تحميل رواية «جوازة ابريل» PDF
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد مرور شهر. في قاعة أفراح فخمة، تسبح في بريق الأضواء المعلقة في السقف العالي كأنها نجوم متلألئة تُشع بوهج يخطف الأنفاس. الأرضية مكسوة برخام أبيض ناصع، يلمع تحت الأقدام كمرآة تعكس بريق الثريات الذهبية المتدلية بانسيابية من السقف المزخرف بنقوش فنية بديعة. الجدران كانت مزينة بأقمشة حريرية باللون العاجي، ومرصعة بزهور طبيعية متناغمة بألوان الباستيل الهادئة. رائحة الورود تعبق في الأرجاء، تحمل معها لمسة من الفخامة والأصالة. الطاولات مصطفة بعناية، مفروشة بأقمشة مخملية مترفة، تتوسطها شمعدانات مذهبة، تح...
رواية جوازة ابريل الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نورهان محسن
هي النار وأنا الذئب العاشق.
تشتعل في فيروزيتيها نيران الاستهجان، وأنا أغرق فيها بلا رجوع.
تحاول الهرب مني كقطة مذعورة، ترتعش أنفاسها بين أنياب القدر الذي يعيدها إلي.
كأنما كل احتكاك بيننا يُعيد تشكيل العالم حولنا.
ترفع شعلتها في وجهي، وتمردها يتراقص حولي، وأنا أبتسم بتحدٍ.
تخشى الانهيار أمام ضراوتي، بينما أنا لا أخشى الاحتراق بها.
فهي لغز يربك عقلي، وحقيقة لا يمكن تجاهلها.
نيرانها تجذبني كالمغناطيس، وحنانها يُعيد إحياء نبض قلبي.
تحاصرنا نار لا تُطفأ، تدمر كل عذر للتراجع، وتعصف بكل الحدود التي وضعناها.
نحن مكتوبان في سطور ملتهبة، أنا الذئب، وهي شعلتي، في رقصة عشق تختلط فيها الشراسة بالحنان، وتشتعل القلوب في لهيب لا ينتهي.
عند دياب.
فتحت باب الفيلا، ودخل بخطواته الواثقة، وملامحه جادة، تخفى وراءها الكثير من الغموض.
توقف للحظة عند مدخل الصالة، وبعينين حادتين رمق داغر الذي يجلس في الصالة الكبيرة، ببدلته الأنيقة، مشغولاً بترتيب بعض الأوراق على الطاولة أمامه، لكنه رفع عينيه فور سماعه صوت أقدام.
بصوت بارد وكأنه يلقي تحية غير مكترثة، قال دياب: إيه؟ كنت خارج؟
داغر رفع حاجبه للحظة، مستشعرًا أن هناك أمرًا غير طبيعي، لكنه رد بنبرة حاول أن يحافظ فيها على هدوئه: لسه جاي من ميتنج... كنت لسه هتعشى، ناوي تقعد تتعشى معايا ولا كالعادة؟
تقدم دياب بهدوء، ثم جلس قبالته، وملامحه لم تتغير، نظر إليه نظرة طويلة قبل أن يرد بجملة مقتضبة: لا... أنا كنت جاي أخدك هنروح مشوار.
تقوس فم داغر الذي كان قد اعتاد على هذا النوع من الحديث الغامض من شقيقه، مال بظهره على المقعد وتشدق بلهجة متسائلة: مشوار إيه دلوقتي؟ وإنت جاي منين قالب وشك كده؟
أشاح ببصره بعيدًا قبل أن يرد بذات النبرة: كنت بوصل إبريل عند صحبتها... كانت منهارة جداً.
نبرة القلق التي تسربت إلى صوت دياب لم تفلت من ملاحظة داغر الذي جلس منتصبًا في مكانه، عينيه تضيّقان بينما يسأله بجدية: إشمعنى؟ حصل حاجة جديدة؟
دياب أغمض عينيه للحظة بإرهاق، ثم أجابه بصوت منخفض: مارضيتش تقولي السبب بطريقة مباشرة... بس من سؤالي ليها فهمت إنها متخانقة مع جوزها... وبعدها فهمت السبب.
بدأت ملامح داغر تشتد، وحاجبه يرتفع بنوع من الاستفهام المستفز: إنت إيه حكايتك مع البت دي؟ شايفك مهتم بيها زيادة عن اللزوم.
ابتسم دياب ابتسامة باهتة، لكن عينيه كانتا تحملان امتعاضًا من تفكير شقيقه، ثم أخرج من حقيبة جلدية حاسوبه المحمول، ووضعه على الطاولة أمام داغر، مفسرًا له: في حاجة تهمك أكتر من اهتمامي بيها... خد شوف بنفسك.
لم يكن داغر بحاجة إلى تفسير إضافي، فقد التقط الحاسوب على قدميه، وفتح الشاشة، ليرى تسجيل الكاميرات، ملامحه أصبحت جامدة أكثر مع كل ثانية تمر، وهو يشاهد مصطفى يهدد إبريل ببرود مرعب.
"هو دا بقى اللي مخليها منهارة؟ عشان شوية تهديدات من مصطفى في الهوا؟"
سخر داغر من الأمر، بينما دياب ظل صامتًا لوهلة، ثم شرح له بهدوء لا يخلو من الازدراء: بعد ما هي خرجت من عنده بحوالي ساعة بعت ريكورد لباسم... ابن الـ***... سجل كلامها وعملوه ضدها وهو دا أكيد سبب مشكلتها مع جوزها.
الاستهزاء في ملامح داغر تحولت إلى استياء واضح، أدار الحاسوب بملل ليضعه جانبًا، ثم سأل بنبرة جافة: عادي... إيه علاقتنا ب دا كله؟
دياب انحنى أكثر بجذعه، وخضراوتيه تلمعان بحدة، وهو يهتف بصوت صارم: زي ما خربت الدنيا ونارك طالت كل اللي له ذنب واللي مالوش... ترجع تظبطها.
هنا حدق داغر في شقيقه بنظرة باردة، وأكد بجملة حادة: مفيش حاجة من اللي خططت ليها هغيرها يا دياب... والبنت اللي جاي دلوقتي محموق أوي وبتدافع عنها؟ مش ملاك بريء. هي اللي رمت نفسها على باسم الشندويلي... ما فكرتش في اللي مصطفى هيعمله فيها... أو عشان ابقى حقاني مكنتش عارفة مؤامرات للي بتحصل من وراها.
أضاف داغر بنبرة مهيبة، وهو يسند ظهره إلى الخلف بإريحية، واضعًا ساقًا فوق الأخرى بغطرسة: كل واحد مشي في سكة ما يعرفش آخرتها يتحمل نار جهنم اللي هيولع فيها... المهم من كل دا إني أخد ابني من ريهام من غير فضايح تطولني ولا تطول ابني طول عمره.
وبخه دياب بغضب مكتوم: دا كله كان غلطتك انت من الأول... محدش قالك تعك وتخرب حياة الناس عشان متعتك.
أردف دياب بصرامة: كمل الفيديو للآخر واسمع بنفسك... البيه بيهدد إبريل... يا تطلق من باسم يا هيأذي ابن أختها... يعني ابنك هيبقى كبش فدا لمصطفى.
غضب داغر اندلع، لكنه حاول أن يخفيه خلف قناع من الهدوء البارد، وقال بإقتضاب: خلاص... سيبني أتصرف أنا هعرف أوقف مصطفى عند حده.
وضع دياب يده على كتف شقيقه، يجبره على الهدوء بنبرة جادة واثقة: لا... هدي دماغك مش هينفع نحلها بالدراع. مراكزنا ما تسمحش بأساليبك... الإعلام مفتح عينه على مصطفى أوي الأيام دي... إدي لغرورك حقنة بنج عشان مفيش قدامنا غير حل واحد مضطرين نعمله.
رمقه داغر بحدة تنضح في صوته: بطل شغل الغموض بتاعك دا وكلم دغري.
لوى دياب فمه بابتسامة غامضة: هفهمك في السكة.
عند ابريل.
كان الهواء البارد يداعب وجهيهما، وهما تجلسان على طاولة المطعم البانورامي على قمة المبنى الشاهق، والأضواء الساطعة التي تتلألأ في المدينة أسفل منهما تنعكس على ملامح إبريل الحزينة، التي كانت تتقلب في دوامة من الأفكار المتناقضة والمشاعر المشوشة، بينما كانت ريم تنظر لها بهدوء ثابت، وهي تحاول فك شفرات ما يدور بداخلها، تشعر بنبض الألم يتدفق في كل كلمة نطقتها إبريل عن جرح باسم الذي لا يزال ينزف في قلبها.
إبريل بصوت متردد مليء بالاستفهام واليأس قالت: قالي "مش هعطلك اكتر من كدا عشان ترجعي لخطيبك السابق"... يعني هو اتخلى عني بسهولة كدا! إزاي ده يكون حب يا ريم؟
ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة، ورفعت يدها بهدوء، وكأنها تمسح الضباب الذي يثقل عقل إبريل، قبل أن ترد بنبرة مليئة بالتعقل والجدية: بصي يا إبريل بصراحة... اللي عملتيه لما روحتي لمصطفى كان غلطة كبيرة منك... مصطفى استغل كلامك عشان ينصبلك فخ ويوقع بينك وبين باسم... ونجح في كدا صح؟
اهتزتا عينيها بالندم، بينما صوت ريم ظل هادئاً متزناً وهي تواصل الحديث، كأنها تفكك خيوط مؤامرة نسجها مصطفى بدهاء: وواضح إن مصطفى كان بيدبر حاجة مع ريهام تمام زي ما قالك باسم لما سمعه بيقول لاختك إنها تقنعك بأي طريقة إن باسم ماينفعكيش وإن الديون اللي على أبوكي مش هيتنازل عنها غير لما ترجعي له مذلولة.
إبريل حدقت في الأفق البعيد، وعقلها يعيد صياغة الأحداث، حديث ريم الهادئ كان مثل البوصلة التي توجهها وسط العاصفة، الآن بدأت ترى الحقيقة المغيبة خلف أقنعة مصطفى وريهام المزيفة.
أكملت ريم بحكمة، محاولة ربط الأحداث ببعضها بدقة: "لما صارحتي باسم إنك كنتي عند مصطفى... ركزي على رد فعله... مش كان هيجنن و كان عايز يروح يتخانق مع مصطفى. دي أكبر علامة على إنه كان غيران وعنده إحساس كبير بالخوف عليكي".
إبريل كانت تستمع، ولكن العبارة القاسية التي قالها باسم لا تزال تغمر قلبها بالمرارة: طب إزاي يقولي إنه استغلني عشان يوجع ريهام؟ يعني دي مش خيانة؟
ريم بنعومة تليق بشخص يحاول فك رموز ألغاز النفس البشرية، وضعت يدها بلطف على يد إبريل، وصوتها كان كالبلسم الذي يخفف الألم: لا يا إبريل... هو قال كده في لحظة كان مجروح وملخبط فيها بعد ما سمع كلامك عن مصطفى وفهمه غلط... هو لو كان فعلاً عايز ينتقم من ريهام ما كانش وصل الموضوع بينكم للجواز من كلامك عنه... باسم مش النوع اللي يتجوز بسهولة أو ياخد قرار زي ده عشان ينتقم.
تنهدت ابريل غارقة في بحر من الأسئلة التي لا تجد لها إجابة: بس يا ريم كلامه كان جارح جدًا... في الوقت اللي كنت فيه بدأت أطمّن وأثق فيه... حاسة إن مش هقدر أعدي اللي قاله ولا أسامحه عليه بسهولة.
ريم ابتسمت بلطف أكبر، كما لو كانت تحاول أن تجعل إبريل ترى النور في نهاية النفق: وأنا مش بقول تسامحيه بسهولة... بس اديله عذره دا مهما كان راجل شرقي و حاجة زي اللي حصلت ممكن تكون عمت عينه للحظة و خليته يقول كلام مش محسوب عشان يرد كرامته... ولما يهدي ويفكر ممكن يراجع نفسه ويفهم إن اللي حصل كان مجرد فخ نصبه مصطفى وريهام.
تابعت بتحذير جاد لمعرفتها بعقلية ابريل المندفعة: المهم دلوقتي أوعي تعملي أي تصرف متهور تاني... تجنبي مصطفى خالص الفترة الجاية... دا هيساعد باسم يتأكد إنك مش طرف في أي لعبة وإنك بريئة من كل ده.
إبريل شعرت بأن ثقلًا ما قد بدأ يتبدد ببطء من على كتفيها، بينما ريم أكملت بصوت مليء بالحكمة والنصح: انتي دلوقتي مراته يا ابريل... الموضوع مابقاش مجرد لعبة تهربي بيها من مصطفى... انتي متجوزة باسم فعلاً... ولو مصطفى وريهام عرفوا إنكم هتنفصلوا... هيتأكدوا إن خطتهم نجحت... وإنهم فرقوا بينكم هترضي بكده؟
مرت لحظة من الصمت، تحاول تجميع قطع الأحجية، قبل أن تهز رأسها بفهم واستيعاب، فألمها من كلمات باسم منعها من رؤية هذه الأمور بوضوح.
في منزل باسم.
بدت ملامح الدهشة على وجه باسم عندما رأى رجلَي الأعمال أمام باب منزله وقد قاربت الساعة على الحادية عشر مساءاً، فقد التقيا مرتين فقط من قبل، لكن وجودهما الآن أثار فضوله.
جلس أمامهما على الأريكة، يحاول أن يظهر بمظهر الهادئ بينما تتأجج الأسئلة في رأسه، بعد دقائق من الدردشة العابرة، كان يحدق فى الشاشة أمامه، وهو يشاهد الفيديو الذي يُظهر حديث إبريل مع مصطفى، ومعه بدأت صدمته تتفاقم.
تجسدت أمام عينيه كل الكلمات التي قيلت، فانزلق قلبه في معدته، عندما أدرك أن ما سمعه من إبريل كان مجرد سخرية على تفوهات مصطفى، ضغط علي شفتيه في ندم، وهو يشعر بالخزي يتسلل إلى أعماقه عندما استمع إلى دفاعها عنه، وكلمة "أحبك" التي خرجت من شفتيها، كانت مثل خنجراً ينغرس في قلبه الذي ينبض بألم قاسي بدلًا من أن يتراقص بفرح غامر بإعلان حبها، شعور بالقهر من نفسه يجتاحه، كعاصفة هوجاء، فقد كان مثل الأعمى يحركه جنون غضبه وكبرياؤه بتهور جم، تذكر كيف استقبله بإهاناته بدلًا من احتضان مخاوفها المتصاعدة من تهديدات مصطفى الحقيرة، تلك التهديدات التي كانت كالسيف المسلط على رقبتها، تحاصرها بظلالها القاتمة؟
تنهد في داخله مُحبطًا، كيف له أن يصلح ما أفسده بيده؟
حاول استجماع أفكاره والسيطرة على انفعالاته، واستدار إلى دياب وداغر، وتحدث بصوت متماسك: أقدر أعرف وصل الفيديو ده لإيديكوا إزاي؟
تبادل داغر نظرات خاطفة مع دياب، الذي كان يتوقع هذا السؤال منه، كأنهما قد تواصلا في صمت بلغة يفهمانها دون حاجة للكلمات، بناءً على الاتفاق الذي أبرمه مع أخيه خلال مجيئهما إلى هنا، فأظهر دياب ثقة عالية، إذ جهر بكلماته بلا تردد، مفعمًا بعزيمة قوية؛ فقد قرر أن يمد يد العون لتلك المسكينة التي تشابك كاحلها الصغير في لعبة الكبار، عازمًا على مساعدتها للخروج من ظلال المأساة التي أطبقت عليها: إحنا اللي زرعنا كاميرات مراقبة في مكتب مصطفى.
تجمدت ملامح باسم للحظة، حواجبُه ارتفعت في استغرابٍ كبير، وعيناه اتسعتا مثل دوائر من الحيرة تنجلي في استفهامه: برده مش فاهم... عشان إيه تعملوا حاجة زي كدا؟ وإزاي عرفتوا إن في مشكلة بيني وبين إبريل.. إي زارعين كاميرات عندي كمان؟
ازدادت حدة نبرته مع سؤاله الأخير بسخرية خطيرة، بينما دياب بدا واثقًا كما لو كان قائدًا في معركة، لكن في عينيه كان هناك بريق من الحذر: لا أبدًا... الحكاية مش زي ما أنت فاكر... في أسباب قوية خليتنا نضطر نعمل كدا.
نفى دياب بلهجته الهادئة يتخلل في طياتها عمقًا من الجدية، بينما داغر كان يتابع في صمت غامض التوتر الذي يتصاعد في أروقة الحديث.
واصل دياب مستطرداً: وبالنسبة لسؤالك إزاي عرفنا إن في مشكلة بينك وبينها... من خلال كلام مصطفى ليك بعد ما إبريل خرجت من عنده.
أنهى دياب جملته بينما باسم يميل إلى الأمام في جلسته، حواجبُه مشدودة، ويداه على الطاولة تلامس سطحها بقوة، وكأنما يريد أن يتمسك بأي خيط من الخيوط المبعثرة حوله، وأخذ صوته يرتفع بشكل طفيف، تعكسه ملامح وجهه التي كانت تحمل انفعالات الامتعاض والاستنكار: وإيه يخلي أصحاب شركة كبيرة زيكم يهتموا بالحياة الخاصة لموظفة جديدة عندهم؟
شعر باسم بدفء الغيرة يتسلل إلى قلبه، كأنها سُمٌ يزحف ببطء في أوردته، قبل أن تأتي الإجابة من داغر هذه المرة وهو ينظر إليه بملامح مفعمة بالثقة: إبريل مش مجرد موظفة عندي وبس... في صلة تربطني بيها.
كانت جملته بمثابة حجارة كبيرة أُسقطت في بحيرة هادئة، مما أثار دوامات من الغيرة والاستياء في قلب باسم، لكنه تمالك السيطرة على ذاته، ومثلما تسرب الغضب في نفسه، بدأ الفضول يستولي عليه مستفهماً بخشونة: إيه نوع الصلة اللي بتتكلم عنها؟
واصل داغر حديثه بجدية وثبات، وكأن الكلمات تتدفق منه دون جهد: أنا عارف كل حاجة تخص موضوعك أنت ومصطفى وإبريل... واللي خلاني أكون عندك دلوقتي هو عشان نتفق لأن مصطفى بقى مصدر تهديد على ابني بسبب مراته.
هتف باسم مستنكراً: ابنك!!! إيه دخل ابنك بإبريل؟!
تحدث داغر بصلابة، وكأن الكلمة خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه: ابني يبقى عمر ابن ريهام.
ارتفع حاجب باسم في ذهول مصعوق، حيث اجتاحت رماديتيه عاصفة من الصدمة العاتية، فأردف داغر بتفهمٍ لا يخلو من الحزم: مقدر صدمتك... لكن ماتطلبش مني أي تفاصيل أنا كشفتلك عن السر دا عشان أنا عارف إن ريهام مصدر إزعاج ليك... فأرجو إن الكلام دا يفضل بينا.
تجاوز عقل باسم صدمة الخبر سريعًا، واستعاد رباطة جأشه، بينما يومئ برأسه بفهم، حيث أن ريهام وما يخصها لا يشغلانه، بل كان هناك أمرًا أهم في طيات ذهنه استحوذ على تركيزه التام قبل أن يستفسر بهدوء خطير: طيب... أنا عندي سؤال أخير... انتوا برده اللي ورا الإشاعات اللي ملأت المواقع عن إبريل وعلاقتي بيها من ورا مصطفى؟
حاول دياب أن يجيب بدبلوماسية لتفادي المنازعات، ولكن سبقه داغر بإيضاح مشوب بعدم الاكتراث: أنا اللي كنت ورا الخبر دا.
اندفع باسم بغضب متأجج، يلكم داغر في وجهه بقوة، في حين أن داغر لم يظهر أي ردة فعل مضادة، بدلاً من ذلك ظلت ملامحه صلبة، وقال بهدوء غريب: هعذرك عشان عارف اللي بيحب بيعمل أكتر من كدا.
عاد باسم يجلس مكانه بتعجب لاهث، بينما الأخر يستكمل حديثه كأن شيئا لم يكن: خلينا في المهم... أنا اللي يهمني في كل دا ابني وبس... وعشان كدا قررت أدفع ديون أهل ريهام لمصطفى وأدخل شريك في الأوتيل... عشان أقطع عليه أي سكة يبتزهم بيها... وأعرف أتعامل معاه لو فكر تاني يكون مصدر تهديد لابني.
أنهى داغر جملته بصلابة وعملية بحتة، بينما كان باسم يشعر ببركانًا من المشاعر المتضاربة، مدركاً أن الطريق أمامه مملوء بالأشواك، وأنه يتطلب منه الكثير من الجهد والصبر على قطته المتمردة حتى يتمكن من إصلاح ما أفسده معها، وأخذ قلبه يثقله بتساؤلات حارقة، تدور حول كيفية تجاوز الصعوبات واستعادة ثقة إبريل، لابد أن تكون كل خطوة يتخذها نحوها، تتسم بالحذر والذكاء، عازمًا على إعادة بناء ما تهدم بينهما، مثل فنان يحاول تجميع شظايا لوحة محطمة، عاقدًا العزم على إعادة الحياة لألوانها حتى تصبح يومًا نابضة بينهما.
في ذات الوقت.
داخل فيلا فهمي الهادي.
عند غرفة أبريل.
دقت ريهام الباب بخفة، ولم تنتظر ردًا، بل دفعته ببطء ودلفت إلى الداخل بخطواتها الواثقة التي تشي بشيء من الغطرسة، قائلة بنبرةٍ تنم عن تحدٍ خفي: أبريل... أنتي صاحية ولا أنا أزعجتك؟
رفعت أبريل عينيها، والتعب يلوح في ملامحها الحزينة، لكنها تحكمت في تعبير وجهها لتبقى ملامحها هادئة، وهي تعتدل على السرير، ويدها تشابكت بتوتر على ركبتيها، محاولة السيطرة على مشاعرها المتضاربة.
"لا... كنت لسه هنام".
جاء رد أبريل بنفي متكلف، متصنعة الاسترخاء رغم أنها تتأمل بحذر ردود فعل شقيقتها التي اشتعلت زرقاوتيها بشيء من الشرارة، تحمل في طياتها مشاعر مختلطة من الحقد والكراهية، رغم تصنعها للهدوء.
جلست ريهام على السرير، ووضعت قدمًا فوق الأخرى بغطرسة، ثم تابعت بنعومة: كويس أني لحقتك... عشان في موضوع كدا حابة أخد رأيك فيه.
رسمت ابريل ابتسامة زائفة على كرزيتها، وهمست بصوت هادئ يكتنفه الارتياب، حيث كانت مشاعرها تعكس إحساساً عميقاً بأن هناك تفكيراً شيطانياً يختبئ خلف ما ستتحدث عنه: اتفضلي...!!!
"بصراحة يا أبريل... أنا بفكر أغير استايل لبسي كله من باب كسر الملل يعني... وخطرت على بالي فكرة... قولت ليه مابعتش هدومي القديمة لناس محتاجينهم".
أضافت ريهام بلطف، وهى تتلاعب بأطراف أصابعها: منها مساعدة للمحتاجين ومنها أفضي الدواليب عندي فوق بعضها هدوم لسه جداد في حاجات ملبستهاش خالص أو لبستهم مرة على الأغلب.
فهمت إبريل أن هذه الكلمات تخفي في طياتها سمومًا، بابتسامة باهتة تلوح على وجه إبريل تظاهرت بعدم الفهم: كل دا كويس... بس أنا لسه مفهمتش عايزة إيه بالظبط مني؟
"زي ما انتي عارفة معنديش خبرة في المواضيع دي ومعرفش إزاي أوصلهم للمحتاجين... وكنت محتاجة لمساعدة وانتي جيتي في بالي".
قالتها ريهام بنبرة تبدو غير مكترثة، لكن نظراتها بها خبثًا خفيًا، مما جعل قلب أبريل ينبض بسرعة.
"إزاي يعني؟"
سألت أبريل محاولةً أن تُبقي على حذرها.
"المكان اللي اتربيتي فيه بالمنصورة... منطقة شعبية مش كدا!! وأكيد في ناس حالتهم صعبة ومحتاجين لمساعدات".
تغضنت ملامح ابريل، وهى تدرك أن ريهام تحاول استدراجها إلى فخٍ ما، بينما أضافت الأخيرة باستفهام: بالمناسبة... انتي لسه بتكلمي أهل مامتك ولا لأ؟
"أكيد... ما هما حضروا كتب كتابي".
"ايوه صح... معلش... مكنتش مركزة".
احمرّ وجه ريهام توترًا، وابتسامة شاحبة تراقصت على شفتيها، إذ كانت تسعى إلى التلاعب بعقل إبريل وكأنها خيوط عنكبوت، تحيك فخًّا مفعمًا بكراهيتها لشقيقتها، ولكن إبريل بهدوء ودهاء، قصفت جبهتها حين ذكرتها أنها الآن زوجة باسم.
"كويس إن لسه في تواصل بينك وبينهم... واحدة غيرك كانت نسيت المكان دا خالص بكل الموجودين فيه... خصوصًا بعد ما بقيت عايشة في فيلا بالمستوى دا ومخطوبة لراجل مشهور وغني أوي... يعني أي حد لو في نفس ظروفك ما ظنش كان هيبقى حابب يشوف حد من ماضيه".
تململ شعور الغضب في صدر أبريل من استفزاز الأخرى لها، لكنها قاومت الانجراف فيه، وهى تهتف بإبتسامة واثقة: اللي مالوش ماضي مالوش حاضر... الناس اللي بتكلمي عنهم دول بيتقال عليهم معندهمش أصل.
أخذت ريهام نفسًا عميقًا، محاولة استعادة توازنها: عندك حق طبعًا.
تابعت بخبث تحاول تسليط الضوء على شيئاً معين: بس كمان انتي طموحة أوي وبتفكري بذكاء عالي... يعني بعد ما رفضتي تتجوزي جوازة عادية... حياتك اختلفت خالص... جيتي هنا وكملتي دراستك واتخطبتي مرتين لرجالة تقال في مجالهم... وكل دا في وقت قصير أوي.
أحست أبريل أن كلمات كانت كالرصاصات، تصيبها في قلبها، حاولت أن تحتفظ بهدوئها، لكنها لم تستطع تجاهل شعور الضيق الذي بدأ يتسلل إلى أعماقها، بينما الأخرى تتابع بتخابث أنثوي: بنات كتير بيحسدوكي على فكرة... بس يا تري دا ممكن نسميه إيه؟ نجاح ولا حظك حلو؟
لم تنتظر رد إبريل، وواصلت حديثها البعيد كل البعد عن شعورها الحقيقي المبطن خلف نبرتها الماكرة: حقيقي أنا مبسوطالك أوي من قلبي... بعد يا حرام ما عانيتي كتير من طفولتك من حرمان ومرض وماتربتيش وسط أهلك زي الناس الطبيعية، بس شوفي أهو ربنا بيعوضك.
راقبت ريهام ملامحها علها تجد بها انكسار أو حزن، ولكن ابريل ظلت صامدة بالرغم من استنزاف أعصابها.
"الحمدلله ربنا لطيف بعباده... بس مين فهمك إني كنت بعاني بالعكس؟ أحلى أيام طفولتي قضيتها مع الناس اللي بحبهم وبيحبوني... وللسبب دا أنا متمسكة بذكرياتي هناك واللي بينسوا أصلهم بس هما الناس الواطية".
قالتها إبريل بحب لا يخلو من الترقع الذي جمد ريهام للحظة، قبل أن تضحك بلكنة مزيفة: إيه دا!!! انتي زعلتي ولا إيه؟! صدقيني مقصدش اللي فهمتيه خالص... أنا بدردش معاكي وبسأل.
أومأت إبريل برأسها بثبات، زعزع ثقة ريهام، مما دفعها إلى النهوض من مكانها، لترد بعبارةٍ تنمّ عن هدوءٍ مشوب بالتوتر: المهم مش عايزة أطول عليكي... هسيبك تنامي... و إحنا على اتفاقنا أنا وكام صديقة ليا هنحضر الحاجات دي... انتي يبقى عليكي توصيلهم أوكي؟
خرجت ريهام من الغرفة، قلبها يغلي بالإحباط الذي يثقل كاهلها، فلم تُظهر ملامح إبريل أي علامة على حزنها، كأنّ قناعًا من البرود غطّى مشاعرها، مما جعل من الصعب على ريهام، أن تدرك ما إذا كانت تصرفات مصطفى اليوم قد أثارت مشكلة بينها وبين باسم أم لا.
أما إبريل أدركت أن حديث ريهام لم يكن مجرد كلام عابر، بل كان بمثابة إنذار، يشي بفرح أختها وشماتتها المحتملة عند علمها بتوتر علاقتها بباسم نتيجة مكائدهم الماكرة.
تساقطت دموع إبريل، غارقةً في حزن عميق، وكأن كل همومها تجمعت في لحظة واحدة، لتثقل قلبها وتجرّه نحو الهاوية.
احتضنت شال جدتها الحبيبة، الذي يحمل عبق الذكريات الجميلة، تستنشق رائحة الريحان المهدئة لروحها المنزقة وتذكّرها بالحنان والطمأنينة، ثم غاصت في نومٍ مضطرب، يتخبط بين كوابيس مؤلمة، يعبث بسلامها ويغتال أحلامها الوردية.
في اليوم التالي.
بتوقيت الظهيرة.
كانت الشمس تتوارى خلف سحب رمادية، تملأ السماء فوق موقع البناء الضخم، تتعالى فيه أصوات العمال الذين يركضون من زاوية إلى أخرى في تلك المساحة الهائلة، ومعدات ثقيلة تتنقل بين الأساسات، والأتربة تتطاير في الجو، بينما تقف إبريل ترتدي الخوذة وسترة بيضاء بأزرار بسيطة، وأكمامها مرفوعة قليلاً، بنطال واسع بلون بني فاتح، وشعرها مربوط على هيئة ذيل حصان، مما يكشف عن ملامح وجهها الناعمة بوضوح، ويمنحها مظهراً بسيطاً وأنيقاً في الوقت ذاته، برغم إرهاقها الواضح، ظلت تقف هناك بثبات، مشغولة بفحص الرسومات على اللوح، تتنفس ببطء، صدرها يعلو ويهبط بصعوبة، تُقاوم نوبات السعال التي تزورها بين الحين والآخر كضيف ثقيل، لكن عنادها كان يُلزمها بالبقاء هنا، هروبًا من أفكارها المتزاحمة.
في تلك الأثناء، توقفت سيارة باسم أمام موقع البناء بعد أن تتبّع مكانها عبر الهاتف، ثم ترجل منها بخطوات واثقة، مستفسرًا عن مكانها من أحد العمال، وعيناه تشتعلان غضباً وقلقاً، إذ لم يكن يتوقع أبدًا أن يجدها في مكانٍ كهذا، حيث يختلط ضجيج الآلات بصدى قلقه العميق.
"انتي كويسة يا باشمهندسة؟"
سألها زميلها المهندس بقلق حالما لاحظ حدة سعالها، لكن قبل أن تتمكن من الرد، اخترق الهواء صوته العميق، مما جعل جسدها يتصلب للحظة قبل أن تلتفت إليه ببطء، تخفي في عينيها شبح الإرتباك: معلش... استأذنك لحظة واحدة يا باشمهندسة.
تواكبت نبرته الحازمة مع نظراته المحذرة، كعاصفة من الوعيد لا تقبل أي اعتراض منها، جذب يدها بلطف متسلط دون الحاجة لتفسير، كأنما أسس حولها هالة من الملكية التي جعلتها تتبع خطاه بلا تردد.
عندما ابتعدوا عن باقي الفريق، توقفت محاولة أن تستجمع قوتها، وواجهته بتحدي ظاهر في عينيها رغم السعال المزعج: إنت بتعمل إيه هنا؟!
سألت ابريل بصوتٍ متهدج، بدلاً من الرد نظر إلى وجهها بتركيز شديد، ثم قال بنبرة باردة تحمل اهتمامًا خفيًا: فين بخاختك؟
أشارت بتردد إلى حقيبتها المعلقة على كتفها، لكنها فوجئت بيده يسبق يدها، يفتح سحاب الحقيبة بحركة سريعة وأخرج البخاخة، ثم ناولها لها دون أن يقول شيئًا، أخذت البخاخة منه بيد مرتعشة، استخدمتها أمامه، ولكن رغم شعورها بتحسن بسيط، ظل قلبها يخفق بشدة بسبب وجوده بجانبها.
دقائق قليلة مرت قبل أن تستعيد أنفاسها، لكنها لم تنتظر طويلاً قبل أن تطرح سؤالها الحائر مجددًا، بصوت متحشرج وغاضب: إيه اللي جابك هنا؟ وعرفت مكاني إزاي؟
حدجها بعينين غاضبتين، وبنبرته الحادة يتخللها قلق صريح سألها: إنتي اللي بتعملي إيه في مكان زي دا؟ ماتعرفيش إنه خطر عليكي وجودك هنا؟
ازدردت رمقها بتوتر، ورفعت رأسها بعناد، وقالت برقة مبحوحة: دي حاجة تخصني.
حاولت ابريل التسلح ببقايا كرامتها، وقلبها ينبض بخوف من مواجهته، بينما خطا باسم نحوها خطوة واحدة، زادت من اضطرابها، وهو يلتف بأصابعه حول ذراعها، ليقول بنبرة آمرة: يلا امشي معايا... كفاية عليكي كدا.
استدار يخطو بها، لكنها زرعت قدميها في الأرض، وعيناها تلمعان بالاستنكار والتمرد، مخاطبة إياه بنبرة تُغلفها طبقة من الكبرياء: معاك؟ أنا مش هتحرك من مكاني... امشي لوحدك!
دمدم باسم بتحذير مكتوم: يلا يا إبريل... ما تطلعش جناني عليكي.
ابتسمت إبريل بسخرية رغم الارتباك الذي يجتاحها من نظراته الغاضبة، وقالت بتحدٍ متهكم: ولو طلع... يعني هتعمل إيه؟
يعلم أنها عنيدة، لكن هذا التحدي استفزه، لذا دنا منها أكثر، وعيناه تتسعان بشيء من الجنون المكتوم، ونبس بنبرة باردة لا تخلو من الشر: هكتفك وآخدك معايا... إن شاء الله بالغصب.
شعرت بتيار مثير يسري في جسدها، وكأن التهديد تحول إلى حقيقة ملموسة أطاحت بقلاعها، ومع ذلك استفسرت بذات النبرة: وبأمارة إيه هتعمل كده؟
همس باسم بصوتٍ ثقيل مليء بالتهديد والحنان في آنٍ واحد: مراتي... وحر فيها.
أضاف بلهجة أكثر رقة: يلا يا حبيبتي... اسمعي الكلام.
أرادت ابريل الصراخ في وجهه، أرادت دفعه بعيدًا، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن القيام بأي من ذلك، بصعوبة تماسكت رغم خفقاتها التي زادت من سرعتها، ثم قالت بمقاومة مريرة: مش فاضية أسمع كدب.
يهتز باسم، لكن التوتر بدأ يتصاعد في عروقه من نبرتها الحزينة، قال بنبرة تفيض بالإصرار والحب: وأنا مش ورايا غيرك.
أشاحت ابريل بوجهها بعيدًا عنه، وهمست بنبرة حاولت أن تبدو حازمة: اتفضل امشي بالذوق يا باسم... وخليني أروح أكمل شغلي.
عزمت الابتعاد، لكن قبضته أحكمت سيطرتها على ضعف مقاومتها، وتغيرت نبرته إلى جدية عميقة امتزجت بالحنان، ليتركها عالقة بين رغبتها في الفكاك وسحره الذي يأسرها: إبريل... عنادك ده هيضر صحتك... أحسن لك ماتزوديش فيه وخلينا نتفاهم.
رغم محاولاته الواضحة، لكن جراحها النفسية كانت أعمق من أن تلتئم بسهولة، سكتت للحظة، محاولة استيعاب ما يدور في رأسه، لتخرج كلماتها من بين شفتيها بإندفاع: انت عاوز إيه تاني مني؟ إيه جاي تديني ورقة طلاقي بنفسك؟
رد باسم بنبرة حانية، وكأنه يغزل الكلمات بخيوط من حبٍ خفي: هو احنا لحقنا نتجوز عشان أطلقك يا بندقة؟
نظرت إليه بعينين مليئتين بالشك، لتتفجر كلماته داخلها كجمرة لم تنطفئ بعد: إيه! لسه لعبة انتقامك ما خلصتش؟ جاي تكملها؟
رد بصوت هادئ ممتلئ بالضيق: هنا مش هنعرف نتفاهم.
ردت عليه بعناد، عيناها تلمع بالحدة والبرود معًا: مفيش بينا تفاهم يا باسم.
خلل أصابعه في شعره بنفاذ صبر، وامتلأت عيناه بالعزم، وكأن شيئًا بداخله قد انكسر وأفسح المجال لتيار لا يمكن كبحه، ودون سابق إنذار، سحبها لتجد نفسها مجبرة على السير بجانبه، بخطوات متسارعة أشبه بالركض، تحاول مجاراة سرعته حتى لا تتعثر، وكلماتها تخرج بلهث متقطع: انت ساحبني وراك... ورايح بيا على فين؟! سيب إيدي!!
تجاهلها باسم، فزاد غضبها وعلت نبرتها بغيظ، محاولة تحرير يدها بتهديد يائس: انت مابتسمعش؟ بقولك سيب إيدي! بدل ما أصوت وأنادي على العمال يقطعوك!
"أنا كنت عارف إن الذوق مش هينفع معاكي".
انفلت صبر باسم في لحظة، واستدار ليحملها بقبضة حازمة فوق كتفه بسهولة، امتزجت الصدمة بالغضب والخجل على ملامحها، وهتفت بنبرة محتقنة، وهي تضرب بقبضتيها على ظهره بمقاومة: إيه دا؟! إنت مجنون؟! نزلني!
ضحك باسم بيأس من لسانها السليط، ورد عليها وهو يسير بها بخطواته الواثقة: يلا... قادرة تصرخي؟ ولا أساعدك؟
صرخت إبريل بخجل: انت أكيد اتجننت! ما يصحش اللي بتعمله دا؟
وفجأة، سمعا صوتًا آتٍ من الخلف: إيه اللي بيجرا هنا؟! إيه اللي بتعمله دا يا حضرتك؟!
توقف باسم لبرهة، والتفت نحو الرجل ورفع صوته قليلاً بثقة ممزوجة بابتسامة خطيرة، وهو يخاطب باقي العمال الذين بدأوا بالتجمع بذهول: شوفوا يا رجالة... الباشمهندسة تبقى مراتي... وإحنا بينا شوية خلافات زوجية... انتوا عارفين الستات لما بتتعصب.
ضحك أحد العمال محاولًا تهدئة الموقف: أيوه يا باشمهندس إحنا حافظين... بس برده بالهداوة.
رد باسم بلباقة، وهو يمضي بها نحو سيارته: معلش لو عطلناكم ربنا يوفقكم... بس مضطر آخدها قبل ما تتعب أكتر.
"انت معجون من إيه؟ إيه فاكرها سايبة؟!!"
زفرت بإحباط حالما عاد العمال إلى أشغالهم، فحاولت تحرير نفسها منه مجددًا، ركلت بقدميها في الهواء وضربته على ظهره بقبضتيها، لكن ذراعيه كحصن منيع، صاحت بإرهاق، وقد بدأ الغضب يتحول إلى يأس: نزلني! بقولك نزلني!
هددها بصوت هادئ لا يخلو من عبثه الوقح: هتبطلي حركات العيال دي يا باشمهندسة؟ و لا أديهالك على التوتة؟ ماتعرفيش ترفعي عينك في عين أصغر عيل في الموقع دا!!!
فغرت فاهها ذهولًا من جراءته المفرطة، قبل أن تصرخ باستنكار يعبر عن استياء خجول يجتاح حصونها: انت بجد سافل... ومافيش في بجاحتك.
"احسن لك بلاش تعانديني عشان تتفادي بجاحتي اللي بجد".
أدخلها باسم السيارة قسراً، وسط مقاومة شرسة من جانبها، رغم أنها كانت تدرك تمامًا أن محاولاتها ستبوء بالفشل، بعد أن أغلق الباب بالمفتاح الإلكتروني، وعندما جلس بجانبها، لفظت من بين أنفاسها اللاهثة: افتح الباب دا... خليني أنزل بدل ما أخليك تندم عمرك كله!!
مال باسم عليها فأصبح وجهه على بُعد بوصتين من وجهها، وهمس بصوت يفيض بحنان مفعم باللهفة: عادي... ما أنا ندمان... يلا عشان تبقي بكملة.
انحنى باسم قليلاً نحوها، ويده تتحرك بحذر وثقة نحو حزام الأمان، محاولاً ربطه حول خصرها، لكن بنظراتها النارية تحدته، وأمسكت الحزام بقوة، وقالت بتصميم: أنا مش هروح معاك أي حتة... انت فاهم؟
"اربطي الحزام".
لاشدد قبضته علي الحزام بإنزعاج، واهتاجت نبرته هاتفاً من بين أسنانه: أبريل... أنا على آخري... ماتجبرنيش... أا...
رمقته بعينين متسعتين، ثم سألته بإندفاع لا يخلو من التمرد: ايه... هتضربني؟
في لحظة غير متوقعة، انحنى نحوها مقبلاً شفتيها برقة، كانت مثل لمسة من نور يُضيء ظلمة قلبها الجريح، مما جعل حرارة لذيذة تسري في جسدها، وهى تشعر بملمس شفتيه فوق شفتيها المكتنزة، قبل أن تدفع نفسها بعيدًا بسرعة، وصدمة اجتاحت كيانها تحت سطوة مشاعره العارمة أشبه بنيران تتراقص في أعماقها.
"ماتقربش مني كدا تاني!"
همهمت بتلعثم خجول، فابتسم باسم بجانبية، ورماديتيه تراقبها عن كثب بشغف، هامساً بصوت اجش من اثر عاطفته العاصفة وأنفاسه الدافئة تضرب جانب وجهها بحرارة تكاد تنصهر من لهيبها: هقرب منك زي ما أحب.
تحدته ابريل بنبرة متأججة: انت فاكر ان باللي بتعمله دا هتربطني جنبي بالعافية؟
أشار باسم بإيماءة هادئة نحو خاتم الزواج في إصبعه، ثم نقل نظراته إلى الخاتم الذي يتلألأ في يدها: اللي رابطك اهو في إيدك.
حاولت أن تنزع الخاتم من إصبعها بحركة متهورة، لكنَّه كان أسرع يمنعها بحزم مطبقاً على أسنانه: اياكي تعملي كدا.
أطلقت ابريل زفرة مكتومة، ثم ردت بكبرياء يشوبه الارتباك: عملتها مرتين... و ف مرة منهم حرقتها ومعها فستان فرحي... المرة دي مش عندي استعداد أولع فيها وبس... أنا ممكن أرمي نفسي في النار ولا أكون معاك في مكان واحد.
رمت ابريل عليه نظرةً حادة لم تخفى لمعة العبرات في فيروزيتها، ليرد ببرود ساخر يعكس مرارة كلماته التي كانت جمرًا تحت الرماد: ما كانش دا كلامك لحد إمبارح... انتي قلابة أوي... خلاص بقيتي بتكرهيني؟
عقدت ابريل ذراعيها أمام صدرها بهدوء، بينما عيناها تحدقان إلى الأمام، محاولةً إخفاء ارتجافة أطرافها التي تكشف كذبتها: مين قال اني بحبك عشان أكرهك؟ انت ماتهمنيش من أصله.
ضاقت نظراته عليها لثوانٍ، ثم التفت بوجهه مُديرًا محرك السيارة، وهو يهمس بصوت بارد يشي بإصرار والتحدي: هنشوف يا بندقة.
بعد مرور فترة وجيزة.
عند هضبة جبل شامخة، حيث تهب الرياح بحذرٍ كأنها تتجنب التدخل في حوارٍ محتدم، وقفت سيارة باسم وخرج منها، واستدار حولها، ثم أنزل إبريل، وأغلق الباب وراءها، أسندها إلى السيارة، محاصرًا إياها بين ذراعيه مربكًا نبضاتها بترقب.
"في إيه؟! انت جايبنا المكان دا ليه؟"
تشكلت الأحرف على لسانها في صيغة سؤال مذعور مختلطًا بالاستغراب والغضب.
جاء رده مُتسمًا بنبرة هادئة تهدئ من روعها، تخفي وراءها بركانًا من الاضطراب: اهدي... إحنا هنا عشان نعرف نكلم في هدوء وعاوز منك تسمعيني.
قاطعته برفض لا يخلو من النعومة كأنما تخشى أن يجرحها مجددًا: اسمع إيه؟ مش خلاص اللي كنت عاوز توصل له حصل!! ولا في إهانات جديدة عاوز تسمعها لي؟
تألقت رماديتيه كصواعق تعكس عذابه وغضبه من نفسه بعد إساءته إليها، قبل أن ينفي بنبرة تجسد جمر الحنان المتأجج في قلبه: لا يا إبريل، اللي قلته دا كان...
توقف عن الحديث عندما دفعته في صدره، فارتد خطوة إلى الوراء، بينما تابعت إبريل بحدة تشهر في وجهه سلاح الاتهام المشتعل في نظراتها المعاتبة: كان للي جواك ومخبيه ورا قناع حنيتك الكدابة... زي كل كلمة حلوة كنت بتضحك عليا بيها... كلُّه كان كدب في كدب.
"ما كنتش كدب يا إبريل... كل حاجة عملتها وقولتها كنت حاسسها... كانت من قلبي... ما كذبتش ولا مثلت فيها... كنت شايط منك عشان روحتيله من ورايا... وجه الكلام دا في وداني جنني زيادة... كنتي عاوزاني أعمل إيه؟ أصقفلك وأبعت له جواب شكر؟"
"لا تهزقني وتجرحني بس... وماتدنيش فرصة أنطق جملة على بعضها... نسيت في لحظة أن اللي قدامك دي عمرها ما حبت مصطفى... انت نفسك سألتني قبل كدا وجاوبتك... ولا لحقت تنسي!!؟ ولو بقرب منك عشان أغيظه كنت بوافق اتجوزك ليه؟!! ها ليه؟"
ابتلعت قدماه المسافة الفاصلة بينهما، ليأسر خصرها بين كفيه، ويُلصق جبهته بجبهتها، فارتجفت أنفاسها اضطراباً مترقباً، ليهمس بصوت مغموس بالعذاب: أنا فعلاً في لحظة نسيت كل حاجة... مكنتش حاسس غير بالنار اللي قايدة في كل جسمي من غيرتي عليكي اللي عمت عيني... وخلتني بتصرف زي المجانين... كنت بقولك كل حاجة عكس اللي حاسسها عشان...
"عشان تكسرني!"
قاطعته ابريل بصوتٍ ضعيف، يعكس ضجيج قلبها الذي ينبض بجنون تحت ثقل كلماته الملتهبة بنيران الغيرة.
أحس بنيران كلمتها تحرق قلبه، وكأنها قد شقت عمق مشاعره، فتمتم من بين شفتيه بلوعة عاشق يعترف بحبه لها للمرة الأولى، وهو يكور وجهها بين كفيه بحنان عميق: عشان بحبك... أنا بحبك يا إبريل.
جال باسم ببصره على وجهها بنظرة يتخللها شغف مضطرب، فارتعشت على شفتيها ابتسامة مختلطة بعدم التصديق والسخرية: هو انت ازاي متخيل أني ممكن أصدق كلامك بعد اللي سمعته منك؟! ازاي!!؟
وضعت ابريل كفيها على صدره، تدفعه كما لو كانت تبني جسرًا هشًا بينهما، وأضافت بنبرة متهدجة بالعذاب: ازاي هنسي ان لما لجأتلك عشان أتحامى فيك... كنت في نفس الوقت بتستخدمني وسيلة تنتقم بها من اختي... أاا...
قاطعها باسم بتساؤلٍ حازم مشددًا على كلماته بقوة، بينما احتضن كفيها على صدره بكفه الدافئ: وما سألتش نفسك لو حكاية قربي منك كلها مجرد انتقام منها... أنا ما عملتش كدا من زمان ليه؟
احتبست ابريل أنفاسها للحظة، بينما راقب ملامحها التي سكنت بعد أن دوّت طلقات كلماته في أعماق عقلها تحاول تفسيرها بحيرة، ثم عاد ليطرح سؤاله بهدوء هازئ، وهو يضع يده في جيب بنطاله: سكتي ليه؟
استدار بجسده بعيداً عنها، مُشعلًا سيجارة، بينما ترمق ظهره بنظرتها المتوجسة، ثم نفث دخانها في الهواء قبل أن يسألها بهدوء مميت: طيب... عندك فكرة أن أختك وصلت بيها أنها ترفع عليا السلاح وتهددني تقتلني وتقتل نفسها؟
"إيه اللي بتقوله دا؟ حصل امتى الكلام دا؟"
هتفت ابريل من خلفه فاغرة فاهها بعد أن اختطفت أنفاسها الصدمة.
"قبل ما تقعي قدام عربيتي بكام دقيقة ليلة خطوبة أختي... وقتها مكنتش قادر أفكر كويس ومتوتر لحد ما ظهرتي انتي..."
التفت باسم نحوها، ثم استأنف حديثه بنبرة تنبض بالصدق: كنت عاوز أتخلص من المشاكل اللي هتسببها لنفسها وليا وللكل... لاقيت أن قربي ليكي ممكن يخليها تبعد وتتأكد أن مالهاش وجود في حياتي... كنت بهرب زي ما هربتي بالظبط.
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم احتضن وجهها بين كفيه بحنان، كمن يمسك بجوهرة نادرة، مما جعل دقات قلبها تتسارع بجنون، ليميل بعينيه نحوها، قبل أن ينطق بنبرة تهيم عشقاً وهياماً: أنا وانتي مربوطين ببعض بطريقة ممكن ماتستوعبهاش... عشان كدا أنا مش هسمحلك تبعدي عني... ومش عشان لو افترقنا اختك هتفرح وتشمت فيكي... ولا عشان ممكن مصطفى يحاول يضايقك...
ترك بقية كلماته معلقة في الهواء، فالتقطتها هي بنظرة متسائلة مشحونة بالاستهجان، مما أثار في داخله شرارة التحدي: أمال عشان إيه بتحبني مثلاً؟!
حاصرها بين ذراعيه، وظهرها مستندًا إلى السيارة، ثم جاء رده يدوي في أذنيها كصوت الرعد، قويًا وصريحًا يفتت حصونها: أيوه بحبك.
ارتجف قلبها بعنف خلف ضلوعها، لكن كبرياءها أمرها بالتمرد على تلك المشاعر: وأنا مش مصدقاك... لو كنت اتأثرت بكلامك في لحظة غباء مني... دلوقتي عقلي مش حاسس الا انه بيكرهك.
رد باسم بحزم، ونبرة صوته تحمل عبق الجمرات الملتهبة التي تشتعل في سماء رماديته، كعاصفة نارية تجوب الأفق، وتبعثر دفاعاتها بلا رحمة: بيكرهني عشان قدرت أخطف راحته وتفكيره... سلطته عليكي ما بقاش ليها أي لازمة قدام سلطتي أنا عليكي وعلى قلبك اللي بيدق زي المجنون من قربي ليكي.
نطق باسم جملته بنبرة رجولية واثقة، بينما يلف أصابعه على ذراعيها، يجذبها نحو صدره حاولت أن تدفعه بمقاومةً، لكن قبضته مزيجًا من القوة والحنان تأبى أن تفلت منها، لتهدر بيأس محتدم محاولةً أن تضع حدًا لعواطفها المتضاربة: ابعد عني... أنا مش هقدر أثق فيك تاني... واعتبر الاتفاق اللي كان بينا انتهى.
"متأكدة من كلامك؟!"
سألها باسم بصوت بارد، تتراقص فيه نغمات السخط، فأكدت بهدوء مستفز، لكنها تعرف في أعماقها أن كلماتها لا تتماشى مع مشاعرها: أيوه... وعاوزة ورقة طلاقي في أقرب وقت عشان هسافر.
باسم حاول أن يخفي غضبه خلف تهكمه، فتساءل بنبرة ساخرة: لا والله... وعلي فين العزم يا مدام؟
بفظاظة واضحة ردت: مايخصكش.
استحوذ عليه غضب أسود من فكرة فقدانها ممزوج بضيقٍ حاد من استفزازها، فأخذ يهزها بين يديه بقوة لطيفة، بينما يصيح بثوران جامح جعل عروقه تنتفض بقوة، يعكس تصميمًا حادًا وامتلاكًا حارقًا: انتي كلك تخصيني... فهماني... ماتخصيش حد غيري يا إبريل!
تراقصت في أعماقها مشاعر فرحٍ مستتر، وهي تحدق في سماء رماديته، التي تعصف بمطر عشق غزير ينساب بلا هوادة يجرف مشاعرها، أما هو حين لم يتلقى منها إجابة أضحى صوته يتردد كعاصفة من المشاعر الجياشة محملة بشغفٍ عنيف يفيض من أعماق روحه: شوفي... أنا سبتك تخرجي كل غضبك فيا عشان تستريحي وعشان كنت غلطان في اللي قولته... بس انتي كده زودتيها... فكرة إنك تسافري أي مكان من غير موافقتي انسيها مش هتعرفي... ولو وصلت إني أزرعلك GPS تحت جلدك هعملها... فوفّري طاقة التمرد دي... عشان تقدري تجهزي نفسك لفرحنا.
اخترقت جملته الجدية قلاعها بضراوة فتعثرت كلماتها في حلقها، لتخرج بحدّة لا إرادياً: يعني إيه هتتجوزني غصب عني؟
"انت أصلاً على ذمتي ولا نسيتي؟"
ذكرها باسم بنبرة قوية، مؤكدًا أن لا يوجد خطط مستقبلية لها إلا بحضوره، وهمس يجيش بالسحر أضاف: بس خلاص نضيع وقت ليه؟ نعمل فرح ونتجوز...
لامس باسم بنعومة شفتيها المرتعشتين التي انفرجت من حديثه، ثم تابع بشوق ماكر، وهو يتلاعب بأفكارها كما يتلاعب العشق بنبضات قلبه العنيفة: خلي التفاهم دا يجي على مهله واحنا في سرير واحد.
ارتعشت ابريل بصدمة من جراءته المفرطة، ولكنها سرعان ما تخلصت من قبضة يده، لتهتف منزعجة: انت قليل الأدب... احترم نفسك... وانت ماتقدرش تجبرني على حاجة.
"أنا لحد دلوقتي ما جبرتكش على حاجة يا إبريل".
"بس أنا مبحبكش".
توهجت بهذه الجملة أمام عينيه اللتين تجسدان شغفًا متقدًا، مع كبريائها المتحدى في محاولة يائسة للهروب من لهب هيامٍ مستعر، فالتصق بها حتى كاد يختنق أنفاسها من قربه المهلك، تلاقت نظراتهما في ساحة من نارٍ مشتعلة، بينما يهمس بنبرة تتفجر بالعشق الجارف: هيجي اليوم اللي هتموتي فيا... مش بس هتحبيني.
بعد مرور بعض الوقت.
وصلت سيارة باسم أمام منزل فهمي الهادي، نزلت منها ابريل بسرعة، غير آبهة بانتظاره.
زم باسم شفتيه بغيظ، ثم نزل خلفها بعصبية، وتبعها بخطوات واسعة، فجأة أمسك بذراعها، جاذبًا إياها نحوه، مما جعلها تفقد توازنها للحظة، لتميل بجسدها نحو صدره، بينما يقول بسخرية باردة ترتسم على شفتيه: عيب أنا جوزك يا مدام مش سواقك الخصوصي.
سرعان ما استعادت توازنها، ونجحت في انتزاع ذراعها من قبضته بعنف، ثم واجهته بنظرة متمردة تنبض بالإصرار والعناد: ماتلمسنيش كدا تاني... واوعي تفتكر إنك هتقدر تمشي عليا قرار بالغصب!!
ضغط باسم علي شفته السفلية بإستياء، ممسكًا بها مرة أخرى، وهو يسألها بحدة: هو عنادك دا مالوش آخر؟
رفعت إبريل ذقنها بشموخ، مبتسمة بإستفزاز متحدى، لكنها في ذات الوقت قلبها يرتجف بحماس: زي ألاعيبك اللي ما بتخلصش.
تمتم باسم بصوت مشتعل بنفاذ الصبر، والشياطين تعبث بأفكاره، وتغريه بأفعال تتسم بالشر: أنا قربت أزهق.
أذهلته في اللحظة التالية، حينما لفَّت ذراعيها حول خصره، بينما أسندت رأسها على قلبه النابض بعنف تحت وطأة قربها، ضمّها إليه ببطء مشبعًا بارتباكٍ يعصف كيانه، تائهًا بين دهشة مبادرتها التي اخترقت صموده، وبين شوقٍ يفيض بكل ما قاومه طويلًا، وكأنها أطلقت عاصفة مشاعره الحبيسة.
"في إيه؟"
سألها باسم بنبرة مثقلة بالحيرة، فأخبرته بصوت خافت لا يصل إلى أحد سواه: واقفين بيبصوا علينا من الفرنادة!
مرّت دقيقة، قبل أن ترفع رأسها عن صدره، فتشابكت نظراتهما في لحظة مشحونة بلهيب عواطف مضطرمة، دون تردد، ضمّها إليه مجددًا، بحنان يلتهمه شوق دفين، وذراعاه التفّتا حولها كسلاسل قدر، تمنعها من الفكاك من دوامة المشاعر المستعرة بينهما، ليهمس لها بصوت أجش: خليكي... لسه بيبصوا.
أدارت ابريل عينيها بحيرةٍ، بينما لم يرفع بصره عنها لحظة واحدة، كيف استطاع معرفة ما إذا كانوا لا يزالون يقفون في مكانهم؟
تراقصت نبضات قلبها بجنون، وأدركت في تلك اللحظة بتفكير مُنذهل، أنه لا يسعى لغيظ ريهام، بل يرغب بشغفٍ لا يُقاوم في أن تحتل مكانها بين ذراعيه، كفراشةٍ تتوق للعودة إلى زهورها.
"أنا موافقة عشان ما اسمحش لحد يشمت فيا".
أطلقت ابريل همسةً رقيقة من بين شفتيها، تسللت إلى مسامعه كنسيمٍ دافئ، مفعمة بكبرياءٍ مشحونٍ بعبق مشاعر جياشة دغدغت أعماق قلبه بسحرٍ خاص برغم غيظه من تمردها اللامنتاهي.
لن أعفو عنه بلمسةٍ عابرة، فأنا القطة التي تروض ذئبها بشغفٍ جحيمي.
قوته ليست سلاحًا، بل سحرٌ أسيرٌ في أحضاني، ذاب في جنوني، محاطًا بهالةٍ ساحرة.
أنا الحلم الذي يتراقص في عينيه، ونار شوقه التي لا تنطفئ.
رواية جوازة ابريل الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نورهان محسن
لدي قلب من ثلج، وبداخلي الكثير من الحماقات التي أتحكم فيها بحكمة ونضج، مثل إسكات صوت عاطفتي، وصفع قلبي، ورسم الضحكات الساخرة على مشاعري ورميها في حاوية. هكذا أكون عندما تنكسر الثقة بالآخرين بداخلي، أصبح صلبة وليست فتاة لها أحلام وردية. تعلمت الصمت وقت الكلام، والهروب وقت الحضور. تعلمت أن الزمن لا يرحم ولن يشفق على أحد، وأن العمل هو تحقيق الذات والاستقلال والأمان. تعلمت أن أحب نفسي فقط أكثر من الباقي. لقد تعلمت من دروس الماضي الأنانية، ومن الطيبة القسوة، أن أكون استفزازية إن تحتم ذلك وألا أسكت عن حقي، ولا آخذ حق ليس لي. تعلمت أن من لا يشتري قلبي سأبيعه بالمجان .. أنا أبريل.
في المستشفى داخل العناية المشددة
أغمضت أبريل عينيها بضيق شديد، وهي تدير رأسها إلى الجانب الآخر، فرؤيته شيء لم تستطع تحمله في الوقت الحاضر.
نظرت إلى الممرضة بتشوش وعدم تركيز، قبل أن تسأل بنبرة ضعيفة مشوبة بسعال خفيف:
انا حصلي إيه؟
الممرضة بنبرة لطيفة:
جاتلك أزمة ربو شديدة والحمد لله جابوكي في الوقت المناسب وحاليًا أنتِ بخير بس.
أشارت بطرف عينيها نحو النافذة الزجاجية للغرفة، وسألت بجفاء:
دول بيعملوا إيه هنا؟
التفتت الممرضة نصف استدارة للخلف، مقطبة حاجبيها، قبل أن تبتسم وهي تروي بثرثرة:
أيوه أهل حضرتك يا آنسة كانوا مستنيين نطمنهم عليكي .. ربنا يخليهم ليكي .. الحقيقة كانوا عاملين قلق كبير قدام العناية من شوية من خوفهم عليكي.
لم تبدِ أبريل أدنى اهتمام بما قالته، وهي تنظر إلى سقف الغرفة في صمت، وظنت الممرضة أنها متعبة، فتحدثت بهدوء:
هسيبك تستريحي شوية .. وأنا هخرج لهم أطمنهم ليكي .. لحد ما ننقلك أوضة عادية بعد شوية.
عند صلاح
دعاء غلبها فضولها، فرفعت بصرها نحوه، لترى عينيه الحادتين تلتهمان تفاصيلها الساحرة، وصولًا إلى عينيها التي عاتبته بصمت.
أجاب صلاح على سؤالها بكل صراحة، وهو يشرف عليها بجسده مقبلًا قمة رأسها:
شوقي اللي جابني ليكي.
أنهى صلاح جملته بصوت ذكوري مثير، وهو يجلس بجانبها على السرير، مما جعل قلبها يخفق بقوة داخل ضلوعها بسبب تلهفها له، لكنها قاومت بعناد مشاعرها المتيمة به، لتتسلح بدرع السخرية الذي مزجته بسؤالها المشوب بالغيرة:
وإيه الاختراع اللي اخترعته عليها المرة دي عشان تقدر تسيب حضنها وتجيني متسحب زي الحرامية؟!
استمع لها صلاح بشرود ذهن، وعيناه تدحرج بإفتتان على الفتحة الواسعة جدًا لقميص النوم الحريري، الذي كشف عن جزء كبير من مقدمة صدرها، قبل أن يحمحم بخشونة، محاولًا التركيز بعد أن نظر إليها مرة أخرى وهو يقول كلماته التبريرية:
دعاء .. حبيبتي ليه بتعامليني كدا وإيه لازمة الكلام دا؟
وجد منها نظرات عدم رضا، لكنه قابلها بنظرات لينة قبل أن يقبل وجنتيها بلطف اعتذارًا، مواصلًا سلسلة اعتذاراته التي لا تنتهي، وكانت هذه طريقته في إرضائها بسبب إهماله الدائم لحقوقها عليه:
أنا عارف إنك زعلانة مني .. بس أنا مقدرتش أعدي الليلة .. وإحنا متخانقين جيتلك مخصوص عشان أصالحك خلاص سامحيني.
قرأت دعاء الاستعطاف على ملامحه، فلم تستطع إخفاء مشاعرها تجاهه، إذ تنفلت رغماً عنها أمامه، ويرق قلبها إليه سريعًا، فقالت بتنهيدة عميقة تدل على يأسها، وضعفها أمام نفسها:
عايزني أقولك إيه ها .. مشكلتي معاك هي هي ما بتتغيرش .. فات أكتر من ثلاثين سنة دلوقتي وأنا ما بعملش حاجة غير إني بسامحك وعايشة أحبك يا صلاح وعاجزة أبعد عنك.
سحبها صلاح من ذراعها نحوه، وأحاط خصرها بذراعيه القويتين، وضمها بينهما، وقبل رأسها كاعتذار ثان، وهمس بملكية بالقرب من أذنها:
ومش هسمحلك مهما يحصل بينا تبعدي عني.
ضمها إليه بحنان أكثر، فتمسكت به بشدة كما لو أنها تخشى أن يتبخر من بين يديها، وأخذت تشبع روحها برائحة من أحبته وعشقته حد الجنون والمجون، بينما عيناها تقطران بالدموع لا إراديًا من شدة الألم الذي يمزق صدرها من فكرة خسارة وجوده في يوم، لذا كانت متفاعلة مع قبلاته الملحة، وهمساته المعسولة بطريقة ملتهبة مليئة بالشغف واللهفة، وكأن حياتها تعتمد على هذا.
ولعل السبب في ذلك هو طبيعة علاقتهما التي يغلفها العشق الممنوع والسرية التامة، مما يجعلهما يندفعان تجاه بعضهما البعض رغما عنهما في شوق عارم كلما اختلوا ببعضهما.
في ممر المستشفى
خرجت الممرضة من إحدى الغرف، تحديدًا التي كان الجميع يقف أمامها، وقالت بنبرة عملية:
تقدروا تدخلوا .. بس لو سمحتوا ما تجهدوش المريضة .. عن إذنكم.
دخل كل من ريهام ويوسف على الفور، وعندما تحرك باسم للانضمام إليهم، أوقفه خالد وخاطبه بخفوت:
أجلها شوية يا باسم.
رفع باسم حاجبه إلى الأعلى بدهشة جالت على ملامحه، متحدثًا بأسلوبه الساخر، الذي يختبئ وراءه رغبة قلقة لا تزال كامنة في روحه المهشمة حتى يطمئن أنها بخير:
هابص عليها بس مش هاكلها يعني.
خالد بتحذير:
الأحسن ليك ما تدخلش .. ولا ما شوفتش أول ما فتحت عينيها بصتلك إزاي .. ولا نظراتها ليك من دقيقة .. شكلك مهبب معاها مصيبة .. ما تعقدش الموضوع أكتر من كدا.
لوح باسم بيده نافخًا الهواء بسأم:
يووووه.
خالد:
معلش اسمع مني خليها مع أخواتها دلوقتي .. وتعالى نقعد في الكافيتريا لحد ما أعصابها تهدى.
وضع باسم إحدى يديه على خصره، وهو يفرك ذقنه بيده الأخرى بطريقة عصبية قبل أن يعترض بنبرة ساخطة غلفت صوته الرجولي الجذاب:
مش رايح كافيتريات .. خلاص هاروح أعمل كام مشوار لحد ما سموها تهدى.
حرك خالد رأسه بإشارة تشير دعمه بهذه الكلمات، قائلًا بإرهاق:
يكون أحسن وأنا خليني أروح أنام عشان خلاص با سقط مش شايف قدامي.
أومأ باسم له بعينه، ثم تحرك يمشي معه محاولًا تجاهل نبض قلبه المضطرب، إذ يشعر بالخوف من رد فعلها ورفضها لمقابلته بعد ما فعله، ورغم نفاد صبره الدائم، إلا أنه أقنع نفسه أنه لن يخسر شيئًا بانتظارها حتى تصبح مستعدة للحديث معه بهدوء، والأهم أنه مطمئن على أن حالتها استقرت.
لكن كان داخله شعور بالغضب تجاهها، لأنها جعلته يعاني من آلام نفسية قديمة تجددت في هذه الليلة الرهيبة، وهكذا أخذ يبرر لنفسه معنى المشاعر المتضاربة بداخله.
في غرفة أبريل
داخل المستشفى
يوسف:
خليني أعدلها لك.
نطق بها يوسف، وهو يعدل بسرعة الوسادة خلف ظهر أبريل حتى تتمكن من الجلوس بشكل مريح:
مرتاحة كدا يا أبريل .. تحبي أساعدك في حاجة أعملك حاجة؟
هزت أبريل رأسها بالرفض قائلة بنبرة مقتضبة ومنخفضة وهي تتجنب النظر إليه:
أنا كويسة .. شكرًا .. تقدروا تروحوا مفيش داعي تقعدوا أنا بقيت كويسة.
اعترض يوسف، قائلًا لها بإصرار حنون، وهو يربت على كفها:
لا هأفضل معاكي ومش هأتحرك لحد ما نخرج من هنا مع بعض يا حبيبتي.
سحبت كفها البارد من تحت يده الدافئة دليلًا على رفضها لأي لمسة منه، مما جعله يشعر بالحزن والذنب أكثر حيث رفعت رأسها، ورمقته بنظرة حادة مرددة بإصرار:
وأنا قولت مفيش داعي.
ضيقت ريهام عينيها بعدم رضا على طريقة أبريل الجافة، وسألت بدهشة مختلطة بالقهر منها على ما حدث الليلة:
مالك يا أبريل .. حساكي قافشة علينا وشكلك واخدة موقف مننا .. على فكرة أنا ويوسف مالناش أي دخل في حاجة.
أنهى يوسف النقاش قبل أن يحتدم حينما قال بصوت هادئ:
ريهام خلاص روحي أنتِ .. أنا هاستنى معاها.
استمعت أبريل إلى كلامه الذي أساءت فهمه، مما أثار حالة من الغضب سيطرت عليها، وسخرت تسأل بصوت محتدم:
إيه!!
خايفين عليّ وخايفين أهرب؟
رفعت ريهام حاجبيها باستنكار مع ردها، ولمع الذهول في عيون يوسف، وهو ينظر إلى ريهام مُحذرًا إياها من الرد، ولأن دورها في حياة أختها سلبي، فهي لا تهتم مطلقًا بما يتعلق بأمورها، تمالكت أعصابها بصعوبة بسبب استفزاز أبريل لهم، لتقول بانزعاج مشوب بالبرود:
لا انتِ باين أعصابك تعبانة أوي ومحتاجة وقت تهدي وتستريحي. عمومًا أنا هروح وهجيلك بكرة أطمن عليكي تكوني روقّتي. يلا سلام.
- أبريل اا...
قطعت أبريل بقية عبارته، وهي تدير رأسها إلى الجانب الآخر قائلة في همس مرتجف:
يا ريت تسيبني أنام لأني فعلًا مرهقة أوي.. ولا حتى دي مش من حقي كمان؟
سارع يوسف بالقول:
ما أقصدش..
صمت يوسف فجأة عندما رأى التعب واضحًا على وجهها، فأردف مع تنهد:
طيب على راحتك.. أنا جنبك هنا لو احتجتي حاجة.
أغمضت أبريل عينيها بضعف بعد زوال القوة الواهية التي كانت تتسلح بها لأنها خائفة ولا تشعر بأي أمان، مثل قطة مذعورة تاهت من أمها في شارع واسع، مما جعلها عرضة للإيذاء من كل الكائنات الحية الأخرى.
جلس يوسف على الأريكة متعبًا، وسرعان ما نام من شدة إرهاقه.
بعد مرور عدة ساعات.
في المنصورة.
داخل منزل تحية.
قطع رنين الهاتف تحية عن مواصلة قراءة القرآن بخشوع، أغلقت المصحف، وأنزلت النظارة الطبية من عينيها الفيروزيتين اللتين لم يخفت إشراقهما رغم مرور الزمن، لتستقر على صدرها وهي ترد بصوت هادئ:
السلام عليكم.
- الحجة تحية معايا؟!
- أيوة أنا.. أنتِ مين يا بنتي؟
- اسمي تقى بنت الست خديجة اللي بتشتغل عند أبو الآنسة أبريل.
- أبريل.. مالها هي كويسة حصلها إيه وما بتردش عليّ ليه من امبارح؟!
- اهدي يا حجة.. أنا كنت واخدة رقمك من عند أبريل ما عرفتش أتصل بحضرتك غير دلوقتي عشان في حاجة مهمة لازم تعرفوها.
- قوليلي بنتي جرى لها حاجة؟!
في منزل دعاء.
مرت الساعات التالية في أجواء حميمة جمعتهما كالعادة، يسرقونها خلسة من الزمن، حتى يرووا عطش شوقهم الغامر ببعضهما، وهو يحتويها شغفًا وتلهفًا إليها، وهي غارقة بين أحضانه في الدفء الموغل.
انكسرت هالة العشق التي كانت تحيط بهم، بسبب رنين هاتف دعاء، لتنهض ببطء، ووضعت يدها على مقدمة صدرها، تمنع الملاءة التي تغطيها من الانزلاق، فسألها صلاح بسرعة متعجبًا:
مين هيكون بيتصل في الساعة دي؟!
أجابته دعاء بلهاث:
ده عز أكيد في حاجة؟!
- ردي مستنية إيه؟!
أومأت دعاء له قائلة بقلق وتحذير:
طـ.. طب.. طيب ما تتكلمش بس.
تلقت دعاء المكالمة، ووضعت الهاتف على أذنها، قائلة بصوت مرتعش، حاولت أن تجعل الأمر طبيعيًا قدر الإمكان:
ااه أيوة يا عز.. اهدى اهدى عشان أفهم؟!
عقدت دعاء جبهتها غير مصدقة، وقالت شاهقة بفزع:
بتقول إيه!! انتحرت إزاي دي.. وحصل امتى ده؟!
سلط صلاح نظره إليها باهتمام، وانجذب للحديث، فيما أمالت دعاء بجسدها إلى الأمام قليلًا بسرعة، والتقطت قميص صلاح الذي كان أقرب ما وصلت إليه يدها وارتدته بإهمال، وهي تقول على عجل:
حاضر حاضر جيالك على طول.. مسافة السكة بس وأبقى عندك.
رمى صلاح بسؤاله الحائر:
في إيه؟!
ردت دعاء بتلعثم من فرط اضطرابها، دون أن تنظر إليه بعد أن قامت من السرير، ووقفت أمام خزانة الملابس، تبحث عما سترتديه دون تركيز:
مرات عز دخلوها العمليات بيقول انتحرت.. لازم نروح له بسرعة.
استدارت دعاء، ورمت الملابس على السرير، ونظرت إليه ورفعت حاجبيها معبرة عن استهجانها من لامبالاته وسألته بشك:
أنت جاي مش كدا؟!
أجاب صلاح بنظرة حذرة على سؤالها:
هاجي طبعًا بس..
نظرة التردد في عينيه تعلمها جيدًا، بينما لاحظت الارتباك الذي ظهر على وجهه، مما جعل الدموع تتجمع في مقلتيها، لن يتغير طالما أن الأولوية ليست لهم ولن تكون أبدًا، لكن هل كلمة "ليتني لم أحبك" مفيدة بعد كل هذه السنين؟ هذا هو خيارها وحدها، وها أنتِ يا دعاء تحصدين ما زرعتيه، قاطعته بصوت خافت مفعم بالانكسار والخيبة:
طالما فيها "بس" يبقى ما تكملش مش عايزة أسمع.
هتف صلاح بثبات زائف بعد أن نهض سريعًا، متقدمًا منها محاولًا الإمساك بذراعها:
دعاء.. اسمعيني..
دفعته بعيدًا عنها، ورفعت وجهها إليه بنظرة ساخطة وهي تصرخ بانفعال:
أسمع إيه؟! باقولك ابنك واقع في مشكلة وأنتَ زي عادتك متردد تقف جنبه وتساعده إيه.. أنتَ ما بتتعبش من الحسابات والتحليلات بتاعتك أنتَ إيه ما فيش عندك أي ذرة أبوة ناحيته أبدًا؟!
دعاء كانت تتحدث بصوت حاد أزعجه وأربكه كثيرًا، حتى بين عبارة وأخرى، قامت بنخزه في صدره وكتفه، مما أثار أعصابه وتحدث بنرفزة:
لزومه إيه كل الكلام ده دلوقتِ.. أنا قولت إيه يخليكي تثوري بالشكل ده؟!
أشارت دعاء بإصبعها إليه متهمة، وهي تخاطبه بصوت هادر بعد أن طفح الكيل بها:
ترددك وبرودك وإهمالك هما بس اللي بأشوفهم منك يا صلاح وخلاص أنا تعبت من إني أفضل على هامش في حياتك أنا وابنك.
تلفظ صلاح مبررًا:
دعاء اا..
بترت دعاء بقية جملته بصوت بارد كالثلج ومليء بالجفاء، فهو لم يكن يفعل شيئًا سوى استنزاف طاقتها التي لم تعد تحتمل ما يحدث، بينما ارتفع صدرها وهبط من قعقعة أنفاسها المضطربة:
ما تبررش كفاية ما عنديش وقت أضيعه في سمع كلام متكرر ومتعاد.. في الوقت اللي لازم أكون فيه جنب ابني.
استدارت دعاء تنوي الذهاب إلى المرحاض هربًا من وجودها معه، والدموع تسيل على خديها، لكنه قبض على ذراعها يعيدها أمامه، ممسكًا بذراعها الأخرى قبل أن يخاطبها بحزم لاهث:
اسمعي.. أنا مراعي قلقك وخضتك دي عشان كدا.. مش هحاسبك على الكلام ده ويا ريت ما أسمعهوش تاني منك يا دعاء.. يلا ندخل ناخد شاور سريع ونروح لابننا.
في المنصورة.
بمنزل أحمد.
رن صوت رنين الهاتف في الغرفة، فدخل أحمد وهو يجفف يديه المبللة بالمنشفة، متوجهًا نحو مصدر الصوت ليستقبل المكالمة، بعد أن رأى اسم المتصل بنظرة متعجبة، قال ببحة خشنة:
أيوة يا ستي؟!
- لا أنا يا دوب لسه صاحي كنت هصلي الفجر وأمشي.
في إيه؟ حاسة إنك تعبانة ولا حاجة؟
اتخذت الصدمة دربًا عميقًا بعقله مع تضييق نظرة عينيه المستفهمة، قبل أن تنبث شفتاه بكلمة واحدة: أبريل!
لم يلاحظ دلوف نادية خلفه بعد أن انتهت من الوضوء، كان يعطيها ظهره، لكن أذنها تمكنت من التقاط اسمها على لسانه الذي كان مثل خنجر ذي نصل مسموم مغروس في قلبها، بينما استمع أحمد لتحية لثوانٍ معدودة قبل أن يخبرها بسرعة، والخوف ينهش خلايا قلبه دون هوادة: حاضر هصلي ونازلك على طول.
عند ياسر:
نظر ياسر إلى ساعة معصمه، وعندما رأى أنها قد تجاوزت السادسة صباحًا، قام من المقعد، وهو يشعر بالتعب من ملل الجلوس والانتظار، فهو أمضى عدة ساعات في انتظار انتهاء هالة من عملها حتى يتمكن من التحدث معها، وحتى الآن لم تخرج من غرفة العمليات.
في تلك الأثناء أمام غرفة العمليات:
خرج كل من فريد وهالة بعد نجاح العملية، ونجاة المصاب من الموت بأعجوبة.
الآن تشعر أن أعصابها هادئة، وتنفُّسها منتظمًا بعد أن سيطرت حالة من التوتر على الأجواء بالداخل.
"زين كويس يا دكتور طمنا لو سمحت؟"
أغمض فريد عينيه من الألم، وهو يفركهما بخفة بأصابعه قبل أن يجيب والدة المصاب بصوت رزين: ادعيله يا حجة وضعه صعب.. الساعات الجاية هتحدد وكله في إيد ربنا.
كررت العجوز سؤالها بجزع: بس هيبقي كويس مش كدا؟ هيعيش!
ردت هالة عليها بصوتها الهادئ: إن شاء الله.. بس أكيد محتاج متابعة لأنه معرض يحصله مضاعفات بعد العملية عشان كدا هيكون تحت ملاحظتنا يا حجة.
"ربنا يطمنك يا بنتي.. طيب امتى نقدر نطمن عليه ونشوفه؟"
فريد بنبرة حازمة: مش قبل يومين لحد حالته ما تستقر.
ترجته السيدة العجوز بإلحاح: طيب حتى نشوفه من بعيد بس يا ابني.
ردت هالة بدلًا منه بصبر محذرة إياها بلطف: الأفضل تسيبوه يرتاح وتبعدوه عن أي حاجة ممكن تتعبه.. ادعوا له يقوم منها بخير بس.
وافقها الشاب الواقف بجانب والدته بصوت هادئ: كلام الدكتورة مظبوط يا ماما.. عن إذنكم عشان النيابة عايزة تاخد أقوالنا.
اقترب منهم رجل مسن ذو هيئة أنيقة، فسلم عليه فريد بتحية احترام: أزي حضرتك يا دكتور جمال.
ابتسم جمال قائلًا بترحيب مازح: أهلًا وسهلًا بيك يا دكتور.. أنت شكلك مستعجل جدًا على الشغل معانا ولا إيه؟
فريد بابتسامة جذابة: يشرفني طبعًا بس الحكاية كلها كانت صدفة.
"خير خير جهودك أثبتت كفاءتك بسرعة جدًا.. إنقاذك لحياة المريض رغم صعوبة الجراحة واستقرار الرصاصة عند القلب تستحق عليه التقدير."
أدار فريد نظره إليها لوهلة وأضاف بهدوء: متشكر جدًا يا دكتور بس الحقيقة الدكتورة هي اللي قدرت تسيطر على الوضع.
أخفضت هالة رأسها في خجل من إطرائه اللطيف على أدائها في العمل، قائلة بجدية: شكرًا أنت كمان كان ليك الفضل الأكبر في نجاح العملية يا دكتور.
"طبعًا بلغني مجهودك أنتِ كمان يا دكتورة هالة.. مع إني استغربت أوي لما عرفت إنك هنا يوم خطوبتك.. يلا عمومًا ألف مبروك."
ابتسمت هالة بمجاملة، وقالت بهمس منخفض: الله يبارك فيك يا دكتور..
أنهت كلامها عندما لاحظت ياسر يسير في نهاية الممر، فتحدثت بسرعة في حرج: معلش هستأذن منكم.
اقتربت منه هالة بخطوات سريعة، تنادي باسمه مما جعله ينتبه لها، فتوقف عن المشي واتجه نحوها، فسألت في دهشة: ياسر.. أنت هنا من امتى؟
تطلع ياسر بها طويلًا، ثم قال بنبرة غامضة: بقالي شوية.
بررت هالة بصوت رقيق: معلش أنا كنت فـ..
ولم يمنحها الوقت الكافي لتكمل جملتها، إذ نظر إليها بسرعة على ساعة هاتفه: لازم أرجع البيت أغير هدومي وأستريح شوية قبل ميعاد العيادة.. خلينا نتكلم لحد العربية.
"طيب يلا."
سارت معه إلى الخارج في هدوء تام، رغم أن طاقتها كانت على وشك النفاذ بعد تعرضها للإرهاق الجسدي من جهة، وعدم حصولها على الراحة الكافية لها، وكذلك التعب النفسي من جهة أخرى، بعد ليلة خطوبتها، التي كانت بشعة بالنسبة لها بكل المقاييس.
في نفس المستشفى:
اقتربت دعاء مسرعة من عز الذي كان يجلس على أحد كراسي الانتظار، هتفت بخوف وقلق وهي تضع يدها على كتفه: عز.. طمني يا حبيبي على مراتك إيه أخبارها؟
رفع عز رأسه إليها بعد أن لاحظ وصولها، فقام ببطء وأجابها بندم كطفل مذعور، واغرورقت عيناه بالدموع: أنا السبب.. أنا اللي عملت فيها كدا.. بس والله ما كنتش أقصد.
"مالوش فايدة الكلام دا.. سلمها على ربنا يا عز وادعيله وهتبقى كويسة فين الدكتور؟"
نظر عز إلى صلاح الذي لاحظ وجوده للتو، ولكن من ارتباك تفكيره لم يعطِ الأمر أهمية، ابتلع غصة في حلقه قبل أن يرد عليه بالألم: لسه محدش عايز يطمني.
جلس الثلاثة عدة دقائق في صمت يملأه التوتر قبل خروج الطبيب، فسارع عز إليه ليسأله بلهفة: طمني يا دكتور منى كويسة عايشة عايشة مش كدا؟
رد الطبيب بثبات: الحمد لله قدرنا ننقذ الموقف.. لو كنتوا اتأخرتوا عشر دقايق ما كناش عرفنا نعملها حاجة خصوصًا مع النزيف الشديد اللي حصلها بس قدرنا نوقفه وننقذ حياتها لكن للأسف هي وصلت هنا بعد ما فقدت الجنين و..
قاطعت دعاء استرسال كلام الطبيب بسؤال متعجب، وهي توجه نظرها في صدمة نحو عز: جنين إيه يا دكتور هي منى كانت حامل؟
رد عليها الطبيب بتأكيد، مما جعل عز يشعر بسحابة داكنة تتكون أمام عينيه، وتصلب في الأرض من قوة الصعقة التي استهدفت روحه نتيجة هذا النبأ المفجع: أيوه يا فندم الجنين كان لسه عمره تلت أسابيع.. بس دي محاولة انتحار ولازم تعرضوها على أخصائي نفسي بأسرع وقت هي هتكون في أمس الحاجة له.
وبعد عدة ساعات، أشرقت شمس يوم جديد، ومعها المزيد من الأحداث الصاخبة للجميع.
عند أبريل:
أغلقت المكالمة مع ريم الطبيبة النفسية، بعد أن أخبرتها أنها ستزورها قريبًا لأنها تشعر بالحاجة إلى التحدث معها، ثم اتصلت برقم آخر كانت تحفظه، ووضعت الهاتف على أذنها وانتظرت الطرف الآخر ليجيبها، أتاها صوت أنثوي نائم لتجيب على سؤالها بحشرجة: أنا أبريل.. معلش لو صحيتِ يا أميرة.
أتاها صوت أميرة تقول باندفاع: أبريل أنتِ كويسة أنتِ فين وإيه الرقم دا.. أنا بكلمك من يومين وتليفونك مقفول.
مسحت أبريل على صفحة وجهها، وردت بصوت مجهد: تليفوني مش معايا دا تليفون يوسف.. وأنا في المستشفى.
"مستشفى ليه أنتِ إيه بيحصل معاكي بالظبط وإيه الكلام المنشور عليكي دا؟"
اتسعت عيناها في دهشة مصدومة، وهي تشير إلى نفسها، وتسأل دون فهم: عليا أنا! كلام إيه اللي منشور؟
سردت لها أميرة بمزيج من الحيرة والتعجب: الأول قالوا إنك اتخطبتي للمخرج اللي هزقتيه في المطعم وبعد كام ساعة اتنشر إنك سيبتي مصطفى بعد ما خليتيه يطلق مراته عشان طماعة فيه وبعديها روحتي ترتبطي بالمخرج.
وضعت أبريل يدها على فمها، لتمنع شهقة قوية كادت أن تمزق حلقها، وهي تستمع إلى ما تقوله صديقتها بصدمة شديدة وشعرت أنها على حافة الانهيار.
في بيت كبير رائع التصميم:
بقامته الطويلة، ووقاره المميز دخل بهو المنزل، وسلم الخادمة حقيبة صغيرة بعد أن رحبت بعودته سالمًا.
أشار مصطفى لها بابتسامة قبل أن يواصل طريقه نحو غرفة الطعام، رأى عائلته مجتمعين حول المائدة يتناولون الإفطار في صمت، قاطعه حمحمة رجولية قائلًا بهدوء:
"صباح الخير."
ابتسمت والدته قائلة بترحيب:
"حبيبي حمد لله على السلامة صباح الورد."
انحنى مصطفى وقبَّل يدها بمحبة، ثم رفع نفسه ووضع قبلة أخرى على رأسها قائلًا مبتسمًا بشوق:
"عاملة إيه يا ست الكل وحشاني جدًّا."
نهضت سمر، البالغة من العمر سبعة عشر عامًا، ممتلئة الجسم، وشعرها بني داكن قصير، من كرسيها، ثم استدارت حول الطاولة، لتقترب منه قائلة بحزن مصطنع:
"هي بس اللي وحشتك يا أبيه؟"
اتسعت ابتسامة مصطفى، عندما احتضنته بحب أخوي، فقال باسترضاء وهو يربت على شعرها:
"أنا أقدر على الكلام دا؟ وحشتيني جدًّا يا سمسمة."
"حمد لله على سلامتك يا أبو الدراويش، نورت القاهرة وضواحيها."
هذا ما قاله شقيقه معتز توأم سمر، الذي كان يتصفح إحدى وسائل التواصل الاجتماعي على هاتفه، واكتفى برفع يده ملوحًا له، ليرد عليه مصطفى بضحكة:
"أنت لسه واخد بالك إني هنا؟"
حثته والدته بحنان بعد أن جلس في مقعده:
"يلا افطر يا حبيبي."
مصطفى بلامبالاة:
"ماليش نفس، سمر عايز فنجان قهوة من إيدك يهدي الصداع بتاع الطريق دا شوية."
هتفت سمر بتأفف متذمر:
"هو أنتم ما عندكوش غير سمر بتاعت القهوة يعني؟"
أكملت سمر بمرح بعد أن رمقتها والدتها بنظرة تعلمها جيدًا:
"بس عشانك بس هعملها يا أبيه وأمري لله."
مصطفى بسؤال:
"أومال بابا فين لسه نايم ولا إيه؟"
"لا دا صاحي من بدري وراح يجري شوية حسب تعليمات الدكتور."
فجأة غص معتز بالطعام، واهتز الهاتف في كفه، وسرعان ما قدمت له والدته كأسًا من العصير أمامها قائلة بخوف أمومي:
"اسم الله عليك يا حبيبي، خد اشرب."
سارع معتز بتجرع العصير بعد أن وضع الهاتف فوق الطاولة.
"إيه اللي حصلك؟"
أجاب معتز على والدته بصوت مختنق ممزوج بالتوتر:
"مممفيش أنا تمام."
نظرت إليه والدته باهتمام، وفسرت شحوبه المفاجئ أثر الغصة، قبل أن توبخه بنبرة ساخطة:
"بطل بص في الزفت دا وكل زي الناس، ما بيسيبش الموبايل حتى وهو بياكل."
أضافت والدته تشكي لمصطفى، الذي هز رأسه غير قادر على إيجاد حل للأمر، موضحًا ذلك بابتسامة جانبية:
"السوشيال ميديا دي بقى زي الهوا والميه بالنسبة للكل خلاص."
أضاف مصطفى بحيرة:
"بالحق ما كلمتيش سلمى وعرفتِ إيه حكاية أبريل وتليفونها ما بيجمعش ليه؟"
"لا أ..."
قاطع معتز الحديث بنظرة متوترة، قائلًا بخوف حذر:
"أبيه، في كلام مكتوب عنك وعنها مالي المواقع كلها."
سألت والدته بدهشة:
"كلام عن مين يا معتز؟"
اعتدل مصطفى في جلسته، وقال بأمر بينما يمد يده نحوه:
"هات دا وريني؟"
نظر مصطفى إلى شاشة الهاتف بوجه واجم، وضاقت عيناه بشكل خطير، ما جعل الآخرين يبتلعون لعابهم، وهم ينتظرون رد فعله التالي.
عند أبريل
انزلقت العبرات على خديها واحدة تلو الأخرى، فأغمضت عينيها بإحكام، وشعرت بضيق شديد يغمر رئتيها، فرفعت القناع فوق فمها ووضعت راحتيها على صدرها، ثم بدأت تستنشق الهواء بشكل متقطع، وقلبها ينبض مثل الطبول، وأحنت رأسها ووضعته بين كفيها، واستسلم عقلها لهواجسه، مما تسبب في تصاعد الذعر في خلاياها، لتتمتم معنفة نفسها بقسوة:
"أنتِ اللي عملتِ في نفسك كدا!! حطيتِ نفسك في موقف زي الزفت، كنتِ منتظرة تكون إيه النتيجة؟"
هل كان هناك سبيل آخر حتى تسلكه، فهي على وشك الزواج برجل تتمنى العديد من الفتيات أن تنال منه نظرة فقط، لكنه اختارها لتكون زوجته رغم فارق السن بينهما، وهذا جعلها سعيدة بحبه ورعايته لها، والاهتمام الذي يغدقها به، حتى اكتشفت قبل أيام قليلة من زفافها، سرًّا مهمًّا أضمره عنها عمدًا، لينقلب موقفها منه تمامًا، وفي الوقت الذي تمردت رافضة الزواج منه حتى لا تكرر ماضي والدتها، زوجة أبيها لم تهتم برفضها، بل حبستها لإجبارها على الموافقة رغمًا عنها، لتزعم هي على التملص من القيود والأقفال، وقررت الهروب وكتابة مصيرها بخط يدها، لكنهم كانوا وراءها بالمرصاد، فانزلقت في خدعة رسمتها الظروف، لكنها انغمست فيها إرادتها، وأنها الآن عليها مواجهة العواقب، فلم يعد هناك مجال للفرار بعد أن أصبح معلنًا للجميع.
انقطعت أفكارها ما أن سمعت طرقًا خافتًا على باب الغرفة، فرفعت رأسها، واتسعت عيناها بذهول، وفاضت بالدموع أكثر، وهي تلقي عليه نظرات فيروزية حادة في نفور واضح، لم يستغرب منه، بل أخذت رماديتيه تطوف كامل هيئتها الباكية دون تعبير مقروء على وجهه، وقبل أن يتمكن من الكلام، أنزلت أبريل القناع، وصاحت في وجهه بعدائية بائنة للأعمى:
"أنت إيه اللي دخلك هنا؟!"
رواية جوازة ابريل الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نورهان محسن
لا يوجد شخص يلائمك تمامًا، بل يوجد شخص تنازل من أجلك، لأنه يرغب بالبقاء معك، وهنا يبقى السؤال: هل سيستمر في التنازل للأبد؟ قريبًا جدًا سنرى!
***
عند ياسر
- إيه الأخبار؟!
سأل ياسر ببرود، وهم يسيرون نحو السيارة القريبة من المستشفى، فأجابت هالة بهدوء: الحمد لله كانت العملية ناجحة.
غمغم ياسر بلا مبالاة: تمام مبروك.
أخرج المفتاح من جيب بنطاله، وتابع مع إيماءة بعينه إلى السيارة: محتاج أتكلم معاكي، خلينا نقعد في العربية.
نظرت هالة إلى ساعة معصمها بتهرب، فلم تكن لديها رغبة في الحديث في هذا الوقت، هزت رأسها قائلة برفض هادئ: معلش يا ياسر، ممكن تأجل أي كلام، أنا بقالي أكثر من أربع ساعات واقفة على رجليا.
تغضن جبينه قائلاً باستياء: وأنا هنا عشانك من ساعتها، وفضلت مستنيكي ومروحتش، على الأقل قدّري ده.
رفرفت رموشها في ذهول، ورددت بصوتها الرقيق كلماته في محاولة فاشلة لتصديق ما قاله: أقدر! هو أنت بجد تقصد اللي بتقوله، أنت هنا... عشاني؟
فتح ياسر فمه عازمًا على الرد، لتتابع بطرح سؤال بغضب مكبوت ممزوج بالأسى: أنت من يوم ما اتعرفنا على بعض، إمتى كنت موجود عشاني؟!
- لما بيكون عندي مشكلة، أنت بتبقى فين؟!
ياسر مبررًا: هالة، أنا لو مقدرتش أجي بسرعة فأنا كنت...
أوقفت هالة سيل الأعذار التي تكاد تنهمر من شفتيه، وهي جردته من هذا السلاح الضعيف الذي كان يستخدمه درعًا لنفسه، متحدثة ببرود حاد: كنت تقدر تبعت صاحبتك مع حد من أهلك يوصلها في سكته... كان فيه مية خيار قدامك تحترم مشاعري بيه... بس للأسف أنت حتى مبتحاولش.
تجمدت الحروف على طرف لسانه، مخفضًا عينيه تجنبًا لنظراتها المعاتبة، مما جعل الشعور بالذنب يتزايد بداخله، خاصة بعد أن علم بمشاعر يارا تجاهه، لكن رغم إرادته وجد نفسه ينكر أقوال هالة قائلاً بنفي: أنتِ مش فاهمة ولا عارفة حاجة، أنا كنت...
واصلت هالة إكمال بقية الجملة بنبرة محتدة، واحتقان داخلي كان مخزونًا منذ فترة، وها هي الآن قد استنفدت كل محاولاتها للصبر عليه بسبب برودته، ليبدأ هذا الشعور المقيت يطفو على السطح: كنت مع صاحبتك بتوصليها وخطيبتك في مشكلة... تعرف الممرضات من لحظة ما دخلت المستشفى عملوا سيرتي لبانة بيسلوا بيها نفسهم لحد النهار ما يطلع.
هرب ياسر من نظراتها بعد أن عجز عن الدفاع عن نفسه، فأضافت بنبرة زاخرة بخيبة الأمل: وكل مرة هكون فيها بمشكلة أنت هتكون معاها، والنظام ده أنا مش هقبل بيه.
***
في نفس الوقت
عند باسم
أخذت رماديتيه تطوف كامل هيئتها الباكية دون تعبير مقروء على وجهه، وقبل أن يتمكن من الكلام، أنزلت أبريل القناع، وهي تراه يغلق الباب، فصاحت في وجهه بعدائية بائنة للأعمى: أنت إيه اللي دخلك هنا؟ اطلع برااااا؟!
كاد باسم أن يتحرك نحوها، لكنه جفل من صراخها الهجومي زعزع شجاعته لوهلة رغماً عنه، وقطب جبينه انزعاجًا يخشى أن يلاحظ أحد صوتها في الخارج.
أشار باسم لها بالصمت، وهو يتحدث سريعًا محاولًا طمأنتها: وطّي صوتك... أنا جاي أطمن عليكي وخارج على طول.
سقطت من عينيها دمعة ساخنة تشمل الكثير من الحزن، لكنها لم تسمح لها بالنزول على خدها الناعم، حيث امتدت أصابعها لتمسحها سريعًا، وهي تبتسم نصف ابتسامة ساخرة، وهمست بمرارة مشوبة بالاتهام: تطمن عليا ولا تشوفني إذا كنت موت ولا لسه؟
عبس باسم بشدة، يستوعب كلماتها قبل أن يصدح صوته الرجولي بشكل دفاعي، ممزوج بالغضب الذي سيطر عليه في لحظة: إيه الهبل ده... وإيه يخليني أتمنى موتك!
أنهى باسم حديثه، مندهشًا من تفكيرها، وسلط رماديتيه المستهجنة على فيروزيتها الدامعة، التي كانت تنظر إليه بسخرية مستاءة، ثم بخطوات واثقة، سار نحوها، ليسحب الكرسي، ويضعه قبالة السرير، ويجلس عليه، واضعًا ساقًا فوق الأخرى بعنفوان يليق به، ليتمتم بشفتين مزمومتين بغطرسة: تصدقي أنا غلطان عشان كنت خايف لا يجرالك حاجة!
استندت أبريل على الوسادة خلف ظهرها، ونظرت بحدة إلى ملابسه التي كان يرتديها الليلة السابقة، نفس القميص القرنفلي الداكن والبنطلون الرمادي دون سترة البدلة، وشعره منثور بطريقة عفوية وجذابة.
أسبلت أبريل جفونها بعد أن ضبطت نفسها تتأمله بشرود، لتعقد ذراعيها أمام صدرها، ومصححة له بنبرة متهكمة يشوبها التشفي: قصدك خايف علي نفسك... ماهو لو حصلي حاجة هتشرف في السجن.
حدقت أبريل به بقوة تخفي وراءها وهنًا عظيمًا يتفاقم بعنف داخلها، لأنها تجلس بمفردها معه، فأشارت إليه بإصبعها السبابة تهديدًا وتحذيرًا وأردفت: أوعى تفكر إن اللي عملته ده هسكت عنه وأعديهالك بالساهل... أنا هوديك في ستين داهية وهرفع عليك قضية وهفضحك وأخرب بيتك.
ابتسم باسم لها بجفاء ممزوج بالمكر، وعقد ذراعيه بنفس حركتها، وقال بصوت ضاحك: حقك تعملي كل اللي أنتِ عايزاه وتقولي أكثر من كده ومش هلومك أبدًا... ماشي تقدري ترفعي قضية عليا.
مال باسم إلى الأمام في مقعده بتحفز مفاجئ جعلها ترتد متوترة رغماً عنها، بينما هو واصل حديثه بهدوء، مرتديًا قناع الجدية والجمود: بس نصيحة مني دوري على محامي شاطر عشان هينفعك الفترة الجاية... لأني هرفع عليكي قضية تشهير بسبب الخبر اللي اتنشر عننا وهطلب منك تعويض كبير، يا تدفعي يا الحبس، وده حقي أنا كمان أدافع عن اسمي وسمعتي ولا إيه؟
نظرت إليه أبريل بشراسة ممزوجة بالانزعاج، لتقول بتلقائية:.....
***
بذات الوقت
عند عز
خرج عز بوجه حزين من غرفة منى، فنهضت دعاء بسرعة من مقعدها، واقتربت منه لتربت على كتفه بخفة، وتسأل بقلق: أنت كويس يا حبيبي؟
أومأ عز لها برأسه، ومسح وجهه بخفة، وأجاب بصوت منخفض: كويس كويس بس مرهق جداً.
دعاء بسؤال: هي لسه على حالها؟
- أيوه الممرضة قالت شوية وهتفوق بس هتخرج على بالليل عشان نزفت كتير ومحتاجة راحة.
مرر حدقتيه في المكان قبل أن يسألها: أومال فين عمي صلاح؟!
زمت دعاء شفتيها متظاهرة بعدم المعرفة، قائلة بلا مبالاة: معرفش... يمكن راح يشوف باسم فين؟
- صحيح نسيت أسألك يا ماما... هو عمي عرف منين وجه معاكي؟ استغربت لما شوفته آخر مرة كان مروح مع طنط وسام؟
أخفضت دعاء نظرها اضطرابًا، وأجابته بكذب، مختلقة قصة خيالية كالعادة: آآآ لا ما هو شكله رجع تاني على هنا بعد ما وصلوني... ولما صادفته وأنا طالعالك مخضوضة قلق قام طلع يجري ورايا من غير ما يفهم.
هز عز رأسه متفهمًا، ثم قال وهو يتنهد بعمق، محاولًا إخراج التوتر الذي يرتعش في كيانه: طيب أنا رايح الحسابات وجاي مش هتأخر عشان أهل منى قربوا زمانهم على وصول.
أومأت دعاء رأسها بالقبول، قبل أن تراه يغادر بخطوات هادئة.
***
في منزل مصطفى
أخفضت سمر جفونها بتوتر إلى المكان المتناثر به زجاج فنجان القهوة المكسور الذي حطمه شقيقها من فرط استهجانه.
عقدت سمر حاجبيها بجزع من صوت أخيها الهادر بالشتائم والألفاظ النابية القادمة من الحديقة.
حدقت في الخادمة التي كانت تنظف بارتعاب، ووقفت مضطربة تنتظرها لتعطيها أوامر أخرى، فهزت سمر رأسها لها بلا مبالاة قائلة بصوت خافت:
"ثانكيو ماريا."
غادرت الخادمة مسرعة، وتقدمت سمر نحو توأمها لتجلس بجانبه، وقلبها متقلقل من غضب أخيها الأكبر.
أما مصطفى فقد أمضى الدقائق القليلة الماضية يتحرك ذهابًا وإيابًا في حديقة المنزل، بملامحه مكفهرة من شدة غضبه وهو يمسك هاتفه، ويجري اتصالات هاتفية في محاولة للوصول إلى مصدر هذه الأخبار التي تملأ الصحف والمواقع الإلكترونية، لكن الإجابات موحدة، ولا أحد يعرف من يقف وراء هذا الهراء الذي أثار هذه الضجة الكبيرة، والتي أثرت بالسلب على أسهم شركاته، فتراجعت بشكل ملحوظ صباح اليوم.
ظل عقله يدور في دوامات حلزونية من التفكير الزائد، مما جعله يشعر بأنه على حافة الجنون من الغضب من السخونة التي تسيطر على رأسه، وضع قبضته أسفل ذقنه، فلابد أن أحد المنافسين قام بفبركة هذه القصة البشعة من أجل تدمير سمعته، لكن ما ذنبها أن يقترن اسمها بمثل هذه الفضيحة الدنيئة؟
تحرك ذهابًا وإيابًا باضطراب، وتوالت الأسئلة في عقله، فهل وصلها الخبر وعلمت بزواجه؟ لهذا السبب لم ترغب في التحدث معه لمدة يومين!!
زأر مصطفى بحنق بالغ، وهو يشعر بالعجز أمام نفسه، تزامناً مع خروج أمه من الشرفة، لتقترب منه وهي ترنو بصوت هادئ:
"يا حبيبي اهدأ، أكيد الموضوع فيه حاجة غلط وهتتحل."
رد مصطفى بصوت خشن مشحون بالانفعال، بعد أن التفت إليها وعيناه محتقنة، والعروق في جبهته ويديه ظاهرة من شدة سخطه:
"مش ههدأ إلا لما أعرف جابوا الكلام دا منين وازاي ينشروا كلام وسخ زي دا.. أبريل إيه علاقتها بابن الشندويلي من الأساس؟"
أنهى مصطفى جملته بتشوش تام، حيث كاد أن يفقد صوابه، ليتخطى والدته وتوجه إلى الداخل:
"مصطفى رايح فين؟ استنى يا بني.. بس اقعد طيب عشان نفهم."
أشرق العزم القاسي في سواديتيه كالليل الحالك، وهو يتوعد إلى مرتكب هذه المؤامرة بشدة في داخله قبل أن يقرن أفكاره مع حديثه، مزمجرًا بصوت يثور من الغضب:
"نفهم إيه!! أنا هطربق الدنيا فوق دماغ كل اللي مسؤولين عن الأخبار المقرفة دي."
ربتت على كتفه بحنان، محاولة حثه على التعقل والصبر:
"هو أكيد الموضوع فيه سوء تفاهم أو يمكن ناس عايزين يعملولك شوشرة يا بني."
نظر مصطفى إليها مصطفى بذهول وقال بسؤال:
"قصدك مين يا ماما؟"
رفعت الأم كتفيها مشيرة إلى أنها لم تكن متأكدة من ستقول، لكنها قالت ما قادها إليه مشاعرها:
"أنا مش عايزة أظلم بس الله أعلم يمكن تبقى حنين."
رأت ملامحه تتغير فورًا، وهو ينفي بالإنكار التام:
"لا لا مستحيل حنين تعمل عملة زي دي."
عارضت والدته كلامه، مذهولة من موقفه غير المفهوم:
"وليه مستحيل؟! وأنت إيه مخليك واثق كدا إنها مش هي اللي ورا العملة دي يا مصطفى؟! يا بني أنت ما تعرفش الستات في غيرتهم ممكن يعملوا إيه ويطلع منهم إيه."
قال معتز ساخرًا بتنهيدة:
"أمك في التسخين إيه لوز اللوز وشكلها كدا هتقوم القيامة النهاردة."
أشارت له سمر، تحثه على الصمت:
"هش... لو سمعوك هيمسكوا فيك أنت."
لوح معتز بيده دون اهتمام، وقال ببرود ينهض صاعدًا غرفته:
"لا وعلى إيه أنا رايح على أوضتي."
همهمت سمر بفم ملتوي، وهي لا تزال تتابع ما يحدث بهدوء:
"يكون أحسن."
تحرك مصطفى نحو باب المنزل، فنادته الأم قائلة بضيق وأسف:
"يا مصطفى رايح فين يا بني دا أنت ما لحقتش تاخد نفسك من السفر."
دخل الأب من الباب، وهو يستمع إلى صوت مصطفى الصارخ غاضبًا، ليتساءل في ذهول:
"إيه في إيه حصل إيه يا مصطفى؟"
قبل مصطفى رأس والده بخفة، ثم هتف بسرعة، وعيناه ممتلئتان بالعزم:
"ما فيش وقت.. معلش يا بابا ماما هتبقى تحكيلك.. بس أنا مش هقدر أقعد هروح لأبريل وأفهم إيه اللي حصل في غيابي وأعرف مين مطلع علينا الكلام الزفت دا..!!!"
***
في هذا الوقت
عند أبريل
اتسعت عيناها مفاجأة، ثم استبدلت نظراتها المندهشة بنظرات شرسة ممزوجة بالانزعاج، وتحدثت بتلقائية لعدم تصديقها لوقاحته:
"يا بجاحتك يا أخي.. أنت كمان جاي تهددني بعد ما كنت هموت في إيدك بسبب تحرشك بيا.. اطلع برا.. اطلع بكرامتك مش طايقة أشوفك."
أشارت بإصبعها نحو الباب، فهز باسم رأسه لها بالنفي، قائلًا بهدوء واستفزاز:
"أنا شايف إنك تتعودي تشوفيني من هنا ورايح دا هيسهل عليكي حاجات كتير الفترة الجاية.. ولو مش عايزة أنا مش طالع واعملي اللي أنتِ عايزة.. خلي أهلك يكتشفوا كل حاجة."
رمقته أبريل من أعلى إلى أسفل بنظرات ازدراء واضحة، وهي تبتلع غصة ألم في حلقها، بعد أن شعرت أنها ستنخرط مرة أخرى في نوبة بكاء، لكن آخر شيء أرادت حدوثه هو أن تعري انكسارها أمام هذا العابث، لذا بشراسة قامت بصب جام وجعها عليه بتهور، وهي تتكلم بين أسنانها بقهر مرير:
"خليهم يكتشفوا ما خلاص اتفضحت ومستقبلي اللي كنت بحاول أبني عمري كله بقى كوم تراب في لحظة واحدة بسبب واحد حقير ومنحط زيك."
للحظات أحست ببهجة النصر، وهي ترى العبوس ارتسم على ملامحه، وقد نجحت في إزالة ابتسامته الاستفزازية من وجهه الوسيم.
أضاءت عيناه الرماديتان بنظرة شرسة جراء إهانتها لكبريائه، لماذا تقذفه بهذه الاتهامات المسمومة، وتحمله مسؤولية ما حدث، الخطأ الذي ارتكبه ما هو إلا رد فعل على ما اقترفته في المقام الأول، عند هذا الحد من التفكير الثائر، هب واقفًا من مقعده فجأة كالذئب المفترس، وفي أقل من ثانية كان يواجهها ممسكًا بذراعيها بقوة ألمتها، وملامحها تتقلص في ذعر مفاجئ، ليهسهس بنفاذ صبر بعد أن فقد آخر ذرة عقل كان يتمسك بها أمام تلك المتمردة:
"المنحط دا هو الوحيد دلوقتي اللي يقدر يخرجك من الورطة اللي اتورطنا فيها كلنا.. بعد المصايب اللي حصلت من ورا كدبتك يا هانم."
تضاعفت انتفاضة جسدها أكثر بين يديه، وغامت عيناها بالدموع من جديد، لتنهمر بلا إرادة على خديها قبل أن تصرخ في انهيار شديد، وهي تحاول أن تدفعه بعيدًا عنها:
"ابعد عني أنت اتجننت ما تقربليش كدا.. اخرج برا قبل ما أصرخ وأعمل ليك وليا فضيحة جديدة و.."
سارع باسم بوضع كفه فوق فمها، قاطعًا بقية تهديداتها الشرسة، وبغتة تحولت نظرته الحادة إلى نظرة أخرى مختلفة، وبقلب مستهام حدق في عينيها المتسعة، وكأنها ألقت عليه تعويذة سحرية، جعلته يقربها منه كما يجذب المغناطيس قطعة معدنية نحوه، ويميل بوجهه حتى صفعت أنفاسها الساخنة وجهه، فاجتاحه شعور غريب لم يكن لديه الوقت الكافي لاكتشافه، قائلًا بصوت خرج رخيمًا لا إراديًا، وعيناه الرماديتان مثبتة في عينيها الفيروزيتين بنظرات عميقة تسببت في ارتعاشات متوترة في جسدها:
"ما قبلتكيش إلا كام مرة.. وكلهم كانوا مواقف ملخبطة وسخيفة ورغم إن كل مرة كان نفسي بجد أقص لسانك فيهم.. بس مش عاجبني دلوقتي بصتك ليا اللي كلها خوف دي.."
ابتلعت أبريل لعابها باضطراب، وهي تنظر إليه بعينين مهتزتين وحاجبين مقعدتين، دليل على عدم رضاها عن كلامه وقربه المربك منها، لكنه شوش عقلها بحديثه، فهدأت شهقاتها تدريجيًا.
تابع باسم، وعلامات الجدية بدت على وجهه، مؤكدًا كلامه السابق:
"والله ما باتريق دا بجد.. نظراتك ليا اللي كلها تحدي وتمرد هي بس اللي عايز أشوفهم."
***
عند أحمد
كان أحمد جالسًا في القطار السريع ينتظر وصوله إلى القاهرة بفارغ الصبر، لقد سئم الانتظار والتفكير فيما حدث لأبريل.
صرف الأفكار السلبية عن عقله المنهك، وهو يتصفح أحد التطبيقات على الهاتف دون اهتمام.
ضاقت عيناه قليلًا، حالما لفت انتباهه شيء ما، متوقفًا عنده متحققا مما رآه جيدًا، إذ تظهر إحدى صورها على العديد من المواقع الإلكترونية، فأخذ بإعادة قراءة المقالات أكثر من مرة حتى تأكد مما فهمه جيدًا.
جحظت عيناه بهلع، وتجمد جسده كأن أحدهم سكب فوق رأسه دلو ماء بارد في شتاء قارص من قوة الصدمة عليه، كما لو أنه انفصل بوحشية عن العالم من حوله.
خلال ذلك الوقت
عند هالة
سأل ياسر بسأم، وعلامات الامتعاض تعلو وجهه:
"أنتِ ليه مكبرة الحكاية كدا؟ دا كان مجرد ظرف اتحطيت فيه!"
صمت ياسر للحظة، وهو يتنفس بغضب، بينما كانوا يتبادلون النظرات، قبل أن تظهر ابتسامة ساخرة على فمه اقترنت بكلماته التالية مصحوبة بالبرود والازدراء:
"اللي بجد ما كانش يصح هو الاستهتار والاستخفاف منك ومن أهلك ليلة إمبارح. حفلة خطوبتنا باظت بسبب واحدة ما نعرفهاش وكمان فضايحها النهارده مالية المواقع."
عقدت هالة حاجبيها باستغراب مما سمعته، وتساءلت بعدم فهم:
"فضايح إيه اللي بتتكلم عنها أنت؟ مش فاهمة حاجة من اللي بتقوله؟"
مد يده إليها بالهاتف الذي أخرجه من جيب بنطاله الخلفي، قائلًا بنبرة بطيئة جامدة:
"خدي اقرأي وهتفهمي يا دكتورة."
***
عند باسم
رفع باسم يده عازمًا على دفع خصلة شاردة على جبهتها خلف أذنها، لكن قبل أن تصل أصابعه إليها، دفعتها بحدة بعد أن استيقظت من تشتتها بنظراته المربكة، لتهتف بنفس الصوت المبحوح:
"ما تلمسنيش، وقلتلك اخرج بره، أنت ما تسمعش؟"
أفاق باسم أيضًا من غيبوبته المؤقتة، وهو يرتد إلى الوراء بارتباك محملقًا في وجهها الذي يكاد ينفجر من الحرارة والخجل، وهي تزحف إلى الخلف بتوجس، وأخذ صدرها يرتفع ويهبط من انفعالها، وتنفسها يرتجف، مما جعله يأخذ بسرعة كوب الماء الذي تم وضعه بجوار السرير، وسلمها إياه قبل أن يشير بيده لتهدأ، وهو يحاول طمأنتها قائلًا بقلق وحذر:
"خلاص خلاص مش هآجي جنبك. بس بما أن بقى عندي علم باللي بيحصل حواليكي محتاجين نتكلم."
تناولت إبريل منه الكأس بتردد، تستشعر نبضها بأطراف أصابعها دون هوادة دون أن تدري أن من الآن دقت طبول المعمعة قلبها، وهو لم ينتظر ردها، بل جلس أمامها مرة أخرى بعد أن مسح شعره بحركة مضطربة، ونظر إليها بإصرار.
أشاحت إبريل ببصرها بعيدًا، وهي تزفر بيأس، قبل أن تشرب كوب الماء ببطء، وهي تتكئ على الوسادة باستسلام إجباري، بعد أن ارتخت ملامحها، فمن الواضح أنها مهما عبرت عن الغضب والرفض، تحتج على سماع شيء منه، فهو لن يصغي إليها.
***
عند دعاء
أغلقت دعاء باب الغرفة بهدوء، ثم اتجهت نحو السرير الذي كانت منى مستلقية عليه، والتي لا تعلم شيئًا عما يدور حولها.
جلست دعاء على الكرسي بجانب سريرها، تنظر إليها، وتجمعت العبرات في عينيها، وقلبها يتألمها من الحسرة والندم على ما كانت تخطط له من أجل تزويج ابنها من امرأة أخرى، هي التي جعلتها تستمع إليها، وكانت تعلم جيدًا أن ما هي عليه الآن صنعته بيدها في المقام الأول، وها هي أضافت سابقة جديدة بجانب السوابق الماضية بهذا الفعل الشنيع.
كيف يمكن أن تكون أمًا صالحة، وهي ترتكب جرائم إنسانية بحق كل عزيز عليها؟
ابتسمت دعاء وسط دموعها بحزن ومرارة، وهي تكلم نفسها قائلة بنبرة باكية:
"أذيتي نفسك يا دعاء وكل اللي حواليكي اتأذوا منك حتى حياة ابنك خربتيها. خليتيه هو يدفع ثمن أنانيتك بس ليه بتعيطي ومش مبسوطة ليه؟!"
زادت الانقباض في صدرها من الضيق، والشعور بالذنب يمزق قلبها، وشعور مرعب يسيطر على كيانها، وكأن الكون ينهار من حولها، ولا تستطيع فعل أي شيء لمنع هذا الانهيار، وهمست بحزن:
"يا ريتك تسامحيني يا منى، بس إزاي هتسامحيني وأنا مش قادرة أسامح نفسي. ويا ريتني قادرة أطلب منك تغفريلي، بس أنا أجبن من إني أقول إني غلطانة. أنا اللي وصلتك للي أنتِ فيه وخسرتي ابنك مع أنك تستاهليه. أنا اللي ما أستاهلش أبقى أم. أنا أحقر أم في الدنيا وما أستاهلش حب ابني ليا."
ارتفعت شهقاتها الممزقة، لتتردد صداها في أرجاء الغرفة قبل أن تقطع كلامها، تزامنًا مع شهقة عنيفة أطلقتها، حالما فوجئت بشخص ما فتح باب الغرفة من خلفها.
رواية جوازة ابريل الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نورهان محسن
الفصل التاسع (كبرياء يقدح) ج2
أنه لا يشبه الطمأنينة بعد دهر من الخوف،
ولا هو شيئًا مألوفًا للقلب، بالطريقة المذهلة التي ظننته.
القلب معنا مظلوم، يقتله الانتظار وسوء الفهم والصمت واللامبالاة، فلا تترك شيئًا في قلبك لأحد، كن صادقًا معه بشأن ما تشعر به، اسأله وألومه هذا حقك، إذا كان لا يهتم لأمرك، اتركه بسلام وارحل، وعندما يستيقظ ولا يجدك بجانبه، سوف يندم على فراقك، ولكن المغزى من كل هذا هو علمك أنك تستطيع العيش بدونه، حين يفهم ذلك، فأن الأوان قد يكون فات، وندمه لن يحيي ما مات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند دعاء
التفتت دعاء نحو الباب، فوجدت أم منى تتوجه نحوها بقسمات يغلب عليها الخوف، وعيناها مرتكزة على منى التي كانت مستلقية على السرير شاحبة الملامح بعد إجراء العملية لها، فهتفت بلهفة:
دعاء!! بنتي مالها فيها ايه؟
تنفست دعاء الصعداء عندما أدركت أنها لم تنتبه لما كانت تقوله لمنى للتو، بينما تابعت والدة منى بعتاب:
ينفع كدا يا دعاء يرضيكي مني تبقي في المستشفي من الفجر وعز متعرفنيش الا دلوقتي
أنهت كلماتها بأنفاس متسارعة وهي تضغط براحة يدها على صدرها، لذا سرعان ما اتجهت دعاء إليها وأسندتها من ذراعها، قائلة بهدوء نسبي:
علي مهلك خدي نفسك بس .. وماتخافيش هي كويسة الدكاترة طمنونا .. واهي قدامك بدأ تأثير البنج يروح وهتفوق بس نبهنا الدكتور ان غلط عليها الاجهاد والانفعال يا سوسن امسكي نفسك
نظرت إليها بدموع، وقالت بصوت منخفض مملوء بالأسى والحزن:
قالولي وانا داخلة ان الطفل مات مش كدا .. يا حبيبتي يا بنتي مالحقتش حتي تفرح بالخبر بعد كل الوقت دا يوم مايجي تخسره قلبي حرقني عليها اوي
تقلصت ملامحها بالبكاء، هامسة بتحشرج يفوح منه الندم:
امسكي نفسك يا سوسن انتي ست مؤمنة .. الحمدلله انها بخير وربنا قادر يعوضهم يا سوسن يلا خلينا نكلم برا احسن
هزت سوسن رأسها بالموافقة، وهي تجر قدميها لخارج الغرفة بخطوات بطيئة بسبب صدمتها.
❄-❄-❄
في نفس الوقت داخل منزل فهمي الهادي
صاحت سلمى مناشدة، وهي تنزل الدرج الرخامي، بينما تنظر إلى ساعة معصمها التي تشير إلى العاشرة صباحًا:
تقي انتي يا بنتي
جاءت تقي مسرعة إليها من المطبخ، لترد مبتسمة بأنفاس متلاحقة:
نعم يا ست سلمي
وبّختها سلمى، وهي تتجه إلى طاولة الطعام التي أعدتها تقى قبل دقائق:
يا ام مخ طخين مية مرة اقولك ماتقوليش ست تقوليلي مدام سلمي
كانت تقى تسير خلفها، مقلدة إياها بطريقة سيرها بمرح قبل أن تجيبها مشددة على الكلمات محاولة كتم ضحكتها:
اوامر حضرتك .. يا .. مدام .. سلمي .. كويس كدا
استدارت إليها فجأة بنظرة رادعة، مما جعل تقى تجفل، وتتسمر في مكانها، لتخفض رأسها باحترام خائف، بينما تخاطبها سلمى بنبرة آمرة:
اسمعي ابريل راجعة من المستشفي انهاردة .. حضريلها اوضة الضيوف اللي تحت وانقلي جهاز فلتر بتاعها هناك لازم تتنفس هوا نضيف دايما ..
_حاضر فوريرة
أشرقت ابتسامة تقى، وأضاءت وجهها بالمحبة الصادقة والسعادة لسلامتها، وعلى الفور أومأت برأسها عدة مرات متتالية، هاتفة بحماس عفوي، لم تستغربه سلمى التي هزت رأسها بقلة حيلة، لعلمها بمحبة الاثنين لبعضهما.
همت تقي بالتحرك، لكن استوقفها مواصلة سلمى بالحديث محذرة إياها:
بت يا تقي .. ابريل ماتطلعش اوضتها خالص لحد ما تتهوي كويس وتروح منها ريحة الدخان .. والله يسامحها علي اللي عملته
قالت جملتها الأخيرة مع تنهيدة مستسلمة، فأطرقت تقى رأسها نحو الأسفل، وتمتمت بهمس مضحك مليء بالاستياء:
ماهي معملتش كدا من فراغ يا اهل قريش
تساءلت سلمى التي كانت منشغلة قليلًا بالنظر إلى محتويات الطاولة، قبل أن تستمع إلى همهمة غير مفهومة من خلفها فتدير وجهها نحوها باستياء:
بتبرطمي بتقولي ايه؟!
هندمت تقى حجابها بتوتر، ورسمت ابتسامة بلهاء على وجهها، لتجيبها بالكذب ممزوج بالقلق:
في قراقيش عملتها بإيدي ولسه سخنة اجيب منها لحضرتك مع الشاي؟!
برقت عينا سلمى باشتهَاء، وكادت تجيب بالموافقة، لكنها تذكرت الحماية الغذائية الخاصة بها فقالت بتبرم:
لا مش عايزة .. روحي علي شغلك
تقى بابتسامة مرحة:
تمام يا مدام سلمي .. حلو كدا!!
تأففت سلمى بضجر من تلك المشاكسة الصغيرة، وأشارت لها بالمغادرة متمتمة بتذمر:
والله معرفش مين اللي شغال عند التاني في البيت دا هتجننوني خلاص
غادرت تقي بخطوات مهرولة، لكن قبل أن تدخل المطبخ، شعرت بالهاتف يهتز في جيب تنورتها، وتبادر إلى ذهنها خطيبها حسن، مما جعلها تلقي نظرة سريعة على والدتها في المطبخ قبل أن تسحبه من جيبها.
نظرت تقى إلى الشاشة، وعقدت حاجبيها متعجبة من رؤية هذا الرقم الغريب، فقررت أن تتلقى المكالمة بسرعة قبل أن تلاحظها والدتها:
السلام عليكم .. مين معايا؟
أتاها من الطرف الآخر صوت رجولي واثق أجش:
وعليكم السلام .. انا احمد ابن خال ابريل
❄-❄-❄
في مكان ما داخل مدينة دبي
_داغر باشا
قالها أحد الحراس باحترام، وهو يسير بخطوات متوازنة في أرض خضراء واسعة.
استدار نحو مصدر الصوت، رجل بملامح حنطية تتصف بالجاذبية والرجولة الطاغية، يحمل مضرب الغولف ويرتدي ملابس رياضية بيضاء تبرز جسده العضلي الطويل، ذو لحية خفيفة تخطف أنفاسه، ليحدق في الحارس بعيون عسلية بها لمحة لا بأس بها من الخضار تتميز بنظراتها الحادة التي تبث الخوف في من يتطلع بهم، ليقف على بعد خطوتين منه، وهو يمد يده إلى سيده بالهاتف، فأشار إليه داغر بطرف عينه ففهم الآخر الإشارة، فأعطاه سماعة سوداء ليضعها خلف أذنه، ثم جعل الحارس يغادر على الفور بحركة من يده.
_ها ايه اخر الاخبار ابن الشندويلي زمانه بيلف حوالين نفسه مش كدا؟؟!
قالها مستفسرًا، بصوت ثقيل خطير، ممزوج بالسخرية والشماتة، وعلى وجهه ابتسامة جانبية.
أتاه الرد بصوت رجولي شديد الثقة:
تعليمات سعادتك اتنفذت بالحرف يا باشا ومحدش في البلد الا وشاف وسمع عن الفضيحة
_اه .. وايه كمان؟
تمتم بها داغر، مثبتًا عينيه الثاقبتين على الحفرة الضيقة التي على بعد أمتار قليلة منه، بينما الرجل يستكمل حديثه بجدية:
بلغنا الصبح وصول مصطفي التربلسي من السفر واللي منتظره زمانه بيحصل دلوقتي ومحدش هيقدر يعرف مين ورا الشوشرة دي
_كمان شركة الشندويلي والترابلسي كل ساعة بتمر اسهمهم نازلة واحنا متقدمين عنهم كتير
استمع إليه بتركيز شديد، وكانت الريح تلعب بشعره الأسود، وهو يضرب الكرة بالعصا بمهارة، وتدحرجت بسرعة إلى الحفرة، فاتسعت على فمه ابتسامة منتشية انتصارًا، تحولت إلى ضحكة رجولية جذابة ترددت صداها في الملعب قبل أن يهمس بأسف ساخر:
العروسة شكلها قدمها نحس علي الاتنين..
تغيرت لهجته إلى نبرة جدية آمرة، مما يدل على قوة الشخصية المسيطرة والشرسة التي يتميز بها هذا الرجل الخطير:
اسمع تفضل متابع كل تحركاتهم .. عايز كل معلومة صغيرة وتفصيلة عن حياة اصغر واحد لأكبر واحد كل حاجة سامعني!!
لم ينتظر رده، بل تابع محذرًا إياه بقسوة:
ومش محتاج افكرك مش عايز اي مجال للغلط وترجعلي في كل تصرف .. مفهوم كلامي يا عزام
نطق عزام بطاعة آلية:
مفهوم سعادتك
خاطب داغر نفسه بنبرة ماكرة مشحونة بالتوعد، وهو يضع مضرب الغولف على كتفه:
دا مجرد تسخين يا ابن الشندويلي ..
لسه مابدأتش معاك الماتش.
خفض نظره إلى الهاتف، وأضاء خلفية الشاشة ليكشف عن صورة، فأخذ يتمعن النظر إليها عن كثب، ولمعت عيناه بشوق شديد بزغ في صوته الهامس بثقة:
هانت، كلها فترة بسيطة وهنبقى مع بعض، ومفيش قوة هتبعدني عنك، ولا حد هيخرجك من حضني.
- - -
عند هالة
مد يده إليها بالهاتف الذي أخرجه من جيب بنطاله الخلفي، قائلًا بنبرة بطيئة جامدة:
خدي اقرأي وهتفهمي يا دكتورة.
قرأت هالة الخبر بعينين متسعتين من الصدمة، وهي تضع أطراف أصابعها على ثغرها، وسرعان ما رفعت رأسها من الهاتف لتنظر إلى ياسر بتساؤل واستنكار:
إيه العك دا؟!
رفع ياسر منكبيه في إشارة إلى افتقاره إلى المعرفة، بينما التقط الهاتف منها بهدوء، وتحدث ببرود:
والله اسألي أخوكي.
هزت هالة رأسها بالنفي، عاقدة ساعديها أمام صدرها، متكلمة بعدم تصديق:
الحكاية مش زي ما هي مكتوبة.. قطعًا الكلام دا متفبرك!
ارتفع جانب فمه بابتسامة تنضح بالاستهزاء من ثقتها في الحديث بدون دليل، بينما ضيقت عينيها وهي تفكر في كلامه عن أخيها وأبريل، وتابعت باستفسار مفعم بالريبة:
وانت كنت تقصد إيه باستخفاف واستهتار مننا! أيًا كان المكتوب عنهم.. بس اللي حصل ليلة إمبارح دا ما كانش بإيد حد.. يعني كنا نسيبها تموت مثلًا ولا إيه؟!
ألقت سؤالها بدهشة شديدة منه، فأومأ إليها بالسلب، وابتسم بعصبية، ثم صاح بسخرية مليئة بالتوبيخ:
لا إزاي! إنما ما جاش على بالك شكلي هيبقى إيه قدام أهلي وحفلة خطوبتنا بتبوظ بالمنظر دا؟!
كان السخط واضحًا في صوته، فواصل حديثه مشيرًا نحو نفسه، يليه إلى الهاتف بسبابته:
وأنا أبررلهم بإيه الكلام المكتوب عن أخوكي دا.. ومش أول مرة تطلع عليه إشاعات وفضايح.
رفعت هالة حاجبيها مع تعبير يملأه التعجب من إهانته الصريحة لأخيها، فزمت شفتيها لتكبح لسانها من الرد القاسي الذي كاد أن يفلت منها على هذا الحشو الفارغ الذي يتفوه به، مستفسرة بنفاذ صبر:
انت عايز توصل بإيه بالكلام دا؟! وليه متعصب عليا كل العصبية دي؟
رد ياسر عليها بصوت حاد:
لأن بسبب أخوكي بقيت محطوط في موقف سخيف قدام أهلي.
صمتت لثوانٍ معدودة، ولم تنكر أنها شعرت بالحزن، وهناك نغزة ألم استهدفت قلبها من جملته، فوجهت له سؤالًا بترقب ممتزج بالجمود:
وأخويا إيه دخله باللي بيني وبينك؟!
شعرت هالة بغصة مريرة تتشكل في حلقها وهي تنطق بهذه العبارة، حيث طرأ في ذهنها سؤال زاد من الألم في قلبها، فهل أعاد النظر في خطوبتهما ويريد الآن الانفصال عنها بحجة هذه الكلمات المنشورة عن شقيقها؟
الطريقة التي يتحدث بها أوحت لها بأنه يرغب فقط أن يلقي اللوم عليها، ومن الواضح أنه نسي فعلته الأصلية في حقها، لذا يجب عليها تذكيره، وما الفائدة من تأجيل ما تنوي قوله له، عليها حسم هذا الأمر حتى يعرف كلاهما على أي أرض يرتكزان؟
لم تمنحه فرصة للرد، إذ رفعت أنفها بكبرياء، والتأمت عيناها الزرقاوان الداكنتان بغضب بارد، وأخذت نفسًا عميقًا ثم تابعت بنبرة جادة:
إذا في حد كان عنده استهتار واستخفاف بالتاني فهو انت يا دكتور.
- - -
في المستشفى
داخل غرفة أبريل
أفرج سراح جفنيه بتثاقل، بعد أن كان مغمضًا عينيه للحظات، يستعيد رباطة جأشه ليواصل الحديث بصبر مع هذه الشخصية العنيدة وصعبة المراس، ليسخر من الوضع المقلوب تمامًا، حيث كان عليها أن تكون مكانه الآن، وتطلب منه الصفح عما فعلته، وتوريطه في خدعتها السخيفة، ولكن كيف سيحتال على ذاته؟ إذا كانت هي التي وضعت حجر الأساس لهذه الكذبة؟ فهو من بنى قصة مزيفة وجعل منهما أبطالها ولهذا السبب يطلقون عليه ملك الأكاذيب، لكن ترى متى ستسدل ستار النهاية لهذه المسرحية حقًا لا يعلم.
تطلع باسم إليها، وهو يزفر بهدوء قبل أن يسألها بترقب:
حاسة إنك هديتي شوية وقادرة تكلمي؟
نظرت أبريل إليه بحاجب مرفوع، لترد على سؤاله بسؤال، بصوتها الهامس مبحوح:
هقول إيه؟ ما عنديش حاجة أقولها؟
قالت أبريل العبارة الأخيرة بإيجاز مقتضب، بينما تبعد نظرها الحاد عنه، فسحب نفسًا عميقًا، ثم خاطبها بصوت لين، مليئًا بالحذر:
طيب خليني أتكلم أنا واسمعيني.. بس من غير انفعال.
تململت أبريل بتوتر على السرير دون أن تجيب، وتطلعت أمامها بتعبيرات واجمة فهم منها أنها لا تحبذ فتح أي نقاش معه.
برم باسم فمه، وهو يفرك ذقنه بارتباك وحيرة من صمتها، شاردًا بأفكاره في حركاتها الجافة التي تقصد استفزازه بها، أو بالأحرى أنها كانت تثير ضجره حتى ينصرف، لكن هذا الأمر مستبعد في الوقت الحاضر، لذلك فضل التحلي بالصبر عليها، فإن الشدة لا تنفع في كل حال، ليسحب نفسًا عميقًا، ثم زفره على مهل، وهو يقول بصوت دافئ:
خلاص لو مش قادرة مش هضغط عليكي.. أنا مقدر الحالة اللي انتي فيها ومش عايز أتعبك أكتر.
قوست أبريل فمها ساخرة:
لا إنسان بصحيح.
تبخر صبره أدراج الريح مع استمرارها المميت لاستفزازه، إذ اعتدل في جلسته بانفعال، وضيق مقلتيه بحدة جذابة، وهو يهتف بها متذمرًا:
هو انتي يا تتخانقي وتصرخي في وشي يا تقلبيها تريقة.
أدارت أبريل وجهها بعيدًا بتوتر حتى لا تأتي حدقتيها المهتزة في عينيه المثبتة عليها، متجاهلة عن عمد نبرة الغضب في صوته، مما جعله يقفز من مقعده، ويتقدم في لمح البصر، ليجلس قبالتها على السرير.
تراجعت أبريل بجسدها إلى الخلف في انزعاج، وعدم ارتياح مما فعله، لكنه لم يبالِ، إذ رفع وجهها إليه رغماً عنها بوضع إصبعه السبابة تحت ذقنها، ليثبت نظراته على عينيها الواسعتين بريبة من جرأته.
ارتخت ملامحه الحادة قليلًا، وسرعان ما أنزل يده ووضعها على السرير وأكمل حديثه بصوت حازم وجدي:
انتي بإرادتك اللي شركتيني في حياتك وبقيت متورط زي زيك.. لحد إمبارح كان ارتباطنا خبر فني ارتباط مخرج معروف بمهندسة.. لكن الحكاية وسعت وأخذت أكبر من حجمها.. والأخبار اللي اتسربت دي أكيد من حد قاصد يشوه سمعتنا ويأذينا مش أنا بس بالتحديد وكمان اللي كنتي مخطوبة له.
كشف باسم عن أفكاره بإريحية وصوت عالٍ، فذهلت أبريل مما يقوله، ولم تستطع التظاهر بالجمود أمامه، إذ رفرفت برموشها تباعًا في دهشة، وأجابت بعدم استيعاب:
انت عايز تقول إن ممكن حد عايز يأذي مصطفى في شغله وهو اللي استغل الأخبار دي عشان يدمر سمعته؟
قوس باسم شفتيه إلى الأسفل، مغمغمًا بتفكير:
ممكن، كل شيء جايز؟
هزت أبريل رأسها بعدم اقتناع لتحليله اللحظي، وهي تخبره باعتراضها:
بس.. إزاي! ما حدش كان عارف حاجة عن خطوبتي منه غير أهلي وأهله وناس تانية قليلة جدًا ومراته.
تلعثمت أبريل في نطق الكلمة الأخيرة بصدمة، وهي في وسط أفكارها المتضاربة مالت بجسدها نحوه أكثر، كزهرة عباد الشمس، حينما تميل بعودها نحو ضوء الشمس، محدقة به بعينيها الفيروزيتين المذهولتين اللتين تشبهان عيون القطط، ولم تكن منتبهة إلى كف يدها التي وضعتها بعفوية فوق يده على السرير دون سابق إنذار، مما أدى إلى تصلبه كالتمثال في مكانه جراء إحساسه بملمس بشرتها الناعمة.
- - -
في صالة الانتظار بالمستشفى
وجهت سوسن حديثها إلى عز ودعاء بصوت منفعل من فرط قلقها على ابنتها:
لا أنا مش فاهمة حاجة ولا دا كلام يدخل العقل.. يعني إيه حاولت الانتحار وهي حامل يا عز.. ليه تنتحر ليه ما تفهموني يا جماعة قبل ما أجن؟!
أنهت سوسن كلامها، وهي تربت على قدميها بجزع ونفاذ صبر، بينما مرر عز يده في شعره، وهو يشعر بالاضطراب الشديد من كثرة الأسئلة المتدفقة من لسانها، والتي كان يعرف إجاباتها جيدًا، ولهذا السبب أخذ يتهرب من نظرات سوسن المتوجسة من سكوته.
لاحظت دعاء حالته المتوترة، التي فهمت منها أن هناك شيئًا خاطئًا لا يريد الكشف عنه، خاصة أنها أيضًا لم تفهم بعد ملابسات الحادثة، فسألت بشك مترقب حثته على الكلام:
انت مخبي إيه علينا يا عز ما تتكلم يا بني.
أحس عز بأنفاسه محبوسة بقسوة داخل رئتيه، وهو يجمع الكلمات على شفتيه بصعوبة شديدة، جعلت المرأتان تنصعقان بقوة:
أنا طلقت منى.
رواية جوازة ابريل الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نورهان محسن
هناك قلوب تميل، والاقتراب منها مستحيل. هل علي أن أذكرك مرارًا وتكرارًا أن قلبي جريح؟ رغم أنني أشتاق يومًا ما إلى أستريح على راحة يدك الدافئة، لكني أفتقد الأمان وأخشى أن تخدعني مثلك مثلهم. أخاف أن أثق فيك، وأتلقى طعنة جديدة تسكن صدري الذي ينزف بشدة، فدعني وأرحل بعيدًا! لأن المشاعر ستبقى ضائعة بيننا كالطير المهاجر الذي ترك ملجأه وهرب، بحثًا عن وطن جديد، تاركًا عشه القديم مثقلًا بألم الخذلان، ويشعر بكمية هائلة من الفراغ بعد الغدر. دعني أجلس وحدي تؤنسني خفقاتي المتألمة في الطرقات، وأنا أنظر إلى خيبات قلبي المنكسر على يد طائري الذي تركني مشتتًا بلا مأوى ولا أمان. ارحل سريعًا قبل أن أراك أملًا جديدًا، وبكل ضعفي وغبائي، أتشبث بك.
هذه مجرد شرارة حب صغيرة قُدحت للتو بين امرأة عنيدة ورجل ذو كبرياء.
لمتى سينتظر كل منهم من يبدأ برفع راية السلام؟ ولمن النصر؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في غرفة فهمي
ولجت سلمى إلى الداخل، ورأت زوجها جالسًا على السرير وظهره منحنيًا أثناء عقده لرباط حذائه، فهتفت بنبرة منذهلة:
"إيه يا حبيبي.. أنت لحقت تصحى وتلبس كمان مش عوايدك!"
"مفيش وقت للشرح يلا البسي بسرعة وحصليني على تحت."
أنهى كلامه بسرعة ملحوظة، ثم نهض من مجلسه، وخرج من الغرفة تحت نظراتها القلقة من عجلته، فتبعته على الفور، وهي تصيح من خلفه بلا فهم:
"في إيه يا فهمي مالك قلقتني؟!"
نزل فهمي الدرج، وهو يتأكد من أن ساعته الفضية مثبتة بإحكام على معصمه الأيسر، بينما يجيبها باختصار لم يشبع فضولها:
"لازم حالًا نروح المستشفى."
- - -
في المستشفى
عند عز
"أنا طلقت مني."
شهقت المرأتان بانصعاق من وقع كلماته الصادمة، ثم هتفت دعاء باستنكار وعدم فهم:
"إيه الجنان دا.. يعني إيه طلقتها يا عز.. امتى الكلام دا وإزاي ما تقو..."
قاطعها عز بانفعال شديد ونفاذ صبر، بسبب فرط توتر أعصابه التالفة:
"ماما.. لو سمحتي كفاية نطمن عليها في الأول.. أنا مش ناقص ولا قادر على تحقيقاتك دي خالص."
ابتلعت دعاء صدمتها بعبوس، وظلت صامتة على مضض، لكن سوسن لم تستطع الصمت لتتساءل بنبرة محتدة:
"ولما أنت خايف أوي كدا عليها كنت بتطلقها ليه يا عز.. بنتي كانت عملتلك إيه عشان تطلقها؟"
زفر عز بقوة، وأغمض عينيه محاولًا السيطرة على انفعالاته، لكن قدرة هذا العز على الحفاظ على هدوئه والتوازن غير مجدٍ، خاصة أن ما يحدث يدفعه إلى الجنون، فبدأ يزرع الأرض ذهابًا وإيابًا، يقتله شعوره بالذنب والألم في قلبه، وهو يقول بصوت معذب:
"كل حاجة حصلت في لحظة نرفزة.. اتخانقنا وزعقنا مع بعض.. ومعرفش إزاي طلعت مني الكلمة دي غصب عني."
اعتصر الحزن قلب دعاء على حالة وحيدها الذي تراه على وشك الانهيار، لينخر عذاب الضمير خلاياها، لأنها السبب الأكبر فيما وصل إليه، فنظرت إلى سوسن، لتقول بهدوء وجدية:
"دي أكيد كانت ساعة شيطان بتحصل بين أي اتنين متجوزين يا سوسن إحنا المفروض نحل بينهم براحة."
تنهدت سوسن بحرقة تعتمر قلبها، والدموع تتجمع في عينيها، ثم تحدثت بنبرة حزينة:
"من حرقة قلبي على بنتي اللي كانت كل مناها في الدنيا تجيب منك عيل."
"المريضة فاقت تقدروا تتفضلوا عندها."
قالتها إحدى الممرضات بابتسامة هادئة، ثم ذهبت إلى عملها، لتنتعش روحه متلهفة لرؤية معشوقته، وتفوقت على شعور التردد الذي اجتاح ذهنه المحذر له، فوجد خطواته تقوده نحو غرفتها، لكنه استوقفه سماع صوت والدتها التي تناديه بهدوء لا يخلو من الصرامة النابعة من شعورها الأمومي الغريزي الذي دفعها إلى إبعاد هذا العاشق الضاري عن ابنتها ولو مؤقتًا:
"معلش يا عز اعذرني في اللي هقوله.. بس أنا شايفة إنك تأجل مقابلتك بمنى لحد ما يوصل أخوها.. ونفهم سبب طلاقك ليها كان عشان إيه وليه عملت كدا في روحها طالما مش عايز تقولنا؟!"
رفع عز حاجبيه مستنكرًا منعها له من الدخول على زوجته التي لا يريد إلا أن يشبع عينيه المشتاقتين لرؤيتها والاطمئنان عليها، حتى يهدأ ذلك الثائر داخل ضلوعه، طالبًا القرب منها بإلحاح، ليرد بانفعال حارق:
"وأنا عايز أشوفها مش مضطر أستنيـ..."
دعاء بمقاطعة حتى تحد من توتر الأجواء بينهم:
"خلاص يا عز سيبها تدخل تطمن عليها في الأول معلش اديها فرصة تستوعب اللي حصلها.. الخبر أكيد هيبقى صعب عليها وهتكون محتاجة أمها أكتر."
أطلق زفرة قوية عبرت عن مدى استيائه قبل أن يهز رأسه بالموافقة في استسلام متوتر لهم، وذهب ليجلس على أقرب مقعد، وعيناه لم تفارق سوسن التي اتجهت إلى غرفة ابنتها وأغلقت الباب خلفها.
أحنى عز رأسه، ووضعه بين كفيه، وأغمض عينيه بألم حاد يدق كالطبول في خلايا عقله، ليتمتم بصوت مختنق مليء بالندم، وكأنه يتحدث مع نفسه، فوصل إلى أذني دعاء:
"جرحتها أوي بكلامي.. معرفش إذا حتى هتبص في وشي تاني ولا هتقولي إيه؟"
حاولت دعاء أن تنقل له كلمات تمده بالقوة والصبر، بصوت هادئ حنون:
"اسمع أيًا كان اللي قولته ووصل الأمور بينكم للمرحلة دي.. افضل وراها لحد ما تسامحك يا عز وخليك صبور وهادي فهمني يا عز.. ماتنفعلش من أول ردة فعل ليها هي أكيد مجروحة وتعبانة يا حبيبي."
ابتلع عز غصة الألم العالقة في حلقه بصعوبة، وامتلأت عيناه بالعبرات الحارقة، يحاول بكل طاقته أن يتمالك نفسه ويستجمع الرد على لسانه، لكن عينيه المحتقنتين منعتاه، وأعرب عن أسفه لخسارته:
"خايف عليها.. وخايف منها.. مش عارف هتسامحني إزاي بعد اللي عملته معاها.. تفتكري ممكن تسامحني بعد ما خسرت الحاجة الوحيدة اللي كانت هتشفعلي عندها خايف تكرهني وماترضاش تديني فرصة وتسامحني."
انهمرت دموعها على خديها بأسف، وهي ترفع يدها المرتعشة بتردد على رأسه المنحني، وتمسح على شعره بحنان، وهي تقول بهمس حزين:
"اللي يحب ما بيقدرش غير إنه يسامح ويغفر لحبيبه ومهما عمل ما بيعرفش يكرهه ممكن يقسى عليه بس ما بيقدرش يمحي معزته وحبه من جواه."
همس عز بصوت أجش نابع من قلبه المفطور، وشعور مظلم بالألم ومرارة القهر تجتاح روحه بمنتهى القسوة، مما زاد من وخز قلب أمه عليه دون أن يدرك عذاب الضمير الذي انتابها متأثرة بشدة بعبارته التالية:
"مش عارف ليه حاسس أوي إني محتاج بابا في اللحظة دي.. محتاج يكون جنبي ويقف معايا.. ومحتاج له ينصحني يوجهني أو حتى يضربني.. عايزه يقولي أعمل إيه.."
حاسس إني تايه أوي من غيره.
كانت دموعه تتساقط الواحدة تلو الأخرى مع كل كلمة تخرج من شفتيه من شدة الألم والاحتياج. لم تحتمل دعاء رؤيته على هذه الحالة الضعيفة، فازدادت تعابيرها بالحزن والخزي، وهي تحتضنه بذراعيها المرتجفتين بحنان بالغ، ولا تدري هل تواسيه أم تواسي نفسها بهذه اللحظات القريبة فيها منه، وهي تخشى بشدة من عدم غفرانه لها، حينما يعلم الحقيقة المستترة حتى الآن.
***
خلال ذلك الوقت
عند أبريل
نطقت بالكلمة الأخيرة بتلعثم مصدوم، وهي في وسط أفكارها المتضاربة تميل بجسدها نحوه أكثر، محدقة به بعينيها الفيروزيتين المذهولتين اللتين تشبهان عيون القطط، ولم تكن منتبهة إلى كف يدها التي وضعتها بعفوية فوق يده على السرير دون سابق إنذار، مما أدى إلى تصلبه كالتمثال في مكانه جراء إحساسه بملمس بشرتها الناعمة، بالطبع لم تكن المرة الأولى التي تتودد إليه امرأة وتمسك يده، لكن عنصر المفاجأة من تلك القطة الغامضة المزاجية أثار حب الاستطلاع لديه حتى يكتشفها على المهل.
ممكن تكون هي اللي عملت كده؟!
استطردت تهمس بصوت مذهول دون أن تنظر إليه، فلم تكن تستوعب بعد أن المرأة التي زارتها، لتحذيرها من خطر هذا الزواج، هي ذاتها وراء هذه الفضيحة المشينة التي قد تؤدي إلى ضياع مستقبلها.
بلَّل شفتيه بطرف لسانه بتوتر، مستمعًا إليها بقلب مضطرب، وبتلقائية بحتة وجد نفسه يقترب منها، وكفه لا يزال أسير قبضتها، وكأنه لا يريد أن يبذل جهدًا ليسحبه بعيدًا، أو ربما يريد أن يطيل الاستمتاع بلمستها اللطيفة.
استقر براحة يده الأخرى على ذراعها، يربت عليه برفق قبل أن يرفع ذقنها به حتى تتمكن من النظر إليه مباشرة، خاطبها بقساوة صوته الرجولية المتأنية: مش ده اللي المفروض يشغلنا دلوقتي..
انخفضت نبرة صوته أكثر، وتحولت إلى طبقة عميقة أشد جدية كان لها تأثير مغناطيسي خاص على مسامعها، إذ تختلف بشكل واضح عن طريقته الساخرة في التحدث: الأهم أننا مغلطناش في حاجة عشان نداريها ولا الهروب من المشكلة اللي واقعين فيها هيخليها تتحل لوحدها زي ما كنتي بتخططي..
ومعلش لو حظك كان ضدك ووقعتي معايا أنا بس ما بقاش فيها رجعة وصعب نغير كلامنا.. إذا ما كانش في حاجة رسمي وبسرعة ولو بشكل مؤقت بينا قدام الناس.. هيتأكد الخبر عندك استعداد إن سمعتك ومستقبلك هيدمروا.
نسيت للحظات من هو، بل تاهت بانجذاب في أعماق تلك الفضة الذائبة داخل مقلتيه، واستمعت إليه بنصف عقل، لكن حالما وصل إلى منتصف حديثه أضاءت إنذارات اللاوعي الحمراء في رأسها، وتحديدًا عند ذكره أن الانخراط في هذه اللعبة معه أمرًا حتميًا عليها بلا رجعة، وهي ترفض بشدة أن تُجبر على شيء لا تريده.
***
في منزل فهمي الهادي
اندفعت سلمى خلفه على الدرج بخطوات سريعة، لتراه يتجه إلى إحدى الطاولات في الردهة، فسألت بصوت منزعج وهي تقترب منه: لسه بدري مش لما نفطر الأول ليه السرعة دي يعني؟!
أثناء كلامها جلس فهمي على الأريكة، يعبث بشكل عشوائي بين صفحات الصحف، قبل أن ينقل لها خبرًا بمثابة قنبلة موقوتة، وكان كلاهما يعلم أنها سوف تنفجر حتمًا: مصطفى لسه مكلمني بيقول رجع من السفر.
فغرت فاها بمفاجأة، عندما رأته يواجهها بنظرات تحمل القلق في أغوارها، لوهلة هربت الحروف من طرف لسانها، ثم سرعان ما تغلبت على الصدمة وهي تصرخ بتساؤل مرعوب: قالك إيه عرف حاجة.. أوعي تكون قولتله حاجة يا فهمي!!
الدنيا كلها عرفت الخبر مالي الجرايد والنت يا هانم.
قال لها بصوت حانق، وهو يمد لها الجريدة، فأخذتها منه بتردد، وما إن قرأت المقال حتى جحظت عيناها حتى كادت تخرج من تجاويفها، وتجمد الدم في عروقها، مما جعلها تشعر وكأنها انسلخت عن الواقع، وكل ما طرأ في مخيلتها أن هذه الكارثة ستدمر بالتأكيد كل المشاريع المستقبلية التي بدأت بالفعل في تنفيذها، لم تستفق إلا على صوت زوجها الذي زمجر بنفاذ صبر: أنتي لسه واقفة.. يلا اطلعي البسي.. خلينا نروح لإبريل قبل ما مصطفى يوصل عندها.
أومأت سلمى له بملامح شاحبة قبل أن تصعد بهرع إلى الطابق العلوي، تاركة فهمي يزرع الأرض تحت قدميه ذهابًا وإيابًا بقلق بالغ.
***
عند هالة
إذا في حد كان عنده استهتار واستخفاف بالتاني فهو أنت يا دكتور.
ارتبك لوهلة من هجومها المضاد، ثم رفع حاجبيه باستعلاء، ونطق بنبرة رجولية متعجبة: أنا!!
وهو أنا عملت إيه يخليكي تقولي كده عني؟!
طرح هذا السؤال بلهجته الواثقة حد الاستخفاف، ليبلغ غضبها أقصى درجاته، وردت بضحكة هازئة: ليكي حق.. ما أنت لو واخد بالك من تصرفاتك عاملة إزاي ما كنتش سألتني عملت إيه!!
استفسر ياسر بتوتر من أسلوبها الغامض في الحديث، مما جعل ابتسامتها الساخرة تتسع على شفتيها: أنهي تصرفات اللي بتتكلمي عليها وضحي كلامك وفهميني؟!
بذلت هالة جهدًا مضاعفًا للحفاظ على ثباتها الانفعالي، وهي تسأله دون قناعة: والله مش فاهم..!!
أومأ ياسر لها بالإيجاب بتأنٍ، إذ تجلت علامات الحيرة على وجهه، منتظرًا أن تكمل حديثها، لتقوس شفتيها بتعبير مليء بالأسى الساخر، قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا، لتشرح له بحدة خافتة لأول مرة يسمعها منها، لكنها لم تقلل من جاذبية صوتها: تمام.. اللي اتحط في موقف سخيف يا دكتور قدام أهله وقدام الناس كان أنا..
رفعت هالة يدها لإبعاد خصلات شعرها البني الكثيف المتطايرة عن عينيها بسبب الريح، وأشارت باليد الأخرى نحو نفسها، مكررة بصوت منخفض الطبقات مفعم بالقهر على ذاتها، ضاغطة على كل كلمة خرجت من شفتيها: أنا اللي حفلة خطوبتها اتقسمت نصين.. خطيبي شوية بيرقص معايا وشوية مع البيست فريند بتاعته.. ولما شوفتها بترقص مع واحد تاني أنت ما استحملتش روحت تضربه.
تجمعت العبرات في مقلتيها كطبقة بلورية متلألئة بشكل رائع، رغم نظراتها الحزينة دليل على حالتها النفسية السيئة، لتنقر بإصبعها السبابة على موضع قلبه، وهي تسأل بانفعال مرتجف: ليه وقتها ما فكرتش في الناس.. ليه ما همكش خطيبتك!!
ازدرد لعابه بصعوبة، يشيح ببصره عن عينيها الدامعتين، محاولًا تجاهل نبرتها الحزينة، لكن كيف سيفعل، إذ أن الوجع لا يحتاج إلى حديث طويل، أحيانًا تكون نبرة الصوت نصف الكلام، ليستجمع الرد المناسب في ذهنه، لكن تفكيره لم يسعفه على النطق بكلمة، فهو يعلم مدى صدق حديثها، لكن من ناحية أخرى هناك صوت يهتف داخل عقله، يحثه على الإنكار والصمت.
أما هي فكل ما أرادته هو أن يطمئنها، يربت على كفها المرتعش بحنان، نظر إليها بحب، يقضي على كل الشكوك التي تنخر في خلاياها مثل ما يفعل السوس في الخشب، لا أن يتهرب من التحديق بها كما يفعل الآن.
ابتلعت غصة مريرة في حلقها كالعلقم، ورغم الخوف الذي يرتعد في أعماقها من معرفة حقيقة مشاعره، إلا أنها أرادت إجابة حاسمة، ولو كانت قاسية، لكن صمته الطويل صب الوقود على هواجسها، فاشتعل غضبها بقوة، ولم تتمكن من السيطرة على انفعالاتها أو إظهار عكس ما تشعر به كعادتها، بل تابعت بصراخ أجفله: رد عليا!!
***
عند باسم
تفاجأ باسم بها، تحدجه بفيروزتين تقدحان شررًا من الغضب، الذي تناقض مع هدوء ملامحها الوديعة منذ لحظة واحدة، لدرجة جعلته يشرد فيها لا شعوريًا، ولم يكن يعلم أن جزءًا كبيرًا من هذا الحنق كان موجهًا إلى نفسها عندما لاحظت يدها تستريح على يده، كأنها تستمد منه بعض الأمان.
أصبحت وجنتاها محتقنتين بالدماء من فرط خجلها، وكم كرهت هذا الشعور؟
من بين كل الناس، وقع اختيارها الأحمق على هذا الباسم، الذي توهجت عيناه الفضية ببريق غريب، ومر شبح ابتسامة على شفتيه بمجرد أن لاحظ تلون خديها الشهيتين، ونظراتها مثبتة على يديهما.
تجهمت ملامحه فور أن أبعدت كفها عنه سريعًا، وفركتها بعنف في الغطاء، وكأنه يحمل وباء خطيرًا قد يصيبها به، قبل أن تحدق به برأسها المرفوع بشموخ ونظرات قوية، متحدثة بنبرة باردة:
"إذا قاصد تخوفني بكلامك فأنت غلطان، أنا مش محتجالك ولا محتاجة لأي حد، وزي ما قولت أنا ما غلطتش في حاجة عشان أخاف وأستخبي منها."
أشارت أبريل نحوه بإصبعها السبابة بازدراء، لتتابع بحدة ناعمة:
"وأوعى تفكر لو لثانية إني ممكن أثق فيك بعد اللي عملته معايا، دا مستحيل."
اختتمت أبريل كلامها بتأكيد وأنفاس متسارعة، فرفع باسم ذقنه بغطرسة، لتظهر اللامبالاة جلية على ملامحه، وداخليًا يغلي من الاغتياظ، ها هي ذا مرة أخرى ترمي سهامًا مسمومة في منتصف جبين كبريائه، لكن هذه المرة لن يتهاون معها، لأنها استنفدت بالفعل كل طاقته، ليرد عليها بجمود مخيف:
"أنتي حرة."
وبعينيه ذوات النظرات الباردة التي لم تحِد عن عينيها المستهجنتين، ليتابع من بين أسنانه بصرامة مذكرًا إياها بكلامه السابق:
"بس افتكري وضحتلك الصورة وقولتهالك إني لو بإيدي كنت خليتك تتعاقبي على تصرفاتك الغبية اللي خلت الكارثة دي تحصل."
كانت عيناه الرماديتان تتلألأ ببريق قاسٍ جعل أي كلمات لاذعة على لسانها تفر هاربة، بعد أن عبثت مع هذا الذئب الذي قرر إظهار أنيابه الحادة مرة أخرى أمامها حتى يحجم تمردها عليه، لتزيد تفاصيله شراسة ووسامة فائقة، وهو يضيف باستخفاف جاف، مشيرًا نحو الباب:
"زمان أهلك هيوصلوا في أي لحظة..."
رمقته أبريل بغيظ ممزوج بالتوجس، ليقابلها بنظرات تبرز برقًا مهتاجًا، ولقد استفزه كثيرًا الازدراء الذي يلوح في أفق فيروزيتها الرائعة، وانذهل أكثر من تهاونها في هذا الأمر الجلل، في حين كان ينبغي لها أن تطلب منه المساعدة، لا أن تصده عنها كما تفعل الآن.
لوى باسم شدقه بسخرية، وهو يميل برأسه نحوها، حاولت الابتعاد لكنها تجمدت مكانها، حالما واصل الهمس العميق بجوار أذنها، مستوطنًا بين أوتاره تحذير غامض:
"كملي على العناد وتنشيف الدماغ دا قدامهم... هتفهمي معنى كلامي لما يشيلوكي مسؤولية كل اللي هيحصل بسبب الإشاعات اللي كل ثانية بتكتر علينا."
نبرته الماكرة المغلفة بالقسوة، وأنفاسه التي ترتطم برقبتها بلا رحمة أصابتها بقشعريرة غريبة رغم ادعائها بالصمود أمامه، لكنه بسهولة أحس باحتراق أعصابها، التي استنشق رائحتها من خلال لهاثها المحتقن، ورفعت فيروزيتها إليه بنظرة متحدية، لتبرهن له باستماتة، عدم اكتراثها بقولها البارد:
"سبق وقولتلك ما يهمنيش، أنت ما بتسمعش."
وشت بها خفقاتها المتصاعدة بارتباك لقرب وجهيهما من بعضهما البعض، إذ يستمر هذا الرجل الوقح في انتهاك حدود خصوصيتها بلا هوادة، ونيران التحدي المشتعلة بين السطور جعلته أكثر حماسًا لإخضاعها تحت سيطرته على طريقته الخاصة، فوجد نفسه يرد بذات البرود:
"ماشي... يلا واجهي دا كله لوحدك... أنتي مش محتاجالي وأنا هقف معاهم وأتفرج عليكي."
أنهى باسم كلامه بابتسامة مغلفة بالتلاعب لينجح في استفزازها، وبدلًا من أن تثير غضبه وتأجج حنقه، ليرحل بلا رجعة، انقلب الأمر ضدها، لتتأكد أن خلاصها محكومًا بقبضة يده، وبكل برود وتريث، وجدته ينهض عن الفراش وتحرك نحو الباب، ليتركها خلفه، والخوف يحفر مخالبها في نياط قلبها المرتعد، فيفجره بقسوة، مما جعل نبضات قلبها تتوقف جراء حديثه الصحيح، وتزايد سخطها تجاهه بشكل كبير، مما جعلها تنبس من بين أسنانها بقهر مكبوت:
"في ستين داهية."
***
في المنصورة، كادت خالة أبريل صابرين أن تفتح باب شقة والدتها، لتتفاجأ بهبوط نادية على السلم، فتركز نظرها بذهول على الحقيبة الكبيرة التي كانت تحملها بصعوبة بسبب ثقلها، وعلى ذراعها الأخرى، كانت تحمل ابنتها النائمة، لتهتف بنبرة ودودة:
"صباح الخير يا نادية."
ابتسمت لها نادية، وقالت بنفس النبرة بعد أن توقفت أمامها:
"صباح النور... إزيك يا صابرين؟"
بادلتها صابرين الابتسامة قبل أن تقول بتساؤل:
"أنا كويسة... أنتي عاملة إيه... وإيه الشنطة دي يا نادية... حصل حاجة ولا إيه؟"
ربتت نادية على ظهر الطفلة تهدهدها، وهي تشيح ببصرها بعيدًا هربًا من نظرات صابرين القلقة، وأجابت نادية بنبرة كافحت، لتبدو طبيعية رغم شعورها الشديد بالاختناق، إلا أنها اعتادت الكتمان داخلها، رافضة الكشف عن شكواها لأي فرد من أسرة زوجها، لأن ببساطة ستكون الملامة الوحيدة بينهم:
"لا مفيش، ما أنتي عارفة أحمد سافر... قولت أروح لماما كام يوم أقعد عندها."
شعرت صابرين بالشفقة عليها، عندما رأت الألم يتبلور في انعكاس حدقتي عينيها، فقالت بلطف:
"ولزومها إيه البيات يعني يا نادية؟! زوريها وارجعي... كدا كدا أحمد رايح يوم وراجع على طول."
تابعت صابرين حديثها بتريث، وهي تضع يدها فوق كتف نادية برفق:
"نادية ما تزعليش، دا واجب أبريل مالهاش غيرنا، أنتي طول عمرك عاقلة، ما تاخديش على خاطرك وتحطي في نفسك، أحمد مالوش غيرك أنتي وبنته."
نادية سخرت سرًا في قلبها الممزق من القهر على ما سمعته، هل هي تكذب عليها أم على نفسها؟ الجميع يعرف الحقيقة الواضحة للأعمى، فابتلعت الغصة التي تشكلت في حلقها، وردت بنبرة مهزوزة:
"أصل ماما صحتها تعبانة شوية وأسيل مشغولة في بيتها، قولت أكون جنبها الفترة دي."
أومأت لها صابرين بتفهم ظاهري، حيث انتبهت لعلامات الكذب الواضحة عليها، ولم ترغب في الضغط عليها أكثر لتخاطبها باستسلام:
"ألف سلامة عليها... طيب يا حبيبتي على راحتك روحي... وابقي طمنينا عليها."
هزت نادية رأسها بالموافقة، ونبست بصوت خافت:
"إن شاء الله سلاموا عليكو."
وما أن قالت الكلمة الأخيرة حتى رفعت الحقيبة عن الأرض، واختفت عن نظرها، قبل أن تتدفق دموعها، التي تملأ عينيها بأسى شديد على حالها.
***
عند باسم، فور خروجه من غرفة أبريل، انمحت ابتسامته، وأطلق زفرة قوية، وهو يحاول السيطرة على عاصفة غضبه الهوجاء التي سببتها تلك الهرة العنيدة.
فرك باسم جبهته، وهو يشعر بألم يفتك بجمجمته من التوتر وقلة النوم، بالإضافة إلى تصرفاتها وتحديها المستمر له وكأنه ألد أعدائه، نظراتها لغز غامض خليط بين القوة والضعف بنفس الوقت، لم يفهم لماذا عاملته بهذه الشراسة التي تقوده للجنون وتروق له في آن واحد.
وفي غمرة تشتت أفكاره لم ينتبه لإشارة إحدى الممرضات التي كانت واقفة على بعد مسافة منه.
راقبته بعينين حائرتين، فرأته يستدير إلى الجهة المعاكسة ليغادر الردهة بخطوات هادئة، لكنها اتخذت قرارها عازمة على التحرك فورًا لتنفذ ما أمرها به مسبقًا.
***
في نفس الوقت، سار صلاح في الرواق، وهو يتحدث عبر الهاتف مع مدير مكتبه:
"مشي أنت الدنيا عندك مع باقي المديرين وبلغني بالجديد معاكم..."
هتف مقاطعًا الطرف الآخر بنفاد صبر، حالما رأى باسم مقبلًا نحوه:
"طيب اقفل يا حسام خليني أفكر في الكارثة اللي وقعت على دماغنا... يلا سلام."
وصل صلاح إليه، وسأل بلهجة مطوقة بالغضب والسخرية:
"رايح على فين البيه؟!"
رد باسم بإيجاز متعجب:
"الكافيتريا... حضرتك هنا من أمتى؟"
أجابه صلاح ساخرًا:
"من بدري يا بيه... عمال ألف على سيادتك من الصبح وتليفونك مقفول."
أغمض باسم جفنيه بتعب للحظات، فهو غير مستعد لعاصفة التوبيخ التي هبت بكلام والده، على مضض فتح عينيه، ونظر إليه بلا مبالاة قائلًا بلسان ثقيل الحروف:
"فاصل شحن."
تأجج لهيب غضبه بقوة من برود ابنه، فصاح بصوت أجش حانق جعل المارة يلتفتون نحوهم في دهشة:
"يا برودك هو أنت مش مقدر حجم الكارثة اللي وقعنا فيها بسببك وشغلنا اللي خرب من تحت عمايلك وطيشك."
رواية جوازة ابريل الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نورهان محسن
الفصل الحادي عشر (قراري الأخير) ج2
التقينا في لحظة حاسمة، كانت كالسيف القاتل على عناقنا. كلانا هارب من كارثة تكاد تمزق قلوبنا حد الموت. ولم تمر سوى دقائق قليلة منذ لقائنا، ووجدتك تسردين كذبة حمقاء عبر شفتيك. أخضعتني لقربك قسرًا أيتها المتمردة، لا أعلم حقًا من منا حينها أصبح أسير للآخر، لكنك صرتِ رغمًا عنكِ عروسي العنيدة أمام كل الحاضرين. حينذاك أدركت أن مثوى السيف السري هو فيروزيتك الثائرة، وقبل أن أشهر سلاحي، اخترقتِ باندفاعكِ الجريء قلبي الذي صرخ غاضبًا: "في الغرام سأكون سفاحًا، وألف لعنة لكم أيها الخصوم، فإن شئتِ أم أبيتِ سوف تكونين لي". وبكامل قواي الجنونية أقول لكِ: هذا قراري الأخير.
❄️-❄️-❄️
أمام عربية ياسر
تابعت هالة بصراخ أجفله:
رد عليا!!
رفع يده أمامها منبهًا إياها، بتحذير مقتضب:
هالة وطّي صوتك وتمالكي نفسك، وأنا هافهمك الحكاية صح.
صاحت هالة بحدة:
أفهم إيه! وأنا كل اللي لاقيته منك عدم احترام لكرامتي ومشاعري وبس.
فرك ياسر جبهته بتوتر، وهو يهتف بنفاذ صبر:
أستغفر الله العظيم... ده مش أسلوب لائق خالص للمناقشة... إحنا أعقل من كدا يا هالة... أنا حتى مش فاهم شغل قلب التربيزة ده هتستفيدي منه إيه؟! ما كانتش كلمة وطلعت مني عشان تتفتحي فيا الفتحة دي... راعي شوية إننا واقفين وسط ناس بيتفرجوا علينا.
نظرت هالة إليه بعينين ضيقتين مليئتين بالعبرات، ردت مؤكدة صحة حدسها، بنبرة هازئة يتخللها الأسف على حالها:
مش باقولك فارق لك شكلك دايمًا... بس اللي بقت خطيبتك وهتكون شريكة حياتك عادي لما تقلل منها قدام أهلها وصحابها وكل الموجودين... وطول الوقت كنت مهتم بواحدة تانية... وبالمناسبة كل اللي حضر الحفلة وشاف المهزلة دي ماستناش للصبح... الأخبار كلها ملأت المستشفى وطول الليل الممرضات مالهمش سيرة غير إزاي خطيبها كان سايبها طول الحفلة ومهتم بواحدة ثانية... هي لدرجة دي مش مالية عينه... وهي إزاي قبلت على نفسها... إيه ما عندهاش كرامة؟!
تعبيراتها المليئة بالحزن لم تسعفه في تبرير موقفه، لكن لم يكن أمامه إلا أن يكابر، ويدعي عكس الحقيقة:
سبق وفهمتك طبيعة علاقتي بيارا عاملة إزاي... هي أخت...
قاطعته هالة بإشارة للتوقف عن الكلام:
من فضلك أنا جبت آخري وخلاص اكتفيت من كتر الكدب اللي بتعيد وتكرره ده.
لم تعجبه نبرة الاتهام في صوتها الهادئ، فعدل وقفته أمامها بكل وقار، ليخرج رده بوضوح وثقة:
هالة... أنا لما جيت وتقدمت لك كنت مقتنع باللي باعمله... وإذا في مشاعر من ناحيتي ليارا أو لغيرها كنت قولت لك... أنا مش هاخاف منك ولا مضطر أكدب عليكي... وعشان أنا مقدر إن أعصابك مشدودة هاعمل نفسي ما سمعتش الكلام الفارغ اللي أنتِ قولتيه.
صاحت هالة بإصرار قوي:
لا أنا كلامي مش فارغ ولا من فراغ وعارفة كويس باقول إيه... طريقتكم مع بعض دي فوق الطبيعي... اهتمامك الأوفر بيها ده مش طبيعي...
❄️-❄️-❄️
في ذات الوقت
داخل المستشفى تحديدًا بغرفة أبريل
دخلت الممرضة الغرفة، تقترب منها بخطوات هادئة، لتقول بابتسامة:
اتفضلي دي عشانك.
عقدت أبريل بين حاجبيها الجميلين، وهي تأخذ منها علبة حلويات فاخرة مزينة بشكل أنيق، ثم سألت بنبرة حيرة:
مين جابها دي؟!
نظرت أبريل إلى الصندوق بعينين تشعان بالفرح، لا شعوريًا، إذ ذهب عقلها إلى أخيها الذي يعلم حبها الشديد للشوكولاتة، لابد أنه يسعى إلى استرضائها بهذه الطريقة مختبئًا خلف قناع الحذر منها خوفًا من رفضها، حتى جاءها الجواب من الممرضة محطمًا كل آمالها:
خطيبك اللي لسه خارج من عندك من شوية.
هزت أبريل رأسها بهدوء في خيبة أمل، لكن كيف يمكنها أن تظلل الوميض الصغير المنبعث من روحها التي كانت تتمنى دائمًا أن تحظى بحنان واهتمام من عائلتها؟
أحست بصوتها يحاول الوصول إلى حنجرتها بصعوبة، فخرجت الكلمات خافتة بما كان يطوف بداخل قلبها:
أهلي حد منهم موجود برا؟
ردت الممرضة بتفكير:
أظن لا ما فيش حد برا.
عقدت أبريل ذراعيها على بطنها، وأطلقت تنهيدة عميقة تعبر عن مدى إحباطها، هي تشعر بالاستياء منهم جميعًا، لكن هذه المشاعر الإنسانية مهما حاولت كبح جماحها أمامهم، وتصرفت بقسوة، تظل في أعماقها متعطشة لاهتمامهم الذي ترفض أن تشحذه منهم بالتوسلات، سرعان ما سخرت من أفكارها الداخلية سرًا قبل أن تسألها برقة:
طيب ممكن تجيبي لي الهدوم اللي جيت بيها هنا؟
ردت الممرضة بابتسامة لطيفة:
كل حاجاتك موجودين في الدولاب ده... بس ما ينفعش تخرجي قبل الدكتور ما يكتب لك على خروج.
زاغت عينيها بتوتر، ودفعت شعرها خلف أذنها بفكرة شيطانية سطعت في عقلها، قبل أن تقول بابتسامة وديعة:
تمام... أنا جعانة ممكن تجيبي لي فطار؟
نطقت أبريل بعبارتها بمنتهى البراءة، تتوارى خلفها نواياها الماكرة ببراعة شديدة، جعلت الممرضة تصدقها بكل سهولة، لتتحدث على الفور:
أكيد ممكن الفطار هاجيبه حالًا مع الدوا وراجعة على طول.
سرعان ما اعتلت ابتسامة ساحرة على ثغرها، ونبست بامتنان:
ميرسي أوي على تعبك.
الممرضة بسماحة:
شغلي يا فندم ربنا يشفيكي.
بمجرد أن أغلقت الممرضة الباب خلفها، زفرت أبريل بقوة وغضب، وزمجرت بكراهية وامتعاض شديدين:
قال خطيبي قال... هانجَلَط يا رب ما شوفتش حد بارد كدا في حياتي زي البني آدم ده... ما عندوش نقطتين دم ولا كرامة... واحد غيره وسمع الكلمتين اللي قولتهم له كان زمانه راح دفن نفسه مش يجيب لي شوكولاتة... بس شكل جهاز الإحساس عنده متبدل بديب فريزر.
حدقت أبريل في علبة الشوكولاتة بسخرية، وهمست لنفسها بوعيد:
عاملي فيها البيه رومانسي يا أستاذ ساخر... طيب صبرك عليَّ أما طفحتهالك!
زفرت الهواء بقوة كبيرة، وكأنها تزيل ثقلًا كبيرًا عن صدرها، فرفعت فيروزيتها ببريق غامض إلى الخزانة التي أشارت إليها الممرضة، ثم وضعت الصندوق جانبًا بإهمال، ونهضت من السرير بعزم.
خطت عدة خطوات من الخزانة، ثم أدارت رقبتها، محدقة في الباب المغلق بتعبير حزين، لتركهم لها وحيدة دائمًا، ثم أخذت تربت على قلبها برفق شديد، والدموع تتلألأ في مقلتيها، وهي تهمس لذاتها بقوة:
لن أبدأ في الانهيار كلما خذلوني، ولن أنتظر هذا الزائر الحنون الذي سيطرق هذا الباب، وإن تمزقت أوتار قلبي شوقًا لقدومه، تقديري لذاتي له أهمية قصوى بالنسبة لي، فأنا أقسمت أمام الله أنني لن أجعل قلبي قابلًا للكسر مهما حدث.
❄️-❄️-❄️
في ممر المستشفى
عند باسم
صاح صلاح بصوت أجش حانق جعل المارة يلتفتون نحوهم في دهشة:
يا برودك هو أنت مش مقدر حجم الكارثة اللي وقعنا فيها بسببك وشغلنا اللي خرب من تحت عمايلك وطيشك؟!
تابع بسخط عارم ملوحًا بكلتا يديه في الهواء:
ضاقت بيك الكرة الأرضية بحالها رايح تخطب واحدة خطيبة واحد تاني!!! إيه الستات اللي بتعرفهم مسحولك مخك... عجبك دلوقتي الفضيحة الجديدة المنشورة عنك في كل حتة دي... اتفضل تعال معايا.
أمسك صلاح بمرفقه، يسحبه خلفه، ليمشي باسم معه في طاعة تامة حتى وقف معه أمام إحدى النوافذ الكبيرة المطلة على باحة المستشفى، قال صلاح بصوت حانق:
شوف بعينك يا بيه... الصحافيين واقفين لنا إزاي على باب المستشفى... مستنيين بس يلمحوا طيفنا عشان ينزلوا فينا تصوير وأسئلة ده غير التليفونات اللي ما بتسكتش من الصبح.
هز باسم كتفيه غير مبالٍ بالأمر، واضعًا يديه في جيوب بنطاله، ليخاطبه بنبرة ثقيلة:
ما أنا عارف كل ده... ما أنا اللي كلمتهم وجبتهم لحد هنا أصلًا.
استشاطت ملامحه غضبًا، فصاح مستنكرًا بصوته الأجش:
نعم يا روح أمك... أنت شكلك اتجننت على الآخر.
أوضح باسم له بعبوس جذاب:
ولا اتجننت ولا حاجة... أبريل مش مخطوبة... والكلام المكتوب عننا ده كله كدب ومتفبرك.
سأل صلاح ساخرًا:
وإحنا هانمسك كل نفر ونشرح له إن ده كله كدب إزاي يا بيه؟!
رفع باسم حاجبه، مرددًا بانزعاج نافذ الصبر:
أومال أنا جايب دول لحد هنا عشان إيه؟!
اللي إحنا عايزين نوصله للكل هيكون من خلالهم.
تشنجت ملامحه من الصدمة، وسيطر عليه الجنون، مزمجرًا بسخط شديد، حيث يكاد أن يسقط أرضًا نتيجة إصابته بجلطة دماغية بسبب برودة ابنه:
"يعني كمان أنت اللي مديهم الإذن بالوقفة دي؟! ومصطفى إيه ناسيه؟! دا من أكبر المستثمرين اللي داخلين في المشروع الجديد واللي بتعمله دا هيخلينا نخسره!!"
ضاقت عيناه الرماديتان في تعبير يدل على تقييم ما قاله والده، قبل أن يهز رأسه بالنفي، قائلًا بصوت جدي ممزوج باللامبالاة:
"زي ما في مصطفى في مستثمرين كتير غيره. إذا هو عايز ينسحب بالسلامة غيره يتمنى يكون مكانه. وأنت سيد العارفين يعني مش هتقف عليه. وهيبقى هو الخسران الشرط الجزائي."
تنهد صلاح بقوة قاطبًا حاجبيه بحنق:
"افهم يا بني. مواضيع الستات لما بتدخل في الشغل بتخربوه واللي اتكتب دا هيأثر علينا كلنا من نواحي كتير وسبق ونبهتك عايز تخطب بنات الناس كتير مش لازم البنت دي."
عقب باسم على كلام والده بثقة بالغة، رغم أنه هو نفسه لا يعرف من أين جاء بها وسط الظروف المحيطة به:
"إذا على كلام الجرايد. أنا عارف كويس إزاي هنخرس لسان الكل. وكمان هينزل بكرة بالكتير اعتذار عن أي كلام اتكتب عننا. والكل وأولهم مصطفى هيعرفوا إن إبريل خلاص بقت تخصني."
زجره صلاح بغضب سعير، وهو يكز على أسنانه بقوة حتى لا يلفت النظر إليهم:
"ما تجننيش ببرودك أنا على آخري. هو مش هيسكت ما فكرتش في اللي ممكن يعمله."
تشكلت ملامحه بتعبير صارم تجلى بوضوح في لهجته القوية مثل سيف حاد وهو يذبح ببرود وحسم:
"ما بفكرش فيه ولا يهمني أنا مش شايفه غريم ليا حتى. عشان حكايته معاها خلصت يوم ما هي فسخت الخطوبة اللي ما حدش كان عارف بيها دا كان مخبيها كأنه عامل عملة. وخليه يعمل اللي هو عايزه. وأنا هعرف إزاي أتعامل معاه وأي حاجة هيعملها هتترد له أضعاف."
***
خلال تلك الأثناء
في غرفة منى
"منى يا حبيبتي ألف حمد لله على سلامتك."
هتفت سوسن بلهفة، وهي تتجه نحو منى التي كانت تجلس فوق السرير بوجه جامد. وعندما سمعت صوت أمها رفعت عينيها إليها فسقطت من مقلتيها دموع حارقة، وانفجرت في البكاء المرير بمجرد أن احتضنتها والدتها، وقالت بحزن شديد، وهي تربت على ظهرها بتعاطف تفهم ما تمر به ابنتها:
"قدر الله ما شاء فعل يا قلب أمك بكرة هتعوضيه وربنا هيفرحك صدقي أمك ما تزعليش نفسك."
أجهشت منى تبكي بصوت عال، منهارة من الألم الذي يدمر قلبها بلا رحمة، بينما الأم تمسد على شعرها بحنان فطري وتعزيها بكل ما لديها من كلام، لكن مهما قالت فإن جراح ابنتها النازفة حد الموت لن تشفى بأبجدية اللغة العربية أجمع، فقالت في حيرة:
"عملتي في نفسك كدا ليه يا منى؟! إيه اللي جرى يا حبيبتي بينك أنتي وعز إيه وصل الحال بينكم للطلاق؟!"
خرجت منى من حضن أمها، وهي تنظر إليها بعينين منتفختين وحمراوين من شدة البكاء الذي لم تستطع السيطرة عليه، وصاحت بعنف منهار:
"هو السبب في اللي أنا فيه. بسببه خسرت ابني. البني آدم دا خلاص انتهى من حياتي يا ماما. أنا كرهته قد ما حبيته. دا أكتر واحد أناني ووحش في الدنيا يا ماما. ما تجيبيش سيرته ليا تاني مش عايزة أشوفه تاني. ما توجعتش في الدنيا من حد قد ما أنا اتدمرت واتوجعت على يده هو."
ألقت بنفسها على صدر أمها، وواصلت النحيب بصوت يمزق قلب سوسن من الألم، فهمست لها بنبرة هادئة نوعًا ما وهي تعانقها بشدة، وتبكي معها، فمن الواضح على عز وكلام منى الآن وحالتها المزرية، تؤكد أنه ارتكب بحقها فعلًا لا يغتفر:
"حاضر خلاص اهدي يا قلب أمك واللي أنتي عايزاه هنعمله وأخوكي زمانه على وصول كمان هيقعد معاه ويشوف عملك إيه ويجيب لك حقك منه."
ابتلعت منى الغصة التي تشكلت في حلقها بألم، ثم دمدمت بصوت باك، وسيطرت عليها نوبة من الهستيريا رافضة حديث والدتها، وشكلت المشاعر المتضاربة إعصارًا في قلبها الذي موشومًا بعشقه:
"مش عايزة أرجع له تاني ولا أشوفه تاني. أنا بحبه أوي يا ماما. بحبه بس.. بس على قد ما حبيته كرهته حاسة قلبي بيتحرق كل ما أتخيل إن خلاص مش هشوفه وأكون في حضنه تاني وعشان هيوحشني أوي. بحبه أوي وهو ما يستاهلش ذرة من اللي في قلبي ليه. أنا بكرهه يا ماما بكرهه. حتى الطفل اللي اترجيته من الدنيا عشان أضمن إنه يفضل معايا وما يسيبنيش راح. وهو قبلها طلقني واتخلى عني يا ماما. بس خلاص خلي دعاء هانم تفرح خليها تروح تجوزه. خليها هي تكسب أنا خلاص خسرت كل حاجة على يده وما بقيتش عايزاه مش عايزاه."
ربتت سوسن على رأسها بحنان قبل أن تستفهم بتعجب:
"بس يا حبيبتي اهدي اهدي. قوليلي بس دعاء مالها ومال اللي بينك أنتي وجوزك يا منى. ما تظلميهاش يا بنتي الست دخلت عليها من شوية لاقيتها قاعدة جنبك ومفلوقة من العياط عليكي."
أجابت منى عليها من بين شهقاتها:
"بتعيط من فرحتها عشان وصلت للي هي عايزاه يا ماما."
رفعت سوسن يديها، وأخرجتها من داخل أحضانها، وأردفت بصوت حنون:
"طيب طيب بطلي عياط. امسكي نفسك واحكي لي في إيه دعاء عملت لك إيه؟"
أغمضت منى عينيها بأنفاس متلاحقة، وهي تحاول تمالك أعصابها، ثم مسحت دموعها بظهر يديها ونظرت إلى سوسن التي ابتسمت مطمئنة وحثتها على إخبارها بالأمر.
استنشقت منى كمية كبيرة من الهواء، وزفرتها على المهل، ثم بدأت تروي لها كل الأحداث التي أخفتها عنها خلال الأيام القليلة الماضية.
اختتمت حديثها، قائلة من بين شهقاتها الممزقة:
"أنا بموت يا ماما الوجع اللي في قلبي هيموتني مش قادرة أستحمله."
"أنا اللي هموت من غيرك يا منى ومش هقدر أستحمل أعيش في الدنيا دي من غيرك."
جمدت معالمها فور أن جاءها صوته العميق الهامس، لتسمع قلبها الخائن ينبض بقوة مثل المطارق بين ضلوعها تأثرًا به، وهذا ما كانت تخشى حدوثه، فإنها تكذب على نفسها، فقط تشعر أنه أصبح شخصًا غريبًا عنها، يتدفق كالسم في عروقها، يستهدف هذا الشريان المسمى بالوتين الذي يسكنه هذا العز، بينما العقل يعزز من وفرة هذا السم، لأنه يريد التخلص من هذا العز، ولكن بمجرد حدوث هذا الشيء اللعين، سيصبح قلبها مجرد نبضات عديمة الفائدة ولا قيمة لها.
***
عند هالة
عبس وجه ياسر بغضب، وهو يطلق زفرة قوية من ضغطها المستمر على أعصابه المضطربة حرفيًا، خاصة أن عقله أيضًا لا يرحمه، مجسدًا صورة يارا أمامه، وهي تقبله الليلة الماضية، لكنه قمع شعوره بالخيانة بكل ما أوتي من قوة، فهو لم يخطئ بتاتًا:
"يووه.. أنا زهقت أنتي ليه مش عايزة تفهمي.. المفروض يبقى عندك ثقة فيا وفي نفسك أكتر من كدا."
واجهته هالة بصدق، وهي تحدق في عينيه مباشرة:
"الثقة بتتبني بالوقت والمواقف ما بتتخلقش في يوم وليلة واللي شفته منك يخليني إزاي أثق فيك.. خلاص آخري جبته مش هقدر أتحمل فكرة إنها في حياتك دي يا ياسر عشان دا بيجرحني فاهم يعني إيه."
زم ياسر شفتيه قبل أن يضغط على فكه بقوة، وهو يتحاشى النظر إلى عينيها الزرقاوين المتألمتين، ثم هتف بنفاد صبر:
"يعني عايزة إيه من الآخر يا هالة؟"
"عايزة أكون الوحيدة في حياتك وجوا قلبك.. عايزة تتنافس مع العشاق وأنت بتعبر لي عن حبك ليا.. عايزة أبقى أنا وبس تكون ليها كامل الحقوق فيك.. عايزة كل وقتك كل اهتمامك عايزة أبقى كل حاجة في حياتك."
دار هذا الحديث الداخلي في ذهنها، عيناها فقط هي التي عبرت عما تريده وتتمناه بشدة.
مرت عليهما لحظات صمت ثقيلة قبل أن تتحدث بهدوء، ليشعر بانقباض في قلبه بمجرد سماع كلامها:
"إذا طلبت منك تقطع علاقتك بيها هتوافق يا ياسر؟!"
صدمها رد فعله عندما صاح بالرفض القاطع:
"لا يا هالة.. أنا كنت صريح معاكي من البداية خصوصياتي وأصدقائي خط أحمر لازم تحترميهم وأنتي قبلتي.. يارا أنا مش هقطع علاقتي بيها عشان شوية أوهام مالهاش أساس إلا جوا دماغك وأنتي اللي ليكي عندي إني أحترمك ومقصرش معاكي وبحبك."
أنهى ياسر كلامه بثقة لم يشعر بها، إذ أخذ كف يدها الناعمة بين كفيه بحنان، لقد كان يكذب وكان يعلم ذلك، لكنه لم يرد أن يخسر أيًا منهما، فوجدت هالة نفسها تنظر إليه باستغراب في البداية، قبل أن تنجلي طبقة بلورية من الحزن على عينيها الزرقاوين، وطغى على قلبها ألم لا يحتمل نتيجة نزيف الجرح الغائر في كبريائها كامرأة، هو ألم يخص شخصها ولا علاقة له به.
حملقت هالة في يدها المتشابكة مع يده، لعدة ثوانٍ قبل أن تسحبها بهدوء يخالف حقيقة مشاعرها في تلك اللحظة، بجهد شاق بذلته للحفاظ على ثباتها الانفعالي، حتى لا تنفجر بالبكاء في وضح النهار أمام العيون الفضولية المحيطة بهم، سألته بنبرة مقتضبة:
"ما قصرتش خالص فعلًا.. تقدر تقول لي موقف واحد حقيقي أتحطيت أنا فيه وأنت كنت جنبي فيه؟! ما فيش صح.. بس تروح عادي توصلها هي لبيتها وتسيبني أنا في مشكلة مش كدا؟"
صاحب البالين كذاب يا دكتور.
أخفض ياسر بصره بارتباك من عودة اتهاماتها تتقاذف عليه، لتجرّده أمام ذاته بحقيقة إهماله الغامر تجاهها. لينظر إليها بسرعة مرة أخرى، مستشعرًا بخطر يقترب، وهي تستكمل بسخرية مريرة:
"وبعد ده كله تعبان نفسك وجاي لحد هنا عشان تعاتبني على حاجة ماليش ذنب فيها؟ بدل ما تدعمني بكلمة طيبة تخفف عني التوتر اللي كنت فيه، لا كنت بتلومني على مساعدتي لإنسانة كانت بتموت قدامنا يا دكتور، وبتنتقد تصرفات أخويا.. قد كده أنت زعلان على نفسك؟!"
كاد ياسر أن يجيب، لكنه تراجع عن رغبته في ذلك بشكل مثير للريبة، حينما أشارت إليه بالصمت. فقد سئمت من حججه الضعيفة الكثيرة، خاصة وأن عقلها كان يعيد لها مرارًا وتكرارًا مواقفه الكثيرة أثناء الفترة الماضية، المليئة بانشغاله بامرأة أخرى، وتفضيله لها في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى نظرات المدعوين للخطوبة، مثل النصل القاس المغروس في وسط كرامتها الدامية. أنها لا تستحق أن تعامل بهذه الطريقة التي تؤلم قلبها، مهما كانت واثقة في نفسها، ستبقى نظراته واهتمامه ومراعاة مشاعرها هي الأولوية.
مررت هالة نظراتها مغمورة بالدموع على ملامحه ذات الحاجبين المعقودين، وكم كانت ترغب في البقاء معه، لكن عليها أن تضع حدًا نهائيًا لهذا الألم العميق الذي يسكن أعماقها، حتى تتحرر أنفاسها المحبوسة في رئتيها.
"خلاص أنا لقيت الحل اللي هيريح جميع الأطراف."
توترت ملامحه وسألها بقلق حائر وهو يرى أصابع يدها اليسرى تنزع الخاتم من بنصر يدها اليمنى:
"أنتِ بتعملي إيه؟!"
أمسكت هالة كف يده الباردة بأطراف أصابعها المرتجفة وبسطتها، لتضع خاتم الخطوبة الذي لم تلبسه إلا ساعات قليلة. قالت بابتسامة باهتة:
"اتفضل.. دي مش بتاعتي وما كانش المفروض ألبسها وهي من حق واحدة تانية."
- - -
رواية جوازة ابريل الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نورهان محسن
طالما كان يهوى المخاطر، ويذهب إليها بكامل إرادته، ويخبره حدسه أن طريق هذه المتمردة محفوف بالعديد من العثرات الصعبة، وهذا ما يجعل عروقه تشتعل بنيران التحدي والإثارة في مواجهة تيارات أمواجها الفيروزية التي على الدوام متأججة بالعداء والاستهجان، فاصبر أيها القلب، لدينا الوقت لترويض هذه النمرة الشرسة، سنصمد بقوة مهما صعب علينا الوصول إليها.
***
في منزل مصطفى الترابلسي
داخل غرفة نبيل والده
اقتربت منه هناء، تضيق عينيها عليه في حيرة، وهي تراه بكامل ملابسه، وقالت باستغراب:
"أنت خارج ولا إيه يا نبيل؟"
هز نبيل رأسه بالإيجاب، مهندمًا عنق قميصه الأبيض، وهو يشرح لها بقلق بالغ:
"رايح ورا ابنك ألحقه، مش ناقصين فضايح.. وفوق الخسارة اللي حصلت كمان يعمل حاجة مجنونة يضيع بيها نفسه."
هزت هناء رأسها بإيماءات متتالية بتأييد، وهتفت بتعجل:
"طيب أنا هلبس وهاجي معاك عند سلمى."
استدارت على الفور نحو خزانة الملابس، وخطت عدة خطوات نحوها، لكن صوت نبيل الأجش أوقفها:
"لا ابنك مش رايح البيت عندهم.. رايحهم على المستشفى."
أدارت جسدها نحوه، وبزغ الفزع على محياها، وهي تستفسر:
"مستشفى.. ليه؟"
نهج صدره علوًا وهبوطًا مع تزايد القلق داخله، مع إجابته بصوت متوتر:
"أبريل تعبت إمبارح بالليل ونقلوها على المستشفى.. وأكيد هتبقى عيلة صلاح هناك، وأنا ما أضمنش ممكن ابنك يعمل إيه؟"
اقتربت هناء منه، لتربت على ذراعه بحنان، محاولة أن تبثه بالاطمئنان بينما نجح القلق والخوف في التسلل إلى قلبها:
"اهدأ طيب.. اهدأ ما تتوترش كده غلط على صحتك.. أكيد مصطفى هيقدر يتصرف صح أنا عارفة ابني عاقل."
هز نبيل رأسه بالرفض، وهدر بانفعال لا إرادي، وما زاده ردها إلا غضبًا:
"عاقل!! أنت ما شوفتيش شكله وهو خارج يجري زي المجنون.. تقدري تقولي لي هيتصرف إزاي وهو متشتت بين اثنين ستات ها.. لا لا مش هيقدر يفكر صح طبعًا ومحتاج للي يرجع له عقله أنا سيبته يتمادى كتير قوي."
ظهرت على وجهها علامات الاقتناع بصحة كلامه، فهتفت سريعًا بعزم:
"خلاص.. أنا هحضر نفسي في خمس دقايق وأجي معاك."
***
عند أبريل في الغرفة
أغلقت أبريل باب الخزانة بعنف، وهي تفرك جبهتها في محاولة لإنعاش ذاكرتها المشوشة، وأخذت تتمتم بصوت حائر ملون بأنواع كثيرة من الغضب:
"ده وقته ده.. أدور فين تاني.. أنا متأكدة إنه كان موجود معايا راح فين بس؟!"
"محتاجة مساعدة؟!"
استدارت أبريل في مفاجأة، فور أن جاءها صوته العميق بنبرته الرجولية الساخرة المميزة التي أصبحت مألوفة لها إلى حد ما، فاشتعلت فيروزيتها استنكارًا من وقاحته، وهي تشاهده يقف بجلال قامته الشامخة معها داخل الغرفة بعد أن ولج وأغلق الباب خلفه دون أن تشعر حتى بوجوده، فخرج صوتها خافتًا من نفاد الصبر:
"إحنا مش هنخلص بقى."
ارتفع مستوى صوتها ردًا على هذا الوقح، وهي تصر على أسنانها باغتباط:
"أنت مش كنت مشيت!! إيه اللي رجعك؟"
انفرجت ابتسامة باردة على فمه، وعيناه الرماديتان تتألقان ببريق مفتتن بها، وهي تضع يديها على خصرها بتحدٍّ.
خطا باسم عدة خطوات حتى وصل إلى طاولة صغيرة أمام أريكة تتسع لشخصين، ووضع عليها صينية الطعام دون أن يعير لسؤالها اهتمام، وقال بهدوء مريب:
"باين عليكي فايتك كتير محتاجة تتعلميه.. أولهم إزاي تعاملي حبيبك وخطيبك؟!"
رمقته بنصف عين مهسهسة بمقت:
"حبتك حية تتلف حوالين رقبتك."
زوى بين حاجبيه الكثيفين، عابسًا بجاذبية طاغية لم تلاحظها أبريل وسط اضطرابها، بينما يخبرها بحزن كاذب:
"واهون عليكي يا بندقة وأنا اللي روحت مخصوص أجيب لك الفطار لحد عندك."
أنهى باسم حديثه بابتسامة لطيفة داعبت على شفتيه، فبادلته بأخرى بلا مرح مع نطقها بغضب ناعم:
"كثر خيرك.. حقيقي ميرسي قوي.. بس تعبت نفسك على الفاضي أنا مش هفطر.."
التفتت أبريل في جملتها الأخيرة متجاهلة وجوده، وهي تحمل حقيبتها التي تركتها في سيارته بالأمس وأفرغت كامل محتوياتها على فراشها، تبحث في أغراضها من جديد، على أمل أن يظهر الشيء المفقود، بينما وصل صوته الرجولي المتسائل إلى مسامعها:
"أومال الممرضة اللي بره قالت إنك جعانة وطلبتي فطار..؟!"
تمتمت ساخرة دون أن يسمعها:
"شوفتك نفسي اتسدت."
سرعان ما تومض رماديته بشرارة ماكرة في نهاية جملته، وهمهم بإدراك، بينما تركزت حدقتاه عليها شاملًا إياها بنظراته الثاقبة:
"شكل القطة فاقت وراقت وغيرت هدومها كمان وعايزة تهرب تاني مش كده.. عمومًا ريحي نفسك اللي بتدوري عليه مش هتلاقيه."
توقفت أبريل عما كانت تفعله بعد أن لفت انتباهها بكلامه، فأدارت رأسها ببطء، لتحدق به بهدوء مصطنع، تخفي وراءه الانزعاج وعدم الارتياح من نبرة صوته الواثقة، فبادلها النظرات بغموض، وهو يجلس على الأريكة، واضعًا ذراعيه خلف رقبته ببطء، وارتسمت ابتسامة كسولة على فمه، ناجمة عن سبقه لها بخطوة دائمًا.
ازدردت أبريل ريقها في اضطراب، وتساءلت بتوجس:
"وأنت إش عرفك باللي بأدور عليه أصلًا؟!"
تكلم ببرودة قاسية، فبهتت ملامحها فورًا، وشعرت أن أمرها قد انتهى بها إلى هاوية مخيفة:
"لأن باسبورك معايا.. مش هو ده اللي بتدوري عليه."
اتسعت عيناها بإنشاد من كلماته التي تردد صداها بأذنها، لتسأل باستنكار شديد:
"يعني فتشت في شنطتي وسرقته يا حرامي إزاي تعمل حاجة زي دي؟!"
حرك لسانه داخل فمه ببرود قبل أن يخاطبها بتحذير متذمر:
"عيب لما تكلمي خطيبك بالطريقة دي يا بندقة."
خرجت من ذهولها، تهز رأسها برفض، وهي على وشك الجنون، مجرد التخيل أن مستقبلها اللعين أصبح قسرًا بين يدي هذا الرجل المتلاعب، يجعل غضبها يضرم بتضاعف، صرخت باعتراض عنيف:
"خطيب مين وبتاع مين.. ما تنادي لي بالطريقة دي ثاني.. وباسبوري ترجعه لي حالًا قبل ما أطربق الدنيا فوق دماغك."
تابع بجمود تلك الكلمات الأخيرة الصادرة منها بنبرة تهديد مضحكة، واضعًا قدمه فوق الأخرى، متلفظًا باسترخاء:
"لو طربقتيها هتنزل على دماغك معايا."
برودة أعصابه الجليدية أصابتها بالجنون، بينما كان باسم يستمتع بشكل غريب بحرق أعصابها، فاندفعت نحوه بخطوات غاضبة، واستبدت كل ذرة في خلاياها بتحفز للانقضاض عليه حتى تزيل هذه الابتسامة عن فمه الغليظ، مرددة دون تفكير في خضم استيائها الحارق:
"وأنا اللي هفتح لك دماغك بإيدي.. هو أنتم عاملين مؤامرة علي يعني.. بأي حق عمالين تبيعوا وتشتروا فيا.. مرة هي تاخد موبايلي وتحبسني زي القرد جوه القفص.. ودلوقتي أنت بتاخد باسبوري غصب عني.. إيه فاكرين الناس بتمشي على مزاجكم!!!"
كانت أبريل تتحدث بلهث شديد، وهو يضحك بذهول واضعًا يده بدفاع أمام وجهه مانعًا وصولها إليه، لتسدد ضرباتها على ذراعيه بإصرار مجنون، ودون سابق إنذار، تمكن من إمساك معصميها بإحكام، واختطفها إليه حتى سقطت جالسة فوق ساقيه، ليتساءل باهتمام:
"مين اللي حبستك وأخذت موبايلك يا قردة؟!"
تجمدت حركاتها للحظات من الصدمة مع شعورها بذراعه الذي التف حول خصرها، ثم بدأت بسرعة تدفعه بعيدًا عنها بقوة في محاولات فاشلة، وصدرها يرتفع وينخفض بسرعة من شدة الجهد، مستنكرة بصوت حانق مبحوح:
"إيه ده أنت أجننت!! ابعد عني!!!"
قالت أبريل ذلك بينما تدفعه في صدره، وتسحب نفسها بعيدًا عنه، جعلتها تهرب منه طوعًا، لينظر إليها بعينين متسائلتين، وهي تتراجع خطوتين إلى الوراء، هاتفة بنبرة حادة ومضطربة:
"ما تدخلش في اللي ما لكش فيه وهاته أحسن لك."
حدق في يدها الممدودة إليه، ليقول ببساطة:
"بعد ما تفطري."
ردت بجفاء عنيد:
"مش عايزة أتسمم.. هي عافية.. رجع لي باسبوري بالذوق بأقول لك."
ضحك بسخرية عندما سمع كلمة "ذوق" الذي تناقض مع نظراتها الشرسة، ثم تابع بتهكم:
"هتعملي بيه إيه!! ولا له أي لزمة.. لو فاكرة إنك هتعرفي تخرجي من باب المستشفى أصلًا انسي.."
ما تتعبيش روحك وتتعبيني معاكي، أنا من قلة النوم مش شايف قدامي.
اندلعت جمرات الشك في قلبها، وهي تتساءل بريبة:
تقصد إيه؟
قال باسم ببرود:
روحي بصي وهتفهمي قصدي.
فتابعت بعينيها المذهولة إصبعه السبابة الذي أشار به نحو النافذة.
- - -
في غرفة منى.
أصبح معدل تنفسها مرتفعًا ولاهثًا، عندما وصل إليها صوته، لتتمكن بصعوبة من تجاهل النظر إليه، وتمتمت بالرفض:
ماما خليه يمشي مش عايزة أشوفه قدامي.
عز اخرج الله يرضى عليك يا ابني.. أنت مش شايف حالتها بقت عاملة إزاي بسببكم.. بقت هي دي الأمانة اللي أمنتك عليها.
تجاهل كلمات سوسن التوبيخية، وكأنه لم يسمعها، كل تركيزه كان على التي كانت تجلس، تخفض وجهها لتجنب النظر إليه، ليهمس بمرارة معذبة:
خلاص يعني لدرجة دي ما بقتيش طيقاني ولا قادرة تبصي لي.
تجاهلت منى سؤاله بابتسامة ساخرة مغمورة بالدموع وصوبت حديثها إلى دعاء:
استريحتِ خلاص يا دعاء هانم.. ألف مبروك اللي كنتِ عايزة توصلي له حصل.
ابنك حبيبك طلقني.. وابني خسرته من قبل ما ألحق أفرح بيه.
خرجت الكلمات مشحونة بنيران أججها إحساسها بالظلم الشديد، وسقطت كالصاعقة على رأسي عز ودعاء، التي تجمدت في مكانها للحظة، وأخفضت أعينها من الخجل، وبينما يقف عز يوزع بينهما دون أن يفهم:
يلا مستنية إيه!! خديه واطلعوا من حياتي.. روحي جوزيه للي تستحقه وخليه يسيبني في حالي بقى.
تعظمت حيرته مع كلام منى، لكنه وضع كل أسئلته جانبًا محاولًا أن يصبر عليها أكثر، وتحدث بهدوء شديد:
ممكن تهدي شوية يا منى.. أنا مستحيل هتخلى عنك ومقدر الحالة الصعبة اللي أنتِ فيها.
قال عز ذلك، وهو يتقدم نحوها عدة خطوات، ليقف أمام السرير، ويرفع يده يريد أن يلمس شعرها، إلا أن أيقظه صوتها فور أن صرخت بهجمة حادة، مما أفقده كل دفاعاته الواهية أمامها:
ابعد عني وامشي اطلع بره أنت وأمك.
احتقن وجهه من جفائها المبرر، ثم ألقى نظرة سريعة وشاملة على من معهم في الغرفة قبل أن يسأل بحدة:
في إيه يا منى بالضبط.. إيه لزوم التجريح ده في أمي مش فاهم؟!
مسحت دموعها بظاهر يدها، وقالت بحزن ملموس في نبرتها الباكية:
ابقي خليها تفهمك.. ابقي قولي له كنتِ بتخططي لإيه.. ابقي احكي له الكلام المسموم اللي على طول كنتِ تسمعيه لي.. وابقي افتكر إن ابني مات بسببك يا عز.. ولو انطبقت السما على الأرض عمري ما هسامحك.
- - -
في المنصورة.
داخل منزل الجدة تحية.
داخلة بتنفخي من الصبح ليه يا بنتي؟!
تساءلت تحية بذهول، وهي جالسة على الأريكة في غرفة معيشة المنزل، فتلوت شفتا صابرين وهي تجاورها قائلة بنزق:
شفت أخت أم أحمد وهي طالعة لها.. يا ساتر لما الاثنين دول بيتلموا على بعض ما حدش بيسلم من لسانهم.
تحية بإيماءة لا مبالية:
سيبك منهم.. أحمد كلمك قال لك وصل واطمن على أبريل ولا لأ؟
صابرين بنفي شارد:
لسه ما اتصلش.
تابعت بصوت هادئ، وكأنها تفكر بصوت مسموع:
بس شكلها كده هتحصل خناقة جديدة بين أحمد ونادية.
تحية بحيرة:
ليه خير؟!
ردت صابرين باستفاضة:
صدفتها على السلم كانت واخدة بنتها وشنطة هدومها وماشية.. وبتقول أمها عيانة بس أنا متأكدة إنها أكيد زعلانة.. ما شفتيهاش امبارح كان بوزها شبرين وهي قاعدة معانا.. لازم طبعًا مضايقة عشان أحمد راح لأبريل.
تحية بنبرة حزينة:
حقها يا بنتي ما هي مراته.. يلا ربنا يهديهم.. ذنبها إيه البنت اللي في وسطهم ومتبهدلة بينهم دي.
التفتت صابرين إليها، وهي تثني إحدى ساقيها أسفلها، لتسأل بتردد مفكر:
تفتكري يا ماما يعني لو كان جاب البنت دي من أبريل مش الحياة كانت هتبقى أحسن هتبقى متشحططة معاهم كده.
هزت تحية رأسها بسرعة مستنكرة بشدة وقالت:
...
- - -
عند باسم.
وضع باسم ذراعه بطول حافة الأريكة، وتحدث باستهزاء:
يلا اتحفيني بقى.. ناوية تطيري من الشباك عشان تهربي من أكثر من 15 مراسل صحفي لقنوات كثير أحسن حاجة تعمليها إنك تعقلي كده عشان خروج من هنا لوحدك ده مستحيل.
حدقت أبريل بهم من النافذة بقلب ينبض مثل الطبول، ولم تستطع الوقوف بهدوء، لتتحرك في مكانها ذهابًا وإيابًا بتوتر بالغ، وهي ترفع يديها وتمسك بهما رأسها الذي كان يترنح من تشوش أفكارها، لتهمس بعصبية:
كان فين عقلي!! كان فين لما ورطت نفسي الورطة السودة دي يا رب!!!؟
تبدلت ملامح باسم اللامبالية إلى ملامح أكثر جدية، تناغمت مع صوته الهادئ مع لمحة من الحدة:
أظن كده خلاص اكتفيتِ من العناد واقتنعتِ إن الحكاية دخلت في الجد واللعب الفردي ما بقاش في صالحك.. يلا تعالي اقعدي خلينا نفطر ونفكر هنعمل إيه ونتفاهم على كل حاجة قبل ما يوصلوا.
التفتت أبريل لتنظر إليه وبضيق شديد، فحاول تغيير مجرى الحديث من خلال سؤاله المرح، بعد أن تدحرجت عيناه على الصندوق الموضوع أعلى السرير:
بالمناسبة عجبتك الشوكولاتة؟
انتقل بصرها إلى حيث أشار إليه، ثم ابتسمت بوداعة خطيرة، وردت عليه بغموض:
حلوة وغالية!!
سأل باسم مرتابًا، وهو يشاهدها تتحرك من السرير، لتلتقط الصندوق، وتعود أدراجها إلى النافذة:
هتعملي إيه؟
حدقته أبريل بعيون ارتسمت بها براءة مصطنعة مبطنة بالخبث، ثم مدت يدها إلى المقبض، لتفتح النافذة على اتساعها، وأسقطت الصندوق منها في غمضة عين، قبل أن تعاود النظر إليه، وهي تتحدث بغطرسة ممزوجة بالاستفزاز، وشعر جزء كبير منها بفرحة النصر عليه:
كده أعتقد وصلك ردي على التخاريف اللي كنت بتقولها!! ويلا اديني باسبوري يا حرامي قبل ما أخليك تحصل شوكولاتك من الشباك.
قام باسم من مقعده، وركز رماديتيه على معالم التحدي المشع بفيروزيتها الخلابة، مع التهديد المباشر في لهجتها، ليخطو نحوها ببطء، وهو يتحدث معها بهدوء لا يشعر به بعد أن استفزته حركتها كثيرًا:
مش حرام النعمة تترمي كده؟!
مش عايزة من وشك حاااا.
تلاشت بقية جملتها بالهواء في ذعر، إذ تبخر شعورها بالفوز عليه الذي أعمى بصرها بكل غباء عن رؤية تقدمه نحوها، مهيمنًا عليها بطوله الشامخ.
وقبل أن ترمش حتى، أمسك معصمها وسحبها نحوه، فأصبحت سجينة ذراعيه، وظهرها ملاصقًا على صدره العضلي الملتهب بجمرات الغضب من تمردها المفرط.
مرت عليهما لحظة سكون جراء صدمتها، ظهرت ابتسامة شقية على شفتيه منتظرًا باستعداد رد فعلها المتوقع، إذ تسمرت صامتة كما لو أنها قد صدمت للتو بتيار كهربائي من ملامسة أجسادهما ببعض، وللمرة الثانية في نفس الساعة، تمكنت من استنشاق عطر أنفاسه مع الهواء بسبب شدة قربه الجريء منها، وبصعوبة تمكنت من خروج الحروف بتلعثم مذهول:
مسكني كده.. إزاي!! لو ما بعدتش عني هصرخ.. وأعمل لك فضيحة.
مال باسم برأسه نحوها، وضغط خده بذقنه الخشنة على خدها الناعم، الذي يشع باحمرار الغضب والخجل في آن واحد يتلامس نعومة بشرتها برقة، ضامًا إياه بإحكام إلى صدره بكلتا يديه حتى يردع بعض حركاتها المتهورة، ليهمس بالقرب من أذنها بتسلية:
تؤ تؤ مش قبل ما نتفق.
تسللت رجفة غامضة إلى سائر جسدها المرتبك من لمساته الحارة، فهزت رأسها رفضًا لهذه المشاعر التي عصفت بها، وأخذت تقاومه بشراسة، وهي تصرخ بعناد تلقائي:
في أحلامك إني أتفق على أي حاجة مع واحد سافل وحقير زيك.
قال باسم بتروٍ، وهناك شعور يغمره بالرضا والاستمتاع، وهي بين ذراعيه تكافح للتحرر من أغلاله الحديدية بضراوة تتناقض مع وداعة وجهها الرقيق وصغر جسدها الرشيق مقارنة بجسده الشاهق:
هأعمل نفسي ما سمعتش ظفارة لسانك دي بشكل مؤقت.
قاطعته أبريل ساخرة بحدة:
هأعمل إيه ثاني أكثر من اللي عملته فيّ ها!! سيبني باقول لك يا قليل الأدب!!!
واختتمت أبريل جملتها بمحاولة فاشلة للإفلات من حصار أحضانه، ليشدد باسم من احتضانها أكثر، هاتفًا بضحكة مندهشة:
اهمدي بقى أنتِ جايبة الشراسة دي كلها منين يا بت.. ده أنتِ كلك على بعضك تتقاسي بسلك الشاحن.. عمالة تعافري وأنتِ ما فيكِ حيل إزاي..!!!
تأوهت ابريل بألم من قبضته القوية التي تعتصر معصميها، لتهتف بوعيد حارق:
سيبني يا بارد.. والله لأدفعك ثمن عمايلك دي غالي وهتشوف يا حيوان.. اوعى بقى!
بلع باسم كتلة النار المتقدة بالغيظ في جوفه، ليسألها بأنفاس متهدجة:
هو أنتي لازم تطولي لسانك؟ ما بتعرفيش تتكلمي بأسلوب أنظف من كدا خالص!
ردت ابريل من بين أنفاسها اللاهثة:
هو دا الأسلوب اللي ينفع مع أمثالك.
اختفت ضحكاته المرحة في أقل من ثانية، وتحولت إلى نبرة خطيرة، أقرب إلى الهسهسة بجوار أذنها، بينما يشعر بجسدها يرتجف بين يديه بتأثير لا إرادي، ونظراته موجهة إلى النافذة:
حطي في الاعتبار إني عديتلك كتير أوي لحد حسابك ما تقل زيادة عن اللزوم معايا.. لو عايزة باسبورك يبقى في إيدك تنفذي اللي هقوله من غير دبش وصريخ وعناد.. والمرة دي إذا ما سمعتيش الكلام ما تلوميش إلا نفسك.. فاهمة!
نطق الكلمة الأخيرة بحدة مخيفة تلاعبت بأعصابها بلا رحمة، ودون أن يمنحها الفرصة للتنبؤ برد فعله التالي، فوجئت به يدفعها على الأريكة الجانبية بقوة طفيفة، فخرجت شهقة مذهولة من بين شفتيها بعد أن فقدت توازنها، وسقطت عليها بشكل ملتوي.
رفعت فيروزيتها بغضب عازمة على توبيخه، فتجعد جبينها خشية من رماديتيه التي تشعان صواعق براقة لا تبشر بالخير، ما جعلها تبتلع لعابها بصعوبة، وازدادت نبضات قلبها حتى كادت تقفز من ضلوعها خوفًا، وهي تتابع اقترابه منها، لكن في اللحظة التالية، تفاجأ كلاهما بفتح باب الغرفة دون استئذان، ليظهر شخص ما من خلفه، فجحظت عيناها على اتساعها بذهول واحتبست أنفاسها تلقائيًا في صدرها.
رواية جوازة ابريل الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نورهان محسن
بيني وبينك حروب صامتة..
لا أنت بدأت السلام لتنهي المعركة، ولا أنا انسحبت مهزوم لأنهيها.
بيني وبينك جدران من مكابرة، بنيناها بأنفسنا دون أن نشعر ولو للحظة أننا لن نستطيع هدمها.
بيني وبينك ملل وإحباط، لم نكن نعرف في بداية الأمر أننا سنصل إليه يومًا، كنا نظن أن قصتنا ستكون مثل بداياتها الرائعة.
بيني وبينك نار الغيرة الحمقاء التي لا تعرف المنطق أبدًا.
بيني وبينك كل موقف أهوج تصرفنا به كالغرباء مع بعضنا البعض.
بيني وبينك حماقة.
بيني وبينك تسرع.
بيني وبينك انفعالات بغير مكانها سببت لي ولك الجراح.
بيني وبينك محادثات بالساعات مليئة بالحب والأمل.
بيني وبينك محادثات لم تكمل الخمس دقائق لا نجد فيها ما نقوله!
بيني وبينك تحول جذري مخيف.
بيني وبينك فراق كان مثل بداياتنا.. عنيف وصادق.
عند عز
_ ولو انطبقت السما على الأرض عمري ما هسامحك.
سوسن بقلق: اهدي يا منى، كفاية تعملي في نفسك كدا.
اقترب عز بلهفة بعد أن انتابه القلق عليها بشدة، رغم حزنه من شراسة هجومها عليه: خلاص يا حبيبتي.. اهدي انتي تعبانة وفقدتي دم كتير، غلط عليكي كدا عشان صحتك و...
تغضنت حاجباها باستنكار، ورددت بقهر منتحب: صحتي!! أنا عاوزة ابني يا ماما، ما لحقتش حتى أحس بوجوده ولا أفرح بيه.
ألقت بنفسها على صدر أمها مع كلماتها الأخيرة، لتربت سوسن على خصلات شعرها البنية بحزن، محاولة التخفيف عنها: ربنا هيعوضك يا حبيبتي.. استهدي بالله كدا، دا قضاء الله ما كانش مكتوب له يكمل.
جلس عز سريعا على حافة السرير ليخبرها بأسلوب رقيق حنون، محاولًا استرضائها: أنا مستعد أعملك كل اللي تطلبيه، كل حاجة الدنيا كلها ما تغلاش عليكي عشان تسامحيني وتتحسني يا حبيبتي.
_ مش عايزة أي حاجة منك غير ورقة طلاقي، تبعتهالي وبعدها مش عايزة أشوفك تاني.
حدقت منى إليه بضراوة حارقة مع اختتام حديثها القاسي على قلبه الذي يرتعد بين ضلوعه من شدة اللوعة، إنه لا يعرف ماذا يفعل، فهل يبكي على حاله أو حالها؟ يلتمس لها كل أعذار العالم لما فعله بها، ولكن فكرة ابتعادها عنه تفقده عقله وتنتزع روحه من جسده مما جعل دموعه تتساقط من مقلتيه لا إراديًا قائلًا بخوف من فقدانها: انتي بتقولي من قهرتك وجرحك كبير ومقدر إن اللي مريتي بيه مش سهل، وأنا مستعد أستحمل منك كل حاجة.. بس أنا مقدرش أبعد عنك يا منى، انتي محتاجالي زي ما أنا محتاجلك ومش هسيبك، هردك لعصمتي تاني ودلوقتي.
امتزج إصرارها الحاد بدموعها الغزيرة على خديها المحتقين من شدة الانفعال في قلبها المحطم: إذا عملت كدا هخلعك يا عز.. مش مكفيك كل الأذى اللي وصلته بسببك.. انت أكتر مخلوق على الأرض بقيت بكرهه وبحتقره، فاهم؟ بحتقرك وبكرهك، اطلع من حياتي خالص، مش طايقة أشوفك قدامي ومش عايزة منك حاجة.
ظلت تتلوى بشكل متشنج بين ذراعيه التي كان يحاول أن يحيطها بهما حتى يسيطر على حركاتها الخرقاء، لكنها استمرت في الصراخ وهي منهارة، تبكي بمرارة، حتى جاءتهم الطبيبة بسبب الضجيج، قائلة بنبرة جدية: كدا ما ينفعش يا جماعة، حالة المدام ما تسمحش بكل الانفعال دا خصوصًا مع كمية النزيف اللي حصلت لها.
تابعت بعملية: لو سمحتم اطلعوا برا.
وقف مكانه بعينين متحجرتين وملامح جامدة، نقشت العذاب على ملامحه بإتقان، بينما تنهدت الطبيبة باستسلام وأعطتها حقنة مهدئة بعد أن أصيبت بانهيار عصبي من قوة صدمة فقدان جنينها، وبعد عدة لحظات بدأ الدواء يسري مفعوله في عروقها مما جعلها تسترخي تدريجيًا على السرير، وهي لا تزال تتعرق وتهذي بكلمات غير مفهومة حتى ذهبت إلى عالم آخر أمام نظراتهم الحزينة والمشفقة.
في غرفة إبريل بالمستشفى
جحظت عيناها على اتساعها بذهول، واحتبست أنفاسها تلقائيًا في صدرها، وهي تنطق بسعادة مشدوهة: عمر.
ركض الطفل نحوها مباشرة، ورمى جسده الصغير بين ذراعيها، وهو يقول بصوت لاهث: جيت أديكي حضن كبير بتاع النهارده وإمبارح.. انتي وحشتيني يا إبريل، انتي كويسة؟
سأل عمر باهتمام، لتقبل خده بلطف تحت أنظار باسم، حيث كان مذهولًا من تغيرها الجذري مع عقلة الإصبع هذا، بينما قالت بحب حقيقي: يا حبيب قلبي أنا زي الفل.. وانت كمان وحشتني أوي.. انت إزاي جيت هنا؟
أجابها عمر بتلقائية طفولية: مع ماما وجدو وتيتة، بس أنا سبقتهم وجبتلك دي، عارف إنك بتحبيها، هناكلها مع بعض.
نظرت إلى الكيس البلاستيكي بانشداد، ثم قبلت خده مجددًا بضحكة جميلة: يا روح قلبي ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا.
همت بفتح الكيس، فقاطعها باسم، وهو يأخذها منها بحركة مباغتة بعد أن جلس بجانبهما على الأريكة، ومد يده لها بالكوب قائلًا بنبرة آمرة باردة: اشربي اللبن الأول.
رد عمر بسرعة بدلًا منها: لا إبريل بتكح كتير ووشها بيحمر من اللبن.
ابتسمت للطفل، وأخذت الكأس من يد باسم، وأعطته له قائلة بحنان: خد انت اللبن اشربه يا حبيبي، ولما تخلصه هناكل غزل البنات، اتفقنا؟
تعجب باسم من هذا الحب الشديد بينهما، وقال بتساؤل: بتاكلي بسكوت مع الشاي ولا عايزة كرواسون.. أوعي وشك يبقى بيحمر منه دا كمان!!
انزعجت إبريل من أسلوبه الساخر المعتاد معها، وهمست بحدة: مش عايزة حاجة، قلتلك انت ما بتفهمش عربي، رجعلي باسيبوري واتفضل امشي من هنا، كتر خيرك لحد كدا.
مال باسم نحو أذنها، وتمتم بنفس النبرة: طيب عناد فوق عنادك، مش ماشي ولا هرجعلك باسبورك إلا لما تسمعي الكلام وتخلصي فطارك، أدينا قاعدين.
اغتاظت إبريل من تهديده لها، لتدمدم بعناد رهيب: مش سامعة كلام وهات الباسبور بالأدب وإلا...
قطع صراع الهمس بينهما صوت أنثوي يقول بهدوء: صباح الخير.
اتجهت أنظارهما نحو الباب، ليجدوا ريهام تدلف بطلة أنثوية جذابة، ورائحة عطرها الرائعة تسبقها، فردا التحية في نفس الوقت.
ريهام بهدوء: إزيك يا باسم.. عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟ حاسة إنك أحسن؟
اكتفى باسم بهز رأسه، في حين ردت إبريل باقتضاب: الحمد لله.
شعرت ريهام باستمرار إبريل في الانزعاج منها، لتقول بنبرة عادية: بالمناسبة، بابا بيتكلم مع الدكتور برا عشان يطمن على صحتك وداخلين يشوفوكي.
أضافت وهي تشير إلى الطفل: تعالي يا عمر اغسل إيدك، عن إذنكم شوية وجاية.
عند هالة
_ انتي بتعملي إيه؟!
أمسكت هالة كف يده الباردة بأطراف أصابعها المرتجفة وبسطتها، لتضع خاتم الخطوبة الذي لم تلبسه إلا ساعات قليلة، قالت بابتسامة باهتة: اتفضل.. دي مش بتاعتي وما كانش المفروض ألبسها، وهي من حق واحدة تانية.
رمق ياسر الخاتم الذي في يده بتعجب، وخاطبها باستنكار: هالة.. انتي منفعلة دلوقتي، بلاش قرارات نندم عليها بعدين عشان شوية حكايات في بالك مالهاش أساس.
هالة بابتسامة حزينة: بالظبط، هي فعلًا كانت حكاية وكل حكاية وليها نهاية.. بس تصدق أنا كنت عارفة النهاية قبل ما تبدأ الحكاية دي بس كنت بقاوح مع نفسي.
قالت هالة ذلك لتهم بالرحيل، لكن قبضته على معصمها منعتها، قائلة بنبرة غاضبة: استني هنا..
انتي عمالة تجيبي كلمة من الشرق وكلمة من الغرب، ومش مدياني فرصة أدافع فيها عن نفسي، ولا عايزة تسمعيني.
نظرت هالة إلى يده بارتباك، وتحدثت بأهدأ لهجة تملكها، وأشارت إليه بحزم:
الكلام بينا خلص خلاص، لو سمحت سيبني أمشي.
هز ياسر رأسه بالنفي، وشدها إليه أكثر، قائلًا بحدة حاسمة:
مش قبل ما تسمعي اللي هقوله.
لم يترك لها أي مجال للرد، بل سحبها خلفه إلى الباب الخلفي للسيارة، وقال بنفاذ صبر:
اتفضلي اركبي.
هل أصابه الجنون؟ هذا ما كان يدور في رأسها من تحوله المفاجئ، لتهتف بارتياب، وكأن أذنيها لا تسمعان ما أمرها به:
هو أنت ماسكني كدا ليه؟
صر ياسر على أسنانه، وهو يشدد قبضته عليها، وقد وصل سخطه منها إلى أقصى حد، وهو يتمتم بتحذير:
الناس بدأت هتتفرج علينا، خلينا نروح نقعد في حتة ونتفاهم.
وضعت هالة يدها على يده، تحاول أن تدفعه عنها، وكانت على وشك الرد، لكن قاطعها جسم ضخم وقف كالحاجز بينها وبين ياسر، وقال بصوت رجولي بارد:
مش من الأصول تسحب بنات الناس من إيدها في الشارع وتركبها العربية وبالعافية، ماينفعش.
في غرفة إبريل بالمستشفى
مرت عدة دقائق وهما يستمعان إلى صوت صنبور الماء من داخل الحمام، فيما جلست إبريل بجوار باسم، تهز قدميها بحركة متوترة، وعيناها على باب الغرفة، رمقها باسم بنظرة خاطفة، وهو يعلم ما يدور في ذهنها.
_إذا وجودي مش مريحك فأنا ممكن أمشي.
قال ذلك بهدوء خبيث، ثم نهض من مقعده ينوي الذهاب إلى الباب، لكن إبريل انتفضت بسرعة خلفه، وتلقائيًا تشبثت بذراعه لتمنعه من الخروج، قائلة بلهفة متوترة:
هتروح فين؟ أنت هتسيبني هنا وسطهم لوحدي؟ خليك وانسى مؤقتًا اللي كنا بنقوله.
كتم باسم ابتسامته، وهو يحاول الحفاظ على ملامحه الجدية، بينما كان يستمتع بعنادها الذي تتمسك به باستماتة، فرفع وجهه إلى أعلى وكرر بمكر:
مؤقتًا ها... لا يا ستي ماتجيش على نفسك كدا... شكلي فرضت نفسي عليكي أكثر من اللزوم ودي مسائل عائلية وأنا غريب!
ردت إبريل بارتباك:
عادي مفيش مشكلة إذا قعدت.
جلس باسم على حافة الأريكة، فأصبح مستوى طولها تمامًا، وتساءل في دهشة:
تغيير مش متوقع صراحة... بس عارفة الجملة دي ناقصة حاجة.
عقدت إبريل ذراعيها إلى صدرها، وتساءلت بعدم فهم:
إيه بقى؟
تأملها عن كثب للحظات قبل أن يقول:
إحساس واحترام.
ارتفع حاجبها بتعجب، وهمست بتساؤل:
أنت بتتلكك بقى؟
رفع باسم حاجبه بحركة مماثلة، وأجابها بتحدٍ هامس:
آه بتلكك... قولتي إيه؟
زفرت إبريل الهواء بضيق يظهر مدى الحنق الذي يشتعل في عروقها، قالت بتبرم:
لو سمحت ممكن تخليك.
هز باسم رأسه بعدم رضا، وقال بابتسامة جانبية:
بنفس عشان أصدقك.
مضت عدة ثوان أدارت بهم وجهها إلى الجانب الآخر، لتتنفس بعمق قبل أن تنظر مرة أخرى إلى عينيه الرماديتين الداكنتين، ثم تحدثت بصوت رقيق مملوء بالرجاء الصادق:
ممكن لو سمحت تفضل معايا وماتسيبنيش هنا لوحدي.
تبادلا النظرات للحظات بين الحاجة والقلق والرضا والصمت، قبل أن يقرب شفتيه بجوار أذنها، لتتغلغل رائحتها الرقيقة إلى رئتيه، وهمس في تساؤل شارد بصوت حانٍ جعلها ترتجف كأنه يحادث نفسه:
أسيبك وأروح على فين؟
أمام غرفة في ممر المستشفى
جر قدميه إلى خارج الغرفة منهكًا، وعيناه غير قادرتين على رؤية أي شيء مملوءتين بالحزن، وكلماتها القاسية لا تزال تتردد في أذنيه، مما جعل حياته سوداء كالليل المظلم، لكن قلبه الهادر باسمها سيظل متمسكًا بالأمل، ربما تحدث معجزة سحرية حتى تعود حبيبته بين ذراعيه مرة أخرى.
أفاق عز من حالته على صوت يهتف بأنفاس لاهثة:
ماما.
رأت سوسن ابنها قادمًا بخطوات واسعة نحوهم، وعندما وصل إليهم قالت بتعب:
تعالى يا حازم شوف اللي جرى لأختك!
التقط كفها الباردة بين يديه، يربت عليها بلطف، ويقول لها في حرج:
معلش اتأخرت عليكم غصب عني.
تساءل حازم بقلق:
طمنوني إيه أخبار منى؟ عملت في نفسها كدا ليه؟
سوسن بمرارة متجاهلة وقوف عز ودعاء الصامتة:
حالتها لا تسر عدو ولا حبيب... أختك مدمرة على الآخر. أول ما تقدر تقف على رجليها هاخدها ونسافر على الشرقية.
سارع عز بالتدخل بشكل فظ:
تسافر إزاي يعني يا حجة...
حازم بهوادة:
استهدي بالله يا عز... أكيد منى محتاجة تغير جو والسفر هيساعدها.
أطلقت سوسن تنهيدة ساخرة، ولم تعجب عز نبرة التهديد منها عندما تحدثت بحزم:
اسمع يا عز قدام الكل بقولك بنتي ورقتها توصلها لحد عندها ومتتقربش منها تاني كفاية اللي جرى لها بسببك لحد كدا.
تدخل حازم يقول باستهجان:
اهدي يا ماما طلاق إيه بس؟
قالت سوسن بجفاء مغمور باللوم:
اسأل جوز أختك، ولا أقول طليقها بعد ما رميت عليها يمين الطلاق إمبارح.
تكلم بخشونة تضاهي سوداويته الحادة:
اسمع يا حازم، خلاص أنا موافق إنها تسافر عشان تهدي أعصابها وتعرف تفكر كويس، بس مش هطلقها رسمي إلا لما تبقى متأكدة من قرارها، وأي حاجة هي عايزاها أنا هنفذها، ودا آخر الكلام.
مشى بجانب أمه بضيق شديد، وقلبه يغلي غضبًا وقهرًا، لا يصدق أنه سيسمح لها بالابتعاد عنه، لا يستطيع تحمل فكرة الفراق عنها بتلك السهولة، لكن كان عليه أن يمنحهما فرصة للتفكير والاسترخاء، ربما تغير قرارها الذي اتخذته عن مستقبلهما معًا.
في شقة زينب أم أحمد
_آه يا ركبتي، بقالي يا أختي مدة ركبتي بتنقح عليا، العيال وطلباتهم هدّت حيلي.
قالت ذلك أختها بنبرة متعبة، بينما كانت تجلس معها في غرفة المعيشة، فخاطبتها زينب بلطف:
سلامتك يا حبيبتي، أبقي فكريني وأنتِ نازلة أديكي اسم مرهم هيسكّنلك الوجع.
ردت بابتسامة:
تعيشي يا قلبي... طمنيني صوتك في التليفون قلقني، خير حصل إيه؟ أنتِ وغوشتيني أوي.
خفضت زينب عينيها، قائلة بتنهيدة يتخللها الأسى:
مش خير خالص يا سناء... أنا في غلب من ساسي لراسي يا أختي، وضغطي واطي وتعبانة أوي.
سناء بفضول:
سلامتك... غلب إيه؟ خير كفانا الله الشر... هو مش أحمد اسم الله عليه رجع من السفر وخدتيه في حضنك واطمنتي عليه، قالباها محزنة ليه بقى؟
زينب بتبرم:
يا فرحتي برجوعه... رجع وناوي يخرب بيته بإيده.
_مش فاهمة حاجة؟
روت لها زينب بسخرية الحديث الذي دار بينها وبين أحمد بعد قراره السفر إلى القاهرة:
إمبارح فتحني في سيرة اللي ماتتسمى.
حكت سناء طرف حاجبها بحيرة:
قصدك على مين؟
هتفت زينب بنزق:
البت إبريل، هو في غيرها ماتتسمى.
لوت سناء شدقها بعدم رضا:
إيه اللي فكّره بيها تاني؟ مش اتقفلت السيرة دي من ييجي أربع سنين؟ من يوم ما فركشتي خطوبتهم والغندورة سافرت عند أبوها وخلصتوا من همها، وابنك بسم الله ما شاء الله عليه اتجوز وخلف وارتاح قلبك.
هزت زينب رأسها بنفي عدة مرات، وقالت بحسرة:
مفيش حاجة اتقفلت يا سناء يا أختي.
_يعني إيه الكلام دا يا أختي؟ معقولة لسه حاطتها في دماغه؟
_الله يسامحك يا ابن بطني... من لحظة ما عرف إن المحروسة خطوبتها اتفسخت والموضوع رجع يشعشع في نفوخه من تاني.
سناء باستفهام:
طيب ومراته؟
ردت بابتسامة متكهمة ممزوجة بالقهر:
بيقول إن معندوش حاجة تمنع ويقدر يفتح بيتين...
الحكاية دي تدخلنا في خناق ومشاكل من تاني، مش عارفة أعمل إيه.
قالت سناء بدراما: يا خبر، زعلتيني ليه كدا؟ هي مراته مالها؟ ما هي زي القمر وبتحبه وتتمناله الرضا يرضى.
قالت زينب: أهو اللي حصل، مش راضي باللي مقسوم له، وكل ما أفتح بوقي يقلب لي خلقته. كأنه بيقولي: أنتِ السبب يمه، وأنا سبتها عشان خاطرك. بس لسانه ما بينطقش. وأنا قلبي حرقني عليه، يعني كنت مفكرة لما يتجوز ومراته تبقى في بيته هيركز معاها وينسى أبريل وأيامها.
قالت سناء: يا زينب، ما هو دا الطبيعي، مش سهل على البني آدم ينسى حد كان بيحبه ومتعلق بيه، خصوصًا إنهم متربيين مع بعض من صغرهم.
قالت زينب بضيق شديد: مش عارفة، مش عارفة أعمل معاه إيه بس يا خوفي لا ينخرب بيته ويرجع يندم.
ربتت سناء على كتفها بمواساة يتخللها اللامبالاة بالأمر: إن شاء الله خير، اهدي أنتِ بس.
في غرفة أبريل.
قال فهمي: الله الله، واضح إن صحتك ردت، لابسة ومحضرة شنطتك كمان، إيه كنتِ عايزة تكرريها تاني مش كدا يا بنت؟
صاح فهمي مستنكرًا بشدة بعد أن اقتحم الغرفة وسلمى خلفه، ثم واصل حديثه الغاضب: ومعناه إيه اللي منشور في الجرايد وعلى المواقع دا يا أبريل؟ يعني إيه أنتِ تعلني للصحافة أنكم مخطوبين حتى قبل ما يتقدّم لك في الحفلة؟ ممكن تفهمونا؟
وزع فهمي نظراته بينهم، ليبادر باسم بالتحدث بصوت هادئ: ممكن تقعد يا عمي وتهدي عشان نعرف نتكلم.
بدأ يغزو الارتباك كيان أبريل، لذا حاولت الحفاظ على بعض الهدوء والاستقرار الانفعالي، وهي تسأل بصوت متقطع: هو مين قال أصلًا إني هربت؟!
قال فهمي بنفاذ صبر: أومال إيه كل اللي حصل دا؟ إيه تقدري توضحيلنا؟!
حركت قدميها نحو السرير، وعقلها يعمل بأقصى سرعة حتى جلست على مسافة قليلة من باسم، وكأنها تبحث عن ملجأ آمن بجانبه، وأجابت بتوتر: حصل بالغلط غصب عني. كنت مضايقة ومخنوقة من القعدة في الأوضة لوحدي. لاقيت نفسي بلبس عشان أروح الخطوبة.
استنكرت سلمى بعدم اقتناع: أومال مين ولع في الفستان إن شاء الله؟ كانت الولاعة بتعمل معاكِ إيه من الأساس؟!
أخبرتها أبريل بلهجة مغلفة بالثبات والثقة: كانت هدية من مصطفى. كنت رامية الفستان على الأرض من عصبيتي. وأظاهر إن شبكت فيه النار لما وقعت مني الولاعة من غير ما آخد بالي وأنا خارجة. ولما خرجت لاقيت الأمن بيجروا ورايا فاتخضيت وجريت منهم لحد ما وصلت لفيلا أونكل صلاح. وهناك قبلت باسم وهو اللي فاجئني بطلب جوازه مني وقتها اتجمع المصورين علينا وسمعونا ما عرفناش نوضحلهم حاجة وكل حاجة حصلت بسرعة.
قالت سلمى بسخرية: وإحنا المفروض نصدق التمثيلية العبيطة بتاعتك دي؟
اندفعت أبريل تقول بنبرة قوية ذات مغزى: زي ما أنا صدقت تمثليتكم الخايبة ليا.
صرخ فهمي بعنف وعلى إثر ذلك انتفضت أبريل وشحبت بخوف: شكلك مش حاسة بالفضيحة اللي حصلت بسببك لينا ومصطفى ولأهل باسم كمان.
ضاقت عيناها بدهشة حقيقية، وهي تجيبه بدفاع عن نفسها: فضيحة ليه؟ أنا ما عملتش حاجة أخاف منها. ومصطفى ما لوش عندي حاجة، خطوبته وفسختها لأنه واحد كذاب وغشاش. وقرار خطوبتي من باسم محدش له إنه يدخل فيه، دي حياتي ومن حقي أنا اللي أختار أعيشها إزاي؟
زجرها فهمي بصرامة حانقة: اخرسي يا بنت، أنتِ جايبة البجاحة دي منين؟ بقى دا جزاءنا على اللي بنعمله عشانك يا بنت إلهام.
سارع باسم بالتحدث بدفاع: فهمي بيه، المكتوب دا كلام جرايد ومتفبرك. أظن إنك المفروض تكون أكتر واحد فاهم كدا كويس. المهم دلوقتي نحضر في أسرع وقت ترتيبات الخطوبة عشان نقفل على إشاعات طلعت دي نهائي.
قالت ريهام بانخراط في الحديث: وأنت تعرفها أصلًا منين يا باسم وإمتى عشان تتقدّم لها؟ وليه عايز تتجوزها بالسرعة؟
تابعت ريهام بخبث خفي: إلا إذا أنتم حصل بينكم حاجة وعايزين تتجوزوا عشان تداروا عليها.
في شقة تحية.
قالت صابرين: تفتكري يا ماما يعني لو كان جاب البنت دي من أبريل مش الحياة كانت هتبقى أحسن؟ هتبقى متشحططة معاهم كدا.
هزت تحية رأسها بسرعة مستنكرة بشدة، وقالت: استغفري ربنا يا صابرين، لو دي من الشيطان يا صابرين. دي إرادة ربنا هو اللي بيوفق وهو اللي بيفرق. يلا ربنا يكتب لهم الخير كلهم ويوفق كل واحد في حياته.
قالت صابرين: اللهم آمين يا رب العالمين.
تابعت صابرين باغتياظ: بس أنا برضه لحد انهارده مفروسة من زينب. فضلت تزن على ودانه بكلام فارغ قال إيه. أبريل دي عاملة زي الطير المهاجر من عشه وبكرة تتلوى عليك لو صالحتها ونفذت لها طلبها وهتركبك وتسوق هي. وشحنته كلام زي الزفت في حق البت الغلبانة. ومفيش شهر وراحت خطبت له نادية وقال إيه إحنا هنجوزهم بسرعة، البت أهلها مجهزينها من الإبرة للصاروخ وهي موافقة ما تكملش بعد الثانوية كمان عشان خاطر عيونه. وفي الآخر أهو بقى بيسيبها بالشهور لوحدها وبيطل عليها شهر واحد في السنة، بالذمة دا مش حرام عليه؟
قالت تحية بتنهيدة: الله يصلح حالهم، هنقول إيه دا النصيب. فكرتيني صحيح من ضمن حجج مرات أخوكِ اللي ما بتخلصش عشان تسم بدنها. أبريل مش فاضية تجهز نفسها وملخومة في دراستها، الله يهديها ويسامحها.
قالت صابرين بتأكيد: أبريل عزيزة النفس وكانت ما بتتكلمش عن جهازها دا خالص ولا بتجيب سيرته.
قالت تحية بقلة حيلة: الله وحده يعلم الحال، كان ممشينا بالعافية، أنا لو عليّا كنت جبت لها الدنيا عندها.
قالت صابرين: بس بابا الله يرحمه ليه فضل رافض خالص إنها تشتغل رغم إنها كانت بتزن عليه كتير.
قالت تحية: أبوكِ ما كانش عايزها تتبهدل عشان صحتها ومذاكرتها ما تتأثرش، مش هتبقى خربانة من كله. وأختك الله يسامحها ما بتسألش في بنتها، حاطة إيديها في المية السقعة وأبوها يدوب بيبعت لها مصاريف دراستها بالمعافرة والمحايلة كأننا بنشحت منه.
قالت صابرين بخفوت: يلا في الأول والآخر دا نصيب يا ماما.
ابتلعت تحية تلك الغصة بحلقها قبل أن تردف: أيوه بس أنا لحد دلوقتي قلبي مش مسامحها خالص. أبريل السنة دي أخذت الشهادة الكبيرة وزي ما زينب كانت عايزة أحمد يتجوز عشان تشوف عياله أهو اتجوز من أربع سنين وعنده بنوتة ربنا يخليها له، بس أهو مش راضي بعيشته وساب لها البلد كلها وسافر، استفادت إيه بأنانيتها دي؟
هزت صابرين رأسها بالإيجاب، وهي تقول بأسف: ربنا يهديهم يا ماما، اهدي أنتِ وروقي لا ضغطك يعلى، مش ناقصين. هتعملي إيه في تفكير زينب يعني، أمه وما حلتهاش غيره ومتمسكة بيه قوي. ومن زمان وهي مش متقبلة حبه لإبريل وكانت بتغير منها خصوصًا بعد ما بقت خطيبة ابنها.
قالت تحية بانفعال طفيف ينم عن شدة القهر الذي تشعر به على صغيرتها: هي اللي عقلها صغير وما بتفكرش غير في نفسها. كل دا عشان معاملته كانت كويسة معها ومراعي ظروفها استكترت على البت تفرح لها شوية.
اهتز صوتها في نهاية العبارة بالحزن، فتربت صابرين على فخذها بلطف قائلة بضيق: هو دا مربط الفرس يا ماما. ظروف أبريل ودلعها مننا كلنا. البنت حلوة شكلًا ومضمونًا والناس اللي حواليها بيحبوها ومهتمين بيها وكأن الكون بيدور حواليها، دا خلى زينب تفكر إن ابنها هيبعد عنها ويقرب من مراته حبيبته وتكون واخدة من أمه طول الوقت.
في غرفة أبريل.
حثتها سلمى لتجيب على سؤال ريهام: ما تردي يا أبريل.
سارع باسم بالرد بدلًا منها بصوت حازم: ترد تقول إيه على العك اللي بيتقال دا؟ وبعدين عيب يا فهمي بيه تكون مش عارف بنتك ولا واثق في أخلاقها بالمنظر دا.
كانت أبريل تحدق في والدها بعينين دامعتين، وقلب مفطور، مستوحش بألم الوحدة، ثم ردت بصوت مقهور مشوب بالخذلان: رد يا بابا هو أنت فعلًا تعرفني؟ لا ما تعرفنيش.
انتِ عمرك مرة في يوم من وقت ما جيت أعيش عندكوا سألتيني عن أنا كويسة، حاسة بإيه، بفكر في إيه، أو لو حاجة مزعلاني أو تعباني؟
تغيرت نبرتها في أقل من دقيقة، وكأن شحنة كهرومغناطيسية استحوذت عليها، لتتابع بقوة غريبة:
ومش هسمح لأيًا كان يجبرني على شيء رفضاه مهما حصل، وأنا حرة في اختياري.
صكت على أسنانها خوفًا، وعلقت بقية الحروف في حلقها بمجرد أن تحدث فهمي بسخط شديد:
صحيح انتِ قليلة الرباية يا بنت إلهام.
رفع فهمي ذراعه وهو ينوي أن يصفعها، لأنها تمادت في الحديث معه بهذه الحدة الجريئة منها، ولكن فجأة باسم رمح كالسهم الحاد، ليقف بينهما قبل أن يصل كف فهمي إلى خد إبريل التي انكمشت بخوف وهي تتوارى وراء باسم بصدمة.
رمقه باسم بجدية وهو يمسك بذراعه وخرج صوته شديد البرودة كنسيم هادئ قبل هبوب عاصفة مخيفة:
أظن من باب أولى نهدى عشان نعرف نتعامل مع دستة الصحافيين اللي مستنيين على باب المستشفى ومنتظرين لحظة خروجنا، واللي حضرتك عايز تعمله ما يصحش ولا هيوصل لنتيجة سليمة ولا هسمح إنه يحصل للإنسانة اللي هتبقى مراتي وعلي اسمي.
فهمي بزمجرة وهو يسحب ذراعه من قبضة باسم:
إيه هو اللي ماتسمحش وتسمح؟ اتفضل أبعد عن طريقي وماتدخلش بيني وبين بنتي.
رفع باسم حاجب واحد بتحدي ثم خاطبه برسمية:
أفهم من كده أنك شايفني ماستحقش شرف نسبك يا فهمي بيه؟
فهمي بصوت مضطرب:
أكيد ما كنتش أقصد كده، لكن إزاي عايز تتجوزها وهي مخطوبة و...
ضيق رماديتيه الذئبية بتفكير ثم تساءل بلهجة غامضة:
كده الكلام متغير ومش متركب على بعضه، لحد إمبارح كانت مفسوخة خطوبتها وأنت موافق عليا، إيه اللي اتغير؟ في إيه بالظبط؟
خرجت الكلمات من فم فهمي مثل قنبلة موقوتة حان وقت انفجارها:
في أن مصطفى رجع من السفر وزمانه جاي على هنا.
اتسعت فيروزيتها من الصدمة وهي مازالت تحتمي بظهر باسم وتستمع إلى حديثهما بذهن شارد وإحساس دافئ بالأمان يتسرب إلى ثنايا قلبها الهادر بقوة، حيث لأول مرة منذ رحيل جدها تشعر أن سندها يعود من جديد ولا يستطيع أحد أن يؤذيها طالما هو معها.
رواية جوازة ابريل الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نورهان محسن
الغدر هو أحقر الجرائم الإنسانية وأكثرها خسة، لأن الإنسان يستطيع دائمًا أن يفعل ما يريد في مواجهة الآخرين وليس من خلفهم. فلا تتعاطف مع أشخاص فشلوا في الاحتفاظ بك، ولا تصدق أن غفرانك الزلات يزيد من حجمك في أعينهم، فقد انتهى زمن الكريم الذي إذا أكرمته ملكته، والبكاء على الأطلال يمنحك بعض الدراما اللذيذة، لكنه لا يأخذك لأي مكان، التجاوز هو مفتاح العبور لمرحلة جديدة.
في سيارة نبيل الترابلسي
كان السائق يقود سيارة نبيل بهدوء متوجهًا إلى المستشفى، فيما جلس صاحب العمل في المقعد الخلفي وزوجته بجانبه، حتى قطع الصمت فجأة بصوته وهو يقول بنبرة الندم:
"احنا سبب كل اللي حصل؟!"
استفهمت هناء بعد أن أثار دهشتها بكلماته المفاجئة:
"قصدك إيه؟"
استأنف حديثه موضحًا، وعذاب الضمير يفتك به:
"اتحولنا أنا وانتي ناس أنانية. من خمس سنين من يوم ما حنين شالت الرحم بسبب الورم بعد ولادتها التانية لتالا واحنا بنضغط على مصطفى عشان يتجوز تاني، فضلنا من كل جهة ننخر في الخشب لحد ما كرهها وكره حياته بعد ما كان راضي بنصيبه ومكتفي بمراته والبنتين."
صمتت هناء لبعض الوقت قبل أن تبرر الموقف بالإنكار، متجاهلة صوتًا بداخلها يؤكد صحة أقوال زوجها:
"احنا كنا بنعمل كدا عشان مصلحته يا نبيل. أي أم وأب من حقهم يسعوا في اللي في مصلحة ابنهم وفلوسه."
هز رأسه بقلة حيلة وهو ينظر من خارج النافذة، وقال بأسى:
"وآدي النتيجة يا هناء، دنيا ابنك بتتهد فوق دماغه ودماغنا، وحتى الشغل بيتدمر عشان ما بقاش مركز فيه، واللي كانوا مستنين له غلطة عشان يسنوا أسنانهم عليه استغلوا نقطة ضعفه عشان يخسروه كل حاجة."
طرق الهلع والخوف باب قلبها على ابنها، وانعكست مشاعر التوتر على وجهها، عندما تحدثت بصوت مضطرب:
"ما تشيلش نفسك أكتر من طاقتها يا نبيل. ضروري هنلاقي حل. وبعدين حنين كمان كانت تصرفاتها الأخيرة معانا مستفزة وكل مناسبة تجمعنا بقت تتعمد ما تحضرهاش عشان ما نشوفش مصطفى ويكون وسطنا، لو مش ملاحظ هو من يوم ما انفصلوا عن بعض وأغلب وقته معانا."
نبيل باعتراض مثقل بالضيق:
"ما تحطيش مبررات لغلطتنا يا هناء، احنا اللي خربنا حياة ابنك من كتر الوسوسة في ودانه. من تدخلنا في حياته مع حنين لحد تدبيرنا مع قريبتك ومقابلته بإبريل وخطوبته ليها، ظلمنا بنت مالهاش ذنب عشان أنانيتنا ودلوقتي كلنا بنرمي اللوم على رد فعلها."
أقرت هناء بنبرة منخفضة:
"ما أنكرش إني لما شفت إبريل عجبتني وكلمت سلمى عليها. بس هو بعدها أعجب بيها وهو اللي طلب ما نقولهاش على جوازه من حنين لحد ما يعرفها بنفسه."
نبيل بعبوس أشد:
"ودي كانت أكبر غلطة غلطناها. كله عك في عك. يا ريتنا ما سكتناش بسبب كدبته دي، اتفضحنا كلنا وسمعتنا هتبقى في الأرض."
في نفس الوقت بالمستشفى
داخل غرفة إبريل
"عمالين نضيع الوقت في كلام لا هيودي ولا هيجيب. بدل ما نفكر إزاي نمنع الفضيحة اللي هتحصل لما مصطفى يتأكد إنك اتخطبتي لغيره!!"
رددت سلمى تلك العبارة بلهجة حانقة، فانجلى الاستنكار من عينيها الفيروزيتين اللامعتين بالغضب، وهي عقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم قالت احتجاجًا:
"ولو عرف يعني هيعمل إيه؟! مين اللي لازم يخاف؟ مين اللي غلط في حق مين الأول؟ مين خَبّى وكدب؟! ليه عايزيني أسكت وما أواجهش؟ هو مالوش عندي حاجة يبقى أخاف وأستخبي منه من الأساس ليه؟!"
اتسعت عينا ريهام بذهول الكاذب، وهي تسأل بتهكم ساخر:
"عايزة هتقوليله إيه؟! عايزة تخربي الدنيا أكتر من كدا؟ خلاص سيرتنا بقت على كل لسان."
تجهمت معالم فهمي بحنق، وصاح بصوت نافذ الصبر:
"بنت أنتي تسكتي خالص. مش مكفيكي المصايب اللي عملتيها لحد دلوقتي. ما أسمعش ليكي حس وخليني أشوف صرفة لمصيبتك الجديدة دي."
ضاقت عيناه الرماديتان من حالة العصبية المفرطة التي تظهر على فهمي قبل أن يسأل بحذر ولباقة مشوبة بالدهاء:
"اعذرني يا فهمي بيه في سؤالي. بس إبريل عندها حق في كلامها. هو ليه عندك إيه عشان تبقى متوتر أوي كدا منه؟!"
تأكدت شكوكه فور أن توترت تعابير فهمي الذي بذل قصارى جهده لإخفائه كما قال بصوت مرتعش:
"ولا حاجة طبعًا لكن... لكن ما يصحش اللي حصل. ولا أي راجل هيقبل إن خطيبته تسيبه بدون معرفته وتتخطب لواحد غيره بين يوم وليلة كدا."
ظلت ملامح باسم هادئة، وهو يوزع نظراته على الجميع، ثم زفر الهواء من فمه قبل أن يتحدث بجدية:
"طيب خلينا نخرج من هنا الأول بدون شوشرة وبعدين نشوف حكايته."
وافقه فهمي بهدوء:
"خلاص أنا رايح الاستقبال أبلغهم ما يطلعوش مصطفى على هنا."
"طيب على ما تجهزي حاجتك يا إبريل. أنا وريهام هنروح نطمن على منى مرات ابن عم باسم مش هنتأخر. وأنت يا يوسف روح هات إذن من الدكتور عشان ناخد إبريل ونرجع البيت."
أنهت سلمى جملتها بهدوء، فاكتفت إبريل بالرد عليها بإيماءة صغيرة، ولم تخرج من شرنقة المراقبة الصامتة التي وقعت فيها مستسلمة لآرائهم، فماذا عليها أن تفعل إذا أصروا على توجيه مسار حياتها كما يريدون؟!
خلال ذلك الوقت أمام بوابة المستشفى
عند هالة
قاطعها جسم ضخم وقف كالحاجز بينها وبين ياسر، وقال بصوت رجولي بارد:
"مش من الأصول تسحب بنات الناس من إيدها في الشارع وتركبها العربية وبالعافية ما ينفعش."
بهتت هالة مصدومة، بينما جهر ياسر باستنكار:
"دي خطيبتي يا أستاذ. ثم أنت تطلع مين عشان تدخل في شيء ما يخصكش؟"
"مبسوطة دلوقتي خلتينا نسمع كلمتين ما لهمش لازمة من اللي رايح واللي جاي."
قطب الآخر جبينه بعبوس عند سماع تلك الكلمات الفظة من ياسر، ليهندم ياقة قميصه بكبرياء ثم قال بنبرة لبقة:
"لو عايز تعرف أنا مين ما فيش مانع. أعرفك بنفسي أنا الدكتور فريد عبد العزيز."
ياسر بعنجهية:
"ومين يعني الدكتور فريد؟"
ظهر شبح الابتسامة على شفتيه المقتضبة بسبب أسلوبه الاستفزازي قبل أن يرد بثقة وثبات عاطفي:
"عبد من عباد الله يا ريس وعلى باب الله كمان. بس الحمد لله ربنا إداني رجولة ونخوة اللي زيك ما يسمعش عنهم ومستعد أعلمك الاحترام عشان شكلك نازل من بيتكوا ما تعرفهوش."
تجهمت ملامح ياسر بحدة، منقلبًا الوضع بينهما، ليهتف بسخط نافذ الصبر:
"محترم غصب عنك. ودي أمور شخصية بين واحد وخطيبته إيه يدخلك فيها؟"
تصاعد غضب فريد أكثر من استخفاف ياسر، ليهدر بخشونة حاسمة:
"دا مش بس أدخل، وأكسرلك إيدك كمان اللي اتمدت وسحبتها بالمنظر دا. وأيًا كانت صلتك بيها في أسلوب متحضر تتكلم بيه. لكن واضح إنك واحد محترم في بدلتك بس."
استحوذ الاضطراب تمامًا على هالة التي شعرت بجفاف شديد يجتاح حلقها، وهي تتابع أنظار المارة إليهم قبل أن تجد صوتها في نبرة مترجية:
"دكتور... خلاص لو سمحت الناس بدأت تتفرج علينا. دا مجرد سوء تفاهم ما فيش حاجة."
تجلجلت ضحكات ياسر الساخرة، وهو يصفق متهكمًا:
"والله برافو عليكي. كمان لحقتي عينتي بودي جارد لحراستك مني؟!"
كاد فريد أن يندفع نحوه يريد أن يلقنه درسًا قاسيًا غير مباليًا بمكان وقوفهم، لتشعر هالة بما يفكر فيه، وكاد قلبها ينفطر من صدرها من التوتر، بينما كان صوتها يرتعش وهي تناشد إلى أدنى ذرة متبقية من العقل في الرجل الآخر:
"ياسر احنا كبار بما فيه الكفاية. ارجع لوعيك من فضلك واتكلم بعقل. أنت مش حاسب حساب لكلامك ولا للمكان اللي واقف قدامه. امشي لو سمحت كفاية لحد كدا."
"ماشي يا هالة..."
بس اتأكدي إن اللي حصل دا هيكون ليا رد فعل عليه مش هيعجبك، وكلامي هيبقى مع أهلك.
لم تهتم هالة بتلميح التهديد في نبرته، واستطاعت أن تتنفس الصعداء بمجرد أن رأته يعطيهم ظهره، ليصعد إلى سيارته.
بعد فترة وجيزة في غرفة أبريل.
كانت منحنية، وتضع متعلقاتها الشخصية في الحقيبة وهي شبه تائهة في أفكارها، داهمها شعور الدوخة من جديد، فاستندت على السرير بكلتا ذراعيها، وجلست عليه ببطء، بينما كان باسم يقف أمام النافذة ينظر إلى الصحفيين الذين ما زالوا أمام المستشفى.
أدار باسم رأسه، وهو يقول ذلك، فاتسعت عيناه في دهشة، ليهرول نحوها قائلاً بقلق: إيه مالك، انتي تمام؟!
هزت أبريل رأسها ردًا على سؤاله بإشارة صغيرة، وهي تغمض عينيها، أراد وضع يده على ظهرها بتلقائية، لكن تراجع في آخر لحظة، ليسألها بهدوء: اتضايقتي من كلامهم مش كدا؟!
أجابت باقتضاب: أنا كويسة.
_طيب تعالي نقف عند الشباك عشان تشمي شوية هوا يريحوكي.
أنهى باسم كلماته الهادئة، وفي الوقت نفسه لف ذراعه حول خصرها، ممسكًا يدها في الكف الأخرى، ليساعدها على النهوض بخفة، دون إعطائها المجال للاعتراض.
وقف كلاهما ينظران إلى الخارج في صمت تام، بينما كان لا يزال محتفظًا براحة يدها في يده، ومن يرى موقفهم سيستنتج أنهم في وئام كبير معًا.
قطعت أبريل هذا الصمت قائلة بامتنان، وهو ما أحسه في رقة نبرة همسها: متشكرة وعارفة إن أنت ملكش ذنب أنا اللي ورطتك في مشكلة ما تخصكيش و..
باسم بتمتمة: انتي عايزة ترجعي لخطيبك؟
رفعت رأسها إليه بارتياب بمجرد أن فاجأها بسؤاله الذي لم تفهم مقصوده منه، فجاءت إجابتها المندفعة تذهله، وهي تتراجع خطوة إلى الوراء: لا.
_لسه في حاجة مش فاهمها.. لما انتي عندك جدتك في المنصورة ليه عايزة تسافري دبي؟!
شردت بنظراتها للأمام، وهي تفكر في إجابة سؤاله، بقدر ما افتقدت حنان جدتها، لكن يصعب عليها الذهاب إلى هناك، خاصة في ظل وجود أحمد، لا تعرف ماذا ستفعل لو رأته وهي في قمة ضعفها، ولا تريد أن تتخذ قرارًا تندم عليه بقية حياتها لمجرد احتياجها للأمان.
أخرجت تنهيدة مثقلة، وهي تجيبه باختصار: العيشة بالمنصورة ماتناسبنيش وصعب كنت أفضل عايشة مع بابا بعد اللي حصل..
كان على طرف لسانه أن يسألها عن والدتها، لكنه تراجع ينظر إليها بتردد، حالما أضافت بنبرة غامضة مزقت أوتار قلبها سرًا: مالقتش حل غير السفر في كل الأحوال مفيش هنا مكان بنتمي ليه.
أشفق باسم عليها، وقال عمدًا، وكأنه يتحدث إلى نفسه: بس الهروب من مكان لمكان عشان موقف حصل دا مش هو الحل السليم!!
علت ابتسامة غير مبالية ثغرها الوردي، مستهزئة باحتقان: ما بقتش فارقة.. المهم إن بسببي ورطتك وورطتني أكتر وخلاص مبقاش فيه ليا مهرب..
لمعت عيناه دهشة من تقلب مزاجها السريع، وضحك بخفة على تذمرها اللطيف قبل أن يسأل: لسه حاسة بالدوخة؟
_بدأت تروح.. هو ممكن أطلب منك طلب؟!
استقطب حاجبيه الكثيفين مستفهمًا: إيه؟
تلجلجت كافة خلاياها، وهي تقول باستحياء: ينفع تنزل تلحق علبة الشيكولاتة قبل ما حد ياخدها يعني مش هتبقى خسرانة من كله.
استعجب باسم من طلبها اللامنطقي، واستفسر بارتياب: دي لعبة جديدة عشان تخلعي ولا إيه؟
تنفست بصوت عال، وهي تتكهم باستياء: هخلع إزاي وفي طقم الصحافيين دا في انتظارنا؟!
أمسك برسغيها على حين غرة، ليهزها بتمهل ودمدم سخطًا: وكنتي بترميها ليه لما عينك فيها؟
أبريل بتهكم واضح غافلة عن كونها بين براثن الذئب: ما أنا رميتك أنت شخصيًا وأهو بقينا مدبسين في بعض.
رفع حاجبه متجاهلاً ما قالت، وتابع بغموض: طيب عشان نبقى واضحين.. في حاجة مهمة لازم تعرفيها عني كويس..
_واللي هي؟!
انفرج ثغره مشكلاً ابتسامة مغترة بزغت في قوله: أنا ما بقولش ولا بعمل حاجة من غير مقابل..
تخصرت، وهي تتأمل ابتسامته اللئيمة، لتسأله بغيظ مصحوبًا بتعبير مريب: وإيه المقابل دا اللي أنت عايزه يعني؟!
ازدادت نبضات قلبها شيئًا فشيئًا، وتسمرت فور احتدت جرأته وهو يميل برأسه نحو وجهها، ليتأمل ببطء جمال عينيها الفيروزية، برموشها الطويلة التي ترفرف في ارتباك، لينبس بخفوت مثير امتزج بحرارة أنفاسه على شفتيها: ومالك اتوترتي كدا ليه يا أم لسان ونص.. إيه اللي خطر على بالك؟!
أعقب عبارته الأخيرة بغمزة من إحدى عينيه، ونتيجة لتلك الحركة استفاقت من الفقاعة السحرية التي خلقها حولها بأساليبه الجهنمية، لتسحب نفسها من حصاره الطاغي ثم تذمرت باستياء: أنت ما بتزهقش من أسلوب التلاعب بتاعك دا.
راقب باسم ارتباكها باستمتاع، وهو يخبرها ببراءة: طبع ما أعرفش أغيره.
هزت أبريل رأسها بيأس، واستدعت الهدوء في قولها: طب اتفضل ممكن تنزل قبل ما تروح علينا.
رفع باسم أكمام قميصه، وهو يقترب منها بخطوات بطيئة، راقبت بحذر المكر والتهديد الذي لاح في عينيه الذئبيتين، وهو يقول بصوت منخفض أجش: هنزل بس إياك عقلك يوزك اا..
سارعت أبريل مقاطعة إياه، بعدما تعبت من كثرة المجادلة معه: والله مش هيوزني خلاص.
في ذات الوقت
عند الاستقبال
_سجلوا عندكم خناقة بعد كام ساعة من تلبيس الدبل.
دكتور ياسر ودكتورة هالة استند باي فركش.
هذه العبارة نطقتها ممرضة في منتصف العشرينات من عمرها بعد أن اقتربت منهم بسرعة من الخارج، لتسأل إحدى الممرضات في حيرة: بتقول إيه المروشة دي؟!
ضحكت أخرى، وهي تقول بدهشة: ما تاخدي نفسك الأول وبعدين اتكلمي عشان إحنا مش فاهمين منك حاجة.
التقطت أنفاسها ببطء، وهي تهندم الحجاب فوق رأسها لتسرد بصوت منخفض، وتلوح بيديها بحماس: الدكتورة هالة والدكتور ياسر كانوا واقفين مع بعض قدام البوابة ووشوشهم مقلوبة وفجأة هي قلعت الدبلة واديتها له.
ضربت إحداهن خدها بذهول، قائلة بشهقة: يا نهار كحلي عرفتي إزاي يا شيخة الحارة؟!
_شوفتهم بعيني وأنا راجعة من عند مطعم الفول والطعمية.
التزمت الصمت لثوان توزع نظراتها، بينما تمط شفتيها للخارج وأردفت: لو مش مصدقني ابقوا بصوا على صوابعها.. خرجت والدبلة منورة في إيدها ودخلت وصابعها فاضي.
إحداهن بشفقة: يا عيني مسكينة دكتورة هالة والله.
أضافت أخرى، وهي تضع كفها على خدها: دي حظها فقري أوي صحيح مش دايما الجمال والمال نعمة.
استرسلت الممرضة باستفاضة: أخدوا عين قوية وبكمالة النحس كمان واحدة من المعازيم تقع من طولها في خطوبتها ونقلوها على هنا..
وفوق ده كله بدل ما تقعد تقضي ليلتها في رقص وهيصة، قضتها في العمليات مع الراجل أبو رصاصة ده.
_ يخربيتك سوسة، بتعرفي ده كله منين؟!
تطلعت إليها وهي تكتف يديها بتكبر مصطنع، لتنبس زميلتهم بحسرة:
بجد أغرب خطوبة ممكن تعدي على واحدة بنت، الله يكون في عونها.
في هذه الأثناء، عند أبريل.
كانت واقفة وذراعها مطويتان، وهي تحدق من النافذة، وعقلها يتذكر كلام والدها المسموم لها عندما نعتها بلقب "ابنة إلهام"، في كل مرة ينطق بها تشعر وكأنه يتعمد إهانتها، فهو لا يعرف شيئًا عن علاقتها بوالدتها، فيتردد في سرها صوت يسخر من حزنها:
زعلانة ليه وهي دي حاجة جديدة يعني؟ ما أنتي عارفة إن فهمي بيه مايهمهوش حاجة غير نفسه وبس، هيفرق عنده بنته اللي رماها زمان؟ كنتي متعشمة ليه إن ده هيتغير دلوقتي وهياخدك في حضنه زي أي أب في الدنيا ما بيعمل مع بنته عشان يطمنها ويقويها؟ إزاي الدنيا دي مايلة بالعكس كده؟! إزاي الغريب يدافع عنك واللي المفروض أقرب حد ليكي في الدنيا يعاملك زي المجرمين!!!
رفعت رأسها محدقة في السماء بنظرات مؤلمة، والدموع الكثيفة كونت طبقة كريستالية على عينيها، قاومت بشدة تلك الرغبة المتصاعدة في البكاء، فإذا ضعفت سوف يمضغونها إلى حد سحقها تحت أنيابهم القاسية.
تفاصيل حلمها البشع اخترقت جدران عقلها بقوة، وزادت من شدة مقاومتها للانهيار الوشيك.
ظهرت على شفتيها ابتسامة ساخرة، وسبحت أفكارها مستحضرة أحداثًا من ذكرى ماضية، مما جعل جراحها النفسية تنزف أضعافًا مضاعفة.
flash back
آخر مكالمة جرت بينهما كانت منذ أربع سنوات، ولم تكررها مرة أخرى، بل استمرت في تجنب أي محادثة بينهما، لن تنسى لها أبدًا عندما انهارت، وصدمت من تخلي أحمد عنها بعد أن خيرتها بينه وبين استكمال دراستها الجامعية، لتشعر بألم الظلم والعجز والضعف يشطر قلبها دون شفقة، وبدون أدنى تفكير، التقطت هاتفها ووقفت أمام نافذة غرفتها في منزل جدتها، لتبحث عن رقم والدتها، بأصابعها المرتعشة مثل خفقاتها المتسارعة من التوتر، بتردد اتصلت، وعندما جاء الرد هتفت بخجل:
ازيك يا ماما عاملة إيه؟!
_ هكون عاملة إيه يعني يا أبريل؟ أهو الدنيا ماشية بالعافية. بس الحمد لله على كل حال. إيه خير متصلة ليه متأخر كده في حاجة ولا إيه؟!
شعرت بالضيق والاختناق، وانهار سقف توقعاتها فوق رأسها بخيبة أمل، وتجمعت الدموع في مقلتيها بحزن شديد لعدم سؤالها عن حالها، واهتمامها فقط بسبب اتصالها بها، كأن هذا ليس من أبسط حقوقها، فمررت طرف لسانها، ترطب شفتيها الجافتين، لتحاول أن تبث في نفسها الشجاعة، في حين ردت بإحراج:
آسفة ماخدتش بالي من الوقت. بس كنت محتاجة أكلمك في حاجة ضروري.
استغربت من صمتها:
ماما أنتي معايا؟!
وصلها صوتها الناعس، وهي تتثاءب:
آه سمعاكي، قولي إيه هي الحاجة دي؟!
_ أنا كنت عايزة آجي أقعد معاكي فترة.
_ ومن إمتى ده إن شاء الله؟ ما كل إجازة بتختاري تفضلي عند ستك؟
أبريل موضحة:
لا أنا عايزة أجيلك بكرة مش في الإجازة.
إلهام مستنكرة:
إشمعنى؟! مش عندك مذاكرة وجامعة اللي صممتي تخشيها؟ وبعدين إيه اللي قومها في دماغك كده مرة واحدة؟ إيه زهقتي ستك منك طبعًا مش كده؟
أبريل باندفاع:
أنا وأحمد فسخنا خطوبتنا يا ماما.
شهقت إلهام من المفاجأة، قبل أن تعاود توبيخها:
نعم. ده إمتى؟! وإزاي ده يحصل ومحدش يعرفني؟ إيه أنا آخر من يعلم يعني يا بت؟!
أبريل بتنهيدة حزينة:
ده حصل النهارده وعشان كده محتاجة آجي أقعد عندك. أنا مش عايزة أقعد هنا بعد كده.
حثتها إلهام على الشرح:
بلاش الكروتة دي في الكلام وفهميني إيه اللي حصل عشان تفسخوا خطوبتكم.
انتهت أبريل من سرد ما حدث معها، لتقول إلهام بعدم رضا:
زينب مفيش فيها فايدة طول عمرها كده ومش هتتغير. بس أنتي غلطانة يا أبريل.
استنكرت أبريل لوم والدتها بشدة:
وأنا غلطت في إيه؟
_ الراجل من حقه تكون مراته مهتمة بيه وتاخد بالها من بيتها مش فاهمة إيه حتة الشهادة اللي أنتي متمسكة بيها أوي كده دي؟!
شعرت أبريل بالقهر من استخفافها، لتجيبها بدفاع:
حتة الشهادة دي هي مستقبلي. وهي اللي هتحسسني بالأمان باقي عمري لما أتخرج وأشتغل وأعتمد على نفسي. مش معنى إني بحب أحمد يعني هفضل متكلة عليه ومحتاجاله في كل حاجة بحياتي.
إلهام بضجر:
قصروه يا أبريل شكلك كده بيقول إنك مش عايزة الخطوبة دي وما صدقتي تحصل حاجة تسيبيه بيها طب كان ليه من الأول بقى؟ أنتي عملتي كده مشاكل بيني وبين أخويا وابنه.
_ هو أنا عشان بدافع عن حق من حقوقي أبقى بياعة وبتاعت مشاكل يا ماما؟ المهم أنا مش هقدر أقعد هنا تاني، هتوافقي آجي أعيش معاكي ولا لا؟!
_ قولتلك قبل كده مينفعش يا أبريل، سبق وفهمتك ظروف جوزي وأحوالنا المادية على القد أوي خصوصًا وأنتي عارفة مصاريف جهاز أختك شمس قطمت وسطنا.
أسرعت أبريل لتخبرها بلهجة مترجية، متجاهلة وخز الألم الذي نقر بحدة في صدرها من اهتمام أمها بأختها التي عاشت حياتها كلها بين ذراعيها، في حين أنها في حاجة إليها أيضًا، لكن لتحصل على هذا القدر من الحنان والعطاء يجب عليها أن تتوسل لها:
أنا مش هكلفكم أي حاجة والله، هشتغل وهصرف على نفسي. وبابا متكفل بمصاريف جامعتي أنا بس هنقل الورق لجامعة الإسماعيلية. ماما والله بجد محتاجالك لو سمحتي خليني آجي أقعد معاكي والله مش هزعجك ولا هتحسي بوجودي.
إلهام قاطعتها مكررة جملتها السابقة بعدم اكتراث:
بطلي زن يا أبريل أنتي مابقتيش عيلة صغيرة. الفترة دي صعبة بقولك وأختك محتاجاني جدًا معاها عشان بننزل نلف على عفشها حتى مش هبقى فاضية آجي على المنصورة عشان أشوف موضوعك قدامي لسه كام يوم أدبر نفسي فيهم. ده غير إن فاروق مش هيوافق يا أبريل. وهو أصلًا عصبي الأيام دي عشان أنتي عارفة فرح شمس قرب ومشغولين لشوشتنا في ترتيبات الفرح.
أبريل بجمود:
تمام فهمت.
تثاءبت مجددًا، وهي تخبرها:
يلا روحي نامي تصبحي على خير.
back
رسمت دمعة ساخنة خطًا متعرجًا على خدها المحمر، تزامنًا مع انتباهها إلى طرقات متتالية على باب الغرفة لتمسح بقية دموعها بخفة، وسمحت للطارق بالدخول قبل أن تستدير، لتجد نفسها في مواجهة مصطفى وجهًا لوجه.
قبل ذلك بدقائق، عند ريهام.
ريهام تجلس على أحد الكراسي في الاستراحة أمام غرفة منى بعد أن اطمأنت بشكل سطحي على أحوالها، وتركت والدتها تواسي سوسن ببعض العبارات المتعاطفة، لتبدأ باستجواب عمر الذي يقف أمامها، وهو يمضغ قطعة حلوى، بينما تقوم بهندمة ملابسه بلطف:
أونكل باسم اللي كان مع أبريل يا عمر ماسمعتهمش كانوا بيكلموا يقولوا إيه قبل ما أدخل عليكم؟!
مال عمر برأسه دليلًا على التفكير قبل أن يسرد لها:
كان عايز يخليها تشرب اللبن بالعافية. بس أنا قولتله لا. ده وحش لأبريل وشربته أنا مش بتعب منه.
قطبت ريهام حاجبيها دون فهم شيئًا، لتحثه على الإستكمال:
وإيه كمان؟
رفع كتفيه دلالة على عدم معرفته، وهو يواصل كلماته، شارحًا ما يتذكره بعفوية:
كانوا مقربين من بعض أوي.
بيكلموا بصوت واطي قوي ما سمعتش حاجة.
كظمت غيظها زافرة بخفوت، وهي تأمره بعدم رضا: طيب روح اقعد جنب جدتك وأنا لحظة وجيالكم.
سلمى بسؤال: رايحة فين يا ريهام؟
ردت عليها بعدم اكتراث: هرجع لأبريل أفضل معاها لا تعمل حاجة مجنونة من حركاتها وأنتِ يا ماما معلش خدي عمر اغسلي يده من الشوكولاتة.
_طيب.
تسير في القاعة المؤدية إلى غرفة أبريل، لتتسع مقلتَا عينيها الزرقاء بتفاجؤ، وهي ترى مصطفى يقترب بخطوات متوازنة من الجانب الآخر من الممر، فتهادت في مشيتها، وعقلها ينسج خطة جديدة راسمة ابتسامة لطيفة على شفتيها بمجرد وقوفها أمامه، لتمد يدها تصافحه قائلة بنبرتها الناعمة: حمد لله على سلامتك يا مصطفى أنت رجعت من السفر امتى؟!
رفع مصطفى نظارته الشمسية، لتظهر عيناه السوداوتان ببريق مستاء، وهو يرد بمجاملة قبل أن يسيطر الاستنكار على صوته الذي كان مليئًا بالحيرة: الله يسلمك يا ريهام. طيارتي وصلت الفجر. فين فهمي؟ وإيه الكلام المكتوب ده؟! أنا مش فاهم حاجة إيه علاقة أبريل بباسم الشندويلي وإيه اللي حصلها؟!
توترت ريهام لوهلة من هذا الهجوم، وهي تمتم: اهدأ واحدة واحدة يا مصطفى.
تابعت بلوم خبيث: تفتكر هيكون حصلها إيه.. طبعًا تعبانة ومضايقة قوي.
_يعني عرفت؟
ردت بتعمد: كل حاجة والبركة في حنين.
جحظت عيناه بصدمة، متسائلًا بعدم تصديق: يعني حنين هي اللي عملت كده؟
لمعت زرقاويتها ببريق غامض، مؤكدة بثقة شيطانية: أيوه جتلها لحد البيت والله أعلم قالت لها إيه من ساعتها وهي منهارة وزعلانة جدًا، وما أنصحكش تشوفوا بعض على الأقل لحد ما تهدأ.
جاءها رفضه بإصرار: أنا لازم أشوفها وحالًا يا ريهام.
في الوقت الحالي
عند أبريل
_مالك متسمرة كده ليه كأنك شوفتي عفريت؟! ده حتى ما طلعتش منك كلمة حمد لله على سلامتك!!!
قال ذلك بسخرية، ليخفي توتره من تحديقها المستمر به، إذ أنها خالفت توقعاته باستقبالها الصامت، على عكس ظنه منها أنها ستنهمر عليه بالدموع والاستفسارات التي لا تنتهي في مثل هذا الموقف، لكن ما يراه هو بريق غريب يشع من فيروزيتيها، فيما ظلت أبريل صامتة، تجمع شتات نفسها بتريث، وهي تشكر القدر الذي أعد لها هذا اللقاء حتى تتمكن من إفراغ كل قهرها به، إذ خرج صوتها باردًا حالما قالت بتلاعب: ما ظنش إنك جاي عشان تسمع مني حمد لله على سلامتك، زي كمان ما أنا مش مستنية منك تبرر لي أسباب كذبك عليَّ عشان ما فيش أي مبرر بيشفع الكذب.
_أنا عايزك تسمعيني..
انقطع استرساله حينما وقعت عيناه على يديها اللتين كانت تلوح بهما بانفعال ليسأل بحدة، بينما يمسك معصمها في قبضته: دبلتك فين؟!
رفعت فيروزيتيها التي كانت تتلألأ بلهيب البغض مقابل عيناه المستهجنة، لتنفض يدها منه، وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي تهتف بازدراء قاتل: ما تلمسنيش!! أنت مين وإزاي تدخل هنا بدون إذن، وبصفتك إيه؟!
مصطفى بتريث: أبريل اهدئي عشان أعرف أشرح لك موقفي.
استهزأت باستخفاف: تشرح لي موقفك.. الحكاية مش مستاهلة شرح.
_كنت ناوي أقول لك..
اقتلعت أبريل ثمرة تبريره مقاطعة إياه بقسوة: امتى بقى؟! بعد ما تكون اتجوزتني على مراتك.. وأبقى قدام الأمر الواقع وأختار بقى ما بين أرضى إني الزوجة الثانية أو أطلق وأنا لسه عروسة؟!
صمت مصطفى هنيهة، وهو ينظر في عينيها المترقبة لإجابته، قبل أن يقول بصوت منفعل: أنتِ ليه مصرة على إني كنت قاصد أكذب عليكِ ومش عايزة تسمعيني.
تهكمت أبريل بنبرة معبأة بالاشمئزاز: أسمع كذبة جديدة عايز تؤلفها عليَّ!! أنت ما تعرفش قد إيه شايفاك صغير قوي في عيني دلوقتي.
تجمدت بخوف، حينما هدر فجأة بلهجة عصبية: احترمي نفسك يا أبريل عمالة تغلطي ومش مداني فرصة أفهمك.
ابتلعت غصة من الألم كانت واقفة في حلقها، قبل أن ترد عليه ببرودة شعرت بها تنخر عظامها: كان عندك مئة فرصة تقولي فيها الحقيقة بس أنت قررت تخدعني. بس الحمد لله إن ربنا كشفك على حقيقتك وبعت لي مراتك عشان تفوقني من الوهم اللي عيشتني فيه قبل ما أغرز في حفرتك القذرة عمري كله.
جفلت أبريل بقوة، وتباطأت نبضاتها الخافقة من الذعر تحت ملمس قبضته، التي التفت بإحكام حول معصمها تعتصره، هاتفًا بحدة من بين أسنانه المطبقة: أنا كنت مقدر وضعك وإنك تعبانة وعشان كده سكت. بس أنتِ زودتيها قوي ومش هأسمح لك بالغلط أكثر من كده. ولا ده الموضوع اللي جاي أتكلم فيه. إيه اللي بينك وبين باسم الشندويلي والمكتوب ده أساسه إيه؟!
خلال ذلك
في ردهة المستشفى
_الدكتور جاي يعمل لها اختبارات التنفس ويطمن على حالتها قبل ما يكتب لها على خروج.
تحدث بها يوسف الذي جاء إلى حيث كانت ريهام تجلس تهز قدمها بتوتر ولم ترد، في نفس الوقت جاء صوت ضجة من خلف باب غرفة أبريل.
_إيه الصوت ده؟!
نطق بهذا السؤال، وهو يتجه نحو الغرفة: استني.. ده مصطفى.
دهش يوسف باستنكار مترقب: نعم ومين جوه معاهم!!
_لوحدهم.
اتسعت عيناه بعدم تصديق، ليهدر بها بانفعال: أنتِ اجننتي سايباها لوحدها معاه هو ده كان اتفاقنا.
ريهام باستهانة: وهو هياكلها سيبهم يتفاهموا مع بعض يمكن يتصالحوا.
_اوعي كده.
قالها دون اهتمام لحديثها بعد أن دفع يديها عن ذراعه، لكي يتمكن من الإسراع إلى الداخل، ليصل صوت أبريل إلى أذنيه، التي سألت باستخفاف شرير: مش عايز تعرف دبلتك فين؟!
_أبريل اهدئي خلاص!!
اندفع يوسف لمقاطعتها، جاذبًا يدها من بين مخالب ذلك الأسد المتوحش، ليقف حاجزًا بينهما بعد أن دفع مصطفى إلى الوراء، وقبل أن يجد أنفاسه للحديث، أردفت أبريل بما أثلج روحها المحترقة بنيران يؤججها شعورها بالخداع، والقهر من هذا المتجبر: حرقتها مع فستان الفرح، والخطوبة أنا اللي فسختها، واللي قرأته مضبوط أنا هتخطب لباسم دي مش إشاعة، ودلوقتي اطلع بره مش عايزة أشوفك ثاني.
أنهت حديثها بتحدٍ، مشيرة بإصبعها نحو الباب، غير مهتمة بتعابير الغضب المقيت على ملامحه، لتزداد وتيرة أنفاسه الحارقة، وهو يصرخ فيها غير مصدق، بعد أن دفعته للجنون فاقدًا زمام تعقله ووقاره: أنتِ مجنونة بتخرفي بتقولي إيه؟! أنتِ واعية للي بتقوليه.. ده على أساس إني لعبة في يدك وهتحركيها على مزاجك.
لم يردعها صراخه، لتهتف بنبرة مستنكرة: بس على مزاجك أنت تتجوز وتطلق وتخطب وتكدب.. إيه الجبروت والبجاحة دي؟!
تقدم مصطفى خطوة إلى الأمام يريد الوصول إليها، وهو يطحن أسنانه بشر، لكن يوسف منعه قائلًا بارتياع: بس خلاص لو سمحت اخرج من هنا يا مصطفى.. وجودك هنا هيعقد الموضوع أكثر وكفاية اللي حصل منك في حقها.
رفض مصطفى باستهجان، بينما يحاول إبعاده عن الطريق: مش قبل ما أشوف اللي عملته الست أختك اللي طلع ما لهاش كبير.
_مصطفى بنفسه هنا.. إيه الزيارة العزيزة دي؟!
صاح صوت باسم من الباب باستهزاء شديد، قابله مصطفى بجبين مقتطب قبل أن يشير إليه بضحكة غاضبة: ده الحكاية طلعت جد مش تأليف من الإعلام..
أنا عايز أعرف ده بيعمل إيه هنا؟!
لم يتلق ردًا من باسم الذي تقدم أمام الجميع بخطوات واثقة، وعيناه الرماديتان الذئبيتان مسلطة عليها كأن لا أحد غيرها في الغرفة.
الطلب حضر يا بندقتي.
ردت على همسه القريب من أذنها بإيماءة خافتة، وهي تأخذ منه الصندوق بذهول مرتبك، بسبب لف ذراعه حول خصرها بجرأة، كرد فعل بدا طبيعيًا من جانبه.
أخبره بهدوء رهيب، قاصدًا استفزازه، ليرمقه مصطفى شرزًا:
أنا في مكاني الطبيعي جنب خطيبتي.
ردد مصطفى بهسهسة خطيرة:
خطيبته؟!
هز باسم رأسه بالإيجاب، وارتفعت زاوية فمه بابتسامة، مجيبًا إياه بنبرة عادية:
هو إحنا لسه ما حددناش إمتى بالظبط حفلة الخطوبة.. أنت عارف الترتيبات بتاخد وقت بس هتكون قريب أوي وأنت أول المعازيم يا درش.
كاد مصطفى أن يصاب بالجنون في هذه اللحظة، فما يراه الآن يتصف بكلمة واحدة مكونة من خمسة أحرف: مهزلة، اقترنت أفكاره بزمجرة حادة، ظهرت جراءها عروق جبهته النافرة بغضب:
أنت إزاي تسمحي لنفسك توافقي على خطوبة من واحد وأنت مخطوبة لراجل تاني؟!
خطى نحوها في انفعال، لكن أوقفته يد باسم التي ارتفعت، لتدفعه للخلف من صدره، واليد الأخرى لا تزال تستقر على خصر أبريل بحماية، التي كانت تراقب الموقف أمامها برعشة مضطربة، بينما صاح بصوت حاسم مليء بالصرامة:
كلامك معايا أنا ولا أنت ما بتعليش صوتك غير على الحريم.
تغضنت ملامح مصطفى، وكل خلية فيه تطالب بالاشتباك معه، ولكن قبل أن يتمكن من التحرك نحوه اعترض يوسف طريقه بجسده الرياضي، ممسكًا بذراعه، مهدئًا إياه حتى لا يتطور النقاش إلى معركة:
مصطفى اهدأ.. دي مستشفى مش مكان مناسب للزعيق والخناق.
قاومه مصطفى بغضب مشحون، فتدخلت أبريل التي اندفعت واقفة في المنتصف بينهم، وهي تنظر إلى مصطفى بتحدٍ قوي ظهر في صوتها المبحوح، وهي تقول بنبرة حادة مستنكرة:
هو أنت بأي حق ليك عين وعايز تحاسبني مش كفاية الكلام اللي اتكتب في حقي بسبب كذبك.. خلاص وقتك هنا انتهى يا مصطفى.. تمن دبلتك هيوصلك مع الشبكة ومعاهم فلوس الفستان وأي حاجة كنت جبتيهالي هترجعلك.. ولآخر مرة بقولك تتفضل تطلع بره حالًا.
أنهت كلامها القاسي بأنفاس ثائرة، وهي تشير إلى باب الغرفة، فتجعدت ملامح مصطفى بشدة بسبب إهانتها لكبريائه بحضور شقيقها الذي تابع المشهد بصمت، وباسم الذي ينظر إليه بتحفز، قبل أن يركز اهتمامه عليها مخاطبًا إياها بين أسنانه بغضب وانفعال شديد:
بتطرديني عشانه!! بقي هو ده الراجل اللي عايزة تتجوزيه سمعته مع البنات في الوحل.
اختتم مصطفى حديثه بنظرات الاحتقار التي وجهها لباسم الذي اشتعلت رماديتاه من الامتعاض، وهو يهم بالتحرك نحوه ليفتك به، لكن أبريل وضعت يدها بشكل عفوي على صدره، وهي تنظر إليه بنظرة ردعته عما كان ينوي فعله، وبصعوبة سيطر على نفسه.
احترقت خلايا مصطفى بالحقد والغيرة بسبب فعلتها، بينما التفتت أبريل نحوه، ولمعت عيناها بالكراهية والاشمئزاز، تجلى في صوتها، تريد كسر غروره تمامًا ورد الصفعة إليه:
بس على الأقل راجل.. وقد كلامه مش كداب ولا غشاش.
حدق فيها مصطفى بنظرة حالكة شرسة، وهو يهتف باستياء ووعيد:
والراجل ده.. وعد منه.. إنه هيعرف إزاي يحاسب حتة عيلة زيك.. على كل كلمة وفعل عملتيه.. وهندمك عليه.
اتسعت عيون باسم غضبًا، فأراد أن ينهي هذا النقاش العقيم بسرعة، وهو يجذب أبريل تلقائيًا حتى وقفت خلف ظهره، وأصبح هو مقابل مصطفى في وضعية دفاعية، قائلًا بتجهم خشن:
حاسب على كلامك قبل ما أندمك أنا عليه.. هي مش قالتلك اللي ليك هيرجعلك خلاص انتهى موضوعك معاها زي ما قالت خلصنا.
نظر إليه مصطفى بنظرات لاذعة بعد أن اشتعلت نيران الغضب بداخله بسبب حركاته معها وكلامه الواثق له، وقال بحدة:
ما فيش حاجة انتهت اللعبة يا دوب هتبدأ يا ابن الشندويلي.
مرت ثوانٍ من الصمت على باسم، قبل أن يهز كتفيه مبتسمًا بسخرية، وهو يقول بتحدٍ عارم:
وأنا متشوق أوي للعب وريني هتقدر تعمل إيه؟
وجه مصطفى إليه نفس الابتسامة الساخرة، ليقول له بنبرة قوية باردة، عكس نظراتهم النارية نحو بعضهم البعض:
تمام.. بس افتكر النار اللي بتلعب بيها مش هتطولك لوحدك.. ولو كنت راجل زي ما بتقول عليك ابقى احميها من اللي جاي.. ده لو قدرت تحمي نفسك الأول من اللي هاعمله في واحد واحد فيكم.
رمقها مصطفى بنظرة وعيد أخبرتها أن ما سيأتي لن يكون سارًا، بل الأمور ستصبح أكثر خطورة، قبل أن يضيف بصوت أجش من بين شفتيه المشدودتين:
حولتي المحبة اللي بينا لباب عداوة فتحتيه بإيدك.. واللي بينا مش هينتهي بالسهولة اللي أنت فاكرها يا أبريل.. كرامتي اللي دوستي عليها.. هادوس قصادها على رقبتك وتمنها هتدفعيه من دمك.
شعرت أبريل بالخوف من جدية تهديده المباشر لها، لكن باسم قطع تحليل أفكارها بل إنها فزعت بقوة، عندما رأته يندفع نحو مصطفى بعد أن تخلى عن آخر ذرة من سيطرته، ووجه له لكمة قوية أطاحت بفكه للجهة الأخرى، وهو يصيح بلكنة غاضبة:
...
رواية جوازة ابريل الفصل الأربعون 40 - بقلم نورهان محسن
لم يكسرني اكتشاف أن الوجهة كانت خاطئة، بل الوقت الذي قضيته أمشي في طريق كنت أظن أنه صحيح. وطغت الصدمة على ملامحي عندما أدركت مدى حماقتي في اختياراتي. كم كنت مندفعة وساذجة حينما صدقت أكاذيبهم المنمقة! كم أخطأت عندما سمحت بتكرار الأخطاء! لكن من هذه اللحظة فصاعدًا، سأرفض الأشياء التي تحطم قلبي، والأشياء التي تجرحني، والأشخاص الذين يتعمدون إيذائي. سأتقن لغة التمرد وسأختار الانسحاب من المعارك الخاسرة، ولن أهتم بمن يتهمني بالأنانية وحب الذات.
بعد فترة وجيزة
عند هالة
خرجت هالة من الحمام، لترى فريد واقفًا بجوار الباب ومتكئًا على الحائط. وحالما لاحظ طلوعها تقدم منها متأملًا ملامحها الناعمة التي شابها شحوب طفيف بعد أن غسلت وجهها بالماء البارد عدة مرات لتمحو آثار البكاء، لكن عينيها الزرقاوين كانتا كالنافذتين الشفافتين تعكسان له مدى ضيقها من الذي حدث منذ قليل، وما شاهده حين خرج من باب المستشفى عازمًا على الذهاب إلى منزله، إلا أنه وقف مترددًا في التدخل حتى رآه يسحبها بالقوة من ذراعها، حينئذ لم ينجح في السيطرة على حاله وهرع نحوهما تلقائيًا.
أفاق فريد من أفكاره محمحمًا بهدوء: انتي كويسة؟
أجابت هالة بصوت رقيق، متجنبة النظر إليه: الحمدلله تمام.
- طيب اتفضلي.
حدقت هالة في يده الممدودة بفنجان القهوة، قبل أن ترفض بأدب: دا بتاعك؟ شكرًا!
لم ينكر استنتاجها، بل فضل عدم إخبارها بأنه أرسل إحدى الممرضات خصيصًا لإحضار القهوة لمساعدتها على الهدوء ليخبرها بحزم حنون: امسكي. انتي محتاجاه أكتر مني.
فريد بمرح: ما تقلقيش ما شربتش منه ولسه سخن لحسن حظك.
أمسكت به بين يديها، قائلة بضحكة ناعمة أبرزت جمالها الهادئ: شكرًا.
أغمضت هالة عيناها، بينما ترتشف منه قليلًا مستحسنة مذاقه قبل أن تستمع إلى رنين هاتفها في جيب معطفها الطبي، لكنها فضلت تجاهله، إذ ليس لديها الآن القدرة على الرد على أحد، وهذا ما استشعره، مما جعله يقترح عليها بلباقة: تحبي نقعد في الكافيتريا شوية وبالمرة تعزميني على قهوة تانية؟
أثناء ذلك
داخل غرفة ابريل بالمستشفى
قاطع باسم تحليل أفكارها، وقبل أن تدرك أي شيء، وجدته يندفع مثل السهم الناري نحو مصطفى بعد أن تخلى عن آخر ذرة من سيطرته على أعصابه، مسددًا له لكمة قوية أطاحت بفكه إلى جانب الآخر، وهو يجلجل بلكنة غاضبة: ودي مني عشان تهدي كويس.
- دا انت طلعت مش بس بتعرف تاخد البنات على خوانة يا ابن الشندويلي؟!
قال مصطفى مستهزئًا بغضب متألم، وهو يمسح الدم من فمه بطرف إبهامه، وبحركة خاطفة رد له الضربة بقوة فتأوه الآخر من شدة الألم بأنفه في حين جحظت عينا أبريل بذعر وهي ترى هجوم كلاهما على الآخر بغل وشراسة لتتحرك نحوهم بحذر.
- حاسبي يا ابريل ما تقربيش خليكي بعيد.
صاح يوسف بهذه الجملة، مشيرًا إليها بعدم الاقتراب: بس كفاية هتلموا علينا الناس.
في خضم صراعهم، تلقى يوسف نصيبًا من الضرب، وهو يقحم نفسه في هذه الفوضى العارمة وسط إهاناتهما اللاذعة المتبادلة، وصرخات أبريل المرتعبة، التي تراجعت في إحدى زوايا الغرفة، قبل أن ترى اندفاع عز الدين الذي هرول تاركًا والدته واقفة مع ريهام وسلمى تنتفض قلوبهم فزعًا من الأصوات العالية في الداخل.
في اللحظة التالية نجح عز ويوسف في فض الاشتباك بصعوبة، بينما حاول باسم التخلص من ذراعي عز، مشيرًا لمصطفى بسبابته في تحذير، وهو يصيح بصرامة غاضبة: دي حاجة بسيطة من اللي هتشوفه على ايدي إذا اتعديت حدودك تاني واتعرضتلها بحرف يا خسيس.
دوت كلمات مصطفى النارية بصوت حاقد ردًا عليه: وأنا أقسم بعزة وجلال الله ما هسيبك إلا لما أدفعك تمن اللي عملته دا غالي يا *****.. وساعتها ما فيش مخلوق هيرحمك من اللي هعمله فيك.
احتّدت ملامحه بنظرة ازدراء من رماديتيه القاسيتين هاتفًا بصوت حاد متحفزًا إلى الانقضاض عليه مجددًا: شكل لسانك واخد على التهديد وخلاص.. لآخر مرة هحذرك بلاش تختبر صبري..
انقطعت كلمات باسم، تزامنًا مع صوت الباب يغلق بقوة، ليلفت انتباه الجميع، أعقبه زمجرة صلاح بصوت عالٍ وهو يردد محذرًا: هيطلبولنا الشرطة لو ما وقفتوش شغل البلطجية اللي بتعملوه في بعض دا؟!
اشتدت لهيب أنفاسه الحارقة، وهو ينفض يدي يوسف عنه، ويزمجر منذرًا إياه بحدة: حساب ابنك تقل معايا أوي يا صلاح.. وكلمة منه كمان أقسم بالله مش هبقى ضامن نفسي.
ارتفعت زاوية فم باسم بابتسامة ساخرة، وهو ينظر إليه بتحدٍ سافر، مما جعل نبيل يتدخل في النقاش الذي دلف بعد صلاح بقليل مناشدًا صوت العقل برأس ابنه: صلي على النبي يا مصطفى.. عصبيتك دي أنت أول حد يضر منها.. يلا خلينا نطلع من هنا قبل ما نبقى فرجة للناس أكتر من كدا.
صلاح بوقار وثبات: نبيل.. من فضلك هات ابنك وهنخرج نتفاهم برا ونحل الموضوع.
- ما فيش تفاهم.. والإهانة اللي حصلت دي مش هتعدي مرور الكرام.
ما إن انتهى من كلامه المليء بالامتعاض، حتى خرج من الغرفة بعد أن حدق بها بسواديتيه الملتهبة بنيران الغضب في لحظات مرت كالدهر عليها، بسبب شدة خوفها منه.
في ذات الوقت
في كافيتريا المستشفى
وضعت فنجان القهوة الفارغ على الطاولة، وفركت جبهتها منهكة من قلة النوم، ليسألها بعذوبة: أطلبلك قهوة تانية؟
رفضت هالة بلطافة قبل أن تعرب عن خالص شكرها: لا ميرسي أوي.. وشكرًا على اللي عملته.
منحها ابتسامة عذبة قبل أن يرد بصوته الواثق: ما فيش داعي للشكر القصة بسيطة.. بس ما قدرتش أفضل واقف بتفرج خصوصًا إن الممرضات عينهم كانت عليكم.
انشغلت هالة في التفكير بكلامه الذي ملأ صدرها بالضيق، ثم قالت بسخرية مريرة: حقهم يتكلموا.. مش حدث هيحصل كل يوم إن دكتورة تتخطب بالليل وتفسخ خطوبتها تاني يوم الصبح.
التمع الإعجاب في عسيلته برقتها المعهودة التي سرقت لبه، بينما زرقاوتيها الغامرتين بحزن، جعلت شرارة من الجحيم تنفث لهيبها في صدره، فنفض من ذهنه تلك الأفكار، متحدثًا بجدية تليق به: طالما مقتنعة باللي عملتيه خلاص.. كدا كدا الناس هتتكلم.
هزت هالة رأسها تأييدًا، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، فمسحتهما بسرعة قائلة بصوت منخفض: فعلًا.. بس جايز عيبنا إننا مش بنقدر نعترف إننا فشلنا وهو دا سبب محاولتنا الكتير في حاجة عارفين نتيجتها كويس بس مع ذلك عمالين بنحاول جايز حاجة تتغير.
تحولت أفكار فريد تلقائيًا إلى خطيبته، التي استمر في محاولات عديدة معها لتغيير أفكارها، لكن لم يفلح في ذلك، فزفر الهواء بقوة وهو يمسد بأصابعه على عينيه المنهكتين قبل أن يهمس بخفوت: ما فيش إنسان بيتغير إلا إذا كان القرار نابع من جواه هو.
- فريد.
تصلب فريد مكانه للحظات قبل أن يرفع رأسه إلى مصدر الصوت الناعم الذي ينادي باسمه، ليجد أنها قد خرجت من أفكاره، متجسدة أمامه بهيئة باكية، مصحوبة بكلماتها المتقطعة وهي تلقي بنفسها فجأة بين أحضانه، متشبتة برقبته بكلتا ذراعيها، مرددة ببكاء: حبيبي.. أنت كويس.. جرى لك حاجة؟!
انتصب واقفًا من مقعده قبل أن يتساءل بدهشة: هدير!! انتي جيتي هنا إزاي؟
ارتمت بأحضانه على حين غرة متعلقة بكلتا ذراعيها في رقبته، مرددة ببكاء: أنا خوفت أوي.. كنت هموت من الخوف عليك أوي يا فريد.
تشنج جسد فريد بتوتر من فعلها الجريئة، خاصة عندما اتجهت الأنظار إليهم، فوضع يديه على ذراعيها ولإنزالهما من رقبته برفق.
مررت هدير يدها على ذراعه المصابة دون قصد فصدرت عنه تأوهًا متألمًا: آآه.
ابتعدت هدير سريعًا عنه فورًا، وهي تقول بفزع، وكل خلية فيها ترتعد خوفًا عليه: سوري والله..
"آسفة خالص، إيدك بتوجعك؟"
أجاب فريد بابتسامة ممزوجة بقلة حيلة، وهو يربت على خدها الناعم:
"خلاص اهدي اهدي، أنا كويس قدامك مفيش حاجة."
لعقت هدير طرف شفتيها بتوتر قبل أن تنبس بصوت خجول ممتزج بالندم:
"ما تزعلش يا فريد... دي آخر مرة هزعلك فيها... أنتَ ما تعرفش خوفت عليك... مش هقدر أتحمل يجرالك حاجة بسببي."
"ما تخافيش جت سليمة دك..."
أدار فريد رقبته بتلقائية فوجد مقعد هالة خاليًا، فحرك نظره في أرجاء المكان ولم يجد لها أثرًا، بينما كانت هالة منذ عدة دقائق تشاهد ذلك المشهد في صمت تام رافضة إصدار أي صوت حتى لا تقاطعهم، وهناك شعور بالحسد والحزن يرتجف في وجدانها، لوجود هذه الفتاة اليافعة مع شخصية مثل فريد مزجت بين الرصانة والحنان، لتشعر بالحرج وهي تنهض بهدوء شديد، تغادر الكافتيريا قبل أن يلاحظوها.
قرأت هدير بعينيها الحيرة على وجهه، لتستفهم بتساؤل:
"في حاجة؟!"
هز فريد رأسه نافيًا، وتمتم بخفوت:
"ها... لا مفيش."
بعد مرور بضعة دقائق،
كانت إبريل تجلس على السرير، شاحبة الوجه، مطرقة رأسها إلى الأسفل، وتتساقط العبرات من عينيها لا شعوريًا نتيجة انزعاجها وقهرها المتزايدين من تفاقم الوضع الذي أوقعت نفسها به، بالإضافة إلى ثورة مصطفى في النقاش الذي تحول إلى معركة دامية، لكن ما أزعجها حقًا هو انهيار أعصابها أمام الجميع الذي يتأملون في ضعفها الآن، في حين من الصعب عليها أن تخلو بنفسها، وكم كرهت هذا الشعور بشدة.
"ما تعيطيش يا إبريل... خلاص أنكل مصطفى مشي."
أيقظها عمر من أفكارها حالما ربت على ركبتها بمواساة بريئة، لتبتسم له بمرارة تسري كالسم في خلاياها، وهي تمسح دموعها بكفيها، تزامنًا مع انتباه باسم محدقًا بها بحاجبين عابسين.
اجتاحه شعور بالانزعاج بمجرد أن رأى وجهها الباهت بهلع، لم تشعر بقدميه تقتربان منها بسرعة خاطفة، إذ فوجئت به يضع أطراف أصابعه تحت ذقنها، لتجحظ عيناها الحمراوتين بدهشة وديعة بعد أن رفع وجهها إليه.
التقت نظراتها الواهنة بعينيه التي تتلألأ ببريق غامض، لعدة ثوانٍ متأملًا بحبات اللؤلؤ المتناثرة على وجنتيها، ثم صعد بإبهامه يمسحها برقة بالغة، أثارت هذه الحركة البسيطة مشاعر دافئة تغلبت على البرودة التي كانت تسيطر على كيانها منذ لحظات.
انفرجت إبريل شفتاها المرتجفة، وتجمدت عيناها على خط الدم المتدفق من فمه، واغتال قلبها شعور بالذنب، لتكسر الصمت منتفضة، وهي تشير إليه بصوت مذعور يرافقه بحة طفيفة:
"أنتَ كويس؟ في دم هنا."
رفع باسم أصابعه تلقائيًا، وتحسس زاوية فمه، عاقدًا جبهته وهو ينظر إلى قطرات الدم على إصبعه، مهدئًا إياها بهمس:
"ما تقلقيش أنا كويس دا جرح صغير."
قاطعت ريهام التواصل البصري بينهم فور أن أدخلت نفسها بسرعة في الحديث، ناطقة باهتمام، وعيناها الحادتان تشعان بالغيرة:
"إيه هو اللي صغير؟ شفتك شكلها اتفتحت... خلينا نطلع نشوف دكتور يشوفك أحسن."
أومأت إبريل تأييدًا لذلك الاقتراح، تزامنًا مع التقاطها أحد المناديل من داخل حقيبتها، وسلمته إليه فوضعه على فمه دون أن يظهر على ملامحه تعبير محدد أو شعور بالألم، ثم تمتم بعد برهة:
"هروح أغسل وشي... وهبعتلك الدكتور يشوفك قبل ما نمشي."
"عجبك الحال دلوقتي؟! الكل وقع في بعضه من وراكي... وجبتي الأذى لينا كلنا... يا ريت تبقي مستريحة دلوقتي."
أطلقت ريهام هذه العبارة باستهجان بغيض، بمجرد خروج باسم من الغرفة بهدوء، وبالفعل نجحت في إصابة مشاعرها المحطمة بنجاح، مستغلة كونها الآن بلا حماية، وفي أكثر لحظاتها ضعفًا.
راقبت ريهام بابتسامة داخلية خبيثة تغضن حاجبين إبريل بتجهم صامت، وأشاحت بوجهها جانبًا بمشاعر مختلطة بين الذنب والعذاب الذي يغلي مثل المراجل بداخلها.
خلال ذلك الوقت،
عند مصطفى في استراحة الزوار بالمستشفى:
"مش ماشي من هنا... احنا لسه ما تحاسبناش وأنا ما بسيبش حقي يبات برا يا بابا."
يجلس مصطفى بإصرار كبير، وما زالت الصدمة تكتسح كل أفكاره، ليضع والده يده على كتفه ثم قال برزانة:
"اسمع كلامي يا بني حاول تتمالك نفسك أنتَ مش في وعيك من العصبية."
صدح صوت صلاح الذي تساءل بصوت وقور شامخ، وخلفه يقف فهمي بملامح متوترة:
"ممكن تتفضلوا معانا خلينا نروح أي مكان نقدر نتفاهم فيه بشكل هادي."
نبيل برفض:
"ما ظنش إن الوضع دلوقتي مستحمل أي نقاشات يا صلاح."
خرج مصطفى من أفكاره المظلمة، ووجه حديثه لصلاح بنبرة غريبة مليئة بالرغبة في الانتقام:
"ابنك النهاردة الحظ في صفه اتكتب له عمر جديد... بس ما تنساش تفكره إنه لعب في عداد عمره يوم ما اتعدى على حاجة تخص صعيدي دمه حر ما بيسيبش حقه لو ليوم الدين... يعني سكوتي عليه مش هيطول زي ما أنتم فاكرين."
ضاقت عيناه عليه بتركيز قبل أن يقول بثبات:
"تهديدك دا أنا مش هحسبه عليك عشان مراعي موقفك يا مصطفى... بس أنتَ متأكد إني مش هقف قليل الحيلة ولا هرحم اللي يتجرأ يمس ابني."
رأى صلاح عبوس مصطفى يطغى على ملامح وجهه الصلبة، فتجاهله وتابع بلهجة ذكورية صارمة:
"وبنت فهمي تعتبر زي بنتي بالظبط... واللي حصل منك غلط كبير في حقها وكل اللي هنا وأول أبوك متأكد من كدا... من أول خطوبتك ليها وهي ما تعرفش إنك متجوز لحد ما جيت لعندها هنا تهددها وسطنا كلنا وما احترمتش لا كبير ولا صغير ودي لا أخلاق ولا أصول الصعايدة."
أردف صلاح بتساؤل:
"ولا أنا غلطان يا نبيل، وأنتَ فهمي؟"
تكلم نبيل بتأييد جاد:
"عداك العيب في كلامك يا صلاح وإحنا محقوقين ليك يا فهمي على اللي حصل من شوية."
أومأ له صلاح بالموافقة قائلًا بجدية:
"وشهادة حق أتحاسب عليها قدام المولى عز وجل ابني طلب إيد بنت فهمي قدام الناس وهي رجعت لأبوها وكبرته."
سارع فهمي بالتحدث مبررًا:
"وأنا لا وافقت ولا رفضت الموضوع... احنا كنا هناخد وقت نفكر حسب الأصول لكن كلنا اتفاجئنا باللي كان مكتوب النهاردة."
كان مصطفى يتابع النقاش بصمت تام، وبملامح غير مقروءة.
استأنف صلاح كلامه بتنهيدة عميقة:
"قصره اللي حصل حصل... احسبها كويس يا مصطفى أنتَ مش هتتجوزها بالإجبار... إذا عايز ما تطلعش خسران كل حاجة... تطلع للصحافيين برا تنفي وتكذب خبر خطوبتك بالبنت فورًا وتقول إن كل دي إشاعات من المنافسين وإنها قريبتك من بعيد وبس."
انتفض مصطفى واقفًا، يعلو وجهه إمارات الغضب هادرًا بشراسة مصحوبة بالاستنكار رافضًا الاعتراف بخطئه:
"إيه السهولة اللي بتتكلم بيها دي يا صلاح... أنتَ فاهم بتطلب مني إيه؟!"
أنهى جملته بزمجرة عنيفة، ليقابل صلاح على هذا السخط الناري ببرود تام، واضعًا يديه في جيوبه بطريقة متعالية، ناظرًا إليه بتحدٍ.
قطع نبيل حرب التواصل البصري، حالما تحدث بصوت حاسم وغير قابل للنقاش:
"مصطفى أنا مع صلاح في كل اللي قاله دا الصح ومفيش حلول غيره... هي مش عايزة تكمل هي حرة في قرارها بس دلوقتي سمعتها هتدمر بسببك... وفي الأول والآخر الغلط كان عندنا كلنا اللي طوعناك هي مالهاش ذنب... وإذا مش هتنفذ اللي اتقال يبقى أنتَ ما بتكبرنيش وبتعصي كلامي."
بعد مرور ساعة،
غادرت إبريل المصعد مع عائلتها، وقبل أن تتمكن من الذهاب خلفهم، أوقفها صوته قائلًا بنبرة هامسة غامضة بالقرب من أذنها:
"ما تصوتيش."
خرجت شهقة من شفتيها عندما حملها بين ذراعيه بخفة، وبحركة عفوية تشبثت برقبته، غير مصدقة تصرفه غير المتوقع، قبل أن تغمغم باعتراض خجول:
"أنتَ وبعدين في حركاتك دي... نزلني هو أنا رجل مكسورة؟"
"في إيه أنتِ كويسة يا إبريل؟"
انفرج فاهها استعدادًا للرد على سؤال يوسف، لكن أسكتتها على الفور نظرة تحذيرية من رماديتيه، وأجاب بدلًا منها:
"دايخة ومش قادرة تمشي."
إبريل بنفي هامس، وهي تراقب ابتعاد أخيها مع سلمى:
"على فكرة قادرة أمشي نزلني."
استهزأ باسم بامتعاض، وهو يسير بها بخطوات هادئة:
"أنتِ وش فقر..."
دا أجمد ست تتمنى تبقى في مكانك.
غمغمت ابريل باغتياظ من غطرسته المفرطة:
عليك وعلى أجمد ست بتاعتك.
باسم باستنكار:
هو أنتِ لو سمعتي الكلام مرة واحدة من غير مناهدة هتموتي محروقة؟
سخرت ابريل بعفوية:
وهو أنتَ بقى كيف عندك تحرجني قدام الناس؟
التوت شفتا باسم في ابتسامة مستمتعة بغضبها بلا رد.
في هذه الأثناء، كان صلاح يتحدث بلهجة رسمية، وملامحه تنضح بالجدية، مخاطبًا مجموعة من الصحافة والإعلام:
أظن اللي أنتوا شايفينه يغني عن ألف كلمة ممكن تتقال في الموقف دا. الباشمهندسة ابريل تبقى خطيبة ابني باسم، وبعد شهر من دلوقتي هنعمل خطوبة بشكل رسمي. وكمان قدامكم بنفسه رجل الأعمال مصطفى الترابلسي اللي بيكون قريب مرات الأستاذ فهمي الهادئ. وأظن مجرد حضوره في نفس المكان يأكد لكم أن كل اللي اتنشر كان إشاعات مالهاش أي أساس، وما فيش علاقة صلة بينه وبين الباشمهندسة ابريل غير قرابة واحترام وبس، وإحنا هنتخذ كل الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عن الإشاعات السيئة اللي طلعت عليهم.
عند باسم، وصل باسم بها إلى السيارة، وأنزلها بهدوء على الأرض، وقبل أن تدرك ما يفكر فيه، وجدته وضع ذراعه حول كتفيها، وجذبها بالقرب من حضنه، فرفعت وجهها بسرعة محدقة بملامحه الهادئة بامتِعاض، لتهمس باعتراض:
إيه الجنان اللي بتعمله مقرب مني كدا ليه؟!
أجابها:
عشان نوثق اللحظة بسيلفي، يلا اضحكي عشان الصورة تطلع حلوة.
أتبع جملته بغمزة شقية بإحدى عينيه، لتظهر على شفتيها ابتسامة بعدم تصديق لما قاله.
التقط لهما عدة صور باستخدام الكاميرا الأمامية للهاتف، وبعفوية أسندت رأسها على كتفه بقلة حيلة وخجل من نظرات الناس من حولهما.
على الجانب الآخر، توقفت سيارة أجرة أمام المستشفى، وترجل منها أحمد وما إن هم بعبور الشارع حتى ثبتت عيناه في دهشة مصدومة من ذلك المشهد العاطفي أمام سيارة باسم، مما جعل جمرات الغيرة تشتعل في صدره بضراوة، عند رؤيتها تقف بين أحضان نفس الشاب الطويل الذي جمعتها به صورة على موقع التواصل الاجتماعي.
اهتزت حدقتيه بتوتر، ووجهه محتقنًا بالغضب، لا يعرف ماذا يفعل، يحاول ضبط تنفسه الثائر، مانعًا رغبته في الذهاب إليهم حتى يدق عنق ذلك الوغد بمنتهى القسوة، دون أن يبالي بأي شيء آخر، لكنه توقف فور أن رأى ما حدث في اللحظة التالية...
قبل دقائق بسيطة، تساءل يوسف بسخط مستنكر:
دا واخدها على عربيته ليه دا.. إيه هنسيبها تركب معاه بعد دا كله ولا إيه؟
نهره فهمي بصوت منهك ناقم:
سيبه يا يوسف أنتَ مش شايف العين علينا، هو حاليًا خطيبها، يلا اركبوا خلصوني في اليوم دا.
نظرت ريهام إلى والدها بعدم رضا، لتتحدث بهمس لشقيقها:
روح أنتَ اركب معاهم يا يوسف.
هز يوسف رأسه معارضًا إياها بلهجة حادة:
أنا مش هطيق أركب مع الجدع دا في عربية واحدة، ممكن أرتكب جناية فيه أساسًا.
زفرت ريهام بتبرم:
خلاص روح ما فيش منك رجا يا أخي.. عمر حبيبي تعالى.
امتثل الطفل لأمرها بهدوء، فانحنت وهمست في أذنه ببعض الكلمات، حتى وافق بإيماءة من رأسه في حماس، فابتسمت له بخبث شديد.
عند ابريل، تمكنت أبريل من الإفلات من قبضته، وعقدت يديها بعناد على صدرها:
لحد هنا وبس، ركوب معاك لوحدي مش هيحصل.
أشار باسم بإهمال، وهو يخاطبها بفظاظة مستفزة:
أهي عندك عربية أبوكِ، روحي اركبي معاهم واستحملي كلامهم طول الطريق بقى.
نظرت إليه بضيق شديد، وهي تنفخ خدودها بتذمر طفولي.
قال الطفل:
ابريل.. ابريل.. عايز أروح معاكوا ممكن؟!
حملق بها الطفل الصغير ببراءة، فابتسمت له ابتسامة عريضة، شاكرة إياه سرًا على أنه أنقذها من هذا الوضع الصعب مع هذا الذئب المتلاعب، وأطلقت تنهيدة ارتياح، مرددة بصوت ينضح بالرقة:
خلاص هركب معاك أنا وعمر.
إحساس غامض مفعم بالضيق سيطر عليه حينما رأى مدى ارتياحها لفكرة عدم وجودها معه بمفردها، وكأنه سيرتكب جريمة بشعة ليؤذيها بها.
بالرغم من أنه يطمح إلى بث بعض الطمأنينة بداخلها، خاصة بعد أن شعر بتوترها ورعبها، الذي حاربت لإخفائه بمهارة خادعة خلف تلك النظرات المحتقرة المتحدية لمصطفى، لم يستطع حينها إلا أن يهجم عليه بعنف شرس يتنافى مع طبيعته اللامبالية، ليكسر حلقة التهديد المروع في قلب تلك الهرة المرتعدة خلف ظهره تحتمي به متجاهلة جميع من في الغرفة.
ربما هذا السبب فعل زر الحامي في أعماقه من أجلها، دون أن يترك لنفسه أي مجال لترجمة مشاعره الغريبة غير المفهومة.
انتزع نفسه بسرعة من هذه الأفكار، وهو يتجه إلى الجانب الآخر من السيارة، ويتمتم من خلال أسنانه المطبقة:
طيب يلا اركبوا وأمري لله.
انطلق باسم بسيارته تحت أنظار أحمد الذي كان يرمقهم بنظرات حادة قاتلة، وبعنف تخللت أصابعه في خصلات شعره الناعم، مدمدمًا بألفاظ نابية، ثم أوقف سيارة أجرة ليتبعهم.
في المنصورة، داخل منزل والدة نادية:
أنا عايزة أطلق يا مرجانة.
هتفت نادية بهذه العبارة فور دخولها المطبخ حيث كانت والدتها واقفة، التي همهمت بلا مبالاة:
معلش يا نادية.
صاحت نادية بصوت منفعل:
هو إيه اللي معلش يا ماما.. هو أنتِ سمعاني أصلًا؟
استمرت مرجانة في تحريك محتويات الطبخة فوق النار، وهي تقولها ببرود وملل:
اطرشت من كتر ما سمعت منك الجملة دي كل مرة ينزل فيها إجازة، وبعد دقيقتين بترجعي في كلامك.
عبست نادية بضيق معارضة إياها بصوت مقهور:
لا المرة دي غير كل مرة يا ماما، أنا هاخد موقف.. دا سايبني أنا أتحرق هنا وهو دلوقتي معها، هو فاكرني إيه من جبس؟!
لطمت مرجانة على خدها، وهي تغمغم باستياء:
يا خيبتك في بنتك يا مرجانة، عقلها سرح منها خلاص.
أجابت نادية بنبرة مرتعشة، ودموعها تنهمر في هزيمة منكسرة واضعة يدها على صدرها:
أنا قلبي تعبني أوي يا ماما خلاص، حاسة إني هموت ونفسي بيروح من قهرة قلبي.
أطلقت مرجانة تنهيدة مليئة بالأسف، وهي تخفض الحرارة على الطعام قبل أن تتجه إليها، وتربت على ظهرها بتعاطف، وهي تسير معها إلى غرفة المعيشة لتقول بحزن:
كان مين غصبك على العيشة دي يا نادية؟ ما أنا ياما قلت لك يا حبيبتي اطلقي منه وخدي معاش أبوكِ الله يرحمه وعيشي بيه أنتِ وبنتك معززة مكرمة هنا..
جاورتها مرجانة على الأريكة، تثني إحدى ساقيها تحتها وهي تصر على أسنانها، قائلة بنبرة ذات مغزى:
بس الأول أبقى مالية إيدي منك.. مش تعملي زي كل مرة وتجري عليه زي الخايبة.
انتفضت نادية بتسرع:
لا والله المرة دي غير كل مرة والله العظيم.
تقوس فم مرجانة بابتسامة ساخرة، ووضعت كف يدها على خدها تنظر إليها بتفحص:
أهي هي الجملة دي.. كل مرة تجي لي غضبانة وبتاكلي في نفسك وتقعدي تسخني فيا.. لحد لما السكر والضغط يعلوا عليا.. ومع أول مكالمة منه يطمن على بنته كمان مش عليكِ.. بتقومي تاخدي بعضك وترجعي له.. حصل ولا ما حصلش؟!
استدارت نادية في جلستها، وهي تفرك كفيها ببعضهما، قائلة في اعتراف مليء بالخجل من نفسها:
حصل.. حصل..
بس يعني هو ذنبي إني بحب جوزي وباقية عليه يعني يا ماما؟
أنهت كلامها بمرارة، ثم انفجرت في البكاء المرير، وتساقطت دموعها الحارقة على خديها.
ربتت والدتها على كتفها بضيق مقهور: يا حبيبتي مش عيب الست تحب جوزها وتموت في التراب اللي بيمشي عليه كمان وتعمل كل اللي يرضيه، بس لازم تبين قدامه شوية كرامة عشان ما يستهيفهاش زي ما بيعمل دلوقتي فيكي، أهو راح يشوف بنت خالته اللي الكل عارف إنها لسه مشعشعة في نفوخه ولا سأل فيكي يا بنت الخايبة.
حدجتها نادية بنظرات جاحظة، وتذمرت بنبرة متحشرجة بالبكاء: هو إنتي كده كل ما أجيلك تقعدي تقطمي فيا وخلاص، ما أعرفش حظي ماله مقندل كده ليه معاكوا كلكوا؟!
لكزتها مرجانة في كتفها مغتاظة من سلبية ابنتها، لتردد بصوت متهكم: حظك ما كانش في أحسن منه يا بنت بطني، إنتي اللي ميلتي بختك بإيدك يا أختي فاكرة ولا نسيتي؟
واصلت حديثها بعتاب، وهي تهز الطفلة الباكية مثل أمها على قدميها: ولو نسيتي أنا هفكرك يا بنت مرجانة، كام جدع ما فيهوش غلطة اتقدمولك وكنتي بترفضيهم، إنتي اللي قبلتي تتخطبي لواحد وإنتي عارفة إنه جاه يخبط على بابك كيد في بنت خالته، بس إنتي اللي قولتي أنا موافقة على ده يا ماما أنا بحبه يا ماما وما صدقت إنه طلبني للجواز وهخليه يحبني بعد الجواز، وآدي آخرتها قاعدة بتتلوني عشانه في مية شخصية وشكل كل مرة بينزلك فيها من الكويت عشان تملي عينه وأول ما عرف إنها ما بتردش سابك وجري عليها عشان هي كرفاه ومش معبراه.
جعدت نادية جبهتها في انزعاج، ورغم أنها اعترفت بصدق حديثها، إلا أن قلبها يسكنه سلطان واحد، وهو الأمر الناهي في دقاتها، بينما لوت مرجانة شفتيها إلى الجانب، وأضافت بنبرة حادة غير راضية عما تسمعه: إنتي اللي رضيتي بالقليل عشان بتحبيه عملتي نفسك طرشة عشان ما تسمعيش البنات وهي بتتكلم في فرحك وبتقول دي خطفت خطيب صاحبة أختها.
خرجت من شفتيها تنهيدة حارة أعقبها صوتها المبحوح: لازمتها إيه بلاعة الذكريات اللي فتحتيها لي دي يا ماما، يعني بذمتك أنا ناقصة مش كفاية حرقة دمي وبتحرقي دمي زيادة، أنا جيا لك عشان تطبطبي عليا وتبردي نار قلبي شوية مش عشان تقومي حريقة في قلبي كده وتيجي عليا.
وكزتها مرجانة بقسوة في خصرها قبل أن تصيح بسخط: افهمي يا حمارة يا بنت الكلب، اللي بياكل سكر على طول نفسه بتجزع، وطول ما إنتي مدلدقة حنان واهتمام كده وفاكرة إن ده هيلزقه فيكي تبقي هبلة، أوقات الراجل يحب اللي تتقل عليه بس بدلع، تنشغل عنه بحاجة ما يعرفهاش وتبطل تجري وراه، ساعتها بيبقى هيتجنن ويعرف إيه اللي مركزة فيه ومش شايفاه وهو قدامها، بس إنتي بطريقتك دي مخليه يتمرع عليكي وهيفضل يبيع ويشتري فيكي وممشيكي على مزاجه هو عمال يروح ويلف على كيفه كده، وهو ضامن إنه هيرجع يلاقيكي على حالك مستنياه، يا ما قولت لك خليكي معاه زي الميزان اظبطي إيدك وادلوا كل حاجة بمقدار، لا تجوعيه لحد ما يموت ولا تشبعيه لحد ما يفطس منك.
شهقت نادية بعفوية، وهي تتمتم بنبرة مذعورة: بعد الشر عنه يا ماما.
رمقتها مرجانة بعينين جاحظتين من الصدمة، وهدرت بنبرة غاضبة: يخربيت أمك يا بت المجنونة، جننتيني معاكي، اتنيلي خذي البت نامت وخليني أشوف الأكل اللي على النار.
في المساء بذات اليوم
في غرفة فهمي
جلست سلمى بجانبه على الفراش، لتتحدث بصوت متوتر: هنعمل إيه في الورطة دي يا فهمي، مصطفى مش هيسكت وهيقلب الدنيا فوق دماغنا، إنت ناسي إنه بيورد لنا بضايع من شركته للأوتيل بتكاليف أقل من أي شركة تانية، أكيد هيفسخ العقد معانا ويطالبنا بالمستحقات المتكومة علينا.
وضع نظارته الطبية أعلى المنضدة، ليتساءل بسخرية لاذعة: وهو مين ورطنا الورطة دي؟! مش إنتي يا سلمى وياما نصحتك وحذرتك بلاش تعملي كده!
مسد فهمي على ذقنه بتفكير، وأكمل بجدية: أنا هتكلم مع مصطفى وأحاول أقنعه يصبر علينا في تسديد الفلوس.
اعترضت سلمى بغرابة: إيه البساطة اللي بتحكي بيها دي، ضروري مش هيوافق طبعًا بعد الفضيحة اللي حصلت وكله من تصرفات بنتك ولسه لما يعرف كمان.
رفعت إصبعها السبابة أمام وجهه بتحذير، وهي تردف مشددة على كلماتها: وما تنساش إنك مدير الأوتيل والمسؤول عنه قانونيًا والأوراق عليها توقيعك إنت، ده غير الشيكات اللي مضيتهاله عشان مضاربتك في البورصة وخسرتك فيها كل شوية، يعني إذا مصطفى رفع قضية وطالب بالفلوس دي إنت هتكون واقع في المشكلة دي أكتر مني كمان هتجيب منين فلوس تدفعها له؟!
ألقت سؤالها كالقنبلة في صدره، لتعطيه ظهرها استعدادًا للنوم، وتركته في حالة من الارتباك والخوف مما هو قادم، وتمتم بأمل: ضروري هنلاقي في حل.
في نفس المنزل
اعتدلت أبريل في جلستها على سجادة الصلاة بعد أن أدت صلاتها بخشوع، ثم فتحت مصحفها الصغير، وبدأت في القراءة وعيناها المتضرعتين ممتلئتان بالإرهاق حتى شعرت بالطمأنينة والراحة تتسلل إلى صدرها.
بعد مرور بعض الوقت، قامت من مكانها، ونزعت عنها الإسدال.
سارت أبريل حافية القدمين، مرتدية بيجامة ذات لون سماوي بأكمام قصيرة مصنوعة من قماش خفيف، وهي تتأمل بفيروزيتيها، وتتفحص غرفة الضيوف التي أعدتها لها زوجة أبيها سلمى.
خرج زفير عميق من شفتيها، وهي مستلقية على السرير تضم شال جدتها الحبيبة إلى أحضانها بمزيج من الاسترخاء والهدوء، لتشرد في التفكير بأحداث اليومين الثقيلين الأخيرين، بكل ما حدث فيهم، منذ لحظة خروجها من المنزل هاربة وصدفة لقائها بهذا الذئب الباسم، مرورًا بزيارة مصطفى في المستشفى، وما فعله باسم لأجلها اليوم، أقنعت نفسها بأن هذا المشهد في غرفتها بالمستشفى كان مجرد عرض في مسرحية من إخراجهما معًا، وتعترف بأنه تفوق على نفسه في لعب دور العاشق والحامي لحبيبته، ثم اختتم اليوم بالظهور غير المتوقع لأحمد قبل عودتها إلى منزل والدها.