الفصل 51 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
25
كلمة
5,389
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

بداية الحب بيننا كانت بمثابة مجموعة من نقاط الماء تنزل على سلك كهربائي عارٍ، فأحدث انفجارًا عظيمًا، إذن كيف ستكون النهاية؟! -إزاي مقرب مني كدا، أنا بنت خالك، أخرج حالًا قبل... بتر أحمد بقية عبارتها، ممسكًا بيدها يوقفها قبل أن تصل إلى الباب، وهمس بغضب أعمى، تزامنًا مع دفعها نحو الحائط، فأغمضت عينيها، وشعرت بألم في أسفل ظهرها، واندفعت الدموع من عينيها لا إراديًا، مما جعله يتلعثم بقهر حزين:

-ياااه أنتي مش طايقة لمستي ليكي.. لدرجة إنك بعد ما كنتي بتدوبي بين إيديا وبتبقي ملهوفة على حضني دلوقتي بتعيطي.. مش طول عمرك بتقولي إني أمانك ومابتحسيش بالراحة غير وأنا واخدك في حضني، خلاص كل دا نسيتيه.. خلاص بقيتي بتكرهيني. هدر أحمد بالكلمة الأخيرة بجنون، فرفعت عينيها نحوه، صارخة بصوت غاضب، غير مكترثة بحالته الهستيرية، وهي تنزع يدها منه: -اللي بتعمله دا اسمه جنان!

شعوره بالغيرة القاتلة التي تحرق قلبه وعروقه، جعلته يفقد ما تبقى من سيطرته على أعصابه، وجهر بعنف: -الجنان إنك تفتكريني هسيبك للـ**** دا.. قبل لحظات من هذا الحدث كانت نادية تقف بالخارج مذهولة، والدموع تنهمر على وجهها، وهي ترى زوجها يحاول يائسًا الحصول على حبه ويتوسل بضعف لامرأة غيرها أن تشعر به وبغيرته عليها.

استيقظت من حالة الصدمة التي تملكتها، وهي تسمع أقدامًا تتقدم في الممر، فانعطفت إلى أحد الأركان المظلمة قبل أن يراها هذا القادم.

من ناحية أخرى سار باسم بخطوات هادئة نحو كابينة إبريل ليتفقد ما فعلته بهذا الفستان، وعلى وجهه ابتسامة استمتاع وهو يتذكر ملامحها الخجولة من جرأته التي كان يعلم جيدًا أنها تثير ربكتها، لكن الابتسامة سرعان ما تحولت إلى عبوس بمجرد أن سمع صوتًا رجوليًا غاضبًا قادمًا من الداخل، ودون تفكير اندفع بسرعة إلى مصدره. في الداخل

-أنتي بتاعتي أنا.. مش بعد ما فضحتلك الـ**** تاني وعرَّفتك إنه متجوز عشان أمنع جوازتك تروحي تتجوزي واحد من نفس صنفه وتفضليه عليا. حدقت فيه بنظرة عدم تصديق ستظل محفورة في عينيه، بينما لسانها تلجم من اعترافه، الذي جعلها تتجمد في مكانها من صدمتها الشديدة.

مرت عدة لحظات، وقبل أن تلملم جمع أفكارها المتناثرة حتى تتمكن من الرد عليه، وجدت يدين تسحبان أحمد من الخلف قابضًا على سترته جاذبًا إياه بعيدًا عنها وأمسكه من تلابيبه بكلتا يديه والشياطين تتراقص أمام عينيه بعد رؤيته لذلك الوغد مقتربًا منها إلى هذا الحد. قست تعابيره، وهو يسأل من بين أسنانه المطبقة بقسوة: -إيه اللي مدخلك عند مراتي يا ****؟ سارعت إبريل بالقول، وهي تكاد تموت رعبًا: -باسم أنا هشرحلك بس سيـ...

قاطعها باسم بتحذير خطير: -حرف منك كمان وتصرفي الجاي مش هيعجبك. دفعه أحمد عنه بقوة، وهو يهتف بخشونة: -يعني هتعملها إيه!! اللي بيني وبينها أمور عائلية ماتدخلش نفسك فيها. عبست تعابيره بتقزز قبل أن يهاجمه، متمتمًا بحدة: -بتتهجم على مراتي وكمان شارب وتقولي أمور عائلية دا يا ****. -لا خوفتني بالشويتين دول.. أتكلم على قدك وأحسنلك تطلقها بذوق يا حيلة أمك وأبوك.

-آهااا.. دا أنت غرتك البدلة والكرافته دول بس وماله احنا فيها في ثانية أثبتلك العكس. تجعدت تعابير إبريل في ذعر، وأغمضت عينيها بقوة، وباسم يلكمه في وجهه بحركة مفاجئة أطاحت بأحمد بقوة على المقعد الجانبي. -دي عشان إيدك الن**** لمستها. زأر بالكلمة الأخيرة بنبرة شرسة، ثم انحنى عليه، ووجه له ضربة أخرى عنيفة أصابت أنفه، فتأوه بعنف من الألم وهو يسقط للخلف بالكرسي، ليرتطم بالأرض بقساوة.

-ودي تعرفك لما حيلة أمه وأبوه حد يقرب على اللي يخصه بيعمل فيه إيه ولا لسه شكلك عايز تشوف أكتر يا *****. نطقت إبريل لا شعوريًا: -باسم لا سيبه خلاص. هدر باسم بغضب عاصف: -اخرسي أنتي. تيبست إبريل في مكانها بوجه شاحب من ضراوة نبرته، بينما استدار باسم نحوها، ليتقدم نحوها بغضب مكبوت، وهو يرى جسدها يرتجف خوفًا، فأحاط كتفيها بكلتا يديه، وهو يمرر عينيه عليها بقلق ظهر في نبرته عندما تحدث بصوت أجش: -الحيوان دا عمل فيكي حاجة؟!

هزت إبريل رأسها إنكارًا، عاجزة عن رفع عينيها نحوه خوفًا من أن يرى دموعها، ثم سرعان ما جحظت عينيها عليه فور أن سمعت زمجرته الغاضبة وهو يتفحص تلك الكدمة الزرقاء التي غطت منطقة معصمها الأيسر التي كان يمسك بها أحمد، لكنها لم تشعر بأي ألم من الصدمة. في تلك الأثناء استعاد أحمد توازنه بسرعة حيث وقف من جديد متجاهلًا الدوار الشديد في رأسه ناهيك عن الألم في جسده وخاصة في أنفه النازف.

انسحبت الدماء من وجهها ذعرًا، وهي تتفاجأ بأحمد يسدد ضربة قوية في وجه باسم ليصطدم ظهره بالحائط بقسوة. قبل أن يلف الآخر يده حول عنقه، وهو يصرخ بهوس: -ماتلمسهاش بإيدك القذرة دي تاني. بفضل فارق الطول بينهم استطاع باسم التخلص من قبضته عن عنقه بحركة قتالية لاكمًا إياه في فكه، وهو يلهث من فرط الانفعال، ويهدده بوعيد: -قسمًا بدين الله لأكون حادفك بإيدي من على اليخت. -أحمد في إيه يا إبريل..!!!

قالتها صابرين مسرعة إلى الداخل بعد أن استنجدت نادية بها التي دخلت خلفها، فأكملت وهي تتنفس بلهاث: -إيه اللي بيحصل دا يا أحمد.. ماتفهموني يا جماعة؟! تجاهلت إبريل الرد عليها، لتنظر إلى أحمد بخيبة أمل وقهر ارتسم على ملامحها قبل أن تتحدث بصوت مرتجف لا يخلو من المرارة:

-استريحت كدا.. عايز تهدم حياتي ليه مش هاين عليك تشوفني بحب وأتحب وأتجوز أعيش حياتي.. زي ما أنا احترمت اختيارك.. جه الدور عليك تحترم اختياري.. ابعد عن حياتي وبطل توظهالي.. أنت سامعني. هدرت إبريل بالكلمة الأخيرة في وجهه، فتجنب النظر إليها وهو يشعر بالخزي من نفسه، وكأنها أصابت عقله بصاعقة أعادت له وعيه، وهو يتلقى كلماتها كالخنجر المسموم، ونظراتها الحادة ونبرة صوتها مزقت أوتار قلبه، ثم تابعت منهكة:

-صابرين خذيهم واخرجوا من هنا قبل الناس اللي فوق يحسوا بحاجة وماتجيبش سيرة خالص لستي. حانت التفاتة من أحمد نحوها، والتقت نظراتهما في لحظات بدت وكأنها رسالة منه، معناها سأدعك ترحلين مني. ما إن غادروا في صمت، استدارت إبريل تحمل الفستان، عازمة على الفرار من أمام عينيه الرماديتين اللتين كانتا تنظران إليها بتأهب واستفسار لن تتمكن من الإجابة عليه الآن. -رايحة فين؟ صدح صوته بهدوء يسبق العاصفة، فأجابت بفتور

شديد دون أن تلتفت إليه: -هغير الفستان. سحبها باسم من رسغها حتى واجهته، قائلًا بنبرة جادة جافة: -مش قبل ما تفهميني إيه حكاية اللي اسمه أحمد دا وإيه سبب تصرفاته الغريبة معاكي؟ سحبت إبريل نفسًا مرتجفًا، متحاشية النظر إلى وجهه الغاضب وهي تجيبه بصوت متوتر: -ممـ مفيش حكاية ولا حاجة.. دا ابن خالي. ضرب زاوية جبينه بنفاذ صبر بائن في قوله: -ماتطيريش البرج اللي فاضل في نفوخي وتطلعي شياطيني عليكي.. تحدثت إبريل

بهدوء محاولة الثبات أمامه: -باسم أنا مش مستعدة لأي كلام دلوقتي. أنهت جملتها وهي تتجه نحو الحمام، لكنه تحرك خلفها، معترضًا طريقها، وتعابيره تدل على أنه فقد السيطرة على أعصابه، نظرت في عينيه مذعورة، وهو يهدر بإصرار صارم:

-هتقفي هنا دلوقتي قدامي وتفسريلي.. كل القرف دا من لحظة ما اتبليت بيكي ومفيش حكاية.. أخش ألاقيكي في حضنه وتقوليلي مفيش حكاية.. هو أنتي إيه شايفاني بريالة ولا مركب قرون ولا هصدق الدمعتين دول وأبلع اللي حصل وأخرس.. انحنى باسم برأسه نحوها حتى صار وجهها موازيًا لوجهه، ثم نفث بقية كلماته في وجهها بفحيح: -عايزاني أشوف مراتي وراجل بيتهجم عليها وأنا أقف أصفقلك أنتي وهو.. ايه هو حد قالك إني حاطط رجولتي في التلاجة؟!

تراجعت أبريل خطوة إلى الوراء، وهي تنفجر ضاحكة وبدأت الدموع تنسكب من فيروزيتها، وكأنها على وشك الجنون قبل أن تقول بنبرة هازئة: هو أنت ايه ما بتشبعش من تمثيل دور الحبيب؟!! بص حوالينا، بص كدا، إحنا لوحدنا، ماحدش هنا، وما فيش كاميرات بتصورنا يا حضرة المخرج القدير. أمسكها باسم من ذراعيها، ليهزها بقوة محذرًا إياها بحنق: بطلي تخرجيني عن شعوري معاكي عشان ما تشوفي وش تاني للمخرج القدير هيلخبطلك كل أفكارك عني.

أبريل صائحة بتحدٍ لاذع: أنت اللي بطل كدب شوية.. والحمقه الكدابة دي وفرها، مش هتعرف تخدعني بيها زي ما بتعمل مع الستات اللي بتعرفهم.. سيبني في حالي يا أخي، سيبني في حالي، أنت ما بتفهمش.

لم يعطها فرصة للاستيعاب، وهو يطبق شفتيه على شفتيها، كتم شهقتها داخل جوفه بعد أن سحبها من رقبتها، لترتفع تلقائيًا على أطراف أصابع قدميها، وسرت رعشة غريبة في جسدها من طريقته المجنونة غير المتوقعة، وحتى لا تفقد توازنها وضعت راحتيها فوق يديه، فازداد ضغطه على شفتيها الرقيقتين بجنون وهو يدفن أصابعه في خصلات شعرها، معمقًا قبلتهما بشغف مشتعل، لم يكن يعلم هل يطفئ لهيب غيرته النارية منها بهذه القبلة أم يثبت لها ملكيته بها أم كلاهما معًا.

مرت لحظات قليلة قبل أن يشعر بضربات خفيفة منها على ذراعيه اللتين كانتا ما زالتا تمسكان برقبتها، ففصل القبلة وهو يشعر بحاجتهما للهواء. أسند جبهته على جبهتها، متلفظًا أنفاسه الحارة بصوت مسموع أرسل رعشة خفيفة في عمودها الفقري، قبل أن يسألها بهمس خطير: ودا كمان كدب وتمثيل ولا حقيقة؟! تابع باسم يهدر بغلاظة: انطقي، ايه اللي بينك وبينه عشان يتجرأ عليكي كدا؟

عادت أبريل برأسها للخلف، وظهر الخجل جليًا على وجهها الذي اصطبغ بالاحمرار المغري مع أنفاسها المرتبكة، وزادت دقات قلبها من المشاعر الغامرة التي انخرطت فيها بقبلته المحمومة، لكنها لن تقف مهزومة أمامه بعد أن عرفت ما يخفيه عنها، فصرخت باستهانة جارحة وحقد مبطن:

وأنت مالك أو تطلع مين وبأي حق بتسألني.. أنت هنا مش مخرج المسرحية.. ومش هسمحلك تخرّج حياتي على كيفك.. أنت مجرد كومبارس بتمثل في قصتي.. أنت مش بطل الحكاية دي ولا من حقك تحقق معايا وكأنك بجد خطيبي وغيران عليا. زفر بغضب مكبوت قبل أن يزمجر بوحشية:

اللهم طولك يا روح.. طريقتك المستفزة وكلامك الجارح دا بطليهم يا أبريل فاهمة.. بطليهم وإلا أقسم بالله العظيم هطلع جناني عليكي وأعرفك إذا ليا حق فيكي ولا لأ.. سامعة.. أنا مش هستحملك أكتر من كدا وسؤالي تردي عليه بإجابة واضحة يبقالك ايه غير إنه ابن خالك؟ صمتت أبريل تفكر لبرهة، ثم أجابت ببرود مميت: كان خطيبي وكنا بنحب بعض. اتسعت حدقتاه غضبًا، وهو يهتف باستهجان مخيف غلب على ملامحه: أنتِ معجونة من ايه بالظبط؟

عمالة تتنقلي من واحد للتاني.. عشان كدا ما صدقتي بتسيبي مصطفى.. وكنتي مصممة تهربي من بيت أبوكي يوم خطوبة أختي عشان تروحي للحيوان دا. تقلصت ملامحها من قسوة كلماته، وبدموع حارقة بللت شفتيها لتذوق طعمها المالح، وارتجفت نبرتها ما إن قالت بسخرية حزينة:

برافو عليك والله تحليلاتك عظيمة أوي.. بس ناقصها شوية تفاصيل بسيطة.. اللي بحبه دا لما اتحط تحت ضغط بسيط اتخلى عني.. اتجوز صحبتي بعديها شهرين عشان يربيني.. ويمكن هو اللي خلى مرات مصطفى تيجي وتقولي إنه عايز يتجوزني عليها.. وهو برده اللي خلى مراته اللي هي كانت صحبتي تيجي لحد هنا عشان تقنعني أتجوزه عليها. ابتلعت تلك الغصة التي تشكلت في حلقها قبل أن تواصل شرحها له بأسى مرير:

نسي إن دا مستحيل يحصل، نسي إن استحالة أفكر أخلي بنته تعيش نفس عذابي اللي طول عمري عايشة فيه وماحدش حاسس بيا ولا بقهرة قلبي.. دا كله كوم وأمه اللي ما كانتش بتفوّت مناسبة أو فرصة إلا لما تفكرني إني منبوذة من أبويا وأمي، وأي موضوع يتفتح تنتهزه عشان تحسسني إن ما أنفعش لابنها.. لحد ما وصل بيها إنها تقومه عليا عشان كمان ما أكملش تعليمي وتبقى قضت عليا خالص.. ولما روحت أفهمها إني مش عدوتها زي ما هي فاكرة وتعتبرني زي بنتها، وإني مش قاصدة أعصيه عليها ضربتني بالقلم.. ما قدرتش أستحمل دا كله وسبت كل حاجة وجيت على هنا.

ما إن أنهت حديثها حتى ركضت إلى الحمام، بينما وقف باسم للحظات متجمدًا في مكانه قبل أن يتقدم نحو الباب بخطوات بطيئة، وهو يستمع إلى شهقاتها الخافتة فرفع قبضته عازمًا على طرقه بتردد، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، وغادر الغرفة بهدوء، بينما أبريل بالداخل أحست به يرحل فزاد بكاؤها حزنًا ومشاعر متناقضة تغلي في داخلها، كم كانت تود أن ترمي نفسها بين أحضانه وتختبئ فيه، لكنها ببساطة لم تستطع أن تفعل شيئًا سوى مهاجمته والرد عليه بلسانها الحاد الذي يحمي قلبها منه، ربما تريد أن تبرد قلبها الذي نسي كل ما يحدث حولها، وبدأ ينبض ولعًا به، وتمنت للحظة لو لم تسمع من أخته وقريبته ما يربطه بعلاقة قديمة مع أختها.

بعد عدة أيام الساعة التاسعة صباحًا في سيارة يوسف

كانت أبريل تقود السيارة بحذر شديد حيث أنها تعلمت القيادة مؤخرًا، وما زالت تخشى السيارات والزحام، حتى تشتت انتباهها بهاتفها المحمول في المقعد الآخر، ورأت اسم باسم يضيء الشاشة، فنظرت نحو الطريق بمكابرة محاولة تجاهل مكالمته للمرة التي لم تعد تعرف عددها منذ آخر لقاء لهما على اليخت، وهي تتجنب رؤيته أو الرد عليه مفضلة التركيز على عملها الذي بدأته، وليست مستعدة لخسارته يكفي لما عانته من خسائر في الفترة الماضية.

رن الهاتف مرة أخرى، فتأففت بغضب، وهي تلتقطه ومقررة إغلاقه تمامًا، وعندما نظرت للأمام فوجئت بسيارة تسد الطريق، ومن فرط توترها لم تستطع أن تتحكم في عجلة القيادة، فاصطدمت بها من الخلف بقوة فتوقف قلبها رعبًا.

تنفست أبريل بعمق محاولة التحكم في أعصابها حتى تتمكن من التعامل مع الموقف الجديد الذي ورطت فيه، ثم نزلت من السيارة، واقتربت من الرجل الذي كان يقف، وظهره لها يتحدث إلى شخص بجانب مؤخرة السيارة، وعندما حمحمت بصوت خافت التفت إليها، فتبخرت شجاعتها الواهنة وهي تجد نفسها واقفة وجهًا لوجه مع رب عملها، تأملت مظهره الذي كان غاية في الوسامة بالبدلة الرسمية مع نظارته الطبية التي أعطته جدية جذابة.

دياب ساخرًا بنبرته الرجولية المميزة، وهو يضبط النظارة الطبية: كنتي سرحانة في ايه يا باشمهندسة؟ ضاعت الحروف من شفتيها قبل أن تقول بنبرة آسفة: مستر داغر!! أنا آسفة أوي أوي.. والله ما كنتش شايفة و.. قطعت بقية تبريرها، وهي تنظر إلى السيارة بنظرات قلقة، ثم تابعت الاستفسار بخشية: هي خبطة صغيرة مش كدا؟ أوشك العامل على الرد عليها، لكن دياب سبقه في الحديث بحزم لا يخلو من السخرية: شايفة ايه؟ طبعًا مش صغيرة.

جحظت فيروزيتها بصدمة، مرددة بوجل: يا خبر.. طيب ممكن تشوف حضرتك هيتكلف كام تصليحها وأنا هدفعُه. هتف دياب بعصبية، وهو يحدق في انحناء السيارة الواضح: أستغفر الله العظيم على الصبح.. دي لسه جديدة.. أو يعني كانت جديدة قبل ما تخشي فيها بالغشومية دي. ارتجفت شفتاها حزنًا وهلعًا، وهي تقول بصوت متحشرج مليء بالحرج: والله أنا ما كنتش بقصدي، كنت مستعجلة وعايزة ألحق الميتنج.. طيب لو ينفع حضرتك تصلحها وأنا هدفعلك اللي هتقول عليه؟!

تبدلت تعابير وجهه الصارمة إلى تعابير هادئة، عندما رأى الذعر واضحًا على ملامحها مع فيروزيتها الدامعة، فنطق بما جعل العامل يجحظ ببلاهة: تدفعي ايه؟! أنا كنت بهزر معاكي، مفيش حاجة كبيرة. ضيقت عينيها بعدم تصديق تجلى في قولها، وهي تشير إلى الانعواج: بس ده؟ دي ولا حاجة، ما أثرتش على العربية. بجد!

ارتسمت ابتسامة هادئة على فمه، وهو يراقب تعابيرها الرقيقة، بينما أكد لها بإيماءة من رأسه، فوضعت يدها على صدرها تستشعر ضجيج دقات قلبها، ثم تمتمت بارتياح: الحمد لله. خلاص اهدي، ما حصلش حاجة. أصلي بصراحة دي أول مرة في حياتي أخبط عربية حد، ولسه كمان متعلمة السواقة جديد. خاطبها دياب بتفهم متريث: معلش، دايماً أول مرة في كل حاجة ما بتكونش سهلة. تكلمت أبريل بتلقائيتها العنيدة:

فعلاً، بس بغض النظر الخبطة تستاهل أو ما تستاهلش أنا هدفع تصليحها، وأنا آسفة قوي يا مستر داغر. خلاص يا باشمهندسة مش مستاهلة، وكفاية اعتذارات، أنتي اعتذرتي كتير قوي. أنهى حديثه بحزم بارد جعلها تصمت مستسلمة، ثم نظر إلى شاشة الهاتف محاولاً إخفاء ضيقه من مناداتها له باسم توأمه، ثم تابع بنبرة جادة: إحنا اتأخرنا، يلا نلحق الميتنج، وخلي الفاليه يركن العربيات. أومأت أبريل له بالموافقة وهي تتحدث بسرعة:

تمام، لحظة هجيب شنطتي من العربية. بوقت الظهيرة في منزل فهمي الهادي داخل غرفة ريهام انقلبت على جانبها في السرير، وهي تسمع رنين الهاتف الذي أيقظها من غفوة متقطعة مليئة بالقلق والكوابيس، لترى الشاشة تضيء برقم مصطفى، ما إن ضغطت على زر الرد حتى جاءها صوته المنزعج قائلاً: ما بترديش عليا ليه، كلمتك كتير؟! ريهام بفتور: تعبانة شوية. مصطفى بسؤال: خير مالك؟! مصدعة وعندي سخونية، الظاهر أخدت برد. سلامتك، طيب إيه آخر الأخبار؟!

تنهدت ريهام ببطء، قبل أن تجيبه بضيق: لميس نفذت اللي قولتلها عليه بالحرف زي ما كنا عايزين. سأل مصطفى على الفور: كويس قوي، وإيه النتيجة؟! ما أعرفش، بس مفيش جديد. تساءل مصطفى بنبرة ممتعضة: يعني اللي حصل كان على الفاضي، إيه ما فهمتش إنه كان بيجري وراكي قبل ما يخطبها ولا إيه؟! رددت بانزعاج من صوته العالي: ما أعرفش، أنا بقى لي كذا يوم ما بتحركش من السرير. مصطفى بهدوء: خلاص، لما تتحسني هنتكلم تاني. طيب باي.

رمت ريهام الهاتف بجانبها في ملل ملحوظ، وهي مستلقية على السرير، وعيناها مثبتتان في السقف في شرود، لم تكن مريضة كما ادعت، لكنها منذ يوم الخطوبة لم تخرج، ولم تذهب إلى العمل، ولم تكلم أحداً، ولم ترغب في رؤية أحد، كان عقلها يعمل ويدور بلا توقف في حيرة، لم تشعر لحظة بالراحة منذ رأت داغر بطل كوابيسها، متأكدة من أن ظهوره ليس طبيعياً، وأنه عاد بالتأكيد لسبب ما، لدرجة أن الخطط التي رسمتها مع مصطفى لم تعد ذات أهمية كبيرة

بالنسبة لها، فهي من خططت لما حدث في يوم الخطوبة مع لميس التي لم تنس رؤيتها باكية في خطوبة هالة، وهي تشاهد باسم يقبل أبريل، فاستغلت الفرصة وسممت أفكارها تجاه أبريل بأنها تريد استغلال باسم حتى تتخلص من خطوبة مصطفى، ولأنها لا تحبه، لذا عندما تسمع عن علاقتها السابقة مع باسم ستهرب منه، لكن باسم فاجأ الجميع بعقد قران عليها.

لم تهتم بما حدث بعد ذلك بين باسم وأبريل، كل ما شغل تفكيرها هو داغر الذي لم تستطع إخراج ابتسامته الشيطانية من ذهنها، ومهما حاولت إنكار حدسها وعدم تصديق الأفكار التي تأتيها لا تعرف. وما هو العائق؟

لقد توفيت زوجته الحبيبة عشيقته بعد صراع طويل مع المرض، وبالتأكيد الآن لا شيء يمنعه من أخذ عمر منها، وهذه بالفعل كارثة كبرى وفضيحة لم تتوقعها منذ ابتعدت عنه، وانقطعت أخباره عنها معتقدة أنه لا يريد رؤيتها مرة أخرى، بعد محاولاتها لإقناعه بأنها تحمل طفلاً من صلبه وليس من زوجها.

لقد سئمت من التفكير، وهي جالسة على جمر الانتظار كلما رن هاتفها تنظر إليه بعيون مرتعبة، معتقدة أن المكالمة منه، لكنه لم يظهر بعد ولم يسمع منه شيئاً، وهذا يقلقها أكثر فأكثر. لاحقاً في منزل صلاح الشندويلي داخل غرفة باسم هو أنت هتفضل راقد كدا يا خالو، مش متعودين منك على كدا؟! قالت تلك العبارة بصوت مرح لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها وهي تدخل غرفته، فأجاب باسم بتكاسل: مدغدغ على الآخر يا كارلا. ألف سلامة عليك يا بيسو.

تابعت كارلا بتساؤل، مشيرة إلى صينية الطعام على المنضدة بجانب الشرفة: إيه ده، الأكل زي ما هو؟! تحدث باسم بنبرة واهنة: تصدقي من كتر الوجع في عظمي ما قادر حتى أوصل لحد الكرسي عشان آكل. جلست بجانبه على السرير، تداعب شعره الناعم برقة، مقوسة فمها بلطافة قائلة بلهجة تخللها التبكيت: صعبت عليا قوي والله، بس أنت اللي عملت بطل ورميت نفسك في النيل. رمقها باسم من زاوية عينه، وهو يلكزها في ذراعها رافعاً زاوية

فمه باستياء انبلج بصوته: بطلي تقطيع في اللي جابوني يا عديمة الإحساس، وقومي هاتي الأكل هنا. صدحت ضحكاتها المتسلية، وهي تنهض من مجلسها، ثم أخبرته بمرح: بس كدا، وهأكلك بإيدي، أنا ليا كام أنكل هو واحد بس. اتسعت الابتسامة على محياه الوسيم هاتفاً بحماس: أنتي روحي والله، دايماً أقول كارلا مفيش أحن منها. أسرعت كارلا بالتقدم من المنضدة، وهي ترد عليه بصوت خجول: ما تقولش كدا، ده واجبي، الله إيه الحلاوة دي.

صاحت كارلا بانبهار، وهي تتطلع إلى الطعام بأعين تلتمع بالحماس، فقال باسم باستفسار وهو يشعر بالجوع الشديد: إيه اللي في الطبق عندك، أنا شامم ريحة فراخ مش كدا؟! فراخ وخضار سوتيه و.. أكمل باسم عبارتها، وهي يرفع رأسه يريد معرفة محتويات الصينية بينما جلست على الكرسي وشرعت بتناول الطعام: معاهم رز؟! أكدت له كارلا بصوت متقطع من الطعام الذي تمضغه داخل فمها: آه، وفي شوربة لسان عصفور كمان من اللي أنت بتحبه.

يا عيني جريت ريقي يا قلبي، ما تيجي هنا وتاكليني بقى. عينيا، بس لحظة بس أبلع اللي في بوقي. بعد عدة دقائق غمغمت كارلا بارتخاء، وهي تمسح فمها بمحرمة ورقية: الحمد لله، ده أنا كنت جعانة بشكل. باسم بغيظ: كانت حلوة الشوربة؟! كارلا بتأكيد مستفز: جداً جداً، عايزة أقولك دي فوايدها كتير قوي، وهي دي اللي ترم عضمك. دمدم بسخط: رمي يا أختي رمي، هتجيبيه من برا، طالعة لأبوكي.

أمسك باسم هاتفه يعبث فيه بعصبية موجهة نحو التي تتجاهله بقلب كالثلج. أيتها المتمردة، تنسجين مؤامرة على قلبي العاصي حتى أوقعتيه في شباك عشقك، ثم تركتني عاجزاً عن النبض إلا بأمرك. في مساء هذا اليوم داخل المستشفى عند هالة تجلس في مكتبها بوقت الراحة، وهي تراسل هدير عبر تطبيق الرسائل النصية "الواتساب". مشغولة ولا إيه يا دوك.. لو عطلتك أكلمك وقت تاني! _لا أبدًا يا حبيبتي، لسه مخلصة مرور على المرضى. إيه أخبارك؟

_والله زهقانة موت... مش واخدة على قعدة البيت خالص، وبفكر أروح نادي بدل الخنقة دي. _فكرة حلوة، انزلي غيري جو. _نفسي بس أنا مش مشتركة في أي نادي. _سهلة، بكرة نتقابل وأوديكي النادي اللي أنا عضوة فيه، ونعملك اشتراك يا حبي. _بجد ميرسي أوي أوي يا هالة، مش عارفة أقولك إيه، بتعبك معايا. _ما تبقيش أوفر أوي كدا، عادي. _حبيبتي ميرسي... إيه أخبارك أنتي وخطيبك؟ _تمام الحمد لله... هكلمك تاني بعد الشغل.

وضعت هالة مرفقيها على سطح المكتب، وأسندت رأسها على قبضتيها المرفوعتين، وأغمضت عينيها بتعبير ساكن، لتجوب في ذاكرتها أحداث ذلك اليوم قبل أسبوعين، حينما ذهبت إلى عيادة فريد الجديدة. flash back دخلت غرفة الكشف الطبي في عيادة فريد، الذي نهض من خلف مكتبه، مرحبًا بها بابتسامة جذابة لم تخلُ من الدهشة في نبرته الرجولية: أهلًا وسهلًا يا دكتورة هالة، إيه الزيارة الحلوة دي؟

صافحته هالة برقة: معلش لو جيت من غير ميعاد، بس حبيت أباركلك على العيادة. _الله يبارك فيكي، العيادة نورت. _ميرسي جدًا، اتفضل... قدمت له علبة مستطيلة ملفوفة بأناقة، فأخذها منها مبتسمًا، فتحها أمامها بهدوء، قائلًا بعذوبة: ليه تعبتي نفسك؟ أجابته هالة بلطف: دي حاجة بسيطة عشان ربنا يحفظك ويباركلك في شغلك. لثم فريد المصحف بحب، ثم تمتم بابتسامة زينت ملامحه الوسيمة: أحلى هدية. تحرك فريد يفسح لها المجال قائلًا

بلباقة: اتفضلي ارتاحي. جلست هالة على الأريكة واضعة حقيبتها بجانبها، بينما تقدم فريد وجلس على الكرسي المقابل لها مخاطبًا إياها بنبرته الهادئة: عارف إنك واخدة على خاطرك من آخر مرة اتكلمنا فيها، وآسف لو كنت زودتها شوية معاكي. _حصل خير... وكان معاك حق في اللي قولته، أنا دخلت أموري الشخصية في شغلي لدرجة إني أهملت وقصرت فيه. _المهم إنك حاسة نفسك أحسن دلوقتي. _الحمد لله. أومأ لها بتفهم متحدثًا

بجدية تليق به: الأزمات اتخلقت معانا، وإحنا لازم نقع في مطبات ونمر في حياتنا بضغوط ومشاكل تعطل عقلنا عن التفكير... بس مهما كان مكانش من حقي أكون حاد في كلامي معاكي، فياريت تقبلي اعتذاري للمرة التانية. كانت على وشك أن تتحدث، ولكن باب الغرفة انفتح فجأة، ودخلت هدير مثل سهم انطلق من قوس ناري: السكرتيرة اللي برا دي لازم تغيرها يا فريد، دي مكنتش عايزة تدخلني.

أنهت هدير كلماتها الغاضبة، وهي تنظر إلى الفتاة التي دخلت خلفها باستعلاء، فتحدث فريد بزفير: معلش اتفضلي أنتي يا آنسة حلا. سبقته هدير بالحديث مشيرة إلى هالة برأسها بشك متعجب: إيه دا؟ إحنا اتقابلنا قبل كدا في المستشفى مش كدا يا دكتورة؟! تابعت هدير بذات النبرة موزعة بصرها بينهم: مش أنتي دكتورة برضه ولا عندك كشف؟ أصل السكرتيرة قالتلي عن عندك كشف. فرك فريد حاجبه مجيبًا إياها بضيق: دكتورة هالة وهدير آآآ...

استكملت هدير عبارته بسرعة: أنا هدير خطيبته. شعرت هالة بغيرة هدير منها، فانفرجت شفتاها بابتسامة عذبة، وهي تنهض من مكانها، قائلة بصوتها الناعم: أهلًا وسهلًا... معلش هستأذن منكم... جيت أبارك للدكتور على العيادة وأعزمه على خطوبة أخويا، وياريت تيجي معاه لو تحبوا. لمعت عينا هدير بالحماس، ثم نظرت إلى فريد بتردد ينبعث من نبرة صوتها: أنا عن نفسي أحب نحضر أوي... بس فريد مالوش في جو الحفلات والأفراح.

شعرت هالة أنها استعجلت بالحديث، فنظرت إليه بارتباك ظاهر في كلماتها: إذا فيها إزعاج آآآ... قاطعها بلهجته الرزينة: هنحاول نحضر... ألف مبروك يا دكتورة. _الله يبارك فيكم واتشرفت بمعرفتك. مدت هالة يدها لتصافحه، ثم صافحت هدير، وقالت بابتسامة قبل أن تغادر بهدوء. back

ومنذ ذلك الحين وهدير تزورها بشكل متكرر في المستشفى، ومن خلال الحديث معها فهمت أنها تريد إقامة صداقة معها، وبالرغم من اندفاعها إلا أنها مثل الطفلة لا تضمر الخبث داخلها، لذا شعرت بالمسؤولية تجاهها لأنها صغيرة وغير ناضجة فكريًا، وربما فعلت ذلك لأن في أعماقها تريد الهروب من مشاعر أصبحت تراودها مؤخرًا تجاه فريد، والتي تخشى التورط فيها رغمًا عنها، لأنها لم تتعافَ من علاقتها السابقة وتحتاج إلى وقت لتهيئ نفسها نفسيًا وعقليًا

لخوض تجربة أخرى، وفي حفل خطوبة باسم فور أن شعرت أن الأخرى تغار على خطيبها من حديثه معها، قررت أن تخترع قصة من خيالها وتخبرها بأنها مخطوبة، وأن شجارًا عاديًا حدث بينها وبين ياسر، ثم تصالح معها سريعًا وعادت علاقتهما جيدة، وهذا ما نقلته لفريد أيضًا، وما دعمها أمامهم لتصدق كلامها أن ياسر كان أحد المدعوين للخطوبة، وارتاحت لأنه ترك عمله في المستشفى وذهب إلى آخر، فلم تعد مضطرة للتعامل معه أمامهم بعد الآن، أو أمام فريد

تحديدًا، الذي وضعت حدودًا رسمية بينها وبينه لا تتجاوز الزمالة، وهي الآن تشعر بالراحة نتيجة لذلك.

بعد مرور يومين في منزل منى _عال أوي، باين عليكي صحتك بقت أحسن كتير من آخر مرة شوفتك فيها. أنهت وسام جملتها بأريحية، تزامنًا مع وضعها لفنجان قهوتها على الطاولة الصغيرة، وهي جالسة في غرفة المعيشة مع منى، التي تمتمت بابتسامة أظهرت محبتها إليها على وجهها الهادئ: الحمد لله. _لو إني واخدة على خاطري منك جدًا يا منى، ومش أنا لوحدي، صلاح وباسم كمان زعلوا لما ما حضرتيش الخطوبة.

_غصب عني يا طنط، أنتي عارفة غلاوتكم عندي كبيرة، بس مقدرتش، لسه حاسة إني ما تعافيتش. _لسه ما تعافتيش ولا كنتي خايفة تشوفي عز؟! بلعت منى ريقها متجاهلة تزايد دقات قلبها بحنين حين سمعت اسمه وسألتها بمكابرة: هو إمتى هيبعتلي ورقتي؟ وسام بتنهيدة: والله يا منى هو لحد دلوقتي ما ترجعش من السفر. منى بنبرة متذمرة: بس هو طول أوي، أنا طلبت منه الطلاق من أكتر من شهر ونص والأيام بتفوت وهو لسه مسافر يا طنط وسام...

كدا هتضطريني أخلي المحامي يمشي في إجراءات القضية. وسام بلوم: مش معقول يا منى، ليه كدا يا حبيبتي توصلي الأمور بينكم لكدا؟ _حاولنا نخليه يطلقني ودي بس هو كعادته بيتهرب. وسام بدفاعية حانية: مهما كان ما توصلش للمحاكم، أنتوا أكبر وأعقل من كدا، واللي بينكم سنين وحب يستاهلوا تفكري عشانهم... هو أكيد مطول سفره ومش عايز يرجع عشان يديكي مساحتك في التفكير وتبقي على حريتك... مع إني متأكدة إن نفسيته مش أحسن حاجة وأنتي بعيدة عنه...

ولا حتى دعاء متظبطة من وقت اللي حصل وهي ما بتخرجش من بيتها، حتى هي كمان ما جتش الخطوبة ومحملة نفسها ذنب كل اللي حصل. تجمعت الدموع بمقلتيها، وتحدثت بصوت مهتز من فرط انفعالها: هي ما كانتش هي السبب الوحيد يا طنط، وأنا ما صدقت قدرت أطلع خطوة في شغلي ورجعت للأوبرا تاني ومعنديش استعداد آجي على نفسي تاني عشانه. ربتت وسام على كفها

مؤيدة إياها ببسمة حلوة: ودي حاجة كويسة أوي وطبعًا بشجعك عليها ومتأكدة إنه لما يشوف تمسكك بالحاجة اللي بتحبيها هيوافق عشان مش هيبقا عايز يخسرك تاني... ولما يرجع هخليه يكلمك واقعدوا واتفقوا على اللي هيريحك وحطي شروطك، وهو لو بيحبك هيعملها ولو رفض خلاص يبقى على الأقل عملتي اللي عليكي. تنفست وسام بعمق وهي تنهي جملتها، فأومأت لها منى برأسها بابتسامة مترددة.

تبدأ قوتك عندما تستطيع أن تأخذ قرارات عكس رغبتك لمجرد أنها الصح حتى لو أتعبتك. مساءً في إحدى المطاعم سأل ياسر بهدوء: يعني إيه وافقتي؟ مش كان البني آدم ده اتقدملك ورفضتيه، إيه اللي غير رأيك؟ هزت يارا كتفيها، وأجابت سؤاله بسؤال آخر، متجنبة النظر في عينيه المترقبتين: وفيها إيه؟ أظن دي حاجة ترجعلي..! ياسر مستفهمًا بإقتضاب: ترجعلك إزاي مش فاهم؟ رفعت يارا عينيها العنبريتين نحوه، تتأمله بنظرة

حادة انجلت في لهجتها: يعني دي حياتي وأنا حرة فيها يا ياسر. استفسر بلهجة منزعجة عبرت عن دهشته من معاملتها له بهذا الجفاء، كأن نظراتها العاطفية إليه ذابت في بحار النسيان: والله وكلامك ليا.. إيه نسيتيه بالسرعة دي؟! اتكأت يارا إلى الخلف بظهرها، وانبلجت إمارات السأم على ملامحها الناعمة من تهربه، فواجهته بصراحة: لا ما نسيتش.. بس ما أظنش إن غير حاجة.. خصوصًا إن أنت وهالة سيبتوا بعض بقالكم مدة وأنت لسه واقف محلك سر يا ياسر.

تابعت بنبرة جدية: كفاية أضحك على نفسي.. كفاية أضيع حياتي وأنا عايشة لواحد مش شايفني ولا هيشوفني.. وخلاص أنا قررت أفوق من الوهم اللي معيشة نفسي فيه. هز ياسر رأسه بالسلب، وأخبرها بلهجة لينة: مين قالك إني ما بفكرش فيكي يا يارا.. أنا بس كنت محتاج وقت أرتب فيه أفكاري ومشاعري و.. سألته يارا بملامح متصلبة: وقدرت ترتب نفسك وتعرف أنت عايز إيه؟ اقترب منها بجذعه عبر الطاولة، ليحتضن يدها بكفه، مؤكدًا

لها بنبرة حنونة: أيوه يا حبيبتي أنا بحبك يا يارا وأنتي الوحيدة اللي ما أقدرش أعيش من غيرها وبكرة هكلم مامتك ونتفق.. شعرت بدفء كفه فوق كفها البارد، فسحبت يدها ببطء، ثم هزت كتفيها ولم يعد الأمر يعنيها متحدثة بنبرة جامدة: للأسف اتأخرت أوي يا ياسر.. خلاص أنا ومجدي قعدنا واتكلمنا وتقريبًا اتفقنا على كل حاجة وهنتجوز بعد شهر عشان هسافر أمريكا معاه.

فغر ياسر فاهه يستوعب كلماتها مما جعله يشعر بحرقة في قلبه قبل أن يضرب الطاولة، وخرج من فمه زمجرة مشحونة بالشراسة وعقله يكذب أقوالها: أنتي اتجننتي يا يارا يعني إيه بين يوم وليلة عايزة تتجوزي وتسافري كمان ومن نفسك بتقرري. صدحت ضحكات يارا باستهزاء لاذع: يوم وليلة أظاهر إن عندك مشكلة في العد يا دكتور الكلام ده عدى عليه أكتر من شهر ونص. زفر ياسر بضيق مستكملًا حديثه بنبرة هادئة محاولًا

امتصاص غضبها: ما تخليش زعلك مني يخليكي تعملي حاجة تندمي عليها بعدين يا يارا قولتلك أنا كنت محتاج فرصة أ... قاطعته يارا بانفعال: أنا كنت فرصتك يا غبي ومهما ندمت مش هيكون أكتر من الندم اللي حسيته بسببك يا ياسر. ياسر مستفسرًا بنفاذ صبر: يعني إيه الكلام ده؟! طوت يارا ذراعيها أمام صدرها، وأخبرته بحزم ورسمت

ابتسامة حجرية على شفتيها: اتمنالي الخير يا ياسر بلاش نختمها بينا بزعل.. إحنا أخوات وأصحاب وعشرة سنين طويلة وأنا عايزاك تكون شاهد على كتب كتابي. صمت ياسر لحظة وكلماتها الباردة أحرقت كبرياءه بنيران ضارية، فابتلع غصة مريرة علقت في حلقه قبل أن يسألها بصوت أجش: متأكدة من كلامك ده يا يارا؟

أومأت له برأسها إيجابًا، فلم يتحمل أكثر وقام من مقعده تاركًا المكان في غضب عارم، فأدارت رأسها للخلف تحدق في طيفه بنظرة حزينة لكن صوت عقلها أخبرها أنها على صواب فقد كان يجب أن تضع حدًا لهذه العلاقة السامة منذ وقت طويل، وأن تجعله يندم على اعتقاده أنها مضمونة مهما فعل بها، فهو لا يستحق حبها وصبرها معه، والآن فقط تشعر أنها استعادت حقها وكرامتها منه بعد أن رفضته تمامًا.

لم يكن نزع الوُد سهلًا لكنها المواقف التي عزّت عليك فيها نفسك تجبرك على نزع حتى اللحظات المتجذرة في أعماق ذاكرتك. في منزل مرجانة داخل غرفة نادية _وبعدين في قعدتك دي. استمعت نادية لسؤال أختها، وهي تشعل الضوء في الغرفة بعد أن كان يغمرها الظلام الدامس، فأجابتها بضيق دون أن تفتح عينيها: طفي النور واخرجي عايزة أنام يا سمر. استفسرت سمر بحنق،

وهي تجاورها على السرير: أنا اللي عايزة أعرف وبعدهالك هتفضلي مقضياها نواح كده وحابسة روحك ده كله هيفيد في إيه. تغضن جبين نادية بانزعاج تجلى في صوتها، وهي تستقيم بظهرها فجأة: وأنتي مالك أنا كنت قاعدة على دماغك أنا في بيت بابا؟! _في إيه يا بت يا نادية ما تكلمي مع أختك عدل. قالتها مرجانة بغضب لائم بعد أن دلفت عليهم، فصاحت نادية بصوت عالٍ: أنا مش عايزة أتكلم أصلًا سيبوني في حالي. مرجانة بحزن

تشكو إلى ابنتها الكبرى: أهي على الحال ده من يوم ما جت هي وبنتها يا سمر.. منه لله أحمد وعمايله السودة. _هي اللي اختارت وهي اللي جابته لروحها مع إني من الأول قولتلها بلاش الراجل ده. استأنفت سمر حديثها بلوم شديد، وهي توجه نظرها نحو نادية التي تجنبت النظر إليها، وعضت على شفتها بقوة، تمنع دموعها من الهطول: فاكرة قعدتي تقوليلي إيه؟

قلبي متعلق بيه ما صدقت جه وخبط على بابي وهبقى مراته.. اتفضلي أديكي بقيتي مراته بس قلبه فضل يحب واحدة ثانية وأنتي عارفة وكل ما يكون معاكي تحسيه بيفكر فيها.. مهما كان بيعاملك حلو وبيدلعك دايماً حساه شايفها فيكي.. وأنتي كل ما تتأذي وقلبك يوجعك من حبه ليها تحسي نفسك أضعف من إنك تبعدي عنه. _كفاية... _فضلتي راضية بالفتافيت ومطنشة كرامتك لحد ما داسها لما شبع وأنتي غبية جرك في إيده عشان تقنعيها تجوزه وروحتي معاه.

قفزت نادية من الفراش بغضب، وهي تهتف بصوت محتد رافضة الاستماع لها: اسكتي بقولك اسكتي. هتفت سمر من خلفها بتصميم يكسو ملامحها الرقيقة: سكت كتير لازم حد يفوقك هو عمره ما هيشوفك عشان قاعدة تحت رجله ومحدش بيبص تحت رجله. رددت نادية بصوت مختنق بالعبرات: اسكتي يا سمر.. كلامك بيوجعني.. ونبي تسكتي. راقبت سمر بكاء أختها بحزن وقهر لاح في كلماتها، وهي

تربت على كتفها في مواساة: برضه بتقولي اسكتي.. يا حبيبتي أنتي هنا فالقة روحك من العياط عليه وهو بعد ما رجعتوا من عند المزغودة دي قالك روحي اقعدي عند أمك معناها إيه دي؟! تهربت نادية من نظرات أختها قائلة بإحباط: ما اعرفش. _لا عارفة.. وده اللي رعبك بالمنظر ده.. هو بيقولك مش عايزك بالطريقة ورماكي هنا.. بس يوم ما يهفو مزاجه ويشاورلك إيه هتدوسي على كرامتك تاني وتجري عليه ولا هتاخدي اللي فاضل منك وتبعدي بقى.

_أنتي ليه مش فاهمة.. إن في ناس مش بتقدر تبعد ليه مش فاهمة ليه إن اللي بيحب بجد بيدوس على كل حاجة كل حاجة عشان اللي بتحبه. _وفي الآخر أنتي اللي بتدوسي على نفسك عشان خاطره هو أول واحد اللي هيدوسك. _يا نادية حطي طرحة على راسك وتعالي؟! صدح صوت أمها من الخارج، فعبست نادية، وهي تتبادل نظرات الاستفهام مع أختها التي سحبت الحجاب من على الكرسي، وناولته لها، ثم خرجا معًا، وهي تضعه على رأسها بعشوائية،

لتسألها بحيرة: في إيه يا ماما؟! _تعالي شوفي مين عاوزك؟! _نعم. _أنتي نادية عبد السلام؟ أومأت له بالإيجاب بحذر، فأشار لها بالقلم قائلًا برسمية: اتفضلي امضي هنا بالاستلام. تساءلت مرجانة بقلق: فيها إيه الورقة دي يا بني؟ جاء الرد بصوت نادية في صدمة مدوية: أحمد.. طلقني... بنتي!!!!!!

خرجت صرخة ارتعاب من فم مرجانة، وهي ترى نادية تسقط فاقدة للوعي، كأنها تاهت فجأة داخل طريق مظلم يدعى الحقيقة المرة، ووحش مفترس يتربص بها، ينتظر الناس السذج مثلها لاصطيادهم حتى يدمرهم كليًا.

أمسكت قلبي بين راحتيك، وكسرته بدم بارد، فأحسست بكل زاوية منه تتحطم، وأنا ألتمس رحمتك لأنال المزيد من قسوتك، والمضحك أنني كنت أقنع نفسي بجدوى المحاولة في حبك الذي يتجدد بين خفقة وأخرى داخل ضلوعي، والآن بت أضعف من كل شيء وأكثر هشاشة من وردة على الرصيف، مسحوقة تحت أقدام جبروتك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...