تحميل رواية جميلتي الصهباء بقلم عليا شعبان pdf
بقلم عليا شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جاب ببصره بينهن، أصواتهن غلبت الشوق داخله وهو ينظر إليهن. ثلاثة فتيات، يشبهنها بقوة تلك الحبيبة التي تركته في منتصف طريقهما معًا. أحبها بصدق، لم ينسيا لحظاتهما الآخاذة. ينتقيا من الأسماء ما يحلو لهما، فقد علما بقدوم ثلاث لآلئ لينرن حياتهما. لا يفتأ أن يتذكر حديثها له وهي تقول بنبرة رقيقة تشبه إغماضة عينيها الذي غلب عليها السُهاد، فيغطي جفونها أهدابًا طويلة للغاية ويختفي معها جمال سحر عينيها الزرقاوين في هدوء. وفي لحظة الشوق هذه، غلب على عينيه دمعتان يفران من موطنهما ليجد إحداهن تبتسم في ملكوت رب...
رواية جميلتي الصهباء الفصل الحادي عشر 11 - بقلم عليا شعبان
أراهُ من بعيدٍ ويراني ، أنوي حازمة علي أن أخوض معركة أحلامي .. انسل السيف من غمدهِ تأهبًا لبناء كياني .. حُبًا ووجدًا وأماني .
———
رفعت عنود جانب شفتها العُليا قليلًا وقد حركت جفنها الأيمن حركة بطيئه مُحاولة إدراك ما سمعتهُ لتردف بنبرة متوجسة :
_ just a minute , you are not serious ?!
( بتهزري ؟! )
أومأت فداء برأسها إيجابًا تؤيد عباراتها المصدومة ، فيما صدحت بيسان بشهقة رقيقة لتقول بنبرة مُتلعثمة :
_ بتحبي حرامي !! ، إنتِ بتهزري أكيد ؟
ذمت فداء شفتيها إعتراضًا علي حديثهمـا لتواليهما ظهرها بحثًا عن ملابس اُخري بعدما أعلنوا عن رفضهم لما ترتديه .. لتجد يد عنود تقبض علي ذراعها ومن ثم تديرها لها من جديد هاتفة :
_ إنتِ مجنونة ؟ ، بابي لو عرف ممكن يجرا له حاجه .. إنتِ لازم توقفي المهزلة دي حالًا !!
فـداء برفعة حاجب وهي تتخصر أمامها :
_ هو حرامى أه ، بس راجل جدًا .. لأ وشبه الأتراك كدا .. ياختي عليه وعلي حلاوته بينور في الضلمة .
عنود بصرخة حادة :
What !!
رمقتها فداء بحنقِ لتمـد يدها حيث خصلات شعرها وتبدأ في تشعيثهم بغير ترتيب قائله :
_ يالا يا بت إمشي من وشي ، روحي عن لحام يعد لك لسانك دهون ،وانتِ شبه الأجانب كدا .
إستدارت من جديد لتصطدم رأسها بـ طرف باب الخزانة ، عـادت للوراء قليلًا لتردف بنبرة واهنة :
_ أه يا نافوخي .. دوخت ، هيطلع ليّ مجانص دلوقتي وانا رايحة أقابل التركي .
سمعن طرقات خفيفة علي باب الغرفة ، لتتجه عنود حيث الباب تفتحه بثبات ، أطال يامن من خلفه ليدلف بهدوء إلي الغرفه وبنبرة هـادئة تابع :
_ هستأذنكم .. هاخد بيسان علشان ميعاد التدريب !!
فـداء بثبات :
ماشي ، لما بيسو تمشي علي رجليها ، هاخدكم أحلي مطعم كوارع في الجيزة ، اسمه النتن .
أغمضت عنود عينيها ضغطًا لتتوجه بحديثها إلي يامن الذي صدرت منه ضحكة خفيفة وهو يدفع مقعد بيسان أمامه :
_ إتفضل إنت يا (يامن ) علي التدريب ! ، وإنتِ بطلي قرف خالص .. وخليني أشوف لك حاجه تلبسيها قبل ما أروح الشركة .
ترجل يامن خارج الغرفه ومعه بيسـان ، إلتفتت عنود إلي شقيقتها ترمقها بقنوط من أساليبها في الحديث والتي باتت تزعجها ، لتصرخ فجأة دون سابق إنذار :
_ بقيتِ رد سجون قلبًا وقالبًا وكمان مقرفه ، كفاية ألفاظ حواري جالي تلبك معوي وتلوث سمعي ، ويالا قدامي أشوف لك فستان .. مش علشان أنا راضية عن المشوار دا ، لأ علشـان أنا عارفه إنك هتنفذي اللي في دماغك .
جذبتها من ذراعها لخارج الغرفة ، لتردف فداء بنبرة باردة وهي تبتسم ببلاهة :
_ أصل إنتِ ما شوفتيش الواد وحلاوته ! ، إحنا لو علقناه في سقف المخزن الضلمة ، هينور ولا أحسنها لمبة ألووز .. لأ وعندهُ خرم في دقنه .. تصدقي بالله أنا شايفه ولادي فيه .
أطبقت عنود أسنانها كاظمة غيظها وهي تسحبها خلفها حيث غرفتها ومـا أن دلفتا حتي إتجهت عنود إلي الخزانة وقامت بإخراج فستان من اللون الأزرق يصل إلي الركبه .. مُطعم خام الدانتيل من الأعلي وينسدل في اتساع حتي الركبة ..
جدحتها فداء باستنكار عندما رفعت شقيقتها الثوب أمام مرأي عينيها لتردف بنبرة ساخطة :
_ لمين الفستان دا ؟
عنود ببساطة :
ليـكِ !! .. مش حلو ؟
فداء بحنق :
حلو ليكِ انتِ ياختي ، أما أنا مش بستريح غير في البناطيل.
عنود بإبتسامة خفيفة :
فداء ، انتِ كدا بتضري نفسك حبيبتي ؟! .
رفعت فداء كتفيها عاليًا وهبطت بهما ثانية لتردف بنبرة سادرة :
_ مش عارفه يا عنود !! ، بس انا بحبه وعندي ثقه فيه يعني مش مُقنعه إن اللي بيعمله دا ، حُبًا فيه .. أكيد له أسبابه !!!
عنود بملامح مُسترخية ونبرة مهتمة أردفت :
_ وأيه السبب اللي هيخلي واحد شبه الأتراك وحلو ، حرامي ؟ .. هل ظروفه ماديًا صعبه ، ما عندوش بيت ؟
قطبت فداء ما بين حاجبيها في تذبذب جليّ فهمته عنود التي أضافت بنبرة ثابتة :
_ لأ ، مش كدا ؟
أجابت فداء علي سؤالها بهزة من رأسها ومن ثم تابعت بحسم :
_ شيك جدًا ، لطيف في التعامل .. عنده بيت جميل في حي شعبي وفي رجاله بتحرس البيت كمان و ..
ومن ثم أضافت بنبرة ناعمة متهللة :
_ وكمان عندهُ موتوسيكل أحمر .
إبتسمت عنود رغمًا عنها وهي تري بؤبؤي عين شقيقتها توهجا بلمعة فـــرح وحماس يرتبطان إرتباطًا وثيقًا بشعورهـا الجديد حيث أنها باتت تتصرف دون سابق تفكير أو حسابات منها ، فقط تسعى وراء دقات قلبها ،،،
استفاقت من ذروة إندهاشها بهذا الشعور الغريب ناحية شقيقتها ، فقد ظنت فيما مضى بأن فـداء لن تعشق أبدًا خاصةً بعد فيض الانهيار والألم التي عانته في عام السجن هذا ، إنتبهت لكلمات شقيقتها الحاسم تقول :
_ بس ما تقلقيش يا عنقودتي ، أنا قررت هسأله النهاردا .. انما ما قولتليش إيه حكاية قُصي دا ؟ ، وبسهولة كدا سامحتيه ؟
رفعت فداء أحد حاجبيها تطالع شقيقتها بتحدِ ، أصدرت عنود قهقه خفيفة وهي تتابع باستنكار :
_ أوعي دماغك تاخدك لمكان مستحيل أكون فيه ؟ ، سامحته علشان المصلحة اللي بينا وإنه شريكي .. لكن أنا حسابي معاه مخلصش ، وما تنسيش إن عنـود العامــري مُستحيل تتنازل عن جمالها ورونقها في سبيل نكبات وأوجاع الحُب !
——–
( داخل الڤيلا “مقر الشركة” ) ،،
_ وصالحتها وقبلت بسهولة كدا ؟
أردف فايز بتلك الكلمات في تساؤل ، إلتفت قُصي الي صديقه ليقول بنبرة واثقة وهو يُرتب رابطة عنقه :
_ إنتِ بتتكلم مع قُصي الدمنهوري يا صاحبي؟
فايز بضحكة ساخرة من جانب شفتيه :
_ وبتكلم بردو عن عنود العامري ، بنت سالم العامري القاضي المُحترم وأخت فداء العامــري .. كُل البيانات دي تؤكد إنها مش من النوع اللي بتعرفه !!!
قُصي وهو يربت علي كتف صديقه بثبات :
_ إطلاقًا ، هي ميكس رقه علي جبروت، ورفعة حاجب أحلي من سنين عُمري كلها .. وعلشان هي مش شبه النوعيـات دي ، أنا إعتذرت لها .
حدق فايز به وهو يفغر فاهه مشدوهًا ، وضع إصبعة السبابة داخل فتحة أذنه وبنبرة مذبهلة تابع :
_ لحظه .. لحظه .. قولت أيه ؟ ، قُصي بنفسه بيبرأ بنت من إتهاماته السابقة ؟ .. بركة ياخويا وأخيرًا العُقدة إتحلت !! .. لأ دا أنا أجيب بيبسي ونسهر ونعربد بقى ؟
صدحت قهقه عاليه صادره عن هذا القاس الوسيم ، ليردف بنبرة مستنكره :
_ دا أخرك في العربده ؟ .. تجيب بيبسي وتسهر ؟
لم يستمع إلي رد صديقـهُ وهو يجدها تدلف من الباب الرئيسي للڤيلا .. تابع خطوات قدميها الواثقه نحوهمـا .. نفس رفعة الحاجب التي لا تتنازل عنها ، حتي خُصلات شعرها الغجرية تؤازر صاحبتها فـ تتطاير خلفها بعنجهية وثقة ، سرح بخياله بهـا يدقق النظر إلي قسمات وجهها بإمعانِ .. حاول ترتيب أفكاره داخله لوهلة وهو يرمقها بنصف عين ، هل بترت قسوته ناحية الفتايات فجأه وبسببها كما ذكر صديقه ؟! .. مَن هذه لتُثير داخله فوضي أفكار .. هل أثارت بحق جلبه في أفكاره فحسب .. ليُقاطعه صوت فايـز الذي إقترب منه مُناديًا بتقطيبه مريبة :
_ إنت نمت وعينك مفتحه ولا أيه ؟ .
رمقتهُ عنود بريبة حيث ثبتت مُقلتيه بها ، ليلاحظ فايز ذلك ومن ثم بادر بإيقاظه من شروده لخوفها من التحديق بها.. تنحنح قُصي قليلًا وهو يرتب رابطة عنقه علي مهل وبنبرة آسفه تابع :
_ انا أسف سرحت شوية .
فايز بضحكة ساخرة :
طيب لما تسرح بعد كدا ، إبعد عينك من علي البونية ، خوفتها !
جدحه بنظرة تهديدية مُستترة ، ليلتفت إليها وبنبرة هادئة تابع :
_ تحبي نبدأ منين ؟ .
——
جلس إلي مقعده في ذهول من أمره ، مال بجسده جانبًا يُطالع ثوبها وهيئتها بنظرة مُريبة لاحظت علامات الاستفهام التي عششت حول عقل صديقها لتردف بنبرة مُتلعثمة :
_ ما خلاص يا عم مُنيـر .. قولت لك عنود الزفته هي اللي أصرت إني ألبسه .
منير وهو يعدل من وضعية نظارته الطبية قائلًا بتوتر :
_ معلش يا فداء .. مش متعود عليكِ أنثي يا صديقة الكفاح !!
فداء مُتصنعه البكاء :
ولا انا والله .
رفعت وجهها إليه فجأه تجدحه بنظرات حادة أعقبها إطباقة منها علي ياقة قميصه وراحت تردد بتهديد :
_ آسر هييجي من هنا ، وبعد ما تتعرفوا تتحجج بأي حاجه وتخلع .. دا لو باقي علي حياتك يا منير !!
منير بتلعثم :
ح .. ح .. حاضر .
تنشقت الهواء داخلها وهي تعود بظهرها تسند إلي المقعد بأريحية شديدة وقد ظهرت علي مُحياها إبتسامة ظافرة .. تسايرت الإبتسامة عن وجهها ليحل محلها العبوس القاس وهي تجد هذه الشيطانة تتأبط ذراعه ويتجهان معًا ناحيتها ..
اصطكت اسنانها بقوة لترفع قدمها من أسفل الطاولة ومن ثم تهبط به علي قدم مُنير تدهسـه ليصرخ هو متأوهًا وما أن همّ بالحديث حتي جدحته بحذر لتقول بنبرة خفيضة :
_ عاااااا .. هتشل ، بنت المبقعه دي تاني !!
ألقي آسر السلام بإبتسامة هادئه ، أرجع أحد المقاعد للخلف قليلًا حتي أجلسها ومن ثم جلس هو إلي المقعد المجاور لهـا .. كانت ترمقهما بنظرة حانقة بينما أردف آسر وأخيرًا بعد أن لاحظ هيئتها الجديدة عليه :
_ جميل الفستان يا فداء .
إنفرجت أسارير وجهها بطفولة وراحت تهتف بنعومة هادئة :
بجد يا آسر ؟
أومأ لها بإبتسامة هادئه .. كانت نجوي ترمقها شزرًا بين الحين والآخر .. لم تحسب فداء لهذا مُطلقًا .. فقد ظنت بأنها ستتمكن من الحديث معه علي إنفراد تــام .. هنالك الكثير والكثير الذي تود معرفته ، في تلك اللحظه تابع فايـز بنبرة هادئه :
_ إتشرفت بمعرفتك يا أستاذ آسر ؟
آسر بإبتسامة هادئه :
دا شرف ليا يا مُنيـــر .
انسلت فداء من بينهم في هـدوء لتقف علي مسافة منهم ، ضغطت علي عدة أزرار في هاتفهـا وإنتظرت رد المُستقبل عليهـا وما هي إلا ثوانٍ حتي رددت إحداهن بنبرة عالية قليلًا :
_ فـداء ؟ .. إزيك يابت وحشاني !! ، كدا تقوليلي هعدي عليكِ ولا تسألي ؟!
فداء بنبرة قانطة :
مش وقته يا أم شـريف ، أنا عوزاكِ ضروري .. مسألة حياه أو موت .
أم شريف بثبات :
إشجيني بالعنوان وأكون عندك دوغـــري .
——
_ والله ليك وحشه يا جمال ؟ .. تعالي علي مكتبي علشان نتكلم براحتنا .
أردف سالم بتلك الكلمات وهو يترجل خارج غرفة التدريب الخاصة بابنته مُستقبلًا صديق عمره بحفاوة شديدة .. افتر ثغر جمال عن إبتسامة عريضة قائلًا :
_ يا جدع يا طيب .. إعملها انت وإسأل مرة ؟
صدح صوت سالم في جنبات القصر يأمر إحدي الخادمات بإحضار قهوتهما المفضله ، ربت علي كتف صديقه يقوده معه إلي حجرة المكتب قائلًا :
_ والله غصب عني .. أنا مقصر الأيام دي مع الكُل .
(علي الجانب الاخر ) ،،،،
تهللت أسارير وجهها وهي تقف علي قدميها لفترة مُرضية وليس هذا فحسب بل تمكنت من السير علي مدى كعبين .. إبتعد بجسده عنها ثم مــد كفيه إليها يهتف بنبرة مُحفزة :
_ هــا ؟ .. تعالي يا بيسان .. حاولي تمشي خطوتين تاني علشـان أنفذلك مشروع الحضانة اللي عاوزاه !!
رمقته بنظرة مليئه بالإصرار والسعادة ، أمدت هي الأخر كفيها إليه حتي تشابكوا معًا ليعاونها علي السير فتستجيب ، وهنا شعر بلذة انتصـار فأخيرًا قذفت بيسان داخله شعورًا يُحييه كطفلة تتعلم السير مؤخرًا .. يجد بها صغيرته التي لم ينجبها بعد ..
أصدرت قهقهة رقيقة بعد أن تغلبت علي مرضها الذي حدث إبان تعرضها لحادثة جعلتها أسيرة لـ مرضها وعاجزة عنه ، إرتمت بين أحضانه تحتمي به حتي لا يهوى جسدها أرضًا ليلتقطها هو بحُب جـارف وهو يتنشق عبير شعرها الأصهب الهاديء بنفحاتها الخاصة …
تلاقت نظراتهمــا لترمقه بنظرة طفولية فجّة ، أذابت داخله ذوبانا .. هذه النظرة منها تجعله يغرق في بحـر عشقها الأبدي المُـر .. وهنـا أردفت بيسان بفرحة :
_ يامن ؟ .. أنا كدا هعرف أمشي تاني !!
أومأ يامن برأسه إيجابًا ومازال يحتضنها غير عابئًا برفضها لحُبه ، هو فقط يَود الطبطبه علي قلبه بوجودها .. كبا لون وجهه إبان نطقها بهذه الكلمة وسط جملة مـا حيث تابعت بهُيام أغاظه :
_ يعني خلاص هقدر أشوف إبراهيم وأخرج معاه ؟
أغمض عينيه بحنق ونفاذ صبر .. فقد شاظ به الغضب وفاقت أقاويلها قدرة إحتماله ، فقلبه يتهشم وهي لا تُبالي بإستغاثاته ، قام بإجلاسها إلي مقعدهـا ليتدهور به الحال قائلًا بصوتٍ أجشٍ :
_ إنتِ ناوية تجننيني ؟ .. ردي عليا !!
رمقته بيسان بعينين جاحظتين ، فيما ثبتها بذراعيه وراح يهزها صارخًا بنبرة ثائرة .. رُجت جدران المكان علي أثرها :
_ إبراهيم مات يا بيسان .. مـااااات ، فوقي بقى .. ماااااااات .
تلألأت قطرات الدموع في عينيها ، لتصرخ به بنبرة واهنة :
إنت كذاب .. عاوزة يموت ليه ؟
جثى علي رُكبتيه ليقترب من وجهها يرمقها بعينين يستشيطا غضبًا ، فقد شعرت بعبق نبراته الحرارية علي ملامحها وهو يصرخ بحنق :
_ علشان هو ميت .. ميت من زمان .. وعلشان أنا بحبك ، حتي أنا كمان قلبي مـات حُزن وفقدان أمل بسببك .. فوقي يا بيسان .. إنتِ من حقي أنا !!
دفعته بيسـان بقوة بعيدًا عنها ، فقد إرتعشت أطرافها وهي تصرخ به باكية .. بل أصبحت حالتها مُنهارة تمامًا لتردف :
_ أنا بكرهك .. ومش هحب حد غيره ، أنا ممكن أموت لو بعد عني .
إنهارت حالته أكثر وراح يضرب علي مسندي المقعد بكلتا ذراعيه .. إنكمشت علي نفسها فزعًا ونبرة بكائها تزداد ليهتف ثائرًا :
_ طيب وانا ؟ .. ما أنا طول عُمري بموت في بعدك عني! ، طول عُمري علي الرف في حياتك مستني الفرصة ،وإنتِ عُمرك ما حسيتي بقلبي ، إرحميني يا بيسـان .. الله يلعن دا حُب !
تجمع الخدم علي صوته الجهوري يرج القصر رجًا .. هرعــت مني لداخل الحجرة ليتبعها سالم والباقية ..
أسرعت بإبعاد إبنها عن مقعد بيسان وأخذت تصرخ به باستهجان من طريقته معها :
_ انت أكيد إتجننت ؟ .. أيه اللي إنت عملته دا ؟
دفنت بيسان وجهها في ملابس مني ، تبكي بشهقات صغيرة مُتقطعه .. رمقها يامن بنظرة ضعيفه لا تقوى علي المُجادله ومن ثم أسند ظهرها إلي إحد الحوائط مُستسلمًا لأوجاعه التي لا تنتهي …
سالم وهو يهرول إلي ابنته بقلق :
_ بيسان ؟
إلتفت ببصره إلي يامن ومن ثم جدحه بنظرة لائمة ليقول :
هي دي الأمانة يا دكتور ؟
———
مالت نجوى علي أذن آسر تبتلعها بمجموعة من الكلمات الغامضة ، هزّ آسر رأسه بهـدوء وثبات ، تنحنحت فداء قليلًا قبل أن تقول بهدوء :
_ محتاجة حاجه يا أنسه نجوى ؟!
_ لأ ، شكرًا .
بترت عباراتها هنا وبالأخص عندما تابع آسر بنبرة ثابتة قائلًا :
_ بعد إذنك يا فداء .. ممكن توريها مكان التواليت ؟
إنفرجت أسارير وجهها وكأنها فازت بفرصه للانتقام مُقدمة لها علي طبق من ذهب ، أومأت برأسها لتقف في مكانها علي الفـــور وبنبرة ثابتة قليلًا تابعت :
_ تعالي معايا .
وافقت نجوى علي مضض فهي لا تطيق وجود فداء إلي جوار حبيبها أبدًا .. إتجهت بهـا إلي دورة المياه الخاصة بالسيدات ومـا أن دلفت الفتاة للداخل .. حتي جاءت هذه السيدة التي تُدعى ” أم شريف ” والتي كانت صديقتها بهذا العام الجاف عليها ، هتفت فداء بنبرة سعيدة للغاية قائله وهي تحتضنها :
حبيبتي يا أُم شريف .. وحشتيني !
أم شريف بنبرة عالية قليلًا :
وانتِ كمان ، خير أيه المصلحة المرة دي ؟!
فـداء وهي تذم شفتيها غيظًا وتشير إلي باب المرحاض :
_ بت شبه دود المِش بتاعك أقسم بالله ، عاوزه أخلص منها لمدة ساعة كدا ، بس علميها لي الأدب .. زيّ ما كُنتِ بتعملي مع البنات في السجن .
أم شريف وهي تتخصر أمامها وتحرك حاجبيها بثقة :
عاوزة أنهي حركة فيهم ؟
رمقتها فداء بنصف عين لتفكر لوهلة ومن ثم إبتسمت بتذكر لتردف :
_ عارفه يا وليه، البت اللي كانت اسمها سميرة المايعة ؟ .. لمـا عملتلها سوبلكس علي دماغها وجالها حول في عنيها وأغمن عليها ؟
أم شريف بتركيز ومناصرة لحديثها :
_ أه .. لما ضربتها علي راسها فلقتها نُصين ؟
تجهمت معالم وجه فداء فجأه ، لترفع أحد حاجبيها قائله بمكر :
_ فلقتها دي اللي هي split يعني ؟
وضعت السيدة يدها أسفل ذقنها تحكها باستنكار ومن ثم أردفت بهتاف حـاد :
_ وانا مالي يا فتاء !، لب ولا سوداني يوووه ؟
صرت فداء علي أسنانها لتقول بنبرة ساخطة :
_ يا وليه حرام عليكِ مليون مرة أقولك اسمي فداء .. دا انا جالي فتاء منك انتِ ومِشك ، إنتِ لو فتحتي بطني كدا .. هتلاقيها ممششة بسببك .. وبعدين انتِ ليه مش قايله لي المصطلح الجديد دهون علشان أضيفه لقاموسي !
أم شريف بغيظ :
قال يعني أنا كُنت بشوف وشك ؟
إرخت عضلات وجهها لتقترب من السيدة ثم تحاوط كتفيها بذراعها قائله بنبرة هادئه :
_ في أيه يا أم شريف ؟ .. دا أنا تلميدتك ومن علمني حرفًا .. صرت له عبدًا ..ما تخليش النجوى من الشيطان دي تُدخل مـا بينا !!
لانت السيدة تستمع إلي كلماتها بتفاخر وكأنها علمتها ما لا يُمكن تدريسه بأي مكان .. أو بالفعل هو كذلك !!!
في تلك اللحظه ترجلت نجوى خارج المرحاض ، وهنا رفعت فداء صوتها عاليًا وكأنها في عـراك مع هذه السيدة السمينة ، لتتصنع الدهشة وهي تهتف بنجوى في إغاثة :
_ إلحقيني يا عجوة .. الست دي بتزعقلي .
فتحت نجوى عينيها واسعًا لتجد السيدة تقترب منها مرددة بنبرة غليظة :
_ بقى هي دي اللي بتهدديني بيها ؟ .. طيب تعالي ياختي .
أسرعت أم شريف بالقبض علي ساعدها ومن ثم تعثرت قدمـاها لتضربها السيدة علي راسها فتسقط أرضًا وهي تصرخ بتاوه ، تصنعت فداء الفزع لتهتف هلعًا :
_ الست دي متوحشة .. انا هروح أبلغ آسر .
وقبل أن تلتفت مُغادرة المرحاض وجدت السيدة تُلقي بجسدها السمين علي الفتاة التي دُست أسفلها .. فغـرت فداء فاهها لتقول بصدمة :
_ البت ماتت ….!!!
يتبع…
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثاني عشر 12 - بقلم عليا شعبان
ليس للمحبين حرج إن ظلت مشاعرهم حبيسة الورق.
فيجهل الطرفان ما يخفق في صدورهما بلا ألم.
ولكن كيف وأن أصبح في العلن؟
فالحب أضعف من أن يجحد أحد أطرافه على الآخر.
هي فقط كلمة "أحبك" تغفر الماضي وتبني حاضرًا مشرقًا.
توترت قليلاً وهي تجلس إلى المقعد المواجه له.
تنحنحت لوهلة وقد علت ابتسامة صفراء وجهها.
قطب ما بين حاجبيه في حيرة واستفهام ليردف بنبرة هادئة ثابتة قائلاً:
_ فين نجوى؟
إقشعر جسدها هلعاً جراء نظرته المحدقة بها لتقول بنبرة مهزوزة يجتاحها قهقه خفيفة تائهة:
_ في الحمام وقالت لي هتظبط الميك أب.
فأنا قلت هكلمك في موضوع ضروري قبل ما تيجي.
حانت منها التفاتة إلى وجهه الذي طالعها باستفهام وترقب.
تنشقت الهواء داخلها ومن ثم أردفت بشجاعة ضارية:
_ آسر.
إنت ليه بتشتغل حرامي؟
افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة جعلتها في حالة توتر فادح لتهتف باستئناف:
_ قصدي يعني.. إنك كاچول وابن ناس من هيئتك.
لأ وكمان عندك بيت جميل جداً.
ليه لجأت للمجال دا وانت مش بحاجة له كمبرر يعني؟
مال بجذعه العلوي للأمام قليلاً.
ليستند بساعده إلى سطح الطاولة.
يرمقها بنظرة ثابتة ومازالت تلك الابتسامة الواثقة يتشبث طيفها بثغره:
_ مين قالك أصلاً إني حرامي؟
انكمشت معالم وجهها في جهل تام بما أفصح عنه.
لتقول بابتسامة خفيفة تتلهف لمعرفة أسبابه:
_ أمال إنت إيه؟
وسرقت شنطتي بمناسبة إيه؟
في تلك اللحظة التفت برأسه جهة اليمين.
يستفسر في عقل باله عن سبب تأخر ابنة خالته وكأنه يتهرب أو يمتنع عن الإجابة.
ذمت فداء شفتيها عبوساً.
أمدت ذراعها ناحية وجهه وراحت تضع أناملها أسفل ذقنه لتدير وجهه إليها قائلة:
_ إنت مين يا آسر؟
عاد بظهره للخلف وقد استقام في جلسته بعدما جدحها بنظرة غريبة جراء لمسته له.
ليشرد بنظراته للبعيد متخطياً إياه ليردف بهدوء:
_ آسر أيوب.
ابن المعلم آيوب صاحب مخبز عيش كبير.
كان راجل بيحب يتجوز كتير.
فكثرت مسؤليته بسبب خلفته الكتير.
فاتجه للسرقة هو ومجموعة من صحابه واشتهروا في البلد عندنا.
هو طبعاً كان سايبني أنا وأمي الله يرحمها لوحدنا.
ولما مات بقيت أنا (ابن الحرامي).
وصمة المجتمع وصفني بها وابن الحرامي لازم ولابد يكون حرامي حتى لو مش دا طريقه.
رمقته فداء بعينين جاحظتين وهي تفغر فاهها شدوهة لتقول:
يعني إنت مش حرامي؟
أمال ليه سرقت شنطتي؟
آسر بضحكة هادئة جراء صدمتها التي أضفت على ملامحها طفولة خالصة:
_ المهم الشاب الصغير دا.
قرر يشتغل علشان يصرف على أمه ويجيب لها علاج جنب دراسته.
بس هي بعدها بفترة ماتت وهو جمع فلوس كتير بالحلال.
أما سبب سرقتي للشنطة.
فإني حاولت أهرب من وصمة المجتمع ليا وما عرفتش فقررت أساعد الناس وكدا وكدا اسمي حرامي.
بساعد واحدة وأرجع لها حقها.
أو واحد اتظلم وأضعف من أنه يجيب حقه.
بأستمتع بالمخاطرة دي مش أكتر.
وضعت فداء كفها المتكور أسفل ذقنها.
رمقته بنظرة هائمة ومن ثم أردفت بصوت خفيض:
_ معاك مؤهل إيه؟
آسر بقهقهة خفيفة وكأنه يتذكر شيئاً ما:
_ أنا بقى يا ستي خريج كلية تجارة.
اتشحتفت علشان أتخرج.
بعد أمي ما (ماتت) قعدت سنين نفسيتي متدمرة وبقيت بعيد سنة رابعة دي كتير.
عيدتها أربع مرات.
مش عارف اتخرج ومش قادر آخد خطوة للمذاكرة نهائي.
أصلها تعبت معايا أوي وكان روحي فيها.
افتر ثغرها عن ابتسامة حانية ولم تخل نظراتها من معاني الحب والحنو ناحيته لتقول بنبرة صادقة تواسيه:
_ ربنا يرحمها.
بس إنت كنت ناوي تبلط العمر كله في الكلية ولا إيه؟
آسر بابتسامة هادئة:
الظروف جات كدا بقى.
_ إنتِ واحدة حقيرة وشوارعية.
أنا مش فاهمة إنتِ موجودة في حياتنا ليه؟
صرخت نجوى بنبرة باكية وهي تهرع ناحية الطاولة.
فزع آسر من رؤيتها على هذه الحالة ليلتقطها بين ذراعيه هاتفاً بقلق:
_ نجوى.
أيه اللي حصلك؟
صدحت نجوى بشهقة متقطعة.
وهي ترمق فداء بنظرات عدوانية متأججة بنار الغيظ:
_ الهانم اللي إنت دخلتها حياتنا.
سلطت واحدة عليا وضربتني في التواليت.
مين المقرفة دي يا آسر وجاي تقابلها بأي صفة؟
صداقة؟
مش عاوزينها.
أنا ماشية.
جاي معايا ولا هتبقى؟
التفت آسر ببصره إليها وبنبرة صارمة تابع:
_ انتِ فعلاً عملتي دا؟
نجوى بحدة:
إنت لسه بتستفسر منها؟
تقدر بنفسك تسأل الست اللي كانت في التواليت.
تجنبت فداء النظر إليه.
فيما هتف بها بنبرة جامدة أربكتها:
ساكتة ليه؟
إنتِ فاكر علشان تهاونت معاكِ دا يديكي حق التمادي؟
إنت بتعملي كدا ليه؟
إيه هدفك من دا؟
لم يتسنى لها فرصة الرد على اتهاماته لها.
همت بفتح فاهها لتتحدث لتجده يضع كفه خلف ظهر (نجوى) يدفعها بخفة للسير أمامه دون أن يلتفت لنظراتها التي ترقرق الدموع بها.
( بعد مرور أسبوعين )
نفخت البلالين ومن ثم ألقيت داخل حوض السباحة بشكل مبتهج يتماشى مع هذا الحدث الجديد عليها.
أضيء المكان بأنوار خافتة وقد عُج المكان بالكثير من الناس وعلى رأسهم مجموعة من رجال الأعمال الذين أتوا من كل حدب وصوب لحضور افتتاحية الشركة (PaSsion).
الذي ذاع صيتها قبل أن تواكب مشاريعها الأولى حتى.
أخذت تسير بين ضيوفها بعنجهية وسعادة لا متناهية.
تبتسم لذاك وتتبادل أطراف الحديث مع ذاك.
وقف (قصي) يستقبل الوفود أمام الباب الرئيسي للشركة.
التفت يطالعها بعين الإعجاب فقد انكبّت على العمل طيلة هذه الأسابيع تستعد لهذا اليوم كفراشة بكامل همتها فقد تحقق ما رغبت دون قيد أو شرط من أحد.
ارتدت فستان من اللون النبيتي.
يصل إلى نهاية القدمين ويطول طرفه من الخلف قليلاً ومن الأعلى محكم بطوق ألماسي حول الرقبة دون أكمام.
قامت بلف شعرها كعكة أظهرت جمال ملامحها وبشرتها البيضاء الناصعة.
حانت منها التفاتة صوب الباب الرئيسي للشركة لتجده يطالعها بتأمل وتركيز.
أشاحت بوجهها بعيداً عنه.
فقد رأت تغيره ناحيتها وكيف يعاملها بحسن تصرف منه ولكنها تسد طرق النقاش أو المصادقة كذلك في وجهه.
فهي تبغضه حتى لو أنار بأنامله طريقها لتمر فهي لا تقارن كبرياءها بفظ مثله.
كما أنها أبعد من أن تلتفت أو تدرك أن نظراته لها بداية عشق فهي للحب أشد الأعداء وترى في المحبين ضعفاً لا يليق بقوة شخصيتها.
_ بس عنود دي طلعت ذكية ما شاء الله.
دي الحفلة ما تتكررش.
نيالك يا عم بشريكة زي دي.
مال وجمال وذكاء.
أنهى فايز حديثه ليجد صديقه يجدحه بنظرة باردة كاتمة.
ليهتف الآخر مستأنفاً حديثه:
_ إنت ما بتضحكش يابني؟
إفرد الـ 111 اللي علي وشك دي؟
توجه قصي ببصره يستقبل الضيوف بابتسامة صفراء.
ليهتف من بين أسنانه المطبقة:
_ البت شايفة نفسها على الآخر.
دي أصرت إن مكتبها يبقى في دور ومكتبي في دور تاني خالص.
وضع فايز كفه على فمه كاتماً ضحكته التي ظهرت جلياً في نبرته:
_ وإنت زعلان ليه؟
صمت قصي لوهلة.
شرد في سؤال صديقه الآتي عن مزحة أغاظته ليرمقها بنظرة ثابتة وراح يقول:
_ مش عارف!
"على إحدى الطاولات"
_ طيب إحلف بالله كدهون.
إن الإزازة اللي لونها نبيتي دي مش مسكر يا منير؟
زفر منير زفرة مطولة ليهتف بغيظ:
_ يا ستي قولت لك مش مسكر.
مش مسكر.
هو إنتِ عازماني على الحفلة عشان تقولي لي أشرب إيه ومأشربش إيه؟
صرت فداء على أسنانها لتقترب منه وبنبرة صارخة تابعت:
_ في إيه يا ولا؟
إنت صديقي وأنا لازم أوعيك.
لأن المسكر دهون بيذهب العقل وانت أصلاً ما عندكش منه.
فهيذهب إيه مثلاً؟
ومن ثم ضربت على الطاولة بقوة لتهتز الزجاجات عليها وبنبرة صارمة تابعت:
_ افرض تأثير البتاع دهون.
مالقاش عندك عقل؟
فـ قرر يتجه لنواحي تانية.
فـ قام داخل على طول الطريق السريع عدل لحد ما وصل للمجاري اللي عند كل بني آدم.
فـ أثر عليها وحصلك من بعدها تبول لا إرادي.
تبوظ ساعتها حفلة أختي؟
جدحه منير بنظرة مستنكرة.
ومن ثم رفع الكوب الزجاجي إلى فمه يرتشفه كاملاً ليردف:
_ أنا فعلاً ما عنديش عقل عشان صاحبتك.
ذم منير شفتيه عبوساً فيما لانت ملامحها وهي تبتسم له بنبرة بلهاء قائلة:
_ خلاص ما تزعلش يا light.
لـ الدنيا تعتم فجأة.
ما إنت عارف إن إنت الكابل اللي مشغل الليلة دي كلها.
وبعدين سهلة يعني لو جالك تبول لا إرادي.
هرميك في البيسين وما حدش هيدرى بحاجة.
وأهو يبقى زيتنا في دقيقنا.
منير بنظرة غاضبة:
_ اتكلي على الله.
شوفي بيسان بتنادي عليكِ.
فداء بنظرة تحد وقد أمدت رقبتها للأعلى قليلاً:
عاوز تخلص مني؟
بردو مش همشي إلا لما تقولي إيه دا؟
مسكر صح؟
صر منير على أسنانه.
ليهتف بنبرة حانقة:
_ ما أنا شارب قدامك كوبايتين أهو.
ما سكرتش ليه؟
دا مشروب اسمه (مشروب الشجاعة).
بيحفزك تعملي أي حاجة مترددة فيها.
حدقت فداء به لتقترب من أذنه هامسة بنبرة خفيضة:
_ أي حاجة.
أي حاجة؟
أومأ منير برأسه إيجاباً.
فيما أسرعت هي دون تفكير تلتقط إحدى الزجاجات القابعة على الطاولة ومن ثم تضعها داخل حقيبتها قائلة بحسم:
_ خليها معايا بقى يمكن نحتاجها.
أما أروح أشوف بيسو.
إتجهت فداء صوب الطاولة التي تجلس عليها شقيقتها.
فقد تطورت حالتها بصورة سريعة ومرضية للتخلي عن المكوث إلى ذاك المقعد المتحرك وتبدأ في السير على قدميها باستخدام عكازين.
خاصة بعد خضوعها لعدة جلسات مكثفة منه.
كانت بيسان تجلس إلى جوار عمتها في شرود تام، فمنذ انقطاع أحاديثه معها وهي تشعر بالذنب تجاهه، فلم يقدم لها سوى الخير فقط. يتردد صدى كلماته على مسامعها كل ليلة، باتت تدرك بأن خطيبها قد رحل بالفعل. صراخه بها أيقظ ذاك الجانب الثائر على حالتها داخلها، وأكثر ما يؤلمها الآن الفيض الواسع منه تجاه صحتها الجسدية في نظير ذلك فيض أكبر جراء تجافيه لها.
كان يجلس إلى طاولة الرجال بصحبة جمال وسالم. نحت ببصرها إليه لتجده قد انغمس في أحاديثهم دون أن يعيرها اهتمامًا، لتزفر بحنق. وهنا قطع شرودها به صوت فداء التي لثمت جبينها قائلة بحب:
"الجميل سرحان في أيه؟"
انتبهت بيسان لشقيقتها التي جاورتها في المقعد الآخر لتقول بنبرة هادئة:
"تقريبًا نعست."
منى بهدوء وهي تتوجه بحديثها إلى ابنها الأصغر:
"روح يا مراد هات لها قهوة.. دا إحنا لسه في أول الحفلة."
مراد وهو ينظر صوب الباب وقد أطلق صفيرًا عاليًا بعض الشيء:
"القمـــر نزل على الأرض يا جدعان؟"
التفتن حيث أشار مراد. رمقتها بيسان بلا مبالاة، فيما أطلقت فداء زفيرًا خاليًا من أي أنواع الأمل. فقد دعته لحضور هذه الحفلة وبذلت قصارى جهدها في الاعتذار منه، والآن هو لا يلبي دعوتها حتى، فقد استغنى عن هذه الصداقة والتي في أصلها حب مكبوت.
على النقيض من هذا، جدحتها عنود بنظرة عدوانية. ذأبت في سيرها حيث الباب لتقف في مجابهتها وبنبرة حادة تابعت:
"هانيا الرفاعي؟.. بتعمل أيه هنا؟"
أطلقت هانيا قهقهة خفيفة جراء حديثها مستهينة به، وبنبرة متصنعة للبراءة رددت:
"بحضر حفلة صديقتي؟.. ولا إحنا مش صحاب؟!"
جدحهما قُصي بنظرة ثابتة، وضع كفيه في جيبي بنطاله يراقب هذه الشرارة النارية التي تصدر من شريكته في حين أردفت عنود بنبرة باردة:
"هو انتِ مين أصلًا عشان تنولي شرف صداقتي؟.. إنتِ نكرة يا مـاما.. نكرة؟"
أنهت عنود حديثها لتدفعها بقوة، فيما ارتدت الأخرى للخلف. ليقترب حارسها الشخصي من عنود وهمَّ أن يضغط على ذراعها يردعها عن الاقتراب. خرج قُصي من صومعة صمته بعراك يختص سيدات. ليهرع إليهما ومن ثم يضغط على كف الرجل بحركة فجائية ألمته ليهتف بصوت أجش:
"عيب.. تتدخل بين الحريم.. مش كدا ولا أيه؟"
وما أن تلفظ بجملته تلك حتى فاجأه بلكمة على وجهه. ارتد الرجل على أثرها للخلف محاولًا الاتزان في وقفته.
شهقت عنود بفزع من تحوله هذا، فيما صرخت به هانيا بحدة:
"انت مجنون؟.. وبتدخل بصفتك أيه؟"
قُصي وهو يجدحها بنبرة قاسية:
"بصفتي صاحب المكان.. يالا خُد رجالتك وورينا جمال خطوتك.. ولو عجبتينا نبقى نجيبك تشتغلي عندنا موديلز.. يالا هنرأف بحالتك."
جحظت عيناي (هانيا) بإندهاش من طريقته الفظة معها. أثرت عنود الصمت ترمقها بإبتسامة ساخرة لتنسحب هانيا من المجابهة وتعود حيث أتت.
التفت قُصي ببصره إليها ليباغتها بسؤال كانت تتوقعه وهو يغمز لها:
"مين؟.. ها؟!"
افتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة جاهدت في إخفائها، ومن ثم أردفت بثبات:
"واحدة ما عندهاش ضمير.. كانت بشتغل في شركتها.. وكانت بتاخد تصاميمي وتنسبها لنفسها.. ولما جبت أخري قررت أنهي شغلي معاها."
قُصي وهو يهز رأسه بتفهم:
"بس البت حلوة مافيش كلام!!"
جدحته عنود بإستنكار وإزدراء. تنحنح قليلًا قبل أن يرفع سبابته نافيًا:
"بس الشكل ما يغفرش عندي.. طبعًا."
كانت فداء تراقب شقيقتها عن بعد منذ قدوم هذه الفتاة ذات الهيئة الغير مريحة. أوشكت أن تشتبك مع حراستها حينما نهضت من مقعدها في ثورة وسرعان ما هدأت عندما وجدت قُصي ينوب عنها لتقف في مكانها.
تهللت أسارير وجهها وبدأ قلبها في الخفقان دفعة واحدة. فقد رأته يدلف من باب الشركة يتلفت حوله بحثًا عنها. أخذت تهندم ملابسها استعدادًا لاستقباله. تتنفس الهواء داخلها ثم تخرجه ببطء. فلم تره منذ أسبوع أو أكثر.
هرعت فداء إليه، وقد ظهر على ثغرها ابتسامة عريضة لتقول بتوتر:
"آســـر؟"
افتر ثغره عن ابتسامة هادئة، ليردف بنبرة ثابتة:
"إزيك يا فـداء؟"
فداء بتلقائية شديدة:
"كنت مستنياك من بدري وفقدت الأمل.. بس حاليًا أنا كويسه جدًا."
هز آسر رأسه عدة إيماءات خفيفة. تلعثمت في عباراتها قليلًا قبل ان تقوده إلى طاولة ما وبنبرة هادئة تابعت:
"آسر.. إنت لسه زعلان مني؟"
رمقها آسر بنظرة ثابته وبلهجة نافية أردف:
"لو مازلت زعلان.. ما كنتش هاجي أبدًا. أنا دلوقتي هنا عشان نفتح صفحة جديدة. أنا حبيت إنك موجوده في حياتي."
فداء بلهفة أردفت:
"بجد؟"
آسر باستئناف:
"بجد.. وحبيت أعزمك على خطوبتي كمان. وعلشان تصلحي علاقتك بـ نجوى.. فـ حابب تكوني معانا بكرة وإحنا بنختار الدهب."
تسايرت السعادة عن وجهها، وقد ذبلت إشراقة وجهها ترمقه بحزن خفي. وما أن لاحظ صمتها حتى تصنعت ابتسامة لم تصل إلى عينيها لتقول بنبرة متـحشرجة تحتبس الدموع بها:
"خطوبتكم؟.. فرحت جدًا.. مبروك."
آسر بإبتسامة خفيفة:
"الله يبارك فيك.. ها هتكوني معانا بكرة؟"
أخذت تفرك كفيها بألم داخلي، ألهب قلبها لتردف وهي تتجنب نظراته لها حيث أوشكت على البكاء:
"مش عارفه هقدر ولا لأ.. ربنا يسهل."
أومأ آسر برأسه في خفة. ليقف منتصبًا في مكانه يعلن انتهاء حديثهما. ومن ثم سار مغادرًا المكان. ابتلعت فداء غصة في حلقها.
فرغم احساس الألم الذي يعتصر قلبها إلا أنها أظهرت رباطة جأش وضحت مدى ثباتها واتساع قدرة تحملها.
قامت بدفع يدها داخل حقيبتها لتلتقط هذه القنينة كرزية اللون وتبدأ في ارتشافها جرعة بعد أخرى وهي تحسم أمرًا ما في قرارة نفسها.
انشغل الجميع بالحفل، حينما أعاد (يامن) اقتراحه بشأن حملة التوعية من جديد. تذمر سالم في باديء الأمر فهو يعرف أن ابنته مندفعـة وغير أهل بهذه الخطوة. فيما ناصر (جمال) رأي يامن بها قائلاً:
"انا بصراحة بوافق يامن في النقطة دي. معاك إن فداء مندفعـة بس مش هبلة!!"
سالم بتفكير أرهقه:
"مش عارف.. هكون قلقان عليها؟.. ولا هكون قلقـان على الناس منها.. على العموم هاخد بنصيحتكم وهتكلم معاها بخصوص الموضوع دا."
إلتفت يامن في تلك اللحظة إليها، تجلس إلى الطاولة المجاورة له. ليجدها ترمقه بحزن طفولي يفهمه. وما أن لاحظت انتباهه لها حتى أخفضت بصرها بتوتر. ليتيه هو في وجنتيها الورديتين، ناسيًا ألمه السابق منها. فـ الآن يرى بؤرة أمل تدعوه لعالمها.
***
إرتشفت ما بداخل القنينة بأكملها. أخذت تترنح في مشيتها صوب الباب تترجل منه بعدما تمكنت من الاستيلاء على مفاتيح سيارة صديقها.
دلفت داخل السيارة بجسد غير متزن. نبشت مقدمة رأسها بأحد أظافرها لتقول بنبرة نصف واعية:
"هي دي عربية ولا طيارة؟.. طيب هي بتمشي ولا بتطير؟.. أنا هحرك البتاعة المدورة دي وخلاص بقى.. وديني عند آسر عارفة المكان ولا لأ؟!"
أطلقت قهقة عالية وهي تضغط على مقود السيارة منطلقة بها. علت قهقهاتها رويدًا رويدًا لتقول بنبرة شاردة:
"هو انا شربت منكـر ولا أيه؟.. بس دا كان كركاديه!!"
أخذت هلوثاتها تزداد طوال مسافة الطريق. شعرت بثقل يداهم رأسها جراء ارتشافها للقنينة كاملة. وما أن وصلت أمام بيته حتى تابعت بنبرة آمرة تخاطب السيارة:
"يالا أقفي هنا! .. أقفي يا عربية؟"
في تلك اللحظة تذكرت أنها من المفترض أن تضغط على دواسة السواقة ولكن بعد أن فات الوقت لتصطدم السيارة إلى أحد الأسوار.
هرع آسر إلى شرفة بيته يتفقد هذا الصوت العالي الذي صدح في جنبات المكان. رغم اصطدام رأسها بزجاج السيارة الأمامي إلا أنها تحاملت على نفسها حتى ترجلت خارج السيارة.
تجمع من بالمنزل على أثر الصوت، منهم من يقف في فوهة البيت وآخرون في الشرفات لتقف هي فارده ذراعيها وبنبرة واهنة أردفت وقد رفعت وجهها عاليًا ترمقه بحب:
"آسر؟.. انا مش بحب نجوى دي خالـص.. بت مايعة وشبه التعلب المكار. عارف ليه؟!"
فغرت نجوى فاهها بصدمة وحنق وهي تقف بجانبه في الشرفة. قطب ما بين حاجبيه بإندهاش يشك بأمر تصرفاتها. فيما استأنفت حديثها المغيب عن عقلها قائلة بنبرة أشبه لأنين ضعيف:
"علشان أخدتك مني.. وأنا بحبك أكتر منها... !!!"
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثالث عشر 13 - بقلم عليا شعبان
مال بجذعه للأمام قليلًا ليلتقط طرف الغطاء ثم يبسطه عليها.
رمقه بنظرة هادئة فقد نامت على الأريكة كالحمل الوديع.
تتناثر خصلاتها من حولها ليقطع عليه شروده صوتها وهي تهتف بحنق:
_ ناوي تفضل تبص لها كدا كتير؟
استقام في وقفته من جديد ليجد نجوى تتخصر أمامه في غضب جم.
هوى بجسده إلى الأريكة المجاورة، يمسح على جبهته بطرف أصابعه في إرهاق ليقول بنبرة صارمة:
_ بطلي هبل يا نجوى؟ وأحسبي كل كلمة قبل ما تقوليها.
امتعق وجهها غيظًا لتردف بنبرة نارية ثائرة:
_ أحسب إيه؟ أنت خليتني أكلم أهلها على إني صاحبتها وهتبات عندي. كنت تقدر تبعتها مع أي واحد من رجالتك لحد البيت، ما عملتش كده ليه؟
احتقن وجهه غضبًا، ليرفع بصره إليها يجدحها بنظرة حادة أربكتها ليردف بنبرة خفيضة جأشة:
_ إنتِ مجنونة رجالة إيه؟ دي واحدة مش في وعيها أسيبها مع شوية عيال شاربين؟ ما تتخطي حدودك بالكلام، إنتِ فاهمة؟
لانت ملامحها تستعطفه لتجلس إلى جواره ومن ثم التقطت كفه تقول في نبرة هادئة:
_ شفت؟ حتى بتوطي صوتك خايف على مشاعرها؟
آسر بصوت أجش:
_ أيوة خايف على مشاعرها، واتفضلي على أوضتك. أنا دماغي مش فيا.
نهضت في مكانها بحركة عصبية، لتتجه صوب الباب وقبل أن تترجل خارجه التفتت من جديد تردف بحنق:
_ اللي بيحصل دلوقتي مالهوش غير تفسير واحد، راجع نفسك يا آسر بيه قبل ما نبدأ مع بعض صفحة جديدة من حياتنا.
صفقت نجوى الباب خلفها.
عاد بظهره للوراء قليلًا، حانت التفاتة منه إليها فأخذ يتفحص معالم وجهها النائم. فالتي أمامه الآن لا تمت لتلك العنيدة المشاكسة بصلة.
جأش صدره همًا ليتحدث في نفسه بنبرة متحيّرة:
_ وبعدين معاك يا آسر؟ هو إحنا مش رافضين الحب من زمان. إيه عاوز تجيب طفل ويتقال عليه زي ما اتقال عليك (حرامي). وبعدين انت مش هتكون أب مشرف في كل الأحوال. وانت عارف إن جوازك من نجوى عشان زنها عليك وانت حابب تحمي بنت خالتك وتفضل قدام عينك. فوق ما تخليش قلبك ياخدك لمكان انت مش حابه أو مش هتلاقي نفسك فيه.
نكس وجهه أرضًا يتأمل الفراغ حيث وضع رأسه بين كفيه، يرفض التفكير بها مليًا. فهي أحق أن تترك قلبها بين يد لن تُسكت نبضاته يومًا.
ألقى به تفكيره في نهاية المطاف بأنها كانت غائبة عن الوعي نصفيًا وأن ما ورد عنها لا يشترط أن يُعترف به.
***
في صباح اليوم التالي.
_ إنتِ كويسة النهار ده؟
أردف آسر بتلك الكلمات وهو يرمقها بنظرة هادئة واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله.
ابتلعت فداء ريقها بصعوبة فقد تذكرت ما قامت به بالأمس.
لتردف بنبرة متوترة:
_ آآ… الحمد لله.
تنهد آسر بعمق، ليستأنف حديثه بثبات:
_ نجوى كلمت أهلك على إنها صاحبتك وقالت لهم إنك هتباتي عندها عشان حفلة خطوبتها.
شهقت فداء بصوت عالٍ بعض الشيء، لتنهض في مكانها على الفور وبنبرة حانقة تابعت:
_ وهي جابت رقم أهلي منين؟
آسر بثبات:
_ عنود اتصلت وهي ردت. مش أختك اسمها عنود بردو!!!
تلفتت فداء حولها تبحث عن حقيبتها وما إن وقعت عيناها عليها حتى التقطتها وذابت في مشيتها صوب الباب.
قطب ما بين حاجبيه ليلحق بها هاتفًا بجمود:
_ إنتِ رايحة فين؟
نظرت إلى يده الممدودة إليها بألم داخلي، لتردف بنبرة باردة لا حياة بها:
_ هرجع بيتي؟ في مشكلة يا آسر بيه!!!
ضيق عينيه في شرود بعصبيتها وعنادها ليردف بابتسامة هادئة:
_ هنروح نجيب الدبل إزاي وإنتِ مش معانا، وبعدين أنا عاوز سوء الفهم بينك إنتِ ونجوى ينتهي. وكمان هي حابة إنك تختاري معاها الفستان لحفلة بكرة.
فداء وهي ترمقه بنظرة باردة من فوق كتفها:
_ أختار معاها؟ معلش يا آسر أعذرني مش هينفع.
عدل آسر من وضعية سترته لتمتد يده إلى رابطة عنقه يرتبها بثبات.
رمقتها هي بنظرة مرتبكة فيما باغتها متسائلًا:
_ ما قولتليش، إيه تعليقك على كلام امبارح؟
توترت خلجات وجهها كثيرًا حيث سعت أن تواري رعبها من كلماته خلف ابتسامة باردة لتقول:
_ بصراحة مش فاكرة أي حاجة عن امبارح ولا عاوزة أفتكر.
أومأ آسر برأسه متفهمًا ومن ثم مرر رأيه دون نقاش حيث امتدت ذراعه إلى ظهرها يدفعها بخفة وثبات قائلًا:
_ هتروحي معانا وما فيش كلام بعد كلامي.
فداء بنبرة معترضة:
_ آسر بعد إذنك ما تفرضش عليا رأي أنا مش حاباه. يا آآآ…
قطع حديثها المعترض، كفه الذي امتد إلى فمها يمنع كلماتها الساخطة تجاه قراره. فما كان منها إلا أن صمتت وهي تنظر له يبتسم إليها بحنو.
***
جلست إلى أرضية مكتبها.
تناثرت الأوراق حولها بغير ترتيب.
غطت زاوية عينيها جميع هذه الأوراق فهي لهم بالمرصاد.
أخذت تفرك عنقها بإرهاق فقد انكبّت على عملها هذا منذ أربع ساعات دون توان لتلحق عرض الأزياء الذي سيتم في دبي الشهر القادم.
رفعت خصلات شعرها عاليًا وراحت تستخدم أقلام الحبر في تثبيتها حتى أصبحت كالتي طُعنت بالسيوف في رأسها وأصبح الأمر مثيرًا للضحك.
وكذلك وضعت قلمًا آخر في فمها وهي تتحدث إلى نفسها بشرود قائلة:
_ التصميم ده ناقصه حاجة، يا ترى ناقصه إيه؟
في تلك اللحظة هتف قصي بنبرة ضاحكة بعد أن دلف إلى داخل المكتب في غفلة منها:
_ خير يا عنقودة؟ بتكلمي نفسك!!
ذمت عنود شفتيها باستنكار لتجدحه بتلك النظرة التي يعشقها رافعة حاجبها دون أن تنبس ببنت شفة.
سار بخطواته جالسًا بجوارها إلى الأرض ومن ثم شرع في نزع الأقلام عن رأسها مرددًا بنبرة ثابتة:
_ إنتِ عارفة علبة الأقلام اللي حطاها في راسك دي بكم؟
عنود تهتف بحنق من بين أسنانها المطبقة:
_ بكم يعني؟
قصي بثبات ونبرة أشبه للجد:
_ العلبه دي بـ 30 جنيه للكتابة أما شعرك الأحمريكا ده. اشتري له بنس. وبعدين إنتِ قاعدة على الأرض كده ليه؟ وفين صبحي السكرتير!!!
اشتدت حدة عينيها غيظًا لترفع أحد كتفيها أمامه بعنجهية لا متناهية وراحت تردف بثبات:
_ وديته لطاقم الأمن الخاص بالشركة وجبت بنت مكانه.
مال قصي بوجهه إليها ومن ثم تابع بنبرة هامسة بالقرب من أذنيها:
_ ليه ها؟
شهقت خيفة وأصاب جسدها رعشة خفيفة أربكتها لما رأته يقترب بجسده منها لتقول وهي محدقة العينين تنظر أمامها بتوجس:
_ عـ ع، عشان أنا وقت شغلي بحب أقعد على الأرض وأتصرف بتلقائية وأحيانًا بتخذ وضعيات بتساعدني على الابتكار والإلهام. فـ لما أطلب قهوة ولا شاي، ألاقي بنوتة هي اللي جاية فـ أفضل بتلقائيتي يعني. إنت فاهم حاجة؟
ابتعد قصي بوجهه عنها قليلًا ليقول بنبرة هادئة:
_ فهمتك. عندك حق، هكافئك على التفكير ده.
عنود وهي تكز على أسنانها غيظًا:
_ مش عاوزة مكافأة. عاوزاك تخرج من هنا وتقفل الباب ده وراك، العرض باقي عليه أقل من شهر.
أومأ قصي برأسه إيجابًا، مد يده إلى كتفيها يحاوطهما بخبث ونظرة متعاطفة معها.
حجظت عيناها في صدمة لتجده يضغط على كتفها حتى وقعت رأسها على صدره وراح يقول:
_ ما تقلقيش. أنا كلمت منسقين العرض وتم الاشتراك وبعد أسبوع بالظبط هيبعتوا لنا جواب فيه اسم الخصم في المواجهة وبعدها هيكون في تصفيات والشركة الحاصلة على المركز الأول هتسافر أمريكا لاستلام الجوائز وهيتم فتح فرع خاص لشركتها هناك عشان تسوق لتصاميمها.
تقهقرت بجذعها العلوي للخلف محاولة الابتعاد عن لمسته لتجده يضغط على خصرها وعلامات البراءة المتصنعة تحتل خلجات وجهه وهنا أردفت بنبرة تحذيرية:
_ شيل إيدك دي لأقطعها؟ قصي؟
قصي متصنعًا الدهشة وهو يبعد يده عنها:
_ ها؟ إيه دا، إيه اللي جاب إيدي عند وسطك!! أكيد تأثرت بالجايزة. أصلها حلوة أوي.
رمقته عنود بنظرة جامدة ومن ثم أردفت بنبرة متسائلة:
_ ممكن أفهم إنت كنت جاي ليه؟
انتصب قصي واقفًا في مكانه ليقول في شيء من البساطة:
_ جاي أطمن عليكِ. وبعدين أنا طلبت أكل؛ عشان نتغدى سوا وتقدرى تكملي شغل، ولا مش عاوزة تاكلي معايا؟
عنود وهي تلحقه واقفة، لتهتف بنبرة باردة:
_ تمام. بس ياريت العمال ينتهوا من المطبخ وتجهيزاته عشان حرام العمال يشتروا أكل من برا.
تنحنح قصي قليلًا. وضع كفيه في جيبي بنطاله وبنبرة ثابتة وهو يصلب أنظاره بها:
_ عنود؟ هتفضلي زعلانة مني؟ دا إحنا شركا وقريب هنبقى عيلة!!
مالت بجسدها تلتقط الأوراق عن الأرض وما أن سمعت كلماته حتى توقفت لتردف بنبرة متسائلة:
_ ونبقى عيلة ليه؟
قصي ببساطة شديدة:
_ أصلي ناوي أناسب (سالم العامري).
هتفت وهي تنظر إليه بعينين جاحظتين:
_ تناسبه في مين؟
افتر ثغره عن ابتسامة عابثة ليقترب منها بخطوات وئيدة وسرعان ما أردف غامزًا بعينيه لها:
_ هتجوز بنته عنود. تفتكري هتوافق؟
ضغطت عنود على عينيها بقوة، ومن ثم أشارت بذراعها إلى باب الغرفة لتقول بنبرة مستشيطة:
_ اتفضل على مكتبك يا قصي! اتفضل.
كانت ما تزال مغمضة العينين، حين سار واقفًا بجوارها وبعدها طبع قبلة قصيرة على وجنتها ليردف ببرودة المعتاد:
_ إنتِ مكسوفة؟ خلاص السكوت علامة الرضا إن شاء الله.
فتحت عينيها واسعًا تنظر أمامها في صدمة ليتجه هو صوب الباب ثم يترجل منه بأريحية شديدة لقد آثر استخدام البرود معها لأنها ذات طبع حامي وعصبية مفرطة.
التفتت بوجهها ناحية الباب، أخذت تلقي بالأقلام التي بين يديها صوب الباب المغلق وبنبرة صارخة يخالطها الحنق رددت:
_ حيوان. نجوم السما أقرب لك مني يا تافه.
***
ارتدت نجوى الخاتم حول إصبعها لتتأكد من قياسه، تارة تنظر للخاتم بسعادة وأخرى ناحية فداء بتشف.
جلست فداء إلى المقعد البلاستيكي القابع في زاوية من المحل، تنظر للحوار الدائر بصمت شديد.
ليردف آسر بثبات:
_ كويس دا يا نجوى؟ ولا تختاري شكل تاني؟
نجوى بنبرة رقيقة:
_ حلو أوي يا آسر. ربنا يخليك ليا. أنا بقى اللي هختار لك الدبلة.
هزّ آسر رأسه بخفة ليتوجه بنظراته إلى تلك الصامته قائلًا:
_ فداء. إنتِ جايه تقعدي ولا إيه؟
فداء بابتسامة لم تصل إلى عينيها:
_ هختار معاكم الفستان والبدلة. ما تقلقش.
أنهت جملتها هذه وراحت تنظر أرضًا وكأنها تواسي نفسها حتى لا تنهار قدرة تحملها فتفشل في إخفاء دمعاتها.
لا شك بأن داخلها قد اتقد من نيران الغيرة ولكن. ماذا وإن أظهرت ضعفها أكثر من ذلك؟
لن يتغير شيء. هو لا يحبها ولن تنل سوى خسارة نفسها.
انتهوا للتو من انتقاء الدبل لتظل نجوى ترتدي خاتمها رفضًا منها بأن تنتظر حتى الغد معلقةً على ذلك بأن مزاجيتها ستتغير إن لم تفرح بارتدائه الآن.
ليتجهوا معًا حيث الطابق العلوي الخاص بقسم الفساتين والسهرات بهذا المول.
ولجت نجوى بين التصاميم تنتقي منها ما تشاء في سعادة غامرة.
كانت فداء تتابع الفساتين بعينيها عندما هتفت نجوى بتذمر خفيف:
_ آسر اختار معايا. أنا محتارة بجد؟
آسر بابتسامة خفيفة:
_ ممكن فداء تساعدك في الاختيار. أما أنا ما أعرفش في شغل الحريم ده. أنهي أحسن يا فداء؟
فداء وهي تشير بإصبعها السبابة تلقائيًا ناحية هذا الفستان الذي راقها من اللحظة الأولى لتردف:
_ دا جميل أوي!!
لوت نجوى شدقها بحنق لتقول بنبرة مستخفة:
_ ذوقك وحش جدًا. أنا هقيس دا.
أسرعت نجوى تلتقط أحد الفساتين، لتتجه به إلى غرفة تبديل الملابس وأثناء سيرها أردفت بحدة:
_ آسر تعالى معايا عشان تقفلي سوستة الفستان؟
جحظت عيناي فداء في صدمة وهي تنظر له.
همّ آسر أن يهتف رافضًا للأمر حتى هتفت فداء بغيظ ونبرة انتقامية:
_ عيب يا حبيبتي، ما ينفعش يشوفك بالفستان إلا يوم الخطوبة.
رمقته فداء بنظرة لائمة لم يفهمها قبل أن تستتبع خطوات الأخرى.
أزاحت الستار لتقف أمامها بجمود فيما أردفت نجوى وهي تنزع الخاتم عن إصبعها تثير استفزاز فداء:
_ امسكِ الخاتم ده وحافظي عليه كويس، أصلي خايفة عليه لـ الفص بتاعه يقع.
اندفعت فداء إليها تلتقطه منها بعنف ومن ثم استدارت توليها ظهرها قائلة:
_ البسي الفستان وابقي ناديني عشان أقفل لك السوستة.
ترجلت فداء خارج غرفة تبديل الملابس، مشت بخطوات باردة حتى وقفت أمامه، مدت يدها داخل حقيبتها لتلتقط زجاجة المياة الخاصة بها.
أمسكت الخاتم بين طرفي أصابعها تلوح به أمام وجهه.
قطب آسر ما بين حاجبيه في استغراب مما تفعل، لتلقي الخاتم في فمها وتبدأ في رشف قطرات المياة من بعده.
فغر آسر فاهه بينما ما زالت هي ترتشف المياة حتى انتهت، انتابتها شهقة خفيفة نتيجة ابتلاع هذا الخاتم.
آسر ما زال في حالة صدمة من أمره:
_ إيه اللي انتِ عملتيه دا؟
فداء وهي تقترب منه تردف ببرود صقيعي:
_ ما تستغربش أوي كدا يا أستاذ آسر، الخاتم ده رخصة لوجع قلبي دلوقتي. اشتري لها واحد جديد. سلام؟
استدارت تواليه ظهرها ليهرع إليها ضاغطًا بقبضته على ساعدها وبنبرة صارمة أردف:
_ إنتِ عايزة إيه يا فداء؟ ليه مُصرة تنهي صداقتنا مع إنك سعيت إنها تكون موجودة بينّا.
تلألأت قطرات الدموع في عينيها. محاولة التملص من قبضته فيما حدق الآخر بعينيها قائلًا بثبات:
_ إنتِ ساكتة ليه؟ ولا ما فيش أي مبرر لتصرفاتك دي؟
فداء بنبرة جامدة تتصارع ضد بكائها:
_ لأ في يا آسر. وإنت عارف إنه في. عارف كل حاجة بس بتأذيني زيهم، بتأذيني وإنت بتقول تعالي معانا نختار الدبل؟ كل الكلام اللي قولته امبارح ما أثرش فيك أبدًا. إنت جبل ما بتتهزش؟
أخذت تضرب صدره بقبضتها الأخرى، ظل يستمع إلى ما تقوله في ثبات فقد أدرك هذا سابقًا ولا داعي للاندهاش مما تقوله ليجد صوتها يتردد صداه بهذه الجملة مجددًا:
_ عارف إني بحبك. وعارف إني ما كنتش مغيبة وأنا بقولها وما رحمتنيش. حتى لو مش بتحبني، ما تأذنيش بوجودي في لحظة زي دي.
دفعته بقوتها المنهارة من فرط اختناقها ليحرر قبضتها بتراخ داهم أعصابه.
هرولت من أمامه في تلك اللحظة تغادر المكان.
حدق بها في وجع وتبكيت ضمير، حتى توارت خلف باب الخروج ولم يعد لها أثر ليبتلع هو غصة في حلقه.
وهنا قطع عليه حبل أفكاره بها مجيء هذه التي وقفت أمامها تهتف بسعادة فيما اتسعت عيناه المتعبتان في صدمة وهو ينظر إلى كتفيها العاريين تتمايل أمامه.
***
_ يا بيسان اتغدي بقى عشان خاطري. إنتِ ما أكلتيش حاجة النهار ده خالص.
أردفت منى بتلك الكلمات وهي تجلس بصحبة بيسان في حديقة القصر.
عبست الأخرى تضع كفها الصغير أسفل ذقنها وراحت تقول بطفولة فذّة:
_ مش هاكل خالص. يامن رافض تمامًا يكلمني ومش بيرد على فونه. أنا متضايقة إنه زعلان مني يا عمتو.
ربتت منى على ظهرها بحنو جارِف ومن ثم أردفت قائلة:
_ أكيد مشغول بالمرضى في العيادة، إنتِ عارفة إنه هو وصاحبه بيشتغلوا مع بعض فيها.
بيسان بتوجس وحزن طفولي:
_ يعني بيعالج بنات زي حالتي كدا؟
لم تفهم منى سبب سؤالها وبنبرة تلقائية أردفت:
_ أكيد.
ذمت بيسان شفتيها حزنًا لتضيق منى عينيها تبحث في سبب حزنها هذا وسرعان ما أجفلت عيناها ورفعت حاجبيها عاليًا لتقول:
_ إنتِ غيرانة يا بيسان؟
نحت بيسان بوجهها إليها. عضت شفتها السفلى بتوتر لتقول بهدوء:
_ بصراحة أنا ما بقيتش فاهمة نفسي. كنتوا بتقولوا عليا مجنونة أكيد. وأنا متوهمة بوجود واحد ميت. ولوقتي يمكن بتوهم إن قلبي بيتحرك لما بشوفه؟
منى وهي تهز رأسها نافية:
_ مش بتتوهمي، إنتِ حبيتي اهتمام يامن وحبه ليكِ. أنا دلوقتي بكلم بنتي عن واحد ما أعرفوش، واحد شوفت كل حب الدنيا في نظراته ليكِ.
فتحت بيسان شفتيها وهمّت أن تتفوه بشيء ما لتجده يدلف داخل الباب الرئيسي للقصر لتستعين بعكازيها ومن ثم تنهض واقفة تستند عليهما.
سعت بخطواتها ناحيته وهي تنوي اختبار مسامحته لها لتهتف بنبرة رقيقة:
_ إلحقيني يا عمتو. مش قادرة أحرك رجلي.
ارتاع قلبه هلعًا عليها ليهرع إليها ومن ثم يضمها إليه بخوف:
_ بيسان، مالك؟ مالها رجلك حبيبتي!!
افتر ثغرها عن ابتسامة عريضة وقد تلاقت أعينهما في تلك اللحظة لتقول بعفوية شديدة:
_ كنت بهزر. خوفت عليا؟
صر يامن على أسنانه غيظًا، ليحاوط خصرها جيدًا حتى تتوازن في وقفتها وبرفعة حاجب من عينيه تابع:
_ ما خوفتش ولا حاجة. أنا بس زعلت على مجهودي في الجلسات.
انعقدت قسمات وجهها ترمقه بنظرة حزينة. لتجده يميل واضعًا أحد ذراعيه أسفل ساقيها والآخر أسفل ظهرها ثم يحملها عائدًا بها إلى مكانها من جديد.
بيسان بنبرة ساخطة على تصرفاته معها:
_ يامن لو سمحت خلاص بقى، أنا آسفة صدقني!!
يامن بجدية مصنعة وهو يضعها إلى مقعد الطاولة قائلًا:
_ أسف دي مش بتأكل عيش.
لوت بيسان شدقها وبنبرة تائهة رددت:
_ عيش إيه دا يا عمتو؟
افتر ثغر منى عن ابتسامة حنونة، بينما جلس هو إلى جوارها وبنبرة ثابتة تابع:
_ النهار ده يا أمي، شوفت بنت. ما شاء الله قمر. زي الفرنسيات بالظبط. بس أنا حبيبتي ماليا عيني.
انفرجت أسارير وجهها بخجل وأخذت تفرك كفيها من كلماته لتتساير السعادة عن وجهها وهي تستمع إلى النصف الآخر من حديثه عندما قال:
_ حبيبتي الفرنسية في عيني، أجمل بنات الدنيا.
بيسان بحنق:
_ ربنا يخليكم لبعض.
قطع حديثهم مجيء (فداء) التي رددت بنبرة هادئة على غير عادتها:
_ السلام عليكم.
رددوا جميعًا السلام، لتتجه فداء إلى شقيقتها ومن ثم احتضنتها وهي تقبل خصلات شعرها بحنو جارِف قائلة:
_ وحشتيني يا بيسو. أنا آسفة مقصرة معاكِ الأيام دي. بحبك أوي.
شدت بيسان على خصر شقيقتها بكلتا ذراعيها، تسللت نبرات فداء الحزينة إليها، فتقول بتساؤل:
_ فداء، إنتِ كويسة.
ابتعدت فداء قليلًا عنها ومن ثم بدأت تلثم وجنتيها تارة بالجانب الأيسر وبعده الأيمن في شيء من المرح الذي لا يليق بحالتها.
لتقرر في نهاية المطاف الاتجاه إلى غرفتها.
اتجهت صوب الدرج تلتهمه صعودًا لتسير في أروقة القصر منكسة الوجه تخطت غرفة (مراد) بخطوتين.
لتجد نفسها تتقهقر للوراء مجددًا حتى وجدت نفسها تطرق الباب دالفةً للداخل.
ترك مراد الكتاب جانبًا، ليردف بنبرة مرحة:
_ بلاء في أوضتي؟ دا أنا أطلب قوات مكافحة البلطجة.
رفعت فداء أحد حاجبيها بثبات وهي تتجه إلى الفراش ومن ثم هوت بجسدها عليه لتردف باختناق:
_ عامل إيه في مذاكرتك يا مودي؟ أوعي تكون مقصر!!!
ضيق مراد عينيه بقلق من تجمد ملامحها، ليتجه ناحيتها بتوجس قائلًا:
_ إنتِ هادية كدا عشان أنا أندمج وتروحي راشقاني قفا. دا أنا بقيت حافظك.
افتر ثغرها مبتسمًا رغمًا عنها. ومن ثم تابعت بنبرة مرحة تتناسى ما يخنقها:
_ بقولك إيه يا مراد. علميًا كده لو واحدة بلعت دبلة. يجرا لها إيه؟
قطب مراد حاجبيه من غرابة سؤالها ليقرب مقعده جالسًا بالقرب منها:
_ هيعمل لها تلبك معوي ومشاكل في الإخراج وممكن صديد في المعدة وممكن تموت. بس لو ربنا بيحبها هتتخلص منها على خير.
فداء فاغرة فاهها:
_ أموت؟
مراد بترقب:
_ دبلة إيه اللي بلعتيها دي؟
فداء وقد شعرت بوعكة في معدتها، لتقف في مكانها وتثني جذعها العلوي قليلًا في ألم.
اقترب مراد منها بقلق لترفع ذراعها عاليًا ثم تضرب عنقه من جديد وهي تهرول صوب الباب:
_ أنفعلت فـ ضربتك بالقفا. بيوحشني أوي أقسم بالله. أما ألحق أروح الحمام، مش قااااادرة.
مراد وهو يضرب كفًا بالآخر:
_ إنتِ في إيه ولا إيه؟ بتموتي وما حدش قادر عليكِ بردو.
فداء وهي تترجل خارج الغرفة:
_ اخرس يا حيوان سمعاك. وربنا لأتسلى على قفاك صبح وليل بعد كدا.
***
غابت الشمس وراء الأصيل.
تمددت إلى الفراش وعلى جانبيها تتواجد شقيقاتها.
رفعن الثلاثة قدمًا فوق الأخرى وكذلك وضعن ذراعهن الأيمن أسفل رؤوسهن، يشاهدن أحد الأفلام الكرتونية لتنساب الدموع من جانب عيني فداء وهي تقول:
_ ما فيش حب حقيقي. الكرتون ده كذب في كذب. اقفلوا التليفزيون ده وناموا.
التفتت الفتاتان بوجهيهما إليها، يرمقانهـا بدهشة لتقول عنود بترقب:
_ فداء؟ إنتِ بتعيطي؟
فداء وهي تعتدل جالسة في الفراش:
_ يعني دلوقتي. يوجين بيحب روبانزل وقرر يخلصها من قوة الشريرة وعمل كل حاجة عشانها. وكُل دا ما بيحصلش، يبقى يكذبوا علينا ليه؟ حسبي الله فيهم.
بيسان بتوجس:
_ هم مين؟
توقفت فداء عن العويل. لتمسح عينيها ثم أنفها بمنديل ورقي مرددة بنفاذ صبر:
_ وأنا إيش عرفني يابيسان؟
عنود رافعة حاجبيها بثبات:
_ إنتِ من امتى بتتأثري بالكلام دا. ما طول عمرك بتحبي الكرتون وعادي. في إيه يا فداء، الحرامي اللي إنتِ فرحانة بيه. أكيد عمل حاجة ضايقتك؟ وبعدين كنتِ فين امبارح وأيه حكاية خطوبة صاحبتك دي؟ أنا عديتها امبارح وحاولت أقنع بابا بالكلام.
همّت فداء أن تتحدث بكل ما يعتصر قلبها، فدائمًا ما تحكي لشقيقاتها عن كل ما يؤلمها فيحتضنانهـا ويزول ألمها قليلًا ولكنها لا تود تشويه صورته أمامهما.
توقفت عن النطق عندما أطل والدهن من خلف الباب يردد بنبرة حانية:
_ مساء الوردات الجوري؟ وحشتوني يا بنات.
اتجهت الفتيات إليه يحتضننه في سعادة، فقد انغمس في عمله طيلة الأيام السابقة.
إلا هي بقيت جالسة في مكانها لا تعينها قدماها على النهوض ليردف سالم بهدوء:
_ إيه يا فداء. ما وحشتكيش؟
فداء بنبرة حزينة لائمة:
_ إزاي تقول كدا يا بابا؟ واحشني طبعًا. بس حاسة بألم في رجلي. بعتذر منك.
اتجه سالم ناحيتها جالسًا إلى طرف الفراش ليتابع بعد أن لثم جبينها بحنو قائلًا:
_ طيب يا ستي أنا جاي أعرض عليكِ حاجة، ولكِ حق القبول أو الرفض.
فداء وشقيقاتها بترقب وهتاف في آن واحد:
_ خير؟
افتر ثغر سالم عن ابتسامة عريضة ليتجه ببصره إلى فداء قائلًا:
_ في حملة توعية. حبيت أعملها للقرية اللي كنا عايشين فيها زمان وعايش فيها عمو جمال وابنه قصي دلوقتي. القرية دي كتر فيها حكاية جواز البنات القاصر والموضوع مضايقني جدًا. فـ كنت عاوزك تروحي هناك لمدة 15 يوم بس. وعمك جمال هيستضيفك إنتِ وطقم التوعية في بيته. أنا متأكد إن الحملة دي هتفرق معانا كتير.
فداء بنبرة حزينة:
_ أقعد 15 يوم من غير ما أشوف إخواتي. إنت عارف إني ما أقدرش.
سالم وهو يربت على كتفها بنبرة حانية:
_ يعني هو إحنا اللي نقدر، تغيبي عننا ساعة واحدة. إنتِ هتروحي وتاخدي معاكِ بيسان عشان هي الكنترول. أصل أنا عارف إنك مندفعة. وكُل نهاية أسبوع هنيجي أنا وعنود. ها؟
رمقته فداء بنظرة مستسلمة. فقد شعرت لوهلة بأنها بحاجة ماسة للهرب والإنشغال بأشياء أخرى.
تنهدت بقوة تهرب من الألم الذي حاصر ثنايا قلبها لتقول بثبات:
_ موافقة يا بابا. أنا فعلًا محتاجة أبعد وأغير جو.
رواية جميلتي الصهباء الفصل الرابع عشر 14 - بقلم عليا شعبان
أعلنت الحرب على قلبها بقسوة مُنقطعة النظير ، لا عـاد يروقها الحُب وأسفها على ما فقدته كان ضرير .. ومَن منا عندما يفقد رونق روحه يبقى جميل ؟! .. كلنا وخزات وآلام لا يعلم بحالها سواهُ ، القدير …——–مر يومان على قرار ترحالها بصُحبة شقيقتها وابن عمتها إلى هذه القرية .. فقد رفض يامن تركهن وأصر على أن يقود الحملة معهن ، تغير الكثير في يوميــن .. أصبح قلبها يبابـًا بعدما تعلق بقشة أمل ، فغرقا معًا ،،،
كبا غبار السيارة فجأه عندما وجد (يامن) مجموعة من الأحطاب على مدخل القـرية تسد عليهم الدخول ،تنهد يامن تنهيدًا ممدودًا بعُمقِ وهو ينظُر لهن من مرآة السيارة :_ من أولها غباء .. إتفضلوا ، مش فاهم أنا قفلين الطريق ليه ؟أخرجت فداء رأسها من باب السيارة تتفحص الأمر بنفسها ومن ثم عضت على شفتيها غيظـًا وراحت تقول بوجه عابس :_ لو أعرف مين اللي عمل كدا ؟،همسكه السلك عريان وأرحم العالم من غبائه .في تلك اللحظه صدح أصوات طلقات نارية في الأرجاء ، أخذ الصوت يعلو رويدًا رويدًا لتهتف بيسان بتلعثمٍ :_ إنتوا سامعين ؟؟ .. دا صوت طلقــات نار !!وضعت بيسان كفها على قلبها هلعــًا فيما قرر هو الترجل خارج السيارة ومعرفة ما يجرى لتهتف بيسان بقلقِ :_ يامن ، إنت رايح فين ؟؟ .. ما تنزلش !افتر ثغرهُ عن إبتسامة حانية وقد هزّ رأسها ليهدأ من روعها قائلًا بنبرة حانية :_ ما تخافيش .أسبل يامن أجفانهُ وقد فغر فاهه وهو يجد بعض الرجال يهرعوا صوبهم ليهتف أحدهم بهلع :_ إنتوا مين وأيه اللي جايبكم إهنه؟ .. إنفدوا بچلدكم !!فتح يامن فمه ليحدثه مُستفسرًا فيما لم ينتظر الرجل وأسرع مُهرولًا خارج حدود القرية ليضرب يامن كفًا بالآخر في إستغراب :_ هو في أسود جوا القرية ولا أيه ؟؟نفخت فداء شدقيها وقد إشتد السأم بها ليسمعوا صوت أحد الرجال يأتي من الخلف قائلًا :_ إنتوا ضيوف حضرة العُمده ؟؟رمقهُ يامن بثبات ومن ثم أومأ برأسه إيجابًا ليتابع :_ أيوة إحنا .. بس زيّ ما إنت شايف مش عارفين ندخل ؟؟؟إبتلع الرجل ريقة بصعوبة ليردف يحثهم على على الترجل من السيارة :_ في تــار بين عيلتين في البلد ، والدنيا مشعللة وعلشان كدا جمال بيه بلغني أدلكم على سكة تانية نوصل منها للدوار بسهولة .ترجلت فداء خارج السيارة بتفهم ، لتعاون شقيقتها كذلك ..أمسكت بكفها يسرن معـًا خلف هذا الرجل الأربعيني ، فيما يسير يامن خلفهن حتى يبقين نصب أعينه …هتف الرجل بثبات بعد أن تدلى بجسده إلى مُنحدر صغير ، ليواجههم بنبرة حاسمة وهو يمد أحد ذراعيه :_ هنمشي في الزراعية بين الخوص ديه ، وفي نهايته هنكون وصلنا .تأبد المكان عليهم ، لتقول بيسان بتلعثمٍ :_ بس الشجرات دي أكيد فيها حشرات وحيوانات مُضرة .. أنا خايفة .أومأ الرجل برأسه إيجابًا ليفتر ثغرهُ عن إبتسامة عريضة مُرددًا بنبرة بلهــاء :_ فيها ديابه وكُل حنش والتاني .. متربي علي الغالي يا ست هانم .. بس ما تخافوش أنا معاكم .قطب يامن تقطيبة صارمة ليحاوط خصر بيسان بأحد ذراعيه وبنبرة ساخطة أردف مُتجهًا بحديثه للرجل :_ إنت شايفها قلبها ميت يعني ، علشان تسرح بخيالك ؟؟وهنا كشرت فداء عن أسنانها في تلك اللحظه لتضع كفها بين كف الرجل الممدود تقول بنبرة مُنفعلة :_ حنش أما يلهفك يابعيد ، نقطنا بسكاتك وإلا هدفنك حي !!!إبتلع الرجل ريقه قلقًا ليعاونها على الهبوط ، استتبعهما يامن بعد ذلك نزولًا ..لم يتبقَ سواها ليضع ذراعين قابضًا على خصرها ومن ثم حملها بخفة وثبات حتى انزلها إليهما لتقول بخوف :_ يامن ، خلينا نرجع بيتنا ؟يامن وهو يضمها إليه : ما تخافيش ، أنا معاكِ أهو .إرتاحت ملامحها قليلًا أثر كلماته ، لتسير مُنكمشة على نفسها تتشبث بطرف قميصه ،،،ساروا داخل هذا العُشب الطويل في توجس وقلقِ ومـا أن وصلوا لنهايته وبدأت أعينهم ترى هذه البنايات القديمة من جديد حتى هتف الرجل بفرحة وكأنه حقق إنجاز من أخطر المهام الصعبة عليه :_ الحمد لله وصلنا .. دا جمال بيه هيفرح جوي .قادهم حتى هذا البناء الكبير ..يتكون من عدة طوابق الواحد يعلو الأخر وقد إتخذ البناء ألوان زاهية .. يوجد حديقة كبيرة داخل حدود هذا البناء ويحاوطها سياج عالي قليلًا ويقف على الباب الرئيسي ذاك الرجل الوقور ليهتف بنبرة سعيدة :_ حمدلله على سلامتكم يا ولاد !!يامن وهو يصافحه بحرارة : ياااه .. دا إحنا لو في مؤامرة ضد الموساد الإسرائيلي مش هنغامر كدا .فداء وهي تلتفت إلي ذاك الرجل مُرددة بحنقِ : مين دا يا عمو صحيح ؟؟جمال بضحكة هادئة :_ دا عيد مسؤل الحرس بالبلد ، أوعى يكون زعلكم ؟؟بيسان بتدخل وإبتسامة خفيفة : لأ ، خالص يا عمو .. تشرفنا يا أونكل عيد .عيد بضحكة عريضة : الشرف ليا يا ست الكُل .اصطحبهم جمال إلى الداخل .. طلب منهم الإسترخاء قليلًا حتى إنتهاء طعام العشاء ، كانوا جميعـًا في حاجه ماسة للنوم ومـا أن إنتهت العاملات بالقصر من إعداد الطعام حتى تجمعوا حول مائدة الطعام …بدأ جمال في وضع الطعام أمامهم بشيء من السعادة ، فهو يُحب صديقه وكُل ما يأتي من طرفه ليردف يامن بإبتسامة هادئة :_ إحنا بناكل أهو ياعمي .. إرتاح إنت .جمال بإبتسامة حانية : أنا عايزكم تاكلوا وتشبعوا دا بيتكم .رمقتهُ فداء بثبات ومن ثم راحت تقول بإهتمام وافر :_ هو أيه اللي بيحصل في القرية يا عمي ؟؟تنهــد جمال بحُزن ليعود جالسًا إلى مقعده وراح يقول بنبرة مهمومة :_ والله يابنتي أنا تعبت أوعي الناس للصح والغلط ، ودلوقتي بيقتلوا في بعض علشان واحد كبير إتجوز بنت وماتت منهُ يوم الفرح .شهقت بيسان برقة وقد إنتابتها علامات الهلع الشديدة لتهتف ثائرة بحنق :_ هم أغبية ؟ .. إزاي يبيعوا طفلة صغيرة لـ واحد أد جدها ؟ظهرت إبتسامة ساخرة من جانب فم جمال ليقول مُستأنفـًا :_ وهو دا بقى اللي أنا قاصدكم فيه ، عندي أمل أنكم تكونوا سبب في هداية الناس دي .فداء وهي تزفر بضيقِ : ودول نعالج تفكيرهم إزاي ، دول محتاجين تحول جذري وكُلي .. غسيل مُخ من الجذور .بدأت الخادمات يقفن على باب الغرفة يتهامسن فيما بينهن .. إحداهن تُصرح بمدى جمال الفتايات والأُخرى تؤكد على أنهن نُسخة مُصغرة عن (ملاك) والدتهن ..انقضت هذه الساعات على خير حتى حل مُنتصف الليل،جلسن بجوار بعضهن علي مقاعد بلاستيكية في حديقة القصر لتضع بيسـان رأسها على كتف شقيقتها ، ينظُرن للسماء بتأمل لتتابع بيسان في نفسها :_ إنتِ غريبة أوي يا بيسان ، إزاي طول السنه دي عايشه على ذكرى مش ليكِ ..حاجه خلصت وإنتهت .. وليه فجـأه يامن خد قلبك منك ؟! ، اوعي تكوني حبيتي إهتمامه بس !! .. إنتِ عملتي كدا زمــان وهو كان بيستخدمك لعبة في إيدهُ، الحُب مطلوب بس في وقته المُناسب وللشخص المُناسب ، بلاش تسرع في قرار زيّ دا ؟ .. يامن بيحبك ودموعه خرجت في لحظة يأس منه ، رغم إنك عارفة كويس إن يامن مش بسهولة دموعه تنزل ولو نزلت بتبقى فيض من الوجع .. لازم تقفلي الصفحة اللي فاتت من حياتك ..علشان تبقي جديرة بيه هو يستحق إنك تحسي بقلبه .رمش جفنيها بخفة وقد افتر ثغرها عن إبتسامة تلمع ، لتتذكر حديثه لهـا حينما أخذت تعد النجوم بأمر منهُ لتشير بأصابعها مُجددًا ناحية السماء .. وهنـا قطع أندماجها وقوفه أمامها مُباشرة وهو يحمل كوبين من الحليب ليردف بإبتسامة صادقة :_ يااااه ، إنتِ لسه عندك أمل تعدي النجوم ؟؟نحت بيسان ببصرها إليه لتلتقط منهُ كوب الحليب بإبتسامة عذبة قائلة :_ الأمل موجود .. بس في رب النجوم .إلتفت بجسده ناحية “فداء” الشارده في عالمها الخاص ليتنحنح قليلًا قبل ان يهتف بها :_ فيدو ، اللبن .. الخاله حُسنية مأكدة عليا إنكم تشربوا اللبن دا .إلتقطته فداء منه لتقول بإبتسامة هادئة :_ الست دي بتفكرني بـ منمن .. وحشتني أوي والواد مودي كمان .يامن بقهقة خفيفة : يامن اللي وحشك ولا قفاهباغتته فداء بإبتسامة هادئة فيما إنتقل بحديثه إلى (بيسان) مُرددًا بحنو :_ أيه رأيك نتمشى ؟هزّت بيسان رأسها بخفة ، ليمد كفه لهـا حتى إستندت عليه واقفة .. فـ اليوم أصبحت تتحسس خُطواتها بمفردها دون مُساعدة فقد تطورت حالتها بشكل جيد .. فاجأها يامن وهو يحاوط كتفها بذراعه يمشيان معـًا في هدوء وسكينة …رمقتهمــا فداء في هدوء وفرحة صامتة وقد ناب ثغرها المُبتسم عنهـا ..لتُعاود مسيرة شرودها من جديد عندما تغيرت معالم وجهها للحُزنِ الضاري وقد إنقبضت نفسها إنقباضًا شديدًا وهي تعود بمُخيلتها لـ ليلة سابقة ،،،Flashback ,,أقام آسر حفل خطوبتهما داخل حديقة بيته التي يُحاوطها سياج من العواميد الحديدية ، تكشف مـا يقبع ورائها ،ازدانت الأرض بالورود وكذلك الأضواء التي غطا ضوئها المكان بأكمله قادتها قدماها إلي البيت مُجددًا ، لم تأتِ إليه حتى تستعطفه لـ مداواة قلبها .. أتت فقط لتوديعه حيث وقفت تتوارى خلف جُدران هذا السياج ترمقهُ بنظرة مُنكسرة من بين فجوات الأعمدة الحديدية .. اتقدت نيران الغيرة في قلبها وكأنها تُسارع ضد نبضات قلبها التي كادت ان تتوقف ، همعت عيناها بالدموع لتشهق بنبرة مُتحشرجة وراحت تنادي اسمه بصوتِ واهن تسمعه هي فقط :_ آســـر ؟؟ .خارت قواها في تلك اللحظه وقد هوى جسدها أرضًا مُستندة على جدار المبنى ، ضمت ساقيها إلى صدرها وراحت تبكي بمرارة أدمت روحها :_ أنا معاك إنك ماحبتنيش، بس ليه لما حسيت بحُبي ليك بدل ما تبعدني وجعتني ؟! .. انا عارفه إن اللي زيّ مكتوب عليهم الوجع بس والحُب مش بيليق عليّا .. أنا ما كُنتش ضعيفة بالطريقة دي غير وانا معاك ،،سارعت بمحو فيض الدموع الذي سال على وجنتيها لتقول بنبرة مُتأججة :_ أنا عارفة إن طول الوقت بمثل إني قوية ومش بيهمني الوجع .. بس كُل بني آدم منا له جوانب ضعيفة .. عارفة كمان إن برغم قوة شخصيتي قدام العالم بس بردو بحتاج للحُب وبصدق بسرعه … أنا نفسي صعبانة عليا أوي .أنهت حديثها لتمحي قطرات الدموع عنها ، إستندت بذراعها علي الحائط حتي نهضت وهي تترنح بجسدها قليلًا لتلتقط حقيبتها وقد أقسمت على إنهاء مـا سعيت هي بنفسها لبدأهBack ,,تنشقت نسمات الهواء العليل بداخلها ، عقدت ذراعيها أمام صدرها .. الآن قد قابلها عقلها بالحقائق الدامغة ،هو ليس من حقها وما عادت هي تؤمن آخر على قلبها ،،،،——–” في صباح اليوم التالي ،،،،أغمضت عينيها قليلًا ، في شيء من الثبات لتتنشق الهــواء داخلها تستمد ثباتها في نفحاته ، أمسكت بهذا المظروف بين كفيها وهمّت أن تفتحه بعد قليل من الوقتِ ، لقد أتى هذا المظروف لتوه من مُنسقى عرض الأرياء بـ دُبي ليُعلماهـا بماهية خصمها الذي سيقود معها المُنافسة هُنـاك .. حيث يستقبل العرض ثُنائي فقط من كُل دولة .. يتنافسـا علي الصعود للمرحلة النهائية ومـا أن نظرت داخله حتى هبّت في مكانها واقفة ، أخذت تقفز في الهواء بسعادة غـــامرة .. فهل ما رأتهُ واقعــًا ؟ ، هانيا الرفاعــي هي خصمها بالعرض .. أخذت تصيح بشيء من التحدِ:_ يااااس ، أهلًا بيكِ يا هانيا في منطقتي .أسرعت بإلتقاط هاتفها على الفـــور ، فلا تجد أفضل من شقيقاتها حتى تُخبرهن بهذا الخبر الســـار ،،” على الجانب الاخر ”ظلعت حديقة القصرِ بسُكان القرية ، فقد أتوا ما أن علمــوا بقدوم بنات (سالم العامــري) ابن هذه القرية .. فكانوا يحبون (ملاك العامري) كثيرًا حيث أغدقت عليهم من فضل ربها بوفرة وكانت تقف بجوارهم في كُرباتهم وتسعى لـ حلها … إلتفـوا حول فداء التي تجلس إلي طاولة مـا وتُجاورها شقيقتها وابن عمتهــا ، ضاق المكان كثيرًا حيث وقفوا إلى جوار بعضهم ولم يعُد هنـاك فجوة يأتيهم الهواء منها لتردد إحدي السيدات الواقفات وهي تربت على ظهرها بفرحة :_ أهلًا يا بنت الغالية .. كُلي يا حبيبتي دا إنتِ شكلك ضعفـانه .بادلتها فداء إبتسامة هادئة ، فقد إمتلأت الطاولة أمامهم بكُل ما طاب ولذ .. لقد أتى أهل القرية بكُل هذا الطعام وهنـا تابعت أُخرى وهي تضع الطعام في فم فـداء :_ دوجي الفطير بتاعنا ، هيعجبك جوي .تناولت فداء الطعام منها .. لاف يامن الطعام في فمه وهو ينظُر إلى فداء التي تغير لون وجهها من تكدس الطعام في فمها .. فـ الفتاة قد أوشكت على الإنفجار .. فيما تابعت بيسان بنبرة رقيقة وهي تُشير إلى أحد الأطباق :_ أنا عايزة من دا ؟سارعت إحداهن بوضع قطعة من الطعام في فمها لتقول بنبرة ضاحكة :_ ديه اسمه وِز .. كُلي يا حبيبتي دا إنتِ حتى شكلك ضعفانه .في تلك اللحظه صدح هاتف فداء باتصال من شقيقتها ..نحت ببصرها إليه تستبين عن ماهية صاحب الاتصال لتقول بنبرة غير مفهومة وقد إنتفخ فمها :_ ودي أرد عليها إزاي ؟أخذت تلوك الطعام في فمها بحركة أكثر سرعةً لتضع الهاتف على أذنها وتجيب :_ عنقودتي .. وحشتيني يا قلبي ؟عنود بضحكة حانية : وانتِ كمان يا فيدو ، أنا مبسوطة أوي .. النهاردا جالي جواب من مسؤلي العرض وعرفت مين الخصم قصادي .فداء بفضول وترقب : مين ؟؟عنود وقد تهللت أسارير وجهها : هانيا الرفاعيسعدت فداء لهذا كثيرًا ، فتعلم مدى طموح شقيقتها في إسترداد حقوقها وما أن فتحت فمها حتى تبارك شقيقتها حتى وحدت إحدي السيدات تضع الطعام في فمها دون سابق إنذار فتقول :_ يابنتي .. الحديت على الوكل ما يصوحش .جدحتها فداء بنبرة مُغتاظة ، حاولت مليًا استكمال حديثها مع شقيقتها ولكنها لم تستطع لتهتف بكلمات مُبهمة لا تُفهم .. وهنا أردفت عنود بإستفهام :_ فداء ؟ ، صوتك راح من الفرحة ولا أيه؟ .. وأيه الدوشه اللي جنبك دي ؟!في تلك اللحظه انقطع الاتصال على فجأه ، لتنهض فداء من مكانها وهي تصرخ بغيظ :_ كفاااااية ياوليه إنتِ وهي .. هـ ههـ أ …أخذت أنفاسها تتلاحق وقد آلمتها معدتها بشدة من كمية الطعام المُبالغ بهــا.. لتردف إحداهن تنوب عن حديثها بترقب :– هـ أيه ؟ .. هتطرشي !!!أومــأت فداء برأسها إيجابًا ، أطلق يامن قهقهة خفيفة على وجهها الذي كاد أن ينفجر لتضع يدها على معدتها قائلة بعينين مُتسعتين :_ الحمام فين ؟؟؟بيسان بضحكة خفيفة : أجري يا مجدي .همّت أن تدلف داخل القصـر ليستوقفها شابًا في أواخر العشرينات يحمل بين ذراعيه طائر (ديك رومي ) وبنبرة مُتلطفة تابع :_ أنا چيبت لك الرومي ديه ، علشان تربيه عيندكم في البله (الڤيلا) دي ..ديه أليف ماتخافيش .حدقت فداء به في إستغراب لتجد الطائر قد تحرر من ذراعيه مُحاولًا الإقتراب منها ، فتحت فداء عيناها واسعــًا من إقترابه منها ومـا أن إبتعدت قليلًا حتى وجدتهُ يهـرول ناحيتها وأخذ يقفز عاليًا عدة قفـزات .. شهقت فداء بصدمة لتُهـرول في استغاثة فيما يُطاردها هذا الطائــر الكبير لتصرخ بفزعِ :_ ألحقوني .. دا بيجري ورايا وعاوز يعضني .فغر الشـاب فاهه في دهشة وراح يضرب جبهته مُتذكرًا لـ شيء مـــا :_ يا حِزن الحِزن !! .. دا البت شعرها أحمر ؟يامن وهو ينهض من مكانه مُحاولًا مساعدتها وقد توجه بالحديث إلى الشاب :_ أمسك البتاع دا ، أخلص ؟الشاب وهو ينظُر إلى الأخرى بعينين جاحظتين :_ يادي النيلة ؟ .. خبي دهين اللي جاعده علشان شعرها أحمر .يامن بعدم فهم : أيه علاقة شعرها بالموضوع !الشاب ببلاهة : ما الديك بيكره اللون الأحمر .أخذت فداء تهرول في كُل زاوية بالحديقة ومـازال الطائر يُلاحقها .. لتقترب ناحية الشاب ومن ثم تهوى بكفها على عُنقة من الخلف هاتفة به في حزم :_نيهاهاي .. عليك واحد ، أبعد البتاع دا عنـي !!رفع الشاب ذراعه يتحسس أثر الضربة وبنبرة أشبه للبكاء تابع :_ أيه إيدك التجيلة دي ؟ .. طب وربنا ما انا حايشه .. إن شاء يجلعهولك شعراية شعراية.كان قد أغمض عينيه يعترض على ضربتها له في سخط ، ليشعر بنفس الضربه السابقة تلامس عُنقه .. أخذت السيدات يضحكن ملء شدقهن .. ومــا أن فتحت حُسنية الباب الخلفي للقصر حتى هـرعت فداء إليه تدخله ثم صفقته خلفها وهي تتنفس الصعداء ،،،،أخذ الطائر يُهرول من بعيد وهو يقترب من الطاولة مرة أُخرى .. ليسرع يامن بضم بيسان إليه فيمـا تابعت الأخري بنبرة مُتلعثمة يُخالطها الخوف وهي تدس شعرها داخل سترته :_ أهو .. انا لابسه حجاب .. ما تعضنيش .يتبع….
رواية جميلتي الصهباء الفصل الخامس عشر 15 - بقلم عليا شعبان
قربت قالبين من الطوب الأحمر إلى جوار بعضهمـا ومن ثم جلست عليهما بجوار هذه السيدة الوقــور وبنبرة مُتسائلة تابعت :
_ طنط حُسنية .. هو أيه دا ؟
أردفت بيسان بتلك الكلمات في ترقب، وقبل أن تُجاوبها السيدة.. تدخلت فداء هاتفة في ثبات وثقة :
_ بيتهيألي كدهون.. إن دا عشه للفرخات ؟
أطلقت حُسنية قهقهةً خفيفة، لتوميء برأسها نافية وقد ركزت بصرها ناحية هذا الفرن الصغير المصنوع من الطين تُمَسك عصـا من الخشب تلتصق في أخرها خرقة لتُنظفه بها وبنبرة حانية أردفت :
_ كيف عشة فرخات بس يا بنتي؟ .. دا انا جايده النار فيها حتى؟
فـداء بنبرة بلهاء وهي تفرد ذراعيها جانبها :
_ عادي ما إنتِ هتدفيهم؟؟ .. بما إننا داخلين على الشتا!!
بيسان بترقب وحيّرة :
_ أمال دا أيه يا طنط؟
حُسنية بنبرة هادئة :
_ ديه اسمه فُرن بلدي، بنطيب فيه الوكل.. بيكون طعمه زيّ العسل.
مــالت فداء بجذعها العُلوي قليلًا لتُلثم وِجنة السيدة حُسنية وبضحكة عابثة تابعت :
_ دا إنتِ اللي عسل يا نانو.
حُسنية بقهقهة خفيفة :
_ وأيه نونا دا كمان؟
بيسان وهي تُتابع ما تفعله (حُسنية) :
_ بتدلعك يعني.. بس أزاي دا فرن ومن الطينة؟ .. كدا الأكل هيتوسخ ويكون في ميكروبات!!!
حُسنية بإستئناف :
_ لأ.. ما تخافيش، دا طين يابس، وانا بحط فيه طواجن البامية وصواني الرجاج.. وهتاكلوا صوابعكم وراه كمان.
صمتن عن الحديث للتو ما أن وجدن (يامن) يمشي في الباحة الخلفية من القصر وقد رفع هاتفه عاليًا وأخذ يغمغم بكلام مُبهمٍ لتهتف فداء بإستفهام :
_ يامن؟!، رافع الفون كدا ليه؟
يامن وهو يزفر بضيقِ ومن ثم نحى ببصره إليهن يتابع بتأففِ :
_ مافيش شبكة هنـا خالص.. بكلم صديقتي من فرنسا في شغل بس الشبكة تجيب ضغط.
حدقت بيسان إليه في دهشة، إستندت على ساعد شقيقتها وما أن وقفت حتى صرخت بنرفزةً وحدة :
_ بتكلم مين؟ .. ماسمعتش!!
كان كلامهُ تلقائيــًا قد خرج من بين شفتين دون ترتيب.. لم يحسب لـ غضبها أبدًا لأن الأمر يخص عمله ومـا أن وجد نيران الغيرة قد اتقدت في مُقلتيها حتى استلذ بإثارة غيرتها أكثر ليقول بنبرة ثابتة :
_ صاحبتي من فرنسا؟، إحنا على تواصل مُستمر مع بعض.. متضايقه من حاجه؟
بيسان وهي تلوي شدقها بغضب طفولي، فهي تعلم جيدًا انه يُمثل تجاهله ناحية غضبها لتردف بنبرة حانقة :
_ مش متضايقه أصلًا أساسًا.
قطب يامن ما بين حاجبيه ليردف بنبرة تتصنع الإندهاش :
_ يا نهار أبيض! .. أصلًا وأساسًا في جُملة واحدة؟؟ .. دا إنتِ خارقة للطبيعة بقى.
رفعت بيسان كتفها عاليًا في إمتعاض ومن ثم أنزلته وقد ذمت شفتيها غيظًا لتتجه لـ داخل القصر فيما تابع هو بنبرة ظافرة :
_ مالك بس يا بيسو.. أيه اللي زعلك؟
كانت فداء فاغرة فاهها تشاهد المشاداة بينهما في صمتٍ وترقُب ومـا أن نظرت لهــا السيدة حُسنية حتى تحول فمها المفتوح إلى إبتسامة عريضة أثارت ضحكات حُسنية فيما تابعت الأخرى :
_ روميو وشوليت في نفسهم قوي، مـا شاء الله.
حُسنية وهي ترفع أحد حاجبيها مُعترضة على ما قالته فداء، لتردف بثقة :
_ اسمهم، روميو وچوليتا.
فداء وهي تنظُر لها بإستنكار وقد زاغت عيناها قليلًا لتقول في استسلام :
_ چوليتا؟؟ .. إحنا مالنا يا نانو.. هو إحنا هنطلع لهم بطاقة!!!
قطع حديثهمـا في تلك اللحظه ذاك الفتى من جديد، يسير بخطواته إليهما،يعمل “مصطفى” داخل قصر جمال الدمنهوري كـ صبي لـ عاملات المطبخ، يشتري الحاجيات التي تنقصهن.. فهو من أصحاب العقول الخفيفة قليلًا.. تختلط معالم طفولته في تصرفاته بشكلِ واضح.. وهنـا تابع مُصطفى بإبتسامة عريضة :
_ السلام عليكم يا به يا أحمريكا شبه عُرف الديك؟
صرت فداء على أسنانها، لتربت حُسنية على ساعدها كاتمة ضحكتها وبنبرة ثابتة أردفت :
_ اوعي تزعلي من كلامه؟، مُصطفى ابن حلال بس عَجله على جده حبتين وبيحب يهزر إكده على طول.
أومأت “فداء” برأسها في تفهمٍ وبنبرة هادئة تابعت وهي تُشير له بأصابعها تحثه على القدوم :
_ بقولك أيه يا مصطفى، تعالى جنبي عاوزاك في حاجه!!
رفع مُصطفى شفته العُليا قليلًا من جانب فمه وبنبرة مُتنبهة لها وهو يرمقه بنصف عين :
_ أچي جنبك؟؟ .. دا بعينك.. علشان أول ما أتبَع كلامك..تديني بالجفا وتچري!!
فداء مُتصنعة الحُزنِ :
_ ليه كدا يا موستاااافا؟؟، زعلت منك؟
مُصطفى بإستنكار :
_ أيه يا بت المياعة ديه؟؟، إتمسكني يا أحمريكا إنتِ.. وإنت بشعرك دهون شبه اللهم إحفظنا يعني.
أطلقت فداء قهقهة عالية ومن ثم هبّت واقفة في مكانها وراحت تقول بنبرة ضاحكة :
_ يا مصطفى يا مصطفى؟!
مصطفي بتوجس من إقترابها منه :
_ نعم؟؟
فداء بإبتسامة عريضة :
_ أنا بحب قفاك أوي يا مُصطفى؟
تراجع مصطفى للوراء يحترز من إقترابها وبنبرة جامدة أردف :
_ لأ، ما تحبوش.. هجول للعمده.. باااس.
فداء وهي تضع ذراعيها خلف ظهرها قائلة بهدوء :
_ مش هعملك حاجه، عاوزة منك بس خدمة.
مصطفى بتساؤل :
_ عاوزة الديك تاني؟؟
فداء بصراخِ :
_ لاااا.. الله الغني.. عوزاك بس تلف في البلد وتقول للستات إن أستاذة فداء طالبكم في بيت العمدة ضروري.
أومأ (مُصطفى) برأسه مُتفهمًا ومـا أن همّ بالمغادرة حتى وجدها تتابع بإستئناف :
_ أيوة صحيح يا مُصطفى، لو عندك بيبي فرخات.. هاته معــاك.
إقترب مصطفى منها قليلًا.. ليضع كفه أسفل ذقنه ومن ثم ضيق عينيه مُتابعًا بعدم فهم منه :
_ أچيب أيه؟؟
تنحنحت فداء قليلًا ومن ثم أعادة صياغة جُملتها بهدوء :
_ أقصد.. فرخة لسه مولودة؟؟ .. اسمها أيه؟
مُصطفى بإندماج في حديثها :
_ تجصدي كتكوت؟؟؟؟
هزّت فداء رأسها عدة إيماءات سريعة ومن ثم أردفت بإبتسامة عريضة :
_ أيوة.. هو دا.
رفع مصطفى أحد حاجبيه ليقول بنبرة ممتعضة :
_ ليه؟؟؟؟
فداء وهي تكظم غيظها من أسألتهِ المُتكررة :
_ هحتاجه علشان أفهم الناس، إن الكتاكيت ما ينفعش تتاكل غير لما تكبر و…
وقبل أن تستكمل حديثها قاطعها هو هاتفًا بنبرة عالية وهو يرفع إصبعه السبابة بثبات :
_ فتح الله عليكِ يا أخت أحمريكا.
فداء وهي تعض على شفتها السُفلي غيظًا :
_ هو انا كُنت لسه كملت؟؟
مُصطفى بحذقِ وثقة :
_ ايوة ما انا فاهم كُل حاجه، إنتِ بتوعيهم، إن الكتاكيت دهين لساها لحمة طرية.. ما كبرتش ولظلظت.. فـ كيف هناكلها؟
تنشقت فداء الهواء داخلها، أسبلت أجفانها بنفاذ صبر وشدوه لتردف :
_ لظلظت؟؟ .. فتح الله عليك يا أخ مُططفى.
( داخل شركة Passion) للأزياء ،،،
أخذت تسير بين الماكينات في همّة ونشاط، تُراقب حركة السيــر بين العاملين داخل ساحات التصميم والإنتاج،استطاعت بجهودهـا ومُثابرتها على تصميم النماذخ المرغوب بها للمُشاركة بعرض الأزياء في دُبي.. تبقى أسبوعان على إجراء العرض ولكنها إنتهت بالفعل.. تهللت أسارير وجهها فرحــًا وهي تتفحص النماذج برضا داخلي، فكما توقعت تمامًا.. أخذت تجوب ببصرها المكان، تبتسم لـ هذا وذاك في شيء من التشجيعِ،،،
في تلك اللحظه إقتربت من أحد الموديلات تتفحصه بعناية، لترفع أحد حاجبيها ومن ثم تلتقطه وهي تنتوي فعل شيء مـــا.. وفعلت نفس الشيء مع أحد الموديلات الأخرى.
صارت بهما صوب حجرة البروڤا الخاصة بالعرض الإفتراضي لـلعارضات.. استتبعتها سكرتيرتها الخاصة (صابرين) نحو الغرفة أيضًا وقبل أن تدلف عنود داخلها استدارت لها ثم أردفت بإبتسامة هادئة :
_ صابرين، لو سمحتي.. ممنوع حد يدخل أوضة البروڤا وانا جوا.
أومأت صابرين برأسها إيجابًا ومن ثم تابعت بنبرة مُتلعثمة :
_ تحت أمرك يا عنود هانم.
دلفت عنود داخل الغرفة بهدوء وافــر، تنشقت الهواء داخلها وبإبتسامة هادئة راحت تنظُر إلى المرآه بالحجرة فقد صُممت جُدران الحائط الأربع على شكل مرايا بطولها لتضع الثوب على جسدها في ثبات وراحت تقول بنبرة خفيضة :
_ شكله زيّ ما رسمته بالظبط.. وبالتالي لازم أقيسه.
تجذفت في سيرها إلى الحائط الخشبي القابع بآخر الصالة لتبدأ في تبديل ملابسها بذاك الثوب الذي يصل إلى ما فوق الرُكبة.. بدأت تمشي بثقة وعنجهية تليق بهـا.. تتأمل الثوب في المرآه برضى وأريحية شديدة.. فـ الآن تمكنت من بناء كيانها المُستقل ولن يسلم كُل من جابهها، يلتهم حقها..،،،
كانت في شرودها بهذا العرض ولم تلحظ دلوفه إلى الغرفة أبدًا.. وضع قُصي كفيه في جيبي بنطاله ومن ثم أردف بنبرة ثابتة :
_ شكله يجنن عليكِ.
التفتت عنود إليه في ذُعر بعد أن شهقت برقة وريبة..ذمت شفتيها حنقـًا وبعدها هتفت بنبرة صائحة :
_ إنت بتعمل أيه هنـا في أوضة العارضات؟
افتر ثغرهُ عن إبتسامة خفيفة ولم ينبس ببنت شفةٍ لتعبر قسمات وجهها عن الإمتعاض لتنهره بحدة :
_ إنت لا بتسمع ولا بتفهم؟
أخذ قُصي يقترب منها بخُطوات وئيدة لتتقهقر هي في سيرها للوراء وهي تبتلع ريقها بتوجسِ وفي تلك اللحظه إرتطم ظهرها بالحائط بخفة ليحاوطها هو بكلا ذراعيه مردفًا بثبات :
_ مين اللي ما بيفهمش؟
أخذت عنود تجوب ببصرها بين ذراعيه اللذان يحيطاها ترمقه بعينين واسعتين وبشراسة أردفت :
_ إنت وأبعد إيدك دي لأقطعها لك.. وعلى فكرة بقى أنا بعدي بمزاحي، بس نجوم السما أقرب لك مني يا ابن الدمنهوري وكُل الحوار اللي إنت بتعمله دا مش هيجيب نتيجة معايا أنا عملية فقط.. شغلي وأخواتي وبابا هم الناس كُلها عندي.. جواز وحُب!! .. يعني أيه جواز وحُب أصلًا!!!
قُصي وهو ينظُر إلي مُقلتيها مُباشرة وبنبرة باردة إستفزتها أردف :
_ هعرفك يا قلبي لما نتجوز.
ضحكت عنود ملء شدقيها وبنبرة صارمة أردفت :
_ إنت عبيط يا قُصي!!!
قُصي بثبات ورباطة جأش :
_ في الحقيقة يا قلبي إنتِ اللي لسانك عاوز قطعه وانا بردو بعدي بمزاجي.. هو انا كُنت زيك مش بعترف بالجواز.. بس إنتِ دخلتي دماغي يا حرم قُصي الدمنهوري.
صرت بأسنانها غيظًا حتى كادت تحطمهم ومن ثم كورت قبضة يدها غيظًا لتجده يقترب بوجهه من شفتيها.. وهنـا أدركت بأنها تمسك منديلًا ورقيـــًا لتعود بوجهها للخلف وبعدها رفعت كفها وراحت تزج المنديل داخل فمه وهي تردد بإبتسامة ظفـــر :
_ أبقى خُد برشام برد وسخونة، لأنك بدأت تهلوث.
قالت جُملتها وهي تُهــرول صوب الباب في فزعِ مما فعلته به..إحتدمت الدماء في عروقه ليبصق المنديل يتخلص منه أرضًا وهو يردف بوعد ووعيد :
_ الصبر يا بنت العامري.. واللي يضحك في الأخر!!!
_ اللي يطمنك يا جمال، لو حصل أي تطورات بلغني.. وخلي بالك من البنات.. وانا على نهاية الإسبوع هكون عندكم مع عنود.
أردف سالم بتلك الكلمات في حماس وهو يتحدث إلى صديقه هاتفيــًا فيما تابع الأخر بهدوء :
_ إنت هتوصيني على بناتي يا سالم؟،دا حتى أهل البلد فرحانين بيهم أوي.. ربنا يبارك لك فيهم يا صاحبي.. هستنك.
سالم بإمتنان :
_تسلم يا غالي.. إن شاء الله.
أغلق سالم الهاتف على الأثر وأعقب ذلك دلوف مُراد بصحبة والدته وهو يهتف بإعتراض :
_ لو سمحت يا خالي.. أنا عاوز أغير جو.. ايه المُشكلة لمــا أسافر أسيوط معاكم أخر الأسبوع!!!
مُنى بلهجة صارمة :
_ يا مــراد يا ابني، فاضل لك شهرين على الإمتحانات.. شد حيلك فيهم ولما تخلص على خير أبقى أخرج وسافر براحتك.
مراد بحنقِ :
_ أنا حاسس إني في مُعتقل.
سالم بإبتسامة هادئة :
_ معاك حق يابني، بس انت على مشارف مُستقبل جديد.. لازم تتقن الخُطوة الأخيرة ومن بعدهـا هتكون حطيت حجر الأساس لـ كيانك ودورك في مُجتمعك إحنا خايفين على مجهودك طول السنه.. ماينفعش يضيع في الأخر.
إمتلأت صالة القصر بجمع كبير من السيدات اللواتي أتين بدعوة من (فداء).. جلسن على أرضية الصالة.. فيما وقفت فداء أمامهما ويُجاورها مصطفى وبنبرة ثابتة تابعت :
_ انا جمعتكم النهاردا.. علشان عاوزه أتكلم معاكم في موضوع خاص بالكتكوت دهون.
مصطفى وهو يتولى مقاليد الحديث منها :
_ وأي واحدة مش عارفة الچواب ما تفتيش، دي مسألة حياة ولا موت وقد زعتر من بعتر.
جدحته فداء بنظرة صارمة، ليفتر ثغرهُ عن إبتسامة عريضة ومن ثم وضع كفه على فمه في صمت.. تنحنحت فداء قليلًا قبل أن تقول بنبرة رسمية :
_ هات الترابيزة دي يا مصطفى وحُط الكتكوت دا عليها.
إنصاع مصطفي ممتثلًا للأوامر الصادرة منها ليضع الطاولة أمامها وبنبرة ثابتة تابعت وهي تتوجه بحديثها إليهن :
_ عنوان القاعدة دي اسمه (الرفق بالحيوان)، وانا بصراحة كُنت عاوزة أخد رأيكم في حاجه كدا.
رفعت كتفيها بثبات وثقة.. ومن ثم أشارت بإصبعها السبابة إلى هذا الطائر الصغير لتردد بنبرة تتصنع بها الحُزن :
_ انا بحب الكتكوت دا أوي..وبصراحة بقى أنا عندي مرض خبيث.
إحدى السيدات وهي تلطم صدرها فزعًا :
_ يالهوي بالي.. عندك سرطان!!!
رمقتها فداء بحنق وبنبرة صارمة تابعت :
_ في أيه يا وليه إنتِ!! .. بعد الشر عني، دا مغص وشوية برد في المعده،وياريت محدش يقاطعني تاني.
أرتخت معالم وجهها مُجددًا وعادت تفتعل الحُزن قائلة بنبرة تستعطفهم بها :
_ المهم.. انا عاوزة أفرح بالكتكوته دي قبل ما أموت وأجوزها.. فهل حد عنده كتكوت أعزب ونفرح بيهم سوا!!!
عَلت غمغمات عالية في المكان، بين حانق ومُستغرب.. لتهتف إحداهن بإستنكار :
_ كتكوتة أيه اللي تچوزيها دي!، إحنا بنستنى عليهم لما يكبروا ويبجوا فروچات من اللي بتشوفيهم دول.. ونچيب لهم ديك ويبيضوا.
فداء وهي ترفع أحد حاجبيها :
_ يعني إنتوا مُعترضين إنهم صغيرين!!!
السيدات بتأكيد :
_ إيوة.
في تلك اللحظه مــالت فداء بجذعها العلوي قليلًا ومن ثم إلتقطت عطا غليظا من الخشب وراحت تهتف بنبرة صارخة وهي تقترب منهن :
_ ولما هو انتوا ما بتجوزوش الصغيرين.. بتجوزوا البنات ليه يا بومة إنتِ وهي؟
فـزعت السيدات مما تفعله، ليبدأن بالخروج من باب الصالة مُهرولات.. بينما هي تضرب بعصاها على الطاولات القابعة بالغرفة وهي تهرول خلفهن :
_ عندكم رحمة أوي ومستنيين لما الكتكوته تكبر.. طيب ورحمة أُمي ما أنا سيباكم يا مبعجرة إنتِ وهي.
هــرول كل من بالقصر إلى صالة الإستقبال، ليشاهدوا هذا المنظر.. السيدات تهرولن منطلقات خارج باب القصر وفداء تهاجمهن بعصاهـا.. ولم تكتفِ بهذا فحسب بل كلفت مصطفى بجمع قطيع من الكلاب ومـا أن هرولن السيدات بالخارج حتى أطلقت صراح هذه الحيوانات يطاردن السيدات أيضًا.
لتردف فداء وهي تضع ذراعها حول خصرها وتهزّ قدميها بثبات :
_ أنا فداء العامري يا بلد.. اللي ما تعرفش يعني أيه خوف ولا بيهمها حد.
ربت أحدهم على كتفها من الخلف، إمتعق وجهها غيظًا لتلتفت إليه بثقة لتجد مُصطفى يمسك بين يديه ذاك الطائر مُجددًا (رومي) وبنبرة بلهاء أردف وهو يرميها به :
_ طب خافي بجا.
أخذت تصيح هلعـًا وهي تُهرول مُبتعدة عنه تهتف بإنفعال :
_ لأ.. كُله إلا دا.
( في نهاية الإسبوع ) ،،،
ضربت عنود بكفها علي المكتب لتواجهه بكُل حزمٍ وثباتٍ عندما وقف أمامها يُخبرها بأنه سيأخذها حيث القرية بسيارته، لتهتف عنود بلهجة صارمة :
_ مش هسافر معاك طبعًا.. ريح نفسك.
قُصي وهو يصر على أسنانه غيظـًا :
_ مش بمزاجك.. دي تعليمات عمي سالم.. لأنه مش هيقدر يسافر بسبب القضية اللي ظهرت فجأه وشغال عليها.
عنود وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها :
_ شيء جميل إنك بتنفذ تعاليم بابا.. بس هو لما يعرف إني مش عاوزة أسافر معاك.. مش هيجبرني على فكرة.
قُصي ببرود صقيعي :
_ أسمع دا بنفسي!!
قطع حديثهمـا دلوف (صابرين) التي جابت ببصرها بينهما وقد رأت بأن نيران اشتباكهما طالتها بالخارج بسبب صيحاتهما العالية، لتردف بنبرة مُتلعثمة :
_ في شاب ساب لـ حضرتك الجواب دا.
عنود وهي تلتقطه منها بتفهم وهدوء :
_ شكرًا يا صابرين.. إتفضلي إنتِ.
ضيقت عنود ما بين حاجبيها بفضول لتفتح المظروف بهمّة وثبات، وجدت مجموعة من الصور داخله.. إلتقطتهم بين كفها لتفتع عينيها واسعًا وبنبرة مصدومة تابعت :
_ تصاميمي!!!!!!!!
يتبع….
رواية جميلتي الصهباء الفصل السادس عشر 16 - بقلم عليا شعبان
سقط المظروف والصور من بين يديها أرضًا. توقف عقلها عن التفكير للحظة. أخذ صدرها يعلو ويهبط هلعًا من مجهودها الضائع، وبالأخص ما أن رأت توقيع هذه الحرباء في نهاية السطور. لترفع بصرها إليه وقد سبقتها دمعة انهمرت على وجنتها، وبنبرة تجتاحها بوادر بكاء رددت:
_ تصاميمي اتسرقت يا قصي! كل حاجة انتهت، مجهودي وأحلامي.. هانيا القذرة.
رفعت كفها إلى مقدمة رأسها تفرك جبينها بوهن. صُدم من رؤيتها على هذه الحالة، ليمد ذراعه محاوطًا خصرها بثبات وبنبرة هادئة تابع وهو يحثها بالجلوس على المقعد:
_ ممكن تقعدي هنا وتهدي علشان أفهم اللي بيحصل؟
أسندها لتجلس إلى المقعد، فيما مال هو بجذعه العلوي قليلًا يلتقط هذه الصور ويُمعن النظر بها. وبنبرة حادة أردف:
_ آه يا بنت الـ!
توقف عن تكملة جملته لينظر إليها مجددًا وهي تتابع بنبرة مجهدة:
_ عاوزة أشرب؟
ألقى الأوراق بغير اهتمام على سطح المكتب، ليقرر الذهاب بنفسه لإحضار قارورة مياه لها. أجهشت عنود في البكاء. أخذت شهقاتها تعلو بحرقة وهي تضع رأسها المنهك بين كفيها.
سكنت لوهلة دون حراك، وفجأة استقامت واقفة بغير اتزان لتضع كفها على طرف سطح المكتب تتحامل عليه، وقد حسمت نيتها على المواجهة لتتجه خارج المكتب بل حدود الشركة بأكملها.
حيث استقلت سيارتها بسرعة جنونية وقد كبا الغبار عاليًا وصدح معه صوت زمجرة إطارات السيارة في جنبات المكان.
ألقى قارورة المياه جانبًا وهو يجوب ببصره المكتب فوجده شاغرًا حتى من حقيبة كتفها. فعلم في هذه اللحظة بأن عصبيتها التي تشبه الحمم البركانية في طريقها لتصب جام غضبها على أحدهم.
تحسس جيبيه ليتأكد من وجود هاتفه النقال ومفاتيح سيارته. أسرع بإخراج الهاتف وقد تجدف على الأثر سيرًا للخارج.
شاظ به الغضب لما فعلته، وقد ضاق صدره بالهموم، وقد وصل إلى المرآب الخاص بالشركة. ضغط على الريموت كنترول من على بعد لتفتح أبواب السيارة تلقائيًا، ومن ثم دلّف داخلها لينطلق بها فور الركوب.
رفع الهاتف على أذنه وما أن أجابته حتى هتف بلهجة آمرة:
_ فداء؟ قولولي عنوان شركة (هانيا الرفاعي)، بسرعة!
فداء وقد جحظت عيناها تردف بتوجس:
_ هانيا؟ ليه؟ في حاجة حصلت لعنود؟
قصي وهو يضغط على عينيه بنفاذ صبر:
_ هفهمك بعدين.. أخلصي بقى.
أسرعت فداء تملي على مسامعه العنوان بنبرة فزعة. وما أن انتهت حتى أغلق الهاتف منطلقًا حيث العنوان.
"على الجانب الآخر"
بدأت تجهيزات الصالة الخلفية من قصر الدمنهوري لافتتاح روضة للأطفال ترأسها بيسان، والتي أحست برتابة شديدة، وخاصة وأنها لم تعتد البقاء في مكان خارج القصر طويلًا. ولذلك قررت إشغال وقتها بملازمة الأطفال وتدريبهم.
أخذت فداء تجوب في الصالة ذهابًا وإيابًا، ولشد ما أثار حنقها أنه لم يخبرها شيئًا. لتزفر زفرة مطولة وهي تنظر إلى شاشة الهاتف بين الحين والآخر.
لاحظ يامن تطورها. ألقى الفرشاة الخاصة بالدهان جانبًا، فقد تطوع الثلاثة ومعهم مصطفى لطلاء الصالة. اتجه حثيث الخطى إليها وبنبرة متسائلة أردف:
_ فداء؟ في حاجة حصلت.. شايفك مش على بعضك!
فداء وهي تتنهد بهمّ:
_ قصي كلمني من دقايق وطلب عنوان صاحبة الشركة اللي كانت بتشتغل فيها عنود وسابتها بعد ما اتخانقوا.
يامن بتقطيبة تجهل سبب توترها:
_ طيب وأيه اللي مخوفك؟ مش يمكن حبت ترجع العلاقات بينهم تاني؟
فداء وهي تقضم أظافرها بإنفعال خافت:
_ لا، قصي كان بيتكلم وهو متنرفز، أنا قلقانة ولازم أروح لها وإلا هتجنن.
التفتت بيسان إليهما وقد لاحظت حدة شقيقتها والتي بدت في نبرة صوتها، لتتجه إليهما بخطوات وئيدة. فما زالت غير قادرة على الجري أو الوثب. فقط تستطيع المشي بطريقة هادئة. وهنا أردفت بقلق وهي تجد شقيقتها تتحرك ناحيتها:
_ فيدو! مين مزعلك؟
ما أن وقفت فداء أمامها حتى جاهدت في رسم البسمة على وجهها وراحت تضع كفيها على عاتق شقيقتها تخاطبها بنبرة حنونة:
_ ما فيش يا روحي.. مشكلة بسيطة في شركة (عنود).. هنحلها مع بعض وهجيبها ونرجع على طول.
بيسان بإبتسامة صافية:
_ يعني بجد، عنود كويسة؟
قربت فداء وجهها من وجه شقيقتها وأسرعت بلثم جبينها ومن ثم تراجعت للوراء قليلًا لتردف بهدوء:
_ بجد جدًا.
استدارت بوجهها إليه وبنبرة ثابتة تابعت:
_ بيسان، أمانتي معاك لحد ما أجيب عنود ونرجع.
يامن وهو يقترب منهما بهدوء:
_ ما تقفليش فونك طيب.
أومأت فداء برأسها بتفهم، ومن ثم اتجهت صوب باب القاعة بعد أن تممت على هاتفها وحقيبة نقودها استعدادًا لرؤية شقيقتها.
_ هانيا؟
هتفت اسمها في حدة لتترجل خارج سيارتها وأعقب هذا قيامها بصفق الباب في قوة. ذأبت عنود في سيرها تعبر الطريق الذي يفصل بينها وبين هانيا، التي توقفت عن الدلوف إلى داخل الشركة ما أن سمعت صوته.
إلتفتت لها هانيا ترمقها بتشفٍ وظفر. وما أن اقتربت منها عنود حتى داهمتها بصفعة على وجهها وبنبرة صارخة أردفت:
_ انتِ واحدة حرامية ورخيصة، ليه بتدفني جواسيسك في شركتي.. كفاية رخص بقى، عاوزة أيه مني؟
امتقع وجه هانيا حنقًا، لتتراجع للوراء قليلًا وبنظرة يتطاير منها الشرر وجهتها صوب هذين الاثنين اللذين يقفا على جانبيها قائلة:
_ انتوا واقفين تتفرجوا عليها.. شوفوا شغلكم معاها.
لم تردعها كلمات هانيا عن الصراخ بها، لتهتف بنبرة يظهر البعض بين خلجاتها:
_ أوعي تكوني فاكرة إني هخاف من شوية الخرفان دول! ما فيش قوة في الدنيا هتمنع انتقامي منك.
اشتدت حدة عيني أحدهما ليذأب في سيره إليها ومن ثم يقبض على ساعد عنود وهو يهتف متوجهًا بحديثه إلى مديره:
_ بما إننا خرفان يا هانيا هانم.. فـ حابب أعلم الحلوة تخاف مننا.. لتكون فاكرة إن الخرفان طبعهم أليف!
هانيا وهي تشاور بكفها الأيمن في لا مبالاة ثم تابعت ببرود:
_ كل تصاميمك بقيت تحت إيدي، فاضل أسبوعين على العرض يا إما تنسحبي بذوق يا إما هتنسحبي غصب عنك لأنك طبيعي مش هتلحقي تعملي جديد.
أنهت حديثها تذيّله بضحكة ملأت شدقيها، ومن ثم استأنفت حديثها وهي تواليهم ظهرها:
_ ليلة سعيدة يا جاك.
أسرع "جاك" بالضغط على قبضتيها في قسوة يعجز حركتها. أخذت تمطرهما بوابل من الشتائم، تارة تركله بقدمها وأخرى تبصق على وجهه. لم تلتفت هانيا لها قط، بل تغنجت في مشيتها سيرًا لداخل شركتها.
أوقف سيارته على الأثر، دقق النظر إلى هذه التي تقاوم أحدهم. فيما حملها على كتفه حتى سيارة تقبع بالقرب منه. تأكدت شكوكه بأنه هي ليصرخ بها في قوة:
_ عنــــود!
أسرع عابرًا الطريق بحركة جنونية، وما أن وصل إليهما كان الآخر قد داهمها بقوته الجسمانية حتى دلفت داخل السيارة ثم قادها مبتعدًا.
كور قصي قبضته بحنق، وقد صر بأسنانه هاتفًا بحدة وهو يهرع إلى سيارته من جديد:
_ واخدها ورايح فين دا؟
استقل سيارته مرة أخرى، ليقرر مداهمة هذا الوغد وانتزاعها منه. استدار بسيارته في حركة دائرية ثم انعطف يمينًا حتى تمكن من السير على نفس خط منافسه.
أخذ يضغط على بوق السيارة ضغطات متتالية حتى يشتت تركيزه. لاحظ "جاك" هذا الضجيج الحاد الذي يصدح عاليًا وبزمجرة من السيارة التي تسير خلفه. قطب ما بين حاجبيه بحنق لا يفهم ما سبب هذا الانفعال.
التفت بوجهه إليها ليجدها.. تسند رأسها إلى المقعد وقد غابت تمامًا عن الوعي. وهنا أوقف سيارته في محاولة لفهم ما يجري. ترجل من سيارته حتى وقف يرمق "قصي" بحنق فيما هرع الآخر إليه ولم يتسن للآخر السؤال عن سبب ملاحقته له. ليباعته قصي بلكمة مفاجئة على وجهه.
تقهر جاك للخلف قليلًا بغير اتزان ولم يفتأ يقف مستقيمًا مجددًا حتى داهمته قبضة قصي بضربة أخرى على أنفه الذي بدأ ينزف بوفرة ليصرخ قصي به:
_ واخدها ورايح فين؟؟
فهم الرجل الآن سبب تتبع قصي له وعلى الفور بدأ يبادله اللكمات. طرح بقصي أرضًا ليرتطم ظهره بسيارته. تأججت النيران داخله وقد غاب عن صوابه في تلك اللحظة ليسرع إليه ثم أمسك عنقه من الخلف وراح يضربه بزجاج النافذة حتى تشظى وبدأت الدماء تسيل من رأس الرجل كخيوط دقيقة. وعلى أثر ذلك فقد الوعي كليًا وتهاوى جسده أرضًا.
عاد قصي بخطواته للوراء، وأخذ صدره يعلو ويهبط وكأن صدره قد أثلج هدوءًا إبان انتقامه من هذا الصفيق، وخاصة بعدما ربط الأحداث ببعضها. ليتأكد بأن هذا العملاق أحد أطراف المدعوة (هانية الرفاعي). ليهز رأسه بثبات وغموض قائلًا بنبرة خافتة:
_ ماشي يا حلوة.. الأيام هتجمعنا!
حانت منه التفاتة إلى وجهها الساكن بوهن، ألتاع قلبه قلقًا عليها. أخذ يتلفت حوله وقد تأكد من أن هذا المكان شاغرًا تمامًا. افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة. فقد قصد هذا الحقير سلك أحد المسارات المقفرة والتي يقل استخدام الناس لها. نزل ببصره إليه ثم ركله بقوة وهو يردف بظفر:
_ دور على حد ينقذك بقى.
هرع إلى السيارة وقد دلف إليها من باب القيادة المفتوح، ثم مال ناحية المقعد الخلفي يفتحه من الداخل.
استدار حتى الباب المجاور لمقعدها ثم أسرع بحملها بين ذراعيه متجهًا بها إلى سيارته.
وضعها بهدوء شديد حيث المقعد المجاور لمقعد القيادة وأحكم ربط حزام الأمان حول خصرها. ومن ثم استقل سيارته منطلقًا بها وبين الحين والآخر يطالعها بنظرة مرتاعة.
أطالت غفوتها قليلًا وقد استبد به الهجس والقلق ليرفع كفه إليها ثم وضعه على قلبها خشيةً من أن يكون قد أصابها مكروه. شعر بنبضات قلبها تدق بشكل منتظم ليتنفس الصعداء أخيرًا. فداخله ألف صوت يهتفون جميعًا اسمها. أما أنه قد أحبها؟ بل هي الجانية تجاهه. والآن يقولها.. فقد شغفته بحبها. أما هي؟ فلا تحسه نبضاتها.
أفاق من شروده بها، صوت هاتفه الذي يصدح عاليًا وقد عرف هاوية المتصل دون النظر إلى شاشة الهاتف ليرفعه إليه مجيبًا بهدوء:
_ أيوه يا فداء!
فداء بنبرة واجفة:
_ أختي مالها يا قصي؟ هانيا عملت لها أيه؟ وهي فين أنا عاوزة أسمع صوتها.
تنهد قصي تنهيدة عميقة، ليردف بثبات:
_ أهدي يا فداء.. عنود معايا وكويسة، هي بس مرهقة شوية فنامت.. وأنا واخدها وجاي لكم.
فداء بتساؤل:
_ جاي لنا فين؟ البلد؟
قصي بثبات:
_ أيوه.
فداء وهي تضرب مقود السيارة بحنق:
_ دا أنا كنت قربت على الشركة؟ تمام خلي بالك منها لو سمحت.. وأنا هعدي على عمتو ومراد وهرجع البلد تاني.. بس بجد هي كويسة!!
قصي بنبرة هادئة:
_ كويسة ومش عايزك تقلقي عليها طول ما هي معايا.
تنشقت الهواء داخلها ومن ثم زفرت بأريحية شديدة قائلة:
_ بشكرك أوي يا قصي.. مش هنسى وقفتك جنبي وسط خوفي عليها.
_ يا بيه بقولك، أنسة فداء مش هنا؟
أردف حارس البوابة بتلك الكلمات في حنق، ليردف "آسر" بصوت أجش ولهجة آمرة وهو يجابهه أمام البوابة:
_ تمام.. عاوز أقابل أي حد موجود؟
الحارس بإعتراض:
_ يا بيه.. القصر فاضي، كل اللي فيه سافروا.
آسر وقد ضاق صدره بالهموم ليهتف بنبرة متسائلة:
_ سافروا فين؟
في تلك اللحظة جاءت "منى" على أثر هذا الجدال الحاد بعدما أعلمها أحد الخدم بمجيء أحدهم الذي يرغب وبشدة في مقابلة فداء. تنحنحت منى في بادئ الأمر قبل أن تردف بتساؤل:
_ خير، حضرتك؟
انتبه "آسر" لها ليردف بنبرة ثابتة:
_ حضرتك عمة فداء مش كدا؟
هزت منى رأسها إيجابًا وبدأت كثير من الشكوك تدور في رأسها بشأن ماهية هذا الشاب. فيما تابع هو بنبرة ترجي:
_ أنا محتاج بجد أقابل فداء! ممكن تبلغيها بوجودي؟
منى بنبرة حانية:
_ بس هي فعلًا سافرت يابني.
جاشت عينه حزنًا ولكنه حاول جاهدًا أن يستجمع قواه أثر غيابها ليردف بهدوء:
_ ممكن أعرف سافرت فين؟ أو العنوان؟
منى بنبرة آسفة:
_ للأسف.. مش هقدر أفيدك بحاجة زي دي.
رأى في موقفها تشددًا تجاه معرفته بمكانها، ليبدي استسلامه قائلًا بهدوء:
_ تمام.. استأذنك.
والاها ظهره يسير صوب باب القصر، يشعر بالاختناق في غيابها. لم يكن على علم بهذا الشعور الذي يجتاحه الآن. هناك فجوات احتلت حياته وكأن بقاءها بجواره يكمل الفجوات بغير نقص. فقد الأمل بها وخاصة بعدما تأكد بأن رقمها المدون على هاتفه أصبح في سلة المهملات الآن.
ما أن دلفت منى داخل القصر حتى التقطت هاتفها وأجرت اتصالًا بها. وقبل أن تجيبها فداء بأنها خارج القصر وأتت لرؤيتها باغتتها منى مردفة بتوجس:
_ فداء.. آسر جه لحد القصر وكان مصر يشوفك وو..
وقبل أن تكمل جملتها وجدت فداء تردف بنبرة خفيضة وقامت بإسقاط هاتفها على جانبها:
_ آسر؟
حدد إليها "آسر" في ثبات وسعادة خفية وهو يجدها تنظر له بعينين جاحظتين بعدما ترجلت خارج السيارة.
ابتلعت فداء ريقها بصعوبة وهو ينظر إليها وقد تلاقت أعينهما لوهلة في حالة صمت. ثبت نظره في مقلتيها مباشرةً ومن ثم أردف بإشتياق واضح لها:
_ فداء؟
أسرعت بخفض بصرها عنه وقد قررت ألا تحتك به نهائيًا لتتعمد تجاهله متجهة صوب باب القصر دون أن تنبس ببنت شفة.
أعاق آسر طريقها على الفور وبنبرة ثابتة تابع:
_ كنتِ فين!!! انتِ بتهربي مني؟ خلينا نتكلم.
طالعته نافية بوجه قاتم:
_ ما تحاولش تعرف مكاني يا آسر، أصل اللي بيزرع نبضه في أرض مش أرضه.. بيموت بالإهمال.. لا رعاية ولا حتى شوية أمل في أنه بكرة المزارع هيفتكره ويرويه فـ يرد فيه روحه.. من كتر ما فقد الأمل وذاق وجع الإهمال.. مات.. مات بعد ما خاب ظنهُ.. وأنا مش بقدم لنفس الشخص فرصتين.
همت بالذهاب ليقبض على ذراعها في قوة وراح يقول بغضب دفين:
_ يعني أيه؟
فداء وهي تجابهه بنظرة تحد:
_ يعني فرصتك اللي عندي خلصت، ومشاعري اللي اتحركت ليك.. انطفت.. وما عنديش وقت أسمعك.
ذأبت في سيرها لداخل القصر وقد سالت الدموع على وجنتيها. فقد اشتاقت له رغم ما تظهره له من انعدام رغبة بوجوده. فيما هتف هو بنبرة رقت لامتلاكها:
_ فداء خليكِ جنبي!
توقفت فجأة دون أن تلتف له وبنبرة مختنقة أردفت برغم صمود قوتها معه ولكنها لا تحتمل رؤيته على هذه الحالة:
_ آسر، إنت عايز أيه تاني مني؟
سار آسر بخطواته إليها ومن ثم استدار ليقف أمامها، رفع كفه نصب أعينها لتلاحظ هي غياب الدبلة عن أصبعه. وبنبرة حانية أردف:
_ عايــزك، زيّ أي واحد بيحتاج اللي بيحبها جنبه.
رواية جميلتي الصهباء الفصل السابع عشر 17 - بقلم عليا شعبان
زادني الشوق حنينًا.. بين ليلة وضُحاها.. أمُج بين أضغاث أحلامي مُنذ ليلة فراقنا ولا أجدها.. يتراءى ليّ كفها وهي تتركني جسدًا بلا روح.. أصبحت على يقين تام، بأنني في هذه اللحظة أتنفس عشقها.
***
أغمضت عينيها بشيء من السلام وقد داعب الهواء جفنيها وكأنها تتذوق إعترافه لها لتداوي به حُطام قلبها الواهي أثر ضعفها تجاهه يومًا ما.. بادلتهُ الكثير والكثير ولكنه لم يستجب واليوم قادهُ قلبه بحثًا عنها.. فقد جعلته بصمته يأتي إليها صاغرًا يبحث عن غذاء روحه وإنعاشة قلبه بجوارهـا.
إبتلعت غصة في حلقها وأخذت تفرك كفيها بتوتر.. هل أصابه الجنون؟.. بالأمس يربط اسمه بغيرها واليوم عاشقًا لها!
قطع شرودها صوته مرددًا بنبرة أوقدت نيران الحُب داخلها من جديد:
فداء؟ خلينا ننسى اللي فات.
فتحت عينيها قليلًا، تجهمت معالم وجهها عبوسًا تتقمص دور القوة الذي يُلازمها في أوقات مهامها الشاقة لتردف بنبرة حادة:
وهو أيه اللي فات؟ إنت ما غلطتش في حاجه يا آسر.. الغلط كُله عندي.. عارف ليه؟
ضيق عينيه مُترقبًا يتفحص تشنجات وجهها والتي تنم عن رقة مشاعرها وتأثرها بما مر رغم قناع القوة الذي يُخفي ذاتها الحقيقية.. فيما استأنفت هي بنبرة أكثر حزمًا:
علشان من البداية ما كانش ينفع أثق في واحد ما أعرفهوش.. كُل اللي جمعني بيه موقف لا يُذكر.. أنا مش عارفه إزاي كُنت طايشة للدرجة دي.. أنا بسأل نفسي.. إنتِ مين علشان تدخلي حياة واحد ما يعرفكيش وتجبريه إنه يحبك وتفرقي بينه وبين حبيبته.. إنت مالكش ذنب.. أنا أسفـه إني كُنت في حياتك وانا غير مرغوب بيا.. وانت مش واخد بالك.. علمتني ما كُنش عفوية وأحب كُل الناس أو أصدق أي حد.. شُكـرًا.
بادلته إبتسامة لم تصل إلى عينيها.. ومـا أن همّت تخطو قدماها للأمام تتجاوزه حتى هتف بلهجة صارمة:
بس انا عايزك وبحبك! وإنتِ مُجبرة تفتحيلي قلبك تاني.. علشان مش هفرط فيكِ لحظة.. أفتحي ليّ قلبك برضاكِ أو هكون فيه غصب عنك.
يعلم جيدًا بأنها من هؤلاء اللواتي لا ينصعن أو يرضخن لأحد أبدًا.
عنادهـا يجعلها تكسر ألف حاجز بينهمـا لتكون معه.. وعلى النقيض تُقيم الحصون بينهمـا كي لا يلتقيـا.. حتى لو إنهار قلبها من فرط الشوق إليه.. أراد أن يُثير حنقها في هذه اللحظة حتى يطول حديثهما.. لتلتفت إليه وبلهجة حانقة تابعت:
غصب عني!! دي كلمة كبيرة أوي.. وطالما قولتها يبقى ما عرفتنيش لحظة.
آسر بضحكة خفيفة من جانب ثغره:
أنا عارفك أكتر منك.. إنتِ هبلة يا فداء.. يوم ما تفكري تظهري قوتك قدامي علشان أقول دي قوية وبتتحداني.. لأنك في الواقع كتاب مفتوح حافظ كُل سطوره صم.. ومنقوش كُل ثغرة وكُل نُقطة قوة في عقلي.
استأنف بنبرة واثقة طرحت بقوتها أرضًا وقد صدرت من عينيه غمزة تؤيد صحة كلامه:
تحبي أسمع لك!
تقلصت قسمات وجهها بشكل لا إرادي.. لكم أهلكتها ثقته وهو يُلقى على مسامعها ما تعلمهُ جيدًا.. لتقترب منه أكثر وبكلا كفيها راحت تدفعه بحدة في صدره وهي تصرخ غيظًا:
إنت مُستفز.
إلتقط معصميها بين قبضتيه وراح يشدد عليهما بثبات وحنكة ليُثبتهما حيث صدره.. ومن ثم أردف وهو يُشير بعينيه إلى جانب صدره الآيسر حيث يقبع كفها:
كدا وجعتي ليّ قلبي!!!
صرت على أسنانها وهي تلاحظ بروده الوافر.. أخذت تضرب الأرض بقدميها كـ طفلة ناقمة على ما يحدث معها.
يتسلى هو بمقتها الكاذب عليه.. لتصرخ في ضراوة:
بكرهك.. والله العظيم بكرهك.. سيب إيدي وإلا هستخدم معاك العُنف.
ضحك آسر ملء شدقيه مما أثر جنونها في هذه اللحظة.. ترمقه بعينين جاحظتين لقد بلغ حنقها منه.. ذروته.. ليُحرر كفيها بهـدوء شديد.. فيما أخذت تصرخ به بجنونية جامحة:
إنت بتضحك ليه؟ هــا.. بتضحك ليه دلوقتي.. آسر!!.. إنت جاي لحد بيتنا علشان تجنني؟
وهنــا صاحت بنبرة ناقمة وقد أوشكت على بُكائها الطفولي:
يا عمتو! أطلبي البوليس وقولي لهم في مُتحرش هنا.
نحت ببصرها إليه من جديد وقد فردت كتفيه بتحدِ وحاجبين مرفوعين:
طالما مش عاوز تمشي بالذوق.
رمقها آسر بنظرة غامضة وبنبرة ثابتة تابع:
أنا مُتحرش!!
هزّت رأسها بكُل ثقةً وثبات:
بالظبط.
أخذ يقترب منها بخُطوات وئيدة.. فيما تتقهقر هي للــوراء بفزع وراحت تبتلع ريقها فقد تمادت في مُداهمته.. بينمـــا أمد هو ذراعيه يُحاصر خصرهـا بقوة.. حدقت إليه في ذهول وهي تفغر فاههــا وقد تجمد الكلام في حلقها.. لتردف بتلعثم:
على فكرة يعني.. كدا عيب.. ودي مش أخلاقك يا آسر.. وبعدين أنا بكلمك بذوق.. إنت اللي استفزتني.
أخذت تنهال عليه بكلمات غير مُرتبة.. فيما قرّب وجهه من وجهها.. ثم باغتها بُقبلة على صدغها الأيمن.
تحول حديثها إلى غمغمات.. وهي تجده يلثم صدغها الآخر.. لتتابع بنبرة أكثر إنكماشــًا:
إنت عايز تغرغر بيّا!! أنا عارفه الحركات دي.. إنت طمعان فيا؟ شوف ظهرت على حقيقتك وأنا مش هسكت.
ثبت مُقلتيه في عينيها مُباشرة.. وأخذ يُداعب وِجنتها بأطراف أنامله.. ليردف بنبرة هادئة:
أيه الفيلم الهندي دا؟ أنا بصراحة طمعان في خدودك من زمان.. وعلشان لما تطلبي البوليس وتقولي لهم مُتحرش متكونيش كذابة.
اومأ برأسه سلبًا يُقنعها بحُجته:
وانا بصراحة ما يرضينيش إن حبيبتي تبقى كذابة.
في تلك اللحظه قطع حديثهما صوت (مُنى) والتي أردفت تحث خُطاها إليهما:
فداء مـالك؟
تنفست الصعداء مؤخرًا وهي تتملص من قوته.. تهرع إلى عمتها حتى تحتمي بوجودها.. لتهتف بغيظِ:
شوفتي يا عمتو.. كان بيتحرش بيّا.
أدركت منى أن هذا الإدعاء ضمن مكائد فداء تجاه شخصــًا لا تطيق وجوده.. أو ربما أنهكها بكثرة.. فأعتزلته.
إفتعلت منى الدهشة متوجهة بالحديث إليه:
حصل الكلام دا يا أستاذ؟
إقترب آسر من مُنى.. ثم مد ذراعه إليها وبإبتسامة عذبة تابع:
أنا آسر.. أعتقد إنك عرفاني.. أنا سعيد بمقابلتك يا سيدتي الجميلة.
رمقتهُ منى بإبتسامة حانية.. ليرفع هو كفها يلثم ظاهره بثبات.. فغرت فاهها وهي تجوب ببصرها بينهما.. وبنبرة مشدوهة تابعت:
ثبتك بكلمتين.. كلمتين مافيش غيرهم.. وانا اللي كان عندي أمل فيكِ تنفذيني منه!! أنا غلطانة إني جيث أشوفك يا بنت العامري.
مُنى وهي تتعمد إغاظتها.. ترى علامات الحُب في وجه صغيرتها.. ولكنها تأكدت أنه هناك مــــا لا تقبله فداء به:
ربنا يحميه لـ شبابه.. كفاية إدعاءات مُخزية يا فداء.. وبعدين مش أستاذ آسر دا اللي كُنت بتعيطي علشان خطب!
وهنا إلتفتت تقصد توجيهه لـ نُقطة مــا:
بجد يا أستاذ آسر.. أول مرة أشوف صداقة قوية كدا.. أول ما حست إن خطيبتك هتاكل الجو زعلت.
ضغطت فداء على إصبعيها تتوسل إليها أن تصمُت.. تنحنحت قليلًا وهي تربت على كتفها بثبات ظاهري:
جيبتك يا عبد المُعين تعيني!! أدخلي يا مُنى جوا حبيبتي.. مراد بينده عليكِ.
أومأت منى برأسها إيجابًا وهي تلوح له بكفها.. قبل ان تُغادر:
فرصة سعيدة.. خلينا نشوفك تاني.
إلتفت آسر لها بإبتسامة ظفر.. في حين بادلته هي إبتسامة بلهاء.. وراحت تقول بتوتر:
عمتو بتهزر.. أصل انا هعيط ليه يعني؟
آسر وهو يضع كفيه في جيبي بنطاله:
خُلاصة الكلام.. هننسى اللي فات!
فداء بإبتسامة باردة:
صدقني.. مُحاولاتك معايا هتكون فاشلة مع مرتبة الشرف.. وعلشان أريحك.. أنا مرتاحة في غيابك.. وعلشان تكون مرتاح أكتر.. أنا مش متواجدة حاليًا في القصر.. أنا كُنت جاية أشوف عمتو وراجعة من مكان مـا جيت.. بعد إذنك.
رفض كبريائها الاستسلام له.. رغم مُعاناتها الضارية في امتلاك قلبه في وقت سابق.. أحبته فيه بلا أمــل.. وما أن سلك الأمل طريقه إليها.. كان داخلها قد إنطفأ.. وكحل الوجع جنباته.
***
أچيب الوكل إهنه يا بِسة هانم ولا ناكول بالبرندا؟
أردف مُصطفى بتلك الكلمات في تساؤل وقد اصطبغ وجهه من ذاك الطلاء وردي اللون.. رمقتهُ بيسان بحنق قائلة:
بِسة؟ اســمي بيسو يا مُصطفى!!
لوى مُصطفى شدقه بإعتراض ضاري.. لـ يُلوح بكفه في لا مُبالاة وهو يقول:
هي كُل اسامي أهل البندر مايعة إكدة! عدم اللامؤاخذه يعني.. بس هي بِسة حلوة ولايجه عليكِ علشان وشك بريء وجمر زيّ نرچس وهي لسه مولودة.
بيسان بتركيز وإندماج داخل جُعبة حديثه الكوميدي:
نرجس!! دي القُطة بتاعتك؟
افتر ثغرهُ عن إبتسامة عريضة ليهتف:
فتح الله عليكِ يا أُخت بِسة.. ما أنا عندي البِسة بتاعتي وزغلول الديك.. بس عندي سؤال يؤرق نومي كُل مساء يعني.
أطلقت بيسان ضحكة هادئة لتهزّ رأسها تحثه على استكمال حديثه.. ليقول بشرود:
هو ليه إنتِ وأُخت التؤم.. شعركم أحمريكا! وليه فداء هانم راجل كدهون في نفسويتها.. وانتِ أُنثى كاملة الأنوثة ما شاء الله!!
بيسان بضحكة خفيفة:
مين قال كدا.. بالعكس فداء أُنثى وقمراية.. إنت ما شوفتهاش بقى وهي لابسه فساتين.. اوووه.. أختي حبيبتي ربنا يخليها ليّ.
إمتد بصرها إلى يامن الواقف على عتبة الصالة وقد وجه حواسه كُلها إلى هاتفه النقـال.. لاحظت هذه الإبتسامة التي لازمت وجهه مُنذ لحظات.. لتقول بنبرة جامدة:
يامن.. تحب تاكل ناو ولا هتستنى أخواتي؟ يامن!!
تجرعت غيظها داخلها.. فـ لم يلتفت لـ حديثها او ينتبه له من الأساس.. ألقت بالفُرشاة داخل صندوق الطلاء.. وقد عبرت قسمات وجهها عن الإمتعاض.. وهي تهتدي في مشيتها إليه.. وما أن وقفت أمامه.. حتى تابعت بإنفعال خفيف:
يامن.. أنا بكلمك!! أنت ما سمعتنيش!
رفع يامن بصره إليها وبنبرة آسفه تابع:
أنا أسفة.. ما أخدتش بالي.
نحت ببصرها إلى الهاتف القابع بين كفيه.. وبنبرة جامدة أردفت:
بتكلم مين؟؟
لم يتسنى له الإجابة.. لتلتقط الهاتف على غفلة منه.. وتنظُر إلى شاشته بحنق وإنفعال.. لتجدهُ يُراسل إحداهن.. وقد أرفقت بين سطور محادثتهما صورة لهــا.
لم تفهم الحديث الدائر لكونه باللُغة الفرنسية.. ولكن قد أزعجتها صورة الفتاة وطريقة لبسها.. لتُلقي الهاتف بين كفيه مُجددًا.. بعد أن كبا لون وجهها ومال للصُفرة الفاقعة حنقــًا:
إتفضل فونك.. أسفه إني إتدخلت في خصوصيات معاليك.
وقبل أن تتحرك من أمامه.. قبض على ذراعها قائلًا بنبرة هادئة:
ما فهمتيش الكلام مش كدا؟ حبيبتي دي دكتورة وبتبعت لـيّ تقارير الحالات علشان أدونها.
أغمضت عينيها بإختناق وبنبرة باردة تابعت:
أولًا أنا مش حبيبتك.. ثانيًا أعذرني لـ جهلي.. ما كُنتش أعرف إن صورتها من ضمن التقارير اللي بتدونها.
استطاعت التخلص من قبضته.. ثم ذأبت في سيرها للداخل.. كور قبضة يده بإنفعال.. لم يفتيء أن جعلها تثق به أكثر.. والآن دون قصد منه.. عادت هي إلى أدراجها تضع الحدود بينهما.
***
الواحد إتهد حيله النهاردا.. ماكُنتش أعرف إن الشغل والقواضي هياخدوا كُل وقتي.. انا حاسس إني مضيع حق بناتي عليّا يا جمال.
أردف سالم بتلك الكلمات في ثبات.. وهو يقف أمام الباب الرئيسي لـ محكمة الجنايات العُليّا.. وقد أخذهما الحديث عن بعض أمورهما العائلية.. ليردف جمال بهدوء وقد ائتلف معه في رأيه:
عندك حق.. انت ترجع القصر تستريح.. وبُكرا تكون عندي في البلد تقضي معاهم الأجازة.. وبالمرة تشوف الأمور ماشية إزاي.
سالم بضحكة خفيفة وهو يتذكر ما فعلته تلك المُشاكسة:
انا عارف طبعًا ماشية على أكمل وجه.. وفداء هانم بتجري ورا الستات علشان تعاقبهم.
جمال وقد عَلت ضحكته قليلًا:
والله ياريت كُل الناس زيّ فداء بنتك يا سالم.. عليها عفوية تودي في داهية.. بس بنت حلال وأصيلة.. أنا مش عارف أخد موقف ضدها.. ماليش أي رد فعل غير إني بضحك على أي تصرف بتعمله.
سالم وهو يضرب كفًا بالآخر:
الله يهديها لـ نفسها.. وانت لما توصل البلد كلمني.
جمال بثبات:
إن شاء الله.
***
غابت الشمسُ عند الأصيل..
إمتلأت صالة الاستقبال بهذا الجمع من الشباب والفتايات.. إنتابهم حالة صمت مُخزية جراء ما حدث لـ (عنود).. قد أثقلت الهموم كاهلها.. وكيف ستُنجز التصاميم الخاصة بالعــرض في أسبوعين فقط!!
ألقت بنفسها بين أحضان بيسان.. وأخذت تجهش في البُكاء دون توقف.. لتلثم بيسان جبينها بشفقة وحنو:
علشان خاطري كفاية عياط.. صدقيني كُل حاجه وليها حل.
عنود وقد عَلت شهقاتها رويدًا رويدًا:
حل أيه؟ الشغل اللي أخذ معايا شهرين.. هخلصه تاني في أسبوعين!!
تنهد قُصي تنهيدًا ممدودًا بعُمق.. وهو يرمقها بنظرة ثائرة لحالتها.. وراح يقول بثبات:
يا عنود.. العياط مش حل.
عنود وهي ترمقهُ بحنقِ:
إنت مش هتحس بيّا علشان مش في دماغك العرض أساسـًا.. إنت واخد الشراكة دي نزوة.. تضيع بيها وقتك.
إبتلع إهانتها على مضض.. رفقـًا بحالتها.. وقد تجرع غيظه داخله.. وظل رابط الجأش.. وكأنه مُتقبلًا لما تقوله.. ليتابع ببرود:
طيب إهدي وخلينا نفكر في حل ينقذ نزوتي وحلمك.
يامن بشرود قليلًا:
حتى لو بدأت تنفذ تصاميم جديدة.. فـ هتتسرب زيّ غيرها.. لأننا ما وصلناش للجاسوس لحد دلوقتي.
مُصطفى وهو يهتف بحماس:
أنا عندي فكرة حلوة جوى.
فداء رافعة أحد حاجبيها:
جول يا آخر صبري إنت.. أنا عاوزة أنبهر.
مُصطفى بثقة:
إحنا نخيط چلاليب صعيدي وكلسونات.. والإشاربات اللي بيبقى فيها ترتر وهتعجبهم جوي.. اسمعوا مني أنا أفكاري جُهنمية.
مسحت عنود على وجهها.. وهي تبتعد عن شقيقتها قليلًا.. تحاملت على ساعدها.. ثم وقفت مكانها.. وراحت تقول بإرهاق:
لو سمحتي يا طنط حُسنية.. ممكن تقولي ليّ أوضتي فين.. علشان تعبانة!!
حُسنية وهي تعاونها على السير:
تعالي يا بنتي.. ربنا يفرچ كربك ويزيل همك.. وما يضيع لك تعب.
في تلك اللحظة صدح صوت الهاتف الخاص بـ (بيسان).. لتجده والدها.. كعادة كُل يوم.. يطمأن على شقيقتها من خلالها.
ذأبت في سيرهـا حيث الحديقة الخلفية للقصر.. لتُجيبه بهدوء:
أزيك يا بابا!! واحشنا.. فداء كويسة وعنود كمان.. تيجي بالسلامة يا قلبي.. مستنيينك.
تنهـدت بقوة.. وهمّ.. وهي تنهي اتصالها مع والدها.. تشعر بأن حُزنها يخنقها.. تستقبل أوجاعها برحابة صدر.. إلا أن تمس شقيقاتها بسوء.. فـ سعادة شقيقاتها مُرتبطة بها.. ولا يُرضيها غير ذلك.
أخفضت بصرها.. وهي تجد أحدهم قد أحاط خصريها بذراعيه.. ومـن ثم تابع هو بنبرة حانية:
لسه زعلانة!
حاولت أن تتملص من ذراعيه كي تلتفت إليه.. تنهره بإنعدام رغبة في أن يجمعهما حديث واحد.. لتقول بإنفعال حــاد:
يامن.. إبعد إيدك عني!
مـال يامن إليها يلثم وجنتها.. وبنبرة حانية أردف:
مُلخص الحوار اللي دار بالفرنسي.. إنها حابه تاخد رأيّ في فستانها اللي هتقابل بيه حبيبها.. وهو بيعترف لهــا بـ حُبه.. لا أكثر ولا أقل.. وبعدين مافيش داعي لـ كُل الغيرة دي.
ظلت تنظُر أمامها.. بعد أن استسلمت لـ شدة ذراعيه على خصريها.. ولم تعد تنبس ببنت شفةٍ.. حرر خصرها بثبات.. ثم استدار مواجهًا لها.. ليجد الدمع قد جال في مُقلتيها.. ليبادلها إبتسامة حانية قائلًا:
مش مصدقاني؟
بيسان وهي تلوي شدقها بطفولة:
ومُستحيل أصدق أي حاجه هتقولها تاني.
فتح عينيه واسعــًا.. يتصنع الصدمة.. ومن ثم نكس ذقنه بحُزن.. وهو يقول:
حتى لو قولت لك إني بعشقك!! وأنا اللي كُنت فاكر إنك بتبادليني نفس الشعور؟
جرى دمع غاسق من عينيها.. لوهلة.. وفجأة تبدل حالها من اعترافه لها.. لتقول بنبرة مُتلعثمة:
هو بصراحة يعني.. انا قُلت كدا يعني من زعلي وبس.
يامن مُضيقًا عينيه بنشوة:
قصدك أيه؟
رمقتهُ بيسان شزرًا.. ومن ثم أشاحت بوجهها بعيدًا عنه.. لتهتف بسخط:
يعني عاوز تفهمني إنك مش فاهم؟ ولا إنت بتحرجني بس!!!
افتر ثغرهُ عن إبتسامة عريضة.. وراح يفرد ذراعيه واسعــًا.. وبنبرة هائمة بها أردف:
خش في لحم أخوك يا فواز!
أطلقت بيسان إبتسامة هادئة.. وراحت تدفن وجهها بين ضلوعه.. فيما شدد هو على خصرها بسعادة غامرة.. ليهمس في أذنها بلهفة وهُيام:
بعشق أمك.
"على الجانب الأخر"
جلست فداء إلى مقعدها.. وقد شردت فيما قاله مُصطفى لوهلة.. رمقها قُصي بثبات.. وبنبرة هادئه تابع:
بتفكري في أيه؟
فداء وهي تهتف بثبات:
في فكرة مُصطفى.. كـ فكرة عامة مش وحشة!
قُصي وهو يكز على اسنانه بغيظ:
بيقولك كلسونات؟! انتِ مُدركة وواعية لـ مضمون الفكرة!!
فتحت فداء فاهها لـ تُجيبه مُفسرة عن وجهة نظرها.. لتجد جمال يدلف إلى داخل القصر.. وقد اصطحب معه شخصًا مـا.. حينما أردف بحفاوة شديدة:
أدخل يابني.. نورت القصر.
ظهر أمامها في الحال.. أصبحت في حالة صدمة لم يسبق أن وقعت بهــا.. لتجده يرمقها بنظرة ثابتة.. وقد افتر ثغرهُ عن إبتسامة نصر لم يفهمها سواهـا.. وهو يردد:
السلام عليكم؟؟
فداء بنبرة خافتة:
آسر!!!
يتبع….
رواية جميلتي الصهباء الفصل الثامن عشر 18 - بقلم عليا شعبان
ثارت خلجات وجهها في شدوه وعجز في الاستيعاب، كيف وصل إلى داخل القصر؟ حظي بحفاوة شديدة من قبل جمال الدمنهوري وكأنه أحد أفراد عائلته. أدركت لتوها بأنها عشقت رجلًا لا يستعصي عليه أمر واحد. أحبت ما فعله لأجلها وأنه اختار المواجهة المباشرة، ولكن تظل علامات الاستفهام تحوم حول عقلها تتسائل ما الدور الذي تقمصه ليصل إلى هنا.
هبّت في مكانها واقفة، بينما بادلها هو نظرة ثاقبة وهو يجوب ببصره بينها وبين قصي الذي تابع بتساؤل:
"ما أتعرفناش؟"
جمال بثبات وهو يحثه على الجلوس:
"أتفضل يابني.. ارتاح على الكنبة."
أومأ آسر برأسه في خفة ليجلس إلى الأريكة في ثبات وقد تأجج شعوره حنقًا يتوعد لها بالكثير، بينما استأنف جمال حديثه:
"أستاذ آسر.. بيدرس ظاهرة التعداد السكاني ضمن مشروعه واختار القرية هنا علشان يطبق الدراسة الميدانية فيها. وبعدين دا جاي من طرف أم يامن.. هي بنفسها كلمتني ووصتني عليه، هينورنا لفترة."
حدقت فداء إليه في صدمة، ليفتر ثغرها عن ابتسامة بلهاء وهي تردف بنبرة سادرة:
"عمتو!! هي اللي كلمتك ووصتك على الأستاذ."
هز جمال رأسه إيجابًا فيما أردف آسر بلهجة صارمة حاول إخفاء حدتها بابتسامة صفراء فقال:
"إن شاء الله مش هطول وأزعجكم. بمجرد ما أخلص مهمتي وتنتهي زي ما أنا عاوز، همشي. أصلي بصراحة بحب الدقة في شغلي وما أعرفش الاستسلام."
جمال وهو يربت على كتفه بإعجاب:
"ربنا معاك يابني ويوفقك."
تشوشت الأفكار في ذهنها أينذاك لا تفهم كيف كفل لنفسه انضمام عمتها إلى صفه. لم تكن صدمتها إلى هذا الحد فحسب لتفتح عينيها واسعًا وهي تجد صوت يامن يهتف بنبرة مرحبة ليصافحا بعضهما، وبقت هي في حالة ذهول من أمرها حينما أردف يامن مازحًا:
"أوعى تكون توهت يا عم آسر، مستنيك من بدري يا صاحبي."
جمال بضحكة وقورة:
"وأنا أقول مدام منى موصياني عليك ليه!! ربنا يديم صداقتكم يا ولاد."
في تلك اللحظة وصل مستوى صدمتها لذروته، فبالأمس تقاتلا واليوم أصدقاء دون صداقة. لا شك بأن هناك أمور كثيرة تُحاك من خلفها. جدحتهم بنظرة حانقة ثم رددت وهي تتجه صوب الدرج:
"بعد إذنك يا عمي هطلع أستريح، عندنا شغل كتير بكرة."
ائتلف جمال مع رأيها ليردف بنبرة هادئة:
"عندك حق يابنتي. يلا يا شباب كل واحد يستريح ونسيب الضيف كمان يرتاح من السفر وبكرا نشوف هنعمل إيه في حكاية عنود."
***
في صباح اليوم التالي،
قامت حسنية بفرد ملاءة أرضًا وسط بقعة الحديقة، وبدأت الفتيات يضعن أطباق الطعام عليها. فقد قرروا جميعًا تناول وجبة الإفطار في حديقة القصر ما أن تلتصق الشمس في كبد السماء.
تحركن على قدم وساق في شيء من الهمة يضعن الطعام أرضًا حتى امتلأت السفرة ذات الطابع البلدي بكل ما لذ وطاب.
"هاتي أنا هوديه وأقعدي إنتِ ارتاحي."
أردف قصي بتلك الكلمات في ثبات وهدوء. التقط الطبق بين كفها لترفع بصرها إليه وبابتسامة باهتة رددت:
"أنا كويسة.. مافيش حاجة."
ظلت متشبتة بطرف الطبق بأناملها الصغيرة ترفض معاونته لها. لا تعلم سبب مقتها عليه ولكنها أبدًا لا تطيق وجوده منذ أول مرة خاض في شخصها. وهنا أردف قصي بثبات ولهجة آمرة:
"تمام.. أقعدي إنتِ علشان لسه وراكِ تصاميم كتير.. أحنا بنريح الزبون."
تبدلت نغمة صوته في جملته الأخيرة مازحًا، لتوميء برأسها في شيء من الفتور وقد افتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة. وما إن همت بالذهاب حتى فرد ذراعه أمامها يمنعها من السير وبنبرة حانية أردف:
"أنا معاكِ دايمًا وفي أي وقت حتى لو إنتِ مستغنية عن وجودي.. بس حاولي في أوقات ضعفك تفكري بطريقة صحيحة. الإندفاعية في الحقوق بتخلي الإنسان محقوق. لمجرد إنك ما فكرتيش بطريقة سليمة، خسرتي كل حاجة وأنا مش هقبل أشوفك خسرانة."
لانت ملامحها لكلماته قليلًا، جرى دمع غاسق من عينيها وبنبرة فاترة تابعت:
"في أمل ألحق العرض يا قصي؟"
تنشق الهواء داخله بثبات جم. أومأ برأسه يطالعها بنظرة حانية يخالطها التحدي ليردف:
"الأمل في ربنا دايمًا موجود."
صدرت منه غمزة قد ذيلت كلماته الصادقة ليقول بثبات وهو يتجه بالطعام حيث موضعه:
"ثقة في الله، نجاح."
انضم الجميع إلى مائدة الطعام الأرضية بدعوة من جمال الذي سعد بحرارة لهذا الجمع من الشباب يذكرونه بأيام الصبا.
بدأوا في تناول طعام الإفطار وقد عم الابتهاج الحديقة الصغيرة ليهتف جمال متوجهًا بحديثه إلى مصطفى:
"تعالى يا مصطفى إنت كمان اقعد جنبي."
سار متجهًا إليهم وبنبرة مصرة أردف:
"أنا عايز أقعد جنب فداء، علشان أنا بحبها جوي وجايب لها هدية."
نحت فداء ببصرها إليه وبنبرة هادئة تابعت:
"تعالى يا مصطفى أقعد جنبي، دا أنا متحمسة جدًا أعرف الهدية."
رمقها آسر بنظرة جامدة وكأنه يحسب عليها أخطائها. لاحظت نظراته الثاقبة بها لتتعمد تجاهله وكأنه غير موجود.
جاب جمال ببصره بينهم وفي داخله شيء من لهفة الماضي، ليجد يامن يمد يده إلى فم بيسان يطعمها ويتبادلا نظرات قد عهدها سابقًا وعلى علم شديد بها. غابت الابتسامة عن وجهه لينكس ذقنه أرضًا يتذكر هذه التي عشقها منذ الوهلة الأولى. أنجب منها طفليهما ولكنها لم تعد تطيق حياة الريف معه، داخل منزل صغير وضئيل الإمكانيات فقد تزوجها رغم فقره الشديد في السابق ولكنه أرادها إلى جواره.
حاول مليًا أن يرضيها بكل الطرق ولكن طموحها الجامح أوقعها في أخطاء لا تُغتفر عندما قررت الهرب مع آخر. وقد تركت ابنها خلفها وهو بعمر العاشرة ولم تأبه لكلام الناس وهم يلقون أقذع القصص والروايات على مسامع زوجها وطفلها. أدرك قصي في هذه اللحظة بأن الطموح يطرح بصاحبه أرضًا، لا يرفع من شأنه بمثقال ذرة. قد يكون مخطئًا بشأن مفهومه المتقوقع على ذات والدته عن الطموح، لأن الأمر يتوقف على ذاك الذي يكبحه ولا يكتمه.
تنهد في هذه اللحظة تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن يتناول لقيمة صغيرة إلى فمه ومن ثم نحا ببصره إلى صغيره الذي عانى الكثير في طفولته. تعلقه بأم آثمة قطعت حبال الوصل معه فجأة وبغير حق، بكاؤه المرير وشعور النقص في حضن كان في السابق يحتويه. سعى جمال بكل ما أوتي من قوة لتعويضه ولكنه بقى ذاك الذي فقد الثقة بمن حوله وظن بأنهم راحلون لا محال.
حانت منه التفاتة إلى وجه ابنه الشارد في هذه التائهة التي تعسرت أمامها السبل وصاحبها إحساس بالضيق والعجز. تلك النظرة من عين ابنه لا تنبئ إلا بشيء واحد. وحيدًا يكن لها حبًا عميقًا بل وقع في حبائلها وتاه.
أصبح الجو العام ما هو إلا حالة من الصمت المريب. تنحنح جمال في باديء الأمر بعدما قرر الخوض في بعض الأحاديث ليقطع هذا الشعور القاتم بحزنهم ليردف:
"تعرفوا يا ولاد.. أنا بقدس الصداقة أوي، سالم أكد لي إن الدنيا لسه بخير، وليلاتي بحمد ربنا إن صداقتنا دايمة. بالمناسبة بقى آسر ويامن.. إنتوا صحاب من إمتى؟"
انتبه آسر لحديثه، تبادلا الاثنان نظرات تساؤلية. وبدأ آسر يستجمع أفكاره ليجيب عن الأسئلة. رمقته هي بابتسامة ظفر وتشف ظنًا منها بأنه سيتعثر في الإجابة ولن يفلح هذه المرة.
شرد قطبي السؤال في هذه اللحظة التي شهدت على صداقتهما. أجل، منذ ثلاثة ساعات تقريبًا صدح هاتف يامن برقم والدته والتي ظلت تلقي على مسامعه بعض النصائح حتى لا يقع في فخ الارتباك. نشدته بوعده لها وأنه سيمتنع عن مشاجرة آسر. بل ويمثل أمام الجميع بأنهما على علاقة وطيدة منذ أمد. وقبل أن تنهي اتصالها معه رددت جملتها التي جعلته ينصاع لما ترغب به صاغرًا:
"سبق وحصل اشتباك بينك وبين آسر، هتتخطى الموضوع دا وهتظهر قدامهم إنه صاحبك. فداء بتحبه بجد وهو كمان ولأنها عنيدة هنستخدم معاه الهجوم."
يامن بحدة:
"وإنتِ إزاي تثقي في واحد ما نعرفهوش، وتأمني على فداء معاه."
منى بتفهم:
"الولد اترجاني وأقسم لي إنه بيحبها وهيحافظ عليها. أنا بصراحة ما كنتش عاوزة أصدقه بس.."
صمتت لوهلة وبدأ يتراءى لها صورة عينيه الحزينتين لتردف بهدوء:
"نفس نظرة عينك بسبب تجاهل بيسان ليك، النظرة دي لـ تاني مرة بشوفها في عينيه، زي ما كنت محتاج في يوم إن بيسان تحس بقلبك هو كمان لازم ياخد الفرصة دي. وانت هتساعده غصب عنك، دا لو عاوزني أكلم خالك بخصوص خطوبتك على بيسان."
يامن بنبرة متلهفة ومنفعلة قليلًا:
"دا صاحبي وصديق الطفولة والعمر والله، دا واحشني أوي آسر.. أول ما يوصل هبوسه يا أحلى أم."
أعاد جمال طرح سؤاله من جديد، ليتلقى الإجابة منهما في آن واحد:
"تلات سنين."
لوت فداء شدقها بسخرية أينذاك لتقضم الخبز في فمها في شراهة ونبرة خافتة تابعت:
"تلات مصايب تاخدكم يا كذابين، وحياة أمي إنت وهو لأفضحكم. ويا تجننوني.. يا أجننكم."
مال مصطفى برأسه قليلًا ناحيتها ومن ثم ربت على كتفها قائلًا بتساؤل:
"بدري على الجنان يا فداء.. تحبي تشوفي المفاجأة دلوقتي؟"
نفرت عروق آسر في موضعها وهو يجده يضع كفه على كتفها. صر على أسنانه بانفعال ليهتف بلهجة حادة متوجهًا بالحديث إليها:
"ممكن طبق المش اللي قدامك دا يا آنسة فداء؟.. أصلي بحبه أوي."
ابتلعت ريقها بصعوبة من حدة نبراته. أعطته الطبق بيد مرتعشة ومن ثم همست بالقرب من الآخر:
"شيل إيدك دي لـ ياكل وياكلني وراك."
نهض مصطفى من مكانه فجأة ولم يحفل بما قالته ليتجه إلى إحدى الشجيرات ومن ثم التقط (هرة) بيضاء وراح يسير باتجاهها قائلًا:
" جبت لك البسة بتاعتي، هدية. أنا بحبها جوي بس ما تغلاش عليكِ."
كانت تستمع لوقع كلماته على أذنيها في حالة من الذهول ولكنها لم تدرك ما قاله بعد إلى أن ألقى الهرة في حجرها قائلًا بمرح:
"بسبحها بجانسو كل ليلة.. وعشية شششـتشابكت عليه الأحرف وبدأ يتلعثم في حديثه ولكنها لم تمنحه فرصة توضيح ما يقوله لتنتفض واقفة وهي تصرخ صراخًا مفجعًا:
"يااااامامي.. حرام عليك.. عندي فوبيا من القطط."
أسرعت بالابتعاد عن المكان وسط جلجات الجميع وقهقهاتهم المرحة، فيما لوى مصطفى شدقه مردفًا بحزن:
"ما تخافيش، دا أنا مششور لها شعرها."
التفتت ببصرها إلى آسر لتجد قهقهاته غطت على الجميع وبنبرة ساخرة تابع:
"أنا كنت فاكر إنك أقوى من كدا؟، طلعتي ورور!!!"
في تلك اللحظة جدحته بنظرة ساخطة لتشيح بوجهها بعيدًا عنه بينما أردف مصطفى بمرح فاشيًا سر خوفها الحقيقي:
"دي كمان بتخاف من زغلول الديك جوي، وتجعد تلف في الجنينة زي الفروجة الدايخة تهرب منه."
حسنية بضحكة خفيفة:
"اجعد يا ولدي، ما تخوفهاش عاد!!!"
بيسان بنبرة وجلة:
"لأ، الكوكو دا تاني.. بليز يا مصطفى أنا بخاف."
فداء بنبرة ساخطة:
"أخاف من إيه يا بغل إنت؟"
حدقت عيناي مصطفى وهو يتصنع الصدمة متجاوزًا إياها بعينيه وبشهقة مفزعة أردف:
"في إيه يا زغلول مالك؟.. الحجي جاي يمك، ما جلت لك أصبغى شعرك ألوان وهو هيخاف منك.. لأ اوعى، اوعى تجرمها من يدها."
"هـرولت فداء باتجاهه على الفور، التفتت برأسها ولكنها أدركت بأن ما فعله بها مجرد خدعة. صرت على أسنانها بقوة وما أن اقتربت منه حتى تابعت بنبرة تتصنع البكاء:
"بص بسببك اتعورت إزاي؟"
أشارت بسبابتها إلى معصمها، ضيق مصطفى عينيه بتأثر وتبكيت ضمير ولتباغته بصفعة مفاجأة على ظاهر عنقه وهي تردد بتشف:
"بقى أنا أضحك عليا الناس؟.. حسبي الله قطعت لي الخلف."
جمال مقاطعًا إياهما بابتسامة رزينة:
"يا ولاد كفاية هزار بقى ويالا كملوا أكل."
وما فتيء أن أنهى جملته حتى وجد ابنه ينهض من مكانه ومن ثم أمسك بساعد عنود فلم يحتمل حزنها أكثر من ذلك وهو يرى الدمع والتعب قد تجمدا في محجريهما ليقول بنبرة حاسمة:
"قومي معايا!!!"
قطبت عنود ما بين حاجبيها باستغراب وبنبرة منهكة أردفت بتساؤل:
"هنروح فين؟"
قصي بثبات:
"هتعرفي حالًا."
نحا ببصره إلى فداء ومن ثم أردف بابتسامة صافية أنارت وجهه:
"بقولك إيه يا فداء.. عاوزك تبلغي الستات يحضروا بعد ساعتين في القصر هنا.. يامن وبيسان ياريت تجهزوا صالة الحضانة علشان هنحتاجها ضروري."
أنهى حديثه الحاسم على عجلة من أمره، انصاعت لأوامره تجاهها حيث استسلمت لجذبه لها متجهان خارج حدود القصر كاملة وعلامات كثيرة تدور في رأسها تجاه ما ينوي فعله.
مر الكثير من الوقت، حضر مجموعة لا بأس بها من السيدات بعد إعلامهن بتقديم مساعدة لبنات سالم العامري. امتلأت صالة الروضة بالكثير من السيدات وعلت غمغمات كثيرة في المكان يتسائلن بشأن نوع المساعدة. قررت بيسان ضم أطفالهن إلى زاوية من الصالة حيث حلبة صغيرة تحتوي على مجموعة من الألعاب. جلست بيسان في منتصف الحلبة بين الأطفال تداعب هذا وتبتسم لذاك.
ولكنها لم تستطع إسكات طفل منهم، زودته بالكثير من الألعاب وبدأت بمشاكسته بإيماءات وجهها ولكنه لا يتوقف عن الصراخ. تشعث شعرها في تلك اللحظة ليقترب يامن منها وراح يزيح خصلاتها عن وجهها وأعقب هذا قبلة سريعة على وجنتها. لم يكن هذا ما أثار دهشتها حينما فغرت فاهها بشدوه وهي تجد الصغير ينظر إليهما في حالة سكون وترقب.
ابتعد يامن عنها قليلًا ليعاود الصغير بكاؤه من جديد وهنـا أسرعت بيسان بتقريب وجهها من يامن ثم قبلته برقة وهي تتابع إيماءات الصغير بدهشة فقد صمت مجددًا؟ .. لاحظ يامن سكوت الطفل ما إن يقبل أحدهما الآخر ليلثم وجنتها بتماد ورضا قائلًا:
"الواد دا هيطلع صايع؟.. دا عاجبه الحوار!، بس بصراحة أنا بأيده وعاجبني الوضع ومش هسيبك النهاردا.. وكله في سبيل إرضاء البيبي الجميل دا."
بيسان وهي تصرخ به في رقة:
"يامن، اتلم!"
"على الجانب الآخر"
أخذت تتحرك في الحديقة تترقب الطريق، تذهب وتجيء في حيرة من أمرها. أنزلت الهاتف عن أذنها بشيء من الضجر.
فهي تجهل تمامًا.. إلى أين ذهبا هؤلاء!، ولا تفهم بالضبط ما الذي يخطط له قصي. استدارت لتلتحق بالصالة كي تنتظر وصولهما.
اصطدمت بجسده وقد أصابها حالة من الذعر وهي تغمض عينيها بحنق قائلة:
"ممكن أفهم إنت واقف ورايا بتعمل إيه؟، خضتني!!!"
آسر بنظرة غامضة:
"حد قالك قبل كدا، إن جمالك يقتل؟?"
جاوبته لما طرح سؤاله بشيء من الثقة وهي تزيح خصلات شعرها عن وجهها:
"ما قالش يا چيمي!!"
أومأ آسر برأسه متفهمًا ليقبض على ذراعها بشراسة وراح يقول بلهجة صارمة:
"حد قالك بردو إني لما بغير على واحدة بحبها وتستفزني، بحرقها؟.. وبدل ما جمالك هو اللي يقتلني.. أنا أقتله."
ابتلعت ريقها بصعوبة وأخذت تتأتىء في الحديث قليلًا ومؤخرًا أردفت بنبرة مفهومة نوعًا ما:
"تـ تتـ تحرقني؟، أنا مش بستفزك!!.. إنت اللي ماشي ورايا في كل مكان."
آسر يتصنع الغضب ليهتف بصوت أعلى:
"تحبي أحرقك بالبنزين ولا بمية النار؟"
تقلصت قسمات وجهها بشكل لا إرادي ولكنها حاولت التماسك لتردف بنبرة سادرة وهي تتجنب النظر في عينيه مباشرة:
"هي نجوى أه كانت كائن لزج.. بس إنت عملت فيها إيه؟"
قطع حديثها صوت شقيقتها وهي تهتف عاليًا في شيء من السعادة تترجل من سيارة قصي. همت فداء بالفرار منه لتجد قبضته محكمة على ذراعها ليُعزز هو تمثيليته مردفًا بحدة:
"قولي بحبك لو حابة تفضلي عايشة بدون تشوهات وتساعدي أختك.. إنتِ لسه ما تعرفيش آسر.. الشاب السادي.. قتلت خمسة حرقًا بالنار.. واغتصبت سبعة وإنتِ الثامنة لو ما نفذتيش رغباتي."
أغمضت عينيها في فزع، فقد صدقت ما قاله ولم تفرق بين نبرته المازحة والجدية حتى الآن ولكن علاقته بـ نجوى والتي انتهت قبل أن تبدأ جعلتها تغوص في خيالات لا وجود لها. حاول جاهدًا كتم ضحكاته داخله وظل رابط الجأش بملامح شرقية قسية فيما أردفت هي بنبرة مرتعشة ومازالت مغمضة العينين:
"بـ ب بحبك!!!"
يتبع….
رواية جميلتي الصهباء الفصل التاسع عشر 19 - بقلم عليا شعبان
ومع إختفاء آخر خيط من الضوء في السماء ، هناك أمل بغدٍ أفضل وليل تتأرجح به سعادتنا بين لهفة وصناعة للأمجاد ،طموحٌ على مشارف الحُلم مقرونًا بكابح الضير الآتي منه .
هــرعت (عنود) صوبها وقد إنفرجت أسارير وجهها بصورة تتنافى مع حالتها قبل ذهابهـــا معه ، وقف آسر بمُحاذاتها وبنبرة ذات مغزى همس بالقُرب منها في ظفر :
_ وانا كمان بحبــك .
تلعثمت قليلًا في عباراتها وسرعان ما زُين وجهها بضحكة خفيفة .. لتقف عنود أمامها وبإبتسامة طفولية رددت :
_ تعالي شوفي قُصي جاب أيه ؟!
انصاعت فداء لها لتهتف بحُب بعد ان وجدت شقيقتها تجذبها سيرًا لـ خارج باب القصر الرئيسي :
_ خير يارب !!!
استتبعت خُطوات شقيقتها حتى الخارج ، ومـا أن نظرت إلى عربة النقل القابعة أمام القصر وما تحتويه حتى تابعت بسعادة غامرة :
_ آلات خياطة !! ، قُصي ؟ ، إنت قريت تفكيري إزاي ؟ .. أنا دلوقتي بس فهمت إنت خليتنا نفضي الصالة ليه .
ترجل قُصي من باب العربة المُجاور لمقعد السائق وبنبرة ثابتة وقد افتر ثغرهُ عن إبتسامة صادقة أردف :
_ الجيش قال ، إتصرف .
إلتفتت فداء إلى شقيقتها الذي تبدل حالها للفرح الشديد لتربت على ظهرها بحنو واضح وراحت تقول بحماس :
_ مُستعده ؟
هزّت عنود رأسها بثقة مُفرطة وهي تحتضن سعادة شقيقتها بجفنيها الكثيفين ، فيما حث هو بعض الرجال لـ نقل آلات الحياكة حتى الصالة الكبيرة .. بدأ يشاركهم نقل المُعدات في همّة ونشاط وقد لحق بهم يامن وآسر ، أصبح سبب دعوة السيدات واضح تمامــًا بينهن ..
تراصت المُعدات داخل أروقة الصالة جنبًا إلى جنب ..
عَلت غمغمات السيدات اللاتي يتهامسن بشأن الأمر مع صخب وافر من صياح الأطفال ليهتف قُصي عاليــًا بنبرة أكثر ثباتـًا :
_ أسمعوني يا جماعة ، انا جمعتكم هنا النهاردا علشان محتاج مُساعدتكم في شغل قرب ميعاد تسليمه ، مش باقي غير أسبوعين بس .. أنا عارف أنها فكرة جنونية إننا نخلص شغل شهرين في أسبوعين ولكن مافيش حاجه مُستحيلة ..
طبعًا اللي مش حابب يتطوع مش هنجبره الموضوع إختياري بحت .
تنهدت عنود بأريحية من حديثه وهي تجأر إلى الله في كُل لحظة ، آملةً بالوصول ، شعرت للحظة بأنه لم يستحق كُرهها إلى هذا الحد لربما تحسست هي من إتهامهِ لها ولكنها بالفعل للمرة الأولى ترى الجانب الخيّر منه ،،،
تردد صدى أصواتهن بالموافقة ليفتر ثغرها عن إبتسامة عريضة .. رمقتها بيسان بحنو وأمل .
اوتوماتيكيًا يتصل خيط سعادة إحداهن بالأُخريات ، فـ مَن جمعهن في رحم أُم واحد قادرًا على أن بذور الأمل والتفاؤل تتسلل من واحدة إلى الأُخرى .. على الأغلب ينقسم كُل شيء إلى فصين .. أما هن فـ نوع جديد شُطر لـ ثلاث مُتشابهات مُكملات لـ نقاط الضعف فيهن …
بدأ قُصي يقسم المهام على الجميع ، مجموعة تولت أمر الحياكة وأُخريات يستلمن ما تم تصميمه ومن هن مسؤولات عن أدوات التزيين في كُل تصميم .. فيما تولت بيسان أمر إلهاء الأطفال ويعاونها يامن على هذا …
كانت جلسة استثنائيةً في كُل شيء تُنبيء بإنفراج الأزمة عما قريب .. ورغم صعوبة الامر إلا أن ما فعله قُصي دب في خلجات نفسها شيء من الطمأنينة ومـا ان أنهى قُصي عمله حتى تابع مُتوجهًا بحديثهِ إلى فداء :
_ وإنتِ يا فداء دورك الإشراف .
أنهى جُملته بلهجة حازمة ثم قبض على كف عنود وراح يجذبها معه لـ خارج الصالة قائلًا :
_ تعالي إنتِ كمان علشان تستلمي مُهمتك .
ذأبت في خطواتها التي لا تُقارن بوقع خُطواته لا تعلم ما يقصدهُ بمُهمة أُخرى غير بقائها معهن لبدأ التصاميم ،،
إتجه بها إلى داخل القصر لتسير جانبه غير عابئةٍ بالسابلة .. نعم إنها بوادر ثقة جاءت بعد صراع كانت نهايته محتومة ، فـ تبدلت .
وصل بها إلى باب قد وُصد سابقــًا بأمر منه للجميع بعدم الإقتراب من هذه الغُرفة ولكنه اليوم كلف (حُسنية ) بتنظيفها فهذه السيدة التي ربته .. هي من تعلم ماذا يوجد خلف هذا الباب الكبير .. أدار مقبض الباب في ثبات وما أن فُتح حتى تنحى جانبًا ثم حثها على الدخول بإشارة من عينيه ، رمقته بنظرة ثاقبة ثم ولجت للداخل في شيء من التوجس ليتبعها هو ..
جابت ببصرهـا الغُرفة لتقطب ما بين حاجبيها بإندهاش وتعجُب ..ترى صور كثيرة لـ فتاة مـا قابعة على الحائط وأعلى الكومودينو والمكتب لتتنحى ببصرها إليه مردفةً بنبرة خافتة :
_ أيه الأوضة دي ؟ .. هي دي صور لـ مامتك وهي صغيرة !!!
كانت حُسنية تُراقبهما على بُعد، ترمقه بنظرات مُشفقة لـ وخزات قلبه التي إلتهمت روحه بدم بــارد ليهزّ رأسه في خفة مُتشدقًا بنفي :
_ لأ ، دي يا ستي ..البنت اللي كُنت بحبها من 7 سنين فاتت وسابتني زيّ ما أُمي عملت بالظبط انا وقتها فقدت الأمل في الحُب وفي نفسي ، الحُب اللي بيكون من الأُم او الأب او حتى الأخ .. أنا توهت من مفهوم الحُب نفسه .
رفع بصره إلى الصور ثم أردف بشرود غامض :
_ أنا لسه لحد دلوقتي مُحتفظ بصورها وخاتم الخطوبة كمان ،
ذأب في سيرة ناحية المكتب القابع بزاوية قريبة منه ومن ثم فتح أحد أدراجه وبدأ يلتقط الهدايا والصور منه ثم يضعها على سطح المكتب مُرددًا بإبتسامة واهية :
_ كُل الهدايا دي كمان كانت منها ومن أُمي .
إلتقط ميدالية على شكل هيكل إنسان يذبح ليلوح بها أمام عيني عنود وبنبرة هادئة أردف :
_ ودي هدية أمي جابتها لي وأنا عندي سبع سنين وفُزت بالبطولة في سباق السباحة ، رغم كُرهي ليهم بس مُحتفظ بكُل حاجه تخصهم .
إستغربت (عنود) من صموده رغم رعشة نبرته التي لفحتها حرارة عميقة ، استحضر ذكرياته الماضية بين أُم تركته وَهِن التفكير في ماهية غيابها أهو موت أم فراق أبدي برغبة منها ؟، وبين حبيبة تزوجت لـ ذا مال أكثر منه …ليهتف بنبرة ثابتة بعد أن ثبت نظرهُ في مُقلتي عينيها مُباشرة :
_ طبعًا إنتِ في أسأله كتير في دماغك دلوقتي؟ .. زيّ إني ليه مُحتفظ بـ ذكريات منهم !! وليه بقولك إنتِ بالأخص الكلام دا .
تنحنحت عنود قليلًا لترفع كتفيها علامة الجهل ثم تُنزلهما في استسلام ليستأنف هو حديثه بهدوء :
_ مُحتفظ بـ ذكريات ناس كسروني ، علشان أشوف أنا أتكسرت كام مرة!! ، إتقتلت كام مرة من الغياب .. استنذفت مشاعري كام مرة في مكان غلط ،إحنا لازم دايمًا نحسبها صح نقارن بين كُل لحظة ضعف وقوة إتحسبت لنا او حتى ما أتحسبتش .. مُحتفظ بالذكريات دي علشان كُل ما أضعف أقوى بوجعهم ليّا ، وأتأكد إن مافيش مُستحيل .. انا كُنت بقول مُستحيل أثق أو أحب تاني .. مُستحيل ألاقي واحدة تستحق .. بس عرفت إن مافيش مُستحيل ولقيت .
خفتت نبرته قليلًا وهو ينطق كلمته الأخيرة ليصمت عن الحديث لوهلة لترمقه هي بنظرة ثاقبة مُرددة :
_ وإنت أيقنت بـ كدا إزاي ؟ ، إنت أتأكدت إنها مش زيّ غيرها ؟؟
افتر ثغرهُ عن إبتسامة حانية ، فيما استجلت هي خفايــا الأمور في شيء من الحذر ليقول هو بثبات :
_ أيوة يا ستي ، إنتِ مالكيش زيّ .. حلوة .. مُختلفة .. تلقائية .. بسيطة .. عنيدة وناجحة .
فداء وهي تحدق به في دهشة من جراءة إعترافه :
_ أنا ؟
مشى قُصي بخُطواته حتى وقف أمامها ليضع يدهُ على عاتقها مردفًا :
_ عنود .. أنا بحبك .. كُنت لازم أشاركك صفحة من حياتي قبل ما أقفلهــا .. كُنت حابب أقولك إن إهانتي ليكِ من وجعي وإنك مالكيش ذنب غير إنك بنت .. لكن أنا حبيتك وأتمنى تنسي اللي فات وتسامحيني .
أخفضت عنود رأسها تتجنب نظراته الثاقبة بها وبنبرة ثابتة أردفت :
_ بس للأسف انا مش بـ .. .
قطع صوته الأجش حديثها وهو يجذبها معه لـ خارج الغرفة :
_ مش عاوز إجابة منك دلوقتي ، خلينا في العرض .
رفع نبرة صوته أكثر يُنادي على حُسنية وما أن جاءت حتى ردد بهدوء :
_ أقفلي الباب دا يا ست الكُل وانا هعرف عنود الأوضة اللي هتشتغل فيها .
عنود بإستغراب :
_ أزاي ؟ ، هو انا مش هشتغل مع الستات في الصالة !!
دفعها قُصي من ظهرها بخفة حتى نهاية الممر وهو يردد بحنو :
_ أكيد طبعًا مش هتقعدي معاهم .. لأنك طبيعي مش هتركزي .. أما الأوضة دي علشان الإلهـــام .
أنهى جُملته بلهجة آمره ثم قام بفتح الباب لتجحظ عينيها بشدوه ، ليدفعها هو بالولوج للداخل .. قام بوضع مزهريات من مُختلف الأنواع في اماكن مُتفرقة .. كان ستار الغُرفة يغلب عليه الوان الطيف .. وهناك طاولة تقبع بجانب النافذة ..وُضع عليها العديد من الأقلام بشكل مُرتب واسكيتشات خاصة بالرسم ولم ينسِ بأن يُزين الطاولة بعلبة نوتيلا وقطع الشيكولاتة المُنفردة كُلًا على حد .. وأكثر ما لفت إنتباهها هذا الطبق الزجاجي من اللون البني قد وُضع عليه قطع من الخُبز المُحمص وبداخله شطائر من اللحم المشوي وقطع الدجاج المُقرمشة ..
إلتفتت برأسها إليه وراحت تردف بثبات :
_ أيه الحفلة دي ؟ .. لـ مين كُل دا !!
قُصي بثبات :
_ ليكِ علشان تتغذي وتتسلي وانتِ بتصممي ،عاوزك تخرجي أحسن ما عندك
عنود بقهقهة خفيفة :
_ مجنون ؟؟
قُصي غامزًا لها وهو يسير صوب باب الغرفة :
_ هتتعودي على جناني .. المهم أنا قاعد برا لو إحتاجتي حاجه .. عاوز تركيزك كُله يكون مُنصب على التصاميم .
باغتها بنظرة حانية ليترجل للخارج ثم يغلق الباب خلفه .. أطالت النظر إلى الباب الموصد في شيء من الحيّرة ولكنها لا تُبادله الشعور او ربما تقتل الشعور نفسه قبل أن تصل مخالبه إلى قلبها فـ تتشبث به ومن ثم تتحمل تبعات هذا الشعور من ألم .. فأنكسار ثم فُــــراق .
تنهدت تنهيدًا ممدودًا بعُمق لتسير صوب الطاولة وقد حسمت أمرها بأن تنكب على عملها .. فهي دائمًا تتفنن في ابتداع تصاميم قوية بلمسة خاصة بها ، فيما قرر هو البقاء بالقُرب من غرفتها يمنع مجيء أحد إليها لـ يطمأن عنها بين الفينة والأُخرى …
_ بسسسسس .. أخرسوووووا .
صرخت فداء بتلك الكلمات وهي تقف أمام حلبة الأطفال .. فأصبح الأمر لا يُطاق وهي تُعادي الأطفال مُنذ أن كانت صغيرة وتكره صخبهم المُزعج ،،،
ســاد الصمت لوهلة ولاحت العيون إليها وهي تُكشر عن أنيابها مُردفة بحدة :
_ اللي هسمع صوته .. هلسعه بالشمعة !! وهجيب له العــووو .
حدقت بيسان بهـا في صدمة لتردد بغيظِ :
_ فيدو .. حرام عليكِ دول أطفال ؟
في تلك اللحظه على صوت بُكاء أحدهم ، إمتعض وجه فداء حنقــًا لتميل برأسهـــا إليه فيما يرمقها هو بنظرة خائفة لتُرجع خُصلاتها للامام حتى غطت وجهها بأكمله وراحت تصيح :
_ عووووو .. بتعيط ليه ؟
لم يتوقف الطفل هنا كما ظنت ، لتجدهُ يصرخ بأعلى صوته وهنا أسرعت بيسان بإحتضانه وأمسكت بكفه وقربته من خُصلات فداء وهي تقول :
_ دي مش عو .. ما تخافش منها وشدها من شعرها .
انصاع الطفل مُستجيبًا لـ حديث بيسان البسيط له ليقبض على خُصلاتها وراح يُقهقه بسعادة وهنا صرخت فداء بغيظ :
_ يا حيوانة .. الولد قطع ليّ شعري .
بدأت بيسان تُخلص خصلات شقيقتها من كفه ولكنه ضغط عليها بطريقة أقوى وإلتفت الخُصلات حول أصابعه .. ولم يكتفِ بهذا فحسب بل مال بأسنانه يقتلع خُصلاتها لتشهق بيسان في صدمة :
_ يا نهاري .. كُنت فكراك طفل !!
فداء وهي تشد أذنه بغيظ :
_ يا غلاوي .. أمال لو مش عيل صغير .. كُنت عملت أيه ؟ .. أوعى ياض يا ابن القرعة .
مُصطفى مُرددًا بضحكة عالية :
_ عرفتي منان ؟ .. أُمه اسمها ثنية الجرعة .
استطاعت فداء وأخيرًا تخليص شعرها من بين يدي الطفل لتهتف بحنق :
_ وهو كمان أقرع .. دي شكلها عُقدة في العيلة
مُصطفى وهو يضربها بخفة على كتفها :
_ أه دي ؟! .. إنتِ بتضربي الودَع ! ، عرفتي منان إن عيلتهم اسمها العجايدة !! (العقايدة) ، وديه بجا أخر عُجدة في العيلة .
فداء وهي تصر على أسنانها بغيظ :
_ وانت آخر أيه !! .. آخر بغله في العيلة !!
لوى مُصطفى شدقه بإمتعاض ليهزّ رأسه نافيًا :
_ لأ ، البغلة بتبجي من أم حصانه وأب حُمار وانا موافجش إن أبويا يبجا حمار .. بلاش كلام ماسخ .
أطلقت بيسان قهقهة عالية ، لتردف فداء بنبرة يتخللها الضحك :
_ من عنيا حاضر .. بلاش بغل يا حُبي .
في تلك اللحظة هتفت سيدة مـا تُنادي اسمها لتلتفت فداء إليها فيما تابعت السيدة بود :
_ أنا أسفه يا ست هانم .. لو ينفع مُصطفى يدلك على دوارنا وتدي لـ أمي العچوزة علاچها علشان ديه معاده وانا لسه مخلصتش اللي في يَدي .
أومــأت فداء برأسها إيجابًا مُرحبة بما قالتهُ لتنظُر إلى مصطفى وتقول بتساؤل :
_ عارف العنوان ولا هتتوهنا ؟!
مُصطفى وهو يهزّ رأسه بضحكة بلهاء :
_ إيوة عارفه .. ما هو ديه بيت العجايدة اللي جولت لك عليهم .. ودي ثنية الـ …
أسرعت فداء بوضع كفها على فمه لتقول بنبرة ثابتة :
_ خلاص حبيبتي كملي شغلك وإحنا هنروح حالًا .. قدامي يا مصيبة أنت .
إلتفتت فداء إلى يامن الذي يتولى أمر عد التصاميم قبل مُناولتها للسيدات وبنبرة ثابتة أردفت :
_ لو سمحت يـ (يامن) إستعجل ماما حُسنية علشان الستات يتعشوا .
إتجهت بصُحبة مُصطفى حتى خارج الصالة وما أن إتجها صوب باب القصر الرئيسي حتى سمعتهُ يهتف بحدة :
_ رايحة فين ؟؟
إرعشت أطرافها قليلًا وهي تستمع إلى صوته الأجش يقترب منها ومن ثم وقف أمامها مُحركًا حاجبيه بإستفسار لتردد هي بثبات :
_ هو أنا هستأذنك كُل ما أجي أدخل وأخرج !
آسر بصوت عال قليلًا :
_ بقول رايحه فين ؟
فداء وقد التاع قلبها من صرامتهِ :
_ مشوار قريب وجاية ؟ .. أيه مُشكلتك !!
آسر وهو يربت على كتف مُصطفى الذي جاب ببصره بينهما في حالة من الترقب :
_ خلاص تمام .. أنا جاي معاكم .
لم يكُن بمقدورها الحديث لتسير أمامه بعصبية خفيفة فيمـا أمسك كفها بقوة لتسير إلى جوارهِ رغمــًا عنها .. قادهما مُصطفى حيث بيت هذه العجوز ليجدوا الباب مفتوحــًا ،،،
طرقت فداء على الباب بتوجس وحذر مُراعاةً لـ حُرمة ساكنيه ولكنها فهمت بأن العجوز غير قادرة على الحراك في أغلب الحالات لتدلف داخل المنزل وقد تبعها آسر فيما هتف مُصطفى بفرحة طفولية :
_ روحوا إنتوا .. وانا هعوم في التِرعة لحدت ما تخلصوا .
وجدت فداء غرفة مُقابلة لها ، مفتوح بابها وما ان نظرت داخلها حتى وجدت سيدة عجوز تمددت أرضـًا وما أن رأتها فداء حتى أردفت بهدوء :
_ السلام عليكم .. أزيك يا تيزا ؟ .. أنا فداء وبنت حضرتك طلبت مني أجي أديكِ الدوا !!
رمقتها السيدة بهدوء لتفتح جفنيها المُجعدين وراحت تقول بنبرة وَهِنة :
_ بنتي مين ؟ .. أنا ما أتچوزتش !
قطبت فداء ما بين حاجبيها بحيّرة وقد ظنت بأن مُصطفى قد قادها إلى المكان الخاطيء لتقول بنبرة مُتسائلة وكأنها تستعين بأخر واوحد معلومة لديها :
_ هو حضرتك من عيلة العقايدة ؟؟
إستندت السيدة على ساعدها تُحاول النهوض ، هرول الإثنان إليها لـ مُعاونتها وهنا أردف آسر بهدوء :
_ اوعي .. هشيلها وأحطها على السرير دا .
أومأت فداء بهدوء فيما تابعت السيدة بتأكيد :
_ ايوة .. دي عيلة چوزي .
تبادلا نظرات تساؤلية ليفتر ثغرهُ عن إبتسامة خفيفة وراح يقول بهدوء :
_ يالا إديها الدوا .. ما تستغربيش أول مرة تتعاملي مع ستات كُبار ولا أيه !! .. الانسان مننا كُل ما العُمر ياخده ويكبر في السن ، بيصغر في العقل ويرجع طفل تاني .
إلتقطت فداء الدواء القابع على الطاولة الخشبية بجوار الفراش ومن ثم إلتقطت دورق المياة باليد الأخرى وراحت تقترب منها ، فيمــا وقف هو حيث الباب ينتظر إنهاء مُهمتها .
جلست هذه العجوز على فراشها البسيط عبارة عن أريكة من الخشب يغطيها وسادات قُطنية على طول مساحتها ، وضعت فداء كفها خلف ظهر السيدة تُعاونها على ارتشاف قطرات المـاء وما أن إنتهت السيده حتى جالت ببصرها بين الإثنين لتقول بنبرة مهزوزة نتاج كِبر سنها :
_ چوزك إبن حلال جوي يا بنتي ، لا وخدوم ، ربنا يخليكم لبعض .
إلتفتت ببصرها إليه ترمقه بعينين جاحظتين ، لتجده يبادلها إبتسامة عريضة وهو يستند بجسده على أول باب الغرفة .. قد إستفزتها أريحية وقفته وسعادته على حديث تلك العجوز .. امتعق وجهها غيظًا بعدما وضعت كوب الماء جانبًا لتردد بنبرة نافية :
_ لأ يا تيزا .. دا مش جوزي أساســًا .
هـزّت السيدة رأسها يمينًا ويسارًا لتُقرب كفها تربت علي كف فداء التي تجلس على طرف الفراش أمامها :
_ عيب يا بنتي .. لتكوني زعلانة منه ؟! ، بس ما بيصح تهملي چوزك وتتبري من راجلك .
فغــرت “فـداء” فاهها لتبتلع ريقها بحنقِ وقد احتبس الكلام في حلقها فيما أردف آسر بنبرة يفتعل منها الحُزن :
_ قلبي وربي غضبانين عليكِ يا أم العيال .
شهقت العجوز وهي تضع كفها الذي ملأته التجاعيد وراحت تقول بنبرة مُشفقة :
_ عندكم أولاد ؟
أومأت فداء برأسها سلبًا ولم يتسنى لها الرد عندما استأنفت العجوز بنبرة أكثر حزنًا :
_ عيني على شبابك يابنتي .. طيب التجصير منك ولا منه ؟
لم يتحمل “آسر” أكثر من ذلك .. ليرفع فتحة قميصه ناحية العُنق إلى فمه وقد قهقه عدة قهقات أثارت حنقها .. وهنـا هتفت به فداء بلهجة حادة :
_ آسر ، إنت بتضحك على أيه ؟! .. وعاوز مني أيه ؟ .. صدقني هصرخ وألم عليك أهل القرية .
وما أن أنهت جُملتها حتى وجدت العجوز تهتف بنبرة صارمة وقد توجهت بالحديث له :
_ إنت هتستنى لمـا مرتك تُصرخ !، إلحج خُدها على المستوصف ، لتولد مطرحها وما نلاجيش ليها دايه ؟؟
فداء وهي تمسح على وجهها بنفاذ صبر :
_ أنا مش حامل يا تيزا ، إرحميني بقى .
وضعت السيدة كفها على الأخر وبنبرة وقورة تابعت :
_ اللي بيرحم العباد ربنا يابنتي ، ربنا يمتعك بالسلامة، شيل مرتك يابني لحدت المستوصف
إرسمت على مُحياهُ إبتسامة ماكرة ليقترب بخُطوات مُتعجرفة منها ومن ثم مـال بجسدهُ إليها حتى حملها على غفلة منهــا ليردف بنبرة عابثة :
_ عندك حق يا تيــزا .. يارب ولد يارب .
حدقت به في صدمة وقد اشتد السأم بها ، فيما رمقها هو بنظرة تحدٍ رافعًا أحد حاجبيه لتقول فداء بإنفعال مُفرط :
_ ولد أيه ونيلة ؟! .. أوعى يا مجنون انت نزلني .. وربنا أصوت واقول بيتحرش بيّا .
أخذت تحلق بقدميها في الهواء بإعتراض وقد أمطرته بوابل من الشتائم فيما تقمص هو الدور ليهرول بها للخارج وبنبرة ثابتة تابع :
_ خلاص يا حبيبتي .. بلاش صريخ قربنا نوصل للمستوصف .
قال جُملته الأخيره بقهقه عالية فيما قربت فمها لتغرس أسنانها بذراعه بتشفِ ليصرخ آسر بتأوه :
_ يا بنت المجنونة .
فداء وهي تجدحه بحنقِ بعد أن ترجلا خارج المنزل بأكمله :
_ نزلني يا آسر .. سيبني في حالي بقى ؟ ، إنت وجعتني وانا مش عاوزاك ..مش هحس بالأمان معاك .. علشان خذلتني مرة .
آسر وهو يرمقها بنظرة أربكتها ليبتسم بهدوء قائلًا :
_ ما كُنتش عارف أختار يا فداء .. بين البنت اللي ربتها وحبيتها زيّ أُختي وشوفت إنها الأولى بوجودي جنبها وبين البنت اللي إختارها قلبي .. حرب بين المسؤلية واول دقة قلب ..
قررت أخبي عنك وأتجاهل كُل حاجه هتقربني منك بس فشلت .. أحلامي فضحتني .
فداء بتساؤل وإهتمام :
_ أحلامك فضحتك ؟؟؟؟
رواية جميلتي الصهباء الفصل العشرون 20 - بقلم عليا شعبان
أجرى العديد من الاتصالات بها، وباءت محاولاته جميعها بالفشل.
أراد أن يرمم ما هُدم، ولكن حجر الأساس مفقود منذ فترة.
نكس ذقنه يائسًا.
لا يدري ما هذا الحنين لها؟
داخله شعورًا يعرفه جيدًا، ولكن ابنة خالته هي أولى بمشاعره.
فإن ترك زمام قلبه في مكان آخر، من سيحفظ قلب هذه التي رباها وعنها مسؤولًا؟
ارتخت مفاصل جسده وهو يهوي به على الأريكة.
ليجد هاتفه يصدح باتصال ما.
دقات قوية اجتاحت قلبه، لينتفض متجهًا بذراعه حيث الهاتف النقال.
وما أن نظر إلى هاوية المتصل حتى تنهد بيأس وقد خابت آماله بها.
تقلصت قسمات وجهه حنقًا وهو يرى هذا الوغد يتصل به بعد مدة طويلة، لا يتذكر منها سوى آخر لقاء جمعهما وهو يحذره من الاقتراب منها.
رفع الهاتف إلى أذنه وبنبرة جامدة تابع:
خير يا شكري؟
شكري بقهقهة ساخرة:
إيه دا؟ شكري حاف كدا؟
آسر ببرود صقيعي:
خلاص، غمسها بالجبنة.
شكري بنبرة حادة قليلًا:
مالك يا عم آسر؟ ما بقيتش عاجبني ولا الشغل معاك بقى مريح؟ بقيت مرهف الحس وبتتعاطف مع الناس وتبوظ ليّ مخططاتي.
تشنجت فرائصه ليهتف بنبرة منفعلة:
شغل معايا؟ كان في وخلَص. الله العالم كنت بتفتري على كام واحد. وأنا سمعت كلامك وكلت حق كام واحد. كنت فاكرك شريف ومظلوم، طلعت شيطان وابن ك**.
شكري وهو يردعه بنبرة حانقة:
تؤ تؤ تؤ. عيب يا آسر بيه. دا أنا حتى كنت عاوزك في شغل ضروري. هي فداء العامري غيرتك ولا إيه؟ معلش، ما هو الحب بيعجز.
آسر وقد تأجج داخله نارًا ليهتف بنبرة تعبق بحرارة عميقة:
لا يا روح الحجة. الحب بيقوي وأوي كمان. سبق وحذرتك إن فداء خط أحمر، وسيرتها يوم ما تيجي على لسانك أكون قاطعه لك. ولا صحيح، إنت فاكر إن البلاوي اللي أنا أعرفها عنك وإنك حاولت تعتدي على فداء، في صالحك؟ كُل عيش وامشي جنب الحيط علشان آسر لو حطك في دماغه هخليك تهرب برا مصر زي النسوان وبفضيحة. أنا ساكت عنك طول ما إنت بعيد عنها، لكن لو لاحظت إنك عديت من جنبها في نفس الشارع وما غيرتش طريقك، همحيك من على وش الدنيا.
تداعى شكري البرود رغم أن داخله يتآكل من شدة الحنق، ليردد بغيظ:
براڤو. براڤو يا آسر. أوعى تكون فاكر إن ورشة تصليح العربيات ولا صالة تأجير الموتوسيكلات اللي عندك دول، هيخلوك تعيش في رفاهية؟ هييجي وقت وهتفلس. لكن لو اشتغلت معايا، هتقبض في كل عملية مبالغ ترفعك لفوق. فوووق أوي.
آسر بضحكة ساخرة:
كانت رفعتك يا ابن نجيب. المال الحرام لا يُغني ولا يُسمن من جوع. هتيجي إنت تعمل منه سلالم أطلع عليها فترفعني؟ الله الغني علشان دي سلالم ضعيفة لو نفخت فيها هتطير. لأخر مرة هحذرك. فداء وكل اللي يخصها خط أحمر ورقمك مش عاوز أشوفه على تليفوني تاني.
لم يتسن لشُكري الرد، حيث أسرع آسر بإغلاق الهاتف ولم يعبأ به أو لغضبه قط.
أسرع بإلقاء الهاتف جانبًا.
قطب ما بين حاجبيه في شيء من الحيرة بشأن ما قاله.
أي حب قصد؟ ولماذا لم ينفِ هذا الخبر من فم ذاك الأحمق؟
لماذا أحب الشعور الناتج عن هذا الخبر وتمادى في الدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة؟
تمدد بطول جسده على الأريكة بعد أن قرر نفض هذه الأفكار عن رأسه.
تراخت جفونه بثقل ليغلقهما بإرهاق وقد كحل السُهاد عينيه ليغط في سبات عميق.
لا يعلم أي وقت من الليل هذا بالتحديد عندما وجدها تدفع ذراعه بقوة وهي تهتف بحدة وحنق مردفة:
وايه كمان؟!
فتحت عينيه نصف استفاقة، ليردد بنبرة حادة قليلًا:
إنتِ إزاي تصحيني بالطريقة دي؟
عقدت نجوى ذراعيها أمام صدرها، وقد عبرت قسمات وجهها عن الامتعاض وهي تردف بنبرة ساخطة من أحلامه التي لا تخلُ منها:
وإنت مش سامع نفسك ولا إيه؟ ولما إنت بتحبها خطبتني ليه؟
انعقد حاجبيه في حيرة من أقاويلها.
افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة ليردف بتوجس:
بحب مين؟
اجتاح ثغرها ابتسامة ساخرة من جانب فمها لتهتف بسخط:
فداء هانم، اللي أقسمت في حلمك إنك هتحميها من أي حد يفكر يأذيها وإن شكري نهايته على إيدك. دا غير إنك صرحت بمدى اشتياقك لطفلة منها وتكون على اسم والدتها "ملاك". ها أيه رأيك في الكلام؟
رمقتهُ شزرًا ما أن أنهت حديثها.
انتصب واقفًا في مكانه ليتنحنح قليلًا قبل أن يردف بثبات:
أظن إن مش بإيدي، أتحكم في أحلامي يا نجوى.
نجوى بحدة ونبرة عالية بعض الشيء:
الأحلام ناتجة عن التفكير المستمر بحاجة فبتحلم بيها. يعني الأحلام أكتر حاجة صادقة في الإنسان. ممكن تفهمني إنت خطبتني ليه؟
آسر بنبرة صارمة:
مش علشان بحبك، لأن زي ما قولتي في الحقيقة أنا حبيتها هي. بس جيت على قلبي وعليها علشان ما أكسرش فرحتك وإنتِ مش عارفه تتغاضي. أنا طول الوقت بقول إنك أولى بحبي واهتمامي ومش هآمن عليكِ مع حد غريب. بس أنا مش هقدر أكمل يا نجوى. دا بيتك وهتفضلي فيه معززة مكرمة لحد ما تلاقي اللي أحسن مني. إنتِ من النهاردا بنت خالتي وبس.
أنهى حديثه الصارم لها، فقد وجب الالتفات إلى قلبه قليلًا والبحث عن ذاته الضائعة.
أسرع بإلتقاط سترته الملقاه على ظهر الأريكة ومن ثم اتجه صوب الباب يفتحه بثبات لتلتفت إليه مردفة بحنق:
دا آخر كلام عندك؟
آسر وهو يترجل خارج الغرفة دون أن يلتفت لها، فقد انشغل كليًا في ارتداء سترته ليردد بنبرة ثابتة:
بعون الله. آخر كلام.
روى لها ما حدث في هذه الليلة بالتحديد والتي على أثرها أنهى ما ربطه بابنة خالته.
كان لا يزال يحملها بين ذراعيه.
أطلقت فداء قهقهة عالية لتضرب كفها بالأخرى بخفة قائلة:
يعني كسرت قلب البنت؟ وأنا اللي فاكرة بعد سوستة الفستان في حاجات تانية!
في تلك اللحظة أنزلها حتى لامست قدماها الأرض ليقول بصوت جهوري فيه لهجة حازمة:
هو دا اللي لفت انتباهك من الحلم كله؟ طيب واسم بنتنا! مافيش أي إحساس خالص البعيدة مش بتحس؟
فداء وهي تتخصر أمامه وبنبرة حانقة أردفت:
بنت مني! وعلى اسم (ماما) كمان! وقدرت تجيب اسم أمي على لسانك! لو أمي كانت عايشة عمرها ما كانت هتسمح لك تأذي قلبي كدا ولا كانت هتقبل بوجودك تاني بينّا. أمي كانت هتحميني منك.
آسر وهو يحاوط كتفيها بذراعه، يحاول التخفيف عنها:
ما قولتليش يا حُب عمراي، ست الكل كانت موناليزايا كدا؟ أصل الإصدار دا ما يجيش من فراغ. إصدار فرنسي أصلي.
رفعت فداء أحد حاجبيها ثم طالعته بنظرة متحدة:
أفهم إنك بتعاكس! بحذرك تجيب سيرة أمي تاني على لسانك. وبعدين الإصدار الفرنسي الأصلي هيرضيه الإصدار المصري الباهت!
رفع آسر كفه إلى رأسها وأخذ يضرب عليه من الخلف بخفة عدة مرات ليقول بنبرة ساخرة:
ما كنت إصدار تركي، والحلوة كانت واقعة.
فداء وهي تهتف به في حنق:
كنت، قبل ما تبهت من أول استعمال.
في تلك اللحظة قطع حديثهما الصارم والذي يقوم على استسلام أحد أطرافه من شدة الاستفزاز.
ليهتف مصطفى الذي يقف على حافة القناة متأهبًا للقفز:
يا آسر بيه! يا احمريكا. تعالوا نعوم، دا الماية حلوة جوي.
نحى آسر ببصره إليها ومن ثم عاد ينظر إليها بثبات ليفتر ثغره عن ابتسامة عابثة وبنبرة ثابتة أردف:
قبل ما أبهت! والله؟
فداء وهي تطالعه بثبات:
أه.
وهنا مال آسر بجذعه العلوي قليلًا ومن ثم قام بحملها على كتفه لتدلى رأسها خلف ظهره فيما طال شعرها حتى ما بعد الركبة من الخلف.
أخذت تصرخ به في استغراب مما يفعله، بينما ذأب هو في خطواته حتى القناة ليقفز بها.
لتصرخ فداء هلعًا:
لا لا لا لا، يا لهوي. إلحقوني المجنون دا هيغرقني.
مصطفى وهو يصفق في استمتاع:
يا ابن الأية؟ عملتها إزاي ديه! دا أنت ولا چون سينا في زمناته!
تشبثت بعنقه في هلع.
أخذت تسعل عدة مرات متتالية.
فيما أردف هو بضحكة خفيفة:
يالا يا حبي، نعمل سباق بقى ونشوف أنهي منتج اللي هيكسب.
حدقت فداء به في هلع وخوف.
ابتلعت ريقها بصعوبة لتصرخ به بنبرة ساخطة:
سباق إيه؟ أنا ما بعرفش أعوم أصلًا!
رفع آسر كفيه ليفك قبضة كفيها عن عنقه ومن ثم أسرع مبتعدًا في المسافة عنها.
وهنا صرخت به توبخه:
ما تسيبنيش! سبتني! أصبر عليا لما أخرج هقتلك يا آسر.
ثقلت حمولة جسدها في هذه اللحظة لتغوص رأسها داخل المياه ثم تخرجها هي على الفور.
وما أن همت بتوبيخه مجددًا حتى عادت رأسها تغوص من جديد معلنة عن سيمفونية جديدة خاصة بها وحدها:
بؤ بؤ بؤ. هقت. بؤ بؤ بؤ.
مصطفى وهو ينظر لها بعينين جاحظتين:
إلحق. أحمريكا بتجولك بؤ بؤ بؤ، لتكونش بتغرج بچد.
غاص جسدها تحت الماء لفترة أطول عن المعتاد.
ليضرب آسر كفًا بالآخر مردفًا بحيرة:
مش فاهم أنا. مالها البت دي، بقيت أنثى في نفسها كدا. أنا ما بقاش عاجبني حالها والوضع دا ما يتسكتش عليه.
مصطفى وقد فتح عينيه واسعًا بترقب:
فداء اختفت. تكونش عملالي فخ، وهتطلع من أي حتة تضربني بالجفا؟
آسر وقد اضطرب قلبه فزعًا:
فداء؟ لا يا عم دي شكلها غرقت بجد.
غطس بجسده أسفل الماء حتى وجدها تعافر في أن تطفو بوجهها.
اقترب منها على الأثر ثم وضع كفيه حول خصرها ورفعها حتى سطح الماء لتسعل هي بإرهاق وبنبرة قاربت على البكاء أردفت:
إنت علشان مالقيتش بنزين في البلد تحرقني، قررت تغرقني صح! إنت عاوزني أموت. وإنت يا بغل المعيز فرحان وأنا بغرق. ورحمة ماما لأوريكم. خرجني يا آسررررر!
آسر وهو يحتضنها بقوة يلثم جبينها بتأنيب ضمير:
أقسم بالله ما كنتش أعرف إنك ما بتعرفيش تعومي. حقك عليّا. لما إنتِ تموتي. مين هيجيب لي ملاك!
أخذت تضرب صدره بقبضتها.
حاولت مليًا التملص من بين ذراعيه لتصرخ به في حدة:
بقولك خرجني من الترعة دي! وإلا هصرخ وألم عليكم البلد.
مصطفى بنبرة ثابتة بلهاء:
من هنا ورايح، هحمي جفايا منك. الراجل ما بيضربش على جفاه وهجول لـ أبويا العمدة.
قام "آسر"، برفع خصرها إلى حافة القناة لتجلس عليها تتنفس الصعداء.
فيما أسرع آسر بنزع ملابسه الخارجية عنه مردفًا بحسم:
بما إننا اتغرقنا. فـ ناخد جولة سباحة بالمرة. بعد إذنك يا قلبي. حطي لي الهدوم دي على شجرة من الشجرات دي تنشف.
وهنا أسرع مصطفى بنزع ملابسه عنه ليضعها على الحافة وبنبرة سعيدة أردف:
واني كمان. علشان هعمل سباج أنا وآسر بيه.
فداء وهي تصر على أسنانها غيظًا:
كنت الخدامة الفلبينية اللي اشتريتوها!
آسر وهو يغمز لها بعينيه يشق الطريق داخل القناة:
طول ما قلبي مش راضي عنك، هتدوقي العذاب ألوان.
صرت على أسنانها بعصبية مفرطة.
استندت على ساعدها وقد تجرعت غيظها داخلها.
مالت بجذعها العلوي تلتقط الملابس بين ذراعيها ولكنها بدلًا من أن تطولهم الشمس قد قررت أخذ الملابس والذهاب إلى القصر ليفتر ثغرها عن ابتسامة ظفر:
وروني بقى هتروحوا إزاي. بـ اللبس الداخلي.
بدأ السباق ولم ينتبها لما فعلته حيث لملمت جميع ثيابهما وانطلقت بها إلى المنزل كنوع من العقاب على ما فعلانه بها.
طرقات خفيفة على باب الغرفة.
رفعت بصرها عن الأوراق أمامها وبنبرة مرهقة أردفت:
أُدخل!
كانتا يداه مشغولتين بحمل بعض الأطعمة وكوب اللبن.
قام بإزاحة باب الغرفة بقدمه بخفة ومن ثم أردف بنبرة حانية وهو يدلف إلى الداخل:
أسف على الإزعاج. جايب لك العشا.
عنود وهي تفغر فاهها بشدوه:
عشا تاني، أنت مش ملاحظ. إني اتعشيت تلات مرات!
قصي وهو يضع الطعام والكوب على الطاولة:
نعتبره العشا الرابع. ها بقى وصلتي لـ فين؟
فداء وهي تقلب صفحات الأجندة أمامه:
يا دوب تلات تصاميم، بس الموضوع مرضي بالنسبة لي. حاجات جديدة كانت في دماغي وعلى التنفيذ.
قصي وهو يبادلها ابتسامة إعجاب:
يعني نقول مبروك على الفوز في العرض؟
تنشقت عنود الهواء داخلها ومن ثم أخرجت زفيرًا مهمومًا لتردف بنبرة هادئة:
يارب. أتفرج كدا وقولي رأيك؟
نالت التصاميم التي تفننت في ابتداعها إعجابه، فلم تستهلك سوى سويعات قليلة في تصميمهم.
وضع الأجندة على الطاولة وبنبرة ثابتة أردف:
أيه رأيك لو تدخلي الشغل الصعيدي في كام تصميم، بس طبعًا بلمستك إنتِ. هتطلع حاجة راقية وجديدة. ونوع جديد عليهم وكل ما هو مبهر. مرغوب!
شردت عنود قليلًا قبل أن تتابع بنبرة سادرة:
الفكرة حلو طبعًا. بس مش عارفة هقدر أنفذها ولا لأ. بس هحاول ما تقلقش. المهم إني محتاجة مجموعة من الشركة ويكون موثوق فيهم. علشان أهل القرية مش متمكنين إلا بالخياطة والتطريز. أما بخصوص القص والتقفيل فبحتاج ناس من الشركة. ممكن تطلب دا من المدير التنفيذي ويديهم العنوان في مهمة مستعجلة!
قصي وهو يومئ برأسه متفهمًا:
أنا بنفسي هقوم بالمهمة دي، لأني محتاج أشوف الأمور جوا الشركة ماشية إزاي.
عنود بثبات وهي تلتقط كوب الحليب لترتشف منه رشفة صغيرة:
تمام جدًا.
سار قصي صوب الباب وما أن هم بالترجل حتى هتفت هي بهدوء:
أه صحيح. قصي!
التفت لها بتوجس، لتستأنف هي حديثها بثبات:
إنت عن قرب شخصية جميلة جدًا، محتاجة اللي يفهمها.
قصي بابتسامة خفيفة:
كفايا عليا، إنتِ تفهميني. أي حد تاني. ما يهمش.
باااابي؟
حاولت جاهدة أن تهرع في خطواتها إلى والدها ولكنها تعثرت أكثر من مرة، فلم تتخط مرحلة العدو بعد.
مشى والدها حثيثًا إليها حتى استقرت بين ذراعيه ليلثم جبينها مردفًا بحب:
الحلوة بتاعتي! وحشاني جدًا يا بيسان.
بيسان بسعادة وهي تميل برأسها على كتفه:
وإنت كمان يا بابي. مفتقداك كل دقيقة وثانية.
سالم وهو يربت على خصيلاتها الناعمة بحنان:
أنا عارف إني مقصر معاكم، وأخذت أجازة خلاص.
بيسان وهي تبتعد عنه قليلًا لترى وجهه:
كلنا عارفين. حساسية شغلك يا قلبي ومش هنلومك.
في تلك اللحظة ترجل يامن خارج الصالة ليحتضن خاله بحب:
واحشنا يا سُلم؟
سالم وهو يربت على ظهره بحنو:
إنت اللي واحشني يا أخو البنات. وانت معاهم بكون متطمن لأبعد حد. مش هنسى يوم ما قولت لي "أنا همشي نور يا خالي" ما حدش هياخد باله من بيسان غيري. طلعت قدها يا ابن منى.
خلاص يا منير اللي يريحك، بمجرد ما نخلص من موضوع أختي هتيجي البلد ومعاك الطاقم كامل علشان نكمل الحملة. أنا عارفه إني معطلاك. بس مش هقدر أعمل أي حاجة غير لما أختي تبقى في أحسن حالاتها. مع السلامة.
أنهت فداء اتصالها وهي تقف أمام باب القصر فقد تأخر الوقت ولم يأتيا حتى الآن.
التفتت بجسدها لتدلف داخل القصر ومن ثم انضمت إلى والدها الذي احتضنها هي وشقيقتها وبنبرة هادئة أردف:
أمال فين عنقودة؟
تبادل الجميع نظرات تساؤلية، فلم يعلم حتى الآن ما مرت به ابنته لتردف فداء بهدوء:
جوا يا بابا. يالا ندخل بقى.
أسرع جمال بمصافحة صديقه بحرارة وفرحة، ليجلس الجميع حيث حجرة الصالون وما هي إلا ثوان حتى جاءت عنود مهرولةً ليقابلها والدها بذراعيه المفتوحتين وهنا تابعت بفرحة:
بابي! إنت وحشتني أوي وأنا بجد محتاجة لك.
انهمرت قطرات الدموع من عينيها حتى بللت بذلته ليقبض على كتفيها برفق ومن ثم يبعدها قليلًا وينظر إلى عينيها بقلق:
عنود! بتعيطي ليه؟ في حاجة مخبياها عني؟
تنحنح قصي في عباراته قليلًا ليردف بنبرة متوترة:
الموضوع هيعدي، بس بنتك حساسة شوية يا عمي.
سالم وهو ينظر له بترقب:
وأيه هو الموضوع؟
في تلك اللحظة أسرع جمال صوب صديقه ليربت على كتفه مردفًا بهدوء:
اقعد بس يا سالم، وهنتكلم بهدوء.
بدأ قصي بسرد المشكلة التي واجهتهما بإختصار شديد.
تفهم سالم لدموع ابنته، فكل مجهود ينتزع طاقة ووقت صاحبه ثم يقابل بالسطو أو ضعف التقدير، ينهي الحماسة في خلجات صاحبه.
حاول قصي التخفيف من لمحات الحزن الساكنة في القصر.
ليهتف بثبات:
أيه رأيكم بكرا هدبح خروف بنفسي وهعمل لكم حفلة شويا. علشان نبعد العين عننا. ما شوفتوش قصي الدمنهوري وهو بيدبح. بيكون ولا أحسنها جزار.
حسنية وهي تقاطعهم بابتسامة حانية:
ديه بكاش أوعاكم تصدقوا إلا بعد التنفيذ، يالا بجا يا جماعة الوكل على السفرة بيناديكم.
انتقل الجميع إلى مائدة الطعام الكبيرة.
وهنا أردف جمال ما أنا لاحظ تغيب آسر:
أمال فين ضيفنا؟ ناديه يا حسنية من أوضته!
حسنية باستغراب:
آسر بيه برا القصر من صباحية ربنا.
فركت فداء كفيها بتوتر وقلق.
لم تتحمل غيابه أكثر من ذلك لتنهض في مكانها وبنبرة ثابتة أردفت:
بعد إذنكم. هخرج أعمل اتصال مهم.
جمال بحيرة:
تلاقيه بدأ في مشروعه والوقت خده. لما يوصل نعشيه. يالا يا جماعة بسم الله.
ذأبت "فداء" في سيرها حتى باب القصر.
أخذ صدرها يعلو ويهبط خوفًا عليه.
لقد تأخر الوقت كثيرًا ولم يأتِ بعد؟
نهشت مخاوفها لحم رأسها.
لتسير ذهابًا وإيابًا وقد استبدت بها الهواجس واعتصرت قلبها.
قررت في هذه اللحظة أن تعود إلى القناة بحثًا عنهما علها تجدهما مازالا في سباق السباحة وقد أخذهما الوقت دون أن يلاحظاه.
وهنا مرت من أمامها عربة يجرها حمار لتقف أمام باب القصر.
صدح صوت النساء يغنين هذه الأغنية التي تسمعها فقط عبر الأعمال السينيمائية بالتلفاز والتي هي من تراث أفراح الوجه القبلي:
ع الزراعية يارب أجابل حبيبي، يشيل عني الجولة ويخاف عليّا من الهوا الطاير يلغيني لولولولوي.
لم يكن هذا ما لفت انتباهها ولكنها سمعت صوت مصطفى يعلو بهذه الأغنية فوق صوت النساء.
استدارت على الأثر لتجدهما ينزلا من عربة تنقل السيدات في زيارة لبيت إحدى العرائس.
فغرت فاهها وهي تحدق بهما فتجد آسر قد أحاط الجذع السفلي منه بشال لإحدى السيدات وآخر ألقاه على جذعه العلوي فيما ارتدى مصطفى عباءة فلاحية لسيدة ما في طرفها كروشيه بشكل الزهرة وتقصر عن قامته.
سارت العربة في طريقها من جديد فيما وقف مصطفى أمامها وهو يدور بالعباءة مردفًا:
چلبية أحسن من اللي كانت عندي يا خطافة الهدوم!
آسر وهو يقترب منها بهدوء:
أنا مافيش جلبيات جات عليّا. فـ أخذت الطرح منهم. تحسيني راجع من الحج مش كدا.
مصطفى وهو يتجه صوب باب القصر:
يالا بينا يا صديق التعري، نجول لأبويا العمدة. كُنت فاكر إن مولد سيدي العريان بيكون في التلفزيون بس. تاريها الظروف بتعمل للعريان مولد.
وضعت فداء كفيها على فمها ما أن قبض على ياقة ثوبها.
ليهتف بها بلهجة صارمة أرعبتها:
بتمشيني في البلد من غير لبس يا بنت العامري.
فداء وهي تبتلع ريقها بصعوبة ثم تصرخ بفزع:
يا بــــاااااااا با.
يتبع.