تحميل رواية «غرام المغرور» PDF
بقلم نسمة مالك
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجلس على جانب الطريق أمام مقر عمل زوجها كعادتها مؤخراً. عيناها تنهمر منها عبراتها بلا توقف. بين يوم وليله انقلبت حياتها رأساً على عقب. توفي زوجها الحبيب بعد زواج استمر لثلاث سنوات فقط، وأصبحت أرملة وهي لم تتم عامها الثاني والعشرون. تدهور بها الحال للغاية، ووصل بها الأمر أنها تركت شقتها الصغيرة التي كانت تسكن بها هي وزوجها بعدما قامت ببيع كافة أثاثها حتى تستطيع الإنفاق على صغيرتها ذات العام والنصف. وانتقلت للعيش برفقة والدتها التي بالأساس كان ينفق عليها زوجها نظراً لضيق الحال، ولأنهما من طبقة أقل...
رواية غرام المغرور الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نسمة مالك
"فارس".. خلع كنزته السوداء وهو يسير نحو حمام الجناح، ولكن تلك الطرقات العنيفة وصوت تحطيم المرآة جعل قلبه ينتفض بخوف على ساحرته.
شهقت "خديجة" الواقفة داخل غرفة ملابسه تجلب له ثيابًا نظيفة، وركضت نحو الخارج مردفة بفزع:
"إيه صوت الخبط والتكسير دا يا فارس؟!"
"ديجا خرجي كل اللي في الأوضة حالاً".. قالها "فارس" بنبرته الصارمة.
لتسرع "خديجة" نحو الطبيبة ومساعدتها، ودفعتهمًا نحو الخارج بلطف:
"تعالوا معايا بره شوية".
"فارس" بنبرة هادئة:
"مدخليش حد عليا دلوقتي خالص يا ديجا".
تنهدت "خديجة" بحزن على حالته، وتحدثت قبل أن تغلق الباب خلفها قائلة:
"حاضر يا حبيبي.. لو احتجت حاجة أنا واقفة قدام الباب.. نادي عليا، وخد بالك غفران صاحبك جاي في الطريق".
أنهت جملتها، وأغلقت الباب خلفها.
لتنصدم بـ "ديما" التي أوقفت عربة الطعام، وركضت عليها.
ارتمت داخل حضنها تبكي باصطناع مدمدمة:
"ماله فارس يا ديجا.. إيه اللي حصله".
ربتت "خديجة" على ظهرها، وهي تقول ببعض الضيق:
"أهدي يا ديما.. فارس كويس".
ابتعدت عنها "ديما" واتجهت نحو الباب وهمت بفتحه مرددة:
"أنا عايزة أشوفه، وأطمن عليه بنفسي".
لتوقفها يد "خديجة" التي تحدثت بصرامة قائلة:
"فارس مش عايز يشوف أي حد دلوقتي.. حتى أنا خرجني من عنده".
رفعت "ديما" حاجبيها بتعجب، وعقدت ذراعيها أمام صدرها، وأشارت بعينيها على عربة الطعام وتحدثت بابتسامة مصطنعة:
"طيب خليني أدخله الأكل وأخرج على طول".
حركت "خديجة" رأسها بالنفي قائلة:
"سيبي الأكل هنا، وأنا هبقى أدخله لما هو يطلبه".
"عزيزتي ديمه".. كان هذا صوت "مارفيل".
شهقت "ديما" بتفاجؤ زائف، وركضت نحوها واحتضنتها بعدها:
"مارفيل اشتقت لكِ كثيرًا".
"وأنا أيضًا صغيرتي".
جذبتها "مارفيل" لداخل غرفتها، وأغلقت الباب خلفهما بعدما رمقت "خديجة" بنظرة ساخرة لم تبالي لها "خديجة"، بل بادلتها نظرتها هذه بابتسامة أثارت القلق بقلبها.
أما داخل جناح "فارس".. هرول "فارس" بحذر نحو لوحة الأرقام الخفية بجوار المرآة، ووضع إحدى أصابعه على الجزء الخاص ببصمة اليد.
ليفتح الباب الحاجز بينه وبين زوجته.
تقف "إسراء" بوجه غاضب بشدة، تتنفس بصوت عالٍ للغاية يصل لسمع ذلك العاشق الذي يرسم على ملامحه الجمود رغم أن قلبه يتراقص فرحًا بنجاح خطته التي أملها على "إلهام" بأن إحدى الممرضات ستقوم بمساعدته على الاستحمام ليرى رد فعل ساحرته.
كبح ابتسامته بصعوبة حين شعر بالنيران التي تنبعث منها، وقد بدأت تستشيط هي غيظًا أكثر حين وجدته يقف أمامها يرتدي سروالًا من القطن لونه رمادي، عاري الصدر تمامًا.
رفع هو يده، وضعها على عينه اليسرى، ونظر لها بعينه اليمنى من منبت شعرها حتى قدميها بتفحص، حتى لمح يدها النازفة، والزجاج المحطم المتناثر أرضًا حولها.
بلمح البصر كان قطع المسافة بينهما، ولف يده حول خصرها، رفعها عن الأرض داخل حضنه، ومر بها من فوق الزجاج لداخل الجناح.
شهقت هي بصوت خفيض، وأسرعت بمحاوطة عنقه، والتمسك به مرددة بلهفة:
"حاسب فيه إزاز ليعور رجلك".
"شوفته.. ما أنا بقيت أشوف بعيني اليمين شوية.. وبعدين أنتي خايفة عليا مثلاً؟!".. همس بها داخل أذنها بصوته الذي أصبح يبعثر مشاعرها.
سار بها نحو أقرب أريكة، ومال قليلاً ليضعها عليها.
لكنها تمسكت به بكلتا يدها، وبدأت تبكي بصمت.
تمسكها به هكذا جعل نبضات قلبه تصل لعنان السماء، ولكنه مصطنع البرود والجمود معها.
ليشعر هو بسائل دافئ على كتفه يؤكد له أن يدها بالفعل قد جُرحت.
"ممكن أفهم سبب جنانك دا إيه عشان تكسري المراية، وتعوري إيدك بالشكل دا؟!".. قالها وهو يمسك يدها ويضغط على جرحها بقبضة يده ليوقف تدفق الدماء.
تأوهت هي بصوت خفيض، ورفعت يدها الأخرى وضعتها على لحيته، وهمست بصوت باكي قائلة:
"أنا عارفة إن اللي عملته غلط كبير، ويعتبر خيانة كمان إني أنطق اسم واحد تاني بعد ما بقيت على ذمتك، ومتأكدة إنها حاجة صعبة ومتتغفرش، وأنك اتحكمت في غضبك مني وقتها ومرضتش تكسر عضمي رغم إن دا حقك".
صمتت لبرهة، وأجهشت بالبكاء بنحيب أكبر.
ليستجديها قلبه أن تكمل حديثها الذي يطفئ نيران غيرته وغضبه منها.
ابتلعت ريقها بتوتر، وتابعت بصوت متقطع يدل على شدة خجلها:
"بعترف إن حقك تزعل مني، وبوعدك إني مش هكررها تاني عشان أنا حطيت نفسي مكانك، وتخيلت لو أنت اللي نطقت باسم واحدة تانية وأنا في حضنك مكنتش هسمي عليك الصراحة".
اعتدلت داخل حضنه، وتعلقت بكلتا يدها بعنقه جذبته عليها حتى تلامست جبهتهما، وأكملت من أسفل أسنانها:
"فحط أنت نفسك مكاني، وقولي أعمل إيه لما أعرف إن في هبابة هتحميك، وزفتة هتاكل الأكل اللي أنا عملتهولك بأيدي؟!".
ساحرته تغار عليه يا الله.. هل يمكن لأحد تخيل سعادته الآن.
انبلجت ابتسامة ماكرة على ملامحه الوسيمة، وقد عاد "فارس" بجرأته التي لا تستطيع أن تنكر أنها اشتاقتها كثيرًا، وسار بأنفه على وجهها حتى وصل لأذنها، وهمس بأنفاس ساخنة تلفح بشرتها تجبرها على غلق عينيها بستمتاع من قربه المعصف والمهلك لأنوثتها:
"هقولك تعملي إيه يا ساحرة".
دفن وجهه بعنقها يستنشق عبيرها بعمق، وتابع بخبث:
"أنا بين إيديك أهو.. أكِليني".
لثم كتفها مرات متتالية مكملاً بجملة جعلتها تنتفض بين يديه، وتدفن وجهها بحنايا صدره بخجل حين قال:
"وبعدين نشوف حكاية الشاور دي سوا".
"إسراء".. رغم أنها كانت متزوجة من قبل، ومرت بلحظات حميمة برفقة زوجها السابق الذي كان يحبها وكانت هي تبادله نفس المشاعر.
إلا أن هذا "الفارس" يجعلها تذوب بين يديه كقطعة الثلج حين تسقط بين نيران عشقه التي تجعلها تكاد أن تفقد وعيها من شدة خجلها.
لا تنكر أنها أحبت زوجها، ولكنها الآن سقطت داخل دوامة تسحبها لقاع محيط من العشق الخالص الذي يتغلل جميع حواسها دون إعطائها حرية الاختيار.
تحيا حالة خاصة من العشق لم تصادفها يومًا بحياتها.
طريقة مغرورها معها المتمكنة والخبيرة في معاملة النساء تجبرها على الاستسلام الكامل له برضى تام.
هي الآن أصبحت مجبرة وليست مخيرة أمام بركان عشقه، وأيقنت أن معه كل الحق، والحب بل العشق سيكون مقابل السلام.
"فارس".. بعدما اطمئن على جرح يد زوجته، وقام بتضميده بنفسه.
يسرق لحظات من الزمن داخل حضنها.
يهمس لها بالكثير من كلمات الغزل من بين سيل قبلاته الرقيقة على كافة وجهها، وخاصةً وجنتيها المتوهجة بحمرة الخجل التي تثير جنونه بها.
"بعشقك يا إسراء يا نقطة ضعفي".. قالها بصوته المدمر لتنهار جميع حصونها، وتتكور داخل حضنه تختبئ منه فيه.
فهمساته وقبلاته جعلتها تائهة بين حنايا صدره.
تجاهد للسيطرة على ارتجاف جسدها بين يديه، ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا.
"فارس.. أرجوك اسمعني.. عندي كلام كتير عايزة أقولك عليه، وكمان عايزة أطلب منك حاجة".. همست بها "إسراء" بضعف، بصوت بالكاد يُسمع.
ابتعد بشفتيه عنها على مضض.
يتنفس بصعوبة بعدما خطفت هي أنفاسه، وقلبه الذي أوشك على مغادرة ضلوعه من عنف دقاته.
ضمها لصدره بقوة.
يربت على ظهرها بكلتا يديه.
أخذ الأمر منه عدة لحظات حتى استعاد أنفاسه المسلوبة، وتحدث بتنهيدة عاشقة مغمغماً:
"اتكلمي.. قولي كل اللي في قلبك، واطلبي اللي تتمنيه وأنا أجبهولك حالًا بين إيديكي يا حبيبتي".
رفعت وجهها، ونظرت له بعينيها الناعسة، وأهدته ابتسامتها الساحرة التي تجعله يتأمل ملامحها البريئة بفتنان، ويتغزل بها بأجمل عبارات الغزل قائلاً:
"عندما أخاف عليك وأهتم لحزنك ليس لأنه واجب علي ولكن بين أضلعي قلب يأمرني بذلك يا ساحرتي".
"فارس أنت شايفني؟!".. قالتها بهمس باكي، وهي تطلع لعينيه بلهفة.
أجابها بنبرة مازحة:
"بعين واحدة يا بيبي.. الثانية شايف بيها على خفيف كده".
أغلقت عينيها هروبًا من عينيه حتى لا يرى أثر كلماته الساحرة عليها.
أخذت نفسًا عميقًا، وهمست باستحياء قائلة:
"ممكن براحة عليا شوية يا فارس.. أنا مش مستوعبة كلامك، ولا حمل عمايلك معايا دي كلها".
قالتها، ودفنت وجهها بين كفيها جعلته يقهقه بصوته كله.
منذ زمن لم يستمع من في القصر لصوت ضحكته.
ضحكته وصلت لسمع "خديجة" الواقفة أمام باب جناحه جعلت عينيها تلتمع بعبرات الفرحة، وابتسامة هادئة تزين ملامحها الرقيقة، وتمتمت لنفسها ببكاء وضحك بأن واحد:
"ضحكتك وحشتني يا حبيبي".
عقدت حاجبيها بدهشة حين رأت إحدى العاملات بشركة "فارس" خرجت من المصعد، واقتربت منها.
وقفت أمامها وتحدثت بابتسامة واسعة قائلة:
"مساء الخير يا خديجة هانم.. أنا سوسو سكرتيرة فارس باشا".
رمقتها "خديجة" بنظرة منذهلة من طريقة حديثها المصطنعة، وتحدثت مستفسرة:
"اممم وجاية هنا ليه؟!".
أظهرت ملفًا من الأوراق أمام أعين "خديجة":
"الأوراق دي لازم فارس باشا يمضيلي عليها النهاردة ضروري جدًا".
رمقتها "خديجة" بنظرة شاملة.
من بداية شعرها الأحمر الناري، ومكياجها الأوفر، وثيابها المكونة من كنزة بيضاء ذات أزرار مفتوحة لمقدمة صدرها، وميني جيب سوداء بالكاد تصل لمنتصف فخذها.
حزام أسود عريض يحاوط خصرها النحيف، ويظهر منحنياتها بسخاء.
ابتسمت لها "خديجة" ابتسامة زائفة، وتحدثت بثقة قائلة:
"كويس إنك جيتي برجلك هنا.. خليها تغير اليونيفورم بتاع الشركة كلها بالمرة زي ما غيرت يونيفورم القصر".
"هي مين دي يا فندم؟!". قالتها العاملة بملامح مندهشة حين استمعت لصوت الضحكات النابعة من جناح فارس.
أجابتها "خديجة" وهي تستعد للطرق على باب الجناح:
"هتعرفي دلوقتي هي تبقى مين".
..داخل جناح فارس..
شهقت "إسراء" بصوت خفيض.
حين لف "فارس" يده حول خصرها، وحملها فجأة، ودار بها أكثر من مرة مرددًا:
"براحة عليا إيه بس يابيبي.. أنا لسه عملت حاجة".
"فارس أقف كفاية هدوخ، ونتوقعنا".. قالتها من بين ضحكاتها هي الأخرى، وتمسكت به بكلتا يدها.
توقف بها، وزاد من ضمها له أكثر، واضعًا جبهته على جبهتها مدمدمًا:
"أنا دوخت ووقعت في عشقك خلاص يا إسراء".
احتضن وجهها بين كفيه مغمغمًا:
"أهمس لكِ أنا أحبك.. لتخفيها بأعماق قلبك.. كلما ضاق صدرك.. ترددها بهمساتي".
أنهى جملته، وغمر شفتيها بقبلة رقيقة بمنتهى العشق.
طرقات على باب الغرفة يليها صوت خديجة قطع عليه نعيمه:
"فارس.. حبيبي الأكل هيبرد، وكمان سوسو السكرتيرة مستنياك معايا هنا".
"يا ماشاء الله سوسو وسكرتيرة؟!". أردفت بها "إسراء" بابتسامة مصطنعة، وهي تضع يدها بخصرها، وترمقه بنظرة نارية رافعة إحدى حاجبيها، وتحدثت بهدوء ما قبل العاصفة:
"يا ترى سوسو جايلك البيت ليه يا أبو الفوارس؟!".
للمرة الثانية دوت ضحكته، وقلبه يتراقص فرحًا كلما شعر بغيرتها عليه.
فالغيرة نصف الحب يا سادة، وبنظره هذا لم يكن كافيًا أبدًا.
يريد أكثر من ذلك.
يريدها تهيم به عشقًا.
"ادخلي يا ديجا".. قالها، وهو يجذب "إسراء" لصدره، واضعًا يده حول كتفها.
بينما هي عقدت ذراعيها أمام صدرها تنتظر دخول تلك الـ "سوسو".
........................
"غفران".. صف سيارته داخل قصر الدمنهوري، وارتجل منها، وسار لداخل القصر بخطوات مسرعة خلفه طاقم طبي متكامل.
أسرع الحرس بفتح باب القصر الداخلي، واندفع هو للداخل وقف ببهو القصر وتحدث بصوت عالٍ نسبيًا:
"خديجة هانم.. فارس فين؟!".
رواية غرام المغرور الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نسمة مالك
شهقت "إسراء" فجأة، وقفزت راكضة، وهي تدفع "فارس" أمامها نحو غرفة الملابس قبل أن تُفتح "خديجة" الباب عندما تذكرت أنه يقف عاري الصدر.
ظلت تدفعه حتى اختفى بها داخل الغرفة لحظة دخول "خديجة" التي تدفع عربة الطعام بحذر.
خلفها المدعوة "سوسو" تدور بعينيها بأرجاء الجناح بنظرات فضولية.
"أنت بتهزر يا فارس.. هتقابل السكرتيرة وأنت عريان كده؟!"
همست بها بنبرة غاضبة تخلو من رقتها، وهي ترمقه بنظرة حارقة.
صكت على أسنانها، ووقفت على أطراف أصابعها كمحاولة منها للوصول لوجهه، ولكنها بالكاد توقفت قبل عنقه بقليل.
ليسرع هو ويحاوط خصرها ويضمها لصدره حتى لم تعد قدماها تلمسان الأرض.
لتكمل هي بغيظ شديد قائلة:
"وبعدين تعالي هنا السكرتيرة دي تطلع أوضة نومك بتاع اييييييييييييه؟!"
صمتت فجأة، وحجظت عيناها بصدمة حين رأت "سوسو" عبر زجاج الغرفة العاتم تسير بغنج مصطنع بثيابها الفاضحة من وجهة نظرها.
"الله الله الله انت فاتح كباريه؟! ولا شركة يا أبو الفوارس باشا"
همست بها داخل أذنه، وهي تقضمها بأسنانها فجأة بعنف جعلته يتأوه ضاحكاً بقوة أكبر حتى أدمعت عيناه.
غيرتها الواضحة، والتي لم تستطع إخفاءها جعلته يحلق بالسماء من فرط سعادته.
امتلك الدنيا وما عليها حين تأكد أن ساحرته على أعتاب السقوط داخل أعماق بحور عشقه.
"أنا بعترف إني بقيت مجنون بيكي يا إسراء"
همس بها بصوته المزلزل لكيانها، وهم بتقبيلها إلا أن صوت "خديجة" جعلها تنتفض مبتعدة عنه بخجل.
"فارس أنت فين يا حبيبي؟!"
تنحنح بصوت عالٍ مغمغماً:
"ثواني واجيلك يا ديجا"
أسرعت "إسراء" نحو ثيابه المعلقة بترتيب دقيق، وأحضرت كنزة من اللون الكافيه، ووضعتها بيده مدمدمة بجملة جعلته ينفجر بالضحك بقوة حين قالت:
"خد أستر نفسك يا سيدنا لفندي"
صوت ضحكاته جعل "خديجة" تضحك هي الأخرى باستحياء، ودفعت عربة الطعام نحو ركن مخصص لتناول الطعام داخل الجناح وهي تتحدث بأمر موجهة حديثها لـ "سوسو" المنذهلة.
"هاتي الأوراق اللي في إيدك دي، واستني أنتي تحت"
دوى صوت "غفران" بأرجاء القصر لتسرع "خديجة" نحو الخارج وهي تقول:
"فارس حبيبي.. غفران صاحبك وصل"
"خليه يطلع يا ديجا"
قالها بصعوبة بالغة من بين ضحكاته التي تدوي بفرحة غامرة تظهر عليه منذ سنوات عديدة.
توقف عن الضحك وأخذ نفسًا عميقًا وتحدث بجدية قائلاً:
"عارفة يا إسراء.. أنا ناوي أخلص من المشاكل اللي في حياتي، وأدي لأمي الفلوس اللي تكفيها حتى لو هكتبلها شيك على بياض بس تسبني أعيش اللي باقي من عمري معاكي، وساعتها هعلن جوازنا قدام الدنيا كلها، وهفضي نفسي ليكي مخصوص وهاخدك وألف بيكي العالم واعوضك عن كل لحظة ألم سببتهالك"
ابتسمت له ابتسامة خجولة، وهمست بتعقل وهي تساعده على ارتداء كنزته قائلة:
"نطمن على عيونك الأول، وبعدين نحل مشاكلك بهدوء، وخليني أفهمك أكتر، وكمان تجاوبني على أسئلة كتير محيراني مش لاقية ليها إجابة"
رقتها، وخجلها، وحتى نون الجمع التي تتحدث بها جعلت قلبه ينصهر داخل ضلوعه.
تلاحقت أنفاسه حين استنشق عبيرها المسكر.
لتبهره هي بحنانها عليه ومعاملتها له كأنه طفلها، وكم راق هذا الشعور كثيراً وهو يراها تربت على صدره بكف يدها برفق بعدما انتهت من تنميق ياقة كنزته.
أمسكت كف يده، وسحبته لخارج غرفة الملابس.
دارت بعينيها تبحث عن الطعام متمتمة:
"لازم تاكل من عمايل أيدي.. أنا عملتلك الأكل اللي ديجا قالتلي عليه إنك بتحبه"
"أنا بحبك أنتي يا إسراء"
قالها وهو يضمها بقوة ظهرها مقابل صدره، ومال بوجهه على عنقها يلثمه بقبلاته العاشقة.
.......................................
"ماله فارس يا ديجا؟!"
أردف بها "غفران" بوجهه يظهر عليه القلق، والخوف الشديد.
ابتسمت له "خديجة" مرددة:
"أهدي يا غفران وأطمن الحمد لله هو بقى أحسن.. بس لازم دكتور يشوفه برضو علشان يطمنا أكتر، وبجد أنا آسفة إني قلقتك أوي بالشكل دا.. بس حالة فارس كانت صعبة جداً، ورفض الأكل بقاله يومين وأنا عارفة إنك صاحبه الوحيد اللي بيسمع كلامه"
تنهد "غفران" بارتياح، ورمقه بنظرة عاتبة قائلاً:
"بتتأسفي على إيه يا ديجا.. أنتي عارفة إن فارس ده أنا بعتبره أخويا، وعمري ما اتأخر عليه أبداً"
ربتت "خديجة" على كتفه، ودفعته برفق نحو الدرج متمتمة:
"عارفة يا غفران.. ربنا يحفظكم لبعض.. تعالي أطلع هو مستنيك في أوضته"
"إحنا في انتظارك يا غفران باشا"
قالها أحد الأطباء بعملية واحترام شديد.
صعد "غفران" برفقة "خديجة" حتى وصل لجناح "فارس".
طرقت على باب الجناح طرقاتها أفاقت هذا العاشق من دوامة عشقه، وجعلت "إسراء" تفلت أخيراً من بين يديه راكضة نحو الشرفة.
"ادخلي يا ديجا"
أردف بها "فارس" المبتسم باتساع.
فتحت "خديجة" الباب، وخطت للداخل خلفها "غفران".
نظرات مندهشة.. مذهولة.. متعجبة.. جميعهم اعتلت ملامح "غفران" حين رأى "فارس" الذي قابله فاتحًا ذراعيه بضحكة متسعة تظهر جميع أسنانه، ووجه مشرق تظهر عليه السعادة بوضوح، وتحدث بتهليل، وترحيب بصوت جوهري:
"غفران أنت جيت يا غفران؟"
رفع "غفران" كلتا حاجبيه، وابتسم باصطناع وهو يجيبه بنبرة مازحة:
"نسيت الشهقة ياض.. غفران أنت جيت شهقة يا غفران"
قهقه "فارس" بقوة مغمغماً من بين ضحكاته:
"لا التاني رمضان السكري.. أما أنت غفران الوزير المتحرش يا اسطا"
اقترب منه "غفران" بخطوات بطيئة مريبة.. كالأسد الذي يستعد للهجوم على فريسته بعدما رسم الغضب على ملامحه.
توقف أمامه مباشرةً، وقبض على ياقة قميصه مردفاً بشك:
"واد أنت ضارب حاجة على المسا؟!"
ضحك "فارس" بقوة أكبر، ونظر له بعين واحدة، والأخرى مغلقة، وهمس بأذنه بصعوبة من بين ضحكاته:
"ضارب حضن، وشوية بوس حلال إنما إيه حاجة كده أروجينال"
نظر "غفران" لـ "خديجة" التي لم تتوقف عن الضحك من فرحتها لفرحة قلب عزيزها، وتحدث بجدية مصطنعة:
"طيب لو ممكن يا ديجا تتفضلي أنتي دلوقتي وابعتي الدكاترة اللي مستنين تحت.. أنا كنت حاسس إننا مش هنكشف على عين الباشا بس، وعلشان كده جبت معايا دكاترة تخصصات تانية خلينا نعمله بالمرة فحص شامل من كله؟!"
تفهم "فارس" مخزى حديث صديق عمره.. فقهقه مجدداً بقوة أكبر.
شهقت "خديجة" هي الأخرى بخجل، وفرت مسرعة لخارج الجناح خاصةً عندما قال "فارس" بثقة، والكثير من الجرأة:
"لا يا اسطا أنا بقيت بعين واحدة أه.. بس أوعى تشكك في أهم وأقوى قدراتي.. صاحبك بعون الله عنتيييل"
أردف بها "فارس" وهو يجلس على طاولة الطعام، وبدأ يتذوقه بستمتاع.
"بقي أنا كنت هعمل كذا حادثة بسبب قلقي عليك، وأنت قاعد هنا بتاكل جمبري وشوربة سي فود؟!"
قالها "غفران" بغضب مصطنع، وهو يجلس بجواره، وبدأ يتناول الطعام برفقته بشهية.
تنهد "فارس" بارتياح وبدأ يضع أمامه الطعام بسخاء مردداً:
"كويس إنك جيت.. لو مكنتش جيت كنت هجيلك أنا يا صاحبي"
التهام "غفران" الطعام بشراهة، وتحدث بوجه عابس مصطنع الغضب:
"أنا مبأكلش غير مع أم زين بس قولت أفتح نفسك؟!"
توقف فجأة عن تناول الطعام، وبدأ يسعل بقوة حين صدع رنين هاتفه برقم زوجته.
أسرع بالرد عليها مدمدمًا بصعوبة.. ففمه مملوء بالطعام:
"أم زين حبيبة قلبي لسه كنت في سيرتك حالاً"
"أنت بتاكل من غيري يا غفران؟!"
قالتها "عهد" بصوت أشبه بالصراخ جعلته يبعد الهاتف عن أذنه، وأطبق جفنيه بقوة متأوهًا بصوت خفيض.
كتم "فارس" ضحكته فقد استمع لصوتها الصارخ بوضوح، وتحدث بهمس مستفز قائلاً:
"البس يا سيادة المقدم.. هتكدرك النهارده"
أجابها "غفران" بخوف مصطنع:
"لا يا عهوده.. أنا مش باكل.. أنا بفتح نفس صاحبي أصله كان رافض الأكل بقاله يومين"
"اممم بالهنا والشفا يا حبيبي.. خلص أكلك وتعالالي"
قالتها بنبرة مخيفة، وقد تفهم هو ما يدور بخاطرها وما تنوي فعله به فور رؤيته.
انبلجت ابتسامة مستمتعة على محياه الوسيم حين أدرك أنه أيقظ بداخلها شريرته المجنونة.
"سسسسلام يا سسسسيادة المقدم"
قالتها "عهد" من بين أسنانها، وأغلقت الهاتف، وألقته من يدها بعصبية متمتمة:
"ماشي يا غفران.. أما أوريك مبقاش أنا عهوده"
أنهت جملتها واتجهت نحو خزانتها أخرجت منها الثياب الخاصة برياضة الملاكمة لها ولأطفال زوجها وحتى صغيرها.
ابتسمت ابتسامتها الشقية مرددة بوعيد:
"بقالي كتير ملعبتش بوكس معاك يا ظبوطتي"
.............................
ترك "غفران" الطعام من يده بعد مكالمة زوجته، وابتلع ريقه بصعوبة وتحدث بخوف مصطنع قائلاً:
"هنادي على الدكاترة يطمنوني عليك علشان ألحق أروح أصالح أم زين اللي اتكتلت على السين"
"فارس"..
"عايزك وأنت مروح يا غفران تاخد صابرين اللي شغالة في المطبخ تحت أرميها في الحجز"
"غفران".. مستفسراً:
"عملت إيه؟!"
أجابه "فارس" بغضب:
"بتبص لمراتي بصة معجبتنيش.. بصة قرف تخيل!!"
"أنت عايزني أرمي اللي اسمها صابرين دي في الحجز علشان بصت لمراتك بقرف؟!"
أردف بها "غفران" وهو يرمقه بابتسامة هادئة بعدما تأكد أن صديقه غارق بالعشق الحقيقي حتى النخاع.
لم ولن يسمح لمخلوق بالتطاول على ساحرته حتى لو بنظرة عابرة.
حرك "فارس" رأسه إيجاباً وهو يقول:
"أيوه.. دا سبب أول طبعاً.. مرات فارس الدمنهوري خط أحمر، والكل لازم يعملها مليار حساب"
كلماته استمعتها تلك الجالسة داخل شرفة الجناح أرغمتها على الابتسامة وقد راقها كثيراً حديثه عنها بكل هذا الخوف.
لتجحظ عيناها حين تابع هو بغضب مفاجئ:
"بس كمان الحيوانة دي بتنقل كل حاجة بتحصل هنا في القصر صوت وصورة لبنت رئيس الوزراء اللي أنت برضو يا صاحبي هتخلصني من خطوبتها المهببة دي"
فرك "غفران" لحيته بأنامله مدمدماً:
"اممم، ويا ترى عايزني أخلصك من خطيبتك دي هي كمان إزاي"
ابتسم باصطناع مكملاً:
"أحطهالك في الحجز برضو؟!"
ظهرت فرحة طفولية على ملامح "إسراء" حين علمت أنه يريد إنهاء خطبته على المدعوة "ديمة" القديمة كما أصبحت تلقبها.
بلحظة كانت هبت واقفة وهندمت ثيابها، وعدلت حجابها واندفعت لداخل الجناح فجأة دون ذرة تفكير.
وقفت بجوار زوجها الجالس أمام "غفران" مستندة على كتفه بكف يدها الصغيرة.
وجودها المفاجئ جعلهما يقطعان حديثهما وينظران لها بدهشة حين تحدثت موجهة حديثها لزوجها:
"ممكن أحط سوسو السكرتيرة هي كمان في الحجز مع صابرين يا فارس؟"
حديثها كان بحماس طفلة صغيرة تطلب من والدها إحدى ألعابها المفضلة.
نظر لها زوجها بهيام، ومال بوجهه قليلاً على يدها الموضوعة على كتفه قبلها بعشق، وتحدث بقليل من البلاهة أثناء تأمل احمرار وجنتيها:
"خد سوسو يا غفران"
يتابعهما "غفران" بشفاه مرفوعة، وتحدث بمزاح قائلاً:
"وماله حاضر.. هاخد سوسو ونادية، وفوزية كمان يا حبيبي"
رواية غرام المغرور الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نسمة مالك
"خديجة".. تجلس أمام المرآه تتأمل ملامحها بأعين تملؤها العبرات.
لا تعلم كيف مر قطار العمر بسرعة البرق.
لم تدري متى أصبحت بسن الثامنة والأربعين، ولكنها تحافظ على جمالها ورونق إطلالتها باهتمام شديد لتظهر وكأنها فتاة لم تتعدى العشرينات بعد وتثبت أن العمر ما هو إلا مجرد رقم.
لا زالت تتذكر الليلة الأولى التي رأت بها "فارس" الذي لم يكن عمره سوى بضعة أيام فقط، وهي لم تتم عامها الخامس عشر.
منذ الوهلة الأولى التي وقعت عينيها عليه تعلقت روحها وقلبها به.
أصبح شغلها الشاغل حتى أثناء دراستها.
تقدم لخطبتها الكثير من الشباب، ولكنها فضلت "فارس" عليهم جميعاً بعدما أصبحت هي بالنسبة له عائلته الوحيدة، وهو الحياة بالنسبة لها.
أما الآن فقد اختلف الوضع بظهور "إسراء" التي ملأت قلبه بعشقها.
لم تكن تتخيل أن تصل شدة تعلقه بها بأن يأخذها معه حتى بعمله.
انبلجت شبه ابتسامة على ملامحها رغم عبرتها التي هبطت على وجنتيها ببطء متمتمة بحب صادق.
"ربنا يسعدك يا فارس".
انتفض قلبها بفزع فجأة، وهبت واقفة ركضت نحو شرفة غرفتها تنظر لما يحدث بأعين منذهلة حين رأت الكثير من السيارات الفارهة تسير لداخل القصر.
"إيه اللي بيحصل دا؟!".
قالتها وهي تهرول لخارج الغرفة متجهة نحو الدرج ومن ثم لباب القصر الداخلي.
تسارعت نبضات قلبها بقوة، حين استمعت لجرس الباب يصدع مراراً وتكراراً.
على الرغم أنها تقف خلف الباب، ولكن يدها لم تسعفها بفتحه عندما رأت عبر الزجاج العاتم خيال من يقف أمامه.
قلبها يخبرها أن اليوم سيحدث شيء لم تكن تتوقع حدوثه أبداً.
"افتح الباب يا خديجة هانم؟!".
أردفت بها إحدى العاملات جعلت "خديجة" تنتبه لحالها، وأخذت نفساً عميقاً، ومدت يدها فتحت الباب.
لتقع عينيها على رجل فاره الطول.
يقف بشموخ وهيبة تليق به كثيراً.
رفعت عينيها ببطء حتى وصلت لوجهه وتقابلت أعينهما للمرة الأولى.
ازدادت تسارع نبضات قلبها أكثر، وتدفقت الدماء نحو وجنتيها وهي ترى ملامحه الصارمة والوسيمة رغم شعره الذي يغلب عليه الشيب، ولكنه زاد وسامته أضعاف.
"مساء الخير يا فندم".
قالها الرجل بلهجة جادة، وحادة بعض الشيء.
رمقته "خديجة" بنظرة متعجبة مغمغمة.
"مساء النور.. أفندم؟!".
لم يبتسم لها ابتسامة مجاملة حتى، وأجابها بنفس نبرته التي ازدادت حدة قليلاً.
"أنا هاشم الرفاعي رئيس الحرس اللي بعته المقدم غفران المصري".
رواية غرام المغرور الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نسمة مالك
ساحرة المغرور!!..
"فارس"..
لم يستطع التوقف عن التحديق في أعين زوجته.. كانت عينيه متوسعة..متوهجة..
ينظر في عينيها مباشرةً دون أن يزيح نظره عنها..
همساتها المتوسله جعلته يتوقف عن غمرها بعشقه، ولكنه لم يبتعد عنها انش واحد.. هي محض انتباهه الكامل..
بينما "إسراء" التي أصبحت بحالة يرثي لها كعادتها مؤخراً كلما ضمها لصدره.. متمسكة به بكلتا يديها.. قابضه على قميصه بكفيها بقوة.. تبادله نظرته بأعين متسعه أيضاً وصدرها يعلو ويهبط بشكل ملحوظ..
تحاول قرأه ما يدور بخاطره.. على ثقه انه لن يجبرها على القيام بأشياء لا تريدها فقط لتحقيق رغباته.. تقر لنفسها أنه دائماً يحترم قراراتها.. صبور معها لأقصي حد..
هو يكن لها مشاعر حب حقيقي ولذلك يظل صبوراً ولطيفاً معها طيلة الوقت..
حتي عندما يتشاجران مؤخراً يظل هادئ وحنون عليها فقط لإصلاح الأمور حتى لو لم يكن ذنبه، حيث أن خوفه من فقدانها أكبر من رغبته في إثبات أنه على حق..
يعمل بجد لمساعدتها بأي طريقة.. قام بتأمين مستقبل ابنتها بوضع مبلغ خيالي بحسابها.. يحتضنها بحب أبوي صادق ويوفر لها كل سبل الراحة والأمان..
بل إنه مستعد للتضحية بالوقت، والنوم، والمال، فقط لجعل حياتها مريحة..
كما أنه لن يستغلها لتلبية احتياجاته الخاصة..
على علم هي بكل هذا.. تري فيه الرجل العاشق الذي يضاعف جهده دائماً ليجعلها تشعر بأنها مميزة رغم أنه لا يفعل هذا ليثير إعجابها، بل لأنه يريدها أن تعلم مقدار حبه لها..
شعرت بخزي وإحراج شديد من نفسها حين داهمها ذكريات كل ما يفعله معها.. وهي بالمقابل تخبره بكل جحود أنها لا تستطيع أن تنسي زوجها السابق..
"غبيه يا إسراء"..
هكذا نهرت نفسها وهي تزيد من ضمه لها أكثر، واخفت وجهها بحنايا صدره هروباً من عينيه المحاصره لها..
"بصيلي يا إسراء"..
أردف بها داخل أذنها بصوته المدمر جعلها تنكمش على نفسها داخل أضلاعه أكثر، وبدأت تبكي بصمت..
أطبق جفنيه بعنف حين شعر بارتجاف جسدها بين يديه ووصل لسمعه شهقاتها الخافضه..
اعتدل جالساً بها، وعدل وضعها داخل حضنه أصبحت جالسه على قدميه، ووضع أصابعه أسفل ذقنها جعلها تنظر له..
"قوليلي فيكي أيه يا روحي.. ليه كل الصراع اللي جواكي دا؟!"..
اجهشت بالبكاء أكثر تتذكر حديثها مع "خديجة" وما اخبرتها به بخصوص خطوبته من تلك ال "ديمه" والخسارة الكبيرة التي سيتعرض لها إذا أنهى هذه الخطبه، والتي من الممكن أن يعلن عن إفلاسه بسببها..
.. فلاش باااااااااااك..
"انتي حبيتي فارس يا إسراء؟!"..
أردفت بها" خديجة" بابتسامة رقيقه..
توردت وجنتي" إسراء" بحمرة الخجل وخفضت عينيها وهي تقول بستحياء..
"مش عارفه يا ديجا.. أنا لما بكون معاه ببقي في دنيا تانيه خالص.. بحس انه بيحبني أوي.. لا بحس انه بيعشقني"..
صمتت لبرهه وتابعت بتنهيده..
" مش هكدب عليكي مافيش حد يقدر يقاوم عشق زي عشق فارس، وبصراحة أنا حبيت عشقه ليا"..
ترقرقت عينيها بالعبرات، وبأسف تابعت..
" بس خايفه أكون مجرد نوع جديد عليه مجربوش قبل كده ويجي يوم عليه ويمل أو يزهق مني وعشقه دا ينطفي.. ساعتها هتقهر ومش بعيد أموت فيها"..
ربتت "خديجة" على وجنتيها بكف يدها بحنان، وتحدثت بثقه قائله..
" اطمني فارس بيحبك بجد، وعمره ما هيزهق ولا يمل منك في يوم..بدليل انه مستعد يخسر كل ثروته علشان يكسبك أنتي يا إسراء "..
اعتلت ملامح" إسراء "الدهشه وبعدم فهم أردفت..
" يخسر ثروته علشان يكسبني إزاي!! مش فاهمه يا ديجا.. فهميني؟"..
أخذت "خديجة" نفس عميق، وبأسف قالت..
" انتي عارفة ان فارس خاطب ديمة بنت رئيس الوزراء"..
حركت" إسراء " رأسها بالايجاب مردده..
" أيوه عارفه، وهو قال إن الخطوبة دي مجرد شغل وبس، ومش هيتم جوازه من ديمة دي"..
بكت" خديجة" بنحيب وتحدثت بصوت يملؤه الآسي..
"لو فارس متمش جوازه من ديمة هيخسر كتير أوي فوق ما تتخيلي.. مشاريع و صفقات كبيرة تعتبر أساس رأس المال عنده هيخسرها، ولو دا حصل ممكن تخليه في فتره قصيرة جداً يعلن إفلاسه.. دا غير أن ديمة وبابها مش هيسبوه في حاله وممكن يوصل بيهم الأمر أنهم يقتلوه يا إسراء"..
جحظت أعين" إسراء " بصدمة، وانقطعت أنفاسها بخوف ظهر على محياها التي شحبت فجأه، وانسحبت منها الدماء، وهمست بصوت متقطع من شدة فزعها قائله..
" معقوله يقتلوه؟! "..
حركت" خديجة " رأسها ايجاباً متمتمه..
" أيوه ومش لوحده كمان، وممكن يقتلوني معاه لأني شريكته، ودا بزنس كبير، ومافيش فيه هزار ولا تراجع بالساهل كده، ولو صمم إننا نتراجع عنه يبقي هندفع شرط جزائي برقم خيالي هيخلي كل أسهم شركتنا تنهار"..
أغلقت" إسراء" عينيها كمحاولة لكبح عبراتها، ورسمت ابتسامة حزينه على ملامحها مدمدمه..
" اممم.. يعني أفهم من كلامك دا انه لازم يتجوز ديمة"..
اجابتها" خديجة " بلهفه..
"اطمني.. هيبقي مجرد جواز صوري على ورق.. بس فارس مستعد يخسر كل ثروته عشانك زي ما قولتلك، و رفض يتجوز ديمة من بعد ما حس أنك تقبلتي حبه ليكي"..
نظرت لها "إسراء" وجدت الخوف والقلق يسيطر عليها.. تستجديها بعينيها ان تتفهم موقفها.. من الممكن أن تخسر هي الأخري أموالها وعمرها إذا تم إنهاء علاقة زوجها بالمدعوه خطيبته..
هبطت دمعه حارقه على وجنتيها مسحتها سريعاً، وابتسمت بسخريه على حالها وحال من سقط في عشقها.. أصبح محاصر بين طمع والدته التي سيعطيها مبلغ كبير من المال هي الأخري لتتوقف عن محاولة قتله، وبين ديمة ووالدها وأعمالهم التي تقدر بمليارات الدولارات..
دفنت مشاعرها بين ثنايا روحها، وتحدثت بهدوء عكس نيران قلبها المشتعله..
"اطمني يا ديجا أنا مستحيل أكون السبب في أي خسارة ليكي أو لفارس"..
انهمرت عبراتها بغزاره بعدما فشلت في السيطرة عليهم، وتابعت بمراره..
"ديمة هتكون عروسة جوزي"..
.. نهايه الفلاش بااااك..
فاقت من شرودها على قبله عميقه بجانب شفتيها، وصوت "فارس" يهمس بأذنها ببعض الغرور..
"سرحانه فيا وأنتي جوه حضني"..
غمز لها بشقاوة مكملاً..
"لدرجاتي بتحبيني"..
تنظر له بأعين تلتمع بالعبرات.. تتأمل ملامحه التي لا تلين هكذا إلا لها وحدها.. معها يتخلي عن صرامته، وحدته..
يظهر عكس طبيعته.. يأكد لها أنها حقاً نقطة ضعفه..نظرتها له رأها هو بقلبه.. فستند بجبهته على جبهتها، وأخذ نفس عميق يملأ رئتيه بعبير أنفاسها مغمغماً..
"تعرفي نفسي أرجع أشوف بعيوني زي الأول علشان اتأملك زي ما أنتي بتتأمليني كده دلوقتي"..
لثم شفتيها بمنتهي الرقه جعلها تطلق آهه خافته متنهده بأسمه بنبره أطارت اللُب من عقله..
سار بكف يده على طول ذراعها حتي أمسك كف يدها وضعها على موضع قلبه مكملاً بابتسامتة المهلكة..
" بس اطمني انا بشوفك بقلبي"..
ترك يدها على قلبه، ووضع كف يده على موضع قلبها، وتابع بثقه..
وحاسس بحبك ليا وغيرتك عليا، يا ساحرة المغرور"..
كانت تجاهد حتي تظهر الجمود والبرود في معاملتها له، ولكن همساته، ولمساته افقدوها صوابها خاصةً حين لف يده حول خصرها ولصقها بصدره أكثر مغمغماً..
"بحبك يا إسراء، وعمري ما حبيت في حياتي حد قبلك ومستحيل أحب بعدك"..
لم تفكر مرتين، والقت نفسها داخل حضنه تضمه بكل قوتها.. استقبلها هو بلهفة عاشق يحترق بنيران الإشتياق..
بكت بنحيب شديد مردده من بين شهقاتها بصعوبة..
"ممكن اطلب منك طلب يا فارس"..
"فارس،وقلبه، وعمره كله بين ايديكي يا إسراء"... قالها وهو يعتصرها بين يديه.. يود لو يخفيها داخل اضلاعه..
حاولت السيطرة على حدة بكائها، وابتعدت عنه بضعة انشات.. ليسرع هو ويزيل دموعها بكلتا يديه بمنتهي الرفق..
اهدته ابتسامتها الخلابة، واحتقن وجهها بحمرة الخجل أكثر، وعضت على شفتيها السفليه بأسنانها متمتمه بصوت يكاد يكون مسموع..
"هقولك.. بس الأول خلينا نتم أتفقنا"..
تصلب جسده فجأه حين شعر بأناملها الصغيره تفك أزرار قميصه واحد تلو الأخر بستحياء شديد.. أخذ منه الأمر لحظات حتي تفهم أنها وأخيراً تريده زوجاً لها بكامل أرادتها،وقد ألقت كل شيء خلف ظهرها الآن وعقدت عزمها على تعويضه عن كل ما مر به من ألالام مبرحة ستمحي هي أثارها وتتركه يمتلكها قلباً وقالباً..
رواية غرام المغرور الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نسمة مالك
"فارس"
معشوقة روحه الآن بين أضلاعه. من هنا بدأت ترانيم حياته بمشاعر تبعث في القلوب ضياها. جمعهما عشق من نوع نادر الوجود. جاذبية، روحانية، توحد جعل كل مُر يحلو، ويعذب كل مالح. تدفق الحب بكل معانيه، وتلاحقت نبضات القلب عازفة أجمل سيمفونية حب، وأخيراً وجد كلاً منهم ذاته التائهة. فالعشق توحد لشخصين روحاً وجسداً وفكراً بتلقائية بلا تحفظ وبلا رتوش. بجاذبية قوتها تفوق قوة الجاذبية الأرضية بأضعاف مضاعفة. تجعل عينيه تلمع ببريق الأمل والسعادة، تعزف أوتار قلبه أعذب الألحان. ها قد أتي الربيع قبل الأوان.
ذابت كل الآلام وتلاشت الأحزان. أصبح لون العالم وردياً، وتتلون الأشياء من حوله بألوان الزهور. تتعطر برائحة ساحرته التي هي بالنسبة له أجمل وأزكى من أغلى أصناف العطور. يشعر بأن له جناحان قويان يطير بهما ويعلو فوق السحاب، حيث لا عذاب ولا عتاب. ينهل فقط من الحب بلا توقف ولا حساب. توقف الكون من حوله، واكتفي بها وحدها. لم يعد يرى غير ملامحها ولا يسمع أصواتاً سوى نبضات قلبها المتسارعة التي تهمس بأسمه في كل دقة. تردد حروف أسمه من بين شفتيها بلهفة. تستقبل عشقه وجنونه بها بكل ترحاب. بل وتبادله جنونه وعشقه هذا رغم شدة خجلها. جعلته للمره الأولى يبكي اشتياقاً داخل حضنها، فالحنين كاد أن يكسر عظام صدره وجعاً. أصبح بين يديها لا يتمني شيء في حياته سوى قربها إلي ما لا نهاية.
رنين هاتفه بلا توقف جعله يبتعد عنها على مضض. مد يده لثيابه الملقاه أرضاً جذبه من جيب سرواله. استند بجزعه العاري على الفراش من خلفه، وسحبها لداخل حضنه. يضمها بقوه مقبلاً شعرها المشعث بعمق. لتسرع هي وتجذب الغطاء عليهما، وانكمشت على نفسها بخجل دافنه وجهها بحنايا صدره. أخذ هو نفس عميق يحاول السيطرة على أنفاسه المتلاحقة، وضغط زر الفتح ليأتيه صوت "غفران" يتحدث بغضب.
"أنت فين يا بني آدم أنت؟!"
تنحنح بصوته كله، وتحدث بصوت مبحوح يظهر عليه الفرحة الغامرة قائلاً.
"اححححم.. غفررررران باركلي يا صاحبي.. أنا بقيت عريس، وبدأت شهر العسل."
دوي صوت ضحكات "غفران" مغمغماً بحب أخوي.
"الف مبروك يا صاحبي.. أنا والله شكيت علشان كدة مرضتش أجيلك."
شهقت "إسراء" بصوت خافت، ورفعت وجهها الذي يكسوه حمرة الخجل، ولكزته بقبضة يدها على صدره برفق متمتمه دون إصدار صوت.
"فارس بتقوله أيه أنت اتجننت؟!"
حرك رأسه إيجاباً، وهمس لها بابتسامة هائمة بها عشقاً.
" بيكي.. مجنون بيكي يا روح قلب فارس."
"خليك معايا دقيقه يا حبيبي، وقولي "علي" جبلك الملف اللي فيه كل المعلومات عن "هاشم الرفاعي"؟!"
أردف بها "غفران" بتساؤل.
إجابه "فارس" قائلاً.
"أيوه الملف عندي.. بس أنا واثق في إختيارك ومش هبص وراك يا صاحبي."
أبتسم "غفران" وتحدث بود قائلاً.
"ربنا يديم المحبه والمعروف بنا يا فارس، وأطمن هاشم الرفاعي من أكفاء الحراس اللي اشتغلت معاهم."
صمت لبرهه، وتابع بأسف.
"وخد بالك علشان جالي معلومة مؤكدة عن خطيبتك أنها بتتعاطي Cocaine powder "كوكايين" وطلبت من واحد كميه كبيرة شكلها بتخطط لحاجة مش تمام خلي بالك من نفسك يا فارس."
" فارس".. بابتسامة ماكرة.
"متقلقش عليا يا غفران.. أنا هسافر انهارده أصلاً."
انتفضت "إسراء" بين يديه، ونظرت له بلهفه متمتمه ببوادر بكاء.
" هتسبني، وتروح فين؟! "
لثم كتفها العاري بتمهل، وهمس لها دون إصدار صوت.
"مقدرش أسيبك.. هاخدك معايا طبعاً."
"على فين العزم يا عريس".. قالها "غفران" بنبرة مشاكسه.
" فارس ".. بحماس.
"بقولك بقيت عريس يعني أكيد هاخد الطيارة و هقضي أحلى شهر عسل يا أخي."
تنهد "غفران" بشتياق حين داهمته ذكري أولى أيام زواجه، وتحدث بمرح قائلاً.
"الطيارة.. فكرتني والله ياض يا فارس لما بعتلي الهليكوبتر وخت أم زين على شاطئ الغرام.. كانت أحلى وأجمل أيام حياتي."
" فارس".. بجدية.
" خد أنت أجازة، وسرب العيال، وأنا ابعتلك الطيارة وعيد أيام المجد يا سيادة المقدم."
"غفران".. بتعقل.
"خلينا فيك أنت دلوقتي يا عريس، ومدامك هتسافر انهارده يبقي هكلم هاشم اخليه يروحلك القصر الليله."
تحولت ملامح "فارس" للغضب فجأة مغمغماً.
" غفران.. أنا عايزك تأكد على هاشم ياخد باله من ديجا، وتتابع معاه بنفسك مش عايز مارفيل أو ديمة يتعرضولها نهائي طول فترة غيابي."
" اطمن يا فارس، وخد بالك انت من نفسك قولتلك، وحاول متتأخرش رغم إني عارف إنك هتلزق ومش هنشوفك قبل شهر من دلوقتي، ويمكن بعد الشهر كمان."
ضحك "فارس" بقوة مدمدمًا.
"اممم.. مجرب أنت يا أبو زين."
" غفران".. بفخر.
" طبعاً مجرب.. يله اقفل وكلم طيارتك ، وأنا هكلم هاشم.. سلام."
أغلق "فارس" الهاتف، وألقاه على طرف الفراش بأهمال، وحمل "إسراء" فجأة لداخل حضنه جعلها تعتليه، وضمها بقوة مغمغماً.
"انتى مش عارفة عملتي فيا أيه ، ولا عشقك زاد في قلبي أد ايه يا إسراء."
"أنت اللي مش عارف كسفتني إزاي لما قولت لصاحبك إنك بقيت عريس."
همست بها بصوت مكتوم دون رفع وجهها من عنقه.
قهقه بصوته كله، وحاول رفع رأسها ليجعلها تنظر له. لكنها دست نفسها بين ضلوعه مردده بغضب طفولي.
"أعمل فيك أيه أنا دلوقتي؟! مش اي حد تثق فيه بسرعة كدة يا فارس."
ربت "فارس" على شعرها، وأصابعه تتخلل بين خصلاته الناعمة بنبهار مدمدمًا.
"أنا تقريباً مش بثق في حد غير غفران، وديجا."
سكعها بقوة محببه على أخر ظهرها جعلها ترفع رأسها وتنظر له بأعين منذهله. فنفجر بنوبة ضحك ثانياً، ومال على شفاتيها اقتنص منها قبله سريعه مكملاً.
"وطبعاً ثقتي فيكي عمياء يا بيبي."
رمقته بنظرة عاتبه، ومالت برأسها على كتفه، وتحدث بصوت مجهد قائله.
" اممم بتثق فيا أوي.. علشان كدة ضربت عليا نار أول مرة اشوفك فيها فاكر."
صك على أسنانه بعنف، واعتلي الغضب ملامحه الوسيمة. وتحدث بهدوء قائلاً.
"أنا في الوقت اللي ظهرتيلي فيه كنت سيئ جداً يا إسراء.. مكنتش برحم حد حتي نفسي.. مكنتش مصدق إني ممكن في يوم قلبي يميل لوحدة ست."
وضع أصابعه أسفل ذقنها جعلها تنظر له، وتابع بصوته المزلزل لكيانها.
"انتي الوحيدة اللي ملكتي قلبي وخليتني أعشقك، وصدقيني أنا مش قادر أسامح نفسي لحد دلوقتي على اللي عملته معاكي."
صمت لبرهه، وتابع بابتسامة باهته.
" حتي غفران صاحبي الوحيد معاملتي معاه مكنتش كده نهائي.. كنت بتعامل مع الكل على أنه محل شك.. بس غصب عني يا إسراء."
أمسك يدها، وضعها على الشق الكبير بصدره مكملاً.
"من حوالي 9 سنين لما خت الرصاصه دي كنت داخل المستشفى ميت تقريباً.. لدرجة أنهم غطوا وشي وقالوا لخديجة البقاء لله، ووقتها طبعاً الدنيا اتقلبت، ونزل خبر موتي في ساعتها، والمستشفى بقت كلها مباحث، وعلى رأسهم المقدم غفران المصري اللي كشف وشي، وصرخ فجأة قالهم دا عايش.. مماتش، ولحقوني على العمليات، وخرجوا الرصاصة بمعجزة."
صمت قليلاً يلتقط أنفاسه، وتابع بغصه مريرة، وصوت يملؤه الآسي.
" كل دا بسبب امي اللي عايزة تخلص عليها وتورثتي.. فضلت فترة كبيرة في غيبوبه، ولما فوقت عرفت من خديجة ان غفران مسبنيش، وفضل هو الحارس بتاعي لحد ما خرجت من المستشفى، وبقي صاحبي الوحيد من وقتها."
اعتدلت "إسراء" بجلستها، وجذبت رأسه داخل حضنها ضمتها بحنان بالغ، وربتت على ظهره برفق متمتمه.
" ممكن متفكرش في اللي فات تاني، وخلينا نفكر سوا في اللي جاي."
أمسك يدها قبل بطنها بعمق مردداً.
" ممكن جداً يا بيبي.. بس قوليلي الأول كنتي عايزه تطلبي مني ايه قبل ما؟! "
توقف عن الحديث، وغمز لها بمكر، وعض شفتيه السفليه بوقاحة.
توردت وجنتي "إسراء" بحمرة قاتمة، واخفت وجهها بين كفيها متمتمه.
" بطل تكسفني يا فارس، وخليني أقولك أنا عايزة أيه."
بعد يديها عن وجهها، ورسم الجدية على ملامحه مردفاً.
" طيب قوليلي عايزة أيه الأول علشان اكلم الطيار يستعد، ويجي ياخذنا."
ترقرقت عينيها بالعبرات، وتحدثت بتنهيدة حزينه قائله.
"مش هينفع نقضي شهر عسل.. كدة ممكن خبر جوازنا يوصل لخطيبتك، وأبوها ويحصلك مشاكل بسببي."
"أنتي بتقولي أيه يا بيبي.. أنا انهاردة هعلن جوازنا للدنيا كلها".. قالها "فارس" ببعض الحدة.
لتسرع "إسراء" قائله بلهفه.
"لا يا فارس علشان خاطري بلاش تتسرع، ولو عليا أنا فأهلي اللي هي امي وعارفة بجوازي منك وراضيه، ومامتك وعمتك عارفين ميهمناش حد تاني يعرف خصوصاً لو هيعملنا مشاكل.. أرجوك اسمعني وافهم قصدي من اللي هقوله."
"اسمع أيه يا إسراء ها.. عايزة تقوليلي اتجوز ديمة مش كدة."
قالها "فارس" بغضب، وهو يجذبها من ذراعها ببعض العنف.
حجظت عينيها وهي تطلع به بذهول مدمدمة.
" أنت عرفت إزاي؟!"
" إيمان "..
تنظر لزوجها بفرحة غامرة، وتحدثت بلهفه.
" بجد يا تامر.. هتوديني أزور إسراء وخالتي الهام؟! "
ابتسم لها "تامر"، ومد يده حمل الصغير منها وتحدث وهو يقبل وجنتيه الممتلئه بحب.
"اممم هنروح أنا وانتي والباشا محمود نشوف البرنسيسه إسراء الصغيرة، وهناخدها معانا، ونروح نزور أبوها الله يرحمه علشان انهارده السنويه بتاعه."
ربتت "إيمان" علي كتفه مردده.
"الله يرحمه ويغفر له يارب.. تعيش وتفتكر يا حبيبي."
أخرج "تامر" علبه صغيرة قطيفه من اللون النبيذي من جيب سرواله، واعطاها لزوجته مغمغماً.
" أنا جبت الحلق دا لبنت أخويا أيه رأيك فيه؟"
فتحت "إيمان" العلبه بفرحة حقيقيه، وتحدثت بصدق.
"الله يا تامر.. زوقك جميل أوي."
قبلت وجنته مكمله.
" ربنا يراضي قلبك زي ما بتراضي اليتيم يا حبيبي."
"يعني مش زعلانه علشان مجبتلكيش السلسله اللي كان نفسك فيها؟! "
قالها "تامر" بنبرة حانية.
حركت "إيمان" رأسها بالنفي سريعاً.
"لا والله مش زعلانه.. أنا عمري ما أزعل منك أصلاً يا تامر."
"وأنا عمري ما اخلي حاجة في نفسك ومجبهاش يا أم محمود."
أردف بها وهو يخرج قلادة رقيقه من الدهب بها أول حرف من اسمه، واسم الصغير، واسمها هي أيضاً. قفزت "إيمان" من شدة فرحتها، وتعلقت برقابته تمطره بسيل قبلاتها، هو والصغير الذي تعالت ضحكاته متمتمه.
" يا حبيبي يا تامر ربنا ميحرمنيش منك، ولا من ابننا أبداً يارب."
"تامر" وهو يضمها له بحب.
"طيب يله بقي اجهزي بسرعة علشان نلحق أم إسراء قبل ما تسافر مع جوزها."
" هي إسراء هتسافر؟!"
قالتها "إيمان" بتساؤل.
اجابها "تامر" بابتسامة زائفه.
"ايوة جوزها بيقولي مسافرين في شغل.. بس شكلهم كدة تقريباً رايحين يقضوا شهر عسل."
"خديجة"..
تجلس أمام المرآه تتأمل ملامحها بأعين تملؤها العبرات. لا تعلم كيف مر قطار العمر بسرعة البرق. لم تدري متي أصبحت بسن الثامنة و أربعين، ولكنها تحافظ على جمالها و رونق أطلالتها باهتمام شديد لتظهر وكأنها فتاه لم تتعدي العشرينات بعد وتثبت أن العمر ما هو إلا مجرد رقم.
لا زالت تتذكر الليله الأولى التي رأت بها "فارس" الذي لم يكن عمره سوي بضعة أيام فقط، وهي لم تتم عامها الخامس عشر.
منذ الوهلة الأولى التي وقعت عينيها عليه تعلقت روحها وقلبها به. أصبح شغلها الشاغل حتي أثناء دراستها.
تقدم لخطبتها الكثير من الشباب، ولكنها فضلت "فارس" عليهم جميعاً بعدما أصبحت هي بالنسبه له عائلته الوحيده، وهو الحياة بالنسبه لها.
أما الآن فقد أختلف الوضع بظهور "إسراء" التي ملأت قلبه بعشقها لم تكن تتخيل أن تصل شدة تعلقه بها بأن يأخذها معه حتي بعمله.
انبلجت شبه ابتسامة على ملامحها رغم عبرتها التي هبطت على وجنتيها ببطء متمتمه بحب صادق.
"ربنا يسعدك يا فارس."
انتفض قلبها بفزع فجأة، وهبت واقفه ركضت نحو شرفة غرفتها تنظر لما يحدث بأعين منذهله حين رأت الكثير من السيارت تسير لداخل القصر.
"ايه اللي بيحصل دا؟!"
قالتها وهي تهرول لخارج الغرفه متجهه نحر الدرج ومن ثم لباب القصر الداخلي.
تسارعت نبضات قلبها بقوة، حين استمعت لجرس الباب يصدع مراراً وتكراراً. علي الرغم أنها تقف خلف الباب، ولكن يدها لم تسعفها بفتحه عندما رأت عبر الزجاج العاتم خيال من يقف أمامه.
قلبها يخبرها أن اليوم سيحدث شئ لم تكن تتوقع حدوثه أبداً.
"افتح الباب يا خديجة هانم؟!"
أردفت بها إحدي العاملات جعلت "خديجة" تنتبه لحالها، وأخذت نفس عميق، ومدت يدها فتحت الباب.
لتقع عينيها على رجل فاره الطول. يقف بشموخ وهيبه تليق به كثيراً.
رفعت عينيها ببطء حتي وصلت لوجهه وتقابلت أعينهما للمرة الأولى تسارعت نبضات قلبها أكثر، وتدفقت الدماء نحو وجنتيها وهي تري ملامحه الصارمه والوسيمة رغم شعره الذي يغلب عليه الشيب، ولكنه ذاد وسامته أضعاف.
"مساء الخير يا فندم."
قالها الرجل بلهجة جادة، وحاده بعض الشئ. رمقته "خديجة" بنظرة متعجبه مغمغمه.
"مساء النور.. أفندم؟!"
لم يبتسم لها ابتسامة مجاملة حتي ، واجابها بنفس نبرته التي أزدادت حدة قليلاً.
"أنا هاشم الرفاعي رئيس الحرس اللي بعته المقدم غفران المصري."
رواية غرام المغرور الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نسمة مالك
بحديقة قصر الدمنهوري.
"إلهام" تجلس على كرسيها المتحرك حاملة الصغير "محمود" على قدم، وحفيدتها "إسراء" على القدم الأخرى. تقبلهما بحب وتتحدث بفرحة موجهة حديثها لـ "إيمان" الجالسة أمامها على أريكة بجوار "خديجة".
"ربنا يبارك لك فيه، ويجعله بار بيكي يا إيمان يا بنتي."
غمغمت "إيمان" بابتسامة واسعة تدل على فرحتها الغامرة.
"يسمع منك ربنا يا خالتي."
تنهدت "إلهام" بصوت عالٍ، وتحدثت بقلق قائلة.
"يا ترى يا إسراء يا بنتي عاملة إيه؟"
ضحكت "إيمان" بخجل قائلة.
"عروسة يا خالتي الله.. يعني هتكون عاملة إيه.. ادعي لها ربنا يفرح قلبها، ويعوضها خير عن التعب اللي شافته."
رمقتها "إلهام" بنظرة ذات مغزى، وهي تقول.
"ما أنا بدعيلها والله يا بت يا إيمان، وبدعيلك انتي كمان يا حبيبتي بس أنا قصدي إن بنتي بتخاف أوي.. من صغيرها عمرها ما كانت ترضى تركب مرجيحة، ولا عجلة، ولا مركب في النيل زي زميلاتها، واتحايل عليها أقولها يابنتي العبي وأفرحي معاهم تقولي لو ركبت المرجيحة ولا مركب بحس إني دايخة جامد وبفضل أرجع."
وضعت يدها على موضع قلبها، وتابعت بخوف ظاهر على محياها الطيبة.
"أمال هتعمل إيه بقي وهي راكبة الطيارة ومتشعلقة بين السما والأرض كده؟!"
ربتت "إيمان" على يدها برفق متمتمة بابتسامتها الحانية.
"أنا عارفة يا خالتي إن إسراء خوافة.. بس اطمني جوزها معاها، وشكله بيحبها أوي، وحبه ليها هيطمنها، ويضيع خوفها ده متقلقيش."
وجهت "إلهام" نظرها لـ "خديجة" التي تبتسم بشرود، وعينيها ثابتة على شيء ما. عقدت "إلهام" حاجبيها، وتطلعت لما تنظر له. وجدت "تامر" زوج "إيمان" يقف على مسافة منهم برفقة رئيس الحرس الجديد "هاشم الرفاعي".
يقف بهيبة، وهندامه تليق به كثيرًا. يرتدي بدلة أنيقة من اللون الأسود، وقميصًا من نفس اللون، يخفي عينيه الثاقبة التي تتابع كل شيء حوله بتركيز شديد خلف نظارة شمسية، ويتحدث من حين لآخر بجهاز اللاسلكي الموضوع بأذنه يملي أوامره على طاقم الحراسة الخاص به بمهارة، واحترافية.
ابتسمت "إلهام" بخبث، وتحدثت بجدية مصطنعة قائلة.
"شكله شديد أوي اسم النبي حارسه هاشم دا.. مش كده يا خديجة يا أختي؟!"
انتبهت "خديجة" على نظرتها التي اقتربت للبلاهة قليلاً، وابتعدت بنظرها عن "هاشم" الذي انبلجت شبه ابتسامة على ملامحه الصارمة أخفاها سريعًا حين لمح توترها، وتفهم أن "إلهام" قد لاحظت نظرتها له. فعينيه تراقبها من خلف نظارته.
"أيوه فعلاً يا لوما.. شكله شديد خالص."
قالتها "خديجة" برقتها المعهودة، وقد تورّدت وجنتاها بحمرة الخجل حين رأت نظرة "إلهام" العابثة لها، وابتسامتها الواسعة تخبرها بها أنها قرأت ما يدور بخاطرها، وإعجابها بهذا الـ "هاشم" ظاهر على ملامحها البريئة بوضوح.
ابتلعت لعابها بصعوبة، وهبّت واقفة فجأة، وتحدثت باستعجال قائلة.
"أنا هروح أشوف مارفيل، وديمة صحيوا ولا لسه."
"اقعدي بس يا خديجة ما أنتي قولتيلي قبل كده إنهم بيصحوا المغرب، ولا بعد المغرب كمان.. عايزاكي تتصلي على فارس وإسراء نطمن عليهم الأول.. نشوفهم وصلوا بالسلامة ولا لسه."
"هتصل عليهم حالاً من عنيا يا لوما."
قالتها "خديجة" بابتسامة، وهي تجلس مرة ثانية، وأمسكت هاتفها تطلب رقم "فارس". زمت شفتيها، وقالت بأسف.
"التليفون مغلق برضوا.. يبقوا في الطريق لسه."
"توصلي بألف سلامة أنتي وجوزك يا إسراء يا بنتي."
غمغمت بها "إلهام" بسرها، وهي تمسد بيدها على شعر حفيدتها الكستنائي الحريري الذي يشبه شعر ابنتها بالمثل.
هبّت "خديجة" واقفة، وتحدثت بخجل، وارتباك قائلة.
"أنا هروح أعمل حاجة نشربها كلنا."
"وماله يا حبيبتي، وبالمرة اعملي حساب أسى الأستاذ هاشم معاكي."
قالتها "إلهام" بجدية مصطنعة، وهي تنظر باتجاه "هاشم" الواقف على مقربة منهما، واستمع لحديثهما فتوجه بنظره نحوهما، وأبتسم لهما ابتسامة رزينة قاصدًا بها تلك الرقيقة "خديجة".
.....................................
.. بمكان آخر..
جزيرة الجفتون من أجمل مواقع الغردقة، ومن أهم المقومات السياحية.
هبطت الطائرة الهليكوبتر الخاصة بمجموعة شركات الدمنهوري.
على "جزيرة الجفتون".
تعتبر هذه الجزيرة الأولى من حيث الأهمية للقطاع السياحي حيث أنها الجزيرة الوحيدة المسموح بالنزول عليها. تتميز بموقعها القريب من مدينة الغردقة وبرمالها الناعمة وما يحيط بها من مواقع غوص. وتعتبر من أفضل الأماكن السياحية.
هبطت الطائرة على مقر خاص بها أعلى إحدى الفنادق الذي يملكها "فارس".
من أفخم وأشهر فنادق الغردقة.
"وصلنا يا روحي."
قالها "فارس" بأذن "إسراء" المنكمشة على نفسها داخل حضنه. تختبئ بوجهها بصدره. ممسكة بقميصه الأبيض بكلتا يديها. رفعت رأسها ببطء، ونظرت له بملامح شاحبة من شدة خوفها، وهمست برجاء بصوت مرتعش متقطع.
"الحمد لله.. نزلني بقي يا فارس بسرعة بالله عليك."
تعرقت جبهتها بشدة. ارتجف جسدها بين يديه بقوة، وشعرت بالهواء ينسحب من رئتيها، وقبضت على يده فجأة بأناملها الباردة.
"أهدي حبيبتي.. متخفيش أنتي في حضني."
أردف بها "فارس" وهو يقوم بفك حزام الأمان من حولها، وحزامه أيضاً. لف يده حول خصرها، ورفعها بيد واحدة، وهب واقفاً بحذر، وهبط بها بتراوٍ على درج الطائرة حتى، وقف على الأرض.
عدّل وضعها داخل حضنه، واضعاً يدًا أسفل ركبتيها، والأخرى خلف ظهرها، وحملها بين يديه وسار بها نحو المصعد.
شهقت هي بضعف، وهمست بوهن.
"فارس نزلني عايزه أرجع."
اعتلت ملامح "فارس" القلق، وانتفض قلبه بهلع حين شعر بشدة تعبها وجسدها الذي تراخى بين يديه.
"هات باسكت بسرررعه."
قالها "فارس" بلهجة حادة لإحدى حراسه. الذي هرول مسرعًا وعاد حاملاً صندوقًا صغيرًا وضعه أمامها أرضًا.
أنزلها بحرص شديد، وطوقها بذراعيه القويتين. ظهرها مقابل صدره، ومال معها للأمام لتبدأ هي تتقيأ بعنف، وتئن بألم حاد.
بينما هو يمسد على معدتها بحنان بالغ متمتمًا بلهفة.
"خدي نفسك براحة.. إسراء أهدي يا روحي.. متخفيش أنا معاكي."
"أنا آسفة.. بس دي أول مرة أركب طيارة والله."
همست بها بصعوبة بالغة من بين آهاتها الحادة.
"هش.. أهدي أنا عارف."
قالها "فارس" وهو يزيد من ضمها له، ويده ما زالت تمسد على معدتها تارة، وعلى جبهتها ووجنتيها تارة. ويمسح فمها بأنامله تارة أخرى وهو يبتسم لها ابتسامته المطمئنة.
هدأت نوبة الهلع التي كانت تداهمها بقسوة، وألقت بثقل جسدها على جسده متمتمة بخجل.
"قولتلك بلاش أنا أركب الطيارة، وأنت اللي صممت."
حملها بلهفة لتسرع هي بلف يدها حول رقبته، ودفنت وجهها بعنقه.
تابع سيره بها نحو المصعد. مال على جبهتها قبلها قبلة طويلة عميقة وهو يقول بصوت يكاد يكون مسموعًا حتى لا يصل لسمع حراسه الواقفين خلفه.
"نوصل بس جناحنا يا بيبي، وهساعدك تاخدي شاور جامد هفوقك بيه بطريقتي وهخليكي ترجعي زي الحصان."
رفعت وجهها ونظرت له بأعين متسعة، وقد اشتعلت وجنتاها بحمرة قاتمة. بينما هو لمعت عينيه ببريق متوهج من شدة اشتياقه، ورغبته بها.
"أنت مش قولتلي عندك اجتماع مهم."
همست بها بعدما خطى بها داخل الجناح، وأغلق الباب خلفه مستندًا عليه بظهره، وبدأ يغمرها بقبلاته الساخنة التي تذيب عظامها، وتدفعها للاستسلام الكامل له.
"هطمن عليكي الأول وبعدين أحضر الاجتماع، وأرجع أطمن عليكي تاني وتالت، ورابع."
سيطرت على مشاعرها معه بصعوبة بالغة، ودفعته عنها من كتفيه بكلتا يديها بضعف، ولكنه ظل يقبلها بلهفة دون توقف. ينثر قبلات صغيرة على كافة وجهها. نظرت له بأعين تترقرق بها العبرات متمتمة.
"أنا اللي عايزة أطمن عليك يا فارس، وعايزة أعرف أنت ناوي على إيه الأول مع مامتك وديمة؟"
ابتلعت غصة مريرة بحلقها، وحاولت كبح عبراتها التي خانتها وهبطت ببطء على إحدى وجنتيها، وهمست بنبرة يملؤها الأسى.
"أنا ما عنديش استعداد أبداً أخسرك، ولا هستحمل أشوفك داخل عليا في يوم متعوّر، ولا سايح في دمك زي ما شوفتك قبل كده.. مش هستحمل أشوف حياتك في خطر كده دايماً وممكن لقدر الله تروح مني في أي وقت."
صمتت لبرهة، وأجهشت بالبكاء مكملة بجملة جعلت قلبه يعتصر ألمًا وكأن تلقى طعنة قوية بسكين بارد حين قالت بتقطع.
"أنا عايزك أنت اللي تدفني يا فارس.. فاهم."
توقف عن تقبيلها بصدمة. جملتها كانت بمنتهى القسوة. تصلب جسده للحظات، ومن ثم خطفها بعناق محموم كاد أن يكسر عظامها من قوة ذراعيه على جسدها الصغير.
طال عناقهما وكل منهما لا يود الابتعاد عن الآخر لعل هذا العناق المحموم يهدئ ارتعاد قلبيهما.
عادت ملامح "فارس" الهائمة بها لصرامتها فجأة. وسار بها نحو الفراش. أجلسها عليه برفق. وجذب مقعدًا وجلس عليه أمامها ممسكًا يدها بين كفيه.
ساد الصمت للحظات تقطعه صوت شهقاتها التي تجاهد للسيطرة عليها. رغم أن هناك جزءًا بقلبه أكثر من سعيد بخوفها هذا عليه، إلا أن جملتها الأخيرة جعلت الفزع، والرعب يتملك منه. خائف عليها هي أكثر من نفسه.
"قوليلي الأول حاسة إنك أحسن دلوقتي؟"
همس بها "فارس" بنعومة، وهو يرفع يدها على شفتيه يقبلها بعشق.
حركت رأسها بالإيجاب، وهمست باستحياء.
"الحمد لله أحسن شوية."
وضعت يدها الصغيرة على وجنته، وتابعت بابتسامتها الخلابة.
"اتكلم قولي اللي جوه قلبك أنا سامعاك."
أخذ نفسًا عميقًا، وتحولت ملامحه لأخرى شرسة متمتمًا.
"اطمني.. أنا ناوي على كل خير، وهاخد حقي وحقك وحق ديجا كمان من اللي هددوها بيا علشان كده قالتلك تسبيني أتجوز ديمة."
صمت لوهلة يلتقط أنفاسه، وتابع وهو يصطك على أسنانه بغضب، وغيظ شديد.
"مارفيل هتاخد عقابها على كل اللي عملته فيا."
"بس عايزة أقولك حاجة مهمة.. لو هي نسيت إنك ابنها.. أوعى أنت تنسى إنها أمك يا فارس."
قالتها "إسراء" وهي تمسد بكف يدها على صدره، وكأنها تمتلك مفعول السحر لمحو الألم الحاد الذي يكمن داخل قلبه بحركتها هذه التي بات يعشقها "فارس" مؤخرًا.
أغلق عينيه بمتعة من قربها، وتنهد براحة، وهو يضم يدها لصدره بيده بقوة مغمغمًا.
"فاكر يا إسراء وعمري ما نسيت إنها أمي وإلا كان زماني مخلص عليها من ساعة ما عرفت إنها هي اللي ورا كل محاولات القتل اللي اتعرضت ليها في حياتي."
صمت لبرهة، وتابع بتأكيد.
"وبالنسبة لخطوبتي من ديمة أنا هنهيها الليلة ومش هاتجوزها طبعًا لأني ببساطة."
غمز لها بمكر مكملاً بشقاوة لا تخلو من وقاحته.
"بحب مراتي اللي هي أنتي يا بيبي، ومستحيل واحدة غيرك أنتي تشيل اسمي أو حتى تدوق حضني يا إسراء."
اعتلت ملامحه ابتسامة خبيثة، وهب واقفًا أمامها. خلع معطفه والقاه على المقعد بإهمال. كلماته الصادقة جعلت قلب "إسراء" يتراقص بسعادة، وعضت على شفتيها بخجل وضحكت بغنج حين رأته بدأ يفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر وهو يقول بمكر.
"حضني، وقلبي وكلي ملكك أنتي وبس يا بيبي، ودلوقتي بقي سبيني أطمن عليكي بطريقتي، وكمان في مفاجآت كتير عاملها ليكي النهارده أنا واثق إنها هتعجب القمر بتاعي."
اقترب منها حد الالتصاق واضعًا جبهته على جبهتها، وهمس أمام شفتيها، وهو يحملها، ويسير بها تجاه الحمام الخاص بالجناح.
"أشتاقك يا نبع الدماء بأوردتي، واطمئني ساحرتي لن أتخلى عن قلبك الذي ينبض بحبي.. فقط أحبيني أكثر وأكثر، ودعيني أنا أغمرك بعشقي."
"بتجيب الكلام اللي يجنن ده منين بس يا أبو الفوارس؟!"
همست بها، وهي تقبل لحيته قبلة رقيقة على استحياء تشنج جسده بقوة أثارها، وأطارت بها اللب من عقله، وزادت جنونه بها أضعاف مضاعفة.
........................................
.. بالقصر..
"يعني إيه سافر فجأة يا ديجا؟!"
صرخت بها "ديمة" بغضب شديد. لترمقها "خديجة" بنظرة حارقة مردفة بأمر.
"وطّي صوتك ده وإنتي بتكلميني يا ديمة، وفارس سافر علشان عنده شغل مهم."
دارت "ديمة" حول نفسها بجنون، وتحدثت بذهول.
"ده أنا بقالي كام يوم هنا معاه في القصر ومش عارفة أتلم عليه.. يقوم يسافر، وميقولش هو رايح فين حتى؟!"
"عزيزتي ديمة حدثي والدك وأخبريه عن أفعاله المشينة معكِ، وبالتأكيد سيكون على علم بمكانه ويخبرك."
أردفت بها "مارفيل" ببرود، وهي تتناول سيجارها برفقة كأس الخمر المعتاد لها.
ابتسمت "ديمة" ابتسامة مصطنعة تظهر بها الحقد، والشر بعينيها، وتحدثت موجهة حديثها لـ "خديجة".
"أنا هعرف هو فين، وهروح له لو حتى في المريخ."
أنهت جملتها، وسارت لخارج القصر ساحبة حقيبة ثيابها خلفها.
انتظرت "خديجة" حتى تأكدت من ذهاب "ديمة" وتحدثت بصوت عالٍ فجأة قائلة بلهجة حادة جديدة كليًا على شخصيتها الهادئة.
"نادي رئيس الحرس حالًا يا صابرين."
هرولت "صابرين" مندفعة نحو الخارج أمام أنظار "مارفيل" الساخرة، وعادت بعد لحظات برفقة "هاشم" الذي خطى خلفه أكثر من عاملة غير "صابرين".
زحف الرعب لقلب "مارفيل" حين لمحت نظرة "خديجة" المتشفية المسلطة عليها، وتحدثت دون إبعاد نظرها عنها قائلة بأمر.
"خدوا مارفيل هانم لمكانها الجديد."
غمغمت "مارفيل" بعدم فهم قائلة.
"ماذا يحدث هنا خديجة؟!"
ابتسمت لها "خديجة" ابتسامة زائفة مردفة بأسف مصطنع.
"حان وقت عقابك مارفيل."
سقط الكأس الكريستال من يدها أرضًا تحطم لأجزاء بعدما ارتجف جسدها بفزع، ونظرت للعاملات اللواتي اقتربن عليها بنظرات زائغة تدل على شدة خوفها، وقد أدركت أنها من الآن ستدفع ثمن جرائمها الشنعاء بحق وحيدها.
.............................................
بعد مرور عدة ساعات.
خيم الليل بستائره السوداء التي تلمع بها رونق النجوم.
داخل الجناح الخاص بـ "فارس" وساحرته.
على فراش وثير مملوء بأروع الورود من اللون العنابي، والأبيض، وعلب من القطيفة تحتوي على أرقى وأفخم المجوهرات، وقطع الماس التي تعتبر نادرة.
تغص "إسراء" بينهما بنومٍ عميق من شدة إجهادها.
رنين الهاتف المستمر جعلها تتملل بنومها بعدما شعرت ببرودة تجتاح أوصلها حين وجدت نفسها وحيدة بالفراش. ليست داخل حضن زوجها الذي يحتويها، ويضمها بحماية تطمئن قلبها وتشعرها بالدفء والأمان.
فتحت عينيها ببطء، واعتدلت جالسة بتكاسل، تبحث عنه في الغرفة ذات الإضاءة الخافتة.
ليصدع رنين الهاتف مجددًا فمدت يدها، ورفعت السماعة وضعيتها على أذنها.
ليأتيها صوت والدتها تتحدث بلهفة.
"الو.. إسراء انتي معايا يا ضنايا."
دمدمت "إسراء" بصوت هامس.
"اممم.. أيوه يا ماما أنا معاكي يا حبيبتي.. طمنيني عليكي، وعلى إسراء عاملة إيه وديجا كمان."
أطلقت "إلهام" أنفاسها الحبيسة إثر قلقها عليها، وضحكت بعبث قائلة.
"إحنا زي الفل.. طمني قلبي عليكي أنتي وعلى أحوالك يا حبيبة أمك."
تنهدت "إسراء" براحة وهي تتقلب بين الورود وتستنشق عبيرها بمتعة مغمغمة.
"أنا الحمد لله كويسة أوي يا ماما، وفرحانة ومبسوطة أوي وحاسة كأني عايشة حلم جميل مش عايزة أصحى منه أبداً."
لمعت عينا "إلهام" بدموع الفرحة، وتحدثت بحب شديد.
"ربنا يفرح قلبك ويسعد أيامك، ويجعل فارس عوض ليكي وأنتي عوض ليه، ويرزقكم بالذرية الصالحة اللهم آمين يارب العالمين يا حبيبتي."
كانت ابتسامة "إسراء" تضيء وجهها، وظلت آمنة على دعاء والدتها، ولكن تلاشت ابتسامتها شيئًا فشيئًا حين دعت لها بالذرية الصالحة. تذكرت حينها تلك الوسيلة التي تمنعها من الحمل.
"ماما اقفلي هعمل حاجة وأكلمك تاني."
قالتها باستعجال، وهي تستعد بمغادرة الفراش.
"افتكرتي الوسيلة اللي قولتلك شيليها من بدري يا إسراء مش كده؟"
أردفت بها "إلهام" بنبرة عاتبة. لتستطرد دون انتظار سماع رد منها.
"إنتي جوزك جنبك؟"
أجابتها "إسراء" بنبرة مرتعشة تدل على شدة توترها.
"لا عنده شغل مهم قالي هيخلصه متأخر شوية ويرجع."
أخذت "إلهام" نفسًا عميقًا، وتحدثت بتعقل قائلة.
"طيب اسمعيني كويس يا حبيبتي.. خليكي صريحة مع جوزك من أولها يابنتي، وقوليله الحقيقة وهو يوديكي لدكتورة يا إسراء.. متخبيش عنه أي حاجة ممكن تعمل مشكلة بينكم لو عرفها من بره يا بنتي."
احتقن وجه "إسراء" بحمرة الخجل، وببوادر بكاء همست.
"أقوله إيه بس يا ماما.. هتكسف وهخاف كمان أقوله حاجة زي دي.. مضمنش رد فعله هيكون إيه أو هيفكر فيا إزاي."
صمتت للحظة وتابعت.
"هو قالي لو احتجت أي حاجة أطلبها بالتليفون.. فأنا هطلب دكتورة تطلعلي هنا في الأوضة قبل ما يجي."
"إلهام" بنبرة راجية.
"يابنتي ريحي قلبي واسمعي كلامي وقولي لجوزك ومتخفيش انتي مش عاملة حاجة غلط.. لكن لو خبيتي تبقي بتوقعي نفسك في غلط أنتي في غنى عنه."
"إسراء" بعدم اقتناع وقد هيأ لها عقلها بأن "فارس" من الممكن يسيء بها الظن حين تخبره أنها تستعمل وسيلة لمنع الحمل وزوجها توفى له عام كامل.
"طيب يا ماما خليني بس أجرب كده وأسأل حتى دكتورة وأشوفها هتقولي إيه قبل ما فارس يجي وهرجع أكلمك تاني."
غمغمت بها وهي تستعد لإغلاق الهاتف.
"طيب يا بنتي.. هستناكي تطمنيني."
قالتها "إلهام" بيأس وقد أدركت أن ابنتها لن تستمع لحديثها قبل أن تنفذ ما يدور بعقلها.
"حاضر يا حبيبتي اطمني، وبوسيلي إسراء.. مع السلامة."
أغلقت الهاتف، وأسرعت بطلب رقم أملاه عليها زوجها إذا احتاجت لأي شيء.
"تحت أمرك يا هانم."
هكذا أجابتها إحدى العاملات المخصصات لها وحدها.
عضت "إسراء" على شفتيها وهمست بخجل.
"لو سمحتي عايزة دكتورة أمراض نساء تطلعلي الأوضة عندي حالًا."
...................................................
.. داخل المكتب الخاص بـ فارس..
يجلس "فارس" على رأس طاولة بوجهه يظهر عليه الغضب الشديد. يتحدث بصرامته المعهودة. جعل الجميع يتأهب له ويتابعونه باهتمام وخوف ليطول غضبه أحدهم.
"عايز في خلال ربع ساعة بالكتير يكون قدامي هنا كل الملفات الخاصة بشغلنا مع رئيس الوزراء.. مفهوم."
دوي صوتهم بنفس واحد.
"مفهوم يا فارس باشا."
حرك "فارس" رأسه بالإيجاب. وفتح اللاب الخاص به يتفحصه بتركيز شديد.
ساد الصمت قليلاً والجميع يتابع عمله بنشاط واجتهاد.
ليصدع صوت رنين هاتفه. فأسرع بالضغط على زر الفتح وتحدث بلهفة.
"إيه الأخبار؟"
"فارس باشا الهانم طالبة دكتورة عندها في الجناح حالًا، وصوتها باين عليه التعب سيادتك."
سقط قلب "فارس" أرضًا بعدما تملك منه الهلع من شدة خوفه على زوجته. انتفض واقفًا فجأة، وسار بخطى شبه راكضة نحو الخارج مغمغمًا بأمر قبل أن يغادر الغرفة.
"محدش يتحرك من مكانه.. كملوا شغلكم وابعتولي التقرير على جناحي."
أنهى حديثه وغادر الغرفة بهرولة متوجهًا نحو جناحه الخاص به هو وساحرته.
رواية غرام المغرور الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نسمة مالك
بإحدى عمارات الدمنهوري القريبه من قصر "فارس"..
داخل شقة من الطراز الحديث.. مجهزة من كافة شيء، ولكن بابها، ونوافذها من الحديد ..
تقف "مارفيل" بملامح باهته.. تنظر حولها بنظرات منذهله، وتتحدث بصوت مرتجف قائله..
"أين أنا يا خديجة؟!"..
دارت "خديجة" حولها بخطوات بطيئه تدب الزعر بأوصالها مردفة بهدوء مريب..
"هنا شقتك الجديدة مارفيل.. ستظلين بها إلى الأبد، ومن اليوم سيتم معالجتك من إدمان الكحول، ولعب القمار الذي جعلك تخسرين أموالك وتفكرين بأنهاء حياة إبنك حتي تستطيعي وضع يدك القذرة على أمواله"..
فقدت "مارفيل" السيطرة على خوفها، وبدأت تركض بندفاع كمحاولة منها للهرب مردده..
" أنا لم أفعل شيء.. اتركوني أعود لموطني، واقسم إني لن اريكم وجهي مرة أخرى"..
سيطرت العاملات على حركاتها الجنونيه، وقاموا بتقيدها على الفراش حتي لا تؤذي نفسها..
بينما" خديجة "تقف أمامها ترمقها بنظرات محتقرة وهي تقول بأسف..
"رغم أفعالك المشينه، ومحاولات قتلك المتعددة ل "فارس" الذي أوشك على الموت عدة مرات بسببك أنتي.. إلا أنه سيبقي بجانبك حتي تتماثلين الشفاء من تلك السموم التي تتعاطيها"..
غمغمت "مارفيل" بنبرة متوسلة..
"لا أريد منه أي شيء.. فقط اخبريه ان يتركني أرحل، واقسم لكم أنني لن أعود ثانياً"..
بكت بنحيب وتابعت..
" سيتركني هنا حتي القي حتفي.. لا أريد أن أظل وحيدة بين تلك الأبواب الحديديه"..
سارت" خديجة " لخارج الشقة، وتحدثت قبل أن تغلق الباب الحديدي خلفها..
"هذا أهون عقاب تستحقيه مارفيل.. فأنتي صدقاً تستحقين الموت بعدد جميع الطلقات التي أصابت جسد أبني فارس"..
أنهت جملتها وأغلقت الباب خلفها..
تاركه مارفيل تصرخ بنهيار شديد وقد أدركت أنها لن تري ضوء الشمس ثانياً إلا عبر تلك القضبان الحديديه الموضوعه على كل منفذ بالشقة حولها..
خرجت" خديجة "من المبني خلفها "هاشم" الذي سابقها بخطوة، وقام بفتح الباب الخلفي لها..
"ميرسيي"..
همست بها "خديجة" وهي ترتجل السيارة بستحياء..
أغلق "هاشم" الباب وصعد بجوار السائق مردفاً بتساؤل ..
"هنرجع القصر يا هانم؟"..
لم تجيبه "خديجة" فقد كانت منشغلة بستنشاق رائحة عطرة المثيرة بستمتاع..
عقد "هاشم" حاجبيه، ونظر لها بالمرآه، وجدها تنظر له بابتسامة شارده لا تخلو من الإعجاب..
التفت لها وتطلع لملامحها البريئه بابتسامته الرزينه مدمدماً..
"خديجة هانم"..
انتبهت" خديجه" على حالها فرسمت الجدية على ملامحها التي توردت بحمرة قاتمة، وتنحنحت بخجل قائله..
"اححم.. أنتو وافقين ليه"
"بسأل سيادتك.. هنرجع القصر"..
قالها "هاشم" بصوته المزلزل الذي يروق ل "خديجة" كثيراً..
لأول مرة بحياتها يثير رجل إعجابها لهذه الدرجة..
تريد معرفة كل شيء عنه..
تشعر بالفضول تجاهه بشدة خاصةً حين لمحت يده فارغة.. لا يرتدي خاتم زواج وهذا أثار فضولها أكثر..
ابتعدت عن عينيه التي ترمقها بنظرات متأملة تزيد من توترها، وخجلها، وتحدثت بقوة زائفه..
"لا عايزه اشم هوا شوية في مكان هادي"..
بالجناح الخاص ب فارس وزوجته..
داخل غرفة الملابس الذي قام بنتقائها "فارس" لزوجته على زوقة الخاص..
تقف "إسراء" تبحث عن شيء ترتديه فوق قميصها الوردي..
أمسكت روب حريري من نفس لون القميص، وارتدته على عجل فور سماعها لطرقات على باب الجناح..
"ادخل"..
أردفت بها وهي تغلق رباط روبها باحكام، وغادرت غرفة الملابس حين تأكدت من وجود الطبيبه بمفردها عبر الشاشه الموضوعه على الحائط أمامها تظهر لها كل ركن بالجناح..
تقف الطبيبه داخل غرفة خاصة بالزوار..
"حضرتك دكتورة نسا؟!"..
قالتها "إسراء" بتواضع أذهل الطبيبه..
فاجابتها ببتسامة مردده..
"ايوه يا هانم.. أسمى سلمي.. تحت أمر حضرتك"..
بادلتها "إسراء" الابتسامة متمتمه..
"الأمر لله وحده يا سلمي"..
صمتت لبرهه، وتابعت بخجل وهي تفرك أصابعها ببعضهما قائله بهمس..
"بصي أنا مركبة وسيله لمنع الحمل، وعايزة اشيلها"..
الطبيبه بعمليه..
"تمام.. أنا معايا كل الأدوات اللي هحتاجها.. بس لازم اعرف اخر ميعاد للبيريوت بتاعت حضرتك كانت أمتي؟! "..
غمغمت" إسراء " بستحياء قائله..
" تقريبا من 12يوم"..
الطبيبه بأسف..
"كده مش هينفع اشيل لحضرتك الوسيله دلوقتي خالص.. الأفضل نستني ونشلها بعد أنتهاء البيريوت مباشرةً"..
صكت" إسراء " على أسنانها متمتمه بنبرة راجيه..
"بس أنا عايزه اشيلها دلوقتي ضروري لو سمحتي"..
الطبيبة..
" صدقيني مش هينفع حضرتك.. اللولب بالذات تركيبه أو شيله يفضل يكون بعد انتهاء البيريوت على طول ودا علشان نتأكد أن مافيش حمل دا أولاً، وكمان علشان يكون تركيبه أو شيله سهل وميتعبش حضرتك"..
همت "إسراء" بالحديث، وقد حسمت أمرها بأن تجعلها تخلصها من تلك المانع حتي لو هيتسبب بألمها،ولكن استمعت لصوت زوجها الذي خطي لداخل الجناح من باب أخر..
ارتعد قلبها،ودون أرادتها دفعت الطبيبه برفق نحو باب الخروج متمتمه..
" طيب اتفضلي انتي دلوقتي"..
انصاعت الطبيبة على الفور، وخرجت من الباب بنفس اللحظه الذي دخل بها "فارس" الغرفه..
"إسراء.. أنتي كويسه حبيبتي"..
قالها،وهو يقطع المسافة بينه وبينها، وانتشلها داخل حضنه يضمها بلهفه..
لفت يدها حول خصره، وضمته لها بقوة، وتمسحت بوجهها داخل حنايا صدره كالقطة الوديعه مدمدمه بصوت هامس..
"اممم أنا كويسه.. اطمن"..
"بلغوني انك طلبتي دكتورة، وصوتك كان تعبان"..
وضع أصابعه أسفل ذقنها جعلها تنظر له، وتابع بقلق ظاهر على محياه الوسيمه..
"فيكي أيه يا روحي"..
قبل جبهتها مرات متتاليه مكملاً..
"قوليلي فيكي أيه متتكسفيش مني"..
اشتعلت وجنتيها بحمرة قاتمة، وأسرعت بالأختباء داخل حضنه، وجاهدت على أخباره بالحقيقه إلا أن لسانها انعقد تماماً وكأنها فقدت القدرة على الحديث، وتناست الحروف..
"أنا السبب صح.. قسيت عليكي"..
قالها "فارس" هامسًا بحميمية أيقظت كل مشاعرها تجاهه مرةً واحدة..
علقت أنفاسها بصدرها و هي تستشعر يديه التي تطوقها بقوة تسير على كامل ظهرها يربت عليه بحنان بالغ..
"شوقي وعشقي ليكي كانوا أقوى مني.. حقك عليا.. مكنتش أقصد أتعبك"..
قالها وهو يحتضن وجهها بين كفيه، ومال على شفتيها اقتنص منها قبله رقيقه بتمهل دفعتها للإنهيار داخليًا و أطلقت أنفاسها المحبوسة برئتيها..
"فارس.. أنا كويسه.. متقلقش.. كنت بسأل الدكتورة على حاجة وبس مش أكتر"..
همست بها بتقطع، وهي تندس داخل صدره مرة أخرى مكمله..
" تعالي خليني أطمن على عيونك بنفسي"..
هم بالرد عليها، ولكن صدع رنين هاتفه.. فأخرجة من جيب سرواله،وأسرع بالرد..
"ها يا غفران. أيه الأخبار؟! "..
" غفران"..
" ديمة عرفت طريقك،وفي طريقها ليك دلوقتي بعد ما استلمت كمية كبيرة من البودرة"..
"كده نفذ اتفقنا يا صاحبي"..
قالها" فارس" وهو يبتعد عن "إسراء" بتمهل، وسار نحو الشرفة..
وضعت "إسراء" يدها على قلبها تحاول تهدئة دقاته المتسارعة، وتنهدت برتياح متمتمه لنفسها..
" ياربي كنت نفسي أقولك والله يا فارس بس خايفه أوي"..
هرولت تجاه غرفة الملابس بفرحة غامرة، وبدأت تنتقي ثوب جديد ترتديه لزوجها..
"خليني اخد عليك شويه كمان، وأكيد هقولك مش هخبي عليك يا أبو الفوارس"..
انتقت سلوبت بيضاء بفتحة صدر واسعه تظهر كتفيها، وأول ظهرها..
أخذتها وركضت لداخل الحمام غالقه الباب خلفها..
بينما "فارس" مازال يتحدث بالهاتف مغمغماً..
"أنا عايزها تخرج من الحجز متنفعش نفسها تاني يا غفران"
" غفران"..
"اطمن أنت عارف حبايبي كتير بفضل الله، وكلهم يتمنوا يخدموني.. بس اعمل حسابك سيادة الوزير مش هيسكت على اللي هيحصل لبنته في الحجز يا فارس، وهيعرف أننا ورا القبض عليها والحرب هتبدأ بنا وبينه يا صاحبي "..
ضحك" فارس "ضحكه مزيفه، وبثقه تحدث قائلاً..
" الحرب دي هتنتهي وهنطلع احنا الكسبانين اول ما أوري لمعالي الوزير النصايب اللي بنته عملتها صوت وصورة، وانها كانت على علم بمين اللي بيحاول يموتني، ووقفت تتفرج عليا، وتهدد خديجة أنها هتقتلني وكمان عايزه تلبس مراتي قضية مخدرات يا غفران"..
ضحك" غفران" مردداً..
"أديها هتلبسها هي، وهتترمي مع البلطجية في الحجز اللي هيدوها شوية ضرب ياض يا فارس هيربوها من أول وجديد.. متشلش هم حاجة أنت عريس.. اقفل ياللا وأنا هخلص وأبقى اطمنك.. سلام"..
أغلق" فارس" ووقف بمكانه ينظر للفارغ أمامه بشرود..
فما يحدث حوله لم يكن سهل عليه خاصةً ما فعله بوالدته..
رغم كل ما فعلته إلا أن قلبه اعتصر حين استمع لصرخاتها المتوسله بالهاتف..
تصرخ بألم حين قل من جسدها جرعة الخمر المتعود عليه..
بينما" إسراء " أنتهت من أخذ حمام دافء استعادة به نشاطها..
ارتدت السلوبت الذي زادها جمال فوق جمالها..
مشطت شعرها الحريري، وعقدته ذيل حصان وتركته منسدل على ظهرها..
وضعت لمسات لا تذكر من مساحيق التجميل جعلتها بغاية الفتنة..
خطت لداخل الغرفة فور خروجها من الحمام تبحث عن زوجها بلهفه..
وجدته يقف بشرود كما هو بشرفة الجناح..
سارت نحو الهاتف الذي أهداه زوجها لها، وقامت بتشغيل إحدي اغانيها المفضله التي وصلت موسيقاها لسمع "فارس" جعلته يستدير ببطء وقد اختفي ضيقه وانبلجت ابتسامة هادئه حين استنشق عبير رائحة ساحرته..
لتجحظ عينيه حين رأها تنظر له من فوق كتفها العاري بغنج..
وقد ظهر قوامها الممشوق بتلك السلوبت التي ظهرت جمال وروعة منحنايتها المثيرة..
سار نحوها بخطوات هادئة..
وعينيه تشملها بنظرة متفحصة لا تخلو من الانبهار بجمالها الفتان حتي توقف خلفها مباشرةً..
لف يده حول خصرها وضمها داخل حضنه ظهرها مقابل صدره، ومال على عنقها يستنشق عبيرها ويهمهم بستمتاع مدمدماً بأجمل كلمات الغزل..
"ساحرتي.. دعيني أتعطر بأنفاسك.. ذوبيني.. أنثريني.. آجمعيني.. آملكيني ،وإجعليني كل شيء يحلو لكِ ولكن إياكِ أن تفارقيني"..
ألقت بثقل جسدها عليه بعدما قامت برفع يدها ولفتها حول عنقه دون أن تستدير، وبدأت تتمايل بين يديه برقه على كلمات أغنية تصف بدقة حالة عشقهما..
" انا وانت حالة خاصة جداً.. حالة مش موجوده فعلاً،
ومفيش في حياتنا اصلاً يا حبيبي عذاب"..
" وانت جنبي حاسة اني طفلة،
وحياتي يا حبيبي حفلة
وفي وش الحزن قافلة كل الأبواب"
اعتدلت داخل حضنه، وبدأت تغني له وهي تتأمل ملامحه بهيام..
"جنني حبك طيرلي عقلي
انا متهيألي انا جيت الدنيا بحبك"..
" علمني حبك اسرق من الدنيا
ثانية ورا ثانية و أدوب قلبي في قلبك"..
" وانت حالة استثنائية ودماغنا هي هي
وحياتنا دي مش عادية اتنين مجانين"..
"ومفيش بينا حاجة تقليدية
انت الفرحة اللي فيا"
"عارف العيد والعيدية
انت اللي اتنين"
" جنني حبك طيرلي عقلي
انا متهيألي انا جيت الدنيا بحبك"
" علمني حبك اسرق من الدنيا
ثانية ورا ثانية وادوب قلبي في قلبك"..
قلبه يتراقص معها من شدة فرحته بها..
يضمها لصدره بتملك مجنون..
تبادله هي عناقة بقوة أكبر لن ينتهي بهما الأمر بمجرد عناق..
ستكون ليله ملحميه مليئه بالغرام..
رواية غرام المغرور الفصل الثلاثون 30 - بقلم نسمة مالك
..بعد مرور أسبوعين..
ليالي استثنائية.. زاخرة بالمشاعر خضعت "إسراء" خلالها أمام بركان عشق زوجها.. لم يسعها سوى الاستسلام الكامل له و التنعم بفيض غرامه الذي أهاله عليها بكرمٍ و شغف..
سطعت شمس نهار جديد..
كان "فارس" يجلس على الفراش بجوار ساحرته يتأمل جمال ورقة ملامحها الفاتنة كعادته كل صباح..
يرسم ملامحها بأصابعه تاره، ويمررهم بين خصلاتها الحريريه تاره، ويميل بوجهه على وجهها يوزع قبلاته الساخنه أثناء سره بأنفه على بشرتها الناعمه تاره أخرى..
"إسراء.. أصحى بقي يا روحي"..
اختلجت أنفاسها حين سمعت همسه الخافت بأذنها من بين قبلاته التي تذيب قلبها..
مد ذراعه ليلفه حول خصرها و يشدها نحوه بقوة
.. ارتطمت "إسراء " بصدره مصدرة آهة متألمه بغنج، و هي تتململ بين ذراعيه مغمغمه..
"صباح الخير يا أبو الفوارس"..
" صباح الورد يا حياة أبو الفوارس"..
قالها "فارس" مداعبًا ويده تتسلل ببطء على عنقها، ثم إلى صدرها، ثم إلى خصرها.. تحوّلت هي إلى قطعة من الفولاذ منصهرة بين يديه بفعل لمساته الخبيرة..
دست نفسها داخل حضنه دافنه وجهها بصدره متمتمه بخجل..
" فارس وبعدين معاك"..
" أنا لسه عملت حاجة يا بيبي"..
أردف بها ببرائه مصطنعه، وهو يزيد من لصقها به مكملاً بتساؤل..
"فرحيني بقي وقوليلي أنها خلصت"..
ابتعدت "إسراء" عنه بضعة أنشات، وأغلقت عينيها بقوة، ورفعت يديها وضعتها على وجهها لتختبئ منه، وبهمس بالكاد يسمع من شدة إحراجها قالت..
"لسه انهارده أخر يوم"..
"برضوا بتتكسفي مني يا إسراء؟!"..
قالها "فارس" وهو يحاول بأقصى ما لديه من لطف إزالة كفيها متمتماً برفقٍ..
"بصيلي يا روحي"..
رفعت وجهها ببطء ونظرت له بعينيها الناعسه، ووجنتيها المشتعله بحمرة الخجل.. ابتسم لها ابتسامته المطمئنة وتحدث بتنهيدة قائلاً..
"انتي لسه متعرفيش انا بحبك أد أيه؟!"..
"عارفه يا فارس، وحاسة بحبك قوي كمان"..
قالتها "إسراء" وهي تحتضن وجهه بين يديها الصغيرة..
حرك رأسه بالنفي، وهو يرفعها بمنتهي الخفه ويجلسها على قدميه مغمغماً..
"لا لسه متعرفيش أن حبك عندي أكتر بكتير من كل نفس بتنفسه، وكل دقه بيدقها قلبي"..
صمت لبرهه وتابع بلهجة أكثر خشونة يثبت لها مشاعره و ملكيته إياها وحده..
"بحبك يا إسراء"..
ضمها لصدره بقوه، وأخذ نفس عميق يستنشق عبيرها ويهمهم بستمتاع..
"بحبك يا فرحة، وعمر فارس الحلو"..
رفرف قلبها بشدة من حديثه الصادق الذي يقتحم قلبها، ويخطف أنفاسها.. بل يخطفها هي كلها لعالم وردي لا يوجد به غيرهما..
علقت أنفاسها بصدرها و هي تستشعر الذبذبات الحارة المنبعثة من جسده العريض الذي يحاوط جسدها الصغير بحماية، ولهفة عاشق متيم بقربها..
تحرك برأسه حتي أستند بجبهته على جبهتها، وتابع وهو يقبل أرنبة أنفها..
" بحلم باليوم اللي تقوليلي فيه أنا حامل منك يا أبو الفوارس"..
جملته جعلت ابتسامتها تتلاشي شيئاً فشيئاً، وانتفض قلبها أنتفاضة دبت الرعب بأوصلها جعلتها ترتجف بين يديه قليلاً وقد حسمت أمرها أن تخبره بوجود تلك الوسيلة اللعينه..
ابتلعت غصة مؤلمة بحلقها .. بينما إنتفاضة قلبها تزيد و تتدافع وهي تتذكر أنها على ذمته منذ أكثر من أربعة أشهر، وكان مخصص لها طاقم من الأطباء داخل قصره يهتمون برعايتها رعاية كاملة، وقد ذكرتها والدتها ذات مرة بتخلص من تلك الوسيله فور زوجها منه إلا انها أبت ظناً منها أنها لن تميل له يومياً..
لم تكن تتخيل للحظه أن يزدهر عشقة بقلبها هكذا..رغم أنها قد عاشت من قبل قصة حب مع زوجها السابق،ولكن الآن تحيا حالة من الغرام معه لم يخطر علي بالها أبداً ولا حتي بأحلامها..
ترتجف بشكلٍ ظاهر .. تحول الى انتفاضات أشبه بالذعر وهي تتخيل رد فعله فور أخباره أنها لم تكن تنوي ان تنجب منه.. رباه لقد صعبها عليها كثيراً خاصةً حين رأته يعقد حاجبيه بتعجب، وقد ظهر القلق على محياه حين شعر بخوفها الذي جعل وجهها تنسحب منه الدماء.. فأسرع بضمها داخل حضنه هامسًا بلهفه ويده تربت على شعرها، وظهرها بحنان بالغ..
"مالك يا روحي؟! وشك أصفر فجأة ليه كده؟!"..
حمحمت كمحاوله منها لإيجاد صوتها، وتحدثت بتوتر قائله..
"مافيش حاجة.. أنا كويسه أطمن"..
توهجت عينيه أصبحت كالجمرتين وتحدث بخفوت
قاسٍ محذراً..
"أوعى تكوني خايفه تخلفي مني لأعمل مع ولادي زيي ما أهلي عملوا معايا يا إسراء؟!"..
جحظت عينيها من تصريحه الخاطئ كلياً واسرعت بتحريك رأسها بالنفي مردده..
"لا طبعاً.. انت بتقول أيه بس.. أنا عمري ما فكرت كده فيك أبداً يا فارس.. دي بنتي بتحبك أكتر مني ومن جدتها كمان"..
لكزته بقبضة يدها بكتفه برفق مكمله بعتاب..
" إزاي أصلاً تفكر أني ممكن اعمل حاجة زي دي واغضب ربنا وامنعك من حقك في الخلفة"..
ابتسم لها ابتسامة حزينه مردفاً بمرار..
" في جملة بتقول فاقد الشيء لا يعطيه"..
ضمت رأسه لصدرها بلهفه تربت على شعرة بحنو وكأنه صغيرها مردده بثقه..
"بالعكس فاقد الشيء دا بيعوض غيره من غير حساب.. زي ما انت بتعمل مع إسراء بالظبط.. حبك وحنيتك عليها خلتني واثقه إنك هتكون اعظم اب في الدنيا كلها"..
حديثها أثلج قلبه، وجعل الفرحة تعود لملامحه من جديد.. فرفع رأسه ونظر لها وتحدث بلهفه قائلاً..
"وأنا أوعدك أني عمري ما هفرق في معاملتي بين إسراء بنتي وبين ال10.. 12 عيل اللي هتخلفهوملي.. كلهم هيبقوا ولادي، و والله غلاوة إسراء احتمال تكون أغلى منهم كمان"..
اعتلت الصدمة ملامح "إسراء" للحظات، ومن ثم انفجرت ضاحكة بقوة مردده بذهول..
"10.. 12 عيل ايييه يا افندينا.. أنت فاكرني أرنبة ولا أيه؟!"..
"وأحلى أرنبة بيضة، وزي المرمر يا بيبي"..
قالها أمام شفتيها وهو يدفعها برفق، ويميل عليها مختطف شفاهها بقبلات رقيقه متتالية..
"إسراء واحشتيني أوي يا فارس"..
همست بها "إسراء" بنعومة، وهي تحاول ابعاده عنها بضعف..
زاد من ضمها له أكثر، وهبط بشفاتيه لعنقها يلثمه ببطء مدمدماً بنبرة ماكرة..
" وأنا كمان واحشتني أوي وهتجنن عليها"..
ضحكت بغنج متمتمه..
"فارس بكلمك بجد..ماما وخديجة كمان وحشوني.. بقالنا أسبوعين بعيد عنهم كفاية علينا كده، ولو أنت لسه عندك شغل خليني ارجعلهم أنا؟!"..
رفع رأسه ونظر لها بأعين اشتعلت بها الرغبه، والشوق، وغمز لها بشقاوة وهو يقول..
" ترجعي فين يا بيبي.. أنتي رجلك على رجلي في أي مكان اروحه، ولو على إسراء ومامتك و ديجا فأنا جبتهملك لغاية عندك، وهنقضي الصيف كله هنا"..
مد يده لجهاز تحكم موضوع على جانب الفراش، وقام بفتح شاشة كبيرة معلقه بإحدى جدران الجناح.. لتظهر غرفة الزوار الخاصة بهما تجلس بها كلاً من إلهام حاملة الصغيرة إسراء ..خديجة،وحتي إيمان وصغيرها محمود يتثامرون سوياً..
صرخت" إسراء "بفرحة غامرة، وانهالت على "فارس"
بسيل من القبلات مردده..
"ربنا ميحرمنيش منك أبداً يا أحلى أبو الفوارس في الدنيا"..
فرت من بين يديه، وارتدت روبها الحريري من اللون الكافيه بنفس لون قميصها الذي يعكس جمال بشرتها الناصعه، واندفعت بهروله نحو غرفة الزوار مردده بصراخ يظهر مدي فرحتها..
"إسرااااااء.. يا قلب أمك"..
فور فتحها الباب قفزت الصغيرة من فوق قدم جدتها، وركضت نحوها بخطواتها الجميلة التي تسعد القلب بطالتها وابتسامتها البريئه الصافيه..
لتتسمر "إسراء" بمكانها فجأة، واعتلت ملامحها الدهشه حين دفعتها الصغيره، ومرت من جوارها متجهه نحو" فارس" الواقف خلفها، وارتمت داخل حضنه تضمه بحب مرددة بصوتها الطفولي العذب..
"فالس واحشتني"..
تعالت ضحكات الجميع على هيئة "إسراء" التي تتنقل بنظرها بين ابنتها وزوجها بنظرات مصطنعه الغضب خاصةً حين قال "فارس"..
"أهلاً.. أهلاً بروح قلب فالس"..
رواية غرام المغرور الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نسمة مالك
"إسراء".. انهالت على صغيرتها تقبلها وتدغدغها، وتلاعبها وهي على ذراع زوجها متمتمه بغضب مصطنع.
"بقي فالس وحشك وأنا لاء يا أستاذه إسراء.. دا أنا هعملك شاورما انهارده".
لتعالي ضحكات الصغيرة، وتختبئ منها داخل حضن "فارس" الذي يضمها بحنان، ويضحك هو الأخر بقوه.
"مامي شكلها كده غيرانه ولا أيه".
قالها وهو يغمز لها في الخفاء بشقاوة.
احتقن وجهها بحمرة قاتمة، و نظرت له نظرتها التي تسحره، واسرعت بخفض وجهها بخجل هروباً من عينيه التي تطلع لها بنظرات عاشقه.
بينما "إلهام" عينيها تتأمل ابنتها التي أستعادة رونقها وإزداد وجهها إشراقاً. تظهر على ملامحها الفرحة الغامرة. ابتسامتها نابعة من قلبها تزين وجهها جعلت الراحة والاطمئنان يغلف قلب "إلهام" بعدما تأكدت أن الله رزق ابنتها بزوج يحبها بصدق وسيكون خير عوض لها عن ما رأته بحياتها.
"تعالي في حضني يا إسراء".
قالتها "إلهام" وهي تفتح ذراعيها لها بلهفه. لتهرول "إسراء" نحوها جثت على ركبتيها أمامها، وارتمت داخل حضنها وهي تقول بحب.
"واحشتيني أوي يا ماما والله".
سار "فارس" نحو "خديجة" ومال عليها مقبلاً رأسها قبله طويله مغمغماً.
"واحشتيني يا ديجا.. عامله ايه طمنيني عليكي".
ابتسمت له "خديجة" ابتسامتها الدافئة، واحابته بحنو.
"الحمد لله يا حبيبي.. أنا بخير طول ما انت كويس".
ابتسم لها بفرحة ظاهرة بعينيه، ووجه نظره ل"إيمان" وتحدث بترحاب.
"أهلاً وسهلاً بيكي يا مدام إيمان".
"أهلاً بحضرتك".
غمغمت بها" إيمان" بخجل.
بينما "إلهام" منفصله عن الجميع حين ضمت ابنتها تربت على شعر" إسراء " وظهرها برفق، وقبلت كتفها بعمق مردده.
"انتي أكتر يا ضنايا.. طمنيني عليكي عامله أيه يا حبيبتي".
قبلت "إسراء" يديها مرات متتاليه متمتمه بمتنان.
"أنا في زحام من النعم بفضل رضاكي عليا يا أمي".
ضمتها" إلهام" ثانياً، ونظرت ل"فارس" وتحدثت بابتسامة متسعه قائله.
"إزيك يا جوز بنتي".
ضحك "فارس " حين تفهم مخزي حديثها ونظرتها العابثه التي جعلت" إسراء" تخفي وجهها داخل صدر والدتها.
"الحمد لله يا حماتي.. أنا تمام التمام متقلقيش".
وجهت" إسراء " نظرها ل" إيمان " وهبت واقفه واقتربت منها احتضنتها بقوة وهي تقول بفرحة حقيقية.
"يا حبيبتي يا إيمي..وأنا أقول الغردقة نورت مرة واحدة ليه كدة".
ضمتها "إيمان" بحب أخوي صادق وهي تقول.
"منورة بيكي يا ست العرايس".
نظرت" خديجة" ل" إلهام " وغمزت لها مردفة بمرح.
"شوفتي يا لوما البنت النوتي ولا معبراني إزاي، ولا اللي شاف أحبابه نسي أصحابه يا مدام فارس".
ضحكت" إسراء " بعلو صوتها ضحكتها التي تخطف أنفاس زوجها الواقف بجوار" خديجه" التي تحمل الصغير "محمود" على قدميها. محاوطها بذراع، وحامل الصغيرة بذراعه الأخر، وعينيه على زوجته ينظر لها نظرتة المتيمة بها عشقاً.
" وأنا أقدر أستغني عنك يا أحلى ديجا في الدنيا".
قالتها" إسراء "وهي تقترب منها، ومالت عليها احتضنها، وقبلت الصغير من وجنتيه لتدوي ضحكته المرحة التي تخطف القلب.
"يا حياتي عليك.. ماشاءالله يا إيمان زي السكر.. ربنا يباركلك فيه يا حبيبتي".
آمنت "إيمان" على دعائها، ودعت لها من صميم قلبها قائله.
" ويباركلك في إسراء وعقبال ما ربنا يرزقك من فضله وتجبلها أخ ولا اخت قريب بإذن الله يا حبيبتي".
اعتلت الدهشه ملامح الجميع حين جذب"فارس" زوجته من خصرها فجأة لداخل حضنه، ومال على جبهتها طبع قبله طوليه عليها بجرائته المعتادة، وتحدث بتمني شديد ظاهر بنبرة صوته.
"اللهم آمين يارب العالمين".
نظرت لهما" إلهام "بابتسامة وأخذت تردد بعض الآيات القرآنيه بسرها. أستكانت "إسراء" داخل حضن زوجها خاصةً، وأنه أصبح محاوطها هي وابنتها بذراعيه داخل صدره العريض يغمرهما بالأمان والحماية.
ساد الصمت للحظات قطعته "خديجة" حين هبت واقفة، وتحدثت بحماس قائله.
"ايه رأيكم ننزل نفطر على البحر؟".
ضغطت "إلهام" على زر التحكم بكرسيها المتحرك متجهه نحو باب الغرفة وهي تقول بتأيد.
"ودي عايزه كلام يا خديجة يا أختي.. يله خلينا نلحق نقعد في الهوا شوية قبل ما الشمس تحمي علينا".
لتسرع كلاً من "خديجة وإيمان" خلفها. ليوقفهم صوت"إسراء "تقول بلهفه.
" طيب استنوني هغير هدومي، واجي معاكم".
رمقتها "إلهام" بنظرة ذات مخزي مغمغمه.
"خليكي أنتي مع جوزك".
وجهت نظرها للصغيرة.
" بت يا قلب تيته تعالي معايا ياللا أنا ماشية باي".
مدت يديها لها وتابعت بتعقل.
" هاتها يا ابني، وأبقى هات مراتك وتعالوا براحتكم".
قبلها" فارس" بحب وسار بها نحو جدتها مردفاَ بنبرة حانية.
"إسراء روحي مع تيته، وديجا وأنا هجيب مامي، ونجي وراكم أوكي".
"أوكي فالس".
غمغمت بها الصغيرة ببرائه.
ليردف "فارس" ببعض كلمات بلغه الانجليزيه قام هو بتعليمهم بنفسه للصغيره التي أبهرته بذكائها.
"Give Mami Kiss".
قالها "فارس" وهو يميل بها على زوجته، ويقربها من وجهها لتطبع الصغيرة قبله حانيه على وجنتي "إسراء".
أنزلها "فارس" بحذر وهمت الصغيرة بالركض نحو جدتها ليوقفها هو حين فتح ذراعيه لها مردداً.
"Give me a hug".
قفزت الصغيرة داخل حضنه تضمه بقوه استقبلها هو بحب أبوي صادق، وقبل جبهتها وهو يقول.
"I love you, my girl".
أذهلت الصغيرة والدتها. بل جعلت العبرات تملأ عينيها حين إجابته قائله.
"I love you Dadi".
أنهت جملتها وطبعت قبله سريعه على وجنتيه، وفرت راكضة خلف نحو جدتها التي تنتظرها أمام باب الجناح.
تأكد "فارس" من ذهابهم، وأغلق الباب خلفهم، واستدار بلهفه يبحث عن زوجته. لتعتلي ملامحه الدهشه حين وجدتها تقف تنظر له بابتسامة هادئه، وعبراتها تسيل على وجنتيها ببطء.
"مالك يا إسراء!".
قالها، وهو يقطع المسافة بينه، وبينها بخطوتان، وانتشلها داخل حضنه يضمها. بل يعتصرها بين ضلوعه.
"في حاجة زعلتك يا حبيبتي ؟!".
حركت رأسها بالنفي، ودفنت نفسها داخل حضنه أكثر متمسكة به بكل قوتها، وتحدثت بتنهيدة قائله.
"مبسوطه وفرحانة أوي يا فارس، وقلبي بيتقبض لما بفرح أوي كدة".
ضحكت وبكت بأن واحد وتابعت بأسف.
"بخاف يحصل حاجة تضيع فرحتي في لحظة".
ربت" فارس "على ظهرها بكفيه صعوداً وهبوطاً وسار بها نحو أقرب اريكة جلس، وسحبها على قدميه. أخذ نفس عميق، وتحدث بتعقل دون أن تنمحي ابتسامته المطمئنة عن ملامحه.
" اسمعي اللي هقولك عليه دلوقتي، وافهمي قصدي كويس يا إسراء".
نظرت له بهتمام تحثه على استكمال حديثه.
" حبيبتي.. أنا عايزك تطمني، ومتخفيش من أي حاجة طول ما أنتي جوه حضني،وتأكدي أني دايماً جنبك، وفي ضهرك،و على أتم إستعداد أضحى بنفسي علشانك".
فتحت فمها، وهمت بالحديث. ليسرع هو بوضع ابهامه على شفتيها، وتابع بتحذير.
"بس أوعى انتي تغيبي عن عيني في أي لحظه يا إسراء، ولو في مرة أنا مش معاكي أوعى تبعدي عن الحرس اللي مكلفهم بحمايتك إلا لو مثلاً هتدخلي مكان خاص زي الحمام أو مكان حريمي هيفضل معاكي حارس على الباب هيخبط كل خمس دقايق وانتي تردي عليه بنفسك يا إسراء مرة بأسمك ومرة بأسمي ومرة باسم خديجة، ولو لقدر الله حسيتي بخطر تردي بأسم مارفيل.. فاهمه حبيبتي".
حركت رأسها بالايجاب ليتابع هو.
" ولو وجهتك أي مشكله أوعى تلجأي لحد غيري، ولا تسيبي حد غيرك يقولي لأن ساعتها هزعل منك أوي وأنا بتمني وبدعي لربنا دايماً من يوم ما امتلكتي قلبي إنك متشوفيش زعلي يا بيبي".
صمت لبرهه يلتقط أنفاسه، ومال على وجهها لثم جانب شفتيها بلهفه مكملاً.
" أنا سترك وغطاكي زي ما بيقولوا، وأكتر واحد في الكون كله بيخاف عليكي.. فاهمني يا إسراء؟".
مالت برأسها على كتفه تخفي توترها وقلقها الذي بدأ يظهر على ملامحها، وهمست بخفوت.
" اممم.. فاهمه اطمن".
أطبقت جفنيها بقوة تكبح عبراتها، وبداخلها تتمني ان تخبرة بوجود تلك الوسيله، وأنها تريد التخلص منها، ولكن خوفها من غضبه جعل لسانها ينعقد ثانياً. صكت على أسنانها بغضب، وغيظ من نفسها، وحسمت أمرها ان اليوم ستتخلص منها مهما كلفها الأمر. ستفعل اي شيء وكل شيء ولكن لن تظل تلك الوسيلة يوم اخر بجسدها.
شهقت بصوت خفيض حين هب واقفاً بها فجأة، وسار نحو حمام الجناح وهو يقول بشقاوة لا تخلو من وقاحته.
"تعالي بقي ناخد شاور سريع، وننزل نفطر مع الجماعة، والحق اخلص كل الشغل اللي عندي وارجعلك بدري علشان محضرلك سهرة تجنن".
نظرت له نظرة هائمة به تخفي بها نظرة الاستحقار لنفسها. يتفنن لأسعادها بأفعاله معها التي تجعل قلبها يتراقص فرحاً. بينما هي كانت تعد نفسها حتي لا تنجب منه عن عمد. ولهذا هي غير قادرة على مواجهته واخباره بالحقيقه.
ابتلعت غصه مريره بجوفها وهمست بستحياء.
"ربنا يحفظك ليا، وميحرمنيش منك أبداً يا أبو الفوارس".
أنزلها ببطء داخل حوض الأستحمام المملوء بالماء وسائل الأستحمام برائحة الفانيليا الرائعة، ويده تتخلص من ثيابهما، وجذبها داخل حضنه لصقها به. هامسًا أمام شفتيها بأنفاسه الساخنه التي تلفح بشرتها تفقدها صوابها بين يديه.
" ولا يحرمني منك يا حياة أبو الفوارس".
أنهى جملته، ومال على شفتيها يغمرها بفيض غرامه.
داخل جناح بمبني اخر بنفس الفندق.
تجلس "ديمة" على الفراش بتعب وإرهاق شديد. وجهها لم يشفي بعد من أثر لكمات عنيفه. بل كافة جسدها يحاوطه الشاش الطبي يخفي جروحها الغائرة، وكسور معظم أضلاعها.
تبكي بنحيب،وتتحدث بغيظ وغضب شديد قائله.
"والله ما هعدي اللي عمله فيا دا بالساهل.. انا هعرف إزاي أحرق قلب فارس الدمنهوري على أغلى حاجة عنده".
حرك "عباس" والدها رأسه بيأس من تصرفات وأفعال ابنته التي لا تروقه أبداً، وتحدث بنفاذ صبر قائلاً.
"انتى أيه يا بنتي.. عايزة توصلينا لفين تاني.. المرادي أنا قدرت اخرجك من قضية الزفت اللي بتتعطيه بأعجوبه بعد ما كنتي هتموتي من اللي عملوه فيكي في الحجز، وفارس طلع مش سهل ومأمن نفسه وشغله معانا تأمين عالي أوي، وهنخسر كتير لو فضينا الشراكة معاه، وأنا معنديش استعداد أخسر أكتر من اللي خسرته بسبب طيشك اللي جبرني أدفع ملايين لواحدة تشيل القضية بدالك".
" يا بابي هو السبب في اللي حصل دا كله.. هو اللي بلغ عني ورماني في السجن علشان الحيوانه اللي اتجوزها وهو خطبني".
صرخت بها" ديمة" بغضب حارق.
ابتسم لها والدها ابتسامة مصطنعه وهو يقول.
"الحيوانه اللي بتقولي عليها اتجوزها، وهو خطيبك.. أنا وأنتي عارفين انه كان عينه منها وعليها من قبل ما يفكر في أي نسب بنا، وانتى اللي ضغطي عليا وصممتي رأيك أننا نربط شغلنا معاه بخطوبته ليكي والراجل كان صريح، وقال دي هتبقي جوازة بزنس لو تمت كمان، وانتي وافقتي وقبلتي".
خفضت رأسها بخزي من نفسها، وتحدثت بنبرة راجية.
" سبني لوحدي دلوقتي من فضلك يا بابي".
تنهد" عباس "بتعب، وسار نحو الخارج بعدما رمقها بنظرة متفهمه، وتحدثت بتحذير قبل أن يغادر الجناح.
"أنا عندي اجتماع مهم مع فارس.. أوعى تعملي اي تصرف متهور احسنلك.. المرة دي لو فكرتي تعملي حاجة تاني تضر مكانتي او شغلي مع فارس الدمنهوري هحطك بنفسي في السجن يا ديمة، واخلص من قرفك".
اعتلت ملامح" ديمة"ابتسامة شيطانيه، وامسكت هاتفها وبدأت تتفحصه بهتمام محدثه نفسها.
"على جثتي لو سبت الحيوانه دي تتهني بيك يا فارس".
داخل شاطيء خاص.
حيث المياه الزرقاء الشفافه، والرمال البيضاء الناعمة، والهواء الرطب الذي ينعش الأبدان. تجلس "إسراء" بعدما ودعت زوجها الذي تركها على مضض بعدما تناولوا الأفطار سوياً بجو لا يخلو من المرح، واتجه فارس أخيراً نحو عمله. بينما ذهبت "خديجة وإيمان" مع الصغيران بمكان مخصص للهو.
بقت "إسراء" برفقة والدتها على طاولة موضوعه على حافة الشاطئ. تتحدث ببوادر بكاء قائله.
"والله يا ماما حاولت أكتر من مرة اقوله بس مقدرتش خالص.. كأن لساني بيتعقد ومبعرفش انطق بحرف واحد".
رمقتها "إلهام" بنظرة عاتبه وهي تقول.
"قولتلك بدل المرة كذا مرة يا بنتي يا تشيلي الوسيله دي يا إما تصارحي جوزك بوجودها، وانتي قولتيلي هسيبها علشان مستحيل أخلف من المغرور دا يا ماما".
جاهدت" إسراء " للتحكم بعبراتها، وبتنهيده حزينه قالت.
" مكنتش أعرف أنه هيخليني؟!".
صمتت لبرهه، وخفضت رأسها بخجل مكمله.
" أعشقه مش بس أحبه".
ربتت" إلهام " على كتفها مردفه بتأيد.
" وهو يستاهل يا بنتي.. بلي بيعمله معاكي و معايا ومع بنتك، وحتي مع إيمان وجوزها، وخلاكي زي الوردة المفتحه بحبه واهتمامه بيكي.. يستاهل تحبيه وتحطيه تاج فوق رأسك ومتزعلهوش أبداً يا إسراء".
أخذت" إسراء " نفس عميق، وبلهفه قالت.
" علشان كده عايزه اخلص من الوسيله دي انهارده قبل بكرة وارتاح بقي بدل ما أنا مرعوبة ليعرف وتبقي كارثه وقتها.. أنتي متعرفيش هو ملهوف وهيتجنن على الخلفه أد أيه يا ماما.. لهفته دي خلتني مستحيل اجبله سيرة الزفت اللي مركباه دا".
ظهر القلق على وجه "إلهام" وتحدث بتساؤل قائله.
" طيب وانتي ناويه على أيه دلوقتي؟!".
" هشلها انهارده طبعاً يا ماما".
غمغمت بها" إسراء " بإصرار، ونفخت بضيق وتابعت بأسف.
" بس مش هينفع اطلب الدكتوره تجيلي الاوضه فوق تاني علشان فيه كاميرات ، وفارس طب عليا ساعتها وربنا سترها".
"أمال هتعملي أيه يابنتي.. حيرتيني معاكي".
قالتها" إلهام" بطيبه وخوف ظاهر على ملامحها من تفكير ابنتها المتهور.
"هسأل عن الدكتورة بتاعت النسا و اوديكي العيادة عندها يا أم إسراء".
حجظت أعين "إلهام" وشهقت بعنف حين تابعت "إسراء" حديثها قائله ببراءة مصطنعه، وابتسامة تظهر جميع أسنانها.
"ما أنا هقول لأبو الفوارس حجي إن أنتي اللي هتكشفي يا لومتي يا حبيبتي".
تملك الفزع من قلب" إلهام "دون معرفة السبب، وتحدثت بنبرة راجيه قائله.
" بلاش يا بنتي انا قلبي مش مطمن، و قولي لجوزك الحقيقه وهو يوديكي بنفسه للدكتورة بدل ما تكدبي عليه وتروحي من وراه".
نظرت لها" إسراء" بأعين تجمعت بها العبرات من جديد، وتحدثت بأسف قائله.
"والله ما هقدر يا ماما اقوله دا ممكن يطلقني فيها وعينه ترجع تتعبه تاني بعد ما صدقنا أنها بدأت تتحسن .. ساعديني علشان خاطري.. فارس دلوقتي قالي انه في اجتماع مهم.. وخديجة مع إيمان ملهين في العيال.. دا انسب وقت نروح فيه ونرجع بسرعه.. هسأل على عيادة الدكتورة هي هنا مش برة الفندق اطمني".
نظرت لها" إلهام" قليلاً، وأطلقت زفرة نزقه من صدرها، وبستسلام قالت.
" أمري لله.. قومي خلينا نشوف أخرت فكرتك دي أيه.. رغم أن قلبي مش مطمن.. بس ربنا يستر".
هبت" إسراء "واقفه وهي تقول بحماس رغم هلع وارتعاد قلبها.
" ان شاء الله هتعدي على خير يا ماما".
أشارت للحرس الذين اتو على الفور وحملو "إلهام" بكرسيها المتحرك بعيداً عن الرمال حتي وصلو لممر خشبي وانزلوها عليه.
" على فين سيادتك".
قالها إحدي الحرس بإحترام شديد.
توترت "إسراء" واجابته بتواضع قائله.
"عايزه أروح عيادات الكشف اللي هنا في الفندق من فضلك".
"خير يا افندم.. تحبي اكلم فارس باشا؟!".
أسرعت "إسراء" بتحريك رأسها بالنفي، وقد زاد توترها، ونظرت لوالدتها حتي تتحدث هي وتنقذها.
تنحنحت "إلهام" واجابته بهدوء قائله.
" لا يا ابني مافيش داعي تكلمه.. أنا بس حاسه بتعب بسيط كده وبنتي مصرة تطمن عليا مش أكتر.. فنوبك صواب فينا تودينا".
" تحت أمركم طبعاً".
قالها الحارس وهو يسير بجوارهما وخلفه أكثر من حارس آخر.
سارت "إسراء" بجوار والدتها بقلب ينبض بجنون وقدم ترتجف بشدة، وقد بدأت ملامحها بالشحوب من شدة خوفها.
حتي وصلوا داخل إحدي عيادات الفندق.
اقتربت" إسراء " من فتاه تجلس على مكتب الإستقبال تأهبت واقفه فور دخول "إسراء" فمن لم يعرف زوجة فارس الدمنهوري التي أصبحت حديث الفندق بأكمله.
"أهلاً وسهلا يا هانم.. المكان نور والله".
قالتها الفتاه بابتسامة واسعه.
بادلتها "إسراء" الابتسامة بأخرى باهته وتحدثت بهمس حتي لا بستمع لها الحرس الملازم لها.
"متشكرة حبيبتي.. من فضلك كنت عايزه دكتورة نسا.. اسمها سما أو سلمي تقريباً".
وقفت الفتاه وهرولت نحوها وأشارت بأصابعها على إحدي الغرف وهي تقول.
"دكتورة سلمي وهي موجودة دلوقتي.. اتفضلي حضرتك معايا".
طرقت الباب، وفتحته لها. لتدفع "إسراء" كرسيي والدتها لداخل الغرفة حتي توقفت أمام مكتب"سلمي" التي شحب وجهها وانقطعت أنفاسها فور رؤية "إسراء".
ابتسمت لها الفتاه ابتسامة زائفه، ورمقتها بنظرة ذات مخزي وهي تقول.
"مدام فارس الدمنهوي سألت عليكي يا دكتورة سلمي".
تعرقت جبهة" سلمي" التي انتفضت من مكانها، واقتربت من" إسراء " بخطوات مرتجفه جعلتها اوشكت على السقوط أكثر من مرة حتي وقفت أمامها، ومدت يدها التي أصبحت ببرودة الثلج لها بالسلام.
"أهلاً وسهلاً يا فندم".
صافحتها "إسراء" بيد لا تقل عن بردوة بل تزيد، وساد الصمت حين خطي الحارس ليؤمن المكان بنفسه ومن ثم سار للخارج مرة أخرى وهو يقول.
"أنا هستني قدام الباب بالظبط سيادتك واستأذنك كل 5دقايق هخبط وسيادتك تردي عليا بنفسك بالكلام اللي الباشا حفظه لمعاليكي".
حركت "إسراء" رأسها بالايجاب، وانتظرت حتي انصرف وأغلق الباب خلفه.
تنقلت بنظرها بين "سلمي" وممرضة كانت برفقتها، والفتاه التي ما زالت واقفه تنتظر ان تسير للخارج هي الأخري.
" أنا المساعدة بتاعت الدكتورة يا فندم".
قالتها الفتاه وهي تنظر للمرضة بابتسامة صفراء جعلتها تسير نحو الخارج على الفور.
اخذت "إسراء" نفس عميق، ونظرت ل "سلمي" وتحدثت بود قائله.
"أولاً انا حابة اعتذرلك على أسلوبي معاكي المرة اللي فاتت.. لما زقيتك وقتها وقولتلك روحي دلوقتي.. متزعليش مني حقك عليا".
اعتلت ملامح "سلمي" الدهشه من تواضع وطيبة "إسراء" الزائدة.
"يا خبر يا فندم حضرتك بتعتذريلي ليه بس.. حصل خير.. أنا مش زعلانه من حضرتك والله".
"قالتلك مش زعلانه الحمد لله.. يله بقي يا إسراء يا بنتي.. خلصي خلينا نمشي".
قالتها والدتها بقلق ظاهر على محياها، وقد انقبض قلبها من المكان بأكمله.
رمشت" إسراء" بأهدابها وبخجل قالت.
" حاضر يا ماما".
نظرت للطبيبه.
" حضرتك فاكرة انا عايزة ايه من المرة اللي فاتت".
ابتلعت الطبيبه غصة مريرة بجوفها وهي ترمق الفتاة الواقفه بنظرة خاطفه، وبأسف اجابتها.
" ايوة فاكرة يا فندم.. هشيل لحضرتك اللولب".
نظرت لعينيه تستجديها وتتوسلها بنظراتها، وتابعت محدثه نفسها.
"أبوس أيدك أمشي.. أنا مجبورة اقتلك وإلا هيموتوا أبني".
طرقات الحارس على الباب جعلت "إسراء" تقول بصوت عالِ نسبياً.
"خديجة".
قالت "إلهام". بنفاذ صبر للطبيبه.
" ايوة يا بنتي.. خلصينا بسرعة الله لا يسيئك".
جذبت ابنتها عليها وتابعت بهمس بأذنها.
"قدامكم خمس دقايق والجدع اللي برة هيخبط تاني.. لازم تردي عليه بصوتك الطبيعي يا إسراء وإلا ممكن يدخل ويلاقيكي أنتي اللي بتكشفي".
انتبهت" إسراء" على حديث والدتها فنظرت للطبيبة وتحدث باستعجال.
" طيب ياللا يا دكتورة من فضلك".
اقتربت الفتاة من" إسراء " وتحدثت بعملية.
" اتفضلي خليني أساعدك تقلعي هدومك، وتطلعي على سرير الكشف".
انصاعت" إسراء " لحديثها، وسارت معها بخطوات مهروله. وبأقصي ما لديها من سرعة خلعت ثيابها وتمدت علي الفراش أسفل غطاء قطني زهري اللون.
بينما الطبيبة سارت نحوهما بخطوات متثاقلة بعدما بطأت نبضات قلبها من شدة هلعها. وقفت الفتاة على رأسها أثناء فحص" إسراء" وفور تخلصها من تلك الوسيلة. أظهرت الفتاه سرنجة كانت تحتفظ بها بجيبها الخاص ورمقة الطبيبة بنظرة نارية حتي تأخذها منها.
أخذتها منها الطبيبه بيد مرتجفه ،واعين هبطت منها العبرات دون أرادتها وأستعدت بحقن "إسراء" بها. لكنها انتفضت بهلع وسقطت من يدها حين شهقت "إسراء" بفزع فجأة وتلاحقت أنفاسها وأصبحت تتنفس بصورة ملحوظة وصدرها بعلو ويهبط عندما وصلت لأنفها رائحة عطر زوجها الذي تحفظه عن ظهر قلب.
شعرت بدوار عنيف يهاجمهما من شدة خوفها، ودون أرادتها نطقت اسم زوجها بقلبها قبل لسانها بصوت عالِ نسبياً أشبه بالصراخ.
"فااااااااارس".
ليدوي صوت طلقات نارية وصوت "فارس" من بينهم يصرخ بجنون مردداً.
"مراتي فين يا ولاد ال***".
لطمت "إلهام" خديها بعنف. بينما "إسراء" تهاوي جسدها من شدة خوفها جعلها لم تتمكن من النهوض حتي لترتدي ثيابها.
اقتحم "فارس" الغرفة دون سابق إنظار كالثور الهائج ممسك سلاحة بيده. يبحث عن زوجته بنظرات زائغة وهو يردد بصراخ كاد أن يدمر أحباله الصوتيه.
إسرااااااء".
رواية غرام المغرور الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نسمة مالك
كان "فارس" يجلس بالغرفة الخاصة بالاجتماعات منهمك في مباشرة أعماله الكثيفة حتي صدعت أصوات هواتفه معلنين عن وصول رسالة بأن واحد. حتي اللاب الخاص به تلقى عليه أيضاً رسائل عبر المواقع الخاصة به على السوشيال ميديا.
عقد حاجبيه بدهشة، وأسرع بأمساك إحدي هواتفه يتفحصه بلهفه وقد زحف القلق لقلبه دون معرفة السبب. بل تمكن الهلع منه حين رأي محتوي الرسالة.
"زوجتك بخطر.. يحاولون قتلها بعيادات فندقك أسرع لتتمكن من أنقاذها، وأحذر فهناك مجموعة من الرجال المسلحين داخل العيادات".
سقط قلبه أرضاً، وتلاحقت أنفاسه حتي انه أوشك على الموت خنقاً حين خيل له أن ساحرته من الممكن يفقدها الآن وللأبد. انتفض من مكانه فجأة وركض بأقصى سرعة لديه خلفه رجال الحراسه الخاصة به كل منهم حامل سلاحه الناري بيده.
فور وصوله لباب العيادات ظهر أكثر من رجل ملثم وبدأو يتبادلون إطلاق الطلقات النارية التي وصلت صداها لسمع إسراء عقب رائحة عطر زوجها التي اخبرتها بوجوده.
حالة من الفزع والرعب سيطرت على قلب "الهام" والطبيبة والفتاة التي برفقتها حين اندفع "فارس" داخل غرفة الكشف بوجه يظهر عليه الغضب العارم. ممسك سلاحه بيده، وهيئته تدل انه سيزهق روح من يفكر في إيقافه.
اما "إسراء" كانت بحالة يرثي لها بعدما أدركت حجم الكارثة التي أوقعت نفسها بها بسبب تهورها الذي جعلها ترتكب خطأ فادح من الممكن أن تخسر زوجها بسببه.
دار بعينيه بأنحاء الغرفة يبحث عنها كالمجنون. حتي لمحها تتمد خلف ذلك الساتر تنظر له بأعين زائغه، ووجه شاحب من شدة خوفها.
"مدخلش حد من الحرس يا هاشم".
قالها وهو يقطع المسافة بينه وبين زوجته بخطوتين، وبلحظة كان حاوطها بذراعيه لداخل حضنه بحماية مردداً بأنفاس منقطعه.
"إسراء.. إسراء عملوا فيكي أيه؟!"
بدأ يتفحص كل أنش بها بلهفه، وقلب أوشك حقاً على التوقف من عنف دقاته. تصلب جسده، وحجظت عينيه بصدمة عندما وجدها بدون ثيابها الخاصة.
لهنا وجن جنونه أكثر وبلمح البصر كان قبض على عنق الطبيبه، والفتاه معاً بكلتا يديه، وتقدم بهما نحو إحدي الجدران دفعهما به بقسوه، ورفعهما سوياً من عنقهما حتي لم تعد قدميهما تلمس الأرض.
"عملتوا فيها يا ولاد ال***.. انطقي يا *** انتي وهي عملتوا اييييه في مراتي".
بصعوبه بالغه حاولت الطبيبة تتحدث بضعف شديد، وهي تجاهد لأبعاد يده الطابقة بعنف على عنقها كادت أن تفقدها وعيها. بل تسلب روحها.
"و والله االعظيم ممما عملت حاااجه ااانا ش شيلتلها اال وسيله بس".
استجمعت "إسراء" شتات نفسها وهي تري انه على وشك قتلهما. فنهضت جالسه بوهن ساحبة الغطاء الزهري عليها جيداً، وببكاء صرخت قائله.
"فااارس سيبهم بالله عليك هيموتوا في أيدك .. أنا كويسة".
فور سماع صوت معذبته. تركهما على الفور ليسقطا أرضاً على ركبتهما ويسعلان بشدة كمحاولة منهما ليلتقطا أنفاسهما.
أقترب منها ثانياً واحتضن وجهها بين كفيه ونظر لعينيها نظرة متوسله وبأنفاس متهدجة همس قائلاً.
"انتي كويسه.. قوليلي عملوا فيكي حاجة".
أمسك ثيابها الموضوعة جوارها على الفراش، وتابع وهو يبتلع لعابة بصعوبة.
"قلعوكي هدومك ليه؟!".
"متخفش يا ابني مراتك هي اللي كانت بتكشف.. والله ما حد عمل فيها حاجة".
كان هذا صوت "إلهام" التي تبكي هي الأخرى بنحيب.
بينما "إسراء" أعتصر قلبها حين رأت كل هذا الكم من الرعب والفزع الظاهر بعينيه وعلي ملامحه وحتي بنبرة صوته. رفعت يدها تمسد على صدره بكف يدها المرتجفه بحركتها المفضله لديه، وبهمس متقطع من بين شهقاتها الحادة قالت.
"أهدي يا فارس أرجوك، وأطمن والله أنا كويسة".
خطفها لصدره بعناق محموم يعتصرها بين ضلوعه. يود حرفياً أن يخفيها داخل أبعد نقطه بأعماق قلبه. إزداد نشيجها وبدأت تبكي بندم أكبر وجسدها ينتفض بشدة بين يديه. مما جعل وتيرة غضبه تهدأ قليلاً، وبدأ يربت على رأسها، وكتفها وظهرها برفق مغمغماً بفيض من الحنان لا يظهر سوي لها وحدها فقط.
"هش.. أهدي يا روحي.. أنا جنبك.. متخفيش".
"عايزه أمشي من هنا.. وديني أوضتنا يا فارس أرجوك".
همست بها وهي تندس داخل حضنه أكثر بعدما تفهمت انه لم يستوعب بعد الجملة التي قالتها له الطبيبة.
قبل جبهتها قبله طويله أكثر من مرة وهو يقول.
"حاضر.. هنروح أوضتنا".
تناول ثيابها الموضوعة بجوارها على الفراش، وقام بتلبسها بنفسه حتي أنتهي، وحملها بين يديه واضعاً يد أسفل ركبتيها، والأخرى حول خصرها، وسار بها نحو الخارج وهو يقول بأمر موجه حديثه لأحدي حراسه.
"خدو الاتنين اللي جوه كمان".
أنهي جملته، وسار بزوجته بخطوات واسعه أمام أعين حشد هائل من العاملين والنزلاء بالفندق.
بجناح ديمة.
كانت تتابع كل ما يحدث عبر هاتفها بأعين جاحظه ووجه انسحبت منه الدماء بل انسحبت الدماء من جميع أوردتها.
لتصعق حين رأت باب الجناح فُتح فجأة، وخطي للداخل مجموعة من الرجال المسلحة تقدم منها أحدهم وقام بحملها بكثير من العنف جعلها تصرخ بألم قائله.
"أنت مين يا حيوان.. نزلني احسنلك.. انت مش عارف أنا مين".
حاولت الأفلات من يده ولكن جروحات جسدها منعتها واجبرتها على عدم الحركة. اكتفت بالصراخ الهستيري بعدما أدركت أن عقاب "فارس" لها هذه المرة لن يكون بكسر إحدي ضلوعها كالمرة السابقة.
بجناح فارس وساحرته.
كان بنتظارهم فريق طبي كامل استدعاه "فارس" خصيصاً حتي يقوم بفحص كامل ليطمئن على زوجته.
أنتهت أخر طبيبه من فحص "إسراء" تحت أعين "فارس" الجالس بجوارها يضمها لصدره بلهفه وقلق شديد، ونظرت الطبيبة ل "إسراء" المرتعبه وتحدثت بابتسامة.
"الحمدلله حضرتك كويسه جداً.. شوية التهابات بسيطة مكان الوسيلة مش أكتر".
وسيلة؟!. تلك الكلمة ثانياً. هنا انتبه لها "فارس" الذي تحدث بتساؤل وهو يتنقل بنظره بين زوجته والطبيبة، وبداخلة يتمني أن يكون ظنه خاطئ.
"وسيلة أيه بالظبط؟!".
"وسيلة منع الحمل يا فارس باشا.. المدام شكلها شلتها قريب".
هكذا أجابته الطبيبه ببساطة وبدأت تكتب لها الدواء المناسب.
أطبق الصمت فجأة على الغرفة. تسمّر "فارس" محله مصدومًا لبرهةٍ، وما لبث ونظر لزوجته التي تستجديه بعينيها أن يعطي لها فرصه واحدة ويستمع لها أولا قبل ان يطولها غضبه، وعقابه.
بينما كانت نظرة "فارس"مستنكرة. متخاذلة. أيعقل كانت تستخدم وسيلة حتي تمنعها أن تحمل منه؟!.
"حمد لله على سلامة حضرتك.. تؤمرني بحاجة تاني يا فارس باشا".
قالتها الطبيبة وهي تمد يدها بالورقة المدون عليها الدواء تعطيها له.
لم يأخذها منها "فارس". لم يستمع لها من الأساس. نظره مصوب على زوجته بنظرات منذهله. بعدما أصبح عقله غير قادر على الأستيعاب.
أبتعدت "إسراء" بعينيها عن عينيه التي تحرقها بنظراته، ونظرت للطبيبه بابتسامة باهته، ومدت يدها أخذت منها الورقة متمتمه.
"شكراً..تقدري تتفضلي".
لحظات و انصرف جميع من بالغرفة، وظلت وحدها برفقة زوجها.
انتفضت جالسه فجأة أمامه على ركبتيها، وبدأت تتحدث بهذيان من شدة فزعها.
"فارس.. أنا غلطانه.. أنا أسفة؟!".
"مكنتيش عايزة تخلفي مني، وكلامي معاكي خلاكي تشفقي عليا، وتقرري لوحدك وبمزاجك تشيلي الوسيلة اللي بتستخدميها من ورايا؟!".
هكذا قاطع حديثها بجملته التي قالها بهدوء منقطع النظير، ولكنه لا يبشر بالخير أبداً.
حركت رأسها بالنفي، وهمت بألقاء نفسها داخل حضنه تختبئ منه فيه كعادتها. لكنها صرخت بهلع حين هب واقفاً فجأة، وسار نحو إحدي الارائك بالغرفة وبدأ يحطمها بقوة بكلتا يديه وحتي قدميه مردداً بنهيار.
"كلامي وتحذيري ليكي من زعلي وغضبي منك.. اللي قولتهولك هنا.. على الكنبة دي.. مسمعتيش منه حرف واحد.. رمتيه كله ورا ضهرك وأول ما خرجتي من الأوضة عملتي بدل الكارثة كوارث.. خلتك كنتي هترجعيلي جثه انهارده بسبب طيشك وتهورك".
يلكم كل شيء تطوله يديه بعدما حطم الاريكة.
تحاول هي الوصول له بكافة الطرق، ولكنه كان يتعمد الابتعاد عنها. لا يريد لمسها حتي لا يحطم عظامها هي الأخرى كما يفعل بالأثاث من حوله. فبرغم كل ما فعلته لن يتحمل صرخة ألم واحده منها.
صك على أسنانه بعنف، ورمقها بنظرة مستحقرة أدمت قلبها وتحدث بلهجة قاسية قائلاً.
"الوحدة اللي بتبقي مش عايزه تخلف من جوزها دي.. بتبقي مش طيقاه، ولا طايقة لمسته.. لكن أنتي يا بيبي بتبقي أكتر من مستمتعه وانتي بين ضلوعي، وبشوف في عيونك أنك عايزانى زيي ما أنا كنت ببقي عايزك ويمكن أكتر كمان".
كلماته كانت جارحة لانوثتها، ولكنها تغاضت عنها ولم تفرق معها سوي كلمة واحدة. كنت؟!.. ماذا يعني بها؟! هل أصبح لا يريدها؟!.
"تقصد أيه بكنت عايزني دي يا فارس؟!".
ابتسم لها ابتسامة مصطنعه، وحرك رأسه بالايجاب وهو يقول.
"أيوه بالظبط اللي فهمتيه.. مش فارس الدمنهوري االي يسبب واحده على ذمته مكنتش عايزة تخلف منه".
صمت للحظه وهم بمتابعة حديثه الذي سيكون من كلمة واحدة تصبح بها "إسراء" طليقته بعدها. تفهمت هي مقصده، وما ينوي قوله لها. فركضت عليه بكل ما أوتيت من سرعة ارتمت داخل حضنه ارتطمت بصدره، وأسرعت بوضع كف يدها على فمه تمنعه من قولها مردده بنحيب.
"لا يا فارس.. علشان خاطري متقولهاش".
نظر لها نظرة يخبرها بها أن خاطرها لم يعد يهمه من الأساس. فصرخت هي بتوسل قائله.
"طيب بلاش علشان خاطري انا.. علشان خاطر إسراء اللي بتحبك أكتر مني".
لأول مرة يدفعها هو بعيداً عنه سقطت أرضاً بقوة أثر دفعته هذه. ورمقها بنظرة يملؤها الألم ومن ثم أندفع نحو باب الجناح وهو يقول بأسف.
"لخاطر إسراء.. فاهمة لخاطرها.. بس من انهاردة مش عايز اشوف وشك قدامي ولا حتي صدفة".
ركضت خلفه بهروله، ودفت الباب الذي فتحه بجسدها أغلقته مرة أخرى وقفت أمامه مستنده بظهرها على الباب. ممسكه بكلتا يديها المرتجفة بياقة قميصه. تستمد منها القوة ولو قليلاً. تسمر بمحله لبرهةٍ و هو يرمقها بنظراته المتأججة. رفع يده وهم بدفعها بعيداً عنه، ولكنها أرتمت داخل حضنه بلهفه تضمه بكل قوتها متمتمه بصعوبة من بين شهقاتها.
"طيب اسمعني الأول يا فارس علشان خاطري؟!".
"احسنلك تبعدي عن طريقي دلوقتي".
قالها وهو يمسك زراعيها بين كفيه بعنف ألمها ولكنها تحاملت على نفسها، ورفعت وجهها الغارق بالدموع نظرت له نظرة رق لها قلبه المتيم بها. مسح "فارس" على وجهه بعصبية و هو يطرد زفرة نزقة من صدره، ثم قال بصوتٍ أجش.
"اختفي من قدامي حالاً بدل ما ارتكب جريمة قتل يا إسراء هانم".
كان الرعب واضحًا عليها لمرآى تعبير وجهه الغضوب. عيناه تتسعان بغضب و تبرز عروقه بخطورة. شعرت حينها أن حديثه ليس مجرد تهديد لها، وأنه بالفعل على حافة فقدان السيطرة على غضبه وسيقبض على عنقها ولن يتركها إلا عندما تلفظ أنفاسها الاخيرة.
شحب وجهها و إزرقت شفاهها بلحظة، وإرتفع صوت نشيجها، وأطلقت شهقة عميقة مرة واحدة.
تحطم جمود "فارس" عندما رأي تطور حالتها إلى الإعياء الشديد، وتهاوت قدميها لم تعد قادره على حملها، وأوشكت على السقوط أرضاً، ولكن يديه القويه التي تمردت عليه والتفت حول خصرها جذبتها داخل حضنه ثانياً بلهفه فشل في أخفائها خاصةً حين همست ببطء وضعف شديد.
"وحياة ربنا يا فارس قلبي هيقف".
حملها بذراع واحد من خصرها، ودار بعينيه في انحاء الغرفة يبحث عن إسدال الصلاة الخاص بها. وجده على المشجب الخشبي. هروله نحوه، وقام بتلبسها إياه على عجل، ولف حجابها بأحكام، وحملها ثانياً وسار بها لخارج الجناح حتي وصل لغرفة "خديجة" التي كانت تجلس برفقتها "إلهام" الباكية، و"ايمان" الباكيه لبكائها أيضاً.
فتح الباب دون سابق إنظار جعلهن يشهقن بفزع، واندفع بزوجته نحو الفراش وضعها عليه متمتماً بنفاذ صبر.
"خلي الهانم عندك يا خديجة".
قالها وهو يسير للخارج. أسرعت "إسراء" بالركض خلفه. لكنها تيبست مكانها حين نظر لها مكملاً بتهديد وهو يشير لباب الجناح.
"تخرجي من الباب دا هتكوني طالق مني يا إسراء".
نهي جملته سار للخارج بخطواته الغاضبه.
"فارس استني يا حبيبي".
أردفت بها "خديجة" ببكاء وهي تركض خلفه كمحاولة منها للحاق به. لكنه تابع سيره دون توقف حتي اختفى عن عينيها داخل المصعد. أسرعت هي بخطوتها أكثر لعلها تصل إليه قبل أن ينغلق الباب لتتعثر قدميها بسبب حذائها ذات الكعب العالي مما أدى للتواء كاحلها جعلها تشهق بألم، وكادت أن تسقط أرضاً بقوة.
لكن يد عريضه ألتفت حول خصرها بلهفه منعتها من السقوط. رفعت وجهها الغارق بالعبرات ببطء لتتقابل عينيها بأعين "هاشم" ترمقها بنظرة لم تستطيع تفسيرها. هل هي خوف. لهفه. أم شفقة؟!.
"أنتي كويسه.. رجلك جرالها حاجة؟!".
قالها بصوته الرجولي ذو البحة المميزة.
توردت وجنتي "خديجة" بحمرة الخجل، وحبست أنفاسها حين اقتحمت رائحة عطرة حواسها، وأسرعت بالابتعاد عنه لكنها شعرت بألم حاد بقدمها جعلها تأن بوجع.
لم يفكر "هاشم" مرتين وهو يميل بجزعه عليها قليلاً، وحملها بين يديه، وسار بها متجهه نحو جناحها مرة أخرى وهو يقول بثقه.
"متخفيش علي فارس.. هو محتاج يكون لوحده شويه علشان يقدر يهدي".
لم تنطق "خديجة" بحرف واحد. فحمله لها وقربه منها لهذا الحد كان كفيل بفقدها النطق، والحركة.
دلف "فارس" داخل المصعد بخطوات مهروله. لا يرى أمامه من شدة إنفعالاته المتضاربة. أنفاسه متلاحقة. عروقه بارزة وعينيه متسعة على أخرها من شدة غضبه العارم جعلت هيئته المزريه تبدو أكثر رعباً، وكأنه انفض للتو من عراك أودي فيه بحياة أحدهم. هو بالفعل كذلك لقد أستمع لشق قلب ساحرته بعدما القي على سمعها حديثه السام الذي تعمد جرحها به كما فعلت هي وضربته برجولته بمقتل. فما أصعب ذلك الشعور على الرجل حين يكتشف أن زوجته لا تريد أن تنجب منه. رباه هذا أسوء وأقسي شعور شعر به في حياته على الإطلاق.
ضغط على زر بلوحة المعدنيه بجانب المصعد. بل لكمه بكل قوته بعنف. انغلق الباب، وبدأ المصعد بالهبوط. وهو بالداخل مستند بجبهته على المرآه يلكمها بكلتا يديه بكل ما أوتي من قوة حتي انه حطمها وتناثرت أجزاءها أسفل قدميه بعدما تسببت بالكثير من الجروح بيديه بدأت تنزف بغزراه. لكنه لم يشعر بها فجرح قلبه أقوى وأكبر.
وصل المصعد وقبل أن يفتح الباب كان ضغط على أزراره ثانياً قاصداً الطابق الأخير. هدأت موجة غضبه قليلاً وهو يتابع الشاشة الصغيره التي تظهر أرقام الطوابق. حتي توقف المصعد مرة أخرى بالطابق الذي لم يخطر بباله للحظة انه يصعد إليه. الطابق الأخير الذي جهز به جناح خاص لتقيم به المرأه الوحيده التي كانت تسعي لقتله رغم أنها وبكل أسف والدته.
بعد كل ما فعلت لم يستطيع تركها بعيداً عن عينيه وقام بأحضارها دون أن يخبر اي أحد عن وجودها هنا حتي خديجة. سار بالممر الطويل بخطي ثابته بين رجال الحراسه الواقفين علي الجنبين. متجه نحو جناحها. وقف لبرهه أمام الباب يلتقط أنفاسه، ومن ثم فتحه بحرص، وخطي للداخل. ليتأهب جميع العاملات في المكان، معظمهم طبيبات وممرضات. جحظت أعينهم حين رأوا تعابير وجهه الغضوب، وهيئته التي لا تبشر بالخير أبداً، وبرغم هذا تحدث بهدوء لا يليق بحالته أثار دهشتهم أكثر.
"ايه الأخبار؟".
أجابته أحدهن على الفور.
"مش هكدب على حضرتك يا فارس باشا.. مارفيل هانم حالتها صعبة جداً ومش راضية تستجيب للعلاج، وللأسف هتاخد وقت كبير على ما تتحسن".
حرك رأسه لها بالايجاب وهو يقترب من الغرفه التي ترقد بها مارفيل. أخذ نفس عميق وخطي للداخل بخطوات متثاقلة. وقعت عينيه عليها. تغص بنومٍ أشبه بالغيبوبة على الفراش بجسد هزيل يظهر عليه التعب والاجهاد الشديد. وجهها شاحب للغاية، وحول عينيها هالات سوداء بعدما فقدت الكثير من الوزن خلال الأسبوعين الذي خضعت بهم للعلاج بالأجبار حتي أعلنت أستسلامها.
رفع يده التي لم تتوقف عن النزيف، وأشار للمشرفات على حالتها بالأنصراف. فنسحبوا للخارج واحدة تلو الأخرى. ظل واقفاً بمكانه يراقبها بحالة من الجمود. ملامحه خالية من المشاعر. سار نحو المقعد المجاور لفراشها وجلس عليه بإرهاق. مال بجسده قليلاً مستند بمرفقيه على ركبتيه يتأمل ملامحها للمرة الأولى بحياته متمتماً بابتسامة حزينة.
"مرحباً أمي.. نعم أنا هنا.. بجوارك، ومازلت أناديك أمي.. فإذا نسيتِ أنتِ بيوم أنني إبنك.. فأنا لن أنسي أنك أمي، وستظلي".
صمت فجأة حين داهمه رغبه قوية بالبكاء. بكاء؟! يا الله يبدو أن جروحات روحه وقلبه غائرة. ليأتي إلى هنا ويبوح ويتحدث لها رغم انه على علم أنها لن تستمع لحديثه هذا، ولكن يريد أن يخرج ما بقلبه. لم يعد يستطيع التحمل أكثر من ذلك.
نظر لها بنظرة يملؤها الألم والآسي. يسأل نفسه كيف يبدو عناقها؟! لم يتذكر انه عانقها أو فعلت هي العكس من قبل. بماذا سيشعر إذا ضمته لها مرة واحدة فقط؟! يثق أنها لن تفعلها. فهل يمكن أن يختلس هو ضمه منها أثناء نومها؟! يحتاج لضمتها بشدة فما يشعر به من ألالام الآن كافية بأن تسبب له أزمة قلبيه، ويسقط قتيل على أثارها في الحال.
دون أدراك منه أرتمي جوارها على الفراش، واضعاً رأسه على كتفها، وأمسك يديها برفق لفها حوله غالقاً عينيه بتعب حينها سمح لعبراته تنهمر على خديه دون بكاء. غافلاً عن تلك الكاميرا التي تنقل كل ما يحدث بالغرفة لوالده الذي بدأ هو الأخر يبكي بنحيب بعدما تمزق قلبه لأشلاء حين أدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه بحق وحيده.
جاهد للسيطرة على شهقاته التي ارتفع نشيجها، ورفع سماعة الهاتف الموضوع أمامه على مكتبه الفخم. تحدث بها بلهجه أمره.
"أخبر قائد الطائرة أن يستعد الآن للإقلاع.. سأعود لمصر اليوم".