تحميل رواية جميلتي الصهباء بقلم عليا شعبان pdf
بقلم عليا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جاب ببصره بينهن، أصواتهن غلبت الشوق داخله وهو ينظر إليهن. ثلاثة فتيات، يشبهنها بقوة تلك الحبيبة التي تركته في منتصف طريقهما معًا. أحبها بصدق، لم ينسيا لحظاتهما الآخاذة. ينتقيا من الأسماء ما يحلو لهما، فقد علما بقدوم ثلاث لآلئ لينرن حياتهما. لا يفتأ أن يتذكر حديثها له وهي تقول بنبرة رقيقة تشبه إغماضة عينيها الذي غلب عليها السُهاد، فيغطي جفونها أهدابًا طويلة للغاية ويختفي معها جمال سحر عينيها الزرقاوين في هدوء. وفي لحظة الشوق هذه، غلب على عينيه دمعتان يفران من موطنهما ليجد إحداهن تبتسم في ملكوت رب...
رواية جميلتي الصهباء الفصل الأول 1 - بقلم عليا شعبان
جاب ببصره بينهن، أصواتهن غلبت الشوق داخله وهو ينظر إليهن. ثلاثة فتيات، يشبهنها بقوة تلك الحبيبة التي تركته في منتصف طريقهما معًا. أحبها بصدق، لم ينسيا لحظاتهما الآخاذة. ينتقيا من الأسماء ما يحلو لهما، فقد علما بقدوم ثلاث لآلئ لينرن حياتهما. لا يفتأ أن يتذكر حديثها له وهي تقول بنبرة رقيقة تشبه إغماضة عينيها الذي غلب عليها السُهاد، فيغطي جفونها أهدابًا طويلة للغاية ويختفي معها جمال سحر عينيها الزرقاوين في هدوء.
وفي لحظة الشوق هذه، غلب على عينيه دمعتان يفران من موطنهما ليجد إحداهن تبتسم في ملكوت ربهـا لتجعله يصبر على بلاء ربه، ذا نفسٍ راضية. فالآن غادرت هي وتركـت له حِملًا أقوى من قامات الجبال. ثلاثة صهباوات في يومهن الأول على هذه الدنيا.
"سرحت في آية يا غالي؟ أكيد فيها!"
أردفت (مني) شقيقة سالم الصغرى بتلك الكلمات وهي تضع كفها على كتفه من الخلف، ومن ثم استدارت حتى جلست إلى الأريكة المجاورة له. رمقته بنظرة هادئة ترثي بها حال شقيقها الذي لم يهنأ لحظة منذ رحيل زوجته. تنهدت بثبات فيما افتر ثغره عن ابتسامة حانية قائلًا:
"ملاك مش بس كانت زوجتي! يا مني، دي كانت الفرحة اللي حلمت سنين بيها. هي آه ما فرحتش ببناتها يوم، بس أكيد هنتجمع كُلنا في جناته. وأنا معايا كنوز الدنيا ملك إيديا، تلات لآلئ ونسخ مصورة منها."
رفع ذراعه إليها ومن ثم ربت على كتفها بحنو صادق كطبيعة حاله:
"وبعدين ربنا يحفظك ليّا. من يوم غيابها وإنتِ جنبي. ربيتي بناتي وحافظتي عليهم، وبعتِ كل الدنيا واشتريتِ قربهم ورضيتي ببُعد جوزك وابنك."
مني بابتسامة عذبة:
"ما إنت عارف يا سالم، إن روحي فيهم. مكانش ينفع إنه يخيرني بينه وبينهم. ما إنت عارف اللي فيها دي مجرد تلكيكة مش أكتر. أما ابني فمش صغير عشان ينساني. هو كبر وفهم إن بعدي كان خارج إرادتي والظروف كانت أقوى مني."
سالم بتساؤل مهتم:
"آه صحيح، أمال يامن ناوي يشرفنا إمتى؟ ولا مش قادر يستغني عن بنات فرنسا؟"
مني بضحكة هادئة:
"قالي على نهاية الشهر دا، دا وعدني إنه هيبدأ جلسة العلاج مع بيسان على آخر الشهر. وكمان نفسه يشوف مراد أخوه."
سالم بتفهم:
"تمام. والله واحشني جدًا من ساعة تانية ثانوي ما شفناهوش. أهو دلوقتي بقي دكتور عظام قد الدنيا ومش عارفين ناخد منه معاد. أنا هقوم بقي أقرأ شوية في القضية الجديدة وإنتِ شوفي مراد والبنات."
انصاعت (مني) لحديثه فيما اتجه هو داخل غرفة مكتبه، فيتوجب عليه توخي الحذر والفصل بين حياته العملية وبناته، فيخشى أن يصبح قاضيًا جائرًا ويظلم دون قصد منه.
***
"لو قولتيها من غير ما تغلطي فيها تلات مرات يبقى إنتِ كده عليكِ جِن!"
أردف (مراد) بتلك الكلمات وهو ينظر صوب عيني فداء بقوة، فيما ابتلعت ريقها وأخذت تتلفت حولها لتستقر عيناها عليه قائلة بغيظ:
"مـا تتلم يا واد، رعبتني. مش لازم تبحلق عشان تحسسني إن عليا جِن."
مراد كاتمًا ضحكته:
"طيب قولي ياختي!"
استقامت فقرات ظهرها خطًا طوليًا، لتتنشق الهواء داخلها ومن ثم تهتف بحماس:
"وقُبر قرب حرب كلب!"
مراد فاغرًا فيه وبنبرة مصدومة قاطعها:
"إيه اللي إنتِ بتقوليه دا؟"
فداء ومازالت بكامل حماستها لتستأنف هاتفه:
"وقُرب قبر حرب كلب، وقرب قُرب حرب ابن كلاب."
أطلق مراد قهقهة عالية وهو يضرب على وجهه براحته، فيما حملقت به فداء في حماسة قائلة:
"ها، قولتها صح؟"
مراد وهو يومئ برأسه سلبًا:
"وقُرب قبر حرب، كلب؟"
فداء وهي ترمقه بتلقائية شديدة، تستشف منه صح الحديث:
"هي المقابر مش بيبقى فيها كلاب حراسة؟"
مراد وهو ينتشل منها الكتاب:
"إطلعي برا يا فيدو خليني أذاكر. أنا واحد ثانوية عامة ومش فاضي لك."
فداء وهي تنظر له بامتعاض قائلة:
"إخلص وقولي الطلاسم اللي حصلت دي تاني، وأنا هبقى أعمل اختبار الجِن دا بعدين!"
مراد ضاحكًا:
"البيت اسمه ‘وقبر حرب بمكان قفر، وليس قُرب قبر حرب قبر‘."
فتحت فداء فاها قليلًا علامة البلاهة، وما أن انتهى منها، حتى رفعت يدها عاليًا وراحت تضربه على كتفه بقوة قائلة:
"كلام جميل ومفهوم ما شاء الله. شد حيلك يا بطل وهنبقى نحل مشكلتك مع القبر أو ندفنك فيه عادي."
في تلك اللحظة دلفت (مني) إلى داخل الغرفة تتفقد ابنها الأصغر، الذي يدرس في الصف الثالث الثانوي. كان لا يزال جنينًا عندما تركها زوجها وسافر إلى فرنسا بصحبة ابنها الأكبر (يامن). لم تنسَ جحود قلبه وهو يسلب طفلها منها ويبادلها الكره، ولكنه لم ينجح في جعل يامن يبادل والدته نفس الشعور.
رمقتهمـا بنظرات عابثة وهي تضع كفها حول خصرها وبنبرة متسائلة تابعت وهي تتوجه بالحديث إلى فداء:
"سمعلك الدرس كويس يا فداء! ولا كان بيلعب زي كل مرة."
افتر ثغر فداء عن ابتسامة مختالة ترفع كتفيها بتعالٍ لتسند ذراعها على مقبض الباب بعد أن اتجهت إليه، ثم أردفت بنبرة واثقة:
"عيب عليكي يا عمتو. أنا شرحت له كل حاجة وفهم ما شاء الله."
كانت مني تسند الباب بجسدها وما أن انتهت فداء من حديثها حتى سارت الأخرى للداخل قائلة بحب وهي تتوجه بالحديث إلى ابنها:
"حبيبي يا مودي. شـد حـ..."
في تلك اللحظة قطع حديثها صوت صراخ فداء وهي تسقط أرضًا عندما دلفت مني للداخل ليُغلق الباب وتهوي هي. وبنبرة متألمة تابعت:
"جالي رباط صليبي في زعزعة رجلي. آآآه حرام عليكي يا ولية هلعب الماتش إزاي دلوقتي؟"
هرولت مني إلى فداء تلتقطها بين ذراعيها فهي تخشى عليها آلام الحياة وما أصعب أنواع القلب ألمًا. مالت بوجهه إلى صغيرتها وبنبرة حانية تابعت:
"أسفه يا فيدو. ما أخدتش بالي والله يا حبيبتي."
ومن ثم استأنفت حديثها تنهرها بحنية:
"وبعدين ولية إيه؟ وماتش إيه دا يا فيدو!!! يا بنتي إنتِ ما كنتيش كده، وعارفة كويس إن باباكي مش حابب الألفاظ دي. يقطعها الصحافة. آدي نواتجها."
فداء وهي تُبرق لها بعينيها في انفعال وقوة:
"كله إلا الكورة. دا أنا كمان انضميت للوايت نايتس بنات ونخربها. كدا هبقى برا التشكيلة يا مُنمن."
مراد كاتمًا ضحكته:
"هرمونات الذكورة في تصرفاتك جاحدة أوي، رغم إن شكلك أنثوي فج."
استندت فداء على ذراعي عمتها ثم سارت ناحيته بخطوات مذبذبة لتعض على شفتيها غيظًا فيما قال وهو يتراجع بقلق:
"أنا أسف. إنتِ بنوتة غصب عن أي حد."
في تلك اللحظة كورت قبضتها حتى قربتها من وجهها وراحت تقبض على أنفه بقوة وبنبرة مغتاظة تابعت:
"ما تقوليش بنت، أنا راجل أخواتي وبس."
تبادل كلًا من مراد ومني نظرات تساؤلية مذهولة، فقد فغر مراد فيه في صدمة من جوابها. وهنا حررت أنفه وراحت تلكمه في صدره بخفة:
"أما أروح أشوف بيسو وعنقود. وانت على فكرة مش ضروري تذاكر. كدا كدا الأهلوية محظوظين وبينجحوا في أي حاجة."
مراد وقد قهقه عاليًا:
"طبعًا، التالتة شمال بيهزوا جبال. النهاردا الماتش وهخلص مذاكرة ونتجمع عشان أحفل براحتي."
جدحته فداء بنظرة غامضة وقد أطالت بها ومن ثم مالت بجذعها العلوي للأمام قليلًا حتى التقطت حذاءها. وما أن رفعت جسدها قليلًا حتى وجدته في سرعة البرق كان قد اختبأ خلف الفراش لتقول هي بنبرة متوعدة:
"بتستخبي ليه يالا، إنت مش لسه كنت بتهز جبال. وحياة أمك مني لو ما طلعت من تحت السرير لأهزه لحد ما يتطربق على دماغك."
مني وهي تجذبها من ذراعها بقهقهة عالية:
"يخربيت عقلك. دا البيت هيبقي دم للركب النهاردا. روحي شوفي أخواتك يا هانم. وبعدين إنتِ مش مشيتي البنت المسؤولة عن بيسان، اتفضلي قومي بالدور إنتِ!"
فداء وهي تنظر له بنظرات شريرة متوعدة ومن ثم اتجهت صوب باب الغرفة وكانت تتبعها عمتها. قربت فداء ذراعها ناحية جانب عمتها الأيمن لتداعبة مرددة بثبات:
"أنا بغير على إخواتي. وما أحبش حد يساعدهم غيري."
***
حدقت بشقيقتها في انبهار شديد، صفقت بإعجاب وافر وأخذت عيناها تغدو وتروح مع جسد شقيقتها المتمايل وهي ترقص (رقصًا شرقيًا). قامت فداء بفتح باب الغرفة بهدوء شديد. جحظت عيناها وهي تنظر إلى شقيقتها المجنونة تتمايل بخفة وساعدها على ذلك جسدها النحيل. والأكثر صدمة ارتداؤها لبدلة رقص تظهر أكثر مما تخفي. ومن ثم تحولت إلى شقيقتها الهادئة التي تجلس إلى مقعدها المتحرك وقد اندمجت مع شقيقتها بمرح.
سارت فداء حيث تجلس بيسان بمقعدها، ارتسمت ضحكة بلهاء على شفتيها. لاحظت بيسان وجودها لتقول بنبرة هادئة:
"إيه رأيك يا فيدو؟ عنود قررت تعلمني الرقص. وأهي حاجة مفيدة بدل الملل دا."
فداء وهي ترمقهما ببلاهة:
"ما شاء الله، قررت تعلمك الرقص؟ لأ حقيقي ربنا يفتح عليكم، دي حاجة عظيمة خالص."
لم تلحظ عنود وجود شقيقتها الثالثة فقد سبحت في عالم آخر، فهي العاشقة لحريتها حتى لو تمثلت في أبسط الأشياء كالرقص. فتجدها كلما يضيق بها الحال، ترقص، حتى تعود من جديد أكثر تماسكًا. توقفت عنود في تلك اللحظة ومن ثم راحت تنظر لشقيقاتها قائلة بفرحة:
"إيه رأيكم، أدائي بيرفكت (perfect) مش كده؟"
بيسان وهي توميء برأسها إيجابًا في سعادة:
"جدًا يا عنود."
رفعت فداء شفتها العليا قليلًا لتميل على جنب وهي تنظر لـ (بيسان) ومن ثم اتجهت ببصرها ناحية عنود لتقول بنبرة ساخرة:
"لا دا إنتِ عظيمة يا عنقودة قلبي، أنا من رأيي تشتغلي في شارع الهرم؟"
عنود بفرحة وهي تحتضنها:
"بجد يا فيدو؟"
اتسعت حدقتا عيناي فداء في اندهاش من فرحة شقيقتها. مازالت عنود تحتضنها، لتردف فداء بنبرة مذهولة هادئة:
"هو انتِ فرحانة يا دلعادي؟"
ابتعدت عنها عنود قليلًا، لتضم راحتيها إلى بعضهما في رقة ثم قالت بفرحة:
"I really love you, sweeto."
فداء وهي تنظر باتجاه بيسان:
"حلو خالص والله، وتاخدني معاها بقى أرمي عليها فلوس. وناخد سلمي نرمي معانا، ونبقى عيلة أوبن مايند بقى. مش عاوزة أقولك أبوكي هيفرح بالخبر ده قد إيه، يا بجرة؟"
عنود وهي تضع يدها على فمها وتشهق في ذهول:
"اووه. أنا بقرة يا فيدو؟ بتشبهيني بالكاو (cow)؟"
فداء وهي تلتقط ذراعها ثم تضرب على ظهره بغيظ:
"آه بس ملونة وصفرا. أنا آسفة للبقرة يا عنقودة قلبي."
عنود وهي تلتفت ذراعها منها ومن ثم تتابع بحنق:
"ثم إنك Savage (متوحشة) بجد، وبعدين إيه عنقودة دي؟"
بيسان بهدوء:
"خلاص يا بنات. اتصالحوا."
فداء بنبرة عالية:
"غوري اقلعي الفضايح دي يا بنت سالم، جاتك القرف وإنتِ شبه الفرولاية المنحرفة كده. وإنتِ يالا عشان أديكي العلاج، أنا واحدة عندي ماتش وعاوز أتفرج ومش فاضية لكم."
اتجهت عنود صوب غرفة تبديل الملابس الملحقة بالغرفة الكبيرة، الموجود بها فراش لكل واحدة منهن. أخذت تضرب الأرض بقدمها. رغم عشقها للحرية وإلقائها بكلام الناس عرض الحائط، إلا أن (فداء) وحدها من تكبح جماح طموحها وتحاول جاهدة أن تجعلها ذات شخصية مستقيمة. هي هكذا بالفعل ولكن ميولهن اختلفت ويبقي أصلهن هو الباقي.
"فـيدو؟"
زفرة فداء زفرة مطولة بعد أن غابت عنود داخل حجرة تبديل الملابس. التفتت حيث شقيقتها الأخرى وبنبرة هادئة تابعت:
"إيه يا قلبي؟"
بيسان بخجل قليلًا:
"إبراهيم هيقابلني بكرة. بس مش هنا في القصر، عشان بابا مش بيخليني نقعد سوا. فـ هنروح أنا وهو مطعم برا. ممكن تختاري لي فستان بالمناسبة دي؟"
كبا لون وجه (فداء) وهي تستمع لحديث شقيقتها، جال الدمع في عينيها لوهلة وقد شردت بعقلها قليلًا، وراحت تبتسم إلى بيسان بنبرة واهنة مختنقة:
"إبراهيم تاني يا بيسان؟"
بيسان بوجه عابس:
"تاني وتالت ومليون يا فداء، دا حبيبي وخطيبي."
قالتها وهي تحرك الدبلة بين أصابعها في شرود وحنو غلب على نبرة صوتها فيما أسرعت فداء بضمها إلى صدرها وراحت تمسح على خصلاتها الحمراء الناعمة لتتنهد تنهيدة حارقة لا راحة بها وبنبرة ثابتة قالت:
"ربنا يريح قلبك يا بيسان."
***
"إيه مش ناوي تنسى بقى يا بني؟ يمكن الطريق ده ما كانش خير ليك؟"
ربت على كفه من الخلف، ذاك الأب الحنون الذي يشغل مكانة قاضٍ في إحدى المحاكم، يسكن بإحدى القرى الصعيدية وهو عمدة هذه القرية. أنزل (قصي) سلاحه بعد أن صوبه باتجاه الفريسة التي تقع على بعد أمتار طوليًا منه. تنهد قصي باختناق ليردف بنبرة خشنة تنم عن وظيفة صاحبه، بل وظيفته السابقة:
"غصب عني يا جمال بيه، قصي الدمنهوري ما كانش مجرد ضابط. أنا وقفت جنب البلد دي كتير، ويوم ما أغلط غلطة في مأمورية تكون عقوبتي إني أُوقف عن شغلي؟ وبعدين فين حصانتي. هو أنا مش ابن قاضي ولا إيه؟"
جمال بابتسامة هادئة وهو يجاور ناظرًا للسماء:
"لا يا قصي. إنت ابن جمال بس. يمكن كان هيبقى معاك حق لو أنا راجل بضميرين، وبستغل منصبي. وما أعتقدش إنك بتحب الواسطة؟"
قصي وهو ينظر لوالده بجانب عينيه وبنبرة ثابتة تابع:
"عندك حق، بس المرة دي الوضع اختلف."
جمال وهو يمسح على شعر ابنه بحنو:
"عدى سنة على الموضوع ده، وإنت لسه عندك أمل ترجع. إنت آه ضابط كفء بس الغلطة في الشرطة بفورة. يمكن إنت وقت المأمورية دي أنقذت الموقف بس عرضت ناس تاني للخطر. وأنا لسه عند كلامي، ابدأ من جديد يا قصي في مجال الأعمال العالمية. صدقني هتكون رجل أعمال ناجح وهتلاقي بسهولة فكرة لشركتك الجديدة."
عاد قصي ينظر أمامه من جديد، يبحث في معالم حديث والده. كيف لضابط شرطة أن يصبح رجل أعمال فجأة؟ كيف سيفعلها؟ افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة غامضة. فيما تابع جمال بهدوء:
"أستأذن أنا يا ابني. عندي جلسة في المحكمة بعد ساعتين."
أومأ (قصي) برأسه دون أن ينبس ببنت شفة. وما أن غادر والده حتى هوى إلى المقعد الخشبي المجاور له داخل حديقة هذا البيت الريفي الكبير، حيث تحده هذه الحديقة من جميع الجهات عدا الجهة الأمامية الخاصة بالباب الرئيسي. مال بجسده للأمام قليلًا ومن ثم وضع وجهه بين ذراعيه فهو ذاك الشاب القوي الذي لا يعرف عنه الضعف، فقط القوة والصلابة هما المشكلان لشخصيته. وأصبح في الآونة الأخيرة يواعد فتيات حتى حطم بهن الرقم القياسي. لا يعرف الجدية في علاقة كهذه، فمُجمل علاقته بالنساء هي ليلة واحدة تجمعه بهن وبعد ذلك يتوجب عليهن نسيانه بعد مبلغ من المال. أما كلمة زواج فلا يعترف بها مطلقًا.
***
"عمري ما هنسى أبويا وهو ياخدني، الاستاد من صغري في حبه بيعلمني. قالي يابني الزمالك هو حياتنا، والدنيا فانية وأيه غير حبه مالكنا! أوووه أوووه."
صدحت بصوتها تغني في أرجاء الغرفة. وقفت على الفراش وقد أمسكت بشعار الفريق في أحد كفيها وبالأخرى تقرب الريموت كنترول الخاص بالتلفاز من فمها. تأففت إحداهن (عنود) من ضجيجها لتتابع من بين غيظها:
"اوووف بجد، قولت لك مليون مرة ما بحبش الكورة وبعدين بابي أصلاً أهلاوي يا ناصحة. أبقي شيلي المقطع ده، It's very boring."
هي بحدة من بين عينيها:
"أنا هسامحك على اللي قولتيه ده، مش عشان إنتِ أختي. لأ، عشان إنتِ شبهي ومن نفس البطن."
في تلك اللحظة سمعن صوته، يهتف بلهجة جهورية قائلًا:
"يا بلاء القصر!"
بيسان بتلعثم:
"الحقي يا بلاء، قـ قـ قصدي يا فـداء، بابا بينادي عليكِ. يا ترى عملتي إيه المرة دي؟"
التفتت فداء إليها ثم رمقتها بنظرة ثابتة من فوق كتفها قائلة:
"أنا فداء العامري. أعمل اللي أنا عـوزاه."
قام بفتح الباب على الأثر، وقد عبرت قسمات وجهه عن الغضب الجامح وهنا تابع وهو يهدر بها:
"بتضربي الناس بالطوب في المظاهرات يا فداء!"
حملقت إليه في فزع، ومن ثم هرولت تحتمي بشقيقتها التي تصغرها بدقائق فقط (بيسان).
"هم اللي بدأوا، قالوا عليا صحفية نص كم."
ومن ثم استأنفت حديثها وهي ترفع إصبعها السبابة عاليًا وبنبرة متوعدة تابعت:
"أنا فداء العامري، أكبر صحفية في الشرق الأوسط يتقال عليا صحفية نص كم! ليه! هُزلت. رد يا بابي. القطة كلت عيالها!"
قام بالتقاط إحدى ثمرات التفاح الموضوعة على الطاولة أمامه ومن ثم ألقاها في وجهها. سارعت هي بالإمساك بها ومن ثم ردت بنبرة ثابتة:
"تشكر أذوق. كنت جعانة. تترد لك في الأفراح يا سلم."
ضغط على عينيه في انفعال حاول كظمه. أشار لها بكفه بهدوء قبل أن يتابع بثبات:
"تعالي يا حبيبتي هنا، تعالي يا بلاء هقولك ما تخافيش."
فداء وما زالت تحتمي بمقعد شقيقتها لتقول بنبرة ثابتة مدعية الذكاء:
"وإنت فاكر إنك كده بتثبتني؟ لأ يا صاحبي مش هفترق عن أختي وأروح لك!"
في تلك اللحظة هتفت عنود بنبرة تشفي وهي تهرول ناحية والدها ثم تقدم له أحد أحذيتها قائلة:
"اتفضل يا بابي، عشان إنت ناسي الشوز اللي هتضربها بيه."
رفعت فداء أحد حاجبيها بخبث وهي ترى نظرات عنود المتحدية لها فيما تابعت بيسان بتلعثم:
"بليز يا بابي، خلاص. وبعدين ما أكيد ضايقوها بحاجة؟"
في تلك اللحظة سار سالم ناحية ابنته، ومن ثم ألقى الجريدة على قدمها ليقول بنبرة جامدة:
"اتفضلي شوفي أختك جايبة لي الكلام إزاي. شوفي الخبر اللي الهانم كتبته عن أحد الصحفيين."
رفعت بيسان الجريدة أمام بؤبؤي عينيها مباشرة، أخذت عيناها تتسع رويدًا رويدًا ومن ثم ألقت الجريدة أرضًا وقد تخضبت وجنتيها خجلًا. رمقها والدها بنظرة متفهمة فهي الأكثر خجلًا منهن على الإطلاق. مالت عنود تلتقط الجريدة وما أن استقامت حتى نظرت إلى العنوان وراحت تشهق في هدوء:
"اوووبس! صورتي الإعلامي بالفانلة الحمالات والكلسون؟"
فداء وهي تنتشل منها الجريدة ثم تضرب على أوراقها بثبات:
"وفيها إيه يعني؟ هو مش قال إني صحفية وتصرفاتي رجولية وغير محسوبة على جنس السيدات ومش بعيد أكون بلبس كلسون عشان أنا بيئة؟ فـ أنا بقي صورته وهو واقف قدام بيسين ڤيلته ولابس كلسون، نسي نفسه المعفن. أنا فداء العامري، مثال الكرامة والصمود وحقي برجعه بدراعي."
سالم بغيظ:
"هو الراجل يعني ما غلطش، أمال مين اللي كان لابس كلسون بني امبارح؟"
عنود وهي تتخصر أمامهم:
"فعلًا يا بابي وكان فيه rope (حبل) طويل أوي بيئه جدًا، وكل شوية تضربني بيه."
فداء وهي تعض على شفتها السفلى بغيظ:
"آه يا حُقنة يا عنقودة متعفنة، يا بتاعت شارع الهرم!"
رمقتها عنود بعينين جاحظتين. وضعت يدها على فمها في خوف تُرسل لها نظرات تحذيرية من أن تفصح عما دار بينهن أمام والدها فيما تابعت فداء بتشفٍ:
"بنتك الطاهرة الشريفة يا بابا، قررت تذكي عن صحتها وعافيتها وتتبرع للغلابة بحاجة مهمة أوي."
سالم مضيقًا ما بين حاجبيه بتساؤل:
"تتبرع بإيه؟"
فداء وهي تتمايل بجسدها يمينًا ويسارًا:
"بوسطها يا سلم؟ بنتك عاوزة تشتغل رقاصة يا سلم."
سالم محدقًا بهن في صدمة:
"نعم؟"
عنود بنبرة متلعثمة:
"لا يا بابي أوعي تصدقها، أنا عاوزة أبقى dancer في أماكن راقية مش بلدي!"
لم تنته من حديثها حتى وجدت الحذاء يلزق بوجهها. وهنا أطلقت فداء قهقة عالية وهي تهتف بتشفٍ:
"عمال أقولك بلاش أنا بلاش أنا، البسي بقي."
***
"يعني إنت قررت إيه يا حظابط؟"
أردف فايز صديق قصي بتلك الكلمات في تساؤل أثناء جلوسهما بأحد المطاعم. رفع قصي الشوكة إلى فمه ليلتقط الطعام من على طرفها، يلوكه في شرود قائلًا بنبرة عميقة:
"لسه بفكر في كلام الحاج، بس تفتكر لو هعمل شركة، يبقى إيه اتجاهها؟"
ساد الصمت بينهما قليلًا حين أتت النادلة لترفع الطعام عن الطاولة لتردف برقة وهي تنظر ناحية قصي الذي بادرها بغمزة من عينيه فتقول:
"أتمنى يكون الأكل عجب حضرتك؟"
فايز مقاطعًا إياها:
"هو أنا شفاف؟ مش هتسأليني عجبني أنا كمان ولا لأ."
رمقته الفتاة بنظرة باردة ومن ثم سارت مبتعدة عنهما. أخذا يرمقاهـا مطولًا حتى توارت عين أعينهما ليلتفت له قصي مرددًا بابتسامة غامضة أعقبه غمزة من إحدى عينيه:
"إيه رأيك؟ في شركة أزياء وبنات ونعيش!"
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثاني 2 - بقلم عليا شعبان
أراح ظهرهُ علي مسند المقعد الخشبي، ينظُر أمامه بشرود وهمّ. نسمات الهواء العليل تُداعب جفونه التائهه في تفاصيل مُحبته المفقوده. يتواجد حوله الكثير من الورود والزهرات الفواحة الناضجة، ولكنه لم يرَ كـ نضوج إخضرار عينيها مثيلًا.
فما كان منهُ إلا أن زفر زفرة مهمومة ونزل بعينيه إلي صغيرته التي تجلس أرضًا وتضع رأسها علي قدميه تنظُر له كطفلة بريئه. ما أن أحست بحُزن والدها حتي بدأت تستغل رقة ومحاسن وجهه لعقد الصُلح بينهما.
"بابي.. علشان خاطري خلاص، صدقني كانت مُجرد فكرة هبلة.. مش عاوزة أكون dancer خالص، بس وحيات ماما عندك، ما تشتكيها مننا علشان ما تزعلش مننا، مش إنت كدا قايل لي.. انك لما بتقعد لوحدك في الجنينة بتبقي زعلان وبتتكلم إنت وهي؟!"
افتر ثغره عن إبتسامة حانية، ليمسح علي خُصلات شعرها الأحمر القصير. كانت تنظُر له بوداعة فجّه، لم تكُن تتصنعها أبدًا، فهي تلك الرقيقة المُشاكسه التي مهما صنعت من الأفعال ما لا يليق بهـا، تفعله من دون درايه فقط كي لا يكون لأحد عليها من سلطة. أمـا هي فصاحبة نية صافية وقلب ألماسي كـ شقيقاتها ووالدتها ولا ننسي قوة شخصيتها. لذلك دائمـًا ما يُذكرانه بها.
مازالت تنظُر صوب عينية بإستفهام. كانت الإضاءة شديدة الخفوت، لا يظهر من ملامح عنود سوي عينيها الرماديتين تلمعان ببريقِ مُبهج. وهنـا رفع أحد حاجبيه ليقول بإبتسامة صادقة:
"ما بعرفش أغلبك أبدًا، أقعدي بصيلي زيّ الحمل الوديع كدا، لحد ما أضعف قدامك وأصالحك!"
"بعشقك أوي بجد، وزعلك بيوجعني.. كأن حد أخذ المانيكير والفساتين بتاعتي."
"مانيكيرك وفساتينك مرة واحدة؟.. ما قولتيليش مش ناوية ترجعي الشُغل في الشركة مع هانيا الرفاعي تاني؟"
لوت عنود شدقها بإمتعاض من ذكر هذا الاسم أعقبها إيماءة خفيفة رافضه لتقول بضيقِ:
"مُستحيل يا بابي، هم اللي خسروني.. غلطي من الاول اني ما أسست شركة لنفسي وقبلت أكون مصممة لشركتها تتحكم فيا زيّ ما هي عاوزة وياريتها بتوصل لنفس موديلاتي، بل بالعكس الموديلات من تصاميمها بتفضل في المخازن مش لاقية اللي يشتريها لحد ما بيبيعوهـا بأبخس الأسعار."
"حقك حبيبتي، بإذن الله أنا معاكي في أي خُطوة هتاخديهـا.. يوم ما تلاقي مُنصف للشركة (شريك) أو مبني رئيسي، الفلوس هتكون بين إيدك في الحال."
في تلك اللحظه نهضت عنود عن الأرض ومالت إليه تحتضنه في سعادة غامرة وهي تقول:
"ربنا يخليك ليّا يا بابتي، بحبـــك."
"وانا كمـان يا سيدة قلبي."
إبتعدت عنود في الحال فيما أردف سالم بتساؤل:
"فاضل ساعة علي الماتش، أمال فين فيدو مش شايفها؟"
استدارت عنود ناحية الجهه الأُخري، ومن ثم صوبت إصبعها السبابة ناحية إحدي الغرف (الغرفة المُخصصة لمساعدي الفتيات وهي حجرة مُنفصلة عن مبني القصر). ومن ثم تابعت بضحكة مكتومة:
"هنـا يا بابي."
قاطب سالم ما بين حاجبيه بإستغراب:
"بتعمل أيه في الأوضه هنا؟!"
مطت عنود شفتيها للأمام قليلًا ثم رفعت كتفيها علامة التجاهل. ســار سالم بخُطواته ناحية الغرفة وكذلك تبعته عنود. كان الباب مواربًا قليلًا حين استرق سالم السمع إلي داخل الغرفة فيمـا مالت عنود للأمام تنظُر من فتحة الباب.
"يارب نكسب يارب، لو كسبنا هجيب خروف وأدبحه ومش هأكل سالم منهُ علشان أهلاوي وبيفرح فيّا.. لا لا، أنا أسفه يارب، ما هو أبويا بردو لازم نستحمله."
أردفت فداء بتلك الكلمات وهي تجلس القُرفصاء علي الفراش الصغير تمسك الريموت بين كفها وتستمع إلي أحد برامج الكورة (الإستديو التحليلي للمُباراة). وهنـا رفعت منديلًا ورقيًا إلي أنفها تمسحه وباليد الأُخري تمسك أحدي ثمرات الخيار تأكلها بنهمّ. وهنـا قام سالم بفتح الباب علي غفلة.
"يــع يا مُقرفة."
"جايين هنا ليه؟.. وبعدين في أيه يا بت؟، هم اللي بينفوا بيكون فين يعني.. هتعمليلي فيها بنت أثرياء.. وأقسم بالله أمسك فستانك الجميل دا وأنف فيه."
هرولت عنود ناحية والدها تحتمي خلفه وبنبرة مُغتاظة تابعت:
"بنت أثرياء of course (طبعًا)، إنتِ اللي ألفاظك سوقية وشوارعية.. مش معقول يا بابي دي تبقي أُختنا؟!"
"ركبي نظارة يا حبيبتي.. لولا شعركم وإن بلاء بتلبس لبس رجالة كان من الصعب عليا أفرقكم، للأسف المرير هي أُختك."
تنحنحت فداء قليلًا لتسير بخُطي وئيدة ناحية والدها. يقف حائلًا بين الإثنتين فيمـا مالت فداء برأسها قليلًا علي جنب تنظُر إلي شقيقتها المُختبئه وبنبرة جامدة تابعت:
"لأ أنا أُختك يا فرولاية مُنحرفة إنتِ، ولولاش إن الراجل الطيب دهون واقف زيّ السد العالي بينّا كُنت أرأشتك بين سناني يا بتاعه بابي.. مالها أبويا يعني، قالت لأ؟"
"بابي.. بلاء بتبحلق ليّ."
"ما تبحلقيش لأختك يا بنت، إنتِ عارفة انها بتخاف.. وبعدين كُل دا بسبب الماتش وإنكم هتخسروا زيّ كُل مرة، وبعدين بتعملي أيه في أوضه المُساعدين؟، بتستخبي من التحفيل هـــا؟"
عـبرت قسمات وجهها عن الإمتعاض، لتردف بنبرة ثابته ومفتخرة:
"إحنا بفضل الله ما بنخافش، وهنكسبكم يا سالم يا عامري وساعتها لن أرحم أحد وخاصة بنتك المُنحرفة دي."
ما أن أنهت جُملتها حتي رفعت ذراعها للأعلي قليلًا ثم صوبت ثمرة الخيار نحو شقيقتها حتي إصطدمت برأسها لتصرُخ عنود بتأوه. وهنـا هرولت فداء للخارج حتي لا يستطع والدها رد إعتبار شقيقتها لتقول وهي تهرول خارج باب القصـر:
"انا بلاء العامـري.. أعمل اللي انا عاوزاه."
——–
"Bonjour Monsieur yamen ,"
أردفت النادلة بتلك الكلمات وهي تضع الطعام إلي الطاولة دون أن يطلبه منها، فقد أصبح يامن معروفًا لدي مسؤلي الفندق والعاملين عليه لكثرة التردد إليه وأيضًا هو من ضمن مجموعة من الأطباء المصريين في مجالهم والذي لا غني عنهم من قِبل نقابة الأطباء بـ فرنسا. لإتقانهم مهمتهم والكد بها والسعي نحو النجاح الدائم ليُذاع صيته في أرجاء فرنسا كاملة.
نحا ببصره عن الجريدة بين يديها وراح ينظُر لها يرمقها بنظرة هادئة قائلًا وهو يطوي الجريدة ثم يُلقي بها أمامة:
"Bonjour, comment ça va ellisa?!"
" بخير، دكتور ."
أومأ يامن برأسه إيجابًا وهو يري إبتسامتها الرقيقة تُنير وجهها ليفهم رغبتها في الإمتنان وسعادتها بعودتها إلي حياتها الطبيعية ليردف بتساؤل من بين إبتسامة شفتيه:
"Prenez-vous votre treatment régulièrement ?!!!"
أومأت الفتاة برأسها إيجابًا لتقول وهي تفرك كفها بالآخر وعينيها مازالت ترمقاه بسعادة وكأن نظراتها لا تنم عن حالة إمتنان فحسب ثم تُجيب بإبتسامة رقيقة:
"Oui, je le fais ."
"Je vous souhaite un prompt rètablisse ment ."
تنحنحت الفتاة قليلًا لترمقه بنظرة مُطولة ومن ثم تستدير حتي غادرت الطاولة فيما إبتسم هو من جانب فمه وهو يتذكر حديث هذه الفتاة له عندما كانت تُخبره دائمًا أثناء جلسه العلاج، بأنها تعشق ملامحه الشرقية الفذّه وكثافة أهدابة ولحيته المُنمقـه.
هزّ رأسه بهدوء فهذه الفتاة لن تهدأ حتي تقولها صريحة ولكنه لن يقبل بهكذا شيء، فـ قلبه ليس فارغًا.. بل قلبه ليس مِلكه مُنذ أمد بعيد. يُحبها حد الجنون، ولكنها لم تُبادله يومًا هذا الشعور الخفي من قِبله. حزن كثيرًا عندما خُطبت لآخر، أحس بأن هـدوئها الحالم مـا هو إلا إطار خارجي فهي أقوي من مُجرد كلمة هدوء. فقد هزّت عرش قلبه مرتين، الأولي عندما أحبها فأحس وكأنه يُحلق عاليًا والثانية عندمـا فقدها وأصبحت لآخر، ولكنه مُنذ متي وكان يمتلها في الأصل؟
مد يدهُ يلتقط هذا الدفتر الأسود حيثُ يأتي هنا كُل صباحِ يكتب لهـا وعنها ولا يري كتاباته سواه. فتح الدفتر بهدوء من مُنتصف أوراقه حيث خبأ صورة تجمعهمـا بين ثنايا هذا الدفتـر.
ابتلع غِصة في حلقة وهو يتذكر هذا اليوم، عندما أخذا صورة من كاميرا الهاتف الخاصة به (سيلفي) فكان وقتها في الثامنة عشرة من عُمره. أي مـر وقت طويل لم يرها فيها، عشرة سنوات كاملة، ولكنه شديد الحُزن علي ما حل بهـا. كانت نيران الغيرة تأكل أحشائه حتي صار داخله رمادًا ولكنه لم يتمنَ يومًا بأن يُصيبهـا أذي. مسح علي ملامحها في الصورة بأطراف أصابعه وبنبرة تحترق شوقًا لهـا تابع:
"وحشتيني !!.. كان نفسي تكوني حاسه إنك وحشتيني يا بيسان.. بس مش مهم، قريب هشوفك ولهفتي تخف."
——-
"لا لا، إحنا التشكيله بتاعتنا جامدة، الحمدلله الفريق أخيرًا وقف علي حيله من جديد، أتمني المُدرب دا يفهم دماغ اللعيبه كويس ومكانهم الصحيح في الملعب، وبعدين يا سالم الكُورة مكسب وخُساره، خلي عندك روح رياضية وما تحلمش إن المكسب يكون لكم المرة دي."
أردف جمال الدمنهوري بتلك الكلمات في حماسة وهو يُحادث صديقه الحميم سالم العامري. فهما من نفس القرية. عندما غادرها سالم لتربية بناته في جو أهدأ فيما تمسك جمال ببقائه فيها وأصبحا رفيقا عمل كذلك. أطلق سالم قهقة عالية فكثيرًا ما يسمع هذا من فم صديقه، وفي كُل مرة يبقي الحال علي مـا هو عليه وراح يقول:
"يا جمال ما تدخلش بقلب جامد كدا يا صاحبي، دا كلام كُل مــرة !!!"
"بقولك أيه، هنكسب إن شاء الله، ‘قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان‘.. إنت واخد راحتك في الكلام عن الفريق، شكل فداء مش جانبك؟"
"لا، خرجت من نص ساعه بعد خناقة مع عنود وشكلها هتسمعه عند حد من صاحبتها، المهم قُصي عامل أيه دلوقتي؟"
"الحمدلله علي كل حال، بحاول آهله نفسيًا حتي إقترحت عليه يعمل شركة وهو قالي هيفكر.. هو دلوقتي راح يسمع الماتش مع فايز علي القهوة.. هرجع لك بعد الماتش بقي."
"بس ما تقفلش الفون يا صاحبي !!!"
——–
"عاااااا.. شوط.. شووووط، هييييه، ضربة جزااااء.. ضربة جزاء يا قهوة."
أردفت فداء بتلك الكلمات وهي تجلس داخل إحدي القهاوي بحي المُعـز. رمقها مُنير بنظرة مُغتاظة فهو أهلاوي صميم. ورغم إختلاف ميولهما، فهما أصدقاء عمل ورفاق درب بقوة. أخذت فداء تهزّ حاجبيها له وكأنها تثير حنقه حينمـا تابع بنبرة مُنفعلة قليلًا:
"ضربة جزاء في أول دقيقتين! أه يا ولاد المحظوظه."
إلتفتت فداء من جديد ناحية شاشة التلفـاز الكبيرة، لتجد نفسها تقف في مكانها تأهبًا لتسديد الهـدف القادم. ومـا أن شاطها اللاعب حتي صرخت بفرحة:
"جوووول.. جوووول."
في تلك اللحظه إلتفت لها جميع من بالقهوة ويبدو علي وجوههم العبوس والحنق. أخذت تُثير حنقهم وهي تهتف بنبرة تُخفض رويدًا رويدًا:
"جول، جووول.. وجبنا جول."
وهنـا سمعت صوت أحدهم يهتف بنبرة غاضبة متوجهًا بالحديث إليها:
"هي دي أثار حرمان ولا أيه يا حلوة؟، وبعدين إنتِ أيه مقعدك علي قهوة تتابعي الماتش؟"
إلتفتت لهُ فداء تجدحه بنظرة صارمة وهي ترفع أحد حاجبيها وبنبرة جامدة تابعت:
"الحلوة دي تبقي مــاما يا حيلتهـا.. وبعدين هو مكتوب علي القهوة (للرجال فقط)؟"
نهض فايز من مكانه مُتجهًا ناحيتهـا، ليأتي صاحب القهوة علي الفور وبنبرة عالية بعض الشيء قال:
"بس يا أُستاذ.. دي فداء هانم، من زباين المكان وصاحبه فكرة الوايت نايتس للبنـات، والقهوة تتشرف بيهـا في أي وقت."
"هأ!، فكرة الوايت نايتس للبنات!!.. إنتِ أخرك عن الكورة إنها مدورة يا قُطة؟"
بدأت فداء في فك الشال الفلسطيني الموضوع حول رقبتها بشكلِ دائم وبنبرة ثابتة تابعت وهي تقترب أكثر منهُ:
"عندك حق، تعرف إنت بقي الهجمات المُرتدة؟"
ومـا أن إنتهت من جُملتها تلك حتي لكمته علي وجهه بغيظِ. كان قُصي يُتابع الحوار بإبتسامة ضاحكة. لم تأتي لهُ فرصة وأن يُقابل فتاة تهوي الكورة هكذا. وما أن وجد صديقه يرتد للخلف حتي جحظت عيناه بذهول وهـرول إليه ليهتف بها بصوتِ أجشٍ:
"بت.. أيه الهبل اللي بتعمليه دا؟، بتضربي الراجل يا جحودك؟."
مـال قُصي علي صديقه يعاونه علي النهوض وهنا تابع فايز بصوتِ خفيض:
"قولها إن أنا ضابط وخوفها يا عم؟"
إلتف الجميع حولهم. شعرت بالإمتعاض من إنشغالها عن المُباراة، لتهتف بنبرة عالية قائله:
"ما خلاص يا عم إنت وهو، كُل واحد يقعد في حاله، تموتوا في المصايب إنتوا."
"معلش يا أُستاذ.. أيه رأيك في الهجمة المُرتدة، دي ولا أحلي من اللي في الماتشات."
"أنا مش عاوز أمد إيدي عليكي علشـان إنتِ بنت."
إنتهي فايز من قول كلماته تلك ليصرخ المُعلق مُعلنًا عن مجيء هدف آخر لنادي الزمالك. أخذت تهتف بفرحة وتفرد ذراعيها في الهواء ثم تُحركهما يمينًا ويسارًا تضرب كُل من تلقاه بوجهها، لينل مُنير من الضربات مـا يكفيه لـ سنه قادمة. رمقها كُلًا من قُصي وفايز نظرات مذهولة ليتابع فايز بنبرة خفيضة خشية من أن تسمعه:
"يما!، دي حُرمه صعرانه.. اسندني يا عم أقعد بعيد عنها."
"فرحان فيك.. علشان أهلاوي… خايف من البت يا حظابط؟!"
"يا عم مش خايف ولا منيل، يعني أضربها مثلًا.. أفرد طلعتلي موس من بؤها، أفرح أنا؟!"
قــادهُ قُصي حتي المقاعد البعيده عنهـا. أخذت تنفعل مع الأجواء تهتف جزعًا وتُحفز اللعيبه. راقبها قُصي بين الحين والآخر ليقول من بصوتِ خفيض:
"البنت دي شكلها رد سجون يا فايز، دي البت علمت عليك.. ولا أحلي هجمه مُرتده.. كان لازم تتفذلك عليها وتحسسها إنك هتعلم عليها، أهي علمت عليك يا كبير.. إحمد ربنا إن ما حدش يعرف إنك ظابط."
جدحه فايز بنظرات حانقة ليلتفت ناحية فداء. يرمقها بنظرات مُتوعـدة ومـا أن لاحظت هي ذلك حتي برقت له ليعود يلتفت أمامه من جديد وبنبرة خافتة تابع:
"يا بنت المجنونة."
"هي مجنونه، بس مُـزة يا صاحبي."
———-
"يا تري بـو، هترجع لبيتها تاني؟، أهيء أهيء، أنا زعلانه عليهـا."
أردفت بيسان بتلك الكلمات وهي تنظُر إلي شاشة التلفاز بتأثر. رمقتها عنود بنظرة حانية.. فـ بيسان معشوقة شقيقاتها. في حين تابعت بيسان من جديد:
"السلحفاه دي عاوزة تموتهـا، بس أكيد شلبي هينقذهـا."
تركت عنود القلم من يدها لتضع الدفتر جانبًا، حيث كانت تُشغل وقت فراغها ببعض التصاميم خاصةً بعد مُغادرتها لعملها. مدت ذراعها تحتضن شقيقتها المُمددة في الفراش وبنبرة هادئه بعدما ضيقت عينيها تنظُر للتلفاز تابعت:
"دي مش سلحفاه.. دا تعبان صغنن."
"لأ طبعًا.. التعبان جسمه طويل عن كدا، مش إنتِ شوفتيه في ناشيونال جيوجرافيك؟"
"تصدقي عندك حق، أمال أيه دا؟"
مطت بيسان شفتيها وكأنها لم تصل إلي الجواب بعد وسرعان مـا نحت ببصرها ناحية شقيقتها ثم أردفت بسعادة:
"فـ فيدو شكلها مش هتختار الفستان معايا.. يبقي إنتِ يا معالي المصممة البارعة أكيد هتساعديني في إختياره."
"فستان أيه دا؟"
"إبراهيم قرر يخرجني لأني وحشته، وطبعًا عاوزة أكون أجمل بنت في عينه."
تسايرت السعادة عن وجه عنود، إبتلعت غصة في حلقهـا تنظُر إلي شقيقتها بشفقة وإختناقِ فيما تابعت بيسان بإستغراب:
"هـا، هتختارية معايا ؟؟؟"
قامت عنود بتقريب رأس شقيقتها منها ثم إحتضنتها وسالت قطرات دموع من عينيها وهي تتنهد بقوة قائله:
"من عيوني."
———–
"مش معقول كمية السعادة دي.. إنت ناسي إن لسه في شوط تاني ولا أيه؟!"
قالها سالم وهو يمسك بالريموت بين كفه، يُخفض من الصوت قليلًا في حين تابع جمال بسعادة غامرة:
"خلاص النتيجة إتحسمت، الشوط التاني اللي بتتكلم عنه دا، مش هيفرق معانا في أي حاجة."
"الا بصحيح، انت كُنت بتقول إن قُصي عاوز يدخل في إدارة الأعمال ويعمل شركة.. طيب مـا أنا عندي فكرة كويسة جدًا !!!"
لم يتسني لصديقة السؤال عن هذه الفكرة حينما دلفت مُني لداخل حجرة المكتب، تنتحب في فـزعِ وبنبرة باكية تابعت:
"إلحق يا سالم.. فـداء إتخانقت مع شباب كانوا بيعاكسوهـا، وهي دلوقتي في القسم !!"
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثالث 3 - بقلم عليا شعبان
أوقف السيارة أمام مبنى مركز الشرطة.
أصرت منى على ملازمته حتى يطمئن قلبها برؤية فداء.
ترجلا خارج السيارة على عجالة من أمرهما.
ذهب سالم في خطواته إلى الداخل يتلفت حوله بقلق ليجد أحد العساكر يقف على مقربة منه وبنبرة متلهفة تابع:
_ بقولك إيه يابني، كان فيه خناقة من ساعة كده، بنت مع شباب، ما تعرفش ألاقيهم فين؟
العسكري وهو يومئ برأسه إيجابًا:
_ موجودين في مكتب ظابط فايز، آخر الطرقة دي على إيدك الشمال.
هز سالم رأسه عدة إيماءات خفيفة.
سارت منى بجواره تستتبع خطواته تضع كفها على قلبها من فرط الخوف وبنبرة قلقة تابعت:
_ أنا خايفة على البنت أوي يا سالم.
_ ربنا يستر، بعيد الشر عنها.
تنحى سالم يسارًا ليجد ذاك المكتب المقصود، طرق عدة طرقات سريعة على الباب عندما استغرب من غياب الصول المختص بحراسة الغرفة.
أتاه صوت أحدهم يهتف بصرامة:
_ ادخل.
أدار مقبض الباب حتى فتحه، رفع عينيه إلى داخل الغرفة يتفحص الوجوه الموجودة بها ولكنه لا يستطيع إحصاء عددهم.
وهنا هتفت منى بعويل وهي تنظر إلى فداء المقيدة من قبل مجموعة من السيدات العاملين بالمكان:
_ بنتي يا سالم؟ إنتوا بتعملوا فيها إيه؟
فايز وهو ينظر لسالم وكأنه وجد طوق النجاة له:
_ إنت والد البنت دي؟
فداء متصنعة البكاء:
_ بابي الحقني ضربوني.
هرولت منى ناحيتها ثم صرخت بالسيدات حتى يبتعدن، لينصعن لرغباتها بأوامر صادرة من فايز.
قامت منى باحتضانها وهي تمسح على خصلات شعرها.
تابع فايز ما تفعله هي، تلك المتوحشة تجيد تمثيل دور البراءة الآن.
أزاح القماشة المبللة الموضوعة على إحدى عينيه طولياً حتى جانب فمه الذي انتفخ من لكمتها له.
وبنبرة مغتاظة تابع:
_ بنتك هتبات في الحبس هنا لحد ما تتعرض بكرة على النيابة، ووريني هتخرج منها إزاي.
رمقه سالم بعينين جاحظتين مشوشتين من منظره المشوه.
سار ناحية ابنته ليجدها تنظر ناحية الضابط بعينين حادتين.
وما أن اقترب والدها منها حتى تابعت بحزن وهي ترمي بين أحضانه:
_ بابي.. احبسه يا بابي، إنت قاضي وعندك كل الصلاحيات، وبعدين ده ضربني.
اندهش سالم مما قالته ليرفع وجهها إليه ويبدأ في فحص كل تفصيلة بوجهها بإمعان بالغ.
لم يكن فايز بأقل اندهاشًا، كيف لهذه الشرسة أن تكون ابنة أحد القضاة؟
وهنا تابع سالم بنبرة مرتاحة قليلاً:
_ ما فيش في وشك أي حاجة يا بنتي.. ضربوكي إزاي!!!
نهض فايز من مكانه، ثم أشار بإصبع السبابة إلى وجهه تارة وأخرى إلى أحد العساكر الذي يجلس في زاوية من الغرفة يستعيد اتزانه ليردف بنبرة متألمة:
_ يعني دي شكل واحدة اتضربت، يعني أنا والراجل الغلبان ده شفاف؟ ولا إنت مش ملاحظ وشي يا باشا.
فغر سالم فاهه وقد اتسعت حدقتا عينيه زاوية منفردة.
كانت لا تزال تلقي بوجهها بين أحضان والدها لترمقه بنظرة متوعدة وهي تعض على شفتها السفلى بتهديد.
ابتعد سالم عنها قليلاً وبنبرة مصدومة تابع:
_ بنتي هي اللي ضربتك كده؟
فايز بغيظ ونبرة متألمة:
_ تخيل؟ دي مش معقولة.. عاملة زي الطور الهايج حضرتك، ضربت رجالة القهوة وضربتني وضربت الراجل الغلبان ده اللي بيجري على عيال، شاطته برجليها لزقته في الحيط جاله ارتجاج في المخ، وياريت اكتفت بكدا بس، دي قطعت شعر الصول فوزية وسهيلة دوب قيدوا حركتها بالعافية.
فداء وهي تبتعد عن والدها وبنبرة جامدة هتفت وهي تقترب منه:
_ هو في ظابط اسمه فايز وصوله اسمها سهيلة؟ وبعدين انت هتعمل عليا ظابط.
سالم بنبرة صارمة:
_ فداء، تعالي اقفي هنا.
انصاعت فداء لأوامر والدها.
سار سالم ناحية العسكري الذي يجلس إلى مقعد خشبي في زاوية ما، ربت على كتفه تأسفًا منه.
ومن ثم اقترب من فايز وراح يقول بنبرة أسفة:
_ أنا متأسف لك يابني والله، حقك على راسي.
فايز بتساؤل وحيرة وهو يضغط على كدمته بألم:
_ إيديها تقيلة أوي يا باشا، أنا مصدوم إنها بنت حضرتك.
سالم وهو يربت على ظهره بخفة:
_ إنت مصدوم من ساعة بس، أما أنا مصدوم من ساعة ما خلفتها.
فايز وهو يعازيه بحزن:
_ كان الله في العون يا باشا.
في تلك اللحظة فتح الباب من جديد، دلف قصي داخل الحجرة يحمل سلسلة ذات سمك عريض.
وبنبرة ثابتة تابع:
_ وأدي الجنزير.. جبته من مخزن القسم، وأبقي وريني بقي هتفكي نفسك إزاي!!!
استدار سالم ناحية مصدر الصوت حتى تقابلت أعينهما.
قطب سالم ما بين حاجبيه في استغراب من وجود ابن صديقه داخل أحد الأقسام خاصة بعد صدور قرار توقفه عن العمل.
فيما رمقه قصي بإندهاش وراح يقول باستغراب:
_ عمي سالم؟ منور القسم يا معالي القاضي، خير كده؟
سالم يبادله ابتسامة هادئة:
_ إزيك يا قصي يابني.. ما فيش يا سيدي جاي أشوف المصيبة اللي بنتي عملتها المرة دي.
قصي بعدم فهم متابعاً:
_ لا سمح الله، بنت حضرتك تيجي الأماكن المشبوهة دي تعمل إيه؟ سالم العامري ما يجيبش غير ملكات، على العموم إنت قولي إيه مشكلة بنت حضرتك وأنا بنفسي هحلها.
رمقته فداء بنظرات ثابتة وهي تضع كفها حول خصرها.
فيما ابتسم فايز ببلاهة وهو ينظر لصديقه بإشفاق.
تنحنح سالم قليلاً قبل أن يشير إلى ابنته قائلاً:
_ ما هي دي بنتي يابني!
ضم قصي فمه باستنكار، وقف قبالة سالم ومن ثم أردف بنبرة هادئة:
_ بعيد الشر عن بناتك يا عمي.
فداء وهي تصرخ به غيظاً:
_ ما تقولش لبابي، يا عمي!!!
رمقها قصي بشدة، تارة ينظر لها وأخرى لوالدها ومن ثم تابع بتساؤل مصدوم:
_ اللي سمعته ده صح يا عمي؟ مصاصة الدماء دي بنتك؟
فداء بثبات:
_ أيوه يا عنيا.
سالم وهو يلتفت ناحيتها ناظراً بوعيد:
_ فداء.. مش عاوز أسمع صوتك خالص، مفهوم؟
سالم وهو يعاود النظر إلى قصي مجدداً ثم أردف بثبات:
_ أيوه يابني، هو إنتوا ما عرفتوش من البطاقة بتاعتها ولا إيه؟
فايز بغيظ:
_ ما رضيتش تسلمها وخبيتها في الـ.. ال.
قصي وهو ينظر لصديقه بتحذير:
_ بلاش ندخل في تفاصيل، الله لا يسيئك.
سالم بنبرة أسفه:
_ أنا بعتذر منكم يا ولاد، فداء بس عصبية شوية.
اسمعي يا لذيذة، عشر دقايق وهكون في شركتك، ويا ريت مرتبى يكون موجود كامل يا مودموزيل هانيا.. أوكي؟
أردفت عنود بتلك الكلمات بثبات وهي تضع الهاتف على أذنها وتسنده بكتفها أثناء وقوفها أمام المرآة تتفحص شكل الثوب عليها.
أنهت الاتصال دون أن تستمع لرد الفتاة ومن ثم ألقت الهاتف على منضدة الزينة وبمرح منها التفتت لتواجه شقيقتها التي نظرت إلى الثوب بإعجاب ولمعة عينان لتردف عنود قائلة بحنو:
_ إيه رأيك فيه؟ لو عجبك، فـ أكيد عليكي هيكون بنفس الشكل.
بيسان بفرحة:
_ حلو أوي يا فروليتي، بس تفتكري هيعجبه هو!
نزلت عنود بعينيها إلى الثوب ترمقه بوجوم.
رفعت بصرها إلى الكومودينو المجاور للفراش ومن ثم سارت إليه بخطى وئيدة حتى أمسكت بعبوة الدواء بين أطراف أصابعها.
لوت بيسان شدقها بامتعاض وراحت تقول بحزن أثناء اقتراب شقيقتها منها:
_ مش بحبه يا عنود، الدوا ده طعمه مر، إنتوا ليه مش مصدقين إني كويسة؟
جلست عنود القرفصاء أمامها، مدت يدها تلتقط كف شقيقتها ومن ثم رفعته إليها تطبع قبلة حانية في باطنه لتردف بهدوء:
_ مصدقاكي يا عمري.. بس إحنا بننفذ كلام الدكتور، عشان تبقي أحسن.
تركت كفها بهدوء وراحت تفتح عبوة الدواء حتى التقطت منه كبسولة صغيرة، لتتناولها بيسان منها ثم تبتلعها باستسلام.
استقامت عنود في مكانها من جديد وبنبرة حانية تابعت:
_ بصي، هخرج لحد الشركة وهرجع لك فوراً.. مراد هيكون جنبك وبإذن الله في مرافق جديد هيكون معاكي من بكرة، ويا رب فيدو ما تطفشه.
بيسان بتساؤل:
_ بلاش تروحي شركة البنت دي تاني، لو محتاجة فلوس اطلبي من بابي!
عنود بابتسامة شاردة:
_ بابي عُمره ما خلانا محتاجين لفلوس.. بس عودنا دايماً نشفق على اللي تفكيره بحجم نملة.. مش هتأخر عليكي.
مالت قليلاً ما إن انتهت من كلامها، ثم طبعت قبلة مطولة على جبين بيسان وبعدها ترجلت خارج الغرفة.
أنا آسف يا عمي على سوء التفاهم ده، تحب أوصلكم بعربيتي؟
أردف قصي بتلك الكلمات بثبات وهو يقف أمام باب القسم الخارجي، فيما تابع سالم بامتنان:
_ شكراً يابني تعبناك معانا.. هستناك بكرة ضروري عشان موضوع الشراكة ده.
تنحنح قصي قليلاً ليقترب من أذن سالم وبنبرة ثابتة تابع:
_ بنت حضرتك التانية، بنفس الفصيلة دي؟
سالم كاتماً ضحكته:
_ لأ، شتان يابني.
قصي وهو يتنشق الهواء داخله بارتياح:
_ الحمدلله.. اتطمنت إني مش هرتكب جريمة في حد، سبحان من صبرني وجعل نفسي طويل عليها.
قطع حديثهما صوت فداء الباكي وهي تضرب بقدمها الأرض وكذلك تمسح وجنتيها بحزن.
قطب قصي ما بين حاجبيه فيما تابعت منى التي سبقت شقيقها بالسؤال:
_ في إيه يا بنتي مالك؟
فداء وهي تفتعل البكاء حيث تنظر صوب والدها بعتاب:
_ الماتش ضاع عليا.. سامعة يا عمتو إحنا كسبنا، أغاني الزمالك اشتغلت أهو.
قصي بفرحة:
_ الحمدلله.
فداء وهي تنظر له بفرحة عارمة:
_ إنت زملكاوي؟
قصي بثبات:
_ آه زملكاوي جداً كمان.
مدت فداء يدها نحوه كي تصافحه وما أن مدها هو الآخر حتى أبعدت يدها وهي تمسح أنفها بمنديلها قائلة بنبرة باكية.
فيما تابع قصي بغيظ متوجهاً بحديثه إلى والدها:
_ بتعيطي تاني ليه دي؟
فداء بحزن:
_ أصلي بحب الأغنية دي وكان نفسي أغنيها معاهم.. ‘راية في البلكونة، شارة على العربية، زملكاوي وعيلتي كلها زملكاوية‘، بس أنا عيلتي كلها أهلاوية ياسطي يرضيك حتى سلم كمان.. دايمًا قاتلين الفرحة جوايا ومغلوبة على أمري.
قصي بنبرة مصدومة:
_ مين دي اللي مغلوبة على أمرها؟ وحالات العظام والإسعافات الأولية اللي جوا دي تبقى إيه؟
أسرعت فداء بالاقتراب منه ومن ثم ضربت على صدره بقبضتها وهي تقول بتفاخر:
_ صحة ياسطي.
قصي وهو يكور قبضة يده بغيظ:
_ ربنا يديمها.
سالم بتساؤل:
_ أمال فين منير يا فداء؟
فداء وهي تنوي له الشر:
_ قالي هروح أجيب محامي وما جاش.. بيتخلي عني؟
سالم ضاحكاً:
_ ما هو اللي اتصل بمنير، شكله تعب من كتر البهدلة معاكي.. اركبي ياختي، اركبي.
اتجهت صوب الباب باندفاع جارف لم تهتم بهتاف السكرتيرة بها، فهي تلك العنيدة التي عندما تغضب تنسى هوية الواقف أمامها ويكن همها فقط الثأر.
قامت بفتح الباب على الفور، رفعت أحد حاجبيها بثبات، فيما رمقتها هانيا بنظرة تحدٍ لتردف بسخرية من خلف مكتبها:
_ أهلاً بمصممتنا المميزة!! أخبارك إيه من غير شغل؟
سارت عنود بقوامها الممشوق بتفاخر ناحية المكتب ومن ثم جلست إلى المقعد المقابل لها تضع قدماً فوق الأخرى وبنبرة باردة تابعت:
_ مش شغلك يا إنتِ، ها!.. فلوسي جاهزة؟
هانيا بسخرية:
_ إيه؟ للدرجة دي، إنتِ في حاجة ماسة للفلوس؟.. ليكون حضرة القاضي فلس.
أطلقت عنود ضحكة عالية على حديثها، جدحتها بنظرة ثابتة وبنبرة أكثر استفزازاً تابعت:
_ الفلوس اللي عند بابي ما بتخلصش، ولو خلصت كبرياؤنا ومركزنا بيرفعونا.
رمقتها هانيا بنظرة يتطاير منها الشرر، قامت بالتقاط بعض النقود من درج مكتبها ومن ثم وضعتها على المكتب لتقول بنبرة مستلذة بما تفعل:
_ الفلوس أهي.. بس يا ترى هتقدروا تجيبوا علاج أختك الغلبانة دي إزاي؟!!!
نهضت عنود من مكانها على الفور، التقطت المال بين كفها ومن ثم استدارت حتى أصبحت تقف أمام هانيا مباشرة.
بدأت في نزع المبلغ من المظروف لتبدأ في نثره على رأس هانيا ببرود صقيعي وهي تقول بنبرة جامدة:
_ بغض النظر عن إنه مرتبى وحقي.. بس أي حاجة تلمسها إيدك القذرة دي، أقرف أمسكها، أنا أوزنك فلوس يا هانيا، وبالنسبة لأختي فـ ورحمة مامي.. اسمها ما ييجي على لسانك، لأقصولك.
ومن ثم استأنفت وهي تضع إصبعها السبابة جانب رأس هانيا قائلة بسخرية:
_ you understand me or not?? (فهماني ولا لأ؟!)
تجهمت معالم وجه هانيا لتنتصب واقفة في مكانها ومن ثم صرخت بنبرة عالية تستدعي فيها رجال الأمن بالشركة، وما أن امتثلوا لأوامرها حين تواجدوا داخل الحجرة حتى تابعت بنبرة صارمة:
_ خرجوا البنت دي برا؟
اتجه أحدهم إليها، بدأ في الاقتراب منها فيما عادت عنود للوراء ثم أردفت بنبرة تحذيرية:
_ أوعي تفكر تلمسني يا بني آدم إنت! وإلا هوديكم في ستين داهية.
وقف الرجل ينظر لها بتردد، فيما سارت عنود صوب الباب بثبات بعدما استعادت كبرياءها لنفسها من جديد وقبل أن تخرج التفتت تنظر لهانيا بازدراء وبنبرة تنافسية تابعت:
_ أوعي تكوني فاكرة إنك انتصرتي على عنود العامري يا مودموزيل هانيا!!.. افرحي بس بهدوء، عشان الهزيمة جايه قريب.. هخليكي تكرهي اسم عنود وتشوفينا في أحلامك، نهايتك مش على إيدي، نهايتك إنتِ اللي هتحطيها لنفسك.. عشان الغيرة بتاكل في صاحبها بالبطيء.
يا مامي.. إيه ده يا مراد؟
أردفت بيسان بتلك الكلمات بصدمة وهي تنظر لتسريحة شعرها بالمرآة، فيما تابع مراد بثقة لا متناهية:
_ دي قطط، شكلك بقيتي إيه، زي القمر يا بيسو.
حدقت بيسان إلى صورتها المعاكسة بالمرآة وهي ترى رأسها قد تكدس بخصلات على شكل دوائر في كل زاوية به.
عبست بغيظ قائلة:
_ تصدق أنا الغلطانة إني قولت لك، سرحلي، وهقول لـ فيدو يا مراد، ماشي.
مراد بضحكة مكتومة:
_ هو أنا يعني كنت سرحت لبنات قبل كده!
في تلك اللحظة سمعا صوت أقدام تطأ الدرج، وقد أدركا مجيء الجميع بالفعل.
أطلت فداء أمامهما فيما تابعت بيسان بلهفة:
_ فيدو، إنتِ كويسة؟ الشباب الوحشين دول عملوا لك إيه؟
مراد مضيقاً عينيه ليقول بنبرة مترقبة:
_ تؤ.. يا بنتي لأ، السؤال مش كده، المفروض تسأليها.. الشباب عاملين إيه؟ إغماءات عادية ولا في حد دخل العمليات؟
فداء وهي تمسك ياقة قميصها بأطراف أصابعها بتفاخر:
_ علمت عليهم كلهم بالبواني والشلاليت.. ما رحمتش حد أقسم بالله، لأ وكمان ظباط.
مراد بصدمة:
_ إنتِ فرحانة كده ليه؟ يا جبروتك.. ظباط؟
في تلك اللحظة، أمدت ذراعها نحوه ثم جذبته إليها من ياقة قميصه وبنبرة ظفر تابعت:
_ نيهاهاهاي.. قفشتك، النهار ده ما هزيتوش جبال ولا تلال حتى.. دا أنا هنفخك.
مراد وهو يحاول انتزاع نفسه منها ليهتف بفزع:
_ يا ماما.. إلحقيني!!!
استطاع التخلص منها ليهرول صوب الباب وكذلك تبعته.
نفخت في كفها المتكور ومن ثم أنزلته على عنقه من الخلف تقول بسعادة:
_ الله حلو القفا ده.
مراد وهو يترجل خارج الباب بتأوه واستغاثات، فيما رفعت فداء كفها لتضرب مجدداً حتى وجدت والدها يسد الطريق عليها.
أخفضت كفها جانبها ومن ثم رمقته بنظرة هادئة وصوت خفيض:
_ مش عارفة مراد خايف من إيه كده؟ شكله شاف صرصور ولا حاجة؟؟
وضعت بيسان يدها على فمها تكتم ضحكتها، فيما تابع سالم بنبرة صارمة:
_ لينا كلام كتير أوي الصبح.. ويالا اتفضلي نامي دلوقتي!
بيسان بتلعثم:
_ بابي.. عنود خرجت، بس هي مش هتتأخر.. جالها مكالمة من الشركة وراحت تقابل هانيا.
فداء بغيظ:
_ من غير ما تقولي، دا أنا هنفخها.
سالم وهو يطبق أصابعه على أذنها:
_ أنا الأب مش إنتِ يا بلاء ووباء منتشر في القصر، أكيد ربنا بيختبر صبري بيكي.
فداء بضحكة بلهاء:
_ صبري مين؟ نيهاهاهاي، إنتِ تعرفي حد اسمه صبري يا بيسو؟
قطع حديثهما في هذه الأثناء دلف منى التي هتفت بنبرة غلبت عليها السعادة الشديدة:
_ سالم؟ لسه قافلة حالا مع يامن وقالي إنه حجز التذاكر ونازل مصر بكرة.. لأ وكمان قالي التذاكر ذهاب بس.
سالم وهو يربت على رأس شقيقته التي ألقت بنفسها بين أحضانه:
_ الحمدلله يا منمن، ربنا يفرح قلبك دايمًا ويفضل جنبك وتفرحي بيه.
منى بنبرة باكية:
_ وحشني أوي يا سالم.
تأثرت فداء من حديثها، حين اتجهت إلى عمتها تربت على ظهرها بحنو بالغ فتقول:
_ ربنا يرجعه بالسلامة يا عمتو، ويبارك لك فيه.
بيسان تؤمن على حديثها:
_ آمين.
(في أحد الفنادق بفرنسا)،،،
أحكم غلق حقيبة سفره بهمة شديدة، قام بوضعها جانباً بتأكده من عدم نسيانه لشيء.
تنهد بعمق وهو يرفع بصره إلى ذاك البرواز الذي يضم صورتهما معاً.
حدق به لدقائق قليلة ومن ثم استدار يقف أمام النافذة الزجاجية وراح يتذكر أحد المشاهد التي جمعتهما قبل عشرة أعوام:
Flashback ,,
غمضي عنيكي.. جايب لك حاجة هتعجبك أوي.
أردف يامن بتلك الكلمات بحماسة ولهفة شديدة، كانت تجلس إلى أحد المقاعد الخشبية بحديقة القصر وقد نكست ذقنها أرضاً ناظرة للأسفل حتى حجبت خصلات شعرها الحمراء الحريرية قدرته على رؤية هذه الدموع التي تنساب على وجنتيها.
تعجب يامن من صمتها هذا، جثى على ركبته وبدأ في إزاحة خصلاتها عنه وبنبرة قلقة تابع:
_ بيسان، إنتِ بتعيطي ليه؟
رفع وجهها إليه مترقباً إجابتها لتقول هي بنبرة باكية بالكاد تسمع:
_ أنا بحبه أوي يا يامن، وعارفة إنه بيحبني كمان.. بس هو دايماً شايف إني هادية ما بعرفش أعبر عن حبي، دايماً عاوزني أتجنن معاه في كل حاجة، أحياناً عنده حق، أنا شخصيتي هادية بطريقة مملة.. بس حاولت أتغير ومش عارفة، لكن أنا بحبه.
قبض يامن على القلادة بين يده بقوة ثم أخفاها سريعاً في جيب بنطاله، افتر ثغره عن ابتسامة مكسورة لم تصل إلى عينيه ومن ثم امسك كفها حتى وقفت قائلاً:
_ مين فيكم بيحب التاني أكتر؟
سارت بيسان بجانبه لتلتفت إليه وبنبرة متحيرة تابعت:
_ مش عارفة!
يامن وهو يرمقها بحنو:
_ لأ.. لازم تعرفي يا بيسان، أوعي تكوني إنتِ الطرف اللي بيحب أكتر، صدقيني هتتوجعي وأوي كمان.
Back ,,
على فين كده إن شاء الله؟
أردف فايز متوجهاً بالسؤال إلى صديقه الذي اتجه صوب سيارته يفتحها، التفت قصي له وبنبرة ضاحكة تابع:
_ إنت منظرك جاحد آخر حاجة.. روّح يابني نام، أنا عندي سهرة.
فايز وهو ينظر له بلوم:
_ تاني سهرة يا قصي؟ يابني إرحم نفسك من المستنقع ده، إنت بتستفاد إيه لما تقضي مع كل واحدة ليلة؟
قصي وقد عبرت قسمات وجهه عن الضيق الشديد:
_ فكك من أم الإسطوانة المشروخة دي بقي.. أولاً أنا ما بضربش واحدة منهم على إيديها.. كل واحدة بتسلم نفسها بمزاجها طالما هتقبض، أنا مش كسبان أوي وبرضو مش خسران.
فايز وهو يضرب جانبه الأيسر بخفة:
_ لأ خسران يا قصي، خسران دينك.. وخسران نفسك، وما تنساش الأهم، مراتك هتكون امتداد لأفعالك.
قصي بضحكة ساخرة:
_ إنت شكلك اتجننت، مين ده اللي هيتجوز أساساً.. وسبق وقولت لك أنا ما بضربش حد على إيده، هم كمان عاوزين ده.
فايز بضحكة هادئة:
_ مسيرك هتحن لبيت وعيلة، وحضن واحدة بتعشقها، ساعتها هتحس بحلاوة الحلال واختلافه.. ربنا يهديك يا صاحبي.. أنا ماشي عشان اتدشدشت النهاردة.
مالك يا عنود في إيه؟
أردفت فداء بتلك الكلمات وهي تنظر إلى شقيقتها التي ألقت حقيبتها أرضاً ثم جلست إلى طرف الفراش تنتحب باختناق.
تبادل كل من بيسان وفداء نظرات تساؤلية، سارت فداء إلى شقيقتها لترفع وجهها الباكي إليها وبنبرة حانية تابعت:
_ مين زعلك؟
عنود بشهقات متقطعة:
_ أنا كده خلاص حلمي راح مني؟ أنا بحب شغلي يا فداء، أنا حاسة إني عاجزة وكل الدنيا ضدي.
فداء وهي تمسح دموعها بأطراف أصابعها:
_ بعيد الشر، عنك.. إنتِ ما فيش أقوى منك، أنا مقدرة حبك لشغلك.. بس صدقيني فترة وهتعدي وهتلاقي اللي يقدر موهبتك ويحترمها.
بيسان بحزن:
_ ما حدش هيقدر حبنا لأي حاجة عاوزينها، ما بابا دايماً ضد إبراهيم رغم إني بعشقه.
التفتت إليها عنود بيأس من شقيقتها التي ما زالت بعالم خيالاتها وأوهامها، رغم محاولاتهم المضنية لإرجاعها إلى عالمهم، فـ قلوبهم تتأكل لرؤية لحظة من الماضي كانت هي فيها بخير.
سارت عنود ناحية شقيقتها ومن ثم قبضت على ذراعيها تنساب الدموع من عينيها بغزارة وراحت تهزها بقوة قائلة بمرارة:
_ فوقي بقي لنفسك يا بيسان، بابا مش رافض إبراهيم.. إبراهيم أصلاً مات.. مات من زمان.
رواية جميلتي الصهباء الفصل الرابع 4 - بقلم عليا شعبان
خُلقنا في آن واحد، وعشنا داخل قصر واحد. تعايشنا بروح واحدة. فلا تقع تحت طائل التفريق بيننا، ومن ثم تفشل. بشخصياتنا قد اختلفنا.
رمقتها بيسان بعينين جاحظتين وكأنها ترفض ما تقوله. فيما أخذت عنود تبكي بحرقة، وقد عبرت نبراتها عن عمق حرارة حديثها. وهي تهزّها بكل ما أوتيت من قوة، قائلة:
"هتستوعبي أمتي الواقع دا يا بيسان؟ مر سنة وانتِ لسه علي الحال دا. وجعتي قلوبنا، وخاصةً بابا. فوقي من غيبوبتك، إحنا مش هنستحمل نخسرك حبيبتي!"
انسابت قطرات الدموع من عينيها، لتقول بنبرة مٌتلعثمة بالكاد تخرج منها:
"إبراهيم عايش يا عنود.. هو قالي ما تقلعيش دبلتي أبدًا، وإلا هيزعل مني. ليه بتقولي كدا؟! إنتِ زعلانه علشان فرحنا كمان شهر وهبعد عنكم. لا متخافيش، ماحدش يقدر ياخدني منكم."
ضغطت عنود على عينيها باختناق، وراحت تخرج زفيرًا يصحبه حرارة أشد بأسًا من نيران موقد. تركتها على الفور، ومن ثم عادت إلى الخلف وراحت تسند ظهرها على الجدار حتى انهالت أرضًا تجلس في بكاء مرير.
ابتلعت فداء ريقها بمرارة على حال شقيقاتها، لتقوم بالإقتراب من بيسان، ومن ثم تضع أطراف أصابعها أسفل ذقنها وتردف بنبرة هادئة للتخفيف من حدة الموقف:
"بيسان حبيبتي.. دا ميعاد الدوا بتاعك."
بيسان وهي تنظر لشقيقتها بخيبة أمل:
"إبراهيم عايش مش كدا؟!"
أسرعت فداء باحتضانها وراحت تربت على خصلاتها الناعمة، لتقول بصوت مُتقطع:
"عنود.. قولي لبابا، يطلب الدكتور فورًا."
***
(في غرفة مراد)
"ضربت الظابط؟ بلاء دي المفروض يحطوها في محمية طبيعية مع الديناصورات.. أو ينفوها لجزيرة مالطة، وممكن بردو تتدفن حية على إنها أكلت لحوم البشر. لكن تعيش وسط البني آدمين الطبيعيين كدا؟ لأ خطر."
أردف مراد بتلك الكلمات بنبرة مصدومة مما فعلته ابنة خالته. هذا ليس بجديد عليها، ولكن نطاق أعمال البلطجة خاصتها اتسع حتى شمل الضباط. افتر ثغر منى عن ابتسامة عريضة لتردف بهدوء:
"ربنا يهديها لنفسها.. وانت بطّل تقول كدا عن أختك، ويالا ركز في مذاكرتك."
تذكر مراد شيئًا ما ليهتف بنبرة مليئة بالحماس قائلًا:
"هو صحيح، هشوف يامن أخيرًا بكرة.. أنا مش مصدق لحد دلوقتي لأنه بجد واحشني."
منى بسعادة طائلة:
"ربنا يحفظه ويرجعه لنا بالسلامة يا حبيبي."
مراد غامزًا لها:
"طيب مافيش دعوة لـ مراد حبيبك وساندوتشين جبنة رومي، أصل العبد لله بيذاكر والمذاكرة بتاخد من صحته."
منى وهي تداعب خصلاته بأصابعها:
"من عيوني طبعًا."
***
(في أحد الفنادق المطلة على النيل)
جلست إلى المقعد القابع أمام منضدة الزينة، بدأت تمشط شعرها بمياعة شديدة وهي تلوك العلكة بفمها مفتوح. بسط جسده على الفراش حيث قام بوضع ذراعيه أسفل رأسه مستندًا عليهما. طالعته من المرآة أمامها حين تنحنحت قليلًا قبل أن تقول بنبرة دلال:
"كان عندي سؤال كدا يا باشا، احم.. يعني هو إنت ليه ما أخدتنيش على بيتك أحسن من الفنادق والتكاليف؟!"
أبعد سيجارته قليلًا ثم نفث دخانها أمامه. أصبحت صورتها أمامه مشوشة، وما أن خفت الغيامة حتى تابع بنبرة صارمة ثقيلة:
"ما يخصكيش، وبعدين إنتِ تاخدي فلوسك وانتِ ساكتة وتيجي معايا في أي مكان يعجبني."
استدارت بجسدها حتى تقابلت وجوههما لتقول بنبرة يكسوها الحزن المصطنع:
"أنا كانت نيتي سليمة، مش قصدي أضايقك يا روحي."
قصي وهو يعتدل جالسًا في الفراش:
"طيب إخلصي يا حلوة.. وقومي بلقمة عيشك!"
***
"في صباح اليوم التالي،،،"
جلسن بالترتيب خلف بعضهن، تجلس بيسان بالمقدمة وخلفها عنود وأخرهن في الصف تجلس فداء. بدأت عنود تتحرك بالفرشاة بطريقة مرنة تمشط شعر شقيقتها الحسناء (بيسان). أما فداء تجلس خلف عنود وتفعل نفس الشيء. وقد اندمجن بشكل واضح. أما فداء فمن سيمشط لها شعرها؟
"لأ، أنا جربانة.. وشر قوتي وجبروتي في الشعر الأكرد.. بيس يا ولية إنتِ وهي؟!"
عنود بامتعاض حين لوت شدقها تاففة:
"Stop saying this, we are beautiful girls not this local word (وليه)."
(توقفي عن قول هذا، نحن إناث جميلات ولسنا كما وصفتينا في كلمتك الشعبية وليه).
افتر ثغر بيسان عن ابتسامة هادئة لتقول بسعادة غامرة وهي تفرك كفيها:
"عارفين أنا جه في بالي أيه يا بنات؟"
عنود وفداء في نفس واحد:
"خير؟ … What!!!!"
بيسان باستئناف:
"عاوزة أملي الفراغ اللي أنا فيه شوية. فيدو راجعة الشغل من النهار ده وإنتِ يا عنود بابا لقي لك الشريك وهتبدأي تنفذي مشروعك.. فـ أنا بفكر أفتح حضانة في الصالة المنفصلة عن القصر. أنتم عارفين إني بحب الأطفال أوي، وهنسي غيابكم عني لحد ما ترجعي."
عنود بحنو:
"فكرة جميلة أوي يا قلبي.. تمام إحنا نعرضها على بابا."
فداء رافعة أحد حاجبيها:
"بس مساعدين رجالة لأ."
بيسان بحماسة:
"عرفنا إنك بتغيري عليا ومش بتحبي حد فينا يتبص له بنظرة شهوة وإنك مقاتلة وفدائية وشوفتي من الناس الوحشين دول كتير."
فداء وهي تلتفت ثم تقبض بكفيها على وجنتيها وتشدهما بانتقام:
"الله عليكي ياسطي حفظتي الدرس بسرعة.. نبيهة يا بنت سلم."
ومن ثم استأنفت وهي تتركها وشأنها لتردف بنبرة مشاكسة:
"أنا حاسة إني عاوزة اتخانق مع حد؟ مش مظبطة كدا.. أما أروح أضرب مراد الكلب من غير أي أسباب."
ضحكت الأخريات على حديثها، داعين له بالصبر على هذه الـ.. بلاء.. اتجهت في الممر الطويل الذي يضم في نهايته غرفة مراد، صُممت خصيصًا له بعيدًا عن أجواء القصر الصاخبة حتى يتهيأ عقليًا ونفسيًا للانتصار على الثانوية محققًا أحلامه.
لم تطرق الباب أبدًا كعادتها، قامت بفتحه على مصراعيه وبنبرة صاخبة تابعت:
"ولا يا مودي.. ازيك وإزاي الثانوية العامشة، وحشتني ياسطي والله."
ضيق مراد عينيه، أخفض الكتاب على سطح المكتب ومن ثم استدار بالمقعد المرن وبنبرة مغتاظة تابع:
"بلاء! .. عاوز أذاكر.. الله لا يسيئك!"
فداء وهي تتجه ناحيته:
"أيه يا صديق؟ أصلي بصراحة زهقانة قولت أروح أندمج مع مودي ونسمع أغنية أنجليش؟"
مراد يرمقها بنصف عين:
"إنجليش!! أنا شاكك في أمرك بس ماشي.. تحبي تسمعي إيه؟"
لم تجبه عن سؤاله، وحدها الموسيقى التي صدرت من هاتفها الجوال كانت كفيلة بأن تخبره، ليسمع هذه المغنية الأجنبية تصدح عاليًا بالغرفة. حدق بـ فداء التي بدأت ترقص بطريقة شبابية، فغر فاهه في صدمة ليجد كفها يصفق على عنقه من الخلف وبنبرة مرحة تقول:
"Waka waka eh eh, tsamina Mina zangalewa."
(فقط إفعلهـا، من أين أنت).
همّ أن يصرخ بها بغيظ ليجد صفعة أخرى منها فيما ظلت تراقص حاجبيها في استمتاع وهي تهتف عاليًا وخصلاتها تتحرك بقوة:
"You’re a good soldier, choosing your battles."
لم يتحمل أكثر من ذلك، ليبدأ الغناء معها وبنفس طريقتها لتبدأ المعركة لتوهـا، نالت منه بقوة كعادتها ليصرخ باستغاثة:
"يا بنت الهبلة! .. عاااااا، قفايا ورم.. يا ماما حد يقتلها بأي مبيد حشري هنا."
منى وهي تهرول داخل الحجرة:
"انتوا بتعملوا أيه في بعض؟!"
تنفست فداء شهيقًا داخلها، لتزيح خصلاتها بثقة وثبات وهي تقول بظفر:
"حقيقيًا، ربنا يخليك يا مراد والطشك براحتي، بعشق السادية.. بعشقها، حاسة دلوقتي إن نفسي مفتوحة على الأكل، ها يا منمن طابخة لنا إيه؟!"
مراد وهو يختبئ خلف والدته:
"حقيقيًا؟! أعوذ بالله من الخبث والخباثة، دي عليها جن سادي.. اوعي لتأكلك يا أمي، أنا ماليش غيرك."
منى بنبرة صارمة:
"كفاية هزار لحد كدا واتفضلي علشان هيذاكر."
فداء وهي تتجه صوب باب الحجرة:
"هروح أدور على حد تاني أعذبه بقي."
***
(داخل مكتب سالم العامري)
نكس ذقنه حزنًا لحالة ابنته التي تسوء يومًا بعد الآخر. ظل يستمع لحديث الطبيب المختص بحالة بيسان دون أن ينبس ببنت شفة. كبا لون وجهه إرهاقًا وهو الذي أقسم أن يظل يحميهن حتى من حزن يمس قلوبهن. فـيخطف النوم من أعينهن. وهنـا استفاق من شروده الحزين على صوت الطبيب وهو يتابع بثبات:
"الحقيقة، أنا حاولت معاها بكل الطرق، ولكنها رافضة الحاضر دائمًا.. بنتك محتاجة حب جديد عشان تستوعب إن خطيبها مات في الحادثة من سنة."
سالم بتنهيدة مثقلة أوجاعًا:
"يعني علشان بنتي تخف.. أدور لها على واحد يمثل دور الحب عليها ولم تعرف تتصدم أكتر؟!"
الطبيب بنفي:
"أكيد طبعًا لأ، بس بنت حضرتك محتاجة مشاعر مختلفة تطرأ على حياتها عشان تنسيها السابقة.. وأنا معاها للآخر وهبذل قصاري جهدي عشان تتحسن، بس لازم تعرف إن (بيسان) مش مشلولة، بل في كامل صحتها بس هي مستسلمة لتراخي عضلات رجليها ورافضة الحركة.. هي محتاجة حد تثق فيه عشان يقنعها تبدأ من جديد وتمشي.. ربنا يعافيها."
سالم بنبرة ثابتة:
"أمين يارب."
أخفض الهاتف عن أذنه بعد أن أنهى اتصاله. التفكير يأكل خلايا رأسه موتًا. كيف يساعدها وبأي وسيلة ومتى ستدرك. أن خطيبها قد مات ودُفن من عام سابق. أثر حادثة وكانت هي معه داخل السيارة. عندما خسر حياته فيما أصبحت هي قعيدة هذا الكرسي المتحرك. ليست الحادثة من جعلتها هكذا بل صدمتها على غيابه.
في تلك اللحظة دلفت إحدى الخادمات التي تابعت بصوت خفيض:
"المساعد الجديد لـ بيسان هانم وصل يا فندم.. أدخله؟!"
أومأ سالم برأسه إيجابًا دون أن يعيرها نظرة حتى. ترجلت هي للخارج وما هي إلا ثوانٍ حتى دلف الشاب على استحياء. تنحنح قليلًا وهو يقف أمام باب الحجرة ولكن لم يلتفت له سالم الذي قرر أن ينسى مشاكل بناته بإحدى قضاياه.
أخذ يضيق عينيه باهتمام وافر ثم يرخي جفنيه مجددًا ساعيًا لإيضاح شيء ما داخل عقله المٌرهق.
قطب ذاك الشاب ما بين حاجبيه باندهاش من تجاهل (سالم) له. فهو من دعاه خصيصًا كي يسلمه زمام العمل داخل القصر. سار صوب المكتب بخطى مترددة وئيدة وبنبرة خشنة واجبة لمن بسنه (سن المراهقة):
"ياااا سعادة الباشا، إنت نسيتني ولا إيه؟!"
رفع سالم بصره عن الأوراق أمامه، ليفتح فمه شادوهًا من نسيانه لأمر هذا الشاب وبنبرة مهمومة وكأنه يشتكيه من هذه المشاكسة:
"أسف يابني، البنت جننتني.. جبتها مرة من مظاهرات وشوية من قهاوي في أحياء شعبية قال إيه بتتفرج على الماتش هناك، الزملكاوية بنت الكلب دي.. حاسس إني مخلف راجل."
فغر الشاب فاهه علامة التجاهل. ارتفعت شفته العليا قليلًا. لا يفهم بما يهذي هذا الرجل الذي يمتلك هيئة أكثر وقارًا. يمتلك عينين زرقاوين تُغطيهما أهداب كثيفة للغاية قد شيب الزمان رأسه ولكنه ما زال جاذبًا بهيبته. ليردف الشاب بعد فهم:
"لمؤاخذة مش فاهم يا باشا."
تنهد سالم عميقًا في تلك اللحظة، ليفتر ثغره عن ابتسامة هادئة قائلًا:
"المهم، إنت يابني دورك في القصر دا، إنك تشتري متطلبات بناتي وأي حاجة يحتاجوها، وربنا معاك بجد."
نور باستغراب:
"في إيه يا باشا؟ .. هو أنا رايح أحارب؟"
سالم وهو يضرب كفًا بالآخر بضحكة خفيفة:
"ده إنت لو هتحارب كان أنصف لك من الشغل هنا.. معلش يابني، كله نصيب.. اتفضل إنت اغسل العربية علشان عندي شغل وقبلها شوف آنسة بيسان هتحتاج إيه؟!"
نور بإنصياع وهو ينطلق صوب باب الغرفة:
"اللي تشوفه يا باشا."
ترجل (نور) خارج باب الغرفة. سأل الخادمة عن مكان غرفة (بيسان) لتشير إلى إحدى الغرف الموجودة بالطابق الأرضي. اتجه إلى هناك وما أن طرق الباب حتى سمع صوتها تهتف بنبرة هادئة:
"اتفضل."
أدار مقبض الباب ليفتحه بهدوء شديد وما أن دلف للداخل حتى وجدها تقف على بعد سنتيمترات من باب الغرفة تنتظر رؤية الطارق. وهنـا تابع نور داخل نفسه:
"اللهم صلي على حضرة النبي.. إيه الحلاوة دي؟ .. دي ولا نجمات السيما، بس يا خسارة الحلو ما بيكملش."
في تلك اللحظة قطع شروده صوتها وهي تتابع بتساؤل:
"إنت الضحية الجديدة؟!"
نور بتنحنح قليلًا:
"ضحية إيه يا ست الكل؟"
بيسان بضحكة هادئة:
"طيب تعالي خدني للجنينة لو سمحت."
اتجه صوبها ثم استدار حتى وضع أطراف أصابعه على مسند المقعد المتحرك. دفعها بخفة نحو باب غرفتها. وما أن تجاوزت هي عتبته وهمّ أن يفعل، حتى وجد.. وجد صورة كربونية من هذه القعيدة ترتدي ثيابًا غير التي ترتديها الأخرى. جاب ببصره بينهن ليجد بيسان تنظر له بشفقة. وهنـا سمع صوت (فداء) تهتف بنبرة جامدة وهي تمسك بهذا السلاح الحاد بين يديها:
"إنت مين يالا؟.. وواخد أختي ورايح فين؟"
تلعثم الشاب في عباراته قليلًا قبل أن يبتسم من بين قلقه قائلًا:
"ما شاء الله.. انتوا تؤام؟ وربنا هي اللي طلبت مني أخدها للجنينة؟"
بيسان وهي ترجوها بقلق:
"فيدو حبيبتي، أنا اللي طلبت منه.. وهو المساعد الجديد بتاعي."
في تلك اللحظة هزت فداء رأسها بتفهم، لتضع إصبعها داخل دائرة المطواة القابعة بآخرها ومن ثم ألفتها عدة لفات بحركة سريعة ليعود الشاب للخلف في فزع. في حين استأنفت حديثها بثبات:
"طب خد بالك بقي، إيدك دي تلمسها كدا ولا كدا وشغل المتحرشين دا.. والمصحف أشويك زي الخروف في شواية الجنينة، لأ يالا دا أنا صايعة ومش أختي اللي يتعمل معاها كدا؟"
وضعت بيسان يديها على فمها وهي تجد صفعة من كف والدها تنهال على عنقها من الخلف وبنبرة مغتاظة تابع:
"خير يا شبح في حاجة؟؟"
فداء وهي تلتفت لوالدها في فزع:
"تسلم إيدك يا سيد المعلمين.. بس مش كدا يا سلم، البرستيج رااااح."
أغمض سالم عينيه حتى استقامت جفونه غيظًا. وما أن طفق في فك حزام بنطاله حتى وجدها تتابع بنبرة قاربت على البكاء المصطنع:
"ما عملتش حاجة، أنا بأمن مستقبل أختي يا صاحبي."
سالم وهو يمسك كفها ثم يضرب بالحزام على ظهرها للأطفال قائلًا:
"صاحبي؟ ليه هو أنا واحد من اللي كانوا قاعدين معاكي على القهوة في ماتش امبارح وشربتي معاهم شيشة تفاح؟"
فداء بابتسامة بلهاء:
"ده الواحد كان خربان من الصداع أجدع، أما الشيشة دي طلعت حاجة عنب."
سالم بعصبية مفرطة:
"عنب؟ .. يعني أنا أخبيكم من الناس سنين عشان انتِ بعد ما تتخرجي وتشتغلي سنة.. تضيعي اللي أنا بنيته يا بلاء القصر؟!"
فداء بتوتر:
"خلاص يا قلبي من معاميعه، هبقى مؤدبة وهبطل هلس."
تركها سالم باستسلام فقد فاض به منها. ليرمقها بنبرة صارمة قائلًا:
"هلس؟"
مال بجسده أرضًا ليخلع عنه حذائه. وما أن استقام مجددًا حتى وجدها تقف بجانب الشاب وتضع المطواة أمام عنقه وبنبرة جامدة تابع:
"وربنا ما ترشق الجزمة في وشي زي كل مرة، لأكون غزاه ناحية لغاليغه وآور كدا زي ما بنفور المحشي لحد ما يفقد النطق."
بيسان بنبرة متلعلثة:
"لا ما إنتِ لو أورتي زوره هيموت خالص."
فداء وهي تنظر لوالدها بتحد:
"وريني بقي هتنشل عليا إزاي.. نيهاهاهاي!"
وهنا قطع قهقهاتها نعل حذاء والدها وهو يصطدم بجبهة رأسها لتصرخ بطفولة وهي تضع يدها على رأسها:
"آآآه.. عيني، حرام عليك إتعميت."
سالم بضحكة ظفر:
"وهي دي عينك يا حوله يا بنت الأحول. ما أبقاش سالم العامري لو ما علمتك الأدب يا بلاء القصر."
أنهى حديثه ليواليهم ظهره ومن ثم تابع بصوت صارم:
"قوم بمهمتك يابني ولو حد ضايقك بلغني.. وانتِ يا منى خلصي الأكل بسرعة علشان يامن على وصول.. وكمان الضيف (قصي)."
فداء بمشاكسة:
"رايح فين يا سلم بس! طيب أعملك لمونادا تهدي أعصابك يا حبي؟ مافيش رد!! .. ما هو الاهتمام ما بيتطلبش، من خد إجازة من شغله، اتقل مقداره."
كتم (نور) ضحكته في حلقه، يقاوم خروجها، وكذلك بيسان التي تابعت بنبرة ضاحكة قليلًا:
"هو أنا ينفع أضحك؟"
فداء وهي تضع المطواة في جيب بنطالها:
"إنتِ آه.. لكن الواد دا لأ، أوعى تكون فاكر إني عشان ما رديتش على سلم أبقى بخاف؟! لأ أنا بس ماحبيتش أزعق له قدامكم، الرجولة أدب مش هزّ أكتاف."
نور ببلاهة:
"بس إنتِ بنت؟"
فداء بابتسامة مشاكسة:
"شكليًا آه، بس آآ.. إيه اللي هناك دا؟!"
التفت الشاب حيث أشارت هي بإصبعها ليجد صفعة على عنقه من الخلف فيما تابعت وهي تحرك مقعد شقيقتها عائدة إلى غرفتها:
"نيهاهاهاي.. إيه رأيك في الرجولة دي! شغل عالي عالي."
***
مرت حوالي ربع ساعة حيث استعدت فيها (عنود) لاستقبال شريك عملها الحر. بدأت تجهز الأوراق الخاصة بالعمل لتوقيع عقد الشراكة ما أن يتم الموافقة على بنوده.
أخبرتها الخادمة بمجيء الضيف المنتظر، حينما حملت هي ملف الأوراق بين يديها وراحت تتجه صوب الدرج من فرط حماسها فالآن هي على بعد خطوة واحدة من تنفيذ حلمها.
بدأت تهبط الدرج بقوامها الممشوق هذا، تتبختر في غنج وكبرياء لا تتصنعه البته بل هو من ضمن أصول شخصياتها. كان يجلس في البهو يضع قدمًا فوق الأخرى وقد اندمج في تصفح هاتفه المحمول، ليجد وقع خطوات أنثوية فجة. نحا ببصره إلى مصدر الصوت لتجحظ عيناه في شدوه فاغرًا فاهه والذهول هو سيد الموقف.
كانت ترتدي فستانًا من اللون الأبيض يصل إلى ما فوق الركبة ونُثرت به ألوان الطيف جميعها دون حمالات كتف. رفعت شعرها على شكل كعكة قابعة بمنتصف الرأس وتركت لبعض الخصلات التحرر على وجنتيها. وكذلك ارتدت حلق من الألماس الأسود.
وقفت أمامه مباشرة لترتسم ضحكة رقيقة على مبسمها فتقول برقة:
"هاي؟"
جاب بعينيها يتفحصها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها وبنبرة مصدومة يشوبها الإعجاب تابع:
"ما إنتِ أنثى أهو.. امال ضربتي الناس دي كلها إزاي؟"
عنود بعدم فهم:
"مين دي اللي ضربت؟ وناس إيه؟"
رفع قصي ذراعه للأعلى قليلًا وراح يضربها بقبضته القوية على ظهرها. مالت للأمام ثم هتفت بتأوه وصدمة:
"You are crazy!!"
(إنت مجنون؟!)
قصي رامقًا إياها بثبات:
"هم اللي بينضفوا لسانهم بيعوج!! .. بطلتي تعملي هجمات مرتدة يعني؟!"
عنود وهي تبتعد عنه في نفور لتصرخ بحدة:
"إنت واحد مش طبيعي أصلًا! وكلامك مش مفهوم."
في تلك اللحظة هتفت (فداء) وهي تحرك مقعد شقيقتها أمامها متجهة إليهما وبنبرة ثابتة وغليظة تشبه الأصوات بأفلام مصاصي الدماء:
"إزيك ياسطي؟ منور قصر الأشباح، أقدم لك نفسي.. سنسوداين مسكن لآلام الأسنان."
جحظت عيناه في صدمة وهو ينظر لثلاثتهن. ابتلع ريقه بصعوبة ومن ثم مد يده ليلتقط سلاحه دون أن ينتبه لحديثها المازح في تخويفه وراح يوجه السلاح ناحيتهن يحركه حركة دائرية قائلًا بفزع:
"إنتوا عفاريت بجد؟ .. ودا بيت أشباح! يادي الليلة السودا.. أنا قولت قوة البت اللي في القسم امبارح.. مش قوة بنات خالص."
يتبع…
رواية جميلتي الصهباء الفصل الخامس 5 - بقلم عليا شعبان
هي كالتي تقف على باب قلبي، تسد الطريق على من يدخله وهي ليست بمالكته. لا تبالي بقلبي، بل تنظر إلى هذه البالونات المحلقة والتي نُقشت عليها: "دع الماضي يمر، ودعيه يشعر بحبك له، أو اتركيه وشأنه حتى يجد غيرك حباً". رفضت بقوة حين جلست أمام عقر قلبي تبكي على الماضي، رغم أنني الحاضر الأقوى.
تلاحقت أنفاسه وهو يرى الأخريات يقتربن منه بحركة بطيئة. أرادت فداء أن تنال منه مستغلة التشابه المميت بينهن، فيما ظل يتراجع هو للوراء قائلاً برهبة:
"يعني إنتِ شبح بجد؟"
فداء وهي تفتح مقلتيها على وسعهما متقمصة الدور جيداً:
"شبح وبقدونس، هاهاهاهاي."
افتر ثغر بيسان عن ابتسامة هادئة لترمقه بإشفاق، ثم ترفع بصرها إلى شقيقتها قائلة:
"حرام عليكي يا فيدو، سيبي الراجل في حاله."
عنود بتدخل:
"أشباح؟ هو إيه اللي بيحصل هنا يا فداء؟"
في تلك اللحظة هرول سالم إليه ما أن ترجل خارج مكتبه، ثم وجده على هذه الحالة، ليهتف الأب بقلق:
"قصي، إنت بتعمل إيه يابني؟"
التفت قصي ناحية سالم العامري، يرمقه بهدوء، ومن ثم أنزل سلاحه على الفور، ليلتفت لها رافعًا أحد حاجبيه بنظرات غامضة ويقول:
"لأ وبتعرفي تعملي مقالب كمان؟"
فداء بنبرة خبيثة:
"ضيفك وصل يا سُلم، دا إحنا من الصبح بنتحايل عليه يشرب حاجة وهو مش راضي."
قصي وهو يلتفت ببصره ناحية عنود:
"تقتل القتيل وتمشي في جنازته، إنتِ متأكدة إنكم تؤام؟"
رمقته عنود بنظرة باردة من فوق كتفها، ومن ثم أشاحت وجهها عنه بنفور، ليتنحنح بثبات قائلاً:
"أنا كدا اتأكدت."
سالم وهو يشير له بالجلوس:
"تعالي يابني اتفضل."
اتجه قصي حيث حجرة الصالون الموجودة في زاوية من البهو الكبير، جلس عليها بهدوء، فيما جاءت الأخريات يجلسن أيضاً. وهنا أردف سالم بابتسامة خفيفة:
"أقدم لك يابني.. بيسان.. عنود.. وطبعاً فداء غنية عن التعريف."
هز قصي رأسه متفهماً ليقول بابتسامة ساخرة من جانب فمه:
"طبعاً طبعاً."
عنود وهي تقاطب حاجبيها بتساؤل:
"لحظة! إنتوا اتقابلتوا قبل كدا؟"
سالم باستئناف:
"في القسم، وقت الخناقة، ما قصي ضابط موقوف عن الخدمة بس متواجد مع صاحبه بشكل دائم."
بيسان بابتسامة هادئة:
"نورتنا يا حضرة الظابط!"
قصي يبادلها الابتسامة:
"بنورك يـ.. أيه!"
عنود بنرفزة خفيفة:
"بيسان.. بكرة تتعود."
التفت قصي لها، رمقها نظرة مطولة توترت على أثرها، ليباغتها قائلاً بنبرة متحيرة:
"أنا طول عمري بسمع عن التؤام المتماثل وإنهم بيزيدوا عن اتنين، بس أول مرة في حياتي أشوفهم على الحقيقة.. انتوا بجد نسخ من بعض.. مش أي حد يفرقكم إلا لو كان قريب منكم.. استايل شعر كل واحدة منكم مختلف وكمان شخصياتكم مختلفة جدا."
سالم بضحكة مرحة:
"اهو دول بقى يا سيدي، الهدية الحلوة من المرحومة.. يمكن انت تعرف العلاقة القوية اللي بيني وبين والدك، ولكن بناتي دايمًا جوه القصر بخبيهم من الناس لحد فترة قريبة.. كل واحدة فيهم قررت تحقق أحلامها وتشوف الدنيا."
قصي بابتسامة صادقة:
"ربنا يبارك لك فيهم يا عمي."
في تلك اللحظة قطع حديثهم صوت يحتل نبراته البهجة حينما أتت منى ترحب به في حنو وهي تمد يدها مصافحة إياه:
"منورنا يا قصي."
قصي وهو يقبل كفها بهدوء:
"قصر العامري منور بأهله."
تابعت منى متوجهة بحديثها إلى شقيقها:
"عايزاك دقيقة واحدة يا سالم!"
انصاع سالم لطلبها حين اتجه معها حيث حجرة مكتبه. جاب قصي ببصره بين الثلاثة، ما زال يستعجب الموقف الذي هو فيه، ليقطع شروده صوت هذه المشاكسة تقول في خبث:
"إزاي حظابط صاحبك؟ أخباره إيه بعد الهجمة المرتدة؟"
قصي بنظرة عميقة لها:
"زي الفل، بس مش وسعت أوي منك دي، إنك تضربي ظابط!"
فداء وهي ترفع كتفيها بثقة:
"أنا أضرب أي حد وأي ظابط، واللي عنده رأي يربطه يا شق."
تنحنح قصي قليلاً، ومن ثم نهض في مكانه وراح يقول بنبرة رخيمة:
"تضربي أي ظابط؟ طيب خلينا نشوف!"
أطلقت فداء ضحكة ساخرة من جانب فمها، وقفت هي الأخرى تجابهه لتبدأ المعركة بينهما. فغرت عنود فاهها في صدمة، حتماً شقيقتها ستقتص منه لا مفر، فيما وضعت بيسان كفيها على عينيها وكأنها تتوقع القادم.
بدأت فداء تكور قبضة يدها ثم ترفعها ناحية وجهه عدة مرات، وفي كل مرة تسدد اللكمة على ذراعيه المتشابكين أمام وجهه، لتأتيها فكرة أخرى حينما قامت برفع ساقها حتى تضرب جنبه الأيسر. لتجده يمسك بساقها ومن ثم يسحبها أمامه في ظفر قائلاً بضحكة ساخرة:
"أيووووه.. خليكي كدا، ماشية برجل واحدة زي المكسحين."
فداء بضحك عال:
"ما فيناش من كدا؟"
ترك قصي ساقها ولكنها أسرعت تلكمه في وجهه لتُخطيء كذلك، حينما أمسك ذراعها ثم وضعه خلف ظهرها وبنبرة ثابتة تابع:
"مافيش حاجة اسمها.. تضربي أي ظابط.. الشيطان بس اللي مخيلك دا."
خرجت عنود من قوقعة صدمتها لتهرول إليهما ومن ثم تقبض على عنقه بأحد ذراعيها وبالأخرى تضرب كتفه وتقول:
"سيب أختي يا حيوان مفترس انت! سيبها بقولك."
فداء وهي تحاول أن تتحول بنظرها إلى شقيقتها وتقول:
"اضربيه تحت الحزام يا عنود، مش فداء العامري اللي تضرب لأاااا."
عنود بتساؤل وحيرة وقد توقفت عن ضربه وهي تتشبث به من الخلف:
"يعني إيه؟"
فداء بغيظ:
"يوووه.. خلاص اضربيه باللحات على نفوخه، بس مش بحنية يا بنت سلم!"
في هذه اللحظة، ترك فداء وشأنها، والتي استدارت ترمقه بنظرات غاضبة لتردف:
"وربنا انت بتخم!! مش فداء العامري اللي يتعلم عليها.. أنا مش عاوزة آذيك؟"
قصي بضحكة عريضة وهو يرفع بصره إلى تلك القابعة فوق ظهره أثناء وقوفها فوق الأريكة:
"لأ آذيني ياختي! وبعدين الجرادة اللي فوق دي مش هتبعد!"
عنود وقد انتبهت لوضعها، ابتلعت ريقها بصعوبة، لتبتعد عنه ثم تنزل أرضاً قائلة بغيظ:
"هو انت جاي عشان نشوف شغلنا.. ولا تتخانق انت وفداء؟"
قصي غامزاً لها:
"جاي عشان الصدف الحلوة تجمعنا، وأشوف القمر طالع بالنهار."
عنود وهي تتخصر أمامه بإمتعاض:
"شوفت القمر! اتفضل اقعد بقي خلينا نشوف شغلنا."
لم يمر على حديثها ثوانٍ عندما سمعوا صوتاً رجولياً متأصلاً يهتف بنبرة فرحة:
"بنـااااااات!!!"
اتجهت أبصارهم ناحية مصدر الصوت وكذلك فعل قصي. شهقت عنود في فرحة، فهي أكثرهن علاقة وصداقة به. هرولت عنود إليه ومن ثم التقت نفسها بين أحضانه في سعادة غامرة قائلة:
"يااااامن! مس يو كتير!"
افتر ثغر يامن عن ابتسامة حانية، وهو يمسح على خصلات شعرها بخفة. جدحه قصي بنظرة باردة وفجأة تغيرت معالم وجهه لا إرادياً أو دون سابق أسباب. ابتعدت عنود عنه فيما احتضنته فداء بفرحة وهي تردف:
"نورت القصر يا يامن."
يامن بنبرة هادئة:
"وحشتوني جدا يا بنات خالي."
تخطاهما في لهفة منه، حيث وقعت عيناه عليها وهي ترمقه بابتسامة حانية، فهي أيضاً تحبه لقرابتهمـا وأنه كان في عهد سابق أكثر من يخاف عليهن ويحميهن. سار بخطواته إليها. رمقهـا بشوق ظاهر للعيان. جثى على ركبتيه أمامها وراح يمسك كفيها بين راحتيه يرفعهما إليه ثم يلثمهما بلهفة مميتة قائلاً:
"بيسان.. وحشاني!"
بيسان بابتسامة صادقة ووجنتين متوردتين:
"وانت كمان وحشتنا أوي.. حمد الله على سلامتك."
رمقها بنظرة مطولة وقد أطالت.. وأطالت كثيراً جداً، حينما هتفت منى بلهفة ونبرة باكية:
"يامن!"
استقام واقفاً على الفور، استدار ليفتح ذراعيه أمامه مستقبلاً حضن والدته والتي ارتمت إليه تحتضنه بلهفة أم غاب عنها طفلها ولم تنعم بلحظة أمومية تجمعهما. أخذت تقبل جبهته ثم خديه في سعادة وكأنها لا تصدق بأنه إلى جوارها أخيراً. أحاط خصرها بذراعيه وبنبرة حانية تابع:
"وحشتيني أوي يا منمن.. ووحشني حضنك، وخوفك عليا ده!"
منى ومازالت تحتضنه:
"يعني انت خلاص هتبقى جنبي على طول يابني؟"
يامن بتأكيد:
"على طول.. مش رايح لأي مكان تاني."
التفت ببصره إلى سالم الذي فتح له ذراعيه مرحباً به. تبادل معه السلامات وسعد سالم بعودته كثيراً.
اصطحبته مني إلى حجرة الصالون حيث التف الجميع حوله. بدأ تعارفه مع قصي والذي بدا على وجهه السعادة من هذا الترابط الأسري، ولكنها سعادة ناقصة في شيء!
"يااااااااااامن! أخويااااااااا."
هرول مراد إلى شقيقه الذي ما أن رآه حتى وقف في مكانه. ألقى مراد بنفسه بين أحضان شقيقه وبنبرة فرحة تابع:
"وحشتني أوي يا يامن! كنت مفتقدك جدا يا دوك!"
يامن وهو يربت على ظهر شقيقه بحنو:
"وأنا كنت مفتقد جداً لشقاوتك يا مودي."
---
"أيوه يا عمي! أنا بخير الحمد لله.. بس طمني ابنك رجع من بيت المتوحشة دي بسلام ولا بلعته وشربت وراه سفن عشان تهضم!"
أردف فايز بتلك الكلمات وهو يحادث جمال الدمنهوري هاتفياً. أطلق الأخير قهقهة خفيفة ومن ثم أردف بتساؤل:
"هو لسه ما جاش، بس إنت ليه ما كلمتهوش على الفون بتاعه؟"
فايز بذعر:
"ما جاش.. يا نهار أسود.. دا جرس ومش بيرد! لتكون أدته هجمة مرتده هو التاني فمات!! يا بنت الـ.. قاضي!"
جمال متابعاً بضحكة عابثة:
"لأ يا فايز باشا، مش قصي الدمنهوري هو اللي يتعرض لهجمات مرتده، دا إنت اللي مش مسيطر في مهنتك."
فايز باعتراض:
"لأ يا عمي.. أنا بس ما كنتش عاوز أمد إيدي على حرمة.. إحنا بردو عندنا ولاية."
---
التفوا جميعاً حول مائدة الطعام. احتلت السعادة قسمات وجوههم جميعاً. أخذت منى تربت على ظهر ابنها ومن ثم تضع الطعام أمامه في أريحية شديدة. قرّبت فداء مقعد شقيقتها من مائدة الطعام ثم مالت بجذعها العلوي قليلاً تضغط على أحد الأزرار الجانبية حتى يتم رفعه للأعلى أكثر كي يتناسب مع طول المائدة. لتردف بحنو:
"كدا كويس يا بيسو!"
بيسان وهي تومئ برأسها في هدوء:
"آه يا فيدو."
جلست فداء في المقعد المجاور لها. بدأ الجميع تناول طعامهم في حالة من الصمت. وكعادة هذه المشاكسة تابعت متوجهة بحديثها ناحية مراد:
"إنت ياض ياللي اسمك مراد وبتتلطش مني كل يوم.. افتح التي في (TV) دا، خلينا نشغل فيلم رعب."
مراد وهو يذم شفتيه غيظاً:
"أيوه ما أنا الحيطة المايلة بتاعتك!"
فداء بنبرة صارمة:
"هعد لحد خمسة.. 1, 2, 3.."
أبعد مراد المقعد قليلاً عن الطاولة ومن ثم أسرع بإحضار الريموت يعطيها إياه بحنق:
"ربنا على الظالم والمفتري يا بعيدة!"
فداء وهي ترمقه بتهديد وتغني بنبرة ذات مغزى:
"waka waka.. وحشني قفاه!"
سالم وهو يهتف بنبرة ثابتة، متوجهاً بالحديث لها:
"كُلي ولا وحشك الشبشب الطيار يا بلاء!"
ذمت شفتيها في حنق حيث عقدت حاجبيها تمرداً ولكنها أبت أن تعترض فينُفذ تهديده لها. أخذت تُقلب في التلفاز حتى استقر رأيها على أحد الأفلام من النوع الرعب.
فغرت فاهها في ذهول وهي تنظر لذاك المشهد بإمعان. وهنا هتفت وهي تحرك شفتيها وكفها بإعجاب:
"شوف الصايع؟ خانته.. راح جابلها بوكس هدايا أول ما تفتحه تلاقي مطاوي وسكاكين بتطير في وشها.. انتوا عارفين بقي هيعمل إيه بقي.. هيفتح كرشها لأنه تقريباً بيتوحم على كبدة ومش عندهم عيد كبير زينا.. ما هم كفار عليهم اللعنة جميعاً."
كتم الجميع ضحكاتهم في شيء من عدم لفت انتباهها، لتستأنف بنبرة أكثر اندماجاً:
"قوم إيه بقي؟! هيبيع باقي الأعضاء بالسوق السودا إلا الكبدة.. في آخر مشهد اللي جاي دهون.. هيحط عليها صوص طماطم أحمر ويشوحها."
عنود بألم في معدتها:
"كفاية.. أيوس إيدك، أرحميني من القرف دا."
التفتت إليها فداء ترمقها بحاجبين مرفوعين قائلة:
"أنا غلطانة، إني بحكيلك الفيلم عشان تستمتعي!"
قصي بسخرية:
"إحنا هنرجع مش هنستمتع!"
سالم بتحذير ونبرة صارمة:
"اقفلي الزفت دا، وكملي أكلك!"
انصاعت لأوامره على مضض، وهي تُضيق عينيها تنظر إلى الطبق أمامها حيث يوجد به (حمامة) محشوة. ضربت على سطح الطاولة فجأة لتحدق بعمتها قائلة بغضب مصطنع:
"الحمامة دي المفروض إن بيكون فيها كبدة، راحت فين يا منى! إديتيها للواد بتاع الفيلم وأنا لأ!"
عاد سالم بالمقعد الخاص به للخلف قليلاً فيما فعلت هي ذلك حتى اتجهت صوب باب القصر تقول بضحكة خفيفة:
"أنا ماشية على شغلي.. قبل ما اتضرب بالشبشب."
انتهوا من طعامهم، لتبدأ الخادمات في سحب الطعام من على الطاولة الكبيرة. هتف سالم بـ (نور) يطلب منه نقل حقائب (يامن) حيث غرفته.
في تلك اللحظة تابع سالم متوجهاً بحديثه إلى يامن:
"اطلع استريح شوية يابني.. عشان تعب السفر!"
يامن بنبرة هادئة:
"ولا تعب ولا حاجة، اتفضل يا خالي كمل كلامك مع ضيفك.. وأنا هقعد مع مراد ومنى وبيسان."
أومأ سالم برأسه إيجاباً. التفت ببصره ناحية كلًا من عنود وقصي وبنبرة حاسمة تابع:
"يلا يا ولاد.. تعالوا على مكتبي عشان نتفق ونخلص عقود الشراكة."
وقفت (عنود) في مكانها على الفور. يشتعل قلبها فرحاً وهُياماً بوالدها الذي يفعل من أجلها ما تظنه مستحيلاً. سارت خلف والدها بفرحة، فيما رمق قصي قوامها الممشوق في إعجاب. وما أن وصلت إلى باب الغرفة حتى التفتت لتراه. لتجده ينظر إليها بقوة، فتهتف به في غيظ وحدة:
"انت!! بتعمل إيه عندك وبتبص على إيه؟"
انتبه قصي لهتافها. مشي بخطواته إليها وبنبرة ثابتة وهو يمد كفه ويلتقط جديلة من شعرها قائلاً:
"لو عاوزة الشراكة دي تتم، لازم تبقي مؤدبة وصوتك ما يعلاش عليا."
عنود وهي تزيح كفه عنها بشراسة:
"خليك مؤدب وأنا صوتي ما يعلاش! لكن غير كدا فـ أنا بعرف آخد حقي تالت ومتلت."
قصي بصوت جاد:
"ادخلي وإخلصي، وبعدين أنا ملاحظ إنك فري حتى مع ابن عمتك.. فإيه النظام؟"
اتسعت حدقتا عينيها وهي تنظر له بصدمة. صرت على أسنانها بقوة تكظم غيظها منه، فغضبها لن يصطف في صالحها لأنها بحاجة إليه حتى تستعيد عملها وتصبح صاحبة كيان خاص. تنشقت الهواء داخلها ثم جدحته بقوة لا تنبئ عن خير أبداً وبعدها التفتت تدلف داخل الحجرة.
---
(داخل ماسبيرو الصحافة والإعلام)،،،
أخذت تُصافح زملاء عملها بحرارة، فهي التي تعشق عملها وتكد به. غابت عنهُ لبضعة أيام. ألقت بنفسها على المقعد الخلفي لمكتبها، فهي غرفة تضم مجموعة من الصحفيين لكل منهم مكتبه الخاص به.
"أيه الأخبار يا بني آدمين!! حضل إيه في غيابي؟"
أردفت وهي تنظر إلى وجوههم العابسة من هذا السؤال، فيما تابعت إحداهم بتوتر:
"شكري نجيب، قدم شكوى ضدك.. وطبعاً عارف إنك هتكوني موجودة هنا النهاردة، ومقرر المواجهة معاكي وتوقيع عقوبة قانونية على الأخبار اللي بتكتبيها عنه."
فداء بضحكة ساخرة:
"ودا على أساس، إني بكتب حاجة مش حقيقية بروح أمه!!"
فتاة أخرى:
"يا بنتي، كلنا عارفين إنه إعلامي فاسد وإنه حاطك في دماغه علشـ…"
فداء بنبرة محتدمة مخنوقة:
"ما تكمليش، الموضوع دا انتهى من زمان وأنا برجع حقي منه."
أنهت حديثها لتنهض متجهة خارج حجرة المكتب. ذأبت في سيرها لخارج المقر كله والغيظ يعتري قسمات وجهها التي احمرت في انفعال.
وما أن مشت خطوتين مبتعدة عن البناية حتى وجدت شاباً يستقل موتوراً ينتشل حقيبة كتفها منه. جحظت عيناها في صدمة. أخذت تصرخ به أن يتوقف.
هرولت خلفه بسرعة رهيبة ولكنها لا تساوي حركة الموتور في شيء. وفي تلك اللحظة وجدت موتوراً آخر على جانب من الطريق اتجهت إليه على الفور ومازالت مسلطة بصرها ناحية هذا الشاب. استقلت الموتور الخاص بأحد أصحاب التوصيلات الفورية للمنازل والذي ما أن رآها حتى صرخ بها في دهشة ولكنها استطاعت الفرار منه تتعقب ذاك السارق.
أخذت تنعطف يميناً ويساراً داخل حواري ضيقة كثيراً حتى وجدته يتوقف بثبات في مكان لا يوجد به أحد، ولكنها لم تلحظ هذا. وجدته يتدلى عن الموتور ومن ثم حاوطه مجموعة من الشباب وتبدو أشكالهم غير مريحة بالمرة. أزاح الخوذة عن رأسه يرمقها بنظرة حادة، فيما تحركت أهدابها وهي تنظر له بنظرة حاولت أن تبدي غضبها منها ولكنها لم تستطع ليقطع شرودها به، صوته الرخيم قائلاً:
"دا إنتِ قلبك ميت بقي، عشان داخلة لحد منطقتي برجليكي!!!"
رواية جميلتي الصهباء الفصل السادس 6 - بقلم عليا شعبان
اقتحم هذا الشعور دواخلي ، لا أعلم إن كُنت في أمس الحاجة إليه ، أنفُر منهُ أو أنني لم أكُن أتوقعه يومًا ، جُزءا هاما في شخصيتي فأنا بعيده كُل البُعد عن شعور يسلبني الماضي أو يكبح جماح طموحي .. فهيهـات أن يجتاحني أو أرضخ لهُ …——-رمقها بقوة من بين فحمتي عينيه الحادتين ، أطاح بالخوذة بين كفه ناحية أحد رجاله والذي إلتقطها بمهارة شديدة ..ومن ثم إلتفت إليها من جديد يسير بخُطواته الركيزه ناحيتها ليردف بنبرة صلبه :
_ بتعملي أيه هنـا ؟؟انكمشت قسمات وجهها غيظًا وهي تجدهُ يمسك بأحد كفيه (حقيبة كتفها) .. شـدّت قامتها أمامه بثقة وراحت تقول بنبرة باردة :_ جايه أرجع حاجتي اللي انت أخدتها ، ولا إنت مش ملاحظ .. إنك سارق شنطتي !!! .جدحها بنظرة مستهينه ليفتر ثغرهُ بإبتسامة وضيعه من جانب شفتيه وراح يقول وهو يُلقي الحقيبه بإتجاه رجل آخر :_ لا مش ملاحظ .. ولو خايف علي نفسك .. إتكلي علي الله .فـداء وهي تقترب منهُ غيظًا : ما أنا بتكل علي الله أمال هتكل عليك إنت يا شبح ؟! ، ولا إنت علشان حلو حبتين فاكر ، إني هضعف قدامك ،لا يا حبيبي دا انا فداء العامــري ، اللي ما بتسيبش حقها لحد ، وقول لأبو قرعه دا يجيب الشنطه .قالت جُملتها الأخيرة وهي تنظُر بعينيها ناحية ذاك الشاب الذي يقف خلف رئيسه ، رفع الشاب أحد حاجبيه في استغراب من جراءتها رغم وجودهـا بين مجموعه من الشباب …اقتربت فـداء منهُ أكثر وقد فردت ذراعيها جانبًا وأخذت تمشي بثقه كفتوات المناطق الشعبيه تُثني رُكبتيها قليلًا ومـا أن اقتربت منهُ حتي ضربت علي كتفه بثبات قائله :_ هات الشنطة لو خايف علي نفسك إنت ورجالتك !!افتر ثغرهُ عن إبتسامة عريضة ظهرت معهـا تلك النغزة الموجودة بذقنه (طابع الحُسن) ، فهي فتاه خـارج الإطـــار الأُنثوي تمامًا .. رغم إمتلاكها لوجه غاية في إبداع الخالق (ملامح منحوته بدقه تتصف بصغر حجمها ورقتها ) ، لوت شدقها من استخفافه بكلماتها وقبل أن تستأنف حديثها الغاضب وجدت أحد رجـاله يهتف بصوته الخشن :_ نتصرف معــاها يا آسر بيه !!!اومـأ آسر برأسه سلبًا ، ومن ثم أشر بأصابعه لهم لـ يتوجهوا إلي أعمالهم من جديد ، وهنا هتفت فداء وهي تهرول ناحية الشـاب الذي تتواجد حقيبتها بحوزته :_ هات ياض الشنطـه ، دي فيها ورق الشغل بتاعي وسندوتشات الجبنه بالخيـار .هـزّ آسر رأسه للرجل هزة واحدة خفيفة وعلي أثرها ترك الحقيبة لهـا ومـا أن غادر الرجل حتي استدارت تنظُر له من جديد ثم تابعت هي بتفاخر :_ شوفت لمّا زعقتله ساب الشنطة إزاي ! ، يالهوي عليا جاحده طول عُمـري .وجدتهُ يقف أمامهـا ، يضع كفيه في جيبي بنطاله يجدحها بثبات ومن ثم تابع بهـدوء :_ ومين قالك ، إنك هتاخديهـا .فـداء وهي تقترب منهُ بثبات : مين قالك بقي إنك هتعرف تاخدها مني تاني .في تلك اللحظه مــدّ يدهُ ناحيتها ومن ثم قبض بكفه علي ياقة قميصها من الخلف وراح يقترب من أذنها قائلًا بحـدة :_ انا لحد دلوقتي ما مدتش إيدي علي واحدة ست ، بس شكلك مستفزة ومش هتيجي بالذوق .تصلبت رقبتها أمامها وكأنها كالجماد ومن ثم أخذت تفتح حدقتي عينيها علي وسعهمــا وبنبرة مُتلعثمة أردفت :_ أنا بطالب بحقي مش أكتر ومش من الأدب إنك تتعامل مع أُنثي كدا .. وعلشان انا واحدة صاحبه أخلاق ، مش هرد عليك .حرر آسر ياقة قميصها الكروهات علي الفور ، ومن ثم أردف بتهكم وهو يُقلد مشيتها التي تشبه البطة التي أُطيبت أحد قدميها فتتكأ علي الأخرى :_ أُنثي !! ، أمال مين اللي كان ماشي كدا من شوية !! .. وبعدين أنا مش شايف فيكي أي انثي غير إن شعرك طويل .. إنتِ يا بت من عصابة الشعر الأحمر صح ؟! .مطت شفتيها باستنكار ، وراحت تدور حول نفسها وتتطاير خُصلاتها معها ومن ثم وقفت أمامه مُجددًا تقول بنفي :_ لأ ياسطي .. أنا مولودة بيه كدا مش صبغاه ، عجبك !! .آسر وقد تجمدت معالم وجهه بقسوة :_ ويا تري من الأخلاق ، إنك تصوري مرات (شُكري نجيب ) وهي جوا بيتها بالمايوه وتهدديه بالصور !!!فداء ترمقه بشدوه : مرات شكري نجيب !! ، إنت شغال معـاه !!آسر ببرود : مش شغلك ، ولو عاوزة تخرجي هنا من غير ما تتأذي .. هتخرجي من غير الشنطه .فـداء وهي ترمقهُ ببرود ومن ثم إقتربت منه أكثر لتجابهه برأسها وهي تُشير بإصبعها ناحية صدره : بص انا لا خايفه منك ولا كلامك هزني ، أمـا بالنسبة لحكاية مراته .. فـ هو كذب عليك علشان يستغلك فتسرقني وترجع له الورق اللي بيبين حقيقته ويبقي انت تعاونت معاه في نُصرة الظلم .أنهت حديثها ثم إستدارت تواليه ظهـرها ، تقدمت خُطوتين للأمـام وبعدها توقفت فجأه وراحت تلتفت له بخفة مجددًا :_ اه صحيح .. انا ما صورتش مراته ، لكن صورته هو بكلسونه ، أصله خسيس !!!نظرت أمامها ثم استكملت سيرهــا بثقة ، وهنـا وجدتهُ يهتف بها بصوتِ أجشٍ :_ استني !!!——-_ ممكن تفهموني أيه اللي بيحصل من غير استخدام لأي سلاح ! ، وإلا هتخذ ضدكم كلكم إجراءات قانونية !!!أردف جمال الدمنهوري بتلك الكلمات في عصبية أثناء وقوفه بين جمع من الناس ، لم يكُن أمامه سوي أن يرفع صوته عاليًا حتي يعلو فوق صوت صياحهم ، توجهت الأعين إليه ومن ثم هتف أحد الرجال قائلًا :_ ياعني أيه أدفع فلوس مهر لـ بنته ومن أول يوم مش عاوزاني أجرب لهـا وجال أيه ، عاوزة تتطلج !!الرجل الآخر بعصبية برزت عروقه بها :_ مـا جولتلك أختي مش طايجاك ، وآني ما كُنتش موچود علشان ارفض الچوازة دي ،،ومن ثم استأنف الشاب من جديدة بنبرة مُختنقة :_ يا چمال باشـا ، انت رچُل قانون عارف ، البت لسه ما كملتش 1 1 سنه تتچوز أزاي بس ياخوانا .. ابوي وامي غلطوا لمّا عملوا إكده في غيابي .. بس حرام الصغيرة دي تدفع تمن غلطهم .الرجل العجوز بعصبية : يبجى حجي يرجع ليّ ، وخدوا بنتكم .مسح جمال علي وجهه بنفاذ صبر ، ومن ثم أردف بنبرة ثابته جاهد أن يُصبح صوته فيها هادئًا ولا يثور ضد هذا العجوز الابله :_ طيب ممكن تجعدوا خلينا نتكلم في الموضوع دا .. رغم إني أذكر ، إن دي مش المرة الأولي اللي ادخل فيها مشاكل من النوع ديه.——-_ علي خيرة الله .. ألف مبروك الشراكة الجديدة يا ولاد ، ربنا يجعلها فاتحة خير عليكم .أردف سالم بتلك الكلمات في سعادة وهو يُصافح قُصي الذي تابع بثبات :_ إن شاء الله يا عمي .تهللت أسارير وجهها وهي تجلس إلي المقعد المُجاور لـ والدها .. تكاد تهتف عاليًا من شدة الفرحة ، فـ غدًا تبدأ ترتيبـات تأسيس الشركة وبالأخص عند علمها بأن مكان تنفيذهـا موجود بالفعل حيث يمتلك قُصي مكان لبناء الشركة ،،،في تلك اللحظه صدح هاتف سالم عن اتصال ، نحا ببصره إلي شاشة الهاتف الموضوع علي الطاولة بجانبها .. طالع اسم المتصل بإبتسامة عريضة ليقول بحماس :_ دا جمال ، شكله عاوز يعرف وصلنـا لـ فين !!رفع الهاتف إلي أذنه علي الفـــور ، ليجد صديقه يهتف به بإلحاح : أيوة يا سالم ، تعالي عندي في القرية حالًا !!سالم بتوترِ : خير يا جمال ؟جمال باستكمال : خير أتطمن .. الموضوع بتاع كُل مرة ، بس مش عارف أوصل معاهم لـ حل .دار الحديث بينهمـا في خلال دقائق ، حيث قرر سالم التوجه إلي بيت صديقه .. وَد قُصي الجلوس مع شريكته لـ فترة أكبر للتحدث بشأن الخطط القـادمة ولم يُعـارض سالم ذلك .. حيث أنهمـا يجلسان في أجواء عائلية عادية ،،،،_ كدا أقدر أقول ، أهلًا بشريكتي العزيزة !!مد يدهُ يصافحها ، في حين رمقته هي بنظرة احتقارية فلم تنسَ كلماته لها من ساعة فقط ، أشاحت بوجهها للجهة الأُخري في حين ابعد كفه ببرود وراح يرمقها بغيظ .. لتقاطعه هي بثبات صقيعي :_ ممكن بقي نتكلم في شُغلنا أحسن !!قُصي بنظرة حادة : علي حسب العقد اللي مضينا عليه من دقيقتين بس ، المفروض إني صاحب الشركة بكُل حجر هيتم فيهـا .. انا بمولك ماديًا وانتِ دورك تديري الشركة وترفعي اسمها بتصاميمك وشغلك ، بس دا ما يمنعش إني ممكن آقطع الورق دا ، لو إسلوبك مـا إتغيرش !!عنود بنبرة ساخطة : إنت بتهددني !!في تلك اللحظه قطعتهما (مني) ، بصوتها الحنون وهي تتابع بتساؤل متوجهه بحديثها له أولًا :_ تشرب أيه يا قُصي ؟قُصي ومازال مصوبًا بصره بمقلتيها مُباشرة وبنظرة تحدِ أردف :_ قهوه سـادة .توجهت بالسؤال هذه المرة الي عنود : وانتِ يا عنقودة !!عنود بنفس نظرة التحدي : هوت شوكلت يا موني .إتسعت حدقتا عينيها بصدمة بعدما تداركت هذا الاسم الذي تلفظت به عمتها ، فهي تكرهه بشدة ودائمًا ما تستخدمه فداء لإغاظتها ، وهنا إلتفت ناحية عمتها لتجدها قد غـادرت ،،،قُصي بإبتسامة ساخرة : عنقودة !!؟ .. عنقوده أيه بقي !عنود وهي تضغط علي عينيها بنفاذ صبر :_ please, stop .سعل قُصي بخفة وهو ينظُر لوجهها الغاضب في نشوة .. تنحنح قليلًا قبل أن يرمقها بعينين زائغتين يتفحصان جسدها :_ يعني بما إنك خبيرة تصاميم .. ومُصممة مُحترفه ، فأكيد إنتِ موديل جامدة .. طبيعي بتلبسي تصاميمك .. ولا إنتِ بتصممي بس !!عنود وهي تنظُر له شزرًا : لأ ، مُصممه بس !!قُصي بشيء من العبث : وليه ما تكونيش أول مصممة تعرض .. أعمالها بنفسها ، صدقيني الفكرة دي هتنجح جدًا وخصوصًا إننا هنبقي في البدايات .رمقتهُ بنظرات مُقتنعه ، شردت لوهلة تدرس الأمر من جميع جوانبه في حين قاطعها هو بثبات يلعب علي أوتار ضعفها بقوة ، حيث علم عن شخصيتها بأنهـا تلك الطموحة التي تتشبث بأي شيئًا حتي تنجح .. هو يظُن أنها قد تفعل أي شيء لتذوق مُتعة النجاح ،ولم يستثنى شيء !_ هــا ، قولتي أيه ؟!عنود رافعه أحد حاجبيها بإعجاب : امم ، ممتاز جدًا ، نجرب الفكرة وإن شاء الله تنجح .قُصي بنبرة خبيثة :_ انا ممكن أفيدك إذا كانت الفكرة هتنجح أو لأ ، من خلال نظرتي المُستقبلية القوية للأمور اللي زيّ دي .عنود بنقاء نيه حيث رددت بحماس : واو ، انت اتنبأت بحاجه قبل كدا وكانت صح ؟في تلك اللحظه فرد ذراعه الأيسر أمامه ثم أشار لها أن تنهض سىريعًا ، قطبت جبينها في اندهاش مما يفعله ولكنها نفذت ما تطلبه الإشارة منها ليردف هو بثبات مُصطنعًا الجدية :_ أمشي لحد التليفزيون اللي هناك دا وأرجعي تاني ؟ .. وانا هقولك تنفعي موديل ولا لأ !!ذمت عنود شفتيها بعدم ارتياح حيث وضعت ذراعيها حول خصرهـا وبنبرة ثابتة تابعت :_ ليه ؟قُصي بانفعال مُصطنع : أهو من أولها بتدخلي في شغلي .. تصدقي أنا غلطان .عنود وهي تُرخي ذراعيها في تراجع : طيب خلاص .. I’ll do it .ســــارت خُطوتين للأمـام في توترِ وعدم إرتياح ، فيمـا أنزل رأسه يتفحصها بإندماجِ وفجأة إلتفتت لهُ من جديد علي غُرة وبنبرة مُنفعله إقتربت منهُ تصرخ :_ حيواااان .. شوفت بقي إن مالكش أمان وعينك زايغه !!قُصي وهو يستند علي ظهر المقعد بخضة :_ يا بنت المجنونة ، قطعتيلي خلفي !!عنود بإبتسامة تشفِ : خلف مُنحرف زيّ أصله !قُصي وهو يُضيق عينيه بتحير : هي أُختك بتعمل هجمات مُرتدة .. وإنتِ بتقصفي جبهات ، دا انتوا خليه مُفخخه بقي !!!——-_ دخلها يابني وأخلص !!أردف فايز بتلك الكلمات في عصبية ونفاذ صبر ، جلس إلي المقعد الخشبي ومن ثم رفع ساقيه علي سطح المكتب ، ينظُر إلي الفتاة التي تدلف داخل المكتب بنصف عين ، وقفت الفتاة أمامه مُنكست الوجه ،،،إعتدل في مقعدهُ وبنبرة جامدة تابع :_ مالك يا بت ومال الشباب في المظاهرات ؟!الفتاة بصوت غليظ : اتحرشوا بيّا يا بــاشا .فغر فايز فاهه في دهشة ، نهض من مكانه بتوجس شديد .. استدار من خلف مكتبه حتي وصل إليها وبنبرة متحفظة تابع :_ اتحرشوا بيكي ، بعد ما سمعوا صوتك دا ؟الفتاة وقد إرتفعت بنبرة صوتها أكثر : هم عاتقين حد يا باشا !!فايز وهو يُقرب وجهه منها مردفًا بترقبِ : بت تعرفي حاجه اسمها ، هجمة مُرتدة .الفتاة وهي تُقرب وجهها منه هي الأخري :_ ياااااعني أيه يا باااااشا ؟!إنتفضت قسمات وجهه وهو يعود للخلف هاتفًا بها بخضة : يحرقك إنتِ وصوتك يا غوريلااا .——-_ بليــز يا مراد .. علمني البلايستيشن !أردفت بيسان بتلك الكلمات برقتها المعهوده وهي تجده يجلس أمام شاشة اللعبه فيما تابع مراد بضحكة ساخرة :_ مش هتعرفي يا بيسـو .. افرض اللاعب جاله إصابه هتروحي تقعدي جنبه وتقولي له (سوري ما كانش قصدي ) ؟!!ذمت بيسان شفتيها في إمتعاض وهي تجلس بمقعدها الي جانبه ، فيما أردف (يامن) الذي كان يجلس إلي حاسوبه يتصفح أخر الأنباء ومـا أن سمعها حتي تركه جانبًا ثم إتجه إليهما قائلًا بثبات :_ إنت بتألش عليها كمان .. طيب انا هخليها تلعب ماتش ضدك دلوقتي حالًا وتكسبك .مراد بقهقه ساخرة : كمان ؟ ، لأ وسعت منك دي يا ابن مني !يامن وهو يضربه بخفة علي رأسه : طيب إبدأ ماتش جديد وهتشوف .كانت مني تجلس إلي جوار عنود تستفسر منها عمـا آلت إليه الأمور بخصوص بناء الشركة الجديدة ومـا أن وجدن يامن يقترب من (بيسان) ويضع الذراع المستخدم في اللعب بين كفيها حتي تبادلتا نظرات ذات مغزي ،،،استدار يامن خلف مقعـدها ومن ثم حاوطها بذراعيه وبدأ يمسك ذرع التحكم معهـا وهنا أردف بنبرة تحدِ لشقيقه :_ ها .. إبدأ ؟!انصاع مراد لحديث شقيقه حيث بدأت الجولة الأولي للمباراة وفي تلك اللحظه نزل يامن ببصره إلي جهاز التحكم وبنبرة حانية تابع :_ بصي رقم أربعة دا .. خليكي حاطه صوباعك عليه دايمًا .. وأول ما أقولك شوطي تروحي دايسه عليه ، تمام ؟!!هزّت بيسان رأسها بتفهم ، وقد ظهرت علي مُحياها إبتسامة رضـا .. وكانت هذه اللحظة بالنسبه له كمن اقترب علي الموت ومن ثم أهداهُ الله ، فرصة جديدة ،،،بدأ اللعب لتوه ، كانت هي في حاله من توخ الحذر ، تنتظر أن يأمرها بما قالهُ تنظُر لهما بإستمتاعِ ورغبه في الانتصار وبالفعل وجدته يهتف بنبرة سريعة :_ شوطي يا بيسان !!!أسرعت في الضغط علي الزر بحماس ليتم تسديد الهدف الأول ، تهللت أسارير وجهها كالطفل الذي أحس بوجودة وأنه صاحب انجازات للمرة الأولي .. فرغم كونها خريجة كُليه الطب ولكن هذا هو الإنجاز الوحيد بالنسبة لهـا .. فـ الحادثة منعتها عن التقدم لخُطوة واحدة حتي …أطلق يامن قهقة عالية أثارت حنق مُراد ، فيمـا مال علي رأسها يُقبل خُصلاتها ، قُبلة أطال بها المدة بل وأحست بقوتها حينما مالت رأسها للأمام قليلًا .. قطبت مـا بين حاجبيها بتوترِ واستغراب ، لتجدهُ يردف بنبرة ساخنه وقد أحست لتوها بدفء حضنه لهـا :_ براڤو يا بيسو .. دا إحنا طلعنا جامدين أهو ؟رفعت بيسان بصرهـا إليه ومن ثم افتر ثغرها عن إبتسامة خفيفة وراحت تقول بنبرة هادئه وكأنها لم تخرج بعد من طمأنينه هذه اللحظة والشعور الغريب الذي راودها منه :_ انا ما عملتش حاجه ، يادوب نفذت اللي إنت قولته .كانت مني تتابع حديثهما بنظرة حانية يُخالطها الاشفاق ، فابنها يموت بالفتاه عشقًا ولا ينطق .——-_ روحت انا أيه بقي ، ضرباه بونية في خِلقته وقع في الأرض زيّ الكتكوت المبلول .أردفت فداء بتلك الكلمات وهي تجلس إلي الأريكة الموجودة بالشـارع أمام منزله ، فيما مسح هو علي وجهه بنفاذ صبر ثم أردف قائلًا :_ ضربتي الظابط !!فـداء وهي تضربه علي كتفها بقوة : أوعي تستقل بيّا .. دا إحنا جامدين أوي .آسر وهو يضغط علي عينيه بنفاذ صبر : يا ستي أنا مالي بكل دا .. ادخلي في موضوع شُكري نجيب علي طول ! .. أكل وجبتلك أكل ، أعملك أيه تاني ؟توقفت فداء عن مضغ الطعام الذي ملأ فمها حتي انتفخت أوداجها ، عبرت قسمات وجهها عن الإمتعاض الشديد لتقول بنبرة غير واضحة :_ علي فكرة عيب عليك أوي المعاملة دي ! ، هو انا كُنت اتكرعت !!آسر بعدم فهم وشفتين مفتوحتين : هـــا ؟!فداء وهي تبتلع الطعام بصعوبة فتقول : أيون ، يعني من إكرام الضيف .. انك تسيبه ياكل لحد أما يتكرع .. لكن إنت شكلك بخيل يا ماسوره انت .آسر رافعًا حاجبيه بإندهاش : ماسوره ؟!فداء وهي توميء برأسها إيجابًا : هو انا كُنت بجيب كلام من عندي .. مـا البت المايعة اللي حطت الأكل دهين ، هي اللي قالت كدا ؟آسر كاظمًا غيظه : قالت .. أسورة .فداء بإمتعاض : وتقولك ماسورة ليه ؟ ، هم الموظفين بيدلعوا رؤوسهم ؟كور آسر قبضة يده في إختناقِ ونفاذ صبر ومن ثم قربها من وجهها ليصر بأسنانه قائلًا :_ رؤوسهم ؟! ..إنتِ بلاء يا بنتي !! ، اتحدفتي عليا من أنهي مُصيبه ؟؟!فـداء وهي تفتح عينيها علي وسعهما بفرحة :_ يا قـرررد ! .. صح ، عرفت اسمي منين ؟ ، انا اسمي بلاء فعلًا .آسر بنفاذ صبر ونبرة عالية : إخلصي يا ست واحكي قصة الراجل بدل ما أمد إيدي عليكي ، علشان تتنيلي تمشي !فداء وقد قطبت حاجبيها بغيظِ : ما بورااااحه ؟! ، وبعدين مش همشي ، أنا حبيت المكان دا أوي ، بس عندي سؤال عدم اللا مؤاخذة كدا ، يعني واحد حليوة زيك كدهون ، يشتغل حرامي ليه ؟في تلك اللحظه أسرع آسر بشد خُصلاتها بقوة حتي مالت رأسها جانبًا ليقول بنبرة نادمة علي سرقة حقيبتها :_ يحرقك علي يحرق اليوم اللي عرفتك فيه ، يا ست انتي مسروقة وقاعدة في منطقة مش بيعيش فيها غير البلطجية بس .. ايه الإنبساط في كدا ؟؟؟فداء مُتصنعه للبكاء : عاااااااا ، شعراااااي .أفلت شعرها من بين كفيه في حين تابعت هي بنبرة مشاكسه : نيهاهاهاي .. بضحك عليك مش بعيط .كبا لون وجهه للحُمرة الفاقعة وبدأ الشرر يتطاير من عينيه ، فيما ذُعرت هي من هيئته تلك وتراجعت بجسدها للخلف وبنبرة سريعة للغاية تابعت :_ شكري نجيب ، حاول يعتدي عليّا .. بس انا عملت معاه الجلاشه ، كان فاكرني بنات ، نيهاهاهاي .يتبع….
رواية جميلتي الصهباء الفصل السابع 7 - بقلم عليا شعبان
حين يكون العالم كله في هذه اللحظة يُحبني ، هناك يوجد من أحبه ولا يهتم.
جميعهم يشعرون بدقات قلبي تُناديه وتُجافيهم إلا هو.
صُم قلبه عن كل شيء جميل، أكرهه له.
ليته يشعر.
***
"أيوة يا منى؟ أنا مشغول حاليًا، ساعة وهكلمك."
أردف سالم بتلك الكلمات وهو يقف بين حشد من الناس.
فالأمر أصبح صعبًا متشابكًا.
علت غمغمات داخل حجرة الاستقبال الكبيرة وأصبح من الصعب عليه سماعها.
ليهتف بنبرة متأففة: "الوو.. الو يا منى.. سمعاني؟"
أغلق الهاتف في هذه اللحظة.
نظر إلى شاشة الهاتف بحنق.
ليعاود استئناف حديثه الغاضب على هذا الحشد هاتفًا بصرامة:
"ممكن تهدوا؟ وإلا هتصل بالبوليس حالًا. اللي بيحصل دا لا يرضي دين ولا قانون، وأنتم ماسكين في خناق بعض علشان الفلوس."
الشاب وقد فار قائلاً معلنًا بحنق:
"أنا هجيب لك الفلوس في التو واللحظة منين؟ فلوسك هترجع لك بس بالتجسيط. أما أختي فـ هتطلقها وإلا هيكون في بينا محاكم."
ضغط سالم على عينيه بنفاذ صبر واختناق.
فمنذ علمه بسن الفتاة الصغيرة وقد هرب الدم من عروقه.
يكظم غيظه بصعوبة ليجد العجوز مردفًا بصرامة لذاك الشاب:
"هو أني اللي خدتها غصب؟ أمها وأبوها جابوا تمنها وجابوهالي لحد الدوار كمان. وأني مش هتنازل عن فلوسي.. وجاتل يا مجتول. ولا إنت أيه رأيك يا سالم باشا؟"
سالم وهو يحدجه ببرود ونبرة ساخطة:
"أنا من رأيي إننا نوصل لحل مُرضي للأطراف. لأن الموضوع دا زاد عن حده أوي في البلد ولو وصل للمحاكم هتكون عواقبه قاسية جدًا. وأنا أول شخص هبلغ عن أي حالة زي دي هتحصل في القرية من اللحظة دي."
العجوز بثبات ومُجادله:
"ما البت بلغت بكلام أهلها يا سالم بيه! أيه المشكلة عاد؟"
رمقه سالم بنظرة حانقة ومن ثم أردف بإنفعال حاد:
"ما تبلغ أو لأ.. بلوغها مش معناه إنها كبرت يا راجل يا شايب. وبعدين إنت بتلعب في الوقت الضايع أصلًا. رجلك والقبر. ليه تنتهك براءة طفلة عندها ١١ سنة بدون وجه حق. ما عادش في عقل. عاوز تتنيل تتجوز وتجيب واحدة تخدمك. اتجوز واحدة قريبة من سنك. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء!!!"
العجوز بإمتعاض:
"انت بتفول عليّ يا سالم بيه؟ وبعدين أنا بحب البنات الخفيفة مش واحدة علشان تعملي لقمة عاوزة اللي يناولها!!"
سالم بسخرية:
"وأم ١١ سنة هي اللي هتعملك لقمة يا راجل يا عايب!!!"
تابع جمال حديث صديقه بضحكة مكتومة.
فبرغم كارثية الأمر إلا أنه خفيف الروح حتى في انفعالاته.
وهنا خرج من صومعة صمته ليقول بثبات:
"أنا من رأيي يا سالم، إن صقر (شقيق الفتاة) يدي للحاج سعفان نص المبلغ اللي دفعه بس. ودا عقابًا للاثنين. الأول لأنهم باعوا طفلة صغيرة والسبب الثاني لأن سعفان قبل يتجوز طفلة وما اتقاش شر نفسه ونسي كلام ربنا."
العجوز بصرخة اعتراض:
"بس أني ما ضربتش حد على إيده يا جمال بيه؟!"
سالم بنبرة حاسمة:
"هو دا اللي عندنا ولا تحب نمشيها ميري؟!"
احتقن وجه الرجل بدماء تغلي.
فما كان منه إلا أن أردف بإستسلام:
"اللي تشوفه يا سالم بيه."
صقر بنبرة حزينة قليلاً:
"بس أني مش معايا حتى نص المبلغ، كيف راح أدفعه؟"
رمقه سالم بتفهم.
نحى ببصره ناحية العجوز وبنبرة ثابتة أردف:
"أنا اللي هدفع لك المبلغ. بكرة تزورني في القصر عندي عشان تستلم الشيك. ودلوقتي هتطلق البنت!"
العجوز وهو يومئ برأسه إيجاباً:
"وأنا موافق."
***
"ردت!!"
أردفت ثلاثتهن بنفس الكلمة في آن واحد.
رمقهن بغيظ لشدة إلحاحهن.
أخفض الهاتف عن أذنه قليلاً وبنبرة حانقة هتف بصرامة:
"لأ.. مش بترد وممكن تهدوا بقى؟"
منى ببكاء ولوعة:
"أكيد حد خطفها يابني، بنتي حبيبتي اتخطفت. أكيد هو الحيوان اللي كان عاوز يعتدي عليها."
قالت جملتها هذه بحرقة قلب ودون وعي منها.
ففداء تتخذها صديقة لها لأن عمتها أفضل من يعطيها نصيحة تسير وفقها.
انكمشت قسمات وجهه ومن ثم أردف بتساؤل ورهبة:
"إنتِ بتقولي أيه يا أمي؟!"
اتسعت حدقتا عينيها في صدمة فقد أدركت لتوها ما قالته.
تلعثمت في عبارتها قليلاً قبل أن تقول بنبرة خفيضة وكأنها تترجع عما أفصحت به:
"هو أنا قولت أيه؟ متأثرة بالفيلم اللي سمعته من شوية يا حبيبي. يقطعني؟"
مسح يامن على وجهه بقلق.
ثم استدار حتى التقط معطفه من على إحدى الكنبات وأسرع بارتدائه على الفور هاتفًا بصرامة:
"أنا هروح لها مكان شغلها.. ما هو مفيش حل غير كدا."
***
“على الجانب الآخر”
(خارج بوابة قصر العامري)
"هو دا بيتك؟"
أردف آسر بتلك الكلمات في ثبات وهو يجوب ببصره حول المكان في إعجاب.
فيما هزت هي رأسها بتأكيد:
"أه دا بيتي. نسيت صحيح أوريك صورة إخواتي، أنا عمري ما وريتهم لحد."
قامت بفتح حقيبة يدها بهمّة لتلتقط صورة ورقية تجمعها بشقيقاتها.
أمدت يدها له فيما التقط هو الصورة منها.
وما أن نظر داخلها حتى أردف بضحكة خفيفة وهو يمسح على جبهته قائلاً:
"إلحقي أنا شايف أختك تلاته، باين كترت في الشرب!"
قطبت فداء ما بين حاجبيها ومن ثم أردفت بنبرة حماسية أكثر:
"لأ ما الصورة لـ تلات بنات فعلًا بس تؤام."
آسر يرمقها بعينين جاحظتين:
"يعني إنتِ عندك أختين شبهك؟"
هزت رأسها بخفة وقد ارتسمت علامات البراءة اللامتناهية على وجهها.
وراحت تقترب منه أكثر قائلة وهي تشير بإصبعها ناحية ذقنه قائلة:
"حلو الخرم اللي في دقنك دا؟"
رفع آسر أحد حاجبيه ثم تراجع خطوتين للخلف.
وبنبرة محيرة أردف:
"هو القصر دا بيتك فعلًا ولا إنتِ شغالة جناينية فيه؟"
أردفت هي بغيظ:
"أنا فداء العامري الصحفية المستهدفة من رئيسك شكري نجيب مش كدا؟"
آسر وهو يضع كفيه في جيبي بنطاله:
"بغض النظر إنه مش رئيسي بس أه؟"
استدارت فداء ثم أشارت إلى المعلقة على حائط القصر الخارجي ومدون عليها اسم مالك القصر.
لتقول بنبرة ثابتة:
"قصر السيد (سالم العامري) ودا بابا."
أومأ آسر برأسه في تفهم.
افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة ثم أردف بنبرة ثابتة:
"هاتي رقمك ضروري، عشان لو طلعتي كذابة بخصوص موضوع شكري نجيب.. أعرف أوصل لك."
اقتربت فداء منه مجدداً ثم عقدت حاجبيها تمرداً على ما قاله.
وراحت تصرخ بغيظ:
"أنا مش كذابة ومافيش أرقام.. أشطا؟"
أدارت ظهرها وراحت تسير خطوتين.
ليقبض على ذراعها بقوة.
وما أن التفتت إليه حتى وجدت شخصاً يأتي من خلفها ويقبض على ياقة قميص الشاب هاتفاً:
"إنت مين وعاوز أيه؟"
أردف يامن بتلك الكلمات في انفعال حاد.
ما أن رأى آسر يقبض على ذراعها وصراخها به أن يتركها.
هتف به آسر بنبرة صارمة قائلاً:
"إبعد إيدك يا بابا؟"
فداء وهي تنظر لابن عمتها في صدمة لتهتف بصراخ:
"انتوا هتتخانقوا؟ وبعدين دا آسر الحرامي اللي خطف شنطتي و..."
وقبل أن يتسنى لها استكمال حديثها وجدت الاثنين يكيلان لبعضهما اللكمات.
أخذت تصرخ كسيدة في الستين من عمرها تنهرهما أن يتوقفا.
بعد أن اقتربت منهما في محاولة لإبعادهما:
"يالهوووي.. خناااااقة.. سيبوا بعض يا عيال.. مش عاوزة أمد إيدي على حد فيكم."
وما أن أنهت جملتها حتى وجدت لكمة تطيح بها أرضاً من حيث لا تدري.
سقطت أرضاً لتصرخ بنبرة مغتاظة والشرر يتطاير من عينيها:
"إنت يا بغل انت وهو، مين فيكم اللي ضربني بالبونية؟!"
اشتد الخناق بينهما أكثر حتى وصل للسباب بأقذع الألفاظ والشتائم.
ذمت شفتيها غيظاً ومن ثم قررت إنهاء هذه المعركة.
لتنقض عليهما ثم تحاول الفصل بينهما وهي بالمُنتصف.
وهنا أرجع آسر رأسه للخلف ومن ثم عاد بها للأمام حتى يطيح برأس (يامن).
ولكنه أخطأ الهدف وكانت الإطاحة من حظها لتسقط أرضاً مجدداً:
"جالي ارتجاج في المخ! إلحقوني.. مصاصين الدماء دول هياكلوني."
وهنا حملقت بعينيها إليهما عندما سقطا أرضاً.
وقد اعتلى يامن جسد خصمه وبدأ يكيل له اللكمات.
لتقترب هي منهما ثم تضرب الأرض بكفها وتردف بسعادة:
"واحد، اتنين، تلاته.. هييييييه كسبت يا يامن، كفاية بقي الله يخربيتكم!!!"
عاد الاشتباك مجدداً عندما بدأ آسر يكيل لخصمه اللكمات من جديد.
أسرعت هي بإمساك عنق (آسر) من الخلف.
عندما حاوط ذراعها رقبته لتصرخ به غضباً:
"سيب ياض انت، ابن عمتي.. وحياة أبوك سيبه بقى!!"
لم تجد جدوى من هذا.
لتقع عيناها على الخرطوم البلاستيكي المخصص لري أزهار الحديقة.
هرولت إليه على الفور ثم فتحت مقبس المياه وصوبت فوهته ناحيتهما لتبدأ حرب الرش بالماء.
وهنا أردفت بضحكة انتصار:
"مين فيكم يا كلاب اللي ضربني بونية؟ ومين البغل اللي ضربني براسه الناشفة؟ دا بقي بالذات هدخل الماية من صرصور ودنه أطلعها من الصرصور التاني."
آسر بعصبية:
"إنتِ يا بت، إبعدي الخرطوم دا؟"
نجحت خطتها في إبعادهما عن بعض.
فيما رمقهما آسر بحنق ليباشر سيره خارج القصر.
فقد أدرك أخيراً بأن الصراع أوصلهما لداخل محيط القصر.
وقبل أن يختفي عن ناظريها هتفت هي عالياً:
"أنا مش كذابة يا آسر؟"
لم يلتفت لحديثها أو يعيرها اهتماماً لما قالته.
بل ذأب في خطواته مبتعداً.
صر آسر على أسنانه بحنق وبنبرة صارمة أردف:
"قدامي على جوا.. لما نشوف حكاية الراجل دا أيه؟"
***
في صباح اليوم التالي
"في أيه يا مراد بس النهاردا؟ مش عارف تحفظ القصيدة ليه؟"
أردفت منى بتلك الكلمات في استغراب من خمول ابنها ناحية واجباته الدراسية.
أردف مراد بنبرة متأففة:
"البيت دا غبي أوي وأنا مش عارف أحفظه."
"هو أيه دا اللي مش عارف تحفظه؟ صباح الخير يا منمن يا جميلة؟"
قاطعهما صوتها وهي تدلف إلى الغرفة.
لتتجه ناحية عمتها ثم تقبل وجنتها بحب.
فيما تابعت الأخرى بحنو:
"صباح الورد يا فيدو، شوفي يا ستي الأستاذ مودي بيقولك مش عارف يحفظ نص أحمد شوقي خالص!"
ضيقت فداء عينيها قليلاً ومن ثم عادت ترمق عمتها من جديد وبنبرة متسائلة تابعت:
"شكلك ما قولتيش حاجة لـ سالم بخصوص اللي حصل إمبارح.. عشان ربنا يهديه عليا النهاردة، وما شفتش أي شباشب طايرة في الجو؟"
منى بقهقهة خفيفة:
"لأ ما قولتش.. بس إنتِ كنتِ بتخططي لأيه إمبارح؟"
افتر ثغرها عن ضحكة خفيفة من جانب فمها.
وراحت تقول في تفاخر:
"دا أنا فداء العامري.. افتحي التليفزيون ولا النت وانتِ تعرفي. المهم خلينا مع الواد الغلبان دا.. لحظة وراجعة!"
ترجلت فداء خارج الغرفة لدقائق قليلة.
ومن بعدها عادت مجدداً تحمل بين يديها طبلة تحتفظ بها داخل غرفتها.
لتستخدمها في الوقفات الاحتجاجية التي تشنها ضد الفاسدين.
فانغرت منى فاهها بدهشة.
عندما جلست فداء القرفصاء إلى الفراش وبدأت تدق الطبلة بمرحها المعتاد تنشد القصيدة بطريقة شعبية.
حينما صدحت زغرودة منها قبل أن تهتف بمرح:
"اختلاف الليل والنهار يُنسي، اذكراليّ الصبا وأيام أنسي… عشان أنا مجروح.
وصفاليّ ملاوة من شباب، صُورت من تصورات ومس.. عليه جن ويا عيني مجروح.
عصفت كالصبا اللعوب ومرت، سنة حلوة ولذة خلس.. والواحد ما يعرف من كتر الجروح.
طب تؤ تؤ تيء تأ.. دي جي ڤيدو لولولولوي."
تبادل كلاهما من مراد ومني نظرات مشدوهة.
لتنبعث قهقهة عالية من فم السيدة منى.
بينما أردف مراد بنبرة مغتاظة:
"يعني أنا كدا هحفظه؟"
اقتربت فداء منه وهي تتمايل بالحركات الشبابية.
رفعت ذراعها ناحيته ثم أطاحت بالكتاب الذي بين يديه أرضاً.
ومن ثم جذبته إلى ساحة الرقص وبدأت تصدح بضجيج عال:
"مافيش صاحب يتصاحب.. مافيش راجل بقى راجل!!"
انسجم مراد معها ثم بدأ يصدح بصوته العال مكملاً سطور الأغنية.
حينما هتف:
"هتتعامل هنتعامل.. طلع سلاحك متكامل، هتعورني هعورك وأبوظ لك منظرك."
وقبل أن يستأنف سطور الأغنية التي يحفظها عن ظهر قلب حتى وجد كفها يلتصق بظهر عنقه.
وبنشوة انتصار تابعت:
"زي ما انت حافظ الأغنية كدا ياسطي، أحفظ القصيدة يا عنيا؟"
مراد بنبرة ساخطة:
"ارحمي قفا اللي جابوني، دا بقي حمال قاسيه منك."
أسرعت برمي الطبلة إليه ليلتقطها بين ذراعيه.
ومن ثم أردفت بنبرة خبيثة:
"لو القصيدة ما اتحفظتش النهاردة عشان أرجع من الشغل وتسمعيها لي.. مش هيكون قفاك بس اللي مستهدف، لا دا أنا هتوسع في النشاط ومش هفسر عشان منى بتتكسف هيء."
جحدها مراد بنظرة ساخطة.
فيما أردفت منى وهي تزج بها خارج الغرفة:
"ربنا يصبرني عليكم.. انتوا الاتنين."
سارتا معاً خارج الغرفة.
لتترجل (عنود) من غرفتها.
وما أن رأتهما حتى أردفت بحب:
"صباح الورد على الوردات؟"
فداء بحب:
"صباح العسل يا عسل أبيض نحلاوي."
افتر ثغر عنود عن ابتسامة عريضة.
ومن ثم تابعت وهي على عجالة من أمرها:
"فدو أنا رايحة أشوف مبنى الشركة مع قصي."
فداء بتفهم:
"أجي معاكِ ولا هتاخدي بالك من نفسك؟"
اقتربت عنود من شقيقتها ثم طبعت قبلة سريعة على وجنتها.
وبعدها استدارت تهرول هابطة الدرج وبنبرة ثابتة تابعت:
"ما تقلقيش يا فيدو.. وراكي رجالة."
منى وهي تلتفت لها ترمقها بتساؤل:
"ما قولتيش، عملتي أيه تاني في الزفت دا؟"
***
"على الجانب الآخر"
جلس إلى المقعد بالغرفة المخصصة لتدريبات ابنته.
كان ينظر إليهما بأمل.
حينما مد يامن كفيه لها وبنبرة حانية تابع:
"يالا هاتي إيدك، وهتقفي على رجلك ونحاول نمشي كام خطوة.. تمام؟"
رمقته بيسان بخوف لشعورها الدائم بانعدام القدرة.
ابتلعت ريقها بصعوبة لتردف بنبرة وجلة:
"مش هعرف."
يامن بابتسامة حانية:
"هتعرفي، وأنا كمان هساعدك."
مال بجذعه الأمامي قليلاً.
ليحاوط خصرها بذراعيه.
يرفع جسدها عن المقعد المتحرك.
تشبثت بقميصه هلعاً.
وما أن تأكد من اتزان وقفتها حتى أمسك ذراعيها وابتعد عنها مسافة قليلة.
وبنبرة هادئة تابع:
"حاولي تحركيها وتقربي مني.. ها!!"
في تلك اللحظة صدح هاتفه عن اتصال.
التقط الهاتف من جيب بنطاله.
لينظر إلى شاشته في هدوء وافر.
وما أن أجاب حتى تغير لون وجهه حنقاً:
"أيوة أنا والدها.. مين؟"
دلفت فداء إلى غرفة التدريبات بصحبة عمتها.
تهللت أسارير وجهها وهي تجد شقيقتها تبذل قصارى جهدها كي تتغلب على شيطان ماضيها.
وسرعان ما تحولت قسمات وجهها إلى رهبة عندما التفت سالم ناحيتها وهو يتابع والشرر يتطاير من عينيه:
"أنا متأسف لك جدًا يا فندم.. أنا هتصرف، في رعاية الله."
فداء وهي ترمقه بنصف عين:
"طيب نتفااااهم ياسطي؟"
"فداء!، هاتي الصور اللي لقطتيها للمذيع اللي اسمه "شكري نجيب"، وحالاً."
أردف سالم بتلك الكلمات في عصبية مفرطة.
بينما هرولت فداء ناحية المطبخ ومن ثم التفتت له تتردد بحزم:
"على جثتي، الأستاذ بيقول عليا في برنامجه إني كذابة في كل الأخبار اللي بجيبها. هيكذبوني أنا ويصدقوا الحشاش دا، اللي قاعد يومه كله في غرزته!"
نظر إليها بعينين جاحظتين ومن ثم ردد بعدم تصديق وقد أجفل عينيه قليلاً:
"غرزة وحشاش يا بلاء!"
فداء بثقة:
"أه وكله في الصور على النت وعلى عينك يا تاجر، ولا إنت فاكرني مش هعرف أرجع حقي!"
مسح سالم على وجهه بعصبية خفيفة.
بينما تابعت بيسان بتلعثم والتي ساعدها يامن على الترجل خارج الغرفة لمعرفة سبب انفعال والدتها:
"بليز يا فيدو، أدي لـ بابي الصور، حرام عليكِ هيتعب!"
سالم باستئناف:
"الصور لو ما طلعتش حالاً هحبسك هنا ومافيش شغل تاني يا بلاء القصر…"
فداء وهي ترفع إصبعها السبابة أمامه وبنبرة عالية بعض الشيء، هتفت:
"وإن لَم يكُن من الموت بد.. فمن العجز أن تكون جبانـاً."
كانت تقف على باب المطبخ تسده.
ولأنها على علم دائم بغدر والدها بها باستخدام أسلحته الطائرة.
ولجت داخل المطبخ على الفور ومن ثم عادت تقف أمام الباب من جديد وهي تمسك بين كفها غطاء قدر كبير.
حيث يتم استخدام هذا القدر لعمل الوجبات الكبيرة أو وجود احتفالاً ما بالقصر.
وهنا تابعت هي بتفاخر:
"وأدي درع الحلة أهو، ولا الدرع اللي كان مستخدمه صلاح الدين الأيوبي حتى.. ووريني الجزمة هتيجي في وشي إزاي، ولـ علمك بقي هروح شغلي."
أنهت كلماتها ومازالت تختبئ بوجهها خلف الغطاء.
ولا ترى أحداً منهم.
فيما نزع سالم حذاءه عنها ليلقي به إليها فيلتصق بمعدتها.
ألقت الغطاء من يدها ومن ثم أخذت تهتف بتذمر:
"أه يا كرشي! والله العظيم يا سالم انت بقى هزارك تقيل يا جدع.. انت لا يمكن تكون أب."
سالم بحدة:
"الصور اللي نزلت على الفيس بوك دي، تتمسح حالاً يا هانم، وبعدين أي حق اللي عاوزه تاخديه منه دا؟"
فداء بتوتر وهي تبتسم ببلاهة:
"حق؟ أنا ما يتقالش عليا نص كم.. لو ما كانش الكم كامل ما لبسش لاستهوي يا سالم!!!"
***
"غريبة أوي إنك بتتكلم بقلب جامد كدا؟ أنا أول مرة أشوف حرامي شريف.. بكذب عليك أو لأ.. دا هيفرق معاك في أيه؟"
أردف شكري بتلك الكلمات الساخرة وهو يقف أمام فيلته واضعاً يده في جيب بنطاله بثقة.
فيما تابع آسر ببرود صقيعي:
"مين قالك إني حرامي؟ أنا بس بيصعب عليا الغلابة اللي زيك فـ بحاول أرجع لهم حقهم واهي مغامرة في الحياة.. لكن عمري ما سرقت حاجة مش ليا أو جيت على حق حد."
شكري بابتسامة ساخرة من جانب فمه:
"أفهم من كدا إنك مش هتخلصني من البنت دي؟"
اقترب آسر منه أكثر ليجابهه بنفس قوته وبنبرة صارمة تابع:
"لأ مش هخلصك من البنت دي، أنا هخلص عليك إنت لو فكرت تقرب لها تاني."
يتبع…
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثامن 8 - بقلم عليا شعبان
صدح صوت شكري بقهقهة ساخرة، مد ذراعه ناحية آسر ليربت على كفه بثبات وصوت أجش:
_ تخلص مني؟ ومين قالك إن مش أنا اللي هخلص عليك الأول!
أزاح آسر كفه بقوة وتنافس ليجابهه بنظرات حادة قائلاً:
_ جميل أوي.. واللي يرجع في كلامه يبقى عيل! بس إنت ما كذبتش عليا في النقطة دي بس.. البنت دي بتاخد حقها منك لسبب تاني أنا مش عارفه.. بس يا خبر بفلوس بكرا يبقى ببلاش.. بس ساعتها عداد اللعب هيجري.
وهنا رفع إصبعه السبابة مشيرًا به إلى جانب رأسه قائلًا:
_ دي بنت يا مذيع الملايين! يعني آسر ما يكسبش بطولة على شرف بنت.
اشتدت حدة عينيه وهو يحدقه بنظرة ثابتة فيما زاغ الآخر بنظره للبعيد، ليبتعد آسر عنه ومن ثم يستدير مغادرًا.
***
_ أحم أحم.. شكرًا يا مدام ناهد، أدينا الغرض بيهم ورجعنا العهده.
أردفت فداء بتلك الكلمات وهي تضع معدات الطهي على الطاولة التي تتوسط غرفة إعداد الطعام، كتمت ناهد ضحكتها داخلها ثم أردفت بابتسامة هادئة:
_ تقريبًا كدا.. ما أفادتكيش جامد!
في تلك اللحظة استدارت فداء بجسدها ناحية المبرد (الثلاجة) ثم فتحت بابه وهي تقول بنبرة ثابتة للغاية:
_ يعني إصابة خفيفة كدا، الحج بس هزار تقيل حبتين.
استأنفت حديثها وهي تلتقط بين كفيها مجموعة من البيض لتتجه بهم إلى الموقد، قامت بإلتقاط طاسة من الرخام ووضعتها على نار الموقد وهنا دلفت مني هي الأخرى، قطبت ما بين حاجبيها في استغراب لتردف:
_ فداء؟ بتعملي إيه في المطبخ!! دا حدث نسجله في التاريخ.
رفعت فداء أحد كتفيها بتفاخر، لتمسك بيضتين بين كفيها وبنبرة هائمة تابعت:
_ بعمل فطار عشان هاخده لحد عزيز عليا ونفطر سوا.
رفعت مني أحد حاجبيها، نظرت إلى ناهد والتي بادلتها نفس النظرة التساؤلية، اقتربت فداء من الموقد ومن ثم قامت بضرب البيضتين ببعضهما حتى أصدرتا طقطقة خفيفة، أسرعت بتقريب كفيها إلى الطاسة بانتصار ليسقط ما بداخلها على سطح الموقد.
فغرت فداء فاهها بصدمة وذهول ومن ثم رفعت بصرها إلى الاثنتين وبضحكة متوترة تابعت:
_ إتدلقت؟ غصب عني طبعًا.. هطلع غيرها ومش هتقع ما هو بردو لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
مني بنبرة ما زالت الصدمة تختلجها:
_ أعمله لك أنا يا حبيبتي؟
فداء وهي تلتقط بيضتين من جديد وبنبرة مُصرة تابعت:
_ ماينفعش! لازم أعمل الأكل دا بإيدي.
أعادت صدم البيضتين ببعضهما من جديد، وهي تقرب كفيها من الطاسة بشدة، وما أن فعلتها حتى سقط البيض بقشرته، صفقت بفرحة لتهتف قائلة:
_ واو.. أخيرًا ما وقعوش على الأرض.. عفارم عليكِ يا فيدو يا عسل.
قامت ناهد بوضع كفها على فمها، اكتسحت خلجات وجهها الصدمة لتقترب من الموقد وكذلك فعلت مني.
حدقتا ما بداخل الطاسة بشدوه لتقول مني بتلعثم:
_ إنتِ واثقة إن الشخص اللي هتودي له الفطار دا عزيز عليكِ؟!
فداء وهي تنظر لوجهيهما المصدومين في غيظ لتردف:
_ ما في إيه يا وليه انتِ وهي! مش مقدرين إني ما بعرفش أطبخ كدا خالص!
مني وهي تشير بإصبعها ناحية الطاسة:
_ بس الأومليت بقشرة؟!
انكمشت قسمات وجهها بتقطيبه متحيرة لتحك خصلات شعرها وتردف بنبرة شك:
_ هو مش بيتعمل بالقشر صح؟
الإثنتان تومآن في آن واحد وقد أردفتا بنفي:
_ لأ.
فداء بنبرة صارخة:
_ وأنا أيش دراني، أمال انتوا دوركم إيه هنا؟ مش عشان ترشدوني!! ستات آخر زمن.. وسعي يا ست انتِ وهي وخلوني أشوف هعمل إيه تاني جنب البيض.. فيلا ما فيهاش شوية مِش حتى!!
مني بذهول:
_ مِش؟
***
_ تيجي نعدهم؟!
قال جملته تلك وهو يقف خلفها فيما ظله يسبقه للأمام، طالعته هي بنبرة متسائلة ومن ثم تابعت بتساؤل وضحكة خفيفة:
_ نعد إيه بالظبط؟؟
اقترب أكثر منها حتى وقف بمحاذاتها، نحا ببصره صوب السماء ومن ثم تابع بتنهيدة حارة:
– نعد النجوم، أصلي شايفك مركزة في السما أوي!
رمقتهُ بنظرة طفولية فذّة وكأنها تؤمن على فكرته، بادلها بابتسامة عابثة لتقول هي بنصف عين:
_ أتمنى الضحكة دي ما يكونش وراها حاجة!
افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ليرفع كفه يمسح به على خصلات شعرها ويقول وهو يلتفت حول نفسه:
_ لا خالص مش بتريق.
هي وقد ذمت شفتيها غيظًا:
_ شوف بقي، أهو اعترفت بنفسك.
تغيرت معالم وجهه متصنعًا الجدية في حديثه، ليقترب منها بهدوء حتى يقف على بعد سنتيمترات قليلة خلف مقعدها ثم امسك ذراعها ورفعه عاليًا، قائلاً:
_ ها! يالا بقي نعد.
انصاعت هي لـ فكرته، بدأ إصبعها السبابة ينتقل بين النجمات التي أضاءت السماء من حولها.. تسارع في إحصائهم وكأنها في سباق وجب الفوز به، قرّب وجهه ناحية أذنها قليلًا يتابع حركة أهدابها وضيقها من فشل العد في كل محاولة، بينما هي منشغلة بما تفعله كان هو يتأمل (حسن إبداع الخالق في خلقه)، ليقول بنبرة حالمة:
_ حي على الجمال.. سبحان من زرع في السماء نجومًا ومكملات لها بالأرض، نجوم تضيء السماء.. وأخريات تضيئن قلب العبد حتى يشتعل، فلا ينطفئ المرء بوجودهن، فيسود الحب ولم يعد.. مجرد خيال…
انتبهت لنبراته الساخنة التي تلتفح أذنيها، أخفضت أصابعها بهدوء صاف ومن ثم رفعت بصرها ترمقه من على جانبها الأيمن قائلة:
_ حلو أوي الشعر دا يا يامن.. إنت بتعرف تقول شعر؟
استدار يامن حتى وقف أمامها مباشرة، التقط كفها ثم رفعه إلى فمه يلثمه بحنو وهيام ليردف:
_ حلو عشان ملهمته إنتِ.. يعني بكتب على قدي.
بيسان بنبرة فرحة:
_ أنا بجد بحبك أوي يا يامن، دايمًا بتخاف علينا وبتساعدني أمشي من تاني.
تسارعت دقات قلبه على أثر كلماتها، أغمض عينيه يتذوق إحساس الكلمة منها فيما تابعت هي بنبرة هادئة:
_ إبراهيم سافر وهيرجع يوم عيد ميلادي ولازم أعرفك عليه.. أنا بعشقه وهو حنين عليا زيك.. بس بنتخانق كتير ولكن أنا مش بزعل منه.
كبا لون وجهه للصُفرة الباهتة، تسايرت معالم البهجة عن وجهه ليفلت كفها من بين راحته وبإختناق مفجع تابع:
_ إبراهيم؟
قال كلمته هذه وهو يُكور قبضة يده في انهيار داخلي رغم الثبات الجسدي له.
مشى بخطواته بعيدًا عنها لتردف بنبرة مستغربة:
_ يامن إنت رايح فين؟ مش هنكمل التدريب.
التفت بوجهه إليها وبنبرة فاترة تابع:
_ كفاية كدا النهاردة.. هروح أشوف خالي، عشان وصله ضيف من شوية وشكله كان متضايق من وجوده.
انتهى من حديثها ليستكمل سيره، لم يتسن لها فرصة الرد ليهتف هو بصوت أجش:
_ نور! نـووووور؟
جاء الفتى مهرولًا ليقف أمامه مباشرة فيما أردف يامن بثبات:
_ خُد آنسة بيسان على أوضتها.
***
“على الجانب الآخر”
– وأدي الشيك بالمبلغ المتفق عليه.. ياريت ما تحاولش تتعرض للبنت أو أهلها تاني، وبكفاياك تقلل من سنك يا حج سعفان، هتتحاسب على كل واحدة انتهكت براءتها عشان تعملك لُجمة؟!!
أردف سالم بنبرة ذات مغزى وكأنه يخاطب الجانب الإنساني به، فيما حدقه العجوز بامتعاض ليلتقط المبلغ المدون على الورقة منه، يقرأه من جديد بثبات وراح يقول بنبرة حادة:
_ ما جولتلك جبل سابج.. أنا ما بضربش حد على إيده.. وفي إيديهم يرفضوا!
في تلك اللحظة قام يامن بفتح باب الغرفة وبنبرة ثابتة تابع:
_ خالي، تحتاج حاجة؟
أومأ سالم برأسه إيجابًا ومن ثم نحا ببصره إلى العجوز الذي ما زال جالسًا على المقعد ليردف بنبرة ثابتة:
_ نورتنا يا حج سعفان.
تنحنح سعفان بتثاقل من شدة السمنة التي تحاوط جذعه العلوي، وقف مستندًا إلى المقعد ومن ثم استأذن للذهاب، قام يامن بإغلاق الباب من بعده على الفور وبنبرة متسائلة تابع:
_ مين الراجل الغريب دا؟
تنهد سالم بعمق ومن ثم أخرج زفيرًا ساخنًا وأردف بهم:
_ أهو أبو قردان دا.. مش وراه غير جواز القاصرات، العزبة كلها على نفس الوتيرة والموضوع كتر وبقيت حاجة تقرف.
ظهر الامتعاض والتقزز على محياه ليجلس إلى المقعد المقابل لـ خاله وبنبرة يخالطها الحيرة تابع:
_ وفين الناس دي من القانون؟
سالم بنبرة هادئة:
_ يابني الناس دي غلابة مش وش بهدلة.. هما بس محتاجين توعية تجاه المواضيع الحساسة اللي زي دي وأنا متأكد إنهم هيستجيبوا.
يامن بتفهم:
_ طيب ما جميل.. حضرتك ممكن تكون فريق توعية للقرية دي بقيادة فداء، دي صحفية والتوعية جزء لا يتجزأ من شغلها.
سالم برفض قاطع:
_ مين ياخويا؟ فداء! دي مش بعيد تعلق للرجالة حبل المشنقة وتعدم لها كل يوم أد ستة كدا.. قال توعية قال.
يامن بضحكة خفيفة:
_ صدقني فداء تقدر تعمل دا، وفكر في الموضوع تاني بتأنٍ.
هز سالم رأسه هزة خفيفة، تنحنح قليلًا في ثبات قبل أن يردف بحزم حاسمًا لأمره:
_ طيب أنا كنت عاوزك في موضوع تاني بخصوص بيسان؟
ركز يامن انتباهه ناحية حديث خاله بكل جوارحه، فكل ما يخصها يقع تحت طائل مسؤوليته، جلت على ملامحه علامات التساؤل ليردف بقلق:
_ مالها بيسان؟
سالم بنبرة مختنقة:
_ إنت عارف طبعًا يابني ظروف بيسان.. من ساعة الحادثة وموت إبراهيم خطيبها الله يرحمه وهي بتتوهم بوجوده، أنا يابني كبرت في السن وخايف يصحوا يوم من غير ما أكون جنبهم.. ملاك اللي يرحمها سابت ليّ مسؤولية كبيرة أوي، بس أنا لما بشوفهم فرحانين بحس إنهم وغلب الدنيا كله يهون عشانهم.. أنا نفسي أسترهم وأفرح بيهم وبالأخص بيسان.. البنت دي مش هتعرف تكمل لو مت.
يامن بلوم ونبرة ثائرة:
_ بعيد الشر عنك، ربنا يبارك لك فيهم.. وتشوفهم بالفساتين البيضا وتشيل أولادهم كمان.
سالم بنبرة أكثر همًا:
_ يابني دي أقدار أكبر مني ومنك، الدكتور اللي بيتابع حالتها النفسية قالي إنها لازم تعيش مشاعر جديدة عليها وتكون أقوى من اللي عاشتها عشان تنسى الماضي.. أنا محتاجك تكون جنبها لحد ما تفوق من صدمتها.. مش عاوزك تمثل عليها الحب أو كل الكلام دا، أنا بس عاوزك تهتم بيها أكتر تحاول ترجعها لـ عالمنا تاني.. وأكون مشكور لك أوي.
ابتلع يامن غصة في حلقه ليرفع بصره إليه وبنبرة ثابتة تابع:
_ وأمثل ليه؟ ما أنا بحبها فعلًا؟!!
***
– المكان جميل، لأ دا لقطة بجد و attractive جدًا. (جذاب)
أردفت عنود بتلك الكلمات في سعادة غامرة، حيث وقفت في شرفة المكتب الكبيرة تتأمل المنظر الطبيعي أمامها.. وقف هو الآخر شاردًا ليقول بثبات:
_ الفيلا دي اللي عيشت واتربيت فيها مع أمي، ولما ماتت فضلت مهجورة مش بيدخلها حد ولا حتى أنا.. كل دقيقة بكون فيها هنا بفتكرها وأنا مش عاوز أفتكر.
نحتت عنود ببصرها إليه ليفتر ثغرها عن ابتسامة متحيرة لتقول باستغراب وافر:
_ في حد بيبعد عن أي ذكرى له مع والدته؟
قصي بنبرة جامدة:
_ آه أنا.
لوت عنود شدقها بامتعاض واستغراب مما يقوله، ظل شارد الخلد في البعيد، استشعرت صلابة شخصيته بعيدًا عن الجانب المرح به ولكنه ما أن يُزرع داخل بؤرة الجدية تجده صلب التعامل بل قاس.
أخذت ترمقه بنظرات فضولية، مالت برأسها جانبًا حتى تتمكن من رؤية ملامحه الغامضة عليها.. يمتلك أهداب كثيفة يحركهم بفتور زادته لحيته غموضًا.. سرحت قليلًا في ملامحه الصغيرة المنحوتة على بشرة داكنة، فلأول مرة يقابلها هكذا وجه يتأرجح بين القوة والمزاح وعلى غرة منها التفت يرمقها بنظرة ثابتة قائلاً:
_ شكلي عاجبك؟
شهقت عنود بصوت مكتوم، استقامت في وقفتها تتنفس الصعداء وبنبرة جامدة تابعت:
_ إنت سرحت فجأة.. وبعد ما كنت بتضحك، كشرت!! فـ أنا استغربت والفضول خدني.
افتر ثغره عن ابتسامة هادئة ليقول بثبات:
_ لا يا شيخة؟
عنود بنظرة مستنكرة، تسخر من تفكيره بها:
_ آه والله تخيل؟ وبعدين ربنا أذن بأنها تسيب عالمنا، أقرأ لها الفاتحة ولا خد لها بوكيه ورد وحطه على قبرها، أكيد هي كمان محتاجة دعوة منك.
أطلق قهقة عالية على حديثها، سار صوب باب الحجرة وبنبرة ساخرة تابع:
_ لا أمي ماتت في عيني وقلبي.. لكن هي لسه بتتنفس ولسه في عالمنا.
رمقته عنود بعينين جاحظتين لتردف بامتعاض:
_ إنت غريب أوي على فكرة ومش فاهماك؟
– ما خلاص بقى!!
كلمة زيادة وهتخرجي برا المكان ده. ولا مشروع ولا غيره.
تقلصت عضلات وجهها امتعاضًا بشكل لا إرادي. ذأبت في سيرها حتى تخطته وهمت أن تترجل خارج الحجرة. ليقبض على ذراعها قائلًا بثبات:
_ مش قاصد. ما تزعليش. يالا نشوف الجنينة علشان هتكون المكان اللي هنعرض فيه شغلنا.
رجعت بجسدها للخلف ومن ثم أسرعت تحرر ذراعها من بين قبضته لتردف بتحذير:
_ أنت فاكر نفسك مين يا بتاع أنت؟ كل شويه هلغي الاتفاق! هو شغل عيال. وبعدين أنت مين إداك الحق تلمسني كدا؟
قُصي وهو ينظر لها بعينين جامدتين:
_ يعني معاليكِ شريفة؟ وعمر ما حد مسك إيدك؟
حدقت إليه بنظرة مصدومة. تتحسس باب الحجرة بذراعها ومازالت تنظر له. لم تستوعب بعد كلماته التي التهمت أذنيها بقوة لتقول بنبرة احتقارية:
_ أنت مريض؟ مش ممكن تكون بني آدم طبيعي!!
أنهت حديثها ومن ثم استدارت لتغادر المكان بأكمله. على نية بإلغاء كل ما تتوق نفسها لتحقيقه، ولكن فليذهب كل شيء للجحيم إن كانت ستتعامل مع هكذا نوعية. ابتلعت غصة في حلقها وهي تنظر إلى حلمها الذي وقع صريعًا في نفس اللحظة التي ولد بها.
***
جلست إلى الكنبة الخشبية الموضوعة أمام منزله. تتأرجح قدماها التي لم تطيلا الأرض. امتقع وجهها حزنًا وهي تجد الوقت يمر عليها وهو لم يأت حتى الآن.
أخذت تجوب ببصرها بين الرجال الذين يتنقلون حول منزله بثبات حاملين سلاحًا. ولكنها أصبحت ضمن رواد المكان ولا يستطيع أحد التعرض لها بأمر منه.
في تلك اللحظة ترجلت هذه الفتاة خارج المنزل والتي رددت بعنجهية قاطعة تنظر لها شزرًا:
_ هو أنتِ هتفضلي قاعدة كدا؟ قولت لك مش هييجي دلوقتي. عدى أربع ساعات ومافيش جديد.
رمقتها فداء بنظرة حانقة. لتنظر صوب الطريق الذي سيأتي منه لتقول بنبرة واثقة:
_ بقولك أيه يا اسمك أيه انتِ؟ أنا مش قاعدة قدام بيتك وأخفي من وشي بقى. أنا أصلًا ياختي مش عارفه انتِ بتعملي أيه مع شاب أعزب في بيت واحد؟
الفتاة وهي تقف أمامها ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها تردف ببرود:
_ اسمي نجوى. ومين أنا بنت خالته وهو اللي مربيني من صغري ومش عايشين لوحدنا بس. دي المربية بتاعتي موجودة والخدم. وكمان هكون مراته قريب.
لوت فداء شدقها بغيظ. أشاحت بوجهها بعيدًا للجهة الأخرى لتجده قادم من بعيد. تهللت أسارير وجهها فرحة وقد نست ما قالته الفتاة منذ وقت قليل.
***
وضع كفيه في جيبي بنطاله. حيث شرد أثناء سيره تأخذه قدماه إلى المنزل.
أخذ قلبها يصدر اضطرابًا ثائرًا ما أن رأته.
تضحك ببلاهة لتتفحص ملامحه الشاردة بهيام منها. فلم تتخيل لحظة بأنها من هؤلاء اللواتي تتخبط قلوبهن من فرط العشق. ولكنها وجدت به ذاك الغامض. بل الشرس الحنون. فأكثر ما تعشقه رؤية ابتسامته التي ينتج عنها بروز طابع الحسن بذقنه. هو صاحب لحية صفراء داكنة كلون شعره وتتميز عينيه بلونها الأسود الحاد كعيون صقر واثق.
خرج من شروده على صوتها وهي تصرخ بجانب أذنيه في مرح:
_ ماسورة!!!
انتبه لها ليجدحها بعينين مشدوهتين من وجودها وخاصةً بعد الشد والجذب في بيتها. استكمل سيره حيث المقاعد وما أن جلس حتى ردد بثبات وصوت غليظ:
_ أنتِ أيه اللي جابك هنا؟
جلست فداء إلى جانبه. لتكشف عن الطعام الموضوع على الطاولة الخشبية أمامها وبنبرة ثابتة اردفت:
_ أصل أنا بصراحة قولت أجي أصالحك على اللي حصل امبارح. وعملت لك فطار بإيدي. لأ وأيه عديت على الولية أم شريف صاحبتي وجبت لك من عندها طبق مش بس موحوح.
أسبلت جفونه وكذلك ارتخت القسمات القابعة على جبينه ليقول وهو ينظر للطعام:
_ أم شريف وموحوح؟
ضمت كفيها على بعضهما في خجل لتقترب وهي جالسة منه أكثر وبنبرة أنثوية تابعت:
_ هتأكل معايا؟ يرضيك أزحل؟
آسر وهو يرمقها بنصف عين:
_ هأكل وتزحلي؟ أمال فين بلاء!!
فداء وهي ترمقه بحنق لتعتدل في جلستها قائلة بغيظ:
_ يؤ! يعني هتاكل معايا ولا آخد أكلي وأمشي؟
في تلك اللحظة قطع حديثها صوت نجوى التي رددت بغيظ ووحدة:
_ مين دي يا آسر. هي هتفضل تتلقح كل يوم علينا كدا؟
وقبل أن يتسنى له الحديث وجدها تقف في مكانها وبنبرة حانقة تهتف:
_ ما في أيه يا حلوة؟ دي حتى النجوى من الشيطان. اتكلي على الله وانتِ شبه دودة المش كدا.
آسر وهو يهتف بنبرة حادة:
_ خلاص انتوا الاتنين. روحي يا نجوى اعملي لنا شاي ونبقى نتكلم بعدين.
نجوى وهي تتابع على مضض:
_ ماشي يا حبيبي.
فداء وهي تتابع بنبرة خفيضة:
_ حبك بُرص وبقيت شبهه وامشي أضربك بالشبشب وأخد حسنات.
آسر بنصف عين مُرددًا:
_ بتقولي حاجة؟
أومأت فداء برأسها سلبًا. ومن ثم طفقت تلتقط لُقيمات صغيرة من الطعام تلتهمها بنهم فقد انتظرته لوقت طويل. صلب نظراته بها للحظات ومن ثم أردف بنبرة ثابتة:
_ شكري نجيب أذاكي بأيه تاني؟ غير أنه حاول يعتدي عليكِ!!
كحت بطريقة حادة أثناء تناولها للطعام ما أن باغتها بهذا السؤال. إلتفتت ببصرها إليه وبنبرة متلثمة تابعت:
_ ولا أي حاجة تاني. هو دا الموضوع بس.
ضغط آسر على عينيه بقوة وكأنه يكظم غيظه ناحية كذبها الذي جلىّ بوضوح في نبرتها ليهتف بنبرة أكثر جمودًا:
_ لو عاوزه يكون بينا صداقة. لازم تأمنيني على سرك. ماينفعش يكون في بينا أسرار.
عادت بظهرها للوراء قليلًا بعد أن تركت الطعام من بين كفها. حاولت الهرب من زاوية عينيه الحادتين فيما هتف يستعجلها الإجابة:
_ أيه سرك اللي ماحدش يعرفه لحد دلوقتي؟
تلألأت الدموع في عينيها. ابتلعت ريقها بصعوبة لترفع عينيها إليه وبنبرة ثابتة أو ربما مهزوزة قليلًا تابعت:
_ لفق ليّ قضية تسريب معلومات عن مجلس الوزراء. ودخلت السجن سنة. ماحدش يعرف أنه السبب بس لحظة ما حاول يعتدي عليا. اعترف بكل الحقيقة. كان فاكر أنه هيقتلني وسرهُ هيموت معايا. بس ماكانش يعرف إن السجن اللي رماني فيه علمني إزاي أحمي نفسي من أمثاله.
رواية جميلتي الصهباء الفصل التاسع 9 - بقلم عليا شعبان
ازدادت الأمور تشابكًا، فلكل منهن قصيدة عشق اختلف شاعرها في لون الإلقاء. شاعر يتغنى بالوجد والأمل، وآخر يبكي على الأطلال متأثرًا بها حتى سارت عقدته. أما الثالث فهي ليست ملهمته التي يتغنى من أجلها، رغم أنه في نظرها أصدق وأجمل الشعراء وصفًا.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تختلس النظر إليه، تري الصدمة تعتري قسمات وجهه. باغتها بتقطيبه من بين حاجبيه ليردف بنبرة ثابتة:
_ أول مرة أعرف، إن بنت القاضي في مصر بتتسجن؟ جديدة عليا.
تساير العبوس عن وجهها على الفور، ليفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة لتقول بنبرة مرحة:
_ دي حقيقة فعلًا. بنت القاضي في أي مكان تاني زيها زي بنت الفقير، أما في مصر فلا. أما بخصوصي فكلام دا حصل من سنتين وبابا ما كانش لسه مسك الوظيفة دي. وطبعًا لأن عمو جمال صديق بابا، كان قاضي بالوظيفة قبله، توسط لي وأخدت سنة واحدة.
مط آسر شفته السفلي باستغراب وحيرة، ليرفع أحد حاجبيه وبنبرة صارمة أردف:
_ واشمعنى انتِ اللي هيتلفق لك تهمة زي دي؟
عادت فداء بظهرها للخلف قليلًا، شردت لوهلة للبعيد، وبنبرة باردة تابعت:
_ شكري نجيب مش مذيع بس! دا دكتور في كليتي بقسم الصحافة والإعلام. طبعًا زي أي دكتور عينه زايغة. حاول يضايقني كتير جدًا بالكلام. أنا كنت بتدرب في الجريدة اللي شغالة فيها وأنا بدرس، وما كنتش بسلم من عينيه أو أسلوبه ناحيتي. وأنا في سنة تالتة لقيت نفسي راسبة أعمال سنة في مادته، ولما حاولت أهاجمه في مانشيت ليا والدنيا كلها ثارت عليه قرر ينتقم مني. وساعتها اتصل بيا وقالي إنه قرر يديني درجاتي، وفعلًا هو دا اللي حصل. أنا افتكرت إن الموضوع خلص لحد هنا، ولكن هو كان له رأي تاني. يوم ما لقيت نفسي متهمة بحاجة ما عملتهاش، واتسجنت سنة كاملة ودراستي اتأجلت. وبعد ما خرجت بإسبوع واحد اتصل بيا تاني وقالي إنه عرف معلومات عن الشخص اللي دخلني السجن و...
آسر مقاطعًا إياها بحزم:
_ وحاول يعتدي عليكِ!
فداء بابتسامة بلهاء تخبئ بداخلها ألمها بهذه الذكرى:
_ أه، ومش بس كدا. هو اعترف لي إنه اللي عمل كُل دا. ولما مالقاش مني استسلام حاول يخنقني، بس أنا ضربته على راسه وفقد الوعي.
تنشق آسر الهواء داخله ثم أخرج زفيرًا ملتهبًا، وبنبرة ثائرة تابع:
_ وفين سيادة القاضي من كُل دا؟
فداء بابتسامة خفيفة تتذكر وجه والدها إذا أصاب إحداهن حمى خفيفة:
_ بابا دا حتة سُكرة. لو سخن شوية يفضل قاعد جنبي بالأسابيع. شال همنا من وإحنا صغيرين، كمان مش هنريحه من مشاكلنا بعد ما كبر. أصلًا بابا مريض بالسكري ومش حمل أحداث زي دي. حتى إخواتي البنات ما يعرفوش أي حاجة. هي (منى) عمتو بس اللي بحكيلها كل الحاجات دي، وإلا كنت مت من الكتمان وأنا واخده قاعدة في حياتي رسمتها لنفسي واللي هي: إما أن أموت قهرًا بالكتمان، أو أنتصر على أوجاعي.
لانت ملامحه وهو ينظر للدموع الحبيسة داخل مقلتيها. فيما أردفت فداء وهي تصدر قهقه خفيفة:
_ بس عارف، أنا مجنناه على الآخر. أنا اتخرجت من سنة الحمد لله، وطول فترة الدراسة من بعد خروجي من السجن كنت بمسك عليه سيديهات علشان يديني درجاتي كاملة. شوية أصوره بالكالسون وشوية في أماكن مشبوهة زيه، وأنت عارف واحد زي دا تهمة سمعته قد إيه.
آسر بابتسامة باهتة:
_ بالكالسون مرة واحدة؟
مالت فداء بجذعها العلوي للأمام قليلًا حتى غمست لقمة أخرى ومن ثم تناولتها وهي تردد بسعادة طفولية:
_ أيوة، الولية أم شريف صاحبتي هي اللي قالت لي أعمل كدا. كل بقى من المش بتاعها، وإلا هتزعل منك.
انصاع آسر لحديثها، فهو يعلم تمامًا بأنها تمثل القوة أمامه. بدأ يتناول لقمة صغيرة في فمه، وبنبرة متسائلة تابع:
_ بس دخولك السجن ما أثرش على والدك وقت استلامه للوظيفة؟
فداء بنفي:
_ لأ خالص. بابا كان مستشار سمعته نضيفة من زمان، زي ما بيقولوا ليس عليه غبار. أما بخصوص موضوعي فانتَهى بأنه كان خطأ غير مقصود، رغم إني ما أعرفش هو إيه الخطأ بالظبط.
أنهت حديثها وهي ترفع كفها باتجاه فمه، وبنبرة حانية يعقبها ابتسامة خلابة منها:
_ تدوق المش؟
افتر ثغره عن ابتسامة يشوبها الغرابة من بساطة تصرفاته معها، ليردف بنبرة حازمة:
_ يادي مش أم شريف اللي مجنناني بيه، هاتي يا ستي.
فداء وهي تمط شفتيها باعتراض بعد أن أبعدت يدها قليلًا تمنعه من أخذ اللقمة من بين كفها لتبادر بوضعها في فمه على الفور:
_ ما تتريقش عليها. أنا بحبها أوي، علشان كانت بتمسح الكبانيهات عني.
أخذ آسر يلوك الطعام داخل فمه بشيء من الشدوة، ليقول وقد انتفخ فمه قليلًا:
– كبانيهات؟ سنة واحدة عملت فيكِ كدا؟ أما لو طولتي كان هيبقى شكلك إزاي!! هيطلعوا الموس من بوءك!!
أخذت ترأرأ بعينيها يمينًا ويسارًا، كاتمة ضحكتها، ومن ثم أردفت بحزن مصطنع:
_ مش من الرجولة يا صديقي، إنك تتريق على واحدة جميلة زيي وعزباء وتبحث عن واحد آخر حرف من اسمه (راء).
قطب ما بين حاجبيه بعبث لم يستطع فهم ما قالته، في حين أخذت هي تصفق بسعادة غامرة قائلة:
_ الله عليا! دا أنا أنفع شاعرة بقي (عزباء) و (راء). أيه رأيك فيا يا ماسورة؟
آسر بنبرة مازحة:
_ الماسورة دي اللي هتعومي فيها، يوم ما أرميكِ في عين الكبانيه يا معفنة.
في تلك اللحظة جاءت نجوى بوجه عابس لتردف بحنق:
_ آسر؟ أنت كنت واعدني إننا هنخرج النهار ده، نسيت الوعد ولا إيه؟
التفت آسر إليها بثبات، هز رأسه موافقًا على حديثها، وبنبرة حانية أزعجت فداء، أردف:
_ لا مش ناسي يا نوجا، أجهزي وأنا هخلص موضوع مهم مع فداء ونخرج.
احتقن وجه فداء غيظًا لا تعلم سببه، أو أنها لا تعترف بخفقان قلبها الدامي عند حديثه مع هذه الفتاة. قامت فداء من مكانها على عجلة من أمرها لتشهق بفزع، ومن ثم مالت تلتقط حذاءها لتطيح به للأمام حتى أصاب جبهة نجوى التي صرخت بتأوه:
_ آآآه.
فداء بهلع مصطنع:
_ برص كبير خالص، كان ماشي وراكِ. هي جات فيكِ يا حبيبتي معلش.
ذأبت في سيرها للأمام، وفي نفس الوقت هب هو من مكانه لتصطدم به ومن ثم يسقطان أرضًا.
رفع آسر رأسه عن الأرض قليلًا، فيما ضغطت هي على جسده بثقل جسدها لتردف بنبرة مذهولة:
_ إحنا وقعنا؟
آسر محاولًا النهوض:
_ واخد بالي. أنتِ إتحنطتي!
جالت فداء ببصرها بين قسمات وجهه، وبنبرة سُهتانة أردفت:
_ إنت شبه الأتراك كدا ليه؟ لتكون عامل عمليات تجميل عشان تبقى زي القمر كدا؟
آسر بنبرة صارمة:
_ ليه قالوا لك عني سوسن؟
فداء ومازالت تحدق به في إعجاب:
_ قطع لسان اللي يقول عليك كدا، دا أنت أحلى من سنين عمري كلها أساسًا.
في تلك اللحظة صدح صوت نجوى تصرخ بهما عاليًا وقد تردد صدى صوتها في جنبات المكان:
_ آســـــر؟
جلس إلى المقعد بحجرة مكتبه، ومن ثم رفع قدميه على سطح المكتب أمامه، بعد أن عاد بظهره للخلف واضعًا ذراعيه المفتولتين خلف رقبته.
تناولت الفتاة كأسين من الكحول، سارت بغنج ودلال يليقان بفتاة ليل مثلها، حتى جلست إلى سطح المكتب، وبنبرة مائعة وهي تعطيه الكأس أردفت:
_ هو إحنا هنقضي الليلة هنا؟
رفع قصي بصره إليها، وبنبرة جامدة أردف وهو يلتقط كأس الكحول منها:
_ أه، في مانع؟
الفتاة عاقدة حاجبيها باستغراب:
_ أه إزاي؟ دي الأوضة فاضية؟
وقبل أن يتسنى له الرد، وجد باب المكتب يفتح من جديد ليطل صديقه (فايز) من خلفه. وقفت الفتاة في مكانها على الفور، فيما جدحها فايز بنظرة مشمئزة وأعقبها نبرة صارمة:
_ يالا يا حلوة. خدي شنطتك وامشي من هنا.
التفتت الفتاة ببصرها إلى قصي تستشف رده على هذا الرجل، فيما أردف قصي ببرود:
_ اخرجي زي ما قالك.
انصاعت الفتاة امتثالًا لأوامره، حيث التقطت حقيبتها وذأبت في سيرها خارج الغرفة. صفق فايز الباب خلفها، وبنبرة جامدة هتف:
_ أنت إيه اللي عملته دا؟ أنت اتجننت على الآخر!
ضيق قصي عينيه ومن ثم أردف بترقب:
_ بتتكلم عن إيه بالظبط؟
فايز بازدراء:
_ بتكلم عن (عنود). يا حضرة الظابط يا محترم! البنت كلمت عمي جمال ومُنهارة من العياط بسبب اللي انت عملته معاها. أنت خلاص ما بقيتش عارف تفرق وعقدة الماضي اتمكنت منك على الآخر.
أطلق قصي قهقه عالية قليلًا، أثارت حنق فايز، فيما أردف الآخر بنبرة ثملة:
_ هو أنا قولت حاجة غلط؟ لقيتها متضايقة من لمستي ليها ليه؟ فسألتها لتكون عاملة شريفة عليا.
اشتعلت عيناي فايز احمرارًا، ليتجه صوب المكتب ومن ثم يضرب على سطحه بكلا قبضتيه هاتفًا:
_ هو كل الناس زبالة زي تفكيرك. صوابع إيدك مش زي بعضها يا باشا، ومش معنى إنك بتلاقي بسهولة الرخيص اللي بتقضي معاها ليلة، يبقى كل البنات على نفس المنوال!!! لا فوق يا قصي. الرخيص للرخيصة. واللي بتصون نفسها بتاخد راجل مش واحد قذر في تفكيره زيك. فوق واحترم الراجل اللي بتقوله يا عمي بدل ما تطعن في شرف بنته اللي عاش عمره كله يحميها هي وإخواتها من شر نفسهم وشر واحد هيطلع عقدة عليهم زيك!!
ابتلع قصي غصة في حلقه، أنزل قدميه أرضًا ومن ثم مال للأمام قليلًا وراح يضع رأسه بين كفيه في اختناق. بينما استأنف فايز بثبات:
_ مش كل ست أو بنت خاينة أو هتهرب مع واحد وتسيب جوزها وابنها!
نحى قصي ببصره إلى صديقه وقد احتدمت الدماء في عروقه ليهتف بنبرة صارمة:
_ اطلع برا يا فايز. براااااا.
فايز بنبرة جامدة:
_ أنا ماشي. من غير ما تقول يا صاحبي.
تمددت بيسان في فراشها بعدما دثرتها منى بالغطاء جيدًا، ومن ثم طبعت قبلة هادئة على جبينها أردفت:
_ طيب بلاش تنزلي تتعشي معانا. أجيب لك الأكل هنا يا بيسو؟
أومأت بيسان برأسها سلبًا وقد افتر ثغرها عن ابتسامة هادئة لتقول:
_ شغلي التي ڤي (TV) بس يا ماما منى، حاسة بصداع وشوية إرهاق.
بادلتها منى ابتسامة حانية. أشعلت التلفاز بناءً على رغبتها، ومن ثم ترجلت خارج الحجرة لتجهيز العشاء. وما هي إلا ثوانٍ حتى دلفت عنود إلى غرفة شقيقتها.
سال كحل عينيها على وجنتيها. ألقت حقيبتها أرضًا وقد خرجت منها شهقات متألمة. فيما شهقت بيسان هلعًا وهي ترى شقيقتها على هذه الحالة المزريّة لتهتف فزعًا:
_ عنود!! مالك يا حبيبتي؟
هرولت عنود إلى شقيقتها لتلقي بنفسها بين أحضانها تشكوها من ذاك الألم الذي يعتصر قلبها وراحت تصرخ باختناق:
_ لحد إمتى حلمي مش هيكون ملكي لوحدي؟ مرة واحدة تاخد تصاميمي وتنسبها لنفسها عشان الشركة شركتها، وواحد فاكرني بنت ليل وهرضى بلمسته عشان أوصل لأحلامي. يعني يا أسلم نفسي لواحد زي دا وإلا مش هوصل.. يا أقبل أن تصاميمي تتسرق ويتكتب عليها اسم واحدة تانية يا بردو مش هوصل!!! أنا تعبت وقرفت يا بيسان.. حاسة إني بغرق!
دفنت وجهها بين أحضان شقيقتها كاتمة شهقاتها التي تعلو رويدًا رويدًا. فيما مسحت الأخرى على خصلات شعرها وأردفت بنبرة حزينة للغاية:
_ إهدي عشان خاطري يا عنود، أنتِ أقوى من كدا. فهميني إيه اللي حصل بالظبط؟ مش هقدر أشوف دموعك!!!
عنود بصرخات مختنقة:
_ والله لأخليه يندم على كل كلمة أذاني بيها. ما بقاش أنا عنود العامري يا حقير!
"على الجانب الآخر"
دَلفت من باب القصر وعلامات السعادة على وجهها تظهر جليًا ومليًا. أخذت ترفرف بذراعيها في مرح وقد أغلقت عينيها أثناء سيرها في بهو القصر لتجد (منى) تهتف بنبرة ثابتة:
_ إيه السعادة دي كلها؟ أكيد الشخص الغالي عليكِ دا، عجبه البيض بقشره؟
قالت جملتها الأخيرة وهي تكتم ضحكاتها بداخلها، فيما فتحت فداء عينيها بحركة هادئة وراحت تقترب من عمتها تقبل جبينها بمرح:
_ وحشتيني يا منمن! فرحانة عشان سكعت البت شبشب على خلقتها خليتها فقدت حاسة السمع والبصر، والخروجة باظت لولولولوي.
قطبت منى حاجبيها باستغراب لتردف بتساؤل مهتم:
_ بنت مين؟ وإزاي ضربتيها بالشبشب على وشها، فقدت السمع والبصر!!!
اندمجت فداء في الحديث لتبدأ في تمثيل ما حدث بحركات تمثيلية بذراعيها لتردف بفرحة عارمة:
_ الأول قولت لها إن في برص على الحيطة، وروحت راشقة الشبشب في عينيها عشان تحرم تقطع علينا خلوتنا تاني!
منى وهي تلطم صدرها بصدمة مصطنعة:
_ خلوة؟ يا مصيبتك السودا يا سالم!
فداء بغيظ ونبرة جامدة:
_ يا ولية ياللي اسمك عمتي إنتِ اصبري. دا أنا خدت شوية مش من أم شريف انتيمتي في السجن وروحت للواد المز عشان أصالحه. البت دي عاملة زي القنفد كل شوية تقطع علينا الكلام، فـ أنا خلصت منها. المهم بقي، أنا أصرت أعملها كمادات على عينيها عشان أنا السبب وروحت جنب صرصور ودنها بقي وقعدت أصوووت، أصوووت. لحد ما لقيتها بتقوله إلحقني يا آسر.. مش سامعة.. مش سامعة! فـ عرفت إنها اصنجت والحمد والشكر لله.
فغرت منى فاهها ببلاهة لا تفهم شيء مما قالته، فيما تابعت فداء بفرحة أكبر:
_ وعزمته بكرة على الغدا عشان أعرفه بـ منير، وبعدين هخلي فايز يمشي ونقعد لوحدنا.
رفعت (منى) كفها إلى جبين فداء تتحسس حرارتها، وبنبرة مصدومة تابعت:
_ إنتِ سخنة؟
فداء وهي ترمقها بنبرة هائمة:
– لأ، عندي تسلخات في قلبي.. من كتر الاشتعال.
قطع حديثهما صوت مراد الذي أردف بنبرة هادئة:
_ ماما أنا جعان.
التفتت فداء بجسدها ناحيته ومن ثم فتحت ذراعيها لتردف بسعادة:
_ مودي قلبي! يخربيت الثانوية العامة اللي واخداك منا يا حبيبي، تعالي في حضن أختك يا فواز.. دا إنت وحشتني!!!
سار مراد ناحيتها وهمّ أن يحتضنها هاتفًا بمرح:
_ طول عمري بقول البت فداء دي الركن الحنين في الفيلا دي.
تحركت فداء من مكانها إلى الجانب الأيمن قليلًا، ومن ثم استدارت لتقف خلفه وأعقب ذلك صفعة هوت على رقبته من الخلف لتهتف هي بلذة انتصار:
_ يااااه يا عبصمد! الواحد بقي بيعيش ويتعايش على القفا بتاعك دهون.. بفتقد قفاك أقسم بالله.
اتجهت صوب الدرج تسير في عنجهية وتفاخر وكأنها لم تفعل شيء، فيما استدار مراد ينظر إليها بعينين جاحظتين ليضرب الأرض بقدميه قائلًا:
_ طيب وربنا لأجبسهولك يا بلاء وشوفي هتضربي فين تاني؟
فداء وهي تهتف دون أن تنظر إليه حيث اتجهت صوب غرفة بيسان:
_ إنت عارف هضربك فين! ومش هقول عشان منمن بتستحي.
وصلت إلى غرفة شقيقتها وما أن فتحت الباب حتى هتفت بسعادة:
_ عم أعشق أنا، عم أكل مش وبيض، بالظبط على وزن (عم أخلق من أول وجديد). شاعرة خمسة وخميسة عليا.
وهنا صمتت عن الحديث فجأة وهي تنظر إلى شقيقتها التي رمقته بعينين ذابلتين من كثرة البكاء فيما ابتلعت بيسان ريقها بصعوبة وهي تجد فداء تهتف بنبرة فزعة:
_ عنود! بتعيطي ليه؟
رواية جميلتي الصهباء الفصل العاشر 10 - بقلم عليا شعبان
رمقت شقيقاتها بتوجس وريبة لتتحرك داخل الغرفة على عجلة من أمرها وقد صفقت الباب خلفها. انضمت إلى الفراش جالسة لتنتشل عنود من بين أحضان شقيقتهما الثالثة، وما لبثت إلا أن ضمتها تهتف بجزع:
"عنود بتعيطي ليه؟"
انفلتت العبارات من فمها وقد اختلطت بنار ثائرة حارة، حيث أردفت من بين أسنانها المطبقة باختناق:
"حلمي راح يا فداء.. وكل دا بسبب الحقير قصي."
رفعت فداء عينيها إلى شقيقتها الأخرى والتي ابتلع لونها من نظرتها الحادة، لتهتف فداء بلهفة وغيظ:
"قصي؟ ضايقك بأيه؟"
أصدرت عنود شهقات ساخنة تتقطع لها نياط القلوب حدادًا على حلمها الراحل لتقول بنبرة أكثر بكاءً:
"موجوعة أوي يا فداء!"
انتهت قدرتها على تحمل بكاء شقيقتها، لتبتعد بجسدها قليلًا حتى تراها جيدًا، ومن ثم قبضت على ذراعيها وراحت تهتف بنبرة قلقة ومريبة:
"كفاية عياط بقى وفهميني! ما تسكتيش يا عنود، ما ينفعش تتوجعي وأنا موجودة؟"
رفعت عنود بصرها إليها وقد ضمت شفتيها بطفولة وخيبة أمل، فيما باغتتها فداء بضمة من جديد وآثرت الصمت، فضلًا عن الضغط عليها ريثما تهدأ وستحكي دون قيد أو ضغط. افتر ثغر بيسان عن ابتسامة خفيفة لتنضم لهما وهي تحاوطهما بذراعيها، وقد كُنّ ائتلافًا أنثويًا من رحم واحد ليتخذن وضعيتهن المفضلة عندما كن مجرد أجنة في رحم ملاكهن.
هدأ الجو للحظات وقد اشتدت ضغطة أذرعهن على جسد الأخرى وبدأن في استحضار ذكريات تختلج دواخلهن وسط هذه الإضاءة الخافتة ونسمات الهواء العليلة، فتتذكر هذه الملاك التي تتشبه بالقمر حينما ينجلي في كبد السماء كل مساء فيبهر برونقه النجوم.
تقف عنود في نهاية الحجرة الدراسية منكسة الوجه، تنساب الدموع منها بغزارة فيما أردفت المعلمة بوجه عابس قائلة:
"مستواكي بقى سيء جدًا يا عنود، شوفي بيسان أختك واتعلمي منها؟"
لوت عنود شدقها بوجه مكفهر وهي تهتف من بين شهقاتها الطفولية لتقول:
"بابي تعبان وهو اللي كان بيذاكر لي.. I’m sorry teacher."
المعلمة بثبات:
"والتقصير ده ما حصلش مع بيسان وفداء ليه؟"
أما الثالثة فكانت دائمة التردد على حجرة الموسيقى، حيث تقام الندوات والبرنامج اليومي للإذاعة المدرسية، فكان حلمها منذ صغرها أن تصبح صحفية أو مذيعة حيث تتولى أمر تقديم الإذاعة اليومية.
ولجت فداء داخل الفصل الذي يضم شقيقاتها أيضًا. نظرت إلى عنود الباكية في دهشة لتقول بقلق:
"عنود.. واقفة كدا ليه؟"
المعلمة بثبات:
"اتفضلي اقعدي يا فداء، أختك غلطت ولازم تتعاقب!"
فداء وهي تهرع إلى شقيقتها لتضمها بقوة وقد امتقع وجهها غيظًا لتهتف بحدة:
"أنا ما حدش يعاقب أختي؟ وما أسمحش لحد إنه يخليها تعيط حتى لو حضرتك!"
المعلمة وقد هتفت بحنق:
"معنى كدا أخرجي انتِ وأختك برا الفصل؟ والحصة الجاية هتتسأل وكأنها حضرت درس النهار ده."
فداء بسذاجة وتروّي:
"إحنا آسفين، بس هي كانت تعبانة يا مس وده اللي خلاها ما تذاكرش!"
المعلمة وقد رفعت يديها تهتف بتمنع:
"مش هقبل أعذار اتفضلوا برا!"
سارت فداء صوب باب الفصل في ثقة وثبات وهي تحتضن شقيقتها التي ما زالت تبكي دون توقف. لتهتف بيسان بهما قائلة:
"استنوني هخرج معاكم."
استشاطت المعلمة غيظًا مما فعلنه، وما أن ترجلن الثلاثة خارج الفصل حتى امتدت يد بيسان تمحو الدموع الساقطة على وجنتي شقيقتها، فيما تابعت فداء وهي تمازحها بابتسامة عذبة:
"خليتيني كذبت وقولت إنك تعبانة، ومعاليكِ مقضياها برامج موضة وأزياء، الله يسامحك."
افتر ثغر عنود عن ابتسامة صادقة من بين دموعها ووجهها الذي كبا لونه كثمرة الطماطم في شدة احمراره، لتقوم فداء باحتضانهما معًا، تضع قبلة صادقة على جبين كلًا منهما فقد تعلمت كيف تحتوي شقيقاتها قولًا وفعلًا وكيف تصبح لهما كل شخص هما في حاجة إليه. أجل نفس الضمة الثلاثية الأنثوية.
عادت عنود من شرودها بهذه اللحظة الماضية في عهد مضى، تيقنت من كل لحظة تمر بها بأن العالم بأسره قد يتغير إلا تؤامها فيتغيرن غضبًا عليهن أما لهن، فهن السند والحياة. لتتنشق عبير شقيقاتها بحبور وحنو جارف وبنبرة جلى في ثناياها العشق:
"بحبك أوي يا فداء.. بحبك انتِ كمان يا بيسان، بحبكم عشان أنا جزء منكم أما انتوا فـ الكُل لـ عنود.. ربنا يحميكم ليّا يا بنات العامري."
ابتعدت فداء عنهما قليلًا لتردف بنبرة حانية وفي ظاهرها أكثر جدية:
"قصي.. عمل أيه يا عنقودتي؟"
***
التقط الجيتار الذي هو خير صديق له، جلس في شرفة الغرفة شارد الذهن تمامًا يعزف سيمفونية أوجاعه التي مكثت معه في غربته ولا تزال باقية. تنهد بعمق وهو ينشد أغنية ما بصوته الرخيم العذب.
ولجت داخل الغرفة بهدوء وترقب، ابتسمت في نفسها. فكم اشتاقت لعزفه في آخر كل ليل وأحاديثهما الطويلة وهو يتسطح برأسه على فخذيها بينما تغرز هي أصابعها بين خصلاته وتنصت له باهتمام. كان محور موضوعهما (هي). تنحنحت مني قليلًا قبل أن تردف بنبرة هادئة:
"حبيبي، سرحان في أيه؟"
استدار بجسده يطالعها بحنانه المعتاد، اقتربت منه ومن ثم أتت بمقعدها لتجاوره مرددة بهدوء:
"لا.. دا الموضوع شكله كبير بقى!"
افتر ثغر ابنها عن ابتسامة يشوبها خيبات الأمل، بل الكثير من هذه الخيبات المميتة. نكس ذقنه بخفة لتطالعه بتنهيدة أسى وهي تجده يحرك أهدابه بثقل من جانب وجهه ليردف بصوته الرخيم:
"تعرفي يا أمي! أنا أول مرة أفهم الجملة دي (الإنسان لما بيكتفي، بيفيض بيه)، عارفه لما تبني حوالين قلبك سور كبير وكل ما تحطي طوبة تقولي بكرة البعيد يقرب والقصر يبقى عامر، ما ينفعش صاحبة الصون والعفاف تدخل قصر مستعمل.. من حقها تنول شرف الأولى في قلبي.. أنا ببني لها القصر ده من سنين يا أمي، لا راضية تدخله ولا أنا عارف أسلم مفاتيحه لغيرها.. القصر ضلم والعنكبوت عشش في كل زاوية بيه، الروح جوه القصر انطفت من كتر الانتظار والوجع اللي ما بيخلصش.. كل الناس يا أمي خبطت على القصر ده يتفقدوا حالة صاحبة إلا هي.. أنا بالنسبة لها سراب يا أمي وهفضل كده، حتى الأمل ناحيتها انطفى.. الوجع أكل فيا وأكل معاه كل الذكريات بينا و.."
صمت لبُرهة ليرفع جانب شفتيه عاليًا وراح يقول بنبرة ساخرة:
"ذكريات؟ أيه الكلمة الغريبة دي؟ أقصد ذكرياتنا لما كانت بتحكي لي عن حبيبها وأنا في أمس الحاجة لإحساسها بيا.. طول عمري بفرح لو نطقت اسمي وبقول بص لنص الكوباية المليان وإنك ابن عمتها وجنبها مش أحسن ما تموت من الشوق ليها وانت ما تقرب لها أبدًا.. أنا بحبها يا أمي؟"
حانت منها نظرة عطوفة له لتجد قطرة دموع قد سالت من جانب عينه، رغم أنه ينظر للجهة الأخرى متكلمًا مكلومًا بجرحه القاسي.
ابتلعت مني غصة في حلقها لتقول بنبرة مازحة قليلًا وهي تقترب لتأخذه إلى أحضانها:
"أيه يا ولد.. انت كبرت على حضن أمك والعياط قدامها؟ تعالى يا نور عيني."
ومن ثم استأنفت وهي تلثم مقدمة رأسه قائلة:
"اسمع لنصيحة أمك وافتكرها لي يوم ما أغيب عن الدنيا، يامن انت بتحبها.. وعشان كدا مضطر تستحمل أوجاعها لحد ما ربنا يرتبها من جوا، اللي بيحب بيضحي ويصبر، عشان يوصل.. بيسان بنت حلال، أنا اللي مربياها على إيدي زي الوردة المفتحة.. حست حب واهتمام من واحد فحبيته دغري.. دي بقى من أنواع البنات الخام اللي جواها صافي، شوية طاقة إيجابية وحب حاولت توجههم ناحية واحد حبها.. عارف إن إبراهيم كان بيتخانق معاها باستمرار عشان مش خبيثة ولا بتاعة حوارات.. لدرجة إنه مرة قالها إن سبب وجوده معاها حياتنا المرتاحة ومنصب سالم؟.. هو حبها مصلحة وعشان هي بردو نقية من جواها ما فهمتش قصده من ده كله.. عاوزاها تتغير وتبقى مصطنعة وتبعد عن النقاء مع إن النقاء فيها هو اللي خلاها ما تدققش مع تفاصيله البشعة."
يامن بنبرة حارة:
"الحمد لله، إنها مش معاه.. ولا هو مع غيرها، ربنا يرحمه بقى."
مني بحنو جارف وهي تبتعد عنه قليلًا ثم تغمز له بإحدى عينيها:
"سنين راحت وسنين جت، وفضلت بيسان مش ملك حد.. تفتكر ده ليه؟ مش حكمة من ربنا رايد بيها حاجة؟"
لمعت عيناه بأمل ومن ثم هتف بلهفة:
"تحبني؟"
مني رافعة حاجبيها بتحد وثقة:
"هتحبك يا (يامن).. هتحبك عشان ربنا مطلع على ده."
قالتها وهي تشير بإصبعها السبابة ناحية قلبه لتباغته بابتسامة حانية وهي تقول:
"يلا بينا عشان نتعشى.. زمانهم جاعوا بسببنا."
***
(في حجرة الطعام)،،،
جلس سالم إلى مقعده المترأس للطاولة الكبيرة، وعلى الجانب الأيمن منها تجلس فداء وتجاورها بيسان ثم تجاورهما عنود الجالسة في صمت. رمقتها فداء في هدوء وقد تنهدت بعمق بعدما علمت سبب حزن شقيقتها. وما هي إلا لحظات حتى حضر الباقي.. لتجلس مني وأبناؤها إلى المقاعد القابعة بالجانب الأيسر من الطاولة.
بدأ الجميع يتناولون الطعام في حالة صمت بالغة، كل واحد منهم.. ثقلته الهموم وتمكنت منه. حانت نظرة من يامن إليها ليجدهـا تنظر للطعام بفقدان شهية أو ضيق وهي تقلب السمكة الموجودة بطبقها في حزن. تارة تنظر لـ فداء التي شردت في ثورتها ناحية هذا الصفيق المتكبر وأخرى لطبقها.. فقد اعتادت بيسان بأن تتولى شقيقتها (فداء) أمر تنظيف السمك لها لعجزها عن ذلك.
قطب حاجبيه وكأنه يستحضر شيئًا ما داخل عقله، لتنبسط قسمات وجهه يتذكر عدم قدرتها على أكل السمك إلا بعد أن يخل من الشوك المنغمس في لحمه. فقد عاش معهن لفترة كبيرة وقد درس كل تفصيلة بها وما تحبه أو تكرهه.
نحى ببصره إلى الطبق أمامه، بدأ بدوره في نزع الشوك عن اللحم بهدوء شديد وما هي إلا دقائق حتى نهض يحمل الطبق بين كفه ليستدير للجهة الأخرى من الطاولة ومن ثم يستبدل طبقها ويضع طبقه هو أمامها. انفرجت أسارير وجهها بدهشة وسعادة وهي تجده يتذكر مثل هذه التفصيلة الصغيرة في حياتها وبنبرة هادئة تابع:
"عارف إنك مش بتاكلي السمك إلا بعد تنضيفه.. يلا كُلي."
تبادل كلًا من سالم ومني نظرات راضية عنه، لتنتبه فداء لما فعله لتردف بنبرة فاترة قليلًا:
"شكرًا يامن.. أنا سرحت ونسيت أنضفه خالص، آسفة يا روحي."
بيسان وقد فهمت أسباب ضيقها:
"ولا يهمك، تسلم إيدك يامن!"
يامن بهدوء:
"بالهنا على قلبك."
سالم بنبرة ثابتة يخالطها الحنو أردف:
"أنا عارف إني مقصر معاكم الأيام دي، والنهار ده أجلت القضايا بتاعتي اللي شغال عليها لأسبوع.. فـ أيه رأيكم نسافر لمكان؟"
مراد بحنق وحزن:
"وطبعًا أنا خارج التخطيط، وهقعد هنا عشان لازم أذاكر."
يامن بضحكة خفيفة:
"براڤو عليك."
وفي تلك اللحظة أتاهم صوته الرخيم حينما أردف بنبرة ثابتة:
"احم.. السلام عليكم يا أهل القصر؟"
التفت الجميع إلى مصدر الصوت بين مرحب وحانق وثائر، ليهتف سالم بنبرة مرحبة:
"تعالي يا قصي يابني.. حماتك بتحبك!"
اقترب قصي من الطاولة وهو يحمل إضمامة من الورود بمختلف ألوانها بين كفه ليردف وهو يرمقها بنظرة ثابتة:
"وأنا بحبها."
طالعته هي بنظرة ساخطة متجهمة، كيف يهينها ثم تأخذه قدماه إلى منزلها دون خجل. صرت فداء على أسنانها بغيظ ومن ثم أردفت من بين أسنانها المطبقة حنقًا:
"نورت يا قصي باشا؟"
اشتم رائحة الغضب في كلماتها، لم يعيرها الاهتمام ليأتي بمقعد موجود بين الأثاث المنتشر بالغرفة ومن ثم وضعه بجوار عنود التي أشاحت بوجهها للجهة الأخرى. تنحنح قصي بهدوء ليلتفت بوجهه إليها قائلاً:
"سمعت إنك تعبانة يا شريكتي العزيزة! ألف سلامة عليكِ.. ممكن تقبلي مني الورد ده.. بعد إذنك طبعًا يا عمي."
أومأ سالم برأسه سامحًا له بذلك، امتعض وجهها حنقًا فيما اقترب قليلًا من وجهها ليردف بهدوء:
"أنا آسف.. لو سمحتي امسكي الورد وخلينا نتكلم برا؟"
تشنجت قسمات وجه فداء وهي تنظر له يتحدث إلى شقيقتها خلسة، وقد فهمت مني بأن الأمور لا تسير على وتيرة مستقرة فهي من ربتهن وقادرة على أن تحلل كل تصرف يخرج منهن، وهنا أردف سالم بتساؤل:
"وصلتوا لحد فين كدا بخصوص الشركة؟"
همت عنود أن تخبره بتراجعها عن هذه الشراكة ليقاطعه هو مرددًا بلهفة وتعجل:
"شافت الفيلا وعجبتها جدًا وكلمت مدير أعمالي ومن بكرة هنبدأ توضيب في الفيلا وعلي نهاية الأسبوع كل حاجة هتبقى تمام."
عنود ببكاء:
"بس.."
قصي وهو يجدحها بنظرة مغتاظة:
"آه هي تقصد إن ألوان الفيلا مش عاجباها، ومن بكرة الألوان هتتغير."
عنود وقد تشنجت خلجات وجهها غضبًا:
"لأ مش قصدي اللي انت بتقـ…"
قصي وقد اشتدت حدة عينيه ليردف بتلعثم:
"أيوه أيوه.. أنا فاهم قصدك.. وقولت للجنايني يزرع ورد كتير في واجهة الفيلا، أنا عارف إنك بتحبي الورد."
وهنا أسرع بالقبض على ذراعها دون وعي منه وباندفاع أردف قائلًا:
"بعد إذنكم يا جماعة معايا ورق بخصوص المشروع ومحتاج آخد رأيها فيه، لو مافيش مانع كوباية قهوة سادة!"
جذبها من ذراعها يسحبها عنوة نحو الخارج حيث الحديقة، وما أن وقفا في جانب منها حتى صرخت به بحدة:
"أنت فاكر نفسك مين؟ أنت واحد مقرف يقتل القتيل ويمشي في جنازته!"
ضغط على قبضته كاظمًا غيظه لتنفر عروق رقبته بوضوح ليردف بثبات أوشك على الخلاص:
"أنا بجد آسف!! ما عرفتش أميز اللي بقوله صدقيني والله الكلام خرج مني بغير وعي، أنا لا بهددك ولا عاوز منك أي حاجة يا عنود وأنا عاوز أكمل المشروع معاكِ وأوعدك مش هحاول أضايقك بكلمة تاني، بس مش عاوز أحس إني مذنب في حقك.. سامحتيني؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي ترمقه بنظرة قوية وتحد، وما أن فتحت فمها لتتحدث لتسبقها شقيقتها هاتفة بحدة وغضب:
"لأ مش هتسامحك."
اقتربت فداء منه ومن ثم أزاحته بكفيها ليرتد للخلف قليلًا وبنبرة محتقنة بنار الغضب قالت:
"إنت فاكر إني هعدي دموع أختي دي بالساهل!!! أنت لو عيشت عمر على عمرك مش هتشوف طرف فستانها تاني.. اللي تعرفهم في حياتك مجرد تقليد وأنا أختي الأصل.. واللي يتعدى حدوده مع أختي ما يلومش غير نفسه.. اخرج برا القصر؟"
قصي بلهجة حازمة:
"اتكلمي بأدب يا فداء؟ لكل حاجة حدود!"
فداء بسخرية:
"وانت بقى راعيت الحدود دي وانت بتخوض في شرف أختي؟ وبتتهمها بالباطل؟!"
قصي بثبات:
"واعتذرت!"
بادرت فداء بجذب شقيقتها لتسحبها معها نحو الداخل وراحت تقول بنبرة حاسمة:
"اعتذارك مرفوض يا قصي باشا."
رمقتها عنود بنظرة مستعطفة لتزدرد فداء ريقها في حنق مقاومة نظرة التسامح هذه من شقيقتها، سارت بها صوب الباب من جديد لتتابع عنود بنبرة خفيضة:
"فداء اهدى؟ الشاب اعتذر وجه لحد بيتنا هنطرده!"
توقفت فداء في تلك اللحظة لتهتف بنبرة حادة تنهرها بتساؤل:
"يعني أيه!! سامحتيه؟"
عنود بنبرة خافتة:
"أنا محتاجة أبني شغل وكيان لنفسي وهو اعتذر!"
فداء مقدرة لطموحات شقيقتها حيث تنازلت مرغمة لتقول بنبر صارمة وصلت إلى أذنيه:
"ماشي يا عنود.. بس لو حصل وحد مس كرامتك شعراية، همسكه السلك عريان!"
قصي بابتسامة ساخرة:
"وربنا انتِ بوء على الفاضي، ولو أخدتي قلم هتبقي شبه الكتكوت المبلول."
جدحته فداء بنظرة حانقة من فوق كتفها ومن ثم سارت للداخل تاركة لهم المجال لبدء التخطيط لأحلام شقيقتها.
***
"في صباح اليوم التالي"،،،
"ألبس ده ولا ده ولا ده؟ ها!! ألبس إيه ها؟"
أردفت فداء بتلك الكلمات في حماسة بالغة وهي تستعد كامل الاستعداد لمقابلة آسر الذي جعلها تجن من فرط عشقها له. أخذت تجوب في الغرفة وهي تنتقي الثياب التي سترتديها. أمسكت ببنطال من الجينز النيلي وكنزة صيفية مطعمة بفصوص ألماسية على الأكمام فحسب من اللون الوردي. وضعتها أمام عيني شقيقاتها.
هزت الاثنتان رأسيهما رفضًا، لتلتقط كنزة صيفية أخرى تتضارب بها الألوان وقد قوبلت بالرفض أيضًا. امتقع وجهها غيظًا وهي تهتف:
"أمال ألبس إيه!! خنقتوني؟"
التفتت بيسان بوجهها ناحية شقيقتها (عنود) القابعة بجوارها في الفراش ومن ثم رددت بنبرة واهية مصدومة:
"عنود.. هو اللي بيحصل ده حقيقي؟ يعني بلاء فعلًا بتحب!! دي آثر لهفة وبدايات حب؟"
عنود وهي تفغر فاهها بشده كذلك:
"فداء والحب.. Really don’t mix!!!"
عقدت حاجبيها بغيظ لتعقد ذراعيها أمام صدرها أيضًا وبنبرة حادة تابعت:
"بتبرطمي تقولي أيه انتِ وهي؟!!!"
عنود بنبرة متلعثمة في بادئ الأمر:
"Fedaa, you fall in love with someone? (إنتِ بتحبي؟!)"
رفعت فداء كتفيها للأعلى قليلًا ومن ثم أنزلتهما وهي تردف بنبرة سادرة:
"مش لايق عليا اللون ده صح؟"
أحست شقيقاتها بوادر دخولها في حالة من اليأس، لتهرع عنود إليها ومن ثم تطبع قبلة على وجنتها قائلة بحب:
"الحب بيليق على أي حد يا فيدو، انتِ بس أوعي تخليه ينطفي أو يتوه من إيدك!"
فداء وهي تنظره لها بتحد رافعة أحد حاجبيها ومن ثم رفعت إصبعها السبابة عاليًا لتقول بحزم:
"يتوه مين؟! طلاق الواد ده ما هسيبه غير وهو جوزي! وابقي فكريني أكتب تيكت وأحطه على التي شيرت بتاعه.. هذا التركي المز القاتل ملك لفداء العامري وممنوع اللمس والإقتراب.. وأي واحدة هتقرب هعملها خريطة في وشها، نهتدي بها إذا توهنا."
بيسان بعينين جاحظتين:
"فدو انتِ بتتكلمي بالسوقية دي قدامه؟"
فداء وهي ترفع أحد ذراعيها بتفاخر:
"آه عادي.. انتوا عارفين بيشتغل أيه؟"
الإثنتان في آن واحد:
"أيه؟"
ضمت كفيها إلى بعضهما وراحت تقول بنبرة أكثر هيامًا:
"حرامي قد الدنيا، ربنا يحميه.. بالظبط هو ده فارس أحلامي بموتوسيكله الأحمر…!!!!"