تحميل رواية «غرام و انتقام» PDF
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هبط من سيارته الفارهه و التي أثارت استغرابها عندما كانت تنظر من نافذه منزلها. التف حوله مجموعه من العاطلين من شباب الحارة. بدأ بالسؤال عن أي منزل تقطن و تراودت الأساله حوله ومنهم من كان يريد اثارة الفضيحه لها ولكن صاحب المنزل الذي تقطن به جلس معه وتفهم طلبه جيدا و من ثم صعد معه. جلست ملك أمامه تنظر اليه تريد معرفة ما بداخله حتي نطق هادئ قائلا: - شهور بدور عليكي. كاد أن يرق قلبها و لكنها حاولت اخفاء ذلك و أطهرت بعض الغضب. ليسألها بتوجس قائلا: - ليه محضرتيش التيرم ده و ضيعتيه عليكي؟ لسه برضه بتفكر...
رواية غرام و انتقام الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مروة البطراوي
بعد مرور ثلاثة أعوام.
دعوني أوصف لكم المكان الذي قطنوا به بعد عودتهم من إسبانيا. اشترى هادي فيلا في منطقة هادئة، كانت قريبة من مدارس أولاده وعمله هو وملك، إلا أنها هادئة، وهذا ما كان يتمناه. الابتعاد عن ضوضاء الحياة ومحاولة الاستجمام.
آخر الليل، مع اختفاء الجيران. فمنذ أن جاؤوا لم يجدوا أثراً واحداً على تواجد بشر بالفيلا المجاورة. ولكن دائماً يجدون أن الباب يتكدس أمامه يومياً شركات توصيل الطعام. علموا أن صاحب الفيلا أخصائي تدليك، وبالطبع لا بد من الهدوء التام للمركز.
كانت دائماً ملك تستمع إلى صوت الأجهزة من خلال حائط غرفة نومها. وكانت لا تتوقف عن التفكير بهوية صاحب الفيلا. كانت تستمع إلى ضحكته وكأنها تعلم من صاحبها. انتهى الأمر بها إلى ثلاث اعتقادات. الأول أنها فقدت عقلها وعادت إلى الهلوسة، خاصة بعد ما فتح ياسين موضوع ملاك من جديد. والثاني أن هذا أمر يتعلق بالجن، خاصة عندما سألت هادي وشرحت له ما تراه وهو يبدو مدهوشاً كأن الذي فعل ذلك كان يصيبها هي فقط. أما الأمر الثالث، ما كانت تراه ليلاً وهو دخول نساء مثل اللصوص، ومن هندامهم تعلم أنهم جاءوا لقضاء ليلة لا تُنسى. ومن سوء حظها أنها كانت تشارك كل ذلك عندما كانت تشاهد النساء بأم عينيها، ولا تعلم من هذا الذي أغواها.
ذات يوم، عاد هادي من عمله متعباً ليدلف فيلته ويشم أحلى الأطعمة. لينادي باسمها لتأتي مهرولة وهي بمريول المطبخ. ليتقدم منها ويقبل يديها قائلاً:
"بحبك يا ملوكة، بحبك يا أغلى من حياتي، مقدرش أق اوم ريحة أكلك، تعرفي إني ببقى مبسوط وإنتي واخده إجازة؟ عشان تهتمي بيا زيادة."
شعرت بإجهاده لتمسك بيده قائلة:
"إنت كويس يا هادي؟ بليز خد إنت كمان إجازة، الشغل مش هيقف ولا هيهرب. ليه يا هادي بتصمم تعمل العمليات إنت وهما يساعدوك؟ يا حبيبي لازم نعترف إننا بنكبر."
احتضنها وقام بفك المريول لها ليجد أن الفستان الذي ترتديه ظهره مكشوف. أخذ يتحسس ظهرها، ويلمس بيديه وشفتيه ولسانه الملتهب الحار على الشامة التي يعشقها. أتتذكرونها؟ وتتذكرون أنها كانت تمقتها وتريد إزالتها. وملاك أخبرتها أنها هي التي ستحميها. هي لم تحمها فقط، بل هي موضع إعجاب عاشقها.
حملها وهو يداعب تلك الشامة متوجهاً بها إلى غرفتهم وهو يقول:
"تعالي نقعد في أوضتنا، من زمان ما قعدناش سوا. وزغزغت الشامة وقضمتها بسناني، آه منها ومن حلاوتها، حقي أنا يا ناس، بتاعتي. حد يبقى عنده شامة طويلة عريضة بالشكل ده ويبقى عايز يستأصلها؟"
داعبت خصلات شعره الذي بدأ الأبيض أن يغزوها ليزيدها جمالاً:
"إنت لسه فاكر يا هادي؟ أنا مش حباها وإنت كل مدي بتحبها أكتر، إنت بجد أجمل حاجة في حياتي، عمري ما كنت صح لما كنت ببعد عنك."
قبلها هادي من شفتيها بحرارة عاشق ما زال في ريعان شبابه قائلاً:
"ما تيجي نعمل عملية حقن مجهري ونجيب كمان يا ملك، الأولاد كبروا وكل واحد فيهم مسيره يبقى في وادي، وإحنا لسه صغيرين، واحد كمان."
ابتسمت ملك قائلة:
"مش مشكلة، يلا نعمل وماله، أنا كمان نفسي في واد هادي زيك كده، بلاش بنات المرة دي أبوس إيدك، كفاية نورسين الدلوعة بتاعتك اللي مجنناني دي."
في حفل عيد ميلاد تؤأمهما ياسين ونورسين، حيث أنه لم يحالفهم الحظ في إنجاب غيرهما بسبب مشاكل حدثت في الولادة نجت منها ملك بأعجوبة. جاء من ينغص عليهم حياتهم الهادئة والناجحة. حيث ظهر سفيان فجأة وأخذ ينظر لملك بدقة، لتعتلي الصدمة وجهها.
اعتذرت من صديقاتها وهي تنظر نحو هادي تحمد ربها أنه لا يرى ما تراه، ظناً منها أنها تهيؤات أو هلاوس بصرية تريد أن تقتل فرحتها:
"أسفة، الظاهر ياسين معجبوش جو الحفلات اتخنق وخرج بره، عن إذنكم لازم أخرج أشوفه لأحسن يحط خنته في نورسين، إنتوا عارفين قط وفار."
ابتلعت ريقها وهي تتقدم منه لتتأكد أنه هو:
"إنت رجعت تاني ليه؟ وإيه اللي جابك هنا؟ بأي حق تيجي بعد السنين دي كلها؟ مين اللي دعاك أصلاً؟ ممنوع دخول الحفلة إلا للمدعوين."
ابتسم بسخرية:
"أصل في حاجة اتاخدت مني زمان غصبن عني والله، وأنا اتعودت أنا آخد مش يتسرق مني، ولازم حقي يرجع، زي ما إنتي أخدتي حقك."
اضطربت ملك:
"حاجة إيه يا راجل يا مجنون؟ إنت السجن ما حوقش فيك؟ كان لازم تطلع منه على السرايا الصفرا، إنت لو ليك حق فهو مش هنا، مين دعاك على الحفلة، انطق."
ابتسم بخبث وهو يقترب منها:
"إنتي، أو حتة منك مش هتفرق كتير. أوضح كمان، ولا كده فهمتي يا ملاكي؟ بس بجد طلعت صاروخ زيك، لا وبتريل من أي كلمة حلوة."
كادت أن ترد عليه لتنتفض على صوت هادي وهو يناديها يبحث عنها، ففرت هاربة واختفت من أمامه لتظهر شبيهتها. وقد لفت انتباهها أن سفيان كان يقف مع والدتها. توجهت نحوه ونظرت إليه بحب:
"إزيك يا سفيان؟ فرحانة جداً إنك اقتنعت وجيت حفلة عيد ميلادي، إنت اتعرفت على مامي؟ على فكرة هي من زمان عايزة تعرف مين ساكن جُنبنا."
ابتسم إليها بخبث:
"إزيك يا نوري؟ إيه الشبه الكبير ده بينك وبين مامتك ده؟ أنا اتلخبطت بينكم وسلمت عليها كأني إنتي، بس يا خسارة ملحقتش أقولها إني جاركم."
اتسعت حدقة عينيها قائلة:
"بجد هو أنا حلوة كده زي مامي؟ إنت كمان حلو أوي يا سفيان، بس يا خسارة ملكش في الظهور، ليه كده؟ إنت لو دخلت جوه هتقلب الحفلة."
ابتسم سفيان بتفاخر:
"أنا طول عمري بقلب أي مكان بدخله، لذلك بعدت عن الناس ومبقتش عايز أشوف حد بسبب إن الناس بتكره حضوري. عرفتي ليه قافل على نفسي؟"
ابتسمت بخجل من نظراته:
"ممكن تدخل معايا دلوقتي نطفي الشمع سوا؟"
"بص أول ما يطفوا النور أدخل، وأنا مش هشوف حد وأنا بطفي شمعي إلا إنت. شفت أنا ذكية إزاي؟"
ابتسم إليها بسخرية من داخله:
"طبعاً ذكية، وما شفتش في ذكائك غير واحدة بس في حياتي. تعرفي إني نفسي أعرفك عليها من كتر اتفاق صفاتك إنتي وهي، وده اللي خلاني أحبك."
عضت نورسين على شفتيها:
"إنت بتحبني؟ أنا كده هخليك تدخل من الأول وتتعرف على بابي، بابي هيحبك أوي، بس ياسين بقى معتقدش، نفسي أعرف إحنا تؤام إزاي؟"
ابتسم سفيان قائلاً:
"بس كده؟ معنديش مانع، بس بلاش النهاردة، خليها مرة تانية في مناسبة أحلى. يلا بينا يا جميلة الجميلات روحي خليهم يطفوا النار، قصدي النور."
ذهبت ملك إلى هادي عندما ناداها وهي تنظر خلفها بغضب عندما لمحت نورسين حلت محلها ووقفت مع سفيان.
"مالك يا ملك؟ النهارده عيد ميلاد الأولاد المفروض تبقي مبسوطة، وما فيش داعي للغضب بتاعك، إيه يعني ياسين يخرج بره؟ هيدخل وقت ما نطفي الشمع."
هزت ملك رأسها وقررت أن تخبره:
"سفيان رجع تاني ليه وعايز إيه؟ سفيان هنا في الحفلة يا هادي، ومش كده وبس، عارف واقف مع مين دلوقتي؟ واقف مع نورسين، ما تسكتش يا هادي."
جحظ هادي بعينيه:
"ما تخافيش أنا هتصرف، هي متعرفش حقيقته، بس إزاي نورسين أخدت عليه بسرعة كده وهي من النوع اللي مش بتحب تصاحب حد؟"
تعالى الغضب أوجه في صدر ملك:
"بس هي واضح إنها عارفاه من زمان، وإحنا مش حكينا ليها حاجة عن خالتها. هنعمل إيه يا هادي في الورطة دي؟ لازم نتصرف ونخرجه من حياتنا."
قبل أن تترك نورسين سفيان سألته:
"مش هتقولي وأنا بطفي الشمع أتمنى إيه؟ ولا أتمنى على ذوقي؟ بس خلي بالك أنا هقولك إنت لوحدك أنا اتمنيت إيه، ولا تحب أقولك دلوقتي."
شرد سفيان في ملاك بنفس طباعها وتصرفاتها:
"هتتمني إيه يا حبيبتي؟ ده عيد ميلادك إنتي، مش هينفع أقولك على أمنيتي. يا ترى لو عزمتك على عيد ميلادي هتوافقي تيجي وتسمعي أمنيتي؟"
نظرت إليه نورسين بحب:
"بجد يا سفيان إنت هتعمل عيد ميلاد زينا وهتعزمني عليه؟ حلو أوي يارب يكون اليوم ده قريب، وبابي ومامي ما يرفضوش إني أجلك."
ابتسم سفيان بخبث:
"أكيد طبعاً هيوافقوا، إنتي زي بنتي وقدها كمان، ومين عارف يمكن تكون موجودة يومها وتتصاحبي عليها، وبابي ومامي كمان يجوا."
اتسعت حدقة عين نورسين بذهول:
"بنتك! هو إنت عندك بنت زيي؟ ومتجوز بقي ولا طنط تعيش إنت؟ أوعى تقول إن طنط دي قد مامي، يعني إيه أقولك عمو؟ وبلاش سفيان؟"
كاد أن يرد عليها لولا أن ناداه هادي متقدماً إليهم ليختفي سفيان فجأة وهي تنظر إلى هرولته قائلة لنفسها:
"إيه اللي حصل عشان يطلع يجري بالشكل ده؟ للدرجة دي بابي مخيف للناس؟ بس أنا لازم أعرف موضوع مراته وبنته ده وليه مقالش عليهم من الأول."
كاد هادي أن يتحدث معها ولكن ظروف عيد الميلاد منعته، وهروب سفيان كان حركة صادمة له.
ذهبت ثاني يوم إلى الجامعة الخاصة وهي بالسنة الأولى، وهذا ما دفع سفيان إلى اعتقاده أنها ابنته، لا يعلم أن دخلت التعليم وهي بعمر الأربع سنوات. قابلت صديقتها التي استقطبتها إليها عندما كانت تعاني من ألم في رقبتها فدفعتها نحوه، والذي ساعدها على الذهاب إليه دوماً هو أنه يسكن بجوارها.
"طب إنتي ليه ما ضربتيش على الحديد وهو سخن وسألتيه؟ هو أكيد بيتهرب منك، شايفك صغيرة ومش من سنه عشان تبقي حبيبته، بس غريبة."
زفرت نورسين بحنق:
"تفتكري ما سألتش؟ سألت طبعاً، وكنت مستنية الإجابة، بس بابا نده عليا أطفي الشمع، الغريب بقى إنه اختفى فجأة زي العفريت، الظاهر خاف."
ابتسمت بدور بخبث قائلة:
"باين عليه بيحبك أوي، ما قدرش يجاوبك على الأسئلة، لأنه معندوش إجابة، أكيد كان بيكذب عليكي لما عرف إنك بتحبيه، وخايف عليكي."
تنهدت نورسين:
"وأنا كمان بحبه أوي أوي يا بدور، ومش قادرة أتخيل غيره، تفتكري بابي ممكن يرفض؟ اللي خايفة منه أكتر مامي، مش بيعجبها حد، وديماً تخوفني من الناس."
أصبح الزمن الحاضر هو زمن الحقيقة العارية. جاء موسم الشتاء، ومهما كان قاسياً لا سبيل لديه كي يغلب النار التي تسري في جسدها منذ لحظة رؤيته. كانت تشعر بأنه قريب منهم على مدار عام كامل. فكرت ملك بعد سبعة عشر عاماً من رجوعها مصر أن تعود إلى إسبانيا، حتى لا تحترق بنيرانه أكثر، أو يصيب أحدهم مكروه. فسفيان مثل المرض الذي لا وقاية منه، وقريباً سيكونوا قرباناً له.
وقفت أمام المرآة تنظر إلى ملامح وجهها وكأن الزمن لم يغير منها شيئاً، وفي لحظة فكرت دون قصد بالفيلا المجاورة، أو بالأحرى شعرت أنه هو.
ركضت إلى غرفة ياسين ابنها حيث أنه لم يذهب إلى الجامعة اليوم فليس لديه محاضرات. دلفت وهي تبتسم بتوتر:
"بتعمل إيه يا ياسين؟ ياسين إنت بتتكلم مع أختك نورسين ولا كالعادي بتتجاهلها؟ أتمنى إنك تقرب منها الفترة دي، أنا حاسة إنها مش مظبطة."
عقد ياسين ما بين حاجبيه:
"إيه يا ملاكي بس؟ إنتي تعرفي عنها حاجة ومخبياها؟ وبعدين نورسين بقالها فترة هي اللي متجاهلاني، وإنتي عارفة مبحبش الدلع بتاعها."
هزت ملك رأسها:
"لا طبعاً ده مش دلع، ده إنت اللي حمقي بزيادة، أنا مش عايزها تحس إنها لوحدها تقوم تدور على حد بره تتكلم معاه، إنت تعرف مين صحباتها؟"
أخذها من يديها ليجلسها:
"نورسين مصاحبها أحسن ناس، ومش بتاعت لف ولا دوران، فهميني بس إيه اللي قلقك فجأة كده؟ وإمبارح في عيد ميلادنا كنتي متوترة."
كانت تمسك بهاتفها وهي متوترة:
"طب اسمعني، أنا هحكي حكاية خالتك اللي كان نفسك تسمعها من زمان لحد إمبارح واللي حصل، ولازم نساعد بعض بالراحة عشان ميحصلش مشاكل."
سردت ما حدث لشقيقتها من سفيان حتى انتهى بها المطاف عند وقفته مع ابنتها. صمت ياسين ولم يبدِ أي رد فعل لتجد نفسها تتركه وتخرج من غرفتها تتفاجأ برجوع هادي من العمل مبكراً.
قطب جبينه وهو ينظر لها وهي تخرج من غرفة ابنهما ويكسو وجهه خيبة الأمل:
"ملك مالك؟ أرجوك يا حبيبتي خلي ياسين بعيد عن الموضوع ده، ياسين مش زيي ده متهور، إنت حكيتي ليه صح؟ طب ليه؟ يا ملك أنا هتصرف."
هزت ملك رأسها:
"أبدا، إنت عمرك ما هتتصرف، المرة دي تخص بنتي، الحقير بيقول إنها نسخة من ملاك، يعني بيهددني بضياعها، أعمل إيه أهرب؟ وأفرض بقى ورانا."
أخذها إلى غرفتهم وأغلق الباب:
"بس أنا عارف أنا بعمل إيه كويس، إنتي اتضايقتي لما شفتي سفيان من قبل ما تشوفي إنه واقف مع نورسين، إنتي رافضة وجوده وأنا كمان زيك."
هنا طفح الكيل لدى ملك:
"أنا كنت صح لما عرفت ياسين بكل الحكاية، ولازم نورسين كمان تعرف، مش هينفع نخبي عليها ونسيبها تضيع، كمان لازم نعرف عرفته منين."
كانت تتحدث وهي يمتلكها الغضب ليأخذها في أحضانه:
"هيحصل يا ملك بس في وقته، أنا مراقب نورسين من إمبارح، ومصيري هعرف هي عرفته منين، ساعتها أنا مش هرحمه وهعرفها حقيقته."
تذمرت ملك وخرجت من أحضانه تواليه ظهرها بضيق ليذهب خلفها:
"ملك! إيه اللي حصلك؟ هي رجعته هتقلبك عليا؟ على فكرة إنتي بتوصّليني إني أقتله بإيدي، وأنا عمري ما هعملها مش عشان مبقاش مجرم لأ عشانك."
شعرت ملك بتعب كبير أسفل جسدها وكادت أن تسقط كالهلام:
"أنا تعبانة أوي جسدياً ونفسياً يا هادي، بقالي فترة عندي مشاكل في الرحم ورجعة الزفت ده قلبت عليا كل المواجع، أنا ممكن أخسر نفسي لكن إنتوا لا."
نظر إليها بقلق وهي تحاول الجلوس:
"أنا هتصل بالدكتور بتاع إسبانيا، وهنسافر إحنا والأولاد ولو محتاجة العملية هتتعمل، وسيبك من هم الزفت ده، أنا هوقفه عند حده كويس."
منعته ملك قائلة:
"لا أنا كويسة متقلقش، شوية هرمونات ملخبطة مش هحتاج للعملية إن شاء الله، ولو احتاجت نسافر وقتها، خلينا نركز في مشكلتنا أفضل."
قبل جبهتها قائلاً:
"بجد إنتي كويسة؟ طب عشان خاطري خلي بالك من صحتك الأيام الجاية، وبليز متدخليش في موضوع سفيان ده خالص، فاكرة لما اتدخلتي زمان؟"
هزت رأسها تعلم ما يلمح:
"ما تقلقش عليا، تفتكر إني لسه ملك الطايشة بتاعت زمان، استحالة خلاص يا هادي أنا دلوقتي لازم أحافظ عليكم، وهو لازم يتيقن إني مش ملاك."
واستطردت قائلة:
"أول مرة يمر عليا الشتا وأنا حاسة بالدفا، بس ده مش دفا، دي نار قادت فيا من لحظة ما شفته، ياريتني ما حاولت أظهر نفسي قدامه زمان."
شدد من أحضانه لها قائلاً:
"حضورك في حياتي هو اللي جننه، مين يعلم مش يمكن يعرف إنك تؤام لملاك بس عايز يرجع ذكريات ماتت معاها، ويمكن ده كله انتقام مني."
رواية غرام و انتقام الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مروة البطراوي
في فيلا سفيان، ضحكت نورسين بشقاوة قائلة:
- أنا نفسي أطير و أسافر معاك، بس يا ترى هتمل مني؟
- لا طبعاً. طالما انتي معايا عمري ما أمل منك أبداً.
- بقولك إيه، أنا عايزة أتفرج على الفيلا. و فرصة أشوف حكاية مراتك الغالية و بنتك اللي حكيت لي عنهم. شكلك كانت طالبة معاك تفكك مني.
وضع يده في جيب بنطاله وقال:
- و ليه أطلب معاك أكذب عليكي؟
أجابت بجدية اكتسبتها من والدها، لأنها دائماً تراه مسؤولاً تجاه بيته وأهله، ولم يطلب منهم تحملها. وهي مؤمنة بما يفعله والدها، حتى أنها ترى ذلك تجاه والدتها. تراها امرأة ناضجة وزوجة مسؤولة وبجانب والدها دائماً. أما عن سفيان، لم ترى به صفات والدها، لذلك شعرت بأنه صغير، ولا تجد زوجة تقف بجانبه.
- أهو تحاول تخلص مني. عارف أنا فهمت كده إزاي؟ كل مرة هنا بلاقي خدامين كتير و مفيش ست البيت زي مامي. تعرفي إحنا حتى قبل ما نرجع مصر، مامي كانت هي اللي بتقوم بتنظيف البيت في إسبانيا، و تشرف بنفسها على الأكل. لكن أنت مفيش ست موجودة في حياتك زي ما عندنا بالظبط.
تقدم منها يمتلك خصرها و يشاكس أنفها بأنفه هامساً:
- إيه رأيك تسيبك من كل ده و أعملك مساج لرقبتك يا نوري؟
نظر من خلفه ليجد الشبح الذي التصق به طول العمر نظير خروجه من السجن.
- دكتور سفيان عنده جلسة مهمة دلوقتي، مش هيقدر يدلك ليكي رقبتك يا صغنن. تحبي أدلكهالك أنا؟ و أهو فرصة أعرفك بنفسي، مش متخيلة أنا نفسي أتعرف عليكي إزاي.
نظرت إليها نورسين بغيرة:
- بس أنا مش عاوزة أدلك رقبتي. أوعي كده من قدامي، مفيش جلسات أهم من جلستي. انتي مين عشان تقولي يقدر و لا ميقدرش؟ شاكرين أفضالك.
كادت أن تتحدث شدوة ليوقفها سفيان:
- نورسين، تعالي يا حبيبتي. محدش يقدر يعارض قرار أنا أخدته. إيه يا شدوة هتفضلي واقفة قدامنا كتير؟ روحي لشغلك و استأذني من صاحبة الجلسة.
نظرت إليه شدوة بغيظ لتبتسم نورسين بسخرية:
- يلا يا حبيبتي روحي شوفي شغلك. و بعد كده لما أكون هنا متدخليش تقاطعينا، و لا حابة أقطعلك عيشك؟ انتي قد مامي و بصراحة تصعبي عليا.
خرجت شدوة و أغلقت الباب خلفها و وجهها مكفهر، لتعزم أمرها أن تصل إلى هادي و هي لا تعلم أن هادي بنفس المنطقة. فهي منذ أن جاءت إلى هنا لم تخرج من الفيلا حتى توقف أعمال سفيان المشبوهة.
ابتسم سفيان إلى نورسين قائلاً:
- يخرب عقلك يا نوري. إيه يا بت الجمدان ده بس. دي مراتي و أم بنتي يا نورسين. مكنش يصح تعملي كده معاها قدامي. شفتي بقي أنا مطلبش معايا أوزعك إزاي؟
عقدت نورسين ما بين حاجبيها:
- بتقول إيه؟ عايزة تفهميني إن دي مراتك؟ و أنت ساكت و أنا بهزق فيها؟ انت أكيد بتهزر. بابي عمره ما سمح لمامي إن حد يرفع صوته عليها.
تعالت ضحكات سفيان قائلاً:
- لا طبعاً أنا ما سكتش. بس كنتي عايزاني أعمل إيه مع واحدة مش بتحترم زباين المكان؟ و بعدين دي إنسانة وضيعة، ملهاش عندي أي احترام.
شردت نورسين أمامها ليستطرد سفيان:
- الله! وردتي الجميلة سرحانة في إيه؟ أنا هفهمك. جوازي من شدوة كان عامل زي عملية حسابية. أنا عمري ما حبتها، و لا هي كمان. هي وحشة أوي.
نظرت إليه نورسين بخيبة أمل:
- أيوه بس في الآخر أنتم متجوزين، و مينفعش واحدة زيي تدخل ما بينكم. و لما أنت مش بتحبها و لا هي كمان ليه مكملين؟ عشان بنتكم؟ طب هي فين؟
شرد في الفراغ:
- حبيبتي قفلي على السيرة دي. مش بحب أفتحها. إحنا مش كنا هنعمل تدليك الرقبة؟ يلا بينا، عشان مينفعش تتأخري على أهلك أكتر من كده.
استوقفته نورسين:
- أنا عايزة أقولك حاجة، بس متتضايقش مني. بنتك دي ماتت صح؟ أكيد ماتت و ده اللي مسبب الألم و الجروح في قلبك، حتى مراتك مش مبسوطة.
تنهد سفيان بوجع:
- قولي عايشة و مش عايشة. كل يوم بسأل نفسي، يا ترى هشوفها امتى؟ نفسي لما أشوفها أقولها أنا أبوك، بس للأسف في ناس عمرهم ما هيعطوني الفرصة.
شعرت بوخزة في قلبها:
- سفيان أنا بحبك، و معنديش مانع أكون زوجة تانية ليك. بس إيه حكاية بنتك دي بالتفصيل؟ بابي له معارف جامدة لو ليك مشكلة هيحلها ليك.
تحدث في داخله:
- إذن هي لا تعلم شيئاً من الماضي.
ليتحدث بعدم استيعاب:
- انتي بتقولي إيه يا نورسين؟، انتي لسه صغيرة على الجواز، لسه ما شفتيش من الحياة اللي غيرك شافه. اوعي يا نورسين تسمحي لحد إنه يمتلكك.
نظرت إليه بغضب:
- أنا مش صغيرة، أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس. و لا عشان سنك كبير؟ يبقى مينفعش تتجوزني؟ أنا كبيرة و الدليل إن بجيلك هنا لوحدي.
ابتسم من داخله في سخرية فهي ما زالت بسذاجتها:
- و أنا كمان بحبك، بس أمك مش هترضي يا نورسين. عارفة كانت بتكلمني فيه قبل ما أشوفك في البارتي؟ كانت بتهددني، يعني مش هقدر.
نظرت إليه نورسين بعدم استيعاب:
- بجد! كانت بتهددك؟ طب هي تعرف منين إنك بتحبني عشان تهددك؟ أكيد رجعت تراقبني تاني، بس أنا مش هسمح لها تمارس تسلطها عليا.
أولاها سفيان ظهره لتستطرد:
- إيه في إيه؟ قولي حصل إيه تاني. الغريبة إنها ما بينتش ليا حاجة يوم الحفلة. ماما من النوع اللي مش بتمسك لسانها. إيه اللي مسكتها المرة دي؟
توجه نحو باب الغرفة يفتحه:
- شدوة عندها حق في جلسة مهمة لمريضة مهمة لازم أعملها بنفسي. روحي دلوقتي و بعدين هحكيلك مامتك قالت لي إيه، ممكن يا نورسين؟
هزت رأسها:
- تمام، ما تتصلش عليا من فضلك ما ربما فعلاً مراقباني، بس ممكن لو أنا اتصلت ترد عليا و ما تتهربش مني؟ بلاش تعذبني يا سفيان.
راقبتها شدوة وهي خارجة لتراه يتلفت حول نفسه، وسرعان ما ركضت إلى الفيلا المجاورة. صعدت شدوة إلى غرفتها و فتحت نافذتها ببطء لتجدها تتطل على دورة المياه، عندها قامت ملك بغلق النافذة. عزمت شدوة أمرها إلى الذهاب إليهم، ولكن مهلاً لا بد من التأكد من خروج نورسين.
في اليوم التالي بعد خروج نورسين والتأكد أنها ذهبت للجامعة، أنهت شدوة تجهيزاتها و ارتدت الزي الخاص بالعاملات، مع النظارة الشمسية. ولم يبق أمامها إلا التأكد من عدم مراقبة سفيان لها واعتقاد أنها من العاملات. فتحت لها ملك الباب، وما إن رأت زيها اشمأزت منها. تأكدت هنا شدوة أن ملك منغلقة على نفسها ولا تخالط الجيران. فهي وإن سمحت لها بالدخول لأخذ بعض الماء، لم تحاول أن تفتح حديثاً مطولاً أو تبتسم من باب المجاملة. خرجت شدوة من دورة المياه التي وجدتها مقابلة لغرفتها، وعبرت الممر لتلقي نظرة عابرة على غرفة النوم، لتجدها ذات طابع أنثوي. دلفت لتتأكد أنها مطلة على غرفة سفيان، لتسقط أمامها صورة فوتوغرافية بجانب الفراش. وما إن هبطت لم يسعها التدقيق في هوية صاحب الصورة بسبب اندفاع ملك من خلفها، لتنتفض شدوة تردف قائلة وهي تخلع نظارتها:
- أنت عارفاني يا دكتورة، مفيش داعي تبلغي عني. ممكن تسمعيني أنا جيت هنا ليه. أنا جاية أبلغك إنك لازم تلحقي نورسين، سفيان مش هيسيبها.
نظرت لها ملك بذهول:
- إيه!!! سفيان؟ يعني أنا كنت صح لما شكيت إنه صاحب الفيلا اللي جنبنا، بس مكنتش متأكدة. انتي جاية تعملي مصيبة زي ما أمرك صح؟
هزت شدوة رأسها بحزن:
- للأسف، حياة نورسين معرضة للخطر بسبب سفيان. ده واكل دماغ البنت. بنتكم كل يوم عندنا و مش بطيق إني أدخله، رغم إنها عرفت إني مراته.
تلقت ملك كلمات شدوة ليبقي في عينيها سكون يمحو الضجر المتوقع، حيث كانت كلماتها بمثابة ظلمة أول الليل، يفتح ظلماته على حكايات لا بد لها أن تروى، وكأن أعلى قمة للسعادة تمت لمرة واحدة وانتهت، لتبدأ في سلسلة متعددة من الشقاء.
- دكتورة ملك! انتي كويسة؟ أنا آسفة، بس مكنش ينفع ما أتجوزوش. أنا كنت غلطت مع شريف قبل ما يسافر، و شريف ضيع نفسه، و الحل كان سفيان.
لتسرد لها ما دار في السجن في آخر زيارة عندما قامت بتهديده بالتسجيلات فسألها:
- عايزة العيادة و لا البيت يا شدوة؟ أنا بقول خدي العيادة بيعيها و افتحي مركز تمريض، بدل ما انتي شغالة كل شوية عند دكتور شكل. انتي فيكي الطمعية.
لم تجب شدوة عليه لأنها كانت شاردة في طلبها الأكبر:
- شكل العيادة مش عاجباكي، يبقى البيت. بس أنا كده مش هيبقي عندي حتة أبات فيها، ومش هقدر أعمل العيادة بيت، لكن ممكن أعمل البيت عيادة.
- تتجوزيني يا سفيان، و ده آخر قرار عندي. بعد بكرة أنا جاية بزيارة و معايا المأذون. لو وافقت هتخرج من هنا، و لو مش موافق المدة هطول و تبقي مؤبد لأنك بتتأمر على قتل مع الإصرار و الترصد.
بعد ما انتهت من سرد هذا الحدث أوقفتها ملك و طلبت منها الرحيل لتعود شدوة إلى المنزل، وتصعد ملك إلى غرفتها تتحدث مع نفسها:
- طب أنا هعمل إيه دلوقتي؟ و أقول لنورسين إيه؟ و أقول لهادي و لا أتصرف لوحدي؟ أنا لازم أقتل البني آدم ده، لأنه بقي خطر على حياتنا.
دلف في هذه الأثناء هادي ليجدها شارده فتحدث بهدوء:
- إيه يا حبيبتي مالك؟ على فكرة أنا عايزك تطمنيني نورسين من البيت للجامعة ومن الجامعة للبيت، مش بتقابله خالص، بس لحد دلوقتي مش عارف عرفته إزاي.
نظرت إليه باستهزاء:
- مليش يا هادي، إنما خير إيه اللي جابك بدري النهارده؟ كنت خد راحتك في شغلك زي كل يوم، و ما تشيلش همي و لا هم أولادي خالص.
جحظ بعينيه وهو ينظر إلى ساعة يده:
- بدري إيه يا ملك، الساعة خمسة. ده ميعاد الغدا بتاعي، و بعدين انتي نسيتي إن بقالي فترة مش بنزل بليل عشان التعب اللي عندي؟ كمان دول أولادي.
أغمضت ملك عينيها:
- أنا عايزة أنام، مليش نفس و لا مزاج لا للأكل و لا لتحضيره. ممكن تسيبني لوحدي لو سمحت؟ حاسة إني التعب حل عليا تاني، و الأدوية بقي مفعولها بطيء.
اقترب منها هادي قائلاً وهو يرفع خصلات شعرها المنسدلة على عينيها كأنها أسدلتها حتى تخفي عنه حقيقة شيء ما:
- لو هسيبك و تنامي فعلاً يبقي شيء كويس. انتي من يوم عيد ميلاد الأولاد مش بتاخدي كفايتك. إيه رأيك أنا كمان هنام معاكي و بليل نخرج إحنا الأربعة نتعشى بره.
أزاحت يده من على شعرها و ابتعدت عنه موالية له ظهرها، توجه خلفها:
- مالك يا ملك، انتي من عيد ميلاد الأولاد و انتي بتبعديني عنك. أنا مليش ذنب في رجوعه، مش يمكن كان واقف مع نورسين بيتعرف عليها.
التفت إليه تنظر إليه بضيق:
- ابعد عني، انتي مش قادر تحس بالنار اللي جوايا. متأكد إنك بتراقبها؟ لو بتراقبها كنت عرفت إنها بتدخل الفيلا اللي جنبنا، و ده مش يتسكت عليه.
كاد أن يصفعها ولكن تماسك وأخفى غضبه:
- أنا هروح أتكلم معاها، و انتي معدش كلام بيني و بينك لحد ما تهدي و تخفي من عصبيتك اللي ملهاش لازمة. إيه يعني لما تروح تزور صاحبتها؟
أخبرته أن مالك الفيلا التي بجوارهم هو سفيان ليعقد ما بين حاجبيه غير مصدق ما تقوله، يعتقد أنها خيالات أو هواجس. يتركها على الفور و يهرول نحو المنزل المجاور ليتفاجئ بخروج صغيرته، تخفي خلف الشجرة، وشعر بوخزة في قلبه. وما إن أراد الهجوم على المنزل حتى رأى سفيان يخرج منه، صعد سيارته على الفور ذاهباً خلفه بأقصى سرعة مطلقة حتى تتم المواجهة الشرسة بينهم حيث قام بقطع الطريق عليه كقطاع الطرق. ابتسم الآخر بخبث فقد كان ينتظره منذ مدة طويلة. وكان يعتقد أنه مجرد ضرب عادي وتسديد اللكمات. بالفعل كان هذا في البداية وتصارع فيما بينهم بالأيدي ومحاولة كل منهم تمزيق الآخر. ولكن تطور الأمر عند هادي إلى إخراج السلاح من جيبه الخلفي وقام بإطلاق الرصاص بصورة عشوائية على رجلي سفيان حتى سقط تحت قدميه. ليتقدم منه ويقف عليهم قائلاً وهو يجز على أسنانه:
- كان لازم أعمل فيك كده من زمان. مراتي و بنتي خط أحمر يا سفيان. لو حاولت تقرب تاني الطلقة هتكون في مخك.
عاد هادي إلى المنزل وملابسه مغبرة وممزقة، بالإضافة إلى كدمات حول عينيه وجرح غائر في يديه. اقتحم غرفته مسرعاً حتى لا يراه أولاده. كانت عائدة إلى الغرفة بعد الاطمئنان على أولادها وعندما رأته شهقت بقوة وهي ترى شعره الأشعث و وجهه المجروح. وما كادت أن تتحدث حتى أوقفها بنبرة قاسية:
- عايزة تعرفي في إيه هقولك انتي السبب.
تراجعت عن التقدم نحوه وهي تنظر إليه بألم فقد تأكدت أنه ذهب إليه. لتجز على أسنانها بعنف:
- للدرجة دي يا هادي، أنا السبب إني قلت لك تروح تجيب حق السنين؟ مش أحسن ما يعمل في البنت حاجة و نفضل عايشين بفضيحة طول العمر؟ افرض هي وياسين حاسبوك هتقولهم إيه؟
أصبحت قاسية القلب لم تعتاده ضعيفاً إلى هذه الدرجة ويلقي اللوم عليها أنها دفعته، وزادتها عليه أنها لم تهتم لأمره عله يصبح قوياً ويلتفت إلى حربه مع الأفعى التي ستدمر منزله.
على الجانب الآخر في غرفة نورسين بعد أن تظاهرت بالخلود إلى النوم حتى لا تشك أمها في أمرها، هاتفها سفيان وقدميه تتساقط دماء ليخبرها:
- شفتي يا نورسين اللي والدك عملوا فيا؟ حاول يقتلني، بس أنا عمري ما هبلغ عنه، لأنه أبوكي يا حبيبتي و من حقه يخاف عليكي مني، فرق السن كبير.
اتسعت حدقة عيني نورسين بذهول وشهقت:
- سفيان انت كويس، بابا عمره ما كان بالوحشية دي، طب و بابا عرف منين إني أعرفك، أكيد ماما زي ما توقعت مرقباني و بتروح تقوله.
تعالت ضحكات سفيان:
- هي لحقت؟ طب أخاف أنا من مين دلوقتي من مامتك و لا من والدك، ده ضرب عليا نار يا نورسين، بصي خليني بعيد عنك أنا خايف يأذوكي.
هزت نورسين رأسها بضيق:
- يعني أنا مش هشوفك تاني؟ طب أنا مش هبعد عنك، و لا هسمح لهم يبعدوني. إيه رأيك تتقدم ليا و أنا هصر عليك، يا أما ههددهم بالهرب.
ابتسم بخبث:
- لا خلاص مش هبعد عنك، انتي كمان مش هتبعدي عني أبداً، بس مش عايزك تجيلي الفترة دي الفيلا. إيه رأيك نتقابل في حتة بعيد عن بيوتنا؟
لمعت فكرة خبيثة برأسها:
- لو عايز نتقابل خليني أشوفك بكرة، أنا معنديش محاضرات. إيه رأيك، هروح الكلية عادي و أخرج من الباب الوراني قابلني هناك بس هو انت هتقدر؟
كان يريد الاعتراض و لا يعلم كيف يتخلص من سياستها لفرض نفسها عليه، ولكن جائت هي بالسبب:
- بس أنا تعبان يا نورسين، حتى هخلي شدوة تطلع لي الرصاصة بتاعت أبوكي من رجلي و هفضل راقد تلات أيام على الأقل، بعدهم هقابلك.
تذكرت ما فعله والدها فزفرت بغضب:
- يعني أنا هقدر أصبر و مش أشوفك و انت بالوضع ده؟ عموما ابقي كلميني يا سفيان، أنا مش هقدر على كل ده. سفيان انت هتقول لشدوة؟
ابتسم بخبث:
- انت بتقول إيه انتي متعرفيش إنها ممكن تبلغ عنه بسرعة؟ طب أنا أراهنك إنها ما هتصدق أصلاً إن أجبلها سيرة أبوكي، و متسألنيش ليه.
قطبت جبينها:
- بجد! ده بابي عمره ما عمل في حد حاجة وحشة، تصدق أنا كمان استغربت نظراتها الحاقدة ليا. طب ليه مش أسأل؟ ما تقولي الحقيقة و تريحني.
ليدلف هادي فجأة يراها تتحدث في الهاتف و يستمع إلى جملتها الأخيرة لينزع منها الهاتف و كأن سفيان شعر بأنفاس هادي فقام بغلق الخط. ليبحث هادي في الهاتف و يرى اسم مدون باسم صافي. يالها من ماكرة! أغلق الهاتف أمام عينيها:
- بتكلمي مين يا نورسين؟ خدي بالك تحكي الحقيقة، لو كذبتني مش هرحمك. انتي مفكراني بابي الهادي العبيط الأهبل؟ فوقي لنفسك، أنا عرفت كل حاجة.
تلعثمت نورسين قائلة:
- دي دي دي صافي صاحبتي يا بابي، أنا مش بكذب. حقيقة إيه اللي حضرتك تعرفها عني؟ على فكرة أنا عارفة مين السبب، مامي، على طول ظالماني.
صفعها بيده اليمنى و اقترب منها و أخذ السلسال الذي كان في عنقها، هدية عيد ميلادها. قام ليلة أمس بوضع مسجل صوتي به. كان ينتظر عودتها اليوم ليتوجه لأخذه منها وهي نائمة، ولكن ملك فاجأته بكل شيء.
- مامتك عندها حق، اتأخرت كتير على بال ما أعرف غلط اتغلط زمان ممكن انتي تقعي فيه دلوقتي. خطأ موت واحدة شبهك عشان حبت واحد زيه. من النهارده لازم تسمعي كلامنا و بس و تعرفي الحقيقة مننا إحنا و بس.
ارتعشت نورسين أمامه و أخذت تتحسس آثار صفعة و عنقها الذي قام بنزع السلسال منه:
- حاضر يا بابي، بس بليز متزعلش مني. انت ليه بقيت قاسي عليا بالشكل ده؟ انت و مامي، حتى ياسين حاساه عايز يموتني، للدرجة دي ده أنا حبي***
جذبها من رأسها و أودعها في صدره يقبل جبهتها بحنو بالغ:
- الصبح و علينا خير هحكيلك كل حاجة يا حبيبتي، أنا عمري ما هكره ليكي الخير و إنك تحبي و تتحبي. اللي هحكيلك عنها حبت زيك و حبت نفس الشخص بس آخرتها كانت الهلاك. نامي و انسي للصبح.
وغادر هادي الغرفة و معه هاتفها ففتحه ليجد سفيان يحاول الاتصال بها مرة أخرى فقام ببعث رسالة تهديد له. أما عنها جلست على فراشها:
- كان لازم ما أستهون بيك يا بابي، كنت شايلة هم أمي طلعوا الاتنين و كمان ياسين. يا ترى بكرة هيحكوا لي عن مين؟ و يا ترى له علاقة بسفيان.
رواية غرام و انتقام الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مروة البطراوي
رتب سفيان حقيبته وهو يلهث، لا يصدق أن هادي سيأتيه ليقضي عليه في أي لحظة. بعد أن أعد العدة للتأثير على نورسين، وكان سيشرح لها ما صار في الماضي بنفسه، ويقدم على الفوز بها، كان يأخذها ويتقابل معها من عشاء لعشاء دون الحصول على أي شيء يتعلق بها. هو يريد النسخة الأصلية منها. فشل سفره قبل موقع إقلاع الطائرة بساعة. تشنج عنقه فجأة بسبب ضرب هادي المبرح له، مما أسفر عنه نقله للطوارئ وتم رفض السفر وألغيت رحلته. لا يصدق أنه كان على عتبة الهروب ولم يفلح، حيث تم نقله لمستشفى ليقيم بها أربعين يومًا وتركيب رقبة له، وإن لم يتم ذلك سيؤدي به إلى الشلل، بالإضافة إلى التوتر الذي لازمه منذ لحظة دخوله المشفى خوفًا من اكتشاف الطلقة النارية التي كانت بقدمه.
عند هادي، بعد أن غادر غرفة ابنته، دلف إلى غرفته ليرى ملك نائمة.
"ملك. أنا عارف إنك صاحية. مافيش داعي لحركات العيال اللي بتعمليها دي. كده إنتي ارتحتي صح؟ كنت هقتله عشانك وضربت بنتي برضه بسبب."
انتفضت ملك قائلة:
"نعم؟ أنا برضه اللي قلت لك روح اقتله. أنا مطلبتش منك تعمل حاجة في نورسين. انت اللي قصدت كده عشان تكرهني أكتر ما هي بتكرهني."
جذبها بعنف وأخذ يهزها:
"مالك يا ملك؟ أعمل إيه عشان أرضيكي؟ إنتي اللي إنتي عايزاه هيحصل بكرة. هقولها على حكاية أختك اللي اتبلينا بيها كلنا، هقولك قد إيه استحملت."
انهمرت دموعها ليرق قلبه ويمسح دموعها بكل حب:
"ليه بتخليني أقسي عليكي يا ملك؟ ملك أنا عايز أعيش معاكم في سلام. مش ضامن إيه اللي باقي من عمري. عملت إيه في حياتي عشان يحصل معايا كده؟"
دفنت رأسها في صدره:
"عاوزة أقولك حاجة؟ صدقني أنا أعصابي تعبت أول ما شفتك راجع من بره. أنا لا عايزاك تقتله وتخسر نفسك ولا إحنا نخسرك. طب نهرب تاني؟"
أخذ يربت على خصلات شعرها:
"قولي هو اللي يهرب، وما يقدرش يتكلم مع بنتنا بعد التهديد اللي بعته ليه. تعرفي إن كان فاضله شعرة وهو يزيف كل الحقائق؟ بس إنتي صح."
خرجت من أحضانه:
"أنا اتحملت ذكريات فوق طاقتي، ومعنديش استعداد بنتي تقع في نفس الغلطة بتاعت ملاك. بس لي حاسس إنه ممكن يخاف منك؟ تفتكر اللي زيه ممكن يخاف؟ ده بقاله سنين ساكن جنبنا وإحنا منعرفش."
ذهل هادي مما سمعه، كان يظن أنه هنا لبضع شهور:
"سنين!!! إنتي متأكدة من اللي إنتي بتقوليه ده؟ يعني ده دكتور التدليك اللي بيتردد عليه أمم؟ مستحيل، دي مصيبة. ده أكيد مكان مشبوه، إنتي متأكدة؟"
هزت رأسها بتأكيد قائلة:
"أيوه هو. قلتلك كتير مش مرتاحة للفيلا اللي جنبنا، وإنت تقولي ملناش دعوة. إنت مفكر إنه أجرها جديد؟ لا يا هادي، ده هنا من زمان، وشايف البنت بتكبر قدام عينيه."
كانت منهارة وهي تتحدث معه ليعاود احتضانها:
"على قد ما أنا مرتاح إننا عرفنا الموضوع بدري، على قد ما أنا خايف على نورسين. ملك هو إحنا هنكشف على البنت؟ وهنقولها إيه؟ أنا مرعوب."
قاطعته ملك قائلة:
"ده اللي شدوة قالت. احتمال يكون عمل فيها. بس أنا مش هقدر أسألها إن كان عمل ولا لا. أعمل إيه يا هادي؟ تفتكر في حياتنا كلها في أصعب من كده؟"
استصعب هادي الموقف:
"ما تقوليش كده، هي هتطلع كويسة، ما تقلقيش يا حبيبتي. إنما إيه دخل شدوة بالموضوع ده؟"
"شدوة زمان اتفقت معاها تطول مدة حبسه بالتسجيلات."
هتفت ملك بمرارة:
"شدوة كانت غلطانة مع شريف ودفعت سفيان التمن بجوازه منها نظير خروجه. هادي أنا على فكرة مش خايفة من سفيان طول ما إنت معانا."
ابتسم لها هادي بحب:
"وأنا بضربه كنت خايف على روحي اللي هي إنتي يا ملك. مش متخيلة كنت بفكر فيكي هتعملي إيه لو أنا اتسجنت ولا مت، ولا هتتعاملي مع اللي جاي إزاي."
رمت ملك نفسها في أحضانه، مطمئنة بوجوده معها.
يامَن هواهُ أعـزّهُ و أذلّني
كيفَ السّبيلُ الى وِصالِكَ دُلّني
أنتَ الذي حلّفتَني وحَلفتَ لي
وحَلفتَ أنّكَ لا تخون فَخُنتَني
وحلفتَ أنّكَ لاتميل مع الهوى
أينَ اليمينَ وأينَ ماعاهَدتَني
تركتني حيرانَ صبّاً نائماً
أرعى النّجومَ وأنتَ في عَيشٍ هَني
أقعُدنّ على الطّريقِ وأشتَكي
وأقولُ مَظلُومٌ وأنتَ ظلمتَني
أقعُدنّ على الطّريقِ وأشتَكي
وأقولُ مَظلُومٌ وأنتَ ظلمتَني
ذكريات
"ياسين!!!"
"مالك يا حبيبي!!! إيه اللي جابك أوضتي؟ إنت ديما بتنفر منها ومن ألوانها، مش عوايدك تدخل تصبح عليا بدري كده. بابي اللي بعتك صح؟"
زفر ياسين:
"في واحدة تقول لأخوها إيه اللي دخلك أوضتي؟ أنا مش ورايا جامعة النهارده وإنتي كمان قلت فرصة نقعد نتكلم سوا. إيه رأيك أحكيلك أنا؟"
هزت رأسها برفض:
"لا، أصل أنا وبابي نفهم بعض أكتر، وأنا مش هعرف أسمع منك. عارف ليه؟ لأنك قاسي زي مامي. أنا خايفة من وجودها في القعدة دي."
جحظ ياسين بعينيه فهو لا يتخيل يومًا ما أن تكره نورسين والدتهم:
"لا بجد!!! وهتقولي لأبوكي إيه لما يقعدها في النص بينكم ويخليها هي اللي تحكي؟ يا نورسين افهمي الحكاية تخص خالتنا، طبعًا إنتي متعرفيش إننا لينا خالة."
كانت متذمرة ترفض السماع له:
"إن شاء الله بابي هو اللي هيقولي كل حاجة. المهم خلص إيدك إنت من ده كله، ويا ريت متبقاش موجود ساعتها. إيه رأيك تاخد مامي وتخرجوا؟"
هز رأسه بيأس:
"ملكيش الحق تتكلمي بالطريقة دي عنها. أنا اللي هحكيلك كل حاجة يا نورسين، وليكي الحكم، وواثق إنك عمرك ما هتخذلينا، لأننا أهلك."
سرد لها ما حدث في الماضي برمته وبأوجاعه كاملة ليأتي بعد سرده هادي وملك التي توجهت تجلس بجانبها لكي ترى ردة فعلها. كانت صامتة لا تبدي أي شعور، ليأمر هادي ملك وياسين بعينيه أن يخرجا ويتركاها. أما عنه فترك الهاتف الخاص بها وخرج هو الآخر متمنيًا أن تكون تلك الحكاية جعلت منها شخصية أخرى.
توجهت نحو الهاتف وقامت بالضغط على رقم سفيان لتتسع حدقته بذهول حيث ظن أنه هادي فرد بدون إبداء أي صوت ليأتيه صوتها ولكن كان ضعيفًا حزينًا:
"عاملة إيه يا حبيبتي، أنا آسف. جاتلي سفرية مهمة، مش هقدر أقابلك لمدة شهرين. سافرت أتعالج، أبوكي كسر ليا رقبتي، غير إنه هددني من تليفونك."
أغمضت نورسين عينيها:
"أنا كويسة طالما عمري ما هشوف واحد زيك تاني. ياريت ما ترجع تاني يا أونكل، ولا أحب أقول يا جوز خالتي؟ عشان كده متعلق بيا، مش قادر تنسى."
كانت تتحدث بانفعال لدرجة أنها وضعت يدها على صدرها تتنهد قليلاً:
"إنت أوحش حاجة عرفتها في حياتي، ياريتني ما عرفتك. ويا ترى بقى بدور اللي جابتني عندك كانت تعرف ماضيك القذر؟ وبعدين كنت ناوي تعمل فيا إيه؟"
زفر سفيان زفرة عالية ونظر أمامه بحقد:
"أوووف، أنا سايبك من أول المكالمة سايقة قلة الأدب عليا، ومش راضي أجرحك. مسألتيش أمك المحترمة اسمها الحقيقي إيه؟ أمك هي ملاك."
شعرت نورسين بانسحاب روحها منها وحزنت على معرفته:
"أنا أمي اسمها ملك، متحاولش يا مجنون إنك تكرهني في أمي. كنت ديما بسأل نفسي ليه لما بتيجي سيرتها مش بتبقى طايق نفسك؟ عشانك قذر."
نهض من فراشه وتوقف أمام الحائط يضرب رأسه فيه:
"نورسين أنا عايز أقولك على حاجة، مش كل حاجة أمك تقولها ليكي ولا أخوكي ولا أبوكي تصدقوها، لأن مسيرك هتعرفي المشاكل والمواقف القذرة اللي أمك عملتها زمان."
هزت نورسين رأسها ترفض الاستجابة لما يقوله:
"أنا عمري ما هقتنع بكلامك، ومسيري أحط إيدي على الحقيقة ومحدش هيمنعني أنا عن انتقامي منك. خليتني أحبك وأتهوس بيك وقال إيه بتحبني."
صمت سفيان ولم يردف بأي قول حيث داهمته حالة دوخة ليتوجه إلى الفراش ويجلس عليه. ظهرت أضواء صفراء أمام عينيه لم تكن تساعده على الرؤية، وضجة تضربه خلف رأسه وكأن صوتها المرتفع عليه يدق على رأسه، مازالت معلقة في ذاكرته أنها هي، لما تركته على الهامش واجتمعت بغيره. حقًا هي كابوس لا ينتهي، أخذ يتحدث بصعوبة، ليقوم الطبيب بنقله إلى العناية المركزة. أصبح الآن من الذي يتمتعون بالخيال والوهم وليس لدرجة القدرة بل رافضًا لإدراك الحقائق. بالنسبة له وتصميمًا منه هي ملاك السابقة ووجد ابنتها مشابهة لها، أصبحت خطوط وجهه حادة وشفتيه منحنية وكأنها رسالة إلى ذهاب جسده إلى الجحيم. صوت يعلن عن بدء دخوله في شلل تام، حاول أن يحث ساقيه على النهوض أثناء ذلك كان يمني نفسه بالخروج والذهاب إليهم ولكن الآن كان النوم رفيقه وربما سيسقي الآن كؤوس العذاب والانتقام الإلهي سوف يحدث والعدالة الإلهية ستتحقق.
"دلفت إليها ملك بهدوء غير متوقع حيث توقعت نورسين ثورة ملك عليها إلا أنها كانت هادئة تمامًا."
"في حاجة يا ماما؟"
"عارفة إنك نفسك تموتيني وده حقك، بس صدقيني مكنتش أعرف إنه زبالة أوي كده. ليه مقولتيش يا ماما إننا لينا خالة؟"
"تحولت ملك من الهدوء إلى العصبية."
"إنتي كنتي بتروحي ليه الفيلا يا نورسين لييييه؟ أنا طول عمري عطياكي الثقة، وعمري ما توقعت خيانتك لينا. وجاية تحاسبني ليه ما قلتش إنك ليكي خالة؟"
"ابتلعت نورسين ريقها قائلة بتوتر."
"لا أنا كنت بروح عشان أعالج رقبتي على اعتبار إنه أخصائي تدليك، بس والله يا مامي هو عمره ما لمسني، وبعدين أعرف منين إنه كان بيعمل حاجة وحشة؟"
"عقدت ملك ما بين حاجبيها."
"بطلي كذب، أنا شدوة قالت لي إنك كل يوم هناك بحجة ومن غير حجة. انطقي عمل فيكي إيه؟ وعرفتييه منين؟ أقسم بالله ما هرحمك ولا هرحمه."
"ارتعدت أوصال نورسين."
"عرفته عن طريق بدور صاحبتي، كنت تعبانة فعلًا وماحدش فيكم فاضي ليا. إيده كانت زي السحر على رقبتي، في حاجات افتقدتها ورجعت على إيده."
"قطبت ملك جبينها."
"نعم!!! افتقدتيها؟ هو إحنا قصرنا معاكي في حاجة؟ وإزاي صاحبتك تاخدك مركز مش متخصص وتروحي معاها وأبوكي وأنا دكاترة؟"
لم تجب نورسين لتحاول ملك تهدئة نفسها حتى تنجح في إخراج كافة الأسرار من نورسين:
"تمام، نأجل الحساب لبعدين. دلوقتي مش عايزة أخبي عني أي حاجة من ساعة ما عرفتيه. طبعًا إنتي فهمتي كان بيحوم حواليكي ليه؟"
سردت نورسين كل قصتها مع سفيان حتى آخر اتصال بينهم لتغادر ملك الغرفة تفكر في حل للخلاص من سفيان بدون معرفة هادي بالأمر.
بعد خمسة أيام لم تذق فيهم ملك طعم النوم، تظل مستيقظة دائمًا، تراقب ابنتها حتى في غرفتها وهي نائمة، لتتفاجأ ملك برسالة نصية وتهديد مبرح لها من سفيان وكلام لا تستطيع أن تصدقه لتنهار فعليًا:
"يا لهوي، يا مصيبتي، يا أنا يا بنتي يا سفيان. هي حصلت؟ خلاص إنت هتنتحي والله ما هيطلع عليك شمس. أومال إيه حكاية اقتناعه إنها بنته؟"
💐💐 #مروة_البطراوى جروب #موكا_سحر_الروايات
توقف عقلها عن التفكير في هذه اللحظة ولم ترى أمامها غير أبشع وسائل الانتقام لكي تنقذ ابنتها منه. والجدير بالذكر أنه لم يكتفِ بالرسالة فقام بالاتصال بكل بجاحة:
"هالو ملاكي، اللي وحشاني. تعرفي اتكتب لي عمر جديد، طا طا طا، سفيان مش بيخلص. أينعم هادي كسر لي رقبتي وبنتك هزأتني بس برضه بحبك."
"جحظت بعينيها."
"سفيان، إنت أبشع واحد عرفته في حياتي، إنت ما تستحقش تعيش. دلوقتي بقت بنتي واقتنعت إنها بنت هادي؟ عشان كده بتقولي يا أنا يا هي؟"
"توقع سفيان ما سمعه."
"ملاكي، معقول مش عارفة أسلوبي؟ إنتي نسيتي لما كنت بساومك على أختك العيلة اللي في ابتدائي؟ ألا صحيح هي فين دلوقتي؟ أوعي تقولي إن حد عملها معاها."
"زمت ملك شفتيها بسخرية."
"وميحصلش معاها كده ليه؟ مش كنت مهددني بيها؟ عمومًا الكلام في التليفون مفيش منه فايدة، طالما بتساومني مفيش حد عندي أغلى من بنتي."
"اتسعت حدقة عينيه بذهول."
"معقول!!! بعد السنين دي كلها هترجعي تخضعي ليا تاني؟ لو كنت أعرف كنت ساومتك بيها من ساعة ما عرفتها. إيه رأيك تجيلي مركز التدليك؟"
"قهقهت بسخرية."
"لا يا حبيبي مش هينفع بنتي وجوزي هيشوفوني. إحنا لازم نتقابل في حتة بعيدة عن الكل. أنا مسافرة مع هادي في مؤتمر طبي الأسبوع الجاي، في مدريد. هناك محدش يعرف التاني، بس خليك حريص، خد شدوة معاك فرصة تزور قبر الدكتور اللي إنت صلحت غلطته وكتبت بدور بنته على اسمك."
"اندهش بمعرفتها بسر بدور ولكن الأمر لا يهمه الذي يهمه أكثر هي مواعدتها له والذي وجدها جيدة سيتم المراد في بلد أخرى ولكن ماذا عن شدوة يأخذها ويتركها هناك ويعود وحده أو مع ملك."
سافرت ملك مع هادي الذي أصر على اصطحاب نورسين معهم خوفًا عليها وجاء معهم ياسين رغبة منهم حيث كان قلقًا على والدته. من بعدهم سافر سفيان واصطحب معه شدوة التي شكت في أمره بعد أن أخبرتها بدور بسفر نورسين وعائلتها.
بعد مرور ثلاثة أيام من السفر ثارت عليه شدوة قائلة:
"بقي كده بتتهرب من اللي حصل ببساطة، وبتقلب الطربيزة على دماغي وعرفتها إنك كتبت بدور باسمك؟ لا يا سفيان المرة دي مش هتفلح وأنا مش هسكت ثانية على حوارتك، وإنك غرقت بدور في أعمالك القذرة بعدني أنا وهي وعيشتنا في بيت تاني عشان نورسين متسألش هي ساكنة معاك ليه. طب وحذرت البنت عشان متقولش اسمها بالكامل."
"هز رأسه موافقًا."
"ياريت، ياريت ما تسكتيش وتقولي إنها مش بنتي. جرالك إيه يا شدوة من ساعة ما سافرنا وإنتي قالبة خلقتك."
"بجد مش عارف ليه؟ أعرف إن الدكتورة ملك جاية مؤتمر مع جوزها وأولادها وأنت تاني يوم تقولي نسافر إسبانيا وده عادي صح؟ طب إيه رأيك ما تبعت تجيبها وأجهزلك ليلة حمرا معاها."
"إنت مصرة ماشي، تصدقي تخيلت الموقف يجنن يا شادو."
"صرخت به وهي تضع يدها أعلى صدرها."
"تخيلت الموقف!!! طب سيبني أنا أتخيل نهاية الليلة هتبقى إيه."
"أشهر سبابته أمامها قائلاً بتحذير."
"محدش يجرؤ يتخيل نهاية أي ليلة من ليالي سفيان، لأن الليالي دي كلها حقيقة ومحدش بيقدر يرفض صدقيني. إنتي بقي تخيلي ملك إصرارها تخضع ليا، تخضع لسفيان الدنيء؟"
في صباح اليوم التالي هاتفها سفيان بعد أن قامت شدوة بإثارة غضبه. جلست ملك متوترة لينتبه هادي:
"ملك، إنتي كويسة؟ بلاش تيجي الاجتماع النهارده، أساسًا مفيش حاجة جديدة. إيه رأيك تروحي تعملي فحص يمكن يبقى في تطور لحالتك."
"فاقت ملك من شرودها."
"أه هروح رغم إني تمام، مش تعبانة ولا حاجة. إنت هتخلص الاجتماع الساعة كام؟ عايزة أخرج الأولاد وأفسحهم من زمان مجناش هنا."
ثم وجهت أنظارها نحو أولادها:
"يلا بينا نخرج يا ياسين، وإنتي لو حابة تيجي معانا يا نورسين تعالي، من يوم ما جينا مش بتخرجي ولا بتتكلمي مع حد، إيه جو إسبانيا مش عاجبك."
لاحظ هادي ضيق ملك من نورسين وكادت نورسين أن ترد فقاطعها هادي:
"طب أنا هاخد نورسين معايا تحضر المؤتمر كجمهور، عاوزين مني حاجة؟ لما تخلصوا رنوا عليا، ممكن نتعشى بره كلنا، وأهو تغيير بدل النوم بدري."
هزت ملك رأسها بالرفض:
"لا مليش مزاج لا أخرج ولا أسهر بره، بالسلامة إنت دلوقتي وخلي بالك من نورسين، عينك ما تغفلش عنها، وخلي بالك من الأولاد أمانة في رقبتك."
"قطب هادي جبينه ولكن هذا ليس وقت للتفكير."
"اطمئن لوجود ياسين سيحميها من شيطان عقلها."
انتظرت ملك خروجه هو ونورسين من المنزل وتوجهت نحو ياسين قائلة له:
"بقولك إيه، هات مفاتيح العربية من أوضتي مش قادرة أطلع هتلاقيهم في درج الكومود، ملقتش دور مبقتش أفتكر بحط حاجتي فين، معلش."
استغلت ملك فرصة صعود ياسين إلى غرفتها وحملت حقيبتها وخرجت من المنزل وهي تركض حتى وصلت على الطريق لتوقف سيارة أجرة.
يقهر الحب بكل معانيه أن محي أحدهما حب تفضيل الآخر على نفسه. كانت وما زالت عصفور ضعيف الجناحين بالرغم إلى كل ما وصلت إليه، وكان عليها أن تجبره أن يغادر عشها. لقد انتهى دوره وعليها حماية من حولها، حتى لو تمثلت في نهاية لا تليق بها. هي لم تفعل لأجلها بل لأجلهم.
رواية غرام و انتقام الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مروة البطراوي
ذهبت إلى المكان المنشود وبعثت له عنوانه، مكان قريب من المقابر، خاصة مقبرة ملاك. ذهب على مضض، فتلك الأماكن يشمئز منها. وجد الباب موارباً ففتحه ببطء، متخوفاً أن يكون فخاً. وجدها ترتدي فستاناً أبيض وفوقه شالاً حريراً يجعلها مثل الملاك. ابتسم منذ لحظة دخوله، فنظرتها أعادته عشرين عاماً إلى الخلف.
"أخيراً، بس المكان مش عاجبني يا ملاكي، ليه اخترتي مكان زي ده؟ معقولة تكوني بتخافي من هادي للدرجة دي؟ يا ملاكي أوعي تخافي."
هزت ملك رأسها وهي تسخر من داخلها.
"أخاف؟ أنت مجربني قبل كده وعارف إن جرأتي ملهاش حدود، ولا نسيت ملاكك يا سفيان؟ قاموس سفيان الوزير، ممنوع فيه الخوف، شطورة أنا صح؟"
ابتسم بخبث وهو يقترب منها.
"طبعاً، مفيش في قاموس سفيان الوزير خوف، مش أهم حاجة بالنسبة ليا إنك تكوني معايا يا ملاكي؟ أنا بقي جيت النهاردة علشان تكوني معايا."
دلف سفيان في حين تحدثها.
"كنت مستني اللحظة دي من زمان، وكنت متأكد إنك هتيجي عن طريق نورسين، بس أنا أصلاً لا يمكن كنت أعمل حاجة فيها، حد يقدر يأذي بنته؟"
كانت تتأكل من الداخل إلى أن نهضت وحاولت أن تزيح الشال عن ظهرها حتى تبدو له الشامة بتلقائية.
"متأكد أوي كده إنها بنتك؟ لو هي بنتك يبقى ياسين ابنك، بس أنت عمرك ما حاولت تقرب منه، أنت ناسي إنهم تؤام؟ أنت هددتني بنورسين."
نهض هو الآخر.
"ملاكي أنا مخنوق أوي من المكان ده، حاسس إن الميتين هيقربوا شوية يدخلوا ياخدوني معاهم، وأنا ملحقتش أشبع منك، تيجي نروح مكان تاني؟"
أذعنت لطلبه وخرجت أمامه ليتبعها، ظناً منه أنها ستذهب إلى السيارة، ولكن خالفت توقعاته حيث ذهبت نحو المقابر، وهو يناديها وهي لم ترد عليه، إلى أن وقفت نحو مقبرة وتيبست بمكانها. اندهش لرؤية نفس نوع ولون الشال الذي ترتديه على المقبرة، ليربت على ظهرها ويسألها.
"جبتينا هنا ليه يا ملاك."
أصبح ذكر هذا الاسم يصيبها بالاحتراق. هبطت بجسدها لتزيح الستار من على المقبرة الذي كان بأسفله السلاح الذي ستسحق به روحه، ومع ذلك سقط الشال من على ظهرها لتظهر الشامة واضحة البيان وهي ترتفع بجسدها ببطء حتى تتبين له. توقفت ولم تعطيه وجهها، ظلت تقف في وجهه من الخلف وهو مدهوشاً لما يراه إلى الآن، وجه متسمراً في الشامة ولم ير المقبرة، لتغمض عينيها قائلة.
"ليه عملت في أختي كده؟ اغتصبتها بدون وجه حق، وما اكتفيتش مرمطتها وخليت المرة تبقى ألف، ولما ربنا كرمها حرمتها إنها تبقى أم ليييه؟"
ومن ثم سرعان ما التفتت إليه ووجهت السلاح نحو صدره وهي شاخصة بأبصارها الحادة، ليصرخ حيث تأكد من الشامة والنظرة أنها ليست هي. ابتلع ريقه وحاول أن يتحدث، ولكن لم يستطع. عندما أبعدت جسدها عن المقبرة ليظهر اسم ملاك، ليجدها تبتسم وقد اغرورقت عيناها بالدموع.
"عرفت ليه جبتك هنا؟ علشان أنت لازم تموت. أنت إيه يا سفيان مستغرب إن في ملاك في القبر وملاك واقف قدامك؟ طب والشامة إيه كانت فيها برضه؟ وحتى لو هي أنا مش مكفيك اللي عملته زمان، لأ وقال إيه مكنتش هاجي جمب نورسين أصلها بنتي، أولادك ماتوا مع ملاك، كان نفسي ألبس أسود النهاردة، بس قلت لأ الأبيض أحلى، لأن النهاردة فرح ملاك أختي وأنت رايح ليها وجايلها برجلك، مش كان نفسك تبقى مع ملاكك، أنا تؤامها هوصل ليها بكل راحة، هريحك، أنت تعبت كتير وانت بتلف علشان تقابلها تاني، كفاية عليك لف."
شعر سفيان بالتعب، عقله لم يستوعب كل هذا، لو كانت هذه الحقيقة لما كان طاردها كل هذه السنين، ولكن دمه مازال يحمل الخبث والمكر والدهاء والخديعة. تظاهر أنه على وشك أن يفقد وعيه.
"مل... ملاك... ملك، لأ مستحيل متكونيش انتي، انتي بتشتغليني بالشامة دي؟ فرجيني وأنا أقولك دي طبيعي ولا هادي الحقير هو اللي رسمهالك."
وبالفعل كان يتقدم منها وهو يتحدث ويترنح، لتشد على زناد السلاح حتى تصيبه في رأسه، ولكن ما أتاه أتاه. وهي تغمض عينيها لضربه، استمعت إلى ضرب ناري لتفتح عينيها على مصرعيهما تجده ساقطاً في دمائه تحت قدميها، وتظهر من خلفه شدوة لتتسع حدقة عيني ملك وهي تسألها.
"شدوة!!!! ليه مش ده جوزك؟"
تعالت ضحكات شدوة الساخرة.
"قولي قاتل ابني، البيه المحترم سقطني في ابني وأنا حامل منه والإجهاض تسبب في شيل الرحم."
لتشهق ملك وهي تضع يدها على فمها، حيث انتشرت الشرطة في الأجواء، لتنظر لها شدوة نظرة رجاء.
"ملك خلي بالك من بدور هي ملهاش ذنب، أوعي تاخديها بذنبي، أنا خلاص عارفة مصيري، بلاش مصيرها يبقى زينا."
ألقت ملك السلاح من يديها في لحظة مجيء هادي.
"كنت عارف يا ملك، أظن دلوقتي انتي هديتي، بس ليه يا ملك ليه؟ افرضي كنت قتلتيه، أولادك عمرهم ما كانوا هيبقوا مرتاحين، وأنا كنت أعمل إيه؟"
كانت تشعر بالبرودة تسري في أنحاء جسدها.
"تعالي يا هادي بسرعة نروح البيت، مش قادرة أقف على رجلي، فين نورسين وياسين؟ أنا سبته في البيت لوحده وهربت، وده هيخليه عمره ما هيثق فيا."
زفر هادي بحنق وأمرها أن تتبعه. مرت بالأشجار التي كانت علامة تميز بها مقبرة شقيقتها، ونظرت للمنزل الذي لا يتمنى بشر أن يقطنه، لتختم حكاية سفيان الوزير في هذه المنطقة. ها هي تتحرك نحو هادي بعد أن انتهت حياة وحش المستنقعات كما كانت تنعته في كتاباتها، والآن كل شيء اختلف، فقد انتصرت قبل أن يصل إلى مسامع ابنتها كل شيء مزيف. لتخط أخيرة جملة في قصة شقيقتها.
"لم يكن قلب مثلك لو كان قلباً لاحتفظ بعذريتك له، ولكنك جرفتك إلى المستنقع كما فعل بالأخريات، ولذلك لم يستطع بشر تخطيه يوماً، ولكن الآن واحدة منكم رفضت انتهاك عذريتها معه لتعود بعد عشرين عاماً لدفنه بالأرض مثل ما فعل بكِ يوماً ما شفقتي الملاك."
وصل هادي إلى منزلهم ليجلس بتعب، وملك تجلس بجانبه، لينظر إليها وهو مصدوم من فعلتها.
"سفيان الوزير انتهى، لولا ظهور شدوة كان فاتك انتي اللي انتهيتي، سواء هو هيفضل عايش أو هيموت، بس ليه شدوة عملت فيه كده؟ مش مراته؟"
انتفضت ملك بخوف حيث تذكرت بدور.
"أنا لازم أروح بيت سفيان دلوقتي، بدور معدش ليها حد غيرنا، هتوافق تقعد معانا زي أولادنا ولا هترفض؟ بدور بنت شريف شدوة اضطرت تخرج سفيان من السجن علشان البنت يبقى ليها أب."
جحظ هادي بعينيه وكأن المصائب تأتي واحدة تلو الأخرى، وكلها من سفيان.
"أنتي بتقولي إيه؟ ليه عملت كده وملقتش غير سفيان تتجوزه؟ أنا كنت باعتها علشان تسجله إنه كان باعت شريف يخلص من أولادنا، تقوم تتجوزه؟"
لم تعر لحديثه أدنى اهتمام وتوجهت نحو الباب لتتفاجأ بالشرطة التي أتت لاستدعائها للتحقيق. ذهبت ملك إلى المحاكمة وجلست أمامهم ترتعد من الخوف، في حين طلب هادي أن يحضر معها. نظر إليها الضابط يحاول استيعاب خوفها، فهي استدعائها بمثابة شاهد إثبات.
"ما الذي حدث أيها الطبيبة؟ المعلومات تفيد أنك كنتي معه بمنزل قمتي باستئجاره بجوار المقابر ومن بعدها ذهبتي إلى مقبرة شقيقتك. أوضحي لما كنتي معه؟"
نظرت إلى هادي الذي رد عوضاً عنها.
"المجني عليه هو ابن عمي وكانت زوجتي تريد أن تريه قبر شقيقتها لأنها كانت زوجته، وهو يتمنى منذ زمن أن يراه، سيدي زوجتي ليس لها علاقة بقتله."
رفع الضابط حاجبيه باندهاش.
"هناك سلاح كان بيد الطبيبة ملك وعندما قامت السيدة شدوة بإطلاق النار سقط من يد زوجتك، هل هناك تفسير لذلك وهل سيكون منك أنت؟"
هز هادي رأسه.
"هو مريض نفسي سيدي، زوجتي شبيهة لزوجته المرحومة ملاك، وهو مصر على مناداتها بملاك، أخذته ملك لتثبت له وبالطبع كانت تحمل سلاحها لمجرد تهديده."
هز الضابط رأسه يحاول أن يقتنع بما قاله هادي.
"حسناً، الأدلة كلها ضد السيدة شدوة، وليس هناك أدلة لإدانة الطبيبة ملك، أرجو لو لديكم معلومات أخرى أن تذكرها، وعليكم استلام الجثة من المشرحة."
نظر هادي لملك بطرف عينيه لا يود التحدث معها، بل كان قلقاً على أولاده. وبعد وقت ليس بالكثير تم الإفراج عنها ليتلقوا خبر سقوط شدوة وذهابها إلى المشفي، ليهرعوا إليها ويطمئنوا على حالتها. خرج الطبيب يتحدث بعملية.
"الحالة ليست مستقرة تماماً، ادعوا الرب، فقد تناولت بعض من العقاقير المسممة طويلة المفعول، ولكنها أتت بعد انتشار السم بداخل جسدها."
انسابت الدموع من عيني ملك رغماً عنها أثر تذكرها وصية شدوة، لم تكن تتوقع أنها ستفعل بنفسها كل ذلك. نظر إليها هادي وتحدث قائلاً.
"قومي نروح لبدور، الظاهر إن كلامك صح البنت ملهاش غيرنا، يا ترى أولادك هيتقبلوها؟ ونورسين بالذات هتتقبلها؟ بعد اللي عملته فيها؟"
كادت أن ترد عليه ولكن أوقفه قائلاً.
"بلاش تردي عوضاً عن أولادك، انتي مش هما ولا هما عمرهم هيبقوا زيك، ليه مش قادرة تحسي إن كل واحد فينا له طبعه الخاص؟ حتى انتي مختلفة عن أختك."
تركته ورحلت أمامه يتبعها وهو يتذكر كلمات والدته.
"أنا مش بعيب ملك في حاجة، هي إنسانة جميلة وحلوة، بس أنا شايفاك مش مبسوط من يوم جوازكم وفي حاجة ناقصاك، إحنا بنتجوز علشان نكون مبسوطين وإحنا جمب النص التاني يا هادي، مش علشان نموت ونتحرق ونتقهر، وأنا أكبر مثال قدامك، فضلت روحي متعذبة من أبوك ولولا إنه مات كنت قتلت نفسي، بس زي ما أنت شايف عايشة وربنا مطول في عمري، عايشة حياتي أشوفك راجل قدامي لذلك عايزة ليك حاجة تستحقها وتستحقك."
بوقتها غفل عن الدعوة الصريحة التي كانت مثبتة في عيني والدته، رغم تفكيره بما قالته فهي محقة، وهو مل غباء وعناد وتحدي ملك، وما أوقفه عن تلبية الدعوة هو عشقها له ووجودها بحياته. كم تمنى أن تكون ملك مثل والدته غالية من اهتمامها به ومراعاتها له، وأن يتجسد عقل غالية بجسد ملك، كان يريدها أن تتغافل عن ما حدث في الماضي وألا تضيع الوقت بينهم عبثاً، وأن تبادله عشقه بجنون أكثر منه. هل يمكن بعد ما حدث لسفيان أن يجد ملك ذات يوم امرأة مجنونة به؟ وتفعل المعجزات من أجل الاحتفاظ به قبل أن يتخذ قراره بالانفصال؟ لا يعلم إن كان سيأتي هذا اليوم أم لا، ولكن يتوق إليه وبشدة، خاصة بعد نهاية سفيان و بداخله رغبة عارمة أن تستسلم له بكل حواسها.
عادت ملك إلى المنزل وسردت لأولادها ما حدث وما كانت تنوي فعله. انتفضت نورسين من موقعها وحاولت الاتصال ببدور ولكن لم تجيب عليها، فظنت أنها رافضة الحديث معها، إلى أن انتابها القلق وطلبت من والدها أن تتوجه معه إلى منزلهم.
"عاوزة أروح معاك يا بابا لبدور."
أذعن لطلبها وذهب معها تاركاً ملك مع ياسين الذي أخذ يسلط أبصاره على والدته وكأنها طفلة صغيرة تولد من جديد تود محو عشرين عاماً من ذاكرتها. وصل كلا من نورسين وهادي إلى بدور التي استقبلتهم بفظاظة، إلى أن سردت إليها الفاجعة لتصرخ بعلو صوتها.
"مستحيل يكون اللي بتحكوه ده حقيقي، وإيه دليلكم على كده؟ أنتم كدابين زي ما بابي سفيان بيقول، وأنتي يا نورسين مش هسيبك تكسبيني."
في نفس اللحظة جاء استدعاء من الشرطة إليها لزيارة والدتها. نظرت إليهم ترفض التصديق، تشعر أنه كابوس، ولكنها استسلمت وذهبت.
"من امبارح وأنا برتب لده يا بدور، سامحيني متزعليش مني، بس ده أفضل لك، سفيان مش أبوكي الحقيقي، انتي بنت شريف، الله يرحمه، اضطريت أعمل كده علشان يبقى ليك أب."
صدمت بدور من كلماتها وكادت أن تسقط، ولكنها تمالكت.
"شريف إيه."
حاولت الرد عليها ولكن تمكن السم من آخر نفس لها وذهبت روحها إلى بارئها، لتتعالى صرخاتها بينما توجه الممرضون إليهم ليخرجوها بسرعة. نظرت نورسين إلى هادي.
"هنعمل إيه؟ المفروض حضرتك هتستلم جثتين، جثة واجب دفنها، أما الثانية ما تستحق إنها تتكرم، تصدق يا بابي إني أشـفـقـت على أمي السنين دي كلها؟"
أخذت تتعالى صرخات بدور من خلفها لتتوجه على الفور إليها لتجدها في حالة هستيريا، لتنادي هادي بخوف.
"بابا، بابا هي بدور مالها."
وجدت بدور تنظر إليها وهي ترتعش.
"هي ماما مالها يا نورسين؟ ماما هتعيش صح، هي بس مش قادرة تاخد نفسها، هو سفيان ده مش أبويا معقول؟ ده كان بيضربني، وعمره ما خلاني آكل معاه."
هبط هادي بجسده وجلس على عقبيه يسأل بدور.
"إيه اللي جابك أسبانيا في الوقت ده بالتحديد يا بدور؟ فكري فيها كويس، مش هتلاقي غير تفسير واحد، تفتكري في أب يحرض بنته علشان توصله بصاحبتها؟"
زفرت نورسين قائلة.
"مش وقته يا بابا المهم إنها عرفت الحقيقة، أرجوك روحنا على البيت، أنا مش هقدر أسيب بدور من بعد النهارده، مهما كان حصل إحنا أصحاب."
هزت بدور رأسها.
"مش هينفع يا نورسين خصوصاً بعد ما أنا عرفت الحقيقة، من فضلك يا أونكل أنا عايزة أحضر دفنة ماما، ينفع ماما تدفن في مصر ولا لازم هنا؟"
تنهد هادي بتعب.
"للأسف مينفعش، حتى لو ينفع دي مجرمة في نظر القانون هنا، إحنا هندفنها ونرجع مصر، ووعدك كل إجازة هناخدك معانا، انتي اسمك بدور الوزير."
نظرت إليه بدور بذهول.
"إيه؟ بدور إيه؟ مين يقدر يصدق كده؟ إذا كان طول عمري مكنتش مقتنعة باللقب ده، ودلوقتي بعد ما ماما قالت الحقيقة هتقولي بدور الوزير؟"
ردت عليها نورسين.
"معقول، اسمك بدور الوزير وعمري ما أخدت بالي من كده؟ يمكن لو كنت أخدت بالي كان كل ده ما حصلش، ربنا يسامحه بقى لعبها صح."
تحدث هادي بسخرية.
"فعلاً لعبها صح، إنتوا لسه أول جامعة مش عارفين بعض كويس، زي ما لعبها زمان صح، وكان مكمل وعايز حق غير حقه، وضيع حق بنات كتير."
تم تبليغ هادي أنه تم نقل جثمان شدوة إلى المشرحة، ركضت بدور متوجهة نحو المشرحة ولكن منعها الممرضون، تبكي بصوت عالٍ.
"حاسبوا سيبوني، أنا عايزة أشوفها تاني، عايزة أبوسها، أنا ملحقتش أشوفها كويس، أرجوك يا أونكل هادي خليهم يدخلوني ليها أنا عايزة أروح معاها."
تم انتشالها من نورسين واحتضنتها.
"خلاص يا بدور كل شيء انتهى، ادعيلها بالرحمة، إحنا جمبك وعمرنا ما هنسيبك، أنا من يوم ما عرفتك وأنا بعتبرك أختي، وهتفضلي أختي."
انتهت مراسم دفن شدوة، وبعد إلحاح شديد من بدور إلى هادي لتركها بمفردها بجوار قبر والدتها وافق على مضض.
"ماما شدوة، على قد ما أنا فرحانة إني عرفت كل حاجة، وعرفت إنه مش أبويا، على قد ما كان نفسي تفضلي معايا، أنا بحبك أوي، كنتي بتقوليلي إني بحبه أكتر منك، بس لأ والله أنا كنت بخاف منه، انتي كنتي فاهمة غلط، عمري ما لقيت الحنان اللي كانت نورسين بتحكي ليا عنه من باباها، كان نفسي متسبنيش، أو كنت خديني معاكي."
كانت تتحدث وتتعالى شهقاتها لتشعر بيد تحاوطها من الخلف وقبلة على شعرها من نورسين التي أنهضتها قائلة.
"بدور حبيبتي، أوعدك إنك هتكوني فرحانة معانا، وبابا هيكون باباكي، هتفضلي معانا لغاية ما تتجوزي، إحنا كلنا بنحبك أوي، من النهارده مفيش خوف، ولا غلط، هتلاقي الحنان مننا كلنا، ومش هنسيبك لحظة، يلا تعالي معانا."