كانت تعتل وجه الموجودين سمية الحزينة على هذا الخبر، ونجاة التي تحتضن زوجها وكأنه طفلًا تحاول أن تخفف عنه، وتغريد التي لا تصدق ما يحدث من الأساس وتظنه مزاح لا أكثر. تغريد بضحك: بس بقا يا غسان كفايا هزار. هزارك رخيم على فكرة. غسان بغضب: هزار إيه يا مخبولة انت. مش شايفه اللي إحنا فيه. تغيرت ملامح وجهها كليًا، يبدو عليه الجد وعدم المزاح أطلاقًا: يعني بجد خسرت كل حاجة. إزاي أنا مش فاهمة حاجة بجد. إزاي كل حاجة يعني؟
إسماعيل: فهمنا أي حاجة يا ولدي. قلبي هيقف أكده. سمية ببكاء: بعيد الشر عنك يا حج. سلمان بحنان: بتبكي لي يا ستي. متزعليش.
غسان يتنهد: طبعًا انتو عارفين إن مكنش معايا كل الفلوس اللي تخليني أعمل المصنع، وإن فلوسه كتير جدًا. مكنش معايا غير ربع الثمن وبس. فاضطريت إني آخد قرض كبير جدًا من البنك بضمان كل الأملاك اللي نملكها، حتى القصر دا. والنهاردة حصلت مشكلة في المصنع عملت كوارث، وأكتر من الآلات اتحرقت والبضاعة كمان. فالمصنع اتوقف طبعًا لأنه كان بيشكل خطر كبير أوي على الناس علشان المولدات اللي فيه ممكن تنفجر أو يحصل مشاكل أكبر. فا حاليًا بعد ما البنك عرف دا، عاوز فلوسه طبعًا. فا صدر القرار بالحجز على البيت والأملاك كمان تلات أيام.
نجاة بحزن: متزعليش نفسك يا غسان. فداك أي حاجة. هتعدي إن شاء الله. سمية وإسماعيل: ولا يهمك يا ولدي. هتعوضه. تغريد بغضب: تعوض إيه وإزاي أصلًا. إحنا كده هنترمي في الشارع. نجاة بسرعة: ولا شارع ولا حاجة. هنروح عند أهلي. البيت يكفينا وزيادة، عندنا أوض كتير أوي فاضية والبيت واسع. غسان بحزن: لا أنا هتصرف. متشغليش بالك.
نجاة ببكاء على حال زوجها: لا طبعًا. إحنا مفيش فرق بينا. بيت أهلي هو كمان بيت أهلك يا غسان. كلنا عيلة. وصدقني هنعيش مع بعض مرتاحين. وأنا... وأنا عندي دهب. إنت جبتلي دهب كتير. وعندي لاب توب وموبايل ولبس جديد. هنبيع كله وتفتح أي مشروع صغير. كان ينظر لها وكأنها ملاك. تتمسك بيديه بشدة وتبكي على حاله وتضحي من أجله بكل ما لديها تقريبًا. من هذه الحورية القادمة من الجنة فقط من أجله. تغريد بمقاطعة: انت مجنونة!
إزاي هنعيش في بيت أهلك دا. أنا أقرف أدخله أصلًا. نجاة ببرود: هو انت دخلتيه قبل كده؟ على العموم لو مش عاجبك ممكن تروحي للمكان اللي جيتي منه عادي. إسماعيل بغضب: بس... اكتموا انتو الاتنين. هو دا وقته. شغل الحريم دا. لازم نفكر في حل. كلنا في مركب واحدة. ثم أكمل وهو ينظر لنجاة: يا بنتي أنا مقدر اللي انت فيه كويس، بس إحنا لو قعدنا عند أهلك النهارده مش هينفع نقعد بكرة. دي أصول ومحدش يقدر إنه يتخطاها أبدًا. فهماني.
نجاة بحزن فلديها كل الحق: أيوه يا بابا بس... إسماعيل بمقاطعة: أحسن حل كل واحد فينا يطلع أوضته يلم حاجته. ونفكر نروح فين. وكمان نلم الفلوس اللي معانا. هنحتاج لكل قرش.
سعد كل منهم لغرفته وباله وعقله مغيبين عن الواقع تمام. فأختلفت حياتهم. فسمية وإسماعيل كانوا خزناء بشدة على هذا الواقع الشنيع وكانوا يدعون الله أن يساعد ابنهم. أما تغريد فكانت أقل ما يقال عنها أنها في ذروة غضبها. إذا كل شيء جاءت من أجله ذهب الآن. لقد تلفت كل مخططاتها في لحظة. أما نجاة فكانت حزينة للغاية، وليس لفقدان الثروة بل من أجل زوجها وحبيبها الحزين بشدة الآن.
بالطبع لم يكن سلمان يفهم الواقع كثيرًا، فهو في الأخير طفل. في غرفة غسان ونجاة. كان يجلس على السرير شارد الذهن بما هو فيه الآن. فكل شيء تقريبًا معقد للغاية. فهو لا يملك حتى المال الذي يمكنه من شراء منزل ليعيش فيه هو وأسرته. هو الآن بعدما كان ملك أصبح أحد العبيد، وأيضًا أكثر العبيد فقرًا. كانت تتابعه بأعين حزينة للغاية. فلو عليها كانت أخذت كل حزنه هذا وخبأته في قلبها فقط لترى بسمته.
عزمت أمرها واقتربت منه وأخذته بين أحضانها وظلت تمسد على شعره بحنان. نجاة بحب: على فكرة ممكن تتكلم وتفضفض معايا عادي جدًا. ثم قالت بتنهيد: بتفكر فيها كتير لي يا غسان. هو انت يعني كنت اتولدت لقيت نفسك كبير البلد. أنا اللي أعرفه إن بابا إسماعيل كان في الأراضي عامل وكان مرتبه قليل جدًا لحد ما عمل مشروع ونجح وبدأ يشتري أراضي كتير ومزارع. لي منعملش زيه.
غسان بحزن: أنا معنديش مشكلة. اللي فارق معايا انت وأمي وأبوي وولدي دا ذنبه إيه. بعد ما كان بيه كل طلباته مجابة دلوقتي حتى مش لاقيين بيت. نجاة بابتسامة: متشغلش بالك بسلمان. سلمان راضي بأي حاجة. ثم قالت بسرعة وسعادة: جتلي فكرة! غسان بتعجب: فكرة إيه يا مهفوفة انت. فزعتيني. حد ينط أكده. وبعدين براحة انت حامل. نجاة بغضب: بقا كده. طيب مش قايلة حاجة.
نظر لها وابتسم. فعلى الرغم مما هو فيه الآن، إلا أن هذه المعتوهة أثرت قلبه بشدة. فأقترب منها وطبع قبلة في مقدمة رأسها وقبل يديها بحنان ومعدتها (مكان الجنين) غسان بابتسامة عاشقة: لسه زعلانه يا حبيبتي. معلش أنا بس متعصب وانت شايفه اللي أنا فيه. متزعليش مني. دا انت أغلى حاجة عندي والله. نجاة بسعادة: وانت حبيبي. علشان انت قمر. كله هقولك على الفكرة وأمري لله. غسان بضحك: والله!
نجاة بابتسامة: بص يا سيدي. دلوقتي أنا الدهب اللي معايا يعمل ثمن كويس الحمد لله. وكمان عندي لاب توب غالي جدًا كان جايلي من بره مصر وهيعمل ثمن كويس أوي أوي. ونشوف مثلا فلوس معاك مع ماما أو بابا وكده. ماشي. غسان بهدوء: تمام. وبعدين.
نجاة بحماس: إحنا عندنا بيت في الأرض بتاعة بابا. بيت كويس فيه بتاع أربع أوض وحمام ومطبخ واسع ومفروش. عاوز بس يتنظف كويس وخلاص. وقدامه بالظبط أرض فاضية بابا مش زارع فيها أي حاجة. إحنا بقا ناخدها ونزرعها أي محصول يناسب الجو وكده ونبيعه للمصانع أو حتى في السوق. وكمان في البيت دا فيه دكان صغير كده. أي رأيك نعمله مشروع برضه. غسان بفخر بهذه الزوجة الصالحة: مشروع إيه؟
نجاة بتفكير: أي حاجة. مثلا نعمله مشروع حاجات بيتي. يعني مثلا نعمل مربى أو نعمل كيك أو حلويات. وانت تعرف طرق للحاجات دي مش مكلفة خالص. وعلشان الكرامة والكلام دا إحنا نأجر الحاجات دي من بابا. ثم أكملت بمرح: ونضحك عليه في السعر. غسان بشرود: انت إيه يا شيخة. يخربيتك. كده أول مرة أشوف واحدة أصيلة أكده. أم ولدي بعتني بدل مرة اتنين وتلاتة، وبنت عمي كل اللي همها هي وأمها الفلوس.
(آه لو يعرف إنها اتغيرت وبقت حاجة كده، أمواااه سكرة) . انت اللي تعتبري غريبة واقفة معايا لأخر نفس. نجاة بصراخ: غساااان. غسان بانتباه: إيه. نجاة: ها قلت إيه؟ غسان بتردد: هي أفكار حلوة جدًا. بس أنا إزاي أخليكي تبيعي دهبك. وبعدين انت لما تبيعي اللاب توب بتاعك هتكتبي الرواية بتاعتك إزاي؟ ابتسمت لتذكره حلمها واهتمامه به: هكتب على الموبايل. غسان: أيوه بس دا هيكون متعب ليكي. (زي ما أنا بتعب كده)
نجاة بصدق: أنا مرتاحة بجد. أهم حاجة راحتك يا حبيبي. وافق يا غسان وأنا معاك وعمري ما هسيبك. وعلى فكرة بقا دي مغامرة حلوة أوي. خلينا نخوض المعركة دي سوا. غسان بابتسامة: هتقدري يا بنت صبحي؟ نجاة بمرح: هقدر يا بن إسماعيل. أروح أكلم أبويا ولا إيه؟ غسان بهدوء: بكرة بعد ما أعرف الجماعة. كلميه. وأنا هروح أبيع دهبك واللاب توب بتاعك وبتاعي. وعندي كمان كام ساعة غاليين. وإن شاء الله. قفزت بسعادة: هييييه!
أيوه كده. أمانة عليك يا شيخ اضحك. خلي النور يدخل بقاااا. غسان بضحك: تعالي يا مهفوفة نامي يلا. ثم لدغها في خدها: مش قلت براحة. انت حامل يا مهفوفة في عقلك. نجاة بحب: حاضر يا أحلى غسان. بقلك صحيح. غسان: إيه؟ نجاة بتساؤل: وتغريد هتعمل فيها إيه؟ غسان بلامبالاة: هتمشي لوحدها. صدقيني هي مش هماني خالص. نجاة بصدق: بس بصراحة. أنا في إحساس جوه قلبي كده بيقول إنها مخبية حاجة كبيرة أوي. بس مش قادرة أفكر ممكن تكون إيه يعني.
غسان: نامي دلوقتي. أنا مش عاوز أفكر في حاجة تانية. أهم حاجة عندي نحل موضوعنا الأول. وبعدين كل حاجة سهلة. نجاة: معاك حق. أخذها بين أحضانه وهو يضع يده على معدتها بحنان وكأنه يحتضن طفله ويطمئنه. في منزل زهرة. كانت قد عادت في منتصف النهار وهي تحمل الصغيرة زهرة بعدما جلبت لها الكثير من الثياب والألعاب والطعام اللذيذ. زهرة: هو دا بيتك يا رورورشا. ابتسامة: آه بيتي. وحلوة رورو دي عجبتني أوي.
زهرة بسعادة: أنا فرحانة أوي. أنا بحبك علشان انت طيبة معايا. زهرة بتحبك. ضحكت رشا من أعماق قلبها بشدة على تلك الطفلة الجميلة. فعلى الرغم من صغر سنها، إلا أنها تدهل القلب بسرعة كبيرة وهي بالفعل لطيفة للغاية. ولكن قاطعهم صوت أم رشا اللعين هذا. أم رشا بغيظ: ومين دي كمان؟ فتحتيها حضانة كمان يا بنت بطني. رشا ببرود: عايزة إيه يما. أم رشا: مين اللي على كتفك دي؟
رشا: دي زهرة. أخت واحد شغال عندنا في أرض الورد. وأنا حبيتها وجبتها تقعد معايا شوية. أم رشا بغضب: كيف يعني؟ شكلك اتخفيتي في مخك والله عال. هو دا اللي ناقص تربي عيال الفلاحين كمان. داهية لتكوني صرفتي عليه. ثم وزعت نظرها بينها وبين الأكياس: ولا لا، مهو واضح من الأكياس اللي في إيدك. يا آخرتي صبري يا مراري الطافح. مهو انت شكلك اتجننت.
رشا بغضب: بقولك إيه. لما أبقى أقولك هاتي فلوس متبقيش تديني. أنا مش بشحت منك ولا انت بتجبّي عليا في أي حاجة. المال دا كله مالي وأكتر من نصه مكتوب باسمي. الله يرحمه أبويا كان حاسس. يلا يا زهرة. أم رشا بغيظ: طبعًا منتي فضيتي ولا راجل يلمك ولا عيل يشغلك. حزنت رشا للغاية، ولكنها صعدت لغرفتها في هدوء دون أن تتفوه بأي كلمة. زهرة بطفولة: هي لي كانت بتزعق أكده؟ رشا بابتسامة: هي كل طول. يلا إحنا نغير هدومنا علشان أسرحلك شعرك.
أومأت لها الطفلة وبالفعل بدلت لها ثيابها إلى فستان وردي اللون ومشطت لها شعرها على شكل كعكتين، فكانت مثل الملاك. زهرة بسعادة: الله. زهرة حلوة. رشا بضحك: زهرة قمر. يلا بقا ناكل علشان نحلق نوديكي لبلال تاني. زهرة بإيماء: طب بلال مش هياكل معانا؟ رشا بابتسامة: هياكل مع زمايله في الأرض. وإحنا ناكل هنا وبعدين نروح عنده.
أومأت لها الطفلة وبدأت تأكل في سعادة كبيرة. وكانت رشا تطعمها بحنان وبحب كبير، فشعرت معها بشعور مختلف تمامًا. أنهوا طعامهم وتوجهوا للأرض مرة أخرى. وأعطت رشا زهرة كيس كبير مليء بالملابس والشوكولاتة والألعاب. وما أن رأت الطفلة بلال حتى ركضت عليه بسرعة وارتمت بين أحضانه وقلبته في وجنتيه بحب. بلال بابتسامة: وحشتيني يا حبيبتي. زهرة بطفولة: وانت كمان. أنا حبيت رورو أوي وجبنا لعب وفستان. بلال بتعجب: رورو مين؟
زهرة بطفولة: رورو دي. كانت تتحدث وهي تشير تجاه رشا التي كانت تنظر لهم وهي تبتسم بحب كبير. بلال بحرج: إيه كل دا. لي حضرتك تتعبي نفسك كده. مكنش لي عازة كل ده. رشا: دي هدية للصغننة القمر دي. ربنا يخليهالك. عن إذنكم. لاحظ في عينيها بعض القلق، ولكنه تجاهل هذا وأخذ الصغيرة وذهبوا للمنزل. وكانت طوال الطريق تحكي له عن يومها مع رشا وكم هي لطيفة وكم أحبتها بشدة وأشياء من هذا القبيل. عند نعمة وصالح.
كانوا قد تجمعوا معًا عند الصائغ ليشتروا لهم خواتم الخطبة. فقد أخذت نعمة خاتم من الذهب رقيق للغاية به فصوص لامعة صغيرة تعطيه مظهر جذاب. وأخذ صالح خاتم من الفضة لا يوجد به أي رسومات. وطلبوا من الصائغ حفر أسمائهم عليها. صالح بحب: فرحانة؟ نعمة بسعادة: فرحانة جدًا يا صالح. ربنا يخليك ليا. قاطع لحظتهم رنين هاتف صالح. صالح: عرفت اللي حصل يا صالح. صالح: في إيه يا عم.
صالح: غسان بيه بقا على الحديد. مفيش معاه حق بيت يعيش فيه هو وأهله. صالح بصدمة: انت بتقول إيييي؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!