تتمدد أحلام على سرير المشفى في عنبر ملئ بالمرضي المصابين من قسم الطوارئ داخل مشفى حكومي. تفتح عينيها فوجدت عائلتها تحيط بها من كلا الجانبين. "حمدالله على السلامة يا ضنايا، حاسة بإيه دلوقتي؟ كان سؤال والدتها والخوف ينضح من عينيها، تري ابنتها طريحة الفراش من أثر اعتداء زوجها العنيف عليها، نتج عنه كدمات في الوجه وشرخ في الساعد الأيمن، حول رقبتها طوق طبي لتقويم فقرات عنقها. "أنا فين؟
أخذت تنظر إليهم بتيه، تجد نظرات الشفقة من شقيقتيها غرام وابتسام والحزن على ملامح وجه والدتها. اقتربت منها ابتسام التي تحمل ابن شقيقتها، تمسك بيدها تخبرها: "أنتي في المستشفي، جبناكي على هنا بعد ما جيرانك كلمونا وقالولنا إنهم سمعوا جوزك بيتخانق معاكي وبيضربك وفجأة لقوه خارج من البيت وشايلك بيجري بيكي."
تذكرت ما حدث لها وكم الإهانة التي تلقتها من معايرة ونعت بالألفاظ النابية من زوجها، انتهى كل ذلك بمشاجرة ليست في صالحها ولم تتحمل توابعها من ضرب مبرح وفقدان الوعي. "هو فين؟ أجابت والدتها وكانت تكبت غضبها من ضعف شخصية ابنتها الذي جعل زوجها يفعل بها ما يحلو له: "هايكون راح فين، اللهي داهية تاخده مطرح ما يكون، بتسألي عليه بعد اللي عمله فيكي؟! ، ده مخلاش فيكي حتة سليمة." عقبت غرام بسخرية:
"وفري كلامك يا ماما، عشان مفيش عقل بيفهم ولا كرامة هتنقح عليها." اكتفت أحلام بالنظر إلى شقيقتها بعتاب وكبت دموعها، جاء الطبيب المسؤول عن علاجها. "عاملة إيه يا مدام أحلام؟ هزت رأسها وبضعف أجابت: "الحمدلله." "هو إيه اللي حاصلها يا دكتور؟ سألته عزيزة فأجاب الآخر: "ما حبيش عليكم جوزها أول ما جابها الطوارئ كان مغمي عليها وشها كان مايل للأزرق، كأنها في بداية حالة اختناق وزي ما أنتم شايفين كدمات على وشها وشرخ في دراعها."
شهقت والدتها: "يا ضنايا يا بنتي، منك لله يا سمير الكلب، كنت عايز تقتلها." نظر الطبيب إلى أحلام وأخبرها: "جوز حضرتك هو اللي جابك وأول ما خدناكي عشان نعملك الإسعافات فجأة لاقيناه اختفى." وإذا بصوت جاء صاحبه للتو من الخارج: "أحلام حبيبتي، عاملة إيه يا روحي؟ نظر إليه الجميع بازدراء وكذلك زوجته، أخبرهم الطبيب: "كويس أنك جيت عشان الظابط مستني برة يحقق معاك."
اتسعت عينان سمير وشعر ببرودة في أطرافه، رأى نظرة شماتة في عينين غرام التي ألتزمت الصمت لأنها تعلم جيداً رد فعل شقيقتها نحو ما فعله زوجها. التفت إلى الطبيب وقال برجاء: "ممكن أقعد مع مراتي دقيقتين؟ رفع الآخر زاوية فمه جانباً فأشار له على مضض: "أتفضل، بس ياريت بسرعة عشان الظابط مستعجل." وما أن ذهب الطبيب، جلس سمير جوار أحلام، يمسك بيدها يقبل ظهر كفها باعتذار وتوسل يثير الاشمئزاز.
"أنا آسف يا أحلام، حقك عليا والله أنا مش عارف إزاي ده حصل، أصل مكنتش في وعيي وإحنا بنتخانق، والله أنا ما هقرب منك كده تاني، حقك عليا وأدي راسك كمان." قام بتقبيل جبهتها، علقت غرام: "بذمتك مش مكسوف من نفسك، بتتأسفلها على إيه ولا إيه، أنا كان ممكن كنت خليتك رقدت مكان أختي، بس أنا هاخدلها حقها بالقانون، لما تترمى في الحبس ويا الشمامين والبلطجية اللي زيك." نظر إلى زوجته ثم قال بصدق غير معهود:
"وأنا راضي طالما ده هيرضي أحلام وهيخليها تسامحني." نظرت إليه وكان داخل عينيها آلاف الكلمات قد أدركها جيداً، عتاب ولوم والكيل قد فاض ما به من هموم وأحزان عاشتها بين يديه، حتى حانت تلك اللحظة أخيراً واختارت الصواب، افترقت شفتيها وتفوه لسانها بالطلب الذي وجب أن يحدث منذ البداية. "طلقني." تلتقط أنفاسها من الآلام، آلام قلبها وآلام جسدها، صعق الآخر لمطلبها فتابعت:
"طلقني لو عايزني أسامحك، وهقول للظابط مش إنك اللي عملت فيا كده." "انتي بتقولي إيه؟! ، ده يطلقك ورجله فوق رقبته وياخد جزاءه كمان." صاحت بها غرام، فنظرت أحلام إليها بقلة حيلة، عقبت والدتها: "طلقها يابني وسيبها في حالها، المرة دي ربنا ستر وراقدة على السرير، يا عالم المرة الجاية تجيبهالي بعد الشر عليها جثة."
وجد أن لديهم حق وكفى إلى هنا، كم عانت من بطشه وظلمه لها، لم يبالي إلى حبها إليه يومًا ويمن عليها بإتمام زواجه منها والذنب الذي حدث بينهما هو الذي تسبب فيه عندما كان يحوم كالذئب حول فريسته، استغل ضعفها وطيبة فؤادها من قبل الزواج وبعد الزواج تحول الاستغلال إلى اضطهاد وقهر. نهض وفي تردد انتهى بالاستسلام إلى رغبتها: "أنتي طالق." صاحت كل من غرام وابتسام بسعادة وقاما بمعانقة شقيقتهما.
"مبروك يا أحلام، كان زي الهم وإنزاح أخيراً." كان قول غرام فقابلته أحلام بالصمت وتركت دموعها تقوم بالرد. وبعد إجراء الضابط التحقيق، أنكرت أحلام أن الفاعل زوجها، وما حدث لها كان أثر سقوطها على الدرج، يكفي أنها نالت حريتها من هذا الطاغية سمير.
في اليوم التالي كانت تقف ابتسام تنظر إلى لافتة عنوان المركز التعليمي، تخشى الصعود إلى أعلى ومواجهة معلمها الذي فرت من أمامه عندما رأى ما حدث بينها وبين عثمان، وكان أكبر مخاوفها هو أن يخبر غرام لذا قررت أن تتحدث معه وتشرح له الأمر. صعدت إلى الطابق الثاني حيث قاعة المحاضرة، مرت أولاً على المساعد وأخبرته باسمها لكي يسمح لها بالدخول، وإذا به المساعد يقول لها بجفاء: "ممنوع الدخول." صاحت بصدمة: "ممنوع إزاي؟!
، أنا دافعة فلوس حصص الشهر كلها مقدماً حتى إسأل مستر حسن." "مستر حسن اللي بنفسه مديني أمر بمنع دخولك ويا ريت تشوفيلك مدرس تاني غيره." أدركت معنى رسالته إليها ودون مواجهتها، لم تأبه لقساوة رده ذاك، وذهبت إلى القاعة. يحاول المساعد منعها، صاحت برجاء: "مستر حسن." التفت إليها ببرود: "نعم؟ تأسر دموعها داخل عينيها، تخبره بنبرة سمع منها كم ما تشعر به من حزن وغصة عالقة في حلقها: "ممكن أتكلم مع حضرتك."
نهض من خلف مكتبه المرتفع على منصة الشرح، ذهب إليها في الخارج: "عايزة إيه يا ابتسام؟ لم تستطع كبت دموعها أكثر من ذلك، انفجرت باكية: "حضرتك فهمت غلط، كل اللي ما بيني وما بين عثمان علاقة جيرة وأصحاب مش أكتر." كان داخله يشفق على حالتها المؤسفة لكن تظاهر بعكس ذلك: "وأنا مالي، بتبرري ليه؟! ، ولا خايفة أحكي لأختك ووالدتك على اللي شوفته؟ ابتلعت غصتها وقالت: "لاء، أنا جيتلك عشان أقولك أنا مظلومة أو.."
بتر حديثها قبضته التي اعتصرت عضدها يغادر المكان إلى سيارته، يدخلها فجلست وذهب هو ليجلس خلف المقود، قد اشتد غضبه إلى ذروته: "مظلومة إزاي وأنا شايفه مقرب منك ولازق فيكي لاء وكمان كان بيبوسك، أنا مش أعمى ولا ساذج عشان أصدق تمثيلك الرخيص." ابتلعت ريقها لا تدرك بعد ما وراء غضب معلمها الثائر، تحسب أنه من دافع الخوف عليها لأن شقيقتها قد أوصته عليها. "والله العظيم ما بمثل، أنا بعتبره فعلاً زي أخويا لكن هو لاء." "أخوكي!
ابتسم ساخراً وتابع: "واللي أنا شوفته ده بيحصل ما بين الأخوات؟ هزت رأسها بالنفي ومازالت تبكي وتحاول الدفاع عن نفسها ولا تعلم لما كل هذا الإصرار لديها: "لاء، بس أنا ما ليش ذنب ولا أقدر أقوله ما تحبنيش، أنا ببعد عنه كل شوية لكن هو متهور وخايفة جنانه يعمل مشاكل ليا ولأهلي عشان معندناش راجل يقف له، مفيش غير أخويا سعيد ولسه صغير." تبدلت ملامحه من القسوة والغضب إلى اللين:
"كان ممكن تحكي لأختك تروح تكلمه وتحطه عند حده أو تكلم أهله، على الأقل أحسن من مشيك معاه في كل حتة، ولا ركوبك وراه الموتوسيكل بعد ما بتخلصي الدرس." "عندك حق، أنا معرفتش أتصرف، أنا أصلاً ما بكلمهوش من وقت ما شوفتنا وعمـلـه بلوك كمان عشان لو حاول يتصل عليا." لا ينكر السعادة التي يشعر بها حالياً، فأخبرها بجدية زائفة:
"كل اللي قولتي ده ما يخصنيش، أنا اللي أعرفه المفروض سيادتك في تالتة ثانوي وفاضل شهر ونص على الامتحانات، يعني تركزي في مذكراتك اللي هاتنفعك، وزي ما قولتلك قبل كدة أي حاجة أنتي محتاجاها أنا موجود، واللي اسمه عثمان لو اتعرضلك تاني بلغيني وأنا هاتصرف من غير ما يوصل الموضوع لوالدتك أو أختك، اتفقنا؟ هزت رأسها بالموافقة، فابتسم وتابع بنبرة حانية:
"متزعليش مني عشان شديت معاكي في الكلام وقسيت، ساعات قسوتنا بتكون دافع من خوفنا على اللي بنحبهم." نظرت إلى عينيه وأقسمت داخل نفسها رؤية ما ينبض به قلبه، وكأن كلماته الأخيرة اعترافاً مبيناً. مر يومان وليس بجديد بل كان الحال سيئاً لدى غرام، نفذت لديها النقود ولا تعلم ماذا عساها أن تفعل، كلما تتقدم إلى العمل في متجر أو مطعم يعتذر إليها صاحبه ويخبرها إنه مكتفي بالعمالة التي لديه.
والآن تجلس بقلة حيلة حتى تذكرت أمر البطاقة الورقية والتي يتوسطها «يوسف رأفت الشريف» بالإنجليزية. وبداخل محطة القطار تقف في انتظار هذا القادم نحوها، يبتسم إليها: "كنت متوقع إنك هتكلميني في خلال يومين." ابتسمت فسألته: "وإيه اللي خلاك واثق أوي كدة؟ "إحساسي." أخبرته بتحفظ وجدية: "أنا اتصلت بحضرتك وطلبت أقابلك عشان محتاجة شغل، إن شاء الله حتى لو أشتغل في المصنع أي حاجة." "فيه شغل بس مش في المصنع، في الشركة عندنا."
"طب هاشتغل إيه، أنا للأسف خرجت من سنة تانية كلية ومكملتش بسبب الشغل والظروف الصعبة اللي بنمر بيها." "أطمني كل أوراقك اللي الشركة محتاجاها هاتكون جاهزة، وأي حاجة أنتي محتاجاها اطلبيها على طول." أخرج من جيبه ظرف أبيض قد أخذ محتواه من صاحبه سلفاً ريثما يعود إلى العمل في شركة والده مجدداً. "اتفضلي خلي دول معاكي هتحتاجيهم." "شكراً يا يوسف بيه، أنا مش عايزة فلوس، أنا كل اللي محتاجاه شغل وبس."
"يا ستي اعتبريهم سلف لحد ما تشتغلي، الشركة عندنا بتهتم بالمظهر الخارجي للموظف، وهتحتاجي لبس ومصاريف، وبعدين هيكونوا عارفين إنك من تابعي." شعرت بالحرج والخجل فتابع حديثه: "ما تتكسفيش يا غرام، اللي بعمله معاكي ما يجيش نص وقفتك معانا، ماتعرفيش لما قدرنا نوصل للي بيخسرنا شغلنا فرحنا قد إيه والمكاسب والأرباح اللي هاتعوض خسارة كبيرة حصلت الأيام اللي فاتت، كل واحد فينا ربنا بعته للتاني عشان يخرجه من المحنة اللي هو فيها."
كم أسعد حديثه قلبها، وها هي الحياة قد ضحكت من جديد لها وسترى السعادة لاحقاً. ترجلت سوزي من سيارة الأجرة أمام البناء المدون عنوانه لديها في الرسالة، وفي الأعلى كان نور منتظراً على أحر من الجمر، ينظر إلى عقد ملكية الشقة بسعادة، هدية قيمة سيقدمها كعربون محبة ليدلي بها لها عن حبه الصادق. رنين الجرس مثل دقات قلبه التي تخفق للتو، ذهب ليستقبلها بحفاوة. "هاي." حدق إليها بقلبه وليس بعينيه، سعادة عارمة على وجهه ومحياه:
"ما تتصوريش أنا فرحان قد إيه، خوفت لا ماتجيش." ابتسمت وليتها ما فعلت ذلك، ابتسامتها أوقعته أسيراً في سحرها. "هو كان صعب عليا، بس أي صعب يهون عشانك." "لاء أنا مش قدك ولا قد كلامك، أنا يا سوزي خلاص مابقتش قادر أستحمل وأنتي بعيدة عني أكتر من كده، لازم نتجوز بسرعة، الشقة أهي جاهزة من كل حاجة وعقدها واقف على إمضتك، دي أول هدية غير هدايا كتير لسه هجيبهالك."
أخذت من يده العقد ولم تصدق ما تراه، كم هو سخي معها نقيض والده الحريص، لذا لا تتركه فهو كنز ثمين عليها أن تغتنمه وتخرج بربح وفير خلال مهلة قصيرة. "حبيبي يا نور، مش عارفة أقولك إيه، أحلى أجمل هدية." أخرجت قلم من حقيبة يدها: "وأدي إمضتي أهي." اقترب منها نور وحاوط خصرها: "عقبال إمضتك على قسيمة جوازنا." رسمت ابتسامة زائفة على شفتيها: "إن شاء الله يا حبيبي." "طيب مفيش حاجة بمناسبة الهدية اللي عاجبتك؟ تدرك
مبتغاه فتظاهرت بعدم الفهم: "حاجة إيه؟ اقترب بشفتيه من وجهها: "حاجة زي كده." يقبلها بنهم نابع من شوق وعشق لا يعلم إنه سينتهي قبل أن يبدأ عندما تنكشف له الفاجعة. تحولت قبلاته إلى لمسات تجاوز بها كل الحدود وكاد يتمادى، وإذا استسلمت له سينكشف أمرها بسهولة أمامه، فهو يعلم من بياناتها في الشركة إنها آنسة لم يسبق لها الزواج. دفعته عنها وتصنعت الخوف والخجل: "نور، كفاية لحد كده، لما أبقى مراتك أعمل اللي أنت عايزه."
"حبيبتي آسف، حقك عليا، من كتر شوقي ليكي مقدرتش أسيطر على نفسي، أوعدك مش هقرب منك غير لما نتجوز، بس قولي أنتي الوقت المناسب ليكي." ابتسمت بدهاء حية رقطاء: "بعد شهرين هاكون دبرت أموري." "شهرين! ، كده كتير." "معلش استحمل يا حبيبي، هيعدوا بسرعة وهانكون مع بعض، خلاص؟ أومأ لها بهيام: "موافق، المهم هاتكوني معايا وملكي في الأخر ومش هاسيبك أبداً." وكم من أمنية يتمناها المرء فتأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!