الفصل 49 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
22
كلمة
5,332
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18
قلبي وروحي في بحارك سابحه وشراع عيني في عيناك ساريه إني رسمتك في خيالي جنانًا عاليه فيها الطيور بكل لحنٍ صادحه والشعر يروي من عيناك سحر القوافي للفؤاد مصافحه كلي عشقتك وقد ملكت الفؤاد والمُقل لم يبقَ مني في الجوارح جارحه وإذا بليت من الأنام بحاسدٍ أرقيك بالآيات بعد الفاتحه كن واثقًا بالحب دومًا للحب يابن الناس أيدٍ صالحه حين القلوب من المحبة ترتوي تمسي وتصبح للحبيب مسامحه بالحب تاجر في حياتك كلها إن التجارة بالمحبة رابحه في توقيت الظهيرة داخل مقر لأزياء العرائس قالتها سيدة في الأربعينيات من عمرها، أنيقة المظهر، بترحيب بالغ، وهي تنهض من خلف مكتبها لتصافح باسم الذي قال مبتسمًا بلطف: "منور بيكي يا كاميليا، مبروك على التجديدات." "وأنت كمان ألف مبروك على الخطوبة." أردفت مبتسمة بثناء: "عروستك زي القمر ما شاء الله." قالت أبريل بلطافة: "ميرسي أوي، كلك ذوق." تدخل باسم في الحديث بهدوء، مشيرًا إلى المرأة وهو يضع يده في جيب بنطاله: "اشتغلنا كتير مع بعض، وهي من أحسن تلاتة فاشن ديزاين ناجحين في مصر." ضحكت كاميليا بنعومة، وهي تمسد على شعرها قبل أن تقول بامتنان: "ميرسي أوي يا باسم، هو على طول كده مجامل بزيادة، اتفضلوا استريحوا." وبعد فترة قصيرة، انخرطا في أحاديث جانبية قبل أن تستثني كاميليا نفسها منهما بلباقة ودودة: "معلش مضطرة أقوم، في ميعاد مع عميلة، هخلصه وأرجعلكم، وعلى ما تشربوا العصير يكون الكولكشن الجديد عندكم، وطبعًا مش محتاجة أقولكم المكان بتاعكم، خدوا راحتكم." وفور خروجها، ارتشفت أبريل من كوب العصير الخاص بها، وهي توزع نظراتها في المكتب بهدوء، بينما كان باسم يحدق بها في صمت، وهو يجلس على الأريكة الجلدية، وهي في مقعد فردي، فسمعته يسألها بصوت هادئ: "إيه مقعدك بعيد كده؟ تعالي جنبي عشان نعرف نختار مع بعض." أومأت أبريل له بالموافقة، ونهضت من مقعدها، لتتجه نحوه وحالما وقعت عينيها إلى المكان الصغير في نهاية الأريكة بجانب حافتها حيث يشير إليها، تجعدت حاجبيها بعدم رضا، وردت هازئة بخجل: "والله ما تاخدني على رجلك أحسن." عبست معالم وجهه الوسيم، قبل أن يمسك رسغها، وسحبها نحوه، في الوقت نفسه تحرك قليلًا من مكانه ليهيئ لها مكانًا جيدًا لتجلس بجانبه، معلقًا على حديثها بوقاحته المعهودة، وهو يحاوطها بذراعه: "دعوة حلوة وجريئة منك، بس أنا عامل حساب لإحراجك يا أم لسان زي المبرد." بعد قليل "اخترتي إيه؟" قالها باسم بتساؤل، فأجابت أبريل بإحباط، وعيناها تفحصان التصاميم باهتمام: "ولا واحد لافت نظري." أشارت الفتاة بيدها نحو المجلة، مقترحة عليها بذوق: "طيب شوفي ده يا آنسة، تصميمه هادي زي ما أنتي حابة ومناسب لطولك." أومأت أبريل برأسها مجيبة عليها، وهي تضم يديها الاثنتين معًا بتوتر: "هو موديله شيك وحلو أوي بس مش حباه." رجع باسم إلى الخلف، ليتكئ بأريحية على ظهر الأريكة، ويضع ساقًا فوق الأخرى، وهو يقول للفتاة بكياسة: "يا ريت توريلها كولكشن غيره." "تمام يا فندم." التفت باسم نحوها برأسه، وهو يسألها سؤال مباشر بصوت أجش: "بصراحة كده أنتي مش حابة المكان ومش عايزة تنقي الفستان من هنا عشان عايزة نروح لأتيليه أختك؟" رفعت أبريل حاجبيها مستغربة من سؤاله الذي لم تفهم معناه الذي قصده، إذ هزت رأسها سلبًا، وهي تجيبه بنبرة صادقة: "لا خالص، أنا مش حابة أروح هناك." تنهدت أبريل بقوة، وخاطبت نفسها سرًا: "بالعكس أنت اديتني حجة تعفيني من إني أروح عندها مع إنها عارفة الحاجة اللي بفضلها ومناسبة ليا، بس كده أفضل للكل." "طيب إيه الذوق اللي يناسبك قولي عشان ما نضيعش وقت الناس في الفاضي، الألوان مش عاجباكي؟" "المشكلة مش في الألوان." تعجب باسم مما سمعه منها أكثر، ليسألها باندهاش: "أومال إيه فهمني بدل الحيرة دي؟" دحرجت أبريل عينيها عنه بتوتر، ليراقب هو شفتيها ترتجفان، وهي تجيب بصوت منخفض متذمر لا يخلو من حرج: "كلهم يا كتافهم عريانة، يا إما بعد رقبة باين أوي." تفاجأت أبريل بصمته، فنظرت إليه مرة أخرى، لتجده يتأملها بنظرة غامضة لم تفهمها، فسألته قائلة: "بتبصلي كده ليه؟" أجابها باسم متنهدًا بعد برهة: "كل شوية بتفاجئيني بحاجة مش متوقعها." رمشت أبريل بأهدابها عدة مرات قبل أن تقول باستفسار: "زي إيه؟" مط باسم شفتيه، ثم رد بهدوء يكسو ملامحه: "يعني معروف إن البنت في يوم خطوبتها أو جوازها بتحب تلبس حاجة ملفتة وجريئة عشان تبان في أجمل صورة." رفعت أبريل ذقنها، وسألته بخفوت حذر: "أفهم من كده أنت تقبل إن خطيبتك تقعد جنبك وهي لابسة فستان زي ده كده؟" "في عريس يوم خطوبته ينفع يجي ناسي يلبس كرفتته؟" رفعت أبريل كتفيها، وأجابت ببساطة: "لا!" نظر باسم إلى داخل فيروزيتيها التي تتلألأ بترقب، منتظرة كلماته التالية، ليهدر بثبات مزين بشيء من الحدة: "لا ممكن ينفع في حالة واحدة لما أشنق كرامتي بالكرافته قبل ما أجي آخدك من بيت أبوكي بقصاصيص فستان زي اللي في الكتالوج ده." ارتفعت ضحكاتها برقة على تعبيره الساخر، ثم ردت بحيرة وتهكم: "قصاصيص! ولما أنت معترض كده كنت بتخليني أتفرج عليهم ليه؟ افرض كان واحد فيهم عجبني وصممت أخده؟" شقت الابتسامة ثغره، وهو يدنو منها، ويجيبها بنبرة واثقة: "لو مش واثق إنك هترفضي ما كنتش خليتها توريهولك." اهتزت حدقتاها من قربه الذي يخطف أنفاسها، وشعرت بحرارة قوية تسري في جسدها من شدة التصاقه بها، إلى جانب ثقته الغريبة في حديثه، وعلى الفور أشاحت بوجهها عنه، وسألت بارتباك ملحوظ: "وأنت جبت منين الثقة دي؟" أدار وجهها إليه بأطراف أصابعه، وهو يهمس أمام شفتيها المرتجفتين غامزًا بمكر ممزوج بالغموض: "ما أقدرش أقولك على مصادري." خلال ذلك الوقت في مطعم على ضفاف النيل "تحبي تتغدي إيه؟" أنهى خالد سؤاله باهتمام، فرفعت كتفيها ببساطة وقالت بصوتها الهادئ: "مش جاي على بالي حاجة معينة، اللي هتطلبه هاكل منه." أغلق خالد قائمة الطعام، ووضعها على الطاولة، قائلًا بابتسامة: "خدي وقتك في التفكير وقوليلي حابة إيه؟" التوى فم لميس ببسمة غاية في الجاذبية والسحر تطابقت مع نبرة صوتها الناعمة بمجرد نطقها: "قول على طول إنك عايز تعرف أنا بحب إيه في الأكل." رفع حاجبيه في تعجب، وهو يداعب شعره ببعض الإحراج قبل أن يتمتم بصوت رجولي حلو: "باين عليا أوي لدرجة دي أنا شفاف قدامك." نظرت لميس إليه عدة لحظات قبل أن تهمس بصدق: "ودي أكتر حاجة مريحاني من ناحيتك يا خالد." أخفض عينيه الخضراوين مستمتعًا بنبرة صوتها التي تنطق حروف اسمه بحنان طبع في ذاكرته، وجعله يزفر أنفاسه الساخنة من صدره المثقل بمشاعره القوية تجاهها، ثم قال بنبرة دافئة مغايرة مع خشونة صوته: "خالد حابب يعرف عنك كل حاجة." من أصغر تفصيلة لأكبر تفصيلة فيكي، وأكون أقرب ليكي من كل الناس. بللت لميس شفتيها بخجل، وتحدثت بخفوت رقيق: واحدة واحدة وهنعرف عن بعض كل اللي محتاجين نعرفه، ماتستعجلش. بعد مرور فترة وجيزة، داخل حجرة صغيرة لقياس الملابس (بروفا)، تقف أبريل تتنفس باضطراب، وهي تتذكر بتوتر ما حدث معها هذا الصباح، عندما أعلن هاتفها عن وصول رسالة نصية على موقع التواصل الاجتماعي. فور أن قرأت كلماتها شعرت بنبضها يتسارع بعنف خلف قضبان ضلوعها: العقاب لسه في أوله يا أبريل.. كرامتي اللي دوستيها قصادها هيكون أغلى حاجة عزيزة عليكي يا باشمهندسة.. مستقبلك وطموحك اللي كنتي بترسمي وبتتعبي عشان تحققيه ودعيه عشان كل سنين تعليمك وشهادة التخرج بتاعتك آخرها هتتعلق في ركن على حيطة أوضتك وبس.. نصيحة مني ايأسي وماتدوريش عشان مفيش ولا شركة هتعرفي تحطي رجلك فيها طول ما أنا حطك في دماغي. هذه الكلمات السامة المفعمة بالحقد كانت مضمون رسالة مصطفى الشامت لتدرك من خلالها أنه السبب الحقيقي لعدم الرد من كل الشركات التي قدمت لها أوراقها. نفضت أبريل تلك الأفكار من رأسها، ثم شرعت في ارتداء الفستان، وبعد عدة دقائق وقفت أمام المرآة الطويلة، تتأمل نفسها شاردة. خرجت من دوامة الأفكار العاصفة في عقلها على صوت فتح باب الغرفة الصغيرة من خلفها، واتسعت عيناها ذهولًا عندما رأته في المرآة، فالتفتت نحوه بانصعاق. في تلك الأثناء، عند خالد: - يا رب ذوقي المتواضع يعجبك. أنهى خالد جملته بابتسامة جذابة، وهو يقدم لها سوارًا ذهبيًا يأتي في منتصفه مشبك عريض على شكل حدوة حصان مرصع بأحجار الزركون الدائرية، مع مشبك كلاسيكي متصل بطبقات متعددة من السلاسل الرفيعة. فأعجبت بإطلالته الأنيقة والمميزة، مغمغمة في إعجاب مذهول: جميل أوي يا خالد. سألها خالد بشك: يعني بجد عجبتك ولا بتجامليني؟ أومأت لميس بجفنيها مؤكدة له، وهي تردد بلطافة: والله ذوقك رقيق بجد. خالد بحب: مفيش أرق منك.. لما شوفتها فكرتني بأول مرة اتقابلنا فيها لما افتكرتيني دكتور وخلتيني أساعدك. تبسمت لميس بإحراج: أيوه ساعتها كنت متغاظة أوي من جدتي وطلعت عينك أنت. خالد بنفي محب: أبدًا.. دي كانت من أحلى لحظات حياتي. شعرت لميس بالغيرة نوعًا ما، لتتساءل بترقب: وإيه هي أحلى لحظة في حياتك؟ - اللحظة اللي هتبقي فيها مراتي يا لميس. أصيبت نبضات قلبها بالارتباك من لمسة يده على كفها بحنان مع إجابته المباغتة لها، لتسري السعادة في أوردتها، وصعدت بنظراتها إليه، لتجده يحدق بها بعمق، فلم تتمكن من الرد من الحرج، مما جعله يخرج عن صمته ويستأنف حديثه بعشق ممتزج بالجدية: أنتِ ما تعرفيش أنتِ غالية في عيني قد إيه.. بس أنا عايز أكون صريح معاكي من البداية.. أنا ما بأحبش أعتمد غير على نفسي وشغلي أنتِ عارفاه كويس وعندي حتة أرض ورث من الحاج أبويا الله يرحمه وإيرادها مكفيني والحمد لله.. يمكن مش هقدر أوعدك إنك هتعيشي في نفس المستوى اللي اتعودتي عليه.. بس صدقيني هحاول بكل طاقتي أطور من نفسي عشان أخليكي مش نفسك في حاجة أبدًا. ضيقت لميس عينيها، وعلقت على حديثه بذات الجدية: خالد.. أنا عمري ما بصيت للحاجات دي ولا دورت عليها خالص كفاية إنك تتقي ربنا فيا وتحبني ونكون مبسوطين مع بعض. ارتخت تعابير وجهه بارتياح، وفور أن زفر أنفاسه قال بنبرة تقطر هيامًا تزينت بخشونة: بأحبك يا لميس.. أنتِ النجمة البعيدة اللي أتمنيت أخطفها من السماء وأخلي مسكنها في قلبي وجوا عيوني وأحافظ عليكي بدمي وروحي.. وصدقيني هحاول بكل طاقتي أطور من نفسي عشان أخليكي مش نفسك في حاجة أبدًا. لميس بصوت خجول: ربنا يخليك ليا يا خالد. - ويخليكي ليا يا روح قلب خالد. أضاف خالد بنبرة غلب عليها الحماس: نيجي بقى في للأهم.. شوفي يا ست البنات شقتي جاهزة ومتشطبة بس أي حاجة حابة تغيريها على ذوقك ابدئي فورًا وما تاخديش رأيي حتى. اعترضت لميس برقة لا تخلو من الاندفاع: لا لازم تكون معايا في كل خطوة دا هيبقي بيتنا إحنا الاتنين مع بعض. التوى فمه بابتسامة مفعمة بالحب قبل أن يرد بفرحة لم يخفيها: هو دا الكلام الحلو كان فين من بدري. في هذا الوقت، عند أبريل: - نهارك أسود!!! أنت إيه اللي مدخلك هـ...!!! اختنق صوتها المصدوم في حلقها، وهو يضع يده بسرعة على فمها يكممه، بينما يهمس بالقرب من أذنها في هسهسة منخفضة: ششش هتفضحينا. - هشيل أيدي وإوعي تطلعي صوت!! أنهى باسم كلامه بتحذير، لتهز إبريل رأسها بإيماءات صغيرة، فرفع يده ببطء من فوق فمها، وهو يحس بملمس شفتيها الناعمة ضد يده الخشنة، مما جعل جسده يحترق بمشاعر متضاربة، وهو يبتلع لعابه ويأخذ خطوة إلى الوراء، يتأمل مليًا في تفاصيلها فهي لديها جمال طفولي محبب، لكنها الآن تبدو مختلفة تمامًا عن ذي قبل حيث اعتاد على رؤيتها ترتدي البنطلونات والبلوزات، لكن ذلك الفستان جعلها أكثر سحرًا وجمالًا، بالإضافة إلى بشرتها البيضاء الكريمية، وشعرها المموج الذي تركته منسدلًا على ظهرها بتمرد يليق بصاحبته، فأضحت أنثى فاتنة للغاية. اختطفته من أفكاره السابحة بها على صوتها المصدوم بحدة: أنت زودتها أوي افرض كنت لسه بأغير؟ باسم بانزعاج مستفز: مكبرة الدنيا أوي.. يعني كنت هشوف إيه يا شبر وأقطع أنتِ؟ رفعت أبريل سبابتها محذرة إياه، وهناك احمرار مغرٍ يكسو ملامحها الرقيقة، وتلعثمت بحنق: احترم نفسك بليز وما تغلطش.. ها ممكن تفهمني إيه الكارثة الجديدة اللي مخلياك داخل عليا البروفا بالهمجية دا؟ مال باسم بجسده نحوها أكثر رافعًا أحد حاجبيه، وهو ينظر إليها بطريقة تدل على إعجابه بجاذبيتها المذهلة، فتوافقت أفكاره مع كلماته الهامسة بنبرة دافئة خالية من العبث: وليه بتحسبيها كارثة؟ ليه ما يكونش شوقي هو اللي جابني على هنا عشان أشوف جمالك في الفستان قبل أي مخلوق.. خصوصًا إنك ما كنتيش هتخرجي تفرجيني عليه. تململت أبريل بتوتر في وقفتها، وهي تهدر بخفوت نافذ الصبر: أنت هتبطل لف ودوران عليا ولا أااا. تلاشت الحروف من طرف لسانها، حالما اتسعت ابتسامة جذابة على فمه، وهو يرفع أطراف أصابعه ويداعب خصلات شعرها التي انسدلت على جانب وجهها برقة، فترنحت نبضاتها بإحساس غريب، وهو يعلق على كلامها بعتاب حانٍ: عيب أنا خطيبك ما يصحش تكلميني كدا. رددت بصوت مرتبك: وما يصحش نفضل في البروفا كدا يقولوا علينا إيه؟ ارتسمت على فمه ابتسامة غامضة، مستطردًا بصوته الرجولي الهامس الوقح: هيقولوا من لهفته على حبيبته ما طاقش يقعد لوحده برا من غيرها وهي ما صدقت تكون في حضنه و... خرجت من شفتيها شهقة خجولة، وسرعان ما ضغطت بكفها على فمه لتمنعه من إكمال عبارته الجريئة، وقالت في دهشة تامة: بس اسكت بس.. أنت معجون من مية إبليسة.. خد بالك أنت قاعد تعمل حركات مستهبلة من الصبح وأنا ساكتة. عقب بمرح، فور أن خفضت يدها إلى جانبها، مداعبًا إياها بغمزة: السكوت علامة الرضا. تفوهت باندفاع: دا علامة القرف. حدجها بحاجب مرفوع قبل أن يلتقف خصرها بين يديه، ويقربها منه، لترفرف برموشها عدة مرات متتالية، واعترتها حالة من الصدمة ومشوبة بالارتباك فور أن تغلغلت رائحة عنقه بعمق في حنايا روحها. تلقائيًا ارتكزت كفيها على صدره محاولةً دفعه، فارتعش جسده تحت لمساتها، وهو يردد بتعبير عابس: قرف!! طيب تيجي نجرب وأثبتلك قدام نفسك إنك مش حاسة بقرف. جاهدت لانتشال ذهنها الغائب، متأثرًا بسحر قربه المغناطيسي بصعوبة، حالما التقطت أذنيها نبرة صوته الهامسة الخطيرة، بالإضافة إلى نظراته الواثقة، مما جعلها تهمس محذرة: باسم سيبني! وما إن فشلت في تحرير خصرها من أغلال قبضتيه، حتى تطرقت إلى التحاور معه بطبيعتها المتمردة: طيب أنت لو مانزلتش إيدك وبعدت عني هصوت وهلم عليك الأتليه كله. تبددت الغيوم العبثية من صوته إلى أخرى معاتبة بتيه، معمقًا النظر بفضيته الجذابة في خيوط قزحيتها المتلألئة، وكأنها صاحبة الوصاية على كيانه منذ قديم العهد: الحق عليكي أنتِ اللي بتستفزيني وساعتها بتهور ومابكونش مسؤول عن اللي بعمله. تزعزعت حصونها الثابتة على الأرض الهلامية بعبارة واحدة منه، فتجنبت النظر إليه بمشاعر تتجانس مع نطقها المرتبك بحروف خرجت بجهد مضاعف، مناشدة عقلانيته المفقودة: ما تسميهاش إني بتحداك.. أنا بحذرك عشان عشان ما تتهورش وترجع تندم. - وإذا كان عجبني التحدي معاكِ بيكون له طعم لذيذ وحلو؟ رفع وجهها بأطراف أصابعه، وهو لا يعلم إذا كان هذا السؤال موجهًا لها أم له، بهمسات ناعمة أرسلت في جسدها ذبذبات مربكة تغذيها شدة قربه منها. خيم عليهم السكون لعدة لحظات، لم يقطعه إلا قعقعة نبضاتهم، تبادلا النظرات النافذة إلى الروح، قاطعتها هي محاولة الحفاظ على رباطة جأشها في قولها التالي: أنا بكلمك بكل هدوء أهو.. وبقولك ممكن تشيل إيدك من عليا.. ده ما كانش ضمن اتفاقنا. - مقاوحتك فيا ما بتساعدنيش.. بتجننيني بزيادة يا بندقة. احتبست أنفاسها في صدرها بمجرد أن أحست بحرارة أنفاسه على بشرتها، مع همساته القريبة من أذنها، فافترقت شفتاها في حركة عفوية، كانت دعوة له منها دون أن تتعمد ذلك، لكنه لم يأبه إلا إلى تتوقه المنجذب إلى نداء شفتيها المغويتين، مما جعله يميل نحوها بشكل خطير ليجني حبتي الكرز من شفتيها بقبلات رقيقة متتالية بتأنٍ، ليشعر بها تتجاوب معه بعد لحظات، إثر استهداف كيانها رجفة مثيرة، جعلتها تكافح من أجل استحضار نقيضها فورًا، لكنها لم تنجح مع خوضه عزفًا احترافيًا على أوتارها العاصية، ليحلق بها بفائض الشوق إلى أعالي السحاب وصولًا إلى عنان السماء، لتشهد طيور السماء التي حلقت حولهما بغبطة على ثورة عشقية جمعت بينهما ذات غفلة من كلاهما. بعد مرور ثلاث أيام - هو طبعًا حاسس إن مجروحة كرامته بعد ما كسرتي غروره برفضك ليه عشان كده حطك في دماغه وبقى بيطاردك وعمال يقفل عليكي في موضوع الشغل. قالت ريم هذه الكلمات خلال محادثتها الهاتفية مع أبريل بنبرة جادة، تدل على تمكنها من فهم سيكولوجية النفس بحكم عملها كطبيبة نفسية، لتتفق الأخرى مع رأيها بضيق: أيوه هو قالهالي هيندمي.. بس اللي قلقني مش كده.. الخوف يعمل حاجة أكبر من كده! أكدت ريم حديث أبريل، قائلة بنبرة قلقة عليها: مش بعيد فعلًا.. عشان كده ضروري تقولي لباسم.. هو اللي في إيده يساعدك ويحل مشكلتك مع مصطفى. تغضّن حاجبيها، وهي تفكر في صحة كلامها، لقد أخفت هذا الشيء عن باسم حتى لا يعرض عليها وظيفة في شركة والده، لكن ماذا لو خرجت الأمور عن سيطرتها؟ فلم يعد من الممكن التنبؤ بتصرفات مصطفى، تنهدت بخفة وقالت بصوت هادئ لا يخلو من اضطراب: ربنا يستر.. يلا أنا داخلة عليه هقفـ... تبخرت الكلمة الأخيرة على طرف لسانها تدريجيًا، حالما رأته يجلس في كافتيريا النادي الرياضي مع امرأة على الطاولة، لذا قادتها خطواتها المتوازنة إلى حد ما نحوهم، قائلة بسرعة: سلام. أنهت أبريل المكالمة الهاتفية، تشعر بجمر الغضب يشتعل في أعماقها، فهي طوال الطريق إلى هنا، كان يملؤها الحرج والخجل الشديد من نفسها لأنها استسلمت معه باندفاع لعاصفته الهوجاء منذ أيام، لكن هذا المتبجح يجلس الآن مع امرأة أخرى، غير مهتم بموعده معها، همست بوعيد وغيظ لنفسها، وهي تتجه نحوهم: هو أنت إيه! ما بتضيعش وقتك أبدًا يا وش القرد.. طيب إن ما وريتك. توقفت أبريل أمام الطاولة، وأدارت رأسها إلى اليسار، ونظرت إليه بحاجب مرفوع في استفهام، بينما وزع باسم نظراته بينها وبين المرأة الجالسة مقابله، ثم تمتم بلهجة مشوبة بالقليل من التوتر: أبريل! - معلش شكلي جيت قطعت اللحظة عليكم. قالت أبريل ذلك باعتذار ساخر، وعقدت ذراعيها تحت صدرها، على الفور قام باسم من مكانه، واتجه نحوها ووقف أمامها، متسائلًا بمفاجأة وبصوت عالٍ: هو أنتِ فهمتِ إيه.. وبعدين أنتِ رجعتِ تشتغلي هنا تاني من إمتى؟ طلب باسم بكياسة من المرأة: معلش ثواني. اتسعت عيناها الفيروزيتان لعدم فهمها الحقيقي لما يقوله، ونظرت خلفها بريبة، لكنها وجدت فجأة أنه اقترب منها للغاية، وأمسك كتفيها بكلتا يديه، وعيناه الرماديتان أغدقتها بنظرات مليئة بالمشاعر الشغوفة، هامسًا بنبرة خشنة جذابة أربكتها: وغلاوتك عندي كان قلبي حاسس بوجودك حواليا يا حبيبتي.. عارفة قد إيه حاولت أوصلك.. بس كالعادة كنتِ بتهربي مني. ابتسم باسم بغطرسة وتلاعب، وهو يرى احمرار وجهها القاني بسبب حبسها لأنفاسها من قربه منها، وهي تفكر أنها كلما أرادت رد الصاع إليه، يفاجئها هو بتصرف لا يتوقعه عقلها، وجديًا يصعب عليها فهم هذا الرجل العابث. سألت بتوتر وذهول شديد يعبر عن استنكارها لجملته الأخيرة، بينما تبعد يديه عنها، وتراجعت خطوة إلى الوراء: آه.. أنت إيه التخاريف اللي بتقولها دي؟ إلى متى يا نفسُ ستظلّين تكتوين بنيران عشق أهوج لم يجلب لنا سوى الشقاء؟ وما حيلة هذا القلب العليل الموصوم بهوى رجلٍ من دون الرجال عِباء! يتناثر الحزن من عيناي جهرةً ولا يلقى صدى بروحه الجدباء! والصمت بات مُضنيًا والبوح نار موقدة قُدّت حروفها من العناء. طيف الخديعة بمُقلتيك عابثًا و طهر قلبك ما هو إلا خديعة وافتراء.

فلأي جنس تنتمي ؟ و لأي قبلية قد يُنتسب هذا البِغاء ؟




اهداء من صديقتي المبدعة الكاتبة نورهان العشري




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




_نورتي مملكتك يا احلي عروسة




قال مصطفى بصوته الرخيم ، راسماً على وجهه ابتسامة دافئة أبرزت وسامته الرجولية ، وهو يتنحى بجسده الفاره جانباً بعد أن فتح لها باب المنزل ، ليُفسح لها المجال للدخول أمامه.




بخطوات ثقيلة ، وقلب قلق ، وحدقتيها المهزوزيتين ، جابت زوايا المنزل بتصميماته الحديثة ، لتلهيها عن نوبة الهلع التي جعلت قلبها يقرع كالطبول ، يكاد يقفز من بين ضلوعها من شدة انفعالها على الأرض ، وهي تشد راحتيها على طيات قماش فستان زفافها الأبيض المصنوع بإتقان لتمنع ارتعاشهما من الظهور.




انتبهت ابريل من أفكارها على أصابعه الطويلة تتشابك مع أصابعها بهدوء ، فرفعت رأسها نحوه لتلتقي بها بابتسامة خافتة، ثم حثها على السير معه بعد أن أغلق الباب خلفهما.




جلسا كلاهما على الأريكة الواسعة ، فضغطت على شفتيها بأسنانها بتوتر طفيف ، وخفضت رأسها حين شعرت بنظراته تركز عليها قبل أن تسمعه يهمس لها مفتونًا : مبروك يا قلبي




ابريل بخفوت : الله يبارك فيك




مد مصطفى يده ممسكًا بخصلة من شعرها المنسدل على جانب وجهها الساحر ، مررها بين أصابعه ، مكتشفاً نعومته ، وهو يلعق شفته بطرف لسانه ، ثم حرك أصابعه تحت ذقنها ، ورفع وجهها إليه حتى التقت عيناه المتألقتان بالعاطفة والحنان بعينيها المتلألئتين بالخجل ، وقلبها ينبض بسرعة من الارتباك.




اتسعت الابتسامة على فمه ، وتثبتت عيناه على حركة أسنانها التي تعض على شفتها المرتعشة بإغراء حارق له ، فاتسعت عيناها حين رأته يميل نحوها ، وأظلمت عيناه برغبة في استكشاف شفتيها المغريتين ، لكنها في اللحظة الأخيرة أدارت وجهها للجهة الأخرى قبل أن تنهض متوترة وتتقدم إلى الأمام بخطوات مرتبكة.





أغمض مصطفى جفونه لثوانٍ بأنفاس متقطعة ، ثم مرر أصابعه على مؤخرة عنقه بتنهيدة قبل أن ينهض من مقعده ، ليذهب خلفها ، وهو يفك ربطة عنقه بسرعة محاولاً التنفس بعمق للحد من الحرارة المنبعثة من جسده ، رماها على الأرض بلا مبالاة ، ثم خلع سترته السوداء ، وألقاها على أقرب مقعد مقابل له بإهمال ، بينما استمر في متابعتها حتى الطابق العلوي.




أوقفها مصطفى في بداية الممر، ليحتضنها من الخلف بلهفة ، وهو يستشعر ارتعاش جسدها المتيبس بين ذراعيه القويتين ، ليحني رأسه نحوها ، ويهمس قرب أذنها بنبرة ناعمة خشنة : هربانة مني علي فين؟




سألها مصطفي بصوت هاديء منخفض بجانب أذنها ، فعجزت عن الرد حيث شعرت بحرارة شديدة تشع من صدره الملاصق لظهرها ، إلى جانب أنفاسه الساخنة التي أحرقت جلد رقبتها الملساء بلا رحمة ، مما تسبب لها في ارتعاشة مربكة في جميع أنحاء جسدها الضعيف ، حتى أنها تمكنت أن تهتز رأسها بالنفي بمشقة ، لتحاول أن تجد صوتها بصعوبة ، فخانتها الكلمات ، وخرجت من بين شفتيها المكتنزة بإغراء عفوى متلعثمة من التوتر : عايزة .. اروح .. الحمام




صمتت ابريل للحظات ، وهي تفرك أصابعها بتفكير ، ثم أضافت مبررة بصوت منخفض ناتج عن خجلها : الفستان ضيق عليا ومخليني مش قادرة اتنفس كويس هروح اغيره




طبع مصطفي قبلة رقيقة خلف أذنها ، مما جعل جسدها يرتعش بإضطراب بين ذراعيه المتملكتين ، لتسمعه يهمس بصوت خشن مثير يحتوي على الكثير من المشاعر والرغبات : طيب تحبيني اساعدك في قلعه؟




حركت رأسها في رفض صامت ، وبأنفاسها تكاد تكون مسلوبة من رئتيها ، فحاولت الابتعاد حتى تستعيد ربطة جأشها ، لكنه آبى أن يطلق سراحها ، فتحاملت على نفسها ، لتهمس برقة يتخللها الحرج : مالوش داعي .. ممكن تسيبني!!




اعترض بإصرار حنون ، مشددا على خصرها بكفيه مانعاً عليها أدنى فرصة للهروب منه : بس انا حابب تفضلي كدا جوا حضني شوية




أنهى كلامه غارساً وجهه فى عنقها ، مستنشقاً عبير عطرها المثير لحواسه ، قبل أن يميل أكثر يقضم شحمة أذنها بحرارة ، ولم تكن تعلم أن ما يزيد من رغبته فيها هو تململها المستمر حتى تتمكن من انتشال نفسها من حبس ذراعيه الملتفتين بإحكام حول جسدها الصغير ، مقابل جسده الضخم بطوله وعرضه الجذاب.




نثر عدة قبلات خاطفة بشغف على رقبتها المرمرية الناعمة ، ليتمتم بأنفاس متلاحقة من الرغبة المفرطة وشوقه الصارخ بإلحاح لامتلاكها بتعجل : ماتخافيش يا حبيبتي هكون هادي معاكي .. بس ماتحرمنيش منك انا بحبك اوي يا ابريل بموت فيكي .. وحتي وانتي بين ايديا هموت من كتر شوقي ليكي .. مش متخيلة قد ايه استنيت اللحظة دي من يوم ما عرفتك يا قلبي عايزك اوي اوي





غمغمت باسمه في خجل شديد حد البكاء ، لكنه لم يستطع السيطرة على نفسه إذ أدار رأسها نحوه بغتة ، ورفع وجهها إليه ، وقبل أن تدرك ما سيفعله ، انقض على شفتيها ، يلتهمهما بجوع و بشغف كاتماً أنينها المعترض ، بينما يمرر كفيه بحرية وجرأة على مفاتن جسدها ، الذي تصلب بشدة من هجومه الملحُ طلباً بقربها ، فلم يكن أمامها خيار سوى الاستسلام للغرق فى طوفان مشاعره الهائجة.




بعد لحظات ابتعد عنها قليلاً ، وأمسك وجهها بيديه ، متمتماً بصوت حنون وهو يتأمل كل شبر من وجهها : سامحيني يا حبيبتي مش قادر اشبع منك وماقدرتش اتحكم في نفسي قدام حلاوتك دي كلها .. هسيبك شوية وقت مع نفسك يا روحي




لم تبدِ سوى إيماءة خجولة بالموافقة قبل أن تدخل غرفة النوم وتغلق الباب خلفها ، أطلقت شهقة خفيفة وهي تستدير نحو الجالسة على سريرها ، فسألتها بصوت مصدوم : انتي بتعملي ايه هنا و ازاي دخلتي ...




ردت حنين بإبتسامة باردة : انا هنا في مكاني يا حبيبتي .. في اوضة جوزي انتي اللي مش في مكانك




استقامت من مجلسها وهي تردف بنبره قاسية يتخللها الشماته : دايما الاولي هي اللي في القلب يا ابريل و ليها النصيب والمعزة الاكبر .. يعني ماتخليش اوهامك الساذجة توهمك انك هتكون اهم حد في حياته .. مهما وصلت درجة تعلقه بيكي وخدعك تمسكه بيكي مستحيل هيفضلك علي ام ولاده واول حب في حياته .. انتي حاجة مؤقتة نفسه فيها مش اكتر في الاخر وبعد مايوصلك ويشبع منك هتبقي فعل ماضي




أنهت حديثها مع دخول مصطفى الغرفة ، متسائلا بهدوء : بتعملي ايه عندك يا حنين




حنين بسخرية مبطنة : ولا حاجة يا حبيبي كنت مستنية ابارك للعروسة




_يلا عن اذنكم انا هروح اوضتي




وعندما غادرت ، التفتت إبريل إليه وعلامات التعجب تحوم حول رأسها ، لتسأله بعدم تصديق : اللي هي بتقوله دا حقيقي!!




إقترب مصطفى منها وهو يجيبها بتبرير بارد لا يشفع له : انا مقدر انك مصدومة .. بس اللي احنا فيه وضع طبيعي وبكرا هتخدي عليه صدقيني مش هتحسي بوجودها ..




استندت على الطاولة خلفها ، بعد أن شعرت أن قدمها قد تخونها وتسقط على الأرض قبل أن تتحدث معترضة : احنا ماتفقناش علي كدا...




بتر باقى جملتها بلهجة حاسمة ، وهو يقف أمامها مباشرة : ابريل انتي قبلتي تتجوزيني .. خلاص ارضي واتبسطي بأيامنا مع بعض .. بلاش تخربي حياتنا بالتفكير الكتير .. لانك مش هتعرفي تغيري الواقع .. والمصير دا اهون كتير من اني كنت اسيبك يوم فرحك واسيبلك فضيحة ليكي انتي واهلك تلازمكم طول العمر بعد اللي عملتيه معايا واهانتك لرجولتي قدام الناس كلها ..





صمت مصطفى لبرهة ، وهو يحدق فيها بغموض قبل أن يخفض حدة صوته من هوج مشاعره تجاهها ، وهو يميل برأسه نحوها وتكاد شفتاه تلامسان خدها بحرارة : بس يشفعلك اني بحبك وكان نفسي الجمال دا يكون بتاعي ودلوقتي خليني اقطف من شهد جمالك واتمتع بحلاوة طعمه المسكر




دفعته بعيدا عنها ، وهي تشعر بإشمئزاز وهناك شيء يؤلم روحها بقوة تجاوزت حدود صبرها وثباتها ، بينما ارتجف صوتها صارخة بتشنج استهدف باقي جسدها : ابعد عني .. هو انت ازاي طلعت بالحقارة دي؟




ظهرت علامات الاستياء على وجهه ، وهو يقطب بين حاجبيه ليقول بصرامة : طب وليه الغلط دا بقا .. بلاش شغل جنان..




ابريل بتحفز المغادرة : الجنان بجد لو فضلت هنا لحظة كمان خليني امشي




صرخت ابريل مذعورة حين شعرت بيده القاسية تمسك بذراعها تجذبها نحوه قائلاً باستفزاز : تمشي علي فين يا عروسة هو انتي فاكرة الطلوع من هنا بالساهل كدا .. انتي خلاص بقيتي تحت ايدي وحر فيكي اخد حقي منك علي مزاجي




هدرت ابريل بإنفعال : يستحيل افضل مع واحد حقير زيك .. أنا بكرهك وبحتقرك. جز مصطفى على أسنانه قبل أن يتمتم بتهديد: "لسانك دا هعمله الأدب بس خلينا الأول في دخلتنا يا عروسة أحسنلك تهدي وتسترخي كدا عشان الليلة تمر علي خير وإلا هتكون جحيم ووجع عليكي ومتعة ليا في كل الحالات." ارتسم الرعب كل ألوانه الداكنة على ملامحها، وهي تقاوم قوته الجسدية بعجز، وهي تصرخ بجنون: "سيبني بقولك سيبني..." على متن يخت في نهر النيل "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير." بقلب يتخبط يمينًا ويسارًا من التوتر الشديد داخل ضلوعها، عادت إلى أرض الواقع من تفاصيل ذلك الحلم الملعون الذي طاردها قبل أيام، على صوت المأذون الذي أعلن انتهاء مراسم زواجها من باسم الشندويلي، الذي نهض من مقعده، ليتجه نحوها بمظهره الرجولي الأنيق وشفتيه المزينتين بابتسامة رائعة. قبل ظهر يدها برفق قبل أن يثبت عينيه داخل فيروزيتها المتلألئة، سارحًا في جمالها الملائكي الهادئ بفستان بيج بتصميم محتشم يناسب قوامها جدًا، حيث جاء بأكمام طويلة تصل إلى الأرض، وخصر ضيقًا بحزام رفيع وأنيق، وجاءت تنورة الفستان بقصة انسيابية، وجمع الفستان بين قماش التول والدانتيل المطرز بالورود البيضاء والفضية التي ظهرت في الفستان بأكمله. التقت أعينهما في صمت، بينما أرسلت نظراته إليها اهتزازات جعلت قلبها ينبض بقوة حتى استطاعت أن تقطع اتصالهما البصري بأصوات الزغاريد المتصاعدة من حولهما. لم تمر ثانية حتى اقترب الضيوف منهم، ليقدموا لهم تهنئتهم الحارة، فاستقبلتهم بابتسامة مجاملة تخللتها نظرات باهتة إلى حد ما لم يلاحظها سوى نادية التي التقت عيناها بها، وهي تهنئها بابتسامة غامضة تخفي الكثير من الامتنان لها، لكن لا أحد سواهما يستطيع فك طلاسمها. بالإضافة إلى حضور العديد من الشخصيات، لكن الذين كانا يترصدان لها باهتمام، هم نظرات أحمد ومصطفى، وفي داخلهما مشاعر متضاربة تغلي بين المعاتبة والاستياء. flash back قبل عقد القران بساعتين "ألف مبروك يا عروسة." التفتت إبريل لتنظر إليه، رافعة أحد حاجبيها بتعجب، فاستكمل حديثه بلهجة هازئة: "إيه متفاجئة إنك شايفاني.. إيه كنتي فاكرة إننا مش هنتقابل النهاردة." أشاحت وجهها بعيدًا عنه بعدم اهتمام تجلى بكلماتها: "لا عادي مابقتش اتفاجئ من حاجة.. مستغربة بس إن بعد دا كله قبلت الدعوة وجيت." "لولا إني بفهم في الأصول.. كان هيبقا ليا رد فعل مختلف.. وكنت وريتك من العذاب أشكال وألوان عشان أكسر عينك يوم ما اتجرأتي وتحدتيني." أكمل مصطفى جملته باستياء خطير، فرفعت ذقنها متحدية إياه: "وفر تهديداتك دي عشان مش هتقدر تخوفني بيها.. ماتهددش إنسان معندوش حاجة يخسرها.. لكن أنت عندك كتير تخسره وأولها برستيجك ومكانتك الاجتماعية وسط الناس." ضحك مصطفى بجمود تشابه مع نبرته حالما قال ساخرًا: "مش قادر أنكر إعجابي بثقتك في نفسك وشجاعتك دي.. بس خسارة جت عليكي بالسلب وخلتك تخسري فرص شغل كتير كانت كويسة وكملتي في عنادك معايا." اتسعت عيناها بتعجب مزيف، ثم استفهمت بسخرية مستفزة: "معقولة ما وصلكش الخبر.. كنت فاكرة إن دبة النملة بتوصلك عني.. بس شكلي كنت غلطانة.. بدليل إنك ما تعرفش إني اتعينت في شركة محترمة وكبيرة من كام يوم.." شعرت بالنصر يتراقص بداخلها فور أن رأت إمارات الدهشة ترتسم على وجهه، قائلة بحسم: "ولتاني مرة هقولهالك أنا لا كنت ولا هكون محتجالك أو ضاغط عليا في أي حاجة.. ونصيحة مني روح اتعالج من مرض التمسك بالأشياء اللي بترفضك لأن دا اسمه نقص في الشخصية عن إذنك." بعد مرور فترة وجيزة "إبريل عايزاكي في كلمتين ضروري..." إبريل باستفهام هادئ: "وإيه اللي بينا ضروري ممكن يتقال يا نادية!" نادية بنبرة يغلب عليها الاضطراب: "خلينا نبعد عن الدوشة هنا الأول." إبريل باستسلام: "طيب." في كابينة إبريل داخل اليخت "اقعدي يا نادية.. عايزة تقولي إيه سمعاكي...!" جلست نادية مقابلها، تطالعها بنظرات غريبة قبل أن تبدأ حديثًا غير مترابط: "طول عمرك رزينة وبتتكلمي من فوق يا إبريل.. ومحدش يقدر يغلطك في حرف بتنطقيه.. وهيغلطوكي إزاي وإنتي لابسة وش الملايكة دا طول الوقت." نظرت إبريل إليها بعدم فهم قبل أن تهتف بلهجة حاسمة: "عايزة إيه يا نادية من غير كتر لف ودوران..؟" صاحت نادية بنبرة منفعلة: "ما كفاياكي تمثيل بقا يا شيخة إيه ما بتزهقيش منه؟" أشارت نادية إلى نفسها، وارتفع صوتها باحتدام وهي تستأنف حديثها: "أنا عملت كل حاجة عشان يشوفني ويحس بيا وكل مرة بتطلع سيرتك قدامه بيتقلب عليا ويجري عليكي.. ما كفاكيش السنين اللي فاتت وإنتي بتتمنعي عليه وهو مش قادر يشيلك من دماغه.. قومتي عزمتينا أنا وهو عشان تحرقيه وهو شايفك بين إيدين غيره." استفسرت إبريل باستنكار: "هو إنتي بجد اللي جاية تعاتبيني وتلومي فيا.. مين فينا يلوم التاني؟! إنتي اللي من زمان حطيتي عينك على اللي مع غيرك وإنتي عارفة إنه مش شايفك.. وبعد ما بقيتي مراته برده مش شايفك إيه ذنبي في اختيارك إنتي؟" ردت نادية بقهر واتهام: "إنتي السبب يا إبريل.. عشان طول ما إنتي موجودة في حياته مستحيل هيعرف ينساكي وهيفضل متعلق بيكي.. وصلت بيه إنه يطلب من مراته تخطبله حبيبته ولو رفضتي يبقى لك ضرة عادي يطلقني عشان يرضيني." جحظت عينا إبريل صدمة حقيقية من كلماتها، فتخلت عن ثباتها الواهي، هادرة بحدة: "إنتي اللي بني آدمة ضعيفة وسلبية يا نادية.. جاية بترمي اللوم عليا أنا لأنك جبانة ومش قادرة تواجهي نفسك.. ولا قادرة تواجهي السبب الرئيسي في وجعك." هدرت إبريل مردفة بازدراء منفعل: "إزاي هانت عليكي نفسك أوي كدا؟! إزاي قللتي من نفسك كدا.. إنتي اتنازلتي عن كل حاجة عشانه ولسه بعد كل وجعك منه.. مش قادرة تعترفي قدام نفسك إنه هو اللي غلطان في حقك وجاية تقولي لي إن السبب مني أنا." "أيوه منك.." "لا ما تلوميش غير نفسك إنتي اللي بصيتي للي عند صحبتك ورحتي اتجوزتيه وقلبه مع غيرك وإنتي عارفة إنه ما بيحبكيش." "كنت عارفة إنه ما بيحبنيش وقابلة.. كنت مستحملة بعده عني وسفره شهور ما شوفوش.. بس كنت مصبرة نفسي بعشم كداب إن مافيش أمل ترجعوا لبعض.. وبقول لنفسي مصيره هيجي اليوم اللي يحبني فيه وينسى إبريل.. بس ما حصلش كل ماضي عيشتي معاه بتتحول لمرار وعذاب بقيت بسمعه وهو في حضني بيناديني اسمك إنتي وأتأكد أكثر إنه عمري ما شافني.." شهقت نادية تردف بضحكة مقهورة من بين دموعها: "ما تنكريش يا إبريل إنتي بترضي غرورك وبتنقمي منه وإنتي شايفاه بيجري وراكي زي العيل الصغير ومتمسك بيكي.. إياكي تكدبي يا صحبتي وتقولي إنك مش عايزاه لو الدنيا صدقتك أنا مش هصدق." مسحت إبريل عبراتها عن خديها المبللة بأصابعها، وأخذت نفسًا عميقًا، لتتحكم في انفعالاتها قبل أن تنظر إليها، ثم أجابتها بقلب لا يقل قهرًا عن الجالسة أمامها: "أيوه يا نادية قلبي مانسيهوش.. بس ملعون أبو الحب على أبو قلبي اللي يذلني عشان راجل قدر يبص لغيري ويفكر في واحدة غيري ويتجوز ويلمس واحدة تانية عشان يعاقبني إني قلت له مش هتنازل عن إن يكون ليا قيمة." شعرت نادية ما إن أنهت إبريل حديثها، وكأن سكينًا باردًا طعن في قلبها، فرفعت عينيها إليه، ورغم القسوة الصادرة من كلماتها، إلا أن نظراتها إليها كانت مليئة بالتعاطف والشفقة، فتحدثت نادية بارتعاش ممزوج بالحزن: "أعمل إيه يا إبريل أعمل إيه أنا وسط النار بيتي هيتخرب وحاسة إني مذلولة ومهانة أنا عمري ما هسامحك يا إبريل إنتي ما خسرتيش واحد على عشرة من اللي خسرته." بعد حوالي ساعة "فهمني إيه اللي بيحصل ومأذون إيه وكتب كتاب مين اللي مامتك بتكلم عنه دا؟!" تدفقت أسئلة إبريل في رأس باسم كالسيل الجارف، فاستقبلها بثبات، متظاهرًا بعدم معرفته بالأمر: "أنا اتفاجئت بيها بتقولي إن المأذون موجود معانا على اليخت وعايزينا نكتب كتابنا مع حفلة الخطوبة بعد ما أخدوا موافقة باباكي.." والفرح نقرر معاده براحتنا، ماكنش قدامي غير إني أسايرها وإلا هتشك فينا. كانت تستمع إلى حديثه دون استيعاب، قبل أن تتسع عيناها ثم هتفت استنكارًا: "يعني إيه تسايرها من غير من غير موافقتي؟ تصرفك ده مالوش غير معنى واحد إنك بتحطني قدام الواقع عشان مضطرة أوافق!" رسم باسم الضيق على ملامحه بمهارة، يخفي وراءه الكثير من المكر الذي لم تلاحظه في صوته حين قال بنبرة تقريع: "هجومك عليا بتحسسيني بيه إني مخطط للي بيحصل! لا يا أبريل، مش مضطرة توافقي. وبطلي تبصي للأمور على إنك لوحدك اللي واقفة في وش المدفع، وأنا مكنتش عايز أربط نفسي بواحدة ما بتفكرش غير في نفسها. بس لو جزائي أنا وأهلي تصغرينا اعملي كده. وقبل ما تفهمي كلامي على مزاجك، أنا مش عايزك تتقبلي ده من غير ما تفكري وتاخدي قرارك بنفسك." أسبلت رموشها دون أن تجيبه بكلمة، وكانت خلايا دماغها تعمل بأقصى سرعة. مرت عدة لحظات في صمت قبل أن تسمعه يقول بتخابث خفي: "خلاص هنخترع ليهم أي حجة ونعدي اليوم." أفرجت عن جفونها رافعة بصرها نحوه لترد بثقة: "لا، أنا… موافقة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...