تحميل رواية «غرام و انتقام» PDF
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هبط من سيارته الفارهه و التي أثارت استغرابها عندما كانت تنظر من نافذه منزلها. التف حوله مجموعه من العاطلين من شباب الحارة. بدأ بالسؤال عن أي منزل تقطن و تراودت الأساله حوله ومنهم من كان يريد اثارة الفضيحه لها ولكن صاحب المنزل الذي تقطن به جلس معه وتفهم طلبه جيدا و من ثم صعد معه. جلست ملك أمامه تنظر اليه تريد معرفة ما بداخله حتي نطق هادئ قائلا: - شهور بدور عليكي. كاد أن يرق قلبها و لكنها حاولت اخفاء ذلك و أطهرت بعض الغضب. ليسألها بتوجس قائلا: - ليه محضرتيش التيرم ده و ضيعتيه عليكي؟ لسه برضه بتفكر...
رواية غرام و انتقام الفصل الأول 1 - بقلم مروة البطراوي
هبط من سيارته الفارهه و التي أثارت استغرابها عندما كانت تنظر من نافذه منزلها.
التف حوله مجموعه من العاطلين من شباب الحارة.
بدأ بالسؤال عن أي منزل تقطن و تراودت الأساله حوله ومنهم من كان يريد اثارة الفضيحه لها ولكن صاحب المنزل الذي تقطن به جلس معه وتفهم طلبه جيدا و من ثم صعد معه.
جلست ملك أمامه تنظر اليه تريد معرفة ما بداخله حتي نطق هادئ قائلا:
- شهور بدور عليكي.
كاد أن يرق قلبها و لكنها حاولت اخفاء ذلك و أطهرت بعض الغضب.
ليسألها بتوجس قائلا:
- ليه محضرتيش التيرم ده و ضيعتيه عليكي؟ لسه برضه بتفكرى في موضوع شاهر؟
شردت ملك في الفراغ و تذكرت أن هذا الموضوع تزامن فيما حل معها و أنه يريد عدم التحدث عن شقيقتها.
ليتأكد أنها من النوع المتهرب ليواجهها قائلا:
- ملك... انتي جبانه؟
انتبهت لنعته لها بالجبانه و أفاقت من شرودها قائله:
- اعتبرني جبانه.. وجبانه من مجيتك هنا اللي هتخلي أهل الحارة يتكلموا عني.. مجيتك اللي مش عارفه سببها ايه.
رد عليها بثقه قائلا:
- أنا جاي أطلب ايدك للجواز يا ملك.
اتسعت حدقه عينيها بذهول و تسمرت بمكانها.
كان كل هذا يحدث أمام صاحب المنزل محمد و زوجته شريفه.
وما كادت أن تعترض علي طلبه وهي تنظر اليهم ليدعموها حتي ارتفعت نبرة صوته قائلا:
- الحاج شريفه و الحاج محمد موافقين.. أساسا أنا بقالي ساعة تحت و اتفاهمت معاهم علي كل حاجه كأنهم والدك و والدتك.
انتفضت ملك قائله:
- لا يمكن مستحيل.. هما ميعرفوش حاجه عنك علشان يوافقوا عليك بالسرعه دي... انت يدوب الدكتور بتاعي في الجامعه... و أنا كنت طالبه عندك.
كادت أن ترحل الي غرفتها و تتركهم حتي أوقفها الحاج محمد ممسكا كتفها يهمس في أذنها بكلمات جعلها تضطر الي الموافقه علي الدكتور.
ليبتسم هادي قائلا:
- انتي كمان متعرفيش الحقيقه عني و لا تعرفي وضعي المادي اتحسن ازاي بالسرعه دي.. وضعي المادي اللي كان موقفني عن الارتباط بيكي.
رواية غرام و انتقام الفصل الثاني 2 - بقلم مروة البطراوي
غنشبه بعضنا البعض، لا أحد يستطيع التفريق بيننا. إذا رآها سيعتقد أنها أنا، والعكس صحيح بالنسبة للأخرى. ولكن هناك تلك الشامة الرهيبة على ظهرها، هي التي تفرقها عني.
في صغرها كانت تتباهى بها وتحبها كثيراً، ولكن عندما كبرت واستفحلت تلك الشامة، حاولت ملك أن تمحي آثارها عن طريق عملية تجميلية. من الممكن أن تقوم بها ملاك لدراستها التمريض. توسلت إليها مراراً وتكراراً لفعلها، وكانت توعدها في كل مرة.
تمر الأيام وتتعلق ملك بهادي أكثر، وتخشى أن ترتبط به أو بأي إنسان ويرى تلك الشامة التي تعرضت بظهرها، فبغت منظرها. فأصرت بيوم أن تذهب إلى صديقتها لتفعلها لها، نظراً لتباطؤ ملاك.
ما إن علمت ملاك بالأمر وعن ذهابها، حتى خشيت أن يحدث لها مكروه، فقررت محيها بيدها. ولكن ما إن نظرت إلى ظهرها حتى تراجعت. هذا هو الفارق الوحيد بينهم، هذا ما يميز ملك. حتى إن رآها سفيان لن يعلم أنها ملاك، خاصة عندما قررت ملاك الهرب بعد أن تعترف لملك بكل شيء حدث.
بعد صراع طويل، وملك منتظرة مغمضة العينين، متأهبة لأي ألم سيحدث، حتى انتفضت ملاك رافضة. التفتت إليها ملك تنظر إليها باستغراب، لتخبرها ملاك بقسوة قائلة:
"الشامة دي هتنفعك قدام يا ملك."
صمتت ملك، لا تعرف ما يدور بخلد ملاك، وربما لا تريد أن تفكر بحديثها، لأن ملاك في الفترة الأخيرة تتحول في انفعالاتها وتصرفاتها. هي فقط تحاول أن تجاريها في الحديث وتخبرها أنها على حق، حتى وإن لم تكن مقتنعة.
انتهى الحديث بترك ملاك لملك ودخولها غرفتها، لتعزم ملك أمرها أن تذهب إلى صديقتها في اليوم التالي لإزالتها. وصلت إلى صديقتها لتتفاجأ بشاهر يفتح لها باب المنزل، وتقف من خلفه صديقتها. لتستغرب من وجوده في وسط صديقتها. قمة اندهاشها عندما وجدت شاهر يرتدي ملابس منزلية، ومعنى ذلك أنه ليس بضيف. هنا فهمت الخطة، شاهر يحاول إيقاعها في شباكه. تظن أن تلك محاولة منه، ولكنها بائسة. لو أرادت الوقوع بشباكه لفعلت.
نظرت إلى صديقتها نظرات قاتلة، وبصقت في الأرض، لأنها في قاموسها قامت بخيانة حق الملح. كلا، فأنا ملك. أمثالهم يفضلون اللعب بي، وأنا أبي ذلك. ثم انصرفت دون النطق ببنت شفة. العجب أنه لم يقم أحد باللحاق بها، حتى أنها استغربت لهذا الأمر. بل كانوا يتضاحكون ضحكات شيطانية، بعد أن قاموا بتصوير وجهها وهي تدلف من باب العقار وتصعد إليهم، وكل شيء، حتى نظراتها. ولكن أفضل شيء في هذا الأمر أنه لم يتم إزالة الشامة.
عادت ملك إلى المنزل ودلفت، لتجد من تقف وراءها تنظر إليها بحدة، لتزفر ملك قائلة:
"إيه؟ اتأخرت أنا النهارده؟ مش انتي اللي اتأخرتي صح؟"
نظرت إليها ملاك نظرات متفحصة قائلة:
"لا، أنا أصلاً مروحتش الشغل النهارده بسببك. ممكن أعرف يا هانم ليه بقالك كام يوم بتسيبيني نايمة وتتسحبي من ورايا وتنزلي؟ خصوصاً النهارده؟"
أزاحتها ملك من طريقها وشوحت بيدها قائلة:
"لا بقولك إيه، الحركات دي مش عليا يا ملاك. قبل ما تحاسبيني حاسبي نفسك. ليه متغيرة؟ ليه سرحانة؟ ليه قلقانة؟ حاجات كتير بتصدر منك مش فاهماها."
جزت ملاك على أسنانها بعصبية قائلة:
"إيه؟ هتحللي مشاكلي مثلاً؟ كالعادة مش هتقدري. أوعي تفكري إنك علشان اعتمدتي على نفسك فترة يبقى خلاص. لا يا ملك، فوقي، هتفضلي صغيرة."
نظرت إليها ملك باستغراب قائلة:
"أنا قدك يا ملاك، انتي اللي مكبرة نفسك. أنا زي زيك. إيه مفكرة مش بمر بأمور صعبة مثلاً؟ بمر، وكتير كمان، بس بعرف أصرف أموري."
ابتلعت ملاك غصة بحلقها قائلة:
"في أمور بتعدي على أي بنت صعب تتصرف فيها. أتمنى متوقعيش فيها يا ملك وتفكري إنك ذكية. ما يقع إلا الشاطر، وانتي شاطرة أوي."
أغمضت ملك عينيها تتذكر ما كان سيحدث معها للتو، لولا أنها تداركت الأمر في بدايته. ولكن ماذا لو كان مثل ما قالت ملاك وظهر شاهر بنهاية الأمر؟ مهلاً، مهلاً، مهلاً. لماذا ظهر في البداية؟ يبدو أن لظهوره في البداية سر لم يتدارك إلى ذهنها.
جلست ملك على الكرسي المتهالك تتذكر كلمات هادي الأخيرة عن شاهر وعن علاقاته بالطبيبة نادرة، والتي اكتشفها هادي مؤخراً. ولكنها لم تبالي لتحذيراته، لأنها لا تعلم أن صديقتها مقربة لشاهر. تعالت الحيرة في ذهنها، الحيرة التي خلقها هادي بها واكتملت بما حدث اليوم وبحديث ملاك. ترى من على حق؟ ملاك أم هي؟ ولكن هي ما زالت على حالتها لم يشوبها شائب، بعكس ملاك التي دمرت.
ملاكي، هل ستكونين أماً في يوم من الأيام؟ هل سيسجل طفلك من اللقطاء؟ ما حدث لك يسطر بنهايتك كأنه ماضيك اللعين. ما حدث حدث منذ ثلاثة أشهر، وتتذكر أحداث آخر مشهد جيداً.
تعالت شهقاتها أمامه وجثت على ركبتيها لكي يكتب لها عقداً عرفياً يضمن حقها، فقط لتتنفس براحة أمام أي شخص يتحدث عنها بالسوء. عقد وله مطلق الحرية أن يفعل بها ما يشاء. ولكنه كان يظن أن هذه الحرية لها، حتى تبتعد وتحلق في مكان غير مكانه. لطالما محيطه لم يمنحها الفرصة على التحليق. هي تعرف أنه يجب أن تبقى تحت مستوى عيون مغتصبها. هل طلبها لهذا العقد ذكاء وقوة مفرطة منها؟ أم بصدد فقط ضمان حقها فيما يحدث لها؟ بمواجهتهم لبعضهم البعض اكتشف كلاهما مدى قدرة الآخر على الحرب.
على الجانب الآخر، سطع يوم جديد على ملك، وكعادتها التي التزمتها مؤخراً، نهضت ورحلت بدون الحديث مع ملاك. وصلت إلى جامعتها وقررت أن تذهب إلى مكتب هادي لتسرد عليه ما حدث لها بالأمس. لا تعلم لماذا اختارته هو تحديداً، ربما لحديثه عن شاهر وعلاقته بنادرة. تخشى أن يكون فخاً وضعت به لكي تقوم نادرة بالتحريض عليها، لأنها تفهم من نظرات عينيها أنها تبغضها.
طَرقت بابه وأذن لها بالدخول. ليخلع نظارته الطبية ويقطب جبينه قائلاً:
"ملك، إيه اللي جايبك بدري كده؟ أول محاضرة ليكي الضهر، وبعدين شكلك مش نايمة كويس."
هزت ملك رأسها باستكانة قائلة:
"أنا بخير، بس فعلاً منمتش طول الليل. حضرتك متأكد من علاقة شاهر بدكتورة نادرة؟"
لأول مرة يلاحظ أنها تهتم لهذه الأشياء، لدائماً يحذرها وهي لا تبالي. عقد ما بين حاجبيه يسألها:
"ليه بتسألي في الموضوع ده دلوقتي؟ يوم ما حذرتك حسستيني إنه عادي، ومش فارق معاكي."
نظرت ملك له، تكاد أن تميد بها الأرض. خشيت أن يكون بحاكمها وجلادها بدلاً من أن يكون مسانداً لها، ولكن تماسكت وسردت عليه كل ما حدث بالأمس. ظل صامتاً لبضع من الوقت، حتى يأست منه فتحدثت هي وأعلمته أنها لم تكن هكذا. ملاك هي السبب في تغييرها. قصت عليه كل شيء، أنها لها شقيقة توأم تشبهها تماماً، ولكنها لم تصل إلى ما وصلت هي له، واكتفت بتعلم التمريض وعملت، ولم ترضَ أن تعمل هي حتى توفر لها سبل العيش، ولكنها تغيرت منذ فترة وتغييرها أثر فيها، أو ربما كان لديها الحافز لتصبح معتمدة على نفسها وليست متواكلة على شقيقتها. ولتخبرها أن الذي يجري بعروقها دم وليس ماء. الأمر مجرد مسألة حسابية، كلاهما يحسبها من منظوره المختلف. حتى هو يحسبها أنها من الممكن أن يكون تم التقاط بعض الصور لها للتشهير بها في الجامعة، وإثبات الأسوأ فيها، ولطبيعتنا البشرية وأخذنا بالمظاهر، تنحدر تحت قائمة المذنبة.
خرج عن صمته وشكرها على مصارحتها له بالحقيقة، قبل أن يستمع إلى الهرائات عليها. وعدها أن يحل هو هذه المعضلة بذكاء حرفي، حتى لا يأخذ عليها أي ممسك.
كالعادة استيقظت ملاك متأخرة، وعلى صوت هاتفها يقوم بالتهديد مراراً وتكراراً. ويحالفها الحظ سوءاً أنها تنام بعمق تلك الفترة. هبت من مضجعها وارتدت ملابسها وهبطت، هرولت درجات السلم تلحق به قبل أن يأتي ويفتعل لها فضيحة في قلب الحي الشعبي.
أثناء هرولتها شعرت بصداع يداهمها وقدمها أصبحت كالهلام، لا تقدر على حملها. لتتفاجأ بالعم محمد يسندها قائلاً:
"مالك يا ملاك؟ اهدي يا بنتي، بلاش جري."
نظرت إليه ملاك بتشويش، حيث بدت لها الرؤية منعدمة، تهز رأسها بطاعة قائلة:
"حاضر يا عم محمد. أصل ملك سابتني ومصحتنيش. ممكن توقفلي تاكسي؟"
نظر لها باندهاش، كيف لها أن تدفع ثمن سيارة الأجرة، ليتذكر عودتها ليلاً كل يوم بسيارة أجرة. كاد أن ينادي على سيارة، ولكن فضوله جعله يسألها قائلاً:
"معاكي فلوس يا بنتي للتاكسي ولا أدفعلك؟ قولي، متتكسفيش، أنا زي أبوكي برضه."
صمتت، لا تعلم كيف تجيبه. فهم من صمتها أنه هو سوف يدفع، ولكن إذا قام هو بالدفع الآن، فمن الذي يدفع لها يومياً؟ أوقف سيارة الأجرة ووصلت إلى بابها، حتى استوقفها قائلاً:
"إيه يا ملاك؟ أدفع ولا تدفعي انتي؟ خير ربنا كتير، ويا ستي دول مش من الإيجار."
هزت رأسها برفض وضيق، حيث أن أسئلته كانت مثل جدار بناء يطبق على ساكنه من جميع الجوانب. ردت عليه وهي تصعد سيارة الأجرة على عجلة:
"خيرك سابق يا عم محمد."
وأشارت إلى السائق لينطلق، وتبدأ رحلة يوم جديد مع سفيان. ولكن هذا اليوم يختلف عن بقية الأيام السابقة. بعد الاعتذار له وتوضيح أمر تأخيرها، وبالطبع كان كذباً، حيث تداعت بمرض شقيقتها، وأنه لابد من رعايتها لأنها طفلة صغيرة وليس لها أحد يرعاها. هز رأسه بعدم اهتمام، لأن الشيء الوحيد الذي يهتم به هو وجودها بعد العمل في البانسيون لكي يستمتع بها، حتى أمر عملها لا يهمه، يتغافل عن أخطائها في مقابل وجودها.
بعد أن هدأ، دعاها لتنصرف، وبالفعل توجهت مسرعة إلى صديقتها وفيه، لتسرد لها ما تشعر به، لتقوم وفيه بوضعها على جهاز الفحص في قسم النساء.
عادت ملك من الجامعة ووجهها مطلي بالسعادة من وعود هادي بالدفاع عنها وحمايتها، ولكنها تفاجأت من نظرات العم محمد المعاتبة لها على عدم الاهتمام بشقيقتها وصعودها وهبوطها بمفردها. لتتنهد بتعب قائلة له:
"أنا بجد تعبت يا عم محمد. هي مش راضية تقولي بيها إيه؟ انت مش ملاحظ إنها متغيرة وبتيجي كل يوم متأخر."
هز العم محمد رأسه، فرد ملك صائباً. نعم، ملاك متغيرة. أين ملاك المعاندة المشاكسة التي تطلق لسانها على الجميع ولا يهمها أحد. ليؤيد ملك الرأي قائلاً:
"معاكي حق، وكمان بتيجي في تاكسي، والنهاردة راحت في تاكسي وقالت إن معاها فلوسه."
جحظت ملك بعينيها وتساءلت فيما بينها، من أين تأتي ملاك بهذا المال؟ ما هو العمل؟ أيعقل أنه في ملهى ليلي.
تسعت حدقة عيني وفيه وشهقت قائلة:
"مصيبة يا ملاك، انتي حامل... مش ممكن... انتي مش بتاخدي الحبوب؟"
جحظت ملاك بعينيها ولطمت خديها قائلة:
"يا فضيحتك يا ملاك، يا فضيحتك! أنا كنت عارفة آخرتها."
"أنا عارفة إن الموضوع صعب عليكي يا ملاك، بس لازم تجمدي. انتي هتبقي أم... ولازم يكتب عليكي... روحي لجده وافضحيه... الدنيا مش سايبة."
نهضت ملاك من على فراش الكشف الطبي بشكل عاجز عن فعل أي شيء، ولا تنطق إلا بجملة واحدة وترددها بعزم وإصرار:
"الجنين لازم يموت يا وفيه."
انتفضت وفيه لقرارها وحثتها على انتزاع هذا القرار السيء من رأسها. تركتها وقادتها قدماها بدون وعي إلى البانسيون. فتح سفيان الباب وقطب جبينه باندهاش، فهذا ليس موعدها لتأتي إليه. وجدها تتوسل إليه بعينيها:
"سفيان."
زاد اندهاشه من توسلات عينيها ورد بجمود قائلاً:
"انتي إيه اللي جابك دلوقتي؟"
ثقلت الكلمات على لسانها وتلعثمت قائلة:
"أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح، وراحتي عندك انت لوحدك يا سفيان. أرجوك ريحني."
توجه سفيان إلى المقعد الذي بخلفه دون اكتراث لكلماتها، لتشعر ليس بثقل لسانها، وأنما ثقل جسدها وهي تتقدم إليه، وهو يسند ظهره للخلف بكل كبرياء، يشاهد علامات ارتخاء جسدها. ليعمض جفنيه يفكر ما هي وجهة نظرها في الراحة التي تطلبها.
أما عنها، شعرت أن حياتها اتجهت نحو التعقيد. كانت بسيطة تتطلع إلى مستقبل أفضل وحياة حلوة، ولكنها أصبحت الآن عالقة بدائرة لا يوجد بها أي حلاوة، يوجد بها مر فقط.
وفي لحظة من السكون والصمت بينهم، تذكرت ما دار بينها وبين وفيه:
"مصيبة يا ملاك، انتي حامل... مش ممكن... انتي مش بتاخدي الحبوب؟"
نعم، كانت تأخذها وهو من قام بإعطائها لها. أيعقل أنه كان يعطيها عقاراً منتهي الصلاحية؟ من المؤكد أنه افتعل بها ذلك حتى يتسنى له الفرصة أن يتخلص منها عن طريق هذا الجنين. على الفور تذكرت باقي كلمات وفيه:
"أنا عارفة إن الموضوع صعب عليكي يا ملاك، بس لازم تجمدي. انتي هتبقي أم... ولازم يكتب عليكي... روحي لجده وافضحيه... الدنيا مش سايبة."
نهضت وتماسكت وهو ما زال مغمض العينين، لتشعر بخبثه الشديد. كفكفت دموعها وهربت من أمامه مسرعة لتنفيذ ما قالته لها وفيه حتى تثأر منه. وبالفعل وصلت إلى منزل جده، وبعد أن دلفت إليه، نظر إليها متسائلاً:
"انتي مين يا بنتي؟"
حاولت أن تتماسك حتى لا تنهار قواها أمامه وتحدثت بهدوء قائلة:
"أنا بشتغل عند سفيان في المستوصف الطبي."
وقامت بسرد كل ما افتعله معها سفيان منذ لحظة عملها معه. كانت تتوقع ثورة عارمة من الجد، ولكنها تفاجأت بهدوئها ورزانتها، حيث رد بعقلانية قائلاً:
"طب أنا هاخد كل الكلام ده بعين الاعتبار وهصدقك في كل كلمة قولتيها وهجبلك حقك، بس برضه لازم أتأكد من كل ده، أنا مش عيل صغير."
هزت رأسها بسعادة والدموع تتساقط من عينيها بفرحة على الطريقة التي ستأخذ بها حقها من سفيان، ولكنها اندهشت عندما رفع سبابته بتحذير قائلاً:
"خليكي بعيد عنه الفترة دي... حتى لو أجبرك أنك تروحيله، هتقوليله إنك حامل. في اللحظة دي هتبان نواياه زي ما بتقولي، وهيبعت يجيبك علشان يعملك الإجهاض بنفسه."
اتسعت حدقة عينيها بذهول، ليبتسم الجد يؤكد لها حديثه ويأمرها بالانصراف. بالفعل انصرفت ملاك وعادت إلى منزلهم، لتتفاجأ بحالة ملك من تكسير وانهيار، وليس على شفتيها غير كلمة واحدة:
"ليه كده يا ملاك، ليه؟ تفضحيني وتفضحى نفسك."
رواية غرام و انتقام الفصل الثالث 3 - بقلم مروة البطراوي
عقدت ملاك ما بين حاجبيها. كيف لملك أن تعلم بهذا الأمر؟
قصت عليها ملك اتصالًا فيها بها. حيث قامت بالاتصال على هاتف منزل الحاج محمد ونادتها زوجته التي لديها حاسة السمع ضعيفة ولم تنتبه إلى اسم ملاك. فنادت على ملك وأعلمتها أن الهاتف لها.
وما إن ردت ملك حتى تحدثت وفيه بذعر قائلة:
- علشان خاطري بلاش تجهضيه يا ملاك.. روحي لجد الدكتور سفيان وهو هيجبلك حقك.. انتي ممكن تموتي.
وبعد سرد ملك لملاك ما حدث، وكان الحديث يتخلله صرخات لملك على ملاك، لتهبط ملاك بجسدها على أرضية الصالة قائلة بانهيار:
- خليكي بعيد عن الموضوع ده يا ملك.. أنا كملت معاه علشانك.. لأنه زي ما وصلني كان ممكن يوصلك.. عرفتي ليه مكنتش راضية أشغلك معايا.
رفعت ملك صوتها قائلة:
- أبعد إزاي.. انتي حامل.. هتجهضيه زي ما قلتي لوفيه يا ملاك.. طب وبعدها ما هو برضه هيرجعك تاني لنفس الموال.. وبلاش تطلعي لي حجتك.
اتسعت حدقة عيني ملاك بذهول. كيف لملك أن تعرف ما دار بفكرها. ها هم التوأم روح واحدة وتفكير واحد يفهم كل منهم الآخر.
أخذت تهز رأسها تنفي ما تخيلته ملك قائلة:
- لا يا ملك بلاش تعملي في كده.. وتشكّي فيا.. جايز كنت خايفة تيجي تشتغلي معايا علشان لو عرف إنك دكتورة ممكن ينجذب ليكي بس بعد كده خوفت عليكي.
بكت ملك وشعرت بالخزي من تفكير شقيقتها وتحدثت بسخرية قائلة:
- بعد ما بقيتي حامل خفتي عليا.. مخوفتيش وإنتي عارفة إنه زبالة وحقير ومع ذلك كملتي شغل معاه.. أنا دلوقتي عرفت ليه كنت رافضة ابن الحاج محمد... هنعمل إيه في الفضيحة دي دلوقتي.
تناست ملاك أمر جد سفيان وأخذت تضرب بطنها بكل عنف قائلة:
- أنا مش عايزاه.. أنا كنت باخد حبوب.. بس الزبالة هو اللي كان بيجيبهم.. كان قاصد يفضحني يا ملك.. ويرميني بفضيحتي... خلصيني منه يا ملك.
أوقفتها ملك عن استكمال ضرباتها لبطنها قائلة:
- أنا عمري ما هساعدك في حاجة زي دي يا ملاك.. روحيله وحاولي معاه.. لو عايزاني أنا أروحله على إنه انتي أروح. هو مش هياخد باله.
هزت ملاك رأسها ترفض اقتراح ملك قائلة:
- لا يا ملك.. استحالة أسلمك له بإيدي.. تعرفي إنه مفكرك عيلة في ابتدائي ومع ذلك بيهددني إنه يسلط عليكي أي عيل يغتصبك وبعدين يسرقوا أعضائك.
بتلك الكذبة خرجت ملك عن شعورها وأخذت تهز رأسها بغضب تقارن بين ما يحدث من شقيقتها وبين ما يحدث في الجامعة من زميلها والدكتور الجامعية. زاد غضبها لتعاود تكسير كل شيء حولها من جديد.
البقاء لله يا حاجة غالية.. حاولنا نعدي الأزمة دي زي اللي فاتت.. بس للأسف قدره سبقنا.
مجرد سماع غالية لتلك الكلمات اتضحت لها أمر تلك الفتاة ملاك ولما جاءت. لم تستطع الوقوف كثيرًا لصدمتها الكبرى في ابنها. تمنت أن يكون هو الذي مات بدلًا من والد زوجها الرجل الرحيم لسوء ما افتعل بتلك الفتاة. ولدها الذي قتل بداخلها أي مشاعر أمومة.
كانت تصرخ بداخلها تمسك بيديها يد والد زوجها وتطلب منه السماح لأنه بالرغم من ثباته وهو يستمع إلى هذا الخبر من الفتاة إلا أنه صدم مما قالته.
أخذت تهتف بداخلها قائلة: جبان... كان عليا أن أراقبك منذ ريعان شبابك لأنك تشبه والدك في كل صفاته. تمنت أن تقوم بفضحه كأنه لم يكن ابنها. غير مصدقة لما جرى. لولا أنها رأت الفتاة بعينيها وهي تنتحب. وهي نفسها الفتاة التي رأت صورها في هاتف ابنها. كيف له أن يفتعل هذا؟ ماذا ترك لابن عمه الذي كانت تقوم بزيارته في المستوصف وكانت تشاهد الممرضات تبتعد عنه وتتجنبه.
صرخت من أعماق قلبها حتى انطلقت الصرخة إلى خارج فمها ليلتفت نحوها الطبيب يهدئها ويعلمها أنه حرام.
كان في هذه اللحظات هادي نائم في ثبات عميق واستيقظ على صرخاتها وانتفض يركض نحو غرفة جده. جحظ بعينيه عندما دلف الغرفة ووجد وجه جده مغطى بالملائة. ليدنو من فوقه فقامت غالية بإبعاد الطبيب من طريقها ومن ثم ذهبت نحو هادي بغضب تبعده عن جده قائلة:
- مش عارف في إيه.. انت السبب.. انتي اللي موت جدك بعملتك السودة... أنا قلت لك الظروف تتحسن وأنا هخطبها لك بنفسي.. علشان مش عايزها تعيش هنا.
عقد هادي ما بين حاجبيه بعدم فهم ولكنه ترك يدها وتوجه نحو جده يلثم جبينه قائلاً:
- هتوحشني يا جدو.. يعلم ربنا إني كنت بحبك بالرغم من قسوتك عليا.. بس أنا عارف ليه إنت عملت كده.. علشان تلاقيني راجل وأحسن من أبويا.
زفرت غالية بتعب قائلة:
- وإيه النتيجة؟ مؤذي زي أبوك... عارف جدك نام نومته الأخيرة ليه.. بسببك انت يا هادي.. ليه اعتدت على البنت.. ليه.. استفدت إيه.. البنت جت هنا وقالت كل حاجة.
قطب هادي جبينه باستغراب وحاول الربت على ذراعيها بهدوء قائلاً:
- حبيبتي يا ماما مالك.. انتي بتقولي إيه.. وبنت مين اللي أنا اعتدت عليها.. هو أنا بتاع الحاجات دي برضه.. ماما لو سمحتي نأجل كلام في الموضوع ده.
غضبت غالية من حديثه الواثق. هي من داخلها لا ترغب أن يكون هو المغتصب ولكن كيف وهي نفس الفتاة التي شاهدت صورها. ولكنها كانت مع رأيه فردت قائلة وهي تكفف دموعها:
- معاك حق.. بعدين.. إكرام الميت دفنه.. بس خلي بالك.. الساكت عن الحق شيطان أخرس.. ويمكن اللي حصل لجدك ده يغير أوضاع كتير.
هز هادي رأسه بيأس من عدم فهم ما تتفوه به ورد قائلاً:
- اللي حصل لجدي هيغير إيه مش فاهم.. غير إنه هيبعد عننا سفيان وأعتقد ده اللي كان نفسك فيه من زمان.. رغم تمسك جدي بيه.. يالا كله خير.
توجه هادي نحو باب الغرفة بحزن من داخله على موت جده وعلى ما تتحدث به والدته. يريد أن يعرف معنى ما تقوله. زفر بحنق ووضع يده على صدره يشعر بالاختناق. تناول هاتفه واتصل على من يتكفل بإجراءات الدفن.
وفي خضم ذلك تفاجأ باتصال من رقم غريب ليرد قائلاً:
- ألو.
ردت ملك بلهفة قائلة:
- دكتور هادي.. أنا ملك.. أسفة إني بتصل بيك في وقت زي ده.. بس كنت محتاجة أتكلم معاك.. لو وقتك سمح.. موضوع مش هينفع على الفون.
أوقفها عن استكمال حديثها بحزم قائلاً:
- ملك... أنا آسف حقيقي بجد.. ووضعي مش هيسمح لا أكلم حد ولا أقابل حد.. كمان هاخد إجازة من الجامعة لو في أي مشكلة استعيني بدكتور رشاد.
هزت ملك رأسها بانكسار قائلة:
- ربنا يعينك.. أنا آسفة يا دكتور هادي على الإزعاج.. تصبح على خير.
أمر موت جده جعله يتناسى أمر ما مرت به أيضًا. هو لا يعلم بأمر فاجعة شقيقتها. ولكن سرعان ما تراجع قائلاً:
- ملك استني.
ولكن سبق السيف العزم. أغلقت المكالمة وهاتفها وأغلقت ملفه من حساب عقلها للأبد.
انتظرت ثلاث أيام ردة فعل جد سفيان على ما قالته ولكن دون جدوى. حتى علمت بوفاته من صديقتها وفيه. حيث كان السبب الذي ترك فيه سفيان المستوصف ثلاثة أيام. شعرت أن ما تحمله أحشائها سيصبح لقيطًا لعدم وجود من يدافع عن حقه. لقيطًا يعني غير سعيد. طفلًا أو طفلة ارتكب سفيان فيهم الخطيئة. سيصبح نسلًا غير معروف.
عرفت ملاك في هذه اللحظة معنى القتل لأحدهما. نهضت مسرعة لتذهب حتى تأتي بحقها منه. استوقفتها ملك قائلة:
- على فين العزم يا ملاك.
- هروح لأي حد غير جده ما هو مش معقول عايش لوحده أكيد في حد تاني معاه.. أي حد هيسألني هعترف عليه وأخلص منه.
قالت تلك الكلمات وهي تبكي. تتساقط دموعها دون توقف. يتملكها شعور الهزيمة. تعلم أنها خاسرة في كل الأحوال. بينها وبين سفيان الذي تعمد تحقيرها والنزول من شأنها.
منذ لحظة رؤيتها صاح بها لأنه علم أنها ذهبت إلى جده. علم عن طريق المناوشات بين غالية وهادي طوال الثلاثة أيام وإنكار هادي لكل ذلك.
- انتي اتجننتي؟... إزاي جاتلك الجرأة تروحي لجدي تشتكيله مني.. مخوفتيش يا ملاك إني ممكن أذي أختك الصغيرة ولا خلاص قلبك مات؟
كانت تغمض عينيها وتود أن تصم أذنيها عن صياحه. ثم فتحتهم وهي تتنظر إليه قائلة:
- إيه انت عرفت؟.. طب كويس.. ياريت يكون واجهك بحقيقتك قبل ما يموت... وبعدين إيه كنت ناوي تأذي أختي وجدك ناره ما بردتش.
رد عليها سفيان بحنق قائلاً:
- وإنتي مالك تبرد كدته ولا لا؟.. زعلانة عليه قوي وإنتي السبب في اللي جراله.. ولا خايفة على أختك العيلة؟... عمومًا هو اتكل قبل ما يواجهني.
أردفت ملاك قائلة:
- هتفضل طول عمرك كذاب.. منين مات قبل ما يواجهك ومنين عرفت إني روحتله.. أكيد مفيش جواه جواسيس ورايا.. لو كان فيه مكنتش لحقت أدخله.
ابتسم سفيان بشماتة قائلاً:
- تقدري تقولي كده يا ملاك.. إنه مات ومات السر بتاعي معاه.. ياريت على قد كده.. تهمتك يا حلوة اتلزقت في ابن عمي.. أصل مامته لما شافتك شكت فيه.
اتسعت حدقة عينيها بذهول وأردفت قائلة:
- أنا! وابن عمك!.. طب إزاي.. لا أنا مجبتش غير سيرتك.. وإنت لما تلاقي اللي في بطني اتلزق لغيرك هتقبل بكده.. انت إيه يا شيخ مش خايف؟
رفع حاجبيه باندهاش على بلاهتها وتحدث بسخرية قائلاً:
- انتي هبلة يا ملاك.. هما يعرفوكي منين علشان تتلزقي لابن عمي.. انتي نكرة.. كل ما في الأمر مرات عمي شكت في ابنها لأن عمي المحترم كان زيي كده.
هنا فهمت ملاك أن تلك السيدة استمعت إلى كلمات الاغتصاب فقط ولم تعلم من المغتصب الحقيقي لتنظر إليه بغضب قائلة:
- يعني هي مسمعتنيش وأنا بتكلم عنك.. طب تمام حلو قوي.. اللي خلاني أروح لجدك هروح ليها... بس مش علشان حقي.. لا علشان حق ابن عمك.
نهض بهدوء ووقف أمامها مربعًا ذراعيه فوق صدره يذكرها بتهديده قائلاً:
- طب وأختك.. هتعملي معاها إيه لما ترجعي تلاقيها زيك.. ولا يمكن ترجعي متلاقيهاش.. لأن أكيد اللي في سنها ده مطلوب فيه الأعضاء.
جحظت ملاك بعينيها قائلة:
- لسه بتهددني يا سفيان... يعني حتى موت جدك مغيرش حاجة.. مش كان عندك أمل تورثه.. طب يا سيدي أنا مش عايزة منك حاجة غير عقد جواز.
أشار بإصبعه حول صدره بكبرياء قائلاً:
- أنا أجوزك انتي.. يعني بعد ما أورث وأعمل اللي بحلم بيه أقوم أبص لتحت قوي كده.. طب اللي كنت خاطبها في يوم وسابتني تقول عليا إيه؟
سخرت من كلماته ليستطرد ببرود قائلاً:
- انتي حامل يا ملاك وبكده معنتيش تلزميني.. وأنا كمان معدش يلزمني أي حاجة في مصر.. هروح أفتح كلينك كبير في لندن وأعيش حياتي.
خافت ملاك من فكرة هروبه قبل زواجه منها فتوسلت إليه قائلة:
- طب حلو قوي.. سافر زي ما انت عايز يا سفيان براحتك خالص.. يا سيدي هي ورقة بس.. وهبريك من كل حقوقي وطلقني بعدها.. وأعيش مع اللي هجيبه.
اقترب منها بخبث قائلاً:
- انتي ليه مش ذكية؟... هتستفادي إيه لما تعيشي عمرك كله مطلقة وبحته عيل.. الله أعلم لما يكبر هيعمل فيكي إيه.. ويمكن تكون بنت ويبقى مصيرها نفس مصيرك.. يا ملاك روحي اعملي إجهاض انتي لسه في الأول وعملية لطيفة خفيفة وترجعي بنوتة حلوة وابن صاحب البيت موجود.
استمعت ملك لحديثه جيدًا. يتلاقي كل منهما الآخر في الرأي. فهذا كان رأيها منذ البداية ولكنها خشت فعله لأنه كان سيعيدها له بعد إتمام عملية الإجهاض. ولكن هو الآن سيسافر وسترت اح منه للأبد. لذلك ستقدم على إجراء العملية ولا يهمها العملية الأخرى لأنها لن تتزوج أبدًا. ستعيش تساند أختها وتدفع ثمن أخطائها في حرمانها من العيش بطريقة سوية.
نظر إليها سفيان يراقبها وهي متعرقّة لا تستطيع التحرك أو الكلام أو حتى النظر إليه بعد حديثه المر. فقرر أن يتركها بمفردها لتتخذ قرارها. وبالفعل تركها ورحل. حتى أنها استمعت لصرير صوت سيارته ليذهب هو في طريقه ويتركها تتخبط في قراراتها ومصيرها.
شعرت بالدوار فرفعت يديها إلى رأسها تفركها من أثر الصداع. وترددت في اختيار قرارها. الأول أمثال سفيان لا بد لهم من العقاب وليس الترك. قررت في لحظة أن تبلغ الشرطة عن أنها مخطوفة في هذه الشقة. حيث كان اللقاء اليوم في شقته الخاصة. وما امتدت يدها إلى هاتفها لتهاتفه حتى تفاجأت بوجوده أمامها ونظرته المظلمة. حيث أوهمها أنه رحل ليعرف ما تود فعله. فهو خبير بكيد النساء ومع ذلك يستطيع سحقهم.
شهقت خوفًا منه ليقوم بإخراج كل عصبيته عليها بالضرب والاعتداء. ولكن سرعان ما تناولت قارورة الماء وقامت بضربها على رأسه لتترنح. ومن ثم تهرع هي و تناست أنها كانت في هذه اللحظة من الممكن أن تأخذ حقها منه.
رواية غرام و انتقام الفصل الرابع 4 - بقلم مروة البطراوي
ارتفع برأسه بعد رحيلها ليبتسم بسعاده فبفعلته هذه و اوهامها للمرة الثانيه أنه أصيب تم الخلاص منها هو الأخر للأبد.. هربت وذهبت الي منزلها لكي تسرد علي شقيقتها ما حدث لعلها ترشدها للصواب.
استمعت ملك لكل ما حدث لتكمل ملاك قائله
-مش عارفه دلوقتي ان كان عايش و لا ميت...ملك تفتكرى لو جراله حاجه هيتهموني فيه؟ أنا ادمرت يا ملك بس و الله هو السبب منه لله.
زفرت ملك بحنق قائله
-كان لازم تنتهزى الفرصه و تبلغي عن اللي حصل ...بس ده كله مكنش هيفيدك في حاجه يا ملاك..انتي ناسيه انك حامل؟ يعني لو اتعرضتي علي الطب الشرعي مش هيبقي خطف و اغتصاب.
نظرت اليها ملاك بحزن تعلم أنها علي حق و كان لابد من التبليع عنه منذ حدوث أول الواقعه و لكنها انتبهت علي اقتراح ملك وهي تقول
-ملاك..تعالي نروح تاني بيت جده و نقابل مرات عمه دي و نشرح ليها الوضع و تعرفيها انه سفيان مش ابنها..يمكن ابنها ده يجبلك حقك.
ابتسمت ملاك بسخريه قائله
-اللي ملوش ضهر يا ملك بيضرب علي قفاه..هي ست زينا هيهمها حاجه واحده ان ابنها طلع كويس..و ابنها أكيد مش ملاك هابط من السما علشان يجبلي حقي.
نفخت ملك بضيق قائله
-لا بقي يا ملاك انتي اللي مش عايزة حقك يرجع..الأول ضيعتيه بحجه انك خايفه عليا..مع ان و الله ما كان يقدر يعمل معايا حاجه لأني قويه مش زيك.
صرخت ملاك من أعماق قلبها علي سوء حظها بل علي سوء اتخاذ للقرارات ها هو الحب الأعمي الذي جعلها لا تنظر الا لشئ واحد هو الفوز به فقط.
💗💗💗 #غرام_وانتقام بقلمي #مروه_البطراوى
في صباح اليوم التالي جائها اتصالا هاتفيا يتلحص في الأتي
-الدكتورجه النهارده متعور في رأسه.
جحظت ملاك بعينيها فهي علي درجه خوفها الا أنها كانت تتمني له الموت
-خسارة ان واحد زى ده ما يموتش.
اتسعت حدقه عيني عبد الغفور فراش المستوصف ليسألها بتوجس
-انتي اللي ضربتيه صح؟
أغمضت ملاك عينيها بمرارة
-أيوه و كان نفسي أموته و أخلص منه.
هز عبد الغفور رأسه بيأس قائلا
-مفيش فايده فيكي مش راضيه تخليني أساعدك.
تعالت ضحكاتها بسخريه قائله
-انتي هتساعدني و انت مش عارف تساعد نفسك؟
رد علي سخريتها بكبرياء قائلا
-أنا لقيت اللي يساعدك بعد ما عرف حكايتك لو عايزة ابقي بلغيني سلام يا ست ملاك.
🤗🤗🤗 #موكا_سحر_الروايات رواية #غرام_وانتقام
ياحبيبي كل شيء بقضاء ما بأيدينا خلقنا تعساء ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم بعد ما عز اللقاء فإذا أنكر خل خله وتلاقينا لقاء الغرباء
كانت تستمع الي كلمات الأغنيه وهي مرتعبه علي شقيقتها و علي ما فعلته بها...نعم فقد أرسلتها ملاك حتي تسرق المعلومات الخاصه بالعمليات المشبوهه التي كان يتم اجرائها ليلا بعد العمل فلقد تذكرت مكانها..كل الصدف كانت مخططه حيث حولت ملك بقوتها الي جاسوس عليه بدون أن يعلم ذلك..دلفت ملك الي المستوصف كمن دلفت الي أرض محتله رغم ضالته الا أنها شعرت أنه يحوى الكثير ككبار المستشفيات ..قبلت ملك أن تقوم بدور ملاك ليوم كامل لكي تقتنص حقها..قبلت بعقلها الواعي لكن قلبها كان يحدثها أن هناك مكروه سيحدث..أرادت أن تتخلص منه ومن ثم تحيا حياه هادئه مع شقيقتها..وتناست جيدا أمر أن يقوم بافتعال معها نفس الجرم المشهود.
منذ لحظة رؤيتها له و هو يقبل عليها و يسمعها أحلي كلمات الغزل وهي تشعر بانسحاب روحها غير قادرة علي تنفيذ ما عزمت عليه و ما ان وضع يده علي بطنها يسألها هل تم التخلص منه حتي قامت بركله في خاصته و هرعت مهروله الي منزلها و هو يستغرب ما فعلته معه..عادت الي منزلها تنتفض مما حدث تنظر الي ملاك و تتحدث بأسف قائله
-كنتي عايزاني أجبلك الورق اللي هيخلصك منه..وده علشان أنا قلتلك اني أقوى منك..بس للأسف يا ملاك أنا واحده كذابه كذبت علي نفسي.
لم تتحرك ملاك قدر أنمله نحوها وظلت ثابته في مكانها تتنهد بتعب قائله
-مش عايزة ورق..أنا عايزاكي انتي يا ملك..تفضلي زى ما انتي و تتعلمي من غلطي..اوعي تفتحي صدرك للدنيا أوى...لأنك هتطعني .
وضعت ملك يدها علي صدرها بخوف قائله
-شكلي عبيطه أوى يا ملاك..مكنتش أعرف ان الدنيا فيها بلاوى زى كده..كنت مفكرة ان موقف شاهر أكبر موقف كنت أتعرض ليه..بس للأسف في الأخطر.
هزت ملاك رأسها بحزن قائله
-لا يا ملك ..مش كله وحش ولا كله حلو..أهم حاجه قلبك اوعي تنجرفي بعواطفك قدام حد..و اوعي تطمعي في حاجه أكبر منك...بصي علي قدك.أنا مش هعيش ليكي العمر كله.
عقدت ملك ما بين حاجبيه قائله
-ليه بتقولي كده يا ملاك..ربنا يباركلي فيكي..ونموت سوا زى ما اتولدنا سوا...انسي يا ملاك..احنا ممكن نسافر في أي مكان و نبدأ من أول وجديد.
هزت ملاك رأسها توافقها الرأي قائله
-هيحصل يا ملك..أنا جالي شغل في أسبانيا .الحقيقه انه جالي من قبل ما أبعتك بس أنا اللي كنت مش عايزة أصل كنت متعشمه لأخر لحظة
كادت تسألها من أين جاء هذا العقد حتي طرق بابهم رجل غريب في العقد الخامس من عمره قطبت ملك جبينها فهي رأته للتو في المستوصف ليتنحنح العم عبد الغفور قائلا
-أدخل يا ملك..ولا هتخافي مني زى ما خوفتي من سفيان..بس كويس انك خوفتي..كان فاتك زى أختك دلوقتي و برضه مكنتش هقدر أعملك حاجه.
عقدت ملك ما بين حاجبيها قائله
-انت فراش المستوصف..صح أنا لسه شايفاك حالا..ايه ده انت كمان بتجسس عليه..وعارف اللي عمله لأختي..طب جايه ليه جاي تهددنا.؟
نظر عبد الغفور الي ملاك قائلا
-خليها تدخلني يا ملاك...كفايه فضايح..و كفايه عم محمد اللي تحت اللي استجوبني قبل ما أطلع...و الله يا ملاك انتي ضيعتي نفسك..كان ماله ابن الراجل؟
أدخلته ملك وصفعت الباب من خلفه لتريه أنها غير أبهه لمن يتحدث عليهم..ثم نظرت اليه باشمئزاز ومن ثم حولت أنظارها الي ملاك تستجوبها قائله
-ايه يا ملاك..أنا شايفه الراجل ده عامل نفس أب علينا..و نازل فيكي نصايح..ممكن أعرف انتي مش بتتكلمي ليه من ساعه ما دخل..و لما هو كده بعتيني ليه أجبلك الورق؟
تحدثت ملاك بصوت مرتبك قائله
-ملك..عم عبد الغفور حذرني من سفيان من أول ما اشتغلت عنده...هو و وفيه صحبتي...بس أنا ركبت دماغي...مش عايزاكي تتفاجئ...بس هو كتر خيره بعد اللي حصل جابلي عرض الشغل في أسبانيا بس أنا لازم أسقط العيل اللي في بطني يا ملك.
😁😁😁 #مروه_البطراوى جروب #موكا_سحر_الروايات
هي امرأه تعلمت الكثير من القيم مثل بقيه النسوة حين يعشقن..وحين يعطين بلا شرط...ولكنها افتقدت الانصاف..لعدم وجود عداله بالمشاعر..ارتضت لنفسها حياه غير صالحه...عشقت الطاغيه..منذ أن وقعت عينيها عليه..المقاومه في عشقه كانت ضعيفه للغايه..خاصة بعد اثارة الفوضي الغبيه بها...وتعليقها به..هو أيضا سحر بها و بجمالها...ولكن دائما يتمسك بها حتي في لحظات اعطاء الدواء الخاطئ دونما حس كان يريدها و يريد انهاء علاقته بها في أن واحد...تلك هي الأوقات العصبيه التي مر بها عقله...كان دائما يخطر علي باله لماذا هي التي تمسك بها عن غيرها و كانت الاجابه أنها الاختلاف..كان دوما يبحث عن حكاية مثل حكايتها..انسانه يطفو عليها التوتر الدائم..وليست نصا دراميا مثل ما رائه في الفتيات الأخريات بعد اغتصابهم..كانت أمامه واقعيه سلب منها شئ و لكنها تخشي أن تسلب شقيقتها منها...حقا قصة شقيقتها جعلتها بطله...
مكالمه طويله مع ملاك التي تقيم مع عبد الغفور الراعي لها بمدريد توسلت اليها ملك تعود عن قريب
ولكن صرخت ملاك باعتراض قائله
-مش هرجع تاني يا ملك.
كورت ملك قبضت يدها في محاولة منها لتتماسك أعصابها قائله
-ليه يا ملاك مش أجهضتي الطفل قبل ما تسافرى واتجوزتي الراجل الكبير في السن و سافرتي و سبتيني؟ارجعي بقي أنا محتاجه ليكي.
نظرت ملاك الي بطنها المتدليه أمامها و هتفت بحزن قائله
-منفعش أجهضه يا ملك..وبالتالي أنا منفعتش أتجوزه..أنا قاعده في البيت اللي اشتراه بس...هرجع ازاي بقي و حد هيصدق ان الراجل ده أبوه؟
عقدت ملك ما بين حاجبيها قائله
-كنتي بتكذبي عليا يا ملاك..انتي جنسك ايه..ليه بتعملي فيا كده أنا مش مسامحاكي ربنا ينتقم منك مش كفايه فضيحتي في قلب الحته انتي شيطان.
أخذت تكيل لها جميع الشتائم وزادت من انفعالها بالدعاء عليها و كأن الله استجاب لها توقفت ملاك عن الحديث عندما شعرت بالدماء تتدافق من بين رجليها لتنظر أسفلها و تتعالي أنفاسها و اضعه يدها علي قلبها التي تعاني منه و الذي بسببه منع عمل عمليات اجهاض لها و لكن تم أمر الاجهاض فعليا اثر الانفعال الزائد و لم يتم هو فقط لكن ذهبت معه ملاك لترتاح ملك من أفعالها و للأبد..دائما نقول ليس كل ما يتمناه المرء يدركه و لكن الأن أدركت ملك ما تمنته في شقيقتها و بلحظة انتهي أمرها و أمر الجنين.
😻😻😻 #غرام_وانتقام بقلمي #مروه_البطراوى
أخذ الليل أجمل نجومه وهجر..لتشرق شمس جديده و لكنها حرقت قلوبا باشراقها...أمس انتهت أثامها..وبداية جديده لنهايات لا نعلم منتهاها...وصلت بها الطائرة الي مدريد وهي في حالة حزن شديده علي فراق شقيقتها..من المفترض أن ترسل لتدفن بالأراضي المصريه و لكنهم لم يسمحوا لها بذلك فبعث عبد الغفور بتذكرة طيران لكي تزور قبر شقيقتها..كانت تأمل أن يكون ذلك حلما و تفيق منه أو يكون قد داهم شقيقتها غيبوبه ولكن منذ أن رأت القبر أمامها و مكتوب عليه اسمها حتي انهارت أمامه و انهارت كل قواها.
صرخت صرخه كبيرة حتي أن زوار القبور تضايقوا وكادوا يبلغون الشرطه عليها حيث انهارت قائله
-لااا..يا ملاك..لااا..انتي بتشتغليني زى كل مرة..كل ده مزيف حتي القبر..انتي عملتي كده علشان أشيلك من دماغي صح؟....يا ملاك أنا مليش غيرك.
ربت عبد الغفور علي كتفيها بعد ان قام بالاعتذار من الزوار و ترجاهم بعدم ابلاغ الشرطه و حني عليها قائلا
-البقيه في حياتك يا ملك..دي حقيقه مش كذب المرة دي..أختك كانت مريضه قلب وكان ممنوع ليها الاجهاض كنا هنولدها قبلها بفترة لأنها مش هتستحمل الطلق.
أخذت تهز رأسها ترفض حديثه قائله
-لااا..اختي كانت كويسه..انت كداب..انت تبعه ..مش راجل كويس ولا حاجه..انت ساعدته انه يوصل ليها في الأول و بعدين دمارها...
احترق قلبه مما سمعه لتستطرد هي بألم قائله
-ارجعي يا ملاك..طب حتي هاتي البيبي يكون عندي ذكرى منك..مش يبقي كله يا ملاك..أنا ضيعت أنا مش هقدر أعيش من غيرك...ياريتني ما دعيت عليكي.
رفعها عبد الغفور و عانقها ليهدأ من حزنه لتنتفض و تبعده عنها قائله
-أنا السبب في كل حاجه..أنا طماعه..خليتها تروح تشتغل علشان تصرف عليا و أخد شهادتي..ملعون أبو الشهاده..أنا انتهيت..ملاك احنا اتولدنا سوا..كان نفسي نموت سوا.
ذهب عبد الغفور لخارج المقابر حيث هاتفه هادي..هادي من يوم اتهام والدته ظل يبحث عن هذه الشخصيه التي اتهم بها و لقربه من عبد الغفور سأله شخصيا..أخبره عبد الغفور عن اسمها الأول فقط ..أصر هادي علي مساعدتها بشتي الطرق و هو من عرض عليه عرض مدريد لكي تبني لها حياة جديده كل هذا و لا يعلم أنها شقيقه ملك حبيبته و عشقه المتغيب منذ فترة ..هو مساعد خفي لملاك بعد أن أكد له عبد الغفور أنها اغتصبت علي يد سفيان..الذي انفصل عنه و بعد عنه بمنزل له ولوالدته التي لا تريد التحدث معه لاعتقادها أن من رأتها في صور هاتفه مغتصبه علي يده ظنا منها أنها ملك ولا أحد يعلم بسر ملك وملاك سوى عبد الغفور التي ترجته ملاك ألا يبوح بهذا السر..ولكن انتهي الأمر فهادي جاء الي هنا وهو من ساعد ملك لتأتي هي الأخرى هنا بالمال لتيسير السفر..أخبره عبد الغفور أن شقيقه ملاك بالمقابر ..دلف هادي اليها ليواسيها بعد أن ترجاه عبد الغفور أن يكون حنونا معها..ربت هادي علي ظهرها بحنان وهي جالسه أمام المقبرة علي ركبتيها
-البقاء لله.
صوت تعلمه جيدا و لكن لما هذا الصوت هنا اهي أمنيه أن تسمع صوته أم هو حقيقه..التفتت ببطء لتجده هو صاحب الصوت لتجحظ عينيها بذهول..هو الأخر اتسعت حدقه عينيها قائلا
-ملك!...انتي ايه اللي جابك هنا؟
ا عرض أقل
رواية غرام و انتقام الفصل الخامس 5 - بقلم مروة البطراوي
تعالت ضحكاتها بسخرية لدرجة أن نفس الأشخاص تعجبوا لانفعالاتها وأخذوا يرددون كلمة "crazy".
ظلت تشير إلى المقبرة بحركات هستيرية وهو ينظر إليها وإلى عبد الغفور عن بعد، ليستطرد قائلاً:
"أنا بدور عليكي في الجامعة بقالي فترة.. بس الغريب إني ألاقيكي هنا.. هو انتي مسافرة تكملي تعليمك هنا؟... بس بتعملي إيه قدام مقبرة المرحومة؟"
ابتسمت بسخرية قائلة:
"أمر ربنا بقي.. إيه مش واخد بالك من الاسم ولا حاجة... دي ملاك أختي.. وبعدين إنت إيه اللي جابك هنا.. أخوك مات إنت كمان وجاي مدريد علشانه؟"
جحظ بعينيه عندما أخبرته أنها شقيقتها، هو لم يجهد حاله يومًا ما لمعرفة اسم ملاك بالكامل، ترك كل شيء بيد عبد الغفور. هنا تذكر كلمات والدته عندما اتهمته باغتصابها وأكدت له أنها رأت صورتها بهاتفه، لم يجهد حاله في البحث والتدوير في هذا الأمر وها هي النتيجة.
حاول مداراة الأمر قائلاً:
"أنا عارف المرحومة بالاسم بس.. عمري ما شفتها.. انتظرت اليوم اللي تيجي فيها علشان أعزيكي.. البقاء لله.. بس متوقعتش إنك تبقي أختها."
نظرت له ملك شذارا قائلة:
"عارف المرحومة ومحاولتش مرة تساعدها.. إنت تعرفها منين إنت كمان.. تكونش إنت والواطي صاحب المستوصف اللي اغتصبها؟"
"أصحاب.. طبعاً دلوقتي تلاقيك مستغرب."
أكد له استغرابه قائلاً:
"أكيد مستغرب.. أصل أنا معرفش إن ليها أخت إلا لما ماتت.. والمفروض إني مش أهتم للأمر.. بس أنا طول عمري بهتم لأمر غيري."
تذكرت ملك طلب العون له ورفضه مساعدتها فاستهزأت به قائلة:
"استني استني... مين ده اللي طول عمره بيهتم يساعد غيره؟.. الدكتور هادي باشا؟.. الكلام ده تضحك به على عقل أختي.. أو الدكتورة نادرة."
واستطردت بوقاحة أكثر قائلة:
"إيه نسيت يا هادي.. إنت لو تعرف حكاية ملاك وفعلاً ساعدتها زي ما بتقول.. كنت يومها وأنا بتصل أستنجد بيك فدتني.. بس للأسف إنت طلعت واطي."
تنهد هادي قائلاً:
"هي يومها جاتلنا الفيلا الصبح.. بعدها جدي توفي.. وإنتي اتصلتي في نفس الوقت يا ملك.. ووالدتي كانت شادة معايا وأموري ملخبطة."
شهقت ملك جاحظة وقالت:
"لا مش معقول إنت أخو المجرم.. وجالك عين يا واطي تقبل إن أخوك يعمل كده مع ملاك.. طب وكنت عارف إني أختها صح.. أه ما إحنا لقمة طرية."
حزن لما تتفوه به ورد قائلاً:
"الواضح إن مهما أبرر أي حاجة إنتي عمرك ما هتصدقي.. بس عايز أقولك حاجة أنا مش واطي زي ما إنتي فاهمه.. لو أقدر أجبره على جوازتها كنت عملت."
هزت رأسها بيأس قائلة:
"مفيش حاجة تطفي النار اللي جوايا غير إن إني أنتقم منك ومنه.. إنت عارف إني مليش غيرها.. عارف إنها عمرها ما أذت حد.. ذنبها الوحيد إنها حبته."
أغمض عينيه بتعب قائلاً:
"سنين وأنا شايل وصمة عار أبويا على كتفي.. أبويا الخالق الناطق هو.. وهو كمل مسيرته.. عمرك ما هتحسي إحساس إني ديما متهم علشان أبويا قذر."
ابتسمت ملك بسخرية قائلة:
"كنت هقدر كل اللي إنت بتقوله ده.. بس لو كنت صارحتني بالحقيقة.. إنت واحد كداب يا هادي... مش هصدقك حتى لو عبد الغفور التابع بتاعك أقسم لي."
"عن إذنك."
ذهبت إلى منزل عبد الغفور لتمكث به وسط ذكريات شقيقتها التوأم. أما عن توأمها فكانت في عالم يجمعها بوالدتها وأبيها. تحسرت الأخرى وتمنت أن تكون بنفس العالم لتشبع رغبتها في ضمهم واشتمام رائحتهم. أه لو يعيدكم الزمن لأشم رائحتكم فقط.. شعور يتدفق بداخلها يحجب عنها الهواء، تريد رؤيتهم.. نسيمهم يجتاح حرارة روحها... تود أن تذهب في نومتها الأخيرة... لتفيق على تلك الضمة...
عند سفيان، بعد اختفاء ملاك ارتاح كثيراً حتى أنه لم يجهد حاله في البحث عنها، خاصة بعد ما تسببت في الانفصال عن ابن عمه. عزم أمره على السفر ولكن أراد أن يفتعل شيئاً بصديقته الجامعية التي رفضت الارتباط به. ومع ذلك هاتفته لتقوم بواجب التعزية. عرض عليها أن تأتيه لتقابله في الفندق الذي يمكث به قبل سفره. لم تتردد ولم ترفض طلبه بل امتثلت إليه. وكعادته كان يجلس في المقعد أمامها وهي على فراش غرفته.
استيقظت رويدا ونظرت حولها بقلق لتجدها غرفة أنيقة لا تناسب غرف الفندق... لتعلم أنها الآن في بيته وتتأكد أنها وقعت في الفخ، خاصة أنها أغلقت هاتفها حتى لا يعرف موقعها من خلال أي جهاز تتبع يضعه والدها أو زوجها الطبيب، نظراً لعمل والدها بأمر الاتصالات.
نظر إليها بسخرية قائلاً:
"صبحية مباركة."
نهضت وهي تمسك رأسها تفركه من الصداع من أثر المشروب الذي احتسته معه، ونظرت إليه بتشويش. ثم انتبهت للمكان الذي فيه وانتفضت بذعر قائلة:
"إنت جبتيني هنا إزاي؟"
عقد ذراعيه فوق صدره وتنهد بارتياح وابتسم بتشفي قائلاً:
"قلت لك هجيبك يا حلوة.. هتروحي مني فين يا نهال؟.. العجيبة إني متعبتش نفسي زي ما تعبت مع غيرك.. إنتي اللي حبيتي توجبي معايا.. بنت أصول."
عقدت ما بين حاجبيها بخوف شديد قائلة:
"إيه اللي إنت بتقوله ده.. هي دي جزاتي يا سفيان؟.. ثم لطمت خديها وبعدين أنا عملت ليك إيه.. بابا هو اللي رفضك.. ثم وجهت سبابتها تضربه في صدره بكل غضب.. وأنا قلت لك مستعدة أهرب معاك إنت اللي رفضت."
اتسعت حدقة عينيه بسخرية قائلاً:
"ده اللي قدرتي عليه.. أهرب معاك يا سفيان.. طب وأنا أصرف عليكي منين يا روح سفيان.. إنتي اللي أخدتي رفض أبوكي حجة وجريتي عند الدكتور خالد ابن شريكه."
جاءت لتبرر له موقفها ولكنهم والها ظهره واستطرد بحقد قائلاً:
"طول عمرك وإنتي في الجامعة كنتي مادية.. استغليتي شطارتي وبقيتي تطلعي وتنجحي على أكتافي.. كنت كل أما أقولك عايزة أتجوزك تطمنيني."
جحظت بعينيها عندما رأت كل الحقد بداخله. نعم هي مخطئة عندما جاءته برجليها، ولكنها كانت لا تتوقع أن تنحرف بها القاعدة إلى الأسفل. صرخت قائلة:
"هو إنت كده بتنتقم صح؟.. طب هتستفاد إيه من انتقامك؟"
ولكن لن تعطيه فرصة ليتشفى بها وينتقم منها، ففضحت بسخرية منافية للخوف الذي دب بها، حتى أنه ظهر على تقاسيم وجهه وهي تحاول إظهار الثقة:
"عادي محدش يعرف إني معاك دلوقتي وأنا أصلاً متجوزة جوزي مش هيقفشني."
انتفض واستدار إليها بغضب قائلاً:
"في ثانية هقول كل حاجة.. وكله بالإثبات من ساعة ما اتصلتي تعزيني يا متجوزة... بس حظك بقي إني مسافر وهعيش حياتي بره المستنقع ده."
انتفضت هي الأخرى من تهديده واختارت الصمت والذهاب بهدوء حتى لا يكشف أمرها على يديه وترمي في الشارع من قبل والدها وزوجها. ولكن هي لم تصمت للأبد مثل غيرها.
هاتفها بعد أن سمع من عبد الغفور أنها تود المكوث في مدريد عوضاً عن شقيقتها وتعمل في مجال التمريض ومن ثم تستكمل دراستها. كل هذا أثار ضيقه. ردت على الهاتف وهي لا تعلم من يهاتفها ليأتيها صوته:
"أنا عارف إني مقدرش أغير اللي في دماغك خصوصاً وإنتي في حالتك دي بس أنا هساعدك تعملي اللي انتي عايزاه بس هحاول أبقى معاكي بس ظروف والدتي صعبة أوي.. أوعديني يا ملك لو أنا مرجعتش ليكي تاني أوعي تتهزي وتكملي تعليمك أنا عايزك ديما ناجحة."
شعرت بدقات قلبها كلها تنبض دفعة واحدة... تحسست جبينها لتجد نفسها ساخنة. نظرت إلى يدها ووجدتها متبللة بالعرق بالرغم أنهم في موسم الشتاء وما أدراكم بموسم الشتاء في مدريد... انتفض جسدها لما قاله وتمسكه بها رغم تهربها منه. نطقت بدون وعي منها قائلة:
"بتقول إيه؟.. هتسيبني من غير ما تجبلي حقي وحق أختي من أخوك للدرجة دي إنت جبان وللدرجة دي حبك لأخوك؟"
رد عليها بصوت غاضب لم تعهده فيه من ذي قبل حتى أنها ارتعدت فرائصها لصوته الجلي وهو يصرخ فيها قائلاً:
"متخافيش يا ملك هجبلك حق أختك بس أطوله لأنه سافر ومش عارف سافر فين وبعدين ده ابن عمي مش أخويا."
كان يرد عليها وأنفاسه تتلاحق إلا أن تنفس بهدوء وكأنه يلتقط أنفاسه بعد عدو ماراثوني. ومن ثم أغلق هاتفه في وجهها لا يريد سماع منها توبيخاً أكثر وعزم أن يعود إلى موطنه وتركها ليعود لها مجدداً.
ثاني يوم عودته ذهب إلى الجامعة. وفي فترة اختفاء ملك تقربت منه نادرة أكثر وتمنت عدم التقائه بها مجدداً... ولكن عاد متغيراً مما أثار ريبة نادرة وظلت تطارده لتعلم ما يدور بداخله لدرجة أنه ثار عليها قائلاً:
"في إيه يا نادرة.. مالك ارحميني.. أنا واحد راجع من سفر ومرمطت كام يوم في بلد مش بلدي وإنتي زن زن زن... أنا كويس بس تعبان."
اقتربته منه وعانقته رغماً عنها قائلة:
"مامي يا هادي مصممة إنك تيجي تخطبني.. بتقولي الناس بقوا يتكلموا كتير وخلص الحداد بتاع جدك وانت ظروفك اتحسنت وهتفتح مستشفى خاص."
أخرجها من أحضانه بضيق قائلاً:
"أنا مش جاهز دلوقتي يا نادرة.. في حاجات حصلت معايا وأنا مسافر خلتني أعيد حساباتي.. بصي يا نادرة أنا موعدتكيش بحاجة.. ولا ضحكت عليكي."
أخذت تتمايل عليه ولا تبالي كلماته لكنه تملص منها فنهض بحدة قائلاً:
"إنت مش واخدة بالك إحنا فين يا دكتورة.. إحنا في حرم جامعي.. وميصحش الأمور دي تخرج من دكتورة بتعلم الطلبة.. اتفضلي على مكتبك."
بعد انتهاء عمله ذهب إلى المستوصف الذي باعه سفيان إليه في مقابل حفنة من المال ليكون باسم هادي الوزير ويكون ما تم به عائداً إلى هادي.
دلفت إليه وفيه بعد ما علمت من عبد الغفور فراش المستوصف أنه الحامي الأكبر لملاك. استأذنت منه قائلة:
"حمد الله على سلامتك يا دكتور هادي.. إيه أخبار ملاك.. ولدت صح.. طب والبيبي ولد ولا بنت.. واتسجل باسم مين.. أنا آسفة بس هي وحشتني. ونفسي أسافر ليها."
كانت تفرك يديها بقلق وهي تسأله كل هذه الأسئلة دفعة واحدة ليرد عليها بجمود قائلاً:
"تسافري فين بقي يا وفيه.. كل شيء راح.. ملاك تعيشي إنتي وكنت مسافر علشان أشوف أختها وأعزيها وأعرض عليها أي مساعدة."
أغمضت وفيه عينيها بحزن وتنهدت قائلة:
"الله يرحمها.. هي كانت تعبانة من قبل ما تحمل وكانت مش عارفة تعمل إيه ولا تخلص منه إزاي... كان نفسها يبقى بعيد عن أختها الصغيرة."
مال بجسده إلى الأمام باهتمام وابتلع ريقه وسألها:
"وهو إنت كنت تعرفي إن ملاك ليها أخت؟ بس ثواني كده ملك مش أختها الصغيرة يا وفيه.. ملك أختها التوأم.. الفرق إن ملك في كلية الطب."
اتسعت حدقة عين وفيه بذهول قائلة:
"إزاي.. لا دي عيلة وفي ابتدائية كمان.. وكان ديما الدكتور سفيان يقولها هخطفها وأخلي عيل لا مؤاخذة يغتصبها ويقتلها وآخد أعضائها."
جحظ هادي بعينيه فهو لم يستوعب ما تحدثت به وفيه. هنا علم لماذا تفاجأ بملك كشقيقة لملاك.. لماذا اتهمته والدته باغتصاب ملاك.. أخفت ملاك سراً خطيراً أن ملك شقيقه توأم لها.
العبور أم الدخول؟ وهل هناك فرق؟.. الفرق دوماً في اختيار الأفعال ومن ثم ردة الأفعال... لابد أن تعلم هذا عن ظهر قلب... كونك كتبت أغلب قراراتك بخط يدك...
كانت تجلس بمنزل شقيقتها بمدريد ودلف إليها عبد الغفور ليلبي طلباتها فسألته بدون وعي منها قائلة:
"أخبار هادي إيه؟"
ابتسم إليها قائلاً:
"قلقان عليكي وسايبني هنا أراقب خطواتك وأقولها ليه."
ضحكت ملك بسخرية قائلة:
"معنديش أدنى شك في كده."
اتجه نظر ملك نحو صورة شقيقتها ملاك قائلة:
"وإنت طبعاً متقدرش تخبي عنه حاجة.. لأنك جبان زيه.. كنت مفكراك الحكيم الوحيد في الليلة دي بس للأسف طلعت زيك زي سفيان زي هادي."
جاءها اتصال هاتفي.. لم تتوقع أن يحادثها.
رواية غرام و انتقام الفصل السادس 6 - بقلم مروة البطراوي
قلما يتم الاتصال من شقيق الجاني إلى شقيقة المجني عليها. نعم هو ابن عمها، ولكن بفعلته اعتبرته شقيقها.
أعطت الهاتف لعبد الغفور ليرد عوضًا عنها، ليصيح هادي في أذنه قائلاً:
- أنت بترد بدل ملك ليه؟ ملك جرى لها حاجة؟ انطق اتكلم. ولا هي مش عايزة تكلمني؟ قولها مش بمزاجها. أعطيها التليفون ترد عليا بدل ما أرجع لها.
بأيدي مرتعشة قام عبد الغفور بإعطائها الهاتف، لتجذبه بعنف وتزفر بحنق قائلة:
- أنت عايز مني إيه يا هادي؟ أوعى تفكر إني مصدقة حوار إنك قلقان عليا. أنت بتراقبني لهدف أنا عارفاه كويس. أقولك إيه؟ عايز تعمل فيا زي ما الزفت عمل في ملاك.
جحظ هادي بعينيه قائلاً:
- إيه اللي أنت بتقوليه ده يا ملك؟ أنا يا ملك تشكي فيا بالطريقة المهينة دي؟ ده أنا حافظت عليكي وأنتي طالبة عندي. لو عايز كنت عملتها.
تنهدت بتعب قائلة:
- هادي أرجوك، كفاية بقى اللي شفته من ورا عيلتك. متحاولش، أنا مش هرجع مصر. ولو رجعت صدقني مش هتعرف مكاني لأني مش كاتبه في عنوان الجامعة. ونادرة لما عرفته عرفته عن طريق شاهر والزفتة اللي كنت مفكراها صاحبتي. وطبعًا استحالة هتسأل نادرة لأنها مش هتقول لك.
تنهد براحة قائلاً:
- عارفة على قد ما أنا مضايق إني مش عارف عنوانك في مصر، إلا إني مبسوط جداً من دماغك في عدم ذكر عنوان البيت.
جزت ملك على أسنانها بغل وردت قائلة:
- أنت لازم تنساني يا هادي وتسيبني أكمل معركة سفيان بنفسي، أو أنساه هو كمان. ما هو مش معقول هفضل عايشة عشان أنتقم من واحد زبالة زي ده.
سخر هادي من ملك قائلاً:
- آه، والمفروض إني أصدقك إنك ممكن تتصرفي نظر عن الانتقام من سفيان؟ لا يا ملك، أنا عارفك كويس ومن قبل ما يحصل ده، ما بالك بعد اللي حصل.
ردت عليه ملك بعصبية قائلة:
- أنت مالك؟ أنا حرة. وأنت مجرد واحد ساعد أختي وبس. وكل قرش بتبعتُه هنا مش بيتصرف، أنا بشتغل وبصرف على نفسي ومصيري أكمل دراستي.
ابتسم هادي بسخرية قائلاً:
- مش قلت لك اللي حصل غيرك؟ ياريته ما حصل يا ملك. كان نفسي تفضلي على براءتك اللي حبيتها فيكي. أرجوك يا ملك تعالي ننسى اللي حصل.
تعالت ضحكاتها قائلة:
- اللي هو إيه يا هادي؟ طب أنا لو نسيت أختي اللي ماتت على إيد حد من عيلتك؟ أنت مش خايف يرجع يقرب منك ويفتكرني ملاك ويفضحني؟
رد عليها بهدوء قائلاً:
- مش هيقدر، لأنك مش ملاك. أنتِ ملك. ساعتها هاحط شهادة وفاتها قدام عينه. وهعرفه إنك أختها وهبعده بعيد عننا. أرجوكي يا ملك.
نظرت ملك إلى عبد الغفور، وجدته يتابع حديثهم، فلمعت فكرة خبيثة في رأسها، وهي أن العناد لا يجدي شيئًا، فحاولت إظهار أنها على أتم استعداد للتفكير، فردت قائلة:
- حاضر يا هادي، هاحاول عشان خاطرك. بس أرجوك مش دلوقتي. أعطيني فرصة أنسى. وكويس إني بعيدة. هرجع بنفسي من غير ضغوطات.
ود أن تكون أمامه ليقوم باحتضانها، فرد عليها بفرحة عارمة قائلاً:
- يااه على الراحة اللي بعتيهالي من عندك يا ملك. أيوه كده يا حبيبتي. صدقيني أنا الفترة اللي جاية مش هضغط عليكي. حتى لو عايزاني أمشي عبد الغفور همشيه.
سخرت من داخلها قائلة:
- لا يمشي يروح فين؟ ده الخير والبركة برضه. ده كفاية إنه كان هيتجوز ملاك ويتستر عليها وينسب طفل له. أعتقد محدش بيعمل كده بالساهل.
ابتسم هادي قائلاً:
- أنتي أدرى يا روحي. اعملي كل اللي يريحك طالما راجعالي. بس بالله عليكي بلاش قسوة على نفسك وشغل ليل ونهار ده اللي هيخليكي لسه فاكرة.
بالفعل هي لم تنسَ أي أمر مر بها خاصة من عائلته. انتظر ردها طويلاً فاستطرد هو حديثه قائلاً:
- ملك، أنتي وحشتيني أوي. بلاش تبعديني عني تاني، علشان أنا بضيع في بعدك. بس أنا ربنا بيحبني إني لقيتك بعد غياب. خليكي معايا ديما.
تذكرت نادرة لتشك من طريقة حديثه أن ضياعه كان سيكون معها، فحذرته ولا تعلم لما. وهي عازمة أن تزيله من حساباتها، إلا أنها تعتبره ملكية خاصة، فأردفت قائلة:
- أوعى مكاني في قلبك حد تاني يسكنه. أنا عارفة إن غيابي صعب. وممكن تكون الدكتورة نادرة استغلته كويس. بس صدقني أنا مش غيرانة منها، أنا خايفة عليك.
انفرجت أساريره من السعادة نظراً لتحذيرها ورد قائلاً:
- أخيراً. قلت لك يا ملك أنا ربنا بيحبني. كنت أتمنى أسمع منك الكلام ده وإنك خايفة عليا. أنا أتمنى تغيري عليا مش تغيري منها، وأنتي كده.
ضحكت من داخلها بسخرية قائلة:
- ابقي سلملي عليها. تصدق وحشتني هي ونظراتها المستحقرة ليا. آه وأخبار شاهر إيه؟ يا ترى فصلته من الجامعة يا هادي؟ ولا لسه مكمل؟
بعد مرور ثلاث أسابيع من الحادث، كانت نادرة تقف أمام المرآة ترى نفسها. دخلت والدتها إليها تنظر إليها بانبهار على جمالها الأخاذ للغاية. ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت:
- إيه الجمال ده يا نادرة؟
ابتسمت نادرة في سعادة وأخذت ترفع أكتافها بغرور قائلة:
- حلوة بجد؟
ردت والدتها بثقة وقالت:
- جداً يا نادرة.
ثم استطردت بغرور:
- عرفتي ليه سميتك نادرة؟ علشان لما اتولدتي كان جمالك مغطي على كل اللي اتولدوا يومها.
ابتسمت نادرة قائلة:
- تفتكري بعد اللي حصل لهادي ممكن يشوفني زي ما أنتِ شايفاني كده؟
ردت والدتها في زهو:
- وليه لا؟ هو أنتِ شوية؟
تعالت ضحكات نادرة ثم التقطت حقيبتها وتوجهت نحو والدتها وقبلتها وقالت:
- يبقى لازم متأخرش عليه وأكون أول واحدة يشوفني بعد ما فاق. سلام يا ماما.
ثم خرجت من غرفتها ووالدتها خلفها قائلة:
- ما تخافيش يا نادرة، كل اللي نفسك فيه هيحصل.
عادت إلى وطنها بدون أن تخبره. أرادت العيش بمفردها خاصة بعد ما علمت من عبد الغفور أن نادرة تلازمه. بعثرت في أشياء شقيقتها الراحلة لتجد الخط الخاص بها الذي تركته قبل سفرها إلى مدريد. وضعته في هاتفها لترى الأسماء به، فاكتشفت وجود رسالة نصية يعود تاريخها إلى بعد سفرها بخمسة أيام. كانت رسالة يهددها أن لم تأتِ لمقابلته سيختطف شقيقتها الصغرى.
جحظت عينيها بذهول. من هذا الرجل الذي من بعد ما فعله فيها يهددها؟ كان يقتلها نفسياً أكثر من أنه يميتها بيده. كل تاريخه معها بذئ، بداية من أوهامها الحب ومن ثم اغتصابها وإجبارها على مرافقه كعشيقة، وما أن حملت بأحشائها طفل منه استكره. وما أن ارتاحت منه يعود ليفسد حياتها ويهددها بكل بجاحة وجبروت برسالة ويرغمها على مقابلته من جديد كما لو أنها ملكه.
قامت ملك بالاتصال بشركة الاتصالات وإخبارهم أن مالكة الخط توفت لكي يقوموا ببيع الخط لآخر حتى لا يستطيع الوصول إليها. تحمد ربها أنه لا يعرف المكان الذي تقطن فيه. لو كان يعلمه لكانت بعثرت بمكانها.
رواية غرام و انتقام الفصل السابع 7 - بقلم مروة البطراوي
فتح هادي عينيه ونظر إلى نادرة قائلاً:
"نادرة!... عرفتي منين إني فوقت؟ ده لسه محدش جاني."
"لأن طلبت من الدكتور ميبلغش البيت عشان أعصاب أمي... إنتي عارفة كفاية اللي كنت فيه."
نظرت له نادرة بهيام:
"صباح الخير الأول يا هادي.. حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. خوفتنا عليك.. وبعدين صعب أوي إني مش أتابع حالتك، ده أنا أول واحدة عرفت."
اقتربت منه تكاد تقبله، ولكن ابتعد عنها.
"إيه مش وحشتك ولا إيه.. ده أنا قلت الحادثة هتغيرك.. إنت لسه زعلان مني.. ده أنا بحبك يا هادي.. كنت هتجنن عليك الأسابيع اللي فاتت."
نظر إليها مجدداً:
"أنا عايز تليفون جديد لو سمحتي وعايز حد يرجعلي الخط ده لو كان ضاع.. إنتي كنتي معايا الفترة دي كلها صح؟ حد اتصل بيا أو حتى بعت رسالة."
هزت رأسها بتفهم لما يرنو إليه، والمفاجأة أنها كانت صريحة:
"آه، رقم خارجي أعتقد مدريد لواحدة اسمها ملاك.. اتصلت كتير وكنت ديما أرد عليها مش بترد.. بس في الآخر بعتت رسالة وقالت إنها كده اطمنت عليك."
رد هادي باقتضاب:
"طيب.. لو سمحتي رجعيلي الموب والخط لأني محتاجهم.. والمفروض إن الموب ده خاص بيا، لو هيبقي مع حد يبقى مع أمي مش معاكي."
تضايقت نادرة من رده وزفرت بحنق قائلة:
"إيه يا هادي هو أنا أجرمت؟ وبعدين ما هي مامتك هي اللي عطتني التليفون باعتبار إننا زمايل وفي مكان واحد عشان لو في حاجة أقدر أحلها."
لاحظ في عيونها الغيرة القاتلة، فاحتد عليها قائلاً:
"وماله، معنديش أي مانع بس لما تلاقي رقم بيتصل بيا كتير، ساعتها هنا أمي اللي تدخل مش إنتي.. إنتي مش بس ادخلتي، لا إنتي بحثتي عن الرقم."
ردت عليه بنفس الحدة:
"بقولك إيه.. اصرف نظر عن الحوارات دي خالص، إنت بتاعي وبس يا هادي.. وعلى فكرة فترة الغيبوبة أمي وأمك تقريباً اتفقوا، ده حتى مامتك بتشتكي منك أوي."
نظر إليها بغضب، لتتبسم بشماتة وترحل.
ظلت طيلة الطريق تتأكل من الغيظ وعزمت أمرها مهاتفة شاهر ليتضايق من اتصالها:
"إيه يا دكتورة.. مش قلت ليا أبعد عنك عشان الدكتور هادي.. أديني بعدت أهو.. خير، الدكتور مش سادد معاكي ولا إيه.. بس إنتي اللي غلطانة."
ارتفع صوتها بغضب:
"أنا فعلاً غلطانة عشان بتصل بواحد زيك.. أنا كان قصدي مصلحتك وبعرفك إن أنا عرفت مكان الهانم.. بس حتى لو قلت ليك إنت خايب."
ضحك بشيطانية:
"شطورة، أزغرط.. حتى لو قلتي ليا مكانها وفرضاً إني حبيت أروح ليها، هي هترفضني حتى لو هي في احتياج ليا.. يا دكتورة نادرة، ملاك مش من النوع المجازف."
جزت نادرة على أسنانها:
"إنتي عبيط يا شاهر.. هي هربت بعد اللي عملته معاها لأنها اتأكدت إنك هتفضحها.. بس ده كان اعتقادي واعتقادك.. للأسف بقي إحنا طلعنا عبطة بجد."
ابتسم شاهر بسخرية:
"أيوه إحنا عبطة فعلاً.. بس مش عشان هي ذكية.. لااا.. عشان حاولنا نلعب بمشاعر وسمعة بنت ملهاش ذنب غير إن الدكتور بتاعك حبها."
استمعت إلى كلمة الحب الذي ألصقها شاهر بهادي ليزيد الحقد بقلبها، ليستطرد هو بتلاعب قائلاً:
"دكتورة نادرة، أنا رأيي تحلي عنه وتبعدي، أكيد هتلاقي حد يحبك في يوم من الأيام.. ولو ملقتيش أنا موجود.. أينعم أصغر منك بس ممكن أكبر على إيدك."
عادت إلى منزلها تجر أذيال الخيبة، شارده.
"نادرة."
أفاقت على صوت والدتها حسناء تنظر لها:
"سوري يا ماما، بالي مشغول شوية."
أومأت حسناء رأسها بابتسامة:
"وإيه اللي شاغل بال نادرة حبيبتي؟"
ابتسمت نادرة بمرارة:
"مفيش غيره."
كان بمفرده في غرفته بالمشفى وأراد جذب كوب، فأسقط الكوب والزجاجة لتهرع الممرضة الجميلة شدوة التي أخذت بيده لكي تعدله على الفراش ليتحدث بأسف قائلاً:
"أنا آسف معلش، نسيت إن المفروض أضرب الجرس عشان أي حد يجيبلي مياه.. معلش بقي لسه فايق امبارح.. رغم إني دكتور وعارف."
ابتسمت شدوة:
"بسيطة ولا يهمك، وحمد الله على سلامتك مرة تانية.. متتبقاش تتعب نفسك وتقوم تاني علشأن الجرح."
"احم، ممكن سؤال.. إنت أخو الدكتور سفيان؟"
نظر إليها بتوجس:
"لا، ابن عمي.. وعلى سيرته ياريت متتهربيش وتقولي أعرفه معرفة سطحية.. ياريت تقوليلي الحقيقة عشان لو ليكي حق إنتي كمان أجبهولك."
ابتسمت شدوة بسخرية:
"شكراً يا دكتور، أنا حقي عرفت أجيبه بإيدي.. الكاس اللي كان هيشربه ليا شربه هو وأنا هربت ومعرفش يوصلي، بس للأسف وصل لواحدة تانية."
اعتدل هادي في جلسته واستمع إلى كل التفاصيل التي سردتها عليه شدوة، وأخذ يفكر في طريقة يصل بها إلى ملك. إلى أن أخبرته شدوة بمن يعرف طريقها، ألا وهو ممرض كان يقوم بتوزيعهم على المستوصفات، من الممكن أن يكون لديه هذه البيانات.
بعد مرور سبعة أشهر.
لم يبدأ استقرار تلك الفتاة المعزولة في المنزل إلا بعد عدة أيام من عثوره عليها. هبط من سيارته الفارهة والتي أثارت استغرابها عندما كانت تنظر من نافذة منزلها. التف حوله مجموعة من العاطلين من شباب الحارة، بدأ بالسؤال عن أي منزل تقطن وتراودت الأسئلة حوله، ومنهم من كان يريد إثارة الفضيحة لها، ولكن صاحب المنزل الذي تقطن به جلس معه وتفهم طلبه جيداً ومن ثم صعد معه.
جلست ملك أمامه تنظر إليه تريد معرفة ما بداخله، حتى نطق هادي قائلاً:
"شهور بدور عليكي."
كاد أن يرق قلبها، ولكنها حاولت إخفاء ذلك وأظهرت بعض الغضب، ليسألها بتوجس قائلاً:
"ليه محضرتيش الترم ده وضيعتيه عليكي.. لسه برضه بتفكري في موضوع شاهر؟"
شردت ملك في الفراغ وتذكرت أن هذا الموضوع تزامن فيما حل معها، وأنه يريد عدم التحدث عن شقيقتها، ليتأكد أنها من النوع المتهرب، ليواجهها قائلاً:
"ملك... إنتي جبانة؟"
انتبهت لنعته لها بالجبانة وأفاقت من شرودها قائلة:
"اعتبرني جبانة.. وجبانة من مجيتك هنا اللي هتخلي أهل الحارة يتكلموا عني.. مجيتك اللي مش عارفة سببها إيه."
رد عليها بثقة قائلاً:
"أنا جاي أطلب إيدك للجواز يا ملك."
اتسعت حدقة عينيها بذهول وتسمرت بمكانها وهزت رأسها تعبيراً منها للرفض. كان كل هذا يحدث أمام صاحب المنزل محمد وزوجته شريفة، وما كادت أن تعترض على طلبه وهي تنظر إليهم ليدعموها لشعورها بالتقزز منه ومن عائلته، حتى ارتفعت نبرة صوته قائلاً:
"الحاج شريفة والحاج محمد موافقين.. أساساً أنا بقالي ساعة تحت واتفاهمت معاهم على كل حاجة كأنهم والدك ووالدتك."
انتفضت ملك بغضب وصرخت بعناد وكبرياء أنثى مجروحة قائلة:
"لا يمكن مستحيل.. هما ميعرفوش حاجة عنك عشان يوافقوا عليك بالسرعة دي.. إنت يدوب الدكتور بتاعي في الجامعة.. وأنا كنت طالبة عندك."
كادت أن ترحل إلى غرفتها وتتركهم، حتى أوقفها الحاج محمد ممسكاً كتفها يهمس في أذنها بكلمات جعلتها تضطر إلى الموافقة على الدكتور هادي، ولكن على مضض حيث قال:
"أهل الحارة بعد مجيته مش هيسيبوكي في حالك."
ليبْتَسِم هادي قائلاً:
"إنتي كمان متعرفيش الحقيقة عني ولا تعرفي وضعي المادي اتحسن إزاي بالسرعة دي.. وضعي المادي اللي كان موقفني عن الارتباط بيكي."
كان يتحدث بعجرفة وهو يعقص أنفه وصوته يحمل لمحة غباء.. حتى يريها أنه ليس لديه أدنى استعداد أن يفقدها مجدداً. أحياناً عليكي أن تضحي بحنانك وتخبيء الوجه الأصلي وتظهري وجهك القبيح حتى لا تكشفي أوراقك وما ترنو إليه. تمرر الكلام بشكل خادع كي يأتيك الرد كما تريد.
نظرت له السيدة شريفة بإعجاب:
"دخالتك خرافة يا دكتور."
بعد مرور أسبوع من هذا الاتفاق، جاءت السيدة غالية لتستقل ملك بسيارة هادي التي يقودها السائق، ولصعوبة صعودها إليها طلب الحاج محمد من زوجته شريفة أن تخبر ملك. طرقت شريفة على ملك التي عقدت ما بين حاجبيها:
"هي مامته فعلاً جت؟ أنا فكرت بيقول كده وخلاص.. طب ما طلعتش ليه ولا إحنا مش قد المقام.. شفتي يا ماما شريفة من أولها بتتكبر عليا؟"
هزت شريفة رأسها:
"أيوه جت يا حبيبتي ومتنظراكي تحت.. الشهادة لله هادي طلع راجل وابن أصول ووعد ووفى.. وبعدين الست مش قادرة تخرج من العربية."
لوت ملك شفتيها وأغلقت الباب وهبطت معها، وكان أهل الحارة يلتفون حول السيارة كأنها سيارة زائر مهم، وهي تنظر لهم بكل حب يتنافى مع نظرة ملك له.
نظرت غالية إلى ملك باندهاش وخرجت لها من السيارة قائلة:
"إنتي هي مش كده؟.. وهو أكيد بيضحك عليا عشان يداري غلطه.. أصل مش معقول الشبه اللي بينك وبينها.. قولي إنك هي وأنا هتغاضى عن أي شيء."
غيمة أطاحت بنظرها عندما وجدتها ماثلة أمامها، فهي مثلها في كل التفاصيل حتى منحنيات جسدها ولون شعرها حتى نوعه وطوله وطريقة لمه. رفيعة من مناطق في جسدها مثل الأخرى. نعم، هي لم تستطع إدراك كل تفاصيل شقيقتها إلا أنها لن تنساها مطلقاً. دقدقت ملاحظتها لمحت تلك النظرة الشفافة في عينيها، هنا وجدت الاختلاف حيث تمثلت لها الأخرى في صورة حرباء تتلون بلون المكان المحيط. تلك يكمن الاختلاف. ولكن رغم وجوده، فهي تراها محاطة بوابل من العقبات الواضحة تماماً لها. لكن ابنها لا يراها.
تنحنحت ملك:
"لا، أنا مش ملاك.. أنا ملك أختها التوأم.. الدكتور هادي مش بيكذب عليكي.. متستغربيش الشبه بينا ده بيحصل وكتير كمان.. أمنا كان ليها توأم والاتنين ماتوا في وقت واحد."
ابتسمت غالية ابتسامة حزينة وجذبتها برفق من يدها نحو السيارة لترحل معها:
"تعالي نروح مشوارنا وإحنا في الطريق ندردش سوا.. اتشرفت بمعرفتك يا بنتي.. يعلم ربنا أول ما شفت المرحومة وفكرتها إنتي انهارت."
جحظت ملك بعينيها لتستطرد غالية بحنق:
"منه لله سفيان.. وأنا اللي شكيت في هادي.. بس غصبن عني.. أبو هادي كان بيعمل زي سفيان بالظبط.. وطبعاً أي أم هتحس إن ابنها زي أبوه."
هزت ملك رأسها:
"أيوه، حضرتك حق.. بس مش فاهمة إزاي شفتي ملاك وفكرتيها أنا؟ هو حضرتك تعرفيني؟.. أقصد يعني إن اللي جت عندكم هي ملاك."
ربتت غالية على رجلها:
"هادي مش ابني وبس، ده صديقي، أنا يعتبر مخزن أسراره وخصوصاً العاطفية.. أول يوم ليكي في الجامعة جه وراني صورتك وقالي لقيتها يا ماما."
قطبت ملك جبينها بعدم فهم:
"وحضرتك عملتي إيه؟ أكيد طبعاً رفضتي لما عرفتي ظروفي.. أها، أنا كده فهمت.. حضرتك شكيتي إن الدكتور هادي اغتصبني عشان يحطك قدام الأمر الواقع."
هزت غالية رأسها بالنفي وربتت على كتف ملك:
"متظلمنيش يا ملك زي ما إنتي ظالماه.. أولاً أنا رفضتش، بالعكس إنتي بنت تشرف أي عيلة.. أنا خفت عليكي إنتي يا حبيبتي، ذنبك إيه تروحي ضحية."
ابتسمت ملك بسخرية:
"طب وملاك لما هو أكد ليكي إنها مش أنا مصعبتش عليكي؟ ولا عشانها مش هتبقي دكتورة؟ ولا عشان الموضوع مش يخص ابن حضرتك؟"
ربتت غالية على يدها:
"مين قال إنها مصعبتش عليا؟ بالعكس، دي ست زينا.. بس مقدرتش أعمل حاجة.. وهادي الله يباركله ساعد إنه يهربها بعيد عن سفيان اللي كان عايز يأذيها تاني."
ردت عليها ملك بكل حدة:
"النهاية واحدة يا غالية هانم.. سبتوه ومحدش افتكر ياخد حقها.. هربتوها الله أعلم منه ولا خوفاً عليه.. الله أعلم جوازتي من ابنك حب ولا تسهيل."
انهارت ملك لتحتضنها غالية:
"إنتي حب هادي يا ملك.. صدقيني وثقي في كلامي.. وطول ما أنا عايشة هدافع عنك.. مش هسمح لا لهادي ولا لسفيان إنهم يمسوا شعرة منك."
وضعت ملك يدها على صدرها تتنهد بحرقة على فقدان نصفها الآخر:
"أنا هبقى كويسة لو نسيت اللي حصل ليها.. أرجوكي قوليله إننا مينفعش لبعض ويبعد عني.. أنا والله بحبه بس مش عايزة كل أما أشوفه أفتكر كل حاجة."
تركتها وترجلت من السيارة وذهبت نحو النيل. جلست على الكرسي الموضوع أمامه وهي ما زالت واضعة يدها على صدرها تنتحب. أخذت نفساً عميقاً تريد عدم إخراجه من جسدها. وجدت أمامها فتاة صغيرة تبيع الورد لتشتري منها زهرة لطالما ملاك تعشقها كثيراً. أخذت منها الفتاة النقود وركضت لتبتاع الحلوى المفضلة لديها ألا وهي غزل البنات، لتعتصر ملك جفنيها من الألم وهي تتذكر طفولتها مع ملاك وعشق ملاك لتلك الحلوى. وجدت الفتاة تعطيها قطعة الحلوى كمن تعطيها الدواء، أخذتها منها وأغمضت عينيها تريد أن تغط في سبات عميق تشتهيه منذ فترة طويلة.
تكمن سعادته في اتخاذ الخطوة الأولى بمعرفة مكانها. عندما خطى أول خطواته خارج المشفى عزم أمره أن يذهب لها. شعر أن العمر قصير خاصة بعد حادثته، ولم يتبق به مثل الذي مضى. ذهب إليها بعد ما أخبرته والدته بمكانها. وجدها تقف أمام سور الكورنيش، تستمتع بهطول أمطار الشتاء التي تداعب قطراتها شعرها بالكامل. فملك تمتلك شعراً كستنائياً فاتحاً عندما يغمرها الماء يتحول إلى غامق، وهذا ما يثيره. قرر هادي تركها أمام الكورنيش لبضع دقائق، ثم أتى بمعطفه من السيارة وتوجه إليها ووضعه على ظهرها لتشهق فجأة وتلتفت إليه تريد التحدث عن أسباب مجيئه إليها، ولكن عيناه منعتها عن التحدث لوهلة. أيضاً عقلها قرر أن ينفض تلك الأفكار السلبية التي تتضارب به، وتتخذ الصمت ولو للحظات قليلة كهدنة ترتاح فيها من أعباء التحدث في نفس الموضوع. هو أيضاً منعها بنظراته لأنه لا يريد سماع تلك الجملة التي تتكرر مراراً له. الجملة التي تبعده في كل مرة آلاف الأميال عنها، حتى وإن تحدثت بها لن يتركها الآن. هي لا ترى ما يفيدها، هي تنظر للسراب العالق تحت قدميها الذي يذكرها مراراً وتكراراً بما حدث لشقيقتها. وهو لا يريد ذلك، بل يريدها مثل ما عرفها في بادئ الأمر، تلك الفتاة اليافعة المتفائلة الصبورة على فقرها ويتيمها المتطلعة إلى مستقبل أفضل. نعم، شقيقتها كانت متطلعة ولكن بشكل أوقعها في الخطأ.
رواية غرام و انتقام الفصل الثامن 8 - بقلم مروة البطراوي
النهار يحل بعده الليل معني ذلك أنهم في تتابع دائم.
مثل الخير و الشر ما ان يأتي الخير و يمكث فترة قصيرة حتي يحل الشر من بعده.
وكأنهم في حالة عدم استغناء عن بعضهم البعض.
عنصر منهم يرى الأخر أشد و أقوى ليريه الأخر أنه سيبقى محاربا ضده.
في البداية أول ما ان رأته و تفاجئت بها صرخت من أعماق قلبها.
ثم هدأت نفسها.
حيث أن بداخلها بات أشد وحشه من كثرة الصراخ النفسي.
عاصفه ثلجيه مروعه سقطت فجأة فوق رأسها.
وقبل أن تغرقها بالكامل انتشلها هو من مكانها بذراعه الصلب.
وحملها تعلقت عيناها به.
نظرتها بدت مثل طلب انقاذ و لكن لسانها عجز عن هذا الطلب.
ظل حاملا لها الي أن وصل الي السيارة و أوضعها ثم ارتد ليجلس خلف المقود بجوارها ينظر اليها.
"انتي كويسه؟"
احتضنت نفسها بخوف قائله:
"انت ايه اللي جابك هنا؟ مامتك صح؟ طب ليه و أنا شرحت ليها الموضوع و عرفتها ان مستحيل اننا نتجوز. هادي أنا مش معترضه عليك."
رفع اصبعه مواجهه الي فمها قائلا بتحذير:
"اسكتي بقي أنا أساسا من أول ما جيت هنا فضلت ساكت علشان مش عايز أسمع البؤقين الحمضانين بتوعك دول. بس هو المطر بقي اللي خلاني أجيبك هنا و أسمع."
أشاحت ملك بوجهها الي الجانب الأخر قائله:
"انت مفكر اني فرحانه و أنا بقولك مش عايزاك رغم اني اتمنيت اللحظة دي من زمان. بس للأسف ظروفها مخليانه ألعن اليوم اللي عرفتك فيه."
نظر اليه بحزن و ابتسم بسخريه علي ما لفظته بخصوص لعنها لليوم الذي عرفته به ليرد عليها قائلا:
"طب و ماله خليني أنا كمان ألعن اليوم اللي شفتك فيه. اقنعيني اني أكرهك زى ما كرهتيني. و صدقيني أنا بنفسي اللي هسيبك. بس من دلوقتي لساعتها برضه هتجوزك."
ضمت ملك كفيها الي ذراعيها و احتضنت نفسها مجددا كالطفل الذي يحتمي بنفسه و يربت عليها جيدا لعدم وجود من يفتعل هذا الأمر له و أنهكها التفكير منذ لحظة وطوء والدته قلب حارتها الشعبيه. و احساسها أنها لا تريدها لمجرد أنها شبيهه لملاك.
طرقات علي الباب ...لا تشبه طرقاته..
كان عنيفا في طرقه كأنه يود خلع الباب من مكانه.
فظنت أنه شخص أخر لأن لا أحد يعلم بمكان هذا المنزل.
ولكن انتابها الخوف و لا تعلم لما أتاها.
و لفطرة أنثويه نمت بداخلها أغلقت الباب باحكام من خلال المقبض الموجوده عليه بالداخل.
لتعلم الطارق بعدم فتحها له أين كان من هو.
وضعت يدها علي رأسها تنظر الي رداء النوم الفاضح الذي ترتديه تشدد علي خصلا ت شعرها تريد معرفه من الطارق.
تذكرت وجود العين السحريه فنظرت منها لتجده هو.
فتحت و قلبها ينفض بين جنابتها بوجل و اضطراب و اندهاش من أين له أن يعلم بمكانها.
ما ان فتحت حتي دلف بدون مماطله في الحديث حتي لا يثير لها فضيحه.
ينظر اليها نظرة غاضبه لم تعهدها من قبل.
"ادخلي البسي حاجه عليكي و تيجي معايا تحت البيت لاوم نتكلم في أمور مهمه."
و للتوقيت الباكر أخذها الي مطعم قريب لتناول الفطور.
أردف يسلط أبصاره بحده عليها قائلا:
"ايه هتفضلي عايشه بعقل المراهقه ده لامتي..مش هتعقل بقي.. ده طالباتك أعقل منك لدرجه انهم بيستهزأوا بيكي و فضيحتك ماليه الجامعه."
تنهدت نادرة:
"أه هفضل مراهقه يا هادي طالما ملقتش حد يحتويني ..الانسان الوحيد اللي حبيته و اتمنيته عمال يجرى ورا عيله مقشفه ملهاش لا أصل و لا فصل."
نظر هادي الي قهوته يريد دلقها عليها و لكنه عدل عن الأمر و ارتشف منها بهدوء قائلا:
"المهم انها مش بتجرى ورا ملذاتها و دايرة تفضح في نفسها و في اسم عيلتها زيك يا بنت الحسب و النسب.. ذنبها ايه والدتك ها.. للدرجه دي المتعه أهم عندك؟"
نظرت له نادرة نظرات سخريه:
"يعني انت مش نفسك تتمتع بالسنيورة علشانها أصغر منك يا هادي..بس انت عبيط رايح تتمتع بالحلال أو يمكن ده شرط السنكوحه..عامله نفسها شريفه."
هز هادي رأسه برفض حديثها:
"لا يانادرة مش كل الناس عاملين شرفاء زيك.. ده أنا حاسس انها حالفه القسم من يوم ما دخلت الجامعه.. تعرفي ان ملك رافضني رغم ان أمي راحت لها لحد عندها؟"
تذكر ما كانت ترتديه من ثياب النوم فزفر قائلا:
"عايز أعرف ازاي تقعدي في شقه لوحدك و ساعات طويله لا و بقمصان نوم فاضحه زى دي.. مش خايفه يا هانم تتمسكي أداب و تبقي فضيحتك عالميه؟"
اتسعت حدقه عينيها بحقد:
"هادي ملكش دعوة بيا طالما انت رافضني ملكش الحق انك توبخني علي أي شئ أنا حرة و بعدين متنساش انك عارف كل ده و كنت هترتبط بيا.."
منذ هزيمته أمامها عندما اختارت العقاب له بسرد لحبيبته عن نيته بالارتباط بها و هو يجد الظلام أمامه بعينيه.
يرى ظلها و هي تبخ السم في أذن معشوقته كأنها ساحرة شريرة.
تفرض السواد عليهم من جديد بينما هو يريد حياة حتي لو كانت مدموجه بالرماديه.
و لكنها أرادت أن تغيب شمسه عنه.
و تعيد صغيرته الي الغابه و ظلامها.
ليجف نهر حبهم من جديد.
حيث تعاظمت سوداويه قلبها تبلع برائتها من جديد و سحقه كوحش أمامها.
أصبحت هي كالوحش أو لو نقل كالذئب.
عندما وجهت عقابها عليه.
و الجميع تابع مواجهتها للأخرى.
وهي تنقض عليها بمخالبها لرفضها مجرد السماع لما تقوله.
جزت علي أنيابها كالذئب.
وتحولت عينيها الي لون أسود قاتم.
لفت انتباه الجميع رده فعله و تحولوا من متابعتها الي متابعته هو و الي الرماد الذي انشق منه نحوها لمواجهتها بكل حسم.
اقتحم مكتبها هو و أمن الجامعه ينظر اليها نظرات قاتمه أتبعها حديث مفعم بالحقد قائلا:
"الدكتور نادرة هتاخدوها من ايدها و تسلموها للشرطه تحت و المكتب ده يتقفل تماما لحين ما نشوف النيابه رأيها ايه في كل اللي حصل هنا."
نظرت اليه نادرة بصدمه:
"بتقول ايه يا هادي هتسجني علشان واحده ستكوحه زى دي ؟ طب ما هو سهل أثبت ان طالبه اطاولت عليا.. و لا كل ده علشان عايزة أقولها الحقيقه؟"
نظر اليها باستحقار كانت تتوقع أنه سيترجاها حتي لا تسرد بقيه كلماتها.
شئ منعها من ذلك وهو تصميم الأمن علي أخذها تضاربت الافكار برأسها.
"هادي انت ضعيف لدرجه انك خايف مني..خايف لأقول الحقيقه..بس هقولها..بصي يا ملك أنا و هادي كنا خلاص هنتجوز لولا ظهورك من جديد."
خرجت ملك من مكتبها علي الفور ليدلف بقيه الطلاب يشاهدون المنظر و نادرة تسحب أمامهم من قبل رجال الأمن.
تنظر الي شاهر نظرات لكي يدافع عنها و لكنه أشاح بوجهه الي الجانب الأخر.
أخرج شاهر الطلاب من المكتب ليجد هادي يجلس شاردا في الفراغ و لأول مرة يراه ضعيفا و يتألم.
وتنساب دموعه ليسرع شاهر بالربت علي كتفيه فور رؤيته بهذه الوضعيه و لم يهتم بالفروق بينهم قائلا:
"دكتور هادي حضرتك عملت الصح و اللي كان المفروض تعمله من زمان.. أنا زمان جبتلك كل المستندات اللي تدينها بس حضرتك مش اهتميت."
شدد هادي علي أسنانه بغيظ فتحدث شاهر:
"هي كده كده كانت هتتسجن بس حضرتك خفت عليها و علي اسم عيلتها و ده غلط.. وده اللي بيخلي اللي زيى و زى ملك يضيعوا.. حاول ترجع ملك تاني."
انتفض هادي بعصبيه:
"مش عارف أعمل ايه مش عارف.. كل مرة ما بتصدق تتلكك و تهرب أنا اتخنقت.. ما انا كنت همنع نادرة أنها تتكلم بس دخله الأمن هي اللي بوظت كل حاجه."
شعر شاهر بالمعاناه التي يمر بها هادي و حتم عليه معالجه الأمر.
"تعالي يا ست غاليه"
كانت تلك كلمات ترحيب من السيده شريفه الي غاليه حيث أخبرها هادي بما حدث و من ثم ارتدت ملابسها و توجهت الي ملك.
وما ان فتحت لها شريفه المنزل بعد طرقات متتاليه منها و لم يفتح أحد.
ركضت نحوها السيده غاليه ما ان رأتها تبكي و تبعتها السيده شريفه التي كانت تتحدث و هي في غفلة عن أمر ملك.
نظرت السيدتان اليها و الي وجهها الذابل وجدوها يفوق عمرها الحقيقي بكثير.
لقد حانت اللحظه بعد هدوئها ليسألوه عما حدث و تجادلها غاليه في الأمر و لكن ملك عادت صلابتها الي أدراجها و انتفضت قائله:
"ايه اللي جاب حضرتك و انتي يا ماما شريفه ليه فتحتيلها الباب؟"
جذبتها غاليه الي أحضانها و قبلت رأسها و بالمثل فعلت شريفه هي الأخرى.
كأنهم يتعاملون مع ابنتهم.
ثم أخرجتها غاليه من أحضانها و احتضنت وجهها بكفيها و ابتسمت بوجهها تطمئنها بعنايه.
ثم رفعت أنظاره باشارة الي شريفه أن تقوم بتحضير بعض الطعام لها.
فأغمضت شريفه عينيها تؤمي و تفتحهما باذعان.
و دلفت الي المطبخ لصنع بعض اللقيمات لملك.
توجهت ملك الي الكرسي المتهالك و هبطت بجسدها المتثاقل عليه قائله:
"طبعا حضرتك عرفتي ايه اللي حصل...لما هو كان هيتجوز خلاص نادرة ليه كان بيضحك عليا و أنا مسافرة و يقولي مش قادر أعيش من غيرك؟"
انحنت اليها غاليه و ربتت علي ركبتيها بحنان:
"فعلا هادي ميقدرش يعيش من غيرك.. وصدقيني هو عمره ما كان هيتجوزها..هي اللي كانت بطارده ديما... و لما لقيتك رجعتي قالت تبخ السم في دماغك."
خرجت شريفه من المطبخ و بيدها صينيه صغيرة بها بعض السندوتشان فابتسمت لها غاليه:
"هاتي عنك انتي يا ست شريفه. أنا هأكل ملك بنفسي. هي من هنا و رايح بقت بنتي و مسيرها تقولي يا ماما زيك..شكلك هتبقي منافس قوى."
تعالت ضحكات ملك بسخريه:
"انتو كلكم عايزني أقولكم يا ماما..حتي ملاك الله يرحمها كانت ديما تقولي كده..أنا أمك يا ملك مش أختك التؤام.. كل ده علشان ملحقتش أنطق الاسم ده."
ظلت ملك علي حالتها المتحسرة تتناول الطعام في صمت مطبق.
حتي أتت سيارة غاليه لتعيدها الي منزلها مرة أخرى.
تنهدت ملك بعمق.
بعد رحيلها و نهضت و دلفت غرفتها مجددا.
لتأتيها رساله من هاتف ملاك الذي قامت باسترجاعه مجددا:
"نورتي البلد يا ملاكي...يعني لما أسافر ترجعي تاني."
ارتجت من رسالته و أظلمت عينيها و كممت فاها من الصدمه كيف له أن يعرف المجهول.
شقت الصمت الذي استخدمته و هاجت و قررت عبور القناطير بينها و بينه.
حتي تسقط فوق رأسه و يعلم أنها ماتت و أن ما يراه أمامه ما هو الا أشباح جثه بارده ستحطمه لألف قطعه.
أخذت تضحك بهوس.
تغوص أفكارها في الانتقام بجنون.
و عادت تبحث عن بقايا الطعام الذي كانت تتناوله منذ دقائق لتلتهمه كناية عن احساس انفتاح شهيتها.
ثم فتحت نافذتها ناظرة الي ابن صاحب المنزل الذي كان يريد شقيقتها فيرمقها بعينه الكارهه الحاده.
مثل بصر ذئب.
ينتظر الي أن تمتلئ بطن فريسته حتي تصلح أن ينقض عليها.
كل ذلك جعلها تعزم أمرها علي العدول عن رفض زواج هادي.
رواية غرام و انتقام الفصل التاسع 9 - بقلم مروة البطراوي
كانت تعتبره حارسها، ولكن نظراته بدت كالأفعى. نظرات لم تعتدها من قبل.
هذا الذي كان يتمنى أن يطلب ود شقيقتها يومًا ما.
ولكنه بدا الآن كالمشعوذ الذي يريد قتلها.
ومع ذلك كان كالحزين. والفيصل في تغييره هو معرفته بما حدث لشقيقتها وتركها والاستهزاء به.
صباح يوم جديد، ذهب فيه إلى الجامعة ولم يجدها، مثلما صدق حدسه.
وجد من يربت على ظهره:
"ما تقلقش يا دكتور هادي، كلها يومين وتنسى وترجع تاني. ملك معندهاش إمكانيات تحول جامعة تانية. كمان مش هتضيع مستقبلها عشان موقف."
التفت إليه هادي:
"يعني أنت مفكر إني مش عارف كل اللي بتقوله ده. بالعكس، أنا عارفه كويس ومُتأكد إنها هترجع. بس أنا مش عايزها ترجع وبس، أنا عايز ملك نفسها بروحها."
عض شاهر على شفتيه بحيرة:
"في حل واحد، إنك بلا ش تضغط عليها في الفترة دي وتسيبها على راحتها. أكيد مع الأيام كل هيتنسي وهيُداوى. إنما المحاصرة هتخليها تشك أكتر."
اندهش هادي قائلاً:
"مين اللي بيتكلم؟ شاهر؟ كان فين العقل ده وأنت بتنفذ خطط نادرة كلها؟ سبحان مغير الأحوال. كان نفسي شخص تاني يتغير زيك، بس للأسف ما حصلش."
قطب شاهر جبينه، لا يعلم عن من يتحدث هادي.
انتبه هادي إلى استغرابه فعدل عن حديثه:
"هو أنت مش وراك محاضرات ولا هنتصاحب ونقعد نحكي؟ أصل الموضوع مش مستاهل يا شاهر كل شوية تنط ليّ، ولا كأنك صاحبي."
هاتفَته والدته بعد خروج شاهر قائلة:
"الست صاحبة البيت بلغتني إنها خرجت وأخذت كتبها وهي نازلة. ربنا يهديها يا ابني وتكون رايحة الجامعة. عشان خاطري بلاش تضغط عليها."
زفر هادي:
"وبعدين يعني يا أمي في ملك دي؟ هو أنت مش عرفتيها إن ما فيش بيني وبين نادرة حاجة؟ أنا بجد طاقتي نفذت، ما كنتش متوقع منها الدلع ده."
تنهدت غالية:
"ملاك واللي عملته زمان هز ملك من جوه، واللي حصل من ابن عمك الله يسامحه بقى. كمان ارتباطها بيك ممكن يرجع سفيان تاني، وأكيد هي خايفة."
عقد هادي ما بين حاجبيه وهو ينظر إلى نافذة مكتبه، حيث شاهد دلوفها الجامعة وهي ترتدي لُفَّة أُخرى وليس بالأسود:
"فعلاً هي خايفة، بدليل جت بألوان الجامعة أهو وماشية وفارِدة شعرها وبتدلع، ولا كأن في حاجة. العملية بقت صعبة أوي يا أمي. شكلي هتعب."
انتفضت غالية:
"لا بالله عليك افهم. اللي بيحصل ده لصالحك. هي شكلها بتغير ألوان حياتها عشانك مش عشان تستفزك. اهدي كده واتعامل معاها عادي."
أثناء مهاتفته لوالدته، اختفت من محياه. ولكن مما أثار استغرابه هو دلوفها إليه بدون استئذان، فاستدار على صوتها قائلة:
"في إمكان إننا نتكلم مع بعض شوية يا دكتور هادي إذا عندك وقت؟ وخلصت تليفونك بلغني، أنا مستنية حضرتك بره. عن إذنك وأسفه على دخولي بدون استئذان."
وأوقفها بإشارة منه، وأغلق الهاتف ووضعه في جيب بنطاله قائلاً:
"أنا خلصت خلاص، كنت بكلم حماتك وبتسلم عليكي كتير وبتقولك وحشتيها، رغم إنها كانت عندك امبارح. امتى بقى تيجي عندنا وتونسيها؟"
ارتبكت ملك وتوترت قائلة:
"أصل أنا كنت مفكرة إنك بتكلم والدة نادرة باعتبارها منهارة من امبارح. عموما، أنا كمان حماتي وحشتني جداً، وقريبًا هكون معاها وهونسها."
اتسعت حدقة عينيه بذهول على تغير رأيها:
"أنا قمت لنادرة محامي خبرة. يعني أكيد قريب هتطلع منها. وبعد كده شفت لها شغل بره البلد عشان محدش يزعجنا، وبرضه اللي بتفكري فيه بره البلد."
هزت ملك رأسها:
"أيوه عارفة. بس لسه بيبعت رسايل على موبايل ملاك. ببقى كل مرة نفسي أقول له إنها ماتت، بس هيسأل أنا مين، لأن عندي نفس بحة صوتها."
عقد هادي ما بين حاجبيه وهو ينظر إليها قائلاً:
"ده اسمه إيه ده؟ أول مرة يورد عليا توأم بالشكل ده. ويا ترى بقى أنتِ هتجيبي لنا توأم كده ولا إيه... استني كده، تقارير حمل ملاك أثبتت إنها كانت حامل في توأم."
جحظت ملك بعينيها:
"هااااا... بتقول إيه؟ توأم؟ إزاي وأنا ما أعرفش؟ ولا هي كالعادة عملته سر؟ طب افرض كانت ولدت، كانت هتعمل إيه في الغربة بالاتنين؟"
هنا تذكرت إصرار عبد الغفور:
"عشان كده الراجل الشايب العايب كان عايز يتجوزها. قال لك أنا كبرت في السن ومش اتجوزت. أهي جوازة ببلاش وأحقق حلمي بعيلين."
هز هادي رأسه متفهمًا لحالتها المثيرة:
"تمام، واضح إن مهما حد هيعمل قدامك خير هتفهمي غلط، وهتفضل الشكوك ماسكاكي إن الكل بيبقى له غرض دنيء. بس الحق مش عليكي."
واستطرد وهو يقترب منها مواجهًا لوجهها قائلاً بحِدة:
"عارفة الحق على مين؟ عليا أنا اللي عمال أسايس وأدادي من ساعة ما عرفتي الحقيقة. بس اسمعي، بعد كده مفيش طبطبة، كله بحساب وبالغصب."
يعلم جيدًا، هو لن يكرر خطأ والده مع والدته معها. لذا ما لبث أن رأى تبدل وجهها خوفًا منه، حتى سألها بمراوغة لطيفة:
"مش أنتِ كنتِ عايزة يبقى يكون عندك أم زي بقية البنات؟"
أومأت برأسها، واللمعة عادت لعيونها العسلية التي كانت تفرقها عن عين توأمتها الخضراء، ولكن دومًا ما كانت ترتدي عدسات خضراء لتكون شبيهة طبق الأصل لها. فوجد نفسه يعانقها من شدة جمال تلك اللمعة وتأثره بها، وهو يسألها سؤالاً آخر:
"دي هتبقى أمك. بذمتك مش نفسك في أب بالمرة ويكون شبيه ليّا ويكون حامي ليكي ويدافع عنك ويشد على إيدك؟"
تحدثت ملك بينها وبين نفسها من خلف ظهره:
"يادي الحضن اللي جه على غفلة نساني كل اللي حصل. أنا خلاص بنهار من كل مطاردتك ليا ومش قادرة أبعد عنك يوم واحد. الرحمة يارب."
"هادي الخارق."
نطقتها ملك بتلقائية كعادتها، فأخرجها من أحضانه وأخذ بيدها وأجلسها على الأريكة وجلس بجوارها مربتًا على خصلاتها. وقتما انطلقت شريفة لتهاتف غالية لتخبرها غالية أن سيكون كل شيء على ما يرام ولن تكون ملك بعيدة عنه بعد اليوم، ولا داعي للقلق عليها أن يخطر ببالها السفر من جديد.
هكذا تسير الأمور، هكذا تسيرها وتفرض عليها منذ قدومها من الغربة ذاك النمط. لا يريد أن تعنيها أعباء الحياة، ليس عليها إلا أن تعيش بسلام، وتترك العناء لأهله، فهي ليست أهله.
في مكتبه وبعد خروجها لأداء محاضرتها، هاتف المدعوة شريفة، صاحبة المنزل، قائلاً:
"الشقة ترجع. لازم تلاقي سكان غيرها. عارف إن الأمر صعب عليكي وإنتي بتعتبريها بنتك وكان نفسك تخرج من عندك عروسة، بس صعب."
ردت شريفة:
"أيوة معاك حق صعب. خصوصًا بعد ما شفت بعيني بصات الواد ليها. بعد ما كان أكتر واحد بيفرق بينهم. بقت هي عنده أختها. ومصر على كده."
ما إن استمع إلى هذا الموقف وتخيله، حتى رد عليها بحِدة:
"طب مستنية إيه؟ لما الفأس تقع في الراس ونقول ياريت اللي جرى ما كان. أنا طبعًا مش عايز أخليها تحس إنها بغصب عليها، بس مش قدامي بديل."
ثم أردف قائلاً:
"ده ابنك يا ست شريفة وإنتي مش بس بتأذيها، إنتي بتأذي هو كمان. زي زمان لما كنتي معيشاه على أمل إن ملاك له، والنتيجة إيه؟ ضاع منك."
كادت أن ترد عليه لولا دلوف ولدها نادر وانتزاع منها الهاتف:
"وإنت مالك بينا ولا بيه يا جدع انت؟ أنا غلطان إني ما قطعتش رجلك يوم دخولك الحارة. أنا عارف إنها مش ملاك، بس ربنا عوض عليا بيها."
زفر هادي بحنق:
"لا يا نادر، أنت أضعف من تفكيرك ده. عارف ليه؟ لأني ببساطة ممكن أسجنك باللي أنت بتعمله آخر الليل، وساعتها لا هيهمني أبوك ولا أمك."
حينما وصل هادي إلى مبتغاه في تخويف نادر، وجه حديثه إلى شريفة قائلاً:
"أنا مش عايز أتصرف تصرف وحش معاكي ولا مع الراجل الطيب. ابنك زي ما دافعتي عنه زمان، عارف إنك عايزة تعملي له اللي نفسه فيه، بس دلوقتي صعب."
هزت شريفة رأسها باستكانة:
"لما تيجي هتلاقي تحت شنطة هدومها، ومش هتلاقي ليها مكان وسطنا. أنا عملت زي ما طلبت بالظبط. بس دي أمانة عندك يا دكتور هادي."
كانت تريد أن يتزوجها وتصبح طليقته. كيف هذا وهو لم يكن يطيقها منذ أن رآها، ولكن بلحظة استجاب لها بكامل إرادته. ابتسم ابتسامة استهزاء وهو يفكر. هو الذي كان يحتقرها كثيراً لظنه في نيتها جيداً، والذي أكد له ذلك عندما أتت إلى قصر جده وقصت عليه ما حدث منه. وربط ذلك بنظراته القديمة له. الآن يجدها لا تختلف كثيراً عن أي أنثى، بل أصبحت أسوأ. فهي الآن أصبحت خائنة، هي لم تتعد خيانتها لنفسها فقط، بل أسقطت خيانتها وعاشت على أهوائها تتصيد الآخر. بالمجمل العام أصبحت وقحة. بينما هو فعل الأسوأ، خان غيرها.
تلك التي كانت تعشقه أيام الجامعة وسلمت له نفسها قبل السفر، ولكن استباح ذلك تعويضًا عن رفضها له من قبل. ها هو الآن يفكر في الاثنتين وكأنهم كانوا يفكرون به. ليجد صديقته تتصل به. نظر إلى الهاتف في فزع وقطب جبينه، لما دائمًا عندما يتذكرها يجدها تهاتفه، والأخرى لا، رغم أنه يهاتف الأخرى ويبعث لها رسائل من هاتفه ولا تستجيب له. هل لم يراودها في أحلامها مثل صديقته أم ماذا؟
"سفيان، أنا حامل منك، وخالد مش بيقرب مني بقاله فترة. الدكتور رافض يعملي إجهاض، لو عملت ممكن أموت فيها. أرجوك، أنا هطلق وأرجع لي."
اكتشفت الحقيقة بعد خداعها من خالد أنها لم تنجب بعمرها لأنها عقيمة. ولكن لعلها تكون سببًا في بداية لين لصلابته. لا تعلم أنه صخر صلد لا يرق أبداً. قام برفضها ورفض حملها مثل ما افتعل مع ملاك، لتذهب إلى نفس المكان الذي لجأت إليه ملاك.
أمام بوابة المكان المنشود، صفت سيارتها، وترجلت تخفي وجهها بنظارة سوداء قاتمة حتى لا تظهر معالم وجهها. ثم بخطوات متأنية وصلت قرب بابه، سمعت عندها صوته، فثبتت وتجمدت. وعطرها الأثير وصله، فالتفت إليها جاحظًا بعينيه. مرت الدقيقة بينهم كالساعة، حتى وقف وتعمد أن يمد يده ليصافحها بنظرات متحدية منه، مقابلة منها بنظرات يائسة استبطن منها أنها أصبحت أميرة ضعيفة فقدت السيطرة على كل شيء تمتلكه وأصبح حالها مرزيًا وتعمها الفوضى.
تحاملت على نفسها وهي تقص عليه الأمر برمته، لعله ينجيها مما فعله بها سفيان. من من طلبت العون؟ من الذي أحبها يومًا بإخلاص وتركته وذهبت إلى ابن عمه وتلاعب بها وتركتهما الاثنين وذهبت إلى الآخر ولم تنعم بالحب المنشود. وما إن اقتنصته من سفيان، دمرت خلايا عقلها وجسدها بأن واحد. بعد ما سرد لهادي كل شيء، رد عليها بلا مبالاة قائلاً:
"خليه ينزل مصر ويتجوزك لو قدرتي. إنتي مش أول حالة سفيان يعمل فيها كده. الفرق إن كلهم كانوا عذرى، إنتي بقى كان لازم يعمل معاكي كده وعملها."
على الجانب الآخر، توعد نادر لهادي ألا يتهنى بملك دقيقة واحدة، وهاتف سفيان، حيث أن سفيان استطاع الوصول إليه. ولكن الأدهى من ذلك أن نادر لم يسرد حقيقة أمر ملك وملاك، بل طاوع سفيان في تفكيره حتى يغتنم ملك عوضًا عن ملاك.
"ده شرفها بقى على كل لسان يا سفيان بيه. خصوصًا بعد ما سقطت العيل اللي في بطنها. دلوقتي بقت براحتها بتخرج وتدخل وبتجيب فلوس."
ابتسم سفيان بشماتة:
"خير خير خير، عشان بس محدش يقولي دي بنت مسكينة وأنت اعتدت عليها. عمومًا يا نادر يا حبيبي، أنت فلت. كان فاتك دلوقتي لابس."
رد عليه نادر:
"والله ما كنت هسكت. كنت هقتلها وأشرب من دمها وأشرب الناس قهوة سادة على روحها. بقولك إيه يا سفيان بيه، ما تنزل تاخدها أو تبعت تجيبها."
مط سفيان شفتيه:
"كنت هنزل فعلاً وأبدأ معاها من جديد. متعرفش ليه يا نادر؟ أنا برتاح معاها هي بالذات. بس للأسف بقى نزول الأيام دي هيعمل مشكلة كبيرة."
نظر نادر في الفراغ بتفكير، واعتقد أن المشكلة تكمن في وقوعها في الوسط الشعبي، فأوضح له:
"لااا. متقلقش. مش الهانم هتسيب الحارة وتروح تسكن في منطقة عيليوي. ولو حابب أقولك فين أبلغك فورًا. أصل شكلها اتلمت على واحد ابن ناس."
عقد سفيان ما بين حاجبيه:
"طب اعرفلي هتروح فين بالظبط ومين الراجل ده، عشان أبقى عامل حساب لكل خطواتي. آه وكله بتمنه يا نادر، أنا عارف إن أبوك منشفها عليك."
رد عليه نادر بحزن مصطنع:
"أيوه يا دكتور سفيان. أصله مصر يجوزني للبت بنت أخوه من البلد، وأنا مش طايقها. منك لله يا ملاك، إنتي السبب في اللي أنا فيه دلوقتي."
ما إن ذكر اسمها، تراجع سفيان بذاكرته ليستعيد شكلها قائلاً:
"يا ترى شكلها بقى إيه دلوقتي يا نادر. لسه حلوة ولا اتبهدلت بعد اللي حصل فيها. ولا يمكن الهانم احلوت بعد ما اتعرفت على الضيف الجديد."
قام نادر ببخ السم:
"الحقيه يا دكتور سفيان، هي احلوت أوي. ولبست واتبغددت. ولا عاد بيهمها كلمة على شرفها ولا حاجة. اللي زي دي محتاجك تيجي تلمها."
ابتسم سفيان بخبث:
"طب ما أنا بقولك أهو، همتك معايا. اعرفلي مكانها الجديد ومين الراجل اللي عايشة معاه ده، حتى لو اتجوزها. هي كده كده مش فارقة. غيرها كان مجوز ومعايا."
قطب نادر جبينه بمعنى أنها لم تكن الضحية الوحيدة لسفيان:
"ثواني كده يا دكتور. مش حضرتك بتقول إنها هي اللي غوتك وقالتلك أنا عايز أبعد عن نادر وعن الحارة؟ أومال مين دول اللي كانوا معاك؟"
واستطرد قائلاً:
"هي ملاك كانت متجوزة؟ يا بنت ال... بقي تتجوزي وتدوري على حل شعرك وتثبتي فيا، وكل ده وهسكت؟ لازم آخد حقي."
ذهل سفيان من الفهم الخاطئ لنادر، ومع ذلك كان في صالحه:
"يا نادر يا حبيبي. دي ممرضة، يعني تعرف كويس في عمليات الترقيع. وكان ممكن بعد ما تخلص معايا ومع جوزها اللي يمكن يكون هو اللي هتعيش معاه دلوقتي، كانت تجيلك كيوم ولدتها أمها."
رواية غرام و انتقام الفصل العاشر 10 - بقلم مروة البطراوي
تعبت نهال من نظراته المتشفيه قائله:
- في حد تاني سفيان عمل معاه كده؟ مستحيل أن لا يمكن أصدقك. أنت طول عمرك بتحقد عليه علشان هو دايما البنات كانت بتنجذب ليه.
هز رأسه رداً منه بنعم، وكان ينظر لها بكل شماته.
شعرت نهال بالارتباك، ولكنها حاولت التحدث، ولكن أوقفها قليلاً بابتسامته الخبيثه وهو يقول:
- ليه البنات كانوا بينجذبوا لسفيان وأنا لا يا نهال؟
ردت بوضوح:
- لأن مفيش أي سبب إنهم ينجذبوا ليك.
رد عليها بكل ثقة لم تشهدها من قبل فيه:
- بس في سبب كبير يا مدام نهال إن أنا إنسان عندي شرف وأمانة ولا يمكن أحطم شرف أي بنت زيه.
نظرت إليه متسائلة، فهو ما زال السؤال يلح عليها، هل هناك أخريات لدى سفيان؟
قام بمراوغتها ليستطرد هادي قائلاً:
- أنا من زمان وأنا عايز أفهمك مين سفيان، بس انتي وفرتي عليا كل ده لما اتجوزتي. مجاش في بالي إنك ممكن تعملي كده.
كادت أن ترد عليه ليقاطعها هو قائلاً بنفس الثقة التي تفاجئت بها اليوم:
- حتى لو كنتي قولتي له "أنا هستناك لحد ما تكون نفسك"، كان هيغدر بيكي يا نهال.
واستطرد بقية حديثه وهو يشير إلى فراش الكشف:
- المستوصف كله يشهد بالحالات اللي سفيان قام باغتصابها، وفي الأوضة دي تحديداً، وعلى السرير ده. منهم اللي كان بمزاجها زيك، ومنهم اللي صحيت اتلاقت كل حاجة راحت منها خالص.
لا تدري إن كان الحديث أن يبدو هكذا، أغلبُه شماتة، لكنها كانت تؤمن في قرارة نفسها أنه له الحق في أسلوبه هذا، فهو استشاط غضباً منذ لحظة تركها له خصيصاً من أجل غريمه، الذي تخلى عنها، ولجأت إلى الآخر الذي لم تحافظ على شرفه، الأمر الذي بدا له أشبه بأنها امرأة تحمل كل مواصفات الخيانة التي لم يقبلها في شريكه حياته.
انهارت على الكرسي خلفها تحاول جاهدة التحكم في حزنها، وقلبها يخفق وهي تحاول التقاط أنفاسها بانتظام. ولوهلة بدأ ينظر لها نظرات متفحصة، توترت الأجواء ورق قلبه لما يحدث معها، وهو ينكر أن بداخله توتر أكثر، كان يوشك أن يثور عليها لما اقتعلته.
تحدثت بتلعثم، حيث إخراج الكلمات كان صعباً عليها للغاية:
- إزاي دكتور حالف اليمين يعمل كده؟ طب أنا قلت إنه اشتاق ليا، وعشان أنا متجوزة مش هتفرق معاه فضيحتي. لكن البنات دي نهايتهم كانت إيه؟
ضرب هادي على سطح مكتبه بغضب حتى أصابتها الضربة:
- هتكون إيه في نظرك يا ست نهال؟ كلهم اترَموا في الشارع، ولو حد منهم اعترض أكيد هتبقى نهايتها الفضيحة. بس زي ما قلتي، دول مش حيلتهم غيره.
ابتلعت غصة في حلقها ليستطرد قائلاً:
- إيه بقى اللي يجبر واحدة متجوزة إنها تعمل كده معاه؟ حب مثلاً؟ طب إيه اللي صحي الحب ده بعد السنين دي كلها؟ على فكرة اللي حصلك ده استحالة يكون فخ.
تنهدت بعمق بالرغم من سحقه لها:
- لا فخ يا هادي. لما تلاقي الإنسان اللي مش حبيت غيره ولا قادر تتعايش ولا تتأقلم إلا معاه بيمد ليك إيده من جديد، يبقى فخ. فخ اسمه الحب.
ابتلعت ريقها واستطردت قائلة:
- في حاجات مقدرتش أحسها مع جوزي. خصوصاً لما قالي إني عقيمة.
همس كفحيح الأفعى:
- لا كده كتير، وكمان جايه تكذبي وتقولي إنك حامل من سفيان؟ جربي كده تروحي تكذبي نفس الكذبة على سفيان وشوفي هيعمل فيكي إيه.
تنهدت نهال بوجع:
- الحمد لله ولا الهوا، كأني بكلمه عن واحدة قرايبته من بعيد، وده اللي خلاني ألجأ ليك، لعل وعسى تقدر تأثر عليه. وبعدين أنا حامل فعلاً، خالد كان بيكذب عليا.
نظر هادي إلى ساعة يده، وجدها اقتربت على موعده بملك، فنهض وتوجه نحو باب غرفة المكتب وأردف قائلاً:
- أه معلش يا مدام نهال، عندي ميعاد مهم. انتي طبعاً عارفاني من أيام الجامعة، بحترم مواعيدي جداً. ما بالك بقى ده ميعاد شخصي ومش مع أي حد.
نظرت إليه نهال بذهول:
- إيه هتتخلى عني وتسيبني غرقانة في المشكلة دي ومش هتحاول تحلها معايا يا هادي؟ طب ليه؟ أنا يمكن كنت وحشة معاك زمان، بس انت شايف حالتي.
رفع هادي حاجبيه باستعلاء قائلاً:
- مالها حالتك؟ عادي جداً. ست متجوزة وكنت عايشة أحسن عيشة دمرتيها عشان نزواتك. بلاش توقعي نفسك في فخ أكبر مع سفيان.
جحظت نهال بعينيها، فهي ترى هادي جديد يتحدث:
- يعني أنا لو فضلت أزن على سفيان وبالحمل تفتكر ممكن يفضحني؟ بس لا يمكن حد هيصدقه، وخصوصاً جوزي ده معاه كل الأدلة إني مش بخلف.
رد عليها بجمود قائلاً:
- أنا قلتلك سفيان معندوش قلب. شاله من بين ضلوعه يوم ما انتي اتجوزتي. أنا مش بحملك الذنب يا نهال، أنا هنصحك نصيحة كأخت، ابعدي عنه. خالد نفسه هينتقم منك لو عرف.
تركها هادي في حيرتها ولم يعطِ لها أي حلول لتخرج من هذه الأزمة التي اصطنعتها لنفسها.
في وسط محيط زيارتها له خرج عن السيطرة، ها هي بظهورها الآن ذكرته بفساد والده وابن عمه، حيث هي التي هدمت ما كان ينوي بنائه معها، كان حبها مثل الثورة التي هزمت ديكتاتور، وهزيمته بدت جلية حيثما غادر مقعده بعشوائية متوجهاً نحو باب المكتب، لأنه لا يريد أن يجلس أمامها كثيراً، يكفيه الانفعال الذي يسري في أوصاله وهو يحاول أن يكتمه، ويخفض معه دقات قلبه.
كان يود أن يقول لها في بداية زيارتها: "أنا مش قلت لك مش عايز أشوف وشك تاني يا نهال؟" ولكن وجد منها أنها كانت على أتم استعداد لمواجهة كتلك، بل وحسبت لها حساباً طول فترة فراقهما، لكنها الآن في حالة من الصدمة لا تغادرها.
أما عنه، كان يود أن يخرج من جسده ويحلق بعيداً ويعود إلى أيام الجامعة بعد كل ما وصل إليه، لا يعلم متى كانت آخر مرة حزن بها دون أن يلجأ إلى عالمه الجديد، وهناك عاد يلتقي بأميرة أخرى، تلك الأميرة التي صادفته في أحلام الغفلة وعاد ليلتقي بها في أحلام الصحوة.
لمحها من بعيد، في إحدى أحلام المطاردة التي كان يبحث بها عن شبيهة لنهال، وجدها لم تحدثه مثلها وتجاهلته ولم تقربه، بل تركته يطفو ويعدو في عالم غريب لأول مرة يراه، وكان قلبه يتمسك بها في كل فعل يصدر منها، لقد كانت والدته على حق، الأخلاق كلها يمكن إيجادها ولكن بالتريث، ويتم استكشاف ذلك بالصبر والنظر بأعين ثاقبة، الأخلاق هي كل الجمال الذي يسمو إليه القلب والعقل الواعي، وكل أخلاقها وصفاتها أثارت خياله.
خرج وترك نهال بمفردها في الغرفة، مما أثار استغراب وفاء وذهبت إليه قائلة:
- دكتور هادي! حضرتك سبت المريضة جوه ليه لوحدها وخرجت؟ فيه مشكلة؟ لو فيه أنا موجودة، أو حتى كنت استدعيت أي حد من الممرضات.
رد عليها هادي:
- تعالي يا وفاء ادخلي ليها وبلغيها تروح. دي مش مريضة، دي واحدة من بلاوي الدكتور سفيان. بس بلوى كلاس شوية، ملهاش في جو المستوصف.
جحظت وفاء بعينيها:
- وجت هنا برجليها. ودلوقتي؟ وقت الشغل بتاع المستوصف. ده إيه العالم اللي غاوية تفضح نفسها دي. الله يرحمها ملاك. كانت بتحاول تداري نفسها.
نظر إليها هادي بحدة:
- أيوه لأن اللي جوه دي مش عبيطة زي ملاك ولا ملك. دي عايزة تاخد حقها تالت ومتلت وترجعه لجوزها. رغم إن الهانم أصلاً متجوزة.
لاحظت وفاء ضيقه:
- دكتور هادي. ممكن تهدي شوية. الانفعال ملوش لازمة. اللي حصل حصل لملاك وأي حاجة مش هترجعها. بس معلش استحمل ملك، هي عندية.
نظر إليها هادي قائلاً:
- مش قادر يا وفاء على عنادها، تعبت. أعمل إيه تاني عشان تقتنع. هي غبية مش عارفة إني خايف عليها. مفكرة إني زيه. رغم إني أمي أكدت لها غير كده.
هزت وفاء رأسها قائلة:
- طب بالراحة عليها. دي برضه موجوعة بسبب أختها. والوجع جاي من عندكم يا دكتور. فأكيد كل أما هتقرب من عيلتكم هتفتكر. ما بالك بقى لو شافته.
هز رأسه بتفهم، وكادت أن تدلف إلى حجرة الكشف لتخرج نهال، إلا أنه أوقفها قائلاً:
- خليكي مع ملك الأيام دي يا وفاء. حتى لو هي رفضت ده. هي إن شاء الله الليلة هتكون في بيتي، وأنا هحاول أنقل بيت جدي على بال ما نكتب الكتاب.
ودت وفاء أن تتم الأمور على ما يرام:
- طب ما تطلب المأذون الليلة وتكتب كتابك عليها. بدل ما تنقل بيت تاني وترجع ملك تاني تعاند أو تهرب واحنا ما صدقنا تقتنع بالعيشة معاكم.
هز رأسه بالرفض:
- لا يا وفاء. أنا قايل لها مش هكتب كتابي عليها ولا ألمسك إلا لما تكوني مقتنعة. أنا قصدت أخلي الحاجة شريفة تطردها عشان تعرف إن مالهاش غيري.
فجأة وجدوا نهال تخرج من الغرفة، فترك وفاء وتوجه إلى خارج المستوصف كي يتحكم في أعصابه أمامها.
ياله من مشهد مثير للعجب، فهو الذي وقع تحت سحر الأنثى المتساوية في كل شيء، ليقع تحت سحر أنثى أخرى متعاكسة لها تماماً، ولكنها متناسبة له، الجمال كله يكمن فيها وفي تناسبها له وتقابلها معه وانعكاسها عليه، هي تعكس عليه الضوء من بعيد، رغم أن ضيائها أصبح باهتاً حيث طغى لون الدماء الأحمر فوق خضار قلبها، أصبح قلبها بعد أن كان بياضه مثل بياض القطن اللامع تحول إلى لون الرمال، ونهر حبها ود أن يكون فردياً إلى آخر العمر، سريع الجريان لا يوقفه إلا نهر روح أخرى هائمة مثله، روح تجسدت بهيئة رجل، ذي شعر أسود وملامح حادة، متجسد الدفء به، ولكنها لا تريد أن تقترب منه، رغم فضولها، لأنها المرة الأولى التي تصادف بها طيفاً آخر غير طيف شقيقتها التي اعتادته، وانتظر ربما تلاحظه، لكنها كانت ساهية، ولا تريد أن ترفع رأسها إليه، تعبث بأصابعها فقط وهي تطيل النظر إلى الفراغ، وعندما أطال هو النظر إليها، فاز فضولها فحط طيفه وعادت بقلبها إلى لون القطن اللامع تاركة لون الرمال.
عادت إلى المنزل لتجد حقيبة ملابسها على باب الشقة. حاولت فتحها لم تفتح.
طرقت باب جارتهم لتفتح لها السيدة شريفة وملك تنظر إليها:
- فيه إيه يا حاجة شريفة وليه شنطة هدومي مرمية على السلم والكالون متغير؟ هو انتوا كده طردتوني؟ طب أروح فين وأنا مليش غيركم؟
ردت شريفة:
- الساكن الجديد على وصول. انتي عارفة العيشة بقت صعبة واحنا عايزين نجوز نادر ونفرح بيه. ووجودك قدامه موقف، وانت حالياً في واحد يتمناك، روحي له.
كان يعلم أنه يصارع مع القدر، خاصة عندما يرى كل سنة تمضي من عمره، وهو يعاكس التيار ويلغي كلمة الحتمية، يدرك أيضاً أنه مغامر، واتخذ قرار ألا يضيع اليوم والساعة، قرر أن يؤجل المواجهة والتحول في شخصيته فقط حتى يدخلها إلى عالمه، ويقضي ما بقي له من وقت في رسم الطريق المنقذ لما يواجهها في الزمن، ويعلم أن المواجهة ستحدث في النهاية بينها وبين ابن عمه، لا يعلم ما الذي استخدمه سفيان لمعرفة أخبارها، لكنه يعلم أنها هناك في أرض جرداء بعد أن كشفت لها صاحبة المنزل أنها لا تريدها، وذلك بعد أن أكدت له زوجة صاحب المنزل أنها غيرت مفتاح الشقة، أصبحت تهيم هناك في عالم لا يريدها، لتكتسب القدرة على التحكم في أحلامها وأوقاتها، بل وصل بها الأمر أن تخرج عن السيطرة وتحنق شديداً.
تتذكر عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها، لا تعلم إن كانت طفلة أم مراهقة مثل قريناتها من البشر، وخاصة شقيقتها، وكان اسمها لا يهم أحداً، يستكفوا بمناداتها ملاك مثلها ولا يتطرقون إلى اسمها الخاص بها. اعتاد والدها ووالدتها على ذلك، والعائلة كلها على تلقيبها بملاك لدرجة أنها نسيت اسمها الحقيقي، وكادت تطلب منهم تغيير اسمها في شهادة الميلاد إلى ملاك، وتذكرت أنه كان عليهم أن يفتعلوا ذلك منذ بادئ الأمر حتى يوفروا نقودهم، حيث كان أبوها لا يستطيع تغطية حاجاتهم الأساسية ليدفع نقوده في الهواء لأجلها، ولاعتقادها أنها لا تستحق ذلك.
هتفت ملك بضيق:
- تحدث السيدة شريفة: خليهم ينفعوكي يا ست شريفة. فعلاً كل حاجة في حياتنا مهمة وأهمها الفلوس لأنها هي اللي بتعمل البني آدمين. بس أنا كنت مفكرة غيرهم.
ذهبت إلى لوكانده قريبة من الحارة، وأخذت تتلفت نحوها إلى أن استمعت إلى صوت عامل الاستعلامات وهو يحدثها:
- بطاقتك يا شابة. ولو مش معاكي بطاقة عادي، أهم حاجة تدفعي، ولو مش معاكي فلوس نصبر. الجمال ده كله له تمن وغالي أوي. يا حلوة.
همت أن تعطيه هويتها الشخصية قائلة بخوف:
- عايزة أوضة بسرير واحد ودي بطاقتي ومعايا فلوس الليلة دي. مفيش داعي للي قلته من شوية. أنا مش من الأشكال المشبوهة دي. وعلى فكرة هي ليلة واحدة.
كاد أن يتحدث عامل اللوكانده لولا دخول هادي وضمه إليها من خصرها قائلاً:
- إيه يا ملك؟ هو عشان اتأخرت عليكي في المحطة تزعلي وتتقمصي وتيجي تباتي هنا؟ بلاش لعب الأطفال بتاعك ده. ويالا على بيتنا، ماما مستنيانا.
اتسعت حدقة عينيها بذهول:
- إنت! عرفت منين إنك هنا؟ انت بتراقبني يا هادي؟ ولا انت السبب في كل اللي حصل ليا من شوية؟ أيوه أنا عيلة ومش هاجي معاك. وأنا وانت مالناش بيت.
نظر إليه عامل الاستعلامات بتدقيق، فقبض بيده على خصرها:
- مالك يا ملوكة؟ انتي رجعتي للتهيؤات تاني ولا إيه؟ بقي أنا سفرتك تتعالجي ترجعي زي ما انتي. لا ده أنا كده هشرف على علاجك بنفسي. ما هو تخصصي.
صرخت ملك في وجهه قائلة:
- أنا مش مجنونة. انت اللي مصر تعيشني معاك غصب عني. وزودتها، أنا عايزة أعيش حرة. وأنسي اللي حصل زمان. اللي كل أما أشوفك هفتكره.
انحنى هادي وحمل حقيبتها ونظر إليها بازدراء:
- خلصتي كلامك. أنا هسبقك على العربية. مش هتباتي هنا من غير هدوم. وانت رجع لها بطاقتها. أظن فهمت أنا بشتغل إيه وممكن أعمل فيك إيه.
ظلت متسمرة في مكانها إلى أن عاد إليها وجذبها من معصمها نحو سيارته، وهي تتملص منه ولا تريد ركوبها، فقام بصفعها بقوة، ولأول مرة يصفع بها امرأة، فصرخت قائلة بذل:
- ملكش دعوة بيا. ابعد عني. انت ملكش تضربني. لا انت أبويا ولا أخويا. ولا يمكن تكون جوزي في يوم من الأيام. حتى حبيبي الكلمة دي ماتت.
أدخلها سيارته عنوة وتوجه إلى مقعد القيادة قائلاً:
- زمان كنت حبيبك وهفضل طول عمري حبيبك. وهتجوزك يا ملك. يا إما هشهر بيكي، والدليل أهو جايه لوكانده ملهاش اسم ولا ترخيص.
أخذت تسدد له الضربات قائلة:
- يبقى تشهر بيا أحسن، وساعتها هنتحر وأخلص من حياتي لأن خلاص مبقاش ليها لا سعر ولا قيمة. انت بدل ما تجيب حق ملاك جاي تتجوزني؟
كانت تريد منه إنقاذ لحالتها المدمرة وليس زواجاً، وانهارت أمامه قائلة:
- لازم آخد حقي منه يا هادي. مش قادرة أتنفس وأعيش وهي ماتت، حتى لو كانت غلطت، بس ده مش جزاتها إنها تموت. من حقها تاخد تارها.
تخبطت في كلماتها وتذكرت شيئاً طالما استمعته من والدها، أن سبب ما كان به هو وجوده في الحياة، حيث كان لا يرغب في الإنجاب وكان يريد تحقيق ذاته واللف حول العالم، حيث عندما علم بمولده خسر أكبر صفقة كانت ستساعده على تغيير مسار حياته دون اللجوء إلى والده، ومنذ تلك اللحظة لم تنجح له أي صفقة وترك عمله وعاد إلى مصر، الذي زاد من الأمر سوءاً هو استئصال الرحم لوالدته في يوم مولده أيضاً لحدوث مضاعفات أثناء ولادته وتخيير الأطباء لها بينه وبينها، فاختارت ولادته واستئصال رحمها. هنا عندما عاد والده رفض وجوده واعتبره نذير شؤم، هو أيقن ذلك الآن عندما شعر أنه نذير شؤم أيضاً لملك، وكأن التعاسة خلقت من أجله وحده.
وجد نفسه يهمس بدون شعور قائلاً:
- إزاي؟ وإمتى؟
اندهشت لشروده وهمسه... هو كان في عالم آخر يتذكر حديثه مع جده عندما أشار له بكل ما حدث منذ ولادته وحتى هذا اليوم، وهادي يستمع إليه في صدمة أجاد إخفائها جيداً خلف ملامح وجهه الثابتة.
كيف حدث كل ذلك بتلك الطريقة؟ وكيف استطاعت والدته تحمل كل ذلك بمفردها؟ ولكن صوتاً أتاه معانداً ليقول... هذا هو الأفضل للجميع، فلو كانت اختارت التضحية به لكانت ستعاني ما تلاقيه من خزي وعدم اهتمام من والده، يكفيه إنكاره له، فمهما حدث ما كان ليقبل بطفل آخر، فهو لا يريد إثبات نسبه في تلك الأرض، يريد البعد دائماً.
ردها كان مفاجئاً لأسئلته لتفيقه من حالة شروده:
- بقولك لازم يموت زيها. هو إيه اللي إزاي؟ هو انت مش دكتور وبتساعد الناس يعيشوا. ساعدني أموته بإيدي وأبعته ليها. وإمتى في أقرب وقت.
على الجانب الآخر فور سحبه لها من اللوكانده التي كانت تنوي المبيت فيها، دلفت صاحبة هذا المكان المهترئ وهي تقطب جبينها وتسأل الموظف:
- مش دي ملاك اللي كانت بتيجي مع دكتور سفيان ولا أنا بتهيألي. بس مين اللي ساحبها وراه زي البهيمة كده؟ إيه هو سفيان بقى بيسيب اللي يخصه لحد تاني؟
جحظ العامل بعينيه فقد تذكر للتو أين رأى تلك الفتاة، لتستطرد السيدة قائلة:
- فيه حد أهبل كده زي البت دي. تيجي هنا ومع واحد تاني. أما عجايب. أنا لو منها أستخبى لا يقفشني تاني. ده لو عرف هيعمل منها بطاطس محمرة.
ثم أردفت قائلة:
- أنا كان نفسي أقولها من أول يوم جت المكان هنا. يا ملاك انتي ملكيش في العك ده. انفدي بجلدك. انتي لا أول ولا آخر واحدة جت معاه.
تذكر العامل شيئاً وأردف قائلاً:
- اسمها ملك يا ست إحسان. مش ملاك. أنا أخدت بطاقتها وكنت لسه هملي البيانات بس خطيبها دخل وأخدها من هنا وقال إنها مجنونة.
ابتسمت بسخرية قائلة:
- ما هي يا أهبل مكنتش هتقول اسمها الحقيقي لينا. فقالت تشيل ألف عشان منعرفهاش. بس الغريبة إيه اللي جابها هنا تاني. وخطيبها إزاي وهي لا مؤاخذة. مش هستغرب، جايز ضاحكة على الزبون ده عشان يتجوزها وعاملة فيها مجنونة. ما هو اللي زيها لازم يعيش حياته بقى.
ترك كلا من هادي وملك بوابة لو فتحت على مصراعيها لن تكون أقل ضخامة من اللي صادفت شقيقتها، حيث صادفت بوابات كثيرة فيها يعظم الشر، والشعور الساحق أن لكل بوابة قصة خلف قصة، كل بوابة بنقوشها نكبة وانعدام الأمل لها، لكن هذه البوابة التي تركتها ملك تحوي الكثير، بالرغم من أنها مواربة إلا أنها ليست بسيطة، فهي تمويه عما خلفها، وعندما تم فتح تلك البوابة أصبح سفيان ينتظرهم، فكرت إحسان أن سفيان تغير، ولكن كيف لرجل مثله يملك ملامح ضبابية وكل أفعاله لم تمحو من الذاكرة، كل النزلاء الذين صادفتهم لم يحاولوا أن يهددوها، رغم أنها أعلنت له عدم رضاها عن وجوده، لكن سفيان الوزير مختلف، ربما تناست أو نست أن كل هؤلاء الرجال بسيطون أمامه، أمر غريب كيف لهؤلاء يخضعون في كيفية النزول عندها عدا هو.