الفصل 52 | من 59 فصل

رواية جوازة ابريل الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
22
كلمة
2,637
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

ظل يغالب شعوره المفتون بها بضراوة، دون أن يدرك أنها تعقبت بصمت سفينته الضالة بأمواجها الفيروزية، تلقي عليه تعاويذها السحرية حتى دبت خفقة تلو الأخرى في أعماقه الراكدة مثل ضياء فجر جديد، أيقظ عواصف هوجاء تجهر باسمها عشقًا يؤجج صدره بأحاسيس قوية تحررت في لحظة تشابك أرواحهم في التحام يتحدى الزمن. بعد مرور يومين مساءً،

في سيارة باسم التي تشق الطريق الصحراوي بسرعة كعادته، أثناء عودته من تصوير خارجي لإعلان ليلحق موعده مع زوجته المتمردة التي سئم من تجنبها له في الآونة الأخيرة. حتى في التجمعات العائلية معاملتها له بها تحفظ بارد يثير حنقه بقوة. مستمرة في عدم الرد على رسائله ومكالماته العديدة لها حتى خضعت لرغبته اليوم، فقرر استغلال هذه الفرصة، وحجز طاولة في مطعم هادئ للاعتذار لها، وإنهاء هذا الركود القاتل لقلبه بينهما، فهو يعترف بتسرعه في حديثه الغاضب بخصوص اتهامه لها بأشياء مؤذية، لكنها أيضًا استفزت رجولته بحديثها عن حبها القديم لابن خالها الذي أجج نيران الغيرة في قلبه.

زاد من سرعة السيارة بعد أن ألقى نظرة خاطفة على هاتفه، حيث أشار إلى أنها وصلت الآن إلى المطعم من خلال الهاتف الذي أعطاها إياه، فهو مزود بنظام تتبع أو ما يعرف بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) حتى يتمكن من الاطمئنان عليها دائمًا.

خرج باسم من أفكاره، وهو يضيق عينيه الرماديتين الثاقبتين بهدوء في المرآة الأمامية، بينما لاحظ سيارتين تتبعانه من خلفه، وكان حدسه صحيحًا حين بالكاد ميز أرقام لوحة إحداهما في الضوء الخافت، وتمكن من التعرف على صاحبها.

أمسك الهاتف باليد الأخرى، ليضغط على تطبيق الرسائل النصية، مرسلًا عبارة إلى أحد الأرقام المسجلة قبل أن يبطئ السيارة التي كانت تلتهم الأسفلت من سرعتها العالية، مما جعل السيارتين تفعلان الشيء نفسه، ثم مرت لحظات قبل أن تتوقف جميع المحركات على الأرض، وتبعها خروج ثلاثة رجال ضخام البنية، تلاهم خروج باسم ومصطفى ووقف كلاهما أمام سيارتيهما.

ألقى باسم نظرة عابرة على أرجاء الصحراء المظلمة التي اخترقتها أضواء مصابيح السيارات حولهما، وهو يهز رأسه، مدركًا أن هذا اللقاء ليس مصادفة، قبل أن يتبادل نظرات التحدي مع الآخر قائلًا بثبات: "باين عليك مستلمني مخصوص من أول الخط!!! لوى مصطفى شفتيه الغليظتين في ابتسامة باردة، مؤكدًا حدس الآخر بصوت واثق: "لاقيتا فرصة عندي وقت فاضي ودا ما بيحصلش كتير فقررت أقابلك ونخلص حساباتنا مع بعض."

أنهى مصطفى جملته، وهو يمشي ببطء نحوه، ليسأله باسم باستخفاف، متكئًا بجسده على مقدمة السيارة: "ولسه فاكر تخلصها دلوقتي؟! مش شايف إن وقتها عدى من بدري..!! أتم باسم كلماته ساخرًا، فوضع مصطفى يده خلف ظهره المستقيم بعدما وقف أمامه، وأخبره بجدية: "معلش اتأجلت شوية بس ملحوقة أدينا قصاد بعض و.." قاطعه باسم ببرودة حازمة، وهو يحدق في ساعته التي قاربت على التاسعة مساءً، ثم نظر إليه مجددًا، رافعًا أحد حاجبيه:

"توقيتك مش مناسب ليا يا مصطفى.. ورايا ميعاد مهم ومش عايز أتأخر." نطق باسم هذه العبارة وأدار له ظهره، عازمًا على التحرك، فشعر بيد مصطفى تمسك بكتفه العضلي، وهو يقول بإصرار لاذع: "استعجالك مالوش لازمة مش يمكن ما تلحقش ميعادك وتروحلها.. يمكن أنا أسبقك على هناك مثلًا." لفظ مصطفى جملته الأخيرة، قاصدًا التلاعب بأعصابه، لكنه سيطر على انفعالاته الداخلية، وهو يواجهه بجسده، يطالعه بدهشة مزيفة تجلت في صوته الساخر:

"دا إحنا طلعنا أنا ومراتي تحت عينك وأنا ما عنديش خبر!! ضحك مصطفى بجفاء مرددًا بخشونة: "مراتك!! شايفك كدبت الكدبة ومصدقها أوي يا ابن الشندويلي.. بس أنا سبق ووعدتكم لا أنت ولا هي هخليكم تعيشوا مرتاحين." "غلبان أوي وقليل الحيلة مفكر بمطاردتك ليها وتوصيتك عليها في الشغل عشان تترفض دا الانتقام في نظرك." نظر إليه مصطفى في صمت غامض، بينما يقهقه باسم باستخفاف قبل أن تتجعد ملامحه ببغض وهو يواصل حديثه:

"مستغرب راجل زيك وفي مكانتك يعمل التصرفات اللي ما فيهاش ريحة الكرامة دي إزاي بصراحة؟! بادر مصطفى بالاندفاع نحوه، جاذبًا إياه من ياقة قميصه الأبيض بعد أن فهم ما يرمي إليه، هاتفًا من بين أسنانه بنبرة محمومة بالحقد: "الراجل اللي زيي هيعلمك معنى الرجولة اللي أبوك نسي يعلمهالك." اقترنت جملته بضربة قوية أدارت وجه الآخر جانبًا، وتجهمت ملامحه من شدة الألم، لبضع لحظات قبل أن تلوح ابتسامة هازئة على وجهه تتناسب مع كلماته:

"وشادد وراك الجثث دول من السنتر بتاعك عشان يساعدوك في الكورس." ثوانٍ من الصمت ملأت الجو بالخطر، ثم تابع باستفزاز متهور: "بإيه مش هتقدر عليا بطولك؟! اختتم باسم عبارته بتحدٍ، مشيرًا برأسه إلى الواقفين خلفه في تحفز صامت، فارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي مصطفى، ليرد بنبرة جافة خطيرة: "يمكن ما يحتاجش الحوار غير رصاصة ثمنها أرخص من حبة التراب اللي بتدوس عليها."

ارتفعت ضحكات باسم في وقت غير صائب، يهز كتفيه بلا مبالاة، رافعًا أحد حاجبيه باحتقار امتثل في قوله: "يلا مستني إيه!! كفاية تضييع في وقتي ووقتك ونفذ على طول.. صدري مفتوح قدامك أهو يلا." اتسعت الابتسامة على وجه مصطفى، تبين صف أسنانه المتساوية، وهو يستلم دفة الاستفزاز منه مهمهمًا بتخابث: "باين عليها تهمك أكتر ما كنت متوقع ودا حلو هيخلي اللعب يسخن أكتر وزي ما لفيت عقلها بكلمتين أقدر أرجعلها ليا تاني لحضني بكلمتين زيهم."

تجمدت رماديتيه بنظرة قاتلة، ثم سرعان ما تحرر ذئبه البربري من سباته، واقترب منه بأنفاس مشتعلة ناتجة عن كتلة الغيرة الحارقة التي تضخمت في قلبه، فأعمت بدخانها الكثيف عينيه الرماديتين الحادتين بالغضب وعاجله بلكمة عنيفة، وهو يصرخ بشراسة مخيفة: "سيرة مراتي ما تجيش على لسانك الوسخ."

رد مصطفى بركلة قوية في بطنه جعلته يئن من شدتها قبل أن يشتد شجار ضارٍ بينهما، وبدأ كل منهما في مهاجمة الآخر بضربات عنيفة بينما اقترب رجال مصطفى منهم بسرعة محاولين فض الاشتباك، ودفع باسم بعيدًا عن مصطفى وتقييد ثورته الهائجة بصعوبة، بينما نهض الآخر قائلًا بين أنفاسه الصاخبة: "والله فاجئتني وطلعت ليك في الرجولة بس عيبك ما بتقدرش خصمك ولا بتديله حجمه الصح وآخرة الاستهانة بيا لسه هتوجعك أكتر."

أكمل مصطفى حديثه الغامض، وهو يخفض بصره نحو السلاح الذي أخرجه للتو من خلف ظهره مردفًا بهدوء متهكم: "كان في نيتي أخلص عليك." المعت سوداويتيه ببريق مخيف، حالما اتجه بنظره إليه، مستطردًا بنبرة قاسية ممتزجة بنيران الحقد: "بس ليه أقتلك والمتعة في تعذيب الفريسة ألذ بمية مرة.. وعشان أبوك يعز عليا.. هعمل فيك معروف يدوب هديك قرصة ودن خفيفة تحرمك تقرب لحاجة مش بتاعتك.. أما هي ليها معايا حساب تاني خالص هصفيه معاها بطريقتي."

شعر باسم بسياط الهلع تجلد روحه بجنون، حالما رأى الخبث يلمع في عيني مصطفى، فاندلعت شرارات الغضب العاصف من عينيه الرماديتين محاولًا تحرير جسده المشتعل من بين أيديهم ليمزقه إربًا، لكن محاولاته باءت بالفشل، فكشر عن أنيابه مزمجرًا بوحشية ذئب ضارٍ: "عايز أشوفك وأنت بتنفذ كلامك الخايب دا وبتتجرأ بس تقرب منها أو تأذي فيها شعرة وديني أقتلك."

"شايف إن التلج داب والوش التاني بدأ يبان واضح إن اللي بينكم أكبر من اللي كنت متخيله ودا هيخليني أنفذ اللي بفكر فيه وعايز أتفرج عليك وأنت بتحاول تمنعني يلا جرب يا بطل وريني!!

حاول المقاومة سخطًا، لكن أحد الرجال فاجأه بضربة قوية على رأسه بالسلاح، فخرج تأوه مؤلم من بين شفتيه، وانهار جسده على الأرض وسط ضحك مصطفى الشامت، الذي بدأ يركله تباعًا في بطنه وأنحاء متفرقة من جسده قبل أن يتراجع إلى الخلف بأنفاس متقطعة، ليكمل بقية الرجال بدلًا منه بعنف أكبر وسط تلويه، فهتف مصطفى بسخرية قاسية: "ها استوعبت الكورس ولا أخليهم يزودوا في الشرح عشان يدخل أكتر في دماغك؟!

لم يتلق منه ردًا، فأشار إلى رجاله بالتوقف، ناظرًا إليه وهو ملقى على الأرض بجمود، فرفع باسم عينيه المشوشة، ثم تمتم بصوت خفيض ساخر، والدماء تسيل من فمه: "تعب نفسك على الفاضي." "ما تشغلش بالك بتعبي.. واطمن على أبريل مش هخليها تستنى عشان يدوب ألحقها." نبش الرعب بمخالبه السامة في جدران قلبه ما إن سمع جملته، فشعر أن كل خلية في جسده تتفجر غضبًا من قلقه عليها، مما جعله يحاول النهوض راغبًا في اللحاق به، وهو يهدر بشراسة

بين أنفاسه المتلاحقة: "اقف عندك يا مصطفى ما لكش دعوة بيها.." خد حقك مني أنا يا جبان. رد مصطفى بصوت غليظ مشوب بالبرودة، وهو يتجه نحو سيارته دون أن يلتفت إليه: دي آخرة اللي تخون ثقته في نفسه ويفكر يتحدى الأكبر منه. بعد مرور نص ساعة بمنزل صلاح الشندويلي، داخل غرفة دعاء. برزت حدقتاها من الدهشة فور دخوله المفاجئ، لتهمس باسمه في نعومة: صلاح! اندفع نحوها بسرعة يضم جسدها الفاتن إلى

صدره بحنان ممزوج بالشوق: لما وسام قالت لي إنك رجعتِ من السفر جيت لك جري، أنتِ وحشتيني أوي، كنت هاموت وأضمك ليا. ما إن شعرت بلمسة شفتيه الغليظتين على رقبتها حتى سرت رعشة خائنة في سائر جسدها، لكن سرعان ما وعت ودفعته برفق بعيدًا عنها، وهي تتمتم بنبرة مبحوحة من قوة المشاعر التي تتصارع بداخلها: صلاح ما ينفعش وجودك هنا، بليز اخرج. مالك يا دعاء؟

تعبانة شوية من السفر وكمان أعصابي متوترة من وجود وسام، ممكن تشوفك أو أي حد في البيت. ما تخافيش محدش شافني.. في إيه هو أنا ما وحشتكيش؟! أعقب صلاح جملته بإنهاء المسافة بينهما، وارتشف عسل شفتيها المغريتين في قبلة استمرت ثوانٍ، معبرًا عن مشاعره الشغوفة تجاهها قبل أن يبعد رأسه قليلًا متعجبًا من تصلبها بين ذراعيه، الأمر الذي جعله يشعر بالريبة وهو يكرر سؤاله بغرابة: في إيه مالك يا دعاء؟

حررت دعاء خصرها من بين يديه، وأجابته ببرود، بخلاف دقات قلبها الثائرة اشتياقًا إليه، لكن ألم روحها المعذبة بحب هذا الرجل الأناني كان أقوى بكثير: أظن إني لسه مجاوباك. طالعها صلاح بصمت قبل أن يهدر لا شعوريًا بصوت عال نسبيًا: لا دي مش حكاية تعب.. أنتِ متغيرة معايا وباين عليكي زعلانة عشان كدا بقيتي كنتِ تتعمدي تفضلي بعيدة عني. انتفضت دعاء مذعورة جراء اندلاع فورة سخطه، لتقرب أصابعها من فمه محذرة إياه: وطي صوتك.

خلاص ردي عليا في إيه! سحبت دعاء أناملها بهدوء من بين حضن أصابعه، وعقدت ذراعيها أمام صدرها بموقف دفاعي، وبشفتين مرتعشتين أخبرته بقهر حزين: بجد ما تعرفش مالي.. ابننا حياته اتهدمت فوق دماغه في نفس الوقت اللي كنت سارق فيه كام ساعة من وقتك مع مراتك عشان تيجي تنام في حضني.. عايزاني أكون عاملة إزاي؟ تصلبت عضلات جسده فور سماعه حديثها، بينما زفرت هي بحنق،

وتابعت بمرارة: بس خلاص ما بقتش أستغرب من موقفك.. أنت حتى ما حاولتش حتى تقعد معاه أو تتكلموا وتهديه لو ربع ساعة من وقتك ما بتديلوش.. بس عندك وقت تشوف شغلك اللي ما بيخلصش.. بتحل مشاكل هالة.. مشغول بجوازة باسم.. بس عز ولا كأنه موجود في قايمة مواعيدك وتحضيراتك. جفل صلاح بشدة، وهو يستمع لمكنونات صدرها، فوجد نفسه

ينكر هذا الحديث بانزعاج: دعاء بطلي الوساوس اللي بقت مسيطرة على عقلك دي وشيليها من دماغك.. عز ابني زيه زيهم ويهمني زي ما يهمك بالضبط.. أنا كنت خارج من عندك دلوقتي وهاعدي عليه عشان نتفق نروح لأهل مراته ونحل مشكلت... تراجعت دعاء للوراء، بابتسامة ساخرة على شفتيها قبل أن تدير له ظهرها، وتتجه نحو سريرها،

وهي تخبره بفتور شديد: كتر خيرك والله العظيم أخيرًا افتكرته بعد شهرين.. ما تتعبش نفسك لسه خارج من شوية.. عن إذنك محتاجة أنام.. وابقي خد بالك أحسن حد يلمحك طالع من أوضتي وتحصل مصيبة.

أشرقت عيناه السوداوان بسخط من قسوة كلماتها، ليستدير ويغادر بسرعة قبل أن يتهور عليها، عبر الممر بخطوات غاضبة دون أن ينتبه لعدسة كاميرا هاتف لميس التي صورته وهو يدخل ويخرج من غرفة دعاء، حيث قررت جمع الأدلة ضدهما، عازمة على فضح علاقتهما في أسرع وقت ممكن أمام الجميع. في إحدى المطاعم، عند أبريل. كانت تهز ساقها بنفاذ صبر من جلوسها في انتظار باسم في ساحة المطعم الخارجية، تحدق أمامها بشرود متوتر.

دفعت خصلات شعرها خلف أذنها، وتضاعفت أفكارها الحائرة بشأنه، فهو من دعاها إلى هذا المكان، فلماذا لم يأت بعد؟ ثم نظرت حول المكان بتوتر شديد قبل أن تهمس في ذهنها بانزعاج: على أساس إنه يستاهل كل الخوف دا.. أكيد بيصيع مع واحدة من بتوعه وأنا اللي هبلة باكل في ضوافري من قلقي عليه وأقلق عليه ليه من الأساس ما يولع حتى!

ألقت أبريل نظرة على فنجان القهوة الذي برد وهو ينتظر أن تشفق عليه وترتشف منه قليلًا، لكنها كانت مشغولة بالتفكير في زائر أحلامها في الفترة الأخيرة. نظرت إلى الساعة على هاتفها التي شارفت على العاشرة، فوقفت من مقعدها بغير رضا، وقررت المغادرة يكفي إضاعة وقتها الذي لا يستحقه هذا المستهتر. توجهت إلى الخارج ووقفت على الرصيف تنتظر سيارة أجرة تعيدها إلى منزلها.

لم تمر سوى دقائق معدودة حتى زوت بين حاجبيها فور أن وجدت سيارة سوداء فاخرة تتوقف أمامها مباشرة، أشاحت بنظرها بعيدًا بلا مبالاة، ثم سرعان ما التفتت إلى مصدر الصوت الذي نادى باسمها من داخل السيارة، فتعرفت على صاحب هذه النبرة الأجش الجالس في المقعد المجاور للسائق، الذي لم يكن سوى ابن عمه عز. Flash back قبل نص ساعة من وصولهم إليها، داخل سيارة عز كانت الأجواء مشحونة بالصمت الثقيل

حتى اخترقه سؤال عز بتنبيه: أنت متأكد مش عايز تروح مستشفى وشك بينزف؟! صاح باسم بعنف: مش متزفت والله لو مسها أو عمل فيها أي حاجة لا أكون مخلص عليه وقاتله. بطل الجنان دا بتاعك دا مش وقته. ما تزود السرعة شوية. أكتر من كدا إيه! اهدأ شوية إحنا قربنا نوصل. زفير نافذ الصبر غادر جوفه قبل أن يهتف باستياء: طيب اديني موبايلك الوسخ هرس تليفوني. عز بإيماءة: أهو عندك.

خطف باسم الهاتف من مكانه بعصبية، وسارع بطلب عدة أرقام معينة، ليسأل بلهفة ما إن أتاه الرد: ها! طمني حصل إيه! أخبره صوت غليظ بثقة من الجانب الآخر: اطمن يا باسم باشا الهانم كويسة وتحت عينينا وما تحركتش من المطعم حضرتك كويس إحنا اتصلنا بعز باشا و... قاطع باسم جملته بجدية، حينما استنتج بقية حديثه: أيوه أنا معاه دلوقتي يا ريكا.. خليك مكانك شوية وها أبقى عندكوا.. سلام. عودة إلى الوقت الحاضر.

أشاحت أبريل بوجهها بعيدًا فور أن رأته زافرة بضيق، بينما استدار باسم حول السيارة، مسرعًا نحوها بخطوات متعرجة، وما إن وصل أمامها حتى رفعت رأسها بتعبير عابس تحول سريعًا إلى صدمة صاعقة، وما زادها تعجبًا مباغتته بأسئلته المفعمة بالقلق: أنتِ كويسة! حصل لك حاجة! الكلب مصطفى اتعرض لك.. كلمك.. ضايقك عمل أي حاجة!

قال ذلك دفعة واحدة بلهث وهو يرفع وجهها بكفيه، وعيناه الرماديتان الحادتان تحدق بها باهتمام وتفحص، بينما تنظر إليه بشفاه منفرجة في دهشة وحيرة، وعلامات الاستفهام تحوم فوق رأسها، لا تفهم ما الذي يتحدث عنه، وأخذت نظراتها المتسعة تطوف الجروح والكدمات في وجهه وصولًا إلى ملابسه الممزقة والملطخة بالدماء. يبدو أنه خرج للتو من معركة دامية، مما أثار مظهره رعبها، لتتجاهل أسئلته وتطرح عليه سؤالًا

بتوجس مذعور: أنت اللي مين عمل فيك كدا؟ خرجت منها شهقة مصدومة، عندما استوعبت ما قاله منذ ثوانٍ، وهتفت بثقة تضج بالذعر: مصطفى! مصطفى هو اللي ضربك بالمنظر ده؟! تجاهل الرد على جملتها، شاعرًا بفوران الدماء في عروقه فور نطقها لاسم هذا الحقير. دفعته أبريل من صدره برفق، تحاول الابتعاد عنه لكنه أبى ترك خصرها، فقبضت على قميصه بعفوية، غير مصدقة مدى حقارة مصطفى التي جعلته يرتكب هذا الفعل معه، لتسأله بإصرار حاد مليء بالخوف:

رد عليا، بأقول لك هو اللي عمل فيك كده صح؟! بردة فعل لا إرادية، أحاط بجسدها يغمرها أكثر بين ذراعيه، وفور أن أحس برأسها على صدره، تغلغلت راحة دافئة في عروقه الباردة وتخدرت نبضاته بسكينة، قبل أن يرد عليها بتأكيد ولهفة: ما تخافيش يا حبيبتي، أنا تمام تمام، هبقى كويس.

خفق قلبها تلقائيًا، وهو ينطق بهذه الكلمة العفوية التي لم يتمكن من السيطرة عليها بسبب قلقه الزائد، حيث كان فريسة لأفكار سوداوية وهو ملقى على الأرض بقلة حيلة، متخيلًا العديد من السيناريوهات التي قد تحدث لها من هذا الوغد الذي تركه مع رجاله ليبرحوه ضربًا من شدة سخطه عليه.

قبض باسم على راحتيه بعنف نادم، فما كان يجدر به أن يستفزه إلى هذه الدرجة خوفًا على من أصبحت طرفًا في عداوة سخيفة وقديمة بين رجلين، لم يكن أي منهما الخير للآخر، لكن الآن عليه أن يهدئ من روعه وحنقه حتى لا يخيفها أكثر، لأن شعوره بمدى أهمية وجودها بجانبه يستولي على كامل حواسه في هذه اللحظة من الزمن.

شعرت أبريل بالأمان بين أحضانه التي تضمها بحنان وطمأنينة طالما رغبت في الحصول عليهما طوال حياتها، لذلك لم تمانع في مبادلته لهذا العناق الدافئ، بل بدلًا من ذلك لفت ذراعيها حول خصره واحتضنته بقوة أكبر هامسة بإلحاح: فهمني إيه اللي حصل؟ هفهمك كل حاجة.. بس بعدين يا أبريل.. إحنا في الشارع.

تمتم بهذه الجملة الأخيرة، وهو يقبل شعرها بلطف، ثم أخرجها من بين ذراعيه، لينظر إليها بمشاعر غامضة، يتأمل القلق الواضح على ملامح وجهها الفاتن، ثم تابع يقول بهدوء رقيق يتناقض مع ضربات قلبه الصاخبة: المهم إن أنتِ كويسة.. كان نفسي نسهر سهرة حلوة بس هعوضهالك.

عقدت حاجبيها مستنكرة هدوءه، لم تكن تعرف شيئًا عن مدافع الحرب الأهلية التي كانت تدوي في أعماقه، وهو يتوعد بشراسة لمصطفى داخليًا بسبب ما جعله يشعر به من خوف ورعب الليلة على هذه الفتاة الساذجة التي أقحمت نفسها في لعبة خطيرة، ولا يبدو أن النهاية تبشر بالخير للجميع. أفاق من أفكاره البعيدة على صوتها الناعم بقلق: لازم نروح مستشفى، أنت متعور جامد وهدومك كلها دم.

عانق باسم كتفيها بصمت وتحرك معها إلى السيارة، وهو يرمق الأرقام المكتوبة بالحبر الأزرق على راحة يده، مبتسمًا في داخله بغموض ذئب ماكر لما سيحدث بعد قليل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...