مد يده بكفه الكبير الخشن ولمس بشرتي، وهممت من الخوف. "انت.. انت عفريت؟! ابتسم ابتسامة جانبية مخيفة، وقرب وقال: "أنا جن." "اتصدمت." قرب أكتر وحسيت بنفسه الحار شديد السخونة، وقال بصوت مخيف: "أنا من الجن." اتصدمت أكبر صدمة في حياتي لمجرد ما سمعت إلى قاله. ارتجف جسمي وأنا عايزه ربنا ياخد روحي من الرعب اللي أنا فيه. أنا قاعدة مع جن.. بكلم جن. حسيت بيه بيحط إيده على رأسي، حسيت وكأنها تقلت فجأة وغيبت عن الدنيا. ***
صحيت اليوم التاني. فتحت عيني، بصيت للأوضة افتكرت اللي حصل. اتنفضت من الفزع وبصيت حواليا، كنت لوحدي محدش معايا. بصيت في الساعة كانت ٣ العصر. وقفت وقلت: "ا.. انت هنا؟ كان صوتي بيرتجف وأنا بقولها، بس ملقتش رد. اطمنت برغم رعبى، عرفت إني كنت فعلاً بحلم وروحت في النوم من العياط. شغلت سورة البقرة وروحت اتوضيت وصليت فروضي وأنا بدعي لبابا. خرجت لقيت إخواني صاحيين وكانوا نازلين. "رايحين فين؟ "هنقف تحت عشان العزاء."
قال وليد: "ابقى شوفي ماما لأنها لسه نايمة." "محدش صحاها." قال تامر: "منمتش من امبارح، سبيها تنام." "حاضر." مشوا وسبوني. دخلت عند ماما، شفتها نايمة بمنتهى العمق. قربت منه بقلق، حطيت صباعي على نفسها لقيتها بتتنفس. بقيت عندي خوف لما أشوف حد نايم. افتكرت بابا وهو بيردش علينا، خوفت تكون هي كمان راحت مني.
ممكن نايمة بارتياح زي دلوقتى عشان نامت مكانه لوهلة. بحس إن لسه دفئه في البيت، ريحته، صوته وهو بينده عليا ويهزر معانا. كل حاجة موجودة في قلبي. دمعت عيني. اتنهدت. سمعت صوت على الباب، روحت أفتح وكانت امرأة ترتدي الأسود. "خالتو." ابتسمت وهي بتبصلي، وقالت: "رهف." أومأت لها إيجاباً. قربت من وحضنتني، وقالت: "إزيك يا حبيبتي؟ كبرتي، معرفتكيش." بعدت عني وقالت بحزن: "البقية في حياتك." "حياتك البقية.. اتفضلي، هندهلك ماما."
قعدت ودخلت. قلت لماما واتجاهلت كلام تامر بأني مصحيهاش. ربت عليها براحة، وقلت: "ماما." بدأت تصحى، بصتلي. قلت لها: "خالتو سمية هنا، قادرة تقابليها؟ "سمية؟ أومأت لها. اتعدلت براحة، وكأن باين العياط من عينها. هل هذه أمي المرحة؟ هذه التي كانت تضايقني طول الوقت بتذمرها. خرجت وشوفتها، حضنوا بعض جامد. ربتت عليها سمية وقالت: "قلبي معاكي يا أختي." دمعت عيني أمي، بس مسكت نفسها. قالت: "جيتي امتى؟
"لسه جايه، معلش إني مكنتش معاكي امبارح. لسه عارف بالخبر وجيت على طول. إزاي متتصليش بيا ولا حد منكم يعرفني؟ مردتش أمي. بصتلهم، وقلت: "هعملكم قهوة." مشيت وسبتهم عشان يعرفوا يتكلموا. سمعت صوت أمي بتتكلم، ارتحت لأني مبحبش سكوتها. خرجت وحطيتلهم القهوة، وأديت ماما الفنجان بس هي قالتلي إنها مش عايزة، فحطيته تاني. "كبرتي وبقيتي عروسة قمر، بسم الله ما شاء الله." بصيت لماما، لقيتها بتبتسم وهي بتبصلي.
قالت خالتو: "دي عرسها عندي." "إلى فيه خير ربنا يقدمه." اتكسفت من كلامهم، وماما حسيتها بتتجاوب معاها لأنها بردو شغلها جوار جوازي. "عن إذنكم." دخلت أوضتي. بصيت على ماما وابتسامتها وهي بتتكلم، لأنها بقالها سنين ما شفتش أختها، لأنها في محافظة واحنا في محافظة بعيدة عنهم. في وجود أقرب شخص ليها هتعرف تخرج من حالتها شوية. وده اللي حصل لما قعدت معاها. *** في الليل بعد ما انتهى العزاء، سمعنا الباب. عرفت إنهم إخواني.
"هقوم أفتح، خليكوا." ورحت وفتحت الباب، لقيت شاب يافع وسيم. "مش ده بيت عبد العزيز محمود؟ "أيوة." "والدتي هنا." استغربت وبصتله بشدة، هل قال والدته؟ قلت: "انت؟ "انتِ رهف؟ استغرب جداً إنه يعرفني. سمعت صوت ماما من ورايا قالت: "مين يا رهف؟ حدث وهو يقول: "ده أنا يا خالتي." قامت سمية سريعاً وشافته، ابتسمت وقربت منه. وأنا بعدت. "واقف ليه، ادخل." بصلي وهو بيدخل معاها، وأنا لسه مش فاهمة مين ده. سلم على ماما.
ابتسمت وقالت: "بقيت راجل، مش زي المراهق اللي كملنا نعرفه." ابتسم بهدوء، ابتسامته كانت جميلة. قالت سمية: "يعني عايزة العيال يفضلوا صغيرين؟ أكيد هيكبروا، ولا إيه؟ ابتسموا الاثنان. بصتلي ماما وقالت: "واقفة كده ليه؟ تعالي سلمي على ابن خالتك." بصتلها بشدة. قالت سمية: "اعذريها، شكلها نسيتنا خالص. ده رامي، ابني يا رهف." رامي، ذلك الولد اللي كنت بلعب معاه في صغري. هو الآن ذلك الرجل بطوله وجسده. كم مرت السنين ليصبح هكذا.
"عاملة إيه؟ كان بيكلمني. بصيت لـ إني أشارت لي أن أرد ولا أحرجها. قلت: "الحمد لله. وانت؟ "الحمد لله." قالت ماما: "كنت فين كل ده؟ "وقفت تحت مع وليد وتامر. مش يلا يا أمي." قالت سمية: "يلا." وقفوا عشان يمشوا. قالت ماما: "يلا على فين؟ باتوا الليلة دي معانا بدل السفر في الوقت ده." "مفيش داعي، العربية تحت ورامي معايا، مش هينفع يرجع لوحده وأعقد هنا." "ومين قالك إنه هيرجع؟ هيبات هنا بيت خالته يعني بيته. انتِ بتتكسفي مننا؟
قالت سمية: "هاجيلك يوم تاني أقضيه معاكي، مش مشكلة." سمعنا صوت، وكان وليد وتامر طلعوا بعد ما لموا الحاجات. نظروا إليهم، قال تامر: "واقفين كده ليه؟ "خالتك عايزة تمشي." قال وليد: "الساعة ٢، اعقدوا وامشوا الصبح. مش هيحصل حاجة." "اعقدي بقى ومتعانديش. البيت كبير وعايزة أقعد معاكي."
وبعد جدال وافقت خالتو، رغم إني كنت حاسة إن علامات الاعتراض على وجه رامي. بس تامر أقنعه وخده معاه في أوضته، بما إنها كبيرة، فينام معاه. بصلي وليد وأشار على غرفتي. أومأت له ودخلت. فعلاً أحذر بوجود رجل في البيت. ***
في الفجر، كنت لسه صاحية قاعدة بكتب البحث اللي بحضره عن دراستي. روحت أشرب مياه وأنا بفتح التلاجة، سمعت صوت ورايا. لفيت وبصيت، ملقتش حد. مشيت، فسمعت ذات الخطوات معايا. وقف، ثم مشيت مرة، وكانت خطوات مع خطواتي. قلبي دق جامد من الخوف. ها عادت تلك الهلاوس. خدت مياه وشربت. سمعت صوت حمحمة رجولية، اتفزعت، وقعت المياه من إيدي وشرقت. وكانت المفاجأة حين وجدت رامي قرب مني وقال: "أنا آسف."
خد المياه من إيدي، وأنا كنت بكح بس هديت. بصتله، قلت: "انت؟ "لقيت حد صاحي، كنت عايز أسألك عن الحمام. فطلعتي انتي.. خضيتك." "من امتى وانت هنا؟ "لسه خارج." سكت. فهل كان الصوت منه؟ لكن كان صوت تتبع. "صوت القرآن اللي انتِ مشغلاه جميل." "هو اللي صحاك.. أوطيه؟ "لا، أنا مش عارف أنام، فكنت بسمعه عادي." أومأت له بتفهم. رجعت الإزازة، قلت: "مش عارف تنام مع تامر؟ "عشان مش متعود أنام على سريري. بس انتِ إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتي؟
"بحضر بحث عن دراستي." "شهادتك إيه؟ "ألسنا." "مأ بتفهم؟ "اللغة؟ "ألماني." "اختيار موفق. ربنا معاكي." "شكرًا." بصتله قليلاً من وقفته، قلت: "اتغيرت." بصلي من ما قلته. قال: "من حيث إيه؟ "الشكل عموماً أو كلك." ابتسم وقال: "انتِ كمان اتغيرتي." "قصدك إني معدتش العيلة الصغيرة؟ "لا، طولتي." ابتسمت وقلت: "كنت قصيرة لدرجة." سكتنا قليلاً. استأذنت وقلت: "همشي." "عايز حاجة؟ "رهف." أوقفني وهو يقول ذلك. نظرت له، قال: "الحمام؟
شعرت بالحرج، فكيف نسيت؟ لقد خرج خصيصاً ليسألني عنه. أشرت له على الطريق، وقلت: "الحمام في آخر الطريق." أومأ لي وذهب. وعدت إلى غرفتي، لكن شعرت بهالة غريبة أول ما حطيت رجلي في الأوضة، كأني جسمي متكلبش.
مشيت ببطء مع تثاقل جسدي. قعدت على السرير، خدت أنفاسي. مددت عشان أنام وأنا حاسة إنه هو. افتكرت حديثنا البارحة، حين لوعله تأكدت أني لا أخرف، حين أكد لي أنه يكون معي دائماً. كان حقيقة، كان شخصاً برفقني ولم يكن هلوسة كما قال. لكن لما صحيت عرفت إني لسه في محض خرافات. بس معقول كنت ده كله بكلم نفسي. "ده أفضل إني أتكلم مع عفريت." "مش قولتلك إني مش عفريت." اتصدمت من الصوت اللي جه من ورايا. لفيت علطول، مكنش في حد.
قلت: "م.. مين؟ "مبقناش ساعات بنتكلم." خوفت وارتجفت. حسيت بحد بينام جنبه، بس جيت ألف معرفتش. لقيته بيحاوطني جامد وحسيت بدراعه بيقبض عليا وقوي لدرجة إنه يبدو كأغلال من الحديد تقيدني، وتبحث حرارة لجسدي. حاولت أتحرك معرفتش. لقيته بيبعد، بيمشي إيده على رقبتي، وحسيت بضوافر حادة كأنه يجرحني، لكنى لا أشعر. اترعبت وقلت: "بتعمل إيه؟ حسيت بحاجة بتسحب صوتي، وكأنه أصبح فوقي وبيحضني أكتر ويلتمس رقبتي، وكأنه يسلب روحي.
قرب مني وقال بفحيح مرعب: "إيه اللي وقفك معاه؟ "شكراً ع كلامكم الحلو بيخليني أكمل، لو تفاعل هنزل الجديد علطول ❤️❤️❤️❤️❤️❤️" "ده أفضل إني أتكلم مع عفريت." جه صوت من ورا وهو بيقول: "مش قولتلك إني مش عفريت." اتصدمت، لفيت علطول، مكنش في حد. قلت: "م.. مين؟ "مبقناش ساعات بنتكلم." لقيته بيحاوطني جامد، وحسيت بدراعه بيقبض عليا وقوي لدرجة إنه يبدو كأغلال من الحديد تقيدني، وتبحث حرارة لجسدي.
حاولت أتحرك معرفتش. لقيتو بيبعد، بيمشي إيده على رقبتي، وحسيت بضوافر حادة كأنه يجرحني، لكنى لا أشعر. اترعبت وقلت: "بتعمل إيه؟ حسيت بحاجة بتسحب صوتي، وكأنه أصبح فوقي وبيحضني أكتر ويلتمس رقبتي، وكأنه يسلب روحي. قرب مني وقال بفحيح مرعب: "إيه اللي وقفك معاه؟ "قصدك مين؟ "إلى سمحتلهم يعقدوا هنا." اتأفجأ جداً، هل يقصد خالتي ورامي؟ قلت: "ا.. أنا بإيدي إيه؟
كنت خايفة ومرعوبة وحاسة إني هتخنق. لقيته بيخفف عليا، فخدت نفسي. لمس وشي، ارتجفت عيني وأنا ببص للهوا، وكأني شيفاه وبتخيله. "متعيطيش." قال ذلك بهدوء. افتكرت صوته امبارح، كان بذات النبرة، ليس كمنذ قليل. "متقفيش معاه تاني." ".. لي؟ "اسمعي الكلام." سكتت ومردتش. حسيت بيه بيبعد عني شوية شوية، ومبقاش محاوط جسمي. كانت عيني مدمعة وحمرا من الخوف. بلعت ريقي وقلت: "ا.. انت جن؟ "قولتلك امبارح، مينفعش أعيد تعريفي ليكي."
حسيت أن قلبي هيقف. معقول جن معايا في الأوضة وبتكلم معاه؟ بتكلم مع حد من العالم السفلي. قلت: "عايز مني إيه؟ "عايزك." خوفت جداً، قرب مني وقال: "أهدى، أنا مش ممكن أذيكي." قال هذا الجملة وجسيت أن بيه بيبعد وبيتحرر، حتى أنه لم يعد نائم بجانبي. اتعدلت وبصت حواليا في الأوضة وأنا خايفة جداً. قمت أروح أنام عند ماما، بس افتكرت خالتو إنها معاها. لما تشوفني جيالها هتقول إيه، وماما هتتضايق. محكوم عليا أعيش في الرعب ده.
رفعت البطانية عليا، رغم أن الجو كان حر، بس جسمي بارد كتلج. غطتني جامد وأنا خايفة ومرتعشة، وبسم الله. *** طلع الصبح، وما كنتش نمت. كنت تعبانة من قلة النوم. كانت خالتو صاحية هي وماما وكانوا بيتكلموا. لما خرجت لقتهم سكتوا فجأة. استغربت، قلت: "صباح الخير." "صباح النور يا حبيبتي." "حضري الفطار يا رهف عشان خالتك هتمشي." قالت سمية: "متتعبيش البت، احنا ماشيين." "مش هتمشوا غير ما تفطروا معانا."
قمت وأنا بقول: "ولا تعب ولا حاجة يا خالتي. أمال فين تامر؟ "نزلوا يصلوا الجمعة سوا، ورامي معاهم." رامي! افتكرته امبارح وكلامي معاه، بس أنا مسألتهاش عنه. دخلت أحضر الفطار. جت ماما وخالتو يساعدوني، وكنت شايفه البسمة على وش ماما، وقفتها مع خالته وكانوا بيتحدثوا. جه إخواني من الصلاة. "احم، السلام عليكم." قالها تامر، وكنت عارفة إنه بيعرفني أنا بالتحديد عشان لو مكنتش لابسة حجابي.
راحت ماما وقالت: "وعليكم السلام، زمان الأكل يخلص." حطينا الأكل على السفرة. سمعت صوت، بصيت وكان رامي لابس جلابية بيضا، كانت جميلة عليه. استغربت لأنه كان لابس قميص وبنطلون جينز أسود. نادتني ماما. سبتهم ودخلت حولت. قالت ماما: "شكلك انت وتامر مقاس واحد." ربت تامر على رامي وهو بيقرب منه وبيقول: "كان معترض يلبسها، قلتله مفيش أريح منها." قعدنا وكان رامي مقابيلي. قال وليد: "انت بتشتغل إيه؟ "شركة سياحة."
قال تامر: "امم، هايل، بتسافر بقا وكده؟ قالت سمية: "متجبوش السيرة دي، بلا سفر بلا زفت." قالت ماما: "لي كده؟ "سفر إيه ويسيبني لوحدي وأكمله كل فين وفين؟ قال رامي بهدوء وهو يأكل: "شغلي كده." "آه، دي الجملة اللي حافظها وبيسكتني بيها. ده شغل وهارجع بسرعة." ابتسم تامر ووليد، ونظروا إلى رامي الذي كان يبتسم بقلة حيلة. قالت ماما: "بكرة يتجوز ويستقر." "إن شاء الله. يخوفني ياخدها معاه وأبقى لوحدي."
قلت بعد تردد: "طب ما تروحي معاه يا خالتي، بتهيألي مسموح بده." قال رامي: "رفضت." بصتله حين رد عليا، واتقابلت عنينا. حسيت بهمس قريب مني. وقفت عن الأمل وأنا خايفة. معقول إنه هو.. معي الآن.. افتكرت تحذيره وغضبه عن رامي لمجرد أن وقفت معه. خفضت عيني وأنا آكل بصمت كي لا يلاحظ أحد خوفي. قالت ماما: "رفضتي لي؟ قالت سمية: "السفر بيتعبني، وأنا بخاف من الطيارة." ضحك وليد وقال: "روحي بالباخرة."
نكسته أمي فصمت، ونحن نبتسم بخفة. بعدما انتهينا، أخبر رامي خالته أن عليهم الرحيل وأنهم تأخروا. دعوهم. قالت ماما: "كان نفسي تقعدوا معانا تاني." "مرة تانية، تعاليلي انتِ بقى." "توصلوا بالسلامة." سلموا على بعض، وحضنتني خالتي هي تودعني. نظرت لرامي، خفت أن يمد يده فأحرجه ولا أسلم، لكنه ودعني احتراماً بعينيه وذهب برفقة والدته. سبتهم، دخلت أوضتي، كنت حاسة بهبوط. قعدت على السرير وأنا بتنهد، قلت: "ا.. انت هنا؟
ملقتش رد، وكأن الصمت. استريحت لما كان كل حاجة طبيعي، بس حسيت بحد بيقعد جنبي. بصيت بصدمة، لقيته بيحاوطني وبيخليني أبص قدام. خفت، حاولت أتحرك بس معرفتش. "قلتلك قبل كده إني دايماً معاكي." ارتبكت لما سمعت صوته. حسيت بيه بيقرب مني وبيلمسني. اتصدمت وأنا مش عارفة أبعد. حتى كان يلتمس رقبتي، لكن لمسات هادئة، ليقول بهمس خافت: "عجبتيني عشان سمعتي الكلام." خفت جداً، قلت وأنا عيني بترتجف: "إلى هو إيه؟
"إنك متتكلميش معاه، ولو مجرد سلام عابر يا رهف." وكأنه بيحذرني، بيديني إنذار. لأنبارح قلت: "اشمعنا رامي؟ قال بصوت فحيح: "لا رامي ولا غيره.. ولا أي راجل تاني." خفت من نبرته وسكتت وأنا حاسة إن قلبي هيقف. بصيت بعيني على الباب، وأتمنى أي حد من إخواتي يدخل. "متحاوليش.. أقدر أمنع الأوضة دي عن العالم اللي برا.. تبقى معزولة، مفيش غيرنا." خفت جداً، إزاي عرف إن كنت هصرخ؟ قلت: "م.. ممكن تبعد؟ أنا لي مش عارفة أتحرك؟
مردش عليا، بس لقيتني برجع لجسمي وقادرة أتحكم فيه، بس كان لسه قريب مني. لفيت وكأن وشي مقابل وشه، لكن مبقاش غير الهوا. استغربت جداً. إيده حتى اتبخرت. حطيت إيدي مكانه، مكنش في حد. عرفت إنه مش شايفني. *** في المساء، كنا نتعشى. كانت ماما بتبصلي، استغربت، لكن اتجاهلت نظراتها. "انتي مكنتيش بتتكلمي مع ابن خالتك لي؟ بصيت لإخواني، كانوا كمان استغربوا. قلت: "ف إيه يا ماما؟ أتكلم معاه ف إيه؟ "يعني حسيتك مكنتيش مدياه وش."
"كنتي عايزاني أعمل إيه؟ "تتكلمي معاه عادي زي زمان." "بس أنا كنت عيلة وقتها وهو كذلك. لازم نحط حدود في التعامل، وأنا كلمته باحترام ومقلتش منه. مش فاهمة أي لزوم كلامك دلوقتي؟ هو اشتكى لك؟ "لا." "أمال ف إيه؟ قال تامر: "رهف معاها حق يا أمي. ثم أنا اللي كنت قايلها تقعد في أوضتها في وجوده. هو في حاجة؟ "لا." استغربنا وكملنا أكل واحنا بنتحاشي هذا الأمر. ***
مر يومين، وكنت خارجة ولابسة الأسود. قابلت جارتي وبنتها كانت قريبة من سني وشايلة ابنها. أيوه، هي متجوزة. حاولت أتجاهلهم، بس لقيتهم بيوقفوني. "رهف." بصتلهم وابتسمت رغما عني. "مش تسلمي؟ "له طبعاً. إزيك يا خالتي؟ إزيك يا رنا؟ ابتسمت وقالت: "الحمد لله. انتي عاملة إيه؟ "الحمد لله." "البقاء لله. قلبي معاكي." أومأت لهم. قالت رنا: "مكنش في حد أطيب زي عمو عزيز. ربنا يرحمه." حسيت بحزن يغفو على قلبي.
قالت والدتها: "مش كنتي اتجوزتي عشان تفرحيه كده قبل ما ربنا يفتكره؟ قالت رنا: "ماما، ده نصيب. ونصيب رهف لسه مجاش." مردش، وحسيت بدموعي بتتجمع، ويحاول أكتمها. قالت رنا: "مش تباريكيلي؟ "أصل رنا حامل في التاني.. عقبالك.. يوه، نسيت إنك لسه." قالت رهف: "انتي إيه اللي جابك هنا يا رنا؟ مش كنتي مصدقتي خرجتي من القرية دي زي ما بتقولي؟ "أصل شادي حبيبي سمحلي أغير جو عند ماما. أصله مبيطقش العد عنها."
ابتسمت وقلت: "ولا مش قادر يستحمل حملك؟ "قصدك إيه يعني؟ "عن إذنكم." قلتها وأنا بمشي وبسيبهم وبقدم، وأنا بحاول أتحكم في دموعي أكتر. مش عايزة أعيط، يفتكروني اتأثرت بكلامهم السخيف. أوقات بحس بالغيرة فعلاً منها، بس ده عشان اتجوزت شادي. شاب وسيم معانا في المدرسة، وبقى ناجح دلوقتي، وهي بنت عادية. فاكرة يوم جوازهم وأنا حزينة إني كنت بعتبرها صحبتي ومقالتليش إنه حبيبها. بدعي ربنا إن يخليني أتخطاه. ***
في المقابر، كنت قاعدة كنت قبر بابا وبقرا الفاتحة. مكنتش خارجة عشان أجيله، لأنه وحشني. "فاكر رنا اللي كنت بحكيلك عليها، وأنها بتحاول تغيظني وتقولي غيرانة منك لإني كملت تعليمي وهي لا." خدت نفس، وأنا بحاول أتكلم: "قابلتها بس انهارده، غيرتني بموتك. فكروني إنك مبقتش موجود. فكروني بأمنيتك إنك تشوفني عروسة، وإني محققتهالكش." سالت دمعة من عيني،
مسحتها وقلت: "مزعلتش من كلامهم ولا اهتميت بيه. اللي أثر جوايا إني اكتشفت إنك فعلاً مبقتش موجود عشان أجلك هنا وأحكيلك عن وجعي. حاسة بالذنب إني بحملك هموم ومش سايباك حتى في قبرك. بس انت... عيطت وأنا بقول: "انت وحشني أوي يا بابا." سبت دموعي تنزل من غير ما أتحكم فيها، وأنا يخرج حزني وبنشج بوجع. قاطعني همس خفيف بأذني وهو يقول: "مش قولتلك متعيطيش." اتصدمت، رفعت وشي بشدة، وأنا أعرف ذلك الصوت. حسيت بيه
بيحط إيده على كتفي وبيقول: "عارفك أقوى من كده." جيت ألف لقيت شد على كتفي جامد بيمنعني، وقال: "إياكي تلفي دلوقتي. متخليش الفضول ياخدك." "لي؟ "هتتأذى. متبيّنيش إن في حد معاكي." سكتت وأنا خايفة. قرب منه، حسيت بإيد كبيرة وخشنة بتمسح وشي. "دموعك غاليين." دمعت عيني وخفضت راسي بحزن، وقلت: "ب.. بس مش أغلى من بابا. لو بعذبه بعياطي ده، قول لي عشان أوقف."
مردش عليا، بس حسيت بيه بيحاوطني كأنه بيحضني. لأول مرة أحس بجسمه، كان باين إنه كبير. عيطت وأنا بحاول أكتم صوتي، دموع صامتة لفرط حزني. قلت بصوت ضعيف: "اهمس لي." أردفت بتوضيح: "اهمس لي بكلمات اللي كنت بتقولها يومها."
كان قصدي يوم وفاة بابا لما دخلت أوضتي، وكانت أول مرة أكتشف إن في حد معايا بجد. لقيت مسك إيدي وبدأ بهمساته الرجولية. كنت أستمع له مثل ذلك اليوم، لكن لا أفهم شيئاً. لكن بعض الشعور بالارتياح. هل يقرأ علي طلاسم أو سحر؟ ما الذي يقوله بالتحديد وكيف أطلب منه ذلك؟
كان يعانقني وأنا لا أستوعب من هذا وأنه جني، بل كان عقلي غائب ونسيت حقيقته المخيفة. بس مرة واحدة لقيت صوته اتقطع، ومبقتش أحس بيه ولا بجسمه. استغربت، لفيت، مكنش في حد. هل ذهب أم أنني كنت أتخيل؟ سمعت رنين هاتفي، وكانت ماما. رديت عليها: "الو يا ماما." "انتي فين؟ صحينا ملناكيش. روحتي فين؟ "لما أجي نتكلم." "انتي جاية يعني؟ "آه." "طب خلي بالك من نفسك." "حاضر."
قفلت معاها. حطيت إيدي على القبر وكأني ألمس أبي وأودعه بقلبي قبل عيني، ثم ذهبت. رجعت البيت وكانوا جالسين مستنيني. دخلت، قابلتني ماما وقالت: "كنتي فين؟ "عند بابا." سكتت شوية وقالت باشتقاق: "ومقلتليش ليه أجي معاكي؟ "معوزتش أصحيكي بدري. المرة الجاية نروح سوا. انتوا قاعدين كده ليه؟ قال وليد: "أمك قلقانتنا عليكي." قعدت جنبه ماما، قلت: "ف حاجة يا ماما؟ كانت هتتكلم، بس قاطعها تامر وهو بيقول: "مش وقته يا أمي." "لي بقا؟
"ابقى كلميها بعدين." استغربت منهم، قلت: "ف إيه؟ ربت عليا وقال: "خشي ريحي يا رهف، متشغليش بالك." استغربت، بس كنت فعلاً عايزة أنام. استأذنت منهم ودخلت. قال تامر: "أنا رايح الشغل." قال وليد: "استنى، طريقنا واحد." مشوا ليرو أعمالهم، وبقيت أنا وأمي في المنزلة. قعدت على السرير وأنا بروح في النوم وبفتكر اللي حصل انهارده. بفتكر رنا وجارتنا وكلامهم اللي جرحني. حزنت، بس حسيت بيه نائم ورايا، نفسه اللي أقدر أسمعه. "رهف."
حاولت أتحكم في خوفي، رديت عليه وأنا بقول: "همم." "خايفة؟ سكت شوية ورديت عليه: "امم، لا." كانت دي أول محادثة تدور دون تحكمات، دون أن يجعلني مقيدة كي لا أنظر له. كان فقط نائم بجانبي، كأنه يشاهدني أثناء نومي ولا يحدث أي ضجيج يزعجني. *** في المساء، كنت قاعدة على البحث بتاعي. دخلت ماما عليا، حطتلي فنجان قهوة، قالت: "قلت أعملك قهوة تفوقك." "شكراً، جت في وقتها." خدته منها وأنا بشرب بتلذذ. لقيتها قعدت،
قالت: "البحث بتاعك لسه مخلصش؟ استغربت لأنها مكنتش مهتمة بحاجة من دراستي. قلت: "أيوه، بس خلاص هانت." "ناوية تعملي بيه إيه؟ "أكيد هقدمه. ممكن أتقبل في شركة ترجمة." "انتي عايزة تشتغلي؟ استغربت من سؤالها، أومأت لها بصمت خوفاً من أن ندخل في جدال. لكنها كانت هادئة، قالت: "ده من ناحية حياتك العملية. بالنسبة الشخصية، هتعملي فيها إيه؟ ابتسمت وقلت: "حياتي الشخصية منا قدامك تمام أهو." "إيه رأيك في رامي؟
قالتها مرة واحدة، كأنها بتجيب خلاصة الموضوع. قلت باستغراب: "رامي؟ "أيوه." سكتت وأنا مترددة أتكلم. كنت عايزة أقولها إني مش لوحدنا، ممكن يكون سمعنا. "إيه يا بنتي؟ بتفكري ف إيه؟ "امم، رامي شاب طموح، حلو، بيصلي وعارف ربنا. فيه مواصفات أي بنت في الراجل اللي تتمناه." ابتسمت أمي وقالت: "ده رأيك انتِ." شربت شرفة من القهوة وأنا أومأ لها. قربت مني وقالت: "يعني موافقة؟ بصتلها بشدة وتوقفت القهوة في حلقي لفرط الصدمة.
"رامي طلب إيدك للجواز."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!