طالما كان يهوى المخاطر، ويذهب إليها بكامل إرادته، ويخبره حدسه أن طريق هذه المتمردة محفوف بالعديد من العثرات الصعبة، وهذا ما يجعل عروقه تشتعل بنيران التحدي والإثارة في مواجهة تيارات أمواجها الفيروزية التي على الدوام متأججة بالعداء والاستهجان، فاصبر أيها القلب، لدينا الوقت لترويض هذه النمرة الشرسة، سنصمد بقوة مهما صعب علينا الوصول إليها. *** في منزل مصطفى الترابلسي داخل غرفة نبيل والده
اقتربت منه هناء، تضيق عينيها عليه في حيرة، وهي تراه بكامل ملابسه، وقالت باستغراب: "أنت خارج ولا إيه يا نبيل؟ هز نبيل رأسه بالإيجاب، مهندمًا عنق قميصه الأبيض، وهو يشرح لها بقلق بالغ: "رايح ورا ابنك ألحقه، مش ناقصين فضايح.. وفوق الخسارة اللي حصلت كمان يعمل حاجة مجنونة يضيع بيها نفسه." هزت هناء رأسها بإيماءات متتالية بتأييد، وهتفت بتعجل: "طيب أنا هلبس وهاجي معاك عند سلمى."
استدارت على الفور نحو خزانة الملابس، وخطت عدة خطوات نحوها، لكن صوت نبيل الأجش أوقفها: "لا ابنك مش رايح البيت عندهم.. رايحهم على المستشفى." أدارت جسدها نحوه، وبزغ الفزع على محياها، وهي تستفسر: "مستشفى.. ليه؟ نهج صدره علوًا وهبوطًا مع تزايد القلق داخله، مع إجابته بصوت متوتر: "أبريل تعبت إمبارح بالليل ونقلوها على المستشفى.. وأكيد هتبقى عيلة صلاح هناك، وأنا ما أضمنش ممكن ابنك يعمل إيه؟
اقتربت هناء منه، لتربت على ذراعه بحنان، محاولة أن تبثه بالاطمئنان بينما نجح القلق والخوف في التسلل إلى قلبها: "اهدأ طيب.. اهدأ ما تتوترش كده غلط على صحتك.. أكيد مصطفى هيقدر يتصرف صح أنا عارفة ابني عاقل." هز نبيل رأسه بالرفض، وهدر بانفعال لا إرادي، وما زاده ردها إلا غضبًا: "عاقل!!
أنت ما شوفتيش شكله وهو خارج يجري زي المجنون.. تقدري تقولي لي هيتصرف إزاي وهو متشتت بين اثنين ستات ها.. لا لا مش هيقدر يفكر صح طبعًا ومحتاج للي يرجع له عقله أنا سيبته يتمادى كتير قوي." ظهرت على وجهها علامات الاقتناع بصحة كلامه، فهتفت سريعًا بعزم: "خلاص.. أنا هحضر نفسي في خمس دقايق وأجي معاك." *** عند أبريل في الغرفة
أغلقت أبريل باب الخزانة بعنف، وهي تفرك جبهتها في محاولة لإنعاش ذاكرتها المشوشة، وأخذت تتمتم بصوت حائر ملون بأنواع كثيرة من الغضب: "ده وقته ده.. أدور فين تاني.. أنا متأكدة إنه كان موجود معايا راح فين بس؟! "محتاجة مساعدة؟!
استدارت أبريل في مفاجأة، فور أن جاءها صوته العميق بنبرته الرجولية الساخرة المميزة التي أصبحت مألوفة لها إلى حد ما، فاشتعلت فيروزيتها استنكارًا من وقاحته، وهي تشاهده يقف بجلال قامته الشامخة معها داخل الغرفة بعد أن ولج وأغلق الباب خلفه دون أن تشعر حتى بوجوده، فخرج صوتها خافتًا من نفاد الصبر: "إحنا مش هنخلص بقى." ارتفع مستوى صوتها ردًا على هذا الوقح، وهي تصر على أسنانها باغتباط: "أنت مش كنت مشيت!! إيه اللي رجعك؟
انفرجت ابتسامة باردة على فمه، وعيناه الرماديتان تتألقان ببريق مفتتن بها، وهي تضع يديها على خصرها بتحدٍّ. خطا باسم عدة خطوات حتى وصل إلى طاولة صغيرة أمام أريكة تتسع لشخصين، ووضع عليها صينية الطعام دون أن يعير لسؤالها اهتمام، وقال بهدوء مريب: "باين عليكي فايتك كتير محتاجة تتعلميه.. أولهم إزاي تعاملي حبيبك وخطيبك؟! رمقته بنصف عين مهسهسة بمقت: "حبتك حية تتلف حوالين رقبتك."
زوى بين حاجبيه الكثيفين، عابسًا بجاذبية طاغية لم تلاحظها أبريل وسط اضطرابها، بينما يخبرها بحزن كاذب: "واهون عليكي يا بندقة وأنا اللي روحت مخصوص أجيب لك الفطار لحد عندك." أنهى باسم حديثه بابتسامة لطيفة داعبت على شفتيه، فبادلته بأخرى بلا مرح مع نطقها بغضب ناعم: "كثر خيرك.. حقيقي ميرسي قوي.. بس تعبت نفسك على الفاضي أنا مش هفطر.."
التفتت أبريل في جملتها الأخيرة متجاهلة وجوده، وهي تحمل حقيبتها التي تركتها في سيارته بالأمس وأفرغت كامل محتوياتها على فراشها، تبحث في أغراضها من جديد، على أمل أن يظهر الشيء المفقود، بينما وصل صوته الرجولي المتسائل إلى مسامعها: "أومال الممرضة اللي بره قالت إنك جعانة وطلبتي فطار..؟! تمتمت ساخرة دون أن يسمعها: "شوفتك نفسي اتسدت."
سرعان ما تومض رماديته بشرارة ماكرة في نهاية جملته، وهمهم بإدراك، بينما تركزت حدقتاه عليها شاملًا إياها بنظراته الثاقبة: "شكل القطة فاقت وراقت وغيرت هدومها كمان وعايزة تهرب تاني مش كده.. عمومًا ريحي نفسك اللي بتدوري عليه مش هتلاقيه."
توقفت أبريل عما كانت تفعله بعد أن لفت انتباهها بكلامه، فأدارت رأسها ببطء، لتحدق به بهدوء مصطنع، تخفي وراءه الانزعاج وعدم الارتياح من نبرة صوته الواثقة، فبادلها النظرات بغموض، وهو يجلس على الأريكة، واضعًا ذراعيه خلف رقبته ببطء، وارتسمت ابتسامة كسولة على فمه، ناجمة عن سبقه لها بخطوة دائمًا. ازدردت أبريل ريقها في اضطراب، وتساءلت بتوجس: "وأنت إش عرفك باللي بأدور عليه أصلًا؟!
تكلم ببرودة قاسية، فبهتت ملامحها فورًا، وشعرت أن أمرها قد انتهى بها إلى هاوية مخيفة: "لأن باسبورك معايا.. مش هو ده اللي بتدوري عليه." اتسعت عيناها بإنشاد من كلماته التي تردد صداها بأذنها، لتسأل باستنكار شديد: "يعني فتشت في شنطتي وسرقته يا حرامي إزاي تعمل حاجة زي دي؟! حرك لسانه داخل فمه ببرود قبل أن يخاطبها بتحذير متذمر: "عيب لما تكلمي خطيبك بالطريقة دي يا بندقة."
خرجت من ذهولها، تهز رأسها برفض، وهي على وشك الجنون، مجرد التخيل أن مستقبلها اللعين أصبح قسرًا بين يدي هذا الرجل المتلاعب، يجعل غضبها يضرم بتضاعف، صرخت باعتراض عنيف: "خطيب مين وبتاع مين.. ما تنادي لي بالطريقة دي ثاني.. وباسبوري ترجعه لي حالًا قبل ما أطربق الدنيا فوق دماغك." تابع بجمود تلك الكلمات الأخيرة الصادرة منها بنبرة تهديد مضحكة، واضعًا قدمه فوق الأخرى، متلفظًا باسترخاء: "لو طربقتيها هتنزل على دماغك معايا."
برودة أعصابه الجليدية أصابتها بالجنون، بينما كان باسم يستمتع بشكل غريب بحرق أعصابها، فاندفعت نحوه بخطوات غاضبة، واستبدت كل ذرة في خلاياها بتحفز للانقضاض عليه حتى تزيل هذه الابتسامة عن فمه الغليظ، مرددة دون تفكير في خضم استيائها الحارق:
"وأنا اللي هفتح لك دماغك بإيدي.. هو أنتم عاملين مؤامرة علي يعني.. بأي حق عمالين تبيعوا وتشتروا فيا.. مرة هي تاخد موبايلي وتحبسني زي القرد جوه القفص.. ودلوقتي أنت بتاخد باسبوري غصب عني.. إيه فاكرين الناس بتمشي على مزاجكم!!!
كانت أبريل تتحدث بلهث شديد، وهو يضحك بذهول واضعًا يده بدفاع أمام وجهه مانعًا وصولها إليه، لتسدد ضرباتها على ذراعيه بإصرار مجنون، ودون سابق إنذار، تمكن من إمساك معصميها بإحكام، واختطفها إليه حتى سقطت جالسة فوق ساقيه، ليتساءل باهتمام: "مين اللي حبستك وأخذت موبايلك يا قردة؟!
تجمدت حركاتها للحظات من الصدمة مع شعورها بذراعه الذي التف حول خصرها، ثم بدأت بسرعة تدفعه بعيدًا عنها بقوة في محاولات فاشلة، وصدرها يرتفع وينخفض بسرعة من شدة الجهد، مستنكرة بصوت حانق مبحوح: "إيه ده أنت أجننت!! ابعد عني!!! قالت أبريل ذلك بينما تدفعه في صدره، وتسحب نفسها بعيدًا عنه، جعلتها تهرب منه طوعًا، لينظر إليها بعينين متسائلتين، وهي تتراجع خطوتين إلى الوراء، هاتفة بنبرة حادة ومضطربة:
"ما تدخلش في اللي ما لكش فيه وهاته أحسن لك." حدق في يدها الممدودة إليه، ليقول ببساطة: "بعد ما تفطري." ردت بجفاء عنيد: "مش عايزة أتسمم.. هي عافية.. رجع لي باسبوري بالذوق بأقول لك." ضحك بسخرية عندما سمع كلمة "ذوق" الذي تناقض مع نظراتها الشرسة، ثم تابع بتهكم: "هتعملي بيه إيه!! ولا له أي لزمة.. لو فاكرة إنك هتعرفي تخرجي من باب المستشفى أصلًا انسي.." ما تتعبيش روحك وتتعبيني معاكي، أنا من قلة النوم مش شايف قدامي.
اندلعت جمرات الشك في قلبها، وهي تتساءل بريبة: تقصد إيه؟ قال باسم ببرود: روحي بصي وهتفهمي قصدي. فتابعت بعينيها المذهولة إصبعه السبابة الذي أشار به نحو النافذة. -في غرفة منى. أصبح معدل تنفسها مرتفعًا ولاهثًا، عندما وصل إليها صوته، لتتمكن بصعوبة من تجاهل النظر إليه، وتمتمت بالرفض: ماما خليه يمشي مش عايزة أشوفه قدامي.
عز اخرج الله يرضى عليك يا ابني.. أنت مش شايف حالتها بقت عاملة إزاي بسببكم.. بقت هي دي الأمانة اللي أمنتك عليها. تجاهل كلمات سوسن التوبيخية، وكأنه لم يسمعها، كل تركيزه كان على التي كانت تجلس، تخفض وجهها لتجنب النظر إليه، ليهمس بمرارة معذبة: خلاص يعني لدرجة دي ما بقتيش طيقاني ولا قادرة تبصي لي. تجاهلت منى سؤاله بابتسامة ساخرة مغمورة بالدموع وصوبت حديثها إلى دعاء:
استريحتِ خلاص يا دعاء هانم.. ألف مبروك اللي كنتِ عايزة توصلي له حصل. ابنك حبيبك طلقني.. وابني خسرته من قبل ما ألحق أفرح بيه. خرجت الكلمات مشحونة بنيران أججها إحساسها بالظلم الشديد، وسقطت كالصاعقة على رأسي عز ودعاء، التي تجمدت في مكانها للحظة، وأخفضت أعينها من الخجل، وبينما يقف عز يوزع بينهما دون أن يفهم: يلا مستنية إيه!! خديه واطلعوا من حياتي.. روحي جوزيه للي تستحقه وخليه يسيبني في حالي بقى.
تعظمت حيرته مع كلام منى، لكنه وضع كل أسئلته جانبًا محاولًا أن يصبر عليها أكثر، وتحدث بهدوء شديد: ممكن تهدي شوية يا منى.. أنا مستحيل هتخلى عنك ومقدر الحالة الصعبة اللي أنتِ فيها. قال عز ذلك، وهو يتقدم نحوها عدة خطوات، ليقف أمام السرير، ويرفع يده يريد أن يلمس شعرها، إلا أن أيقظه صوتها فور أن صرخت بهجمة حادة، مما أفقده كل دفاعاته الواهية أمامها: ابعد عني وامشي اطلع بره أنت وأمك.
احتقن وجهه من جفائها المبرر، ثم ألقى نظرة سريعة وشاملة على من معهم في الغرفة قبل أن يسأل بحدة: في إيه يا منى بالضبط.. إيه لزوم التجريح ده في أمي مش فاهم؟! مسحت دموعها بظاهر يدها، وقالت بحزن ملموس في نبرتها الباكية: ابقي خليها تفهمك.. ابقي قولي له كنتِ بتخططي لإيه.. ابقي احكي له الكلام المسموم اللي على طول كنتِ تسمعيه لي.. وابقي افتكر إن ابني مات بسببك يا عز.. ولو انطبقت السما على الأرض عمري ما هسامحك. -في المنصورة.
داخل منزل الجدة تحية. داخلة بتنفخي من الصبح ليه يا بنتي؟! تساءلت تحية بذهول، وهي جالسة على الأريكة في غرفة معيشة المنزل، فتلوت شفتا صابرين وهي تجاورها قائلة بنزق: شفت أخت أم أحمد وهي طالعة لها.. يا ساتر لما الاثنين دول بيتلموا على بعض ما حدش بيسلم من لسانهم. تحية بإيماءة لا مبالية: سيبك منهم.. أحمد كلمك قال لك وصل واطمن على أبريل ولا لأ؟ صابرين بنفي شارد: لسه ما اتصلش. تابعت بصوت هادئ، وكأنها تفكر بصوت مسموع:
بس شكلها كده هتحصل خناقة جديدة بين أحمد ونادية. تحية بحيرة: ليه خير؟! ردت صابرين باستفاضة: صدفتها على السلم كانت واخدة بنتها وشنطة هدومها وماشية.. وبتقول أمها عيانة بس أنا متأكدة إنها أكيد زعلانة.. ما شفتيهاش امبارح كان بوزها شبرين وهي قاعدة معانا.. لازم طبعًا مضايقة عشان أحمد راح لأبريل. تحية بنبرة حزينة: حقها يا بنتي ما هي مراته.. يلا ربنا يهديهم.. ذنبها إيه البنت اللي في وسطهم ومتبهدلة بينهم دي.
التفتت صابرين إليها، وهي تثني إحدى ساقيها أسفلها، لتسأل بتردد مفكر: تفتكري يا ماما يعني لو كان جاب البنت دي من أبريل مش الحياة كانت هتبقى أحسن هتبقى متشحططة معاهم كده. هزت تحية رأسها بسرعة مستنكرة بشدة وقالت: ... -عند باسم. وضع باسم ذراعه بطول حافة الأريكة، وتحدث باستهزاء:
يلا اتحفيني بقى.. ناوية تطيري من الشباك عشان تهربي من أكثر من 15 مراسل صحفي لقنوات كثير أحسن حاجة تعمليها إنك تعقلي كده عشان خروج من هنا لوحدك ده مستحيل. حدقت أبريل بهم من النافذة بقلب ينبض مثل الطبول، ولم تستطع الوقوف بهدوء، لتتحرك في مكانها ذهابًا وإيابًا بتوتر بالغ، وهي ترفع يديها وتمسك بهما رأسها الذي كان يترنح من تشوش أفكارها، لتهمس بعصبية: كان فين عقلي!! كان فين لما ورطت نفسي الورطة السودة دي يا رب!!!؟
تبدلت ملامح باسم اللامبالية إلى ملامح أكثر جدية، تناغمت مع صوته الهادئ مع لمحة من الحدة: أظن كده خلاص اكتفيتِ من العناد واقتنعتِ إن الحكاية دخلت في الجد واللعب الفردي ما بقاش في صالحك.. يلا تعالي اقعدي خلينا نفطر ونفكر هنعمل إيه ونتفاهم على كل حاجة قبل ما يوصلوا. التفتت أبريل لتنظر إليه وبضيق شديد، فحاول تغيير مجرى الحديث من خلال سؤاله المرح، بعد أن تدحرجت عيناه على الصندوق الموضوع أعلى السرير:
بالمناسبة عجبتك الشوكولاتة؟ انتقل بصرها إلى حيث أشار إليه، ثم ابتسمت بوداعة خطيرة، وردت عليه بغموض: حلوة وغالية!! سأل باسم مرتابًا، وهو يشاهدها تتحرك من السرير، لتلتقط الصندوق، وتعود أدراجها إلى النافذة: هتعملي إيه؟
حدقته أبريل بعيون ارتسمت بها براءة مصطنعة مبطنة بالخبث، ثم مدت يدها إلى المقبض، لتفتح النافذة على اتساعها، وأسقطت الصندوق منها في غمضة عين، قبل أن تعاود النظر إليه، وهي تتحدث بغطرسة ممزوجة بالاستفزاز، وشعر جزء كبير منها بفرحة النصر عليه: كده أعتقد وصلك ردي على التخاريف اللي كنت بتقولها!! ويلا اديني باسبوري يا حرامي قبل ما أخليك تحصل شوكولاتك من الشباك.
قام باسم من مقعده، وركز رماديتيه على معالم التحدي المشع بفيروزيتها الخلابة، مع التهديد المباشر في لهجتها، ليخطو نحوها ببطء، وهو يتحدث معها بهدوء لا يشعر به بعد أن استفزته حركتها كثيرًا: مش حرام النعمة تترمي كده؟! مش عايزة من وشك حاااا. تلاشت بقية جملتها بالهواء في ذعر، إذ تبخر شعورها بالفوز عليه الذي أعمى بصرها بكل غباء عن رؤية تقدمه نحوها، مهيمنًا عليها بطوله الشامخ.
وقبل أن ترمش حتى، أمسك معصمها وسحبها نحوه، فأصبحت سجينة ذراعيه، وظهرها ملاصقًا على صدره العضلي الملتهب بجمرات الغضب من تمردها المفرط.
مرت عليهما لحظة سكون جراء صدمتها، ظهرت ابتسامة شقية على شفتيه منتظرًا باستعداد رد فعلها المتوقع، إذ تسمرت صامتة كما لو أنها قد صدمت للتو بتيار كهربائي من ملامسة أجسادهما ببعض، وللمرة الثانية في نفس الساعة، تمكنت من استنشاق عطر أنفاسه مع الهواء بسبب شدة قربه الجريء منها، وبصعوبة تمكنت من خروج الحروف بتلعثم مذهول: مسكني كده.. إزاي!! لو ما بعدتش عني هصرخ.. وأعمل لك فضيحة.
مال باسم برأسه نحوها، وضغط خده بذقنه الخشنة على خدها الناعم، الذي يشع باحمرار الغضب والخجل في آن واحد يتلامس نعومة بشرتها برقة، ضامًا إياه بإحكام إلى صدره بكلتا يديه حتى يردع بعض حركاتها المتهورة، ليهمس بالقرب من أذنها بتسلية: تؤ تؤ مش قبل ما نتفق. تسللت رجفة غامضة إلى سائر جسدها المرتبك من لمساته الحارة، فهزت رأسها رفضًا لهذه المشاعر التي عصفت بها، وأخذت تقاومه بشراسة، وهي تصرخ بعناد تلقائي:
في أحلامك إني أتفق على أي حاجة مع واحد سافل وحقير زيك. قال باسم بتروٍ، وهناك شعور يغمره بالرضا والاستمتاع، وهي بين ذراعيه تكافح للتحرر من أغلاله الحديدية بضراوة تتناقض مع وداعة وجهها الرقيق وصغر جسدها الرشيق مقارنة بجسده الشاهق: هأعمل نفسي ما سمعتش ظفارة لسانك دي بشكل مؤقت. قاطعته أبريل ساخرة بحدة: هأعمل إيه ثاني أكثر من اللي عملته فيّ ها!! سيبني باقول لك يا قليل الأدب!!!
واختتمت أبريل جملتها بمحاولة فاشلة للإفلات من حصار أحضانه، ليشدد باسم من احتضانها أكثر، هاتفًا بضحكة مندهشة: اهمدي بقى أنتِ جايبة الشراسة دي كلها منين يا بت.. ده أنتِ كلك على بعضك تتقاسي بسلك الشاحن.. عمالة تعافري وأنتِ ما فيكِ حيل إزاي..!!! تأوهت ابريل بألم من قبضته القوية التي تعتصر معصميها، لتهتف بوعيد حارق: سيبني يا بارد.. والله لأدفعك ثمن عمايلك دي غالي وهتشوف يا حيوان.. اوعى بقى!
بلع باسم كتلة النار المتقدة بالغيظ في جوفه، ليسألها بأنفاس متهدجة: هو أنتي لازم تطولي لسانك؟ ما بتعرفيش تتكلمي بأسلوب أنظف من كدا خالص! ردت ابريل من بين أنفاسها اللاهثة: هو دا الأسلوب اللي ينفع مع أمثالك. اختفت ضحكاته المرحة في أقل من ثانية، وتحولت إلى نبرة خطيرة، أقرب إلى الهسهسة بجوار أذنها، بينما يشعر بجسدها يرتجف بين يديه بتأثير لا إرادي، ونظراته موجهة إلى النافذة:
حطي في الاعتبار إني عديتلك كتير أوي لحد حسابك ما تقل زيادة عن اللزوم معايا.. لو عايزة باسبورك يبقى في إيدك تنفذي اللي هقوله من غير دبش وصريخ وعناد.. والمرة دي إذا ما سمعتيش الكلام ما تلوميش إلا نفسك.. فاهمة!
نطق الكلمة الأخيرة بحدة مخيفة تلاعبت بأعصابها بلا رحمة، ودون أن يمنحها الفرصة للتنبؤ برد فعله التالي، فوجئت به يدفعها على الأريكة الجانبية بقوة طفيفة، فخرجت شهقة مذهولة من بين شفتيها بعد أن فقدت توازنها، وسقطت عليها بشكل ملتوي.
رفعت فيروزيتها بغضب عازمة على توبيخه، فتجعد جبينها خشية من رماديتيه التي تشعان صواعق براقة لا تبشر بالخير، ما جعلها تبتلع لعابها بصعوبة، وازدادت نبضات قلبها حتى كادت تقفز من ضلوعها خوفًا، وهي تتابع اقترابه منها، لكن في اللحظة التالية، تفاجأ كلاهما بفتح باب الغرفة دون استئذان، ليظهر شخص ما من خلفه، فجحظت عيناها على اتساعها بذهول واحتبست أنفاسها تلقائيًا في صدرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!