جلست غرام في هيئتها وهندامها الجديد، ترتدي ثوبًا أبيض مزدانًا بالورود الحمراء، وشاحها الأحمر القاني زاد من جمالها الذي كان مدفونًا في التجوال والبيع في القطارات. كان المسئول يلقي عليها الأسئلة الروتينية في مقابلات طلب الوظيفة. لاحظت غرام أن جميع الأسئلة تتميز بسهولة، ربما هذا عن قصد من مسئول التوظيف، لا سيما بعد وصاية خاصة من الأخوين نور ويوسف. وفي نهاية المقابلة،
ابتسم المسئول وأخبرها: "ألف مبروك يا آنسة غرام، أهلًا وسهلًا بيكي في الشريف جروب." "بالسرعة دي؟! ده أنا اسمع أن في أي شركة بيردوا بعد الانترفيو سواء بالموافقة أو الرفض بعد فترة، مش وقت المقابلة على طول." نظر عبر الحائط الزجاجي نحو الرواق إلى يوسف الذي كان ينتظرها في الخارج، أخبرها: "البركة في مستر يوسف."
التفت خلفها فوجدت يوسف يبتسم إليها، وكم هي ابتسامته ساحرة. حاولت تشتيت ذهنها من الوقوع في أحلام بعيدة المنال، فيكفي ما فعله من معروف ودين لن تنساه بتاتًا. خرجت إليه، فقال لها: "ألف مبروك." "الله يبارك في حضرتك، بس أنا برضه لحد دلوقتي مش فاهمة هاشتغل إيه."
"مبدئيًا كده ياريت نشيل أي ألقاب وكلمات زي حضرتك ويافندم طول ما إحنا مع بعض. أما بالنسبة لشغلك، هتبقي السكرتيرة أو المساعدة الخاصة بيا، وهتبقي برضو المسئول التاني من بعدي في قسم الـ Marketing." تدلى فكها في صدمة، يخبرها بوظائف لم ترَ مثلها سوى في التلفاز فقط. "بس أنا ما أفهمش حاجة في السكرتاريا أو التسويق." اعتدل من ياقة قميصه بزهو، يقول لها: "أنا هعلمك كل حاجة، وإنتي شاطرة وهتتعلمي كل حاجة بسرعة."
تراقص قلبها من السعادة، أخيرًا فتحت الدنيا لها ذراعيها، تدعو ربها أن لا يقابلها عثرات تقذف بها إلى الهاوية. وهناك من كان يراقب صديقه والفتاة التي يخمن أين رآها من قبل. عبر من أمامه مسئول التوظيف، أوقفه يسأله: "هي مين اللي واقفة هناك مع يوسف؟ أجاب الآخر: "خد بالك يا رامي، غرام دي تبع مستر يوسف ومستر نور، متوصي عليها جامد منهم، الله أعلم شكلها قريبتهم أو من معارفهم." "اسمها غرام، حلو، حلو أوي كمان."
همس بها وينظر نحو غرام بنظرة يشوبها الغموض والرغبة في خطف الصيد الجديد قبل أن يقع في يد صاحبه. *** انتهت ابتسام للتو من الشراء في السوق وفي طريق عودتها، كانت شاردة في أمر حسن الذي أخبرها إنه سيتحدث مع شقيقتها في أمر هام. وعندما سألته خشية من أن يخبر شقيقتها بأمر عثمان، فطمأنها حسن وقال لها لا تقلق وستعلم لاحقًا كل شيء. توقفت فجأة عن السير عندما وجدت المقبل عليها أعلى الدراجة النارية، يبتسم إليها وهبط على الأرض.
"عثمان لو سمحت عايزة أروح بسرعة عشان أمي مستنياني، ولو حد شافنا من أهل الحارة سيرتنا هتبقى على كل لسان." أخبرته بذلك وكانت ملامحها جادة. ظل مبتسمًا وعقب على أسلوبها الذي ضايقه، لكن أسر ذلك في نفسه.
"أنا عارف إنك زعلانة مني ومش طايقاني عشان اللي حصل في البيت المهجور، وقصدت ما أقربش منك ولا أكلمك طول الفترة اللي فاتت لحد ما تهدي، وجيتلك النهاردة عشان أقولك إن أنا خلاص هسافر. عنتر بعتلي أشتغل معاه في الكويت، وأنا بصراحة فرحت جدًا عشان شغلي بره هيخليني أعرف أجهز شقتي من كل حاجة ومش هخلي خالتي عزيزة تشتريلك حتى إبرة وشنطة هدومك كمان عليا." "بس أنا... رفع
يده لتصمت وتابع هو حديثه: "إحنا مش هنتجوز لا السنة دي ولا الجاية ولا اللي بعدها، أنا مع أول أجازة ليا هخطبك ونكتب الكتاب وبعد ما تخلصي الكلية نتجوز. أظن مفيش أريح من كده، ولا إيه؟ هزت رأسها وعقبت باقتضاب: "إن شاء الله." "أنا كل اللي عايزه منك تاخدي بالك من نفسك أوي، ملكيش دعوة بحد ولو حد ضايقك أخويا عاطف مكاني هيجيبلك حقك وقتها." "ماشي."
"وحاجة أخيرة، هبقى أطمن عليكي كل يوم على الواتس أو الفيس، ياريت تردي عليها ساعتها وتطمنيني عليكي." نظر إلى هاتفها ذي الطراز القديم وأخبرها مردفًا: "أول قبض ليا إن شاء الله هابعتلك موبايل وهيكون من اختيارك." "سافر أنت بس بالسلامة، وأنا هاتصرف وأكلمك." "هتوحشيني." "وإنت كمان." لاحظ تغيرها الطارئ وظن أمرًا آخر. "إنتي زعلانة أوي كده عشان هسافر؟ أخفت توترها خلف ابتسامة زائفة.
"لأ مش زعلانة، أنا اتفاجئت بس بموضوع سفرك، وفرحانة جدًا. أديك هترتاح من شغلانة صبي الميكانيكي في الورشة." "يعني أنا هاروح أشتغل مدير شركة هناك، أنا هاشتغل حاجة من الاثنين يا نقاش يا هاغسل صحون في مطعم." "مش مشكلة، طالما بالحلال خلاص." صدح رنين هاتفها باسم شقيقتها، انتفضت وهمت بالذهاب. "غرام بترن عليا شكلها رجعت، معلش أنا مضطرة أسيبك، سلام."
وركضت سريعًا وكأن الاتصال جاء لها نجدة من الوقوف أمام عثمان والاستمرار معه في وعود ستنتهي قريبًا. *** وها قد جاء أول يوم في العمل لها، كانت تشعر بالفرح ويخفق قلبها من فرط السعادة، أخيرًا ستعمل في وظيفة مرموقة بدلًا من التجوال في القطار والتعرض للمضايقات من المارة ورجال الأمن في المحطات. "صباح الخير." التفتت إلى صاحب الصوت وابتسمت. "صباح النور يا مستر يوسف، يارب أكون جيت في ميعادي مظبوط." نظر إلى ساعة يده.
"جاية بدري عشر دقايق عن ميعادك، ده أنتي كده هتبقي قدوة لزمايلك." ضحكت وقالت: "هو بس عشان أول يوم." "لأ، خدي بالك أنا في الشغل جد جدًا وبحب المواعيد المظبوطة." "ما تقلقش حضرتك، إن شاء الله هاجي على طول في ميعادي." نهض من خلف مكتبه. "تعالي معايا لما أعرفك بالبيج بوص، رأفت بيه الشريف." ذهبت خلفه فوجدت أنها أمام غرفة مكتب صاحب هذا الصرح، انبهرت بكل ما ترى من حولها من رقي وشموخ من أثاث وديكور.
طرق الباب وولج بعد إذن والده له بالدخول، وجد سوزي تقف جوار والده بقرب مبالغ وتميل نحوه بجرأة سافرة غير مبالية لنظرات يوسف الحادة إليها. "تعالي يا يوسف، كنت لسه هاكلمك عشان عايزك." نظر إلى سوزي وأشار لها: "اتفضلي أنتي على مكتبك." "أمرك يا رأفت بيه." غادرت الغرفة، فالتفت يوسف إلى والده: "بابا أنا أول حاجة بعتذرلك عن كلامي معاك المرة اللي فاتت و...
"خلاص يا يوسف، مفيش داعي نقلب في اللي فات. كونك أنك تنقذ الشركة من خسارة كبيرة ده كفيل يمحيلك أي أخطاء ويخليني أسامحك. نور أخوك حكالي على كل حاجة، وعرفت إنكم عينتم البنت اللي اسمها غرام هنا في الشركة." ابتسم لأن والده اختصر عليه شوط كبير من الحديث. "هي واقفة بره وكنت جايبها عشان حضرتك تشوفها وتتكلم معاها بما إنها بقت موظفة في الشركة." حدق إليه والده بنظرة غامضة. "وياريت تحط في دماغك إنها مجرد موظفة في الشركة."
أدرك رسالة والده الخفية من حديثه هذا. نهض ليخبر غرام بأن تدخل. ولجت تتلفت من حولها، تشعر بالرهبة والخوف، لاسيما عندما وقعت عينيها على رأفت الشريف. شملها بنظرة سريعة، فهذا الرجل ذو هيبة ووضع يجعل الجميع ينحنوا إليه احترامًا له. نظرت إلى أسفل بخجل. "السلام عليكم يا رأفت بيه." "وعليكم السلام، اتفضلي يا غرام." جلست ونظرت إلى يوسف الذي كان يبتسم إليها، ثم انتبهت إلى والده.
"أنا يوسف حكالي على كل حاجة، وقالي قد إيه إنك مجتهدة في شغلك وشاطرة، وبما إنك بقيتي منا هنا، عايز أشوف شطارتك في الشغل، في الشغل وبس." وصلت إليها الرسالة أيضًا، علمت أنه يحذرها من الاقتراب من نجله. هزت رأسها بنعم. "بإذن الله يا رأفت بيه." "دلوقتي تقدروا تفضلوا على مكاتبكم."
نهض كليهما، وتشعر برجفة في يديها. ذهبت سريعًا إلى غرفة المكتب الخاص بها دون أن تلتفت إلى يوسف. وما أن خطت قدمها داخل الغرفة، أغلقت الباب والتقطت أنفاسها، تشعر بغصة وكأنها ارتكبت ذنبًا. لما يحذرها هذا الرجل من أمر تعرف حدها نحوه جيدًا، لتدرك أن الحياة ليست وردية هنا، وعليها أن لا تفكر بشيء سوى العمل فقط حتى لا تخسر مصدر رزق وفير لأسرتها. ***
الساعة الحادية عشر ليلاً، تريد الذهاب حتى لا تتأخر عن موعد عملها الجديد. ترتدي ثوبًا فاضحًا أسفل العباءة السوداء ظنًا منها هذا ما سترتديه في الاستعراض الذي ستقدمه خلف المغني كما أخبرها عوني القرني. ألقت نظرة على والدها الذي يغط في النوم واطمأنت لأنه لا يستيقظ سوى في اليوم التالي ظهرًا، ستكون قد عادت. غادرت منزلها وبخطوات أشبه بالركض اتجهت إلى خارج الحارة، لا ترى الذي يلحق بها منذ أن رآها وهي تتسلل من باب البناء.
استقلت سيارة أجرة، ففعل مثلها وقال للسائق: "اطلع ورا التاكسي ده ياسطا." وبعد قطع مسافة كبيرة توقفت السيارة التي هي بداخلها، وبعد أن أعطت للسائق الأجرة. وجدت الحارس في استقبالها بحفاوة. "يا مرحب يا مرحب بالنجمة الجديدة." رمقته من أعلى إلى أسفل. "يا سم." ولجت داخل المصعد، وبعد ثوانٍ وصلت أمام باب المكتب. فتحت فتاة أخرى غير التي كانت موجودة بالأمس. "إنتي سماح؟ أومأت لها الأخرى. "آه، أومال فين عوني بيه؟
"تعالي اتفضلي استريحي واستنيه عنده ضيوف وهيمشوا بعد عشر دقايق، تحبي تشربي حاجة؟ هزت رأسها فهي تشعر بالعطش الشديد. "آه ياريت، عايزة أشرب ميه." "دقيقة وراجعالك." ذهبت الفتاة ذات المظهر الغريب، لكن سماح لم تهتم كالعادة، فالمال والشهرة لديها هما الأهم. عادت الفتاة تحمل صينية يعلوها كوب من العصير وآخر ماء. "اتفضلي." "شكرًا."
تناولت كوب الماء، ارتشفت القليل، ثم أخذت العصير تشربه على دفعة واحدة وكأنها تشعر بالحيوية بعد التوتر والقلق. في الأسفل يصيح عاطف في الحارس: "بقولك أنا عايز أعرف اللي طلعت دلوقتي دي في أنهي دور؟ "وأنا بقولك معرفش، وما شفتش حد طلع هنا، يلا اتكل على الله بدل ما أندهلك الرجالة يطلعوك بمعرفتهم." "طيب إيه رأيك أنا مش ماشي من هنا غير لما أعرف هي فين وطلعت لمين." حدق نحوه الحارس بوعيد. "بقي كده، ماشي أنت اللي جبته لنفسك."
وفي الأعلى، بدأت تشعر بالخدر في أطرافها وعدم اتزان. أصبحت الرؤية مشوشة لديها، وكانت عيون الفتاة ذات المظهر المريب تراقبها. اقتربت منها وحاولت مساعدتها في النهوض. "قومي معايا الضيوف مشيوا." وقفت بصعوبة واستندت على ساعد الفتاة وسارت بخطى متعثرة. "أنا.. مالي.. بيحصل.. فيا.. إيه؟ تفوهت بصعوبة وكأن الخدر أصاب لسانها أيضًا.
أجابت الفتاة: "معلش هو تأثير المخدر كده، بيخليكي ما بين النوم والصحيان وتحسي أطرافك كلها كأنها مشلولة." ولجت داخل غرفة ذات مساحة كبيرة مليئة بكاميرات التصوير في كل زاوية وإضاءة أزعجت عينيها. رجل يجلس خلف جهاز عرض صغير يذكرها بمشاهد المخرج الجالس خلف الشاشة يراقب المشهد. كما هناك وراء كل كاميرا رجل، كل منهم ذو جسد طويل وعريض وكأنهم يعملون في الحراسة.
شعرت سماح بجسدها يُلقى على فراش ذو ملمس حريري. تقوم الفتاة بتجريدها من العباءة ذات المظهر الرديء لتصبح بالثوب القصير العاري وحذائها ذي الكعب المرتفع. تركتها وذهبت إلى غرفة قريبة لتخبر هذا الشيطان البدين. وجدته يتحدث في الهاتف. "أوعي تخليه يطلع، أنا هبعتلك الرجالة يخلّوه يحرم يمشي من قدام البرج تاني." أنهى المكالمة ورأى الفتاة تخبره: "النجمة جاهزة يا بوص." ابتسامة شيطانية على محياه يتبعها أمرًا.
"بلغي سام وقوليله النجمة جاهزة وخليهم يبدأوا تصوير." "أمرك يا بوص." وبعد أن نفذت أوامر رب عملهم المشين، خرج من الغرفة المجاورة لغرفة التصوير شاب مفتول العضلات. تبدو ملامحه غير العربية، إنه من جنسية أوروبية. يرتدي قميصًا مفتوح الأزرار إلى خصره وبنطلون من الجينز الأسود. ولج بخطوات استعراضية كعارض أزياء. صاح هذا الجالس خلف الشاشة. "1 2 3 go."
تسمع أصواتهم وترى هذا الضوء المزعج والمسلط عليها. تريد أن تتحرك لكن غير قادرة على فعل ذلك. ظهر أمام عينيها رجل يخلع قميصه. تحاول أن تصرخ، لا جدوى من ذلك وكأنها داخل كابوس لا تستطيع الاستيقاظ منه. تشعر بكل لمسات وقبضة هذا الرجل الغريب على جسدها، ينفذ أوامر المخرج وهي بين يديه كالدمية يحركها كيفما شاء تحت أنظار كل من في الغرفة. وفي الأسفل يصرخ عاطف من ألم اللكمات والركلات الموجهة إليه من رجال عوني. مع كل صرخة يناديها:
"سماح." صرخه مسموع بينما صراخها الناتج عن اعتداء الرجل عليها أمام الكاميرات لا يسمعه سواها فقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!