الفصل 22 | من 24 فصل

رواية غسان الصعيدي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سهيلة عاشور

المشاهدات
29
كلمة
2,414
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

في المنزل الجديد كانت نجاة تضع الطعام على سفرة صغيرة وبسيطة للغاية، وكان الجميع يجلس ويتحدث وتملأ البسمة وجوههم، ما عدا بالطبع المدعوة، ولا داعي لذكر اسمها. وبعد قليل، خرج غسان من المرحاض يرتدي جلباب صعيدي وشعره مبلل ومتناثر، فكان شكله جذاباً للغاية. ثم اقترب منها وبدأ في حمل الأطباق. نجاة بابتسامة: إيه اللي أنت بتعمله ده؟ روح ارتاح يلا.

غسان: أنا مرتاح. أنا بجد آسف إني تعبتك كده، وخصوصاً إنك حامل. بدل ما أجيب لك اللي يخدمك، لا أنتِ اللي بتخدمي الكل. نجاة بتذمر: وبعدين معاك بقى؟ قلت لك أنا مش زعلانة. بالعكس، البيت ده أنا مرتاحة فيه أوي. بسيط وبعيد عن المشاكل، فيه روح حلوة أوي يا غسان. ثم أكملت بتنهيدة: يا غسان افهم، أنا بحبك. عارف يعني إيه؟

يعني ارميني في النار وأنت معايا مش هحس بيها. اعمل فيا أي حاجة، أهم حاجة إنك معايا. مش عاوزة غير كده. ربنا يخليك ليا يا حبيبي ونفرح بابننا اللي جاي. ثم همست في أذنه: بحبك يا بن إسماعيل. ابتسم بعشق ظاهر، وكأنه ملك الدنيا بأكملها لمجرد استماعه لهذه الكلمات. غسان بحب: طب أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ بقولك إيه، هو ضروري ناكل يعني؟ نجاة بضحك وخجل: اوعى كده، خليني أكملك. كاد أن يقترب منها، ولكن قاطعهم صوت أبوها.

إسماعيل بغضب مصطنع: أباه عليك! إيه اللي موقفك يا واد أنت؟ تعالى أهنيه. غسان باقتضاب: جاي يا حج. ثم همس في أذنها: كده كده هتجيلي يا بنت صبحي، صبرك عليّا. تركها وذهب لمكان والده، وكاد أن يجلس ولكن قاطعه دق الباب. فذهب وفتح الباب، ولكنه صُدم عندما رأى رشا ومعها بلال، ومن خلفهم صالح ونعمة. غسان بقلق: إيه اللي حصل؟ أقصد اتفضلوا. ثم وجه نظره لرشا بغضب: أنتِ إيه اللي جابك أهنه؟

رشا بخوف: اللي فات مات يا ولد عمي. أنا اتغيرت وكل البلد شاهدة على أكده. أنا بس جاية أشوفكم. ربنا بيسامح يا ولد عمي، أنت مش هتسامح؟ والله عايزة أطمن عليكم وعلى نجاة. التمس الصدق في حديثها، فقام بإفساح الطريق، فدلف الجميع ورحب بهم إسماعيل وسمية ونجاة بحب شديد. أما عن تغريد، فذهبت لغرفتها التي تخصصت لها في المنزل، لأنها بالطبع لا تود أن تشارك هذا الحديث الحميم.

فا بالفعل، من كان يحمل ذرة واحدة من الحقد أو الكره، لدمر نفسه قبل أن يدمر من حوله. صالح: قلقتني عليك يا بيه. ثم أكمل بحزن: كيف حصل دا؟ غسان بابتسامة: دا أمر الله يا صالح، وصدقني أنا مبسوط ومرتاح. وربنا يقدرني وأريح أهلي معايا، ومحدش فيهم يكون متضايق. سمية براحة: والله يا صالح يا ولدي، البيت ده فيه حاجة غريبة. من أول ما دخلته وأنا قلبي مطمئن. إسماعيل بتأكيد: معاكِ حق والله.

رشا بصدق: يا ولد عمي، أنت ليك في ورث أبويا زمان اتنازلت ليا عنه، ودلوقتي أنت محتاجه. خد ودا حقك، أنا متنازلة عنه. غسان بهدوء: مش عايز يا رشا. أنا مبسوط، ومبسوط أكتر بتغييرك ده. إن شاء الله ربنا هيعوضك عن كل حاجة. نجاة بتلقائية: ويهدي أمك العقربة دي. صُدم الجميع من جملة هذه المعتوهة، فهي لا تعقل الكلام بالمرّة. رشا بضحك مفرط: الله يحفظك يا نجاة. والله معاكِ حق، دي لسه مديني طريحة من شوية. الله يهديها زي ما هداني.

إسماعيل بتساؤل: ويبعت لكِ راجل يعوضك عن اللي فات. قلبي حاسس إنه هيكون قريب يا بنت أخي. دق قلب كليهما بشدة، وتلاقت أنظارهما لوقت قصير، ولكن فرّ كلٌ منهما هذا الشعور، وانشغلوا في الحديث مجددًا. وتعالت ضحكاتهم، وقد اقتربت رشا ونعمة ونجاة من بعضهم كثيرًا، حتى إنهم تبادلوا أرقام الهواتف. وبعد قليل، سمعوا صوت صراخ بالخارج، وكأنه صوت سلمان. فركض الجميع لرؤية ما يحدث. غسان بضحك: بقا دا ولدي الحيلة!

انفجر الجميع بالضحك، حيث كان سلمان يحمل القط مشمش ويركض بسرعة كبيرة ويصرخ، وكانت زهرة تركض خلفه بغضب كبير وتتهمه بالسرقة. وكانوا يدورون حول المنازل. زهره بغضب: هصل بالحكومة تيجي تاخدك. غسان بصراخ: والله يا سرقت دا أنت مخبول. زهره بغضب: هقطع إيدك يا حرامي. بلال بسرعة: بس يا زهرة خلاص. في إيه، اهدوا. توقفت زهرة ونظرت لأخيها، وكانت ستبكي من كثرة الغضب: الحرامي دا سرق مشمش.

غسان بخوف وهو ينظر لسلمان: والله يا أبويا ما خدت المشمش ولا شفت مشمش. أنا لقيتها بتعيط، رحت أحايلها، لقيتها بتجري ورايا كيف المخابيل. زهره بغضب: أنا مخبولة؟ مش هسيبك. حملها بلال بسرعة وحاول تهدئتها. غسان بهدوء وضحك: ممكن تهدوا؟ قولوا لي يا بنتي في إيه. زهره بطريقة طفولية ظريفة للغاية: دلوقتي يا عمو، أنا كنت بجيب لبن (حليب) لمشمش القط بتاعي، وجيت ملقتش مشمش. دورت عليه وكمان زهرة عيطت كتير. لقيت الحرامي دا سارق مشمش.

غسان بابتسامة: زهرة مين؟ زهره بطفولة: أنا زهرة. بلال بغضب: أكيد ميقدرش إنه يعمل أكده. تقوم تجري وراه كيف المخابيل وتفرجي علينا الناس؟ دا ينفع؟ زهره ببكاء: مشمش بس اللي صاحبي، وأنت دايما في الشغل. زعلت، فكرته راح عند ربنا زي ماما وبابا. شعر الجميع بغصة في قلبه لحزن هذه الصغيرة بشدة، فأنزلها بلال لتقف على الأرض، واقترب منها سلمان وأعطاها القط، ومد يده ليعطيها شوكولاتة صغيرة. زهره بفرحة: دي ليا؟

سلمان بحزن: أنا آسف، مكنتش أعرف إنه بتاعك. هو اللي جه عندي. نجاة بمرح: خلاص كده، اتصالحنا؟ يلا ندخل ناكل بقى. وأنت يا قمر يا صغننة تعالي معايا. زهره وهي تنظر لبلال: .... بلال: روحي، آخرة صبري. صالح بابتسامة: زي القمر أختك يا بلال، ربنا يخليهالك. بلال: يارب يا صالح، أنت مش عارف دي عندي إيه؟ غسان: طب ما تتجوز؟ هات لها واحدة تخلي بالها منها.

بلال بحزن: كنت ما أتقدم لواحدة وتوافق في الأول، لكن لما تعرف إني عندي مسؤولية عيلة صغيرة زي زهرة، تقول لأ. محدش بيحب يشيل هم غيره يا غسان بيه. غسان بابتسامة: أولاً، بلاش بيه دي. محدش فيكم يقولي بيه. وبعدين يا عم، ما تبص حواليك وتدور كويس، يمكن تلاقي اللي تتمنى رضاك. قاطعهم إسماعيل بصياح: يلا يا ولاد علشان الأكل.

دلف الجميع للداخل وشرعوا في تناول الطعام بسعادة كبيرة، حتى انقضى اليوم وذهب كل منهم لبيته. وأيضًا من في المنزل ذهب كل منهم لغرفته، فكانوا سعداء للغاية. من لا يراهم لا يظن مطلقًا أن هؤلاء خسروا لتوهم كل ما يملكون. *** في غرفة غسان ونجاة كانت قد بدلت ملابسها لمنامة قصيرة وأرخت جسدها على السرير، ثم وجدت على المكتب المجاور للسرير اللابتوب الخاص بها، فتعجبت كثيراً. نجاة: غسان... يا غسان.

وجه نظره إليها بعدما كان ينظر من النافذة يتأمل الحقول. غسان بابتسامة: نعم يا روح غسان. نجاة بخجل: هو مش المفروض تكون بعت اللابتوب؟ هو بيعمل إيه هنا؟ اقترب منها وجلس بجوارها واحتضنها بحنان، وظل يمسد على شعرها بعشق وحنان بالغ. غسان: لقيته مش هيجيب ثمن، لأن محدش بيشتغل في النوع ده في مصر كتير. فقلت نخليه يمكن نستفاد بيه أحسن. نجاة بتفهم: تصدق صح. أمك دعياله سونه. غسان بصدمة: أمي وسونه؟

ثم أكمل في نفسه: دا أنا بقيت هفأ والله. نجاة: هااااي، أنت معايا؟ غسان بابتسامة: معاكِ يا اختي. خير. نظرت له وضحكت بشدة، ثم جلبت اللابتوب وظلت تعبث به قليلاً، حتى وجدت الكثير من الأفلام التي قد قامت بتحميلها مسبقًا. نجاة بنصر: الحمد لله. لقيت حبة أفلام وكرتون وحاجات أي زي المسك نتفرج عليها يا سنسن يا جامد أنت. غسان بذعر: بطلي دلعك الماسخ ده. كل دلعك ماسخ أكده؟ مفيش حاجة عدلة. نجاة بغضب: مش عاجبك ولا إيه؟

غسان بضحك: عاجبني والله. قليلي حبيب بابا عامل إيه؟ نجاة: سلمان نام. تعب من كتر الجري واللعب. غسان وهو يقترب منها: لا مش دا. ثم أشار نحو معدتها: أقصد دا. نجاة بابتسامة: كويس أوي. ثم أكملت بتوتر بسبب قربه منها: مش هنسمع الفيلم ولا تنام علسان تعبت النهاردة. اقترب منها واحتضنها بذراعيه وقبل يدها بحنان، ثم اختار أحد أفلام الخيال العلمي. غسان بحب: نتفرج وبعدين ننام يا عمر غسان.

انتظروا يتابعون الفيلم حتى خفتت هذه الجميلة على صدره. ابتسم بشدة، ثم أغلق الجهاز وأخذها بين أحضانه وغرق في نوم عميق للغاية. فمن الآن قد علت عشقهم الأبدي. فحياتنا الروتينية لا تكشف لنا من يحبنا بصدق، فقط الشدائد هي ما تجعلنا نتأكد ونثق. فلا تهجروا شخصاً كان لكم أماناً. هذه الدنيا ليست غادرة، ولكن عليك الحذر منها، ويكون لك شخصاً يشاركك أيامك. فتحلوا في عينيك. *** أمام منزل نعمة

كان قد وصلوا أمام الباب بعدما قضوا يومًا مميزاً سوياً. فكل يوم يزيد عشقهم أكثر مع الأيام. صالح بحب: كان لازم اليوم يخلص يعني. نعمة بضحك: معلش. إن شاء الله تتكرر تاني. صالح بضحك: لا من الناحية دي اطمني، هتتكرر كتير أوي. ودعها بحرارة ودخلت منزلها بسعادة كبيرة. استقبلتها والدتها وبدأت نعمة تقص عليها اليوم. وكانت الأم سعيدة بشدة لسعادة ابنتها. *** أمام منزل رشا

كانوا قد وصلوا بالسيارة، وأغلق الصغير على قدم رشا. ظل بلال شارداً بملامح رشا كثيراً. فلا ينكر أنه يحمل الكثير من الإعجاب لهذه المرأة، ولكن يجب عليه خفية. فمن هو ليعشق سيدته ومديرة عمله. رشا بمقاطعة لأفكاره: إيه هنفضل كده كتير؟ اقفل العربية، الماتور هيتحرق. بلال بانتباه: أه حاضر. ثم حمل منها الصغير وخرج من السيارة: اتفضلي يا هانم، تؤمري بحاجة تانية؟ رشا بحزن: مش قلقتك؟

بلاش هانم دي. أنا مش بحب هانم دي. اسمي رشا بس، ممكن؟ بلال بحسرة: العين متعلاش عن الحاجب يا ست هانم. أنا لازم ألتزم حدودي. أنا... رشا بمقاطعة: أنا عارفة اللي أنت فيه وحاسة بيك. مش محتاج تتكلم. بلال بسرعة: أنا مفيش فيا حاجة. أنا بسر... رشا بحزن: دا مش ذنبك خالص. أنت مش المفروض عليك إنك تتحمل مسؤولية واحدة عاق ومش بتخلف، أو الكل كرهها زيي.

تركته وذهبت من أمامه. أما هو، فكأن دلو ماء بارد قد انسكب عليه. فلا يرى أي شيء أمامه إلا أنها تشعر به حقًا، فهمته دون أن يتحدث. ولكن قد سار الحظ معه بالشكل الخاطئ. فكيف تظن أنه يراها عاق. حمل أخته الصغيرة ورحل إلى بيته يفكر بها والحزن يملأ قلبه. *** داخل منزل رشا قد دلفت للمنزل وهي حزينة للغاية، تشعر أن الجميع يتركونها ولا يريدوها في هذه الدنيا. ولكن ما زاد الطين بلة أن أمها كانت تتابعهم من الشرفة. الغل يملأها.

أم رشا بغضب: كنتي فين يا بت أنت؟ عمالة تتسرمحي مع الفلاحين؟ اختشي على دمك، مش كفايا سيرتك اللي على كل لسان. لم ترد عليها، بل ذهبت لغرفتها وظلت تبكي بحرقة كبيرة حتى غفت ولم تشعر بحالها. *** في غرفة تغريد

كانت تفكر في كيفية الخلاص من هذا المنزل وهؤلاء الناس. فبعدما اتضح لها الأمر وأنهم بالفعل لم يعد لديهم أي مال، فعليها الخلاص. ولكن هذا الرجل لا يكف عن التهديد، ولا يكف عن إثارة الخوف بداخلها. فهو الآن يريد كشف ماضي قد دُفن منذ سنين. تغريد في نفسها: أنا لازم أهرب من هنا. بس إزاي؟ دا غسان عامل زي ما بكون غفير عليا. أوووف، وكمان اللي عايز يفتح عليا أبواب جهنم دا. أنا لازم أتصرف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...