارس على هيئتها بصوته كله، وزاد من ضمها له مقبلاً وجنتيها بعمق وهو يقول بمزاح:
"حتى لو قلت لها أوبح يا بيبي محدش يقدر ياخدك مني."
أنهى جملته وأخذها في عناق حار، ويده تسير بلهفة لا تخلو من الجرأة على كامل ظهرها.
ضربته خديجة على يده برفق، وهي تقول بخجل شديد:
"ولد يا فارس إيه اللي بتعمله دا أنت اتجننت.. اتأدب عيب كده."
نظرت للطبيبة والممرضة الواقفان يتابعان ما يحدث بابتسامة بلهاء، وأكملت بأمر:
"اتفضلوا على شغلكم يله."
لم يستمع فارس لحرف مما قالته. هو مكتفٍ بعناق ساحرته الذي جعل سعادته تصل لعنان السماء. حتى شعر بجسدها يرتعش بين يديه بقوة، وبدأت تلتقط أنفاسها بصوت مسموع يدل على اقتراب انفجار ثورتها. فأنزلها من على قدمه على مضض.
أجلسها على الفراش، وهب واقفًا يهندم ثيابه، وبتنهيدة عاشقة قال:
"هروح أجيب لك إسراء الصغيرة وأجيلك على طول."
تهللت أساريرها، وتلاشى غضبها حين استمعت لاسم صغيرتها وعودتها لحضنها. كم تشتاقها كثيرًا. تود رؤيتها وضمها لصدرها حتى لو تلقت حتفها بعدها. فرحتها التي ظهرت على ملامحها جعلت قلب هذا العاشق ينبض بجنون. ابتسم لها ابتسامة مهلكة مردفًا بثقة أثارت استزفازها مرة أخرى:
"مش هتأخر عليكي علشان عارف إني هوحشك."
ختم جملته وهو يميل عليها ويطبع قبلة طويلة على شعرها، ومن ثم سار لخارج الجناح بخطواته الواثقة.
تاركًا إسراء خلفه كالتي تلقت خبطة قوية على رأسها، وبذهول تحدثت قائلة:
"والله ما طبيعي اللي بيعمله معايا دا!!"
ضحكت خديجة برقة على هيئتها، وتحدثت باستغراب قائلة:
"هو فعلاً مش طبيعي خالص.. دا مش فارس اللي أنا ربيته.. أنتي خليتيه واحد تاني."
"ثواني بس.. أنا آسفة في اللي هقوله.. هو دا كده بحركاته واللي بيعمله معايا حضرتك ربيتيه؟!"
قالتها إسراء مستفسرة بابتسامة مصطنعة تظهر جميع أسنانها.
رسمت خديجة الغضب على ملامحها جعلت الإحراج يعتلي وجه إسراء وهمت بالاعتذار منها ثانية. لكنها ضحكت فجأة بشدة وأجابتها بأسف:
"بصراحة هو كده ماشفش تربية خالص هههههه."
ضحكت إسراء على ضحكاتها. ربتت خديجة على ظهرها مردفة بطيبة:
"أيوه كده اضحكي.. ضحكتك جميلة أوي ماشاء الله عليكي."
"إسراء."
"أنتي اللي أجمل، وشكلك طيبة أوي مش زي فارس باشا المغرور."
دفعتها خديجة برفق على الفراش مدمدمة بجدية مصطنعة:
"اممم.. وأنتي شكلك تعبان أوي ومحتاجة تنامي وترتاحي.. علشان لما بنوتك تيجي تقدري تقعدي معاها وأنتي فايقة."
تمددت إسراء على الفراش وأغلقت عينيها بتعب، وعلى وجهها ابتسامة أكثر من سعيدة بعودة ابنتها لها. لتتسع ابتسامتها دون إرادتها وهي تتذكر أفعال هذا الفارس. نهرت نفسها حين شعرت بجزء ما بداخلها يروقه تلك الأفعال. فهي بالآخر أنثى، وإذا التقطت بعاشق لها من طرف واحد ووجدته دوماً ينوح ويبكي يجعلها تنفر من هذا العشق. فلو شئت أن تتقرب إلى امرأة تحبها.. فحاول ما استطعت أن تضحكها.. لأن قلب المرأة كالطفل المولع بالمرح واللهو.
ظل يعاد بذهنها همساته لها، وكلماته التي تذيب الحجر، وعناقه الحار الذي جعل جسدها يرتجف بقوة، حتى غرقت بنوم عميق. ليهاجمها حلمها المعتاد عن ما حدث لزوجها.
**فلاش باك**
قبل تسعة أشهر.
"إسراء."
تجلس على ركبتيها أمام زوجها رامي الجالس أرضًا على سجادة الصلاة بعدما انتهى من أداء صلاة الفجر. مستندًا بظهره للحائط، ضامًا ركبتيه لصدره، خافضًا رأسه ويتحدث بصوت يملؤه الأسى:
"طردوني بعد ما طلعوني حرامي ومرتشي ومكتفوش بكده كمان، وبعتوا الملف بتاعي لكل الشركات المتخصصة في مجالي علشان محدش يقبل يشغلني عنده يا إسراء."
أطبقت جفنيها بقوة تكبح عبراتها، ورسمت ابتسامة رضا بقضاء الله. مدت يدها واحتضنت وجهه بين كفيها جعلته ينظر لها، لتتفاجأ بعينيه المملوءة بالعبرات التي تأبى الهبوط. وبغصة مريرة قال:
"افتروا عليا وقطعوا عيشي وأنا ربنا يعلم إني شريف وعمري ما قبلت قرش حرام."
"عارفة.. والله عارفة يا حبيبي."
همست بها وهي تجذب رأسه لحضنها وتضمه بلهفة. يدها تربت على شعره بحنان بالغ متمتمة بألم حاد ينهش قلبها.
"دا ابتلاء من ربنا بيختبر بيه قوة إيمانك وصبرك، وبإذن الله هينصرك ويرجع لك حقك.. بس أنت أهدِ ومتزعلش نفسك بالشكل دا الله لا يسوؤك."
تمسك بها بكلتا يديه، يستمد منها بعض القوة. وبدأ يتحدث بهذيان وعدم تصديق من شدة حزنه وقهرته على حاله:
"بقالي 10 سنين شغال في الشركة والكل يشهد بأخلاقي وأمانتي، وفي يوم وليلة ينقلب الحق باطل وأطعن من كل الناس حتى أقرب أصحابي شهدوا عليا إني حرامي."
لهنا ولم تحتمل أكثر وانهمرت عبراتها تتساقط على وجنتيها بغزارة. وبعدم فهم همست بصعوبة من بين شهقاتها قائلة:
"ليه.. ليه كل دا.. ليه يعملوا معاك كده؟!"
نظر لها وقد تحولت ملامحه المنكسرة لأخرى غاضبة، وأجابها بابتسامة زائفة وعينيه تفيض بالدمع:
"علشان عرفت اسم الراجل الكبير اللي ورا كل محاولات الاغتيال والسرقة اللي بتحصل في الشركة، ولما عرضوا عليا فلوس كتير وأنا رفضت وحاولت أوصل لـ "فارس" باشا صاحب الشركة قفلوا كل الطرق اللي توصلني بيه، وطردوني وقطعوا عيشي.. بس أنا هعمل المستحيل وهأوصله وهأقوله إن اللي بيحاول يقتله ومشغل ناس بتسرقه واحد مش مصري واسمه "مارفيل" وهو أكيد هيجيبه."
أنهى حديثه وبدأ يلتقط أنفاسه بصوت عالٍ. لتهرول إسراء وتجلب له كوبًا من الماء، وتساعده على تناوله مردفة بتوسل:
"أهدِ يا رامي.. بالله عليك أهدِ ليجرالك حاجة.. أنا وبنتك ملناش غيرك بعد ربنا."
"أنا كويس.. متخفيش."
قالها وهو يرتمي داخل حضنها مرة أخرى، وبنبرة راجية همس وهو يغلق عينيه ويستعد للنوم:
"خليني في حضنك شوية.. المكان الوحيد اللي بيريحني يا إسراء."
قبلت جبهته مرات متتالية، وهي تقول:
"طيب قوم ريح على السرير جنب بنتك، وأنا هعمل لك لقمة خفيفة تاكلها وأجيلك على طول.. أنت مأكلتش حاجة من امبارح."
حرك رأسه بالإيجاب. ساعدته على النهوض، وسارت برفقته حتى وصل للفراش. تمدد بجوار صغيرتهما. دثرته هي بالغطاء وهمت بالابتعاد عنه. ليمسك كف يدها وهمس بتعب:
"متسبنيش.. خديني في حضنك."
انصاعت له وتمددت بجواره. ليضمها هو بيد، ويضم صغيرته بيده الأخرى. بدأ يتنقل بشفتيه بينهما يقبلهما بحب شديد مغمغمًا بهمس لصغيرته:
"أنا مش حرامي يابنتي.. يشهد عليا ربنا إني عمري ما دخلت جوفكم لقمة إلا بالحلال."
ظل وقتًا ليس بقليل يضمهما، ويقبلهما حتى أغلق عينيه وهو يهمس بأذكاره مرددًا الشهادة أكثر من مرة. ظنت زوجته أنه غاص بنوم عميق. فابتعدت عن حضنه بحذر، وهبت واقفة.
سارت نحو المطبخ وقامت بتحضير الطعام على وجه السرعة، وعادت له. جلست بجواره تربت على لحيته بحنو قائلة:
"رامي.. قوم يا حبيبي كل ونام تاني؟!"
قطعت حديثها وانقبض قلبها بفزع حين شعرت ببرودة بشرته الشديدة. انتفضت فجأة وبدأت توقظه بعنف مرددة برعب وهلع جعل جسدها يرتجف بشدة:
"رر رامي.. قوم يا حبيبي.. قوم بالله عليك.. يااااارب متحرمنيش منه ونبي يارب."
ظلت تحاول مرارًا وتكرارًا إيقاظه، ولكن أمر الله قد نفذ.
**نهاية الفلاش باك**
"راااااامي."
هكذا استيقظت إسراء من نومها، وهي تصرخ باسم زوجها ببكاء شديد.
أسرعت خديجة بضمها لحضنها، وربتت على شعرها بحنو مرددة:
"بس يا حبيبتي متخفيش.. أنتي كنتي بتحلمي."
تمسكت بها إسراء وأجهشت بالبكاء أكثر وبأسف حدثت نفسها:
"مش هقدر أقرب منك يا فارس طول ما أبو بنتي معايا في أحلامي."
**ديمة**
ممسكة بهاتفها تتحدث به بغضب قائلة:
"عايزة تفهميني إن فارس الدمنهوري هيبص لحتة شغالة يا صابرين؟!"
أجابتها صابرين قائلة بحقد:
"للأسف يا ديمة هانم.. بيعملها معاملة خاصة جدًا وكلامها مشي على اللي شغالين في القصر كلهم النهارده."
صكت ديمة على أسنانها بغيظ، وبفضول قالت:
"اسمها إيه البت دي؟!"
"صابرين."
"إسراء يا هانم، وشكلها جربوعة من الشارع."
"ديمة."
بأمر: "طيب اقفلي، وخلي عينك عليها، وبلغيني بكل حاجة."
أنهت جملتها، وطلبت رقمًا آخر، فأتاها الرد باللغة الفرنسية.
"مرحباً ديمة."
"ديمة."
"مرحباً مارفيل.. أريدك أن تأتي إلى مصر بأقرب وقت ممكن."
"مارفيل."
"أخبريني ماذا حدث؟! هل كل شيء على ما يرام؟!"
"ديمة."
ببكاء: "لا.. أريد مساعدتك.. فأنا لم أستطع أن أجعل فارس يحبني."
ضحكت مارفيل ضحكة ساخرة، وبلامبالاة تحدثت:
"لا يهم بالنسبة لي حبيبتي، ولكن اطمئني لن تكوني غيره زوجة؟!"
صمتت لبرهة وتابعت بثقة:
"ابني فارس الدمنهوري."
اعتلت ملامحها الغضب وأكملت محدثة نفسها:
"الذي لم أكره بحياتي شخص مثله!!"
رواية غرام المغرور الفصل السابع عشر 17 - بقلم نسمة مالك
"فارس".. يجلس داخل سيارته الواقفه على جانب الطريق.
كان بطريقة لإحضار الصغيرة، ولكنه تذكر حديث ساحرته، واتفاقه معها، وإصرارها على جعل زواجهما بالسر حتي يتم والد ابنتها عام على وفاته.
لا يجب أن يذهب بنفسه ويحضر الصغيرة من عمها.
إن فعل هذا سيأكد ظنون بعض أشباه البشر عن سمعة حبيبته.
أطلق زفرة نزقة، وهو يمسح على خصلات شعره الكثيفه مدمدماً بذهول من نفسه.
"من امتي وانت بتخاف أوي كده على حد يا فارس.. ولا من أمتي وانت بتعمل للناس حساب أصلًا..
ابتسم بشرود ،وانتفض قلبه انتفاضه لذيذه حين تذكر حضن تلك الساحرة الذي جعله يذوب عشقاً.
هي وحدها امتلكت قلبه وكيانه، ووجدانه.
لا قبلها ولن يأتي بعدها.
سيفعل لأجلها كل شئ.
لأجلها فقط حتي يري نور الشمس التي تشرق عندما تبتسم له.
ظل يفكر كثيراً كيف يجلب الفتاه دون أن تمس بسوء.
اتسعت ابتسامته وأخرج هاتفه من جيب سرواله بلهفه مردداً بعتاب لنفسه.
"إزاي بس توهت عن بالي يا صاحبي"..
طلب إحدي الأرقام وأنتظر قليلاً حتي أتاه الرد.
"صاحبي الغالي اللي واحشني"..
كان هذا صوت المقدم "غفران المصري".
"فارس"
بستفزاز مقصود.
"عارف إني واحشتك عشان كده كلمتك يا أبو مالك"..
حرك "غفران" رأسه بيأس من غرور صديقه الذي لن يتخلى عنه بحياته، وتحدث بغضب مصطنع قائلاً.
"يا أخي *** لغرورك"..
ضحك "فارس" حتي ادمعت عينيه مغمغماً.
"طيب متزعلش، وقولي أنت فين عايزك معايا في مشوار ضروري"..
" غفران"
بقلق.
"خير.. انت كويس؟! "..
إجابه "فارس" بتنهيده حزينه.
"كويس الحمد لله متقلقش.. بس لو فاضي عايزك تيجي معايا.. في حوار بسيط كده وعايزك نخلصه سوا"..
" غفران"
"هتجيلي ولا اجيلك أنا؟"..
ظهرت الفرحة على محيا" فارس" فصديقه الشهم لن يخذله أبداً.
" فارس"
" انا عايزك تيجي بالبوكس ومعاك القوة بتاعك يا غفران.. لو ينفع"
"غفران"
"اممم كده في حوار.. تعالي على البيت عندي، وأنا هكلم القسم يبعتولي البوكس على ما توصل"
"فارس"
"تمام..أنا جيلك حالاً"..
أغلق هاتفه، وطلب رقم اخر.
ليجيبه "تامر" في الحال مردفاً.
"أيوه يا فارس باشا.. أنت فين دلوقتي؟!"
" فارس"
بتعقل.
"اسمعني يا تامر.. انا هاجي دلوقتي بعربية بوكس، ومعايا قوة وهاخدك انت ومراتك مع البنت.. مش عايزك تقلق من أي حاجه.. انا كلمتلك دار أيتام وخلصت كل الورق اللي خته منك، وجبتلك جواب مشاهدة تقدر انت ومراتك تختار الطفل اللي عايزينه انهارده"..
" تامر"
بمتنان.
"مش عارف أشكرك إزاي يا فارس باشا"..
" فارس"
"مافيش داعي للشكر.. انا مديونلك بكتير، وأولهم حق أخوك واوعدك إني هرجعهولك في أقرب وقت"..
" تامر"
برتياح.
"تسلم وتعيش يا باشا ، والله ينور عليك الصراحة في فكرة انك تيجي بالبوليس كده هيبقي أحسن.. علشان الحته عندنا هنا ميعرفوش ان سيادتك كتبت على ام إسراء، كانوا هيسالوني انت جاي تاخد بنت أخويا مني بصفتك أيه،وحتي لو قولنا إنك جوزها الكلام هيكتر أكتر وهيجيب غلط.. فأنت كده صح، وكأنها رفعت خدت بنتها بالقانون، وهي كده كده حاضنه"..
" فارس"
"بس في أقرب وقت الكل هيعرف أنها بقت مراتي،وسواء دلوقتي او بعد كده أنا مش هسمح بأي غلط يتقال في حق مرات فارس الدمنهوري"..
بينما "غفران" أغلق هاتفه، وظل واقفاً مكانه لبرهه.
يحاول يتحكم في ضحكاته على شقاوة زوجته التي تزيد يوماً بعد يوم.
فقد أحضرت مقعد ووضعته خلفه، ووقفت عليه حتي تتمكن من وضع أذنها على الهاتف معه.
"عرفتي بقي انه صاحبي مش مكالمة من الشغل"..
قالها بغضب مصطنع، واستدار لها بعدما رسم الجديه والصارمه على ملامحه.
عبست "عهد" بملامحها، ونظرت له وهي تمد شفتيها بغضب طفولي مردده.
"نفسي تقضي معايا أنا وولادك أجازة زي كل البابيهات يا ظبوطي ايه غلطت أنا، ولا كل حاجه عندك شغل وبس وانا وولادك ركنتنا على الرفات وبقي علينا تربات"..
لهنا ولم يستطيع كتم ضحكاته أكثر.
فنفجر بالضحك، وجذبها داخل صدره ضمها بقوة مردداً بصوته المزلزل لكيانها.
" انتي عارفه أنكم أهم حاجة في حياتي كلها يا عهوده، وغيابي عنكم دا غصب عني يا حبيبتي"..
قبل جبهتها مكملاً بعشق.
"يا فرحة قلب غفران"..
نظر لعينيها نظرة تعلمها هي جيداً، وغمز لها بإحدى عينيه، وحرك لسانه على وجنتيه بإيحاء جعلها ضحكت بستحياء وهي تقول.
"تصدق غفران الوزير المتحرش واحشني أوي"..
ذاد من ضمها داخل صدره، ومال على أذنها، وهمس بشتياق.
"انتى اللي واحشتيني أكتر"..
لثم عنقها ببطء وتابع برجاء.
"بس خليني أروح لصاحبي أقضي معاه مشوار مهم وارجعلك على طول"..
دفنت نفسها بين اضلعه تستنشق رائحته بهيام، وتمسكت به بكل قوتها مردفه.
"لو اتأخرت هكدرك يا حضرة المقدم"..
"إسراء"..
تسير حول نفسها ذهاباً واياباً.
يتأكل القلق قلبها.
تفرك يدها بتوتر مردفه.
"هو اتأخر أوي ليه كده بس؟!"
"أنا رنيت عليه أكتر من مره لقيته أنتظار، وبعد كده كنسل عليا.. اطمني متقلقيش يا حبيبتي.. خير إن شاء الله"..
قالتها "خديجه" الجالسة بجوار" إلهام".
بصوتها الناعم الرقيق.
"إسراء"
ببوادر بكاء.
"مش هطمن إلا لما اخد بنتي في حضني"..
" إلهام"
بحب شديد.
"ربنا يطمن قلبك يا ضنايا"..
أشارت لها على الفراش جوارها مكمله بحنو.
"تعالي اقعدي يابنتي بدل ما أنتي رايحة جاية كده، واستهدي بالله وهتلاقيه داخل دلوقتي وشايل إسراء على إيده، وهتخديها في حضنك لحد ما تشبعي منها"..
وقفت" إسراء" بجوار نافذه تطل على الطريق.
تنتظر ظهور سيارة مغرورها، وبدأت عبراتها تهبط على وجنتيها حين همست لنفسها.
"نفسي.. هتجنن واضمها في حضني"..
" فارس ،غفران"..
بعد السلام الحار.
ارتجل"فارس" السيارة برفقة "غفران" الذي يقود بنفسه، وخلفهما تسير سيارات الحراسه الخاصة بهما، ويتحدث بذهول مردفاً.
"اتجوزت؟!.. فارس الدمنهوري اللي مافيش ست تملي عينه ويوم ما خطب خد بنت رئيس الوزراء بعد ما أبوها هو اللي طلب إيدك كمان،وفي الاخر تروح تتجوز عليها؟!"
" فارس"
بتنهيده عاشقه.
"وانت مين قالك ان" إسراء" ملت عيني بس يا غفران؟!"
أخذ نفس عميق، وزفره على مهل.
"دي ملت قلبي ونورت حياتي، وطلعت من جوايا واحد تاني انا نفسي ماكنتش أعرف أنه موجود"..
أبتسم" غفران" وهو يري حاله يشبهه مع عشق قلبه "عهد".
"عايش أنا في اللي بتحكي عنه دا بفضل ربنا اللي رزقني بأم زين"..
ربت على كتفه برفق مكملاً.
"ربنا يسعدك يا صاحبي"..
مرت وقت قليل حتي وصلو لمنزل" تامر".
استمعت" إيمان" لصوت وقوف السيارات أمام منزلها.
فضمت الصغيرة لحضنها، وبكت بنحيب، وهي تقبلها بحب شديد مردده بصعوبة.
"هتوحشيني يا حبيبتي أوي"..
اقترب منها" تامر" وضمها لصدره مغمغماً بعتاب.
"ليه يا إيمان دموعك دي كلها.. هتزعليني منك،وهلغي المفاجأه اللي عاملهالك"..
نظرت له بأعين تملئها العبرات، وهمست بلهفه قائله.
"مفاجأة أيه يا تامر"
"لو قولتلك مش هتبقي مفاجأة"..
قالها" تامر" وهو يزيل عبراتها بأنامله بحنان بالغ، وهب واقفاً حين استمع لطرقات على باب شقته.
"يله اغسلي وشك"..
حركت رأسها بالايجاب، وحملت الصغيرة معها، وسارت نحو الحمام.
بينما فتح "تامر" باب المنزل.
ليتفاجئ بوقوف" فارس، وغفران" وخلفهما الكثير من الحرس، والعساكر.
فابتسم لهما، وتحدث بترحاب، وهو يبتعد عن الباب ليفسح لهما المجال.
"يامرحب يا بشوات.. اتفضلوا"..
"فارس"
"انت عارف احنا لازم نتحرك على طول يا تامر؟!"
صمت عن الحديث فجأه حين خرجت "الصغيرة" تركض وهي تضحك بصوتها الطفولي العذب الذي يخطف القلب.
ظهرت على ملامحه الذهول، والدهشه حين تمعن النظر لها جيداً.
أول مرة يراها عن قرب.
رغم أن الكثير من صوارها معه منذ كانت بعمر الخمسة أشهر.
نسخة هي مصغرة من ساحرته.
تمتلك ملامحها، عينيها، شعرها،وحتي ضحكتها التي تسلب أنفاسه.
اقترب منها وهو فاتح ذراعيه لها مرددا بابتسامة.
"تعالي يا إسراء"..
نظرت له الصغيرة لبرهه، ومن ثم ابتسمت له، وركضت لداخل حضنه بعدما استشعرت حبه لها.
فالأطفال كائنات مرهفة المشاعر.
تشعر بحب االأشخاص لها.
استقبالها هو بترحاب شديد وحملها عن الأرض وقد زرع حبها بقلبه.
حب أبوي لم يشعر به من قبل.
"عماد"..
"يا ساعدة البيه بلغ الباشا الكبير ان فارس باشا جاي مع الحكومة، وهياخد البنت الصغيرة"..
إجابة الطرف الأخر.
"خليك معايا"..
اخرج هاتف أخر وأرسل رسالة نصية باللغه الفرنسيه.
"مارفيل إبنك سيأخذ الصغيرة"..
إجابته برسالة.
"دعه يأخذ الصغيرة.. فقد مر وقت كبير على وجود تلك الفتاه برفقة ابني، ولم يحدث شئ.. إذا كانت أخبرت فارس بمعلومة واحدة عننا.. كنا في عداد الأموات الآن.. لكنها يبدو أن زوجها لم يحكي لها عننا اي شئ، وأنا سأتي عن قريب لاراها، واتأكد بنفسي"
ساد الصمت أرجاء المكان.
نظرت" إلهام" ل" خديجه"، وقد أجبرها فضولها ان تسألها عن" فارس" الذي أصبح زوج ابنتها، وهي لم تعلم حتي كم يبلغ عمره.
تنحنحت بحرج وتحدثت مستفسره.
"إلا عدم لامؤاخذه يا ست خديجه يا أختي.. فارس بيه عنده كام سنه؟!"
ابتسمت لها "خديجه" وهي تجيبها.
"33 سنه"..
انتبهت "إسراء" لحديثهما، ولكنها لم تبدي اي إهتمام، وظلت واقفه بمكانها، ولكن اذنها أصبحت بينهما.
رفعت "إلهام" يدها وبدأت تعد على أصابعها حتي انتهت،وهمست محدثه نفسها.
"يعني اكبر من بنتي ب 11سنه"..
تابعت "إلهام" اسألتها قائله.
"ومعاه شهادة ايه؟!"
"خديجه"
"فارس خريج إدارة أعمال من الجامعة الأمريكيه"..
"إلهام"
"ما شاء الله عليه ربنا يحرسه"
ظهرت الشفقه على وجهها، وتابعت قائله.
" قولتي انك اللي مربياه.. هو والده ووالدته متوفين وهو صغير؟!"
تنهدت" خديجه" بحزن، وتحدثت بأسف قائله.
"لا عايشين.. بس تقدري تقولي فارس يتيم برضوا، وماشفش أمه وأبوه من يوم ما اتولد تقريباً"..
جملتها جعلت قلب" إسراء" ينتفض بألم لأجله لا تعلم سببه.
بينما شهقت" إلهام" وتحدثت بتأثر قائله.
" يا ضنايا يا ابني يتيم في وجود أهله.. دا كده أصعب من لو كانوا ميتين.. تلقيه مقهور من جواه ومش مبين لحد؟!"
شهقت بفزع مره أخرى حين صرخت" إسراء" بأسم ابنتها.
وهرولت لخارج الغرفة راكضة.
"إلهام"
تحدثت وهي تضع يدها على قلبها.
"البت فزعتني"..
نظرت ل"خديجه" بستغراب مكمله.
" انتي متفزعتيش زيي ليه؟"..
" خديجه"
" علشان سمعت صوت عربية فارس وعرفت انه جه"..
"إلهام"
"اممم.. طيب احكيلي عن اسم النبي حارسه فارس بيه اللي بقي جوز بنتي في يوم وليله"..
"إسرااااااء"..
صرخت بها بفرحة غامرة، وهي تركض مسرعة نحو "فارس" الذي يحمل الصغيرة النائمة على يده.
ليهرول هو أيضاً نحوها، وبلحظه كان لف يده حول خصرها وحملها بيده الأخرى حتي أصبحت مقابل صغيرتها.
لجمتها الصدمة للحظات لم تفق منها إلا عندما شعرت بشفتيه تطبع قبلة عميقة على وجنتيها، وتحدث بغرور أخرجها عن شعورها وجعلها تظهر قمة غضبها لتخفي به ضحكاتها،حين قال.
"ياااه لدرجاتي وحشتك جاية تجري عليا بالشكل دا وتترمي في حضني ؟!"
غمز لها بشقاوه، وتابع بثقه.
"حضني حلو وعجبك انا عارف"..
رفعت "إسراء" يدها للسماء ودعت من صميم قلبها مردده.
"ياارب ربع ثقته في نفسه يااارب"..
نظرت له بشرار، وبعدت يده عنها ببعض العنف، ولكنه لم يتركها.
بل بدأ يسير بهما نحو الدرج، وتحدث بهدوء قائلاً.
"عاملكم مفاجأة هتعجبكم أوي، هتخليكي تبوسيني عليها"..
عضت "إسراء" على شفتيها حتي ادمتها، وأخذت نفس عميق، وتحدثت بنفاذ صبر قائله.
"بما ان بنتي رجعتلي.. فا احنا لازم نتكلم بالعقل يا فارس باشا"..
"فارس"
بابتسامة متراقصه.
"وماله يا بيبي.. اتكلمي انتي بالعقل"..
تنقل بنظرة لشفتيها، وتابع بخبث.
"وانا هتكلم بشفيفي"..
رواية غرام المغرور الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نسمة مالك
داخل غرفة واسعة مرتبة بدقة عالية، غرفة تشبه غرف الأميرات بل الملكات. ألوانها من الروز بمختلف درجاته، بها كل شيء. خزينة ملابس مملوءة بأفخم الثياب، ألعاب كثيرة جداً بكل ركن بالغرفة بمختلف أنواعها، أكثرها من عرائس الباربي الشهيرة. بها حائط كامل به الكثير من الصور الفوتوغرافية لـ "إسراء" وابنتها بأوضاع مختلفة منذ كانت صغيرة بشهرها الخامس، وهي الآن أكملت ثمانية عشر شهراً.
على فراش مخصص للأطفال بحواجز جانبية مرتب بعناية فائقة، تجلس عليه "إسراء" تحتضن ابنتها بقوة بعدما تركها "فارس" من حضنه بصعوبة بالغة. تضم صغيرتها، تستنشق رائحتها، تقبل كافة وجهها وكلتا يديها، وحتى قدميها بلهفة مرددة ببكاء:
"ياروح قلب أمك واحشتيني أوي".
بمنتصف الغرفة يقف "فارس" يتابعها بابتسامة وملامح منذهلة. فهي لم تبدِ أي اهتمام للغرفة المجهزة حولها بميزانية باهظة الثمن. هي من الأساس لم تبدِ أي اهتمام للقصر بأكمله. حتى ما أحضره لها من ثياب ومجوهرات من الماس والذهب الخالص، وجعل خديجة تضعهم بالغرفة الخاصة بها هي ووالدتها بعدما أخبرتها أنهم لأجلها. لم تكلف نفسها حتى لرؤيتهم. اكتفت بانتقاء فستانين بغاية الروعة، كلاهما من اللون الأسود وحجاب من نفس اللون. لم تلقِ نظرة عبرة حتى على ما جلبه لها من عطور وأدوات من الميك أب ذات الماركات العالمية. فهو يتابعها بكل لحظة عبر الكاميرا الموضوعة داخل غرفتها.
تحولت نظرته المنذهلة إلى أخرى منبهرة بها. اتسعت ابتسامته حين تأكد أن الله قد أحسن له الاختيار وأنها ستكون له الزوجة الصالحة التي يحلم بها دوماً. تأملها بأعين تفيض عشقاً يشعر به لأول مرة محدثاً نفسه قائلاً:
"أنا مغلطتش لما قولت عليكي ساحرتي.. بتسحريني بأخلاقك يا إسراء".
لم يكن الغنى يوماً غني المال. الغنى الحقيقي غني النفس بالأخلاق، هذا ما كان يبحث عنه بطلنا دوماً بمن يريدها أن تكون شريكة حياته. حتى عثر على "إسراء" الأنثى الوحيدة التي سرقت اللب من عقله، استطاعت بمهارة الرقص على إيقاع نبض قلبه حتى أصبحت وحدها غرام المغرور.
انبلجت ابتسامة ماكرة على محياه الوسيم، وسار نحوهما وهو يخلع قميصه الأبيض ويلقيه بإهمال على أقرب مقعد، وظل بكنزة سوداء تظهر ذراعيه القويتين أثر ممارسته المستمرة لألعاب القوة. جلس خلف "إسراء" على الفراش، ولف يده حول خصرها ضمها لصدره، دافناً وجهه بشعرها الكستنائي الحريري المنسدل على ظهرها بهيام مدمدماً:
"اممم.. ريحتك تجنن".
جرأته الشديدة معها تجعلها تفقد النطق والحركة للحظات تكن كافية بالنسبة له بأن يحكم حصاره حولها. تخشبت بين يديه جاحظة العينين، هيئتها راقت الصغيرة التي تتابعهما براءة وتضحك بقوة على نظرة والدتها ظناً منها أنها تلاعبها.
"قولتي عايزة تتكلمي.. اتكلمي.. أنا سامعك".
همس بها داخل أذنها من بين قبلاته المتفرقة على كتفها صعوداً بعنقها حتى وصل لوجنتيها. لفحت أنفاسه الساخنة بشرتها المتوهجة أثر خجلها وغضبها الشديد. بدأ صدرها يعلو ويهبط، وتتنفس بصوت مسموع، واستدارت برأسها قليلاً نظرت له نظرة حارقة مردفة بأمر من أسفل أسنانها:
"اتأدب وأبعد إيدك عني".
"تؤ.. أنا مرتاح كده، وأوي كمان".
داعب أنفها بأنفه مكملاً:
"وأنتي كمان أنا عارف إنك مرتاحة جوة حضني بس مكسوفة شوية، وأنا بموت في كسوفك دا".
"الصبر من عندك يارب".
قالتها "إسراء" بنفاذ صبر، وهي تتحرك بعصبية بين يديه حتى نجحت بالفرار منه. وحملت صغيرتها ووقفت على مسافة منه، وتحدثت بأنفاس متلاحقة قائلة:
"اسمعني كويس يا فارس بيه.. أنا مش قادرة أتحمل قلة أدبك دي كلها".
ابتعدت بعينيها عن عينيه التي ترمقها بنظرات عاشقة تزيد من توترها وخجلها، وتابعت بصوت مرتجف جعله يبتسم بثقة حين تأكد أن قربه منها أصبح يؤثر عليها حتى لو قليلاً.
"لو هتفضل تعمل حركاتك الوقحة دي وتفكرني من البنات اللي هتترمي في حضنك؟!".
قطعت حديثها حين لمحت صورها هي وابنتها تملأ إحدى الجدران. اقتربت من الحائط وتنقلت بين الصور بأعين متسعة على آخرها مردفة بذهول:
"ايه الصور دي كلها؟!".
نظرت له وتابعت مستفسرة:
"أنت جبت كل صوري دي منين؟!".
هب "فارس" واقفاً، وسار نحوها وتحدث بصوته الهادئ قائلاً:
"أنا أعرفك من سنة وشهر يا إسراء".
عقدت حاجبيها بعدم فهم، ونظرت له تحثه على استكمال حديثه. ليأخذ هو نفساً عميقاً مكملاً:
"جالي معلومات إن رامي عايز يوصلني بأي طريقة، وقتها قولت إنه أكيد واحد تبع أعدائي اللي عايزين يوصلولي، وكلفت رجالتى تراقبوه في كل خطوة، ولما راقبوه جابولي كل حاجة عنه، وفي مرة سمعت كلامه معاكي في التليفون.. كان بيمدح في أخلاقك، وإنك رفضتي فلوس كتير هيكسبها بالحرام، وموافقة على القليل بس يبقى بالحلال".
اقترب منها أكثر حتى أصبح أمامها مباشرةً، ونظر لعينيها بأعين تفيض عشقاً.
"ساعتها اتمنيت واحدة زيك في حياتي.. واحدة بأخلاقك يا إسراء، وقولت هفضي نفسي وأبقى أشوفه عايز إيه بس للأسف بعدها بأقل من أسبوع تقريباً سألت عليه قالولي إنه قدم استقالته".
"إسراء": بابتسامة ساخرة.
"قصدك اترفض".
حرك "فارس" رأسه بأسف مردفاً:
"قالولي في الأول إنه استقال للأسف، عرفت بعد كده إنه اترفض، وفضلت متابعكم طول الوقت".
انهمرت دموع "إسراء" على وجنتيها بغزارة، وتحدثت بعدم تصديق قائلة:
"يعني شوفته وهو بيتظلم، وبيطرد من شركتك، وعملوا عليه رباطية وخلو كل الشركات ترفض تشغله، وقعد من الشغل في البيت أكتر من 3 شهور كان كل يوم بيروح يقف قدام شركتك عشان يوصلك، ويرجع مكسور الخاطر لحد ما مات بحسرته، وكل ده وأنت متابعنا وشايف اللي بيحصله؟!".
مسح على شعره بعنف حين رأى نظرتها له عادت للاحتقار مرة أخرى. حديثها جعله يشعر بالخزي من تصرفاته، وغروره الشديد. كان يتابع ما يحدث لزوجها بصمت رغم أنه كان باستطاعته وقف هذه المهزلة في الحال. ابتلع غصة مريرة بحلقه، وتحدث بصوت يملؤه الأسى:
"أنا تقريباً كل اللي حواليه بيخونني يا إسراء.. كنت محتاج وقت كافي عشان أتأكد إن رامي مش زيهم.. ماكنتش مصدق إن لسه في حد شريف لدرجة دي، وده خلاني أحطك تحت اختبار بعد موت جوزك عشان أقدر أدخلك حياتي وأسلمك قلبي وأنا مطمن".
"اختبار؟!".
همست بها بصوت بالكاد يسمع، وهي تضع ابنتها أرضاً بعدما شعرت بارتجاف جسدها بقوة، وعدم قدرتها على حملها. ركضت الصغيرة نحو ألعابها وظلت تلهو بهم بفرحة غامرة. بينما "إسراء" أصبحت بحالة يرثى لها. حديثه كان كالصاعقة. أيعقل كل ما مرت به من فقر، ومرض وجوع كان هو السبب به؟!
"انت عايز تفهمني إنك كنت ورا كل العذاب والذل اللي مريت بيه بعد موت رامي؟!".
قالتها بصراخ مقهور وقد تلون وجهها بحمرة قاتمة.
"هعوضك.. أقسم لك بالله هعوضك عن كل لحظة تعب وحزن شفتيها في حياتك".
أردف بها "فارس" بلهفة وهو يقطع المسافة بينهما، ويجذبها لداخل حضنه بالإجبار. تلكمه هي على صدره بقوة بكلتا يديها، وقد أجهشت بالبكاء بنحيب مرددة:
"قطعت عليا أي مصدر رزق آكل منه عيش لحد ما جيت لك أنا برجلي.. لدرجاتي غرورك عماك.. أنت إيه يا أخي.. مصنوع من إيه عشان تمرمطني أنا وبنتي وأمي المرمطة دي كلها.. ده أنا كنت بدأت أشحت اللقمة عشان آكلهم".
حاولت الابتعاد عنه بشتى الطرق لكن دون جدوى. محكم سيطرته عليها، وبلحظة كان سار بها فجأة بخطوات شبه راكضة، وحصرها بينه وبين الحائط خلفها مقيد كلتا يديها بيد واحدة فوق رأسها، وتحدث بنبرة راجية وهو يزيل عبراتها بيده الأخرى قائلاً:
"أهدي واسمعيني الأول واعرفي أنا عملت كده ليه".
قطعته بصراخ:
"مش عايزة أسمع منك حاجة، وهاخد أمي وبنتي وأمشي.. مش هفضل لحظة واحدة هنا مع واحد زيك معدوم الضمير والرحمة".
صمتت لبرهة تلتقط أنفاسها وتابعت بابتسامة مصطنعة وعبراتها تهبط على وجنتيها:
"أنا كنت ناوية أقولك النهارده على اسم الراجل اللي عايز يقتلك، وورا كل اللي بيحصلك.. بس بعد اللي عملته معايا ده مش هقولك، وابعد عني مش طايقة لمستك ولا عايزة أشوف وشك تاني".
تظن هي أن الاسم الذي قاله لها زوجها اسم رجل. حاول "فارس" التحكم بوتيرة غضبه، ولكن ملامحه التي تحولت لأخرى مخيفة عكست لها أنه على وشك الانفجار.
"متقوليش يا إسراء.. أنا مسألتكيش عن اسمه، ولا هسألك.. أنا هعرف إزاي أجيبه وأصفي كل حسابي معاه".
نظر لعينيها نظرة محذرة، وتابع بنبرة لا تقبل النقاش:
"لكن خروجك من القصر بقي مستحيل.. انتي بقيتي مراتي، وهتفضلي مراتي".
نظرت لعينيه بتحدي، وأردفت بقوة أذهلته:
"نجوم السما أقرب لك مني، ولو فكرت تلمسني غصب عني، والله لأقتلك بنفسي".
تراقصت ابتسامة خبيثة على محياه، والتصق بها بحميمية مدمدماً:
"اممم.. بقي هتقتليني".
لثم وجنتيها بعمق، وتابع بمتعة:
"وأنا معنديش مانع أبداً أموت على إيدك أنتِ يا ساحرتي.. خلينا نشوف إيه اللي هيتم".
سار بلحيته الخشنة على بشرتها الناعمة. حركته هذه جعلتها تنتفض بشمئزاز مصطنع بين يديه تفهمه هو جيداً جعل ضحكاته تتعالى، وغمز لها بشقاوة:
"هتقتليني فعلاً، ولا هتموتي فيا".
رمقته بنظرة محتقرة وهي تقول:
"يبقى أنت اللي جنيت على روحك يا فارس يا دمنهوري".
.. مر أكثر من شهران..
تحول بهما جميع العاملين بالقصر إلى أفضل حال بعد القواعد التي وضعتها لهم "إسراء" سيدة القصر. أصبحت هي و "خديجة" أصدقاء مقربين. بينما علاقتها هي و"فارس" بها الكثير من المشاحنات. وهذا جعلها لم تستطع تنفيذ وعدها بقتل مغرورها إلى الآن، وهو لم يتوقف عن استغلال كل لحظة ليضمها لصدره، وينعم بقربها، ورائحتها التي أصبحت إدمانه. ولكن كل ما يزعجها ويثير غيظها وغضبها تعلق الصغيرة به. تكاد تجزم أنها أصبحت تحبه أكثر منها. وأيضاً تستشيط غيظاً من قلبها الذي أصبح ينبض بجنون حين تصل رائحة عطره المثيرة لأنفها. رغم جمودها التي تنجح في إظهاره، ولكن ما سيحدث اليوم سيغير معاملتها معه لأكثر من مائة وثمانون درجة.
.. داخل مطبخ القصر..
نظرات.. همسات.. ضحكات خبيثة.. نابعة من العاملين داخل مطبخ قصر الدمنهوري. يتطلعون لـ "إسراء" الواقفة منهمكة بإعداد الطعام بمهارة واحترافية شديدة بأعين جاحظة منذهلة. فوصفاتها جديدة كلياً عليهم. تعد أشهى الأكلات الشرقية، بينما هم لم يكونوا يصنعون سوى الطعام الغربي بمختلف أنواعه.
اقتربت منها "صابرين" مديرة المطبخ بخطى بطيئة، ووقفت جوارها تنظر لما تفعله بدهشة، وفم مفتوح ببلاهة، وبتساؤل تحدثت قائلة:
"هو انتي بتعملي إيه بالظبط؟!".
رمقتها "إسراء" بنظرة ساخرة، وهي تجيبها بلامبالاة:
"انتي شايفني بعمل إيه؟!".
"سمنة، لبن، دقيق، مكرونة، جبن كتيييير.. دهوووون أوفر جداً!!، ومفكرة فارس باشا ممكن يأكل من الأكل ده؟!".
قالتها العاملة بصوت يملؤه الغضب، والغيظ معاً. ابتسمت "إسراء" لها ابتسامة صفراء، وببرود قالت:
"ومين قالك إني بعمله للباشا بتاعك".
تذوقت الطعام بتلذذ، وتابعت بفم مملوء على آخره:
"أنا وديجا بس اللي هناكل".
همت العاملة بتوبيخها. بل والأكثر كانت تنوي سكب الطعام فوقها وهي تعلم أنه شديد السخونة، ولكن صوت "فارس" الصارم الذي تحدث بابتسامة لعوب جعلها تنتفض بفزع هي وجميع العاملين، ويقفون جميعاً صفاً واحداً خافضين رؤوسهم باحترام شديد.
"بس أنا كمان هاكل من الأكل اللي بتعمليه".
قالها "فارس" بهدوء، وهو مستند على الحائط بكتفه وواضع كلتا يده بجيب سرواله بهنجعية، وعينيه تتأمل ساحرته بنظراته جريئة لا تخلو من الاشتياق. بينما هي لم تبدِ أي اهتمام لوجوده. بل أنها حتى لم تلتفت له، وظلت تتابع ما تفعله باهتمام.
ضيق عينيه واعتلت ملامحه الوسيمة ابتسامة ماكرة، وأشار للواقفين بالمغادرة المكان فنصاعوا في الحال. سار هو نحوها بخطوات شقية وتحدث بمتعة، وثقة وغروره المعتاد قائلاً:
"واحشتك أنا عارف".
"خالص والله".
قالتها "إسراء" بدون تردد، وبنبرة جامدة دون النظر له حتى، وعندما شعرت بقترابه منها، وقرأت ما يدور بعقله من وقاحة أكملت بتهديد قائلة:
"وجرب كده تعمل اللي في دماغك وأنا أغرقك بالبشاميل اللي بيغلي ده؟!".
شهقت بعنف حين احتواها بين ضلوعه ظهرها مقابل لصدره وضمها بقوة مدمدماً بهمس داخل أذنها:
"امممم واحشتك وأوي كمان يا إسراء.. سامع نبض قلبك، وحاسس بلهفتك عليا".
انقطعت أنفاسها وارتعش جسدها الخائن باستجابة لحضنه الدافئ، وللوهلة كادت أن تنهار حصونها بين يديه. لكنها نهرت نفسها بشدة، واستجمعت قوتها، وأمسكت إناء الطعام الساخن أوهمته أنها ستقوم بسكبه عليه. لكنه قذفه من يدها بعيداً عنهما مغمغماً بعتاب:
"أتهون عليكي تحرقيني أكتر من كده.. مش كفاية نار عشقك اللي مولعة في قلبي".
أنهى جملته، وأمسك كف يدها وسار بها نحو الخارج مكملاً بسعادة شديدة:
"مش هعاقبك دلوقتي.. خليني أعرفك على أمي.. أول مرة تيجي مصر، وأول مرة أنا أشوفها على الحقيقة".
"إسراء": بخجل فشلت في إخفائه.
"استني بس هتعرفها عليا بصفتي إيه".
"فارس": بابتسامته الرزينة.
"بصفتك مراتي يا بيبي".
سار بها حتى وصل لامرأة شديدة الجمال من يراها تجلس على مقعد بجوار "خديجة" الظاهر عليها الضيق. نظرت لها "إسراء" باندهاش. فشكلها صغير للغاية على أن تكون والدته هذا الضخم الواقف بجوارها. تنقل "فارس" بنظره بينهما، وتحدث باللغة الفرنسية بطلاقة قائلاً:
"هذه إسراء زوجتي التي أخبرتك عنها".
ابتسمت لها والدته ابتسامة صفراء، وهي تنظر لها بتفحص شديد. نظر هو لـ "إسراء" وتابع بجملة كانت بمثابة صفعة مدمية حين قال:
"دي مارفيل.. أمي".
رواية غرام المغرور الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نسمة مالك
"ديمة"..
بعدما أنتهت من مشاهدة الفيديو التي أرسلته لها "صابرين" جن جنونها، وبدأت تحطم كل شيء حولها مردده بغضب..
"بقي تتجوز عليا انا الجربوعه دي يا فارس"..
صرخت بغيظ شديد وتابعت بوعيد..
"وديني لكون رميها في السجن وهخليها تتمني لو حتي ترجع للشارع اللي جبتها منه"..
أمسكت هاتفها، وهمت بطلب رقم والدها حتي يساعدها للتخلص من "إسراء"، ولكن صدع صوت رنين الهاتف..
فاسرعت بالرد بلهجه حادة قائله..
" لم يكن هذا اتفقنا مارفيل.. لقد تزوج ابنك من تلك الحمقاء"..
" اهدئي ودعينا نفكر بتعقل ولا نجعل غضبنا يخسرنا كل شئ"..
أردفت بها "مارفيل" بصرامه، وتابعت بأمر..
"لا تظهرين أمام فارس انكِ على علم بزواجه هذا.. إذا فعلتي غير ذلك سيفضلها عليكِ خصتاً ان العشق ظاهر بوضوح عليه، وسينتهي الأمر بانتهاء علاقتكما.. التزمي الصمت ،ودعينا نضع خطة نجبره بها يعقد قرانه عليكي بأسرع وقت ممكن قبل أن يعلن زواجة من تلك ال****، واطمئني فأنا هنا من أجلك"..
ابتسمت" ديمة" بفرحة وقد راقتها خطتها للغاية،وتحدثت بنبرة ساخرة قائله..
"انتي هنا من أجل نفسك فقط مارفيل.. انا أعلم هذا جيداً بعدما فشلت جميع محاولاتك للتخلص من فارس حتي تحصلي على ورثك من ثروته.. عقدتي اتفاقك معي، واطمئني لن أتراجع عنه، وسأعطيك 5مليون دولار وليس ثلاث إذا أصبحت زوجة فارس الدمنهوري"..
...................................
" إيمان"..
تسير برفقة زوجها لداخل دار أيتام.. أصبحت تتردد عليها يومياً بعدما مضت عقد مع وزارة التضامن الاجتماعي باحتضان طفل صغير أتى إلى الدار وهو لم يتم أسبوعين من عمره..
ولكن وقتها لم يصرح بستلامه إلا بعد إكمال الثلاثة أشهر للتأكد من عدم وجود أهل له..
.. فلاش باااااااااااك..
قبل اكثر من شهرين..
تقف داخل غرفة بها أكثر من طفل..يقف زوجها بجوارها ممسك بيدها.. تدور هي بعينيها بين الأطفال بلهفه..تبحث عن من سيصبح إبنها بقلبها..
صوت بكاء رضيع جذب انتباهها.. يبكي بنحيب، وإحدى العاملات تحاول اطعامه ولكنه يرفض بشدة..
"ياحبيبتي ليه بتعيط أوي كده"..
قالتها "إيمان" بحنان بالغ، وهي تقترب منهم..
اجابتها العامله..
"دا ولد مش بنت، واسمه محمود، ومش راضي ياكل خالص مع انه بيصرخ من الجوع"..
مدت "إيمان" يدها لها وهي تقول..
"ممكن اشيله لو سمحتي؟"..
أعطته لها العامله مردفه بتحذير.."بس خدي بالك هو ضعيف اوي اوعي يتلوح منك"..
ضمته "إيمان" بلهفه، وقد ادمعت عينيها وهي تتأمل ملامحه الصغيره جداً، ومالت عليه قبلته مرات متتاليه من وجنتيه، وعادت ضمه لحضنها مرة أخرى ليهدأ الصغير ويتوقف عن البكاء..
سارت به نحو زوجها وتحدث بفرحة غامرة..
"ايه رأيك ناخذه يا تامر"..
"مينفعش تاخديه.. لازم يكون مكمل تلات شهور يا مدام علشان لو ظهرلو أهل"..
كان هذا صوت العامله الذي جعل "إيمان" تبكي، وهي تضمه بلهفه أكبر وتحدثت ببكاء قائله..
"ليه بس مينفعش.. دا سكت في حضني، وأنا قلبي أتعلق بيه من اول ما عيني وقعت علي"..
قطعت حديثها، وشهقت فجأه بصدمة مردده..
" الحقني يا تامر"..
اقترب منها زوجها، ووضع يده حول كتفيها مغمغماً بقلق..
"مالك يا إيمان؟!"..
انفجرت "إيمان" بالبكاء والضحك بأن واحد، وحاولت تتحدث، ولكنها لم تستطيع النطق بحرف من شدة صدمتها..
فحملت الصغير بيد واحده، واشارت بيدها الأخرى على ثيابها التي أصبحت مبتله من منطقة الصدر..
"سبحان الله يارب.. صدرك حن ليه يا بنتي"..
قالتها العامله بنظرات مندهشه.. لتجحظ أعين "تامر" بذهول هو الأخر حين وجد زوجته ضمة الصغير، وبدأت في ارضاعة"..
" مش هاخد غيره.. خلاص دا بقي ابني"..
همست بها" إيمان" بصعوبه من بين شهقاتها،ونظرت للعامله تستجديها ان تتركه لها..
" انتي كده ممكن تحجزيه، ويفضل هنا وانتي تيجي ترضعه لحد ما يتم التلت شهور وتاخديه"..
قالتها العامله بابتسامة وهي تربت على كتف" إيمان" برفق..
نهاية الفلاش بااااك..
................................
.. بقصر الدمنهوري..
"إسراء"..
تجلس على مصليتها بعدما انتهت من صلاة الفجر حاضر..سينفجر عقلها من التفكير..
وضعت بموقف لا تحسد عليه.. ما أصعب ان تكون على علم بالحقيقه وتعجز عن البوح بها، والأصعب حين تكون هذه الحقيقه مرتبط بها حياة إنسان..
"يارب ساعدني.. أنا مش عارفه أتصرف إزاي؟!"..
همست بها بقلبها، وهي ترفع عينيها ويديها للسماء طالبه العون من رب الكون..
"اقوله ايه بس ياربي.. اقوله مامتك هي اللي عايزة تقتلك؟!"..
نظرت لوالدتها التي أنهت هي الأخري صلاتها، وغاصت بنوم عميق بجوار حفيدتها.. حاولت وضع نفسها بمكانه هو.. ماذا ستفعل إذا جائها شخص يخبرها بأن والدتها تدبر لقتلها؟! "..
هبطت دمعة حارقة على وجنتيها، وبثقه حدثت نفسها محركة رأسها بالنفي..
"مش هصدق.. لو انا مكانه مش هصدق، وهخنق بأيدي اللي يقولي كده على أمي"..
هبت واقفه فجأه، وقد طفح الكيل بها.. وبدأت تفقد السيطرة على تصرفتها..
بينما "فارس"..يجلس بغرفته ممسك بهاتفه يتابع ساحرته بشغف داخل غرفتها بنظرات يملؤها القلق..تدور حول نفسها بتوتر شديد ظاهر عليها.. تبدل حالها بين ليله وضحاها..نظرتها زائغه كمن تعرضت لصدمة فقدتها توازنها..تتجنب الحديث معه.. تتهرب بعينيها من نظرة عينيه.. لها أكثر من أسبوع لم تخرج من غرفتها على الإطلاق..
تنهد بشتياق مغمغماً بلهفه.."واحشتيني وانتي معايا تحت سقف واحد يا إسراء"..
ظلت تدور حول نفسها كثيراً، ومن ثم اقتربت من والدتها النائمة بجوار صغيرتها، ودثرتهما بالغطاء جيداً، وأخذت نفس عميق وسارت نحو حمام الغرفة بخطي مرتعشه..فهي على علم انه يتابعها الآن كعادته..
القي هو الهاتف من يده، وهرول نحو المرآه التي تعكس له ما يحدث داخل حمام غرفتها..اتسعت عينيه على أخرها بعدم تصديق حين وجدها تطرق على المرآه بستحياء طرقات هادئه..
لم يفكر مرتين، وضغط على لوحة أرقام خفيه بجانب المرآه.. لينفتح الباب الحاجز بينهما..
فركت يديها ببعضهما، ورفعت عينيها تنظر له بخجل شديد متمتمه بصوت هامس بالكاد يسمع..
"عايزه أقولك حاجة"..
ابتسم لها ابتسامة مطمئنه، ومد يده أمسك يدها، وسحبها لداخل غرفته برفق، وأغلق المرآه مغمغماً بشوق ولهفه، ويده لم تترك يدها..
"قولي أنا سامعك يا إسراء"..
ابتلعت غصه مريره بجوفها، وجاهدت لأخراج صوتها، ولكنها عجزت تماماً عن النطق بحرف، وبدأت تبكي بنحيب شديد..
توقفت عن البكاء فجأة،وقد انقطعت أنفاسها، ونظرت له بصدمة حين القي على سمعها جملة كانت بمثابة قبضه من حديد اعتصرت قلبها حين شعرت بمدى الألم بصوته..
" مش قادرة تقوليلي ان امي هي اللي عايزه تقتلني مش كده؟!"..
رفعت يدها على فمها تكتم شهقه قويه مردده بذهول..
"أنت عارف؟!"..
أكتفي بتحريك رأسه لها بالايجاب،وخلع كنزته وظل عاري الصدر أمام عينيها المتسعة على أخرها، وأشار على جرح يبدو حديث بجوار قلبه وتحدث بابتسامة قائلاً..
"دي رصاصة على ايد قناص محترف بس ربنا كتبلي عمر جديد، وعدت من جنب قلبي ب2سم بس"..
أشار على جرح اخر..
"ودي ضربة سكينه"..
استدار موليها ظهره ليظهر أكثر من جرح على كتفيه..
"وكل أثار الجروح اللي على كتافي دي رصاص برضوا"..
تنظر له بأعين زائغه، وقد أصبحت بحالة من الهذيان، وعدم التصديق ان يوجد بالحياة ام تفعل كل هذا بأبنه..
التفت لها مره أخرى ونظر لها بعينيه يترجها بل يتوسل لها أن تضمه لحضنها لعلها تخفف عنه ألمه ولو قليلاً..
"فارس؟!"..
همست بها، وصمتت بخجل.. لا تعلم ماذا تفعل وهي تري إنسان يظهر عليه كل هذا الكم من العذاب..
كان معه كل الحق بأن لا يثق بأحد.. فمن حملته ببطنها لم ترأف به، وطعنته أكثر من مرة..
ساد الصمت قليلاً يقطعه صوت شهقاتها، وبدون سابق إنظار كانو قطعا المسافه بينهما بنفس اللحظة، وعانقها بلهفه بكل قوته استقبلته هي بدون أدنى إعتراض..فهل ستخضع لمذاق الحب الحلال.. ام ستفيق وتستعيد صوابها قبل فوات الأوان..
رواية غرام المغرور الفصل العشرون 20 - بقلم نسمة مالك
دمتِ أميرتي وملكة النساء!!..
"إسراء"..
نوعية تكاد تكون نادرة.. تمتلك قلب من الماس.. تسامح من أخطأ بحقها، لكنها صعبة النسيان..
تضحك بصدق.. تحب بصدق.. تحزن بصدق..
أيقنت الآن أن الحب لا يناسبها أطلاقاً..
لإنها حين تشتاق .. تقسو،
حين تغار .. تجن،
حين تخاف .. تبتعد..
"فارس"..
رفرف قلبه فرحاً عندما رأها تبكي لأجله..هي ساحرتة المغرور التي كانت تبغضه، وترمقها بنظرات ناريه تدل على كرهها له..
الآن تضمه لحضنها بحنان بالغ..جذبته لها أكثر تحثه على الميل برأسه قليلاً لتتمكن من فحص أثار جروحه بأعين منذهلة تفيض بالدمع.. تمسد بأصابعها الصغيرة على كتفيه كأنه صغيرها، وليس زوجها..
تقف على أطراف أصابعها لتستطيع تفحصه بدقة مردده بعدم تصديق..
"إزاي قدرت تعمل فيك كده؟..إزاي قلبها طاوعها تشوفك سايح في دمك؟!"..
ابتعدت عنه بضعة أنشات،ولكنها مازالت داخل حضنه، وكلتا يده ملتفه حولها..
نظرت للجرح الكبير الذي يشق صدره بصدمة، وانهمرت عبراتها أكثر وهي تربت على صدره بقبضة يدها، وكأنها تزيل ألمه بحنانها الشديد عليه الذي أثلج قلبه وجعل أنفاسه علقت بصدره، وهو يستشعر الذبذبات الحارة المنبعثة من ملمس بشرتها على جسدة..
رفعت يدها ببطء حتي وصلت لوجهه، وضعتها على لحيته، ونظرت لعينيه نظرة زلزلت كيانه،وهمست بصعوبة من بين شهقاتها مستفسرة..
"احكيلي يا فارس ليه عملت فيك كده؟!"..
تأوه دون صوت ..فصوتها وحده يدغدغه..تعمق النظر لعينيها، وتفهم أن تأثيرها بما حدث له جعلها كالمغيبة بتعاملها معه.. الواقفه أمامه الآن هي "إسراء" الأم التي تخيلت صغيرتها بمكانه، وتحاول منحه بعض من خوف وحنان الأم الذي حرم منهم..
تأكد ان مشاعر الحب لديها مازالت خاملة..
"بحبك يا إسراء"..
قالها "فارس" هامسًا بحميمية أيقظت كل مشاعرها الخامدة تجاهه مرةً واحدة..
فتحت عينيها على وسعهما بصدمة بعدما أدركت وضعهما، وأنها بين يديه داخل صدره العاري..
شعر بتخشب جسدها بين يديه.. فمال على جبهتها بجبهته، وأخذ نفس عميق يستنشق به أنفاسها المتلاحقه أثر شدة خجلها،وهمس بلهجة أكثر خشونة و كأنه يثبت لها مشاعره و ملكيته إياها وحده..
"بحبك يا ساحرتي"..قالها بصدق شديد ظاهر على ملامحه دفعها للإنهيار داخليًا و أطلقت أنفاسها المحبوسة برئتيها..
"فارس أرجوك"..
همست بها بضعف، وهي تحاول الإبتعاد عنه، وقد بدأ جسدها ينتفض بين يديه..
أحكم يده حولها، وتابع بلهفه داخل اذنها..
"متبعديش عني.. خليني أحكيلك، وأنا جوه حضنك"..
شعر بكفها يقبض على كف يده برفق.. فحتضن يدها الصغيرة بين يده القويه، وأصابعه تتخلل أصابعها و تشتبك بهم بقوة..
دفعته برفق تحثه على السير نحو إحدي الارائك..سار معها دون أن يبعدها عن حضنه.. جلست، وجذبته يجلس جوارها، وتحدث بنبرة حانيه..
"احكيلي يا فارس انا سمعاك"..
رفع يدها على شفتيه، ولثمها مرات ومرات بعشق شديد مغمغماً..
"كنت مستنيكي تحني عليا علشان كنت مستحيل احكي لمخلوق غيرك أنتي يا إسراء"..
دار بعينيه على المكان من حوله، وعاد ينظر لها بابتسامة حزينه مكملاً..
"شوفي كل دا.. القصر..الفلوس.. الناس الكتير اللي شغالين عندي، وحتي خديجة، ووالدي ووالدتي اللي غايبين عني بالسنين..لا حضورك كحضورهم، ولا غيابك عني كغيابهم"..
أمسك كلتا يدها، وجذبها عليه، وقام بلفهما حول خصره، وضم رأسها لصدره مقبلاً شعرها قبله رقيقة مطوله مكملاً بتنهيده عاشقه..
"سبحان من زرع بقلبي عشقك"..
وضع أنامله أسفل ذقنها ورفع وجهها جعلها تنظر له.. تأمل ملامحها بفتنان، وتابع بنبهار..
"أشتاق لك وحدك.. فليت كل من حولك أنا، وليت كل من حولي أنتِ.. دمتِ لي أميرتي، وملكة النساء بعيني"..
حين يصاب القلب بمشاعر الإعجاب مع مرور الوقت تتطور هذه المشاعر للحب بل للعشق..،عندها يصبح المحب شاعراً يقول أحلى كلمات الغزل، وأرقها، وهي من أجمل الحالات التي يمر بها أيّ إنسان..
خاصةً إذا كانت كلمات صادقة، ومعبرة، وعميقة نابعة من قلب "فارس" ذاب عشقاً بساحرته الجميلة..
"إسراء"..
همسات "فارس" العاشقة لها جعلتها فتافيت امرأه، ولكنها تظهر اللامبالاة على ملامحها التي أصبحت شديدة الاحمرار من شدة خجلها..
يتأملها بأعين منبهرة بحيائها الذي أصبح نادراً ما يراه..
تدفق عشقها بقلبه كالدماء يسير بأورادته..كم راقه خجلها..
فحياء المرأة عطر أنوثتها، ويكون أشد جاذبية من جمالها..
"اتكلم يا فارس..أنا عايزه أسمعك"..
قالتها "إسراء" بهمسها الرقيق الذي يطرب أذناه..
ضغط "فارس" على يدها بقبضة يده برفق، وأخذ نفس عميق وتحدث بنبرة يملؤها الأسى..
"والدي، ووالدتي منفصلين عن بعض من سنين طويلة.. من بعد ما اتولدت على طول، والاتنين عايشين بره مصر، وبعتوني لخديجة وأنا عندي أسبوع واحد"..
اعتدل بجلسته مستنداً بظهره على الأريكه، ونظر لعينيها بابتسامة هائمه.. فنظرة عينيها كفيلة أن تخفف عنه ألم قلبه..
بادلته هي النظرة بأخرى ملتهفه تحثه على أستكمال حديثه..
"لما كبرت، وبدأت أفهم واسأل فين أبويا وأمي وأدور عليهم، وليه سبوني لعمتي تربيني وهما عايشين.. سافرت لوالدي علشان يجاوبني على كل الأسئلة اللي هتجنني دي"..
صمت لبرهه يلتقط أنفاسه وتابع بأسف..
"قابلت والدي لأول مره وانا عندي 25 سنه، ومشوفتوش تاني من وقتها وانا دلوقتي بقيت 33سنه تخيلي!!"..
امتلئت أعين "إسراء " بالعبرات مرة أخرى، وهمست بذهول..
"شوفت باباك في عمرك كله مره واحده بس ؟!"..
حرك رأسه لها بالإجاب، و أطبق جفنيه بعنف حين داهمته ذكري تلك المرة..
.. فلاش باااااااااااك..
بإحدى مدن فرنسا..
بمنزل يظهر عليه الثراء الفاحش..
دخل "فارس" بسياره خاصة من أحدث الموديلات داخل حديقة المنزل..
ترجل من السيارة ، وسار لداخل المنزل بخطوات مسرعة شبه راكضه.. ظناً منه أن والده الذي سيلتقي به لأول مرة سيقابله بلهفه وحب أبوي لنجله الوحيد الذي لم يراه منذ سنوات..
"أين أبي؟!"..
أردف بها لإحدى العاملات بالمنزل التي سارت برفقته وهي تقول بإحترام..
"تفضل سيد محمد ينتظرك بمكتبه"..
سار معها مندفعاً نحو غرفة المكتب، وفور دخوله بحث بعينيه عنه بشتياق.. لينذهل حين وجده يجلس على كرسيي مكتبه ولم يتحرك من مكانه..
"مرحباً فارس.. تفضل بالجلوس"..
قالها "محمد"،وهو يشير بيده لإحدى المقعدين الموضعان أمام مكتبه..
انهارت كل أماله بتلك اللحظه.. جمود والده آدمي قلبه.. أخفى حزنه، وخيبة أمله ورسم ابتسامة زائفه، واقترب من المقعد جلس عليه، وهو يقول..
"السنين اللي قضتها هنا خليتك تنسي لغتك الأصليه زي ما نسيت أن ليك ابن؟!"..
"وأنا لو كنت نسيت إنك ابني زي ما بتقول كنت كتبتلك كل أملاكي"..
قالها "محمد" وهو يفتح خزنته الخاصه، وأخرج منها بعض الأوراق ووضعهم أمامه..
ضحك "فارس" بقوة ضحكة يخفي بها صدمته الشديدة التي تعتصر روحه وقلبه.. مدمدماً بنبرة ساخرة..
"بقي انا أسافرلك من بلد لبلد علشان أشوفك و؟! "..
قطع حديثه، وتابع بسره..
" اترمي في حضنك"..
نظر له نظرة يملؤها الخذلان مكملاً..
"وأنت بتديني فلوس اممم اعتبر دا تعويض عن غيابك عني طول السنين اللي فاتت؟"..
أجابه "محمد" إجابه كانت كالسهم المسموم اخترق قلبه على حين غرة حين قال بصوت غاضب شق أرجاء المكان..
"الفلوس اللي مش عجباك دي أنا اشتريت حياتك بيها بعد ما أمك كانت مصرة أنها تنزلك وهي حامل فيك"..
ضرب على المكتب بكف يده بقوة، وبدأ يفقد السيطرة على أعصابه من شدة غضبه مكملاً..
"أمك اللي رسمت عليا الحب لحد ما عشقتها،ومرضتش المسها إلا لما اتجوزتها وخلتها هانم وفي الاخر تطلع متجوزاني علشان تتمتع بفلوسي، ومش عايزه تخلف مني، وخدت مليون دولار علشان تسيبك عايش، وأول ما ولدتك رمتك ليا وأطلقت مني، وجت من كام شهر عايزه ترجعلي بعد ما فلوسها خلصت.. قولتلها موافق بس أنا كتبت كل أملاكي بأسم ابنك.. سابتني تاني،ومشيت فكراني هرجع في كلامي واديها مليم واحد تاني من فلوسي"..
يستمع "فارس" له بملامح هادئة،ولكنها أثارت قلق والده..يعلم أن حديثه كان شديد القسوة.. ينظر له نظرة خالية من المشاعر.. وبصوت يملؤه القهر والحسرة تحدث قائلاً..
" خدت هي الفلوس تعيش بيها حياتها، وأنت رمتني لأختك في مصر تربيني، وعشت حياتك هنا، وانا بقيت يتيم في حياتكم"..
أنهى جملته، وسار لخارج المكتب.. بل لخارج المنزل بأكمله..
.. نهاية الفلاش بااااك..
"عايزة تموتني يا إسراء علشان تورثني..مع إني ببعتلها كل شهر مبلغ كبير يكفيها وزياده"..
قالها "فارس" بابتسامة زائفه..
أمسك كلتا يدها بين يديه، ورفعهما على لحيته يحثها على احتضان وجهه بين كفيها..
"تعرفي اني أول مرة أشوف امي لما جت من السفر،و رغم كل اللي عملته فيا دا الا إني مقدرتش امنع فرحتي برجوعها"..
حاولت" إسراء "السيطرة على حدة بكائها.. فحديثه اعتصر قلبها بقوه، وتحدثت بخوف ظهر على محياها..
"طيب انت عرفت إزاي ان هي ورا اللي حصلك، وناوي تعمل معاها ايه؟!"..
" فارس ".. " رجالتي فضلوا ورا سيد شعلان لحد ما أعترف بكل حاجه، ولو على اللي هعمله فيها؟!"..
اشتعلت عينيه بغضب حارق، وتابع وهو يصطك على أسنانه..
"أنا أقدر اقتلها وأخد عزاها بنفسي وماخدش فيها يوم واحد حبس"..
شهقت" إسراء "بعنف، واجهشت بالبكاء، وتحدثت بتعقل وهي تربت على لحيته كمحاولة منها لتهدئة وتيرة غضبه..
"أستهدي بالله يا فارس، واستغفر ربك، وافتكر انها مهما عملت هتفضل أمك، ولو اذتها صدقني هتندم طول عمرك، ومش هتقدر تسامح نفسك أبداً "..
نظر لها قليلاً.. نظرة غريق وأخيراً وجد منقذه، وبلحظه كان سحبها من خصرها اجلسها على قدميه.. ضمها لصدره بلهفه، وهو يطبع قبله عميقه على وجنتيها مغمغماً..
" لو مكنتيش في حياتي.. صدقيني كنت هعمل كده فعلاً.. لكن دلوقتي أنا مستعد أديها كل ما أملك بس تسبني أعيش اللي باقي من عمري معاكي"..
ارتجف جسدها بين يديه حين سار بأنفه على وجهها نزولاً لعنقها، وهو يهمس لها بإحدى كلمات الغرام، وانفاسه الساخنه تلفح بشرتها..
"أحببتك حباً لو تحول إلى ماء لأغرق العالم بأسره.. أحتفظ بكِ لأنك أثمن أشيائي.. فكيف لا أحبك أكثر من نفسي وكل نبضة من نبضات قلبي تخفق باسمك.. أحبك بعدد أنفاسي وأنفاسك وأنفاسهم جميعاً"..
لوهله أغلقت عينيها ببطء مستمتعه بهمساته وكلماته التي ترضي غرور الأنثى بداخلها..فهي بالخير امرأه كباقي النساء تأثرها كلمات الغزل.. شعر بستجابتها بين يديه فضمها أكثر، وبدأ يمطرها بوابل قبلاته العاشقه على وجنتيها وعنقها تاركاً صك ملكيته عليها..
" ليه بتفضلي لابسه فستانك الأسود دا حتي وأنتي نايمة.. انا جيبلك بيجامات،و قمصان نوم متأكد أنها هتجنن عليكي"..
قالها وهو يفتح سحاب فستانها، وهي أصبحت ضائعه.. بل تائهه بين همساته، ولمساته الخبيره..
ذادت لمساته جرائه جعلتها تطلق آهه خافضه أطارت بها اللُب من عقله..لكنه توقف فجأة، وتصلب جسده كمن تعرض لصاعقه قوية ستظهر غروره مرة أخرى ولكن هذه المرة سيكون مضاعف كمحاولة منه للحفاظ على كرامته.. حين تأوهت هي مردده بشتياق..
" رامي واحشتيني"..
رواية غرام المغرور الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نسمة مالك
"أنا فارس".. أردف بها بابتسامة مصطنعة يخفي بها مدي ألمه كعادته.
جعلها تعود لواقعها الذي صدمها بعدم وجود أثر لـ "رامي"، وأنها كانت بين أحضان زوجها الجديد "فارس".
تشنجت بين يديه، وأطلقت شهقة عميقة وقد فتحت عينيها مرة واحدة، ونظرت له بفزع ورعب شديد ظهر على ملامحها الرقيقة.
وبصوت متقطع باكي همست: "اسمعني يا فارس؟!"
قطعت حديثها حين رفع يده، ووضع أنامله على فمها يمنعها من الحديث.
عينيه تتأملها بنظرة لم تستطع تفسيرها، ولكن نظرته مليئة بالألم الذي لا يتحمله أحد.
عقدت حاجبيها بدهشة وهي ترى حالة الجمود على ملامحه وعينيه القوية التي لم تلمع حتى بالعبرات رغم كل ما مر به من عذاب طيلة حياته.
بينما هو قلبه ينزف بلا رحمة.
دون قصد منها جرحت كرامته ورجولته.
يعلم أن معها كل الحق، وجزء ما بداخله التمس لها العذر، ولكن كبرياؤه الكبير الذي يصل في بعض الأحيان إلى الغرور طغى على هذا الجزء الصغير.
ظهرت على شفتيه ابتسامة أثارت الهلع بقلب "إسراء"، خاصةً حين قبض على ذراعها فجأة بقبضة يده بعنف، قبضة آلمتها.
تراجع برأسه للخلف عنها قليلاً، وتأمل جسدها بأعين جريئة وقد تخلص من فستانها، وأصبحت بقميص من القطن من اللون الأصفر ذات حمالات رفيعة للغاية.
"كل جزء فيكِ له حقه من الدلال قاتلتي.. فبماذا أصفكِ وقد تغلغل حنانكِ في أوردتي وكل الحزن يتبدد بين راحتيكِ".. همس بها بداخله.
ومن ثم رمقها بنظرة محتقرة، ودفعها بعيداً عنه.
وهب واقفاً نحو الطاولة الموضوع عليها أغراضه.
أخذ سيجار وقام بأشعالها، وبدأ يتناولها بشراهة ينفس بها غضبه الذي على وشك الانفجار، وصدره يعلو ويهبط بقوة، وقد عاد مغرورها مرة أخرى.
"أنا من حقي عليك تسمعني زي ما أنا سمعتك يا فارس".. همست بها وهي تستند على الأريكة وتهب واقفة بضعف.
وسارت نحوه بخطى متثاقلة حتى أصبحت خلفه مباشرةً.
"على أوضتك".. قالها بنبرة محذرة دون أن يلتفت لها.
استدارت هي وواقفت أمامه وتحدثت بقوة، ولم تبالي لنظرته الحارقة لها.
"مش همشي قبل ما أقولك إني لحد دلوقتي عقلي مش مستوعب اللي حصلي".
بكت بحرقة مكملة: "أنا بين يوم وليلة جوزي اللي كان شايلني جوه قلبه وعنيه، وبيعاملني أنا ووالدتي أحسن معاملة راح مني في عز شبابه.. مات مقهور، وسابني اتبهدل من بعده".
صمتت لبرهة تلتقط أنفاسها، وتابعت: "إنسان صاني، وعمره ما هاني، ومشفتش منه غير كل حب وخير مستحيل أنساه بالسهولة دي، واترمي في حضنك وأنا لسه منستش اللي أنت عملته فيا.. جايز أكون سامحتك بعد ما عرفت اللي خلاك تعمل كده فيا.. بس منستش".
بكت بنهيار أكبر، وقد أغضبها جموده، ونظرته المحتقرة التي يرمقها بها.
"أنت بتبصلي كده ليه؟! أيييه أنت عايزني أترمي في حضنك، وأنسى الزل والإهانة وصريخ بنتي من الجوع، ووجع أمي اللي مش عارفة أوفرلها تمن علاجها، وكل دا بسببك أنت".
صمتت فجأة حين شعرت بدوار قوي يجتاحها بعنف.
تحطم جمود "فارس" عندما رأى تطور حالتها إلى الإعياء الشديد.
حيث شحب وجهها وازرقّت شفاهها بلحظة.
انقبض قلبه حين شعر بأصابعها الباردة تقبض على كفه بقوة دون سابق إنذار.
"مالك يا إسراء؟!" تساءل "فارس" بقلقٍ جم.
استغرق الأمر منها بضع لحظاتٍ، حتى تمكنت من الرد عليه ببطء وضعف شديد.
"مش عارفه".
اجتذبها فورًا من ذراعها ليقعدها فوق الفراش وهو يفرك ظهرها وكتفيها، وقد رأى الخوف يملأ عينيها منه مدمدمًا.
"أهدي.. متخفيش مني.. أهدي".
هدأت قليلاً وبدأت تستعيد توازنها رويداً، ولكن "فارس" شعر بألم حاد ينهش رأسه نزولاً بعينيه.
فرفع يده وضعها على عينيه وتأوه بألم بصوت عالٍ للغاية جعل قلبها لأول مرة ينتفض بلهفة وفزع عليه.
رواية غرام المغرور الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نسمة مالك
رغم انتفاضة قلبه من قرب ساحرته التي تضم رأسه لصدرها بحنان بالغ، وتبكي بنحيب غير عابئه لنظرات العاملين بالقصر من حولها..
تربت على ظهره تاره، وكتفه تاره، وتمسد على خصلات شعره بأناملها تاره أخرى..
متمتمه بإذنه بنبرة نادمة: "أنا السبب في زعلك.. أنا أسفه يا فارس مكنش قصدي والله"
لوهله أغلق عينيه بستمتاع، وأخذ نفس عميق يملئ رئتيه من عطر جسدها، وهم برفع يده، وضمها له أكثر..
لكنه تراجع في الحال، ودفعها بعيداً عنه برفق، وتحدث بصرامه قائلاً: "عايز ابقي لوحدي"
حاولت إسراء إمساك كف يده.. لكنه سحبها من يدها، وتابع بأمر موجهه حديثه للطبيبه: "شوفيلي اي مسكن يضيع الصداع اللي هيفرتك دماغي دا، ومش عايز حد معايا هنا"
أقتربت منه خديجه، واحتضنت وجهه بين يديها وتحدثت بنبرة جانيه يملؤها الألم: "أنت طول عمرك لوحدك يا حبيبي.. وآخرة الوحده تعبتك ووجعت قلبي عليك يا فارس"
أبتسم لها ابتسامته الحزينه، وتحدث برجاء قائلاً: "عايز أبقى لوحدي يا ديجا، ومتخفيش عليا من الوحدة أنا وهي عشرة عمر"
ساد الصمت قليلاً يقطعه صوت شهقات إسراء التي تعتصر قلب هذا العاشق رغم غاضبه منها، ولكن هناك جزء بقاع قلبه أكثر من سعيد ببكائها لأجله..
رسم الجمود على ملامحه، وتحدث بنفاذ صبر مردداً: "فين الزفت المسكن؟!"
ارتجفت الطبيه بخوف، وتحدثت بأسف قائله: "مش هينفع يا فارس باشا أدى حضرتك اي نوع مسكن غير لما طبيب عيون يكشف على سيادتك ويكتبلك على علاج، ولازم الكشف دا يتم في أسرع وقت قبل ما حالة حضرتك تدهور أكتر من كده"
حرك فارس رأسه بالايجاب، وترجع على الفراش.. تسطح عليه، واضعاً كف يده فوق عينيه، وتحدث بأمر قائلاً: "خديهم يا ديجا.. مش عايز حد هنا"
"حتي أنا يا فارس؟!" همست بها إسراء بداخلها، ولكن لسانها وخجلها منعوها من النطق بها..
فأجهشت بالبكاء أكثر كرسالة منها تخبره بها أنها تريد المكوث معه، وقد تفهمها هو جيداً، ولكن كرامته، ورجولته المجروحه بسببها أجبرته على معاملتها ببعض القسوة، وتابع بحدة قائلاً: "خصوصاً اللي بتزن دي.. أطلعي عيطي برة مش ناقص وجع دماغ زيادة"
شعرت بدلو من الماء البارد ينسكب فوقها خاصةً حين رأت نظرات الشماته من صابرين، وجميع العاملين بالقصر..
نظرت له نظرة رأها هو بقلبه، ومن ثم هرولت نحو الخارج بخطوات راكضة..
ليصرخ هو بداخله قائلاً: "كنتي خليكي يا إسراء.. كنت عايزك تفضلي حضناني"
تملك منه غضبه أكثر بعد خروجها.. فتحدث بصوت جوهري دب الرعب بأوصال الواقفين من حوله: "برررره.. كلو برررره يله.. مش عايز حد هنا يا خديجه.. عايز ابقي لوحدي"
"حاضر.. حاضر يا حبيبي.. أهدي" أردفت بها، وهي تدفع الواقفين للخارج، وانسحبت هي الأخرى معهم لتتفادي غضبه التي تحفظه عن ظهر قلب..
ومن وقتها وهي لم تخطو داخل جناحه.. بينما هو رافض رفض تام الطعام، والعلاج.. حتى لم يدع أحد من الأطباء التي جلبتهم له خديجه أن يفحصه..
كل ما يريده هي ساحرته فقط....
فاق من شروده على صوت إلهام الحنون: "اللي واخد عقلك يتهني بيه"
تنهد فارس تنهيده حزينه، وضم الصغيره الجالسه على قدميه لصدره مقبلاً جبهتها: "إسراء.. إسراء هي اللي واخده عقلي، وقلبي كمان يا مدام إلهام"
تهللت أسارير إلهام ظناً منها انه يقصد ابنتها، وتحدثت بفرحة غامرة قائله: "ربنا يهدي سركم، ويصلح حالكم ويجعلكم عوض لقلوب بعض"
"أنا قصدي إسراء الصغيرة على فكرة" أردف بها فارس بلامبالاه، وجمود مصطنع..
بينما قلبه يأمن على دعائها..
ضحكت إلهام حين قرأت ما يدور بخاطره مدمدمه بمزاح: "اممم ما أنا كمان يا ابني قصدي على إسلاء الصغيرة مش إسراء بنتي"
....................................
بغرفة مارفيل..
ممسكه هاتفها ترسل منه رسائل نصيه محتواها: "ديمه احضري إلى القصر الآن.. يحدث الكثير من الأمور حولي لا أستطيع فهمها، ولا أحد يريد إخباري حتي خديجه الحمقاء"
اجابتها ديما برسالة هي الأخري: "أنا بالطريق اليكِ.. سأصل في غضون دقائق لا تقلقي، وسأظل لفترة معاكي بالقصر.. لن أرحل حتي أنهى أمر تلك ال*** التي تزوجها ابنك"
....................................
" غفران "..
يقود سيارته الخاصه بسرعة فائقه خلفه أكثر من سيارة أحدهما سيارة إسعاف..
بعدما أخبرته خديجه عن حالة صديقه ترك كل ما بيده على الفور و أجري إتصالاته لأكثر من طبيب مختص بمرض العيون، ويسير الآن بطريقه نحو قصر الدمنهوري بوجهه يظهر عليه القلق، والغضب بأن واحد..
ضرب على المقود بقبضة يده بقوة مغمغماً: "فضلت تكتم جواك، وغرورك منعك تحكيلي وأنا أقرب صاحب ليك.. بس أنا اللي غلطان علشان سبتك بمزاجك"
لكم المقود بقوة أكبر: "أنا غبي سبتك لوحدك يا صاحبي"
"أهدي يا غفران باشا.. بإذن الله هيبقي كويس" كان هذا صوت إحدي الأطباء يجلس بالمقعد المجاور له..
لينتبه غفران لرنين هاتفه..
أطبق جفنيه بعنف، وأسرع بالضغط على زر الفتح، وتحدث بهدوء رغم غضبه: " عهد أنا رايح مشوار مهم.. هخلص وأكلمك"
كانت تستعد لبدأ شجار معه.. فهو غائب عن المنزل منذ أكثر من ثلاثة أيام، وأخبرها بعودته اليوم..
زحف القلق لقلبها حين استمعت لصوته يحاول يخفي عنها نبرة الألم به..
"مالك يا غفران.. حاجة حصلت؟!"
اجابها على الفور حين شعر بخوفها الشديد الذي جعل عبراتها تملئ عينيها: "أهدي أنا كويس.. بس فارس صاحبي تعب شويه، وأنا واخد دكتور ورايحله في الطريق.. هخلص واكلمك علشان داخل على البيت عنده"
"خلي بالك من نفسك، ومتتاخرش عليا يا حبيبي" قالتها عهد بلهفة عاشقة......................................
"إسراء"..
أنتهت من تحضير وجبة ساخنه لزوجها..
نظرت لما فعلته بنظره راضيه، وقد ابذلت قصاري جهدها حتي يروق الطعام مغرورها..
"لو حكمت هأكلك بأيدي كمان يا فارس.. بس تاكل، وتوافق تتعالج.. علشان أنا مش قادرة أشوفك كده" همست بها بسرها، وقد ترقرقت العبرات بعينها..
رفعت يدها، وضعتها على قلبها تحاول تهدئة سرعة دقاته التي لا تعلم سببها..
جحظت عينيها حين شعرت بلهفتها عليه، واشتياقها له..
أيعقل تشتاق إليه؟!..
توردت وجنتيها بحمرة الخجل، وانبلجت ابتسامة على محياها حين ترددت بأذنها همساته العاشقه لها..
أسرعت بوضع الطعام على العربه المخصصه له، وسارت لخارج المطبخ متجهه نحو المصعد المؤدي للطابق الموجود به جناحه..
ليوقفها صوت آخر من تتمني وجودها الآن: "أستنى عندك؟!"
أردفت بها ديمة بنبره أمره..
ألتفت إسراء ببطء، وتطلعت لصاحبة الصوت..
أمراءه ذات شعر أسود وطويل بعض الشئ.. بشرتها برونزية صافيه، وملامحها جريئه يظهر عليها بوضوح بعض عمليات التجميل..
ثيابها قصيره للغاية..
"واخده الأكل دا لمين؟!"
قبل أن تنطق إسراء بحرف اجابتها صابرين بابتسامة منتصرة..
"دا اكل فارس باشا يا هانم"
أقتربت ديمه من إسراء، ودفعتها بقليل من العنف، وامسكت العربه، وسارت بها لداخل المصعد وهي تقول: "خليكي أنتي.. أنا هوديه، و أكله بنفسي كمان.. هو بيحب يأكل من أيدي"
صكت إسراء على أسنانها بغيظ شديد، وهرولت نحو الدرج بخطوات راكضة، وقد أغرقت عبراتها وجهها..
مرت من أمام جناح فارس المغلق ومن داخلها تتمني ان تدخل له قبل أن تصل تلك الديمة..
لوهله فكرت ان تفعلها، ولكنها تراجعت واتجهت نحو غرفتها..
دفعت الباب وخطت للداخل، واغلقته خلفها بعنف..
"بسم الله الرحمن الرحيم.. خضتيني يابت إسراء؟!" قالتها إلهام بعتاب، ونظرت لها بلهفه حين رأتها تبكي..
"مالك يا ضنايا.. بتعيطي ليه.. تعالي في حضني؟!"
ركضت نحوها إسراء وارتمت داخل خضنها تبكي بنحيب مردده: "انا نحس يا ماما.. أنا مليش حظ، ولا مكتوبلي الراحه أبداً"
ربتت إلهام على ظهرها، وتحدثت بتعقل قائله: "استغفري ربنا يابنتي.. متقوليش كده.. قولي الحمد لله، وقومي روحي لجوزك.. خليكي معاه.. المفروض تبقي أنتي دلوقتي اول واحده جنبه.. تبقي عينيه اللي بيشوف بيها يا ضنايا.. مش سيباه للممرضه هتساعده قال ايه ياخد شاور قال"
توقفت إسراء عن البكاء، وانتفضت واقفه فجأه فوق الفراش وتحدثت بصوت اشبه بالصراخ: "تساعده ياخد اييييييييييييه؟!"
لوة إلهام فمها أكثر من مره، وصفقت بكلتا يدها وهي تقول: "ياخد شاور.. أنا مكنتش فاهمه قصدها.. سألتها يعني ايه.. ردت بكل بجاحة وعين يدب فيها رصاصة انها هتحميه"
أشارت على ابنتها بيدها وتابعت بغضب: "خليكي انتي هنا بتعيطي على خيبتك، وسايبه واحده غريبه تحمي جوزك"
دارت إسراء حول نفسها، وقد أصبحت بحالة من الجنون، وتحدثت ببكاء من شدة غيظها مردده: "واحده هتحميه، والتانيه هتأكله؟!"
مسحت عبراتها بقوة، وأخذت نفس عميق، واندفعت لداخل حمام غرفتها، وقفت أمام المرآه، وبدأت تطرق عليها بكل قوتها حتي تحطمت، ولكنها لم تتوقف عن الطرق غير عابئه ليدها التي بدأت تنزف أثر جرح عميق بها..
طرقاتها جعلت فارس يتحدث بأمر قائلاً: "كلو يطلع برة حالاً"