كنت عارف إنك مش هتسبني أموت، عشان كده... قربت من أذنه قالت: -أنت اللي هتموت. استغرب، لكن اتسعت عينه بألم حين أدخلت سكينًا في ظهره كانت تخفيها. اتصدم من ما فعلته، نظر لها بشدة من ابتسامتها. مسكها بقوة من عنقها وظهرت مخالبه وحوافه بشكل مخيف: -عايزة تقتليني؟ -خطوة جريئة، مش كده؟ اسودت عينه وظهرت عروقه السوداء، الذي كاد أن يصرخ من فرط الهلع وهو يقبض على عنقها، لكن توقف لوهلة. نظر إليها، قالت بتألم:
-المرة دي مش هقدر تأذيني، أنت في رحمتي. -عملتي إيه؟ وقع أرضًا، وقعت معه وأخذت أنفاسها وهي تتحسس رقبتها وتنظر إليه بشدة، فلقد كان سيتحول عليها. اقتربت منه بحذر، لمسته، لكنه لم يتحرك. قلبت على وشه بخوف، لقيته عاد إلى شكله الطبيعي، وتلك الخطوط السوداء ذهبت، وأيضًا يداه، أنه بشر طبيعي مثلها وغائب. شادي جالس يعمل في الليل، شاف رسالة من رهف تخص الشغل. تذكر وهما معًا: "أدي نفسك وقت لنفسك زي شغلك، لازم تصفي ذهنك."
عاد من ذاكرته، ابتسم بينما يتذكرها: -حبيبتي. نظر إلى رنا وهي نائمة، قالت: -مش هتنامي كفاية بقى. قفل اللابتوب وطفى الضوء، قام وقف في الشرفة يلتقط بعض الهواء. فتح أشهب عينيه بقوة، لقي نفسه نايم على ظهره. نظر بطرف عينيه، لقى رهف قاعدة جنبه وبتلمس ضهره الذي كان عاري. مسك إيدها بقوة وسحبها ليصبح فوقها. طبق بيده على عنقها، قالت: -صحيت بسرعة أوي. -عملتي إيه؟ -أهدى، هفهمك بس ابعد عني. -عايزة تموتيني يا رهف؟
-أشهب، أنت بتخنقني. حاولت التملص من يده، قالت: -كنت عارفة إنك مش هيحصلك حاجة. نظر إليها، رفعت عينيها، قالت: -كان ممكن أسيبك، بس خليتك هنا معايا وكنت بحاول أساعدك. بص حوله، لقى نفسه في شقتها وعلى سريرها. امسكت إيده وهي بتبعده من على رقبتها: -أوعى، الوضع مش لطيف. لقد كان فوقها ومثبت إيدها بيد واحدة. سابها، اتعدلت: -طلعت بتتأثر زينا في هيئتك الإنسية؟ -كنتي حاطة إيه في السكين عشان أغيب كده؟
ابتسمت، مسكت قطعة القماشة، اقترب من ظهره، قالت: -عرفت منين إن السكينة كان فيها حاجة؟ -انطقي عشان مقتلكيش أنا. -اشمعنى الجن اللي كان هنا قدر يأثر فيك؟ السكينة زي ما دخلت زي ما خرجت. اتصدمت لما لقت الجرح اختفى تمامًا، قالت: -أنت... أنت اتشفيت؟ الاثر راح فين؟ حطت القماشة في الطبق، قالت: -وأنا اللي خوفت تتحسب عليا بني آدم.. ولا نزفت ولا حصلت حاجة… بس لما صحيت مفيش أثر للسكينة وجلدك رجع عادي. نظرت إليه، قالت:
-كويس إني كنت عاملة حسابي وخدرتك بدل ما كنت هتموتني. -قصدك إيه؟ -السكينة كان فيها مخدر يقعدك يوم كامل غايب. بصت في الوقت، قالت: -أنت مكملتش ساعة. شالت علبة الإسعافات وخرجت، لقته في وشها. خافت من عينيه، قال: -ليه عملتي كده؟ -عشان أثبتلك إني قوية. -معاكي حق، دي غلطتي إني أنسى معاكي، مكنش مخدر أثر عليا. -كفاية اللي عملته قبل كده عليا. قرب منها، رجعت لورا، قال: -عايزة تموتيني؟
-كنت عارفة إنك مش هيحصلك حاجة، كنت واثقة من ده، عشان كده خوفت على نفسي وحطيت مخدر يحوشك عني وأفهمك. -ولو كنت مت... اقتربت منه، قالت: -يبقى ربنا بيحبني أوي. مسك إيدها ولواها ورا ضهرها وقربها منه، قال: -اللعب مع النار يحرقك. -أنت لو كنت عايز تأذيني كنت أذيتني من زمان. نظر له، رفعت عينيها، قالت: -مهما عملت متقدرش توصل إنك تقتلني. ضحك بفحيح، قرب منها، قال: -يا بنت وجودي معاكي الموت بنفسه. سكتت من عينه المتوهجة، قالت:
-أشهب، أنت بتوجعني، سيب إيدي. -نفسها اللي كانت ماسكة سكينة، لو كسرتها هيحصل حاجة؟ ولا ده عقاب كافي؟ ارتاعبت منه، ضغط عليها، صرخت بوجع: -ااه، ارجوك لااا، خلاص أنا آسفة. تألمت بشدة وتحاول أبعاده، قال: -كنتي متشوقة للموت، دلوقتي خايفة دراع بس يتكسر؟ قرب منها، قال: -مع إن عضمك كله كان هيتكسر، الوجع ده مش حاجة قدام اللي كنتي هتحسي بيه لو سبتك. -كنت واثقة إنك مش هتسبني.
-كان باين وإنتي مرعوبة إني أخذلك وألحقك وتبقى موتة بحق.. إنتي جبانة، تقبلي حقيقتك. ودفعها بعيد عنه، قال بحذر: -اياكي تهزري معايا عشان ملعبش بتوقيت حياتك. بصت إليه، تحسست يدها، وأنه لم يفعل بها شيئًا. بصتله بحنق ودخلت إلى الحمام وهي بتغسل وشها. خرجت، لم تجده. ذهبت في المنزل وهي تبحث عنه، قالت: -مشي. رجعت إلى سريرها وهي بتنام، لقت اللي بيحضنها من ورا. اتسعت عينيها، قالت: -بتعمل إيه؟ -اياكي تبعدي. اتوترت، لفت وشافت،
قالت: -ما مشيتش ليه؟ -مش همشي من غير ما أعقبك، هنام معاكي. اتوترت، قالت: -بس... لفها وأصبحت مقابل وجهه، لمس بشرتها. اتصدمت من رؤية صدره العاري، انتفضت، قالت: -أنت لسا ملبستش؟ -اسكتي. سكتت بخوف ووشها، وتحاول غض بصرها قدر الإمكان. لقتيه بيلمسها، قالت: -متفكرش. -ليه؟ -أنت مريض يا أشهب، مجنون. -في حياتي ما شفتش إنسي مجنون قدك.. وده اللي بيعجبني فيكي.. مخوفتيش من اللي هيحصلك؟ -خوفت فعلاً، وانت هتكسر إيدي.
دفن وجهه في رقبتها، اتصدمت، وأبعدته، قالت: -بتعمل إيه؟ لااا. قالت بغضب شديد: -اسكتي. سكتت برعب من صوته. نظرت إليه وكان تريد أن تبكي، قالت: -مش كنت عايز تموتني؟ دلوقتي بتحب فيا؟ عرفت إنك مجنون ومش طبيعي.. بتتحول في ثانية. -لو بس تسمعي كلامي. قبل رقبتها، ارتشت وزقته، قالت: -مينفعش يا أشهب.. ابعد، قولتلك. داس على خصرها، قال بحده: -قلتلك متتكلميش. -اللي أنت بتعمله غلط، الوضع بقى زفت، ابعد. رفعت عينيه، خلفت منها، قال:
-كلمة كمان وهتشوفي الغلط اللي ممكن أعمله. حضنها، لكنه متخشب، رغما عنها تنظر إليه وتشعر بجسده القوي. -نامي، مش هعمل لك حاجة. أغمضت عينيها لعلها تهدأ وتخيلت قديمًا كأنه ليس موجود، لكن كيف بتلك الأذرع وذلك الجسد. في اليوم التالي، صحيت على رنين المنبه، قامت فزعة: -الساعة كام؟ بصت جنبها، ملقتش حد. راحت للتليفون، كانت هتقع من عجلتها. هناك من أمسكها، لقيته أشهب، اتصدمت: -أنت لسا هنا؟ أداها التليفون، قفلته، قالت:
-الشغل اتأخر. قامت وكانت هتدخل الحمام، بصتله، قالت: -اياك تدخل، والله هتشوف وش ما يعجبك. ابتسم، دخلت وقفت الباب بالمفتاح، خدت حمام وهي تسرع، خرجت وارتدت ملابسها، لقته وراها، اتصدمت، قالت: -أنت هنا من امتى؟ مردش عليها وقعد وهو ينظر إليها، قالت: -مالك النهاردة؟ -اياكي تعملي حركة غبية. أضايقت وقالت: -أنا مش غبية، ومتقلقش، مش هعمل حاجة.
كانت بتلف شعرها، شافت علامة على رقبتها، فتذكرت قبلته البارحة التي كانت عقابًا لها. شعرت بالضيق والحرج، وحطت مكياج وهي تخفيها. وقف قدامها، اتخضت وكانت هتقع، مسكها، صاحت به: -قلتلك بطل تخضني، قلبي مبقاش مستحمل. -المفروض تتعودي. -أنت مش ناوي تسيبني؟ -عايزاني أسيبك؟ -يبقى يوم المنى. -لسا كنتي بتترجيني أقعد معاكي، ولا عشان سحرك اتفك؟ تكتت، قرب منها، قال: -اياكي تفكري إنك ممكن تتذاكي على النار، ده يأذيكي.
-عارف إني كنت محتاجالك. -استغلتيني، بس أنا اللي كنت عايز أساعدك، والا مكنتش خلصتك من اللي فيه.. مليكيش سلطة عليا، أنا عملت كده عشان أنا عايز ده. -طب ليه.. ليه بتأذيني طالما بتكره تشوف حد يأذيني؟ -أنا أذيتك؟ حد تاني؟ لمس رقبتها، توترت، أبعدته بحده، قالت: -اياك تفكر كده تاني. ابتسم، تعجبت وأكملت ما تفعله، قالت: -تعرف إني عرفت معنى اسمك؟ -بحثتي عنه ليه؟ -فضول… "أشهب" يعني خالط البياض مع سواد الليل. لمست بشرته، قالت:
-بشرتك بيضااا وعينك سودا أوي… مع إن الجنية صحبتك دي مش شبهك.. هي جميلة أه بس مش بيضا ولا عينها شبه عينك. اقترب منها وأصبح أمام عينيها، قال: -عجبك؟ ابتعدت عنه، قالت بحرج وهي تعود إلى صوابها: -لااا. لمست عنقها، اتكسفت، بس لقيته بيمسك قلادة، قال: -مش ناوية تقلعيها؟ -بحبها، أنت عارف السلسلة دي اسمها مفتاح الحياة.. عجباك؟ -أي حاجة بتلبسيها بتعجبني.
قلعتها، قربت منه ولبستهاله، استغرب. شبت عشان توصله، فحالها وخلاها تقف على رجله. اتكسفت، لبستهاله، وقالت: -مش هتسألني اديتهالك ليه؟ -مستنيكي تقولي. -عشان أميزك بيها، لو الجنية دي عملت نفسها إنتي تاني.. أو أي جن تبعكو.. هعرفك من دي. -عندك يقين تقابليهم تاني؟ -بحط احتمالات، بقيت حاسة إنكم معايا، شيء مفهوش جدال، أجي أعيش معاكم أحسن. -معنديش مانع. -ابقى خدني جثة. ابتعدت عنه، لمست قلادتها، وكانت رائحتها بها. قالت رهف:
-وعلى فكرة بهكنة دي جنيه.. قليلة الأدب. -كلامك عليها هيجيبها. بصت حواليها بخوف، نظرت إلى أشهب، قالت: -ماشفتش بتظهر إزاي، وكانت... تذكرت تقربها من رامي ورغبتها به وهي عارية وتلتصق بجسده. نظرت إليه، قالت: -هو فعلاً توفيق عايزها؟ -حاول يتواصل معاها. اندهشت، قالت: -بجد؟ باين عليه إنه عاقل، شكله مش كده خالص. -البني آدم قدام شهوته زي الكلب اللي بيجري ورا عظمه.. أنتم ضعاف جدًا. طالعته بضيق، قالت:
-وإنتوا بتقفوا قدام بعض من غير لبس؟ -أنا لابس عشانك، ممكن أظهر زيها عشان هي مكنتش تعرف. اتسعت عينيها وصرخت به: -بسسس! بتقول إيه؟ خليك كده. لفت سريعًا وخد حقيبتها، قالت: -ده أحسن وقت إني أمشي. ذهبت، لقيته أصبح عند الباب، قالت: -في إيه؟ -خايفة. -أشهب، اتأخرت. قربت منه، قالت: -إيه؟ -قربي. خافت واقتربت منه قليلاً، لكنه أمسكها وكان على وشك تقبيلها. امتعض وجهها، لكنه لن يفعل. رفع عينيه وهمس بين شفتيها:
-متعمليش حاجة غبية وخليكي في حالك. استغربت من تكرار جملته عليها. أبعدته عنه قبل أن يغير رأيه وقبلها رغما عنها. -ماشي. ذهبت وتركته، اتعدلت ملابسها وهي تأخذ أنفاسها الذي يسلبها منها. كانت رهف جالسة في مطعم برفقة شادي وثلاث أشخاص أجنبيين وهم يقرأون العقد. -ليس هذا ما اتفقنا عليه. قال شادي: -العقد معجبنيش وعدلته، وليكم الحرية تقبلوه. ترجمت رهف كلامه، ووضعت العقد، قال: -لكن سيد شادي، نحن متفقين. قالت رهف:
-الأمر أننا نعلم طبيعة شغلنا، وتلك الصفقة أنتم الرابحون بها، سوق العمل لا يقبل بذلك. -من أنتِ لتفرضي رأيك؟ -أنا أتحدث نيابة عن مديري. نظر شادي إليها من غضبهم، فماذا قالت لهم: -نحن لسنا موافقين. أخذت العقد، قالت: -شكراً على ضياع وقتنا، كان هنالك صفقات أكثر أولى من هذه. نظرت إلى رامي، قالت: -خلينا نمشي. -هو فيه إيه؟ -يلا بس. قام وقف الرجال، قال: -مستر شادي، نحن عملاؤك. قالت رهف:
-هنالك من يتمنى العمل معنا، يكفي اسمنا الذي يجتمع، لا نريد ضياع وقت أكثر من هذا. كانوا هيمشوا، أوقفوهم، قالت: -ماذا؟ -موافقون. ابتسمت، بصت إلى شادي، قالت: -بيقولوا لحضرتك نمضي دلوقتي. خرجوا من المطعم، وكان شادي ينظر إليها. طالعته، توترت، قالت: -فيه حاجة؟ -بفكر أنقلك من مترجمة لمساعدتي، الصفقة دي كانت مهمة أوي وقلق تروح مني لما لقيتهم مضايقين، بس خليتهم يوافقوا.
-أيوه، هما كانوا بيحلموا، لازم يعرفوا إننا مش محتاجين لهم أصلًا. ابتسم وذهب. وقفت رهف لما شافت ياسمين وكان معها زملاؤها في العمل قديمًا. أول ما شافوها: -رهههف. ابتسمت وذهبت إليهم وهي تسلم عليهم. -فرحانين إننا شوفناكي تاني. -كده تسيب الشغل وتمشي؟ قالت رهف: -معلش ظروف. قالت ياسمين: -إزيك يا رهف؟ نظرت لها، قالت: -الحمد لله. -إيه ده؟ مش ده نفسه اللي شوفناه يوم المول؟ نظرت إليهم بحدة، قالت: -ده مديري، اسكتوا.
صمتوا، حين قالت وهم ينظرون إلى شادي. قالت ياسمين: -كويس إني شوفتك عشان أعزمك. -تعزميني على إيه؟ -خسارة، فكرت رامي قالك. قالت إحداهن: -متعرفيش ياسمين ومستر رامي هيتخطبوا؟ نظرت لها من مقالته، أحسن، بسهم يصب في قلبها من حقيقة الأمر المؤلمة. ابتسمت وقالت: -مبروك. نظروا إليها، ذهبت، تبعها شادي وهو يأخذ سيارته ويغادر وهو ينظر إليها. كانت عادية وكأن الأمر لا يهمها، بينما يعلم أن ذلك قوة ما وراء ضعف.
في المساء، كان مغادر من عمله، قابله أحد الأمن: -نقفل يا شادي بيه؟ -أيوه، مستنيين إيه؟ -أصل الأستاذة رهف لسا في مكتبها. -مروحتش؟ خلاص، أمشي. ذهب شادي وعاد إلى مكتبها، لقاها قاعدة بتشتغل. بتلقائية دخل، قال: -رهف، مش هتمشي؟ -عندي شغل أقدر أخلصه النهارده لو معندكش مانع. نظر إليها، ابتسمت، قالت بهدوء: -متخافش، مش هطلب زيادة في الأجر على الوقت. -مش عايزة تروحي؟ -حابة أكمل شغلي هنا.
لحد وقوفه، ولم يغادر. نظرت له، لقيته يناظرها، قال: -بتحبيه؟ صمتت، لكن عينيها خانتها وسالت دمعة منهما، حاولت إخفاءهما. -الحب ده كله وسبتوا بعض إزاي؟ -أذى.. أذى أثر على قلبي وخلاني تعيسة العمر كله. أداها منديل، أخذته منه ودموعها سالت بحزن، قالت: -شكراً. حزن عليها، جلس بجانبها، قال: -رهف. -هيتخطبوا.. أنا اللي قولته.. مش عارفة مضايقة ليه دلوقتي وأنا عارفة إن ده كده كده هيحصل. -رهف.
-مش مصدقة إن بعد الحب ده كله هو نصيب واحدة تانية غيري. -رهف. -كان نفسي في معجزة ترجعنا، زمن المعجزات انتهى من زمان. مسك إيدها بحنان وهي تبكي، قال: -رهف، مش عارف الحكاية، بس هقولك على حاجة. نظرت له، قال: -محدش عارف نصيبه فين، بس ثقي إن ربنا هيجبر بخاطرك. خفضت رأسها ودموعها تسيل. نظر إليها، قرب إيده منها بتردد، مسح دمعتها، نظرت له، قال: -خلاص، كفاية. اتكسفت، أبعدت وجهها، أومأت إليه، قالت: -أنا آسفة، شيلتك الهم.
-شوفتك كده، بتضايقني، عارف إنك قوية، معدتش أشوفك ضعيفة. سكتت، فعن أي قوة هذا.. أنها ضعيفة منذ زمن. -يلا عشان أوصلك. -مفيش داعي. أشار لها وذهب. قامت وذهبت معه، وصلها إلى العمارة، كانت صامتة طوال الطريق. قالت أخيرًا: -شكراً. -العفو، تصبحي على خير. -وانت من أهله.
قالتها بابتسامة ونزلت وهي تودعه ودخلت عمارتها تحت أنظار شادي. لا يعلم لماذا رؤيتها هكذا تضايقه.. أن رهف تحتل مكانة غير الآخرين.. أنه معجب بشخصيتها ويهتم لأمرها. حقًا، تليفونه لقاها رنا، فاختفى كل شيء أمام تذكرها وامتلئت عيناه عشقًا وذهب.
كانت رهف سهرانه في الليل قاعدة لوحدها تناجي وحدتها كالمجنونة. نظرت إلى الهاتف وإلى رقم رامي الذي تكالعه وتنظر إلى صورتهم سويًا وهم جالسين على الشاطئ وهو يعانقها من الخلف. دمعت عينيها واستنشقت هواء كي لا تبكي مجددًا. لقت اللي بيحوطها من الخلف، عرفت إنه هوا. مسح وجهها وهو يلامس بشرتها، قال: -حذرتك تبكي قبل كده. لم ترد عليه. مسكت إيده بشدة، قالت: -قلتلك قبل كده إني بكرهك. سكت وعينه تظلم، قال: -أه.
-هقولك، خليك النهارده معايا. نظر لها، خفضت رأسها، فهي تطلب وجود قاتلها. مالت بظهرها على صدره، ضمها إليه بقوة وهي تشعر بضخامته، لكن صامتة. صحيت في اليوم التاني، لقت نفسها لا تزال جالسة وقد غفت داخل صدره. شافت، صاحي وينظر إليها، قال: -الساعة كام؟ -متأخرتيش. قامت وسابته. وقفها، قال: -رهف. -نعم؟ -غيرتي شغلك ليه؟ سكتت من ذكر الأمر، فهي تحزن. رفعت وجهها، قالت: -عايز تعرف ليه؟ بسبب رامي. -كنتي بتضايقي وإنتي شايفاه معاها؟
-عارف كل حاجة. -أمال هتعملي إيه لما يتجوز؟ نظرت له بضيق، قالت: -جاي تعرفني بمعاناتي من وراك؟ -كلامك مش هيقدم. -معاك حق، أنت فرحان وإنت شايفنا بعاد وخلاص. -كويس إنك فاهمة، حاولت أحذرك من الأول وقلتلك مش هيبقى ليكي.. بس إنتي غبية. -إنت قلبك ده قاااسي.. معندكش فكرة أنا بحس بإيه. -إنتي عندك فكرة عن اللي حسيت بيه؟ -إنت معندكش إحساس أصلًا. ابتسم، تقدم منها، بص في عينها، قال: -مكنتش حبيتك. -حب جهنم، عايز مني إيه.. كفاااية.
نظر لها، اقتربت منه بحنق، قالت: -بتمنى تختفي من الوجود. بردت ملامحه وتقدم منها، قال: -متبقيش تحتاجيلي تاني. -مستحيل. اختفى من أمامها. نظرت له، فهل ذهب فعلاً؟ نظرت حولها، لقد غادر. لم تهتم ومشيت. كانت رهف في الشركة، قابلت شادي في المصعد. لم ينظر إليها، قال: -متتأخريش عن الميتنج. قال ذلك وذهب. كانت تشعر بالحرج أن يكون ينظر لها بشفقة، لكنه تعامل معها برسمية وكأن شيئًا لم يكن.
كانت رنا قاعدة مع أمها التي بتترعش. هاتفا بقوة، قالت: -فيه إيه يا ماما؟ مالك؟ -عفريت.. عفريت. -أنا مش فاهمة حاجة من اللي بتقوليها من الصبح، عرفتي إيه؟ -البيت ولع. -إيه؟!! نظرت سمية إليها، قالت: -أنتِ السبب، إنتي. -أنا إيه؟ -قلت لك بلاش رهف، هيموتونا كلنا. -مين ده بقى؟ ملاكها الحارس؟ -اهه، ده إبليس. نا كنت هشوف إبليس. -مش فاهمة، اتكلمي بقى. -رهف، السحر بتاعها اتفك. -نعععم؟ -اتفك لوحده باين، هي عرفت تفكه.
-وهما لقوه منين بقى؟ ظهر لو كان مخبيه في بيتها كانت خدت وقت عقبال ما لقته. -ده اللي حصل، حتى مبروك. اتصدم، هو قالي بنفسه إنه خلى جن أحمر يخبيه. -مبروك ده إيه كلام؟ وأنا كنت عارفة. -مهو اللي مشيلك أمورك من زمان، بس رهف مقدرش عليها.. قلتلك إحنا مش قد أذيتها. -هيحصل إيه يعني؟ -ظنا بس قولتله يجدد سحرها، القيامة قامت، وظهر، اللهم احفظنا. -هو إيه؟ خفضت صوتها بخوف ورعب:
-ج..جن. أنا طلعت أجري وأنا بصرخ والناس هددتني.. حتى شوفت بيت مبروك يطلع وهو بيصرخ ويطلب كنه يرحمه. -حلو الفيلم ده. -مش مصدقاني وأنا بترعش من الخوف. -إنه ليا. معدية من بيت مبروك، لقيته زي ما هو. -اتصدمت؟ -اه والله، وابقى روحي اطمني عليه بالمرة. -هو سلم من إيده؟ بقلك البيت ولع. -ماما، بسببكو رهف بتلف على شادي، اتصرف وابعديها حالا بدل ما أرتكب جريمة. -إنتي عايزاني أروحله تاني؟ -اه، ويا ريت متتأخريش.
ذهبت وهي لا تهتم بأمها التي كانت تنظر إليها من جبروتها وهالة الشر التي تملأها، وهي التي تخاف من الأشباح، كيف تغيرت كل هذا وهي التي تسلطهم على العالم. انتهت رهف من شغلها، كانت رايحة، عدت تشتري بعض الطعام من محل. -استاذه. بصت لصوت واتفاجأت لما لقيته ذلك الولد المتشرد الذي عطفت عليه، قالت: -ي..يونس؟!! -يونس. -إزيك يا يونس؟ إنت إيه اللبس ده؟ -بشتغل. اتفاجأت، قالت: -بجد؟
-الفلوس اللي حضرتك ادتهالي قدت أجر أوضة ودورت على شغل وأديني بسترزق. -بتشتغل فين؟ -مساعد لمصلح كهربائي، بناوله الحاجات وبيراضيني آخر اليوم. بصت إلى ملابسه، قالت: -ده لبس الشغل؟ -اه، عندنا شغل هنا في المطعم، ممكن أعرف اسم حضرتك؟ -رهف. -شكراً أوي، وإن شاء الله هجمع المبلغ وأرده لحضرتك. ابتسمت، ربتت على كتفه، قالت: -هستناك، المهم تشتغل كويس وتعرف تجمعه. ابتسم، قال: -حاضر. قال رجل: -يوونـس. قال سريعا: -حاضر.. لازم أمشي.
ذهب ورأت رهف وهو يذهب برفقة رجل ويحمل عنه حقيبة كبيرة، برغم أنه صغير، لكن يبدو أنه يمتلك بنية قوية. كانت رهف في البيت ولم يظهر أشهب طوال اليوم، حتى لم يعد في المنزل. كانت بمفردها. معقول استمع لها؟ هل كان الأمر بتلك البساطة؟ أم أنه يعاقب مجددًا من ورائها؟ أوقات تشعر بالحزن عليه لمساعدته الكثير لها، لمن كلما تتذكر أفعاله وعدواته معها… أنه السبب في إبعاد حب عمرها عنه.. حبيبها سوف يتزوج، يا للسخرية.
قامت وهي بتشرب بعض الماء، تنهدت وراحت تنام. بعد مرور يومان، كانت رهف راحة لمكتب شادي، قابلت رنا الذي نظرت إليها، قالت: -إزيك يا رهف؟ شعرت بنيران لما شافتها، إنها التي قامت لها سحرًا. كانت دومًا تسخر منها وتعلم أنها تصرخ ليلاً من فرط جنونها ورعبها. جمعت قبضتها بكره شديد، قالت: -رنااا، كفاية تمثيل وقرف. -نعم؟ إنتي بتقولي عليا أنا كده؟ -إه، إنتِ. قربت منها بضيق، قالت:
-عارفة حقيقتك الـ.ـوسخة.. إنتي اللي كنتي ساحراني إنتي وأمك. اتصدمت من معرفتها أنها هي من فعلت ذلك. -عارفة كل حاجة عنك وإني من وأنا طفلة عايزين تأذوني… إنتي حقيرة وزبالة. ابتسمت ابتسامة تملؤها الشر، قالت: -بس الأذى لسا جاي. -إزاي عملتي كده؟ من زمان وإنتي تبع سخر، وأكيد سحرا شادي هو كمان. -إيه؟ خايفة على حبيب القلب؟
-يبقى كلامي صح، هو عامل كأنه مبرمج فعلاً… بيحبك وخلاص وميعرفش ليه.. كنت مستغربة إزاي واحد زي ومن عيلة كويسة ياخدك إنتي يا بتعة الدجل يا بت سمية. مسكتها رنا بقوة وقالت بغضب شديد: -شاظي بيحبني، قبل ما تشوفي، أصلي روحي شوفي نفسك.. مكملتش شهرين واتطلقتي وقريتنا مش سايبة سيرتك في حالها. -آخرسي، أنا أشرف منك ومن أي أحد يتكلم عليا. -عشان كدت رامي هرب منك. سكتت وشعر بالحزن. قالت رنا:
-اياكي تقربي من شادي، بيموت فيا ومستحيل يفكر فيكي.. بـ.ـار.ـد.ـتـ.ـه. -كدابة. -أنا شايلة ابنه، أكيد مش هيسبني ويفكر فيكي. -ظلمتي ابنك وجوزك اللي مخدوع فيكي. -لو فكرتي تتكلمي، صدقيني. قربت منها وقالت بفحيح: -هخربها على الكل، ومحدش هيسلم مني. نظرت إليها من نبرتها وهي تهددها بشر، وكأنها تقصد كل كلمة تقوله. سابتها ومشيت، ورهف تنظر إليها بكره. -رهف. بصت للصوت، لقيته شادي، قال: -اتأخرتي ليه؟ -آسف.
دخلت معاه وهي تعطيه الملف، وهو يحدثها عن أمور الشغل. -اتأكدي منهم على الإيميل، هيكون آخر معاد ليهم إمتى؟ -حاضر. أداها ملفها، بص لها من وقوفها، قال: -عايزة تقولي حاجة؟ مانت تنظر إليه وتتذكر رنا جيدًا. -شادي، لو قولتلك حاجة هتصدقني؟ قعدت وهي تنظر إليه بجدية، قال: -مالك؟ -لازم تعرف الحقيقة، قول الأول هتصدقني أو لا. -أنا مبكدبكيش في حاجة يا رهف، واثق في أي كلمة بتقوليها. فرحت، نظر إليها، قال: -في إيه؟ -رنا.
-مراتى، مالها؟ هي ضايقتك وهي ماشية؟ -أنا هتكلم عليك إنت. -فيه إيه؟ قولي. -رنا مش زي ما إنت فاكر، إنت مبتحبهاش أصلًا. نظر لها باستغراب شديد، قالت بجدية: -خلص نفسك من القاع اللي إنت فيه. -قاع!!!! -رنا عملالك عمل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!