فتح صقر موبايله ووضعه أمام أدهم على المكتب وهو ينظر لأخيه ليرى رد فعله. وسمع أدهم صوت بيري، صديقة نها، فهو يعلم صوتها جيدًا بحكم الشغل وأنها صديقة نها أيضًا. سمعها وهي تتحدث مع نها، تخبرها أنها ذهبت إلى بلدهم وأنها هي من أخبرت خطيبته فاطمة بأنهم مرتبطان وأنه يحبها جدًا. قصدت ذلك لتجعلها تبعد عن طريقهم.
غمض عينيه بعنف حين سمع صوت نها وهي تعترف أنها لعبت عليه، وعرفت كيف تدخل له، وما مواصفات البنت التي يريدها من مصر، وكيف أنه كان سهلاً بالنسبة لها، وكل ما دار بعقله: هل هو ساذج لهذه الدرجة لدرجة أن تخدعه بنت بهذه الأخلاق؟ ولا يعلم لماذا فاطمة جاءت في خاطره الآن. هل ظلمها؟ هل هي تستحق ما فعله معها؟ آه، نادم، نادم على كل ما فعله. لو يعود الزمن، لم يكن ليجرحها هكذا أو يتركها لغيره. مع أنها الآن أصبحت لغيره.
فتح عينيه بخذلان من نفسه، ونظر لصقر وتحدث بهدوء: "المكالمة دي وصلتك إزاي يا صقر؟ "برجاء اهدى يا أدهم وفكر زين قبل ما تعمل أي حاجة." رد أدهم بعصبية: "قلت لك وصلك إزاي، رد عليا." صقر بقلة حيلة: "أنا كنت حاسس إن البنت دي مش زينة يا خوي. ولولا ستر ربنا وإن صحبتها زيها عفشة، وعشان بتكرهها وعايزة تبوظ جوازتها منك، قالت لي على اللي حصل. وكمان عايزة الحلاوة. بس أنا اتصرفت معاها. ومش فاضل غير إنك تسيب البنت دي وتبعد عنها."
وقام صقر من وراء مكتبه وتقدم ووقف مقابل أخيه، ووضع يده على كتفه يساندها وتحدث بهدوء: "أنت اتسرعت يا خوي. دلوقتِ لازم تصلح اللي عملته وتبعد عن البنت دي وأنا هتصرف معاها." أدهم بعصبية وغضب: "لأ، أنا هوريها إزاي تضحك عليا. أنا مفكراني عيل صغير. أنا هوريها." رد صقر وهو يراعي ما يشعر به أخاه: "خلاص، بس أوعدني متتهورش. أنا هسيبك تنهي الموضوع معاها بس من غير أذى. إحنا مش بنمد إيدينا على ولادنا يا أدهم."
"حاضر يا خوي. أنا ماشي." وتركه وذهب. أمسك صقر هاتفه وطلب أحدًا ما، وتحدث بجدية: "أيوه، خو طلع دلوقتِ عينك عليه. متخليهوش يغيب عنك. أنت واعي لحديتي زين. ولو في حاجة، كلمني بسرعة." في غرفة فاطمة، كانت جالسة تفكر في كلام أنس لها وأنه يحبها. فكانت سعيدة، لا تعلم لماذا تشعر هكذا. فاعترافه هذا جعلها تفكر: هل هي تستحقه؟ أم سيأتي يوم ويندم على اختياره لها؟ ووجدت موبايلها يرن باسمه، فشعرت بالتوتر، ولكنها تمالكت نفسها وردت:
"حم، الو. كيفك يا أنس؟ أنس بحب: "أنا كويس الحمد لله. أنتِ عاملة إيه يا فاطمة؟ "أنا زينة الحمد لله." "هو أنا رنيت في وقت مش مناسب أو حاجة؟ لو كدة ممكن أقفل." فاطمة بخجل: "لأ عادي، أنا مكنتش بعمل حاجة." "تمام. أنا قولت أطمن عليكي يعني." "متشكرة جوي على اهتمامك. أنس، هو ممكن أسألك سؤال محيرني شوية؟ أنس باهتمام: "طبعًا، أنتِ تسألي زي ما أنتِ عايزة." فاطمة بأحراج: "هو يعني، إشمعنى أنا يعني؟
أقصد أنك ما شاء الله دكتور وإنسان كويس، وألف بنت تتمناك. بس أنا يعني مش زيك، فاهمني؟ أقصد يعني... قاطعها أنس وهو يعلم بداخله أنها تريد أن تستمد ثقتها بنفسها منه. فأدهم بتفضيله غيرها عليها جعل ثقتها في نفسها معدومة، ترى نفسها أقل من أي بنت مثلها، ولابد أن يعالج هذا بنفسه. فرد عليها بهدوء:
"فاطمة، أنتِ مقللة من قيمة نفسك. أنا اللي مكنتش أحلم ببنت زيك. وزي ما أنتِ شايفاني زي ما قولتي، أنا كمان شايفك أحسن بنت في الدنيا. آه، في بنات كتير هنا، بس أنتِ الوحيدة اللي خطفتي قلبي. وده اللي أي بنت مقدرتش تعمله. أنتِ جميلة أوي ومجتهدة. وأه، بالمناسبة، أنا مش هتنازل عن الشهادة وإني أشوفك مهندسة قد الدنيا. أنتِ تستاهلي ده. وأنا ربنا بيحبني إنه جعلك من نصيبي. ولا يمكن هضيعك من إيدي أبدًا."
شعرت فاطمة في هذه اللحظة بكل كلمة قالها أنس، فكلها لمست قلبها. لا تعلم لما هي قارنته بأدهم في هذه اللحظة. فأدهم أرادها ضعيفة دائمًا تحتاج إليه، ولم يتعب نفسه أن يسألها ماذا تريد أن تفعل أو أن تفعل في حياتها الخاصة. كان يريد أن يكون محور حياتها فقط. أما أنس، فهو فعلاً رجل بما تحمله الكلمة من معنى. يريدها أن يكون لها حياتها، أن تصنع طموحها التي دفنته منذ زمن. يريد فاطمة بشخصيتها المستقلة.
وبعد فترة من التفكير، وجدت أنه لا يوجد وجه مقارنة بين أنس وأدهم، فدائمًا عوض الله جميل. تنهدت بارتياح وتحدثت: "أنس، أنا كل يوم بكتشف فيك صفة جديدة بتعلقني بيك أكتر." رد أنس بعشق واضح في صوته: "وأنا مش عايز ولا طمعان في أكتر من كدة. كفاية عليا إنك تكوني جمبي. هسيبك تنامي، ماشي؟ ردت بخجل: "تصبح على خير." أنس بحب: "وأنتِ من أهلي يا فاطمة." في بيت الحج عرفة، دخل كامل لغرفة صفية ليتحدث معها. جلس بجانبها
وطبطب عليها وتحدث بحنان: "كيفك يا خيتي؟ تحدثت صفية بابتسامة وحزن داخلي: "أنا زينة يا خوي، كيفك أنت؟ "الحمد لله يا خيتي. أنا جيت اطمن عليكي. وكمان جمال تحت استأذن مني إنه عايز يتحدث معاكي." صفية بفرحة: "بجد؟ ماشي يا خوي، أنا هلبس وأنزل." لاحظ كامل سعادتها وتحدث بحنان: "بصي يا صفية، أنتِ خيتي وحتة من قلبي. عايزك تعرفي إني سندك وإني هفضل جارك على طول." صفية وهي تحتضنه: "ربنا يباركلي فيك يا خوي." فأكمل كلامه:
"أنا عايزك تبقي عارفة إن سعادتك اللي تهمني. أنا بس عايز أعملك كرامة، عايز الكل يعرف إنك مش لحالك. ولو في أي حد فكر بس يضايقك، جولي لي وأنا هجيب لك حقك من حبى عنيه." "تسلم وتعيش يا خوي." "يلا البسي وانزلي، وبعدين نبقى نكمل كلامنا." صفية بفرحة: "حاضر." توجهت صفية إلى الصالون وهي تشعر بدقات قلبها، تسمع أذنها من قوتها. وجدت جمال يجلس وهو ينظر في الأرض بتوتر. فتحدثت بهدوء: "كيفك يا واد عمي؟
رفع جمال عينيه بعفة، فهو بداخله يشعر كأنه مرت أعوام وأيام بدون أن يراها. فتحدث زين: "يا صفية، اجعدي، عايزك في كلمتين." جلست صفية وهي تفرك يدها في توتر، وفي داخلها تتمنى أن يكون إحساسها صحيح وأنه أخبرها أنه قد سامحها ويطلب منها الرجوع. وحتماً ستوافق على الفور وتعود معه للبيت ويبدأون حياة جديدة سوياً. قطع أفكارها وهو يتحدث بهدوء: "صفية، أنا جاي النهاردة عشان أطلب منك إنك ترجعي لي."
ابتسمت صفية بسعادة وقلبها يرقص فرحًا بهذا الخبر. ولكن لم تكمل فرحتها للآخر، فابتسامتها اضمحلت حين أكمل كلامه الذي وجع قلبها بشدة. قال لها: "أنا فكرت كتير، ولجيت إن لازم نرجع لبعض عشان العيال. حرام يتربوا وهما بعاد عننا. وأنا برضه مش هرضى إني أحرمك منهم، ولا هرضى إن راجل غريب يدخل عليهم. عشان كده بقول لك نرجع، وهو العيال تتربي وسطنا. ولو عليا، أنا هيبقالي أوضة لحالي وكل اللي بينا العيال وبس. إيه رأيك؟
لا تعلم ماذا تقول، هل توبخه؟ هل تنهره على ما فعله بها الآن؟ فهو رفعها لأعلى فوق السحاب، وفجأة هوى بها لسابع أرض. لما كل هذا العقاب؟ ألا يكفي ما فعله بها؟ أم سيظل يحاسبها على ماضيها طوال العمر؟ لا تعلم بماذا تخبره، هل توافق أم ترفض؟ وكفى إهانة لها. ولكن مهلاً، فهو على حق. فما ذنب أولادها؟ هل لأجل كرامتها ستجعلهم مشتتين بينها وبينه؟ لا، بالطبع لا. فوقفت والدموع في عينيها وتحدثت بحزن: "أنا موافقة."
تحدثت مع أبوها وأخوها، وتركته وذهبت ولم تنتظر منه رد فعل. أما هو، شبه ابتسامة زينت وجهه، وخرج هو الآخر ليتحدث إلى عمه وابن عمه. في بيت الحج عتمان، كانت منال تجلس مع غرام لتفرحها وتعلمها أن جابر لن يخرج ثانيًا. احتضنتها غرام ببكاء وتحدثت بفرح: "أنا مش مصدقة إن خلاص كدة مش هعيش في رعب تاني منه." منال بابتسامة: "خلاص يا حبيبة قلبي. الكابوس هترتاحي منه على طول. تقدري تعيشي في سعادة مع جوزك. ربنا يسعدكم يارب."
"متشكرة أوي على كل اللي عملتيه معايا يا طنط منال." منال بندم: "أنا معملتش حاجة. أنا كان نفسي بس أعوضك ولو شوية عن اللي عملته معاكي. وأتمنى إنك تسامحيني. وأوعدك مش هتشوفيني تاني عشان متفتكريش الأيام دي." منال وهي تمسك يدها بحب: "أنا كفاية عليا إنك تكوني جمبي وأحس إنك بتحبيني من قلبك. وعشان خاطري، خليكي عايشة معايا. أنا مش عايزة أمشي." منال بابتسامة: "مش هينفع يا حبيبتي خلاص. أوعدك هزورك كل فترة. ده أنتِ بنتي يا غرام."
قاطعهم دخول صقر وهو يضحك: "أنا جيت في وقت مش مناسب ولا إيه؟ نظرت له غرام بعشق وتحدثت: "لأ طبعًا. أنت تيجي في أي وقت. تعالي أفرحك معايا. خلاص جابر كدة مش هيخرج تاني. طنط منال اتهمته بقتل بابا، وكانت مسجلاه يعني دليل قوي ومش هيعرف يخرج." صقر وهو يجلس بجانبها: "أنا عارف وكنت متابع الموضوع. الحمد لله إنه اتحبس ومش هيخرج تاني. ربنا ينتقم منه." وأمسك يد غرام وأكمل: "أظن دلوقتي معتش خايفة من حاجة." غرام بابتسامة:
"ما أنا قولت لك إني كنت بخاف عليك، بخاف يأذيني فيك. مكنتش هستحمل. ربنا يديمك لي." صقر بعشق: "ويخليكي لي يا روح قلبي." بعد فترة في القاهرة، تحديدًا في مصنع الغرباوي. يمشي أدهم في طريقه لمكتبه بين الموظفين، ولكن في داخله يشعر أنه مكسور ومهزوز. يشعر أن الجميع يتهامسون عليه، يتحدثون على سذاجته. يلعن نفسه لأنه من سمح لها بالتلاعب به هكذا. وهو في طريقه، سمع نها وهي تنادي عليه. فأغمض عينيه بغضب وعزم على فعل شيء ما.
فتف لها وتوجه ناحيتها. فتحدثت هي بدلال: "حبيبي، إزيك؟ نظر لها أدهم بغضب وصفعها أمام كل من بالمكان. فنظرت له بخوف وتوتر، فتحدث بصوت عالٍ: "اوعي تنسي نفسك. أنتِ فاهمة؟ أنتِ مجرد موظفة هنا في المصنع. ولو عشان سمحت لك بأنك تتقربي مني، يبقى مفكرة حالك هتاخدي وضع أكبر من حجمك؟ لأ، فوقي. أنتِ واحدة سهلة. وأنتِ مش النوع اللي يعجبني. ومش كل واحدة هكلمها كلمتين تفتكر إنها هتقعني في حبها." ورفع صوته أكثر:
"أنا مش عايز بعد كده حد يتعدى حدوده معايا. فاهمين؟ واللي هتفكر تعمل نفسها ذكية وتتعدى حدودها، يبقى بالسلامة." وأعاد نظره لنها المصدومة من كلامه: "وأنتِ ملكيش شغل هنا. يلااااا، في ستين داهية. وكل واحد على شغله." لم تصدق نها ما قاله. ما الذي حدث؟ هل علم بما فعلته؟ وظلت تفكر في الأمر وهي غاضبة لفشل خطتها وأدهم الذي أضاع مالها منها. أما أدهم، تركهم ودخل وجلس على مكتبه بضيق، وظل يفكر في فاطمة.
بعد فترة، جمال رد صفية لعصمته. والجميع كان في قمة السعادة لأجلهم، ما عدا صفية نفسها. كانت حزينة بداخلها لعلمها السبب الحقيقي لرجوعها لجمال. أيضًا هو في داخله يشعر أن روحه عادت له من جديد. في غرفة صفية، كانت الدموع في عينيها. لا تعلم هل يوجد أمل أم تنسى جمال وتعيش لأجل أولادها. ولكن بداخلها سعيدة لأنها عادت لبيتها وعلى اسمه من جديد. قطع أفكارها خبط على الباب، ووجدت جمال يدخل. شعرت بدقات قلبها تزيد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!