تحميل رواية «غرام و انتقام» PDF
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هبط من سيارته الفارهه و التي أثارت استغرابها عندما كانت تنظر من نافذه منزلها. التف حوله مجموعه من العاطلين من شباب الحارة. بدأ بالسؤال عن أي منزل تقطن و تراودت الأساله حوله ومنهم من كان يريد اثارة الفضيحه لها ولكن صاحب المنزل الذي تقطن به جلس معه وتفهم طلبه جيدا و من ثم صعد معه. جلست ملك أمامه تنظر اليه تريد معرفة ما بداخله حتي نطق هادئ قائلا: - شهور بدور عليكي. كاد أن يرق قلبها و لكنها حاولت اخفاء ذلك و أطهرت بعض الغضب. ليسألها بتوجس قائلا: - ليه محضرتيش التيرم ده و ضيعتيه عليكي؟ لسه برضه بتفكر...
رواية غرام و انتقام الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مروة البطراوي
ترك كلا من هادي وملك بوابه لو فتحت على مصرعيها لن تكون أقل ضخامة من التي صادفت شقيقتها. صادفت بوابات كثيرة فيها يعظم الشر، والشعور الساحق أن لكل بوابة قصة خلف قصة. كل بوابة بنقوشها نكبة وانعدام أمل لها. لكن هذه البوابة التي تركتها ملك تحوي الكثير، بالرغم من أنها مواربة إلا أنها ليست بسيطة. فهي تمويه عما خلفها. وعندما تم فتح تلك البوابة أصبح سفيان ينتظرهم.
فكرت إحسان أن سفيان تغير، ولكن كيف لرجل مثله يملك ملامح ضبابية وكل أفعاله لم تمح من الذاكرة؟ كل النزلاء الذين صادفتهم لم يحاولوا أن يهددوها، رغم أنها أعلنت له عدم رضاها عن وجوده. لكن سفيان الوزير مختلف. ربما تناست أو نست أن كل هؤلاء الرجال بسيطون أمامه. أمر غريب كيف لهؤلاء يخضعون في كيفية النزول عندها عدا هو.
***
عاد إلى ملك وهادي.
نظر إليها قائلًا:
- مش انتي لوحدك اللي عايزة تنتقمي منه. يمكن أنا رغبتي أكبر. لأن كان كل مصايبه بتتلزق فيا لأن أبويا شبهه. رغم أن أبويا اللي عمله زي ما ما ما بتقول نتيجه كارثه.
نظرت إليه قائلة باستغراب:
- انت بتقول ايه؟ أبوك مين وكارثة إيه اللي تخلي واحد زيه يعمل في أي بنت كده ويرميها بعد ما ياخد غرضه منها ويسيبها تواجه المجتمع لوحدها؟
سرد عليها قصة والده:
- أبويا شادي الوزير كان أكبر رجل أعمال، بنى نفسه بنفسه علشان جدي رفض يساعده. بس للأسف كان رافض أي عقبة تقف في طريق نجاحه وأنا كنت العقبة دي.
عقدت ما بين حاجبيها متسائلة:
- وانت ذنبك إيه؟ لا تكون كنت بتمنع من فضايحه مع الستات؟ أو يمكن كانت عمايله دي سر نجاحه مثلا لو كان مع ستات متزوجة وواصلين؟
زفر هادي:
- اعتبر حمل أمي فيا خيانة له، لأن كان مؤكد عليها ممنوع الحمل قبل خمس سنين. بس النصيب حكم أني أجي الدنيا وأبقى نذير شؤم للكل.
تحدثت بشرود:
- وأنا كمان، بس أنا مختلفة شوية. ديمًا بحس إني كمالة عدد، وما كانش ليه لازمة في وجودي. كان كفاية عليهم ملاك. حتى كان بيستخسروا يندهوني باسمي.
نظر إليها هادي وجد دموعها تتساقط:
- انتي ليه بتقولي على نفسك كده وبتستقلي بيها؟ انتي أحسن من الكل وطول عمري شايف كبريائك واضح. بلاش اللي حصل لملاك يهزك يا ملك.
تنهدت ملك قائلة:
- ملاك بالنسبة ليهم كانت هبة من عند ربنا بعد سنين عذاب وعدم خلفة. كان نفسهم في واحد بس. بس اللعبة قلبت معاهم باتنين. عمري ما هنسى يوم نتيجة الثانوية العامة. مسحوا بكرامتي الأرض.
رد فعله لما قالته جعلتها لم تقدر على الرفض، لأنه لم يرغب ببقائها في بوابة الأطلال، وعليها أن تسير خلفه. إن كان لذلك المسير نهاية، فهي مستعدة بعد ما تفوه به أن تسير خلفه حتى عشر سنوات. ولكنها تريد نهاية، أن تصل إلى آخر الطريق وينتهي الأمر. لا تستطيع أن تظل عالقة في حلقة مفرغة من الأبدية المستسلمة.
مرة أخرى تقف أمام حكمته ورأيه الصائب، رغم عدم ثقتها به وبوالدته، حتى بعد ما قدموه لا تثق. وقفت برتابة بعد ما هبطت من السيارة. وهو يطالعها على مهل. لوهلة شكت ملك أنه ينتظر أمر ما، أمر يتعلق بمصيرهم. وبعدها تذكرت سفيان وتاريخه القذر مع ملاك.
الأمر الذي جعلها لم تقدر على الرفض هو كلماته لها عندما قال:
- بالعكس، مجموعك يشرف أي أهل. ولا يضايقوا عشان جايبة مجموع طب وهما مش بيقدروا على مصاريفه. بس انتي يا ملك كملتي إزاي؟
وجدها تلوى شفتيها باغتياظ فعلم الإجابة فرد عليها:
- تمام، أنا كده فهمت. هما توفوا بعدها. بس أهو اللي عملته ملاك معاكي وأنها كانت بتساعدك تكملي تعليمك يدل أنها مش وحشة. هي بس انجرفت مع التيار.
واستطرد قائلاً برجاء:
- عن حالتك اللي بتحكيها لي دي، فانتي أرحم بكتير. حتى لو حاسة إننا زي بعض. ممكن أننا نعين بعض على اللي إحنا فيه ونقوي بعض.
***
في منزله كانت والدته تستعيد أحداث الماضي هي الأخرى.
فلاش باك.
كانت شارده فأفاقت من شرودها على صوت جرس الباب. توجهت ناحيته لتفتحه فتتفاجأ من هيئة زوجها الذي كان متوقفًا أمامها ووجهه شاحب حزين، وأثر لكمة والده وصفعة شقيقه لا يزالان يتركان أثرهما في روحه قبل ذلك الجانب المكدوم في وجهه. ثيابه وشعره مهملين. وعيناه مليئتين بالاحمرار. نظرت إليه في صدمة قائلة:
- شادي!!!
لم يحرك ساكنًا، ولكن نظرة عينيه الضائعة والموجوعة أخبرتها الكثير. لتجذبه إليها محتضنة إياه بشدة. ليتمسك هو الآخر بها، ولكن في خوف وتردد على غير عادته، وكأنه يخشى أن يتمسك ليخسر هذه المرة أيضًا.
لا تعلم أنها هي المرة الأخيرة في احتضانه، حيث سقط كالهلام من بين يديها. ظلت واجمة أمامه من شدة ذهول ما رأته. حتى التف الخدم حوله يحاولون إفاقته وهي غير مستوعبة ما يحدث أمامها. حتى صرخت قائلة:
- ابعدوا عنه، انتوا عايزين نموته صح. دي أوامر اللي مشغلكم. هو خلص رجع ندمان. رجعلي، انتوا مستخسرين أعيش يوم حلو معاه. أنا هرجع ليه غصبن عنكم.
ابتعد عنه الجميع بإشارة من والده. لتسقط بجواره تبكي قائلة:
- قوم يا شادي، في بينا لسه حساب. كنت لسه هبدأه معاك دلوقتي. شادي، انت كنت عارف إنك بتموت صح؟ وجيت هنا علشان أتعذب بآخر نظرة منك. منك لله، مش مسامحاك.
فاقت من ذكرياتها على لمسة ابنها الحنون هادي. نهضت وأخذته نحو الأريكة ليجلسا معًا. ساد الصمت بينهما للحظات وهي تراقب سكونه في خوف وقلق. لتسأل نفسها: أين ذهب ابنها المشرق الضاحك؟ ما الذي حدث له؟ همست قائلة في حذر:
- هادي! إيه اللي حصل وفين ملك؟
نظر لها دون رد للحظات زادتها قلقًا عليه. ليخرج صوته قائلاً بهدوء يشوبه الضعف:
- لو حكيتلك... هتغضبي عليا... صح؟
هزت رأسها في نفي وهي تقول في ألم:
- مستحيل يا هادي. مهما حصل أنا مستحيل أغضب عليك.
نكس هادي رأسه وبدأ يسرد لها ما حدث بينه وبين ملك. بعد شجارهم ورفضها الذهاب معه إلى بيت والدته، أخذها إلى شقتهم القديمة. وما أن دلف وجلس سوياً حتى مال عليها ليقبلها. ومن ثم تسللت يداه إلى أجزاء من جسدها وهي في حالة صدمة. لتشهق قائلة:
- انت بتعمل ايه؟ ولا عايز تعمل إيه؟ بقي أنا مرضتش أجي معاك بيت والدتك لأني عارفة كل أما هتشوفني هيحصل كده. عرفت ليه يا هادي؟
جلس هادي بجانبها قائلاً:
- أه عرفت... وعرفت كمان إني لا يمكن أقدر أبعد عنك. وانت السبب في أي حاجة هتحصل ما بينا... بسبب عنادك. الراجل راجل يا ملك.
اتسعت حدقة عينيها بذهول:
- والله ما مصدقة إن انت هادي الشخص اللي عيني جت عليه في يوم من الأيام. ده انت لسه بتحكيلي عن اللي حصل من والدك وابن عمك، تطلع زيهم.
زفر هادي بحنق:
- مالك يا ملك، أعملك إيه يعني أموت نفسي عشان ترتاحي. انتي السبب في كل اللي بيحصل واللي كان هيحصل. أنا انتقام صعب أنتقم منه.
انهارت ملك أمامه:
- مش هتقدر تنتقم؟ حتى لو حكيت ليك إن كان ممكن أكون أنا في يوم من الأيام بدل ملاك. بعد ما عايرتها إنها سلبية دفعتني أني أروح ليه، بس للأسف هربت.
أخذت تتعالى صرخاتها وهي تسرد له ما حدث يومها. ليميل عليها ويرفعها ويدفنها في أحضانه ويربت على ظهرها قائلاً:
- طب اهدي يا ملك. حقك عليا. أنا مش قصدي أضغط على أعصابك. أنا كل اللي عايزه منك هدوء لحد ما أعرف أجيب لك حقك في الوقت المناسب.
خرجت من أحضانه:
- أنا عايزة حقي دلوقتي. انت مش عارف ده ممكن يعمل إيه لو شافني. عمره ما هيصدق إني ملك. هو كل اللي يعرفه عني إني طفلة في ابتدائي.
احتار هادي:
- طب ما هي فرصة حلوة عشان أعرف أنتقم منه على حق. أنا لما أتجوزك أكيد هيفكر إني اتجوزتك بعد ما الكل اتهمني في ملاك. وساعتها هيقرب وأنا هعرف شغلي معاه.
انتفضت ملك بارتباك وتذكرت ما بدر منه:
- إيه؟ انت هتستنى لما يقرب مني؟ مستحيل، أنا ممكن يا أقتله يا يقتلني، بس أكيد بعد ما يعملها معايا. أنا في كل الحالات ضايعة يا هادي، أرجوك ابعد عني.
فك هادي الوزير حصاره من عليها، وعادت تجلس في آخر الأريكة. وخفقات وضربات ودقات تخرج من باطن صدرها وكأنها دفعات من طبول الحرب. أصبحت بلا أهل وترى كل من حولها يضمر لها الحقد والكره والانتقام. والقيود عليها لا تنفك بل تقبض وتقبض. وكأنها ترى أمامها سفيان عاد يتلذذ بجثة شقيقتها، ملاك.
نظمت ملك أنفاسها بكلماته التي كان يود بها تسليمها للآخر دون أي ضمان. لتموت وتحيا عائلة الوزير. ولكن تلك الجنية العجيبة ستعلمهم بصمتها من هي وستنقذ نفسها وستجعلهم يزورون قبر شقيقتها إلى الأبد.
رد عليها هادي بجمود:
- طب أنا عايزك تكوني زوجة ليا حتى لو على الورق. وأوعدك لا أنا ولا سفيان هنقرب منك. واسمعيها مني، انتي لو رجعتي بيتك سفيان هيوصلك.
ابتسمت ملك بسخرية قائلة:
- معنديش حاجة أبكي عليها يا هادي، وأعتقد بعد اللي انت كنت ناوي تعمله واللي قلته من شوية عمري ما هصدقك. فبلاش جو الراجل الشهم.
امتلكها كالطفلة بين يديه:
- حبيبة قلبي. انتي ليه مش قادرة تفهمي إن اللي عملته واللي بقوله غصبن عني. كان لازم أستفزك وانتِ مصممة تمشي عكس التيار وتبعدي عني.
***
عودة إلى جلسته مع والدته.
أردف وهو يسرد لها ما حدث كالطفل قائلاً:
- أنا عايز الزمن يرجع بينا وأعيش زي أي طفل مع أبوه وأمه وأبويا يبقى راجل كويس. أنا النهارده اتأكدت إن مفيش فايدة، أنا برضه بشبه في حاجات كتير.
شردت والدته واسترجعت ما حدث مثل ذلك عندما طلب هادي وهو صغير من والده أن يبقى معهم. فجز شادي على أسنانه قائلاً بحده:
- هادي. مش عايز أسمع صوتك. أنا مش سايبك لوحدك هنا. كفاية عليك جدك وأمك هما يقدروا يربوك كويس. أنا مش طايق أعيش هنا.
خرجت والدته من شرودها تهتف قائلة:
- معلش يا هادي، انسي وارمي ورا ضهرك. اللي حصل مش بإيدك. ده كله نصيب. وحاول تصالح ملك وتفهمها الصح، متبقاش قاسي عليها.
ابتسم هادي بسخرية:
- مش عارف أواجهها بأنهي وش بعد اللي عملته معاها النهاردة، تفتكري هتسامحني. نظراتها ليا كان كلها وعيد. أنا راضي طالما أنا السبب.
أخرج من جيبه مفتاح الشقة قائلاً:
- خدي المفتاح يا أمي وروحي ليها، متسيبيهاش لوحدها طالما رافضة تيجي تعيش هنا. دلوقتي هي بقت وحيدة وأنا خايف عليها، بس كده أرحم ليها من الحارة.
الواقع ليس له تعريف محدد، ممكن أن يكون مجرد مجموعة من الأحداث المتتالية. دوائر من الأفكار والخطط. قواعد مع بعض الشذوذ بها. الواقع معضلة. سواء تقبلته. أو اخترت أن تهرب منه. كان آخر ما سمعته منه قبل رحيله عنها (اتجوزيني). وبعدها لم تعد تسمع شيئًا. تيبست أوصالها وشحب لونها وتوقفت أنفاسها منذ لحظة لمساته لها ونظراته الشهوانية. وظلت تتردد كلماته في أذنها. اتجوزيني.
أخذت الكلمة تتردد داخل رأسها كصدى لصوته الذي سمعته لأول مرة كرجاء. اتجوزيني. وكأنه يريد أن الحلم يتحقق. حتى لو بعد فوات الأوان. لقد كان مجرد خيال، ينفيه الجميع لتتمسك هي به. نعتت بالجنون مقابل تلك اللحظة وكأنه يريد تحقيق الخيال.
***
بعد خروجها من اللوكاندا ومعرفة هويتها من قبل صاحبة العمل، قامت بمهاتفة سفيان على الفور.
- تفتكر إيه اللي يخليني أتصل بيك بعد الغيبة دي كلها إلا إذا كان الأمر مهم يا سي سفيان. رغم إنك مش يهمك أمري بس أنا يهمني أمرك.
تنهد سفيان بتعب:
- دا الموضوع مهم بقي يا إحسان. اللي يخليكي تتكلفي مكالمة دولية يبقى مهم. واحتمال يكون اللي في بالي صح. قولي يا سنسن، تكونيش حامل انتي كمان.
قطبت محاسن جبينها بشك:
- حامل وأنا كمان. بس ملاك مش حامل يا سفيان، لو حامل كان هيبقى بطنها قدامها لأنك سايبها بقالك شهور. وبعدين لو حامل منك، أكيد سقطته.
عقد سفيان ما بين حاجبيه قائلاً:
- مش لما أعرف الأول الكلام على مين. ولو الكلام على ملاك، إيه اللي فكرك بيها بعد كل ده؟ ده انتي كنتي مش بتطيقيها لما بجيبها معايا زي ما تكون ضرتك.
ابتسمت محاسن بسخرية:
- يعني ملاك ما كانتش حامل منك يا سفيان في يوم من الأيام. أكيد حصل وده اللي خلاك تختفي. عموما ارجع يا حبيبي، الهانم دايرة على حل شعرها.
زفر سفيان بنفاذ صبر:
- أيوه عارف ومش محتاج واحدة زيك عرفت حاجة بالصدفة تنبهني أو تطمني عشان أرجع. أنا سفري مش هروب من حشرة زيها. لا، ده حلم حياتي.
***
انتهت مكالمته وأخذ يفكر بها، وكأن تفكيره جعلها هي الأخرى تحلم به ككابوس. حيث نامت بمكانها بعد رحيل هادي وما سببه وجوده من متاعب نفسية وتقليب ذكرياته الماضية. غاصت بأحلامها وكأنها استمعت إلى صوت مزعج في هذا المكان القديم، لأن هادي لا يملك غيره والقصر لكي يدعها فيه.
استجمعت ملك شجاعتها واقتربت من المشربيه تفتحها علها تريح دقات قلبها النابضة بفزع وفرحة في آن واحد. وجدت في الظلام عيونًا تحفظ نظراتها، غرستها في مخيلتها للأبد. أغلقت المشربيه بسرعة هاتفة بفزع وهي تضع يدها فوق صدرها:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم.
وبالخارج من يكتم أنفاسه وليس ضحكاته فقط. ينظر إلى السماء فيرسم عيونها الزيتونية وسط النجوم وتكتمل لوحته التي تمناها. وجدته يدلف من باب الشقة بمنتهى الأريحية. وقام بوضع يديه حول رقبتها قائلاً:
- نهايتك هنا هتكون في الشقة اللي جابك فيها هادي. هو عبيط زيك جابك في أحب الأماكن ليا. بحب ديما الأماكن الشعبية لذلك عشقت أختك.
استيقظت من نومها بفزع واقتربت أصابعها المرتعشة مرة أخرى تفتح المشربيه ببطء. لكن تلك المرة لم تكن من أجل نبضاتها التي كادت أن تتوقف أثر رؤيتها لتلك العيون السوداوية وكأنها رأت الوحش في آفاق الليل، بل فضولًا. فتحتها وتلك المرة رأت جانب وجهه. ذقنه حاد وأنفه طويل بعض الشيء. خصلاته تركت لنسمات الليل حرية التلاعب بها، وعيونه أصبحت أكثر إشراقًا، وكأنها تطلق أشعة ضوء إلى السماء لتعزز إضاءة النجوم الخافتة. لتتذكر كلماته في كابوسها الخاص به:
- نهايتك هنا هتكون في الشقة دي اللي جابك فيها المغفل هادي. هو فعلاً مغفل وعبيط زيك لأنه جابك في أحب الأماكن ليا. بحب ديما الأماكن الشعبية لذلك عشقت أختك.
التقطت هاتفها سريعًا وهاتفت هادي. ليعقد ما بين حاجبيه وهو ينظر إلى الوقت وإلى اسمها مضاءً بشاشة هاتفه. توجه نحو النافذة ووضع هاتفه على أذنه مجيبًا لها قائلاً:
- صاحية بدري ليه يا ملك؟ معرفتيش تنامي صح؟ حقك عليا أنا تقلت العيار معاكي الليلة اللي فاتت، بس أوعدك أنا مش هقرب منك تاني لا في البيت ولا في الجامعة.
هزت ملك رأسها بالرفض:
- أبداً، انت مش ليك ذنب. الكابوس ده بيجيلي كل يوم. بس المرة دي مختلف لأني بعدت عن المكان اللي كنت مفكرة إني محمية فيه وبعيدة عنه.
زفر بحنق:
- طب ليه مش راضية تيجي تعيشي معانا؟ ولو خايفة على سمعتك نكتب الكتاب ويا ستي أنا هجي أعيش مكانك. ليه بتصعبي الأمور على نفسك.
ابتعلعت ريقها:
- حاضر يا هادي، أنا بعد الليلة دي هاجي أسكن مع مامتك. أنا حلمت بيه بيقتلني. يعني مش مكفيه إنه السبب في موتها، لا جاي يكمل عليا أنا كمان.
انفرجت أسراره من السعادة أثر موافقتها ولم يستمع إلى باقي كلماتها. بل قذف بهاتفه وارتدى ملابسه على عجلة من أمره وذهب إليها وهي في قمة انهيارها وخوفها. ليتحدث بصوت منخفض:
- شكلك مش يطمن يا ملك. احكيلي الحلم كويس. واوعي يا ملك يكون حقيقة وأنتي بتخبي عليا. واوعي تظني إني ضعيف مقدرش أجيبه تحت رجلي.
زفرت ملك بضيق:
- لا كابوس. ولو حقيقة مش هقول ليك يا هادي. هسيبه يموتني عشان أنا أصلاً مش عايزة أعيش من يوم ما ماتت ملاك. ولعلمك هو أكيد مش عارف إنها ماتت.
تنهد هادي بتعب قائلاً وهو يتذكر حواره مع والدته:
- عارفة يا ملك، انتي مفكراني ضعيف وأهبل وعبيط وسلبي صح؟ بس عايز أقولك على حاجة، لو أنا كده كان عمري ما ساعدت ملاك. بالعكس، أنا وقفت جنبها.
ابتسمت ملك بسخرية:
- انت اتخليت عني لمجرد إن اليوم اللي اتصلت بيك فيه رفضت حتى تخليني أكمل كلامي والحجة جدك مات. وده كفيل يخليني عمري ما أثق فيك.
زفر هادي بحنق:
- بصي، أنا مهما عملت عمري ما هخليكي تنسي ذكرى اليوم ده. أنا فعلاً كان ممكن أعرفك إن جدي ميت وهكلمك كمان يومين وهبقى جنبك. بس ممكن تنسي عشان الموقف اللي إحنا فيه دلوقتي مش مستاهل نقف لبعض.
ابتسمت ملك بسخرية قائلة:
- حاضر. ولازم دلوقتي أقولك حاضر لأني مش أملك غيرها. الكابوس كان زي الحقيقة بسبب تغير المكان وكمان لأني لوحدي. يمكن لما أكون معاك ميجيش أصلاً.
شرد في حديثها حتى أنه لم ينتبه على نهوضها ودلوفها المطبخ وأتيانها بطعام الإفطار. فتحدث قائلاً:
- ملك، انتي جبتي منين الأكل ده؟ أنا فاكر إني نسيت أعدي على السوبر ماركت امبارح وأجبلك طلباتك. أوعي تكوني ناديتي على البواب.
جحظت ملك بعينيها في ذهول:
- معقول؟ يعني مش انت حاطط الأكل ده من قبل ما نيجي! طب انت مش بتقول كنت عايش هنا يعني أكيد كنت بتجيب أكل. يبقى ده منه. أنا مبعتش حد يجبلي أي حاجة.
وجدها ترتجف فتوجه نحوها مسرعًا ويده تحتضن رقبتها. شردت فيما بدر منه. كان يشبه فرسان الحكايات، ولا شك أن بداخلها سر بحركته العفوائية، فهو بطل تخيلاتها وحكاويها. تنحنح عندما وجدها ساكنة بين ذراعيها وأبعدها عنه برفق وأجلسها وجلس أمامها بهيئته. لتركز في ملامحه كأنها تراه لأول مرة وبشكل أفضل مما تخيلت فارس أحلامها لآلاف المرات. تذكرت أمر الكابوس والمشربيه عندما وجدتها تنفتح لأقصاها حتى تترك المجال للهواء لكي ينفذ بقوة داخل تلك الشقة المهجورة منذ شهور. شردت لبضع دقائق ثم التفتت له بمقلتيها اللامعتين مرة أخرى. ولكن تلك المرة لم تفزع خاصة عندما قام بغلق المشربيه بإحكام دون النطق ببنت شفة.
رواية غرام و انتقام الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مروة البطراوي
ثمان وأربعون ساعة من الخوف!
إن وجب عليه وضع عنوان لما حدث في يومين لما وجد وصفًا أمثل من رعب.
زجاجات الماء بالثلاجة جميعها فارغة بالرغم من أنها جديدة ولم يتجرعها أحد، بل قام أحد بتفريغها أسفل الثلاجة وصرفها.
ومن هنا بدأ الذعر، حيث أنها تناولت جزءًا من الطعام وهي تعده ليصدر عنها آلام حادة بالرأس، وبالمعدة، غثيان، وشعور مفاجئ بالدوار.
كل هذا لا ينتهي ولا يدري متى تحل له نهاية.
تواصل مع المستشفى فأكدوا على ضرورة الحضور إليهم لعمل غسيل المعدة اللازم.
عندها تحاملت على نفسها وبالكاد ارتدت ملابسها، ورفضت مساعدته نهائيًا، ليقود سيارته بعد أن حملها رغماً عنها ويذهب بها إلى المستشفى.
هاتف هادي والدته لتأتيه مسرعة، ولشدة خوفها خشي أن يصيبها مكروه، فأجلسها بهدوء.
"خير يا أمي، متقلقيش، الكل جوه بيعمل ليها اللازم. ده مجرد حالة تسمم بسيطة وهتزول إن شاء الله."
"أنا غبي برضه، وصلتها ونسيت موضوع الأكل ده."
نظرت إليه غالية بقلق.
"هتعمل إيه يا هادي؟ هتسكت ولا هتبلغ البوليس؟ عارف اللي حصل لملك ده معناه إيه؟ معناها إنك أنت المقصود، بس مين ده وليه ده اللي لازم تعرفه."
هادي بحدة قائلاً:
"مش عايز أعرف حاجة. أنا عايزة بس لما تفوق تنسى النقطة دي. ما هو مش معقول كل أما تحن عليا وأمورنا تظبط ترجع تنتكس تاني."
نظرت إليها غالية بحزن.
"براحتك يا هادي، اللي أنت شايفه صح اعمله. ربنا يا ابني يبعد عنكم أي مكروه ويقومها لك بالسلامة، ولا يضرني فيك أبداً. وينتقم من الظالم."
جلس هادي على الكرسي وهو يفكر كيف وصل هذا الأكل المسموم إلى شقته.
تأخرت حالتها، وكان لا بد من التدخل بالعلاج، أمرًا ضروريًا.
كاد الوقت ينفذ من بين أيديهم لأن السم مفعوله سريع، أصبحت رفاهية إضاعة الوقت في علاج التسمم غير متاحة.
لذلك استجمع كل ما يملك من ثبات انفعالي وهدوء ليجلس أمامه الطبيب ويصارحه.
"أنا عارف كويس إنك رافض تدخل الشرطة في الموضوع، بس حالتها هتحتاج أيام كتير في المستشفى وده صعب يتم مرور الكرام..."
لم يصمت طويلاً كي لا يمنحه فرصة معارضته، بل اكتفى بتنهيدة واستكمل محاولاً إمداده بالشجاعة والإقدام على التبليغ.
"أنا هبلغك بالتطورات من وقت للتاني، بس لو فعلاً عايزها تتعافى بلغ وهات حقها."
بالفعل تم العمل بنصائح الطبيب حتى لا تكون لها حجة في تركها، ولكن كالعادة تم حفظ الملف ضد مجهول.
يكفيها فقط أنها رأت بعينيه إصرارًا على معرفة من الجاني.
أخذت قرارًا بالرجوع معه في بيت والدته، وكان يجلس معهم طوال النهار ليعود وينام في الشقة بمفرده.
بعد تعافيها علمت من الخادمة أنه جاء وتناول الغذاء بمفرده، والآن يجلس في غرفة مكتبه بالأسفل.
هبطت الدرج وذهبت إلى غرفة مكتبه قائلة بسعادة:
"ممكن أدخل لو مش هيضايقك يا دكتور؟ أصلي ملاحظة كده يعني إنك متجاهلني ومش بتحاول تقابلني حتى على سفرة الغداء، فقلت أجيلك أنا."
أعجب بطفولتها.
"آه فعلاً، أنا بحاول أتجنبك على قد ما أقدر عشان مش تحسي إني فارض نفسي عليكي أو بستغل إنك عايشة مع أمي. بس خلاص هانت، أنتي بعد بكرة هتيجي الجامعة."
ابتسمت إليه.
"طب حيث كده بقي وريني أنا فاتني إيه، يمكن أقدر أستوعبه، ولو ده محصلش هتفهمه ليا أنا. معنديش استعداد أحضر بقية المحاضرات وأنا مش فاهمة."
أعطاها هادي دفتر المحاضرات قائلاً:
"أنا كنت هسيبلك الدفتر ده مع أمي. أنا عارف ومتأكد إنك مش بتعرفي تكملي في حاجة إلا لما تكوني مستوعبة اللي قبلها. اطمني طول ما أنتي معايا."
غمزته قائلة:
"برافو. أنت كده فعلاً فهمتني. يمكن فهمت اللي أهلي مقدروش يفهموه. بس طبعًا هما مش وحشين، بالعكس، هما بس كانت قدرات استيعابهم ليا كده."
سألها قائلاً:
"هو والدك كان بيشتغل إيه يا ملك؟ أصل مش باين في أي فايل أنتِ مقدمة. ومامتك كانت ربة منزل ولا كانت بتشتغل حاجة حرفية؟ ومافيش قرايب ليكم؟"
ارتبكت ملك.
"مش مهمين القرايب طالما وجودهم هيكون دمار لينا. أنا والدي من الفلاحين، وعلشان اتجوز أمي من البندر زي ما بيقولوا طردوه وأخدوا أرضه."
أخذ ينظر إلى ملامحها وهي تسرد الأمر بلا مبالاة وبلا حزن، حتى تأكد أنها هي التي كان يبحث عنها منذ زمن، فهي فتاة أحلامه.
***
أتاها هاتف في منتصف الليل.
يظهر اسم المتصل الطبيب المشرف عليها (خالد الباهي).
أجابت على هاتفها على مضض، حيث كان زياد من المعجبين بها ومرارًا حاول معها كثيرًا دون استجابة.
طلب منها أن تحضر في الحال إلى المستشفى الخاص به، لتواجد هادي هناك مصابًا اعتداء بالضرب عليه.
أغلقت الهاتف ثم التقطت أنفاسها متوجهة نحو المرحاض.
وغسلت وجهها سريعًا وانتهت وبدت كما لم يصبها الدنيا بخدش من أظافرها.
تجرعت قليلاً من الماء وغادرت المنزل بهدوء حتى لا تستيقظ والدته وتعلم بما حل به، ومن المؤكد أنه سيصيبها مكروه لخوفها الشديد عليه.
صعدت سيارة الأجرة التي وجدتها بعد معاناة بسبب التوقيت السيء.
أخذت تردد الأدعية حتى لا يكون وضعه سيئًا، وتحدث نفسها:
"استر يا رب، أنا حاليًا مليش غيره. بس يا ترى إيه سبب اللي بيحصل له ده كله؟ شكلي شؤم عليه. بس كان كمان كان في محاولة إني أتسمم. طب مين اللي بيعمل فينا ده كله؟"
سرعان ما وصلت إلى المستشفى الخاص بخالد، وبدون أن تذهب إلى مكتبه سألت على غرفة هادي وتوجهت نحو لتجده يحاول الاعتدال في جلسته، وآثار الضرب عليه في كل أنحاء وجهه وذراعه المربوط بإحكام.
هرعت نحوه وأسندته قائلة بلهفة:
"هادي، أنت كويس؟ مين عمل فيك كده؟ وليه محدش بلغني من بدري؟ المرة دي لازم نبلغ كمان. أنا مش هسكت لحد ما تضيع مني ومن طنط."
تنهد هادي بثقل من أوجاعه.
"أنا زي الفل أهو يا ملك. مش مستاهلة قلقك ده. والله حرجت على خالد يقولك بس هو اللي دماغه ناشفة. وبعدين تعالي هنا، إنتي إزاي تسمعي كلامه؟"
لم تجب على سؤاله. بالنسبة لوضع ملك، من المؤكد أنها خشيت أمر خالد ألا يفتعل بها مثل ما فعل سفيان بملاك شقيقتها، ولكن كان لا يهمها إلا هادي.
جلست بجانبه، وضمته إليها تتحسس أوجاعه حتى تطمئن أنه بحالة جيدة، ليشير إليها قائلاً:
"تعالي نروح يا ملك. أنا خلاص عملت الإسعافات اللازمة هنا، مفيش داعي لقعدتي. وبعدين مش عايز خالد يمر دلوقتي ويشوفك، كفاية إنه اتصل بيكي."
هزت ملك رأسها برفض.
"لا مش هنمشي إلا لما يمر عليك ويطمني أنا شخصيًا. وبعدين أنت مكبر الموضوع ليه؟ طبيعي إنه لازم يتصل بحد من قرايبك، وبرضه كان صعب يتصل بمامتك."
جاءت لتنهض حتى تستدعي خالد.
ولكن أمسك يدها هادي قائلاً بهمس:
"ملك... أنا عايزك كده ديما خايفة وقلقانة عليا زي ما شفتك دلوقتي. عارف إنك بتكابري ومش عايزة تقوليها إنك بتحبيني. بس كفاية اللي حسيته."
قطبت ملك جبينها. كيف له أن يفهمها بهذه السهولة.
تعالت ضحكاته من شرودها واستغرابه، حتى أنه شعر بأوجاعه وهو يضحك وأخذ يضع يده على كدماته.
"مفيش مسكن قوي للوجع ده، إيش حال من كنا دكاترة. وبعدين مالك يا بنتي متنحة كده ليه؟ ما أنا أكيد هفهم إن نزولك في أنصاف الليالي ده خوف وحب ليا."
ابتسمت ملك بخفوت قائلة:
"إنت ليه بتحول الجد هزار يا هادي؟ أنا فعلاً قلقت عليك جامد. هادي، انت متخيل أنا معدش ليا غيرك، أنت وطنط غالية، أنت كمان مهم جدًا ليها."
سألها قائلاً:
"خوفتي عليا علشان مليكيش غيري ولا علشان بتحبيني؟ أصلها بتفرق أوي يا ملك. ردك ده هيخليني أعرف إن اللي بعمل ده له قيمة. أنا اللي بعملُه بعمله حبًا فيكي."
انحنت نحوه تعدل من جلسته المنحنية لتتلاقى أنفاسهم لتتحدث بهمس:
"أيوه بحبك يا هادي، ومن زمان كمان، وأنت عارف. يمكن في فرق بيني وبين أي واحدة تعرف دكتور زيك، كان ممكن أستغل كل حاجة علشان أوصلك، بس مليش فيه.... بس أرجوك اصبر عليا أدواي جروحي من اللي حصل ليها."
هز رأسه بهدوء قائلاً وهو يقاوم اقترابها المهلك وأنفاسها التي اقتربت حد الموت من أنفاسه جعلته يتنفسها عوضًا عنه:
"حاضر. هصبر عليكي. بس زي ما هصبر، أنتي كمان لازم ترحميني. في حاجات أنتِ لا يمكن تحسيها حتى لو حبيتي. في رغبة وفي شعور."
كادت أن ترد عليه إلا أنه التهم شفتيها فجأة... ليُتفاجأ هو الآخر باستسلام شفتيها له دون مقاومة ودون رفض.
***
أدرك هو أن الخراب الذي يفتعله بداخلها هذه المرة غير قابل للترميم.
لم تدمرها شقيقتها كما دمرها وطنها، أو ليس هو وطنها الآن بل عائلتها بالكامل؟
فكيف بدلًا من أن يحتضن كسرها، ويضمد جرحها، يزيد الأمر سوءًا دون إشفاق على حالتها، بدلًا من أن يعينها على مغادرته، ويعزز من مقدارها في هذا المكان الذي لو شاهدها أحد بهذا الوضع لأساءت سمعتها.
كان من المفترض أن يتركها لحظة قبل أن يداهمها لحظة ضعف، فلا أحد يريد الألم، وليس للضعف أن يقرن بالألم والحزن.
لا يدري كيف لا يقاوم قربها، لكنه فعل.
لا يدري كيف استثار، لكن ذلك حدث.
لا يدري عن شيء، غير أنه عاد كما كان قبل الحادث يريدها كرجل يريد أنثى.
همس إليها قائلاً:
"ملك. أنا آسف بس صدقيني غصبن عني. أنا عارف إن كل مرة بوعدك وبخلي بيكي. بس أنتي لازم تقدرى، أنا محتاجك كـ ست في حياتي."
أجابت ملك بخفوت تبتلع ريقها:
"نعم... إيه اللي أنت بتقوله ده يا هادي؟ ست إيه وهباب إيه على دماغك. يعني أنا مجرد شهوة بالنسبة ليك صح. أما ندل بصحيح. بس الحق عليا."
نهضت بحزن ليمسكها برفق من يدها ينظر إليها برجاء:
"تعالي نتكلم ونتفاهم بهدوء. أنا بحبك وأنتي عارفة كده كويس وفاهمة يعني إيه راجل بيحب. أنتي بس اللي ديما حاطة سفيان واللي عمله في ملاك بينا."
شردت ملك وتذكرت ما حدث لملاك، ليتذكر هو الآخر ويحدث نفسه:
"إيه اللي أنا قلته ده. يخربيت فقرى. أنا فعلاً على رأي أبويا نحس من يومي. ابتدت تفتكر أهو بعد ما كانت ناعمة. ياريتني ما اتكلمت أنا فصيلة."
دلفت في لحظة شرودهم الممرضة شدوى، تلك التي سردت لهادي علاقتها بسفيان، لتُحَجِّر بعينيها عندما رأت ملك وذلك بسبب التشابه بينها وبين ملاك، لتردف قائلة:
"ميعاد الدوا يا دكتور هادي. ملاك! إنتي تعرفي دكتور هادي منين؟ إنتي هتشتغلي معانا هنا في المستشفى. أنصحك بلاش دكتور خالد، أكيد هيعرف كل حاجة."
رد عليها هادي:
"لا يا شدوى، دي مش ملاك. دي أختها التوأم الدكتورة ملك. ونصيحة مني، إنتي اللي بلاش تتكلمي كتير. لأني ممكن أتسبب في طردك من هنا."
ظلت شدوى صامتة غير مصدقة لما يقوله هادي، وتذكر هادي ما قالته له شدوى من ذي قبل وحدّث نفسه قائلاً:
"أنا لازم أسعى في طردها فعلاً لأنها مش مصدقة. مسكينة أنا نفسي لو كنت شفت ملاك عمري ما كنت هصدق إنها توأم. قد إيه الشبه بينهم هيدمر الدنيا."
أخذت شدوى تطرح أسئلة لكي تتأكد أنها ليست ملاك.
إلى أن أفاق هادي من شروده قائلاً:
"في حاجات ملاك كانت مخبياها على أصحابها. منهم إن ليها أخت توأم مش في ابتدائي. تقدري تسألي وفيه. كمان في شهادة وفاة من مدريد باسم ملاك."
زفرت شدوى بحنق:
"يا دكتور، أنا مصدقاك. أنا بس خايفة لا يكون ملعوب عليك، فقلت أكشفها قدامك. بس طالما أنت مقتنع، أنا مالي، حضرتك حر. وأنا مش لبّاخة على فكرة."
رد عليها هادي لينهي الأمر:
"روحي اتصلي بخالد، خليه يمضيلي على خروج. كفاية لحد كده، أنا بقيت كويس. آه، وخذي بالك، أي كلمة اتقالت هنا خرجت بره الأوضة دي هتشوفي شغلك."
اهتزت الأرض من أسفل قدميها.
شعرت بنفسها كبركان ثائر، غاضب، فوهته روحها التي تحترق وتتألم.
تشعر بجسدها عاجز واهن، وهن كهل اقترب من الموت.
خارت قواها، أصبحت فجأة في مهب الريح وكأنها شجرة جفت غصونها وشاب جذرها، لن تقاوم إن نزعوها من أرضها، فلم تعد أرضها.
***
حالة من التيه والصدمة.
عيناها شاخصتان أشبه بعيون الموتى.
تكذب أذنيها، ترفض ما تسمعه، ولكن وبكل أسف لم يكن هناك وقت لصم الأذن.
وجدت نفسها تتجول في طرقات المستشفى حيث تركته يبدل ملابسه.
كانت شدوى تتبعها فانفزعت من وجودها أمامها قائلة:
"إيه ده! انتي ماشية ورايا تراقبيني؟ مش هادي قالك وحذرك تخليكي في حالك؟ ولا حابة هادي يعملها معاكي؟ إيه؟ مش خايفة منه لا يبقى زي سفيان؟"
أخذت شدوى تنظر إليها بخبث، تربع ذراعيها فوق صدرها تتحداها بعينيها، غير آبهة بما سيفتعله هادي بها جراء وقفتها أمام ملك.
مسحت ملك على وجهها بغيظ:
"هو نهار باين من أوله؟ كان ناقصني أنا اللي حصل لهادي علشان أجي هنا وأشوف وشك وتبقي اصطباحة منيلة بستين نيلة على دماغك."
جحظت شدوى بعينيها، فهي بطريقتها في التحدث هذه تكون ملاك ليس غيرها، لتصرخ ملك من صمتها:
"لا بقى! إنتي إنسانة حقًا مستفزة. إنتي بتبصي ليا كده ليه؟ ها. مجنونة إنتي صح. أوعي تكوني شاكة إني هي. طبيعي أن أكون هي وأنا واحد حتى في صفاتنا."
طرقت شدوى بالقلم الذي تستخدمه في تسجيل الحالات على سطح الطاولة أمامهم قائلة:
"عادي، أنا ممكن أتأكد ودلوقتي حالًا. تعالي نعمل كشف عذرية وأشوفك آنسة ولا مدام. ولو مدام تبقي ملاك، لو آنسة تبقي ملك. ولو مرضتيش تبقي كدابة."
جلست ملك على الكرسي الموضوع جانبها تحاول استيعاب ما تتفوه به شدوى، فجلست الأخرى بجانبها.
"مالك يا حلوة؟ خايفة تتفضحي يا بيضا يا شقرا انتي. طب ما كان من الأول. ليه تدخلي بالحنين على الدكتور الغلبان ويستحمل المر عشانك. قومي تعالي معايا، هوديكي لدكتور يعملك العملية إياها."
انتفضت ملك قائلة:
"أوعي كده! إنتي أكيد اتجننتي، وأنا هقول لهادي على كل اللي قلتيه دلوقتي، وهعرفك مين الدكتورة ملك على حق. إنتي مين يا حقيرة علشان تكلميني كده."
كان يرتدي ملابسه وسرعان ما استمع إلى صوتها، كانت والدته وصلت له الخبر لتأتي إليه، فيحثها سريعًا أن تلحق بملك حتى لا تفتعل جريمة.
"ماما أرجوكي، الحقي ملك، شكلها هتفضح الدنيا. أنا مش عايز حد في مستشفى خالد يعرف مين ملك. والبت اللي اسمها شدوى دي لازم تتطرد."
دلف إلى خالد في حين والدته أسرعت نحو ملك.
"أهلاً وسهلاً يا دكتور... اتفضل."
هادي بفتور واضح:
"أنا مش جاي أتفضل يا دكتور خالد، أنا جاي علشان أفهم... إزاي تتصل بملك وتخليها تيجي المستشفى في أنصاف الليالي؟"
"وإزاي تشغل واحدة زي شدوى عندك هنا؟ إنت نسيت هي كانت شغالة عند مين؟"
"أنا مقدر الحالة اللي أنت فيها، بس أنت كمان لازم تبقى عارف ومتأكد إن المستشفى هنا مش هتشغل حد عندها زي شدوى من غير ما تتأكد من أخلاقها كويس.... الكل قالي مفيهاش غلطة وهتريحني. بس يعني مش فاهم هي ملك بتتخانق معاها بره ليه؟ هي عاكستك يا وسيم؟ قصدي يا هادي. بصراحة عندها حق ملك تغير من شدوى. ملك آه جميلة، بس باردة، إنما شدوى..."
اشتدت ملامح هادي وبدأ غضبه يتعالى، ونهض ليلقن خالد درسًا، ولكن في تلك اللحظة جاء لخالد هاتف من والد زوجته نهال يخبره أنها هربت وأخذت كل متعلقاتها الشخصية.
تذكروا معي من تكون نهال.
نهال هي التي ذهبت إلى سفيان كي تقوم بواجب التعزية، ولكن ه نال غرضه منها.
"برضه نهال هربت!"
نطق بتلك الجملة خالد الشخص المستبد الذي صمم أن يأخذ نهال عنوة وينتصر على سفيان، رجل أفعال، وقبل كل ذلك كان رجل نظرات أوقعها بنظراته الثعبانية.
تركته هادي ورحل مع ملك بعد ما قام بالتقاطها من يد شدوى.
عادا إلى المنزل، فصعدت معه تهيئ له الغرفة حتى يستطيع النوم والراحة.
أرسل لها نظرة يخبرها، أنه سيفعل لها كل ما تشتهيه لأنها بعصبية أفسدت أشياء كان يريد افتعالها.
يد سارت من رسغها، استقرت فوق كتفيها، وهي ترتعش أسفل نظراته.
مال يدس وجهه في رقبتها، يدغدغ بشرتها بأنفه، لحيته تجعلها تشهق، تحاول دفعه بدلال، وهي تردد بصوت عاقل:
"كده عيب يا دكتور هادي. مقدرش أنا على كل ده."
مهاترات، هذيان، سذاجة، وهو لم يعد رديف الصبر، حيث أنها تطغو عليه بفتنتها تجعله يرتكب الفاحشة، فلما لا تكون حلاله؟
فلتهلك كل السيطرة التي يمتلكها، وليبقى الشغف بها متواصلاً.
رواية غرام و انتقام الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مروة البطراوي
في صباح اليوم التالي، استيقظ سفيان خارج مصر ليذهب إلى عمله. ما إن وصل حتى وجد شخصًا لم يخطر بباله أبدًا أن يأتي، ألا وهي نهال.
غضب من رؤيتها قائلاً:
"إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ وعرفتي منين عنواني ومنين جاتلك الجرأة تيجي؟ إيه ما خوفتيش من خالد ولا اللي عملته فيكي جرأك على الكل؟"
اقتربت منه نهال وبجرأة غير معهودة فيها، ارتفعت يدها ولمست شعره قائلة:
"إيه يا سفيان. زعلت إني جيت ولا إيه؟ المفروض تفرح. أنا وإنتِ ملناش غير بعض. وخالد بدأ يعك وبقى شغله مع الممرضات وبعدين أنا عمري ما حبيته."
أبعدها عنه قائلاً:
"ست البنات أي نعم عمرها ما حبت خالد، بس اتجوزته عشان السلطة والمال مش غصب من سي بابا. وبعدين ماله الشغل مع الممرضات؟"
نظرت إليه باستنكار ليردف قائلاً:
"بقى تخربي بيتك اللي بقاله سنين علشاني وشوية ممرضات؟ غلطانة يا نهال وبعدين تفرقي إيه عنهم، ما إنتي عملتي معايا زيهم."
جزت على أسنانها:
"ما إنت عارف إنه مش بمزاجي يا سفيان، وإنت خدرتني زي ما بتخدر أي ممرضة بتشتغل عندك وترميها بعدها. بس أنا مش ممرضة."
تذكر ملاك وما افتعله بها، هي الوحيدة الذي أراد الاحتفاظ بها، ولكن هيهات، مل منها سريعًا. خرج من شروده ليجدها ملتصقة به، ليدفعها قائلاً بحده:
"ارجعي على أول طيارة يا نهال. أنا لما جيت هنا جيت عشان أبدأ من جديد وعلى نضيف، مش فاضي أوسخ نفسي بحاجات قديمة وخصوصًا إنتي."
جلست على حافة مكتبه قائلة:
"لا... أنا هفضل معاك هنا وهقيم معاك في بيتك. حابب نتجوز مفيش مانع. أنا اتطلقت أول امبارح. اسكت، مش خالد طلع مش بيخلف واللي كان في بطني ابنك."
عض على شفتيه بغيظ قائلاً لنفسه:
"زي القطط بسبع أرواح، كنت أقصد أخلص منك ومن اللي في بطنك. فلتي إنتي ولبست أنا. أعمل إيه؟ ولو قلت لخالد يجي ياخدها ممكن يرتكب جناية."
***
عودة إلى ملك وهادي:
"هادي، هتعمل إيه لو جوازنا فشل وسبنا بعض في حالة رجوع سفيان؟"
تساؤلها اليائس بث في جسده قشعريرة خارج سيطرته. هي كلها تفتت سيطرته كما لم يعمل حسابًا أبدًا. هي بقلبه من الداخل، القمر الذي ينير عتمة ماضيه الذي يريد إسقاطه. قلبه من دونها تائه، ضعيف، حائر، ذابل، لا يعلم ماذا يفعل. تخيلها تذبل أمامه، ليس بشكل جسدي فهي ليست بقبيحة، ولكن روحها تذبل. عيناها تبدو كبلور مكسور، نضارة وجهها تبهت، بالكاد تتناول الطعام والشراب، وفي أغلب الأوقات تبكي متوجسة من عودة سفيان.
سألته كي تفهم، سألته بيأس لأنها تعلم أن رده هو نفس الرد القديم المحفوظ.
تناول وجهها بكفيه، وحاوط وجنتيها. مال بجبهته فوق جبهتها وهمسه يحتلها:
"أنا مش هسمح لسفيان يلمسك. خليكي واثقة في ده."
ثم جذبها حتى اصطدمت بضلوعه، وأظلمت عيناه وتوحش شر المستذئب في صدره. ألمها رغماً عنه، ولكنها لم تبتعد، بل عانقته. وحين تعانقه، يعانقها كطبيب وكأب وكأخ وكعاشق وكوحش ضار. تعانقه هي ولا تبالي، تشعر بالقيد والحرية في ذات الحين.
أخرجها من أحضانه، والتقطت الحقيبة الخاصة بعمله وتحدث إليها قائلاً:
"إنتي هتعملي إيه النهارده؟ أعتقد ماعندكيش محاضرات. لو حابة تيجي تقعدي في المكتب عندي لغاية ما أخلص مفيش مانع، وأهو تتسلي."
لم تجبه، فقبض جبينه ونظر لها فوجدها شارده:
"بكلمك على فكرة، إنتي سرحانة في إيه؟ كلامي ضايقك في حاجة؟ لو مضايقة إني رايح شغلي، أنا ممكن أفضل النهارده. مالك يا ملك إيه اللي قلقك؟"
لم تنظر إليه، ظلت شارده تهتف بحيرة:
"بحاول ألملم أفكاري من ناحية شدوة ودكتور خالد ومراته نهال. هو دكتور خالد كان يعرف باللي بيعمله سفيان ولا شدوة هي اللي حكت له؟"
زفر هادي بحنق:
"عايزة توصلي لإيه يا ملك؟ عايزة تعرفي إيه علاقة نهال مرات خالد بالموضوع، خصوصًا لما قال هقتل نهال وسفيان. صح؟"
"للأسف، ماكنش نفسي تشوفي الحالة دي."
نظرت إليه باستغراب قائلة:
"سفيان!!! هو ده مربط الفرس لأي مصيبة بتحصل. وطبعًا يهمني أعرف إيه علاقته بنهال اللي سمعت اسمها النهارده ولقيت نظرة الشماتة في عينين شدوة."
أردف هادي قائلاً:
"أنا هقولك. الحكاية قديمة أيام ما كنا في سنك كنا شلة واحدة. نهال كانت الجميلة بتاعتنا. أي حد ممكن يعرفها لازم يحبها. سفيان كان مصمم عليها بطريقة غلط."
أوقفته ملك قائلة:
"استني. ياااه يا هادي، أول مرة أشوفك بتتكلم عن الماضي وأنت مبسوط كده. إيه النظام يا دكتور؟ نهال حب قديم صح؟ بس طبعًا سفيان دخل في النص."
جذبها إليه وعانقها مجددًا وهو يقول:
"قلتلها ما تسبنيش، بس للأسف زي ما قلتي سفيان دخل في النص، وده من حسن حظي. الخسارة القريبة ولا المكسب البعيد؟ هو خسر لما سابته."
اللمعت الدموع بعينيها رغماً عنها لمجرد تخيلها أنه كان يعشق غيرها يومًا ما:
"حرام عليك، حد يقول على خسارة الحب الأول حسن حظ. الحب الأول أغلى حاجة في الدنيا، بيضيع الواحد وبيخليه يفقد السيطرة على كل حاجة."
أخرجها من أحضانه رويدًا ونظر إلى عينيها الملتمعة بالدموع وهي بين يديه:
"أنا ماكنتش بحبها يا ملك، لو كنت كده كنت عافرت ووصلت ليها. أنا أول لما قالت معنديش مشاعر تجاهك محيتها بإستيكة، قلت أكيد مش نصيبك."
ابتسمت قائلة:
"أوعى تسبني لوحدي أرجوك. حتى لو أنا طلبت منك كده في يوم من الأيام. عافر علشاني زي ما بتقول. أنا مليش حد. جايز هي كان عندها أهل بتستقوى بيهم."
قبلها من جبينها:
"ملك، إنتي أختي وبنتي وحبيبتي وهتكوني مراتي. أنا استحالة أسيبك بعد ما لقيتك. إنتي بقيتي جزء لا يتجزأ مني، وإنتي حبي الأول، مش حد تاني."
ملك بحب وعيون تملأها الفرحة:
"بقولك إيه، أنا أخرتك على شغلك. مش عايزة ماما غالية تقول إني من ساعة ما دخلت حياتك برجلها. يلا بالسلامة يا هادي، ربنا يوفقك ويعينك."
خرج هادي ليتركها تتنهد براحة، وتوجه إلى جامعته. دلف مكتبه، أخذ ينقر بإصبعه على سطح المكتب قائلاً:
"نهال عمرها ما كانت حب، أنا كنت غبي وأنا بقولها كل كلمة حلوة. المفروض كنت أوفر ده كله لملك. فعلاً ملك هي الحب الأول اللي لازم أعافر عشانه."
***
في صباح اليوم التالي عند سفيان ونهال، واضطراره أن يأخذها معه المنزل. أخذت تذيقه ألوانًا من الحب في تلك الليلة، ومن ثم ابتعدت عنه وهي تتنفس ببطء دون أن تدرك أنها سيطرت على كل حواسه. ثم قالت ببساطة قاتلة له:
"لسه زعلان مني يا سفيان؟"
طلت من عينيه الداكنتين صدمة، وهي تتصنع البراءة أمامه لكي ينهار، تحاول هزيمته بسؤال عفوي مصطنع، وتحاصره بجمال اصطنعته لقلبها مجددًا. رفع ذقنها، ومن ثم رفع وجهها، ثم قال بنبرة تفتك بها:
"هزعل منك إنتي ليه؟"
لوت شفتيها بتعبير حزين وقد أدمعت دمعتين خفيفتين مثل تمساح يتصنع الخبث:
"عشان سبتك زمان وروحت اتجوزت خالد وما هربتش معاك وحطيت بابا قدام الأمر الواقع."
لو جائته بقلبه القديم لدق بعنف، لكنها أتته بقلبه الميت المفتقد للحياة. قلبه دق فقط من أجلها. قال وهو يحترق:
"مش حابب أتكلم في الموضوع ده تاني."
تعبيره عن الحب الآن يتخذ هجومًا كاسحًا على شفتي أي أنثى. لم تكن قبلة بالمعنى المعهود بقدر ما هي اندماج وحشي معها، وهي مضطرة أن تتحمله. هي ليس لها إلا هو، وهو سابح في ملكوت آخر. هي هزيمته بالأمس وانتصاره حاليًا. غلف الصمت المساحة حولهما سوى من أنفاسها وأنفاسه.
نهضت نهال من أحضان سفيان قائلة:
"ما تخلينيش أرجع مصر أرجوك يا سفيان. أنا عايزة أكمل حياتي معاك. تعالي ننسى اللي فات ونفضل عايشين هنا. إحنا خلاص معدش لينا حاجة في مصر."
انتفض سفيان وتذكر ما حدث:
"مش هينفع يا نهال. إنتي لازم ترجعي مصر على أقرب طيارة. حياتك معايا مستحيلة. ارجعي لخالد، هيوافق على رجعتك. هو متعود على كده."
تصنعت نهال الدلع قائلة:
"حبيبي يا سفيان. أرجع لمين. لخالد العقيم. طب ليه وأنا ممكن أخلف منك وأحقق رغبتي في الأمومة. إنت مش نفسك تكون أب. الفرصة مش هتجدد تاني."
احتد سفيان قائلاً:
"نععععم. قال عايزة تحققي حلمك على قفايا! مش أنا اللي أولادي يكونوا من واحدة كسر زيك. لا فوقي وإنتِ بتتكلمي، إنتي بتكلمي سفيان الوزير."
ابتسمت بسخرية ليلجأ إلى الحل الذي يعيدها مصر وبسرعة، حيث شد حزام بنطاله ولفه على يده، وهي مستغربة ماذا يود أن يفعل. وما إن فهمت حتى وجدته يسحبها ويربطها بالحزام وهو يتحدث بحده:
"عارفة لو ما مشيتيش بعد اللي هعمله فيكي ده هيحصلك إيه؟ إنتِ مليكيش دية، مش مراتي. هنا بتتحسبي عاهرة لأن مش معاكي الإقامة كل يوم من ده. ارجعي مصر أحسن لك."
أخذ ينهال عليها بالحزام تارة، ويركلها في بطنها تارة أخرى، حتى أصابها الرعب منه وتململت تحت قدميه. قاله:
"حاضر يا سفيان. بس سبني أرجوك. افتكر الحب اللي بينا زمان وسيبني. افتكر إني كنت معاك وفي سريرك أكتر من مرة وافتكر حبي وسيبني."
هنا طافت في باله ملاك، فاستكمل ضربه لنهال قائلاً:
"والله ما هسيبك. لازم أقتلك وأشرب من دمك. مش سفيان الوزير اللي يتساب. مش سفيان اللي يتبدل براجل لمجرد إنه معاه فلوس. ده أنا اللي علمتك على إيدي."
"بسببك، بعت أصحابي وابن عمي، وخسرت نفسي واتحولت من بني آدم لمسخ عايز أذي أي بنت لقيتها."
كعادتها، لن يفلت منها إلا وقد دست له السم بين ثنايا عقله بالرغم من أوجاعها وآلامها:
"صاحبك ده فضل يجري ورايا سنتين وابن عمك كمان."
لم تفلح حيلتها، وازدادت شراسته وهو يصرخ بوجهها:
"ابن عمي ما عملش حاجة، بالعكس كان بيحاول يفوقني."
"سفيان أنا لو رجعت مصر، خالد مش هيسيبني إلا لما يسجني." أخبرته ونبرتها ترتعش، وهو يعرف تحديدًا ماذا سيفعل بها خالد، وأنها ستتعرض لكل أنواع الاعتداء اللفظي، والتعذيب الجسدي والنفسي، غير الاعتداء الجنسي. وأن فلتت منه ستكون محظوظة، من الممكن ألا تعود له، فهي تحمل الجنسية الألمانية التي تجعلها تعيش في ألمانيا بأمان دون الحاجة للرجوع إلى مصر. فتأكد أن كل هذا لن يحدث معها، لذا استنكر مستهزئًا:
"على فكرة يا نهال، أنا متأكد إنك مش راجعة، لذلك أنا هحجزك في مكان لغاية ما يجي ياخدك بنفسه ويلعب معاكي براحته يا قطة."
قبل أن يكمل حديثه، استدركت الموقف وسرعان ما فرت هاربة منه، حتى أنه لم يرد أن يركض خلفها، فهي لا تهمه. يكفيه ذعرها. أخذت تركض حتى هدأت من روعها، وأول ما خطر ببالها هو الاتصال بهادي لعله ينجيها من تلك المصيبة.
قطب هادي جبينه عند رؤية الرقم الدولي، وظن أنه سفيان، رد قائلاً:
"خير يا سفيان؟ إيه اللي فكرك بيا بعد الشهور دي كلها؟ ولا حابب تبلغني إن الست نهال وصلتلك؟ اقعد أنت عكها وهتيجي في يوم فوق دماغك."
استغرب من المتصل حين رد قائلاً:
"لأني اتبرت عليك زمان يا هادي، لا طولت سفيان ولا ارتحت مع خالد. أرجوك انقذني. أنا لو رجعت خالد هيعذبني وسفيان رافض وجودي."
ابتسم هادي بسخرية قائلاً:
"معلش يا نهال، اعذريني مقدرش. ده واحد ابن عمي والتاني زميل عمل، أنا لا يمكن أخسرهم. وبعدين أنا مش السبب في اللي حصلك. إنتي اللي طماعة. نهال، على فكرة مكالمة الدولي غالية عليكي وأنا مش فاضي. سلام."
بعد ما أغلق هاتفه، انهارت نهال على المقعد الخشبي ولم تعد قادرة على التفكير في حل لمشكلتها.
***
توجه هادي إلى المنزل، وبعد اطمئنانه على والدته، أخبرته أن ملك تنتظره على الغذاء. دلف إلى حجرة السفرة ليجدها جالسة على الكرسي. ليبتسم لها قائلاً:
"إنتي لسه ما أكلتيش برضه يا ملك؟ قلتلك محاضراتي هتطول وبعدين لازم تتعودي على كده، أما نتجوز. إنتي تاكلي مع ماما وبلليل ناكل خفيف."
جلس بجوارها، وتردد أن يسرد لها مكالمة نهال، ومع ذلك سردها ليرى رد فعلها:
"ملك، على فكرة نهال اتصلت بيا، شكله كده عملها معاها مش راضي يقعدها معاه، وفي نفس الوقت لو رجعت خالد هيعذبها ويخليها تتمنى الموت."
ردت عليه بنبرة خالية من أي تعبير:
"إنت هتساعدها يا هادي؟ بلاش أرجوك، لو ساعدتها يبقى إنت كده موافق على عملتها السودة. بس في نفس الوقت دي روح، وزي ما بتقول خالد مش هيرحمها."
فرك جبينه بتفكير قائلاً:
"هو في حل. نهال معاها الجنسية الألمانية وأهل أمها هناك. أنا رأيي تفضل عايشة هناك وتشيل سفيان من دماغها. بس إزاي؟ هي عايزة كل حاجة."
نهضت من على السفرة وأخذت كوبًا من الماء لتشربه قائلة:
"لازم ترضي بنصيبها بقى. إيه الستات دي للدرجة دي راحة تترمي تحت رجليه بعد اللي عمله فيها؟ زي ما يكون خلاها تدمنه، زي ما ملاك أدمنته."
وجدها تتحدث وهي تريد ضغط كوب الماء بيديها من فرط الغيظ الذي تملكها بخصوص سفيان، فهتف بقلق:
"ملك... ملاك ما أدمنتش سفيان ولا حاجة، بالعكس عبد الغفور حكى لي إنها حاولت تتهرب منه بما فيه الكفاية، بس كانت خايفة عليكي منه."
قاومت الشعور الذي بداخلها:
"إنت لو تسيبني أسافر ألمانيا وأمثل عليه إني ملاك، أنا بتمنى حد يكون من معارفه يعرف ملاك ويشبهني بيها ويروح يقول له إني معاك."
لم يتحمل هادي أمنيتها، وقام بإطاحة الكوب الذي تحمله ليسقط على الأرض ويتهشم ويصدر صوتًا أصابها بالذعر والخوف الشديد.
***
صعدت بعد ذلك الموقف إلى أعلى ونامت. استيقظت على خبر سفر هادي، الذي استمر قرابة السبعة أشهر ليأتي العام الدراسي الجديد. كانت تجلس بقاعة المحاضرات شارده. دلف هو وألقى عليهم تحيته المعتادة، لينتفض الجميع من وقع صوته على آذانهم، ثم همست ملك بصدمة:
"هادي!!!"
لم تهتم لرده فعلها أمام الأخريات لتركض في اتجاهه تضمه لها مع ابتسامة عريضة:
"هادي، وحشتني، حمد الله على السلامة..."
أزاحها عنه برفق وأردف قائلاً:
"عارفة لو منظر زي ده يا دكتورة اتصور هيحصل فيكي إيه؟ أعتقد إنك مش حابة تعرفي. اتفضلي على البنش بتاعك. وإنتوا أتمنى إن اللي حصل ما يتفسرش غلط."
ترقرقت الدموع وهبطت على خديها، ليتأكلها الندم. يود أن يزيلها، ولكن ليس في هذا المكان والزمان:
"أنا كنت مسافر عشان أحصل على الدكتوراه من ألمانيا. وإن شاء الله هعطيكم نفس مادة السنة اللي فاتت السنة دي. يارب تكونوا مبسوطين."
انتهت المحاضرة واستدعاها إلى مكتبه، وهي غير مستوعبة سفره وحصوله على الدكتوراه بدون معرفتها. عاتبته قائلة:
"يعني قعدت تقولي لا يمكن هبعد عنك، وفي يوم وليلة مبقتش موجود ورجعت تاني. بس حاسة إن قدامي شخص غير هادي اللي أعرفه."
ابتسم إليها واقترب منها وقبل رأسها قائلاً:
"طب التغيير ده للأحلى ولا للأسوأ؟ وبعدين ما أنا سافرت عشان أريحك من خلقتي ومتبقيش مجبورة على جوازنا. ومرضتش أقولك عشان ما ترفضيش."
كادت أن تخبره أنها لو تعلم لكانت تركته، ولكنها ترددت، ففهم ترددها قائلاً وأردف قائلاً:
"إيه يا ملك؟ كلامي غلط؟ لا مش غلط. وبعدين أنا كنت في ألمانيا عند سفيان اللي كان نفسك تروحي له تنتقمي منه بنفسك، ولا نسيتي كلامك؟"
نعم، فقد كان لحديثها الأخير تأثير بالغ، حيث صعد من خلفها وظل يفكر إلى أن استقر رأيه على السفر، لعلها تنسى أمر سفيان وينشغل بالها بعد هجره لها.
***
أخذته من يده مثل الصغار، يشعر أنها تلاعب مشاعره. وما إن وصل إلى المنزل حتى شهقت غالية من رؤيته، وتقدمت مسرعة نحوه:
"حبيبي، واحشني خالص."
قبلت وجنتيها، ومن ثم قبل يديها، ثم وجهت أنظارها إلى ملك التي تقف على استحياء تختبئ خلفه:
"إيه منك يا ملك. اقتربت منها ملك تقبلها: مفاجأة هايلة صح؟ إحنا رجعنا البيت في يوم واحد أهو."
تُشهق غالية وسرعان ما همست لها وهي تنظر له وهو تتشاحن نظراته مع نظرات ملك:
"بس إنتي لما بعدتي لقيتي إن القعدة لوحدك مش لطيفة خالص، ده إنتي رجعتي من أول يوم."
اتجه هادي نحوها قائلاً:
"تتجوزيني يا ملك؟ المرة دي مش عايز مماطلة ولا حجج فارغة، لأن لو في كلام من ده تروحي تعيشي في المكان اللي سبتي هنا علشانه."
لم تصدق ملك تهديده، فأردفت قائلة:
"إنت بتقول إيه؟ إنت بتهددني يا هادي. وبعدين ما أنا صحيت من النوم ملقتكش موجود. طبيعي إني أفهم إنك مش عايزني. وطبيعي إني أمشي."
رد عليها:
"تتجوزيني؟ ردي على قد السؤال بلاش لعب يا ملك وافتكري كويس أنا عملت كده ليه. أنا كنت هقولك إني مسافر وكنت هاخدك معايا هناك."
ردت ببرود:
"لا يا هادي. وشكراً على الاستضافة الجميلة هنا. وأسفة إني رجعت بعد ما سبت البيت لمدة. كان عندي أمل إنك ترجع زي ما سافرت."
نظر إليها بذهول:
"وأنا ما رجعتش زي ما سافرت يا ملك. ليه حاسة بكده؟ لا يكون مفكرة إني اتقابلت معاه وصدقته؟ مش يمكن كنت بنتقم منه هناك في شغله؟"
انتحبت قائلة:
"أنا حاسة بكده فعلاً، عشان من ساعة ما رجعت مش طايقني. فين الدكتور هادي اللي كان بيغفرلي الهفوة؟ ده حتى حضنك حرمتني منه."
زفر هادي بحنق:
"ملك، أنا متغيرتش ولا حاجة. كل ما في الحكاية إن كنت زعلان منك قبل ما أمشي. رغبتك في الظهور لسفيان بشخصية ملاك قلقتني منك."
لم تقتنع ملك:
"مش مبرر يا هادي، صدقني مش مبرر. كان بدل ما تتعصب عليا يومها وتخوفني منك، كان ممكن تقولي إنت في دماغك إيه. ما يمكن كنت أرفض."
انفعل قائلاً:
"أنا أكتر واحد عارف في دماغك إيه، زي ما أنا عارف إنك عايزة تمشي من هنا كنوع من الكبر إن إزاي أنا أساومك. بس اسمعي بقى، أنا هقلب عليكي ومش ماشية من هنا، وإنتي يا أمي المسؤولة عن ده."
تركهم هادي وهو منفعل يشعر أنه يود قتلها بسبب عنادها وكبريائها، بينما جلست غالية وأخذتها بين أحضانها تحاول تهدئتها، حيث أن الأمر بينهم أصبح سوءًا.
الثغرة لك وعليك، ولكن حتمًا جميعنا نحتاج إلى مخرج سري من أجل بداية ونهاية بعد ارتكاب جرائمنا.
رواية غرام و انتقام الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مروة البطراوي
فلاش باك سفر هادي إلى ألمانيا ليس بهدف دراسات بل بهدف الخيانة لسفيان كنوع من القصاص للجميع.
كان عليه أن يتعرف على رجل هناك مهمته القيام بتلك المهام.
عرض عليه الأمر ليرد الرجل بحماس:
- اترك لي موضوع حماية الدكتورة نهال.
أجابه هادي بنبرة ثابتة:
- أنا عارف كويس يا بيترو إنك تقدر تحميها بس أنت الظاهر ما فهمتش أنا عايز إيه. أنا عايز تحطه في ورطة.
نظر بيترو إلى مساعده قائلاً:
- خنيدرس هل تستطيع فعلها؟
رد خنيدرس بمكر قائلاً:
- هل تريدون سماع خطتي؟
توقع هادي خطته فرد عليه:
- قول بس. على فكرة لو هتستخدم ستات في الموضوع ده فبلاش. أنا معنديش أي ثقة فيهم.
نعم تلك كانت خطة خنيدرس وبالفعل أقنع هادي بها لأنها هي الطريقة الأمثل للتعامل مع سفيان.
التقى خنيدرس بحبيبته ومساعدته الشخصية شيرى:
- لا أريد تأخير في هذا الموضوع عزيزتي شيرى. كل ما يتم الإسراع في الأمر ستزيد مكافآتنا ونستطيع الزواج في أقرب وقت. أنتِ لم تدخلي في شتى سوى تسهيل الأمر.
ابتسمت شيرى بسعادة:
- على خير إن شاء الله يا عزيزي لا تقلق فبيدي كل الأمور. هو على علاقة بابنة رجل مهم ودائماً ما يسهران سوياً وإذا علم والدها سيقتله.
سألها خنيدرس:
- متى تستطيعين إنهاء هذا الأمر؟ وما هي علاقتك بها ومن أين علمتِ وبالسهولة هذه كل المعلومات عنه؟ غير معقول كنت أكلمك للتو عنه.
ردت شيرى بثقة:
- كله صدفة عزيزي خنيدرس. أنا أعمل مساعدة لتلك السيدة وتبعثني دائماً بهدايا إليه. أرجو عدم توريطي بالأمر حتى لا تعلم وتقوم بطردي.
جاء اللقاء الثاني بينهم بعد فترة نظر إليها خنيدرس بسعادة:
- ممتاز شيرى. لقد فعلتِ ما لم يقدر عليه الرجال فتلك الصور ثمينة بالنسبة لقائدي ستدخل علينا الثراء ونستطيع أن نتزوج ولن تحتاجي لسيدتك.
ارتبكت شيرى:
- أنا خائفة خنيدرس ولن أترك عملي حتى بعد زواجنا لأنها ستشك في أمري خاصة لو الطبيب سفيان أخبرها بما حدث له. أتعلم أنها هي التي التقطت له الصور وليس أنا.
جحظ خنيدرس بعينيه:
- ليس معقول أتصوره بنفسها. يا لها من امرأة لعوب كل هذا تفتعل حتى عندما يقوم بالتخلي عنها تبعث بصورة إلى والدها. لا تقلقي هذا من دواعي سرورنا.
عقدت شيرى ما بين حاجبيها:
- كيف ذلك؟ أنت تريد توريطه وهي تصوره من هذا الرجل الذي تريدون توقيعه في شباككم. بدأت أشك في أمره. أعتقد أن سيدتي تريد توريطه.
ابتسم خنيدرس بخبث:
- في أقرب فرصة ستفهمين عزيزتي وستكونين لي وسيدتك هي من ستقوم بتزويجك لي. لطالما سأساعدها وأساعد سيدي في أن واحد.
مر عام قاتم على الجميع كانت تتعجب لسرعة انقضاء هذا العام تحديداً، كانت سنة تخلو من الارتياح النفسي والسلام للجميع، عندها تيقنت أن الأعوام السابقة بالرغم من قلة العيش بها إلا أنها كانت مليئة بالبهجة، على أي حال، هذا هو حال الدنيا، لا تظهر ما بداخلها بل تتخفى وتفاجئ الجميع مثل ما فاجئتها بفقدان توأم روحها، سلبتها منها وسلبت معها كل معاني البهجة، خطفت منها كسحر، ومات بموتها كل معاني الحب فلم يعد هناك ما يكفي لتعطيه لمعشوقها الوحيد، عام أجبرها على أن تتشح بالسواد، حتى دفاتر محاضراتها عزمت أمرها أن تكون باللون الأسود، حتى عينيها سحبت منها اللون البني الفاتح لتتحول إلى أسود وبات وجهها باهتاً.
كانت تتدرب لدى إحدى المستشفيات فهي بسنة الامتياز دلفت إلى مدير المستشفى لتطلعه على خطأ طبي صادر من مجموعتها هتف الطبيب قائلاً:
- خير يا دكتورة ملك بلغوني إنك عايزاني لأمر هام. العادة إننا بنتجمع آخر الأسبوع وبنتناقش في اللي مريته بيه طول الأسبوع ومع الكل.
ردت عليه ملك بكل قوة:
- أنا آسفة إني طلبت أقابلك النهارده بس بصراحة التقارير دي مكنش ينفع تتسلم إلا في وقتها ولحضرتك مخصوص ومن غير ما حد يعرف.
جحظ الطبيب بعينيه:
- وإيه هي التقارير دي؟ إيه يا ملك السرية اللي بتتكلمي بيها دي؟ أنتِ ناوية تكسبي بونط على حساب أصحابك؟ لا خدي بالك دي مش مبادئي.
نظرت له ملك قائلة:
- ده تقرير قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد وتزوير في مواعيد العلاج. اتفضل حضرتك المريضة دي أخدت حقنة غلط والجنين أجهض.
اتسعت حدقة عينيه بذهول:
- لا ممكن تفهميني واحدة واحدة أنتِ قصدك إيه؟ ومين المريضة دي ومين مصلحته يتعمل فيها كده؟ يعني المريضة قريبة حد في المستشفى؟
أدمعت عينيها لأنها علمت بعودته إلى مصر وعندما علمت بحالة المريضة ذكّرتها بشقيقتها:
- المريضة كانت حامل من غير جواز معرفش مين له مصلحة يسقطها بس أكيد في حد لأنها واحدة مش معروفة فاعتبروها سهلة. تقدر تشوف مين ماسك قسم النساء.
عقد الطبيب ما بين حاجبيه قائلاً:
- أنتِ متأكدة من كلامك ده يا دكتورة؟ تعرفي لو ثبت إن كلامك كذب هيبقى مصيرك إيه؟ أنا مش حابب أسبب إحراج لدكتور هادي أنتِ عارفة اللي بينا.
هزت ملك رأسها بتأكيد:
- أيوه تقدر حضرتك تقرأ التقارير بعناية هتلاقي هنا حقنة مش ممضي عليها في نفس الوقت المريضة مصممة إنها أخدتها وشكلها هتعمل مشكلة.
هز الطبيب رأسه قائلاً:
- أيوه بس طقم الممرضات اللي بيباشروا الحالة دي أنا عارفها كويس ومفيش حاجة تدل إنها أخدت الحقنة دي يعني ممكن تكون بتكذب والإجهاض وارد في حالتها.
استمع إلى صوت الطرق على الباب ليأمر الطبيب الطارئ أن يدلف ليخطو بخطواته الوئيدة إلى الداخل ويتفاجأ بوجودها قائلاً:
- ملاااااااك.! مش معقول. أنتِ بتشتغلي هنا إزاي؟! و الله زمان عاش من شافك. إزيك يا دكتور خير قالولي إن حضرتك استدعاني في مشكلة؟
قطب الطبيب جبينه من معرفة سفيان لملك ولكنه نطق اسمها بطريقة مطولة ولفتظكر أمر أن هادي ابن عمه:
- أهلاً يا سفيان. أولاً حمد الله على السلامة ما جاتش فرصة إننا نتقابل من يوم ما رجعت بس الأيام جاية كتير. طالما ماسك قسم مهم عندنا.
التفت إليه سفيان بعد ما أطال النظر إلى ملك وهي تبدو متجمدة وعلى وجهها الثبات الانفعالي الغير معتاد من رؤيته:
- أهلاً يا دكتور غندور... خير؟ شكلك عايزني بخصوص حاجة تخص القسم. مع إن القسم ماشي عشرة على عشرة مفيهوش غلطة. ولا إيه؟
تفاجأ سفيان عندما سرد له الطبيب غندور الأمر حيث أنه لم يكشف هذا الأمر إلا غيرها فهي عاهدته من ذي قبل على هذه الأفعال:
- لا مستحيل مفيش حاجة حصلت من دي يا غندور عندي في القسم. أنا دكتور دقيق وشغلي كويس مفيهوش غلطة، وكمان تصدقوا مريضة ما اتجوزتش وراحت تخلف في الحرام.
جحظ غندور بعينيه حيث كان سفيان ينظر إلى ملك كالصقر الجارح يود أن ينقض عليها ليفتك بها:
- إيه يا سفيان مالك. أنت بينك وبين الأنسيس حاجة؟ مالك بتبص ليها كده ليه؟ طب حتى راعي إني واقف قصادكم.
وَ لا هو مبدأ خدوهم بالصوت؟
التفت إليه سفيان قائلاً:
- أيوه الهانم كانت بتشتغل عندي و طردتها وبعدها جدي توفي و سافرت و الصدفة جمعتنا في مستشفى واحدة بس ازاي الهانم بتنتقم مني.
اتسعت حدقة عيني غندور بذهول.
أيعقل أنه انتقاماً؟
حَارَ ملك شعر بصدق سفيان و من ثم وجه حديثه إلى ملك:
- في حد يعرف الموضوع ده غيرك أنتِ و البنت اللي بترمي بلاها على الممرضين. إيه هي عايزة تودينا في داهية. بلغيها إننا هنبلغ عنها بالزنا.
كانت و ما زالت ملك صامتة لا تعرف ماذا تقول خاصة بعد ما قام سفيان بتعجيزها للمرة الآخرى.
لينهض سفيان و هو ينظر لها بخبث:
- عن إذنك يا غندور هخرج أنا و أخدها في طريقي. أنت عارف بقى أنا يعتبر أستاذها هراضيها ما أنا زعلتها زمان و كمان هعلمها تبقى خبرة.
و بالفعل جذبها من يدها بحنو بالغ أمام غندور و التي سرعان ما تحولت إلى قبضة قوية خارج المشفى و فتح سيارته لكي يدخلها بها:
- أخيراً لقيتك لا و إيه أنتِ اللي نخورتي ورايا تلميذتي طول عمرك. بس تصدقي احلويتي أوي. يالا تعالي نرجع أيامنا الحلوة سوا و هدفعلك المرة دي بمنتهى الثبات.
- مش جاية معاك حتى لو دفعت مال قارون يا سفيان. أنا مش هي و لا هكون مفيش حاجة بتفضل على حالها صدقني و بلاش تلعب معايا.
نظر إليها بحدة:
- بقولك تعالي معايا و أنتِ عارفة سفيان كويس لو محدش سمع كلامه بيجرى فيه إيه. و حسابك على بت التييت اللي جوه دي هيبقى عسير.
تركته و لكن بعد ما قامت بركلة في منتصف فخذيه بطريقة تعجب لها قبل أن يتألم و من ثم اختفت عن عينيه تماماً و هو يحاول استيعاب ألمه.
الحياة ما هي إلا فترة ظالمة يجاهد فيها المظلوم لأخذ حقه بشتى الطرق ليبقى منتصراً حتى لو كلفه الأمر نفسه.
بفعلتها هذه أوقعت نفسها في الحفرة، و بكل ثقة و عدم خوف لاطمئنانها أنها ستجد الضوء حتى لو كان هذا الضوء ناراً تعلم أن ناره ستدفئها لا تحرقها.
كانت تحفر جملة دائمة في قلبها: ستَنْهَشُه بمخالبها مهما أن كلفها الأمر.
أصوات شقيقتها و هي تبكي ذلاً على ما فعله بها ما زالت تتردد في أذنيها، حتى لو كانت شقيقتها خانت ثقتها فهي وعدتها أمام قبرها أن تبحث عنه و تستلذ بعذابه منها.
علم هادي بكل ما صار بالمشفى التي تتدرب بها ملك عن طريق غندور الذي كان هدفه الوحيد هو معرفة ما بين ملك و سفيان.
تملص هادي من الإجابة و أنهى الاتصال ليعود برأسه إلى الخلف متذكراً باقي خطته و يلعن نفسه لأن هذه الخطة هي من جلبت سفيان إلى مصر.
أخبره خيندرس أن شيرى تريد مقابلته لأمر هام و هي مبعوثة من عند السيدة التي يلاعبها سفيان:
- خير يا شيرى. إيه هو الموضوع المهم اللي خلى السيدة اللي بتشتغل عندها تبعتك و ازاي عرفت إنك بتراقبيها و في الموضوع ده بالذات؟
نظرت إليه شيرى باهتمام:
- سيدتي قالت لي ليلة أمس أن هناك موضوع مهم و على معرفته إذا أصابها أي مكروه أبلغ عنه فأخبرتها أنا بدروى لأني أعزها كثيراً فأنا تربيت معها.
عقد هادي ما بين حاجبيه:
- خير؟ و إيه علاقتي أنا بالموضوع ده برضو مش فاهم. مش حاسس إنه يخص سفيان أكيد في مصيبة تانية. لو كده أنا آسف مش هقدر أعمل حاجة.
فتحت الحاسوب الشخصي لها و وضعت ما تم عرضه:
- تفرج سيدي على هذا الفيلم القصير. سيدتي تؤكد أن معها الكثير منه. سيدتي ليست بالهينة أو الضعيفة. بل هي تحسب حساب لكل أفعالها.
عقد هادي ما بين حاجبيه غير مستوعباً لما يراه من سفيان هذا ليس بالفحشاء فقط بل إلى وضع حبوب لأي سيدة يعاشرها حتى لو كان أمر المعاشرة برضاها:
- إيه ده و ليه يحط ليها منوم طالما الموضوع بارادتها. غريبة طب و اللي أنتِ شغاله عندها عايزاني أنا مثلاً أعرف نوع الحبوب دي إيه؟
هزت شيرى رأسها بالسلب:
- لا سيدي. سيدتي تعلم ما في هذا الكوب. سبق و أن وضحت لك أنها ليست بالهينة فهي من آخر مرة تسبب لها نزيف حاد بدأت بوضع كاميرات.
اتسعت حدقة عيني هادي بذهول:
- يا ابن ال***** ده ممكن الحبوب دي تموت أي حد مش نزيف و بس دي ممكن تعمل هبوط حاد في الدورة الدموية و يروح فيها. غبي يا سفيان.
أردفت شيرى:
- لو تم تهديده بهذه الفيديوهات من قبلك سيكون أفضل و الا سوف يتم محاكمته على الفور و هذا طلب سيدتي تريد الاقتصاص لها و لغيرها.
قطب هادي جبينه:
- هي عملت كده ليه؟ كان ممكن تبعده عنها هو عادي زيه زي أي راجل عاشرته لفترة و سابها. طبعاً مش حب لو حب مكنتش طلبت الانتقام.
ردت عليه شيرى:
- هي لا تريد الانتقام السريع تريد ترهيبه بالإضافة إلى تعرفها على نهال و سردت لها ما فعله في بلده و كم الفتيات التي تم سلب عذريتهم.
زفر هادي بحنق:
- أولاً مينفعش التهديد من عندي ممكن أستعين بحد من غير ظهوري في الصورة و لو إني كنت أفضل السجن لأشكاله. بس سلب ثروته هيجننه.
نظرت له شيرى بابتسامة:
- حسناً سيدي أنت الوحيد الذي تعرف حجم ثروته نرجو منك الدفع لشخص يقوم بتهديده بضعف ثروته و تمضيته على هذه الأوراق و نفيه خارج البلاد.
رد عليها هادي:
- أنا هقولك ثروته كام و هعمل اللي أنتِ طلبتيه مني يا شيرى بس أنا إيه اللي يضمن ليا إن الست اللي بتشتغلي عندها هي اللي بعتاكي مش يمكن أنتِ من نفسك.
ارتبكت شيرى بخوف:
- ما هو أنت لو مقولتيش الحقيقة أنا هعمل اتصالاتي و هسألها بنفسي و في الحالة دي أنتِ مش هتستفيدي حاجة و أكيد سيدتك هتقتلك فالأحسن تقولي الحقيقة و أنا برضو هقف جمبك.
و بالفعل أخبرته بالحقيقة أن من دفعها هي و خيندرس نحو ذلك هو بيترو الذي طلب منه حماية نهال سابقاً و أن نهال لم يهدأ لها بال حتى تقتص من سفيان.
ليرفض الخطة و هو يرفضها كان متأكداً من تنفيذ بيترو لها و هذا ما دفع سفيان إلى الرجوع إلى مصر بعد أن فقد كل ما يملك بالخارج ليعود و يبدأ من القاع طامعاً أن يقاسم هادي في كل شيء يملكه.
استفاق من شروده على دلوفها مكتبه حاملة قدحاً من الشاي الساخن المطعم بأوراق النعناع الذي يشتهيه من يدها حيث أخبرتها والدته أنه يريدها فور عودتها فتأكدت أن الطبيب غندور أخبره بمواجهتها مع سفيان.
رفعت عينيها نحوه، و عينه تلومها، و عينيها تطلب حناناً، قلبه انشطر نصفين، نصف يريد قربها، و النصف الآخر يحثه أن يظل بمكانه على مسافة أمنة منها، و إذعاناً لطلب عينيها منحها الحنان بنظراته، لتغلق الباب من خلفها، و تعود و تضع الصينية التي بيدها و تجلس أمامه و هو يربع ذراعيه فوق صدره ينظر إلى كأس الشاي فسألها و هو مبتسم:
- الرشوة دي ليا؟
نظرت هي الأخرى إلى كوب الشاي تعلم جيداً مزاجيته و ما يعدلها:
- أنت على طول بتحب الشاي اللي بنعنع يا منعنع قطفته من الجنينة و أنا داخلة.
جاء ليفتح الحديث معها و لكنه تفاجئ بمن جاء عنده يبدو أنه علم أنها تعمل في المشفى بواسطة من عنده أوقفها بالداخل و أمرها ألا تخرج:
- و الله زمان يا سفيان. إيه يا ابني كل ده سنين سفر محاولتش في مرة تيجي تزورنا. و الله عيب. ده احنا ولاد عم و كانوا بيفكرونا إخوات.
عقد سفيان ما بين حاجبيه فهو متأكد من معرفة هادي بوجوده في مصر منذ فترة:
- أنا رجعت البلد من فترة كبيرة. اعتقدت إن وصلتك أخباري. معقولة مش عارف. ده كل أصحابنا عرفوا. و لا زعلان مني من آخر تدبيسه؟
اتسعت حدقة عيني هادي و هو يذكره بها و لم لا و هي تجسدت أمامه منذ قليل:
- قولي يا سفيان محاولتش تصلح غلطتك مع البنت إياها و تتجوزها؟ هي مش كانت حامل منك برضو و لا إيه. أصل أنا حاولت أوصل ليها معرفتش.
جحظ سفيان بعينيه فغندور أكد له أن هادي واسطتها:
- لا و بعدين غلطة مين يا ابني. شكلك لسه طيب يا هادي و بتصدق الأشكال اللي زي دي. أوعي تكون صعبت عليك و اتجوزتها. أنا سمعت إنها مدوراها.
قطب هادي جبينه قائلاً:
- مدوراها؟ مدوراها ازاي يعني؟ و سمعت منين الكلام ده؟ إيه مخاوف حد في مصر ينقلك أخبارها. ده أنا نفسي معرفتش أوصلها. بطل شك.
هنا طفح الكيل لدى ملك فقررت الخروج قامت ببعثرة شعرها و تلطيخ شفاه بأحمر شفاه مثير و إسدال كنزتها من الكتفين حتى منتصف كتفها و تصنعت التلعثم و هي تتفوه باسمه قائلة بصوت مرتفع كصوت ملاك:
- دكتور سفيان! إيه اللي جابك هنا؟ أوعي تكون جاي تشتكيني للدكتور هادي لا معلش بقى كله إلا هو. و بعدين أنا ما غلطتش فيك أنا قلت الحقيقة.
نظر سفيان إلى هادي ليتأكد من كذبه عليه وجد نظرات معاتبة تصدر من هادي إلى ملك لينظر هو إليها و هي تتحدى بنظراتها:
- أهلاً يا ملاك. من ناحية الغلط فأنتِ غلطتي كتير أنتِ و الدكتور المحترم أو اللي الكل عارف إنه محترم. بس برافو أوعي تنسي إني أستاذك.
زفر هادي بحنق قائلاً:
- أنتوا هتغنوا و تردوا على بعض. فيه إيه أنت تعرفها منين علشان تتكلم معاها بالطريقة دي و بعدين أنا محترم غصبن عنك و اتكلم عنها بطريقة أحسن دي مراتي.
عقد سفيان ما بين حاجبيه فرد هادي غير متوقع أيعقل أنها أوقعته في شباكها؟:
- مراتك! مراتك مين لا مؤاخذة؟ دي بت شمال. عارف دي مين؟ دي الست ملاك اللي أنت كنت هتدبس فيها. على أساس إنك مش عارف توصلها.
لا يعلم هادي إيوضح له أنه صدقه حقاً أم لا؟
كان يريد من أمثاله ألا يستطيعون الدخول إلى منزله مرة أخرى و لكن بعد ما سمعه من مدير المشفى، جعله يتتبع الأمر إلى أن يصل إلى أصل وجودها، و كان من حسن حظه هو وجودها داخل منزل هادي و ظهورها أمامه، نظرته لا تتغير نظرة صياد عاد إلى مهنته مجدداً و بشغف، بالرغم من اختفائه فترة طويلة، نظر إليهم على أنها تعيش مع هادي كعشيقة لأنه لم يرَ زوجة عمته فقد منعها مرضها من الهبوط إلى الأسفل.
أراد هادي إنهاء الموضوع تماماً نظر هادي إلى ملك يلومها و يعاتبها على خروجها ليصر على حديثه قائلاً:
- الكلام اللي بتقوله ده مش حقيقي أنت الظاهر من كتر العك اللي عكيته بره وجوه مصر بقيت متخيل كل الستات زبالة زيك و أنا كمان زيك.
بكت ملاك لأن حديث هادي كان بمثابة فتح جرح تحاول تضميده ألا و هو ملاك النصف الثاني لها:
- أنت بني آدم واطي مستحيلة تكون دكتور عارف أنت المفروض يتبلغ عنك و يتشطب اسمك من نقابة الأطباء و ده هيكون في يوم على إيدي.
تعالت ضحكات سفيان الشيطانية قائلاً:
- و الله لو عملتيها يبقى ما جبتكيش ولاده من إمتى يا بت الشطارة دي كلها هقولك إيه ما أنتِ تربيتي. و أنت بقى يا هدهد الجناين هتنتقم معاها؟
صرخ هادي به في حدة قائلاً:
- اخرس قطع لسانك إياك أسمعك بتتكلم عني و عن مراتي تاني بالشكل ده هترجع للصفر تاني زي ما عملتها فيك و أنت في لندن أوعي تفكر إني سهل.
اندهش سفيان لما قاله هادي و أردف قائلاً:
- إيييه! أنت يا هادي. أنت اللي خليتني على الحديدة؟ طب ليه علشان إيه. علشان دي. و هتستفيد إيه لما تاكل بضاعة كتير غيرك مصوا فيها؟
هنا فقد هادي السيطرة على حاله فتهجم عليه لا يهمه شيئاً حتى لو أصبح قاتلاً قام بسحقه أرضاً و ضربه مراراً و تكراراً و من ثم وضع حذاءه على رقبته قائلاً:
- زي ما قلتلك يا سفيان. دي مراتي. مهما تقول الناس هتصدق هادي و مش هتصدق القذر سفيان، لأن هادي بقى وضعه غير أما سفيان ضاع في الوبا.
و من ثم تركه ينهض لكي يرحل و هو موالياً ظهره له ينظر إلى ملك نظرات بغيضة:
- طيب ما دام وصلت للدم خد عندك البرنسيسة كانت بتيجي معايا بنسيون ال....... الست صاحبته بتعشق التراب اللي بمشي عليه و كل واحدة كانت مسجلة ليها صوت و صورة.
اتسعت حدقة عيني ملك بذعر قائلة:
- أنت بتقول إيه. بنسيون ال.... هادي ده البنسيون اللي روحت بيه بعد ال..... لا مش ممكن مستحيل أنت إيه شيطان تعمل العملة و تفضل مراقبنا.
قطب سفيان جبينه:
- لما قالتلي إنك روحتي هناك استغربت و لسه لغاية دلوقتي مستغرب. يعني أنا وديتك مكان تقوم تروحي نفس المكان مع حد غيري و بعدين فين الحمل؟
لم يتحمل هادي أكثر من ذلك و استدار إليه يجذبه من ياقة قميصه يسحبه نحو الباب قائلاً:
- اطلع بره يا سفيان. البيت ده طول ما أنا عايش ممنوع تدخله. لو حاولت تعمل أي حركة بالفيديوهات اللي عندك هطلع أنا فيديوهات لندن.
خرج سفيان بغضب وقاد سيارته بسرعة جنونية إلى أن توقفت عند الأراضي المترامية الأطراف من بيت هادي مع ملك والذي اقتناه مجددًا لها وبين بيت جده المواجه إلى بيت هادي.
وكأن هادي أراد أن يقطن في نفس المنطقة ليتذكر كل ما حدث بهذا البيت، كان لا يريد أن يغادر هذا المكان ودّ أن يسكن في منزل جده ولكن ليس لديه حق فهو ملك هادي، ولكن ما باليد حيلة حيث قام بالعبور من هذا المكان الذي كاد أن يطبق على أنفاسه خاصة بعد استقبال هادي له وطرده له.
أتاه اتصالًا هاتفيًا من رقم غريب وصوت لم يكن يتوقعه ألا وهو صوت نادر ابن السيد محمد صاحب المنزل الذي تسكن به ملاك وملك والذي كان يتواصل معه ولكن لأخبركم نادر تغير كثيرًا خاصة عندما شعرت شريفة أن الخطر يحاصره فقامت بالاتصال بهادي مرارًا وتكرارًا وأشعرته بالدين الذي افتعلته من أجله عندما قامت بطرد ملك ليشعر هادي بالمسؤولية تجاهه حيث قام بعرضه على طبيب نفسي ليصبح شخصًا آخر هادئ الطباع.
أخبره سفيان أنه يريد رؤيته ليسأله كيف وصلت ملاك إلى حد ما يعتقد إلى هادي في بيته وعقله وقلبه.
هبط نادر الدرج بفرح لأنه سينفذ تعليمات هادي ليقابله والده الحاج محمد عند نهاية الدرج ويعانقه مطولًا يهمس في أذنه بكلمات ألا يخيب ظنه فهذه فرصته للتكفير عن ذنب ملك عندما قام بتضييق الخناق عليها ومطاردتها.
ثم قاد سيارة الأجرة الذي يمتلكها حيث قام بالعمل عليها منذ انتهاء مدة علاجه وذهب نحو المقهى الصغير الذي اختاره سفيان لمقابلته.
لكم أن تتخيلوا أن سفيان بدرجة علمه يتقابل مع أشخاص بمقهى.
شرح له سفيان الأمر باختصار وأنه يريد أن يعرف لمَ ملاك في هذا المكان وأين ذهب الجنين ليتخابث عليه نادر في الرد قائلًا:
- من ساعة ما أختها الصغيرة ما رجعت من المدرسة جثة متاخد كل أعضائها وهي كل ما تشوف حاجة في وشها تكسرها لغاية ما في يوم حصلها نزيف قلنا دي سممت نفسها بعدها راحت المستشفى اتعرفت على دكتور هناك ومن يومها اختفت ومنعرفش عنها حاجة أنا قلت أتصل بيك علشان أنا كنت مسافر عند أختي في أبوظبي ولسه راجع ونسيتها أنا معنديش استعداد أرتبط بواحدة ماشية على حل شعرها، أنا حتى هخطب وهتجوز أخت جوز أختي ويمكن أسافر أشتغل هناك انساها أنت كمان يا دكتور وعيش حياتك دي مش وش نعمة.
عودة إلى منزل هادي بعد خروج سفيان نظر إلى ملك بغضب قائلًا:
- واحدة غيرك المفروض تخاف تحتك بيه أنتي إيه يا شيخة عايزة موت وخراب ديار شفتي كان بيبص ليكي إزاي مفكرة إيه هيخاف منك؟
ردت عليه ملك ببكاء:
- أنا عمري ما هخاف منه ولا من أشكاله بالعكس هفضل وراه لغاية ما أنتقم منه لازم يموت بس قبلها لازم يشرب من نفس الكاس اللي شربه لملاك.
جذبها هادي وكبّل مرفقيها حتى لا تقاومه وثبتها على الحائط خلفها قائلًا بشراسة:
- مش أنتي اللي هتشربيه يا ملك قلتلك قبل كده وهقولها تاني أنا ليا أسلوبي في الانتقام أنتي متعرفيش أنا عملت فيه إيه علشان يوصل للحالة دي.
كادت أن تتحدث ولكنه كمّم فمها يصك أسنانه بغضب:
- قولتلك مش هعطيكي الفرصة تتواجهي معاه أنتي لو حكمت ههرب بيكي وغصبن عني مش هسمح إنه يمس شعرة من شعرك افهمي بقى.
تركها وتوجه نحو مكتبه لتذهب خلفه، قام بفتح خزانته الخاصة واستخرج منها ملفًا خاصًا ثم فتحه لها قائلًا:
- المبلغ ده في حسابك في البنك من سنة من ساعة ما رجعت من سفري عارفة أنا حطيته إزاي ده تحويل عارفة دي فلوس مين؟ دي فلوس سفيان.
اتسعت حدقة عينيها بذهول وسألته كيف تم ذلك ليسرد عليها ما تم بالخارج بينه وبين شيري:
- سيدي الخطة إن رفضتها سينفذها بيترو فلما لا تأخذ نصيبك منها أعلم جيدًا أنك لا تحتاج لهذا المال أنت تريده شرًا ولكن هذا حقك في التسهيل علينا.
ابتسم هادي لعرضها:
- موافق بس عايز منك خدمة تتصلي بسفيان وتبلغيه أن ستك عايزاه وساعتها بيترو وخندرس يظهروا ويمضوه على كل حاجة بس هاخد النص.
وافقت شيري على حديثه لطالما ستستفاد ولكن هادي كان يريد الوقيعة للجميع والمال يكون له بالأكمل.
قبل مواجهتها بالحقيقة ومواجهتها بسفيان تأكدت لمَ لا يتركها هادي كل هذا الوقت ووضعها في كنفه، كان يرى الخوف في عينيها دائمًا ويعلم جيدًا أنه لن يتركها ولا سيهرب من بين ضلوعها بل قد ينمو ويصيبها بالذعر، كان سيتمدد في فراغها التي كانت تبنيه لنفسها، وكان ظهور سفيان ووجودها أمامه بمفرده سيجعله يعد نفسه لابتلاعها فور اقترابه لها ولكنه وجدها في مكان مزدحم أولًا بالمشفى وثانيًا في كنف هادي.
صعدت إلى غرفتها في صمت وسكون تجلس فوق مقعد الهزاز بجوار فراشها بعد أن قامت بإغلاق الباب على نفسها بإحكام حتى لا يدلف عليها أحد تناولت حاسوبها وفتحته لتفتح الصورة التي مزجتها بنفسها صورة لأربعة أفراد هي وشقيقتها وهادي وسفيان، ترسم خيالًا أنها تزوجت بهادي وملاك ما زالت على قيد الحياة وتزوجت من سفيان، ماذا لو كان قدر لهم ذلك بعيدًا عن كل المرارة التي عايشاها لتشعر في هذه اللحظة أنها وصلت إلى مرحلة سيئة وعلى خضوع إلى طبيب نفسي، تعلم أن الأمر لا يستغرق طويلًا فقط قد يكون سبعة أشهر وتعود إلى طبيعتها الخالية من التخبط النفسي الذي زاد مع ظهور سفيان ورفض هادي أن تتدخل وتثأر لحقها، هي لا تريد الحق الذي يمارسه هادي هي تريد الانتقام الأعمى.
رواية غرام و انتقام الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مروة البطراوي
في صباح اليوم التالي استيقظت ملك عازمة أمرها الذهاب إلى عملها ومن ثم إلى الطبيب النفسي، ولكن ما حدث لها في العمل جعلها تندهش.
وجدت أنها ممنوعة من دخول الحجرة الخاصة بها. التفتت خلفها لتجد سفيان ينظر إليها بعين شماتة، ومن ثم ظهر غندر من خلفه.
فسألته:
- في أي باب الأوضة مقفول ليه يا دكتور؟ في حاجة جوه حصلت حضرتك مش عايزني أشوفها وألا إيه؟ أعتقد إنه من حقي أعرف ليه التصرف ده.
هز غندر رأسه برفض:
- ممنوع تشتغلي هنا من بعد اللي حصل امبارح. الدكتور سفيان قدم فيكي شكوى وقال عليكي ممرضة مش دكتورة، ولما كلمت هادي أستفسر منه طلب فصلك من العمل.
جحظت ملك عينيها مما سمعته للتو، فهذا ليس تدبير سفيان فقط بل تدبير هادي هو الآخر.
توجهت إلى الخارج وهي شاردة إلى أن ساقتها قدماها إلى العيادة النفسية مثل ما قررت أمس. جلست تنتظر دورها وهي تائهة في أفكارها، حتى أنها شعرت باليأس.
نهضت لتترك المكان وتعدل عن قرارها في ضرورة العلاج النفسي.
أما عن هادي، فقد كان في مكتبه منتظرًا المهاتفة التليفونية من غندر الذي طمأنه أنه قام بطردها بناءً على رغبته، حتى يظن سفيان أنه على حق.
انتهت المكالمة وهي لم تأتِ. خشي أن تفتعل في نفسها مكروه. اتصل بالمنزل، جاء الرد أنها لم تصل بعد. أخذ يتصل بها مرارًا وتكرارًا دون رد منها.
عندما وصلت إلى باب المشفي وجاءت لترحل، شعرت بألم شديد في رأسها حتى أنها تركت حقيبتها تسقط من بين يديها. أسرعت لجذبها، وحينما تدلت بجسمها إلى الأسفل وجدت من يلتقط معها الحقيبة. تفاجأت به ألا وهو نادر صاحب العقار الذي كانت تقطن به مع شقيقتها.
رفعت رأسها تنظر إليه جيدًا، ومن أين أتى؟ وجدته قد أتى من الداخل. أسرع بمصافحتها بكل ود، ولكنها تألمت من ظهوره هنا لتتأكد أنه يعالج نفسيًا بسبب شقيقتها.
شعر بنفورها منه ليبتعد قليلاً قائلاً:
- دكتورة ملك، أنا آسف، أنتي كويسة؟ أكيد جايه تقابلي حد من زمايلك هنا؟ أنا كنت بتعالج هنا، البركة في دكتور هادي هو اللي جابني هنا ووصى عليا الدكاترة.
بالرغم من حزنها عليه، إلا أنه عندما أشار إلى هادي بالامتنان، اطمأنت من داخلها وشعرت بالسعادة لإنهاء علاجه. فابتسمت قائلة:
- أنا كويسة يا نادر، أنا مش جايه أزور حد، أنا جايه أتعالج وما تستغربش، كلنا نفسيتنا بتقع، وعشان أنا معايا راجل زي هادي لازم أفوق لنفسي، عند إذنك أنا داخلة دوري جه.
كانت تشعر بسعادة شديدة، وواصلت طريقها إلى أن وصلت إلى حجرة الطبيب. ليهاتف نادر في هذه اللحظة هادي يخبره برؤيته، ليطفو هادي من السعادة أنها بالرغم من طردها إلا أنها قاومت وقامت بعلاج نفسها لنفسها.
دَلفت لتجلس أمام الطبيبة، تحتار فيما تقصه عليها، مستثقلة ما بخاطرها كي تنطق به. الطبيبة تحتاج الصراحة حتى تساعدها، وهي تخشى الصراحة، تخشى أن تفشي أسرارها ويسلط الضوء على مشكلتها وتبقى حديث الساعة. حتى أنها عادت إلى اليأس الذي تملكها في البداية.
تنحنحت الطبيبة تحثها وتشجعها على التحدث معها، لتضع ملك يديها على جبينها تفركها من أثر الصداع. لتناولها الطبيبة كوبًا من الماء مع حبة المسكن، جعلها تسترخي وتسرد ما مرت به:
- أنا حكايتي، قصدي حكايتنا طويلة قوي، هقولك من البداية، وأرجوكي بلاش تقفي عند نقطة وتقوليلي نكمل المرة الجاية، احتمال ما أجيش.
هزت الطبيبة رأسها بالموافقة وبعثت رسالة إلى الخارج تطلب منهم عدم تقبل أي كشف لليوم، لتفرغ نفسها لملك. فقد سمحت أن تعطيها وقتها بالكامل، وأتاحت لها الفرصة لملمة حكايتها المبعثرة التي دارت في أماكن عديدة، حتى الأحاديث الجانبية والهامشية استمعت لها. وكان الحديث ذو أهمية بالغة، فهي فترة لم تكن هينة وخفيفة عليها.
ما إن اطمأن عليها هادي حتى سار لتنفيذ انتقامه من سفيان لها. ذهب إلى منزل السيدة الذي قام سفيان بقتل جنينها. فتح والدها الباب ظنًا منه أنه سفيان. وما إن دلفا إليهم حتى تغيرت ملامح الفتاة وارتعدت ترتجف أمام والدها.
ليصرخ فيها والدها قائلاً:
- مالك يا بت؟ مش ده الدكتور اللي سقط الواد وقال لك تكذبي الدكتورة وهو هيعطيكي الفلوس؟ ولا جاي يتأمل في جمالك على أمل يعمل حاجة جديدة؟
ابتلعت الفتاة ريقها، فهي دائمًا كانت ترى هادي مع الطبيبة ملك وظنت أنه جاء لينتقم منها. كادت أن تنطق، توقف والدها عن الحديث حتى تحدث هادي:
- أيوه أنا، وجايب لك معايا مبلغ حلو قوي، أكتر من المعروض في شرف بنتك، بس مش أنا اللي هدفع، اللي هيدفعه هي الدكتورة اللي بنتك كذبتها.
ذهلت الفتاة مما قاله هادي لتعلم أنها وقعت في الفخ. ليزمجر والدها:
- إزاي يا دكتور بنتي تكذبها وهي تبعتلها المعلوم؟ لأ و أعلى من المعلوم كمان، جديدة دي. عموما خير وبركة منك، منها أنا عايز الفلوس.
استهزأ به هادي قائلاً:
- إيه يا عمو؟ مش تقول كده من الأول، والله لو كانت بنتك طلبت من الدكتور ملك فلوس كانت عطيتها وكانت جابتلها حقها تالت ومتلت. عموما أنا أخدت حق ملك، وهمشي. بس أول ما هتي أمشي وهفتح الباب ده هيدخل ظباط وعساكر يحرروا الواقعة، أصل كله مسجل بأمر من النيابة. وأنتي متخافيش، أنتي بكده سفيان مش هيقدر يأذيكي تاني. أنا نفذت حكم ربنا فيكم. إحنا مش في غابة عشان كل ينهش وكل واحدة رخيصة زيك ما تعرفش ترجع حقها. كنتم مفكرين ملك فريسة سهلة، أنا اتغذيت بيكم قبل ما تتعشوا بيها.
فتح هادي الباب ودلف كل من الظباط والعساكر يسحبونهم إلى قسم الشرطة للتحقيق معهم. وما إن جاء ليركب السيارة سمع الفتاة تشكره بعلو صوتها وتتمنى له أن يأخذ كل الحقوق المسلوبة لها ولأي فتاة من سفيان. ابتسم بلا مبالاة وتركهم ورحل.
أما عن سفيان، بعد ما قام الطبيب غندر بطرد ملك، التفت إليه بنفس القوة التي تحدث بها مع ملك وطرد هو الآخر، لدرجة تفاجأ سفيان. ومع ذلك، أومأ برأسه بكل برود. وفور طرده، دلف غرفته ليقوم بلملمة أشيائه. أغلق الباب من خلفه بكل غيظ. نزع عنه معطفه الأبيض يتحسر على تركه لهذا المركز الطبي المتطور. لن يصبح من ضمن هذا الطاقم العظيم بعد ذلك. تم طرده بدون أن يتحدث ببنت شفة. جلس على المقعد يتحسس مكتبه، شعر بالاختناق بالرغم من برودة الجو. يعاتب نفسه أنه ترك لملاك يومًا الحرية لتهرب من محبسه.
- أنا فاشل.
وما إن انتهت جملته، حتى دلف عليه من يقسمه قسمًا أمر من النيابة العامة بضبطه وإحضاره. اختلج صدره، ليهزم من جديد، خاصة بعد ما علم باعتراف الفتاة ووالدها ضده. كان على وشك السقوط على الأرض، ليلحق به ضابط الشرطة ويخبره أن السقوط أتى لا محال له.
عادت إلى ملك. اعترفت للطبيبة بكل شيء، إلا أن توقفت عند نقطة معينة فبترت حديثها، تتحجج أنها تريد التقاط أنفاسها. حتى أنها أغمضت عينيها لتتفاهم الطبيبة أنها لا تريد الاستكمال الآن، فتركتها لترحل.
عادت إلى المنزل فلم تجده، فدَلفت غرفتها تطالع حاسوبها الخاص وتنظر إلى صورتهم الرباعية لتزفر بحنق محدثة نفسها:
- أنا خايفة أحب هادي، خايفة تكون علاقتنا مهددة بالانهيار، لأني نسخة في الشكل من ملاك. هي للأسف ميتة، وأنا مشاعري ماتت معاها. صعبان عليا هادي هياخد حطام، مش هقدر أدي له الحب اللي بيحبه ليا، خايفة أكون سبب دماره هو وأولادنا اللي هنجيبهم.
وضعت يدها على قلبها تتمنى أن يتوقف بلحظة من ثقل الأحمال التي يحملها على عاتقه منذ وفاة شقيقتها. حتى عبء التفوه به حملته أيضًا.
عاد هادي ليستدعيها، تهبط له ليسألها:
- أنتي جيتي متأخر ليه؟ مش الدكتور غندر طردك من بدري؟ ولا حوّلوك للتحقيق في قضية البنت أياها؟ نفسي أفهم أنتي إيه اللي دخلك؟
أغمضت عينيها بمرارة:
- الحمد لله إنها لقت حد يدافع عنها ويجيب لها حق من الزفت سفيان. بس إزاي أنا أتطرد وسفيان يبقى موجود؟ في نظرك هي دي العدالة؟
واستطردت وهي تجهش بالبكاء:
- ليه الجرح ده؟ أنت مش بتحبني؟ ليه تكسرني وتخلي دكتور غندر يطردني؟ مش قلت امبارح إنك هتنتقم منه؟ ليه أنت مع الكل كويس، حتى مع نادر وأنا لأ؟
نظر إليها هادي قائلاً:
- إيه يا ملك؟ مش حاسة في أي حاجة من الحاجات دي؟ إني خايف عليكي؟ مش حاسة بالنار اللي قادت فيا لما كان بينادي عليكي ويقول لك ملاك؟
ترجته ملك قائلة:
- هادي أرجوك بلاش الكلام ده، في نار قايدة جوايا كل ما أشوفه عايزة أقتله، بس عارفة إني مش هقدر. بس في نفس الوقت مش قادرة إنه يكون عايش.
قاطع حديثها قائلاً:
- وأنا بأفعالك دي عمري ما هرتاح. أنا تعبان يا ملك بقالي سنين وأنتي مش قادرة تداويني. تعبان لدرجة إني أتمنيت أموت في الحادثة عشان ترتاحي.
كفكفت دموعها قائلة:
- طب لما أنت تموت مين هياخد حق أختي؟ لذلك بقول لك أبعد عنك وأخد حقي بإيدي وأنت إنساني، أنا هبقى مجرمة ومش هستحق أعيش.
تعالى صوته بعصبية:
- مش أنتي اللي هتنتقمي يا ملك. قلت قبل كده، وهفضل أقولها، مش هسمح لك تضيعي نفسك طول ما أنا عايش. أنا هاخد منه كل حاجة.
توجهت إليه تقبل يده برجاء وهي تبكي:
- طب شاركني معاك، نفسي أشفي غليلي، انكسرت النهارده وهو منتصر قدامي، وأنا بطرد من المستشفى كأني أنا اللي جنيت على البنت.
تنهد هادي بتعب:
- آه على سيرة البنت، حاليًا هي في السجن هي وأبوها، وخدي الكبيرة سفيان كمان. اغتصاب، إجهاض بدون إذن، إجبار على شهادة زور.
عقدت ملك ما بين حاجبيها:
- معلش قول تاني كده، بجد يا هادي، ممكن ياخد إعدام صح؟ يارب، شكراً على المفاجأة دي. على فكرة أنا كمان عملت حاجة حلوة، أنا روحت لدكتورة نفسية.
لم يبدِ أي شعور، فهي بدت تؤلمه كثيرًا. نظر لعيونها وهي تنتظر إجابته ليؤلمه قلبه أكثر. شعرت ملك بوجعه الذي حاول أن يخفيه عنها، ولكنها تأكدت عندما تجاهل حديثها وذهب إلى النوم.
علمت بعد خمسة أشهر أنه تم الحكم على سفيان، ولكنها لم تعلم أي مدة أخذها. لا تعلم أن المدة قصيرة لأنه قام بتوكيل محامي تلاعب بكل الخيوط. ويُعاقب يوم صدور الحكم هو يوم عيد ميلادها هي وملاك.
أقام لها هادي حفلاً حضره زميلاتها وأصدقاؤه في العمل، وبالطبع كان له الحضور الطاغي لدى الفتيات. لا تنكر كم الغيرة التي نهشت في جسدها من نظرات زميلاتها المباحة له والتي كانت تأكله أكلًا، خاصة عندما علموا منها أنها لا تنوي الارتباط به. ولكنها أظهرت رد فعل طبيعية كأنثى عندما تقترب أنثى أخرى من معشوقها.
فتولّت طيلة الحفل مهمة إبعادهم عنه. تمعنت النظر إليه جيدًا حيث كان وسيمًا كنجوم السينما. أي أنثى إن انجذبت إليه لا تستطيع الفرار منه.
بعد انتهاء الحفل، رفضت الصعود إلى الأعلى وطلبت منه أن يأخذها بسيارته نحو النيل لتستنشق الهواء. وفي الطريق كانت تسترق النظر إليه بين الحين والآخر، فطالما النظر إليه متعة زميلاتها خاصة وقت الحفل. كان يجلس بجوارها غير مبالٍ بحالتها التي كانت تتدفق نارًا، كان يصفر تارة ويغني تارة، وهي تتأكل من الغيرة. تندم أشد الندم على التفريط به وإبعادها عنه طيلة الفترة الماضية. وها هو الآن يعاقبها على سوء ما بدر منها.
وصلا إلى المكان الذي تريد، فأشارت له لتهبط من السيارة متوقعة ذهابه خلفه، ولكنّه ظل بسيارته ومن ثم قام بفتح صوت الأغاني ليعلمها أنه بوادٍ آخر.
أنهت جلستها على النيل بمفردها، ومن ثم عادت إليها وهي آخذة لقرار حاسم:
- هادي، ممكن نوطي صوت الأغاني عشان عايزة أتكلم معاك في أمر مصيري يخصني ويخصك، ويخص قعدتي في البيت معاك حتى لو ماما غالية معانا.
زفر بحنق وهو متوقع القرار:
- اتفضلي يا ملك، مع إني مش عايز أتعبك، أنتي بتيجي كل يوم من جلسة الدكتور النفسية تعبانة. أنا كلمتها تعطيكي إجازة النهارده عشان عيد ميلادك.
تنهدت بعمق وهي تستمع إليه:
- ياااه، بقالي كتير ماسمعتش اسمي على لسانك، لدرجة إني يأست، مش عارفة أعمل إيه عشان تتكلم معايا. طبعًا متوقع إن هقول لك إني عايزة أسيب البيت.
نهض من السيارة وذهب ليقف أمامها، لتتبعه هي تقف في مقابلته:
- متوقع خصوصًا بعد الحكم عليه، بس ده مش حل. خليكي هنا وأنا هسافر، جالي بعثة في إسبانيا. هفهم اللي حوالينا إنك اشتريتي الفيلا، خلي ملاك ترتاح في قبرها.
نظرت إليه بحزن. أي شخص في مكانه سيتوقع رغبتها الأكبر في الابتعاد. عيناه تخبرها أنه يحبها وقلبه أيضًا، ولكن لسانه وعقله يخبرانها أنها لا شيء بالنسبة له. شعرت أن الأرض تميد بها، فتوجهت لتجلس في السيارة، وهو في حيرة من أمرها هل مسرورة لهذا الخبر. ذهب ليجلس بجوارها فوجدها مغمضة العينين فسألها:
- مالك يا ملك؟ أنا قلت حاجة تضايقك؟ أنا بحاول إنك تعيشي بسلام، مش بجبرك القرار ليكي. بس اسمحي لي ده أخر تدخل مني في حياتك، ويو ما تحبي هكون ضهرك وسندك.
ومن ثم أدار السيارة وعاد بها إلى المنزل. توقف عند الباب ونظر إليها:
- ملك، مش عايز ماما تعرف عن موضوع سفري حاجة، وده لمصلحتك لأن أكيد هتحملك الذنب. أنا هبين لها إني مش عايزك ومسافر عشان أبعد.
تركته وتناولت الدرج دفعة واحدة حتى وصلت إلى غرفة السيدة غالية، وسردت عليها ما حدث. لتهبط الأخرى إلى ابنها تنظر إليه بغضب، ليسألها بتوجس:
- خير يا أمي، هي حكت لك حاجة؟ ماما أرجوكي متحاوليش تغصبيها ترتبط بيا، بقالها كام سنة عايشة معانا مش في الأخر هنجبرها هي وراحتها.
زفرت غالية بحنق:
- معقول للدرجة دي مش واخد بالك؟ أنت من يوم ما جه سفيان هنا وأنت بعيد عنها، وبتعاملها بشكل رسمي. البنت جابت آخرها، وكمان جاي تقول لها مسافر؟
عقد هادي ما بين حاجبيه:
- ليه؟ مالها مالك وجابت آخرها من إيه بالظبط؟ أنا قلت إني مسافر لأني مش مستحمل تروح تعيش في بيت تاني لوحدها. عندي أمل إنها تبعتلي في يوم من الأيام.
هزت غالية رأسها بيأس من فهمه:
- بقالها خمس شهور من ساعة ما عرفت إنك عالجت نادر وهي عايزة تقول لك إنها بتحبك ونفسها تتجوزوا. عارف الحفلة بتاعت النهارده فكرت إنها مفاجأة جوازكم.
وقف هادي مذهولًا لما سمعه، لم يصدق أنها تريده:
- أنتي متأكدة يا ماما؟ أوعي تكوني ضغطتي عليها عشان ما أبعدش عنك، كله إلا كده، طب لما هي كده ليه ما ردتش عليا من شوية؟ هي هتجنني؟
هزت غالية رأسها:
- أيوه متأكدة. أكيد يا هادي مش هترد عليك وأنت متوقع إنها عايزة تسيبك. المهم دلوقتي اطلع طيب خاطرها، إحنا خلاص خلصنا من الغمة.
هز هادي رأسه:
- شكراً يا ماما. عارف إني من يوم ما جيت مشوفتيش يوم حلو، بس غصبن عني نصيبي كده بقي، أتعلق بواحدة متعذبة وتعذبني معاها. أنا طالع لها.
صعد هادي إليها بينما بقيت غالية بالأسفل تنظر إلى صورة زوجها الذي رسخ العقدة في أذهان هادي. طرق بابها لتسمح له بالدلوف. تنحنح وجلس ينظر إليها، وكأنها الوحيدة القادرة على إثارة ضوضاء في مشاعره، ولكن ما يكفيه هو السعادة بقرارها. شعر بأنه مراهق يعشق من جديد:
- أخبارك إيه دلوقتي يا ملوكتي؟
جحظت بعينيها وهي تستمع إلى ياء الملكية المصاحب لاسمها وهو يلفظها. شعور جعلها محلقة في سمائه، وكأنه آن أوان الورد ليتفتح، وكأنه علم من والدته ما تكن له من شعور.
ردت بهدوء:
- كويسة، مفيش جديد غير إنك هتسافر وتسيبني.
رفع إحدى حاجبيه وعيناه تراقب عينيها:
- بجد ده معناه إنك زعلانة إني هسافر؟ طب ليه ما قولتيش كده أما كنا مع بعض؟
- خوفت لا أكون بمنعك تكمل دراستك وأنا أخدت وعد على نفسي إني مخربش حياتك تاني.
- اممم، أنا محدش يقدر يمنعني عن دراستي خصوصًا لما يكون الحد ده مراتي ملوكتي مملكتي.
صمت قليلًا ثم تابع وهو يدنو من وجنتها الذي اصطبغت باللون الأحمر القاني ليلتهمها بشفتيه هامسًا في أذنها:
- كل سنة وأنتي ملكي يا ملك، أخيرًا هتبقي عروستي الجميلة.
تململت قليلًا من أثر اقترابه:
- بجد يا هادي، يعني هنتجوز ومش هتسيبني؟
انتصب أمامها قائلاً:
- دلوقتي أقدر أقول لك حمد الله على السلامة، جننتيني يا شيخة. أنا حاسس إني بقالي قرن منتظر اللحظة دي، فقدت الأمل إنها تحصل، بس حصلت.
كادت أن تنهض من جلستها ولكنها توقفت عندما ركع على ركبتيه أمامها:
- خليكي زي ما أنتي، أنتي بتتحولي في ثانية وأنا ما صدقت أثبتك على أم الكرسي ده. تقوليش ده كرسي الاعتراف، أهو أرحم من الاعتراض.
أزالت مكبس الشعر الذي كانت تعقده في الخارج نظرًا للهواء الذي يعمل على تطاير شعرها، ليغمز لها على فعلتها. فعضت على شفتيها بخجل:
- أنا خلاص أخدت قراري، من قبل الحفلة وكنت مفكرة إنها حفلة خطوبتنا. إيه اللي حصل مني خلاك تقول إنك عايزة تسافر وتسيبني؟ أنا مقدرش أبعد عنك.
داعب خصلات شعرها بيده ثم قبلها يتنفس رائحة شعرها:
- كنتي دايما عايزة تبعدي وفجأة غيرتي قرارك. تفتكري هعرف منين إنك عايزاني وإحنا بقالنا كام سنة عايشين في الصراعات دي، غصبن عني.
أخفت ملك عينيها عنه قائلة وكأنها تريد إشعال نار الحب بداخلها:
- مش عارفة، أنا فجأة لقيتني بحبك حب يمكن لما كنا في أول معرفتنا مكنش بالشكل ده. بقيت بحس إنك ملاك اللي عايزاها ترجع وخايفة عليك.
نهض هادي من جلسته ورفعها معه لكي تقف أمامه:
- بس أنا بقى حبي ليكي زي ما هو، طول عمره زايد منقش منه ولا ذرة. أنتي ملك اللي خطفتي قلبي يوم ما دخلتي الكلية، أنا اللي مقدرش أبعد عنك.
شعرت بالقلق من اقترابه كأنها تعرفه لأول مرة من فرط مشاعره:
- مالك يا ملك؟ قلقتي كده ليه؟ خايفة مني؟ خايفة لأهجم عليكي زي ما عملتها قبل كده؟ فاتك بتقولي إننا عيلة، متخافيش، أنا مقدرش أذيكي عشان أنا بعشقك.
أخرج من جيبه هدية عيد ميلادها وأعطاها قائلاً:
- أعتقد إن الهدية آن أوانها، دي مش هدية عيد ميلادك، لا، دي خاتم خطوبتك، كده اليوم زي ما رسمته بالظبط، فاضل المأذون، أؤمري أجيبه.
رفع هادي رأسها برفق:
- أنتي ليه مكسوفة مني؟ ده أنتي بتزعقي لي قدام الكل حتى أمي ومش يهمك، هو، أنا بجد هشوف جو البنات المكسوفة من خطيبها، وكده أحمدك يارب.
ابتسمت قائلة:
- مكنتش أعرف إنك جايب لي هدية وكمان تطلع خاتم خطوبة، كنت مفكرة إنك عامل الحفلة تغيظني بالبنات وهما بيعاكسوك قدامي وأنا مينفعش أقول لهم إنك بتاعي.
نظر إليها بخبث قائلاً وهو يلمس بشفتيه وجنتيها هامسًا:
- لأنك كدابة، لما سألوكي هادي يخصك، قلتي لهم لأ، كأنك بتبيعيني ليهم، وأنتي عارفة إني مش اتقبل غيرك، عمومًا كله بحسابه يا ملوكة.
ابتسمت إليه ليشعر أن ابتسامتها عصفت بقلبه، فقرر تركها فجأة حتى لا يفتعل معها شيئًا، وتوجه نحو باب غرفتها:
- أنا هبعت أجيب المأذون حالا، وعم محمد والدكتور غندر ونادر والحجة شريفة، هصحيهم من أحلى نومة، إحنا ملناش خطوبة، إحنا هنكتب، جهزي حالك.
وبمجرد أن خرج هادي، اشتعل جسد ملك بالرقص والطيران.
رواية غرام و انتقام الفصل السادس عشر 16 - بقلم مروة البطراوي
هل كان هادي متهورًا أكثر من اللازم؟ هل تسرع في أخذها والسفر بها إلى إسبانيا؟ ولكن ألم يكن هذا هو الصحيح لكلاهما؟ ربما لو انتظر قليلًا لخرج الآخر وجعلها تكرهه. ربما هي الآن سعيدة بسجنه. هل أخطأ عندما قام بتلهيتها وكتمان الأمر عنها مدة بقاء سفيان بالسجن؟ وما زاد قلقه نظرات سفيان الغامضة التي حدج بها لحظة نطق الحكم. ماذا عليه أن يفعل؟ فعندما عقد أمره على الذهاب إلى إسبانيا لم يكن في حسبانه كل هذه التعقيدات التي عرفها الآن، وهو كيف سيبرر لها خروج سفيان من محبسه نظير دفعه غرامة دفعتها له نهال. نعم، نهال التي عادت لتساومه. ما كان يشغل تفكيره وقتها أن يعترف لملك بخروج سفيان ويتخلص من هذا الثقل الذي أصبح كالجاسوم على صدره، ويقلق منامه ويحرمه النوم والعيش مع زوجته بشكل طبيعي.
بعد خمسة أشهر من زواجهم، كان جالسًا في حجرة مكتبه يتنهد بتعب وهو يفرك جبهته بإرهاق ويحدث نفسه قائلًا:
"الأمور اتعقدت أوى يا هادي ولازم تتحل."
كانت ملك طوال الشهور الماضية من زواجهم عينيها تحاصره بهالة كبيرة من الحنان والحب والاهتمام. تلك الهالة خففت عنه متاعب ما مضى، وفي نفس الوقت تخيفه لأنه لا يريد جرحها. يخشى عليها من نفسه، من ظلمه لها. لم يكن صريحًا معها. هو أساسًا بما أخفاه عنها ستفقد الثقة به. يعلم أنها كانت تريده فارسًا مغوارًا، ناريًا ينتقم لها من الآخر انتقامًا مميتًا. وبسببها يرى نفسه على حقيقتها شخصية ضعيفة لا تريد القتال. هو رجل اعتاد أن يحيا في هدوء، لا يرى إلا الهدوء، ولا يستطيع أن يفعل غيره. كما أنه لا يقوى على جرحها هي بالذات. ولكن هذه المرة هو لا يستطيع الهرب.
جاءه اتصال هاتفي لينظر إلى اسم المتصل ويده ترتعش لتضرب بكأس العصير بجواره وتجرح يده. لم يهتم بالنزيف، وإنما ذهبت أصابعه لفتح الاتصال. وكان الاتصال من آخر شخص يتوقعه هادي، فقد كان سفيان الذي سرعان ما استمع إلى صوت هادي أغلق الخط مباشرة.
دَلفت نهال تنظر إلى سفيان الذي سرعان ما أغلق الخط لتشك في أمره:
"في إيه يا سفيان؟ من ساعة ما خرجتك من السجن وغصبت عليك تكتب عليا وأنت مش معايا خالص. إيه حنيت لقذارتك؟ بح يا بابا، انسي."
زفر سفيان بضيق:
"بقولك إيه؟ أنا أعمل اللي أنا عايزه، أنتي مش هتشتريني بفلوسك. في ثانية أتفق عليكي أنا وخالد طليقك اللي مستني إشارة مني وهعرف آخد حقي منك."
فجأة طرق بابهم شخص يعمل لدى سفيان ليسأله:
"ها في جديد؟ بتخرج لوحدها؟ بتروح جامعة مثلًا أو بتشتغل في كلينك؟ السفر بتاعهم ده شهر عسل وطول ولا شغل ولا أي نيلة؟ انطق."
ارتبك الشخص:
"هو كان شهر عسل وبعدها نزلت تشتغل عادي بس أخدت إجازة. صديقي في إسبانيا قالي إنها حامل وليها وضع خاص تحت الرعاية زي ما بيقولوا."
ازدادت عصبيته عندما علم بحملها:
"طيب يا ملاك، طبعًا حملك من هادي شكل ده. الغبي عارف إنها كانت نايمة معايا ومع ذلك محتضنها ومتجوزها شرعي وهيخلف منها كمان؟"
قطبت نهال جبينها:
"في إيه يا سفيان؟ مين البنت دي؟ وإيه علاقتها بهادي؟ وبعدين أنت مالك هادي يتجوز ولا يخلف؟ من إمتى وهو يهمك كده؟ ولا عايز ترجع فلوسك؟"
شعر أنها تحاصره بأسئلتها فنهرها وأطاحها بذراعه من فوق الدرج فانقلبت على درجات السلم لتسقط على الأرض تتأوه من الوجع، ومن ثم خرج ليتنفس وهو يجز على أسنانه:
"يعني حتى ممرضة صعلوكة طلعت على أكتافي وأكتاف اللي جابوني. اللي يخليني أسقط البت دي هوصلك، وساعتها محدش في إسبانيا هيمسك عليا حاجة."
كان حملها مثل فصول السنة، له ألوان وتقلبات وأشكال عدة. فبداخلها كائن حي يتنفس ولم يكن واحدًا بل اثنان. يشعر بها عندما تغضب وتثور، ويهدأ عندما تهدأ، وهذا في كثير من الأوقات، بسبب أنها وجدت من يدافع عنها ويستند عليه من أجل حمايتها.
عندما أخبره وفيه بما حدث لنهال ونقلها إلى المستشفى التي تعمل بها حديثًا في حالة خطيرة بسبب سقوطها من فوق الدرج، خلف عنه كدمات وكسر في ذراع وقدم لها. كان هو الآخر في المستشفى بإسبانيا، ولكن ليس للعمل، وإنما كانت ملك تعاني من قصور طفيف في الكلى بسبب ضغط أطفالها، كل واحد على كلية لها. هنا كان يجب عليه نقلها إلى المنزل حتى لا يصل لها سفيان. لم يدرِ أنه بفعله هذا ازداد قلقها. اطمأن على نهال عندما علم أنها بصحبة خالد. نعم، يخاف عليها منه، ولكن هاتفه وأكد له أنه سيأخذها ليحميها من بطش سفيان ومن بطش والدها المتوعد لها بعد ما فعلته، وسيُقف بجوارها. وأوضح له أنه عاتب نفسه مرارًا وتكرارًا ويعترف أن كل ما حدث لها بسببه.
كان يتحدث مكالمات هاتفية كثيرة بسبب هذا الموضوع مما أثار استغراب ملك. ولكن دائمًا كانت غالية تطمئنها، وفي نفس الوقت كانت تطمئن على حالة نهال حيث أنها هاتفت خالد بنفسها لتسأله عليها وبلَهفة الأم الذي أضاع كل شيء:
"أخبارها إيه دلوقتي يا خالد؟"
طمأنها عليها ووعدها هو الآخر أنه سيتعامل معها بما يرضي الله ويحميها حتى من نفسها. كانت تتلصص عليها ملك لتعلم كل شيء بالمحادثة، وتعلم أيضًا أن سفيان خرج من محبسه لتتفهم حقيقة تغير هادي وقلقه المستمر.
بعد مرور شهرين، كبر الأطفال برحمها، لترتسم معالم السعادة على وجهها فقد قرب تحقق الحلم. أخذت آخر صورة أشعة لهم وذهبت بها إلى المعمل لتقوم بتزوير تاريخها ليكون أقل عامين من التاريخ الحقيقي. بقي هنا رقم سفيان فهو تغير، ولكن عليها الحصول عليه لطالما هو ما زال يعيش حياته بأريحية ولم يأخذ نصيبه في السجن كما تمنت. ذهبت إلى جوال السيدة غالية لتلتقط منه رقم الطبيب خالد تهاتفه بحجة الاطمئنان على نهال كأنها صديقة علمت بما حدث لها، ومن ثم تأخذ منها رقم سفيان.
"مساء الخير، أنا لمياء صديقة نهال عرفت باللي حصل ليها، ألف لا بأس عليها. أنا عايزة أطمن عليها، ممكن تعطاهاني أكلمها؟ هسمع صوتها بس."
اتسعت حدقة عينيه بذهول، كيف لها أن تكون بهذه الغفلة وهي تتحدث من رقم خارج مصر ويظهر الاسم له باسم ملك الوزير ليبتسم بسخرية:
"يا دكتورة أنا مش مغفل عشان تكذبي عليا وتقولي إنك لمياء وانتِ ملك زوجة الدكتور هادي. لو عايزة حاجة وعايزة نخبيها على جوزك أنصحك بلاش. هادي الوزير مش سهل."
جحظت بعينيها وهو يكشفها ويواجهها بالحقيقة:
"أنا عارفة إن اللعب مع هادي مش سهل، بس أنا فعلًا عايزة أطمن على نهال وعايزة منها حاجة مهمة. ويا ريت بلاش هادي يعرف لأحسن أقوله على مطاردتك ليا لما كنت بشتغل في مستشفى الدكتور غندر."
جز خالد على أسنانه بغيظ فقد ظنها ملاكًا ولكنها أفعى تلدغ وقتما تشاء. فتنهد قائلًا:
"آسف، نهال بتاخد دوا بينيمها طول الليل، لاحظي فرق التوقيت ما بينا. لو حابة تتصلي هيبقى بالليل عندكم وأكيد هادي هيكون موجود فمفيش داعي، سلام."
نهال لم تكن نائمة وإنما كانت مستيقظة واستمعت لكل شيء حتى زفره الحانق ولعنه وسبه لملك. دلف إلى المرحاض ليستحم بعد عناء شغله واطمئنانه عليها وتناسي أمر الهاتف الذي تناولته بيدها اليسرى لتأخذ رقم ملك وتراسلها عبر تطبيق الواتساب لتتهلل أسارير ملك فقد وصلت لمبتغاها بدون جهد وتعب، وتم إرسال إليها رقم سفيان الذي تحفظه نهال عن ظهر قلب فهو رقم غريمها الذي علمها أعلى درجات الخيانة. لتبدأ ملك رحلتها بالتلاعب مع سفيان عن طريق إرسال صورة أشعة أطفالها إليه توهمه أنها ملاك وأنها تزوجت هادي وسافرت إلى إسبانيا لأن أطفالها هناك وأنها حرمته منهم. هنا علم سفيان أن أمر حمل ملك كاذب فأراد أن يرد الضربة إلى هادي لأنه أخذها منه وتستر عليها وأيضًا يربي أبناءه ويوهم الجميع أنها تحمل منه حتى إذا عادوا مصر بالأطفال يظنون أنهم أبناؤه. حدث ما لم تتوقعه ملك حيث قام سفيان بمراسلة هادي وتهديده بالفضيحة إلا إذا عاد بها وبأبنائه إلى مصر.
صعد إلى غرفته ليجدها شارده.
فرقع أصابعه في وجهها وهي جالسة تشرد بعيدًا، لتنتفض. ليقف بثبات أمامها، ويلف حولها بصمت لتصاب بالدوران وانقطاع أنفاسها. توقف فجأة خلفها يطالع وجهها من خلال المرآة المعاكسة، يميل على أذنها بهمس كفحيح الأفعى:
"مش هتبطلي حركات الاختلال العقلي اللي عندك دي؟"
ارتبكت وحاولت التحرك لتطيح بقارورة المياه التي كانت تتجرعها بين الحين والآخر بأمر الطبيب لتسقط على الأرض أمامها بصوت صاخب. ارتجف جسدها بالكامل وهي تنظر إليه، ليلاحظ ارتباكها ورعشة يدها. نظر إلى عينيها ببرود، تشرُد من جديد حول أمره، تتوقع أنه علم بما فعلته، والأسوأ من ذلك أنه لن يتقبله. تفيق من شرودها على كلماته:
"انتي فاكرة إني مش هعرف؟"
ثم استطرد هادي وهي تعالي أنفاسها:
"انتي اتجننتي لما تاخدي آخر صورة سونار للأولاد وتبعتهاله، لا و إيه تزوري في تاريخها و تقولي أولادك اللي حرمهم هادي منك؟ انتي إيه؟"
كادت أن تبرر خطأها ولكنّه منعها وتعالى صوته بغضب:
"أنا ولادي اللي لسه في علم الغيب يتقال عليهم إنهم ولاده؟ طب ليه هتستفيدي إيه؟ فكرك إنه هيتجنن مثلًا؟ لا انتي اللي هتجنني لما تولدي وتترمي في الشارع زي أي رحم أنا أجرته عقابًا ليكي."
هزت ملك رأسها ترفض عقابه وهي تلطم خديها على فعلتها وترجته:
"أرجوك يا هادي بلاش تحرمني منهم، ده أنا ما صدقت إنهم توأم. عارفة إني غلطانة، بس غصبن عني أنا فعلًا مختلة عقليًا، اعتبرني داده ليهم."
نظر إليها باحتقار، أزاح يدها من على يده تاركًا إياها ومتوجهًا نحو الخارج، يصفع الباب من خلفه لتهتز هي وتسقط على الأرض تضرب الأرض بيدها وتلعن نفسها، تعض على أصابعها من الندم. وهو يقف بالخارج يود الدخول مرة أخرى لاحتضانها، يعلم كم المعاناة التي تعانيها، ولكن عليه ترويضها وتهديدها حتى لا يتسنى لها الأمر مرة ثانية ولا تشعر بأن الموضوع لعبة تزاولها وقت ما تشاء.
صرخ من خلف الباب بقوة:
"مش عاوز أسمع صوتك، أوعي تفكري إن نواحك ده هيشفعلك. لما أرجعك له لوحدك أكرم لي لما كمان أتهدد بعيالي وأنتي السبب يا ملك."
جاءت والدته على صوته ليوجه حديثه لها قائلًا:
"انتي السبب يا أمي، كان لازم تطمني على نهال من تليفونك، ما أنا بطمنك عليها. الملعونة عرفت إن سفيان خرج من السجن واتصلت بنهال وأخدت رقمه وبعتتله صورة اللي في بطنها على إنهم أولاد ملاك وأولاده."
شهقت غالية عاليًا لم تكن تتوقع أن جنون ملك في الانتقام يصل إلى هذا الحد:
"حقك عليا، اهدي بس، هتتحل إن شاء الله. ننزل مصر ونولد هناك قدام الكل وبكده هو مش هيجرؤ يتكلم. أنا يا ما قلتلك قلها الحقيقة انت مرضتش."
لم يرد عليها، فوضع ملك لا يسمح بالنزول إلى مصر. ترك لها الطابق بأكمله ومنعها من الهبوط إلى الأسفل. كانت غالية هي من تهتم بها إلى أن شعرت ملك بالاختناق:
"سيبيني يا ماما أنزله، مش معقول يكون كله ده ومش هيصفي من ناحيتي، آخر مرة والله، أنا فعلًا اتجننت لما عملت كده، بس هو كمان خبى عليا."
ربتت غالية على يدها:
"أرجوك يا ملك، هادي في وضع ممكن يأذيكي انتي شخصيًا، وانتِ مش ناقصة. اصبري لحد ما تولدي الأولاد، يمكن وضعك ساعتها يحنن قلبه."
شعرت ملك بألم في جنباتها من شدة انفعالها لتصرخ قائلة:
"أنا عايزة أنزله، أنا مش غلطانة، هو اللي غلط وخدعني كان عارف إنه هياخد حكم مخفف ويخرج بكفالة ومقالش، كل اللي كان همه يتجوزني ويهرب."
واستطردت وهي تتعالى صرخاتها لكي يسمعها:
"أنا عايزة أولادي، استحالة هسمح ليه إنه ياخدهم مني، هقتله زي ما أنا عايزة أقتل سفيان، أنا بكره العيلة دي ومش عايزة منهم إلا أولادي."
كانت تتصارع وهي تتحدث كأنه أمامها وتوجه حديثها له. ظلت على هذه الحالة إلى أن نامت بين أحضان غالية التي حاولت تهدئتها قدر المستطاع.
على الجانب الآخر كانت نهال تحتاج إلى إجراء عملية في ساقها وذراعها والانتظار كان بسبب تظبيط بعض الأمور كالضغط والسكر. وبالفعل تم كل ذلك وتم تجهيزها لإجراء العملية وسط خوف خالد الذي كان بيوم من الأيام يريد لها الموت. أجريت العملية بنجاح وفور إفاقتها ذهب خالد للاطمئنان عليها. علم من الأطباء أن هناك من جاء لرؤيتها وهي في غيبوبتها، ولكنهم منعوه وأخبروه أنها لم تستفق بعد وزيارتها ممنوعة. استغرب خالد من الذي جاء بهذه السرعة لرؤيتها وهي مغيبة. أما هي فبعد إفاقتها دخل خالد إليها وجلس بجوارها قائلًا:
"ازيك دلوقتي يا نهال؟"
"كويسة يا خالد بس أنت إيه اللي غيرك كده؟"
"أنا كنت معمي على قلبي، عارف إنك مظلومة، بس برضه غلطي."
لم ترد نهال فتابع قائلًا:
"تفتكري هو يستحق إنك تروحي تعزيه وبعدها تهربي عشانه؟ لا والكارثة بعد ما أخدتي حقك منه راحة تدفعي كفالة وتخرجيه، إيه كنتي بتحبيه للدرجة دي؟"
ردت نهال بضعف:
"إحنا كنا مواعدين بعض وأنت دخلت في النص، وبعدين اللي خلاني أهرب هو حملي منه اللي قتلته بإيده. بعترف إني السبب وإني حبيته."
لولا حالتها لكان صعقها تحت قدميه، ولكن رفقًا بها تركها وصدره تتأجج النيران به. خرج من المستشفى يندم أنه أعادها إليه. تمنى أن يرسلها لوالدها لكي يتخلص منها. أخذ سيارته وذهب إلى منزل سفيان الذي كتب باسمه عند زواجه من نهال. ابتسم سفيان بسخرية فور رؤيته وجلس أمامه يضع ساقًا فوق ساق. وخالد في حالة شرود لا يعرف من أين يبدأ الحديث ليبدأ سفيان دفة الحديث قائلًا:
"اسمع يا خالد، أنا هرجع لنهال كل حاجة مقابل إنك تخطف أولادي اللي عند هادي وملاك. أنا عارف إنك بقيت صاحبه أوي من بعد اللي حصل لنهال."
تعالت ضحكات خالد:
"أيوه بقي قولي السر اللي خلاك تيجي لنهال وهي ما فاقتش من البنج. أنت مفكر صحوبيتي لهادي تعطيك الجرأة إني أخطف أولاده؟ مش خايف لاقوله؟ وساعتها هيقتلك يا سفيان."
لوى سفيان ثغره قائلًا:
"ما أنت لو قلت لنهال هتحط ده شرط لرجعتك ليها أهي تاخد واحد منهم يعوضها عن اللي راح، الموضوع في إيدك ومش صعب، وأهي فرصة تنتقم منه."
نظر خالد أمامه بتفكير:
"وأنا عشان نهال هعمل كل حاجة، ماشي يا سفيان، سيبني بس فترة أعرف أرتب فيها أموري مع حد بره، والعيال هيكونوا عندك، بس بلاش سرعة."
تراجع سفيان بجسده إلى الخلف:
"عشان نهال برضه، ولا عشان أنت ملكش في الخلفه ويالا بقي تاخد واحد وأهو يقش كل اللي أبوك سابه، إنما أنت دكتور زيي ليه ما عملتهاش مع أي واحدة بتولد؟"
اقترب منه خالد وهو يتكئ على مرفقيه:
"أنا مش واطي زيك، وبعدين انسي إنك هتاخد حد منهم، الشرط إن العيلين بتوعي، ملكش فيهم صباع. وإن كان على البيت حلال عليك كل قرش أخدته من نهال."
نظر سفيان إليه بعينيه الحمراوين في برود وتابعه وهو في طريقه للخروج دون سلام أو تحية، مما دفع سفيان للخروج خلفه وغلق باب منزله بقوة لكي يلتفت خالد ورائه وسفيان يهتف في حدة:
"إيه مش هتخلصني منهم؟ طب ما تقولي أنت عايز إيه، وبلاش غموض."
نظر خالد نحوه بهدوء احتفظ به إلى الآن بصعوبة وهو يدرك جيدًا أن القوة لن تجدي نفعًا مع سفيان. وضع يده في جيب بنطاله وأردف بنبرة أكثر غموضًا:
"انت عايزني أعمل إيه بالظبط؟"
"اللي أنا عايزه يتوقف عليك أنت، ناوي على إيه؟"
"أنا كل اللي يهمني نهال."
نطقها خالد بصراحة ووحدة دون رياء ليتنهد سفيان بتعب وهو يمد أنامله يشدد على خصلات شعره بشدة لدرجة أنه اقتلع بعضهم من جذوره. فتابع خالد بتفهم:
"يعني اللي في دماغي صح، أنت مش عايز تاخد الأولاد وتعطي واحد لنهال، لا انت عايز تعمل في الأولاد دي حاجة وتحرق قلب أمهم، بس أنا مش هنوهالك."
أردف بهذه الكلمات ومن ثم تركه ليتدارك الآخر المصيبة التي أوقع نفسه فيها، وهي من المؤكد أن خالد يخبر هادي ومن ثم سيحاول الفتك به.
رواية غرام و انتقام الفصل السابع عشر 17 - بقلم مروة البطراوي
كل يوم يأتي لمنزله مساء للاطمئنان عليها من والدته.
"ملك أكلت يا ماما وأخذت دواها؟"
"أنا عارف أنها بتغلبك، بس معلش استحمليها، أنا مقدرش أحطها في مستشفى علشان مش ضامن سفيان."
هزت غالية رأسها.
"أيوه يا ابني، بس ليه خايف عليها منه؟ ما هو أكيد دلوقتي واصل له إن حملها ده تمثيلية، الخوف من هنا، حد يوصل ويعرف إنها لسه حامل."
تنهد هادي.
"طب بقولك إيه، اطلعي شوفيها كده لو فعلاً وضعها محتاج مستشفى أنقلها، أنا مش عايز أطلع لها لأني عارف إنها هتفكر إنه علشان الأولاد."
أذعنت غالية لطلبه وصعدت إليها، وجدتها نائمة. توجهت نحوها تضع يدها على جبينها لتجدها ساخنة ومتعرقة. هزتها قليلاً فوجدتها لم تتحرك، فصرخت إلى أن أتى هادي.
"ملك، ملك ردي عليا، لا يا ملك لا مش ممكن تكوني في نفسك حاجة، ماما هي ملك مش بتاخد دواها؟ هاتيلي مياه بسرعة لو سمحتي."
حاول أن يسقيها الماء ولكن دون جدوى، فحملها وهبط بها إلى الأسفل، ومن ثم أودعها في السيارة وذهب بها إلى المشفي التي كانت بها. كاد قلبه أن يتوقف من قلقه عليها. أدخلها غرفة الاستقبال ليخرج الطبيب المعالج لها قائلاً:
"أخبرتك كثيراً أن التقليل من شرب الماء سوف يؤدي إلى ضمور للكلى. أخبرتك أيضاً أن ممنوع إبعادها عن المشفي لأنه هناك محاليل لا بد أن تعلق."
رد عليه هادي بإجهاد:
"حاولت قدر الإمكان أن أتابع حالتها بنفسي، ولكن يبدو أن معك كل الحق. سأبقيها هنا، ولكن سأضع حارسين على الباب، أنا لدي قلق من شيء ما."
عقد الطبيب ما بين حاجبيه.
"يبدو أن أمر إبقائها هنا به صعوبة. لدي شيء آخر علي أن أخبرك به، الدكتورة ملك الأمور النفسية لديها ليست على ما يرام، أرجو أن تتعامل بحذر وتتابع مع أخصائي نفسي."
دلف هادي إليها وجدها نائمة. ظل باقياً بجوارها طوال الليل، لم يهدأ له جفن إلا ويطمئن عليها. ومع نسمات الصباح الباكر بدأت تستعيد وعيها، وتنظُر إليه بعينيها لتجده حزيناً.
"إنتي ليه عملتي في نفسك وفيّـا كده يا ملك؟ ليه تخليني أقسى عليكي؟ وإنتي عارفة إني بحبك، طب بلاش ده ليه تهملي في نفسك؟ بتعاقبيني؟"
لم ترد عليه ليقترب منها وهو تتساقط دموعه قائلاً:
"لما تولدي أنا هسيب لكِ الخيار، أما نكمل سوا مع أولادنا وهو لازم يعرف إنهم أولادي مش أولاده، يا أما هطلقك وأبعد عنك، بس لو هتكملي انتقامك هاخد أولادي."
كان يتحدث وهو يحترق من الداخل ولم يستطع التحكم في نفسه، لتجذبه ملك وتدخله في أحضانها في محاولة منها لإزالة حزنه، فهمست في أذنه:
"إنت بتقول إيه يا هادي، أسيبك إزاي ولا أسيب عيالي، أنا ما صدقت إن ربنا عوضني بيك وبيهم، سامحني أول وآخر مرة، الشيطان لعب بـي."
كاد أن يخرج من أحضانها ولكنها تمسكت به جيداً وشددت من ضمها له. ويتحقق سريعاً المثل الشعبي: "مرآة الحي عمياء". تجعله يفقد الاختيار بين قلبه وعقله، فالعشق يتحكم في الاثنين ويطغى بسحره وجاذبيته، خاصة في حالته. منذ رؤيته لها أول مرة في الجامعة التي انتدب لها، وقام بكافة المستحيلات لكي يبقى في هذه الجامعة فقط. صدفة جمعت بين مدرس وتلميذة. رأى أمامه فتاة أفقدته توازنه في لحظة، وفي نفسه اللحظة نظراتها جعلته يمتلك العالم أجمع من فرط سعادته أنه وجد أخيراً المواصفات التي يحلم بها. هو رجل يبحث عن الجمال مثل غيره، فوجد بها خصلات ذهبية اللون ووجه مستدير وجسد ممشوق بقامة متوسطة وعيون بلون العسل المصفى، هكذا هو الجمال الذي تمناه. تمنى أيضاً الشخصية الجادة ووجدها بها، وعلم أن بها القدر الأجمل من النعومة، ولكن إن استخدمته ستستخدمه في الوقت المناسب والمكان المناسب. عشقها كان معادلة صعبة وازدادت تعقيداً بموضوع تؤامها. قرر في لحظة أن تكون له مهما كلفه ذلك. مهمة ترويضها الآن مجهدة للغاية وهو لم يعتد الفشل في حياته أبداً.
أسكنته في أحضانها قائلة:
"أرجوك يا هادي بلاش تسيبني، أنا عمري ما أقدر أستغنى عنك، طول عمري بستنى لحظة ارتباطي بيك وحملي منك، سامحني على تهوري."
وضع قبلة على جبينها.
"نامي دلوقتي يا ملك، إنتي تعبتي اليومين اللي فاتوا، حقك عليا، بعد ما تفوقي هنقعد ونتكلم ونتعاتب ونتصالح، إحنا مالناش غير بعض وأولادنا."
تركها لتنام وذهب هو لعمله، ومن ثم عاد حاملاً كوباً من القهوة التي ما إن اشتمت رائحتها حتى فتحت عينيها على مصرعيها تود ارتشافها.
"صحيتي أول ما شميتي ريحتها؟ أسف يا ملوكتي إنتي ممنوعة من الكوفي علشان الكلى والترسبات اللي عليها، ومتحاوليش تعيطي علشان شفطة."
لوت ثغرها قائلة:
"كنت كل يوم وأنا محبوسة بقوم وماما غالية بتصلي الفجر أعملها بسرعة وأشربها على شفطة واحدة، أه ما كنتش بستمتع بيها بس بتعدل دماغي."
اقترب هادي منها.
"على فكرة ده اللي تعبك امبارح، مش موضوع قلة شرب مياه أو دوا مش في مواعيده، ولا نفسي زي ما الدكتور قاله، عموماً ده له حساب تاني."
أخذ هادي يقرب من أنفها القهوة ويبعدها وهو يحدثها إلى أن هتفت:
"طب مش إنت مش عايزني أشربها بتقربها مني ليه؟ على فكرة ده حرام وحد منهم هيطلع له وحمة قهوة، وأكيد حد منهم هيبقى عصبي."
ابتسم بخبث.
"إن كان على العصبي اللي هيبقى فيهم وماله، ما أنا متعود. يا ترى البنت ولا الولد؟ شكلها هتبقى البنت، يعني مش كفاية أمها، لأ وكمان ده أنا ربنا بيحبني أوي."
زمت ملك شفتيها قائلة بسخرية:
"للدرجة دي خايف لا تطلع البنت عصبية؟ مش أحسن ما تكون هادية يا هادي؟ صحيح إنت اسم على مسمى، الظاهر ماما غالية كانت ذات نظرة مستقبلية."
انتهى من شرب قهوته ثم نحى الفنجال جانباً ليميل عليها يلمس على شعرها.
"كل حاجة منك حلوة يا ملك، خصوصاً أولادي اللي في بطنك، يا آه منتظر خروجهم بفارغ الصبر، حاسس إنهم هيبقوا حاجة قمر زيك كده."
أمسكت بيده.
"هادي، أنا هسيبك إنت تسمي الولد، أنا مليش في الصبيان، البنت دي بتاعتي بقى، نفسي تطلع شبه ملاك، عارفة إنه شبهي كمان، عايزة اسمها ملاك."
جحظ هادي بعينيه.
"نعععم! بتقولي إيه؟ الشبه ده حاجة من عند ربنا، بس ليه أمنيتك دي، وليه عايزة تسميها ملاك؟ إنتي لسه في نيتك تعملي مصيبة تاني؟ لا يا ملك."
هزت ملك رأسها.
"أنا آسفة يا هادي والله ما قصدي حاجة من اللي إنت بتقول عليها دي، أنا بس حابة أستعيد ذكرياتي مع ملاك واسمها، بس لو مش حابب براحتك."
ابتسم لها ابتسامة خفيفة.
"خلاص يا ملك، ما تعيطيش، أنا كمان مكنش قصدي بس موضوع الشبه والاسم استفزني شوية، أنا هروح أكمل شغلي، لو احتاجتي حاجة اتصلي عليا."
جلست ملك على الفراش تتأكل من الغيظ من رفضه لاسم شقيقتها.
بعد خروجه من عندها هاتف الطبيب النفسي يستفسر منه عن كيفية التعامل معها في الفترة المقبلة، يسأله الطبيب عن حالتها الآن. أدبر على الإجابة ولكن عاد ليفلت لسانه بما حدث منذ لحظة إرسالها لصور أطفالهم وتحاشي أن يسرد رد فعله لأنه يعلم أنها خاطئة، ولكن ذكر بعضاً منها. إلا أن سقط لسانه برمته وقال كل شيء، وكان يمتلك الثبات الكامل وهو يقص ألمه للطبيب كأنه يريد أن يتعافى من تلك الذكرى، خاصة عندما طلبت تسمية ابنتهم على اسم شقيقتها المتوفاة. انتهى حديثه.
"أنا لسه خارج من عندها مقسوم نصين."
التزم الطبيب الصمت فقط يريد الاستماع إليه، بينما بدأ هادي بالبوح بما يكنه، بادئاً من الظلم الذي على عاتقه منذ معرفة تلك العلاقة المظلمة بين سفيان وملاك.
"نص بيقول لي إني لازم آخد حق أختها وأتغدى بيه قبل ما يتعشى بينا، والنص التاني مش قادر أنفذ كل اللي عايزة النص الأول، أنا أجهدت."
استمع الطبيب لكل شيء وأمره أن يبتعد عنها هذه الفترة حتى لا يكون مصدر سلبي عليها في أي مناقشة. بالفعل ابتعد عنها، كان يباشر حالتها من بعيد.
كان يتابع حالتها طبيب مصري الجنسية ومستجد مما أثار قلق هادي. فذات يوم:
"إنت دكتورة جميلة جداً، سمعت عن حضرتك أول ما جيت هنا، هتغيري رأيي في الدكاترة وهتخليني أرتبط بدكتورة بس تكون مصرية وحلوة."
تعالت ضحكات ملك.
"يا سيدي، والله أنا أصحابي الدكاترة كتير، انزل إنت بس معانا وأنا هوفقك مع واحدة منهم وتاخدها وتطير، أهو أرتاح من قرهم على الوسيم بتاعي."
هاتف والدته لتأتي.
"أمي محتاجك الليلة دي معانا في المستشفى، هجهز لك أوضة جوه أوضة ملك، قلبي مش مطمن في دكتور جه جديد مصري ومتابع حالتها."
قلقت غالية هي الأخرى على ملك ولم تتردد لحظة، فذهبت إليهم على الفور. كانت ملك شاردة في حديث الطبيب المصري خاصة عندما أخبرها أنه كان بالجامعة معها وكان يكبرها بخمس سنوات ولكنها لا تعرفه. أفاقت على صوت غالية وهي تحضنها، فبكت ملك لأنها لا تراها ولا ترى هادي. وبينما هي تبكي لابتعاده عنها، دلف إليها.
"حمد الله على سلامتك، أنا قلت أسمع كلام الدكاترة وأبعد لأني مدلعك زيادة ومبترضيش تاخدي لا الدوا ولا المحاليل بتاعتك، سامحيني يا ملاكي."
استدارت بوجهها إلى الجانب الآخر قائلة:
"الله يسلمك، طبعاً إنت ما صدقت وعلى إيه بقى إحنا حتى في بيتنا كنت نايم في أوضة وأنا في أوضة زي ما يكون أجانب، أنا اشتقت لمصر."
شرد في حديثها عن مصر وعلم جيداً مدى اشتياقها والسبب الطبيب المصري. اندهشت ملك من صمته ورفعت حاجبيها قائلة:
"على فكرة أنا بكلمك، وكمان مش همنعك تسمي أولادك زي ما إنت عايز، ده كان مجرد طلب، بس مش يخليك تبعد عني أسبوع بحاله، ما قلقتش عليا."
نظر إليها بشوق قائلاً:
"يعني مش زعلانة مني؟ عموماً أنا جاي أبشرك، هتباتي الليلة دي بس هنا وبكرة هيكتبوا لكِ على خروج وهنرجع بيتنا ومش هبقى في أوضة وإنتي في أوضة."
اندهشت ملك وقفزت من فرحتها.
"لا بتهزر! أخيراً هسيب السرير والأوضة دي، ده أنا زهقت، دي ولا السجن، بس تعرف ربنا عالم بحالي، بعتولي دكتور مصري تلاقيك عارف."
هز رأسه ليخبرها بمعرفته، بينما غالية كانت تنظر له بقلق فهي أيقنت الآن أن هذا الطبيب مصدر قلق وعليهم إبعاد ملك عنه.
عادت ملك إلى منزلها وهادي لم يتركها لدرجة أنه صعد بها إلى غرفتها حاملاً لها، ومن ثم دلفا سوياً وأغلق الباب من خلفه قائلاً:
"كنتي بتقولي إننا شبه الأجانب وكل واحد منا في أوضة، أنا بقى من دلوقتي هفرجك شغل المصريين على أصوله، الحمد لله اطمنا على وضع الدكاترة."
ارتبكت ملك في الحديث.
"أخدت إذن البروفيسير الأول ولا لأ؟ وبعدين يا هادي ما إنت طول عمرك هادي، هتبقى مصدر إزعاج لأولادك على آخر كام شهر؟ ده إنت معملتهاش في الأول."
تعالت ضحكات هادي قائلاً:
"طبعاً أخد إذن الدكاترة كلهم، وبعدين إنتي عبيطة يا دكتورة ما أنا دكتور وفاهم حالتك، الشهور الأولى دي استقرار، أما دلوقتي تسهيل وضع."
أخذت تنظر إليه وتتأمل ضحكاته.
"ها إيه تاني؟ تحبي أنزل آخد تصريح من الست الوالدة؟ ولا أنزل قصيدة في الجريدة الفرنسية؟ مشتاق وعندي لوعة اسمها ملك، هي مش ملك دي مجنونة."
أوقفته ملك وهي تضحك.
"لا خلاص يا عم إنت هتعيط، مكنتش أعرف إنك مشتاق أوي كده، كنت بقولك في المستشفى كده بختبر بس، إنت لسه بتحبني ولا لأ، يالا تصبح على خير."
جذبها من خصرها يهمس في أذنها.
"ملك، أنا مش بهزر، إنتي مش مشتاقة ليا زي ما أنا مشتاق؟ وحشاااني جداً يا ملك، تعالي ننسى كل همومنا سوا، ونبقى ملك وهادي بس، كيان واحد."
تعالت دقات قلبها.
"هااا، ولا أنا كمان كنت بهزر معاكي، أنا مشتاقة ليك زيك وأكتر كمان، وعايزة أنسى أنا مين أصلاً، بحبك يا هادي، صدق اللي سماك كده."
قبلها بصدق.
"وأنا كمان، بخاف لحد يحبك أكتر مني، بغير عليكي حتى من أختك اللي يرحمها، نفسي الحب اللي جواكي ليها يبقى ليا أنا وبس، ملك إنتي ملكي."
بالرغم من قربه منها إلا أنها شعرت بالبعد، فالتصقت به.
"بجد أنا ملكك؟ طب ولما أكون ملكك، تبعد عني لدرجة إني حسيت إني مهمشة، أنا كنت بتقطع وإنت بعيد، أنا عمري ما حبيت حد زي ما حبيتك."
طوقها بذراعيه.
"صدقيني غصبن عني، كده بتعب زي ما إنتي تعبانة، بس خايف أدخلك وأخسرك في لحظة نقاش، إحنا عاملين زي الميه والنار، نفسي أرضيكي."
خرجت من بين أحضانه.
"ترضيني! أكتر من كده؟ طب أقولك أنا إيه بقى، أنا بدأت أحس إني مصيبة وخميرة عكننة على دماغك، بحاول إني أسعدك بس إزاي مش عارفة."
اقترب من شفتيها وقبلها برقة.
"عايزة تعرفي إزاي؟ كده أهو سهلة أهي، أنا عايز ملك الملاك البرئ اللي مش شايل في قلبه أي ذرة كره لحد حتى لو كان ظالم ليكي وأنا الباقي عليا."
لم ترد عليه، خضوعها إليه كان بمثابة الرد المحبب لديه. حملها بين ذراعيه وأودعها في فراشهم ومال عليها لينهل من بحرها قطرة تروي ظماء فراقهم.
أروع ما في حبنا أنه ليس له عقل ولا منطق، أجمل ما في حبنا أنه يمشي على الماء ولا يغرق. - نزار قباني -
هذا هو حب الشاعر والذي يتماشى مع حب هادي لملك، ولكن ماذا عن ملك؟ آخر شهر بالحمل، كانت تنتظر هذا الشهر بفارغ الصبر لأنه بداية حلاوة حياتها معه، دائماً الحياة تحلو معه فهو متفرغ لها تماماً، ينتظر وقت خروج أطفاله إلى الحياة. رغم أنها تمنت أن يأتي هذا اليوم وشقيقتها معها حتى تتمتع بصحبتها والقيام بتربية الأطفال سوياً، ولكنها كان حلماً فقط، فالأمر اختلف الآن.
كانت تجلس أمامها غالية تراقب هادي الذي قام بترتيب غرفة أطفاله، ويريد تحديد موعد ولادتهم، والطبيب يماطل كالعادة يريد استقرار وضعها الصحي أولاً، وكالعادة هو غاضب من شرودها المتكرر، يعتبره مبالغة منها في الانشغال عنه. أما عنها فهي ما زالت ضائعة بين قلبها وعقلها، ولا تعرف أيهما ترضي. تبادلت مع غالية النظرات الحنونة لتمطر السماء فجأة وتتذكر نصفها الآخر وهي تركض عند هطول الأمطار حتى تغسل قلبها من الهموم.
رواية غرام و انتقام الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مروة البطراوي
غابت عن المستشفى دون معرفة الطبيب المصري شريف، والذي تمكن من الوصول إليها. انتهز فرصة انشغال هادي بإجراء عملية خطيرة وذهب إلى المنزل ليتفاجأ بغالية تقف في ظهره حين دخل المنزل.
ظل يتلفت من حوله.
"بسم الله الرحمن الرحيم، في إيه؟ وإنت مين؟ وإزاي دخلت هنا من غير استئذان؟ يوووه نسيت إننا في إسبانيا. استني هجبلك حد يرتطم معاك."
أوقفها شريف.
"اهدي يا سِت، إنتي مين خدامة هنا؟ اسمعي، أنا الدكتور اللي متابع حالة الدكتورة ملك وجيت ودخلت، وريتهم بياناتي بره. روحي بلغيها."
عقدت غالية بين حاجبيها. ها هو الطبيب الذي أثار القلق لدى هادي، ولكن لماذا أتى إلى هنا يريد ملك في غياب هادي؟ ومهلاً، يعتبرها خادمة.
"خير يا دكتور، كويس إنك طلعت مصري زينا. والله أنا لولا إني عارفة إني هتعامل مع الدكتورة ملك وجوزها مكنتش فكرت أسافر. أومرني."
ابتسم شريف بخبث.
"بصي، شكلنا كده هنتفق. عارف هتقوليلي مينفعش تشوفي الدكتورة عشان هي تعبانة، بس ده حوار فاكس ميدخلش عليا، إحنا مصريين برضه."
انتشلته من ذراعيه وذهبت به إلى آخر الحديقة.
"ما قلتليش خير عايز من الدكتورة ملك ليه؟ وأنا أوصلهالها. على فكرة هي حكت لي عنك كتير، وبتشكر فيك أوي، وأنا انبسطت. كلام في سرك، هي مش مبسوطة."
ابتسم شريف بشماتة ونصر قائلاً.
"بصي، كل ده أنا عارفه وحسيته من كلامها والدكتور المهمل. الا قوليلي، هي أول مرة تخلف منه صح؟ بس أنا سمعت إن عندهم أولاد تانية."
اتسعت حدقة عين غالية.
"إيه؟ عيال تانية؟ إنت بتهزر؟ دول كتبوا كتابهم في مصر وسافروا على هنا وأنا معاهم. يكونش استغفر الله العظيم لما كانت قاعدة معاه في مصر؟"
مال عليها شريف.
"أنا مش بهزر، أنا متأكد. وكلامي كله جد. أنا بقى عايزك تعرفي أصل الموضوع من طقطق لسلام عليكم، ولكي الحلاوة. أنا ليا واحد في مصر هينغنغك."
جحظت غالية في ذهول.
"طب واللي وراك في مصر عايز إيه من الدكتور هادي ولا مراته؟ أكيد مش فلوس طالما هينغنغني. أنا قلت إنها صعبت عليك وعايز تطلقها."
ابتسم شريف بسخرية.
"أحط إيدي على الأولاد اللي قلت لك عليهم، ولو مفيش نستنى الجداد وناخدهم. ما هو أنا يا قاتل يا مقتول. أنا قاعد هنا سنة مؤقت، يا أكمل يا أما هرجع."
قطبت غالية جبينها.
"إيه ده؟ طب هتعملوا إيه في العيال؟ موت ولا تجارة أعضاء؟ وبعدين استني، هو إنت البعثة دي جاتلك إزاي؟ أوعى تكون مزورة زي اللي بنسمع عنهم."
التفت شريف من حوله.
"اسكتي هتوديني في داهية. إنتي إيه يا ست إنتي؟ معاشرتك للدكاترة خليتك فاهمة كل حاجة. إذا كان إدارة المستشفى اللي شغال فيها معرفتش."
هزت غالية رأسها بالرفض.
"لا مش هسكت وهقول للدكتور هادي وللست ملك كمان. الا لو قلت لي من وراك في مصر مش يمكن أطلع أعرفه، ويكون له غرض في حاجة تانية؟"
نظر إليها باستهزاء.
"ومين أهبل يقولك بعد رفضك لمساعدتي؟ على فكرة، أنا ممكن أدخل وأقابل الدكتورة ملك عادي خالص وأعرفها إني كنت عارفك من مصر وألبسك مصيبة."
نظرت إليه بتفكير ثم تحدثت بخوف مصطنع.
"ماشي، أنا اللي أعرفه إن مفيش أولاد قبل كده، مفيش غير اللي هي حامل فيهم. ودول مش سكتي ولا أعرف أسربهم ليك. إنت بقى اتصرف."
فكر شريف بالأمر أن يخبر سفيان أنه وجدهم، ومن ثم يبعث له المال، وبعدها يرسل الطفلين المولودين.
"ماشي، هي تقوم بالسلامة، تبلغيني، أو حتى وهي راحة تولد. مش عايز غلطة. وخذي بالك، أنا ممكن أوديكي في ستين داهية. ملك حكت لي عنك بلاوي."
ضحكت غالية من داخلها.
"تمام، طالما حكت يبقى بلاش ألعب بالنار معاك إنت بالذات. طريقك أخضر، سيب تليفونك، وبلغ الحرس على الباب إنك كنت جاي لي وأنا هقول إنك ابني."
أخبرته على الفور والدته. وفي نفس اللحظة تلقى اتصالاً هاتفياً من خالد يسرد له بشاعة ما يريده سفيان. لينظر إلى الفراغ في شرود متسائلاً: لماذا هي؟ لم يسأل من قبل نفسه هذا السؤال، لكنه أجاب نفسه بأنه أرجع كل الأسباب إليها، فهي التي بدأت بالشر. لينتبه أن خالد ما زال على الهاتف ينصحه بألا يفتعل شيئاً خاطئاً يهز من مهنته ومن مظهره كطبيب عالمي.
"أنا طول عمري مش بيفرق معايا الناس تشوفني إزاي. كل اللي فارق معايا إني مبقاش سبب قهرتها، بس للأسف هي اللي قهرتني، هي السبب إني سبت بلدي وهربت على إسبانيا خوفاً عليها منه."
صمت بعد أن أردف ما يخنق جوفه. خمس دقائق من الصمت المطبق في مكالمة دولية. ليسأله خالد سؤال يذكره بأسوأ ما حل عليه بعمره.
"سفيان بيعمل مع مراتك إزاي كده؟ وليه سامح إن ده يحصل فيكم؟"
ليقص عليه هادي ما حدث من سفيان في شقيقه ملك، ليفهم خالد لماذا شدوه كانت تكره ملك. شدوه التي استمعت إلى المكالمة وسرعان ما حصلت على هاتف ملك بطريقتها الخاصة وهاتفتها. ولا يهمها حق تكليف المكالمة، فهي تهاتفها من المستشفى ولا يهمها أيضاً أن المستشفى تعلم، وخالد يفتك بها. تفاجأت ملك من الاتصال المصري لترد، وإذا بشدوة تفصح عن حالها.
"صباح الخير يا شدوة، ولا نقول مساء الخير. اعذريني بقى، أنا مش في مصر. إنتوا عندكم الوقت متأخر. إيه عندك نوبتجية الليلة دي ولا إيه؟"
شرُدت شدوة في طريقة ملك، فهي نفس طريقة ملاك، وظلت صامتة. لتنتبه ملك من صمتها لتفيقها على صوتها المرتفع.
"شددددوة، هو إنتي متصلة تعرفيني إنك عرفتي تليفوني وبس وتفضلي ساكتة؟ ما تقولي عايزة إيه، ولا مين اللي دفعك تتصلي؟ أنا مش قادرة ليكي، أنا حامل."
أفاقت شدوة من شرودها.
"هااا حامل!!! حامل إزاي؟ مش إنتي مخلفة أو تقريباً عندك أولاد ملاك بتراعيهم، وده اللي خلاكي تسافري بعد ما اتجوزتي الدكتور هادي؟"
زفرت ملك.
"آه، إنتي مالك؟ كنتي مين إنتي عشان تتصلي تستفسري مني عن حاجة زي دي؟ إيه ده؟ والله إنتي بجحة. مش معني إنك عارفة جزء من الماضي يبقى خلاص."
هزت شدوة رأسها بحزن.
"أبدا يا دكتورة، ألف مبروك على الحمل. تتهني فيه. أنا بس ببلغك خدي بالك منه أو من أولاد ملاك عشان سفيان مش ناوي يعتقك ولا يعتقهم."
جزت ملك على أسنانها.
"التعبان الأصفر. طب وديني لأقول لهادي ويريحنا منه. أنا السبب، كان لازم يعني أبعت له رسالة. أديني بدفع تمن غلطي، بس إزاي هيوصل لي؟"
تذكرت شدوة الطبيب الذي وعدها بالزواج وكان يعمل لدى سفيان، والآن هو بإسبانيا. ترى، هل هو من رجاله؟ لاحظت ملك صمتها لتسألها.
"لو تعرفي حاجة تانية يا شدوة قولي لي عليها، وأنا هعمل لك كل اللي إنتي عايزاه. أنا وهادي مسيرنا ننزل ونفتح عيادة خاصة وهشغلك فيها."
اختنقت شدوة.
"إيه اللي بتقوليه ده؟ أنا مش في الشغل دلوقتي. أنا افتكرت حاجة جايز ممكن تفيدك. في دكتور كان بيشتغل هنا وبيحبني بس ظروفه مش سامحة."
شعرت ملك بألم في كليتها من فرط العصبية.
"إيه الكلام ده؟ على فكرة أنا تعبانة وعلى أخرى مش فايقة. ادخلي في الموضوع لو عايزاني أسفره هنا وإنتي معاه تمام، لكن ده مش موضوعنا."
زفرت شدوة.
"يا دكتورة ملك اسمعيني، لما الدكتورة نهال دخلت عمليات، سفيان جه هنا واتعرف عليه. بعدها بيجي أسبوع اختفى. روحت أسأل عليه قالوا لي سافر."
بدأ الخوف يدب بجسد ملك.
"كملي يا شدوة، ولا أقولك الدكتور ده سافر إسبانيا صح؟ تخصصه إيه؟ أوعي تقولي باطنة. اسمه إيه؟ أوعي تقولي شريف، لأن لو هو أنا اللي هقتله."
ابتلعت شدوة ريقها.
"شريف الخشاب، وهو كان طالب عند الدكتور هادي. وعلى فكرة، هو كان عرض عليّ الجواز، معملش زي سفيان، وكان ماشي سليم بس اتغير في آخر أسبوع."
نظرت ملك أمامها بعدم استيعاب.
"إيه ده؟ إزاي؟ وهو كان بيواسيني وأنا في المستشفى؟ ليه عايز يعمل معايا كده؟ كل ده عشان الفلوس؟ وإزاي وصل هنا بالسهولة دي؟ حلو أوي ده تزوير."
أرادت شدوة تهدئتها.
"طول عمري مش بعرف إلا الناس اللي بيدوروا على مصلحتهم، بس الشهادة لله ربنا بينجيني. إنتي كمان يا دكتورة ملك قولي عليه للدكتور هادي."
انتهت المكالمة. وأخذت ملك تهاتف هادي لتخبره، ولكن وجدت الخط مغلقاً. لا تعلم ماذا يفعل هو الآخر. كان يتجول بين أروقة المستشفى. إلا أن شاهد شريف وهو يتابع حاله ليفاجئه به.
"إزيك يا شريف؟ ملك لما قالت لي على اسمك ومصرة إني كنت بدرس لك بصراحة مكنتش فاكرك. بس دلوقتي طريقتك وانت بتابع الحالة فكرتني. خلص وتعالى المكتب عندي، ليك خبر حلو."
هز شريف رأسه بسعادة ولم يشك في أمر هادي مطلقاً. فهادي كان ثابتاً.
"حاضر يا دكتور هادي. على فكرة، أنا حاولت كتير أقابلك وأنا بتابع حالة الدكتورة ملك، بس قالت لي إنك مش فاضي. أخبارها إيه؟"
توجه هادي إلى مكتبه ولم يرد عليه. انتهى عمل شريف ودلف إلى المكتب ليتفاجأ بقائمة الأطباء مجتمعين عند هادي. ليبتسم هادي بخبث.
"ادخل يا شريف، ده أنا هعرفك على قائمة الدكاترة. أكيد مكنش عندك فرصة تقابلهم زي حالاتي. دول نفسهم يدخلوا عمليات معاك بكرة، إيه رأيك؟"
أذعن شريف لطلبه ودلف وصافح الأطباء جميعهم.
"إحنا المصريين هنيجي إيه جمب الفرنسيين؟ أنا بدخل عمليات بتعلم بس يا دكتور هادي. أنا كمان بدرس الدكتوراة أول أما أتخرج أدخل. ليه حضرتك ناوي تحرجني؟"
ليعتريه هادي الغضب رغم أن جميع الأطباء حذروه من ذلك. حيث قام بلكم شريف في وجهه قائلاً.
"علشان إنت واحد واطي عايز تخطف عيالي، واحد صايع مكملتش تعليمك. سقطت وزورت شهادة الطب، واللي بعتك زور لك الباسبور. مبروك عليك السجن الفرنسي."
تنهد شريف وابتلع غصته. وبدأ بقول الحقيقة منذ بداية معرفته بسفيان إلى أن جاء إلى إسبانيا. وهادي يستمع إليه وقد هدأ نوعاً ما. فاستمع بغير غضب أو حنق أو تحامل. استمع لكل شيء رواه شريف. كل شيء كما حدث في مصر. حتى أنه أباح أنه كتب مذكرات هذه الأيام وأتى بها إلى هنا، حتى لو قدر له الأذى تكون حافزاً لاسترداد حقه.
"أنا أعرف الدكتور سفيان من زمان وهو اللي دفعني أشتغل في عيادة الدكتور خالد. وكان مع كل غلطة مني بيدافع عني قصاد الكل. حتى في مرة كنت متهم في قضية خلصني منها. لغاية لما لقيته بيجهز أوراقي عشان أجي هنا. الفرحة مكنتش سيعاني. بس كان الشرط أولاد الدكتورة ملك. حاولت أقنعه إنها ملك مش ملاك. حبسني ومارس عليا كل أنواع العنف النفسي والجسدي. سكت بعد ما كنت شرارة واقفة قصاده. حلف إنه هيلبسني قضية اغتصاب لبنت وهيشهد ضدي قصاد المحكمة. وهيقول لهم إنه مراقبني من زمان وعنده الأدلة صور وسيديهات. وهو بنفسه اللي هيبلغ عني. أنا من الصدمة صدقته."
صمت قليلاً ثم أردف قائلاً.
"إحنا غلابة أوي يا دكتور واللي بيستقوى مننا عليكم وبيقف في وشكم بتهرسوه تحت رجليكم. لو كنت قلت لك الحقيقة كنت قلت يالا نفسي."
صرخ هادي في وجهه.
"علشان إنت كمان كل اللي يهمك روحك. إزاي وافقت إنه يضرب لك شهادة الطب؟ فين حلف اليمين يا دكتور؟ لا دكتور إيه بقى، إنت جزار."
رأى هادي يضغط على جرس بجوار مكتبه لينطلق. ووضع يده على يده يمنعه قائلاً.
"أبوس إيدك يا دكتور، أنا والله ما كنت هأذيها. أنا كنت بضحك عليه ديما وبقوله إن لقيت المعلومة وكنت هبعت له حد تاني غيرهم صدقني."
لكمه في رأسه رغم اعتراض الطاقم الطبي الشاهد على ما يحدث.
"كنت هتبعت له مين؟ وإزاي؟ إنت تفتكر كده مين اللي قالي موضوع زي ده وعرفيته منين؟ إنت عبيط مفكر إن الموضوع هيعدي بالساهل."
تلعثم شريف.
"عارف إن الدكتور خالد اللي قالي، بس عايز أقولك إن الدكتور خالد كان هيعملها بس كان شرطه ياخد العيلين مش عيل واحد. يعني مفيش حد كويس يا دكتور."
ابتسم هادي بسخرية لعدم استيعاب شريف الفخ الذي وقع به.
"إنت بتقول صح فعلاً خالد قالي بس كنت عرفت إمبارح. بقا تيجي بيتي وتدخله بصفتك دكتور ملك، لا وإيه تنبه على الحرس؟ طب ما أنت هعرف."
هز شريف رأسه.
"أيوه، ما هي اللي قالت لي. على فكرة كمان، الخادمة بتاعتك قالت لي إن الدكتورة ملك بتعاني معاك وعرضت عليا أساعدها. قلت لك يا دكتور مش لوحدي."
عقد هادي بين حاجبيه باصطناع.
"الخدامة! خدامة مين يا شريف؟ دي أمي الست غالية الوزير. هي ست كبيرة أه، بس إيه؟ ولا المحقق كونان. نعمة من ربنا إني كنت حاكي ليها عنك ودلوقتي خلص الكلام ما بينا وأخدنا من وقت الدكاترة كتير والأمن منتظر. مش عارف ليه ديما الدكاترة الأغبياء اللي زيك بيخرجوا من مكتبي مقبوض عليهم. بالشفاء."
تركه لرجال الأمن بعد تقديم مذكرة ضده. ليجدها تحاول الاتصال به مجدداً ولكن رفض الرد. وتوجه إلى سيارته وقادها متجهًا إلى مطار مدريد. حيث أنه عقد عزمه منذ لحظة سرد تلك الأحداث من والدته أن يهبط إلى أرض الوطن لتخليص بعض الأمور مع سفيان.
لو لم أجازف وأقترب.. كنت سأظل أعتقد أن شيئاً جميلاً قد فاتني..
أحمد خالد توفي
بالعكس يا ملاكي، هذا معناه أنه لماجازفتي واقتربتي وجدتي شيئاً قبيحاً.
هل ما تعيشه الآن من قلق حقيقة؟ أم أنها داخل أحد أحلامها المخيفة؟ لم يكن حلماً هذه المرة بل حقيقة. لقد سافر هادي وتركها منذ أسبوعان تقريباً. والآن هي مع والدته في إسبانيا بالمنزل الذي يقيمان فيه والذي بعثهم هادي إليه لكي يكونوا بعيداً عن أي أذى. ارتسمت ابتسامة شقاء على وجهها وهي تؤكد لنفسها أنها من أصعب الليالي التي مرت عليها بكل ما فيها من خوف وعصبية بسبب غبائها. فالاثنان لم يفترقا عن بعضهما البعض منذ فترة طويلة. كانت تظن أنها تغيرت من خلال معاشرته، ولكنها ما زالت على نفس الغباء والرفض للتروي في كافة الأمور، بل متخذة التهور دائماً كعادتها. دائماً لا تفكر بالرغم أن الجميع حذرها من تصرفاتها الهوجاء. كان يجب ألا يطمئنوا إليها، فهي لم تختلف كثيراً عن ذي قبل، بل ازدادت واقتربت من الهدف الخاطئ أكثر، وكأنها تشابهت على عكس ما قيل عنهم أن ملاك تختلف كثيراً عن ملك توأمها. هي وعدت نفسها عندما أصبحت زوجة هادي الوزير أن تتغير كلياً وأبداً مهما كلفها الأمر، ولكن خروج سفيان من السجن قلب الأوضاع بشكل مفزع.
في مصر، وصل هادي إلى عقر دار سفيان.
"أهلاً، إيه ده؟ جاي بنفسك يا هادي؟ طب فين أولادي وملاكي؟ شوف يا أخويا، أنا طول عمري أقول عليك إنك جنتل مان، زمان سبت نهال."
توجه هادي نحوه بعصبية وضربة في صدره ضربة جعلته يشهق وكأنها ضربة الموت.
"إيه اللي بتعمله ده؟ إنت نازل مصر مخصوص عشان تضربني؟ عايز مني إيه بعد ما أخدتها وأخدت أولادي؟ طب مش عايزها، أنا عايز أولادي."
لكمه هادي في أنفه قائلاً.
"إنت عايز أولادي ليه يا سفيان؟ دول يخصوني لوحدي. إنت مالكش عندنا أي حقوق. بالعكس، أنا اللي ليا حق عندك وهاخده بإيدي طالما القانون مش نافع."
تعالت ضحكات سفيان.
"أنا مالي ومال أولادك، أنا عايز أولادي هاتهم و غور إنت وهي وخلوني كافي خيري شرّي عنكم. إنت عارف لما بحب أوصل لحاجة بوصل."
انقض عليه هادي.
"وأنا لو عايز أسجنك مش هأمل وعندي دليل المرة دي يوصلك لحبل المشنقة. بس الظاهر هي عندها حق، إنت مينفعش معاك غير الانتقام. ابعد عن ملك يا سفيان أحسن لك."
قابل سفيان تهديد هادي بنظرات تحدي ورمقه بحقد.
"طب هتهددني بإيه؟ إني زورت لشريف شهادة الطب؟ طب ما هي كمان إنت زورت لها شهادتها وغيرت اسمها من ملاك لملك طبعاً عشان هي مفضوحة."
جذبه من ياقة قميصه بيده اليسرى واليد اليمنى لكمه بها في عينه حتى شعر سفيان بأن الدنيا تصدر أضواء تلو بعضها في آن واحد. فضربه بشدة حتى اختل توازنه فسقط أرضاً تحت قدميه. لتدلف الشرطة على حين غرة وبدون ترتيب من هادي الذي كان يريد إنهاء حياته بيده. ليردف قائلاً.
"باين إن مالكش نصيب تموت على إيدي، بس ورحمة جدي اللي رباني وخلاني راجل لأوصلك وأقتلك بإيدي، زي ما قتلت حياتي وأنا عايش."
غادر سفيان مع رجال الشرطة. ليتذكر هادي كل حديثه عن ملك ورؤيته لها على أنها ملاك وحديثه عن فضائحها. ليقرر العودة إلى إسبانيا. عاد بالفعل، ولكن ظل بالمنزل القديم وبعثها هي ووالدته إلى منزل آخر لأنه لا يريد اللقاء بها حتى لا يصب غضبه عليها.
عاد بذاكرته إلى الخلف وهو بين قضبان السجن الذي كان للمرة الثانية بسببها.
"تأخرني وفي الآخر تاخد مني بوستين زي كل مرة. بس المرة دي خلاص يا دكتور سفيان، مش هيحصل تاني إلا لما أكون حرم سفيان الوزير."
هز رأسه بيأس قائلاً.
"كلكم عين واحدة. تتمنعن وهن الراغبات. فاكرني عبيط؟ أنا بقالي أيام مش بنام وصورتك في خيالي بستنى اللحظة اللي هتجمعنا سوا."
تلوت من بين يديه حتى كادت أن تفر منه، على آخر لحظة أمسكها من معصمها وضمها إليه مجدداً. لتجز على أسنانها بغيظ.
"أوعي في يوم تساويني بالأشكال اللي كانت بتشتغل هنا. أنا ملاكك يا سفيان، عمرك ما هتقدر تفكر ولا تحب واحدة غيري."
سخر من حديثها عندما وصل إلى مبتغاه منها وأوقفها على حافة الجبل لتسقط مثل غيرها. يتذكر أيضاً هذا اليوم عندما ردد لها قائلاً.
"قلت لك لو عايز أوصل لحاجة بوصلها يا ملاكي، وإنتي مقدرتيش تقاوميني زي كل مرة. ده أنا سفيان الوزير."
سخر الآن من حاله ووضعيته وهو متعفن بالسجن بسببها. أيعقل أن هذا الملاك البريء أصبح شيطاناً ينتقم منه أشد انتقاماً؟
رواية غرام و انتقام الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مروة البطراوي
علمت ملك بعودة هادي إلى إسبانيا من المشفى التي يعمل بها، واستغربت عدم مجيئه إلى المنزل الجديد.
هاتفت طبيباً من المشفى يسرد لها ما حل بشريف، ومن ثم سفر هادي إلى مصر. استغرب سؤالها عنه فأخبرته بالكذب أنها انفصلت عنه، وأرادت فقط الاطمئنان عليه.
ذهبت إلى المنزل القديم فوجدته بالفعل، دلفت إليه لتجده شارداً. لا تعلم إن شعر بوجودها وتجاهلها أم لا.
اعتدلت في جلستها وتنحنحت قائلة:
"حمد الله على سلامتك، ولو إنك مش عايز حد فينا يقولها ليك. ليه يا هادي سافرت من غير ما تقول ورجعت برضه من غير ما تقول؟ بعدتني عنك؟"
وجدته في حالة غير جيدة فسألته بتوجس وقلق:
"إيه السكوت ده؟ إيه اللي حصل لكل ده؟ أنا اتصلت بيك كتير قبل ما تسافر علشان أعرفك إن شريف واطي، بس انت مردتش عليا. إيه هتحملني ذنبه؟"
هز هادي رأسه بالنفي:
"أبدا، انتي معملتيش حاجة. بس انتي عرفتي منين إن شريف واطي؟ أكيد أمي قالتلك زي ما قالت ليا، أو يمكن نهال عرفت وبلغتك. عموما متقلقيش."
شعرت بألمه وكانت متأكدة أنها السبب:
"أنا آسفة، على كل دقيقة اتعذبت فيها بسببي. عارفة إن أسفي مش هيصلح الغلط، بس أعمل إيه يا هادي؟ حتى العلاج النفسي فشلت فيه، أنا مفيش مني أمل."
أخذت تفرك في يديها لدرجة أنها شعرت ببرودتهما، وبدأت الأسئلة تتدفق منها:
"قولي اللي حصل أرجوك، طمنيني بالله عليك، بلاش تسيبني في الحيرة والقلق دول. انتي عملت في سفيان حاجة صح؟ أنا عارفة إني هضيعك."
لا يعلم لماذا أراد أن يكذب عليها، من المؤكد يريد أن يعرف ما هي ردة فعلها.
"اتخانقنا سوا يا ملك، مقدرتش أستحمل وهو بيقول عليكي ملاك. تعرفي إنك كنتي صح؟ أنا خنقته بإيدي، ومعرفش إن كان عايش ولا ميت."
جحظت بعينيها غير مصدقة لحديثه:
"طب ليه؟ انت طول عمرك هادي وعندك ثبات انفعالي، لا يمكن أصدق إنك تعمل كده. هادي انت بتكذب عليا صح؟ قول إنك بتكذب، لا يمكن تكون قاتل."
نهض بكل ثبات واريحية:
"ملك أنا مش عايز وجع دماغ، ميعاد نومي جه، ورايا جامعة بكرة. السواق بره هيروحك البيت. بيات هنا ما تحلميش. أو... اشتقتيلي يا قطة؟"
العجيب من ذلك أنه مال عليها وجلس بجانبها:
"ملك! انتي اشتقتيلي؟ أنا كمان نفسي فيكي أوي، بطريقة لا تتخيليها. إيه رأيك نقضي اليوم سوا بس بعدها كل واحد يروح لحاله؟ أصل أنا تعبت."
هزت رأسها بذهول:
"أيوه اشتقت ليك، بس مش بالشكل اللي في بالك دلوقتي. هادي انت بتعمل كده ليه؟ أنا همشي زي ما طلبت مني، مفيش داعي نقضي ليلة."
ابتسم هادي بخبث:
"انتي زعلانة مني؟ حقك عليا، معلش دماغي مش مظبطة من ساعة موضوع شريف. الأ... قوليلي انتي كنتي حبيتي الواد ده صح؟ باين عليكي."
لم تجبه، كانت متيبسة تستمع إليه وتتعجب أمره فقط.
"طب ممكن تجاوبي على سؤالي ده وبعدين تسكتي، لأني عاوز أقولك على حاجة كمان. أنا عارف إنك عمرك ما حسيتي بحبي ليا، ليه أعجبتي بشريف؟"
نظرت إليه تريد قول شيء واحد، أنه أبله.
"طب أنا ممكن أرد على كل أسئلتك دي بس تطلع تاخد شاور الأول وتغسل راسك من الخمرة اللي شربتها قبل ما أجي. سؤال بيلح عليا من امتى وانت بتشربها؟"
فرك رأسه من الصداع قائلاً:
"تفرق كتير معاكي ولا خايفة عليا ولا زعلانة إني شربتها؟ عموما شربتها من يوم ما بعتي للقذر الصور بتاعت أولادي، الحقير مش مصدق إنهم حقي."
عاهدت فيه الرومانسية ولكن الآن اقتنص منها قبلتها بشكل شهواني لدرجة أدمت شفتيها، ليهمس أمامهم بهمس أشبه بفحيح الأفعى:
"آسف إني كنت ديما بخاف عليكي، عمري ما هعملها تاني. تحبي تفضلي هناك في البيت التاني ولا تكملي وتستحملي قرفي هنا؟ لأن خلاص اتغيرت."
ملست على وجهه بحنان لدرجة استغرابه، فقد كان متوقعاً هروبها.
"لسه موجوع مني يا هادي؟ طب قولي أعمل إيه علشان أريح قلبك، انت عمرك ما تهون عليا. عارف انت بالنسبة ليا إيه؟ هوا بتنفسه، مكنتش قادرة في بعدك عني."
أزاح يدها عن وجهه وضمها إلى أحضانه قائلاً:
"أنا كمان مش قادر أبعد عن حضنك، بلاش تعذبي فيا وتغلطي أكتر من كده. عارفة إن بسببك كنت هبقى قاتل، ولو قتلته مسيري أقتلك."
هتفت في أحضانه:
"أنا عنيدة، ومش بسمع الكلام. ممكن تعتبريني بنتك اللي جاية في السكة وتربينا سوا؟ أكيد هسخر من نفسي لما أشوف بنتي أحسن مني، بس بلاش تحبها أكتر."
أصمتها بقبلته الرومانسية الهادئة:
"هششش، محدش يقدر ياخد مكانك في قلبي يا ملاكي، تعرفي ليه؟ لأنك فعلا بنتي من قبلها، عمري ما حسيت إنك مراتي وبس. شفتي أنا بتعذب إزاي؟"
هو دائرة الأمان لها، ولكن ما يحدث أنها تدخل نطاق دائرة غير آمنة.
انتهى اليوم بالنسبة لهما، واستيقظ مبكراً للذهاب إلى عمله بالمشفى. نسي مفاتيحه ليشّد على رأسه بغيظ، فهو بصعوبة جعلها تنام وتهدأ. اضطر لرن الجرس، فاستيقظت بفزع لتنهض وتسير على قدميها بصعوبة. فحالتها النفسية الهشة لم تؤثر على روحها فقط، بل جعلت جسدها قابلاً للسقوط.
وصلت يدها إلى مقبض الباب، فالمنزل ليس به خدام. فارتعش جسدها وهي تدير مقبض الباب لتفتحه، ليجده أمامها يتأسف ويعتذر أنه أيقظها وأقلق منامها.
"نسيت المفاتيح، حقك عليا يا ملك عملتلك إزعاج."
نظرت إليه نظرات مشوشة، وبدت الرؤية أمامها غير واضحة. لم ترد عليه لشعورها بثقل لسانها، وهو لم يدرِ بها، بل أحس أنها ما زالت حزينة منه. لا يعلم أنها تتحامل على نفسها فقط كي لا يشعر بما تمر به من انخفاض ضغط الدم، تلك الحالة التي لازمتها منذ منع عنها أي نوع من أنواع الكافيين. ولكن كل محاولتها لإخفاء ذلك باءت بالفشل حين سقطت أمامه أرضاً.
رفعها بسرعة وقام بقياس الضغط لها ليجده منخفضاً. هرع بها إلى المشفى ليقوموا بتعليق محاليل الملح وتظبيط الضغط لها.
أثناء تواجدها، جاءتها سيدة أجنبية ثرية، تعرفت عليها في غيابه، وهي السيدة زارا. تلك السيدة التي كانت تعمل لديها شيري واتفقت معها على دمار سفيان وأخذ أمواله. لما تعرفت على ملك؟ وماذا تريد منها؟ الخطأ أن ملك لم تخبره، وكيف تخبره ومتى، وهو ابتعد عنها.
"زارا أخبارك إيه؟ تعرفي إن وحشتيني، رغم إني لسه شايفاكي أول امبارح، بس حقك عليا كنت تعبانة ومزاجي وحش، بس خلاص هادي رجع."
ابتسمت زارا بضيق:
"أنا بخير عزيزتي، المهم أنتي كيف حالك؟ أتمنى أن تكوني بخير. حذاري من الحب يا ملك، إنه كالعلقم، إذا أراد تركك اتركيه ولكن مفلساً."
هزت ملك رأسها برفض:
"الحمد لله هادي مش زي أي راجل، هو بيحبني أوي، هو بس مش عايزاني أنبش في الماضي، حابب يحل المشاكل بنفسه وبيبعد عني كنوع من العقاب."
وضعت زارا يدها على رأس ملك بخفة:
"اتركيه يا ملك وتعالي لتعيشي معي، سوف أوفر لك كل أساليب الراحة. هادي ليس له أمان، أنا سألت عنه كبير الأطباء هنا، قال إنه تعرض لشخص بالضرب."
علمت ملك من هو الشخص:
"بتقولي إيه يا زارا، عارفة كان واحشني قد إيه وهو بعيد عني. أنتم الأجانب مش هتحسوا بينا كمصريين، عارفة حبي واحد مصري وشوفي."
شعرت زارا أن الأرض تدور بها:
"ماذا ملك، ما الذي حدث لك؟ منذ ثلاثة أيام كنتي تلعنين هادي وتقولين في أقرب فرصة ستنفصلين عنه وتعملين وتجدين فرصة لحياتك."
ردت عليها ملك بتعب:
"هادي رجل أصيل تحمل مني الكثير ولن أتركه أبداً، كانت مجرد زوبعة فنجان سقطت من بين طيات لساني في لحظة غضب. زارا لا تذكريني، ولكن عندما ذهبت إليه انتهى كل شيء."
نظرت إليها زارا بصدمة:
"ذهبتي إليه؟ أين كرامتك وهو من قام بتركك؟ لم أعلم أنك من النوع المتساهل، لما تفرطين في حقك؟ أكل هذا من أجل النوم معه؟ تضاحك عليكي؟"
أومأت ملك برأسها لتصرخ زارا:
"يا ملك لما لم تهاتفيني بالأول وتستشيريني في هذا الأمر، فأنا صاحبة خبرة، من قال لك أني لم أعاشر المصري؟ عاشرت وقد يكون هادي ممن عاشرتهم."
اعتلت الصدمة وجه ملك لتهتف زارا بخبث:
"انهضي لتهربي معي من هذه المشفى وسوف آتي بالطبيب إليكي في منزلي، ولن يعلم مكانك بعد الآن، أنت تستحقين حياة أفضل من ذلك."
توجهت زارا إلى باب الغرفة وتوقعت أن ملك خلفها، ولكنها لم تشعر بها فالتفتت قائلة:
"ملك هل صار معك شيء؟ لم تعودي قادرة على أن تنهضي؟ هل تودين أن أحملك على الكرسي المتحرك؟ ولكن أين هو؟ الوغد لم يضعه بغرفتك."
هزت ملك رأسها بكبرياء:
"أهو هنا بس في الحمام لما بعوز أدخل الحمام هادي بيشيلني على كتفه ومش بيسمح لممرضة إنها تلمس جسمي ولا تمسحه، تفتكري كده يبقى وغد؟"
سخرت زارا منها:
"ما هذا الهراء الذي تتفوهين به عزيزتي، هذا لم يكفي. ذات مرة بوحت لي أنه قام بصفعك، فضلاً عما سمعته عنه في هذه المشفى، أرجوكي."
أجابتها ملك باستعلاء:
"طب لو عايزاني أعيش معاكي بلغي هادي، امبارح قالي إنه مستغني عني ومستعد يفرط فيا، مع إني متأكدة إنه بيموت فيا. بلاش كده يا زارا."
لا تعلم ملك لماذا شعرت بالقلق تجاه زارا. ضغطت على زر بجوار فراشها وزرا شاردة ليأتيها هادي فوراً.
"أيوه يا ملك، خير فيكي حاجة؟ مش تقولي إن في عندك ضيوف. أهلاً وسهلاً بك، أنا هادي الوزير زوج ملك. هل من الممكن التعرف عليكي؟"
ابتسمت زارا بخبث:
"لا أنا لست ضيفة ملك بل أنا صديقتها منذ أن وطأت قدماها إسبانيا، كانت تعالجني من مرضي، أنا السيدة زارا، ملك تحبني كثيراً وأنا أيضاً. فهي تذكرني بمساعدتي شيري زوجة خنيدرس حالياً."
ترك هادي المستند الذي يخص حالة ملك وأخذ يتفحص زارا:
"بتقولي مين؟ واحدة زيك وفي مركزك ووضعك جاية لملك المشفى؟ طب إزاي؟ وبتقولي إنها زي مساعدتك ولما بتطلبيها بتجيلك حالا، ده أنتي في ألمانيا إيه اللي جابك إسبانيا للدرجة دي إحنا مهمين؟؟؟ تمام وصلت وشكراً إنك عرفتيني بنفسك. يا ريت تقطعي علاقتك بملك فوراً."
ابتسمت بسخرية ونظراتها تحمل الوعيد، لينظر هو إلى ملك الخائفة بسبب حديث زارا الكاذب:
"هي في أوضتك هنا من امتى؟ وإزاي يا ملك بتشرفي على علاج واحدة زي دي من غير ما أعرف؟ للدرجة دي مفكراني مقطف؟ انتي هتجننيني؟"
ارتجفت ملك وعينيها بدأت أن تغرب قليلاً.
"ملك! إيه اللي حصل؟ انتي كويسة؟ فوقي يا ملك صدقيني اللي بتعمليه ده مش هصدقه، انتي عارفه دي مين؟ دي اللي كانت بتنام مع سفيان."
حاولت أن تطمئنه:
"اهدي يا هادي أنا كويسة ومش بمثل عليكي، دي كدابة أنا عمري ما رحت ليها البيت ولا ساعدتها، أنا اتعرفت عليها وانت مسافر. قالولي حالة طالباكي بالاسم."
ابتلع هادي ريقه ونظر نحو زارا متسائلاً:
"إيه اللي جابك هنا؟ مراتي خط أحمر، مش هسمح لا ليكي ولا له تقربوا سم واحد، لو عايزة حقك فإنتي أخدتيه منه تالت و متلت أنا مش ملزوم بالباقي."
ابتسمت زارا بخبث:
"لا تؤاخذني عزيزي هادي، أنا وأنت خرجنا من عنق الزجاجة، وكان علينا أن نكمل سوياً، ولكنك أخنقتني بردك ورفضك لي، رغم أنني أمتلك مقومات."
نظر إليها بتعجب وهو يرفع حاجبيه:
"نعم! نكمل سوا؟ طبعاً لازم أرفضك، وبعدين معنديش أدنى علم إنك طلبتي مني ده، هو إنتي أصلاً شوفتيني؟ التواصل كان عن طريق شيري."
ثم استطرد وهو ينظر إلى ملك:
"إنت إزاي تأمني تصاحبي واحدة متعرفيش عنها حاجة؟ لا وكمان كنتي بتزوريها من ورايا وبتعالجيها من إيه إن شاء الله من فراق الأحبه؟ انتي نفسك تجنيني صح؟"
هزت ملك رأسها بنفي، فهي لم تذهب إليها.
"أنا مظلومة والله، أنا لسه عارفاها من تاني يوم غيابك، إدارة المشفى اتصلت بيا وقالولي طالباكي بالاسم شرطت إنها تجيلي البيت وكله قدام ماما غالية."
دلف في هذه اللحظة الطبيب المشرف على حالة ملك ليرحب بالسيدة زارا:
"يبدو أن يدك أصبحت بخير سيدتي زارا، نشكر الله ثم الدكتور ملك. إذن بالها من خسارة كبيرة لي فقد انتهت رحلة علاجك وستعودين إلى ألمانيا. سنشتاق لسيدة جميلة ورائعة مثلك... إنتي كيف حالك الآن يا ملك، أتمنى أن تكوني أنتِ وأطفالك بخير، وشكراً على قبول طلب معالجة السيدة زارا. فهي شخص عزيز عليّ ووالدها أيضاً من الأصدقاء المقربين."
اصطحب الطبيب السيدة زارا إلى مكتبه، وكأنه كان يغير عليها من هادي الذي كان ينظر لها نظرات يريد الفتك بها، ولكن الطبيب فهمها بالخطأ. بينما نهضت ملك:
"هادي أنا مظلومة المرة دي وهي لعبت بيا، بس انت ديما مش عايز تشوفني على حق، عارف ليه؟ لأنك مريض بداء الشك، مع إنك مذنب قدامي."
صفعها على وجهها وكسى الغضب وجهه:
"إنتي ما صدقتي وكمان بتصرخي! أنا ساكت ليكي من زمان ومتحمل أخطائك وانتِ بتتمادي، الطبيعي إنه يتشك فيكي بعد رسايلك لسفيان. لا وهي جت مخصوص من ألمانيا بحجة العلاج وكله بعد موضوع الصور."
العشق معضلة، ومأساة كبيرة، وفن إن كان في الوقت المناسب والمكان المناسب، وهو أيضاً معاملة وينبغي أن تكون جيدة، فهو اختيار أنت مجبر عليه في حياتك ولا تستطيع إنكار ذلك. إذن العشق مشكلة حياة من الممكن اعتراضك عليها، ولكن معنى اعتراضك هو أنك لم يعجبك العشق يوماً ما. القرار بيدك، أما أن تمتنع عن العشق، أو تستسلم لدروبه وتقبل به كما هو. حقاً إنها معادلة صعبة، لأن العشق لا يوجد به ضمانات كافية ولا ميثاقات ولا عهود، فقط هو عدة محاولات قد تكون ناجحة أو فاشلة. لا بأس يا عزيزي، فهذا هو العشق، مفهوم بسيط لما أراد عبور سقينته.
قررت ملك أن تسرد له الأمر برمته، فهي تعرفت على زارا في حادث اصطدام ولكن بدون أن تتحدث معها.
كعادتها كل يوم ذهبت لعملها في موعدها بالضبط، فملك منضبطة في مواعيدها وكل ما يخص عملها كما علمها هادي. ولكنها كانت لا تستطيع التركيز منذ الصباح، فهي لا تنام جيداً هذه الأيام، وخاصة ليلة أمس. فبعد العشاء الرومانسي مع هادي قضيا معاً ليلة حافلة على أنغام الموسيقى والشموع حتى ساعات الصباح احتفالاً بحملها.
كانت تتحدث عن هذا اليوم أنه بداية معرفتها بزارا، وهي تتعالى شهقاتها ليقاطعها بحدة:
"متكمليش، انتي إيه يا شيخة؟ من شوية كنتي بتكذبي وتقولي إنك أول مرة تشوفيها من لحظة ما اختفيت، دلوقتي هتحكيلي حكاية وتفكريني بيوم حلو علشان أسامحك؟ أنا هسيبك هنا ومش هسأل عنك تاني وحذاري تغلطي. الغلطة المرة الجاية هسيبك وهاخد الأولاد وهاهاجر ألمانيا أتزوجها."
أخبرت والدته بما حدث، اندهشت كثيراً، فهي جلست معها في المرات التي جاءت زارا للمنزل وأكدت له أن أول تعارف بينهم عندما جاءت.
ذهبت غالية لتزور ملك ولاحظت شحوبها:
"ملك انتي كويسة يا بنتي؟ قومي يا حبيبتي خدي دواكي وافطري وصلي، وادعي إن ما يحصلش معاكي حاجة جديدة تعكنن عليكي تاني."
نظرت إليها ملك بحزن:
"دماغي يا ماما غالية من امبارح مش بنام، نفسي أشرب قهوة بس عارفة إنه ممنوع. مش راضي يصدقني ولا يسمعني، مش قدامك كان طلب الدكتور؟"
ربتت غالية على رأس ملك:
"هطلب ليكي قهوة باللبن بس لازم تفطري الأول، انتي بتاكلي لتلاته، وملكيش دعوة بموضوع زارا ده أنا هتصرف. كان لازم تقولي إنك شفتيها قبل كده؟"
قبلت جبينها قائلة:
"أكيد دي اللي كنتي هتخبطيها بعربيتك يومها، معلش هو هيسمعك وهيصدقك، بس هو مش متقبل إنك تعرفي زارا، عارفة دي مين؟ دي كانت عشيقة سفيان هنا."
أغمضت ملك عينيها:
"المشكلة إني أنا دايماً اللي بطلع غلطانة، حرفياً مش عارفة المصايب ملاحقاني كده ليه، تفتكري إن ده ذنب الانتقام وطلع عليا؟ بس ده حقي يا أمي."
هزت غالية رأسها بيأس:
"الحق لما بيجي ميعاده بيتاخد، إن شاء الله هادي ربنا هيهديه وهيفهم كويس ويا ستي صالحيه ما هو يا ما سايس ودادي وحايل فيكي، أنا بتكلم بصفتي أمك."
شردت ملك في الفراغ قائلة:
"طب تفتكري اللي اسمها زارا دي عايزة منه أو مني إيه؟ أنا هتجنن، دي معندهاش دم كانت عايزاه بدل سفيان، تفتكري هو ممكن يرضي؟"
ضحكت غالية قائلة:
"وأفتكر ليه وانتِ تفكري ليه، بقولك إيه بلاش وجع دماغ، العيال اللي في بطنك دول ذنبهم إيه؟ فكري معايا نجيبه هنا إزاي، وقومي اغسلي وشك."
باتت ليلتها بالمشفى ومن شدة الألم الذي اجتاحها هذه الليلة شعرت أنها ستموت، واكتمل يقينها عندما فتحت عينيها على ضوء الشمس لتشعر أنه ليس ساطعاً كعادته بل باهتاً وكأنه اجتاح غرفة المشفى الموجودة بها، ليتاكد يقينها أن أيامها اقتربت. ولكنها قررت أن تحصل على تأكيد من هادي بمسامحتها ووعد بقول كل شيء حسن عنها لأولادها.
حركت عنقها بتروٍ، ولكن الألم في جنباتها يصارعها، لتجد نفسها تنحدر نحو غيبوبة وكأنها الأخيرة التي لم تستفق منها. خارت قواها، لم يتبق من قوتها سوى لسانها الثقيل وهي تنادي والد زوجها:
"ماما غاليه، ماما غاليه."
رواية غرام و انتقام الفصل العشرون 20 - بقلم مروة البطراوي
على الجانب الآخر في السجن كان سفيان جالسا يحدث نفسه.
- طب أعمل إيه فيها أكتر من اللي عملته؟ خططت لخطف أولادي و مفلحتش. أعمل إيه تاني؟ و غلاوتك عندي يا هادي لأخليك تترحم عليها.
قطع شروده دخول المأمور يخبره بأن لديه زيارة. عقد ما بين حاجبيه و يتساءل من هو الزائر، ليخرج مع المأمور و يجد شدوة. قطب جبينه عندما استمع لها.
- دكتور سفيان، الورق ده أنا عايزة تمنه، يا إما هنضاعف مدة السجن، و ممكن نتفق، و أحرق الورق و يا دار ما دخلك شر. الورق المزور بتاع شريف.
أوقفها بإشارة منه قائلاً:
- تعالي نتفق. هعطيكي نص اللي يحتكم عليه هادي، بس في حالة واحدة، لو جبتيلي الورق المزور بتاع ملاك. أنا مش غبي و مش هتوه عن ملاك.
توجهت شدوة ناحية باب الخروج، ليجذبها و يوقفها.
- إنتي غبية كده ليه؟ مش دي ملاك اللي سبتي الشغل بسببها؟ دي مياه من تحت تبن. فضلت ورايا لغاية ما إنتي مشيتي، و غلطت معايا بارادتها.
لم تصدق شدوة نفسها، فلأول مرة يقع سفيان بهذا الشكل، لتهتف بمكر:
- أنا طول عمري ذكية يا دكتور، و هاخد حقي من ملاك تالت و مثلث. بس برضه شريف كان غالي عليا، و أنا اللي عاوزاه فلوس بدل ما تطول هنا.
اقترب سفيان من أذنها:
- واضح، و الدليل مجيتك هنا. أوعي تفكري إنه داخل عليا عقدة الذنب بتاعت شريف. لا، أنا الوحيد اللي عارف شدوة بتفكر إزاي. أنا إزاي كنت معمي على قلبي؟
ابتعدت عنه و توجهت نحو باب الخروج.
- فكر على بال ما أجيلك الزيارة الجاية يا سوفي.
خرجت لتضع يدها على رأسها بانتعاش و انتصار.
- يا خرابي، معقولة وقعته؟ يالا خلي الغلابة اللي كسرت نفسهم يفرحوا. و بعدين أنا استحالة أنسى ذنب شريف. يارب تتجنن و إنت لسه مفكر إنها ملاك.
عند نهال و خالد، باغتهم والدها بالزيارة. لتشهق قائلة:
- بابا.
وقف خالد حائل بينه و بينها، لدرجة أن والدها أصيب بالدهشة من مدافعته عنها رغم وعيده.
- إنت جاي هنا تعمل إيه؟
- الراجل بيرجع للست اللي صانت شرفه علشانه. إنما الهانم كانت قبل ما تسيبك كانت بتسهر بره لوش الصبح. تعتبر مكنتش بتنام و لا بتاكل في بيتك. اسمع يا خالد، نهال هترجع معايا لغاية ما تتعلم الأدب. أنا مش هقدر أشوفها بقذارتها من غير ما أنضفها، حتى لو قتلتها بإيدي.
كان ينظر إليها و شياطينه تلاحقه. بينما نظر لها خالد و هو يهز رأسه بغيظ يرفض عودتها معه.
- إنت بتصدر فرمان ملوش أي لازمة. طبعًا عارف إني مش هوافق. إنت أساسًا السبب في اللي وصلت ليه.
أطرقت نهال رأسها، لا تنكر أنها أخطأت. و مع ذلك، خالد هو الذي دافع عنها. لما جاء والدها يحاسبها الآن؟ بعد أن ارتاحت؟ هي عادت إلى البلاد منذ فترة طويلة، حتى بعد طلاقها من سفيان و تهجمه الأخير عليها في المنزل الذي اشترته بمالها الخاص. و مع ذلك، لم يتركه و لم يتنازل عنه بعد الطلاق. هل يظن والدها أن تعود معه بعد أن زوجها من خالد من أجل حفنة أموال و منزل؟ يكفيها تجاهله إحساسها المرير بالإهانة. حمدت ربها أن خالد تغير، و هذا لم يكن متوقعًا أبدًا.
جاءتها والدة زوجها في عجلة، لتنظر لها ملك بوجه شاحب.
- يا ترى هموت قبل ما أولدهم؟ طب ينفع يولودوني و أنا ميتة؟ ماما غالية، أرجوكي ساعديني. عرفيه إن في حالة وحشة، خليه يسامحني.
هدأت والدة زوجها من روعها و ذهبت لتهاتفه. و لم يتردد لحظة في المجيء. لتنظر له بعينين باهتتين.
- إنت جيت يا هادي؟ إنتي وحشتيني أوي. مش عايزة أقعد في المستشفى، ممكن ترجعني البيت؟ أنا زهقت، و متسبنيش لوحدي تاني. هتسامحني؟
تنهد هادي بتعب قائلاً:
- الحمد لله إنتي صحتك بقت كويسة. مش محتاجة رقدتك في المستشفى. ليه قلقتي و خضيتي ماما غالية عليكي؟ الأغماء اللي بتحصلك دي طبيعي.
عضت على شفتيها بندم.
- أنا آسفة. عارفة إنك مش عايزة تفتح الموضوع، بس هو سؤال: مسامحني و لا لأ؟ مهم جدًا الإجابة. أنا مش عارفة أوصفلك اللي حاسة بيه.
استطردت و هي تنهض لتتعلق برقبته و تحتضنه بشدة، و كأنها تضمه ضمة غير طبيعية كضمة الأم التي لا تستطيع الابتعاد عن وليدها.
- أرجوك، ما تبعدش عني تاني. إيه رأيك تاخد أجازة لحد ما أولد؟ نفسي أقضي معاك الأيام الجاية لوحدنا، مش حابة حاجة تعكر علينا حياتنا.
توقعت ابتعاده، ولكنه شدد هو الآخر من احتضانها و حملها و أخذ يدور بها، غير عابئ أنه في المشفى.
- عاوزة تنفردي بيا يا ملوكة؟ طب ما أنا متاح من زمان يا بنتي. كتير قلتي بلاش تبعد عني، ليه مصرة تجنني اللي جابوني؟ أنا سلوكي ملموس لوحدها.
أنزلها هادي، لتخفض رأسها في صدره.
- آه، عايزاك ليا لوحدي. أنا اللي مكنتش متاحة لأي شعور. تفتكر كنت ببعد عنك بمزاجي؟ عقلي كان مصر يبعدني و هو اللي دفعني للجنون.
ابتسم بخبث.
- أنا موافق أسامحك بس بشرط واحد. تعالي ننزل مصر بعد الولادة. ليه نفضل زي اللي هربانين و إحنا مغلطناش في حد؟ إحنا نعيش و نرفع راسنا.
تعالت ضحكاتها.
- إنت بتقول إيه؟ هو أنا اللي قلت ليك نيجي هنا يا ابني؟ تصدقي بالله أنا ما صعبانة عليا غير ماما غالية. السفر أرهقها، كفاية مشاكلنا. معنديش مانع في الرجوع.
رفع رأسها لينظر إلى عينيها، و من ثم مال على شفتيها يلتهمها.
- و أنا معدش هيفرق بالنسبة ليا حد في علاقتنا. من امتى و أنا أقدر أبعد عنك يا ملوكة؟ إنتي عشق بيجري في شرياني، مش بيخرج إلا إذا اتقطع.
سكتت ملك بقبلته المباحة، و التي سطر بها آخر كلمات العشق.
حدث ما لا يحمد عقباه. في اليوم الذي خرجت منه من المستشفى، تم اختطافها و احتجازها الشهر الأخير بالحمل. لم يحدث أي مكروه فيها سوى أنها محتجزة، و في آخر يوم للحمل، اليوم الذي شعرت فيه بآلام المخاض. رغم أن الذي خطفها كان مشرفًا على علاجها، ألا و هو شريف، بعد هروبه. ينتظر لحظة الولادة، و هو الذي كان سيقوم بذلك حتى يحصل على أبنائها انتقامًا منها و من هادي على السوء الذي حل به. خطت خطوات بطيئة، و أخيرًا بقيت لوحدها. في لحظة جلبه للطعام و الأدوية، بعثرت هي، لتجد هاتفًا محمولًا قديم الطراز، و سرعان ما وضعته تحت وسادتها. و هنا حانت اللحظة الأخيرة التي لا بد لها من النصر. بثت القوة في نفسها كي تتصل بزوجها، و تطلب الرقم الذي حفظته عن قلب. ابتلعت ريقها عدة مرات قبل أن تقوى على الحديث، فالآلام تتعبها. على الجانب الآخر كان صوته مخالطًا بنحيب خافت، لتتذكر توسلاته ذي قبل التي كانت تضرب بها عرض الحائط، و كانت تتعامل معها و كأنها لا تهمها، لتتأكد من قوة الماضي الذي شكل مسار الأحداث. لم تطلب شيئًا سوى الانتقام العادل. الآن تؤمر أن تضع أولادها و تتركهم.
- أنا ملك يا هادي، حاول توصلني بسرعة. أنا واثقة من ربنا إنك هتوصل قبل ما أولد، و تاخد الأمانة مني، أولادك، و أنا ربنا هياخد أمانته.
دلف في هذه اللحظة شريف.
- سلام، أنا لقيت التليفون ده بلعب فيه. ضرب على حد ما أعرفوش. أبوس إيدك أنا تعبانة، سيبني أروح لجوزي، أنا مش هقدر أولد و تاخدهم.
قام بصفعها.
- أنا هاخد روحك معاهم يا دكتورة ملك، ما هو أنا ما يخلصنيش أسيبك متعذبة بنارهم. و بالنسبة للفون حلو ده قديم، محدش هيقدر يوصلنا.
ابتلعت ريقها قائلة بخوف:
- إنت هتستفاد إيه من ده كله؟ عايز إيه مني؟ إنت مش هتعرف تهرب بالعيال. إحنا في إسبانيا مش في مصر يا شريف، و لو وصلوا ليكي هيقتلوك.
اقتلعها من مكانها و سحبها خلفه.
- مش إنتي اللي هتقرري قتلي يا دكتورة ملك، و كلامك صح، ممكن يوصلوا ليكي، يبقى الحل نطلع الجبل، و يبقى يوروني بقي هيوصلوا إزاي.
أخرجها من المنزل و كان خلفها يغلق الباب، إلى أن قامت بحمل صندوق القمامة بصعوبة و حطمت به رأسه، ليسقط على الأرض.
خرجت ببطء على الشارع الرئيسي، لتلوح بسيارة أمامها، لتقف السيارة تتعجب من هيئتها.
- أريد أن تلحقوني إلى أقرب مشفى. أنا مختطفة، شخص ما حاول أذيتي، و أنا على وشك الولادة. من فضلكم ساعدوني، و هاتِفوا زوجي بسرعة.
حملها صاحب السيارة ليضعها بالخلف، بينما زوجته أخذت رقم هاتف هادي لتخبره بما حدث. وصلا إلى المشفى، ليهاتف صاحب السيارة هادي.
- السيدة التي كانت معنا الآن لا بد أن تدلف في حجرة الولادة. أنا أبلغت الشرطة أنها كانت مختطفة. من فضلك أرجو مجيئك على وجه السرعة.
وصل هادي إلى المشفى ليقابل الرجل.
- ملك زوجتي هنا؟ شكرًا لك، شكرًا لكي سيدتي. من فضلكم دونوا العنوان الذي وجدتم ملك عنده، حتى يتم القبض على من قام باختطافها.
قابل الطبيب، و لحسن الحظ أنه يعرفه.
- دكتور هادي، هل لك أن تهدأ؟ ملك بحالة جيدة، هي فقط ساعات انتظار قليلة و نقوم بتوليدها. و بالنسبة لحالة الكلى على ما يرام. أرجو أن تطمئنها.
عقد هادي ما بين حاجبيه.
- ماذا قلت؟ الكلى بحالة جيدة؟ كيف هذا و هي لمدة شهر مختطفة و لم يكن معها دواؤها؟ أيعقل أن المختطف كان يعلم حالتها الصحية؟ أيعقل أنه...
هز الطبيب رأسه.
- أنا فحصتها جيدًا، لم يكن عليها آثار أي محاولة اختطاف، أو جهد. و آلام الولادة طبيعية تمامًا و في موعدها، و لم يحدث لها مكروه و لا لأطفالها.
نظر إليه هادي بعدم تصديق.
- ولادة طبيعية و لملك؟ هذا الشيء لم أكن أتوقعه يومًا و هي نائمة في أحضاني. إذن هو شريف. أقسم بالله أني سأوريه أمر العذاب على ترهيبها.
ابتسم الطبيب.
- نعم، هذا الذي أريده منك. أنا أنزع هذه الرهبة. منذ لحظة دخولها المشفى و هي خائفة. أرجو العمل على ذلك، حتى تدخل غرفة العمليات بحالة جيدة.
دلف مسرعًا إليها، لتصرخ فجأة و ترمي في أحضانه تنتحب، و يرتعش كل جسدها. أخذت تلعن نفسها و تتهم نفسها أنها هي من أوصلتهم إلى هذه الحالة. و هو يقنعها أن هذا قضاء محتوم عليهم، و أن أفعالهم مجرد أسباب ليس إلا، حتى وصلت بأن تدعي على نفسها بالموت. هنا لم يتحمل ما قالته. و إن كانت بحالة جيدة لقام بصفعها على فمها من سوء ما تفوهت به.
هتف في حنق و عنفها في استجوابه لها دون رحمة:
- إنتي مصرة ليه تعذبينا؟ و تفتحي الموضوع تاني النهارده؟
لولا أن شق عليها ألم المخاض، لكانت الآن تصرخ و تبكي و تعترف له أنها تأكل في نفسها من الذنب الذي اقترفته. شعرت أنه ينهش في جسدها بلا رحمة. الآن أصبحت تدفع ثمن خطئها أضعافًا مضاعفة. كانت تجلد نفسها و تلومها طيلة الشهور الماضية حتى أمامه. و ها هي الآن تعترف بذنبها و تعترف أنها مخطئة.
- علشان الحب اللي إنت حبيته ليا، و أنا في المقابل أذيتك. و إنت كل مرة بتبرر غلطي. بس الظاهر إن ظهوري في حياتك هو الأذى بعينه. سامحني، يمكن أدخل أولد ما أخرجش. بس مطمنة إنك هتعرف أولادي إني أحسن ست في الدنيا دي رغم معاناتك معايا.
و هنا غابت عن الوعي، و لم تستيقظ إلا بعد ولادتها.
جلس بجانبها يملس على شعرها لحظة استفاقتها.
- حمد الله على سلامتك يا ملوكة. مش هتقدري تسيبيني لوحدي في الدنيا دي. إنما إيه الكلام الجميل اللي قلتيه قبل ما تروحي في البنج ده؟
رفعت يدها لتجذب يده و تقبلها بلهفة قائلة بصوت خافت:
- هادي، شكراً على إنك جمبي ديما، شكراً على تهدئتك ليا في لحظات خوفي. أنا مكنتش حاسة إني هقوم منها. العجيبة إن كنت بصرخ و فجأة ما حستش بنفسي.
ضمها لصدره يبث فيها الأمان.
- اهدي كده يا ملوكة، و احكيلي إيه اللي حصلك. من آخر مرة كنا مع بعض في المستشفى، و كنا متفقين إني هاخد أجازة شهر و نقعد سوا.
ردت عليه بندم.
- شريف كان عاوز يخطف أولادنا. حاولت أهرب منه كتير بس فشلت كل مرة، لغاية ما لقيت الفون اللي كلمتك منه. دخل عليا و أنا بكلمك.
جز هادي على أسنانه.
- كلب. و كان فين لما هربتي منه؟ الاتنين اللي جابوكي هنا بيقولوا إنك كنتي على الطريق لوحدك. الحقير كان هيولدك إزاي من غير ما يجهز نفسه؟
ابتسمت ملك بسخرية.
- ما هو كان بيتعامل معايا على إني مريضته، و كان عارف مواعيد الأدوية و الأكل، حتى المياه يا هادي كان بيدخلها ليا في ميعادها. الحمد لله خبطت راسه بالباسكت. تفتكر يكون مات؟
نظر أمامه بتمتمة قائلاً:
- لازم ياخد جزائه حتى لو وصل للإعدام. أنا ما يهمنيش. في لحظة دمر حياتي و بعدك عني إنتي و الأولاد. أنا كنت مكتئب. فكرت إن اللي خطفك هربك.
ربتت ملك على يديه.
- متخافش عليا، عمر الشقي بقى. ده أنا كنت حاسة إني بموت، و الحمد لله ربنا ستر، نجاني أنا و الأولاد. ربنا كان حاططني في اختبار نتيجة عمايلي.
ابتسم بخبث قائلاً:
- امممم، يعني مش مظلومة. أخيراً ندمتي و عرفتي إن نصايحي زمان كانت صح؟ و إن انتقامك و طريقتك غلط، و مكنش في داعي لحركات العيال.
ابتسمت بسعادة و فجأة نظرت حولها.
- شفت الأولاد؟ أنا عايزاهم جمبي، مش بحب شغل الأجانب، هما في أوضة و أنا في أوضة. تعرف لما كنت بشتغل كنت بسرب العيال لأمهاتهم؟
تعالت ضحكات هادي.
- لا تتصوري إنت أنا لسه ما شوفتش أولادي؟ و رغم إنه ممنوع يجوا هنا إلا إني طلبت استثناء إنهم يكونوا معاكي. ما تقلقيش. إيه رأيك في هادي؟
تباً للغريب في بلد ليست بلده، و تباً للغرباء من حوله و هو يتعامل معهم. و تباً للوحيد الذي ليس له صاحب و لا أهل. فهم غرباء بلا وطن. بينما غيرهم يشعر بالغربة في وطنه. بل و بعضهم يشعر بالغربة داخل جسده. أخذت شقيقته تبحث عن الوهم، و لكنها لم تنجو من الحب المزيف. الموت كان رحمة لها. و هنا كان رحيل آخر أمام عينيها بعد رحيل والديها، و عليها أن تتعايش معه، و تبدأ من المنتصف. فتاة جميلة ذات عيون رمادية تشبه عيون شقيقتها، و تشبهها و كأنها شقيقتها هبطت من السماء إلى الأرض. هبت بعينيها أمامهم كالريح، و دائما تتلاشى في لونها بوضع العدسات الزرقاء في عينيها. أما عن توأمها، فكان مثل الرجال كريم في كل أفعاله. من حين لآخر يهمس لشقيقته و يوعيها في أحاديث جانبية بينهم. يتنقل هادي ببصره بينهما ليجدها وحيدة و شاردة دائماً و بعيدة عن شقيقها. ثم ينظر نحو أمه، و يتذكر شعوره باليتم في وجود والده على قيد الحياة. يشعر بالفخر، لأنه لم تشعره يوماً ما بأنه مفتقد لشيء. عرف الحب على يديها مبكراً، و صار من العاشقين. و امرأته أصبحت قريبة منه مثل نبضه.
بعد مرور ثلاثة عشر عاماً.
كان دايماً ياسين يشعر بالغيرة نحو نورسين شقيقته، نظراً لاهتمام ملك المبالغ فيه.
- مامي، شفتي نورسين اتصرفت زي الأطفال النهارده إزاي؟ الهانم حلت الأسئلة كلها و المستر لسه بيقولها، بعد كده تروح مجموعة لوحدها.
تعالت ضحكات ملك قائلة:
- يا حبيبي دي نورسين بتبين للمستر إنها محضرة الدرس. إنما إنت كبرت دماغك و مرضتش تقعد معايا تحضره. و بعدين مش لوحدها اللي عملت كده.
استطردت و هي تأخذ ياسين بين ذراعيها.
- خليك جمبها ديما و شجعها و اعمل زيها، إنت مش ناقصك حاجة يا ياسين. و بعدين بابي مش عنده شركات عشان أقولك اتعلم أي حاجة و اشتغل في شركته.
توجهت به نحو المطبخ، بينما قامت نورسين بحمل حقيبتها لتصعد إلى غرفتها و تنام، فالإجهاد و المذاكرة جلب لها النوم رغماً عنها، لدرجة سقوطها على الفراش بملابسها.
أما عنه، فذهب إلى غرفته و لم يجد دفتره الخاص. علم هنا أن والدته أخذته بعد ما قرأت ما به عن معاركته لنورسين. ابتسم بخبث و صار إلى غرفة مكتبها لكي يعيده إليه مرة ثانية.
القدر لا يأخذ منا الأذن، بل يصيبك في مقتلك. كان يبحث بروية في الأدراج عن دفتره و لم يجده. ولكن وقعت عيناه على ورقة تحليل طبي يعود زمانها إلى سبعة عشر عاماً مضت، و معها صورة عتيقة تشبه والدته و نورسين. التقطها و التقط بعض الأوراق الصفراء التي كانت أسفلها ملفوفة بشريط رفيع من الستان الأسود. قرأ ليستشف من خلاله الألم و لمن تعود. و سرعان ما تهيأت الصدمة على وجهه، و غادر الغرفة و الأوراق مطوية في يمينه و غضب يحاول كبته. يحاول أن ينادي على والدته، و لكنه يريد الصمت، إلى أن تعالي صوته طفيفاً.
- ماما.
توجهت ملك على الفور إلى ياسين لتجد ما بيده. لتتقدم منه ببطء تحمل ما بيده و هي خائفة، تردف إليه:
- إيه اللي حصل يا ياسين؟ على فكرة اللي إنت عملته ده غلط، مش من حقك تفتح درج من أدراجي من غير استئذان. هو أنا ربيتك على كده؟
أدمعت عيني ياسين قائلاً بخوف:
- وقعت عيني عليهم غصبن عني يا ماما. لما ملقيتش الأجندة بتاعتي تأكدت إنها عندك. مين دي يا ماما و ليه إحنا منعرفش؟ دي ماما نورسين؟ علشان كده تحبيها أكتر مني. أنا حاسس إن نورسين أكبر مني، حتى عقلها و مستواها أكبر بكتير. ماما أصحابنا بيتريقوا عليا و بيقولوا دي شكلها أكبر منك بكتير.
أخذته ملك في أحضانها قائلة:
- أنا أمكم إنتوا الاتنين. أنا ديما بتعصب عليك عشان إنت راجل، لكن هي بنت و بنتي أنا تؤامك. أما اللي إنت شفته دي صور أختي التؤام خالتك.
أجهش ياسين في البكاء.
- يبقى هي بنتها علشان كده بتحبيها أكتر مني. أنا مش زعلان، بس ليه خبيتي عننا الحقيقة؟ ليه مقولتيش إن لينا خالة؟ علشان خايفة لا أعرف؟
اندهشت ملك من حديثه قائلة:
- لا يا ياسين، إنتوا الاتنين أولادي التؤام، و أوعي نورسين تعرف باللي هقوله ليك دلوقتي. أنا كان ليا أخت تؤام ماتت و هي حامل. أما عن السبب إني مخبية فما ينفعش أقولك دلوقتي.