تحميل رواية جميلتي الصهباء بقلم عليا شعبان pdf
بقلم عليا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جاب ببصره بينهن، أصواتهن غلبت الشوق داخله وهو ينظر إليهن. ثلاثة فتيات، يشبهنها بقوة تلك الحبيبة التي تركته في منتصف طريقهما معًا. أحبها بصدق، لم ينسيا لحظاتهما الآخاذة. ينتقيا من الأسماء ما يحلو لهما، فقد علما بقدوم ثلاث لآلئ لينرن حياتهما. لا يفتأ أن يتذكر حديثها له وهي تقول بنبرة رقيقة تشبه إغماضة عينيها الذي غلب عليها السُهاد، فيغطي جفونها أهدابًا طويلة للغاية ويختفي معها جمال سحر عينيها الزرقاوين في هدوء. وفي لحظة الشوق هذه، غلب على عينيه دمعتان يفران من موطنهما ليجد إحداهن تبتسم في ملكوت رب...
رواية جميلتي الصهباء الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم عليا شعبان
أحكم غلق قبضته القوية على ياقة ثوبها.
رفعت كلا كتفيها تتنفس الصعداء وهي ترمقهُ بجانب عينيها لتجد ملامحه تحمل لها كُل الوعيد والتهديدات.
ابتلعت ريقها بصعوبة وبنبرة مُتحشرجة هتفت:
_ بـااااابا !!!
افتر جانب ثغرهُ عن ابتسامة ثابتة ليرفع أحد حاجبيه مردفًا بصوتٍ أجشٍ:
_ دا أنا مافيش حد فكر يتحداني؟ إنتِ تعملي فيا مقالــب؟
فداء وقد انكمشت أسارير وجهها هلعــًا:
_ ما إنت كُنت هتموتني!!
أومأ آسر برأسه في ثقلٍ يحدقها بنظرة صارمة.
مال بجذعه العُلوي حتى أقترب من رُكبتيها ومن ثم أسرع بحمل جسدها على كتفه.
فيما تابعت هي بنبرة اوشكت على البكاء:
_ إنت ساكت ليه؟ وواخدني على فين!
لم ينبس هو ببنت شفةٍ مما أثار المخاوف لديها.
استقام في وقفته من جديد ومن ثم اتجه بها صوب الباب الخلفي للقصرِ.
لتردف وهي مُحدقة العينين بالطريق:
_ واخدني لـ الباب الخلفي ليه؟ نزلني يا آسر.. والله العظيم هعيط وهنِف عليك وأرجع كمان.. قلبت ليّ معدتي وإنت شايلني كدا.
تجرع آسر غيظه مما فعلته به داخله ولم يُخبرها بما ينوي عليه.
ولكن هذا السر داخل خلجات نفسه سيُفضح في الحــال.
وبعد خُطوات ليست بالقليلة، وصل بها إلى جوار البناء الصغير المصنوع من الطوب اللبن لـ تربية الطير.
أنزلها أرضــًا على الأثر لتقطب ما بين حاجبيها مردفةً بنبرة مُتلعثمة:
_ إنت جايبني هنا ليه؟ اوعى تقولها.
وفي تلك اللحظة رفعت كفها إلى فمها تكتم شهقاتها داخلها وبنبرة مرتعبة تابعت:
_ إنت جايبني هنـا علشان تغرغر بيّا وتغتصبني!! إلحقووووني.
أسرع آسر بوضع راحته على فمها يمنع صرخاتهــا المُستغيثة دون داعٍ.
إقترب من أذنها ثم هتف بنبرة صارمة ليستبد بها القلق:
_ أغتصب مين؟ دا إنتِ شبه واحد صاحبي.
تقلصت أسارير وجهها غيظـًا لترمقهُ بنظرة ماقتة على ما قاله لهــا.
وفي هذه الثانية أسرعت بغرس أسنانها في لحم راحته ليبعد ذراعه بتأوه قائلًا:
_ إنتِ بتتمادي كمان؟ ليلتك سودا.
فداء وهي تتخصر أمامه بثبـات بعكس ما يضمر في نفسها من خوف جمٍّ لتهتف بغيظٍ:
_ انا شبه صاحبك؟ كدا تحرق قلبي؟ دا إنت لو إغتصبتني أهون من الكلمة دي. الست نفسيتها ما تتعبش إلا من جُملتين (إنتِ تخنتي وانتِ شبه واحد صاحبي). وعلى فكرة بقى أنا واثقة في نفسي وعودي فرنساوي حتى جمالي أيرلندي. إنتوا كدا الرجالة ما يملاش عينيكم غير التراب.. جاتكم بالأرف.
أنصت آسر لها في شيء من الثبات أظهره بدقة.
وما أن أنهت حديثها حتى تابع بنبرة مُتسائلة:
_ إنتِ عارفه أنا جايبك هنا ليه؟
فداء وقد جلى على ملامحها علامات الحُزن والضيق لتُردد بنبرة تلقائية بلهاء:
_ ما إنت للأسف قولت مش هتغرغر بيّا.
آسر بإبتسامة صادقة:
_ للأسف؟ أه انا جايبك علشان نلعب مع الديك!!!
ثبتت نظرها في مُقلتيه مُباشرة وهي ترمقهُ بعينين جاحظتين لتردف بنبرة مُتلعثمة:
_ نـا دي اللي هم مين!!
آسر بإبتسامة عابثة:
_ نـا الفاعلين يا أُم ملاك، يعني انا وإنتِ هنلعب مع الديك.
فركت فداء كفيها في خوف وتوجس لتقترب منه وكأنها تستعطفه ألا يفعل بعدما علمت بخطته القادمة لتردف وهي تمط شفتيها قهرًا كالأطفال:
_ آسر، أنا بخــاف منه.. علشان خاطري لأ.
هزّ آسر رأسه عدة هزّات تُجيبها بالسلب.
حيث قبض على خصرها بأحد ذراعيه وبالآخر قادها إلى العِش الصغير والذي هو بطول قامتها إذا أحنت ظهرها.
إرتجفت أطرافها عندما قام هو بفتح الباب الصغير وبنبرة ثابتة أردف:
_ يالا أدخلي هاتي الديك، علشان نلعب معاه في الجنينة.
رفعت فداء كفها تحك جبهتها وبنبرة واهنة تابعت وهي تُلقى بثُقل جسدها عليه:
_ إلحقني يا آسر، صُداع وهيغم عليا.
آسر بإبتسامة ساخرة وصوت أجشٍ:
_ مبروك المدام حامل، وكفاية إستهبال وإلا هشيلك وأدخلك جوا.
استقامت فداء من جديد، أزاحت خُصلة عن وجهها وهي تتلعثم في حديثها مردفة:
_ أنا أسفة لو حطيتك في موقف مُحرج خليني أدخل جوا بقى.
في تلك اللحظة أسرع بإحناء ظهرها بذراعه القوي ومن ثم قادها بقوة إلى باب العِش.
وما أن رأت الطائر حتى صرخت بفزعٍ:
_ لا لأ لأ، بيبرق ليّ يا آسر بعينتينه.. أسفه والله أسفه.
ومـا أن رأها الطائر حتى همّ بالإقتراب ناحيتها لتصرخ هلعـًا وهي تغطي وجهها بذراعها.
ليسـرع آسر بجذبها خارج العِش ويغلق الباب على الفور.
جلست فداء أرضًا ما أن رأته يغلق الباب لتتنفس الصعداء قليلًا.
فيما أردف هو بخُبث:
_ أنا ممكن أسامحك وأسيبك لكن بشرط!!
فداء وهي تلوي شدقها وتبتلع ريقها حنقًا عليه:
_ عاوز أيه يعني؟
آسر وهو يُقرب وجهه منها وقد تلاقت أعينهمـا وبنبرة ثابتة غمز لها قائلًا:
_ 3 بوسات مُقابل 3 غلطات وهسيبك تمشي.
أنهى حديثه ألحقه بترقب:
_ ها!!!!، فين؟
ضيقت فداء عينيها بحنقٍ، ومن ثم راحت توميء برأسها يمينًا ويسارًا بالسلب وتقول:
_ لأ مش هبوسك لأ.
آسر رافعًا أحد حاجبيه:
_ والله دا الحل اللي عندي.
فداء وهي ترمقهُ بحُزن ونبرة مُنفعلة:
_ بابا قالي الراجل اللي يبوسك يبقى مش هيتجوزك وبيضحك عليكِ.
آسر بنبرة مرنة:
_ خلاص بوسيني أنتِ!
فداء وهي تنفي حديثه بسبابتها أمام مرأى عينية قائلة:
_ لا ما هو قالي الراجل اللي إنتِ تبوسيه يبقى (سوسن) وإنتِ هتبقى مُنحرفة ورخيصة.
حك آسر ذقنه بأطراف أنامله وهو مُضيقًا عينيه وبنبرة هادئة أردف:
_ لا إنتِ ولا أنا، أمال مين هيبوس.
فداء بإبتسامة عريضة:
_ ماحدش، بابا قالي إن البنت المُحترمة مش بتتباس ولا بتبوس.
آسر وهو يجلس القرفصاء كما فعلت هي مرددًا بتساؤل:
_ أمال بتعمل أيه؟؟
في هذه اللحظة إقتربت فداء من وجهه بعد ان ثنت ساقيها إستعدادًا للإنطلاق ومن ثم إقتربت من خده وراحت تغرس اسنانها به.
وما هي إلا ثوانٍ حتى هـرولت مُبتعدة عنه فيما صرخ هو بتأوه جمٍّ:
_ الله يخربيت معرفتك يا فداء، هي دي أشكال تتحب وحياة أمك ما انا سايبك.
هـرولت فداء صوب باب القصر وبنبرة ضاحكة هتفت:
_ أنا كدا اللي يحبني يستحمل عضتي.
هرعت إلى داخل القصرِ ومن ثم إلى غرفة الطعام ثم التحقت إليهم أثناء تناول العشــاء.
جلست إلى مقعدها في شيء من الثبات.
بينما أردف سالم بحنو:
_ يا بنتي كفاية شُغل وتليفونات وإتعشي بقى.
فداء وهي تُلقى قُبلة له بالهواء:
_ حاضر يا سُلم.. والله إنت أحلى أب يا سڤن أب.
سالم وهو يرمقها بنصف عين:
_ عايزة أيه يالمضة من الأخر؟؟
فداء وهي تشرع في تناول وجبتها:
_ في أيه يا سُلم.. هو انا لازم علشان ادلعك أبقى عاوزة حاجة.. ياسطى عادي أصلي فرحانة حبتين.
قُصي بنبرة ساخرة:
_ ياسطى!! هو إنتِ قاعدة في ورشة ميكانيكا!! الحمد لله على نعمة الرقة.
فداء وهي ترمقهُ بنظرة ذات مغزى:
_ نعمة الرقة، اللي هي مين يعني؟
صر قُصي على أسنانه.
وهنا قطع حديثهما مجيء آسر الذي ألقى السلام.
بينمـا دعاهُ جمال لتناول وجبة العشاء مردفًا بحنو:
_ يابني مش كُله ورا بعضه كدا..لازم ترتاح من الشغل على الأقل ساعتين.
بيسان بإبتسامة هادئة:
_ فعلًا يا عمو جمال دا تعب معانا من وقت ما عنود وصلت القرية.
عنود وهي ترمقهُ بإمتنان وبإبتسامة رقيقة أردفت:
_ شكرًا حقيقي يا مستر (آسر) وجودك فرق معانا فعلًا.
آسر بثبات:
_ أي حد مكاني، طبيعي هيساعد.
إلتفت قُصي بنظراته الحانقة إلى عنود التي ما أن لاحظت تشنجات وجهه حتى تنحنحت وراحت تتجنب النظر له في شيء من الثبات.
وفي هذه اللحظة جمال متوجهًا بحديثه إلى آسر:
_ لا مؤاخذة يابني، بس خدك كأن حد عضك منه، إنت قربت ناحية خلية نحل ولا حاجة.
تنحنح آسر قليلًا ليرفع أنامله يتحسس موضع العضة.
وقد انتقل بنظرهُ إليها إختلاسـًا ليجدها ترمقهُ بإبتسامة ظفر ليتابع:
_ حاجة زيّ كدا يا عمي.. هي نحلة كبيرة شوية، ولونها مدي على أحمر كدا ولكن هتروح مني فين؟.. انا عارفها وهجيبها.
قطب جمال ما بين حاجبيه في إستغراب قائلًا:
_ تجيب مين يابني؟ النحلة؟
افتر ثغر آسر بإبتسامة عريضة وبعدها فتح فمه يقهقه بخفة.
فيمـا تابع سالــم متجهًا بالحديث إلى صديقه:
_ مـا عرفتناش بضيوفك؟
جمال بنبرة عالية بعض الشيء:
_ صحيح، دا آسر يبقى صديق يامن والست مُنى طلبت مني استضيفه عندي في القصر لأن جاي يتمم مشروع له عن القرية، وهو بصراحة منورنا والله وفي مقام قُصي بالظبط.
سالم بإبتسامة هادئة:
_ أهلًا بيك يابني.
ومن ثم استأنف حديثه بنبرة مُتسائلة وهو يتحدث إلى يامن:
_ صاحبك وعُمرك ما عرفتنا عليه يا دكتور يامن؟ ولا جه القصر عندنا حتى.
يامن بإبتسامة مُتوترة قليلًا:
_ ما جاش فُرصة بس يا خالي.
جمال بنبرة هادئة:
_ ودا بقى يا سيدي صديق طفولتي، ويكون أبو البنات.
آسر وهو يبادله إبتسامة صادقة:
_ معرفتك شرف ليّا يا عمي سالم.
رمقه سالم بنظرة حانية ربما يفتقدها مُنذ أن كان صغيرًا وللحق لأول مرة مُنذ سنوات يعيش جوًا عائليًا هكذا.
يشعر بالكثيرِ من الدفء والأُلفة.
وهنا انتفض جسد فداء فزعـًا وهي ترى رأس هذا الصبي يظهر من أسفل طاولة السُفرة.
يمدهُ حتى يستطع التعبير عن غضبه منها:
_ أكيد أحمريكا هي اللي عضتك يا آسر بيه، ما هي مُفترية ما يجدرش عليها إلا ربنا.
فداء وهي تميل على جانبها الأيمن تنظُر له بغيظ:
_ إنت قاعد تحت السُفرة بتعمل أيه؟
تبادل الجميع نبرات تساؤليه وسرعان ما تبدلت إلى قهقهات عالية.
ليردف جمال بصرامة وهو يحثه على الخروج:
_ إطلع يا مصطفى، كفياك جنان.
مُصطفى وهو يحبو بين المقاعد حتى استند على ذراعيه ليقف مردفًا بحنقٍ خفيف:
_ هو اللي يحمي جفاه يبجى مچنون، كُنت إنت چربت الجفا بتاعها علشان تظلمني يابـا العُمدة!!
في تلك اللحظة أسرع بالإقتراب من الطاولة وإلتقاط طبق من الطعام وراح يتجه خارج الغرفة مُرددًا بسخط:
_ دي ما يجدرش عليها إلا ربنا، سرجت هدومنا وإحنا بنسبح في التِرعة.. ابجى خُدها معاك يابــا الحچ سالم، ما عُدتش هصاحبها تاني.
عَلت أصوات قهقهاتهم جراء ضيقه الشديد منها وحديثه المــازح.
ليلـتفت سالم إلى ابنته مردفًا بضحكة خفيفة:
_ إنتِ يا بنتي عندك.. مُتلازمة القفا؟؟
مــرّ ما يقرُب على الأسبوعين.
دار العمل داخل صالة الروضة كـ خلية النحلِ بإنتظام وافر.
توزعت الأدوار عليهم بالتساوٍ وقد تولى جميعهم مسؤلية العمل على أكثر شيء قد إحترفهُ.
فـ سيدات البلدة يشغلن أمور الحياكة بعدما يتم قصها من قِبل عُمـال الشركة الذي أتى بهم قُصي.
على شكل النموذج الذي يتم استلامه ما ان تنتهي عنود من تصميمه.
استلم آسر امور (كَيّ) الملابس التي يتم الإنتهاء منها كُليًا بعد أن تقوم حُسنية بنقعهم في مجموعة خلطات أوصت بها عنود.
كان دور قُصي هو الإعتناء بهـا بشكلٍ دائم.
أما فداء فـ تولت أمور التطريز بصُحبة بعض سيدات البلدة.
وكذلك بيسان التي تولت مسؤلية البقاء مع الاطفال والاعتناء بهم.
في حين أن يامن يقوم ببعض المشاوير الهامة لجمع بعض الحاجيات التي تنقصهم.
إنتهى العمل على أكمل وجه وكما رغبت عنود.
وكانت السعادة هي ركيزة الأساس في قصر الدمنهوري.
لـ يفي قُصي بوعدهِ لهم مُقيمًا حفلة شواء كبيرة في اليوم نفسه الذي تبدأ فيه عنود بروڤتهــا النهائية.
أمسك مُصطفى طـرف جلبيته الذي إمتلأ بمادة الجِير وبدأ في عمل خطين متوازيين بينهما مسافة لا بأس بها بتعاليم من قُصي.
حيث تقوم عنود بعرض تصاميمها من خلال السير داخل هذه المسافة.
وفي تلك اللحظة دلف آسر داخل الباب الرئيسي للقصرِ فقد إعتاد أن يذهب خارجه يوميــًا حتى لا يُثير الشكوك نحوه بشأن مشروعه الكاذب.
توطدت العلاقة بينه وبين باقي الشباب وصارت تجمعهم صداقة حقيقية.
ولم تعد صداقة يامن وآسر مُجرد أكذوبة بل تحولت إلى حقيقة.
وإنضم قُصي لهمـا الذي عرف بسر وجوده داخل قصر والده.
ولكنه لم يستطع كسب رضا حبيبته المُشاكسة مرة أُخرى فهي تتفنن في إظهــار غيرته وإثارة حنقه فحسب.
وهنا هتف قُصي مُناديًا عليه:
_ إنجز يا عم آسر.. الشواية بتناديك.
أخذ آسر في الإقتراب منه وبضحكة خفيفة تابع:
_ الحلو مش عارف يشوي ولا أيه!!
قُصي بإبتسامة ثقة:
_ يابني دا أنا موسوعة، انا بس عاوزك تساعدني علشان مشغول بحاجات تانية.
مُصطفي مُقاطعًا إياهمـــا:
_ أنا عاوز وِرك البجرة كُله لوحدي!!
قُصي بنبرة ساخرة:
_ هو وِرك فرخة يا حبيبي، إشتغل وانت ساكت.. الله يرضى عنك.
في تلك اللحظة قطع قهقهاتهما مجيء السيد جمال بصُحبة شخص مـا.
وما أن إقتربا منهما حتى تابع جمال بسعادة:
_ أقدم لكم يا ولاد (سمير).. دا ابن صاحبي العُمدة اللي في البلد اللي جنبنا وكتـر خيره جاي يسلم عليّا، أصيل زيّ أبوه.. وكمان يبقى مُعيد في جامعة القاهرة يعني مش عايش هنا.
تبادل الجميع السلامات مرحبين به وسط حفلتهم العائلية.
ليقوده جمال ليجلس إلى أحد المقاعد المرصوصة في حديقة القصر ليتجاذبا أطراف الحديث بشأن أخبار والدهُ.
_ هـروح أخذ شــاور وأرجع لك يا قُصي.
أردف آسر بهذه الكلمات في هدوء ليتجه صوب باب القصر على الفـــور وهو يتلفت حوله باحثـًا عن هذه المجنونة حلوة الوجهِ.
“على الجانب الآخر”
إنهى “سالم” اتصالــه القادم من مقر عمله ومن ثم إلتفت يستجيب لهتافها به:
_ أسُلمم!، أيه رأيك يا حُبعمري في فستاني؟
سالم وهو يتفحص الفستان مردفًا بنبرة هادئة:
_ هو حلو جدًا ولايق عليكِ، بس قُصير شوية ولكن هنتغاضى عن القُصر طالما عاجبك مش هفرض رأيّ عليكِ طول ما إنتِ قدام عيني وواثق فيكِ.
_ طيب وكدا؟؟
قالتها فداء وهي تدور بجسدها حتى والته ظهرها المكشوف حيث أن الفستان عاري الظهرِ.
وهنـا جاء آسر على هذا المشهد الذي صدمه ليحدق بعينيه بظهرها المكشوف والصدمة ألجمته عن الحديث.
سـاد الصمت لـ ثوانٍ لتلتفت فداء بوجهها إلى والدها الصامت وعلامات الغضب تُسيطر على وجهه.
باتت الصدمة ، إثنين عندما وجدت أربعة أعين يحدقون بها في صرامة وغضب.
لـ تحدق بعينيها هي الأُخرى وتجوب بينهما.
مــال سالم بجذعه العُلوي قليلًا يقترب بكفيه من فردة حذائه وبنبرة مُغتاظة تابع:
_ كدا بقى، مالكيش إلا الجزمة.
إلتقط سالم حذائه بين كفيه وراح يرميها به.
ليفعل آسر نفس الشيء في عصبية مُفرطــة وبنبرة حادة لم يستطع كبحها امام والدها رمى الحذاء بها وقد جاشت مراجله وهو يهتف بلهجة ثائرة، يتطاير الشرر بين كلماتها:
_ وأدي جزمة كمان!!!!
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم عليا شعبان
فغر فاهها وهي تتبع بعينيها الرماديتين اللامعتين حركة الطيران الطارئة والخاصة بالحذائين. وقبل أن تتخذ خطوة التفادي، وجدت أحدهما يرتطم بوجهها والآخر مستهدفًا إحدى أذنيها. تصلبت في مكانها من قوة اصطدام الحذائين بها في آن واحد، فيما أردف سالم بغيظ:
"الله يرحمك ويسامحك يا ملاك، خلفتي ليّ ابتلاء محسوس. كنت فاكر إن البلاء دا شعور بنحسه، ولكن أنا بشوفه قدام عيني اهو."
لوت فداء شدقها بامتعاض وأخذت تضرب الأرض بقدميها كالأطفال، وبنبرة حانقة صرخت:
"يا بــابا برستيچي بقى، اتداس بالرجلين في الأرض.. حرام عليك."
سالم وهو يقترب منها مردفًا بلهجة صارمة:
"وطي ياختي ولميه من الأرض."
ومن ثم استأنف حديثه وهو يربت على ظهرها العاري بحدة ويحثها على الذهاب:
"ويالا إنجري، غيري هدومك وألبسي حاجة عليها القيمة بلاش دلع بنات."
في تلك اللحظة، أسرع آسر بالقرب منهما ثم قبض على مرفق السيد سالم وبنبرة هادئة قليلًا تابع:
"أهدى يا عمي ما تزعلش نفسك."
جدحته فداء بنظرة مغتاظة ونبرة صارخة هتفت:
"والتاني دا بيضرب ليه؟ هو كان من باقية أهلي؟!"
التفت سالم ببصره إلى الآخر وكأنه استوعب ما حدث لتوه، ليردف بتساؤل محير:
"وإنت يابني صحيح، جزمتك بتعمل إيه عند بنتي؟"
لم يستعصَ عليه الإتيان بالرد في الحال، ليهز رأسه بثبات وبنبرة جامدة أردف:
"بصراحة بقى يا عمي.. أنا كنت هفاتحك في موضوع بخصوص الأنسه وإني عاوز أتقدم لها.. بس بالمنظر دا أنا هتراجع عن قراري. أصل يا عمي أنا راجل شرقي ودمي حامي، ما أقبلش إن مراتي تمشي بالمنظر دا.. والكلب والجحش ياكلوها بعنيهم.. ما هي مش متجوزة رابطة فجل."
قال جملته الأخيرة وهو يجدحها بعينين غاضبتين. انتفض جسدها ومن ثم والتهم ظهرها حتى مشت خطوتين للأمام، وبعدها هرعت إلى الدرج تصعده حتى غرفتها وكأنها تبحث عن مخبأ يحميها من ثورته.
"شقــاوة بنات بقى يابني ما إنت عارف."
أردف سالم العامري بهذه الكلمات ليقطع عليه شروده بوقع خطواتها حتى اختفت من أمامه. وهنا التفت إليه آسر ثم تنحنح قليلًا قبل أن يردف:
"عندك حق يا عمي، هو أنا كنت هتراجع بس دلوقتي لأ. وبما إنك عرفت بالموضوع فـ خليني نقعد نتكلم."
أومأ سالم برأسه في هدوء، ليربت على كتف آسر ومن ثم يتجهان معًا حيث غرفة الصالون. وما أن جلسا حتى تابع سالم بحنو صادق:
"اتفضل يابني، سامعك. بس قبل كل حاجة، أنا لازم أقولك على عيوب بنتي، علشان نبقى على نور. أول حاجة شرانية ما بتسيبش حقها و…"
افتر ثغر آسر عن ابتسامة هادئة. والآن عرف من أين ورثت هذه التلقائية والحنان؟ من والدها بالفعل. أحس بحب وافر خلق لتوه تجاه هذا الأب الوقور، ليقرر في خلجات نفسه بأن يصارحه عن كل شيء، ليقطع حديثه قائلًا:
"عارف وهبلة وحنينة وتلقائية ووسيلة الهجوم عندها الضرب بالقفــا ووسيلة الدفاع عن نفسها العض.. ولسانها متبري منها ولمضة وقضت سنة كاملة في السجن و…"
حدق سالم به في شُغفه من كم المعلومات الهائل عنها، ليتابع بنبرة متحيرة:
"جمعت المعلومات دي كلها عنها، إزاي؟"
داعبت ابتسامة هادئة ثغره. رفع كفه إلى رأسه وبدأ يضع أنامله داخل شعره يعود به للخلف، ومن ثم تابع بهدوء جم وهو ينظر إلى هذا الأب الحنون:
"ما بُني على باطل، فهو باطل واللي بيتبني على الصدق بيعيش. أنا ما جمعتش أي معلومــات عنها في الحقيقة لأني بحبها من زمان وهي كمان."
قطب سالم ما بين حاجبيه تقطيبة مُريبة، وبنبرة ثابتة أردف يستجوبه:
"يعني إنت تعرفها من قبل ما تيجي هنا؟"
أومأ آسر برأسه إيجابًا، بادله ابتسامة خفيفة قائلًا:
"أيوة.. أنا مش جاي أعمل أي مشاريع في الحقيقة.. أنا جاي علشان هي قررت تبعد عني، فـ أنا حبيت أفرض نفسي عليها لأني مش عاوز أخسرها. وطبعًا هي مش بتسيب فرصة تضايقني فيها. أنا عارف إني جريء في اعترافي لحضرتك، بس اللي اعرفه عنك من خلال كلامها، شخصية متفاهمة وأب مثالي عارف يعني إيه حب وفقد.. وعشان أنا مش عيل صغير بعيش معاها قصة حب والسلام، كان لازم أصارحك بكل حاجة."
أومأ سالم برأسه في خفة. ضم كفيه إلى بعضهما في ثبات، وبنبرة هادئة كعادته أردف:
"وأنا بحترم فيك صراحتك. في العادي بناتي مش بيخبوا عني حاجة، ولكن مستغرب هي ليه ما قالتليش؟"
آسر بإيجاز:
"علشان ما كانتش متأكدة إني بحبها. وأنا جاي دلوقتي أقولك إني بحب بنتك وطالب إيديها على سنة الله ورسوله. وطبعًا مش قبل ما تعرف ظروفي."
انتبه سالم للحزن الذي بدا بوضوح على قسمات وجهه، ليردف بتساؤل حانٍ:
"إنت بتشتغل إيه يا آسر؟"
تنهد آسر تنهيدة ممدودة بعمق، ومن ثم أخرج زفيرًا مثقلاً بالهموم ليجاهد في رسم ابتسامة هادئة:
"أنا آسر آيوب.. ابن الخباز الله يرحمه، خريج كلية التجارة ومش بشتغل بـ شهادتي، عندي ورشة تأجير وتصليح عربيات. وفي حاجة كمان…"
ابتلع ريقه بصعوبة وقد كور قبضة يده بقلق جم يكاد ينهار من فرط التوتر من ردة فعل هذا الرجل الذي يخشى نسمات الهواء عن بناته. وهُنا قرر استئناف حديثه بهدوء:
"والدي لما ضاقت عليه الظروف وما كانش لاقي يصرف علينا، لجأ لـ سكك السرقة وربنا يرحمه بقى ويغفر له. فـ طبعًا ابن الحرامي في مجتمعنا حرام حتى لو شريف و…"
سالم مقاطعًا بإشفاق:
"وابن القاضي شريف حتى لو كان حرامي."
آسر بابتسامة هادئة:
"دي الحقيقة."
جاشت عين آسر حزنًا. حاول مليًا أن يبقى رابط الجأش لا يهتز. شعر سالم بصدق كلماته وتضرره من الكثير مما عاناه، ليردف مازحًا حتى يزيل عنه الحرج:
"ما عندك سفاحة أهي وبنت قاضي، أهي دي حالة واقعية تثبت صحة كلامك. أنا مش عارف مين دعا عليك الدعوة القاسية دي، فداء!!! دا لو حصل.. ربنا يتولاك برحمته."
آسر بابتسامة صافية:
"حضرتك بس وافق وأنا راضي.. وعلاج بلطجتها عندي."
تبادل الاثنان قهقهات خفيفة، ليقطع حديثهما صوت جمال الذي دلّف إليهما بصحبة هذا المُعيد وتبادلوا السلامات. وهُنا تابع جمال بتساؤل:
"قطعت عليكم حديثكم ولا إيه؟"
سالم وهو ينظر إلى آسر بنظرة حانية:
"إن شاء الله، لينا قاعدة تاني بعد سفر عنود."
***
"على الجانب الآخر"
"واااوووو!! حد يقول إن الفستان دا اتعمل في قرية وبأقل الإمكانيات؟"
أردفت فداء بهذه الكلمات وهي تنظر إلى شقيقتها بإعجاب ودهشة. فالثوب يزيدها جمالًا (من اللون الأحمر وخامة الحرير) يضيق من الخصر بإحكام وأسفل حاجز الخصر توجد قطعة من الألماس كأجنحة الفراشة تعلو الثوب الذي يمتد حتى بعد الكعبين وصُمم من الأعلى على هيئة وريقات وردة تنسدل على منطقة الصدر. تهللت أسارير وجه عنود وهي ترفع خصلات شعرها (ذيل حصان) لتردف بنبرة حماسية:
"بجد حلو يا فيدو؟"
فداء وهي تبادلها نظرات حانية:
"حلو جدًا، وعليكِ ياخد العقل من الرأس."
قالت جملتها هذه ثم اتجهت صوب الخزانة تفتحها، فيما قطبت عنود ما بين حاجبيها وراحت تردد بنبرة مترقبة:
"بتعملي إيه؟"
فتحت فداء الخزانة على مصرعيها، وأخذت تتفحص ما بداخلها بشرود في ملامحه الغاضبة منها وغيرته الواضحة عليها. وهنا رددت بتنهيدة فاترة:
"بــابا زعق ليّ وطلب مني أقلع الفستان. أنا من الأول قولت لك مش عاجبني ومش أستايل لبسي وإنتِ أصريتي عليّا."
رمقتها عنود بنصف عين ومن ثم مشت ناحيتها بخطى وئيدة قائلة:
"سيبك من بابي دلوقتي، آسر لما شافك عمل إيه!! أكيد كان هيموت من الغيرة؟"
التفتت فداء إليها بكامل جسدها ومن ثم وضعت ذراعها حول خصرها وبنبرة مغتاظة تابعت:
"دا مش بس غـار، دا رمى الجزمة عليّا هو وبابا وعملوا عليا كتيبة جزم طائرة."
رفعت عنود كفها إلى فمها تكتم ضحكتها وقد جحظت عيناها شُغفًا. رمقتها فداء شزرًا وبنبرة حزينة أردفت:
"مش هسمع كلامك تاني ومش عاوزة أخليه يغير عليّا. أنا بخاف منه."
فتحت عنود عينيها واسعــًا أكثر عن ذي قبل، أبعدت كفها عن فمها وراحت تقبض على ذراع شقيقتها وهي تهتف بعدم تصديق وتوجس:
"قولتي أيه؟ فداء خايفة!!! يعني في حد فداء العامري بتخاف منه؟"
فداء وهي تلوي شدقها غيظًا وتهتف بحنق:
"مش بحبه يا عنود؟ وبعدين أنا بخاف على زعله ومش عاوزاه يحس بأي حاجة حسيت أنا بيها في وقت فـــات.. دا لما بيضحك بكون عاوزه أخده في حضني وأقوله انا زعلانه منك بس موافقة أتجوزك أشطا."
أطلقت عنود قهقهة عالية على حديث شقيقتها لتهتف بها فداء تنهرها بغيظ:
"بتكلم بجد على فكرة."
عنود وهي تقترب منها تُقبل وجنتها:
"تعرفي إنك كيوت أوي لما بتحبي!"
افتر ثغر فداء عن ابتسامة هادئة فيما أسرعت عنود بإلتقاط سلوبيت أنيقة للغاية ووضعتها أمام فداء وهي تردد بثبات:
"خلاص ألبسي دي، بس هتقفلي حمالة وتسيبي التانية مفتوحة.. خليه يغير أكتر واللي بيحب يا إما يستحمل أو يستسلم."
فداء بتفهم ونبرة متسائلة:
"أمـــال فين بيسو؟"
***
"خارج القصر"
قبض على راحتها بين كفه الكبير بإحكام واستعداد. تنشقت بيسان الهواء داخلها ومن ثم أخرجت زفيرًا خفيفًا كحال جسدها الذي يقفز من السعادة جراء اقتراح جنوني منه.
"مستعدة؟"
أردف يامن بهذه الكلمة وهو يمد أحد قدميه للأمام عن الأخرى، كذلك فعلت هي. رمقته بيسان بسعادة وهيام فقد أجرى لها عدة تمارين مكثفة لتتمكن من الجري بسهولة حتى لا تعتاد قدماها على الخطوات الهادئة والبطيئة فحسب. أومأت هي برأسها إيجابًا ليتابع حديثه بحب:
"إفردي إيدك التانية علشان تحسي بالهوا وتنسي أي ألم في رجلك."
بيسان برقة:
"حاضر."
يامن بحسم:
"1 _2_3 أجرررري."
انطلقا في سرعة رهيبة ما أن انتهى من العد. راحت تفرد أحد ذراعيها في الهواء وهي تصرخ بسعادة جنونية على غير عادتها وباليد الأخرى تكتنفها راحته. انفكت رابطة خصلاتها وسقطت أرضًا ليتبعثر شعرها خلفها حتى ملأ ظهرها. لم تحفل بهذا الحدث الصغير لتلتفت إليه ترمقه بفرحة كبيرة وكذلك فعل هو حتى تلاقت أعينهما. ولم يمنعه عدوه من أن يهتف لها عاليًا:
"بحبــــك!"
بيسان وهي تضحك ملء شدقيها تعيد ترديد الكلمة ذاتها على مسامعه:
"وأنا بحبــــك."
يامن بقهقهة عالية:
"لازم نرجع البيت حالًا، أكيد بيسألوا علينا والبروڤا قربت تبدأ."
قال جملته هذه ومن ثم توقف عن الجري لتلحق هي به، أخذ صدرها يعلو ويهبط وتلاحت أنفاسها بصعوبة وهي تقول:
"أنا بجري عـــادي!!"
أومأ لها برأسه إيجابًا ومن ثم رفع ذراعه إلى رأسها ثم قربها إلى صدره وراح يحتضنها بحب ولم تهدأ أنفاسهما بعد:
"الحمد لله."
أُعد المكان بأسلوب منظم. فُرش سجاد على الأرض من اللون الأحمر ومساند إسفنجية جلس الجميع أرضًا وبدأوا في تناول الطعام الذي أعده قصي بمُعاونة آسر. حضر يامن وبيسان على الأثر لتذهب هي إلى حجرتها حتى تتجهز.
"فين فستاني يا بنات؟"
فداء وهي تنظر إلى ثيابها بتعمق في المرآة:
"متعلق على الشماعة اللي في ضهر الباب."
"يالا يا بنات.. الناس مستنياكم."
أردفت حُسنية بهذه الكلمات وهي تقف على باب الحجرة لتقول عنود بثبات:
"عشر دقايق يا طنط."
فداء وهي تتجه صوب باب الحجرة:
"إنجزي يا عنقودة.. دي بروڤا مش العرض علشان كُل التوتر والتضخيم دا.. أنا مستنياكِ في الحفلة ما تتأخروش."
اتجهت فداء إلى حديقة القصر وقد أبهرها أسلوب التنظيم الخاص بهذه السهرة. تلفتت حولها تبحث عن والدها لـ تجده يقف إلى جوار شاب ما. ذابت في خطواتها إليه وبنبرة هادئة تابعت:
"عشر دقايق وعنود هتكون موجودة يا بـابا."
أومأ سالم برأسه متفهمًا وبنبرة هادئة أردف وهو يتجه بحديثه إلى سمير:
"أعرفك.. استاذ سمير مُعيد بجامعة القاهرة، ودي فداء بنتي.. وعشان ما تتخضش هي ليها اتنين تؤام."
أمد سمير ذراعه إليها وبنبرة هادئة تابع:
"إتشرفت بيكِ يا مودموزيل."
وقع نظرها عليه وهو يقف إلى جوار قصي يرمقها بنظرة حانقة لتتمادى هي مطلقة قهقهة عالية وراحت تقول:
"حضرتك أكيد مُعيد في قسم فرنش بقى؟"
سمير بابتسامة عريضة:
"فعلًا.. إنتِ خريجة إيه؟"
فداء بثبات:
"كلية إعلام، قسم صحافة."
سمير بإعجاب واضح:
"جميل جدًا، ومعاكِ كام لغة؟"
في تلك اللحظة أردف سالم بنبرة ضاحكة:
"أسيبكم أنا بقى في ثقافتكم دي، وأروح أشوف جمال فين أراضيه."
أومأت فداء برأسها إيجابًا ومن ثم عادت تستأنف حديثها ردًا على سؤاله:
"تلاتة واللغة الأم.. إنجلش، فرنش ولغة البلطجية."
سمير وهو يقطب حاجبيه تقطيبة مُريبة مردفًا ببوادر ابتسامة:
"بلطجية!!.. دمك خفيف بجد."
فداء وهي تطلق ضحكتها عاليًا:
"ميرسي دا من ذوقك."
تجهمت معالم وجهها فجأة لتبتلع ريقها في حالة توجس من أمرها وهي تجده يقترب منهما وعلامات الشر بادية على وجهه. وما أن وصل إليهما حتى هتف بصوت أجش:
"مش عيب لما تسيبي خطيبك وتقفي مع سيادة المُعيد!!!"
تقابل هو والآخر وجهًا لوجه ليتابع آسر بثبات:
"بعد إذنك.. تعالي يا ست الكل علشان عاوزك في موضوع."
قبض على ذراعها بشراسة وسط نظرات سمير الذي استغرب من حدته. وقف بها في زاوية من الحديقة وبلهجة حادة أردف:
"إنتِ عاوزة إيه بالظبط؟"
فداء وهي تشيح بنظراتها بعيدًا عنه:
"أنا مش عاوزة حاجة.. شيفاك إنت اللي متعصب."
ضغط آسر على عينيه بنفاذ صبر ليقترب منها أكثر ومن ثم يمسك حمالة السلوبيت الساقطة مردفًا:
"مش قافلة دي ليه؟ إنتِ مش شايفة إن الزفت اللي من تحت مفصل جسمك.. سايبك تهزري وتستفزيني براحتك، لكن أنا مش هضحك وأصفق لك وكل الناس بتبص في تفاصيلك.. سميها بقى زي ما تحبي، دقة قديمة أو رجعي حتى.. بس أنا يوم ما حبيتك كنت راضي بلبسك الرجولي لمجرد إنك مختلفة عن باقي البنات وجسمك مش ملك عين أي حد، لكن ما تحاوليش تاني مرة تختبري صبري في نقطة زي دي."
في تلك اللحظة أفلت ذراعها بقوة جعلت جسدها يميل للأمام قليلًا وبنبرة حانقة استكمل:
"يا إما تخلعي القرف دا أو تقفلي النيلة دي أو تعتبري نفسك من النهاردا زي أي واحدة وأنا أرجع بيتي وكفاية مرمطة عشانك."
ابتعلت فداء ريقها بصعوبة. ثبت بصره أمام مقلتي عينيها مباشرة ينتظر ردها لتقول هي بنبرة بالكاد تسمع:
"طيب، هقفلهــا."
آسر بحدة:
"يالا غوري."
سال الدمع في عينيها لتتشنج قسمات وجهها مردفة بحنق:
"ما تقوليش غوري لو سمحت!!!"
اتجه آسر ببصره إلى هذا الضيف الثقيل على قلبه ليجابهها قائلًا وهو يقبض على ياقة السلوبيت:
"ثم إيه اللي عاجبك فيه يعني.. لو هو مُعيد فـ أنا عايد أكتر منه.. ولا نسيتي الـ سنين اللي قضيتها في تجارة."
افتر ثغرها عن ابتسامة هادئة رغمًا عنها ليُبعد قبضته عنها وبنظرة حانية أردف:
"يالا يا بـــلاء.. أقفلي الحمالة.. وبطلي مشاكسة.. يعني مافيش داعي تختبري صبري لأني لو جيت للحق بغير من أبوكِ ذات نفسه."
فداء وهي تضربه في صدره بخفة:
"إنت على فكرة.. زعلك وحش وخوفتني."
أسرع آسر بالإقتراب منها ومن ثم سرق قبلة سريعة على وجنتها قائلًا بهيام:
"يخربيتك وإنتِ أنثى بتبقي أحلى من سنين عمري كلها.. بس أنا بحبك أكتر وانتِ بلدي ومعفنة.. يعني الحب العنيف واللي فيه دم بيبقى له مذاق خاص."
فداء وهي تفغر فاهها وترفع شفتها السفلى قليلًا وكأنها تستفهم منه دون أن تنبس ببنت شفةٍ ليوميء برأسه إيجابًا مستأنفـًا:
"أه حب دموي.. اللي هو إزاي.. يعني مثلًا يوم ما إنتِ تضطريني أغير عليكِ فـ أتعصب زي دلوقتي.. أقوم عامل إيه بقى؟"
فداء بتوجس:
"إيه؟"
آسر بلهجة ثابتة وواثقة:
"أمسك صوابعك أقطعها بالساطور وأقيم عليكِ الحد وأسيب الصوباع اللي فيه الدبلة بس يا حُب عمري، عشان الناس تكون عارفة إنك ملكي لما ما تلاقيش أي صوابع غير الصوباع اللي فيه الدبلة بس."
فداء بنبرة متلعثمة:
"هتقطع صوابعاتي؟ إنت إيه السلام الداخلي اللي في كلامك دا؟"
آسر بلهجة صارخة:
"بت، إنجري عدلي لبسك دا جوا."
في تلك اللحظة سمعت صوت حُسنية وهي تهتف منادية على والدها في تعجل. قطبت ما بين حاجبيها ثم اتجهت خلف والدها الذي دلّف داخل القصر ملبيًا لنداء حُسنية.
توترت عنود قليلًا وهي تقف أمام الدرج بفستانها الراقي. هتف والدها وهو يتجه إليها بفرحة:
"وصلك رسالة من مسؤولين العرض؟"
عنود بإبتسامة خفيفة:
"أيوة يا بـابا بس في حاجة."
فداء بقلق:
"مالك يا عنود؟"
عضت عنود على شفتيها بخوفٍ فهي تعلم موقف والدها مما ستقوله لتفرك كفيها بقلق قائلة:
"التذكرة اتحجزت وهتوصل للشركة في خلال يومين بس مدة العرض والإقامة في الفندق أسبوعين مش يوم يا بــابا!!!"
وضعت بيسان يدها على فمها في دهشة وشُغف فهي الأخرى تعلم موقف والدها تجاه السفر للخارج دون وجوده. تجهمت معالم وجهه ثم أردف بنبرة متضايقة:
"إزاي أسبوعين!! إنتِ عاوزة تسافري بلد تانية لـ مدة أسبوعين؟ إنتِ عارفه موقفي تجاه أي حاجة فيها مسافات.. أما وجودكم هنا أخدته بعد قرار وتفكير وعلشان دا بيت أخويا وهكون متطمن عليكم.. لكن إنتِ رايحة بلد غريب مافيهوش حد نعرفه ولوحدك كمان."
عنود وقد أوشكت نبرتها على البكاء:
"بس انت أكيد يا بـابا مش هتضيع حلمي عشان أسبوعين سفر!!"
قصي متداخلاً بنبرة ثابتة:
"الحل عندي.. نتجوز أنا وهي ونعتبرهم أسبوعين شهر عسل وهي تحقق حلمها وإنت ما تكونش خايف عليها يا عمي!!!"
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم عليا شعبان
جحظت الأعين ولاحت جميعها إليه، بين مصدوم وراضٍ ومن هو مدرك لأسباب قبوله بصفقة كهذه. افتر ثغر فداء عن ابتسامة ذات مغزى، فهي تعلم تمامًا بأن "قُصي" يقتنص فرصة كهذه لإبقائها إلى جواره، وفي كل مرة يزداد إعجابها بشخصه وإصراره.
قطب سالم تقطيبة مُندهشة وهو يهتف باستفسار:
_ تتجوزها علشان السفر! وتتحسب عليها جوازة؟
قُصي عجل بالنفي مضيفًا:
لا يا عمي، إنت فهمتني غلط. أنا عاوز أتجوز عنود وتبقى مراتي ونعيش سوا الباقي من عمرنا، يعني مافيش طلاق أو أي إساءة لحضرتك.
وفي هذه اللحظة هتفت عنود بنبرة جزوعة:
_ جواز إيه يا مجنون إنت؟ ومين قالك إني عاوزة أتجوزك!
ومن ثم استأنفت حديثها وهي تتجه به إلى والدها:
_ لو سمحت يا بابا، الموضوع مش مستاهل كل اللي بيحصل ده.
فداء، وهي تتجه نحو شقيقتها التي تصلبت دموعها في محجريهما، استغربت من حال والدها وكيف استبد برأيه ولم يلتفت لوخزات قلبها. قامت فداء باحتضانها ومن ثم أردفت بحنو:
_ عنود اهدي. بابا مش قاصده يدمر أحلامك حبيبتي. ما إنتِ عارفة إن ده موقفه من زمان.
سالم وهو يقترب من ابنتيه مردفًا بحنو:
_ أنا مش ضد أحلامك يا بنتي، بس أنا قلبي ما يطاوعنيش تخرجي برا مصر لوحدك وتروحي بلد ما تعرفيش فيها حد. والأهم إنك لو كسبتي العرض وجالك عقود عمل خارج القطر العربي، احتمال تنسي إن ليكِ أهل. أسف يا بنتي، أنا مش ناوي أخاطر بيكِ.
قُصي وهو يهتف بنبرة ثابتة واضعًا كفيه في جيبي بنطاله:
_ قولت إيه يا عمي في كلامي؟
لم يحفل بنظراتها التي صوبتها إليه مُستنكرة، وقد ثارت نفسها تكاد تصوب نيران أنفاسها المُلتهبة نحوه. فيما أردف سالم وهو يتجه بخطواته صوب مسار غرفته:
_ القرار في الموضوع ده راجع لها يا بني.
نكست عنود ذقنها يائسةً تندب حظها العنيد والذي يشبه صاحبته. ابتلعت غصة في حلقها وهي تنظر إلى قُصي الذي ارتأى خروجه إلى باحة القصر فضلًا عن البقاء. لتجد آسر يُردف بنبرة ثابتة:
_ عمي سالم أدرى بشخصيتك أكتر منك يا آنسة عنود، وقُصي بيحاول يقف جنبك في كل لحظة. قُصي راجل جدًا وواضح إنه بيحبك.
عنود بنبرة مُتحشرجة:
_ بس أنا مش قادرة أحبه. مش هعرف؟
ضيق آسر عينيه في حالة توجس ليصل إلى أذنيه صوت أنين خافت. التفت إلى مصدره ليجد "بيسان" تجلس إلى إحدى درجات السلم بعدما استمعت إلى حديث والدها ويُجاورها يامن الذي احتضنها. تنهد آسر تنهيدة ممدودة بعمق، وكأنهن مسؤولية جديدة يرغب بصونها. جاب ببصره بين الثلاثة حيث اتخذن أماكن متفرقة من البهو وعلامات الهم سيطرت على ملامحهن. أحس برغبة في مؤازرتهن والوصول إلى حل في أقرب وقت، ولكنه يرى أنها ستكون في مأمن إلى جوار ذاك الذي يعشقها.
تنحنح آسر قليلًا وبنبرة ثابتة أردف:
_ طيب خلونا نكمل البروفة. وبعدين نشوف حل؟
تكلمت عنود من وسط شهقاتها وهي تضع وجهها بين كفيها:
_ بروفة إيه بقى، ما خلاص كل حاجة راحت.
أحس آسر بوادر انكسار في نبرة صوتها الواهية ليقترب منها ومن ثم مد ذراعه إليها مردفًا بهدوء:
_ هاتي إيدك. يلا نكمل البروفة لنهايتها وربنا مدبر الأمور. وكل حاجة هتمري بيها من اللحظة دي تأكدي إنها خير ليكِ، حتى قُصي لما خاف على حلمك يضيع فحب تكمليه وانتِ جنبه. ما يغركيش أنه متماسك طول الوقت. حاولي بس تقدري أنه حبك وعاوز علاقة رسمية بينكم حتى لو ما كانش فيه عرض من الأساس.
نحت ببصرها إلى ذراعه الممدود لها وقد أحست لوهلة بأنها ارتكبت ذنبًا فادحًا في حقه، فلشد ما كان سروره في القرب منها، فجعلت هذه المضغة بين ضلوعه أشد البلاد خرابًا جراء رفضها له طيلة الوقت.
مدت عنود ذراعها حتى وضعت راحتها عليه لتستقيم واقفة في مكانها. تهللت أسارير وجه الأخرى وهي تجده يحتوي بأس شقيقتها بمرونة ورزانة. كم تمنت بأن يرزقهن الله بشقيق يحتوي ضعفهن ويشدد عليه. لمست شعور الحب والانتماء في نبرة صوته الدافئة لتتنحنح قليلًا وبنبرة حانية أردفت:
_ آسر معاه حق يا عنود، يلا حبيبتي خلينا نكمل اللي بدأنا فيه.
يامن متداخلاً بنبرة مازحة:
_ يا جماعة حد يشوف الحجة دي، بتعيط وتمسح مناخيرها في التي شيرت.
افتر ثغر الجميع عن ابتسامة خفيفة وقد نجح يامن في تلطيف الجو بكلمات خفيفة. تنهدت عنود تنهيدة طويلة بعد أن نأت الدموع عن وجنتيها وبنبرة خافتة قالت:
_ تمام. يلا نكمل البروفة.
اتجه الجميع إلى حديقة القصر. اشتعلت الأضواء وقد امتلأت حديقة القصر بسيدات البلدة اللواتي اشتركن في إنهاء التصاميم بعدما تناول الجميع هذا الثريد الذي نال إعجابهم وقامت حسنيه بطهيه. كان يقف في زاوية من الحديقة وقد أشعل سيجارته بعود ثقاب وراح ينفث دخانها بشراهة وضيق لم يتحمل إخفاقه في حب جديد. هل العيب فيه أم أنهن لا يفهممن ما ينغرز في خلجات نفسه من آهات الماضي ومواجعه؟ وجدها في هذه اللحظة تقف في منطقة العرض، ثبت نظره بها ولم يستطع أن ينحيه عنها، فحبه لها يفضحه على كل حال. حار في أمره ولم يعد يدري ما ينبغي فعله ولكنه آثر الصمت لحين الانتهاء من هذا العرض الثانوي.
على صوت صفير مصطفى وهو ينظر إلى ثوبها الآخاذ ليصفق بكفيه وهو يهتف بإعجاب جم:
_ أييه الحلاوة دي يا ست عنجودة؟ جمر 14.
افتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة ومن ثم أردفت بنبرة هادئة:
_ فداء هتوزع على كل واحد وواحدة ورقة وقلم وكل فستان هلبسه تقيموه من عشرة، تمام؟
وقفت تعرض الفستان أمامهم في شيء من الثبات، تروح وتجيء في انتظار تقييماتهم بشأن النموذج الذي ترتديه. تنحنح مصطفى لوهلة حيث رغب بشدة في الجلوس وسط السيدات ليبقوا إلى جوار صديقته ومن ثم تابع وهو يتحدث إلى فداء التي تدون شيئًا في ورقتها قائلًا:
_ هو إنتِ بتكتبي إيه بجا؟ غششيني أي سؤال؟
قطبت فداء ما بين حاجبيها وبنبرة هادئة ردت:
_ هو إحنا في امتحان يا مصطفى؟ صوت للفستان عشان التصميم ينجح.
مصطفى بتوجس ونبرة بلهاء:
_ وهو أنا لو صوت الفستان يكسب!
فداء وهي توميء برأسها إيجابًا ولم تتخيل قط ما يدور في رأسه هذه المرة فقد فهم معنى كلمة "تصويت" بشكل خاطئ، وهنا قام برفع صوته عاليًا وهو يصرخ:
_ يالهوووووي! ياختااااااي!
وهنا التفت إلى فداء التي فغرت فاهها وهي تنظر له ليقول بتساؤل وثقة:
_ أصوت تاني ولا كفاية كده! ها كسب؟
جمال وهو يطلق قهقهة عالية مرددًا:
_ كتر ألف خيرك يا تيفا. صوتك كفا ووفا يا حبيبي ومبروك الفستان كسب.
عم الابتهاج الحفل الصغير وصوت القهقهات يعلو في المكان. قرر قُصي الانضمام إلى هذا الجمع ليقترب صوب دائرة الرجال ويجلس إلى جوار والده. وفي تلك اللحظة أردفت عنود بنبرة متوترة قليلًا:
_ تصويت أول فستان من عشرة!
الجميع في نفس واحد:
_ عشرة.
أومأت عنود برأسها إيجابًا لتتجه من جديد داخل القصر حتى ترتدي نموذجًا آخر لعرضه، وهنا أردف "سمير" بابتسامة هادئة وهو يتوجه بحديثه إلى سالم العامري:
_ ما شاء الله يا عمي أنا مبهور بتربية حضرتك حقيقي. كل آنسة منهم وفيها حاجة مميزة، ثقافة ونجاح وجمال.
باغته قُصي مرددًا بنبرة حانقة وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
_ جمال؟ كلم يا حج بينادي عليك.
افتر ثغر آسر عن ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه رغم الانفجار العظيم الذي أوشك على مداهمة ثغره مقهقها ولكنه تماسك بشيء من الحزم. وهنا مال يامن إلى أذن آسر وراح يهمس بترقب:
_ ماله قُصي قرفان من الراجل ليه؟
أردف آسر بنبرة خافتة يشوبها القليل من الخبث:
_ شكل المعيد ده بيخطط يناسب الحاج سُلم وتقريبًا هيناسبه في بيسان.
عاد يامن برأسه للخلف قليلًا وقد تقلصت خلجات وجهه بنفور ليحدق بذاك الجالس إلى جوار جمال الدمنهوري وما كادت نظراته الناقمة توجه لعناتها إليه حتى وجده يردف بنبرة متسائلة:
_ بس حضرتك قلت إنهم ثلاثة توأم، فين التالتة بقى؟
يامن بلهجة صارمة وهو يصر على أسنانه غيظًا:
_ التالتة ما بتتكشفش على رجالة ومنورنا ويا بخت من زار وخفف.
في تلك اللحظة جاءت "بيسان" إليهم وبنبرة رقيقة أردفت:
_ بابي ممكن تـ...
هب يامن في مكانه واقفًا ليقطع حديثها قائلًا وهو يجذب ذراعها مبتعدين:
_ لا مش ممكن وتعالي معايا.
حاول سالم مليًا الالتزام بالصمت ولكن أرغمه حديث يامن إلى إطلاق ضحكة خفيفة، فبرغم فارق العمر إلا أنه يظل يفهم من أمور الشباب ما لا يفهمه غيره. فقد لاحظ ماذا يرغب كل واحد منهم، وهو على دراية ودراسة بشغف قُصي بابنته، وعشق فداء لصرامة آسر وسعادة بيسان لاحتواء يامن لها. جاب ببصره بين الثلاثة يقرأ أفكارهم. فكم تمنى أن يرى صغيراته في ثوب زفافهن بعد أن يعشن من الحب ما يجعلهن يتقبلن عيب أنصافهن الأخرى دون تذمر وأن لا يكن مجبرات على الزواج حتى يخرجن من تصنيف عانسات أو ما شابه.
عادت عنود إلى باحة العرض بفستانها الجديد والذي يقصر طوله قليلًا عن المعتاد لها. استقبلها الجميع بحماس شديد إلا هو فقد أظهر جزعًا لا حد له، وخاصةً عندما تابع سمير بإعجاب ملحوظ وهو يتفحص الثوب على جسدها:
_ ده مميز جدًا. وتقريبًا لما لبسته بقى أحلى.
نفخ قُصي شدقه وراح يمسح على وجهه بنفاذ صبر. وهنا التفت إلى مصدر صوتها وهي تردف بترقب:
_ كام؟
قُصي ببرود:
_ صفر على عشرة.
لوت عنود شدقها وهي ترمقه بنظرة حانقة. أسرعت فداء بتخفيف حدة صراعهما الذي سيبدأ إن لم يتدخل أحد لتقول بهدوء وافر:
_ آراء طبعًا يا عنقودتي، أنا بصراحة شيفاه يستاهل فوق العشرة.
الجميع في نفس واحد:
_ عشرة.
رمقتهُ عنود بنظرة مطولة من بروده تجاهها واستخفافه بمجهودها دون داعٍ. أسرعت بالدلوف إلى القصر وهي تبتلع إهانته على مضض. انتصب واقفًا على الأثر ومن ثم سار بخطواته إلى داخل القصر وقد تأججت النيران داخل قلبه. وما أن وصل إلى حجرتها حتى طرق بقوة على بابها وبنبرة حازمة أردف:
_ عنـــود؟
أسرعت عنود بفتح الباب بتوجس وخيفة من نبرته الحادة وما أن وجدت علامات الغضب تغطي سائر وجهه حتى أردفت بقوة واهية:
_ خير، لسه في حاجة تاني عاوز تقولها؟
أسرع قُصي بالقبض على ذراعها بشراسة ليدفعها للداخل وبنبرة جامدة هتف:
_ أنا من رأيي كفاية عرضك لتصميمين ونلم الدور بقى.
عنود وهي تحاول التملص من قبضته مردفة بنبرة صارخة:
_ أيه اللي نلم الدور وما نلمش؟ ثم إنك بتدخل ليه؟ بتستخف بمجهودي قدام الناس خلاص مافيش إحساس بتعبي!
قُصي وقد افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة قائلًا:
_ إنتِ آخر واحدة تتكلمي عن الإحساس يا عنود هانم. ولو كنت موافق على طولة لسانك فدا بشوقي. ومن النهاردا كل كلمة هتقوليها بحساب.
عنود وهي تجابهه بتحدٍ:
_ إنت فاكر بطريقتك دي هتخليني أوافق على جوازي منك؟ لما بتتحكم فيا من دلوقتي تخيل بقى لو وافقت على حاجة تربطنا ببعض وغلطت في مرة. مش بعيد تضربني لأنك شخص متسلط وقاسي في التعامل والنقاش.
أحس قُصي بخطأ ما ارتكبه لتوه، ليحرر معصمها من بين قبضته وهو يرى علامات غضبه منها تخط بقسوة على معصمها الصغير. تنشق الهواء داخله قليلًا وبنبرة قد خفف من حدتها أردف:
_ أنا لا هقتل حلمك ولا رجولتي تسمح لي أضرب واحدة ست غريبة عني حتى. ولو فعلًا متسلط ما كنت أول واحد دورت على طريقة نقف بيها على رجلنا تاني وخصوصًا إنك عارفة إن شغل الشركة بالنسبة لي تضييع وقت وكان سهل أقول "وانا مالي". حلو إن كل واحد فينا يكون عنده حلم متمسك بيه. بس هواجس الأحلام بتقتل حاجات كتير حلوة كان بإيدك تعيشيها. للعلم أنا حبيتك بشخصيتك العملية وطموحك وكل تفصيلة حسيتها فيكِ فمافيش سبب يخليني أدوس على كل ده بمجرد ما أضمنك ليّا. مش قُصي الدمنهوري اللي ياكل حق ست أو يستغل ضعفها علشان يقول للناس إنه قوي.
أنهى حديثه الحازم لها. استدار يوليها ظهره وراح يخطو خطوتين صوب الباب. وقبل أن يتجاوز عتبته التفت لها قائلًا بثبات:
_ أنسي إني طلبت تكوني ليّا في يوم، وأنا هعمل بأصلي وأقنع والدك بالسفر وأهي محاولة. ودا طبعًا ما يمنعش إنك مش هتعرضي تصاميم تاني لأن الحاج جمال ربنا يسامحه عازم واحد مش راحمك فحص ومحص وشغل رخيص. ياريت نبقى اتفقنا على النقطة دي.
أسرع بالدلوف خارج الغرفة وسط نظراتها الثاقبة به ومن ثم صفق الباب خلفه. كانت ترمقه بنظرة مستنكرة. انتفض جسدها وهو يصفع الباب خلفه بحدة وما أن تذكرت حديثه حتى افتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة وسرعان ما تبدل حالها وهي تهتف بنبرة طفولية باكية تتحدث إلى نفسها:
_ إنتِ بتضحكي على إيه يا نيلة؟ مبسوطة بكلامه. تعالي يا ماما. شوفي بابا بيعمل إيه في الأمانة بتاعتك.
انصاعت عنود للأوامر الصادرة منه وانفض الحفل على الأثر. وقف الثلاثة على باب القصر بصحبة جمال يودع ضيفه. قام الضيف بمصافحة قُصي الذي ضغط على كفه بأقصى قوة له وبنبرة ثابتة أردف:
_ نورتنا.
أحس سمير بثقل قبضته، لينتشل كفه سريعًا دون أن يصدر أي نوع من التأوه. ليمد كفه إلى آسر الذي شدد عليه بقوة لا تختلف عن قبضة الآخر ليتابع سمير بتنحنح:
_ في إيه يا شباب؟ إنتوا بتسلموا بحرارة أوي ما شاء الله.
آسر ببرود:
_ شرفتنا.
التقط (يامن) كفه وأخذ يرفع وينزله حتى أرهق ذراعه وبنبرة ساخرة:
_ زي ما قالوا لك الشباب. نورتنا وشرفتنا ويا بخت من زار وخفف.
رجع الهدوء يسود المكان من جديد. تنهد قُصي بعمق ومن ثم تابع بإرهاق:
_ أنا طالع أنام. تصبحوا على خير يا شباب.
الجميع في آن واحد:
_ وانت بخير.
اتجه قُصي إلى داخل القصر وكذلك جمال ليأخذا قسطًا من الراحة بعد هذا اليوم الشاق. اشتد الهواء قليلًا وقد تراقصت نسمات الهواء العليلة بين أروقة المكان ليهتف مصطفى بمرح:
_ أنا مجهز لكم مفاجأة حلوة جوي.
فداء بتوجس:
_ أستر يارب؟
سار مصطفى بخطواته السريعة خلف أحد جدران القصر ومن ثم عاد من جديد وهو يحمل أعوادًا من القصب هاتفًا بسعادة:
_ جبتلكم قصب عشان نكمل حفلتنا.
بيسان بسعادة:
_ الله! أنا بحبه أوي يا مصطفى. فاكرة يا فيدو لما كنتِ بتقشريه ليّا عشان مش بعرف؟
فداء بسعادة غامرة:
_ واو! تصدق أول مرة تعمل حاجة حلوة في حياتك ياض يا درش!
أسرعت فداء بتناول أعواد القصب منه ومن ثم جلست القرفصاء أرضًا وبهمة ونشاط بدأت في تقشيره بأسنانها وسط دهشة آسر الذي تابع بابتسامة عريضة:
_ إنتِ مش كنتِ مفرهدة من التعب دلوقتي؟
فداء وهي ترفع كتفيها للأعلى ثم تنزلهما علامة الاستسلام:
_ يؤ. بحبه يا ماسورتي. اقعد إنت كمان يلا.
افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة ليجلس إلى جوارها بعد أن تناول عودًا آخر. وهنا هتفت بيسان وهي تنضم إليهم أيضًا:
_ وأنا وأنا وأنا.
يامن بعد أن لحق بها قائلًا بحنو:
_ هاتي، أقشر لك أنا.
جلس الخمسة في دائرة. ساد الصمت والشرود في أجواء هذه الليلة المكدسة بالأحداث وخوفهم من أن يروح تعبهم هدرًا لتقول فداء بنبرة مترقبة:
_ تفتكروا نقنع بابا إزاي، بدون ضغط على عنود؟
في تلك اللحظة رفع مصطفى العود إلى فمه ليصطدم بجبهة فداء التي صرخت في تأوه:
_ آآه. يا بغل خبطتني!
مصطفى بضحكة خفيفة:
_ أنا آسف يا أحمريكا كُنتِ بتجولي إيه بجا؟
فداء وهي تكرر طرح سؤالها:
_ عاوزين نقنع بابا بسفر عنود بدون ما نجبرها على حاجة مش عاوزاها.
قام مصطفى بتناول قطعة صغيرة يعتصرها في فمه ليردف بنبرة هادئة:
_ وليه ما تتجوزش قُصي بيه، دا بنات البلد كلها عايموتوا في دباديبه لما بمشي جنبه في الشارع. بحسهم هيتجوزوه وهم واقفين و...
توقف عن استكمال حديثه لوهلة ثم وضع أنامله أسفل ذقنه مردفًا بشرود وهو يتوجه بحديثه إلى فداء:
_ هو ينفع حرمة تطلب إيد راجل؟
آسر بابتسامة ساخرة:
_ لا يا حبيبي الحالات اللي زي دي استثنا. بيطلبوا رجلينا.
قطب مصطفى ما بين حاجبيه قائلًا بنبرة متحيرة:
_ واشمعنى الرجلين؟
آسر بقهقهة خفيفة:
_ في العادي إحنا بنطلب إيد البنت عشان هي اللي بتطبخ والبنات بيطلبوا رجل الراجل عشان هو اللي بيشيل يوم الفرح الأوزان الثقيلة دي.
أومأ مصطفى برأسه متفهمًا ليرفع العود إلى فمه من جديد ليضرب آخر العود في عينها وهنا صرخت فداء بغيظ:
_ عيني يا بغل!
بيسان بضحكة رقيقة:
_ يا مصطفى أقسمه على كذا جزء عشان كده كبير أوي وعامل أزمة.
أنهت حديثها لتجد يامن يضع قطعة صغيرة في فمها وبنبرة ضاحكة تابع:
_ يا حبيبتي الإتيكيت ده ليكي إنتِ أما إحنا رجالة بناكل أي حاجة وبأي طريقة.
فداء بغيظ:
_ يا جماعة ركزوا في الموضوع الرئيسي. دلوقتي عنود مش عاوزة تتجوز قُصي. نعمل إيه؟
يامن بتساؤل:
_ ما هو مافيش أمل في خالي ولا حتى واحد بالمية.
مصطفى بهتاف:
_ أنا عندي حل، بس اصبروا أكل العجلة دي.
همّ مصطفى أن يرفع العود إلى فمه ليسرع آسر بإحناء رأسها على الفور ومن ثم جذبها حتى جلست إلى جواره قائلًا:
_ اقعدي جنبي ليعملك عاهة. ده بيفهم من عشر مرات وأنا ماليش خُلق.
توقف عن حديثه على الفور ومن ثم التفت بتوجس إلى مصدر هذا الشخير العال ليتبادلا نظرات مصدومة. وراحت فداء تهتف بصدمة ضاحكة:
_ مصطفى! إنت نمت؟
رواية جميلتي الصهباء الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم عليا شعبان
انتصب آسر واقفًا ما أن مال جسد مصطفى إلى شقه الأيمن.
أطلق قهقهة خفيفة حيث أنه يصدر سيمفونية تليق بحجم جسده وتكدس الطعام على أنفاسه.
ومــا أن إقترب منه حتى أردف بنبرة خافتة وهو يضرب خدهُ برفق:
_ مصطفى يا حبيبي؟! .. يالا نام في الأوضة بتاعتك عندك كيلاس بُكرا ؟!! .. دا باين عليه مغيبب؟
فداء بخضة وهي تشهق عاليًا بنبرة مُشفقة:
_ ليكون الأكل كتم على نفسه ومات ؟؟
ضيق آسر عينيه في نفاذ صبرٍ ليردف بنبرة هادئة:
_ وبالنسبة للشخير دا، ما لفتش إنتباهك خالص.
ومن ثم استأنف متوجهًا بحديثه إلى يامن:
_ تعالى يا عم شيل معايــا الكائن الشتوي دا!
جحظت عيناي يامن وهو يجوب ببصره بين الإثنين وبنبرة مشدوهة أردف:
_ أشيل مين ؟؟ .. ما تصلي على النبي وتغزي الشيطان كدا!!
آسر بإبتسامة عريضة:
_ إنت هتشيل رجل وإيد وانا رجل وإيد وندخله جوا.. وعلشان بردو الحمولة ما تبقاش تقيله.
رمقــهُ يامن بنظرة ثاقبة ومن ثم تحول ببصره إلى مُصطفى الذي غط في سُبات عميق وسقط من بينهم فجأة ودون سابق إنذار ليردف على مضض:
_ أستر يارب .. دا انا لسه ما دخلتش دُنيا.
إنصاع يامن لـ رغبة “آسر” في حمله ليتجه بخُطوات مُذبذبة إليهما. قام برفع ذراع مُصطفى الأيمن وكذلك قدمه ليفعل آسر نفس الشيء وهنا أردف يامن وهو يهتف بنبرة مُتحشرجة بالكاد تخرج تفاصيلها من حلقه:
_ أيه يا عم كُل الفخدة دي، دا ناقص له كيلو كمان ويبقى شبه التِنين المُجنح.
ضاق آسر ذرعًا في هذه اللحظة. رمقتهُ فداء بقلقٍ وفزعٍ وهي تجد لون وجهه قد استحال إلى الإحمرار القانٍ لتهتف هلعًا:
_ آسر، إنت كويس؟؟
آسر وهو يردف بنبرة مكروبة:
_ تقريبًا كدا جالي شد عضل.
ومـــا أن أنهى جُملته حتى سمعوا صوت مُصطفى الذي فتح عينيه واسعـًا وراح يقول بسعادة لا مثيل لها:
_ حلوة جوي المُرچيحة ديه، دا الواحد فرحان ولا مرچيح المولد.
تبــادل الأربعة نظرات مصدومة. لم تتحمل بيسان رؤية ملامحهم الحانقة عليه أكثر من هذا لتُطلق قهقهة عالية أُنثوية. إحتقن وجه يامن بالدمـــاء ليتبادل هو وآسر نظرات ذات مغزى وفجأة تركوه لسيقط أرضًا مُجددًا. لم ينتبها لكفيه القابضتين على تلابيبهما ليختل توازنهمــا ومن ثم يسقطا إلى جواره على الفور.
مُصطفى بفرحة عارمة وهو يُصفق بكفيه:
_ إنتوا وجعتوا!!، يالا أهي شدة وتزول.
إنفرطت أسارير وجه الفتيات ضحكًا. ليضع آسر كفه أسفل فقرات ظهره مُرددًا بتأوه مكتوم:
_ الله يخربيت معرفتك يا مُصطفى، عضمي إتدشدش.
فرد يامن جسده كاملًا على الأرض ليرمي ذراعيه جانبًا وبدأ يتنفس بصعوبة قائلًا:
_ أنا بقيت مُنتهي الصلاحية خلاص، أنا دكتور عظام وبقيت عاجــز ومحتاج اللي يعالجني، باب النجار مخلع .. دا مش مخلع دا مُنهااااار.
هرعت بيسان إليه وقد افتر ثغرها عن إبتسامة عريضة لتردف بنبرة هادئة:
_ قوم حبيبي ندخل جوا.
يامن بتأوه عال:
_ أنا قولت لابن آيوب المُخاطرة في الحاجات دي مش صحية.. والتاني مُنشكح ولا كأنه عمل حاجة ابن الهبلة.
مُصطفى وقد ظهرت علامات الإمتعاض على وجهه ليردف بنبرة مُستنكرة:
_ يعني مش هنكمل اللعبة؟؟
فداء وهي تتجه إلى آسر تعاونه على النهوض ليردف بنبرة حانقة:
_ سكتي البغل دا وإلا قسمـًا بالله هلعب له بالماطوه في وشه.
استند آسر على ساعد فداء ليتجهان إلى داخل القصر ويلحق بهمـا يامن وبيسان فيما هتف مُصطفى بنبرة حزينة:
_ هو انا مش هتچوز بجا؟؟ .. يمكن علشان انا حلو بزيادة وحلاوتي تموع!!
“على الجانب الآخر”
داخل القصــر..
_ يالا يا بنات تصبحوا على خير.
أردف يامن بتلك الكلمات وهو يتجه صوب باب غرفته القابعة بالدور الأرضي وكذلك فعل آسر. فيمـا إلتفتت فداء إلى شقيقتها ثم رددت بهدوء:
_ تعالي نتطمن على عنود.
داهمـــت الفتايات درجات السلم صُعودًا ومـا أن وصلن إلى أخره حتى وجدن شقيقتهن الثالثة تترجل خارج غرفتهــا وتسير بالممر صوب الغرفة التي يقبع بها والدهن.
تبادل الإنثنتـان نظرات تساؤلية ومن ثم إتجهن إليها على الأثر. طرقت عنود على باب غرفة والدها عدة طرقات خفيفة ليأتيهــا صوته آذنًا لها بالدخول. سارت عنود بخُطى وئيدة إلى الداخل لتجده يتكأ على وسادته يقرأ الأخبار بالجريدة. تنحنحت عنود قليلًا حتى جلست إلى طرف الفراش بينما وضع ما في يدهُ جانبًا لتقول هي بخفوت:
_ موافقة.
_ على أيه؟؟
ألقت شقيقاتها هذه الكلمات بشكل مصدوم ما أن دلفن إلى غرفة والدهن يستتبعن خُطواتها. إلتفتت عنود ببصرها إليهن ليفتر ثغرها عن إبتسامة واهية ومن ثم عادت تنظُر إلى والدها لتردف بثبات:
_ موافقة أتجوز قُصي.
أسرعت الفتايات بالجلوس إلى جوارهما في حالة من الترقُب. مد سالم كفه ليربت على كفها في حنو بالـــغ مردفًا:
_ أسمعيني يا عنود، أنا مش أب قاسي.. كُل الحكاية إني عاوز أصون أمانة حبيبتي علشان لما نتقايل ما أبقاش مكسوف وهي بتسألني عنكم. بصراحة بقى عنادك وجديتك طول الوقت واخدين من شبابك كتير.. أنا دايمًا أقولكم الانسان من غير طمـوح كأنه من غير مأوى وعُمري ما كسرت حلم حد فيكم ولا حرمتكم من حاجة بتحبوها. بس لازم على الأقل تغفروا ليّ ذلات خوفي عليكم، أستحملوا الراجل الكبير دا.. اللي عايش ومكمل بفضل ربنا ثم انتم. أنا من غيركم وحيد وبيكم كأني أغنى حد في الدُنيا.
أسرعت بيسان بإلقاء نفسها بين أحضان والدها فمُنذ صغرها وهي لا تطيق الحديث عن غيابه عنهن لأنها أكثرهن تعلقًا به. قبلت كتف والدها قُبلة طويلة وراحت تردد بنبرة يغلب عليها علامات البُكـــاء:
_ ربنا يحفظك لينا يا بابي.
إقتربت “فداء” منه أيضًا لترفع كفه إلى فمها ثم تُقبله بحنو جارف ومن ثم تُلقي برأسها على كتفه:
_ إنت طول عُمرك ونعم السند يا سُلــم، ملاك مبسوطة منك.. ما تقلقش.
جــال الدمعُ في عيناي عنود التي ثبتت نظرها في مُقلتيه مُباشرة وبنبرة مُتحشرجة تابعت:
_ كان بإيدك تيجي معايا انت يا بــابا وتأجل شغلك لـ فترة، وكان من الممكن إن يامن يحجز تذكرة ويسافر معايا. بابا إنت عاوزني أتجوز قُصي أصلًا.. الموضوع مش موضوع سفـر!!
افتر ثغر سالم عن إبتسامة هادئة وهو يرمقها بنظرة دافئة بعد أن اومأ برأسه قائلًا:
_ وماله يابنتي؟، عاوز أتطمن عليكِ وأفرح بيكِ..وإحنا هنلاقي زيّ قُصي فين!، راجل بجد وابن حلال وهيصونك.. انا عاوز أكون سلمت كُل واحدة فيكم لـ راجل يعوضها عن وجودي قبل ما أموت.
تحررت قطرات الدموع من عينيها فجأة وقد تخضبت وجنتيها وأنفها بحُمرة لتجهش في البُكاء بنبرة عالية وهنـا أسرع سالم بجذبها من ذراعيها إليه ليحتضنها إلى صدره الأيسر حيث أن الجانب الأخر مُنشغل بضمة بيسان له وهنـا أردف بنبرة حانية وهو يلثم جبينها:
_ حقك عليا يا ست البنات.. أنا هأجل شغلي زيّ ما إنتِ عاوزة.. واللي يريحك هيتعمل.
عنود بشهقة صغيرة:
_ لا يا بــابا.. انا موافقة على جوازي من قُصي.. بس أنا خايفة ما يكونش زيّك يا بــابا..خايفة ما يكونش في حنيتك ولا يحترم طموحي أو مثلًا يوجعني في يوم وبدل ما يصلح ليّ غلطاتي، يعدها عليّا.. خايفة ما يستحملش شخصيتي العصبية والعنيدة، خوفي من الجواز يتلخص في إني مالاقيش فيه _سالم العامـــري_، فاهمني يا بــابا؟!!
سالم وهو يمسح على خصيلاتها المموجة بحنو وراح يُردف بهدوء:
_ وانا أخاف أسلمك لواحد هيعاملك أقل مني علشان كدا إختارت قُصي وانا عارف ومُتأكد مين قُصي؟!.. أطيب قلب ربنا خلقهُ هو بس عنيد زيّ معاليكِ.
فداء بنبرة مرحة:
_ يعني هلبس أختي فستان الفرح وهشيل عيالها؟؟
سالم رافعًا حاجبيه بإستفهــام:
_ ليه هو إنتِ ناوية تلبسي وتشيلي وتقعدي لنا كدا؟، دا حتى آسر ابن حلال!!
كانت واضعة رأسها على كتفه. جحظت عيناها فجأة. إبتلعت ريقها بصعوبة ومن ثم رفعت رأسها وهي تنظُر له نظرة ثاقبة لتردف:
_ آسر!!!
سالم بنظرة ثابتة:
_ أيوة آسر، حبيب القلب ولا أيه يا بنت سالم؟
فداء وهي تُلقي برأسها على كتفه في توترِ ونبرة نادمة:
_ والله العظيم كُنت هقولك يا بــابا بس حصلت ظروف خلتني تراجعت، بس إنت عرفت منين؟؟
سالم بإبتسامة حانية:
_ منه،جه قالي كُل حاجة وبصراحة استجدعته.. أنا نظرتي في الناس ما تكذبش.
تراقص قلبها يقفز فرحًا من مكانه فقد أخذ هو هذه الخُطوة قبلهــا. لم تكُن تتوقع هذا ولكنه في كُل مرةٍ يثبت لها بأنه أحق أن تأتمنه على قلبها. قطع شرودها صوت سالم الذي أردف بحزم:
_ يالا كُل واحدة فيكم على أوضتها.
فداء بقهقهة خفيفة:
_ إنت تعرف عننا كدا؟، دا إحنا بننام في سرير واحد ولازم كُل واحدة تُحضن التانية.. وعنود هانم كُل يوم تصحيني من أحلاها نومة علشان تقولي إن العروسة اللي كانت مخيطاها لها عمتو مُنى وحشاها دي كانت دايمًا بتحشرها في النُص بينا مش مُتخيل عنود استحملت تنام من غير العروسة دي إسبوعين إزاي؟؟
سالم بضحكة هادئة:
_ إنتِ هتقولي ليّ عن عادات عنود…
(عــاد سالم بذاكرته لـ ذكريات تجمعه بـ بناته وهذا الموقف بالتحديد،،،)
_ يا بـابي.. قولها تشيل عروستها دي من هنا مش عارفة أنام!!
اردفت فداء بتلك الكلمات وعلامات الإمتعاض بادية على وجهها حيث تجلس عنود بينهن في الفراش وتحتضن دُميتها الكبيرة والتي تأخذ حيزًا لا بأس به فيضيق الفراش على الأُخريات وهنا أردف بيسان بنبرة هادئة للغاية:
_أنا بأنيم عروستي في سريرها علشان أخواتي بس اللي يناموا في حُضني.
جلس سالم بينهن إلى طرف الفراش ومن ثم إبتسم بخفة وراح يُردد بنبرة هادئة مُتجهًا بحديثه إلى عنود:
_ طيب ما سريرك فاضي يا عنقودة، ليه ما تاخديش عروستك وتنامي إنتِ وهي لوحدك.
عنود وهي تمط شفتيها حُزنًا:
_ علشان أنا بحبهم وبحب العروسة، وهي بتزعق ليّ كُل يوم يا بابي ومش بتحبني.
_ لأ، بحبـــك.
هتفت فداء بهذه الكلمة وهي تستنكر حديث شقيقتها، فيما أومأ سالم برأسه نافيـًا ليربت على خصيلاتها بحُب وتوعية:
_ ما حدش هيحبك في الدُنيا دي أد بابي وبيسان وفداء.. انتوا التلاتة مع بعض قوه زيّ قوة الخارقــات بالظبط.. يعني سند لبعض وهتفضلوا تحبوا بعض لأخر العُمر.. ودلوقتي أختاري بين عروستك وإخواتك؟؟
نكست عنود ذقنها قليلًا ومن ثم رددت بنبرة ضاحكة:
_ أخواتي أكيد.
سالم بإبتسامة عذبة:
_ يالا أحضنوا بعض وتاني مرة مش عاوز واحدة تزعل من التانية؟؟
أسرعن بإحتضان بعضهن في دائرة متينة لا يوجد ثغرات في بنيانها فقد تربين على كُل ما هو غال من ركائز وعلاقة حُب صادقة تدوم…
عاد إلى وقته الحاضر وهذه اللحظة أردف بنبرة ثابتة:
_ إستعدوا بكرا للسفر.. علشان بأمر الله نعقد بالليل وتبدأي تجهزي إنتِ وقُصي شُنط السفر لـ دبي.
اومأت عنود برأسها مُتفهمةً رغم ذاك الرُعب الذي دب في سائر أطرافها. ليتجهن سويًا للنوم. إستعدادًا لـ معركة الغد.
——-
” في صباح اليوم التالـــي ،،،
_ ألــف مبروك يا ولدي.. عيشت وشوفتك عريس يا قُصي، ربنا يتممها لك على خير وأشيل عوضك.
أردفت حُسنية بتلك الكلمات وهي تربت على خده برفق فيما إلتقط كفها ليطبع عليه قُبلة حانية. فقد صرف النظر عن ربط اسمهُ بها ولكن أصدقائه قد توليا أمر إقناعه لـ مُدة ساعات متواصلــة إلى أن وافق على مضض ووضع شروطه بأن الزواج سيكون رسميًا بحت وليس مُجرد صفقة لصالحها، فقد أقسم على أن يجعلها تعترف له بحُبها صاغـــرة.
قُصي بضيقِ خفيف:
_ بردو مش عاوزة تيجي معانا وتحضري كتب الكتاب يا مـاما حُسنية؟
حُسنية بنبرة حانية:
_ أكني حَضرته يا ولدي، دعواتي دايمًا ملازماك..وإنتِ يا بنتي خلي بالك منه ووصية مني ليكِ:_ قُصي بيتراضا بسرعة زيّ الأطفال طول ما إنتِ بتحترميه في وقت غضبه وبلاهـا من العِناد!!
وجهت حديثها إلى عنود التي تقف إلى جواره تُنصت إلى هذه السيدة الوقــور في إهتمام وافر. فهي تألف وجهها وتفاصيله الحنونة مُنذ أن جاءت إلى قصر الدمنهوري وهنا أردف جمال بقهقهة خفيفة:
_ أسمعي كلامها يا عنود يا بنتي، دي عندها قُصي فرخة بكِشك.
حُسنية وهي تربت على ظهره بفرحة:
_ مش ابني اللي ربيته وسط ولادي وعيشت معاه كُل مراحل حياته لحد ما بجا زينة الشباب، مستنية على لهفة أشيل عيلك جبل ما أموت.
قُصي بحنو:
_ ربنا يطول في عُمرك يا ست الكُل.
في تلك اللحظة أردف جمال بنبرة ثابتة:
_ القصر أمانة يا ست حُسنية.. هحضر كتب الكتاب والزفة ومن الفجرية هكون هنا.
فداء بنبرة سعيدة:
_ وانا راجعة معاه تاني إن شاء الله.
آسر بنبرة هامسةً لها:
_ ما قولنـــا مُنير يقوم بالموضوع وخلاص!!!
فداء بنفي قاطــع:
_ مش هينفع بجد.
سالم بحسم وهو يُخاطب الجميع:
_ طيب نتوكل إحنا على الله.
وهنــا قطع حديثه صوت مُصطفى وهو يدلف إلى بهو القصرِ وقد قطب ما بين حاجبيه تقطيبة مُريبة وبنبرة مخضوضة أردف وهو يصوب بصره إليها:
_ ست فدااااه!!..إنتِ واخدة هدماتك ورايحة فين؟؟
فداء وهي ترمقه بنظرة هادئة وقد افتر ثغرها عن إبتسامة خفيفة:
_ راجعه بيتي يا مُصطفى.
_ لاااااه.. خليكِ معايـــا.
قال جُملته وهو يهرع إليها ومن ثم جثى على رُكبتيه وراح يلتصق بساقها يحتضنه بين ذراعيه قائلًا بنبرة ثابتة:
_ والله ما سايبك تروحي.. أنا حبيتك جوي ما تسيبينيش.
مــال آسر بجذعه العُلوي قليلًا وراح يهتف بلهجة حازمة:
_ لو مُعجب برجليها، خُدهــا يا درش.
مصطُفى وهو يُخاطب السيد جمال:
_ يا بــا العُمدة..جولها تعيش معايا ومش هخوفها بالديك تاني.
فداء بقهقهة خفيفة:
_ مُصطفى!.. قوم أقف يا بغل.. أنا راجعه بعد يومين تاني ما تقلقش.
مُصطفى بوجه عابس:
_ طالما جولتي بغل يبجا مش زعلانة، طيب خليكِ حدانا وحياة سيدك أبو أبوكِ.
فداء بترقب:
_ أشمعنا أبو أبويـــا؟؟
ألصق وجهه من ساقها وراح يمسح أنفه في بنطالها لتهتف بنبرة غاضبة:
_ يا مُقررررف.. البنطلون فاضله سيكا ويقع وهتفضح!!
مُصطفى مُجاوبًا على سؤالها:
_ علشان چدي أبو أبويا، كان دايمًا يحبني ويديني نايب كبير جوي.
قُصي بلهجة آمره:
_ مُصطفى أسمع الكلام إحنا متأخرين وهي بعد يومين هترجع تاني.
مُصطفى وقد نكس ذقنه يائسًا وهو يُحرر ساقها قائلًا بنبرة حزينة:
_ طيب، إديني سسكار!!
أسرع آسر بجذبها بعيدًا عنه وسط قهقهــات الجميع من تلقائيته الفذّة فيما تابعت فداء بتساؤل وحيّرة:
_ عايز سسكار؟؟ (تذكار)
مُصطفى وما زال جالسـًا أرضًا:
_ إيوه!!
اومأت فداء برأسها في هدوء وقد افتر ثغرها عن إبتسامة عريضة. فبحجم جنانه معها إلا أنها عندما تعود إلى بيتها بشكل نهائي ستفتقده كثيرًا وقطعـًا الجزء الخاص به في حياتها سيُصبح فارغـًا. مدت يدها له بشيء مـا وبنبرة ثابتة أردفت بعد أن أغلقت سحاب شنطة سفرها مُجددًا:
_ أدي يا سيدي السسكار..كوفيه فلسطينية حافظ عليها بقى وبعد يومين لما أرجع عاوزة أشوفك لابسها.
أسرع مُصطفى بإلتقاط الوشــاح في سعادة وإبتهاج ليومي برأسه مُتفهمًا:
_ ماشي.. هتوحشيني جوي.
آسر وهو يرمقهُ بنظرة حانقة ليردف بسخطٍ:
_ ما تقوم تاخدها بالحُضن أحسن؟؟
إستند مُصطفى على ساعده وهمّ بالقيام مُردفًا:
_ أيوة بالحجا.. فكرتني.. إستني أما أحضنك.
آسر بنبرة حانقة:
_ أقعد في مكان ياض يا بغل.
في تلك اللحظة هتــف سالم مردفًا بحيّرة وتساؤل:
_ أمــال فين بيسان ويامن؟؟
يتبع…
رواية جميلتي الصهباء الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم عليا شعبان
الطفلان بداخلنا تتشابك أيديهما فرحًا بما آلت إليه أمورنا، أما خارجنا الكبير هو شخص عنيد يجعل ملامحنا تبدو وكأننا أشد عدوين جمعهما القدر.
—
أدخل يا جمال، نورت القصر.
أردف سالم بتلك الكلمات في حفاوة وهو يدلف بصحبة صديقه داخل القصر.
جاءت منى ما أن سمعت أصواتهما وقد تهللت أسارير وجهها فرحًا فقد انطفأ القصر وساده السكون في غيابهم لتهتف بنبرة سعيدة:
منى: سالم؟ حبيبي وحشتني!
سارت منى بخطواتها إليه ثم احتضنته في حب فهي تظل شقيقته الصغرى وهو بمثابة الأب لها ليردف سالم بنبرة حانية:
سالم: وانتِ كمان يا ست الكل. أمال فين مراد؟
في تلك اللحظة صدح صوت مراد يهتف في جنبات المنزل بسعادة غامرة:
مراد: خالي! وأخيرًا رجعتوا!
***
آسر خليك معانا علشان نزين القصر سوا.
قالتها فداء وهي تقف أمامه كالحمل الوديع ترجوه بنظرات مستجدية وهي تضم كفيها إلى بعضهما فيما أردف آسر بثبات وابتسامة خفيفة:
آسر: مش هاينفع لأني محتاج أغير هدومي وأرتاح شوية قبل ميعاد كتب الكتاب.
استحالت ملامحها إلى الحنق الشديد لتردف بنبرة مغتاظة:
فداء: هي ست نجوى وحشتك ولا إيه؟
آسر وهو يداعب وجنتها بأنامله:
آسر: لا وحشتني بلطجتك بس.
ذمت فداء شفتيها باستنكار وضيق فيما قرب هو كفه من تلك الخصلة التي سقطت على وجهها وهي توميء في غيظ لينحي شعرها جانبًا ويضعه خلف أذنها قائلًا بهيام:
آسر: عاوز أشوف القمر في تمامه نهارده، وما تحاوليش تضايقي نفسك بأوهام فارغة يا بلائي الحلو.
قال جملته الأخيرة وهو يغمز لها بطرف عينه ليضع كفيه في جيبي بنطاله وما أن استدار حتى هتفت بضيق:
فداء: طيب هستناك.. ما تتأخرش عليّا.
آسر وقد التفت بوجهه يرمقها بحنو ونبرة عاشقة:
آسر: حاضر يا عيني.
ذهب في هذه اللحظة متجهًا صوب سيارته على الفور وما أن التفتت فداء إلى شقيقاتها حتى تابعت بيسان باهتمام وترقب:
بيسان: أنا بقول يادوب نلحق نحجز فستان ونروح على البيوتي سنتر!!!
يامن بتساؤل:
يامن: طيب أنا داخل جوا علشان ألحق أكلم المأذون ونتفق على الميعاد.
أومأ الجميع برؤوسهم في تفهم.
كانت عنود تتابعه بعينيها الصامدتين وهو يتحدث هاتفيًا وبنبرة ثابتة أردفت:
عنود: أنا مش هلبس فستان.
فداء وبيسان في نفس واحد مصدوم:
فداء وبيسان: أيه؟؟
تذبذبت نبرة صوتها بصورة متحشرجة وقد جال الدمع في عينيها لتهتف بجمود:
عنود: زي ما سمعتوا.. هلبس فستان سوارية عادي وأطلبوا البيوتي سنتر وخليهم يبعتوا واحدة على القصر هنا.
رمقتها فداء بإشفاق وحزن فهي تنتظر لحظة كهذه منذ صغرهن. تنحنحت فداء قليلًا قبل أن تردف بهدوء:
فداء: حبيبتي، إنتِ كدا هتبقي مبسوطة!!
عنود بابتسامة خفيفة:
عنود: آه، ما تقلقيش عليّا.
—
ما تنسيش يا صابرين تنفذي اللي قولت لك عليه وياريت تحجزي تذكرة لـ دبي بعد بكرا الساعة 7 صباحًا.. أيوه في نفس طيارة عنود هانم.. سلام.
أنهى اتصاله الهام ليسمعن حديثه الأخير أثناء اقترابه منهن. جاب ببصره بين الثلاثة ليجد الحزن قد لون وجوههن وهنا أردف بترقب:
قصي: في إيه مالكم!!!
بيسان وهي تذم شفتيها حزنًا:
بيسان: عنود مش راضية تلبس فستان.
تنهد قصي بثبات ومن ثم نحا ببصره إليها وبنبرة جامدة أردف:
قصي: إيه المشكلة!!، طالما عنود هانم مبسوطة.
نكست عنود ذقنها هربًا من نظراته لها وراحت تبتلع ريقها بصعوبة ليستأنف هو حديثه بلهجة صارمة:
قصي: ياريت تجهزي شنطة سفرك علشان هناخدها معانا الفندق.
لم يتسن لها الرد على حديثه ليواليها ظهره متجهًا صوب سيارته ومن ثم استقلها منطلقًا بها حيث وجهته.
قامت فداء بوضع ذراعها خلف ظهر شقيقتها ومن ثم دفعتها برفقٍ يدلفن داخل الباب الرئيسي للقصر. انتفض جسدهن هلعًا وهن يرون مراد قد تسلل إلى الباب حتى يثير فزعهن. ما أن ظهر أمامهن فجأة صارخًا:
مراد: بنااااااااااات خااااااالي!!!
أغمضت عنود عينيها هلعًا فيما انكمشت بيسان على نفسها تتشبث بذراع عنود أما الثالثة فلم تحرك ساكنًا لتهتف بسعادة:
فداء: مـــراد!! خضيتنا ياض والله وحشتني.
مراد بسعادة غامرة لوصولهن:
مراد: القصــر من غيركم ما فيهوش روح يا بنات سالم.
عنود بابتسامة حانية:
عنود: طول عمرك لمض يا مودي.. بس ما قولتليش أخبار المذاكرة إيه؟
مراد وهو يهز رأسه بخفة:
مراد: ماشي حالها.
في تلك اللحظة وجد كف فداء يهوي على عنقه من الخلف وهنا هتفت فداء وهي تحتضنه وكأنها لم تفعل شيئًا:
فداء: نرجع لطبيعتنا تاني.. إيه إيه الفراق هينسينا حقيقتنا.. بس إنت وحشتني يا ابن منى أوي وقفاك المسلطح دا من أهم أساسيات حياتي.
مراد بتذمر:
مراد: أنا فاضل لي كام شهر وأبقى مهندس.. دي إهانة مش هسكت عليها.
فداء وهي ترفع أحد حاجبيها ترد بحدة:
فداء: هتعمل إيه يعني!!
مراد وهو يعقد كفيه في بعضهما قائلًا بتفكه:
مراد: ولا أي حاجة.
دلف الفتيات داخل القصر وسط مزحات ومشادات مراد وفداء. أسرعن باحتضان منى في حب ولهفة فوجودها إلى جوارهن يبعث في خلجات أنفسهن الحب والاحتواء الأمومي.
***
نعم يا خويا؟ فرحك الليلة وأنا آخر من يعلم!!
أردف فايز بتلك الكلمات في صدمة وهو يلتفت بكامل جسده إلى صديقه الذي يجلس إلى الصوفة بجوارهِ وهنا أومأ قصي برأسه مؤكدًا على حديثه ليقول:
قصي: على فكرة وقبل ما تتعصب وأنا دماغي مش رايقة لك الموضوع تم في ليلة واحدة وما كانش في بالي نهائي.
قطب فايز ما بين حاجبيه ومن ثم وضع أنامله أسفل ذقنه قائلًا بحيرة:
فايز: جواز الكلام عنه أخد يوم وتنفيذه هياخد يوم؟ سبحان الله على تساهيل ربنا.. طيب إيه الحوار شكلك مش مبسوط؟ مع إنك في لحظات الأمسيّات بتبقى حماسي والمزاج عالي على الآخر!!!
أنهى جملته الأخيرة وذيلها بغمزة من طرف إحدى عينيه.
تجرع قصي غيظه داخله وبنبرة حانقة تابع:
قصي: أمسيات إيه ومزاج يا فايز!!، عنود هتكون مراتي وأنا عمري ما فكرت أختار مراتي علشان أشبع رغباتي بيها زي الحيوان أو حتى عجبني جسمها فاخترتها.. أنا اخترتها بقلبي علشان أصونها فتحافظ على اسمي وولادي.. أما بقى بخصوص المزاج فكان قدامي مليون واحدة أقضي معاها ليلة لطيفة وما أربطش بنات الناس معايا وأوجعهم.. وعلشان تستريح أنا مكتفي بيها الحمد لله.
جاش الهم في صدره ليزفر زفرة مطولة تعبق بحرارة ساخنة من فرط اختناقه. تنحنح فايز قليلًا قبل أن يردف بتساؤل:
فايز: إيه بقى اللي مخليك مش مبسوط مع إنك هتكون مع اللي اختارها قلبك؟
قصي بابتسامة باهتة:
قصي: قلبها ما اختارنيش.
***
غابت الشمس عند الأصيل وقد اكتسى الأفق حمرة زينة السماء في أبهى صورة لها وقد جاخ القليل من الظلام في المكان.
داخل غرفة الفتيات
أخذت عنود تفرك كفيها بتوتر وقد انتهت آنسة التجميل من وضع اللمسات الأخيرة على وجهها. عضت عنود على شفتيها بتأوه مكتوم وقد شعرت في هذه اللحظة بوخزة اجتاحت قلبها تضربه بقوة. رفعت أحد كفيها إلى منطقة قلبها تتحسس النبض به لا تعلم بالضبط ما نوع وخزة كهذه؟ ولكنها تستشعر إحساسًا غريبًا بالراحة. هي فقط من ترهق نفسها بكثرة التفكير.
مالت فداء إلى وجنتها اليمنى تقبلها ومن ثم اكتنفها بين ذراعيها من الخلف مردفة بحنان أخوي:
فداء: زي القمر.. ودا العادي بتاعك إنتي جميلة دايمًا يا قلبي.. كفاية حزن وعيشي اللحظة دي مش هتتكرر.. وفك كربك بين إيدين ربنا مش في حزنك وعياطك، بلاش تكسري قلب قصي هو صبر عليكِ كتير يا عنقودة بلاش تضيعيه حبيبتي.. إحنا مش بنلاقي الحب كل يوم!!!
نكست عنود ذقنها خجلًا وقد توردت وجنتيها وبنبرة متلعثمة أردفت:
عنود: أنا بحبه يا فداء!!، كل ما الوقت بيقرب بحس بدقات قلبي وبتكون سريعة.
وهنا اقتربت بيسان منهن ثم جثت على ركبتيها أمام شقيقتها القابعة بمقعد الزينة وبنبرة حانية تابعت:
بيسان: ولما إنتِ بتحبيه ليه واجعاه قلبك بالعناد؟
عضت عنود على شفتيها بقنوط دون الوصول إلى إجابة لتلوذ بالصمت. فيما أردفت فداء بحنو ولهفة:
فداء: هتعترفي له نهارده مش كدا؟ وهتبدأوا صفحة جديدة بجواز سعيد!!!
هزت عنود رأسها عدة هزات خفيفة. لتقول بابتسامة مهمومة:
عنود: إن شاء الله.
سمعن طرقات خفيفة على باب الغرفة ومن ثم أطلت منى من خلفه وما أن رأتهن حتى صدحت منها زغرودة فرحة وقد تهلل أسارير وجهها وهي ترى بناتها في حسن إبداع الخالق لهن. نحت ببصرها إلى عنود التي وقفت على الأثر ما أن علمت بوصول قصي ووقوفه أمام باب الغرفة وهنا هتفت منى بفرحة وهي تحتضن عنود بفستانها الوردي:
منى: ألـــف مبروك يا أحلى عنقودة.. ربنا يتمم لك على خير يا قلب عمتك.. أوعي يا عنود تنسي نصايحي ليكِ!!!
عنود وهي توميء برأسها في تفهم:
عنود: حاضر يا عمتو.
منى باستئناف وقد رفعت نبرة صوتها قليلًا:
منى: أدخل يا سالم إنت وقصي.
تنشقت عنود الهواء داخلها وقد خفق قلبها بعنف لتجده يدلف إلى الغرفة بصحبة والدها فلأول مرة ترى وسامته واضحة كقرص الشمس لقد كان جاذبًا بأناقته. استفاقت من شرودها على صوت والدها الذي أسرع باحتضانها هاتفًا بحب:
سالم: ألف مبروك يا عنود.. ربنا يسعدك يابنتي ويتمم لك على خير وقريب أشيل عيالك.
شدت عنود بذراعيها حول خصر والدها تحتضنه بقوة وبنبرة مهزوزة همست له:
عنود: أنا بحبك أوي يا بابي.. أوعى تكون لسه زعلان مني يوم ما فكرت إنك بالطريقة دي بتكسر أحلامي.. عارف يا أحلى سالم إنك بالطريقة دي هديت قلبي لمكان شبه الجنة وما كانش شايفه!!
افتر ثغر سالم عن ابتسامة حانية وهو يمسح على ظهرها بحنو. أبعدها والدها قليلًا ليلتقط كفها يقربه ناحية قصي الذي التقطه بين راحته قائلًا بثبات:
سالم: مبروك!!
عنود بابتسامة رقيقة:
عنود: الله يبارك فيكِ.
اتجه الجميع صوب الدرج خلف العروسين. كان قصي صلب الملامح لا يبتسم إلا بالكاد بين الفينة والأخرى فيما تختلس هي النظرات إليه حتى تهدئ من روعها بشأن بقائها معه في مكان واحد فقد وثقت بحديث والدها عنه أشد الثقة وكيف لا تثق ووالدها بطلها الذي لا يتلفظ بشيء إلا ويكون على صواب دائم من وجهة نظرها.
وصل بها إلى المقاعد الموضوعة في منتصف البهو. جلس قصي إلى جوار المأذون وكذلك جاوره والده. وعلى الجانب الآخر منه جلس سالم ويجاوره ابنته. بدأت مراسم عقد القران في حالة من السعادة والابتهاج حينما رفع المأذون المنديل القماشي عن أيديهما ليقول جملته المعهودة وبعدها يمتلئ القصر بالتصفير والزغاريد وكل ألوان الاحتفال.
وهنا التفت قصي إليها وراح يقرب وجهه منها لتتلاقى أعينهما ومن ثم رفع فمه إلى جبينها يلثم بهدوء وقد أصبحا رسميًا زوجين.
كانت بيسان تقف إلى جوار عمتها حينما اقترب منها يامن وأخذ يتفحص ثوبها بإعجاب جم وبنبرة هائمة بها أردف وهو يجذبها من خصرها إليه:
يامن: ما تيجي!!!
بيسان وقد لوت شدقها بعدم فهم:
بيسان: هنروح فين؟
في هذه اللحظة هتف المأذون مباركًا لهما على هذه الزيجة وقد ذيل حديثه بجملة مازحة:
المأذون: ها، مين تاني عاوز يتجوز؟!
أخذت فداء تتلفت حول نفسها تبحث عنه وفي هذه اللحظة ظهر أمامها لتنفرج أسارير وجهها بمجيئه. سار بخطواته حيث يجلس قصي ليهنئه بمناسبة زواجه ويعتذر منه عن مجيئه بعد إتمام العقد.
حك يامن ذقنه بأطراف أصابعه يفكر قليلًا عندما وجد المأذون يردد بنبرة ضاحكة وهو ينهض في مكانه:
المأذون: ماحدش هيفكر؟ دا حتى الجواز سنة الحياة.
لم يتحمل يامن أكثر من ذلك ليهــرول إلى المأذون وبنبرة ثابتة حثه على الجلوس قائلًا:
يامن: أقعد يا راجل يا طيب.. أنا كمان عاوزة أتجوز.
وهنا التفت بجسده إلى خاله ومن ثم راح يلتقط كفه هاتفًا بترجٍ:
يامن: جوزني بنتك يا خال.. المأذون هنا بالمرة هنكلف نفسنا ليه؟
سالم بقهقهة خفيفة:
سالم: جنانك دا هيوديك في داهية.
يامن وهو يتوجه بحديثه إلى والدته ومازال يقبض على كف خاله:
يامن: بالله عليكِ يا ست الحبايب يا حنينة وكلك طيبة.. إقنعيه.. بص هيبقى كتب كتاب بس ولما بيسان تخف نهائي نعمل الفرح أهو مالكش حجة.. أتوكل على الله يا شيخنا.
منى وهي تضرب كفًا بكف في ذهول وضحكة خفيفة:
منى: توكل على الله يا سالم، دا كان عاقل والله.. الحب بهدلة.
أطلق الجميع قهقهات عالية فيما تصلبت بيسان في مكانها ومازالت صدمتها تتحكم بملامحها المتوردة من شدة الخجل لتضع كفها على فمها وقد بدأت أطرافها في الارتعاش. فيما انصاع سالم لجنونه برضا تام وثقة به لتكتمل مراسم الزيجة الثانية بتهليل ومباركات. وهنا التفت سالم إلى ابنته مردفًا:
سالم: تعالي يا حبيبتي، أمضي!!!
بيسان وهي تبتلع ريقها بتلعثم:
بيسان: آ آآ أمضي على إيه يا بابي؟
منى وهي تصطحبها إلى طاولة العقد وراحت تردف بنبرة حانية:
منى: أمضي إنتِ بس وأنا هفهمك بعدين.
ناولتها منى القلم لتخط اسمها لإتمام آخر خطوة بالزواج. التفت يامن إلى المأذون وبنبرة بلهاء من صعوبة استيعابه للأمر حتى الآن:
يامن: يعني دلوقتي بيسان بقيت مراتي ولا بتضحكوا عليا.
منى وهي تحدق به في صدمة:
منى: إلحقي يا بيسان جوزك اتجنن.
بيسان وهي تفغر فاهه مردفة ببلاهة:
بيسان: جوزي مين؟؟
أسرعت فداء بالإقتراب من شقيقاتها الواحدة ثم الأخرى تحتضنهما بسعادة غامرة وقد خفق قلبها وهي ترى كل واحدة منهن ارتبط اسمها بمن عشقت. ابتعدت قليلًا تنظر إلى المشهد عن بعد وقد جال الدمع في عينيها من فرط سعادتها فدائمًا ما تشعر بأمومتها تجاههن والآن أحست بأنها فعلت ما كانت تتمناه والدتهن يومًا.
استدارت تبحث عنه بين الجالسين ولكنها تفاجأت به يذهب في سيره خارج القصر. قطبت ما بين حاجبيها في استغراب لتهرع خلفه حتى وصلت إلى حديقة القصر لتهتف بأنفاس لاهثة:
فداء: آســــر؟؟
التفت إليها ليرمقها بنظرة حانية فيما اقتربت هي منه لتقول بعتاب وغيظ:
فداء: آسر إنت رايح فين؟ وليه ما كلمتنيش!! هو أنا زعلتك في حاجة؟
أومأ آسر برأسه نافيًا وما أن فتح فمه ليتحدث حتى وجدها تستأنف حديثها بنبرة ثائرة:
فداء: ولا حتى قولت لي الفستان حلو عليكِ ولا شايفاك بتضحك!! إنت كويس ولا خوفت أقولك أعمل زي يامن وتطلب من بابا تتجوزني دلوقتي؟
قالت جملتها وهي تقترب منه لتمسك رابطة عنقه ترتبها بأناملها الرقيقة. تصلبت معالم وجهه وهو يهتف بلهجة جامدة لا روح بها بعد أن ضغط على عينيه حانقًا:
آسر: فداء!!، إحنا مش هينفع نتجوز……..!!!!
رواية جميلتي الصهباء الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم عليا شعبان
إحتاج فمها ابتسامة لم تصل إلى عينيها، وهنا أرخت مفاصل يديها عن رابطة عنقه، وهي تبتلع غصة في حلقها من جفاف نبرته لها. تلعثمت في باديء الأمر، ومن ثم أغلقت عينيها تتنفس الصعداء، وراحت تردف بخفوت صلب:
_ مش فاهمة؟ يعني إيه مش هينفع نتجوز؟
تنهد آسر بقوة ليردف بنبرة أكثر ثباتًا:
_ أنا مش هكون جدير بيكِ يا فداء. مش هسامح نفسي لو اتجوزتك عشان…
انسابت الدموع من عينيها وقد غاب صوابها في الحال، لتهتف بعصبية مفرطة:
_ عشان إيه؟ انت واحد مش مفهوم ولا فاهم نفسك.
تنحنح آسر قليلًا وقد افتر ثغره عن ابتسامة عريضة، وراح يقبض على ذراعيها بخفة وهو يقترب من أذنها اليمنى هامسًا:
_ عشان أنا راجل شرقي، ما أقبلش إن مراتي يكون ليها حق عند حد وما أرجعهوش. حق مراتي يرجع الأول، وبعدين أخطفها لبعيد عشان ما ينفعش أقول لابني “ربنا خلق الراجل سند لمراته وراجل ليها مش عليها”. وانتِ حقك لو ما رجعش يبقى أنا كدا بنافق ابني.
أبعدت وجهها عنه قليلًا لتلتفت إليه تنظر في عينيه مباشرة بصدمة. فقد لعب على أوتار قلبها وظنت بأنها ستواجه أوجاعها مرة أخرى. لم يكُن أمامها سوى أن أصدرت شهقة صغيرة وقد عجز لسانها عن النطق، أو آثرت هي ذلك حتى لا تنهال عليه بجمرات غضبها.
أسرع آسر بتقريب فمه من إحدى عينيها وراح يقبل جفنها بحنو.
تنشقت فداء الهواء داخلها، ومن ثم وضعت ذراعها على صدره تدفعه بقوة وهي تصرخ به باستهجان:
_ ليه؟ استفدت إيه دلوقتي؟ هزارك بايخ وبتهزر في حاجة عارف إنها هتوجعني. ثم إنك هتحميني من مين؟
أطلق آسر قهقهة خفيفة ثم أردف بنبرة هادئة يهديء من روعها:
_ أهدي يا أم ملاك. دا هو برص صغير هنضربه على دماغه بالشبشب مرة واحدة بس وهيموت.
رفعت فداء أحد حاجبيها وبنبرة غاضبة قالت:
_ انت بتكلمني بالألغاز ليه؟ انت مش كنت ماشي؟ اتفضل!
لم يحفل آسر بغضبها وغيظها مما فعله، حيث استدار حتى وقف خلفها وراح يضع كفيه يغطي عينيها، وبنبرة حانية أردف:
_ أنا ما كنتش ماشي. انتِ اللي بتطرديني عيني عينك يا هانم.
فداء بتوجس:
_ انت بتعمل إيه؟
آسر بنبرة ثابتة:
_ امشي وانتِ ساكتة وهتعرفي.
انصاعت فداء لحديثه وبدأت تتحسس خطاها أمامه، وما هي إلا ثوانٍ عندما أبعد كفيه عنها وقد لاذ بالصمت كليًا.
نظرت فداء أمامها، ومن ثم نحت ببصرها إليه تردف بتوجس:
_ إيه دا؟
آسر وهو يصر على أسنانه غيظًا:
_ ما هو دا اللي كنت خارج علشانه. بوظتي لي المفاجأة ونسيت أشيل الفرش عنها.
حدقت فداء إليه بشدوه وهي تجد أمامه سيارة قد غُطت بفرش قماشي كبير. سار آسر إليها ومن ثم جردها من غطائها وسط ذهول فداء بما ترى.
ذأبت في خطواتها نحو السيارة تارة تنظر لها وأخرى له، حيث يرمقها بنظرات دافئة. وما أن اقتربت من السيارة حتى بدت الرسوم المطبوعة على جدرانها تتضح لها، لتشهق بفرحة وراحت تتحسس هذه الرسوم بأناملها فاغرة فيها:
_ الرسمة دي نفس ملامحي! و ودا ديك!
آسر بضحكة جذابة:
_ لا دي انتِ ودا زغلول الديك. قلت إنك هتفتقديه فجيبته لك القاهرة.
افتر ثغرها عن ابتسامة سعيدة وهي تضم كفيها إلى بعضهما، تُشبع عيناها بالنظر إلى هذه السيارة البيضاء والمصممة بأسلوب راقٍ دون سقف علوي لها، وقد نُقش على جدرانها بعض من الذكريات التي عاشتها في شكل رسوم كاريكاتيرية. التفتت فداء بكامل جسدها له، ومن ثم هرولت صوبه، فيمـا فتح ذراعيه لها يستقبلها بحنو جارف، لتصرخ هي بفرحة:
_ بحبك بحبك وفرحانة أوي. أول مرة حد يهتم بتفاصيلي الصغيرة بعد إخواتي. انت أحلى حاجة حصلت لي في حياتي بجد.
ظلت متشبثة بعنقه يدوران سويًا في سعادة، فيما تابع آسر بهيام:
_ أنا أساسًا موجود في حياتك علشان التفاصيل دي. كل واحد فينا بيكمل نقص التاني.
حررت عنقه في هذه اللحظة من بين ذراعيها، ومن ثم أردفت بنبرة رقيقة حالمة:
_ حبيبي، بليز عاوزة أسوقها!
آسر بنبرة مرحبة وهو يلتفت بجسده كله ناحية السيارة:
_ انتِ تؤمري يا أم ملاك وأنا أنفذ.
تهللت أسارير وجهها فرحًا، أخذت تقفز في مكانها بحماس، ومن ثم استتبعت خطواته صوب السيارة. وصل إلى السيارة أولًا ليتنحى ببصره إليها يدعوها تشغل مقعد القيادة. أومأت فداء برأسها متحفزة لتجلس خلف المقود، فيمـا جانبها هو بالمقعد المجاور، وبنبرة ثابتة تابع:
_ طبعًا انتِ بتعرفي تسوقي أحسن مني أنا شخصيًا، فخدي لك لفة علشان نرجع نسلم على قصي وعنود قبل ما يروحوا الأوتيل.
هزت رأسها إيماءة خفيفة أعقبها ضحكة مشكوك بها لتردف بنبرة ذات مغزى:
_ مستعد يا أبو ولادي!
رفع آسر أحد حاجبيه مردفًا بتوجس:
_ أبو ولادي! هو أنا مقلق من الجملة.. بس هي حلوة أوي. قوليها كدا تاني!
كادت عيناه تستعر ألعابًا نارية من فرط سعادته، فيمـا تخضبت وجنتها تتصنع الخجل، وبنبرة خافتة أردفت تُكررها:
_ أبو ولادي.
آسر بابتسامة واثقة وهو يهندم من ياقة قميصه أسمر اللون:
_ حملة ما تقاطعيش، هنجيب ملاك وعلى وهادي وسلوى وفادية.
رفعت فداء جانب شفتها السفلى لترمقه شزرًا وبنبرة مغتاظة أردفت:
_ هو انت هتتجوز أرنبة!
آسر بنظرة ثاقبة:
_ لا، كل التخطيطات دي علشان أحقق لك طموحاتك. مش انتِ بردو عاوزة تشكلي فريق كورة.
تنحنحت فداء قليلًا قبل أن تُردف بنبرة سادرة:
_ والله لو هيكونوا كلهم زملكاوية، ليه لأ؟ أما بقى لو القلة المندسة دخلت بيني أنا وعيالي.. عارف!
أومأ آسر برأسه نافيًا وهو يرمقها بنظرة مترقبة ينتظر استئنافها الحديث، ليجدها تحدق إليه بانزعاجٍ، ليقول بتساؤل:
_ إيه يعني اللي هيحصل ساعتها؟
تنشقت فداء الهواء داخلها، ومن ثم فردت ظهرها باستقامة تامة لتضغط على دواسة السيارة وتستخدم بيديها المقود، وراحت تنطلق بالسيارة بسرعة البرق، ليرتد هو للأمام في قوة يفصل بين رأسه وزجاج السيارة بعض السنتيمترات التي لا تذكر. وهنا أردف بنبرة مذهولة:
_ إيه اللي انتِ بتعمليه دا؟ في حد بيسوق كدا.. هنموت!
فداء وهي تصرخ عاليًا بحزم لتزيد من سرعة انطلاق السيارة:
_ ماحدش بيموت ناقص عمر يا أبو العيال. مش انت بقى كنت عاوز تعرف.. اللي هيحصل للقلة المندسة! وأقسم بالله!
توقفت عن استمرارية حديثها لوهلة، ومن ثم أخذت تدور بالسيارة في دوائر حول نفسها. تكاد إطارات السيارة أن تنفصل عنها، لتصرخ فداء في مرح جاد:
_ لن أرحم أحد!
رفع آسر كفه يتحسس جبهته التي أصابها الدوار وبدأت قطرات العرق تتصبب منها، ليهتف بنبرة مغتاظة:
_ يا بنت المجنونة! إطارات العربية هتنفجر وأنا دوخت.. بت!
فداء وهي تقهقه عاليًا حيث أبعدت كفيها عن مقود السيارة وراحت تصفق بمرح:
_ حلو أوي العربية يا ماسورتي؟ عقبال فرحتي بفرحنا بقى.
آسر وهو يصر على أسنانه حنقًا:
_ دا مين ابن المجنونة اللي هيتجوزك دا؟
في تلك اللحظة أزادت فداء من سرعة السيارة أكثر عن ذي قبل وأخذت تندفع بالسيارة للأمام ثم تتقهقر بها للخلف ثانيةً. ظل جسده يروح ويجيء كمن يتراقص جسده على إحدى الأغنيات الشعبية، ليردف بصوت حانق:
_ لسة في حركة تانية ما جربتيهاش؟ تقريبًا بيقولوا إن ممكن العربية تقف على العجلتين اللي ورا والتابلوه ونحلق إحنا في الفضاء.
فتحت عينيها واسعًا لتردف بنبرة مصدقة:
_ واو! طيب ما نجربها.
أسرع آسر بالإقتراب منها ثم وضع كفيه على مقود السيارة كي يتحكم في حركتها حتى تقف، وبنبرة حادة أردف:
_ دا يخربيت اللي يعمل لك مفاجأت.. ربنا ياخدني والله علشان فكرت أعاملك برومانسية يا بتاعة المش بدودة يا معفنة.
تمكن أخيرًا من إيقاف السيارة، ليدفعها بخفة وبلهجة آمرة هتف:
_ انزلي يا بومة! دا بكفر عن ذنوبي وأنا معاكِ.. وسعي بقى أرجع في وشك قلبتي لي معدتي.
قام بصفع الباب بقوة ما أن ترجلوا خارج السيارة، ليقف آسر في زاوية من الطريق يشتم الهواء قليلًا فقد قلبت معدته رأسًا على عقب، في حين أنها وقت بالقرب منه وقد جدحته بنظرة ظافرة عاقدة ذراعيها أمام صدرها:
_ واحد واحد يا ماسورتي! وعلشان لما نجيب بنوتة أقولها الراجل اللي يعمل فيكِ مقالب علشان يشوف دموعك رديها له الصاع صاعين، وعلشان ساعتها ما أبقاش بكذب.
آسر وهو يجدحها بثبات وراح يضرب كفًا بالآخر:
_ بنوتة! منين يا حسرة.. هي فيها عيال بعد الخضة والشقلباظات دي؟
ومن ثم استأنف حديثه وهو يحثها على القدوم ملوحًا بأصابعه:
_ تعالي اسنديني بقى، علشان جسمي متكسر!
أطلقت فداء قهقهة عالية وراحت تعود بخطواتها للوراء، ثم استدارت وأخذت تهرول مبتعدةً عنه، وبنبرة عالية قالت:
_ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ليهرول خلفها محاولًا اللحاق بها وسط ضحكاتهما المرحة. وصلا إلى باب القصر من جديد لتنادي فداء على حارس البوابة حتى يذهب لإحضار السيارة في الحال. وهنا توقفت عن العدوي وهي ترى عائلتها تترجل خارج الباب الداخلي للقصر. ذأبت فداء في سيرها إليهم، فيما أعاد آسر شخصه العاقل ما أن رآهم ليتجه هو الآخر صوبهم.
سالم بنبرة لائمة:
_ روحتي فين وسيبتي إخواتك؟
فداء وهي تلقيه بقبلة في الهواء ثم تلتفت ببصرها ناحية آسر الذي وقف عاقدًا ذراعيه أمام صدره بثبات:
_ كنت بشوف الهدية اللي جابها لي مستر (آسر).
أنهت تبريراتها ثم مشت خطوتين حتى وقفت أمام شقيقتها (عنود)، ومن ثم راحت تحتضنها مردفة بنبرة حنونة:
_ هتوحشيني الأسبوعين دول، مش متخيلة قصر العامري من غير عنود وضحك عنود ونكد عنود.. أنا في اللحظة دي أحب أقولك إني مع بابا جدًا في قرار رفضه سفرك لوحدك. أنا فهمت مشاعرهُ دلوقتي.. الفراق وحش وخصوصًا فراق حد بتحبيه حتى لو كان مؤقت. لكن اللي مهون عليا غيابك هو إنك في إيد أمينة، قصي قادر يحطك في عينه وكلنا عارفين إنه قد الأمانة.
عنود وقد افتر ثغرها عن ابتسامة حانية وقد جال الدمع في عينيها:
_ وأنا هفتقد أمي الروحية، الحضن اللي بيضمني وأنا نايمة وبيستحمل مزاجيتي المتقلبة. ادعي لي أكسب وأرجع فرحانة يا فيدو.
تأثرت بيسان بهما كثيرًا لتقرر الانضمام إليهما حتى ألقت بنفسها بينهما ليضحكن سويًا، لتردد بيسان بنبرة هادئة:
_ إن شاء الله تعبك مش هيروح هدر يا عنقودة، ربنا مش بيحط الإنسان في مكانة إلا وعارف إنه قدها وهيوصل، وكلنا بندعي لك.
تنهدت منى بحرارة وقد ترقرق عيناها بالدموع لتردف بنبرة متشرجة متوجهة بحديثها إلى قصي:
_ خلي بالك منها يا قصي؟ أوعى تزعلها وإلا كلنا هنزعل منك.
يامن وهو يهتف عاليًا بحزم:
_ في إيه يا جماعة هو إحنا مجوزينها مصاص دماء؟ ماهي مراته وطبيعي هيخلي باله منها، وبعدين كفاية دراما بقى. ثم إن عنود وقصي واكلين الجو وماحدش فكر يقولي مبروك يا عريس ولا خلي بالك من بيسان.. دي تفرقة عنصرية!
سالم بنبرة مازحة:
_ وتخلي بالك منها ليه؟ هو انت خيالك وسع وافتكرت إنك هتتجوزها رسمي النهاردا وهتاخدها وتمشي!
يامن بابتسامة مستجدية:
_ لو مافيهاش إساءة أدب يعني يا خالي! ربنا يطعمك ما يحرمك يا سلم ويسترك ما يفضحك!
أثارت كلماته ضحكاتهم جميعًا ليردف جمال بابتسامة سعيدة:
_ اصبر يا (يامن) شوية، براحة على سالم مش هناخدهم منه مرة واحدة. مش كفاية بيودع واحدة! وانتوا يا ولاد خدوا بالكم من بعض.
قصي بابتسامة هادئة:
_ خير، إن شاء الله.
مراد بنبرة متشرجة وقد أوشك على البكاء:
_ هو أنا هفضل في ثانوية عامية دي كتير، مش هحب ولا هتجوز ولا هسافر دبي! طيب ودوني حتى أهرامات الجيزة وأنا مرضي!
منى بنبرة حانية وهي تطبع قبلة على وجنته:
_ خلاص فات الكتير وما بقى إلا القليل، شهر وكام يوم ونشوفك أحلى مهندس وساعتها شاور وإحنا نوديك في أي حتة.
انتهى حديثهم مع العروسين وتوديعهم ليصطحبها قصي إلى سيارته منطلقًا حيث الفندق الذي سيقضيان فيه اليوم التالي قبل سفرهما إلى دبي لحضور (العرض).
دلف الجميع إلى داخل القصر من جديد، فيما استأذن آسر والدها ثم اصطحبها لقضاء اليوم معه بحجة أن هنا حديث هام بشأن علاقتهما يود الحديث عنه.
جلس يامن بصحبة زوجته على المقاعد الخشبية الموجودة بحديقة القصر. قام يامن بمحاوطة كتفيها بذراعه حتى ضمها إليه وبنبرة حانية أردف:
_ ها؟ مبسوطة!
مطت بيسان شفتيها بحزن طفولي وراحت ترفع أصابعه أمام مرأى عينيه مباشرة مردفة في هدوء:
_ إزاي بقيت عروسة من غير دبلة؟ ولابوكيه ورد. وبعدين في لون الكرافت اللي قولت لك تلبسه؟
قالت جملتها الأخيرة وهي تعتدل في جلستها تجدحه في حنق وعينين يتطاير منهما الشرر، ليرفع هو أحد حاجبيه قائلًا بتوجس:
_ إيه القلبه اللي من غير مقدمات دي؟ في الحقيقة يا بيسو أن مالقيتش عندي كرافت لونها بمبي! وبعدين أنا ما كنتش مخطط لـ كتب الكتاب. الحكاية جت كدا تساهيل من عند ربنا.
بيسان وهي ترمقه بعينين دامعتين:
_ ماليش دعوة أنا عاوزة دبلة؟ وبوكيه ورد وبيتزا وآيس كريم فانيليا وشيكولاتة وعصير ميكس شيكولاتة برضو وجولدن شويبس أناناس و…
يامن فاغرًا فاهه:
_ مش عاوزة قصبة رجلي، تحلي بيها؟
بيسان بنبرة حانقة:
_ على فكرة بقى ابنك اللي عاوز الحاجات دي مش أنا.
يامن جاحظًا بعينيه:
_ ابني مين؟ هتوديني في داهية!
رمقته بيسان شزرًا ومن ثم رددت بنبرة حزينة:
_ أوديك في داهية ليه؟ ما انت جوزي.
يامن مؤيدًا إياها:
_ أه صحيح أنا جوزك، بس يا بيسو ماينفعش كدا إحنا كتب كتاب بس، وبعدين انتِ لازم تققدي أي جملة بتتقال، قولي مثلاً لو ما أكلتنيش دلوقتي هسخسخ وأهي مقبولة بردو.
بيسان وهي ترمقه باستغراب لتردف بتساؤل:
_ يعني إيه هخسخس؟
يامن وقد انفجر ضاحكًا وبنبرة متفكهة قال:
_ يعني بتاكلي خس كتير وتنتقمي مني وتبقي شبه الراجل الأخضر كدا وتطلعي لي بالليل تخوفيني.
بيسان باقتناع لتعود تضع رأسها بين أحضانه. ضيق يامن عينيه باستغراب من سهولة إقناعها وسلامها الداخلي ليردف بنبرة ثابتة وهو يهز رأسه عدة إيماءات خفيفة:
_ ما شاء الله.. إنتِ اقتنعتي باللي أنا قولته. هي الرقة بتجيب هبل، ما قولتليش بقى بتحبي البيتزا تكون بأيه؟
قاد السيارة في حالة صمت داهمت الأجواء بينهما. لم يلتفت إليها مطلقًا. ظل طوال الطريق يُمعن النظر في الطرقات دون أن ينبس ببنت شفة. أخذت تختلس إليه النظر بين الفينة والأخرى، توترت كثيرًا وهي ترى تجهم وجهه ويجتاح قلبها خفقانًا قاسيًا عليها. تنهدت تنهيدة ممدودة بعمقٍ ومن ثم أشاحت بوجهها عنه وقررت النظر من نافذة السيارة المجاورة لها، فقد اعتادت منذ طفولتها بأن توجه انتباهها كله حيث اللافتات المعلقة بالشوارع تقرأ ما دون عليها بمرح طفولي طوال رحلتها. لاحظ قصي اندماجها التام في اللافتات ليداهِم ثغره ابتسامة هادئة، وهنـا أردف بثبات:
_ جوعتي؟
لم تنتبه لحديثه ولم تسمعه مطلقًا. ظل يكرر حديثه إليها عدة مرات، وفي الأخيرة رفع صوته عاليًا مردفًا بصوت أجش:
_ عنــود!
وأخيرًا تمكنت من سماعه لتلتفت إليه مردفة بنبرة رقيقة وقد امتزجت ملامح وجهها ببراءة قاتلة لتردف:
_ نعم؟
لم يكُن تساير الغضب عن وجهه سهلًا، وبالأخص وأنه ظن بأنها تتجاهله. شعر بذوبان قلبه قبل ملامحه التي هدأت للغاية ليفتر ثغره عن ابتسامة حانية مردفًا:
_ بقولك جوعتي؟
قطبت "عنود" ما بين حاجبيها تقطيبة مريبة من تغير حاله في فترة قصيرة لتقول بهدوء:
_ لأ، ميرسي.
أومأ قصي برأسه بثبات ومن ثم عاد ينظر أمامه من جديد، وقد باغتها بسؤال:
_ كام واحد من طاقم العمل هيسافروا معانا العرض؟
عنود بتلقائية شديدة:
_ خمسة ومن ضمنهم إحنا الاتنين وصابرين.
قصي بسؤال آخر قائلًا بثبات:
_ وأيه أسماء الاتنين؟
قطبت عنود ما بين حاجبيها باستغراب وبنبرة سادرة تابعت:
_ تقريبًا ما تعرفش حد منهم. واحد من قسم التنفيذ والمصمم المساعد ليا.
رفع قصي كفه ليمسح على ذقنه بثبات ومن ثم أردف يسألها للمرة الثالثة وقد أثار استغرابها لكونه شخصًا لا يهتم بهذه الأشياء أبدًا:
_ إيه دا، انتِ معاكِ مصمم بيساعدك؟
عنود وهي تهز رأسها إيجابًا:
_ أه، كان بيشتغل معايا في شركة هانيا ولما طردته لجأ لي.
قصي بثبات:
_ جميل؟ اسمه إيه؟
عنود بهدوء:
_ شاهين.
تنحنح قصي قليلًا قبل أن يكرر الاسم مجددًا بنبرة ثابتة وقد شرد لموقف ما في وقت سابق:
_ شاهين!
Flashback,,,
_ التصاميم في إيدي دلوقتي.. هصورها لك وابعتها لك على البريد.. ما تقلقيش أنا عارف بعمل إيه؟
أردف ذاك الشاب بنبرة متوترة قليلًا وهو يتحدث إلى شخص ما هاتفيًا. لم يكن حديثه من كشف كثيرًا مع الطرف الآخر ليردد بنبرة حاسمة:
_ أنا هقفل دلوقتي بقى، ونتقابل بالليل، سلام.
استوقفه الكلام وهو يقف أمام المصعد المغلق بالطابق الأرضي لتصله هذه الكلمات الغامضة مع الموقف دون أن يقصد الإنصات إليها. أحس من هذا الحديث شيء لا يحمد عقباه، ولكنه لم يتصور أبدًا أن هذا الشاب يدبر لأمر ما قد يصل إلى سرقة مجهودها. قام قصي بفتح المصعد ومن ثم رمقه بنظرة جامدة توتر الشاب على أثرها وقد ظن بأنه سمع ما قاله. أحس قصي ما يدور في ذهن الشاب ليقطع عنه الشك مردفًا بثبات:
_ نسيت تشغل الأسانسير يا إيه!
الشاب متلثمًا:
_ شاهين يا باشا.
Back,,,
وقف بالموتور أمامها مباشرة. أمسك بالخوذة بين يده وبنبرة ثابتة أردف:
_ جاهزة؟
التقطت "فداء" منه الخوذة لتضعها تحت إبطها ومن ثم تنفست الصعداء قليلًا وراحت تردف بنفاذ صبر:
_ أولًا عاوزة أعرف إحنا رايحين نقابل فايز ليه؟ وإتعرفت عليه إمتى!
سارع آسر بإلتقاط الخوذة منها من جديد ليرفعها بكفيه ثم أدخل رأسها فيها وبنبرة ثابتة قال:
_ قصي عرفني عليه. ورايح أقابله علشان لأول مرة همارس الشغلانة اللي المجتمع وصمني بيها.
فداء بعينين جاحظتين ونبرة عالية:
_ نعم؟؟؟
يتبع.
رواية جميلتي الصهباء الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم عليا شعبان
كثيرُ من الأحلامِ لمعت في طُرقات صاحبها، تهديه إلى حلم جديد، وكثيرُ من الآهاتِ إنجلت بسندٍ في وقت المحنة، سديد، كالعصا التي تهُش بها على همك فـ يهون.
شُكري نجيب طلب مني أمضيك على أوراق شراكة مزورة، بعد ما أقنعك إن شركتي اقتصادها وأرباحها بيزيدوا يوم بعد يومٍ وبعد ما تمضي أقدم ورق للبوليس وتاخد فيها كام سنه سِجن لأن البنود اللي على الورق هتتعدل لبنود جديدة وإنك ماضي إعتراف على نفسك بسرقة شركة شُكري مش شراكتك معايا. ودا كُله في مُقابل فلوسي اللي نصب عليا فيها.
أردف “الرجل” بتلك الكلمات في ثبـات مُتشبثًا بما قالهُ. جدحهُ آسر بنظرة ثاقبة وراح يُفكر فيمـا قاله مليًا ومن ثم إلتفت إليه ليعقد ذراعيه أمام صدره مردفًا بثبات:
_ أخد منك كام؟! وليه قررت تقولي وما تنفذش؟! وتفتكر بسهولة هصدقك؟!
هزّ الرجل رأسه مُتفهمًا ليميل بجذعه العلوي قليلًا ومن ثم إلتقط حقيبته الجلدية السوداء ليضعها على الطاولة أمامه. راح يلتقط مجموعة من الأوراق بأنامله ليُقدمها له بثبات قائلًا:
_ نصب عليّا في نص مليون جنية، وبعدين انا لا حرامي ولا نصاب علشان انفذ. هو دخلني معاه في شراكة ومشروعه فشل. وشرط عليا ألعب نصباية عليك علشان أخد حقي، ولأني عارف إنك أكتر واحد كاسر عينه وعاوز ينتقم منك ما كُنتش جيت حذرتك منهُ وطلبت مُساعدتك. إقرأ الأوراق بنفسك وانت تعرف كُل الحقيقة.
مسح آسر على وجهه بنفاذ صبرٍ، ألقى نظرة مُتعمقة فيما دُون داخل الأوراق ليتأكد من صحة ما سمعه بالفعل. تنحنح في حديثهُ قليلًا ومن ثم أردفت بوجه مُتجهمٍ:
_ أنا بقى عاوز منك خدمة..!!!
رمقهُ الرجل بترقب ونظرات ثاقبة فيما إلتفت إليه بكامل جسده مُردفًا باستئناف:
_ عاوز صور لـ ڤيلا شُكري.. من الأربع جهات بكُل مدخل ومخرج فيهم. لأني ما أفتكرش دخلت الڤيلا دي قبل كدا.
الرجل بترقُب:
_ إنت ناوي على أيه؟!
آسر وهو يربت على كتفه بثبات:
_ أنا راجل ما أحبش حد يسأل كتير عن شُغلي. فلوسك هترجع لك ودا المطلوب.
تلعثم الرجل في عباراته قليلًا قبل ان يُردف بحسم:
_ في حاجة كمان! شكري في مرة من المرات سمعته بيتحالف على بنت تقرب لك او تخصك بمُجرد ما يخلص منك والدور ييجي عليها.
آسر بلهفة مُحتنقة:
_ بنت؟! قالك اسمها أيه؟!
أضاف الرجل بنفي:
_ ما قالش دي كانت جُملة سريعة وما كانش عندي الجراءة استفسر. أنا حبيت أقولك علشان تاخد بالك وربنا يُستر على ولايانــا.
تاججت نيران الغيظ داخله ليصر على اسنانه بقوة يتوعد له بتهديدٍ وخاصةً بأنه لا يعلم أي فتاة قصد هذا الوغد. أنهي “الرجل” حديثه ثم ودعه ليسير خُطوتين للأمام وبعدها إلتفت قائلًا بتذكر لـ شيء ما:
_ آسر!! تقريبــًا البنت دي صحفية!
جحظت عيناها وهي تنظُر له بشدوه من إجابته على سؤالها تجاه الموقف الذي تعرض له ما أن وصل إلى بيته حيث كان هذا الرجل في إنتظاره. إحتفظ آسر بآخر جُملة قالها الرجل وهو يقُص عليها مـا حدث فلم يجد داعي لإقلاقها مادام هو موجود. وهنا تابعت “فداء” بغيظٍ:
_ الراجل دا حقير ومريض، أنا مش عارفة هيسيبك في حالك أمتى؟! بس أنا مش هسكت وهفضحة قُريب.
باغتها آسر بصوته الأجش يهتف بلهجة صارمة:
_ لأ، إنتِ مالكيش أي دخل في الحوار!! وما تحاوليش تعملي أي حاجة من ورايا. ما تنسيش إنك بنت مهما روحتي وجيتي! هتقفي قصاد جحش زيّ دا؟! وليه هتتجوزي عيل!!! أركبي وما تحطيش في دماغك كُل حاجة هتتم في الوقت المُناسب.
إنكشمت قسمات وجهها ضيقـًا، قامت بربط الخوذة على رأسها بإحكام ومن ثم وضعت كفيها على كتفيه لتصعد على متن الموتور وراح ينطلق بها حيث لقائه بـ “فايز”.
***
_ أدخلي؟!
أردف قُصي بتلك الكلمات في ثبـات. مـا أن فتح باب الغرفة وخطا خُطوتين للداخل ليجدها تقف أمام الباب بتوجس وريبة. رفعت عينيها له ترمقهُ بتوترٍ وقد جال الدمعُ في عينيها مُردفةً:
_ هقعد على البحر شوية!!
قطب قُصي ما بين حاجبيه بإستغراب، ليضغط على عينيه بنفاذ صبرٍ. مشى إليها بخُطوات مُندفعة ثم قبض على ذراعها برفق يحثها على الدخول قائلًا:
_ بُكرا عندنا يوم كامل نقعد قدام البحر زيّ ما إحنا عاوزين، أما دلوقتي فـ إحنا هناكل وننام. انا جسمي مكسر طول اليوم واقف على رجلي.
شهقت عنود برقة وهو يجذبها إلى الداخل ومن ثم أغلق الباب خلفهُ. وهنا أردف بثبات:
_ أنا داخل أخد شاور وإنتِ أطلبي الأكل اللي نفسك فيه عقبال ما أخلص.
أومأت عنود برأسها في خفة، ليتجه هو صوب المرحاض ما أن أنهى حديثه. فيما جابت هي الغرفة بعينيها تنظُر في تفاصيلها الدقيقة لتصدر عنها زفرة مُطولة. ســارت بهدوء نحو النافذة الزجاجية لتقف قبالتها تتأمل هذا المنظر الطبيعي الخلاب والأضواء الحالمة في ليلة مُقمرة وهنـا أردفت وهي تحتوي ذراعيها بكفيها:
_ يارب إديني شوية قوة أكمل، محتاجة أفهم نفسي. أنا مش عاوزة أبدًا وانا في طريق تحقيق حلمي، أخسر ناس بحبهم. لو نجاحي مش هيكون بيهم إغنيني عنهُ بعوضك في حاجات جاية أحلى يارب.
سقطت دمعة حارة من عينها لتُسرع بمسحها على الفور وهنـا إلتفتت بجسدها لتهتف بنبرة عالية بعض الشيء:
_ قُصي؟!
لم تجد منهُ ردًا لتتجه بخُطى وئيدة صوب المرحاض. رفعت كفها بعد أن ضمته بثبات، همّت أن تطرُق الباب بعد أن فتحت فمها تُخبره ما تُريد حتى وجدت الباب يُفتح. أطل قُصي من خلفه وكان جذعه العُلوي عارٍ من أي ملابس. تراجعت فجأة عن الطرق وقد جحظت عيناها بصدمة ليتابع هو بثبات:
_ نعم؟!
ابتلعت عنود ريقها بصعوبة، وغلب على صوتها نبرة تميل إلى التحشرج الباكٍ لتردف بخفوت:
_ كُـ ك كُنت هسألك، تحب تاكل أيه؟!
قُصي وهو يتجاوزها إلى خارج الغرفة:
_ مش هاكل، أطلبي لـ نفسك.
أغلقت عينيها على الأثر تتنفس الصعداء وبنبرة مُتوترة قالت:
_ اللي يريحك.
***
جلس الثلاثة إلى طاولة مــا بأحد المطاعم. تصافح كُلًا من آسر وفايز في باديء الأمر. تولى آسر أمر شرح فكرته لهمــا. كانت فداء في حالة ذهول وتحيُّر. وهنا أردف آسر بثبات:
_ الموضوع كُله مش محتاج أكتر من يوم لو مترتب له كويس، طبعًا أنا قصدتك بالأخص يا حظابط علشان إنت زميل قُصي. مش هحتاج منك غير مُساعدة لو حصل أي غلطة في الخطة.
أومأ فايز برأسه مُتفهمًا وبنبرة مُتحيّرة تابع:
_ طيب هو إنت هتسرقه ليه؟! ماتسلمه تسليم أهالى بالمُستندات المزورة معاك!!
أطلق آسر قهقهة عالية بعض الشيء، ومـا أن إنتهى حتى أردف بهدوء:
_ ومين قال إني ما فكرتش في كدا؟! بس دا يعمل أي حاجة وهيخرج بردو وهيعيش حياته ويأذي دا ويدوس على د.. لكن أنا عاوز أخرق قلبه.
فـداء مُتدخلة وهي تضرب على سطح الطاولة بثبات:
_ عندك حق يا أسورتي. دا راجل واطي ولازم يتعلم عليه.
تنحنح “فايز” قليلًا وهو يرمقها بتوجس وقد حاذرها خوفًا من شرها. قام آسر بإلتقاط كفها ثم قبلهُ بحُب لتبادله إبتسامة رقيقة داهمت شفتيها. ضيق فايز عينيه بشدوه وهو يرى تشقلُب حالها كُليًا ليجد آسر مردفًا بثبات:
_ أنا ممكن أقتله عادي علشان خاطرك.
إقترب قليلًا من وجهها وقد انغمسا في مشاعرهمـا. ليميل فايز إليهما بوجهه هو الآخر وراح يردف ببلاهة:
_ هو مش إنتِ بتاعة الهجمات المُرتدة!! أيوة إنتِ أُخت عنود العامري، طيب هو إنتِ عيانة!!!
نحت فداء ببصرها إليه ترمقهُ بحنق. وهنا أردف آسر بإستفهام:
_ هجمات مُرتدة؟!
فايز وهو يفتح فمه بحيّرة وقد هزّ رأسه إيجابًا:
_ أيوة، دي مُفترية وبتضرب أي حد. هو لمؤاخذة يعني إنت تقرب لها.
رفع آسر أحد حاجبيه وهو ينظُر إليها بترقُب قائلًا:
_ خطيبتي.
هبّ فايز من مكانه على الفور ليقترب من آسر وراح يضمهُ بين ذراعيه مردفًا بنبرة تُعازيه حروفها:
_ ألف لا بأس عليك أقسم بالله، دي المرأة الحديدية. طيب إنت مأمن نفسك منها، تعملك هجمة مُرتدة كدا ولا كدا تقوم كاسره لك زعازير رجلك كُلهم.
حدق آسر إليها في صدمة يتصنعها فهو يعلم شخصها المُشاكس واصرارها على استرداد حقوقها. افتر ثغرهُ عن إبتسامة عريضة بعدما إبتعد عنهُ فايز ومن ثم أردف بثبات:
_ ما تقلقش دي أليفة وانا مش بجوعها.
مطت فداء شفتيها بحنقٍ من حديثهما الساخر حولها. نحت ببصرها إلى فايز ترمقهُ بنظرات يتطاير منها الشرر وهنــا هبّت واقفة على الأثر وراحت تقترب من مقعده مُردفة بحدة:
_ أنا بحب أكل لحم البني آدمين أوي، دا غير الهجمات المُرتدة أصلي مُتعددة المواهب.
أنهت جُملتها ومن ثم مـالت على ذراعه وغرست أسنانها به ليصرخ فايز بتأوه مردفًا:
_ يا بنت العضاضة!!!
فتح آسر عينيه واسعًا ومن ثم استدار إليهما يضع كفيه حول خصرها وراح يهتف بلهجة آمرة:
_ الله يخربيتك!! بتعضي ظابط! ناقص مين ما عضتيهوش!!
حرر ذراعه من تحت أسنانها ليهبّ واقفًا وهو يتحسس مكان الإصابة قائلًا بغيظٍ:
_ أكيد لسه ما عضيتكش إنت؟! حسبي الله دا إنتِ مش ست، دا إنتِ راجل مُتنكر.
رفع آسر كفه على وجنته بعد أن جذبها إليه يقبض على ذراعها بقوة:
_ مين دي اللي ما عضتنيش؟! إنت مش شايف البوصلة اللي في خدي.
فداء بنظرة شرانية له:
_ كدا تفضحني قدام حبيبي، دا انا لو مسكتك هـ…
أخذت تطرق أسنانها ببعضهما عدة مرات. حدق فايز إليها بفزعٍ وراح يرتد بجسده للخلف لتستأنف هي بنبرة مُحتقنة:
_ هلعب في وشك بالسكاكين.
رفع آسر كفه إلى مؤخرة رأسه مُداهمــًا إياها بضربة خفيفة قائلًا:
_ إنتِ أساسًا مفضوحة. الموضوع مش محتاج تشهير ياعني. وإتنيلي أقعدي لأخبطك قلم ألزقك في الحيطة.
فداء وهي تستسلم على مضض:
_ هو أنا مش مرضيه. يعني حاسه إني لسه ما خدتش حقي. بس ماشي.
رفع آسر كفه يمسح به على وجهه بنفاذ صبرٍ. تنشق الهواء داخله لوهلة ومن ثم مـال بجذعه العلوي حتى نزع عنه حذائه وبنبرة صارمة أردف وهو يضعها على الطاولة:
_ بتقولي حاجة!!!
فداء بتلعثم:
_ لأ، مش بقول.
***
تلحف قُصي جيدًا وهو يُجاورها في الفراش يواليها ظهره. جلست القُرفصاء في ثبات تضع علبة البيتزا على حجرها. أخذت تلتهم الشطيرة تلو الأُخرى في حالة توجس منه وهنـا تابعت بصوتِ غير مفهومٍ تمضُغ الطعام الذي ملأ فمها دون منفس:
_ أخر كلام، مش هتاكل؟!
قُصي بإبتسامة باردة:
_ ألف شُكر. انا بس بستأذنك ما أصحاش الاقي طرف مني مفقود، أقوم مثلًا مش لاقي صوباع من صوابعي لأنك ما شبعتيش فـ أكلتيه.
لوت عنود شدقها بإمتعاض جلى في ملامحها. إلتقطت العُلبة بين كفها وراحت تضعها على الكومودينو المجاور للفراش. رمقتهُ بنظرة أخيرة عابسة قبل ان تتمدد في الفراش بجواره تواليه هي الأُخرى ظهرهـا.
أخذت تتقلب في الفراش بغير أريحيةً. وهنا صدر عنها تأففًا وشكوة وهي تتذكر وجود شقيقاتها إلى جوارها فقد إعتادت ضمهما أثناء نومها والاستشعار بلمساتهما بالقُرب منها كي تهدأ وتغط في نومها العميق بنفس راضية. حتى أنه غاب عن بالها إحضار دُميتها التي تعشقها وتضمها في غياب إحداهن. أحس بحركاتها المُستمرة وشيء فشيئــًا وجد ساقها قد إمتدت إليه لتضعها فوق ساقيه أثناء نومه على جنبه الأيمن. لم تكتفِ بهذا فحسب بل مدت ذراعها تحتضنه. جحظت عيناهُ في شدوه ومن ثم تحولت نظرته إلى أُخرى متوجسة حينما أردف بخفوت:
_ عنود؟! أيه النوم الكلابي دا!!!
شعر بحرارة أنفاسها الدافئة تخترق عُنقه من الخلف. إلتفت بجسده في تباطؤ بعد أن أبعد ساقها عنه بخفة ليجدها قد غطت في سُبات عميق.
وقعت عيناهُ على وجهها الملائكي ليُمعن النظر به في سعادة بالغة ليُمرر أصابعه يستكشف ملامحها بأنامله لأول مرة. شرد قُصي بها لمُدة ليست بالقصيرة وفجأة وجدها تتمطع بذراعيها ومن ثم والته ظهرها.
دقت عقارب الساعة حوالي الساعة الثانية بعد مُنتصف الليل. فتح عينيه بتثاقُلٍ وهو يفركهمـا بخفة ليصل إلى أُذنية صوت أنين صغير. نحا ببصره إلى موضع نومها ولكنه لم يجدهــا. استـــرق السمع إلى هذا الصوت من جديد ليتحرك بتوجس إلى آخر الفراش ومن ثم نظر من أعلاهُ ليجدها تجلس في أرضية الغُرفة وقد استندت بظهرها إلى الفراش تبكي بُكاءً خافت. حدق “قُصي بها في ذهول وهي تمسك علبة النوتيلا بين كفها ومن ثم تُدخل إصبعها إليها تُلطخه بالشيكولاته ثم تعود تضعه في فمها تستلذ بمذاقهــا. لم يعُد يدري أتبكي أم تتناول الشيكولاته! وهنا أردف بنبرة هادئة:
_ عنود!! إنتِ بتعيطي؟!
لم تلتفت له أبدًا او يُصيبها رجفة من صوته المُفاجيء بل هزت رأسها يمينًا ويسارًا مُطأطأت الرأس تتناول العُلبة بين كفيها بشراهة. استدار قُصي إليها بعد أن تدلى عن الفراش ليجلس أمامها القُرفصاء وما أن رأي ثغرها المُلطخ حتى أردف بصدمةً:
_ أعوذ بالله من الخُبث والخباث، إنصرفي لا تؤذينا ولا نؤذيكِ!!
عقدت حاجبيه وقد عبرت قسمات وجهها عن الإمتعاض لتردد ببُكاء صارخٍ:
_ عاوز أيه؟! هو انا عفريت ياعني مثلًا؟
فغر قُصي فاهه من بُكائها، ليرفع كفه أمامها مردفًا بنبرة هادئة:
_ أنا أسف، أهدي خاااالص!
قام بجذبها إلى أحضانه لتجهش هي في البُكاء ثانية وهي تصرخ به:
_ أنا مش عارفة أنام. أنت ضخم وواخد المكان كُله. أنا عاوزة أخواتي.
أوشك قُصي في هذه اللحظة على الإنفجار في قهقهاته ولكن أراد أن يمتص ضيقها ولا يزيد عليها حُزنها. ربت على خُصلات شعرها بحنو وبكفه الآخر بدأ يستئصل بُقع الشيكولاته عن فمها بإصبعها ومن ثم يتذوقها مردفًا بنبرة عابثة:
_ الله، شيكولاته بالقشطا!! نسيتي تحطي على مناخيرك يا عنقودة؟
قامت بإلتقاط الشيكولاتة بين أصابعها ومن ثم رفعت كفها حتى لطخت وجهه مُردفة بسعادة وقهقهة مرحة:
_ ما تاكل من وشك إنت، مالك بوشي؟
أسرع بتقليدها ليغمس أصابعه بعلبة الشيكولاته ثم يدهن وجهها كُله بهـا مُردفًا بضحكة خفيفة:
_ لأ،أنا بحب القشطا.
أخذا يمرحان سويـًا وقد لطخا بعضهما بالشيكولاتة. فيما تناست عنود أمر خوفها منهُ لتبدأ بإنفتاحها على هذه العلاقة دون وجلٍ أو رهبةً. كانت سعادتهُ لا توصف يضحك معها ملء شدقه. وقد يكون هذا سرُ من أشد أسرار هُيامه بهــا.
أسرع قُصي في هذه اللحظة بإلتقاط ذراعيها ليُقيدهما أمامها ومن ثم يسحبها إلى أحضانه مُردفًا بحنانٍ لاق به:
_ وأدي حجتك اللي مش عارفة تنامي بسببها. أقفلي عيونك بقى.
تنهدت عنود بأريحية شديدة وهي تُغلق جفنيها بإستسلامٍ شديدٍ وما هي إلا ثوانٍ حتى نامت دون أن تحتاج وقتًا لذلك فقد أُرهقت طيلة اليوم. أخفض قُصي بصره إليها ليجدها غطت في سُباتها ليرف بنبرة مُتحيّرة:
_ سيدة أعمال ومسؤولة شركة أيه دي؟! دي طفلة ما كملتش ست سنين أقسم بالله!!
***
في صباح اليوم التالي، تجمعوا جميعًا في حديقة القصر، يستمتعون ببعض الوقت قبل ذهاب جمال أمس اليوم بصُحبة فداء وآسر إلى القرية مُجددًا. جلس سالم يلعب الشطرنج بصُحبة صديقه فيمــا جاورتهما ” مُنى ” تُدعم من موقف شقيقها امام خصمه ولم تنسَ سلاحها المُحفز دائمًا حيث بدأت في تقطيع ثمرات التفاح إلى شرائح تضعها أمامهما في سعادة. وفي هذه اللحظة إلتفتت بعينيها إلى هؤلاء المجانين.
_ أمــا براوه براوه.. أما براوه.. دوار حبيبي طراوه.. أخر طراوه.
صدح صوت ” مُراد ” ينشد هذه الأُغنية عاليًا ليتردد صوته في جنبات القصر بأكمله. حيث جلس على سطح القصرِ وقد تدلى ساقيه في الهواء يمسك بين كفيه خيوط البالونات المُجمعة في عُقدة واحدة ومن ثم تابع بنبرة حزينة:
_ هو فين دوار حبيبي دا؟! هو انا لاقي كلبة جربانة أحبها. دا انا هعيش وأموت سنجل باين ولا أيه؟!
في هذه اللحظة سمع صوت شقيقه يهتف بحنق:
_ مُراد يا زفت!! إخلص!
إلتفت مُراد إلى شقيقه وقد تذكر سبب وجوده فوق السطح، عندما قرر يامن أن يُفاجيء زوجته بمجموعة بالونات وقد ربط قطعة شيكولاته مُغلفة في نهاية كُل بالونة ولصق صندوق الدبلة القطيفة بإحدى البالونات. وهنا أسرع مُراد بتحرير البالونات من بين راحته. ابعد يامن كفيه عن وجهها لتهتف فداء بسعادة وهي تُشير بإصبعها عاليًا:
_ بيسان، بُصي فوق!!
نحت بيسان ببصرها عاليًا وهي تنظُر إلى المنظر بفرحة عارمة. بدأت بفرد ذراعيها أمامها. وهنا أسرع يامن بالقبض على عُقدة البالونات مُردفًا بحنو:
_ ما ينفعش بيسان يكون نفسها في حاجة وما تجيش!
رمقتهُ بيسان بفرحة ومن ثم راحت تحتضنه بحُب قائلة:
_ كُنت مُتأكدة من دا.
إلتقط يامن العلبة بكف وبالأخر فتح العلبة ثم أمسك الخاتم لتمد كفها له حتى استقرت الدبلة بين أصابعها. تنظُر لهــا برضى جـمّ فيما باغتها هو بقُبلة طويلة على وِجنتها.
تعالت الصفافير من قِبل فداء ومُراد. أطلقت مُنى قهقهة سعيدة عليهم لتردف متوجهة بحديثها إلى شقيقها:
_ لايقين على بعض أوي يا سالم.
سالم بضحكة راضية:
_ ودا اول شرط في رجالة بناتي.
في هذه اللحظة قطع حديثه صوته الذي ردد وهو يقف أمامهم بنبرة ثابتة:
_ وانا؟! ما أخدتش رأيك فيّا؟!
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم عليا شعبان
بين فرح يبكينا وآخر يزعجنا، قضية شد وجذب.. أطراف أنهكها الضغط فهتفت لك أن تستسلم.. كنت في حاجة ماسة إلى دفعة تعينك على الخضوع، فاتتك.
***
"وأنا! ما أخدتش رأيك فيها!!"
قالها آسر وهو يقف أمامهم مباشرة، نحا سالم ببصره إليه ليفتر ثغره عن ابتسامة أبوية حانية:
"إنت مش محتاج تعرف رأيي فيك يا آسر، إني أدخلك بيتي وأوافق عن قربك من بنتي.. وراحة بالي عليها وهي معاك.. دي كلها حاجات بتثبت رأيي فيك."
تنهد آسر بأريحية، أسرع بجذب مقعد ما ليقربه من سالم ثم جلس إلى جواره مردفاً بنبرة هادئة:
"حيث كدا بقى، أنا عاوز أقولك اللي في قلبي كله.. وناخد خطوة."
رمقه "سالم" بجدية شديدة وراح يوميء برأسه بثبات، فيما تهللت أسارير وجه "منى" وقد علت نبرة صوتها تنادي الجميع وكأنها فهمت ما يرغبه آسر:
"فداء! تعالي ضروري إنت والولاد!"
إلتفتت إليها فداء بهدوء ومن ثم تحولت ملامحها إلى الدهشة، ذأبت في خطواتها إليهم بعد أن صدمت من مجيئه دون إخبارها.. استتبعها الآخرون لتجد "آسر" يردف بحسم:
"بصراحة يا عمي.. أنا بحب فداء جداً، مش حابب فكرة الخطوبة نهائي.. لو دا مش هيضايقك فـ أنا كنت عاوز أقرأ الفاتحة مع حضرتك وألبسها الدبلة.. وأنا حالياً فاضل لي خطوة على الجواز.. بمجرد ما أخلص منها وهي تخلص حملة التوعية في القرية.. نكتب الكتاب في يوم الفرح.. حضرتك طبيعي هتشوفني متسرع بس أنا مش عاوز علاقتي الغير رسمية بيها تطول أكتر من كدا.. فـ حضرتك قولت أيه؟"
رفع سالم بصره إليها يبحث عن رد فعلها وسط ملامحها الفرحة، وهنا تدخلت منى مردفة بنبرة سعيدة:
"أنا مع آسر جداً، جه الوقت اللي نفرح بالبنات يا سالم.. أنا من رأيي شهر كويس أوي يظبطوا فيه أمورهم ونعمل فرح للبنتين!"
اومأ سالم برأسه متفهماً ليجوب ببصره بين ابنتيه مردفاً بتساؤل:
"أيه رأيكم يا بنات؟.. شهر هتلحقوا؟!"
فداء وبيسان في نفس واحد: أيوه…
جمال بضحكة خفيفة: وأهي الفرحة تبقى تلاتة.
آسر وهو يهتف بنبرة حماسية: طيب نقرا الفاتحة يا عمي؟ ونلبس دبل!!
قطب سالم ما بين حاجبيه ومن ثم أردف بتوجس:
"هي الدبل معاك كمان؟!"
وضع آسر كفه في جيب بنطاله ليخرج منه علبة قطيفة حمراء اللون ومن ثم وضعها على الطاولة أمامهم قائلاً بثبات:
"موجودة يا عمي.. نقرا؟"
سالم بقهقهة خفيفة وهو يربت على كتفه: على بركة الله.
بدأ الجميع في قراءة الفاتحة بين سعادة ورضا.. رمقته فداء بنظرة هائمة بمفاجأته لها.. انتهي والدها من القراءة ليحثها على السير ثم الجلوس إلى جواره لتنصاع في سعادة تامة.. التقط آسر الدبلة بين أنامله وراح يضعها في إصبعها لتفعل هي نفس الشيء وهنـا أطلقت منى زغرودة صدح صوتها في جنبات القصر.. وأخيراً أحست بأن رسالتها في هذه الدنيا أوشكت على أن تنتهي.
انتهى آسر مما يفعله ليصافح سالم بحرارة شديدة ومن ثم مال على كفه يقبل ظاهره بصدق وسعادة.. بادله سالم ابتسامة حانية وراح يحتضنه بحنان أبوي قائلاً:
"مبروك يابني.. ربنا يسعدكم ويبارك لكم في اللي جاي من حياتكم."
فداء بفرحة: ويبارك لنا في عمرك يا بابا.
جمال بنبرة حاسمة: ها يا ولاد.. جهزتوا لبسكم علشان هنسافر بالليل.
آسر بثبات هازاً رأسه: هعمل مشوار سريع بس تكون فداء جهزت لبسها ونتوكل على الله.
مراد متدخلاً بنبرة ترجّي: خدوني معاكم يا فداء؟! عاوز أشوف القرية وأغير جو.
رمقته منى بضيق وراحت توميء رأسها برفض قاطع:
"فاضل لك شهر واحد بس على الإمتحانات.. خلصها وروح مكان ما إنت عاوز."
تنحنحت فداء قليلاً بعد ان رأت خيبة الأمل في تقطيبة وجهه لتلتفت إلى عمتها مردفة بهدوء:
"بصي يا عمتو.. أنا عندي حل كويس ومريح.. إحنا ممكن ناخده معانا ونهيأ له الجو تماماً علشان يذاكر واهو يبقى غير مكان مذاكرته طالما هو حاسس بخنقة وملل.. وأوعدك ههتم بيه ومش هقصر معاه في أي حاجة.. دي حتى طنط حسنية هتغذيه لك.. بالله عليك وافقي بقى يا مامن.. ولازم تبقي واثقه في أي حاجة بتقولها فداء."
سالم وهو يوميء برأسه في إعجاب من طرح فكرتها:
"عجبتني الفكرة جداً."
مراد وهو يقترب من خاله يقبل جبينه بمشاكسة:
"يسلم لسانك يا سالم.. والله دا انت لو كان عندك بنت رابعة.. كنت إتجوزتها أنا."
افتر ثغر منى عن ابتسامة هادئة وهي ترى تأييدات الجميع لفكرة فداء لتصبح تحت ضغط القبول.. ضربت كفاً بالآخر بخفة وبنبرة مستسلمة تماماً:
"يعني أنا اللي همشي كلامي عليكم كلكم؟! مش هكسف حد فيكم بس يوم النتيجة متوقف على ثقتي فيكم ناحيته.. للعلم أن مش حابساه.. أنا بس عاوزاه يحط رجله على أول طريق النجاح ورسم كيانه له يكافح بيه ضد الحياه.. أصلي مش هعيش له العمر كله."
ســار يامن صوب والدته وبعدها التقط كفها وراح يقبله بسعادة وحب:
"ربنا يخليكي لينا يا ست الكل."
مراد وهو يلتقط كفها الأخرى يقبله ثم يؤمن على دعاء شقيقه:
"أميــــــن."
***
تمطعت في فراشها الناعم بذراعيها فقد نامت كل هذه المدة.. فتحت عيناها بتثاقل تنظر إلى الفراش الشاغر بجوارها.. أين يكون إذا؟! قطبت ما بين حاجبيها وراحت تنظر في ساعة هاتفها لتشهق شهقة رقيقة وهي تنتفض جالسة في الفراش لتردف:
"الساعة 3 العصر؟! أنا نمت كل دا!!! .. وفين قصي؟!"
تنهدت بثبات وهي تتذكر الأمس وكيف أسكنها بين أحضانه دون أن ينفر من تقلبات مزاجها الحادة.. تتذكر كيف عاملها بطفولة وتنازل أخيراً عن عرش كبريائه وصرامته القاتلة.. بانت معالم وجهه أمام مراءى عينيها وهو يداعب أنفها بحلوى الشيكولاتة كـ صغيرته التي جاهد ملياً في إرضائها.. داهمت ابتسامة رقيقة ثغرها وهي تنهض في مكانها بحثاً عنه.. وبنبرة عالية بعض الشيء تابعت:
"قصي؟! إنت في التواليت؟!"
صمت تغيبه أجابها.. التفتت تسير حيث الشرفة المقابلة للفراش.. أزاحت الستار جانباً بهمة ومازالت تستشعر ملمس أنامله تعبث بأنفها.. أرجعت خصلات شعرها خلف أذنها وما أن همت بالإنغماس في هذا الموقف الذي بمثابة حلم جميل لها حتى جحظت عيناها بصدمة وهي تنظر إلى حوض السباحة أمامها.
استحال لون وجهها إلى الإحمرار الصارخ وهي تجده يقف في منتصف حوض السباحة وتقف بجواره فتاتين ومن الواضح بأنه يعلمهن طريقة الغوص.. تنشقت الهواء داخلها بعصبية حاولت تجرعها.. رفعت شعرها عالياً وراحت تلفه كعكة تقبع بمنتصف زاوية رأسها لتذأب في سيرها خارج الغرفة.
نزلت إلى ساحة الإستجمام لتسير بإندفاع صوب حوض السباحة ومن ثم توقفت أمامه مباشرة وهي تضع ذراعيها بمنتصف خصرها تقول بنبرة جامدة:
"قصي بيه؟! إنت ناسي إن دا وقت غدا؟!"
نحا قصي ببصره إليها.. أزاح قطرات الماء الساقطة على عينيه بخفة وبنبرة ثابتة أردف:
"لأ.. إنت اللي ناسيه إن ميعاد الغدا فات!! صحي النوم."
أغلقت عنود عينيها بقوة تتجرع غيظها داخلها فيما استأنف هو حديثه مع الفتايات قائلاً:
"فرصة سعيدة.. وحاولي ما تنزليش الحوض تاني إلا بمرافق."
ثبتت عنود مقلتيها أمام عينيه مباشرة وقد ظهرت ابتسامة صفراء على شفتيها لتهتف بغيظ:
"هو فعلاً عنده حق مش كل مرة تسلم الجرة يا حبيبتي.. بعد كدا مش هتلاقي منقذين وتغرقي تموتي إن شاء الله."
افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة حاول ألا يظهرها.. تحرك عائماً حتى حافة الحوض ومن ثم استند بذراعيه مردفاً لها بنبرة باردة يتصنع الجهل بغضبها:
"خير؟! في حاجة مضايقاك؟!"
في هذه اللحظة لفت إنتباهها خروج الفتيات من حوض السباحة مرتديات مايوه صارخ في بشاعته وظلتا تحدقان به في إعجاب لتلتفت إليه مردفة بحنق:
"لا مش متضايقة.. بس جوعت.. ممكن نمشي بقى علشان إتخنقت!!"
أومــأ برأسه بثبات وراح يستند على ذراعيه حتى قفز لخارج حوض السباحة.. استشاطت غضباً من هاتين الحماقتين.. لتسرع بإلتقاط منشفته الخاصة وراحت تغطي به جسده العاري لتقول بعصبية خفيفة:
"أمسك الفوطة كويس."
فهم قصي غضبها الجامح وسعى في إثارة غيرتها بوفرة حيث التفت ببصره إلى الفتيات ثم لوح لهما بثبات وأعقب ذلك غمزة من عينيه.. بادلته الاثنتان ابتسامة لتجدحهما عنود بحنق ومن ثم أخرجت لسانها عن فمها قليلاً تستفزهما بعصبية.. حتى اتجه معها إلى داخل الأوتيل.
***
"عملت تصاميم جديدة؟! إزاي وأمتى؟!"
أردفت "هانيا" بتلك الكلمات في غيظ وقد فغرت فاها بصدمة من هول المفاجأة.. كيف تتمكن من ابتداع تصاميم جديدة وتنفيذها في إسبوعين فقط؟! هل تخاوي جن فرضاً؟! حدقت إليه في عدم استيعاب فيما رفع الآخر كتفيه عالياً ثم أنزلهما بتجاهل للأمر:
"أنا لحد دلوقتي مش عارف كل دا حصل إزاي.. أنا إتفاجأت زيك زيك وهي بتتصل بيا وتقولي (استعد للسفر علشان هنحضر العرض).. دا انا لحد دلوقتي في حالة ذهول.. بنت العفاريت دي عملتها إزاي!!"
هانيا بذهول تام: وأيه حكاية جوازها دا كمان؟! إنت ما حضرتش الفرح!!!
شاهين بنفي: عرفت بردو بالصدفة وإن الموضوع جه بسرعة وما عملتش فرح من الأساس.. بس واضح أوي ان جوزها دا مقويها.. أنا أصلاً بمجرد ما بشوفه بخاف من شدته وملامحه الحادة.
تقريبًا مش بشوفه بيضحك خالص.
ضيقت هانيا عينيها بترقب ومن ثم تابعت بتوجس:
_ هو إنت تعرفه؟
شاهين وهو يوميء برأسه إيجابًا: شريكها.. اللي عملتي معاه مشاكل قبل كدا.. قصي الدمنهوري!
ضغطت هانيا على عينيها بحنق وراحت تصر على أسنانها تردف بنبرة مشتعلة:
_ أه بنت العامري! بتقعي واقفة في كل مرة بتبقى قربت حياتك فيها تنتهي.. إنت عارف إن بسبب وجودها في العرض دا هيمحينا!
شاهين بتساؤل وحيرة: يعني إنتِ عارفة إنها هتكتسح؟ وهتوصل لـ عروض أكبر في دول اوروبية!
هانيا وهي تزفر بحرقة لتضرب حافة الطاولة بكفها:
_ طبعًا.. دي عنود العامري.. يعني الذكاء في تقديم كل جديد.
***
اصطفت سيارة آسر أمام قصر الدمنهوري بإحدى قرى أسيوط.. ترجل الجميع خارجها.. فيما أسرع آسر بإخراج الحقائب من شنطة السيارة.. وهنـا سمعوا صوت أحدهم يهتف بنبرة عالية:
_ فدااااااااااااااااه.
أسرع مراد بالإقتراب من فداء ومن ثم تشبث بذراعها وهو يردف بنبرة خافتة يشوبها التوجس:
_ يــاما! زلزال دا ولا إيه؟
افتر ثغرها عن ابتسامة عريضة وهي تنظر على مدى بعيد لتردف وهي توميء برأسها سلبًا:
_ لأ.. دا مش...
قطع استئنافها لحديثها ذاك الذي ألقى بنفسه أمامها.. ومن ثم دفع بـ (مراد) لمساحة بعيدة حتى سقط أرضًا.. ليتشبث مصطفى بذراعها في سعادة غامرة وكأنه لم يفعل شيء من ثوانٍ فحسب.. ليهتف قائلًا:
_ أخيرًا چيتي! وحشتيني جوي ووحشتي زغلول والدوار والفروجات.
تنحنحت فداء قليلًا وهي تحدق بابن عمتها الساقط أرضًا مردفًة بفزع:
_ مراد حبيبي.. قوم.. تعالى!
مــدت ذراعها إليه.. فيما وضع ذراعه خلف ظهره مرددًا بتاوه:
_ أيه العربية النقل دي؟ دا فرحان ولا كأنه شاط كوره لبعيد.
آسر بقلق عليه: مراد.. إنت كويس؟ ولا مـنى تودينا المحاكم؟
تجهمت معالم وجه "مصطفى" حنقـًا وهي تصـب اهتمامها كله للآخر.. وهنـا اتجه صوب مراد مـندفعـًا.. وبعدها ألقى بنفسه على الآخر وهو يهتف بنبرة عابسة:
_ هو أني مش وحشتك؟ طب أهو!
مراد وقد جحظت عيناه بصدمة: نهار أسود! مبنى عشر أدوار وقع عليا.. إلحقني يا آآســـر!
أسرع جمال إليه على عجلة من أمره.. وبنبرة صارمة أردف:
_ مصطفى! أيه يا ولد اللي إنت بتعمله في الضيوف دا.. عيب!
مصطفى وهو يلوي شدقه حزنًا: أتركها يومين.. تتخذ صديقـًا آخر غيري؟ الإنسان لا يطمر فيه العيش والملح والجصب.
أطلق آسر قهقهة عالية.. ليقترب من مصطفى مـحاولًا إبعاده عن الآخر.. فيما أردف مراد وهو يقطب حاجبيه باستغراب:
_ ماله دا؟ دا باين أنه نيزك فضائي واقع من قناة (سبايستون).
إلتفت إليه مصطفى بسعادة وهو يهتف بتساؤل وقد تهللت أسارير وجهه:
_ إنت بتتفرچ عليها زيـي؟ طيب عارف قناة (ناشونيلا)؟
بدأ مصطفى يتحرك عنه تلقائيـًا.. فيما اندمج مراد معهـ مردفًا بحيرة وسط نظرات الجميع المصدومة من هذا الاندماج السريع والفوري:
_ ناشونيلا؟ لا مش عارفها!
مصطفى وهو يضرب على كتفه بخفة:
_ على وزن چاتك نيلا.. هأهأهأ.. هجولك أني.. بيذيعوا فيها إن الدنياصور كبير القبيلة بيتچوز دنياصوره وبيخلفوا دناصراصير.. عرفتها؟
مراد بتقطيبة مريبة: ناشيونال جيوجرافيك؟
مصطفى بضحكة بلهاء: إيوة.. چدع عرفتها لوحدك.
فداء بضحكة عالية: فين يا مصطفى السسكار بتاعي؟
نهض مصطفى من مكانه بتثاقل.. وراح يمد كفه مـعاونـًا مراد على النهوض.. ليقول بنبرة انتصار وفخر:
_ حطيته في چهاز أمي.. أصلها صعبت عليا لما جالت لي أن چـدتي ما جابتلهاش في چهازها غير طشت والحلة اللي بناكول فيها.. فـ أنا جولت أواسيها بالشالة بتاعتك تنف فيها.
فداء بصدمة: نعممممم!!!
***
قامت بالجلوس إلى الفراش.. وهي تـمدد ساقيها أمامها وتضع قدمها فوق الأـخرى.. تنظر إلى شاشة التلفـاز بإندماج وترقب.. وقد أمسكت بكفها علبة تحتوي على الكثير من حبات البوشـار تلتهم الواحدة تلو الأـخرى.. وهي تـشاهد أحد أفلام الكرتون المـحبب إلى قلبها.
ترجل خارج المرحاض لتنتج عنه عطسة لفتت انتباهها.. فقد أصابه الإعياء بوضوح.. نحت ببصرها إليه لترفع أحد حاجبيها مـردفًة بثبات:
_ أيه يا قـصي بيه؟ هم المـنقذين بييجي ليهم برد زيـنا.
رمقه قـصي بنظرة غامضة وهو يقترب منها بخـطوات مـتباطئة.. وما أن وصل إلى الفراش حتى مال بجذعه العـلوي إليها قائلًا بحنق:
_ إنتـ دعيتي عليـا؟
عنود وهي تبتلع ريقها بوجل.. لـ ترد د وهي تلوي شدقها:
_ وانا هدعي عليك ليه يعني؟ مش انت اللي عامل فيها بطل ومـنقذ وإحنا في بوادر شتا؟
مـال قـصي بجسده إلى الفراش ليصعده.. ومن ثم اسند ظهره إلى الوسادة.. لتصدـر عنه عطسة جديدة.. رمقتهـ هي بنظرة مـشفقة.. لتردف بنبرة هادئة:
_ استنى هعمل لك كمادات.. وخـد برشامة واتغطى وهتبقى كويس إن شاء الله.
***
"في صباح اليوم التالي"
تقابلت عنود بطاقم عملها الثلاثة بمطار القاهرة الدولي.. يصعدوا جميعـًا على متن الطائرة المـتجهة برحلتها إلى دـبي.. مرـت عدد الساعات عليها بطيئة.. وقد بدى التوتر على قسمات وجهها بوضوح.. فيما أستمر قـصي في إلقاء كلمات مازحة على مسامعها تـلهيها عن مخاوفها.. وبين الفينة والأـخرى يرمـق ذاك الذي يجلس في المقعد المـجاور لهـم بشيء من الوعد والوعيد.
وصلت الطائرة بهمم إلى مطار دـبي.. ليستقلوا سيارة خاصة ارسلتها الشركة الراعية للعرض.. لتصطحبهم إلى الفـندق الذي سيتجهزون به.
بدأت التجهيزات للعرض على قدم وساق.. حيث بدأت بمـراجعة تصاميمها والعمل على تنسيق الألوان التي ستـعرض على لجنة الحكم.. جلسـا معـًا في غـرفة أـعدت لـكل مـشترك.. وقد زـودت بغرفة صغيرة مـلحقة بها للبروڤـة.. أخذت تفرـك كفيها بتوتر.. وهي تشعـر بأنها في حالة سيئة.. وفي هذه اللحظة دلــف شاهين إلى داخل الغـرفة مردفًا بثبات:
_ كـل حاجة تمام يا عنود.. صابرين استلمت قايمة اسماء مصففي الشعر والتجميل اللي هيمسكوا قسم مجموعتنا.. وانا استلمت قايمة العارضـات وعشر دقايق وهيكونوا موجودين.
ومن ثم استئنف حديثه وهو يردف بنبرة يفتعل منها القلق:
_ بس إنتـ مالك كدا؟
عنود وهي تتنشق الهواء داخلها بثبات: مافيش.. بخير الحمد لله.
شاهين بابتسامة صفراء: واحدة زيـك ماينفعش تقلق أو تخاف من هانيا.. وريني كدا إبداعاتك.. لحد دلوقتي ما شوفتش ولا موديل!
مـد "شاهين" كفه حيث الملف الاحتياطي للتصاميم.. وهنا هتف قـصي وهو يدلف داخل الغرفة يمنعه بثبات وحدة.. بعد أن وضع كفه على الملف:
_ أنا مراتي معدية كـل الناس.. يعني تخوف وما تخافش.. اما بالنسبة للتصاميم فـ انا سلمت الملف الأساس لـ اللجنة.. ورأيك مش هيهمنا كتير.. ياريت تركز في شـغلك وتستعجل العارضات.. مش فاضل غير ساعة.
تنحنح شاهين بإحراج.. وهو يبعد كفه على الفور.. ليردف بنبرة مـتوترة وهو يتجه صوب الباب:
_ حاضر يا قـصي باشـــا.
عنود وهي ترمقهـ باستغراب: ليه كلمته كدا؟
تنهد قـصي تنهيدًا ممدودًا بعـمق.. ومن ثم جلس إلى المقعد المـجاور لها.. وراح يلتقط كفيها مـردفًا بحنو:
_ فـكك من كـل الناس دي.. المهم أنا جيبت لك خط علشان تقدري تكلمي أخواتك قبل العرض.. انا عارف إن دا هيفيدك جدًا وهيخفف من حدة التوتر معاك.
ارتأى قـصي الصمت عن فضح هذا المعتوه في الوقت الحالي.. حتى لا يؤثر عليها سلبًا أو يمنعها عن التركيز.. تهللت أسارير وجهها بسعادة جمـة.. ومن ثم إقتربت بوجهها منه.. وراحت تـقبل وـجنته بسعادة صادقة.. وأعقب ذلك حركة تلقائية منها.. حيث ألفت ذراعيها حول عـنقه تصرخ بفرحة:
_ انا بحبــــك أوي.
رواية جميلتي الصهباء الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم عليا شعبان
شــدّ على خصرها بذراعيه وقد أنارت كلماتها وجهه، يستلذ بجمال نبرة صوتها وهي تقولها وبنبرة هائمة بها أردف:
_ وأنا بعشقك، وبفرح تلقائي لمّا بتفرحي.
ابتعدت عنود عنه قليلًا. تلاقت أعينهما في هذه اللحظة. داهمت شفتيها ابتسامة عذبة تتفحص ملامحه بدقة غير معهودة منها لتقول بنبرة هادئة:
_ أنا إزاي كنت فاهمـاك غلط كدا؟! وإزاي أصلًا كنت أنانية ومش شايفـاك من زمان؟! إنت حاجة عظيمة أوي وتفرح أي قلب. إنت سند لو كان ضاع مني، ما كنتش هلاقيه تاني. فـ الحمد لله.
رفع قصي كفيه إلى وجهها وراح يلمس وجنتيها الناعمتين بأنامله. سرح قليلًا بها لينساق خلف اشتياقه لها وما أن قرب وجهه منها أكثر حتى قطع شروده بها صوت صابرين وهي تتنحنح بخجل:
_ أحم أحم.. بعتذر.. بس العارضات وصلوا.
افتر ثغر عنود عن ابتسامة متوترة توميء برأسها إيجابًا فيما نحا ببصره إلى الأخرى وراح يرمقها بصلابة وصوت أجش:
_ هو دا وقته يا صابرين؟! طيب مخصوم منك يومين.
حدقت عنود إليه في شدو من جراءته لتعض على شفتيها خجلًا مما يقوله. اجتاحت حمرة خجل وجنتاها لتلتفت إلى صابرين التي تقف على استحياء تندب حظها بمجيئها في هذه اللحظة.
_ بيهزر يا صابرين.. طبعًا خليهم يدخلوا علشان نبدأ.
هزت صابرين رأسها بتفهم لتبدأ في اصطحاب العارضات إلى الغرفة الكبيرة وتبعهم مجيء مصففي الشعر والتجميل. تنهد قصي بثبات ليلتقط هاتفه مردفًا بهدوء:
_ يالا، امسكي الفون وكلمي البنات واتطمنوا على بعض.
التقطت عنود منه الهاتف على عجلة من أمرها لتتجه في زاوية من الغرفة كي تهاتف شقيقتها. ما أن وجدت رقمًا غير مصري حتى تيقنت من أنها شقيقتها لتجيب عليها بنبرة حانية:
_ عنقووووودة!!!
عنود وهي تجيب عليها بسعادة:
_ قلبي؟! وحشتيني اليومين دول وبيسو وبابي ومنمن ومراد ويامن.
فداء بابتسامة خفيفة:
_ وأنا اللي كنت فاكرة، إنك هتكوني متوترة وقاعدة قلقانة عليكِ.
عنود وهي تنظر إلى زوجها بسعادة وعينين تلمعان ببريق أمل:
_ ما هو قصي جنبي.. هتوتر ليه؟!
ضيقت فداء عينيها بدهشة وراحت ترفد بنبرة متوجسة:
_ إنتِ بتقولي عليه كدا، تحت تهديد السلاح؟! ولا إنتِ سخنة ولا مالك؟!
أطلقت عنود قهقهة خفيفة وبنبرة حانية تابعت:
_ هحكي لك بعدين يا قلبي، بس إنتِ ادعي ليّ كتير أوووي.
_ ربنا يعوض تعبك خير يا بنت سالم، وما يحرم قلبك من فرحة النجاح بعد تعب ومجهود.
قالت فداء دعاءها وهي ترفع وجهها للسماء. تخرج كلماتها من بين ثنايا قلبها الناصع البياض. فقلبها بفرحة شقيقتها ونصفها الآخر، يتلهف للفرح والإحتفال. انتهى الحديث بينهما على موعد من حديث آخر بعد انتهاء العرض.
ضمت فداء كفيها إلى قلبها وقد أغمضت عينيها بهدوء وافر وأخذت تردد بصوت خافت:
_ خليك جنبها يارب، وكل حاجة بعد كدا هتكون أحلى.
وجدت ذراعين يمتدان حول خصرها. فتحت عينيها على فجأة ومن ثم التفتت له وراح تتنفس الصعداء وهي تردد بنبرة قلقة:
_ خضتني؟!
قطب آسر ما بين حاجبيه باستغراب ليُرخي كفيه عن خصرها ومن ثم التقط كفها ليرفعه على فمه مقبلًا الدبلة بحنو جارف:
_ طبعًا قلقانة علشان عنود؟!
فداء وهي توميء برأسها إيجابًا:
_ قلقانة عليها أوي.. خايفة ما تحققش اللي طول عمرها بتحلم بيه.. ادعي لها يا آسر!!
رفع آسر ذراعه إلى مؤخرة رأسها يدفعها برقة حتى تستقر على صدره مردفًا بنبرة ثابتة:
_ بدعي لها حبيبتي.. يلا بقى علشان منير وصل وجمعوا الستات في الصالة.
جال الدمع في عينيها ولكنها ابتعدت عنه قليلًا تتنشق الهواء داخلها وبنبرة ثابتة تابعت:
_ تمام، أنا جاهزة ويارب تعبي في الحملة دي ما يروحش هدر.
انطلقت معه صوب صالة المناقشة حيث قامت باستدعاء سيدات البلدة بعد أن جاءها طاقم عملها صباح اليوم، فهي تنوي دراسة الموضوع من جذوره حتى تصل إلى حلول متوغلة للمشكلة وأكثر إفادة في المعالجة. وما أن وصلت للداخل حتى وقفت أمامهن مباشرة وبابتسامة صافية أردفت:
_ طبعًا مش محتاجين إن إحنا نتعرف على بعض نهائي.. جمعنا مواقف كتير أوي.. وماحدش فينا هينسى مساعدتكم معانا في تصاميم العرض، أنا جمعتكم النهاردة علشان نحاول نفهم أسبابك كأم واللي بتدفعك تجوزي بنتك قبل سن العشرين.. وطبعًا حابة أسمع آرائكم كلكم!!
بدأت فداء تتحرك بين السيدات بتفاعل وحماس وكذلك وجدت رغبة في التغيير من كثير من السيدات اللاتي أُجبرن على هذه الخطوة بفعل الظروف. لتتجه ببصرها إلى سيدة ما وبنبرة هادئة قالت:
_ إنتِ كأم، ليه توافقي تجوزي بنتك قبل سن العشرين؟!
السيدة بضيق:
_ الحِمل بيكون زايد علينا جوي، وإخواتها كتير ومصاريفهم أكتر فـ اللي تبلغ نِجوزها.. يا فداء هانم دلوجتي اللُجمة مش بنلاقيها والفلوس مافيهاش بركة والعيشة بجت صعبة علينا وماحدش حاسس.
أومأت فداء برأسها في تفهم لتقول بنبرة ثابتة:
_ العيشة فعلًا بقيت صعبة، بس الحل مش في روح واحدة.. ما أفتكرش إنها حِمل عليكم او إنها محور الأزمة.. لازم تفهموا إن زي ما في عقوق والدين، في عقوق أبناء.. والأم اللي تحرم بنتها من إنها تعيش سنها وتتعلم وتبني كيان وتحقق ذات بحجة إنها بقيت حِمل تقيل عليهم، تبقى أم عاقة.
على صوت غمغماتهن في الصالة وقد توحشن هذه الكلمة وتجهمت وجوههن دون قبولها لتقول إحداهن بحزن:
_ عقوق إيه يا ست فداء، إحنا بنأمن لهم مستقبلهم مع راجل يصونهم وبعدين دي سِلو بلدنا وما ينفعش نعصيه.
فداء وهي توميء برأسها بنفي منقطع النظير:
_ سِلو بلدكم؟! هل إنتِ مجبرة تمشي على سِلو بلدك علشان هو سِلو؟! ما تعصيهوش إزاي؟! هو قرآن؟! ربنا ما خلقناش في الدنيا دي مسيرين.. لا دا إحنا مخيرين في كل حاجة والدليل على كدا إنه ميزنا عن الحيوانات بالعقل والآدمية (وهديناه النجدين)، عندك طريق خير وشر وانتِ وعقلك والشيطان تالتكم هيتغلب عليكِ وتعملي الغلط تحت مسمى السِلو واللي هو مش موجود في القرآن ولا هتستفتي قلبك وتدوري على الخير وتبقي فيه سبّاقة!!! كل بلد وليها عادات وتقاليد ودورك تختاري منها اللي يناسبك ويناسب دينك.. أقرب مثال، في دول أوروبا بيعترفوا بالشواذ وشايفين إن دي حرية شخصية ولازم يدوهم حقوقهم وهناك في طبعًا مسلمين.. فـ هل مسلمي أوروبا معترفين بحاجة عكس دينهم لمجرد إن سِلو بلدهم أقر دا؟!.. ولا هيبصوا للدين ويقارنوا ويشوفوا إن ربنا أباد قوم كامل بجهالتهم علشان كانوا عكس الفطرة وغير سويين!!
هتفت إحداهن بنبرة سادرة:
_ بس يا فداء هانم، إحنا لو سيبنا البت من دول تختار يبقى مش هتتجوز، بنات اليومين دول ما بقاش يعجبهم العجب وعاوزين الرجالة متفصلين وياريتهم بيقضوا مصالح ولا حاجة.. دا إحنا زمان في عز شبابنا كنا بنهد بيوتنا ونبنيها.. وكنا بنتجوز وإحنا عندنا 12 سنة ونشيل مسؤولية بدري.
افتر ثغر فداء عن ابتسامة خفيفة لتقول بنبرة مازحة:
_ بتهدي البيت وتبنيه؟! ما إنتِ متغذية على الزبدة البلدي واللبن الصباحي والوز والبط.. أما دلوقتي ما بقاش في بركة في حاجة والأمراض كترت وأكثرهم (الأنيميا). ثم، إني ما ينفعش أعامل بنتي بزمني أنا.. في مقولة حلوة أوي بتقول: ”لا تُكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم“.
يعني المقصود بالكلام دا الفضائل اللي مش واجبة عليهم شرعًا لأن أكيد (الصوم، الصلاة، الحجاب، الزكاة،…. ) وكل الفضائل دي لا تتغير من الزمن.. ولكن هي مش مجبرة تهد البيت وتبنيه علشان تعجب حضرتك وكُل واحد على أد طاقته طالما بتطيعك وهي بردو مش مجبرة تقوم من النجمة زيك زمان.. وبعدين هو انتِ جيتي في مرة كدا لا قدر الله أخدتي بنتك في حضنك وقولتي لها احكيلي يومك كان عامل إزاي؟! متضايقة من إيه؟! نفسك في إيه؟! أو تاخدي رأيها في الجواز قبل ما تدبسوها وتلاقي نفسها تاني يوم مجبرة تلبس فستان فرح وهي لسه بتعمل ضفاير ولا عقلها أقل من أنه يتخيل جواز وراجل وعيلة!!! جربتي تكوني لـ بنتك أخت؟!.. ولا سِلو بلدكم محرم دا!!!
نكست السيدة ذقنها خجلًا وكأنها تجيبها عن سؤالها دون أن تنطق شفاهها حرفًا واحدًا لتردف فداء بثبات وتنهيدة قوية:
_ أكيد ما بيحصلش!! علشان إنتوا دايمًا بتستغلوا رخصة ربنا ليكم في أنكم أب وأم ضد أولادكم.. ويوم ما يقولوا رأيهم فيكم أو يعبروا عن اللي جواهم بيكونوا (عاقين) أو مش بيطمر فيهم!! التربية مش كدا، مش أكل وشرب لأ.. عاوزين ناخد بإيد بعض علشان نتغير!! عاوزين ندي لبناتنا مساحة يعيشوا حياتهم ويختاروا بعقولهم اللي هيكملوا معاهم.. عاوزين ننسى إن البنت حِمل ومالهاش غير الجواز.. بلاش تزرعوا في نفس بناتكم إن أحلامهم تقتصر على راجل وإنها دُمية وهو سيدها، إيه رأيكن نبدأ نتسابق ببناتنا على اللي توصل لأحلامها وتعلى بتعليمها قبل التانية؟! وخليكم فاكرين.. النصيب ما بيعرفش غير التوقيت الصحيح ويمكن انتوا بتسبقوا النصيب الخيّر لبناتكم بجوازهم في وقت مش وقتهم.
كان يقف أمام باب الصالة يستند على ظهره إليه. افتر ثغره عن ابتسامة عريضة وهو يحدق إليها بانبهار تام. فقد راقت له عقلانية أقاويلها ولم يتخيل بأنهـا لديها حس حر من الحكمة. لفت انتباهه صوت فايز مردفًا بثبات:
_ هوزع عليكم ورقة وهتكتبوا فيها كل المشاكل اللي بتواجهكم، وطلباتكم إيه؟!
———-
امتد ممر زجاجي على طول صالة العرض كلها، وقد أحاط الممر مقاعدًا كثيرة لزمها المشتركون والمدعوون إلى هذا العرض الكبير والذي يأتي رواده من كل حدب وصوب. جلست إلى المقعد بجواره بعد أن انتهت من إشرافها على كل ما يخص تصاميمها. التقط أحد كفيها بين كفيه وراح يمسح عليه بلمسة هادئة لترفع بصرها إليه مردفة بقلق:
_ خايفة!!!
قصي وهو يرمقها بنظرة لائمة:
_ مافيش خوف، استمتعي فقط وانتِ بتتفرجي على أحلى تصاميم أتقنتها أحلى مصممة في الدنيا، هتكسبي بإذن الله وتعبك ربنا حافظه.
مالت برأسها أمامه بخفة كطفلة تستجديه ببرائتها وبنبرة خافتة أردفت:
_ بحبك.
قصي بقهقهة خفيفة:
_ مرتين في نفس اليوم؟! بركاتك يا دبة.. جبتي الديب من ديله.
قطع حديثهما إعلان مقدمة العرض عن استقبال أولى عروضها الليلة. خفتت الأضواء فجأة وتركّزت كشافات الإضاءة حيث ساحة العرض لتبدأ أول مجموعة بالعرض. استمتعت عنود بهذا كثيرًا وراقها ما يعرضه المنافسون الهنود وبدأت تميل إلى أحد الأطراف باستخدام حدسها الفني. توالت العروض الواحد تلو الآخر. ليظهر فريقها إلى منصة العرض وبدأ قلبها يخفق بقلق وهي تتفحص ملامح لجنة الحكم وردود أفعالهم تجاه معروضاتها. وقعت عيناها على هذه البغيضة وهي تجلس على الطرف الآخر من منصة العرض وكأنها أدركت مصيرها الآن وهي ترى تصاميم عنود مقارنة بما أقبل فريقها على عرضه.
استمر العرض لكثير من الوقت حتى جاءت لحظة إعلان النتيجة. بدأت عنود تعض على شفتيها خوفًا ومن ثم ألقت برأسها بين أحضانه تستنجد به من هول الموقف ليأتي إلى أذنها صوت المقدمة وهي تمسك مظروفًا ما بين يديها وراحت تقول بثبات:
_ الفائزة بمسابقة عرض دبي الدولي بين الخصوم المصرية هي شركة ((Passion)) لرئيستها السيدة (عنود العامري).. والتي حصلت على المركز الثاني على مستوى مسابقة دبي الدولية.
رفعت بصرها إلى عينيه مباشرة ومن ثم ردت بشدو وصدمة:
_ إنت سمعت اسمي؟!
قصي وهو يحدق بها مثلما تفعل:
_ أيوه، دول قالوا إنك كسبتي.. هتفضلي مبحلقة لي كتير كدا ومش هتطلعي تستلمي الجايزة؟!
وضعت عنود كفيها على فمها في سعادة ومن ثم أبعدته وهي تصرخ بفرح وراحت تحتضنه:
_ يعني أنا ما سمعتش غلط؟! أنا حققت حلمي وتصاميمي وصلت لدبي والعالم كله بيتفرج عليها دلوقتي.
أخذت تهذي بالقرب من أذنه من فرط سعادتها ومازالت تحتضنه بقوة فيما همس لها بحب:
_ مبروك يا أحلى عنيدة دخلت حياتي ولونتها، تستاهلي الفرحة، يلا بقى روحي استلمي الجايزة وإلا هيرجعوا في كلامهم.
ما أن أنهى جملته حتى وجدها تنهض في مكانها على الفور ومن ثم ضمت كفه بين راحتها بثبات وبنبرة عاشقة قالت:
_ هنستلمها سوا، اللحظات الحلوة زي دي.. لازم نتشاركها.
رمقها بنظرة حانية لينهض واقفًا في مكانه على الفور، فيما جذبته هي معها حتى منصة التكريم. كادت تقفز فرحًا من شدة السعادة فيما يحثها هو على التروي في سيرها بدلًا من اندفاعها كطفلة يُقدم لها أحدهم دمية جديدة. تصافحا مع لجنة الحكم بسعادة مطلقة لتبدأ هي في التقاط جائزتها وسط تصفيقات الجميع وفرحته بها.
صرح قصي خلال هذه المسابقة عن سرقة التصاميم التي سبقت هذه وأن الشركة المنافسة لهما قد دست أحد عامليها لمراقبة تصاميم المسابقة. ومع هذا الاعتراف قدم أدلته الدامغة ضد “هانيا الرفاعي” حيث أوصى صابرين بأن تأتي له بملف النماذج السابقة ليقدمه لرؤساء العرض. فيما أجبر “شاهين” على الاعتراف أمام لجنة الحكم حتى لا يتعرض للمساءلة القانونية ليعترف بالحقيقة كاملة في رضوخ تام. ونتيجة لذلك قررت اللجنة أن تحرم الأخرى من جائزة اشتراكها بالمسابقة والتي هي أسبوع كامل في أنحاء دبي واشتراكات بمطاعم كبيرة.
_ ماكناش نبغى هالشي يصير، ولكن في إدانة بحقك كاملة وراح يتم حرمانك من جائزة اشتراكك بالمسابقة سيدة هانيا.
أردف منظم المسابقة بتلك الكلمات من داخل غرفة مكتبه بنبرة أكثر حزمًا ليردف هو متابعًا بحزم:
_ احمدي ربك، لو كان هالكلام صار بمصر، كنتِ هلأ معروضة على مسائلة قانونية وأقسام.. بس شروط مسابقتنا إنا بنحل الأزمات اللي متل هاي بين طاقم العرض فقط.
أومأت هانيا برأسها إيجابًا، جاهدت مليًا في إخفاء حنقها داخلها لتقف في مكانها ومن ثم ردت بنبرة ثابتة:
_ شكرًا جدًا لحضرتك، واشتراكِ بالمسابقة لوحده فوز.
“على الجانب الآخر” بالأخص داخل غرفتهما.
_ بابي؟! أنا كسبت.. كسبت الحمد لله.. ما تعرفش أنا اد إيه فرحانة وهطير.
قالتها عنود وهي تقف بجانب زوجها ينظران من الشرفة فيما رد سالم بسعادة:
_ الحمد لله يا بنتي، ربنا يكتب لك الخير دايمًا يا عنود ومنها لدرجات نجاح أعلى يا بنت ملاك.
سمعت في هذه اللحظة صوت عائلتها بأكملها يستقبلون هذا الخبر بفرح غامر حيث وجدت الصفافير والتهليلات والمباركات تصل إلى أذنيها فتزيدها حيوية وسلام داخلي. كان العرض يبث مباشرة على قنوات التلفاز وما أن سمعوا بفوزها لحظة إعلان النتيجة حتى توالت عليها الاتصالات.
انتهت من حديثها مع عائلتها ومن ثم نحت ببصرها إليه وراحت تتشبث بذراعه مردفة بهدوء:
_ قصي؟!
رمقها قصي بنصف عين ومن ثم أردف بنبرة عابثة:
_ خير يا عنود هانم؟!
لوت عنود شدقها بامتعاض، لتبتعد عنه قليلًا وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها مردفة:
_ عنود هانم؟! ثم إنك ما قولتليش ليه عن شاهين وهانيا الجربوعة.
افتر ثغره عن ابتسامة عريضة ليمد كفيه إلى ذراعيها يفك عقدتهما. تنهد بثبات ليرفع أحد حاجبيه قائلًا بنبرة هادئة:
_ أقولك علشان تتجنني وتتصرفي غلط؟! ولا أقولك علشان تتوتري وما تعرفيش تكملي وتشوفي شغلك؟! الكنترول لحد بتحبه واجب مش أحرضه على الغلط يا عنقودة.
عنود بابتسامة رقيقة:
_ هو أنا ما كنتش “بحبك” إزاي؟!
تنحنح قصي في هدوء ليلف ذراعه حول كتفيها، يضمها إليه. استكمل سيره إلى الداخل وهو يحتضنها معه ليغلق الستار مردفًا بثبات:
_ أنا هفهمك أكتر.. الإنسان مننا اتعود يحكم على خلق الله قبل ما يعاشرهم ويعرف طباعهم.. بس المهم يبان جامد طحن وهو بيفتري على غيره بالكلام.. وانتِ افتريتي عليّا كتير، بس أنا مسامح عارفه ليه؟!
رفعت عنود بصرها إليه لتقطب ما بين حاجبيها مردفة بتساؤل واندماج:
_ ليه؟!
قصي بعد أن أمسك أناملها وراح يدور حولها يتأمل الثوب عليها:
_ علشان هتجيبي ليّ أطفال بينوروا في الضلمة ولا مصباح إديسون في زمانه.. بس إيه الفستان الجامد دا!!
عنود وهي تخفض بصرها تتفحص الفستان بسعادة وبنبرة تلقائية وهي تدور أمامه:
_ عجبك؟!
رمقها بغمزة من إحدى عينيه ليثبت جسدها أمامه بذراعيه التي داهمت خصرها وبنبرة ذات مغزى أردف:
_ إلا عجبني، دا حلو حلاوة تموع يا جدع.. ما تيجي هنا وأنا أحبك!!
عنود بابتسامة رقيقة:
_ هو في حاجة يا قصي؟!
قصي وهو يقرب وجهه منها بمكر:
_ بصراحة بقى، أه.
تعلمت من خلال تجربة نجاحها بأن لكل مقام، مقال.. لكل كرب يضيق ذرة فرج تتسع رويدًا رويدًا حتى تتضح. وكُل دعوة تنشدها في علم الغيب عند الله، لها موعد ستتحقق فيه.. وكُل طيب في الأرض ارتبط اسمه بنصفه الآخر قبل أن يولد، ومن منا لم يتفاجأ يومًا من حبيب صار عدوًا وعدو داخل ثنايا قلوبنا، صار حبيبًا.
———-
انقضى ثلاثة أسابيع كاملة في رحلتهما بـ دبي، حيث منحتهمـا الشركة الراعية أحد الشاليهات المٌطلة على البحر ليقضيان به شهر عسلهما. توالى عليها دعم وعقود عمل بمصر ودبي وأصبحت تصاميمها تملأ المولات الكبيرة يتهافت عليها الناس بكثرة. لم تنته رحلتهما بسعادة للنهاية حيث توترت العلاقة بينهما ما أن فاجأتهُ ” عنود ” بإمضائها على عقد ما لأحد الشركات الأمريكية والتي دعتها لزيارة مدينة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية لتوسيع رقعة عملها واكسابها شهرة أكبر. فيما عملت “فداء” طيلة الثلاث أسابيع على حركتها التوعوية بالقرية ولشد ما أسعدها استجابة الناس لما تقوله بين الحين والآخر فقد وجدت أن العامل الأكبر وراء هذه القضية ضيق المعيشة والفقر المدقع ليأتي إلى عقلها فكرة فعالة فيما هو قادم. كما عاد مراد إلى (قصر العامري) حيث بدأت امتحاناته من يومٍ سابق.
رغبت عنود في العودة إلى قصر والدها فيما أنهيا جميع المعاملات بـ دبي وعاد بها إلى قريته على الفور وفي نيته عقد جلسة تأديب لها.
تجمعوا جميعًا في بهو القصرٍ مُرحبين بهما في سعادة جمّة. أسرعت فداء بضم شقيقتها إلى صدرها بإشتياق ولهفة وبنبرة حب ردت:
_ وحشتيني يا عنقودة.. كل دا غياب.. كنت حاسة إني مش كاملة من غيرك.
أسرعت “بيسان” والتي أتت إلى القرية بصحبة يامن وبتوصية من شقيقتها عنود لجلب دميتها معها حتى تحتضنها ليلاً أثناء خصامها بزوجها. احتضنتها بيسان بلهفة وراحت تردف بنبرة حانية:
_ عنقودة العنيدة.. الدنيا كانت كئيبة من غيرك.
عنود بفرحة عارمة:
_ كنت مفتقدكم أوووي يا بنات، كل لحظة من غيركم مافيهاش روح.
قصي بنبرة حانقة:
_ نعم ياختي؟! وهتلاقي روح منين ما إنتِ مطلعاها.
ضيقت عنود عينيها غيظًا لتُردف بنبرة حانقة:
_ يعني انت اللي غلبان وما بتعملش حاجة!!
حدق إليها قصي بثبات وغموض وبلهجة صارمة أردف:
_ أنا مش عاوز أسمع صوتك نهائي!
تدخل جمال في الحال بينهما ليردف بنبرة حانية:
_ في إيه يا ولاد انتوا كمان، يعني أنا أسكت آسر وفداء.. ألاقي عنود وقصي!! والله دا شيطان ودخل بينكم.. خد يا بني مراتك راضيها وارتاحوا من السفر لحد ميعاد العشا.
التفت قصي إلى زوجته يرمقها بوجوم، ومن ثم أسرع بالقبض على ذراعها بقوة لتصدر تأوهًا خافتًا ليردف بنبرة جامدة:
_ امشي قُدامي؟!
فداء وهي تهتف به في حنق:
_ انت بتتعامل معاها كدا ليه؟! هي شغالة عندك علشان تأمرها.. ناقص تضربها كمان!!
قصي بثبات:
_ ما تدخليش يا فداء!!!
همت أن ترفع صوتها أكثر حنقًا من معاملته لشقيتها، فيما أسرع آسر بالقبض على ذراعها مردفًا بلهجة آمره:
_ وأنا من رأيه.. ما تدخليش بينه وبين مراته.
رمقته فداء بغيظ واستنكار فيما استكملت الثالثة تمردها على ما يحدث:
_ مراته دي تبقى أختنا.. واحنا مش هنشوفه بيعاملها زي الخدامات وهنسكت!!!
يامن وهو يحدقها بحدة:
_ إنتِ بتتكلمي ليه؟! الله أعلم إيه المشكلة اللي بينهم.
جمال بنبرة عالية بعض الشيء وهو يجوب ببصره بينهم:
_ بسسسسسس، كفاية أوي خناق لحد كدا.. كل واحد يلم الدور بقى وانتِ يا ست حُسنية.. ولعي بخور وامشي الشياطين، الله لا يسيئك.
حُسنية وهي توميء برأسها بتفهم:
_ عندك حق يا چمال بيه، دول شوية وهياكلوا في لحم بعض.
أسرع قصي بجذبها معه واستكمال سيره حتى الدرج يصعدانه. صرت فداء على أسنانها بوجه عابسٍ فيما تابع جمال بهدوء حانٍ:
_ يابنتي أكيد في سبب للخلاف دا؟! وأكيد هنعرفه.. فـ مش عاوزين نيجي في صف واحد على حساب التاني.. وبعدين اغزي الشيطان وصالحي خطيبك.. بلاش تضيعوا الأوقات الحلوة في خصام.
فداء بنبرة مغتاظة:
_ هو اللي طالب معاه خناق يا عمي.. واحد اتصل بيا وبيقول لي محتاجك في موضوع.. إيه اللي يخليني أرفض؟! وبعدين أنا أعرف منين إنه عاوز يقرب مني.. المفروض يفهم إني ماليش نية من مقابلته.
مصطفى وهو يتناول قطعة من الحلاوة في فمه الذي امتلأ بها مردفًا بحنق من خناقاتهم التي لا تنضب:
_ الله يحرج سمير على ماسميرش!! ما أنا طفيت أنوار القصر وجولت له إنكم ما عتوش حدانا.. هو كان شافها ولا جابلها علشان التاني يتجص!!
آسر بنبرة جامدة:
_ ولا، اخرس.. لأحرمك من البسبوسة اللي بتطفحها دي.
ومن ثم التفت إليها هاتفًا بسخط:
_ تستأذنيني وتقولي لي أقابله ولا لأ.
جمال بتدخل:
_ صلوا على سيد الخلق يا ولاد!!
الجميع بهدوء:
_ عليه الصلاة والسلام.
جمال باستكمال وهو يتوجه بحديثه إلى بيسان:
_ وانتِ يا ست بيسان عندك شكوى من جوزك؟! أصلي حاسك زعلانة كدا!!
بيسان وقد افتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة وهي تنظر إلى زوجها مردفة بنبرة رقيقة:
_ لأ، مش عندي شكوى.. أنا جاية هنا أساند إخواتي.
في تلك اللحظة سمعوا صفعة باب قوية. ليتجه قصي صوب الدرج يهبطه وبنبرة ثابتة أردف:
_ أنا رايح على القهوة حد جاي معايا؟!
قطب جمال ما بين حاجبيه بريبة وبنبرة متوجسة أردف:
_ ما استريحتش يعني يا قصي، وقهوة إيه دي! طيب مش تتعشى!
قصي وهو يتجه صوب باب القصر:
_ معلش يا حج.. بس من زمان ما قعدتش على قهوة.. يلا يا رجالة.
آسر وهو يلتفت إلى يامن قائلًا بلهجة حازمة:
_ يلا يابني.. فكرة حلوة علشان نخلص من أم النكد دا.
رمقته فداء بحدة لتتقافز شياطينها أمام وجهها فيما اصطحب يامن مستتبعًا خطوات قصي حتى المقهى القابعة على ناصية الشارع. وما أن وصلا حتى تابع آسر بتساؤل:
_ مالك يابني، وإيه اللي حاصل لكُل دا؟!
قصي وهو يجلس إلى المقعد أمامهما:
_ مضيت على عقد عمل في شركة أمريكية، ومن غير حتى ما تقولي.. أقولها نفترض إنه عقد مضروب أو لا قدر الله هيضرك والمفروض إنها تستناني أتعامل بنفسي.
يامن بنبرة متفهمة:
_ تمام معاك حق، بس انت كنت فين وهي بتمضي؟!
قصي باستئناف:
_ كنت بحضر لها مفاجأة وخرجت شوية، إحنا كنا ناويين نكمل أسبوع كمان بس هي جالها العرض على الفون واستقبلت الناس في ريسيبشن الفندق ومضوا العقد سوا.. وأنا آخر من يعلم.
آسر وهو يوميء برأسه في تفهم:
_ تمام، بس حاول ما تكونش شديد في ردة فعلك.. ما إنت عارف إن دا حلمها من زمان وإنها في انتظار رفعة زي دي.
يامن بتنهيدة مُخانقة:
_ أنا كمان اتضغطت بسبب الخناق وزعقت لـ بيسان، تفتكروا البنات عاملين إيه دلوقتي؟!
قصي بضحكة خفيفة:
_ زمان عنود مالية البيت نكد وعياط!!
“على الجانب الآخر،،،
داخل حجرة الصالون بقصر الدمنهوري.
_ أنا مش مبينة له أنا ناويه له على إيه!! ساكتة ومستحلفة له مش قايلة له ساكتة ليه؟!
أردفت “عنود” تصدح بصوتها تغني هذه الأغنية وهي تلتقط ريموت التلفاز بكفها فيما تراقصت الأخريات على ألحان مصطفى الذي يصدرها بفمه مستخدمًا الطبلة أيضًا ليردد بصدى صوت لكلماتها:
_ ليه ليه ليه!! ما تقوليلوش.
فداء وهي تلتقط طرف الخيط منها لتصدح بنبرة عالية:
_ خليه يشوف بعنيه.. إيه اللي ناوية عليه… خليه يخاف من خياله لما أغيب يوم عن عينيه.
وقف مصطفى على الفور وراح يتمايل بينهن بجذعه العلوي للأمام قليلًا ثم يعود للخلف وهنـا سقط أرضًا ليُردف بنبرة متلعثمة:
_ معلش وجعت.. يلا نكمل بقى علشان اعرف هنعمل فيه إيه.
بيسان وهي تهتف بإندماج:
_ كتر خيري إني قابلته واستحملته يا قلبي زمان.
قاطعها مصطفى بزغرودة صدح صداها النشاز في جنبات القصر كله، لتستكمل عنود وهي تمسح أنفها الذي تلون بالأحمر من شدة بكائها في السابق، بمنديل ورقي:
_ ييجي عليّا وأعديها ويسوق فيها معايا كمان.
مصطفى بنبرة مغتاظة:
_ يسوق إزاي يا اختشي.. بالشبشب واديله.
هرع “جمال” على أصواتهن وتبعته السيدة حُسنية ليقف بالقرب من الباب وقد جحظت عيناهُ بشدو وراح يفغر فاهه مردفًا بقلق:
_ في حاجة غريبة بتحصل يا ست حُسنية، أنا مش متطمن لشارع الهرم اللي في القصر دا!!!
يتبع….
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثلاثون 30 - بقلم عليا شعبان
بين ما يُرضينا وما يؤرقنا خيط بالكاد يُرى، وبين راحتنا وأوجاعنا سكة سفر. إما أن تختار بتروٍ ما يُبقيك ذا قامة عالية لا تُنهيك المسافات، أو تبقى طوال حياتك تُصارع دون الوصول.
دلّف "مُصطفى" إلى حجرة الصالون من جديد وهو يحمل بين يديه مجموعة عُصيان تشبه النبوت في غلظة سُمكها، ومن ثم استمرت حفلة رقصهم التي تُديرها مجموعة من الأغاني التي تتميز بشعبيتها.
في كل مرة ليُغني مُصطفى قائلًا:
يا بتاع النعناع يا منعنع
نعنع نعنع نعنعنا
البنات في فم واحد:
يا بتاع السكر يا مسكر
يا مسكر يا مساااااكر
نور عيني قلبي من جوا
مين غيره وغيره مين هو
مُصطفى وهو يتمايل بجسده بعد أن وضع العُصي جانبًا:
دا تاعبني وبردو عاچبني
ولا حول ليّا ولا جوه
لولولولوي
في تلك اللحظة أمسك مُصطفى العصيان من جديد وراح يوزع على كُل واحدة منهن مُردفًا بسعادة:
تعالوا بجا نغني مافيش صاحب، طالما انتوا مچروحين
فداء وهي تهتف عاليًا بفرحة:
اووووه، حلوة أوي الأغنية دي
مافيش صاحب بيتصاحب
مافيش راجل بقى راجل
الجميع في نفس واحد وهم يضربوا العصا لتصطدم ببعض:
هتتعامل، هنتعامل
طلع سلاحك مُتكامل
هتعورني هعورك
هبوظ لك منظرك
أخذت فداء ترقص رقصًا شبابيًا وهي تُقرب ذراعيها من بعضهما وراحت تُديرهما بحركة دائرية. كان جمال يُراقبهم من بعيد بعينين جاحظتين فقد استعجل مجيء الشباب بعد أن أخبرهم بما يحدُث. لينظر إلى حُسنية التي لطمت وِجنتيها وهي تسمع صوت العُصي تصطدم ببعضها بضجيج عالٍ وراح يقول بتوجس:
دول بيعوروا بعض
حُسنية بتلعثم:
إنت كلمت إچوازتهم يا چمال بيه؟
في هذه اللحظة قطع تهامسهمـا صوت الشباب وهم يدلفون داخل باب القصر بتوجس. أشــار لهم جمال بأن يقتربوا ليتحركون بخُطى وئيدة حيث باب حجرة الصالون ومن ثم اختبئوا خلف الحائط. وأسرع الثلاثة بمد رؤوسهم يتفحصون الوضع.
جحظت أعينهم في صدمة من هذا الوضع، كانوا يظنون بأنهم تركوا خلفهم من يبكين على الاطلال حتى تغشى الدموع أعينهن. وهنا أردف يامن بنبرة مشدوهة:
نهار أبيض؟ مافيش صاحب يتصاحب! فسدوا أخلاق مراتي
آسر فاغرًا فاهه:
أيه أُم الانشكاح اللي هم فيه دا؟ ما حد يتحرك يا جماعة!
يامن بنبرة نافية:
أنا مش داخل ولا هتحرك من مكاني علشان لو زعقت بيسو حبيبتي رقيقة وبتعيط بسُرعة
آسر محدقًا إليهم بذات الصدمة:
وانا لأ مش هدخل علشان فداء بتتهور؟
نحى قُصي ببصره إليهما، ضيق عينيه بنفاذ صبرٍ ليهمس بنبرة حانقة:
إنتوا هترموني أنا في وش المدفع!
آسر بنبرة مُنفعلة قليلًا:
يا عم إخلص بقى، دول قربوا يدخلوا على شحط محط! طيب بذمتك يرضيك مراتك تغني شحط محط!
قُصي وهو يردف بنبرة ساخرة:
اللي بيخليها تغني هبوظ لك منظرك. جات على شحط محط! أهو كُله من بلاء القصر دي
آسر بنبرة حادة:
لأ، بص بقى إحنا صحاب في كُل حاجة لكن تيجي على خطيبتي. انا اللي هبوظ لك منظرك
جمال مُتدخلًا وهو يمسح على وجهه بنفاذ صبرٍ:
انتوا بتتخانقوا على مين اللي يُدخل الأول؟ ياعيني على الرجالة والله. ما تتحرك يا بني إنت وهو
استقام الشباب في وقفتهم في هذه اللحظة. تلعثم "يامن" قليلًا ومن ثم تنحنح قبل أن يقول بنبرة مُستسلمة:
أنا من رأيي ندخل لهم مع بعض
وافقهُ الآخرون في رأيّه. عدل قُصي من ياقة سُترته بثبات فيما أردف جمال بنبرة هادئة:
بلاش خناق يا شباب. رفقًا بالقوارير دول مش قدكم، بلاش تستغلوا قوتهم في ضعف البنت
يامن بتأثر:
عندك حق يا حج، إحنا هنفهمهم غلطهم بس
ربت "جمال" على كتفه بخفة. ليسير الثلاثة صوب باب الغرفة وبنبرة عالية أردفوا في صوت واحد:
في أيه!
ســاد الصمت لوهلة. إلتفتت الفتيات إليهم. ومن ثم جابوا ببصرهن بينهن وبصوت واحد أردفن وهن يهرولن صوب باب الغرفة تصطحب كُل واحدة عصاها أمامها:
هجوووووووم!
جحظت أعينهم من شدة الصدمة. ليستديروا ثم هرولوا بأقصى جُهدًا لهم خارج الغرفة وعلى الفور أغلقوا الباب خلفهم. وما هي إلا ثوانٍ حتى سمعوا أصوات العصا تضرب الباب المُغلق ليتنفس يامن الصعداء وهو يمسك مقبض الباب بقوة:
كُنا هنموت أقسم بالله. مصاصين دماء! وبيقولك قوارير!
جمال وهو ينظُر إليهم في صدمة:
حابسينهم ليه؟ أيه اللي حصل تاني؟
آسر وهو يمسح العرق المُتصبب على جبينه:
كان على عيني نراضي القوارير والله. كان فاضل تكة ونقلب إحنا قوارير
حُسنية بنبرة مُتوترة:
هتفضلوا جافلين عليهم الباب إكده!
تنشق قُصي الهواء داخلهُ ليصر على أسنانه بغيظٍ وبلهجة صارمة تابع:
دول عاوزين الضرب بالنار. قطعولي خلفي
آسر بنبرة خافتة وهو يجوب ببصره بينهم:
بقولكم أيه! هم واقفين ورا الباب دلوقتي انا حاسس بيهم. أيه رأيك نفتح الباب جامد فـ يقعوا؟
اومأ الجميع برؤوسه في إعجاب بالفكرة. كانوا لايزالون يضعوا أيديهم على مقبض الباب وبحركة مُفاجئة قاموا بدفع الباب في قوة حتى انفتح على مصرعيه. جحظت أعين الشباب وهم يرون الأريكة التي وضعتها الفتيات حتى يمنعوهم من الدلوف مُجددًا وجلسن عليها، تندفع للبعيد و قد انقلبت راسًا على عقبٍ.
كانت رؤوسهن تميل أرضًا في اصطدام فيما بقيت أرجلهن تُحلق عاليًا في ذهول من قوة الدفعة ليُردف مُصطفى بتأوه:
اتبـطحـت! راسي بتچيب دم. انا بموت!
فداء وهي تُجاهد مليًا في النهوض:
أيه هزاركم البايخ دا؟
أسرع "يامن" إلى زوجته على الفور ومن ثم أسندها من خصرها حتى نهضت تتكأ على ساعدهُ مُردفةً بتأوه رقيق:
بص صوباعي إزرق إزاي؟
يامن بنبرة حانية:
يعني بذمتك الرقة دي، تسمع كلام إخواتها وتهزر هزار سواقين التكاتك دا
بيسان بإبتسامة بلهاء:
شوفتني وانا بغني هبوظ لك منظرك!
أومأ يامن برأسه إيجابًا وبنبرة مُغتاظة أردف:
ويارتني ما شوفت والله
اعتدلت الأُخريات جالسات على الأرض فيما انبطح مُصطفى على بطنه وراح يُرفرف بقدميه عاليًا يضع كفه أسفل ذقنه وبنبرة سعيدة تابع:
انا سمعت جبل سابج إنت الرجص دهون بيخلي التُخان يخسوا، يعني انا هنام دلوجتي وأجوم. الاجي نفسي زيّ قُصي بيه والبنات تعاكَسني!
عنود وهي تضع كفها إلى مؤخرة رأسها وبنبرة حانقة أردفت:
دوخت بجد، دا انا لو في الملاهي مش هتعب كدا؟
اسرعت "فداء" بالنهوض على الفور من مكانها. ومن ثم أردفت بنبرة حانقة وهي تضع كفها خلف ظهرها:
يعني يوم ما نقرر ننتقم منكم تعملوا لنا إصابات مُستديمة!
آسر وقد افتر ثغرهُ عن إبتسامة خفيفة:
انتِ إتخبطتي يا وحش؟ لا الشدة كدا
اطلق قُصي قهقهة عالية استفزت زوجته التي لوت شدقها تجدحه بغيظٍ فيما تابع وهو يضرب كفًا بالآخر:
شوفت منظرهم وهم مقلوبين زيّ براميل المخلل. مجانين بيتحدونا
مُصطفى ومازال مُنبطحًا على بطنه يُردف بحنقٍ:
لعلمك بجا يا قُصي بيه، إحنا كُنا بنرقص على أوچاعنا. أمال ايه. فدااااه جالت ليّ لازم أكون رجل مغوار
قُصي وهو يرمقهُ قائلًا بترقُب:
يعني أيه مغوار يأ مُصطفى!
مُصطفى بتحذلُق:
يعني لما الناس يبجا مش وراهم غير يجولوا ليّ كلمة "غور" في الرايحة والچاية. ما يحذش في نفسويتي وأرجص على وچعي وابجا مغوار
آسر وهو يُصفق بكفيه مُقهقهًا من فرط بلاهة الاخر:
براڤو يا مُصطفى، حد يدي له شالوت جايزة. علشان تبقى (مقدام) ما يهزكش ريح.
جاهز لإمتحان بكرا يا وحش!
أردفت مُنى بهذه الكلمات وهي تضع الطعام أمامهُ على الطاولة. اومأ مُراد برأسه إيجابًا وبنبرة حماسية قال:
جاهز بإذن الله. بس بنات خالي ومُصطفى كمان وحشوني
مُنى وهي تربت على خصلاته القصيرة بحنو:
راجعين الاسبوع الجاي يا سيدي. وخالك حدد الفرح تاني يوم ظهور نتيجتك لأ وكمان مجهز لك سفرية هتعجبك أوي علشان تغير جو، دا غير الهدايا بتاعتنا
مُراد بتساؤل وترقُب:
مُصطفى جاي معاهم مش كدا؟
مُنى وقد افتر ثغرها عن ضحكة خفيفة:
مش عارفه الحقيقة، بس حابة أتعرف عليه اللي كُلكم بتموتوا فيه دا!
مُراد بقهقهة خفيفة:
هو قدي يا أُمي بس مش مُتعلم لأن عقلهُ على أده شوية، رغم إنه ناصح جدًا. وعليه خفة دم ماشوفتهاش غير في فداء. من الآخر هم الاتنين دويتو كوميدي يقتل. قضيت يومين من أحلى الأيام هناك، ياريت يا مامـــا تطلبي منهم يجيبوه معاهم!
إقتربت مُنى منه وراحت تلثم جبينه بحُب جارف وقد أردفت بنبرة دافئة:
من عيوني حاضر، هكلم خالك دلوقتي عنه.
“على الجانب الآخر”
يا خبر أبيض. أوعى ليكون في إصابات يا جمــال؟
استحال لون وجهه للإحمرار من فرط الضحك، وهو يُهاتف صديقهُ ومن ثم استكمل جمال بقهقهة خفيفة:
لا، مافيش إصابات الحمد لله. دا انا كُنت حاسس إني عايش جوا فيلم أكشن دموي يا راجل. انت عايش مع شغلك وانا قاعد لهم هنا رقابة ومُصلح إجتماعي. انا ما عادش فيّا صحة ليهم
سالم بإبتسامة خفيفة:
ربنا يطول في عُمرك يا جمال وتعيش وتستحملهم، أهي هانت مش فاضل غير أسبوع ويرجعوا
جمال بنبرة صادقة:
دول منورني والله. انا مش عارف لما يسيبوا القرية. هعمل ايه؟ دول عاملين للقصر روح والضحكة ما بتغيبش عنهُ. ربنا يبارك لك فيهم ويكمل فرحتك بيهم على خير ونشيل أحفادنا
سالم يؤمن على دعوته:
أمين يارب.
نِعناع الچنينة، مسجي في حيضانااااه. شچر الموز طرح، ضلل على عيداناااااه.
جلس بين الشجرتين ينشد الأغنية وراح يضع جروه الصغير الذي أحضره له "مُـراد" قبل عودته إلى القاهرة. مسك مشطًا بين كفه ليضعه بين فروة (الجرو) يُمشطها له ومن ثم سكت عن الأغنية قليلًا ثم رفع بصرهُ عاليًا ليردف بهدوء:
هاتي موزاية تاني يا فداااااه
في هذه اللحظة وجد ثمرة المــوز تسقط على رأسه ليسرع بإلتقاطها ومن ثم ينزع قشرها عنها قبل أن يلتهمها دُفعة واحدة ليستكمل بدندنة ورواق بال:
في عشج البنات انا كُنت حزلجوم
هتف آسر بقهقهة خفيفة وهو يجلس فوق إحدى الشُجيرات العُشبية التي تُجاور شجرة الموز ليسهل عليه اقتطاف الثمرات وتُجاوره فداء بعد أن عاونها على تسلقها، قائلًا:
ما قولتليش يا مُصطفى، إنت بتعمل ايه للكلب!
مُصطفى بنبرة ثابتة:
بعملها زعارير، علشان مُراد جالي أسبحها واخُد بالي منها. وبعدين دي بنتا. إنت مش شايف عيونها فُحلجي زيّ فداااه إزاي!
صرت فداء على اسنانها ومن ثم ألقته بثمرة موز على رأسه وهي تهتف بحنقٍ:
إنت بتقارني بـ البوبي يا بغل المعيز! طيب مخصوم منك تلات موزات
أشاح مُصطفى بكفه في لا مُبالاة وراح يُردف بضحكة بلهاء:
بيسو هتديني
أردف (يامن) الذي يجلس على أغصان الشجرة الأُخرى وتُجاوره بيسان ليقول بنبرة ضاحكة:
لو عاوز موز. إطلع خُده
لوى مُصطفى شدقه بغيظٍ وبنبرة حزينة أردف:
هو علشان أني تخين يعني ومش عارف اطلع السجره. تعملوا فيّا إكده!
آسر بتساؤل:
كمل الأُغنية طيب علشان نديك موز تاني
في هذه اللحظة نهض مُصطفى من مكانه على الفور. وضع ذراعيه حول خصره في باديء الأمر ليرفع أحد حاجبيه مردفًا بنبرة خبيثة:
بجا مش هتأكلوني معاكم؟
الجميع في نفس واحد:
لأ
اتجه مُصطفى مُبتعدًا لمسافة ليست بالكبيرة ومن ثم استدار ينظُر لهم نظرات ذات مغزى وما هي إلا ثوانٍ حتى هــرع إلى الشجرتين بإندفاعٍ جارفٍ وراح يهزهمـا بقوة هاتفًا:
أجعــووووا. بجا. لا أني هاكل ولا انتوا كمان
فداء وهي تتراقص فوق الشجرة بفزعٍ:
يــاما. يا ابن المجنونة. هقع هقع!
أخذت ثمرات الموز التي جمعتها فداء من الشجرة المُجاورة لها تسقط أرضًا فيما استمر هو بهزها كزلزال سبعه ريختر. ظلوا يتراقصون فوق الشُجيرات لتصرخ فداء بقوة وهي تحتضن جذع الشجرة:
أمسك كويس يا آسر
وما أن انهت جُملتها حتى وجدته يقفز من فوق الشجرة من شدة الهز لتهتف بصراخٍ وخضة:
عـاااااااااا. آسر! منك لله يا مُصطفى موت ليّ الراجل قبل ما نتجوز وندخل دُنيا. يا آسرررر!
على الجانب الآخر كانت بيسان تلتصق بعُنق زوجها وتدس وجهها في ملابسه فيما هتف هو بفزعٍ وهو يجد جسده على وشك السقوط:
انا مش مهم عندي الموت. بس مراتي لأ. أشهد أن لا إله إلا الله
سقط أرضًا على الفور وهو يحتضنها بين ذراعيه حتى تسقط فوقه دون أن يُصيبها شيئــا فيما بقيت فداء في الأعلى وراحت تهتف بحنقٍ:
انزل بس وانت أخرك دبوس واحد معايا يا بغل يا بلونة
كـانت تتشبث بجذع الشجرة كالشمبانزي ولم تتأثر بهزات الشجرة. نهض آسر من مكانه بعد مُعاناة وهو يتحامل على ساقه ليقترب من مُصطفى ومن ثم يزيحه بعيدًا عن الشجرة بالكاد:
ما مُتش. أيه رأيك في المُفاجأة دي!
مُصطفى بسعادة شديدة:
فاضل واحدة. أصبر أوجعها. علشان ادخل على المستوى الچاي وأجابل الوحش
في هذه اللحظة نزلت فداء عن الشجرة أثناء إلتفاتته إلى آسر وراحت ترفع كفها للأعلى ثم هوت به على عُنقه من الخلف مردفةً بغيظٍ:
وأديك قابلت الوحش
إنتِ يا ست هانم! بتعملي أيه؟
أردف قُصي بتلك الكلمات في حنقٍ وهو يقف أمامها مُباشرة، حيث تمددت إلى الفراش وهي تحتضن دُميتها لتنظُر له بنظرة غاضبة وراحت تقول:
عاوز أيه؟
قِصي وهو يصر على أسنانه غيظًا:
يا بنت الناس هو إنتِ متجوزاني انا ولا العروسة!
إعتدلت عنود في نومتها جالسةً. لوت شدقها بإمتعاض لتحتضن الدُمية أكثر إليها مُردفةً بثبـات:
أنا بحبها وباخدها في حُضني من زمان وما تقارنش ما بينكم
قُصي وهو يجلس إلى طرف الفراش بجوارها:
ربنا يخليكي ليّا يا قلبي، أكيد طبعًا أنا اللي هكسب!
عنود بنفي قاطــع:
لأ طبعًا. عروستي مش محتاجة فقاقة
تنشق قُصي الهواء داخله بنفاذ صبرٍ ليمد يدهُ حتى أذني الدُميه وراح يشدها منها مُردفًا بغيظٍ:
طيب هاتي بقى أُم العروسة دي بالذوق
تشبثت بالدُميه موتــًا وهي ترمقه بنظرة شرانية تحثه على تركها. ظلا يتشاجران ويشداها على الجانبين ووسط مُشاداتهمـا أصبحت رأس الدُمية القُطنية بين كفيه فيما جسدها بين كفيها هي. حدقت عنود إلى دُميتها بصدمةً ومن ثم تحولت ببصرها إليه وراحت تصرخ عاليًا بنبرة باكيةً:
عـاااااااااا. عروستـــــي!
جذبها قُصي إليه على الفور وراح يكتم صُراخها حتى لا يصل إلى مسامع الآخرين وبنبرة هامسة بجانب أذنيها:
خلاص، خلاص. انا أســف هجيب لك واحدة غيرها وبلاش صويت
هزّت عنود رأسها سلبًا وهي تُجاهد في نزع كفه عن فمها فيما أردف هو بنبرة مُترقبة:
طيب بلاش أجيب لك واحدة غيرها. هخلي مــاما حُسنية تخيطها لك
أسرعت بهزّ رأسها سلبًا للمرة الثانية وراحت تُشير بسبابتها إليه ليقطب ما بين حاجبيه مُتسائلًا:
مش فاهم، أنا أيه؟
أبعد كفه عن فمها بتوجسٍ فيما أردفت ترمقه برفعة حاجبًا وظفر:
إنت اللي تخيطها ليّ!
قُصي بنفي قاطع:
نعم! انا ما بعرفش أخيط
عنود بتحدٍ:
يبقى هصوت ومش هسكت
همّـت بفتح فمها من جديد ليضغط عليه مُجددًا وراح يقول بنبرة مُغتاظة:
هخيطها خلاص يا مُصيبة. بس وربنا ما هعديها لك
مــرّ أسبوعان كاملين. لم يمُر يومـًا واحدًا دون مواقفهم الجنونية وانتقام كُل واحدة من رفيق دربها. عادوا جميعًا إلى القاهرة وبدأت التجهيزات لحفل الزفاف بعد فترة من عودتهم. حتى جاء ذاك اليوم الذي يوافق اليوم الرسمي لظهور نتائج الثانوية العامــة. لم يتلقيـا فقط خبر ســار واحد بل أصبحت الفرحة، فرحتين.
أخذوا في اشعال الألعاب النارية في حديقة القصر وإنهالت المُباركات مُقسمة على عنود ومُراد بالتساوٍ حيث حصل مُراد على نجاح مُشرف بعد عام كامل من الجهدٍ والانفصام عن الواقع المُحيط به ليكتمل حلمه بتحقيق هدفه وحصوله على مجموع يؤهله إلى كُلية الهندسة وبجدارة. وعلى الجانب الآخر تلقوا خبر مولودٍ في طريقه إلى النور لتزيد العائلة فردًا حيث أصبحت عنود حاملًا في شهرها الأول.
مُنى وهي تضع أطباق الصودا الباردة وقطع الكيك أمامهم مُردفة بفرحة عارمة:
ربنا يديم الفرحة على القصر. ودايمًا في زيادة ما ننقصش أبدًا
الجميع يؤمن على دعوتها:
أميييييين
جلس قُصي يحتضن زوجته إليه ليلثم جبينها بسعادة لا مثيل لهـا مُقارنة بكُل ما مر به من جميل في حياتهُ، فاليوم هي لهُ وطفل يربطهما آملًا أن يشبهها. وهنا تابع بنبرة حانية متوجهًا بحديثه لها:
أطلبي كُل اللي نفسك فيه، وفي ثواني تلاقيه
عنود بإبتسامة رقيقة:
ألبس فستــان فرح مع إخواتي
سالم بقهقهة سعيدة:
بيقولك أطلبي وهو يستجيب. يعني استغلي الموقف وأطلبي حاجة من العيار التقيل. نفسك راضية زيّ (مامتك) يا عنود كانت بسيطة وبترضا بأقل حاجة، ما خليتوش حاجة إلا وورثتوها عنها
آسر مُردفًا بتساؤل:
انا من رأيي بقى مافيش حاجة نأجل الفرح علشانها، وشايف ان بعد بُكرا مُناسب جدًا بما إننا مرتبين لكُل حاجة!
مُنى بتأييد:
أنا مع آسر في رأيّه
فداء وهي تُردف بتساؤل:
لحظة طيب وهنعمل أيه في مشكلة البطالة اللي في القرية! حاولي يا عنود خلال اليومين دول تعيني كام واحد في الشركة عندك في أماكن مُختلف أهو نفك كرب ونساعدهم على تيسير المعيشه شوية وخصوصًا إن من اهم اسباب الزواج المُبكر عندهم، نقص الفلوس وانهم شايفين المهر هيرفع من مستواهم المادي لفترة ويحلوا بيه أزمتهم
بيسان تؤيد فكرة شقيقتها:
ياريت، بجد هتبقى خطوة حلوة جدًا وما تنسيش الستات اللي وقفت جنبنا في التصاميم
وقف "آسر" في مكانه بثبـات. تنحنح قليلًا قبل أن يستأذن بالذهاب مُردفًا:
هستأذن انا علشان عندي مشوار مُهم وحجز شالية وتفصيل بدلة وبلاوي
يامن بضحكة ماكرة:
آه، ربنا معاك يا صاحبي
جدحهُ آسر بنظرة جامدة فيما كتم قُصي ضحكته عندما فهم اللُغز بينهما ليميل على رأس فداء مُقبلًا جبينها بحنو:
هكلمك بالليل بقى، وخلي بالك من نفسك
فداء وهي تستشعر شيء ما من خلال نظراتهم لتوميء برأسها على مضض:
ح حح حــاضر
قاربت الساعة على الثانية عشرة مُنتصف الليل.
أســرع آسر بتسلُق الجدار وهو ينظُر حوله في ترقُب وتروّي. كان قُصي ينتظره خلف هذا الجدار بصُحبة فايز، حيث طلب منهما انتظاره بالخارج حتى لا يتأذيــا إذا انكشف أمره فهو قادرًا على التعامُل.
مشى بخُطوات وئيدة ومحسوبة بذكاء حيث استخدم آلة حادة لفتح باب الڤيلا ومـا أن دلف للداخل حتى حدد وجهته على الفور مُنطلقًا إليه. تمكن عقب دلوفه إلى حجرة المكتب من افشال الرقم السري ببعض التقنيات الخاصة به حتى فُتحت الخزنة على مصرعيها. وهنـا بدأ في جمع المال كُله دون أن يترك له جُنيهًا واحدًا يُعينه على الصدمة.
انتهى من عمله ثم عاد من حيثُ آتى دون أن يشعُر به أحدًا وما أن تسلق الجدار مُجددًا حتى أردف قُصي بنبرة مشدوهة:
خلصت؟
آسر وهو يغمز له بعينيه في ثقة:
عيب عليك! دا إحنا جامدين أوي
ضيق فايز عينيه ثم أردف بنبرة مُتوجسة:
إنت مُتأكد إن دي أول مرة تسرق فيها؟
آسر وهو ينطلق معهما حيث السيارة:
أه والله. قبل كدا كُنت باخد ورق ومُستندات مسروقة من حد وبرجعها لصاحبها. لكن فلوس، فربنا يغنينا من فضله. وعلى فكرة الفلوس دي أصلًا هو سارقها من ناس. هرجع لصاحبها حقه والباقي هسلمه لـ دار أيتام هم أولى بيها. ثم إن سرقة الحرامي، حـــلال
اُجريت الكثير من التحريات حول واقعة السرقة والتي تكلم عنها الكثير في تشفٍ وشماتة لهذا النصاب الكبير. كان (شُكري) في حالة صدمة وقارب على أن يُصاب بالجنون. علمت "فداء" بما فعلهُ وكانت سعادتها لا تُوصف وقد منحت جميع هذه الأموال إلى دار الأيتام وأصحاب البطالة ليبدأوا بمشاريع صغيرة كدرجة صعود إلى مشروعٍ أكبر.
حيّرت هذه القضية الضُباط العاملين عليها، حيث أردف أحدهم بيأس وهو يتوجه بحديثه إلى شكري نجيب:
إحنا بنعمل اللي نقدر عليه وربنا يسهل، ولكن الموضوع دا ميؤس منه، الحرامي صايع أوي. ماسبش وراه هفوة واحدة توقعهُ. دماغ عالية وذكاء ما قابلناهوش في قضايا زيّ دي. أنا أنصحك تتنازل عن القضية لو مش عاوز شوشرة وناس تتبع أخبار زيّ ما قولت.
ليلة حفل الزفاف
إلحجووووووني! يـاما؟ عفاريت.. عفاريت!
هتف "مُصطفى" بهذه الكلمات في فزعٍ وراح يختبيء خلف مُراد الذي وقف مُتجمدًا في مكانه وهو يفغر فاهه بريبة، فيما أطلقت عنود قهقهة عالية وهي تُردف بنبرة مُتعجلة تحثه على الهدوء:
أهدى يا مُصطفى! هتبوظ لنا الخطة! وبعدين إحنا مش عفاريت. دا ميك أب من نوع فريد شوية
مُراد وهو يبتلع ريقه خيفة:
نوع ميك أب فريد، هو إنتِ مش شايفه نفسك؟ دا ميك أب زومبي!
فداء وهي توميء برأسها إيجابًا وبنبرة حماسية أردفت:
ما دا إن شاء الله مقلب حلو للشباب
مُصطفى وهو يطمأن لهن قليلًا ليردف بنبرة غاضبة:
بس ديه مش مجلب! دا مش بعيد يغرجوا بناطيلهم وهم جاعدين في الفرح
عنود بقهقهة خفيفة:
يغرقوها يا مُصطفى، ماحدش غريب معانا. دي حفلة عائلية
إلتفت مُراد ببصره إلى بيسان وراح يُردف بنبرة مصدومة:
حتى إنتِ يا هادية يا كيوت؟ أخويا عملك أيه، علشان تقطعي خلفه. دا بيحبك
بيسان بنبرة رقيقة لا تليق بمساحيق المومياوات التي تضعها على وجهها:
بحط زيّ إخواتي
في هذه اللحظة سمعوا طرقات خفيفة على باب الغرفة، ليسرعن بوضع الطرحة الخاصة بالفستان على وجوههن. دلف الثلاثة رجال إليهن لتتأبط كُل واحدة ذراع زوجها فقد عقد آسر قرانه عليها صباح يوم الحفل. ترجلوا خارج الغرفة تصطحبهم نظرات مُراد ومُصطفى المُشفقة عليهم.
هبطوا الدرج بهدوء وسط الزغاريد الصادرة عن مُنى والسيدة حُسنية. ومن ثم جلسوا إلى المقاعد التي خُصصت لهم في مُنتصف بهوٍ القصر. إقترب آسر منها ثم همس لها بإستفهام:
إنتِ حاطه الطرحة كدا ليه يا روحي؟
فداء بإبتسامة شريرة:
عملالك مُفاجأة
آسر وقد افتر ثغرهُ عن إبتسامة عريضة ليردف بفرحة:
وانا بعشق مُفاجأتك
قطب سالم ما بين حاجبيه بإستغراب ومن ثم هتف بهن بضيقٍ وتساؤل:
إنتوا عاملين كدا ليه؟ أيه شغل الأفلام القديمة دا! شيلوا الطُرح دي حالًا
أسرع الثلاثة برفع الطُرح عن وجوههن. لاحت كُل الأعين إليهن، تقهقر يامن في خطواته للوراء وكذلك فعل الباقية ليصرخ الجميع في صوت واحد:
عـاااااااااااا، يالهوووووووي
أخذ الجميع يهرولون بعيدًا عنهن، يتخبطون من شدة الصدمة فيما رمقتهما مُنى بصدمة وراحت تسقط بين ذراعي حُسنية تُردف بخفوت قبل أن يُغشى عليها:
عفاريت!
وهنـا أطلق مُصطفى صُراخًا عاليًا:
يامـــا. عفاااااريت
إقترب منه "مُراد" ليقطب ما بين حاجبيه بشدوه وبنبرة ثابتة:
إنت يابني مش لسه مصوت فوق، ولا هو فرح ابن العُمدة
أسرع سالم إلى شقيقته يُحاول إفاقتها بعدما تفهم أن هذا مُجرد مقلب من بناته ليصر على أسنانه مُردفًا بسخطٍ:
ماشي يا بنات سالـــم!
تلعثمت بيسان قليلًا قبل أن تلتقط منديلًا ورقيًا وتنزع عنها مكياچها مردفةً بريبة وهي تجد "يامن" يُحدق بها بفزعٍ:
أنا أهووو. دا مقلب. والله مقلب!
أغمض آسر عينيه وهو يقترب منها وراح يمسح وجهها بمنديلًا ورقيـًا وهي يُردف بتوترٍ:
أعوذ بالله من الخُبث والخباث
فداء بضحكة عريضة:
حلوة المُفاجأة!
أسرع آسر بمسح الخليط القاتل هذا عن وجهها ثم أضاف وهو يضغط على عينيه بنفاذ صبرٍ:
جميلة أوي يا روحي، وياريت ما تتكررش!
قُصي مُردفًا بحنقٍ:
دا الخُبث والخباث أرحم. أعمل فيكِ أيه دلوقتي! أدفنك حية. كان على عيني بس إنتِ حامل
عنود وهي تصرخ به بحنقٍ:
ولو مش حامل هتدفني!
جدحها على الفور بنظرة نارية وراح يهتف بلهجة صارمة:
لأ، بردو
جمال بعد أن تدارك الأمر ليردف بهـدوء عالية:
خلاص يا شباب البنات بيتدلعوا عليكم ما حصلش حاجة!
صدرت قهقهات سعيدة عن الجميع. قــام سالم بإلتقاط الكاميرا الخاصة به وبنبرة سعيدة أردف:
يالا صورة تذكارية تجمعكم وانتوا بالأشكال الحلوة دي!
رحب الجميع بالفكرة كثيرًا. أسرعت عنود بالنهوض من مكانها في فرحة بينما جثى قُصي على أحد رُكبتيه وراح يُقبل بطنها في سعادة مُشيرًا إلى بيت جنينه القادم. فيمـا إلتقط آسر زوجته وألف ذراعه حول عُنقها وبكفه الآخر أشار إلى علامة المسدس وهو يوجهه صوب رأسها فيما مثلت هي مدى صدمتها من هذا. أما ثُنائي الكناري فقد أسرع يامن بحملها على عُنقه لتفرد ذراعيها في الهواء بسعادة غامرة.
كانت وضعيات صورهم تُعبر عن شخصية كُل ثُنائي منهم فيأتي الحُب أولًا وجنونه يلحقه بنكهة تلونه وتبث الحياة في طرفي أي علاقة. لم يتراجع مُصطفى عن وضع اللمسة الخاصة به حيث أسرع بجذب مُراد ثم حمله بين ذراعيه ليهتف بنبرة عالية:
بسرعة بجا يا عم الحچ سالم علشان الواد مُراد ديه، تجيل
أطلق سالم قهقهة عالية وهو يلتقط الصورة على الفــور ليتنهد بسعادة لا تُوصف وراح يُردف بنبرة حانية:
وبكدا نقدر نقول (بنات العامـــري) في إيد أمينة، علشان وقت ما لهفتي تاخدني لـ حبيبتي أبقى صونت الأمانة. بالرفاءٍ والبنين.