علي ما بين الأمل واليأس درب ملئ بالكثير من الأحداث، ونهاية الصبر علي الابتلاء نجاح جاء من الإيمان والرضا. وهذا النجاح جاء إليها علي هيئة يوسف الذي وضعه القدر في دربها بعد معاناة، فبعد أن وافقت علي عرض العمل وتقديم إليها كل ما يسهل ذلك بشرط أن كل ذلك دين سترده إليه.
وكما أخبرها أن العمل يحتاج إلي المظهر الجيد دون مبالغة أو شيء خارج الأدب والاحترام، أعطاها مبلغ من المال لشراء الثياب وكل ما تحتاجه، كما أعطي إليها أوراق تفيد بأنها قد حصلت علي شهادة جامعية تخصص إدارة أعمال وشهادات أخرى بأنها تتقن اللغة الإنجليزية وكل ما يؤهلها إلي العمل في شركة الشريف.
توقفت سيارة أجرة أمام مبني شاهق في حي الدقي الشهير، أعطت سماح إلي السائق الأجرة المتفق عليها ونزلت من السيارة، تنظر في شاشة هاتفها تقرأ رسائل هذا الرجل الذي قامت بالتعرف عليه من خلال البث المباشر التي كانت تقدمه في مقابل الحصول علي المال.
أخبرها إنه صاحب شركة إنتاج أغاني ويريد فتيات من أجل القيام بعرض فني خلف المغنى، وما جعلها تنجذب لذلك العرض دون تفكير، هو وعده إليها أن يجعلها فنانة شهيرة غضون وقت قصير في مجال الغناء والاستعراض وربما التمثيل أيضاً، كم تمنت أن تخرج من الحارة والحياة العفنة منها، لا تعلم أن العفن داخل الحي الشعبي الذي تقطن فيه أفضل من جهنم التي ستلقي نفسها بداخلها. دخلت إلي الفناء فأوقفها الحارس وأخبرته: "أنا طالعة لمكتب عوني بيه."
سألها الحارس ليتأكد: "قصدك عوني القرني؟ عبست وأجابت: "أنا كل اللي أعرفه اسمه عوني، لكن قرني دي ما أعرفهاش، ده اسم ولا لقب وغوغوشتني؟ كانت نظراته تخترق العباءة التي ترتديها وتجسد منحنيات جسدها، وملامح وجهها المطمس خلف مساحيق التجميل الرديئة. "لاء، ده اسمه ولقب عيلته، عيلة القرني." وابتسم بسخرية يشوبها نظرة وكأنه يريد إلتهامها. "عن إذنك أنا طالعة يا... "محسوبك عزب."
أطلقت ضحكة تجاوزت حدود الأدب ودون الأدب ثم استقلت المصعد حتى وصلت إلي الطابق المنشود. وفي الأعلى ولجت إلي المكتب كما أخبرها عوني، وجدت في استقبلها فتاة لا تقل عنها في المظهر المبتذل. "ممكن أقابل عوني بيه، أصله مديني ميعاد." سألتها الفتاة: "أنتي سماح بتاعت التيك توك؟ ابتسامة صفراء أصدرتها شفتيها. "أيوة أنا." نهضت الفتاة وأخبرتها: "تعالي ورايا، المعلم عوني مستنيكي."
وفي طريقها إلي مكتب القرني وجدت فتاتين يتجولان بثياب فاضحة في الرواق، انقبض قلبها وصوت يخبرها أن تتراجع، لكن كيف تتراجع والمال والشهرة في انتظارها وللحصول عليهم يجب تقديم التنازلات كما قدمت الكثير أمام شاشة الهاتف. فتحت الفتاة باب المكتب. "معلم عوني، سماح جت." نهض الأخر بثقل بسبب جسده السمين. "خليها تدخل يا دندش."
أشارت إلي سماح التي ولجت ومازال قلبها ينبض بقوة، رأت رجل بدين يقف خلف المكتب، ذو ملامح خليط ما بين الرجل والسيدة، يخط أسفل أنفه شارب رفيع، وحاجبيه يبدو إنه يعتني بهما بالنمص، مظهره المقزز جعلها تتراجع خطوة. "معلش يا عوني بيه أصل أنا... قاطع حديثها بعد قراءة ترددها في عينيها. "معلش إيه بس، اتفضلي يا قمر، ده أنتي طلعتي حلوة أوي وأجمد من الفيديوهات كمان." ابتسمت إليه. "شكراً." أشار إليها نحو الكرسي أمام مكتبه.
"اتفضلي، اتفضلي، ده المكتب نور بيكي وهيبقي وش السعد علينا وعليكي." "إن شاء الله." "تشربي إيه يا موحة، أيوة بدلعك، أصل مفيش حد بيشتغل معانا غير لما ندلعه ونشخلعه ويبقي مبسوط 24 قيراط، وأنتي هتجربي وهاتعرفي بنفسك." أجري اتصالا. "واد يا سمسم هاتلي قهوة وللمزمازيل سماح شوب مانجا وصاية." أنهي المكالمة وأسلوبه في الحديث أثار اشمئزازها، شعرت وكأنها تجلس مع رجل مخنث. "ها يا موحة، أحضر العقود ونمضي ولا إيه؟
"مش لما أعرف هاشتغل إيه بالظبط ولا هاخد كام يبقي بعد كدة نمضي؟ ضحك وقال. "ده أنا هخليكي بطلة الكليبات، تطلعي مع الفنان والمخرجين والمنتجين لما يشوفوكي هيشاوروا ويقوله إحنا عايزين دي، ومن عندي هتدخلي لأبواب المجد والشهرة، إحتراف هنا وبره، هاتسافري لأمريكا وأوروبا بس أبقي افتكرينا." تراقص داخلها وتأهب سمعها لجوابه علي سؤالها. "طب هيبقي مرتبي بالشهر ولا بالغنوة الواحدة؟
"بالشهر طبعاً وهيبقي 150 ألف جنيه ولو جالك أوردرات بره هتقبضي بالدولار." لا تعي بواطن الكلمات وانجرفت في سيل الطمع الذي أعمى عينيها. "طب وهنبدء شغل أمتي؟ "كنت لسه هقولك بكرة الساعة 12 بالليل تكوني هنا، هنصور أول كليب مع فنان مشهور أوي." "الساعة 12 بالليل؟! ، إزاي هقول لأهلي إيه لما انزل متأخر." نهض من خلف مكتبه بخطوات ثقيلة ليجلس علي المقعد المقابل لها.
"جري إيه يا موحة صحصحي معايا، هو أنا اللي أقولك برضو تنزلي إزاي، اللي خلاكي تعرفي تصوري الفيديوهات إياها بتاعت الروتين اليومي واللي مش الروتين من غير أهلك ما يعرفوا، هيخليكي تعرفي تنزلي في أي وقت حتى لو الفجر، ولسه كمان هيبقي عندك سفر." أثرت الصمت تفكر بتردد. "أنتي بتفكري لسه؟! ، أنا بقولك 150 ألف جنيه، يعني في خلال سنة تقدري تشتريلك شقة هنا في الدقي ولا المهندسين أو عربية أحدث موديل ولا الشهرة."
من قال إن وسوسة الشيطان ذات تأثير علي الإنسان الضعيف! ، فهناك من هم أشر وأقوي من الشيطان في السيطرة علي البشر، ومن سواهم أعوان إبليس من البشر، شياطين الإنس علي مر العصور تركوا بصماتهم التي تفوقت علي معلمهم الذي يصفق لهم بجدارة وهو ينفذ وعده إلي خالقه في اغواء كل من انساق إلي خطواته بملء إرادته غير آبه لوعيد ربه وهو يخبره أنه سوف يملأ جهنم منه ومن كل من أتبعه أجمعين. "خلاص أنا هاتصرف." تهللت السعادة علي محياه.
"أهو ده الكلام المظبوط، كدة بقي فاضل نمضي العقود." أخرج لها عدة أوراق وتابع. "كل حاجة جاهزة وواقفة علي إمضتك." ستار من الظلام يكسو عينيها، تخط توقيعها أسفل كل ورقة، ومع كل توقيع تزداد ابتسامة هذا اللعين السمين. عاد نور من الخارج يغني بصوت خافت كدليل علي سعادته التي تعلم زوجته سببها جيداً، توقف في بهو المنزل عندما وجدها تقف أعلي الدرج تعقد ساعديها وتحدق نحوه بنظرة باردة تثير مخاوفه من الذي تدبره له.
"حمدالله علي السلامة يا حبيبي، ما لسه بدري." نظر في شاشة هاتفه فوجدها الثانية بعد منتصف الليل، عاد ببصره إليها ويصعد الدرج. "كان ورايا مصالح لازم أخلصها." حدقت بسخرية إليه. "و هي المصالح دي ما ينفعش تخلص بالنهار؟ زفر بضيق. "بس بقي يا كوكي، كفاية رغي صدعتيني و لازم تنكدي عليا." نظرت إليه بازدراء وقالت. "أنا هاروح أنام جمب بنتي." تركته وذهبت فقال في نفسه. "ولو روحتي لأهلك يبقي أحسن."
سار في الرواق فوجد باب غرفة شقيقه مفتوحاً، ويوسف يجلس أمام حاسوبه، ولج إلي الداخل. "إيه ده أنت رجعت؟ نهض الأخر وفتح ذراعيه. "إيه جيت وراجع الشغل من جديد، وحشتني يا برو." عانق شقيقه بقوة وأخذ كل منهما يربت علي ظهر الأخر، قال نور. "ربنا يهديك علي كدة دايماً." "لو عرفت السبب هتتعجب، وعندي خبر حلو أوي."
سرد له عن غرام والصدفة الغريبة والتي من خلالها تمكن من إنقاذ الشركة من الخسارة، كما قرر العودة إلي حياة أكثر جدية ومسئولية، كما أوصاه علي غرام بأن يجعل مسئول التوظيف يوافق علي تعينها في الشركة. "تصدق عندي فضول أشوف اللي اسمها غرام." لكزه يوسف في كتفه. "خد بالك دي مش زي البنات التانية، دي بنت في منتهي الأدب والاحترام، زي العملة النادرة، جدعة وبنت بلد." "الله، الله، إيه يا چو، أنت لحقت توقع بالسرعة دي؟
"أقع مين يا بني، أنا بساعدها مقابل وقفتها معايا مش اكتر." ابتسم نور وسأله. "عليا أنا الحركات دي، يابني ده أنا حافظك، عموماً ما تقلقش اعتبرها اتعينت خلاص، وكمان هتبقي في القسم اللي أنت مسئول عنه، أي خدمة." غمز بعينه ثم هم بالذهاب. "اسيبك أنا بقي وهاروح أنام، تصبح علي خير." "وأنت من أهله." وقبل أن يغادر نور الغرفة أخذ يغني. "يا سلام، يا سلام قد إيه حلو الغرام."
أمسك يوسف بقلم من فوق مكتبه وألقاه علي شقيقه الذي فر علي الفور قبل أن يصيبه القلم. كانت تقف أمام المرآة ترتدي الثياب التي اشتراها وتنظر إلي مظهرها، تبدو كسيدة أعمال. "إيه ده، اش اش، إيه الحلاوة دي يا غرومه." كان صوت ابتسام فألتفت إليها غرام. "إيه رأيك؟ ، اشتريتهم عشان الشغل الجديد." "ومن أين لك هذا؟ تخشى أن تظن والدتها وشقيقتيها بأمر آخر فقالت. "دي فلوس استلفتها من واحدة صاحبتي، هارجعهم ليها أول ما هقبض."
دلفت والدتها تحمل صينية يعلوها أكواب. "العصير يا بنات." انتبهت إلي ابنتها. "إيه ده يا غرام؟ "دي هدوم لسه شارياها عشان الشغل الجديد، لازم يكون مظهري شيك وكدة يعني." "و جبتي فلوسهم منين؟ توترت فوجدت أن الكذب لا يفيد ويجب أن تسرد كل ما حدث لوالدتها، وبالفعل قامت بذلك حتى عقبت والدتها والقلق يبدو علي ملامح وجهها. "أنتي واثقة في الجدع ده يا بنتي ولا يطلع واحد نصاب ويضحك عليكي في الأخر."
"يا ماما ده ابن ناس ومن عيلة معروفة، طلبت منه الشغل وبصراحة لاقيته كريم جداً وما تقلقيش هو شخصية محترمة وبعدين بنتك بميت راجل، محدش يقدر يتكلم معايا أو يجي جمبه، ما أنتي مربياني وعارفاني كويس." "ربنا يسعدك ويرزقك من وسع يا غرام يا بنتي، ويبعد عنك ولاد الحرام." احتضنت والدتها. "آمين يارب."
وتذكرت هذا الوسيم الثلاثيني الذي ظهر لها في وقت عسير فابتسمت وخفق قلبها بسعادة، ربما هذه بداية السعادة القادمة مهما واجهت في طريقها من عثرات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!