بيني وبينك حروب صامتة.. لا أنت بدأت السلام لتنهي المعركة، ولا أنا انسحبت مهزوم لأنهيها. بيني وبينك جدران من مكابرة، بنيناها بأنفسنا دون أن نشعر ولو للحظة أننا لن نستطيع هدمها. بيني وبينك ملل وإحباط، لم نكن نعرف في بداية الأمر أننا سنصل إليه يومًا، كنا نظن أن قصتنا ستكون مثل بداياتها الرائعة. بيني وبينك نار الغيرة الحمقاء التي لا تعرف المنطق أبدًا. بيني وبينك كل موقف أهوج تصرفنا به كالغرباء مع بعضنا البعض.
بيني وبينك حماقة. بيني وبينك تسرع. بيني وبينك انفعالات بغير مكانها سببت لي ولك الجراح. بيني وبينك محادثات بالساعات مليئة بالحب والأمل. بيني وبينك محادثات لم تكمل الخمس دقائق لا نجد فيها ما نقوله! بيني وبينك تحول جذري مخيف. بيني وبينك فراق كان مثل بداياتنا.. عنيف وصادق. عند عز _ولو انطبقت السما على الأرض عمري ما هسامحك. سوسن بقلق: اهدي يا منى، كفاية تعملي في نفسك كدا. اقترب عز بلهفة بعد أن انتابه القلق عليها بشدة، رغم
حزنه من شراسة هجومها عليه: خلاص يا حبيبتي.. اهدي انتي تعبانة وفقدتي دم كتير، غلط عليكي كدا عشان صحتك و... تغضنت حاجباها باستنكار، ورددت بقهر منتحب: صحتي!! أنا عاوزة ابني يا ماما، ما لحقتش حتى أحس بوجوده ولا أفرح بيه. ألقت بنفسها على صدر أمها مع كلماتها الأخيرة، لتربت سوسن على خصلات شعرها البنية بحزن، محاولة التخفيف عنها: ربنا هيعوضك يا حبيبتي.. استهدي بالله كدا، دا قضاء الله ما كانش مكتوب له يكمل.
جلس عز سريعا على حافة السرير ليخبرها بأسلوب رقيق حنون، محاولًا استرضائها: أنا مستعد أعملك كل اللي تطلبيه، كل حاجة الدنيا كلها ما تغلاش عليكي عشان تسامحيني وتتحسني يا حبيبتي. _مش عايزة أي حاجة منك غير ورقة طلاقي، تبعتهالي وبعدها مش عايزة أشوفك تاني. حدقت منى إليه بضراوة حارقة مع اختتام حديثها القاسي على قلبه الذي يرتعد بين ضلوعه من شدة اللوعة، إنه لا يعرف ماذا يفعل، فهل يبكي على حاله أو حالها؟
يلتمس لها كل أعذار العالم لما فعله بها، ولكن فكرة ابتعادها عنه تفقده عقله وتنتزع روحه من جسده مما جعل دموعه تتساقط من مقلتيه لا إراديًا قائلًا بخوف من فقدانها: انتي بتقولي من قهرتك وجرحك كبير ومقدر إن اللي مريتي بيه مش سهل، وأنا مستعد أستحمل منك كل حاجة.. بس أنا مقدرش أبعد عنك يا منى، انتي محتاجالي زي ما أنا محتاجلك ومش هسيبك، هردك لعصمتي تاني ودلوقتي. امتزج إصرارها الحاد بدموعها الغزيرة على خديها المحتقين من شدة
الانفعال في قلبها المحطم: إذا عملت كدا هخلعك يا عز.. مش مكفيك كل الأذى اللي وصلته بسببك.. انت أكتر مخلوق على الأرض بقيت بكرهه وبحتقره، فاهم؟ بحتقرك وبكرهك، اطلع من حياتي خالص، مش طايقة أشوفك قدامي ومش عايزة منك حاجة. ظلت تتلوى بشكل متشنج بين ذراعيه التي كان يحاول أن يحيطها بهما حتى يسيطر على حركاتها الخرقاء، لكنها استمرت في الصراخ وهي منهارة، تبكي بمرارة، حتى جاءتهم الطبيبة بسبب الضجيج،
قائلة بنبرة جدية: كدا ما ينفعش يا جماعة، حالة المدام ما تسمحش بكل الانفعال دا خصوصًا مع كمية النزيف اللي حصلت لها. تابعت بعملية: لو سمحتم اطلعوا برا.
وقف مكانه بعينين متحجرتين وملامح جامدة، نقشت العذاب على ملامحه بإتقان، بينما تنهدت الطبيبة باستسلام وأعطتها حقنة مهدئة بعد أن أصيبت بانهيار عصبي من قوة صدمة فقدان جنينها، وبعد عدة لحظات بدأ الدواء يسري مفعوله في عروقها مما جعلها تسترخي تدريجيًا على السرير، وهي لا تزال تتعرق وتهذي بكلمات غير مفهومة حتى ذهبت إلى عالم آخر أمام نظراتهم الحزينة والمشفقة. في غرفة إبريل بالمستشفى
جحظت عيناها على اتساعها بذهول، واحتبست أنفاسها تلقائيًا في صدرها، وهي تنطق بسعادة مشدوهة: عمر. ركض الطفل نحوها مباشرة، ورمى جسده الصغير بين ذراعيها، وهو يقول بصوت لاهث: جيت أديكي حضن كبير بتاع النهارده وإمبارح.. انتي وحشتيني يا إبريل، انتي كويسة؟ سأل عمر باهتمام، لتقبل خده بلطف تحت أنظار باسم، حيث كان مذهولًا من تغيرها الجذري مع عقلة الإصبع هذا،
بينما قالت بحب حقيقي: يا حبيب قلبي أنا زي الفل.. وانت كمان وحشتني أوي.. انت إزاي جيت هنا؟ أجابها عمر بتلقائية طفولية: مع ماما وجدو وتيتة، بس أنا سبقتهم وجبتلك دي، عارف إنك بتحبيها، هناكلها مع بعض. نظرت إلى الكيس البلاستيكي بانشداد، ثم قبلت خده مجددًا بضحكة جميلة: يا روح قلبي ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا. همت بفتح الكيس، فقاطعها باسم، وهو يأخذها منها بحركة مباغتة بعد أن جلس بجانبهما على الأريكة، ومد يده لها بالكوب قائلًا
بنبرة آمرة باردة: اشربي اللبن الأول. رد عمر بسرعة بدلًا منها: لا إبريل بتكح كتير ووشها بيحمر من اللبن. ابتسمت للطفل، وأخذت الكأس من يد باسم، وأعطته له قائلة بحنان: خد انت اللبن اشربه يا حبيبي، ولما تخلصه هناكل غزل البنات، اتفقنا؟ تعجب باسم من هذا الحب الشديد بينهما، وقال بتساؤل: بتاكلي بسكوت مع الشاي ولا عايزة كرواسون.. أوعي وشك يبقى بيحمر منه دا كمان!! انزعجت إبريل من أسلوبه الساخر المعتاد معها،
وهمست بحدة: مش عايزة حاجة، قلتلك انت ما بتفهمش عربي، رجعلي باسيبوري واتفضل امشي من هنا، كتر خيرك لحد كدا. مال باسم نحو أذنها، وتمتم بنفس النبرة: طيب عناد فوق عنادك، مش ماشي ولا هرجعلك باسبورك إلا لما تسمعي الكلام وتخلصي فطارك، أدينا قاعدين. اغتاظت إبريل من تهديده لها، لتدمدم بعناد رهيب: مش سامعة كلام وهات الباسبور بالأدب وإلا... قطع صراع الهمس بينهما صوت أنثوي يقول بهدوء: صباح الخير.
اتجهت أنظارهما نحو الباب، ليجدوا ريهام تدلف بطلة أنثوية جذابة، ورائحة عطرها الرائعة تسبقها، فردا التحية في نفس الوقت. ريهام بهدوء: إزيك يا باسم.. عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟ حاسة إنك أحسن؟ اكتفى باسم بهز رأسه، في حين ردت إبريل باقتضاب: الحمد لله. شعرت ريهام باستمرار إبريل في الانزعاج منها، لتقول بنبرة عادية: بالمناسبة، بابا بيتكلم مع الدكتور برا عشان يطمن على صحتك وداخلين يشوفوكي.
أضافت وهي تشير إلى الطفل: تعالي يا عمر اغسل إيدك، عن إذنكم شوية وجاية. عند هالة _انتي بتعملي إيه؟! أمسكت هالة كف يده الباردة بأطراف أصابعها المرتجفة وبسطتها، لتضع خاتم الخطوبة الذي لم تلبسه إلا ساعات قليلة، قالت بابتسامة باهتة: اتفضل.. دي مش بتاعتي وما كانش المفروض ألبسها، وهي من حق واحدة تانية. رمق ياسر الخاتم الذي في يده بتعجب،
وخاطبها باستنكار: هالة.. انتي منفعلة دلوقتي، بلاش قرارات نندم عليها بعدين عشان شوية حكايات في بالك مالهاش أساس. هالة بابتسامة حزينة: بالظبط، هي فعلًا كانت حكاية وكل حكاية وليها نهاية.. بس تصدق أنا كنت عارفة النهاية قبل ما تبدأ الحكاية دي بس كنت بقاوح مع نفسي. قالت هالة ذلك لتهم بالرحيل، لكن قبضته على معصمها منعتها، قائلة بنبرة غاضبة: استني هنا..
انتي عمالة تجيبي كلمة من الشرق وكلمة من الغرب، ومش مدياني فرصة أدافع فيها عن نفسي، ولا عايزة تسمعيني. نظرت هالة إلى يده بارتباك، وتحدثت بأهدأ لهجة تملكها، وأشارت إليه بحزم: الكلام بينا خلص خلاص، لو سمحت سيبني أمشي. هز ياسر رأسه بالنفي، وشدها إليه أكثر، قائلًا بحدة حاسمة: مش قبل ما تسمعي اللي هقوله. لم يترك لها أي مجال للرد، بل سحبها خلفه إلى الباب الخلفي للسيارة، وقال بنفاذ صبر: اتفضلي اركبي. هل أصابه الجنون؟
هذا ما كان يدور في رأسها من تحوله المفاجئ، لتهتف بارتياب، وكأن أذنيها لا تسمعان ما أمرها به: هو أنت ماسكني كدا ليه؟ صر ياسر على أسنانه، وهو يشدد قبضته عليها، وقد وصل سخطه منها إلى أقصى حد، وهو يتمتم بتحذير: الناس بدأت هتتفرج علينا، خلينا نروح نقعد في حتة ونتفاهم. وضعت هالة يدها على يده، تحاول أن تدفعه عنها، وكانت على وشك الرد، لكن قاطعها جسم ضخم وقف كالحاجز بينها وبين ياسر، وقال بصوت رجولي بارد:
مش من الأصول تسحب بنات الناس من إيدها في الشارع وتركبها العربية وبالعافية، ماينفعش. في غرفة إبريل بالمستشفى مرت عدة دقائق وهما يستمعان إلى صوت صنبور الماء من داخل الحمام، فيما جلست إبريل بجوار باسم، تهز قدميها بحركة متوترة، وعيناها على باب الغرفة، رمقها باسم بنظرة خاطفة، وهو يعلم ما يدور في ذهنها. _إذا وجودي مش مريحك فأنا ممكن أمشي.
قال ذلك بهدوء خبيث، ثم نهض من مقعده ينوي الذهاب إلى الباب، لكن إبريل انتفضت بسرعة خلفه، وتلقائيًا تشبثت بذراعه لتمنعه من الخروج، قائلة بلهفة متوترة: هتروح فين؟ أنت هتسيبني هنا وسطهم لوحدي؟ خليك وانسى مؤقتًا اللي كنا بنقوله. كتم باسم ابتسامته، وهو يحاول الحفاظ على ملامحه الجدية، بينما كان يستمتع بعنادها الذي تتمسك به باستماتة، فرفع وجهه إلى أعلى وكرر بمكر: مؤقتًا ها... لا يا ستي ماتجيش على نفسك كدا...
شكلي فرضت نفسي عليكي أكثر من اللزوم ودي مسائل عائلية وأنا غريب! ردت إبريل بارتباك: عادي مفيش مشكلة إذا قعدت. جلس باسم على حافة الأريكة، فأصبح مستوى طولها تمامًا، وتساءل في دهشة: تغيير مش متوقع صراحة... بس عارفة الجملة دي ناقصة حاجة. عقدت إبريل ذراعيها إلى صدرها، وتساءلت بعدم فهم: إيه بقى؟ تأملها عن كثب للحظات قبل أن يقول: إحساس واحترام. ارتفع حاجبها بتعجب، وهمست بتساؤل: أنت بتتلكك بقى؟
رفع باسم حاجبه بحركة مماثلة، وأجابها بتحدٍ هامس: آه بتلكك... قولتي إيه؟ زفرت إبريل الهواء بضيق يظهر مدى الحنق الذي يشتعل في عروقها، قالت بتبرم: لو سمحت ممكن تخليك. هز باسم رأسه بعدم رضا، وقال بابتسامة جانبية: بنفس عشان أصدقك. مضت عدة ثوان أدارت بهم وجهها إلى الجانب الآخر، لتتنفس بعمق قبل أن تنظر مرة أخرى إلى عينيه الرماديتين الداكنتين، ثم تحدثت بصوت رقيق مملوء بالرجاء الصادق:
ممكن لو سمحت تفضل معايا وماتسيبنيش هنا لوحدي. تبادلا النظرات للحظات بين الحاجة والقلق والرضا والصمت، قبل أن يقرب شفتيه بجوار أذنها، لتتغلغل رائحتها الرقيقة إلى رئتيه، وهمس في تساؤل شارد بصوت حانٍ جعلها ترتجف كأنه يحادث نفسه: أسيبك وأروح على فين؟ أمام غرفة في ممر المستشفى
جر قدميه إلى خارج الغرفة منهكًا، وعيناه غير قادرتين على رؤية أي شيء مملوءتين بالحزن، وكلماتها القاسية لا تزال تتردد في أذنيه، مما جعل حياته سوداء كالليل المظلم، لكن قلبه الهادر باسمها سيظل متمسكًا بالأمل، ربما تحدث معجزة سحرية حتى تعود حبيبته بين ذراعيه مرة أخرى. أفاق عز من حالته على صوت يهتف بأنفاس لاهثة: ماما. رأت سوسن ابنها قادمًا بخطوات واسعة نحوهم، وعندما وصل إليهم قالت بتعب: تعالى يا حازم شوف اللي جرى لأختك!
التقط كفها الباردة بين يديه، يربت عليها بلطف، ويقول لها في حرج: معلش اتأخرت عليكم غصب عني. تساءل حازم بقلق: طمنوني إيه أخبار منى؟ عملت في نفسها كدا ليه؟ سوسن بمرارة متجاهلة وقوف عز ودعاء الصامتة: حالتها لا تسر عدو ولا حبيب... أختك مدمرة على الآخر. أول ما تقدر تقف على رجليها هاخدها ونسافر على الشرقية. سارع عز بالتدخل بشكل فظ: تسافر إزاي يعني يا حجة... حازم بهوادة: استهدي بالله يا عز...
أكيد منى محتاجة تغير جو والسفر هيساعدها. أطلقت سوسن تنهيدة ساخرة، ولم تعجب عز نبرة التهديد منها عندما تحدثت بحزم: اسمع يا عز قدام الكل بقولك بنتي ورقتها توصلها لحد عندها ومتتقربش منها تاني كفاية اللي جرى لها بسببك لحد كدا. تدخل حازم يقول باستهجان: اهدي يا ماما طلاق إيه بس؟ قالت سوسن بجفاء مغمور باللوم: اسأل جوز أختك، ولا أقول طليقها بعد ما رميت عليها يمين الطلاق إمبارح. تكلم بخشونة تضاهي سوداويته الحادة:
اسمع يا حازم، خلاص أنا موافق إنها تسافر عشان تهدي أعصابها وتعرف تفكر كويس، بس مش هطلقها رسمي إلا لما تبقى متأكدة من قرارها، وأي حاجة هي عايزاها أنا هنفذها، ودا آخر الكلام. مشى بجانب أمه بضيق شديد، وقلبه يغلي غضبًا وقهرًا، لا يصدق أنه سيسمح لها بالابتعاد عنه، لا يستطيع تحمل فكرة الفراق عنها بتلك السهولة، لكن كان عليه أن يمنحهما فرصة للتفكير والاسترخاء، ربما تغير قرارها الذي اتخذته عن مستقبلهما معًا.
في شقة زينب أم أحمد _آه يا ركبتي، بقالي يا أختي مدة ركبتي بتنقح عليا، العيال وطلباتهم هدّت حيلي. قالت ذلك أختها بنبرة متعبة، بينما كانت تجلس معها في غرفة المعيشة، فخاطبتها زينب بلطف: سلامتك يا حبيبتي، أبقي فكريني وأنتِ نازلة أديكي اسم مرهم هيسكّنلك الوجع. ردت بابتسامة: تعيشي يا قلبي... طمنيني صوتك في التليفون قلقني، خير حصل إيه؟ أنتِ وغوشتيني أوي. خفضت زينب عينيها، قائلة بتنهيدة يتخللها الأسى: مش خير خالص يا سناء...
أنا في غلب من ساسي لراسي يا أختي، وضغطي واطي وتعبانة أوي. سناء بفضول: سلامتك... غلب إيه؟ خير كفانا الله الشر... هو مش أحمد اسم الله عليه رجع من السفر وخدتيه في حضنك واطمنتي عليه، قالباها محزنة ليه بقى؟ زينب بتبرم: يا فرحتي برجوعه... رجع وناوي يخرب بيته بإيده. _مش فاهمة حاجة؟ روت لها زينب بسخرية الحديث الذي دار بينها وبين أحمد بعد قراره السفر إلى القاهرة: إمبارح فتحني في سيرة اللي ماتتسمى. حكت سناء طرف حاجبها بحيرة:
قصدك على مين؟ هتفت زينب بنزق: البت إبريل، هو في غيرها ماتتسمى. لوت سناء شدقها بعدم رضا: إيه اللي فكّره بيها تاني؟ مش اتقفلت السيرة دي من ييجي أربع سنين؟ من يوم ما فركشتي خطوبتهم والغندورة سافرت عند أبوها وخلصتوا من همها، وابنك بسم الله ما شاء الله عليه اتجوز وخلف وارتاح قلبك. هزت زينب رأسها بنفي عدة مرات، وقالت بحسرة: مفيش حاجة اتقفلت يا سناء يا أختي. _يعني إيه الكلام دا يا أختي؟ معقولة لسه حاطتها في دماغه؟
_الله يسامحك يا ابن بطني... من لحظة ما عرف إن المحروسة خطوبتها اتفسخت والموضوع رجع يشعشع في نفوخه من تاني. سناء باستفهام: طيب ومراته؟ ردت بابتسامة متكهمة ممزوجة بالقهر: بيقول إن معندوش حاجة تمنع ويقدر يفتح بيتين... الحكاية دي تدخلنا في خناق ومشاكل من تاني، مش عارفة أعمل إيه. قالت سناء بدراما: يا خبر، زعلتيني ليه كدا؟ هي مراته مالها؟ ما هي زي القمر وبتحبه وتتمناله الرضا يرضى.
قالت زينب: أهو اللي حصل، مش راضي باللي مقسوم له، وكل ما أفتح بوقي يقلب لي خلقته. كأنه بيقولي: أنتِ السبب يمه، وأنا سبتها عشان خاطرك. بس لسانه ما بينطقش. وأنا قلبي حرقني عليه، يعني كنت مفكرة لما يتجوز ومراته تبقى في بيته هيركز معاها وينسى أبريل وأيامها. قالت سناء: يا زينب، ما هو دا الطبيعي، مش سهل على البني آدم ينسى حد كان بيحبه ومتعلق بيه، خصوصًا إنهم متربيين مع بعض من صغرهم.
قالت زينب بضيق شديد: مش عارفة، مش عارفة أعمل معاه إيه بس يا خوفي لا ينخرب بيته ويرجع يندم. ربتت سناء على كتفها بمواساة يتخللها اللامبالاة بالأمر: إن شاء الله خير، اهدي أنتِ بس. في غرفة أبريل. قال فهمي: الله الله، واضح إن صحتك ردت، لابسة ومحضرة شنطتك كمان، إيه كنتِ عايزة تكرريها تاني مش كدا يا بنت؟ صاح فهمي مستنكرًا بشدة بعد أن اقتحم الغرفة وسلمى خلفه،
ثم واصل حديثه الغاضب: ومعناه إيه اللي منشور في الجرايد وعلى المواقع دا يا أبريل؟ يعني إيه أنتِ تعلني للصحافة أنكم مخطوبين حتى قبل ما يتقدّم لك في الحفلة؟ ممكن تفهمونا؟ وزع فهمي نظراته بينهم، ليبادر باسم بالتحدث بصوت هادئ: ممكن تقعد يا عمي وتهدي عشان نعرف نتكلم. بدأ يغزو الارتباك كيان أبريل، لذا حاولت الحفاظ على بعض الهدوء والاستقرار الانفعالي، وهي تسأل بصوت متقطع: هو مين قال أصلًا إني هربت؟!
قال فهمي بنفاذ صبر: أومال إيه كل اللي حصل دا؟ إيه تقدري توضحيلنا؟! حركت قدميها نحو السرير، وعقلها يعمل بأقصى سرعة حتى جلست على مسافة قليلة من باسم، وكأنها تبحث عن ملجأ آمن بجانبه، وأجابت بتوتر: حصل بالغلط غصب عني. كنت مضايقة ومخنوقة من القعدة في الأوضة لوحدي. لاقيت نفسي بلبس عشان أروح الخطوبة. استنكرت سلمى بعدم اقتناع: أومال مين ولع في الفستان إن شاء الله؟ كانت الولاعة بتعمل معاكِ إيه من الأساس؟! أخبرتها أبريل بلهجة
مغلفة بالثبات والثقة: كانت هدية من مصطفى. كنت رامية الفستان على الأرض من عصبيتي. وأظاهر إن شبكت فيه النار لما وقعت مني الولاعة من غير ما آخد بالي وأنا خارجة. ولما خرجت لاقيت الأمن بيجروا ورايا فاتخضيت وجريت منهم لحد ما وصلت لفيلا أونكل صلاح. وهناك قبلت باسم وهو اللي فاجئني بطلب جوازه مني وقتها اتجمع المصورين علينا وسمعونا ما عرفناش نوضحلهم حاجة وكل حاجة حصلت بسرعة.
قالت سلمى بسخرية: وإحنا المفروض نصدق التمثيلية العبيطة بتاعتك دي؟ اندفعت أبريل تقول بنبرة قوية ذات مغزى: زي ما أنا صدقت تمثليتكم الخايبة ليا. صرخ فهمي بعنف وعلى إثر ذلك انتفضت أبريل وشحبت بخوف: شكلك مش حاسة بالفضيحة اللي حصلت بسببك لينا ومصطفى ولأهل باسم كمان. ضاقت عيناها بدهشة حقيقية، وهي تجيبه بدفاع عن نفسها: فضيحة ليه؟
أنا ما عملتش حاجة أخاف منها. ومصطفى ما لوش عندي حاجة، خطوبته وفسختها لأنه واحد كذاب وغشاش. وقرار خطوبتي من باسم محدش له إنه يدخل فيه، دي حياتي ومن حقي أنا اللي أختار أعيشها إزاي؟ زجرها فهمي بصرامة حانقة: اخرسي يا بنت، أنتِ جايبة البجاحة دي منين؟ بقى دا جزاءنا على اللي بنعمله عشانك يا بنت إلهام.
سارع باسم بالتحدث بدفاع: فهمي بيه، المكتوب دا كلام جرايد ومتفبرك. أظن إنك المفروض تكون أكتر واحد فاهم كدا كويس. المهم دلوقتي نحضر في أسرع وقت ترتيبات الخطوبة عشان نقفل على إشاعات طلعت دي نهائي. قالت ريهام بانخراط في الحديث: وأنت تعرفها أصلًا منين يا باسم وإمتى عشان تتقدّم لها؟ وليه عايز تتجوزها بالسرعة؟ تابعت ريهام بخبث خفي: إلا إذا أنتم حصل بينكم حاجة وعايزين تتجوزوا عشان تداروا عليها. في شقة تحية.
قالت صابرين: تفتكري يا ماما يعني لو كان جاب البنت دي من أبريل مش الحياة كانت هتبقى أحسن؟ هتبقى متشحططة معاهم كدا. هزت تحية رأسها بسرعة مستنكرة بشدة، وقالت: استغفري ربنا يا صابرين، لو دي من الشيطان يا صابرين. دي إرادة ربنا هو اللي بيوفق وهو اللي بيفرق. يلا ربنا يكتب لهم الخير كلهم ويوفق كل واحد في حياته. قالت صابرين: اللهم آمين يا رب العالمين.
تابعت صابرين باغتياظ: بس أنا برضه لحد انهارده مفروسة من زينب. فضلت تزن على ودانه بكلام فارغ قال إيه. أبريل دي عاملة زي الطير المهاجر من عشه وبكرة تتلوى عليك لو صالحتها ونفذت لها طلبها وهتركبك وتسوق هي. وشحنته كلام زي الزفت في حق البت الغلبانة. ومفيش شهر وراحت خطبت له نادية وقال إيه إحنا هنجوزهم بسرعة، البت أهلها مجهزينها من الإبرة للصاروخ وهي موافقة ما تكملش بعد الثانوية كمان عشان خاطر عيونه. وفي الآخر أهو بقى بيسيبها بالشهور لوحدها وبيطل عليها شهر واحد في السنة، بالذمة دا مش حرام عليه؟
قالت تحية بتنهيدة: الله يصلح حالهم، هنقول إيه دا النصيب. فكرتيني صحيح من ضمن حجج مرات أخوكِ اللي ما بتخلصش عشان تسم بدنها. أبريل مش فاضية تجهز نفسها وملخومة في دراستها، الله يهديها ويسامحها. قالت صابرين بتأكيد: أبريل عزيزة النفس وكانت ما بتتكلمش عن جهازها دا خالص ولا بتجيب سيرته. قالت تحية بقلة حيلة: الله وحده يعلم الحال، كان ممشينا بالعافية، أنا لو عليّا كنت جبت لها الدنيا عندها.
قالت صابرين: بس بابا الله يرحمه ليه فضل رافض خالص إنها تشتغل رغم إنها كانت بتزن عليه كتير. قالت تحية: أبوكِ ما كانش عايزها تتبهدل عشان صحتها ومذاكرتها ما تتأثرش، مش هتبقى خربانة من كله. وأختك الله يسامحها ما بتسألش في بنتها، حاطة إيديها في المية السقعة وأبوها يدوب بيبعت لها مصاريف دراستها بالمعافرة والمحايلة كأننا بنشحت منه. قالت صابرين بخفوت: يلا في الأول والآخر دا نصيب يا ماما. ابتلعت تحية تلك
الغصة بحلقها قبل أن تردف: أيوه بس أنا لحد دلوقتي قلبي مش مسامحها خالص. أبريل السنة دي أخذت الشهادة الكبيرة وزي ما زينب كانت عايزة أحمد يتجوز عشان تشوف عياله أهو اتجوز من أربع سنين وعنده بنوتة ربنا يخليها له، بس أهو مش راضي بعيشته وساب لها البلد كلها وسافر، استفادت إيه بأنانيتها دي؟ هزت صابرين رأسها بالإيجاب،
وهي تقول بأسف: ربنا يهديهم يا ماما، اهدي أنتِ وروقي لا ضغطك يعلى، مش ناقصين. هتعملي إيه في تفكير زينب يعني، أمه وما حلتهاش غيره ومتمسكة بيه قوي. ومن زمان وهي مش متقبلة حبه لإبريل وكانت بتغير منها خصوصًا بعد ما بقت خطيبة ابنها. قالت تحية بانفعال طفيف ينم عن شدة القهر الذي تشعر به على صغيرتها: هي اللي عقلها صغير وما بتفكرش غير في نفسها. كل دا عشان معاملته كانت كويسة معها ومراعي ظروفها استكترت على البت تفرح لها شوية.
اهتز صوتها في نهاية العبارة بالحزن، فتربت صابرين على فخذها بلطف قائلة بضيق: هو دا مربط الفرس يا ماما. ظروف أبريل ودلعها مننا كلنا. البنت حلوة شكلًا ومضمونًا والناس اللي حواليها بيحبوها ومهتمين بيها وكأن الكون بيدور حواليها، دا خلى زينب تفكر إن ابنها هيبعد عنها ويقرب من مراته حبيبته وتكون واخدة من أمه طول الوقت. في غرفة أبريل. حثتها سلمى لتجيب على سؤال ريهام: ما تردي يا أبريل. سارع باسم بالرد بدلًا
منها بصوت حازم: ترد تقول إيه على العك اللي بيتقال دا؟ وبعدين عيب يا فهمي بيه تكون مش عارف بنتك ولا واثق في أخلاقها بالمنظر دا. كانت أبريل تحدق في والدها بعينين دامعتين، وقلب مفطور، مستوحش بألم الوحدة، ثم ردت بصوت مقهور مشوب بالخذلان: رد يا بابا هو أنت فعلًا تعرفني؟ لا ما تعرفنيش. انتِ عمرك مرة في يوم من وقت ما جيت أعيش عندكوا سألتيني عن أنا كويسة، حاسة بإيه، بفكر في إيه، أو لو حاجة مزعلاني أو تعباني؟
تغيرت نبرتها في أقل من دقيقة، وكأن شحنة كهرومغناطيسية استحوذت عليها، لتتابع بقوة غريبة: ومش هسمح لأيًا كان يجبرني على شيء رفضاه مهما حصل، وأنا حرة في اختياري. صكت على أسنانها خوفًا، وعلقت بقية الحروف في حلقها بمجرد أن تحدث فهمي بسخط شديد: صحيح انتِ قليلة الرباية يا بنت إلهام.
رفع فهمي ذراعه وهو ينوي أن يصفعها، لأنها تمادت في الحديث معه بهذه الحدة الجريئة منها، ولكن فجأة باسم رمح كالسهم الحاد، ليقف بينهما قبل أن يصل كف فهمي إلى خد إبريل التي انكمشت بخوف وهي تتوارى وراء باسم بصدمة. رمقه باسم بجدية وهو يمسك بذراعه وخرج صوته شديد البرودة كنسيم هادئ قبل هبوب عاصفة مخيفة:
أظن من باب أولى نهدى عشان نعرف نتعامل مع دستة الصحافيين اللي مستنيين على باب المستشفى ومنتظرين لحظة خروجنا، واللي حضرتك عايز تعمله ما يصحش ولا هيوصل لنتيجة سليمة ولا هسمح إنه يحصل للإنسانة اللي هتبقى مراتي وعلي اسمي. فهمي بزمجرة وهو يسحب ذراعه من قبضة باسم: إيه هو اللي ماتسمحش وتسمح؟ اتفضل أبعد عن طريقي وماتدخلش بيني وبين بنتي. رفع باسم حاجب واحد بتحدي ثم خاطبه برسمية:
أفهم من كده أنك شايفني ماستحقش شرف نسبك يا فهمي بيه؟ فهمي بصوت مضطرب: أكيد ما كنتش أقصد كده، لكن إزاي عايز تتجوزها وهي مخطوبة و... ضيق رماديتيه الذئبية بتفكير ثم تساءل بلهجة غامضة: كده الكلام متغير ومش متركب على بعضه، لحد إمبارح كانت مفسوخة خطوبتها وأنت موافق عليا، إيه اللي اتغير؟ في إيه بالظبط؟ خرجت الكلمات من فم فهمي مثل قنبلة موقوتة حان وقت انفجارها: في أن مصطفى رجع من السفر وزمانه جاي على هنا.
اتسعت فيروزيتها من الصدمة وهي مازالت تحتمي بظهر باسم وتستمع إلى حديثهما بذهن شارد وإحساس دافئ بالأمان يتسرب إلى ثنايا قلبها الهادر بقوة، حيث لأول مرة منذ رحيل جدها تشعر أن سندها يعود من جديد ولا يستطيع أحد أن يؤذيها طالما هو معها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!