الفصل 39 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
24
كلمة
4,732
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

الغدر هو أحقر الجرائم الإنسانية وأكثرها خسة، لأن الإنسان يستطيع دائمًا أن يفعل ما يريد في مواجهة الآخرين وليس من خلفهم. فلا تتعاطف مع أشخاص فشلوا في الاحتفاظ بك، ولا تصدق أن غفرانك الزلات يزيد من حجمك في أعينهم، فقد انتهى زمن الكريم الذي إذا أكرمته ملكته، والبكاء على الأطلال يمنحك بعض الدراما اللذيذة، لكنه لا يأخذك لأي مكان، التجاوز هو مفتاح العبور لمرحلة جديدة. في سيارة نبيل الترابلسي

كان السائق يقود سيارة نبيل بهدوء متوجهًا إلى المستشفى، فيما جلس صاحب العمل في المقعد الخلفي وزوجته بجانبه، حتى قطع الصمت فجأة بصوته وهو يقول بنبرة الندم: "احنا سبب كل اللي حصل؟! استفهمت هناء بعد أن أثار دهشتها بكلماته المفاجئة: "قصدك إيه؟ استأنف حديثه موضحًا، وعذاب الضمير يفتك به:

"اتحولنا أنا وانتي ناس أنانية. من خمس سنين من يوم ما حنين شالت الرحم بسبب الورم بعد ولادتها التانية لتالا واحنا بنضغط على مصطفى عشان يتجوز تاني، فضلنا من كل جهة ننخر في الخشب لحد ما كرهها وكره حياته بعد ما كان راضي بنصيبه ومكتفي بمراته والبنتين." صمتت هناء لبعض الوقت قبل أن تبرر الموقف بالإنكار، متجاهلة صوتًا بداخلها يؤكد صحة أقوال زوجها:

"احنا كنا بنعمل كدا عشان مصلحته يا نبيل. أي أم وأب من حقهم يسعوا في اللي في مصلحة ابنهم وفلوسه." هز رأسه بقلة حيلة وهو ينظر من خارج النافذة، وقال بأسى: "وآدي النتيجة يا هناء، دنيا ابنك بتتهد فوق دماغه ودماغنا، وحتى الشغل بيتدمر عشان ما بقاش مركز فيه، واللي كانوا مستنين له غلطة عشان يسنوا أسنانهم عليه استغلوا نقطة ضعفه عشان يخسروه كل حاجة." طرق الهلع والخوف باب قلبها على ابنها، وانعكست مشاعر التوتر على وجهها،

عندما تحدثت بصوت مضطرب: "ما تشيلش نفسك أكتر من طاقتها يا نبيل. ضروري هنلاقي حل. وبعدين حنين كمان كانت تصرفاتها الأخيرة معانا مستفزة وكل مناسبة تجمعنا بقت تتعمد ما تحضرهاش عشان ما نشوفش مصطفى ويكون وسطنا، لو مش ملاحظ هو من يوم ما انفصلوا عن بعض وأغلب وقته معانا." نبيل باعتراض مثقل بالضيق:

"ما تحطيش مبررات لغلطتنا يا هناء، احنا اللي خربنا حياة ابنك من كتر الوسوسة في ودانه. من تدخلنا في حياته مع حنين لحد تدبيرنا مع قريبتك ومقابلته بإبريل وخطوبته ليها، ظلمنا بنت مالهاش ذنب عشان أنانيتنا ودلوقتي كلنا بنرمي اللوم على رد فعلها." أقرت هناء بنبرة منخفضة: "ما أنكرش إني لما شفت إبريل عجبتني وكلمت سلمى عليها. بس هو بعدها أعجب بيها وهو اللي طلب ما نقولهاش على جوازه من حنين لحد ما يعرفها بنفسه." نبيل بعبوس أشد:

"ودي كانت أكبر غلطة غلطناها. كله عك في عك. يا ريتنا ما سكتناش بسبب كدبته دي، اتفضحنا كلنا وسمعتنا هتبقى في الأرض." في نفس الوقت بالمستشفى داخل غرفة إبريل "عمالين نضيع الوقت في كلام لا هيودي ولا هيجيب. بدل ما نفكر إزاي نمنع الفضيحة اللي هتحصل لما مصطفى يتأكد إنك اتخطبتي لغيره!! رددت سلمى تلك العبارة بلهجة حانقة، فانجلى الاستنكار من عينيها الفيروزيتين اللامعتين بالغضب، وهي عقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم قالت احتجاجًا:

"ولو عرف يعني هيعمل إيه؟! مين اللي لازم يخاف؟ مين اللي غلط في حق مين الأول؟ مين خَبّى وكدب؟! ليه عايزيني أسكت وما أواجهش؟ هو مالوش عندي حاجة يبقى أخاف وأستخبي منه من الأساس ليه؟! اتسعت عينا ريهام بذهول الكاذب، وهي تسأل بتهكم ساخر: "عايزة هتقوليله إيه؟! عايزة تخربي الدنيا أكتر من كدا؟ خلاص سيرتنا بقت على كل لسان." تجهمت معالم فهمي بحنق، وصاح بصوت نافذ الصبر:

"بنت أنتي تسكتي خالص. مش مكفيكي المصايب اللي عملتيها لحد دلوقتي. ما أسمعش ليكي حس وخليني أشوف صرفة لمصيبتك الجديدة دي." ضاقت عيناه الرماديتان من حالة العصبية المفرطة التي تظهر على فهمي قبل أن يسأل بحذر ولباقة مشوبة بالدهاء: "اعذرني يا فهمي بيه في سؤالي. بس إبريل عندها حق في كلامها. هو ليه عندك إيه عشان تبقى متوتر أوي كدا منه؟! تأكدت شكوكه فور أن توترت تعابير فهمي الذي بذل قصارى جهده لإخفائه كما قال بصوت مرتعش:

"ولا حاجة طبعًا لكن... لكن ما يصحش اللي حصل. ولا أي راجل هيقبل إن خطيبته تسيبه بدون معرفته وتتخطب لواحد غيره بين يوم وليلة كدا." ظلت ملامح باسم هادئة، وهو يوزع نظراته على الجميع، ثم زفر الهواء من فمه قبل أن يتحدث بجدية: "طيب خلينا نخرج من هنا الأول بدون شوشرة وبعدين نشوف حكايته." وافقه فهمي بهدوء: "خلاص أنا رايح الاستقبال أبلغهم ما يطلعوش مصطفى على هنا."

"طيب على ما تجهزي حاجتك يا إبريل. أنا وريهام هنروح نطمن على منى مرات ابن عم باسم مش هنتأخر. وأنت يا يوسف روح هات إذن من الدكتور عشان ناخد إبريل ونرجع البيت." أنهت سلمى جملتها بهدوء، فاكتفت إبريل بالرد عليها بإيماءة صغيرة، ولم تخرج من شرنقة المراقبة الصامتة التي وقعت فيها مستسلمة لآرائهم، فماذا عليها أن تفعل إذا أصروا على توجيه مسار حياتها كما يريدون؟! خلال ذلك الوقت أمام بوابة المستشفى عند هالة

قاطعها جسم ضخم وقف كالحاجز بينها وبين ياسر، وقال بصوت رجولي بارد: "مش من الأصول تسحب بنات الناس من إيدها في الشارع وتركبها العربية وبالعافية ما ينفعش." بهتت هالة مصدومة، بينما جهر ياسر باستنكار: "دي خطيبتي يا أستاذ. ثم أنت تطلع مين عشان تدخل في شيء ما يخصكش؟ "مبسوطة دلوقتي خلتينا نسمع كلمتين ما لهمش لازمة من اللي رايح واللي جاي." قطب الآخر جبينه بعبوس عند سماع تلك الكلمات الفظة من ياسر، ليهندم ياقة قميصه

بكبرياء ثم قال بنبرة لبقة: "لو عايز تعرف أنا مين ما فيش مانع. أعرفك بنفسي أنا الدكتور فريد عبد العزيز." ياسر بعنجهية: "ومين يعني الدكتور فريد؟ ظهر شبح الابتسامة على شفتيه المقتضبة بسبب أسلوبه الاستفزازي قبل أن يرد بثقة وثبات عاطفي: "عبد من عباد الله يا ريس وعلى باب الله كمان. بس الحمد لله ربنا إداني رجولة ونخوة اللي زيك ما يسمعش عنهم ومستعد أعلمك الاحترام عشان شكلك نازل من بيتكوا ما تعرفهوش."

تجهمت ملامح ياسر بحدة، منقلبًا الوضع بينهما، ليهتف بسخط نافذ الصبر: "محترم غصب عنك. ودي أمور شخصية بين واحد وخطيبته إيه يدخلك فيها؟ تصاعد غضب فريد أكثر من استخفاف ياسر، ليهدر بخشونة حاسمة: "دا مش بس أدخل، وأكسرلك إيدك كمان اللي اتمدت وسحبتها بالمنظر دا. وأيًا كانت صلتك بيها في أسلوب متحضر تتكلم بيه. لكن واضح إنك واحد محترم في بدلتك بس."

استحوذ الاضطراب تمامًا على هالة التي شعرت بجفاف شديد يجتاح حلقها، وهي تتابع أنظار المارة إليهم قبل أن تجد صوتها في نبرة مترجية: "دكتور... خلاص لو سمحت الناس بدأت تتفرج علينا. دا مجرد سوء تفاهم ما فيش حاجة." تجلجلت ضحكات ياسر الساخرة، وهو يصفق متهكمًا: "والله برافو عليكي. كمان لحقتي عينتي بودي جارد لحراستك مني؟!

كاد فريد أن يندفع نحوه يريد أن يلقنه درسًا قاسيًا غير مباليًا بمكان وقوفهم، لتشعر هالة بما يفكر فيه، وكاد قلبها ينفطر من صدرها من التوتر، بينما كان صوتها يرتعش وهي تناشد إلى أدنى ذرة متبقية من العقل في الرجل الآخر: "ياسر احنا كبار بما فيه الكفاية. ارجع لوعيك من فضلك واتكلم بعقل. أنت مش حاسب حساب لكلامك ولا للمكان اللي واقف قدامه. امشي لو سمحت كفاية لحد كدا." "ماشي يا هالة...

بس اتأكدي إن اللي حصل دا هيكون ليا رد فعل عليه مش هيعجبك، وكلامي هيبقى مع أهلك. لم تهتم هالة بتلميح التهديد في نبرته، واستطاعت أن تتنفس الصعداء بمجرد أن رأته يعطيهم ظهره، ليصعد إلى سيارته. بعد فترة وجيزة في غرفة أبريل.

كانت منحنية، وتضع متعلقاتها الشخصية في الحقيبة وهي شبه تائهة في أفكارها، داهمها شعور الدوخة من جديد، فاستندت على السرير بكلتا ذراعيها، وجلست عليه ببطء، بينما كان باسم يقف أمام النافذة ينظر إلى الصحفيين الذين ما زالوا أمام المستشفى. أدار باسم رأسه، وهو يقول ذلك، فاتسعت عيناه في دهشة، ليهرول نحوها قائلاً بقلق: إيه مالك، انتي تمام؟!

هزت أبريل رأسها ردًا على سؤاله بإشارة صغيرة، وهي تغمض عينيها، أراد وضع يده على ظهرها بتلقائية، لكن تراجع في آخر لحظة، ليسألها بهدوء: اتضايقتي من كلامهم مش كدا؟! أجابت باقتضاب: أنا كويسة. _طيب تعالي نقف عند الشباك عشان تشمي شوية هوا يريحوكي. أنهى باسم كلماته الهادئة، وفي الوقت نفسه لف ذراعه حول خصرها، ممسكًا يدها في الكف الأخرى، ليساعدها على النهوض بخفة، دون إعطائها المجال للاعتراض.

وقف كلاهما ينظران إلى الخارج في صمت تام، بينما كان لا يزال محتفظًا براحة يدها في يده، ومن يرى موقفهم سيستنتج أنهم في وئام كبير معًا. قطعت أبريل هذا الصمت قائلة بامتنان، وهو ما أحسه في رقة نبرة همسها: متشكرة وعارفة إن أنت ملكش ذنب أنا اللي ورطتك في مشكلة ما تخصكيش و.. باسم بتمتمة: انتي عايزة ترجعي لخطيبك؟ رفعت رأسها إليه بارتياب بمجرد أن فاجأها بسؤاله الذي لم تفهم مقصوده منه، فجاءت إجابتها المندفعة تذهله، وهي

تتراجع خطوة إلى الوراء: لا. _لسه في حاجة مش فاهمها.. لما انتي عندك جدتك في المنصورة ليه عايزة تسافري دبي؟! شردت بنظراتها للأمام، وهي تفكر في إجابة سؤاله، بقدر ما افتقدت حنان جدتها، لكن يصعب عليها الذهاب إلى هناك، خاصة في ظل وجود أحمد، لا تعرف ماذا ستفعل لو رأته وهي في قمة ضعفها، ولا تريد أن تتخذ قرارًا تندم عليه بقية حياتها لمجرد احتياجها للأمان. أخرجت تنهيدة مثقلة،

وهي تجيبه باختصار: العيشة بالمنصورة ماتناسبنيش وصعب كنت أفضل عايشة مع بابا بعد اللي حصل.. كان على طرف لسانه أن يسألها عن والدتها، لكنه تراجع ينظر إليها بتردد، حالما أضافت بنبرة غامضة مزقت أوتار قلبها سرًا: مالقتش حل غير السفر في كل الأحوال مفيش هنا مكان بنتمي ليه. أشفق باسم عليها، وقال عمدًا، وكأنه يتحدث إلى نفسه: بس الهروب من مكان لمكان عشان موقف حصل دا مش هو الحل السليم!! علت ابتسامة غير مبالية ثغرها الوردي،

مستهزئة باحتقان: ما بقتش فارقة.. المهم إن بسببي ورطتك وورطتني أكتر وخلاص مبقاش فيه ليا مهرب.. لمعت عيناه دهشة من تقلب مزاجها السريع، وضحك بخفة على تذمرها اللطيف قبل أن يسأل: لسه حاسة بالدوخة؟ _بدأت تروح.. هو ممكن أطلب منك طلب؟! استقطب حاجبيه الكثيفين مستفهمًا: إيه؟ تلجلجت كافة خلاياها، وهي تقول باستحياء: ينفع تنزل تلحق علبة الشيكولاتة قبل ما حد ياخدها يعني مش هتبقى خسرانة من كله. استعجب باسم من طلبها اللامنطقي،

واستفسر بارتياب: دي لعبة جديدة عشان تخلعي ولا إيه؟ تنفست بصوت عال، وهي تتكهم باستياء: هخلع إزاي وفي طقم الصحافيين دا في انتظارنا؟! أمسك برسغيها على حين غرة، ليهزها بتمهل ودمدم سخطًا: وكنتي بترميها ليه لما عينك فيها؟ أبريل بتهكم واضح غافلة عن كونها بين براثن الذئب: ما أنا رميتك أنت شخصيًا وأهو بقينا مدبسين في بعض. رفع حاجبه متجاهلاً ما قالت، وتابع بغموض: طيب عشان نبقى واضحين.. في حاجة مهمة لازم تعرفيها عني كويس..

_واللي هي؟! انفرج ثغره مشكلاً ابتسامة مغترة بزغت في قوله: أنا ما بقولش ولا بعمل حاجة من غير مقابل.. تخصرت، وهي تتأمل ابتسامته اللئيمة، لتسأله بغيظ مصحوبًا بتعبير مريب: وإيه المقابل دا اللي أنت عايزه يعني؟! ازدادت نبضات قلبها شيئًا فشيئًا، وتسمرت فور احتدت جرأته وهو يميل برأسه نحو وجهها، ليتأمل ببطء جمال عينيها الفيروزية، برموشها الطويلة التي ترفرف في ارتباك، لينبس بخفوت مثير امتزج

بحرارة أنفاسه على شفتيها: ومالك اتوترتي كدا ليه يا أم لسان ونص.. إيه اللي خطر على بالك؟! أعقب عبارته الأخيرة بغمزة من إحدى عينيه، ونتيجة لتلك الحركة استفاقت من الفقاعة السحرية التي خلقها حولها بأساليبه الجهنمية، لتسحب نفسها من حصاره الطاغي ثم تذمرت باستياء: أنت ما بتزهقش من أسلوب التلاعب بتاعك دا. راقب باسم ارتباكها باستمتاع، وهو يخبرها ببراءة: طبع ما أعرفش أغيره. هزت أبريل رأسها بيأس،

واستدعت الهدوء في قولها: طب اتفضل ممكن تنزل قبل ما تروح علينا. رفع باسم أكمام قميصه، وهو يقترب منها بخطوات بطيئة، راقبت بحذر المكر والتهديد الذي لاح في عينيه الذئبيتين، وهو يقول بصوت منخفض أجش: هنزل بس إياك عقلك يوزك اا.. سارعت أبريل مقاطعة إياه، بعدما تعبت من كثرة المجادلة معه: والله مش هيوزني خلاص. في ذات الوقت عند الاستقبال _سجلوا عندكم خناقة بعد كام ساعة من تلبيس الدبل. دكتور ياسر ودكتورة هالة استند باي فركش.

هذه العبارة نطقتها ممرضة في منتصف العشرينات من عمرها بعد أن اقتربت منهم بسرعة من الخارج، لتسأل إحدى الممرضات في حيرة: بتقول إيه المروشة دي؟! ضحكت أخرى، وهي تقول بدهشة: ما تاخدي نفسك الأول وبعدين اتكلمي عشان إحنا مش فاهمين منك حاجة. التقطت أنفاسها ببطء، وهي تهندم الحجاب فوق رأسها لتسرد بصوت منخفض،

وتلوح بيديها بحماس: الدكتورة هالة والدكتور ياسر كانوا واقفين مع بعض قدام البوابة ووشوشهم مقلوبة وفجأة هي قلعت الدبلة واديتها له. ضربت إحداهن خدها بذهول، قائلة بشهقة: يا نهار كحلي عرفتي إزاي يا شيخة الحارة؟! _شوفتهم بعيني وأنا راجعة من عند مطعم الفول والطعمية. التزمت الصمت لثوان توزع نظراتها، بينما تمط شفتيها للخارج وأردفت: لو مش مصدقني ابقوا بصوا على صوابعها.. خرجت والدبلة منورة في إيدها ودخلت وصابعها فاضي.

إحداهن بشفقة: يا عيني مسكينة دكتورة هالة والله. أضافت أخرى، وهي تضع كفها على خدها: دي حظها فقري أوي صحيح مش دايما الجمال والمال نعمة. استرسلت الممرضة باستفاضة: أخدوا عين قوية وبكمالة النحس كمان واحدة من المعازيم تقع من طولها في خطوبتها ونقلوها على هنا.. وفوق ده كله بدل ما تقعد تقضي ليلتها في رقص وهيصة، قضتها في العمليات مع الراجل أبو رصاصة ده. _يخربيتك سوسة، بتعرفي ده كله منين؟!

تطلعت إليها وهي تكتف يديها بتكبر مصطنع، لتنبس زميلتهم بحسرة: بجد أغرب خطوبة ممكن تعدي على واحدة بنت، الله يكون في عونها. في هذه الأثناء، عند أبريل. كانت واقفة وذراعها مطويتان، وهي تحدق من النافذة، وعقلها يتذكر كلام والدها المسموم لها عندما نعتها بلقب "ابنة إلهام"، في كل مرة ينطق بها تشعر وكأنه يتعمد إهانتها، فهو لا يعرف شيئًا عن علاقتها بوالدتها، فيتردد في سرها صوت يسخر من حزنها: زعلانة ليه وهي دي حاجة جديدة يعني؟

ما أنتي عارفة إن فهمي بيه مايهمهوش حاجة غير نفسه وبس، هيفرق عنده بنته اللي رماها زمان؟ كنتي متعشمة ليه إن ده هيتغير دلوقتي وهياخدك في حضنه زي أي أب في الدنيا ما بيعمل مع بنته عشان يطمنها ويقويها؟ إزاي الدنيا دي مايلة بالعكس كده؟! إزاي الغريب يدافع عنك واللي المفروض أقرب حد ليكي في الدنيا يعاملك زي المجرمين!!!

رفعت رأسها محدقة في السماء بنظرات مؤلمة، والدموع الكثيفة كونت طبقة كريستالية على عينيها، قاومت بشدة تلك الرغبة المتصاعدة في البكاء، فإذا ضعفت سوف يمضغونها إلى حد سحقها تحت أنيابهم القاسية. تفاصيل حلمها البشع اخترقت جدران عقلها بقوة، وزادت من شدة مقاومتها للانهيار الوشيك. ظهرت على شفتيها ابتسامة ساخرة، وسبحت أفكارها مستحضرة أحداثًا من ذكرى ماضية، مما جعل جراحها النفسية تنزف أضعافًا مضاعفة. flash back

آخر مكالمة جرت بينهما كانت منذ أربع سنوات، ولم تكررها مرة أخرى، بل استمرت في تجنب أي محادثة بينهما، لن تنسى لها أبدًا عندما انهارت، وصدمت من تخلي أحمد عنها بعد أن خيرتها بينه وبين استكمال دراستها الجامعية، لتشعر بألم الظلم والعجز والضعف يشطر قلبها دون شفقة، وبدون أدنى تفكير، التقطت هاتفها ووقفت أمام نافذة غرفتها في منزل جدتها، لتبحث عن رقم والدتها، بأصابعها المرتعشة مثل خفقاتها المتسارعة من التوتر، بتردد اتصلت،

وعندما جاء الرد هتفت بخجل: ازيك يا ماما عاملة إيه؟! _هكون عاملة إيه يعني يا أبريل؟ أهو الدنيا ماشية بالعافية. بس الحمد لله على كل حال. إيه خير متصلة ليه متأخر كده في حاجة ولا إيه؟!

شعرت بالضيق والاختناق، وانهار سقف توقعاتها فوق رأسها بخيبة أمل، وتجمعت الدموع في مقلتيها بحزن شديد لعدم سؤالها عن حالها، واهتمامها فقط بسبب اتصالها بها، كأن هذا ليس من أبسط حقوقها، فمررت طرف لسانها، ترطب شفتيها الجافتين، لتحاول أن تبث في نفسها الشجاعة، في حين ردت بإحراج: آسفة ماخدتش بالي من الوقت. بس كنت محتاجة أكلمك في حاجة ضروري. استغربت من صمتها: ماما أنتي معايا؟! وصلها صوتها الناعس، وهي تتثاءب:

آه سمعاكي، قولي إيه هي الحاجة دي؟! _أنا كنت عايزة آجي أقعد معاكي فترة. _ومن إمتى ده إن شاء الله؟ ما كل إجازة بتختاري تفضلي عند ستك؟ أبريل موضحة: لا أنا عايزة أجيلك بكرة مش في الإجازة. إلهام مستنكرة: إشمعنى؟! مش عندك مذاكرة وجامعة اللي صممتي تخشيها؟ وبعدين إيه اللي قومها في دماغك كده مرة واحدة؟ إيه زهقتي ستك منك طبعًا مش كده؟ أبريل باندفاع: أنا وأحمد فسخنا خطوبتنا يا ماما. شهقت إلهام من المفاجأة، قبل أن تعاود توبيخها:

نعم. ده إمتى؟! وإزاي ده يحصل ومحدش يعرفني؟ إيه أنا آخر من يعلم يعني يا بت؟! أبريل بتنهيدة حزينة: ده حصل النهارده وعشان كده محتاجة آجي أقعد عندك. أنا مش عايزة أقعد هنا بعد كده. حثتها إلهام على الشرح: بلاش الكروتة دي في الكلام وفهميني إيه اللي حصل عشان تفسخوا خطوبتكم. انتهت أبريل من سرد ما حدث معها، لتقول إلهام بعدم رضا: زينب مفيش فيها فايدة طول عمرها كده ومش هتتغير. بس أنتي غلطانة يا أبريل. استنكرت

أبريل لوم والدتها بشدة: وأنا غلطت في إيه؟ _الراجل من حقه تكون مراته مهتمة بيه وتاخد بالها من بيتها مش فاهمة إيه حتة الشهادة اللي أنتي متمسكة بيها أوي كده دي؟! شعرت أبريل بالقهر من استخفافها، لتجيبها بدفاع: حتة الشهادة دي هي مستقبلي. وهي اللي هتحسسني بالأمان باقي عمري لما أتخرج وأشتغل وأعتمد على نفسي. مش معنى إني بحب أحمد يعني هفضل متكلة عليه ومحتاجاله في كل حاجة بحياتي. إلهام بضجر:

قصروه يا أبريل شكلك كده بيقول إنك مش عايزة الخطوبة دي وما صدقتي تحصل حاجة تسيبيه بيها طب كان ليه من الأول بقى؟ أنتي عملتي كده مشاكل بيني وبين أخويا وابنه. _هو أنا عشان بدافع عن حق من حقوقي أبقى بياعة وبتاعت مشاكل يا ماما؟ المهم أنا مش هقدر أقعد هنا تاني، هتوافقي آجي أعيش معاكي ولا لا؟!

_قولتلك قبل كده مينفعش يا أبريل، سبق وفهمتك ظروف جوزي وأحوالنا المادية على القد أوي خصوصًا وأنتي عارفة مصاريف جهاز أختك شمس قطمت وسطنا. أسرعت أبريل لتخبرها بلهجة مترجية، متجاهلة وخز الألم الذي نقر بحدة في صدرها من اهتمام أمها بأختها التي عاشت حياتها كلها بين ذراعيها، في حين أنها في حاجة إليها أيضًا، لكن لتحصل على هذا القدر من الحنان والعطاء يجب عليها أن تتوسل لها:

أنا مش هكلفكم أي حاجة والله، هشتغل وهصرف على نفسي. وبابا متكفل بمصاريف جامعتي أنا بس هنقل الورق لجامعة الإسماعيلية. ماما والله بجد محتاجالك لو سمحتي خليني آجي أقعد معاكي والله مش هزعجك ولا هتحسي بوجودي. إلهام قاطعتها مكررة جملتها السابقة بعدم اكتراث:

بطلي زن يا أبريل أنتي مابقتيش عيلة صغيرة. الفترة دي صعبة بقولك وأختك محتاجاني جدًا معاها عشان بننزل نلف على عفشها حتى مش هبقى فاضية آجي على المنصورة عشان أشوف موضوعك قدامي لسه كام يوم أدبر نفسي فيهم. ده غير إن فاروق مش هيوافق يا أبريل. وهو أصلًا عصبي الأيام دي عشان أنتي عارفة فرح شمس قرب ومشغولين لشوشتنا في ترتيبات الفرح. أبريل بجمود: تمام فهمت. تثاءبت مجددًا، وهي تخبرها: يلا روحي نامي تصبحي على خير. back

رسمت دمعة ساخنة خطًا متعرجًا على خدها المحمر، تزامنًا مع انتباهها إلى طرقات متتالية على باب الغرفة لتمسح بقية دموعها بخفة، وسمحت للطارق بالدخول قبل أن تستدير، لتجد نفسها في مواجهة مصطفى وجهًا لوجه. قبل ذلك بدقائق، عند ريهام.

ريهام تجلس على أحد الكراسي في الاستراحة أمام غرفة منى بعد أن اطمأنت بشكل سطحي على أحوالها، وتركت والدتها تواسي سوسن ببعض العبارات المتعاطفة، لتبدأ باستجواب عمر الذي يقف أمامها، وهو يمضغ قطعة حلوى، بينما تقوم بهندمة ملابسه بلطف: أونكل باسم اللي كان مع أبريل يا عمر ماسمعتهمش كانوا بيكلموا يقولوا إيه قبل ما أدخل عليكم؟! مال عمر برأسه دليلًا على التفكير قبل أن يسرد لها:

كان عايز يخليها تشرب اللبن بالعافية. بس أنا قولتله لا. ده وحش لأبريل وشربته أنا مش بتعب منه. قطبت ريهام حاجبيها دون فهم شيئًا، لتحثه على الإستكمال: وإيه كمان؟ رفع كتفيه دلالة على عدم معرفته، وهو يواصل كلماته، شارحًا ما يتذكره بعفوية: كانوا مقربين من بعض أوي. بيكلموا بصوت واطي قوي ما سمعتش حاجة. كظمت غيظها زافرة بخفوت، وهي تأمره بعدم رضا: طيب روح اقعد جنب جدتك وأنا لحظة وجيالكم. سلمى بسؤال: رايحة فين يا ريهام؟

ردت عليها بعدم اكتراث: هرجع لأبريل أفضل معاها لا تعمل حاجة مجنونة من حركاتها وأنتِ يا ماما معلش خدي عمر اغسلي يده من الشوكولاتة. _طيب. تسير في القاعة المؤدية إلى غرفة أبريل، لتتسع مقلتَا عينيها الزرقاء بتفاجؤ، وهي ترى مصطفى يقترب بخطوات متوازنة من الجانب الآخر من الممر، فتهادت في مشيتها، وعقلها ينسج خطة جديدة راسمة ابتسامة لطيفة على شفتيها بمجرد وقوفها أمامه، لتمد يدها تصافحه

قائلة بنبرتها الناعمة: حمد لله على سلامتك يا مصطفى أنت رجعت من السفر امتى؟! رفع مصطفى نظارته الشمسية، لتظهر عيناه السوداوتان ببريق مستاء، وهو يرد بمجاملة قبل أن يسيطر الاستنكار على صوته الذي كان مليئًا بالحيرة: الله يسلمك يا ريهام. طيارتي وصلت الفجر. فين فهمي؟ وإيه الكلام المكتوب ده؟! أنا مش فاهم حاجة إيه علاقة أبريل بباسم الشندويلي وإيه اللي حصلها؟! توترت ريهام لوهلة من هذا الهجوم،

وهي تمتم: اهدأ واحدة واحدة يا مصطفى. تابعت بلوم خبيث: تفتكر هيكون حصلها إيه.. طبعًا تعبانة ومضايقة قوي. _يعني عرفت؟ ردت بتعمد: كل حاجة والبركة في حنين. جحظت عيناه بصدمة، متسائلًا بعدم تصديق: يعني حنين هي اللي عملت كده؟ لمعت زرقاويتها ببريق غامض، مؤكدة بثقة شيطانية: أيوه جتلها لحد البيت والله أعلم قالت لها إيه من ساعتها وهي منهارة وزعلانة جدًا، وما أنصحكش تشوفوا بعض على الأقل لحد ما تهدأ.

جاءها رفضه بإصرار: أنا لازم أشوفها وحالًا يا ريهام. في الوقت الحالي عند أبريل _مالك متسمرة كده ليه كأنك شوفتي عفريت؟! ده حتى ما طلعتش منك كلمة حمد لله على سلامتك!!!

قال ذلك بسخرية، ليخفي توتره من تحديقها المستمر به، إذ أنها خالفت توقعاته باستقبالها الصامت، على عكس ظنه منها أنها ستنهمر عليه بالدموع والاستفسارات التي لا تنتهي في مثل هذا الموقف، لكن ما يراه هو بريق غريب يشع من فيروزيتيها، فيما ظلت أبريل صامتة، تجمع شتات نفسها بتريث، وهي تشكر القدر الذي أعد لها هذا اللقاء حتى تتمكن من إفراغ كل قهرها به، إذ خرج صوتها باردًا

حالما قالت بتلاعب: ما ظنش إنك جاي عشان تسمع مني حمد لله على سلامتك، زي كمان ما أنا مش مستنية منك تبرر لي أسباب كذبك عليَّ عشان ما فيش أي مبرر بيشفع الكذب. _أنا عايزك تسمعيني.. انقطع استرساله حينما وقعت عيناه على يديها اللتين كانت تلوح بهما بانفعال ليسأل بحدة، بينما يمسك معصمها في قبضته: دبلتك فين؟! رفعت فيروزيتيها التي كانت تتلألأ بلهيب البغض مقابل عيناه المستهجنة، لتنفض يدها منه، وتراجعت خطوة إلى الوراء

وهي تهتف بازدراء قاتل: ما تلمسنيش!! أنت مين وإزاي تدخل هنا بدون إذن، وبصفتك إيه؟! مصطفى بتريث: أبريل اهدئي عشان أعرف أشرح لك موقفي. استهزأت باستخفاف: تشرح لي موقفك.. الحكاية مش مستاهلة شرح. _كنت ناوي أقول لك.. اقتلعت أبريل ثمرة تبريره مقاطعة إياه بقسوة: امتى بقى؟! بعد ما تكون اتجوزتني على مراتك.. وأبقى قدام الأمر الواقع وأختار بقى ما بين أرضى إني الزوجة الثانية أو أطلق وأنا لسه عروسة؟!

صمت مصطفى هنيهة، وهو ينظر في عينيها المترقبة لإجابته، قبل أن يقول بصوت منفعل: أنتِ ليه مصرة على إني كنت قاصد أكذب عليكِ ومش عايزة تسمعيني. تهكمت أبريل بنبرة معبأة بالاشمئزاز: أسمع كذبة جديدة عايز تؤلفها عليَّ!! أنت ما تعرفش قد إيه شايفاك صغير قوي في عيني دلوقتي. تجمدت بخوف، حينما هدر فجأة بلهجة عصبية: احترمي نفسك يا أبريل عمالة تغلطي ومش مداني فرصة أفهمك.

ابتلعت غصة من الألم كانت واقفة في حلقها، قبل أن ترد عليه ببرودة شعرت بها تنخر عظامها: كان عندك مئة فرصة تقولي فيها الحقيقة بس أنت قررت تخدعني. بس الحمد لله إن ربنا كشفك على حقيقتك وبعت لي مراتك عشان تفوقني من الوهم اللي عيشتني فيه قبل ما أغرز في حفرتك القذرة عمري كله. جفلت أبريل بقوة، وتباطأت نبضاتها الخافقة من الذعر تحت ملمس قبضته، التي التفت بإحكام حول معصمها تعتصره، هاتفًا بحدة

من بين أسنانه المطبقة: أنا كنت مقدر وضعك وإنك تعبانة وعشان كده سكت. بس أنتِ زودتيها قوي ومش هأسمح لك بالغلط أكثر من كده. ولا ده الموضوع اللي جاي أتكلم فيه. إيه اللي بينك وبين باسم الشندويلي والمكتوب ده أساسه إيه؟! خلال ذلك في ردهة المستشفى _الدكتور جاي يعمل لها اختبارات التنفس ويطمن على حالتها قبل ما يكتب لها على خروج.

تحدث بها يوسف الذي جاء إلى حيث كانت ريهام تجلس تهز قدمها بتوتر ولم ترد، في نفس الوقت جاء صوت ضجة من خلف باب غرفة أبريل. _إيه الصوت ده؟! نطق بهذا السؤال، وهو يتجه نحو الغرفة: استني.. ده مصطفى. دهش يوسف باستنكار مترقب: نعم ومين جوه معاهم!! _لوحدهم. اتسعت عيناه بعدم تصديق، ليهدر بها بانفعال: أنتِ اجننتي سايباها لوحدها معاه هو ده كان اتفاقنا. ريهام باستهانة: وهو هياكلها سيبهم يتفاهموا مع بعض يمكن يتصالحوا. _اوعي كده.

قالها دون اهتمام لحديثها بعد أن دفع يديها عن ذراعه، لكي يتمكن من الإسراع إلى الداخل، ليصل صوت أبريل إلى أذنيه، التي سألت باستخفاف شرير: مش عايز تعرف دبلتك فين؟! _أبريل اهدئي خلاص!! اندفع يوسف لمقاطعتها، جاذبًا يدها من بين مخالب ذلك الأسد المتوحش، ليقف حاجزًا بينهما بعد أن دفع مصطفى إلى الوراء، وقبل أن يجد أنفاسه للحديث، أردفت أبريل بما أثلج روحها المحترقة بنيران يؤججها شعورها بالخداع،

والقهر من هذا المتجبر: حرقتها مع فستان الفرح، والخطوبة أنا اللي فسختها، واللي قرأته مضبوط أنا هتخطب لباسم دي مش إشاعة، ودلوقتي اطلع بره مش عايزة أشوفك ثاني. أنهت حديثها بتحدٍ، مشيرة بإصبعها نحو الباب، غير مهتمة بتعابير الغضب المقيت على ملامحه، لتزداد وتيرة أنفاسه الحارقة، وهو يصرخ فيها غير مصدق، بعد أن دفعته للجنون فاقدًا زمام تعقله ووقاره: أنتِ مجنونة بتخرفي بتقولي إيه؟!

أنتِ واعية للي بتقوليه.. ده على أساس إني لعبة في يدك وهتحركيها على مزاجك. لم يردعها صراخه، لتهتف بنبرة مستنكرة: بس على مزاجك أنت تتجوز وتطلق وتخطب وتكدب.. إيه الجبروت والبجاحة دي؟! تقدم مصطفى خطوة إلى الأمام يريد الوصول إليها، وهو يطحن أسنانه بشر، لكن يوسف منعه قائلًا بارتياع: بس خلاص لو سمحت اخرج من هنا يا مصطفى.. وجودك هنا هيعقد الموضوع أكثر وكفاية اللي حصل منك في حقها. رفض مصطفى باستهجان، بينما

يحاول إبعاده عن الطريق: مش قبل ما أشوف اللي عملته الست أختك اللي طلع ما لهاش كبير. _مصطفى بنفسه هنا.. إيه الزيارة العزيزة دي؟! صاح صوت باسم من الباب باستهزاء شديد، قابله مصطفى بجبين مقتطب قبل أن يشير إليه بضحكة غاضبة: ده الحكاية طلعت جد مش تأليف من الإعلام.. أنا عايز أعرف ده بيعمل إيه هنا؟! لم يتلق ردًا من باسم الذي تقدم أمام الجميع بخطوات واثقة، وعيناه الرماديتان الذئبيتان مسلطة عليها كأن لا أحد غيرها في الغرفة.

الطلب حضر يا بندقتي. ردت على همسه القريب من أذنها بإيماءة خافتة، وهي تأخذ منه الصندوق بذهول مرتبك، بسبب لف ذراعه حول خصرها بجرأة، كرد فعل بدا طبيعيًا من جانبه. أخبره بهدوء رهيب، قاصدًا استفزازه، ليرمقه مصطفى شرزًا: أنا في مكاني الطبيعي جنب خطيبتي. ردد مصطفى بهسهسة خطيرة: خطيبته؟! هز باسم رأسه بالإيجاب، وارتفعت زاوية فمه بابتسامة، مجيبًا إياه بنبرة عادية:

هو إحنا لسه ما حددناش إمتى بالظبط حفلة الخطوبة.. أنت عارف الترتيبات بتاخد وقت بس هتكون قريب أوي وأنت أول المعازيم يا درش. كاد مصطفى أن يصاب بالجنون في هذه اللحظة، فما يراه الآن يتصف بكلمة واحدة مكونة من خمسة أحرف: مهزلة، اقترنت أفكاره بزمجرة حادة، ظهرت جراءها عروق جبهته النافرة بغضب: أنت إزاي تسمحي لنفسك توافقي على خطوبة من واحد وأنت مخطوبة لراجل تاني؟!

خطى نحوها في انفعال، لكن أوقفته يد باسم التي ارتفعت، لتدفعه للخلف من صدره، واليد الأخرى لا تزال تستقر على خصر أبريل بحماية، التي كانت تراقب الموقف أمامها برعشة مضطربة، بينما صاح بصوت حاسم مليء بالصرامة: كلامك معايا أنا ولا أنت ما بتعليش صوتك غير على الحريم. تغضنت ملامح مصطفى، وكل خلية فيه تطالب بالاشتباك معه، ولكن قبل أن يتمكن من التحرك نحوه اعترض يوسف طريقه بجسده الرياضي، ممسكًا بذراعه، مهدئًا إياه حتى

لا يتطور النقاش إلى معركة: مصطفى اهدأ.. دي مستشفى مش مكان مناسب للزعيق والخناق. قاومه مصطفى بغضب مشحون، فتدخلت أبريل التي اندفعت واقفة في المنتصف بينهم، وهي تنظر إلى مصطفى بتحدٍ قوي ظهر في صوتها المبحوح، وهي تقول بنبرة حادة مستنكرة:

هو أنت بأي حق ليك عين وعايز تحاسبني مش كفاية الكلام اللي اتكتب في حقي بسبب كذبك.. خلاص وقتك هنا انتهى يا مصطفى.. تمن دبلتك هيوصلك مع الشبكة ومعاهم فلوس الفستان وأي حاجة كنت جبتيهالي هترجعلك.. ولآخر مرة بقولك تتفضل تطلع بره حالًا.

أنهت كلامها القاسي بأنفاس ثائرة، وهي تشير إلى باب الغرفة، فتجعدت ملامح مصطفى بشدة بسبب إهانتها لكبريائه بحضور شقيقها الذي تابع المشهد بصمت، وباسم الذي ينظر إليه بتحفز، قبل أن يركز اهتمامه عليها مخاطبًا إياها بين أسنانه بغضب وانفعال شديد: بتطرديني عشانه!! بقي هو ده الراجل اللي عايزة تتجوزيه سمعته مع البنات في الوحل.

اختتم مصطفى حديثه بنظرات الاحتقار التي وجهها لباسم الذي اشتعلت رماديتاه من الامتعاض، وهو يهم بالتحرك نحوه ليفتك به، لكن أبريل وضعت يدها بشكل عفوي على صدره، وهي تنظر إليه بنظرة ردعته عما كان ينوي فعله، وبصعوبة سيطر على نفسه. احترقت خلايا مصطفى بالحقد والغيرة بسبب فعلتها، بينما التفتت أبريل نحوه، ولمعت عيناها بالكراهية والاشمئزاز، تجلى في صوتها، تريد كسر غروره تمامًا ورد الصفعة إليه:

بس على الأقل راجل.. وقد كلامه مش كداب ولا غشاش. حدق فيها مصطفى بنظرة حالكة شرسة، وهو يهتف باستياء ووعيد: والراجل ده.. وعد منه.. إنه هيعرف إزاي يحاسب حتة عيلة زيك.. على كل كلمة وفعل عملتيه.. وهندمك عليه. اتسعت عيون باسم غضبًا، فأراد أن ينهي هذا النقاش العقيم بسرعة، وهو يجذب أبريل تلقائيًا حتى وقفت خلف ظهره، وأصبح هو مقابل مصطفى في وضعية دفاعية، قائلًا بتجهم خشن:

حاسب على كلامك قبل ما أندمك أنا عليه.. هي مش قالتلك اللي ليك هيرجعلك خلاص انتهى موضوعك معاها زي ما قالت خلصنا. نظر إليه مصطفى بنظرات لاذعة بعد أن اشتعلت نيران الغضب بداخله بسبب حركاته معها وكلامه الواثق له، وقال بحدة: ما فيش حاجة انتهت اللعبة يا دوب هتبدأ يا ابن الشندويلي. مرت ثوانٍ من الصمت على باسم، قبل أن يهز كتفيه مبتسمًا بسخرية، وهو يقول بتحدٍ عارم: وأنا متشوق أوي للعب وريني هتقدر تعمل إيه؟

وجه مصطفى إليه نفس الابتسامة الساخرة، ليقول له بنبرة قوية باردة، عكس نظراتهم النارية نحو بعضهم البعض: تمام.. بس افتكر النار اللي بتلعب بيها مش هتطولك لوحدك.. ولو كنت راجل زي ما بتقول عليك ابقى احميها من اللي جاي.. ده لو قدرت تحمي نفسك الأول من اللي هاعمله في واحد واحد فيكم. رمقها مصطفى بنظرة وعيد أخبرتها أن ما سيأتي لن يكون سارًا، بل الأمور ستصبح أكثر خطورة، قبل أن يضيف بصوت أجش من بين شفتيه المشدودتين:

حولتي المحبة اللي بينا لباب عداوة فتحتيه بإيدك.. واللي بينا مش هينتهي بالسهولة اللي أنت فاكرها يا أبريل.. كرامتي اللي دوستي عليها.. هادوس قصادها على رقبتك وتمنها هتدفعيه من دمك. شعرت أبريل بالخوف من جدية تهديده المباشر لها، لكن باسم قطع تحليل أفكارها بل إنها فزعت بقوة، عندما رأته يندفع نحو مصطفى بعد أن تخلى عن آخر ذرة من سيطرته، ووجه له لكمة قوية أطاحت بفكه للجهة الأخرى، وهو يصيح بلكنة غاضبة: ...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...