لن يستمر قلبك المتمرد في العصيان أمام أفعالي المغموسة في العسل المسموم، الذي لا أصنعه خصيصًا لك فحسب، بل سأطعمك إياه بمنتهى الحنان حتى تخضعي لي، محيكًا مؤامرة عليك حتى تقعي في مكيدة حبي بكل إرادتك، ثم أتركك عاجزة عن النبض إلا بأمري. داخل إحدى المقاهي الراقية. تحدثت أبريل مبتسمة بامتنان: "ميرسي على التوصيلة." فرد عليها بالمثل قائلًا بصوته الجذاب الأجش: "يا نصابة ميرسي واحدة بس دول مش كانوا ثلاث مشاوير؟
ابتسمت بعذوبة، وهي تميل نحوه بجذعها عبر الطاولة، وأجابت بهدوء: "ميرسي.. ميرسي.. ميرسي.. عشان الحق حق." مال باسم صوبها بالمثل مغمغمًا بمكر رجولي: "حاف كدا.. مفيش ميرسي بحضن.. ميرسي ببوسة أو بوستين أنا مش هأمانع." تدحرجت عيناها إلى الجهة الأخرى في اليأس من نهجه الجريء معها، وهي تعود بظهرها على مقعدها، وبتجاهل تداري به ارتباكها، نادت على النادل الذي كان يقف أمام طاولة أخرى بجانبهم: "لو سمحت."
التفت بإيماءة قبل أن يأتي إليهم قائلًا باحترام: "تحت أمرك يا فندم." أبريل بهدوء: "ممكن شاي أخضر." أومأ الشاب بابتسامة قبل أن يوجه سؤاله إلى باسم، الذي أشار بموافقته بإيماءة من عينه: "تمام يا فندم والقهوة بتاعت حضرتك." بعد قليل. يجلس باسم يرتشف رشفة أخيرة من قهوته، وهو يتجاذب معها الأسئلة بهدوء: "وانتي حابة تكوني مع أنهي شركة فيهم أكتر؟ ردت أبريل بجدية:
"المختار جروب من ناحية الجودة والسمعة كويسين ومحترمين جدًا واشتغلت معهم فترة بسيطة في تدريبي." سألها بحيرة: "وليه مش حابة تبقي في الشركة عندنا؟ هز حاجبيه قبل أن يردف بمشاكسة: "ولا مش شايفانا قد المستوى المطلوب لمهاراتك؟ كتمت أبريل ابتسامتها، ولوحت بكفها بلا مبالاة، تليها كلماتها الهادئة: "بصرف النظر عن إنك بتتريق.. بس لعلمك كنت بتمنى أشتغل في الشندويلي جروب بعد التخرج." واصل باسم أسئلته محاولًا
فهم ما يدور برأسها العنيد: "طيب ما إحنا لسه فيها إيه المانع؟! هزت رأسها رافضة لما يقوله، ثم شرحت له بصوتها الرقيق الذي لا يخلو من الجدية: "ما بقاش ينفع خلاص أنا وإنت ارتباطنا مؤقت مش عايزة يحصل أي حساسيات قدام وبعدين أنا حابة أعتمد على نفسي إذا اتعينت عندكم هيعاملوني على إني خطيبة نجل السيد صلاح الشندويلي مش عشان مهندسة شاطرة."
قهقه باسم عليها بخفة، وهو ينظر إليها بعينين لامعتين بالإعجاب لعدة لحظات طويلة في صمت، قبل أن يمد يده إلى صندوق صغير على الطاولة مرددًا بابتسامة مهلكة: "طيب يا خطيبة نجل الشندويلي.. اتفضلي." رمشت أبريل عينيها عدة مرات باستغراب، وهي تنظر إلى الهاتف الذي أخرجه من الصندوق قبل أن ترد عليه دون أن تفهم: "أعمل بيه إيه؟ معايا بتاعي؟ باسم ببساطة: "اعتبريه هدية." ضيقت عينيها بدهشة، وسألته مرة أخرى باستنكار: "هدية بأمارة إيه؟
بيني وبينك إيه عشان أقبل منك هدايا؟! رد عليها ضاحكًا: "لسه حالا قايلة إنك خطيبتي.. اعمليها رنة لتليفونك.. عشان كل ما تنسي هي تفكرك وتوفري عليا أفكرك كل شوية." تمتمت أبريل بصوت منخفض، وعلى شفتيها ابتسامة ساخرة: "بس خطيبة مؤقتة." تجاهل باسم الرد على جملتها الأخيرة، متنهدًا بصوت مسموع قبل أن يقول بحزم: "القديم اللي معاكي دا ترميه.. وماتستعمليش غير دا وبس." عضت شفتيها بغيظ من لهجته المتسلطة قبل أن تستفسر بامتعاض:
"أفندم.. ودا ليه إن شاء الله؟ باسم ببرود: "ياريت تنفذي اللي بقوله من غير سين وجيم." احتدت نظراتها الغاضبة معارضة إياه بنبرة عنيدة: "لا بقى مش منفذة غير لما أفهم.. إيه هو دا أنت شايفني بقرة قدامك عشان أهز دماغي وخلاص من غير ما أفهم." رمقها بنظرات لامبالية مخاطبًا إياها بهدوء خطير:
"ما جاش في بالي تبقي بقرة.. كنتي في عيني قطة وديعة إمبارح بس قلبتي قطة شرسة تاني.. خلينا حلوين وبلاش تنرفزيني بكلمة لا بتاعتك دي ولا أسمعك بتنطقيها تاني." أبريل بتحدي: "ولو سمعتها واتنرفزت هتعمل إيه يعني.. ها؟! تأفف باسم بسأم: "آه على العناد اللي مالوش أي مبرر." دنت بظهرها عاقدة ذراعيها على الطاولة، وقالت بمشاغبة مندفع:
"لا بجد عندي فضول أعرف.. إيه هتسكتني ببوسة زي ما عملت قبل كدا لحد ما نفسي يتقطع وتوديني على المستشفى." كتم باسم ضحكته بصعوبة، متعجبًا من تصريحها الجريء، لكن الأمر لم يفلت منه وهو يهمس بلؤم ماكر: "ما تتحدنيش وافتكري كويس.. إنتي أغم عليكي من بوسة وإحنا مداريين تخيلي لو بوستك وسط العالم دي كلها هيجري فيكي إيه؟!
تلونت وجنتاها باللون الأحمر القاني من جرأته الصارخة، وتسارعت نبضات قلبها من توترها الشديد، بمجرد أن نظر إليها بعزم، فنظرت إليه شرزًا وزمجرت بحدة: "أنا قلتها لك قبل كدا إنت ما شوفتش بربع جنيه تربية.. واسمع كدا دي.. لا.. لا.. لا.. لا.. لا." زوى حاجبيه بانزعاج من تعمدها إثارة جلبة حولهما، فاتسعت البسمة على شفتيها بعد أن نجحت في استفزازه، فيما نطق باسمها بتحذير لم تبالي به، مرددة بوتيرة بطيئة قاصدة مشاغبته:
"لا ولا.. ولاااا... باسم بانزعاج: "افصلي.. خلاص.. عرفت في يوم خطوبة أختي إن تليفوني متهكر.. وفي نفس اليوم غيرته.. وعشان كدا مش مستبعد إن تليفونك كمان يبقى متهكر." كادت عيناها أن تقفزا من محجريهما، شاهقة بصدمة: "يا خبر أسود.. ومين اللي ممكن يكون عمل كدا؟! "ما أعرفش.. ودا مش موضوعنا التليفون دا عليه نظام حماية كويس يعني أمان خليه معاكي وفي شريحة." تدحرجت فيروزيتها إلى الهاتف، وعيناها تلمعان بالحماس، ثم أجابت بأسف:
"بس دا أحدث موديل وغالي جدًا.. وأنا مش معايا تمنه دلوقتي." هتف باسم مستنكرًا: "أنتي عبيطة يا بنتي وهو حد كان طلب منك تمنه؟ أومأت برأسها في استياء معلقة على حديثه باغتيظ: "نعم يا أستاذ.. إنت هتبدأ من دلوقتي في التنطيط عليا عشان جايبلي تليفون ولا إيه.. قلت لك ما أقدرش آخده.. لو كان ضروري يعني شوفلي واحد تمنه في الحنين." "دا الموجود.. وكويس ومضمون وهتاخديه كفاية فرهدة أنتي بتحرقي كتير في المناهدة بتاعتك دي."
"طيب ما دام مصمم خلاص.. بس لما نخلص من الحكاية السودة دي هرجعهولك." أومأ باسم لها بالموافقة، وصمت لعدة ثوان وهو يفكر في شيء ما، قبل أن يميل نحوها فجأة، وهمس من بين شفتيه المضغوطتين: "ماشي.. بس عارفة لو كان مصيره زي الفستان ورجعتيه محروق ولا مدشدش.. مش عارف ممكن أعمل فيكي إيه؟
قضمت أبريل شفتيها بتوتر، إذ اقترب وجهه من وجهها وامتلأ رئتيها برائحة عطره المميزة أربكها بشدة، بينما لمعت عيناه بنظرة غريبة متابعًا حركة شفتيها الممتلئتين بإغراء، فيما ابتسمت مستفسرة بصوت مختنق: "إنت هبيت فجأة كدا ليه الناس بتبص علينا؟ استوى في جلسته وتحدث أخيرًا بعد صمت طويل نوعًا ما، ليخرج صوته متشققًا بمشاعر متضاربة: "أنا بس بعرفك." بعد عدة أيام. سارت هالة في طرقات المستشفى بخطوات متوازنة، فأقبلت عليها
طبيبة زميلة مبتسمة بلطف: "صباح الخير يا هالة." بادلها هالة التحية، وهي تبتسم بعذوبة: "صباح الورد." "ما كنتيش بتيجي ليه انشغلنا عليكي؟! "كنت واخدة في إجازة كام يوم و... قاطعها صوت رجولي من خلفها: "صباح الفل." التفت كلاهما نحو مصدر الصوت، وأجابت الطبيبة الأخرى: "صباح النور يا دكتور ياسر." ابتسم لها بود قبل أن يوجه سؤاله إلى هالة بلطف: "إزيك يا هالة؟ عاملة إيه؟ ردت هالة عليه مبتسمة بإيجاز: الله يسلمك.
استأذنت الطبيبة بهدوء، لتترك لهم مجالًا للتحدث، بينما تنحنح ياسر يجلي حلقه قبل أن يقول بلباقة: مش عايزك تكوني لسه واخدة على خاطرك مني بعد آخر حديث ما بينا. أومأت برأسها متفهمة ولم ترد، فزفر الهواء من فمه بتوتر، مواصلًا حديثه: أنا مقدر إن أعصابك كانت مشدودة وأنا كمان يا هالة، بس أنا فعلًا مش حابب يطول سوء التفاهم بينا.. إحنا مهما كان زملاء في مكان واحد يا هالة.. ولا إنتي خلاص مش حابة تتعاملي معايا بعد كدا؟
نظرت هالة حول المكان قبل أن تعيد نظرها إليه، ليخرج صوتها من عباءة الصمت، تنتقي حروفها بجدية: مش هكذب عليك وأقولك إن الموضوع بالنسبالي عادي وعدى ببساطة.. لكن بفضل الله قدرت أتقبلت اللي حصل ومش حابة تكون في حساسية بينا لمجرد إن مفيش بينا نصيب.. إحنا هنفضل زملاء عمل زي ما أنت قولت يعني هنشوف بعض كتير.. وضروري نحافظ على الاحترام في التعامل مع بعض. حك ياسر طرف أنفه دليلًا على حرجه من هدوئها وكلماتها الرقيقة معه،
ليؤكد بضيق: طبعًا يا هالة، ربنا وحده العالم أنا قد إيه بحترمك ومكنتش حابب إني أخسرك. هالة بابتسامة هادئة تنهي بها هذا النقاش: ربنا يوفقك ويسعدك.. معلش هستأذنك عايزني في الطوارئ. ياسر بهدوء: بالتوفيق وهشوفك عن قريب تاني. في فيلا صلاح الشندويلي داخل غرفة باسم _باسم.. باسم.. فوق لي بسرعة. هكذا صرخ عز بصوت صاخب، فغمس باسم رأسه في الوسادة أكثر، وهو يهمهم خلال نومه: سيبني وهقوم بعد شوية.
رفض عز بتصميم: لا انجز محتاجك حالًا. قطب باسم حاجبيه منزعجًا من صوته العالي، ليهتف بتذمر ممزوج بالنعاس، وهو يلوح بيده في ضيق: يا أخي ما تسيبني أنا مش فايق لك. لكزه عز بقوة على كتفه، قائلًا بلهجة مستهجنة: في حاجة ضروري، ما تصحى يخربيت برودك. _خلاص اتزفت.. صاح بهذه الكلمات بحنق، متكئًا على ظهر السرير وجفونه شبه مغمضتين، وهو يرفع يده ويعيد شعره إلى الخلف بعيدًا عن عينيه: ها عايز إيه من أهلي على الصبح؟
ضيق عز عينيه في دهشة تنضح في سؤاله، وهو يتفحص الكدمة الزرقاء الداكنة التي تزين جبين باسم: مين عامل فيك كدا؟ تأوه باسم بضجر، وهو يحك مؤخرة رأسه بنفاذ صبر، ليقول بوقاحته المعتادة: ما يخصكش.. ها انجز إيه المستعجل بتااا... توقف باسم فجأة عن الكلام، وكادت عيناه أن تخرجا من محجريهما بمجرد أن قاطعه عز بهدوء، عاكسًا الحمم البركانية التي كانت تثور بداخله وهي على وشك الانفجار، وحرق
الأرض الخضراء واليابسة: حازم لسه قافل معايا.. منى طالبة نطلق رسمي. في غضون ذلك الوقت داخل المستشفى _شيء صعب لما تحسي بقلة اهتمام وأنانية من حد المفروض يهمه أدق تفاصيلك. تحفزت حواس هالة عندما سمعت تلك الكلمات الغامضة منه بنبرته الرخيمة التي باتت تميزها، فالتفتت إلى مصدر الصوت بنظرة دهشة منه، فإذا رأته يقف خلفها مباشرة، ينظر إليها بنظرات ثابتة لا تستطيع أن تفك طلاسمها المعقدة، وهذا الأمر أحدث ارتباكًا في خلاياها،
فسألته بتعجب: مش فاهمة تقصد إيه؟ أوضح فريد لها بلهجة تدل على عدم رضاه: أقصد من الشفقة على نفسك تفضلي متمسكة بوهم ولا عادي تسمحي لأنانية اللي بتحبيه إنها تأذيكي وتأثر عليكي وتصممي تتجاهلي وتصبري نفسك بأمل كداب.
ضاقت عيناها حنقًا قبل أن تهدر بنبرة خفيضة، وهي تلوح بيدها في الهواء احتجاجًا وتحذيرًا: أنا مقدرة اللي حضرتك عملته معايا يا دكتور.. بس مالكش أي حق تدخل في شؤوني.. دي حياتي وخصوصياتي وما أسمحلكش تتجاوز حدودك إحنا مش صحاب ع.. _عارف كويس حدودي..
سيطر على فريد الغضب مع سماعه ردها، فقاطعها بنبرة صارمة جعلتها تبتلع لعابها بتوتر، وهو ينظر عن كثب إلى ملامحها الغاضبة التي كشفت عن سخطها التام، لكنها أضافت لها رونقًا جميلًا، وهذا لا إراديًا زاد من إعجابه بها أضعافًا مضاعفة،
ثم استطرد بصوت رجولي بارد: بس أظاهر محتاج أفكرك إنك جراحة.. عشان شكل تاه عنك قد إيه شغلتنا حساسة وفي أرواح مسؤولين عنها مالهاش أي ذنب في مشاكلنا الشخصية اللي وسطيها نسيتي إن في مصاب مسؤولة عن حالته معايا وما كلفتيش نفسك حتى تعرفي إيه كان مصيره. تباطأت نبضاتها وهي تشعر بقلق غريب من الجملة الأخيرة التي قالها، فأعادت كلماته بتوجس: تقصد بإيه تعرفي إيه كان مصيره؟! فريد بقسوة باردة نابعة من شعور غريب، غزا أعماق قلبه حالما
رآها واقفة تبتسم إلى ياسر: المصاب حصلت له مضاعفات وتوفى إمبارح بالليل يا دكتورة. في تلك الأثناء عند باسم _أنت هتفضل رايح جاي كدا كتير؟ انطلقت كلمات باسم موجهة لذلك الثائر الذي يطوف الغرفة ذهابًا وإيابًا كأسد محاصر وسط أعمدة قفص حديدي، يحاول أن يجد منفذًا يستطيع من خلاله المرور إلى العالم الخارجي دون جدوى، لينطق بصوت مختنق بما يراود عقله: حاسس نفسي متكتف وعقلي عطلان. حثه باسم على الجلوس بجواره،
وهو يشير إليه: طيب تعالَ اقعد خلينا نعرف نفكر.. نفخ عز بضيق، وهو يتجه نحوه، ويجلس على مضض بجواره على السرير، ليهتف بتعبير عابس: اترزعت.. أقسم بدين الله هاين عليا أخطفها وأخدها في أي حتة ومحدش يعرف لينا سكة ونبعد عن أي مشاكل. علق باسم على حشو ابن عمه بتهكم ازدراه: تصدق بالله أنت تستاهل إنها تسيبك متلسوع كدا عشان تتربى.. فكك من التفكير المريض بتاعك دا؟! هز عز رأسه بالسلب،
وهو يرد بنبرة خفيضة معذبة: أنت ما جربتش تحب بحق وحقيقي يا باسم يعني صعب تفهم اللي حاسس بيه. أخرج من فمه زفيرًا بمثابة نفحة من نسيم الجحيم الذي فتح بابه مرحبًا به في أحضانها الحارقة، مواصلًا
بلوعة نابعة من قلب العاشق: جوا صدري نار قايدة من كتر ما بتجي لي أفكار مجنونة عايزة تتطلق وتبقى حرة وتبعد عني ومش بعيد بعد فترة تحب تاني وتتجوز وتعيش مع راجل غيري ويكون له نفس الحقوق بتاعتي عليها الفكرة دي لوحدها بتموتني والله ما هتردد لحظة ساعتها وممكن أرتكب جريمة فيه وفيها وأقتل نفسي بعديها. _أنت ما تفكرش نهائي بنرفزتك دي مش هتوصل لحاجة.. وموضوعك ليك عندي حله.. _الحقني بيه.. أروح لها وأكلم معاها جايز..
قالها عز باندفاع، مما جعل الآخر يرمقه من زاوية عينه باستياء بدا واضحًا في صوته، عندما قاطعه بجدية: مش هتسمع لك ومش بعيد تصمم على اللي في دماغها أكتر والدنيا هتتعقد أكتر ما هي.. منى جابت آخرها منك وأنت متأكد من كدا. أقر له بألم مشوب بالعذاب يتصاعد بقلبه: دا اللي مخوفني وأنا مش ضامن نفسي قدامها ممكن أعمل إيه؟! خايف أغلط وأعك الدنيا بزيادة..
هز باسم رأسه مؤكدًا، ثم بابتسامة خبيثة ارتسمت على مبسمه تشابهت مع نبرة صوته قائلًا: يبقى تاخدها على الهادي وبالطبطبة.. ومفيش مانع لو لاعبتها بشوية حركات لئيمة بس هتيجي في صالحك. سارع عز بالقول: طيب ما تلحقني بشوية من أفكارك يا عم الداهية!! عض باسم على طرف شفته بابتسامة شيطانية لا تليق إلا بدهائه، بينما الأفكار
الخبيثة تدغدغ عقله: اتصل بيهم وبلغهم إنك موافق على طلبها.. بس هتأجل شوية عشان مشغول ووراك سفرية تبع شغلك مهمة.. هتقعد فيها مش أقل من أسبوعين تلاتة على حسب.. حرك عز رأسه بإيماء يوزن هذا الحديث في عقله، مستفهمًا بهمهمة: وبعدين؟ استكمل باسم بإيضاح نافد الصبر: ولا قبلين تاخد بعضك وتسافر لك كام يوم في أي حتة.. أنت لو فضلت هنا مش هتبطل زن عليك.. خليك ذكي واكسب وقت بتثبيتك ليها لحد ما تلاقي الوقت المناسب عشان تتصالحوا..
وانتهزها فرصة، غير جو وروق على نفسك عشان تقدر تفكر بتكتيك. نظر عز إلى الأمام، وهو يفكر فيما سمعه، وخيم الصمت على الأجواء لعدة ثوانٍ قبل أن يمزقه باسم ضاربًا الآخر بكوعه في جنبه، وهو يزمجر بانزعاج: "أنتَ لسه قاعد؟ قوم فز من هنا خليني أكمل نومي! "ماشي يا أبو الأفكار الجهنمية."
تمتم عز بهذه الكلمات بهدوء، وأشرقت ملامحه بابتسامة عريضة أظهرت أسنانه، مما جعله وسيمًا أكثر، منحنِيًا عليه، ممسكًا بوجهه، ليطبع قبلة قوية على خده الشائك. دفعه بقوة في صدره، صارخًا في اشمئزاز غاضب، وهو يفرك خده بطرف الغطاء بقوة: "الله يقرفك! هفضل أقولك لحد امتي مابحبش الحركة دي يا ابن الـ***!
ضحك عز بصوت صاخب، متناقضًا مع حالته البائسة قبل دقائق قليلة، ثم اتجه نحو الباب ينوي الخروج، لكنه التفت إليه، وهو يغمز مازحًا على غرار أسلوب باسم، ليقول بتسلية: "معلش اعذرنا، مااحناش في مستوى مززك يا فالنتينو زمانك." في مساء نفس اليوم. "مش فاهمة ليه العناد دا كله؟ هو أنتِ لسه واخدة موقف مني يا حبيبتي؟ أنهت ريهام جملتها بسؤال هادئ لا يخلو من الضيق، حيث جلست مع أبريل في بهو المنزل، وتتجاذب معها أطراف الحديث منذ دقائق.
أجابتها أبريل نافية بابتسامة صغيرة: "ماتفهمينيش غلط يا ريهام، أنا عارفة إنك حابة تساعديني، بس أنا وباسم هنكون كدا مرتاحين أكتر." ريهام مستنكرة بغيظ: "وهو إيه دخله دا؟ فستان خطوبتك ماله بيه؟ ما تفهميني فيها إيه لما تاخدي الفستان من الأتيليه بتاعي؟ استوضحت أبريل بتنهيدة يتخللها اللامبالاة الخفية بالأمر برمته: "الموضوع مالوش علاقة بيكي، الأتيليه اللي هو هيديني ليه صاحبته عايزة تجامله عشان شغل بينهم، هو دا كل الموضوع."
زفرت ريهام في استشاطة من خروج أبريل معه يوميًا، والبقاء معه لفترات طويلة، وهذا يعني أن هناك تقاربًا حقيقيًا بينهما، لتتمتم بلامبالاة زائفة ممزوجة بالحقد: "طيب يا أبريل على راحتك، بس ما أخبيش عليكي أنا قلقانة عليكي." لفت كلام الأخرى انتباه أبريل، لتعقد حاجبيها الرفيعين باستفهام بزغ في سؤالها: "قلقانة من إيه؟
"من موضوع ارتباطك بباسم، أنا عارفة إنك بتحبي الإنسان الصادق والواضح، وباسم مش كدا خالص، هو مش مناسب ليكي، يعني واحد زيه علاقاته بالبنات الكتير اللي بيعرفهم مش هيريحك، وكل كام يوم والتاني بيطلع عليه إشاعة أنقح من اللي قبلها، دا غير إنه لعبي قوي ومستهتر." ابتسمت ريهام بمكر خفي، وهي ترى الوجوم الساطع على ملامح أختها التي كانت تنظر إليها بتركيز منتظرة أن تكمل حديثها، وهذا ما فعلته متظاهرة بعدم الاهتمام
بالأمر وأضافت بنعومة: "أنا أعرفه من وهو عيل صغير، طول عمره مدلع جدًا، لو كان يطلب أي حاجة أو يشاور عليها على طول بيجيبهاله، وبعد كام يوم يرميها أو يركنها ويقول مش عجباني وزهقت منها." ربتت على كتفها بلطف مبالغ فيه، وبتخابث أنثوي ينضح في ثنايا كلماتها المسمومة تابعت: "عشان كدا خايفة وقلقانة لا يكون منبهر بيكي عشان لسه علاقتكم في أولها وبعدها يتغير معاكي وترجعي تزعلي." جاء رد أبريل الواثق، محطمًا سقف آمالها في تخريب
علاقتها به فوق رأسها: "لا ماتقلقيش عليا يا حبيبتي، أنا وهو لسه بنعرف بعض، وكمان حاسة إن في بينا تفاهم، واللي عجبني فيه إنه كان واضح وصارحني بكل حاجة لسه قايلها من البداية." حوالي الساعة الحادية عشر مساءً. عند باسم. داخل الفناء الخارجي لمقهى في حي يعج بالحشود والتجمعات. "أخيرًا يا أخي نزلت وشوفت ناس من عشر أيام، أنا كنت قربت أنتحر من قعدة البيت دي لوحدي، والله لميس هي اللي كانت مصبراني على اللي أنا فيه."
خرجت هذه العبارة من فم خالد، أعقبها نفس عميق من صدره، وعلى وجهه ابتسامة رائعة مليئة بالحب، فضحك باسم عليه قائلًا بسخرية: "ما أنتَ اللي عامل فيها روميو بقى وعايش الدور قوي." سأله خالد بخبث مماثل: "وأنتَ مش عايشه يعني؟! ارتفعت ضحكاته عندما تبادر إلى ذهنه تلك القزمة المتمردة، قبل أن يخبره بنبرة شفقة عن حاله الذي لم يخلو من المرح: "عايش إيه! دي مطلعة عيني، بس والله جنونها كدا ليه لذة ومسلي."
"ماشي يا عمنا، ها إيه بقى الحاجة اللي قولتلي في التليفون إنها مهمة قوي كأنها سر قومي دي؟! "مش سر ولا حاجة، بس مابقتش برتاح للكلام في التليفون في حاجات مهمة بعد حركة ريهام معايا ومع أبريل كمان." قهقه خالد بتعجب: "والله دماغها سم حتى أختها ما سلمتش منها، وماقولتلهاش طبعًا." هكذا استفهم خالد في نهاية عبارته، فأجابه باسم بالنفي: "أكيد لا ما جبتش سيرة ليها بحاجة." "طيب ما علينا خلينا في المهم، إيه الموضوع؟
دنى باسم بيده ليمسك كوبًا من مشروبه الغازي، ورفعه إلى فمه، متجرعًا منه ليروي حلقه الجاف من العطش، قبل أن يقول له ببرود مبحوح: "في احتمال كبير إن أبريل ترجع لمصطفى تاني." اندهش خالد من حديثه بحاجب مرفوع: "ترجع له إزاي يعني؟ قالتلك حاجة؟ "لا سمعت." أجاب باسم بإيجاز، وهو يطوي ذراعيه على صدره، موزعًا نظره في المكان فتمتم خالد بسؤال مهتم: "سمعت إيه؟
صمت قليلًا يعود بذاكرته إلى ذلك اليوم الذي كان فيه مع أبريل في غرفتها قبل أن تتركه لتذهب حتى تأتي له بالثلج، فتبعها إلى الخارج، ليسمع الحديث الذي دار بين مصطفى وريهام دون أن يشعرا بوجوده، قبل أن ينفض هذه الأفكار من عقله، وهو يجيب بشرح جدي:
"مصطفى له فلوس عندهم، لما دورت ورا الموضوع فهمت إنه كان داخل شريك في البناء مع سلمى في الأوتيل بتاعها، دا غير ديون على فهمي وشيكات بتمن توريدات من شركة مصطفى للأوتيل وطبعًا كله متقيد على النوتة ما بيدفعوش، وبعد حركة أبريل بدأ بيساومهم يا يدفعوا أو يتجوزها، مش حبًا فيها طبعًا، بس عشان ياخد حقه من اللي عملته فيه، وتخيل بقى كل ده بمساعدة مين! أختها حبيبتها، ريهام." اتسعت عينان خالد من الصدمة، وهتف مستنكرًا:
"يخربيت أبو جحودها! الست دي إيه! ملهاش آخر خالص!!! جاب المكان بنظرات هادئة تعكس الغضب الذي يدور بداخله، قبل أن يعلق على كلامه بسأم: "لا ملهاش، ولا دا اللي بفكر فيه، أنا دلوقتي اللي شاغلني إني مش ضامن رد فعل أبريل لما تعرف." "دي مش محتاجة تخمين، لو عرفت هتكون بين اختيارين يا تكمل في لعبتك، يا تنقذ أبوها من السجن، وما أعتقدش إنها تختار الخيار الأول مهما كان ده أبوها." عليه بهدوء يغلفه البرود:
"عشان كده مش عايزها تعرف أي حاجة عن اللي بيحصل حواليها، عشان لو عرفت من حد منهم ساعتها هيقدروا يأثروا عليها، ووقتها مش هعرف أخلص من ريهام، وكمان أنا مش هدي لمصطفى فرصة إنه يكسبني في التحدي ده، خصوصًا إن بدأت خيوطها تتلف حوالين صوابعي وتطمنلي يعني قريب هعرف أرقصها لمصلحتي زي ما أنا عاوز." أضاف بجحود يلائم الابتسامة الجانبية التي ارتفعت من زاوية فمه، مليئة بدهاء الذئب الذي قرر الانتقام بطريقته الخاصة، وهو على ثقة كبيرة
من نجاح خطته الماكرة: "كل اللي محتاجه بس شوية وقت، على الأقل ليوم خطوبتنا، بعد كدا هتلاقي نفسها قصاد أمر واقع بعد ما تنصدم بالمفاجأة اللي محضرها لها." رمقه خالد بعينين ضيقتين بعدم ارتياح صدح في نبرة صوته الخشنة، وهو يقول محذرًا: "ألغازك كترت وشكلك هتعك جامد قوي يا باسم الفترة الجاية، بس افتكر أنا حذرتك لو اللعبة اللي بتلعبها قلبت بجد، أنتَ أول واحد هتطلع منها بخسارة كبيرة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!