تحميل رواية «جوازة ابريل» PDF
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد مرور شهر. في قاعة أفراح فخمة، تسبح في بريق الأضواء المعلقة في السقف العالي كأنها نجوم متلألئة تُشع بوهج يخطف الأنفاس. الأرضية مكسوة برخام أبيض ناصع، يلمع تحت الأقدام كمرآة تعكس بريق الثريات الذهبية المتدلية بانسيابية من السقف المزخرف بنقوش فنية بديعة. الجدران كانت مزينة بأقمشة حريرية باللون العاجي، ومرصعة بزهور طبيعية متناغمة بألوان الباستيل الهادئة. رائحة الورود تعبق في الأرجاء، تحمل معها لمسة من الفخامة والأصالة. الطاولات مصطفة بعناية، مفروشة بأقمشة مخملية مترفة، تتوسطها شمعدانات مذهبة، تح...
رواية جوازة ابريل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نورهان محسن
التقينا في لحظة حاسمة كانت كالسيف القاتل على عناقنا، كلانا هارب من كارثة تكاد تمزق قلوبنا حد الموت. ولم تمر سوى دقائق قليلة منذ لقائنا، ووجدتكِ تسردين كذبة حمقاء عبر شفتيك. أخضعتني لقربك قسراً أيتها المتمردة. لا أعلم حقاً من منا حينها أصبح أسيرًا للآخر، لكنكِ صرتِ رغمًا عنكِ عروسي العنيدة أمام كل الحاضرين. حينذاك أدركت أن مثوى السيف السري هو فيروزيتكِ الثائرة. وقبل أن أشهر سلاحي، اخترقتِ بإندفاعكِ الجريء قلبي الذي صرخ غاضبًا: "في الغرام سأكون سفاحًا، وألف لعنة لكم أيها الخصوم. فإن شئتي أم أبيتي سوف تكونِ لي، وبكامل قواي الجنونية أقول لكِ هذا قراري الأخير."
***
أمام عربية ياسر، تابعت هالة بصراخ أجش: "رد عليا!!"
رفع يده أمامها منبهًا إياها، بتحذير مقتضب: "هالة، وطي صوتك وتمالكي نفسك وأنا هفهمك الحكاية صح."
صاحت هالة بحدة: "أفهم إيه!! وأنا كل اللي لاقيته منك عدم احترام لكرامتي ومشاعري وبس."
فرك ياسر جبهته بتوتر، وهو يهتف بنفاذ صبر: "استغفر الله العظيم.. دا مش أسلوب لائق خالص للمناقشة.. إحنا أعقل من كدا يا هالة.. أنا حتى مش فاهم شغل قلب التربيزة دا هتستفيدي منه إيه؟! ماكنتش كلمة وطلعت مني عشان تتفتحي فيا الفتحة دي.. راعي شوية إننا واقفين وسط ناس بيتفرجوا علينا."
نظرت هالة إليه بعينين ضيقتين مليئتين بالعبرات، وردت مؤكدة صحة حدسها، بنبرة هازئة يتخللها الأسف على حالها: "مش بقولك فارقلك شكلك دايما.. بس اللي بقت خطيبتك وهتكون شريكة حياتك عادي لما تقلل منها قدام أهلها وصحابها وكل الموجودين.. وطول الوقت كنت مهتم بواحدة تانية.. وبالمناسبة، كل اللي حضر الحفلة وشاف المهزلة دي ما استناش للصبح.. الأخبار كلها ملت المستشفى وطول الليل الممرضات مالهمش سيرة غير إزاي خطيبها كان سايبها طول الحفلة ومهتم بواحدة تانية.. هي لدرجة دي مش مالية عينه.. وهي إزاي قبلت على نفسها.. إيه معندهاش كرامة!؟"
تعبيراتها المليئة بالحزن لم تسعفه في تبرير موقفه، لكن لم يكن أمامه إلا أن يكابر، ويدعي عكس الحقيقة: "سبق وفهمتك طبيعة علاقتي بـ يارا عاملة إزاي.. هي أخت.."
قاطعته هالة بإشارة للتوقف عن الكلام: "من فضلك، أنا جبت آخري وخلاص اكتفيت من كتر الكذب اللي بتعيد وتردده."
لم تعجبه نبرة الاتهام في صوتها الهادئ، فعدل وقفته أمامها بكل وقار، ليخرج رده بوضوح وثقة: "هالة.. أنا لما جيت وتقدمت لك كنت مقتنع باللي بعمله.. وإذا في مشاعر من ناحيتي لـ يارا أو لغيرها كنت قلت لك.. أنا مش هخاف منك ولا مضطر أكذب عليكي.. وعشان أنا مقدر إن أعصابك مشدودة هعمل نفسي ماسمعتش الكلام الفارغ اللي إنتي قولتيه."
صاحت هالة بإصرار قوي: "لا أنا كلامي مش فارغ ولا من فراغ وعارفة كويس بقول إيه.. طريقتكم مع بعض دي فوق الطبيعي.. اهتمامك الأوفر بيها دا مش طبيعي."
***
في ذات الوقت، داخل المستشفى تحديدًا بغرفة أبريل.
دخلت الممرضة الغرفة، تقترب منها بخطوات هادئة، لتقول بابتسامة: "اتفضلي دي عشانك."
عقدت أبريل بين حاجبيها الجميلين، وهي تأخذ منها علبة حلويات فاخرة مزينة بشكل أنيق، ثم سألت بنبرة حيرة: "مين جابها دي؟!"
نظرت أبريل إلى الصندوق بعينين تشعان بالفرح، لا شعوريًا، إذ ذهب عقلها إلى أخيها الذي يعلم حبها الشديد للشوكولاتة، لابد أنه يسعى إلى استرضائها، بهذه الطريقة مختبئًا خلف قناع الحذر منها خوفًا من رفضها، حتى جاءها الجواب من الممرضة محطمًا كل آمالها: "خطيبك اللي لسه خارج من عندك من شوية."
هزت أبريل رأسها بهدوء في خيبة أمل، لكن كيف يمكنها أن تظلل الوميض الصغير المنبعث من روحها التي كانت تتمنى دائمًا أن تحظى بحنان واهتمام من عائلتها؟
أحست بصوتها يحاول الوصول إلى حنجرتها بصعوبة، فخرجت الكلمات خافتة بما كان يطوف بداخل قلبها: "أهلي.. حد منهم موجود بره؟"
ردت الممرضة بتفكير: "أظن لا.. مفيش حد بره."
عقدت أبريل ذراعيها على بطنها، وأطلقت تنهيدة عميقة تعبر عن مدى إحباطها، هي تشعر بالاستياء منهم جميعًا، لكن هذه المشاعر الإنسانية مهما حاولت كبح جماحها أمامهم، وتصرفت بقسوة، تظل في أعماقها متعطشة لاهتمامهم الذي ترفض أن تشحذه منهم بالتوسلات. سرعان ما سخرت من أفكارها الداخلية سرًا قبل أن تسألها برقة: "طيب ممكن تجيبلي الهدوم اللي جيت بيها هنا؟"
ردت الممرضة بابتسامة لطيفة: "كل حاجاتك موجودين في الدولاب دا.. بس ماينفعش تخرجي قبل الدكتور ما يكتبلك على خروج."
زاغت عينيها بتوتر، ودفعت شعرها خلف أذنها بفكرة شيطانية سطعت في عقلها، قبل أن تقول بابتسامة وديعة: "تمام.. أنا جعانة.. ممكن تجيبلي فطار؟"
نطقت أبريل بعبارتها بمنتهى البراءة، تتوارى خلفها نواياها الماكرة ببراعة شديدة، جعلت الممرضة تصدقها بكل سهولة، لتتحدث على الفور: "أكيد ممكن.. الفطار هجيبه حالا مع الدوا وراجعة على طول."
سرعان ما اعتلت ابتسامة ساحرة على ثغرها، وهمست بامتنان: "ميرسي أوي على تعبك."
الممرضة بسماحة: "شغلي يا فندم.. ربنا يشفيكِ."
بمجرد أن أغلقت الممرضة الباب خلفها، زفرت أبريل بقوة وغضب، وزمجرت بكراهية وامتعاض شديدين: "قال خطيبي قال.. هنجلط يارب.. ماشوفتش حد بارد كدا في حياتي زي البني آدم دا.. معندوش نقطتين دم ولا كرامة.. واحد غيره وسمع الكلمتين اللي قولتهملو كان زمانه راح دفن نفسه مش يجيبلي شوكولاتة.. بس شكل جهاز الإحساس عنده متبدل بديب فريزر."
حدقت أبريل في علبة الشوكولاتة بسخرية، وهمست لنفسها بوعيد: "عاملي فيها البيه رومانسي يا أستاذ ساخر.. طيب صبرك عليا أما طفحتهالك..!"
زفرت الهواء بقوة كبيرة، وكأنها تزيل ثقلاً كبيرًا عن صدرها، فرفعت فيروزيتها ببريق غامض إلى الخزانة التي أشارت إليها الممرضة، ثم وضعت الصندوق جانبًا بإهمال، ونهضت من السرير بعزم.
خطت عدة خطوات من الخزانة، ثم أدارت رقبتها، محدقة في الباب المغلق بتعبير حزين، لتركهم لها وحيدة دائمًا، ثم أخذت تربت على قلبها برفق شديد، والدموع تتلألأ في مقلتيها، وهي تهمس لذاتها بقوة: "لن أبدأ في الانهيار كلما خذلوني، ولن أنتظر هذا الزائر الحنون الذي سيطرق هذا الباب، وإن تمزقت أوتار قلبي شوقًا لقدومه، تقديري لذاتي له أهمية قصوى بالنسبة لي، فأنا أقسمت أمام الله أنني لن أجعل قلبي قابل للكسر مهما حدث."
***
في ممر المستشفى، عند باسم.
صاح صلاح بصوت أجش حانق جعل المارة يلتفتون نحوهم في دهشة: "يا برودك.. هو إنت مش مقدر حجم الكارثة اللي وقعنا فيها بسببك وشغلنا اللي خرب من تحت عمايلك وطيشك."
تابع بسخط عارم ملوحًا بكلتا يديه في الهواء: "ضاقت بيك الكرة الأرضية بحالها.. رايح تخطب واحدة خطيبة واحد تاني!!! إيه الستات اللي بتعرفهم.. مسحولك مخك.. عجبك دلوقتي الفضيحة الجديدة المنشورة عنك في كل حتة دي.. اتفضل تعال معايا."
أمسك صلاح بمرفقه، يسحبه خلفه، ليمشي باسم معه في طاعة تامة حتى وقف معه أمام إحدى النوافذ الكبيرة المطلة على باحة المستشفى، قال صلاح بصوت حانق: "شوف بعينك يا بيه.. الصحافيين قافلين على باب المستشفى.. مستنيين بس يلمحوا طيفنا عشان ينزلوا فينا تصوير وأسئلة.. دا غير التليفونات اللي مابتسكتش من الصبح."
هز باسم كتفيه غير مبالٍ بالأمر، واضعًا يديه في جيوب بنطاله، ليخاطبه بنبرة ثقيلة: "ما أنا عارف كل دا.. ما أنا اللي كلمتهم وجبتهم لحد هنا أصلًا."
استشاطت ملامحه غضبًا، فصاح مستنكرًا بصوته الأجش: "نعم يا روح أمك.. إنت شكلك اتجننت على الآخر."
أوضح باسم له بعبوس جذاب: "ولا اتجننت ولا حاجة.. أبريل مش مخطوبة.. والكلام المكتوب عننا دا كله كذب ومتفبرك."
سأل صلاح ساخرًا: "وإحنا هنمسك كل نفر ونشرحله إن دا كله كذب إزاي يا بيه؟!"
رفع باسم حاجبه، مرددًا بانزعاج نافذ الصبر: "اومال أنا جايب دول لحد هنا عشان إيه!! اللي إحنا عايزين نوصله للكل هيكون من خلالهم."
تشنجت ملامحه من الصدمة، وسيطر عليه الجنون، مزمجرًا بسخط شديد، حيث يكاد أن يسقط أرضًا نتيجة إصابته بجلطة دماغية بسبب برودة ابنه: "يعني كمان إنت اللي مديهم الإذن بالوقفة دي؟؟ ومصطفى إيه.. ناسيه؟! دا من أكبر المستثمرين اللي داخلين في المشروع الجديد واللي بتعمله دا هيخلينا نخسره!!"
ضاقت عيناه الرماديتان في تعبير يدل على تقييم ما قاله والده، قبل أن يهز رأسه بالنفي، قائلاً بصوت جدي ممزوج باللامبالاة: "زي ما في مصطفى في مستثمرين كتير غيره.. إذا هو عايز ينسحب بالسلامة.. غيره يتمنى يكون مكانه.. وإنت سيد العارفين يعني مش هتقف عليه.. وهيبقى هو الخسران الشرط الجزائي."
تنهد صلاح بقوة قاطبًا حاجبيه بحنق: "افهم يا بني.. مواضيع الستات لما بتدخل في الشغل بتخربوه.. واللي اتكتب دا هيأثر علينا كلنا من نواحي كتير.. وسبق ونبهتك.. عايز تخطب بنات الناس كتير.. مش لازم البت دي."
عقب باسم على كلام والده بثقة بالغة، رغم أنه هو نفسه لا يعرف من أين جاء بها وسط الظروف المحيطة به: "إذا على كلام الجرايد.. أنا عارف كويس إزاي هنخرس لسان الكل.. وكمان هينزل بكرة بالكتير اعتذار عن أي كلام اتكتب عننا.. والكل وأولهم مصطفى هيعرفوا إن أبريل خلاص بقت تخصني."
زجره صلاح بغضب سعير، وهو يكز على أسنانه بقوة حتى لا يلفت النظر إليهم: "ما تجننيش ببرودك.. أنا على آخري.. هو مش هيسكت.. ما فكرتش في اللي ممكن يعمله؟!"
تشكلت ملامحه بتعبير صارم تجلى بوضوح في لهجته القوية مثل سيف حاد وهو يذبح ببرود وحسم: "ما بفكرش فيه ولا يهمني.. أنا مش شايفه غريم ليا حتى.. عشان حكايته معاها خلصت يوم ما هي فسخت الخطوبة اللي محدش كان عارف بيها.. دا كان مخبيها كأنه عامل عَمَلَة.. وخليه يعمل اللي هو عاوزه.. وأنا هعرف إزاي أتعامل معاه.. وأي حاجة هيعملها هتتردله أضعاف."
***
خلال تلك الأثناء، في غرفة منى.
"منى يا حبيبتي.. ألف حمدلله على سلامتك."
هتفت سوسن بلهفة، وهي تتجه نحو منى التي كانت تجلس فوق السرير بوجه جامد، وعندما سمعت صوت أمها رفعت عينيها إليها فسقطت من مقلتيها دموع حارقة، وانفجرت في البكاء المرير بمجرد أن احتضنتها والدتها، وقالت بحزن شديد، وهي تربت على ظهرها بتعاطف تفهم ما تمر به ابنتها: "قدر الله ما شاء فعل يا قلب أمك.. بكرة هتعوضيه وربنا هيفرحك.. صدقي أمك.. ما تزعليش نفسك."
أجهشت منى تبكي بصوت عالٍ، منهارة من الألم الذي يدمر قلبها بلا رحمة، بينما الأم تمسد على شعرها بحنان فطري وتعزيها بكل ما لديها من كلام، لكن مهما قالت، فإن جراح ابنتها النازفة حد الموت لن تشفى بأبجدية اللغة العربية أجمع، فقالت في حيرة: "عملتي في نفسك كدا ليه يا منى؟! إيه اللي جرا يا حبيبتي بينك انتي وعز.. إيه وصل الحال بينكم للطلاق؟!"
خرجت منى من حضن أمها، وهي تنظر إليها بعينين منتفختين وحمراء من شدة البكاء الذي لم تستطع السيطرة عليه، وصاحت بعنف منهارة: "هو السبب في اللي أنا فيه.. بسببه خسرت ابني.. البني آدم دا خلاص انتهى من حياتي يا ماما.. أنا كرهته قد ما حبيته.. دا أكتر واحد أناني ووحش في الدنيا يا ماما.. ماتجيبيش سيرته ليا تاني.. مش عايزة أشوفه تاني.. ماتوجعتش في الدنيا من حد قد ما أنا اتدمرت واتوجعت على يده هو."
ألقت بنفسها على صدر أمها، وواصلت النحيب بصوت يمزق قلب سوسن من الألم، فهمست لها بنبرة هادئة نوعًا ما وهي تعانقها بشدة، وتبكي معها، فمن الواضح على عز وكلام منى الآن وحالتها المزرية، تؤكد أنه ارتكب بحقها فعلًا لا يغتفر: "حاضر خلاص.. اهدي يا قلب أمك واللي إنتي عايزاه هنعمله.. وأخوكي زمانه على وصول كمان هيقعد معاه ويشوف عملك إيه ويجيبلك حقك منه."
ابتلعت منى الغصة التي تشكلت في حلقها بألم، ثم تمتمت بصوت باكٍ، وسيطرت عليها نوبة من الهستيريا. رافضة حديث والدتها، وشكلت المشاعر المتضاربة إعصارًا في قلبها الذي موشوم بعشقه: "مش عايزة أرجعله تاني ولا أشوفه تاني.. أنا بحبه أوي يا ماما.. بحبه بس.. بس على قد ما حبيته كرهته.. حاسة قلبي بيتحرق كل ما أتخيل إن خلاص مش هشوفه وأكون في حضنه تاني.. وعشان هيوحشني أوي.. بحبه أوي وهو ما يستاهلش ذرة من اللي في قلبي ليه.. أنا بكرهه يا ماما بكرهه.. حتى الطفل اللي اترجيته من الدنيا عشان أضمن إنه يفضل معايا وما يسيبنيش راح.. وهو قبلها طلقني واتخلى عني يا ماما.. بس خلاص خلي دعاء هانم تفرح.. خليها تروح تجوزه.. خليها هي تكسب.. أنا خلاص خسرت كل حاجة على يده وما بقتش عايزاه.. مش عايزاه."
هربت سوسن على رأسها بحنان قبل أن تستفهم بتعجب: "بس يا حبيبتي.. اهدي.. اهدي.. قوليلي بس دعاء مالها ومال اللي بينك انتي وجوزك يا منى.. ماتظلميهاش يا بنتي.. الست دخلت عليها من شوية لاقيتها قاعدة جنبك ومفلوقة من العياط عليكي."
أجابت منى عليها من بين شهقاتها: "بتعيط من فرحتها عشان وصلت للي هي عايزاه يا ماما."
رفعت سوسن يديها، وأخرجتها من داخل أحضانها، وأردفت بصوت حنون: "طيب.. طيب.. بطلي عياط.. امسكي نفسك واحكيلي في إيه دعاء عملتلك إيه؟"
أغمضت منى عينيها بأنفاس متلاحقة، وهي تحاول تمالك أعصابها، ثم مسحت دموعها بظهر يديها ونظرت إلى سوسن التي ابتسمت مطمئنة وحثتها على إخبارها بالأمر.
استنشقت منى كمية كبيرة من الهواء، وزفرتها على مهل، ثم بدأت تروي لها كل الأحداث التي أخفتها عنها خلال الأيام القليلة الماضية.
اختتمت حديثها، قائلة من بين شهقاتها الممزقة: "أنا بموت يا ماما.. الوجع اللي في قلبي هيموتني.. مش قادرة استحمله."
"_أنا اللي هموت من غيرك يا منى ومش هقدر استحمل أعيش في الدنيا دي من غيرك._"
جمدت معالمها فور أن جاءها صوته العميق الهامس، لتسمع قلبها الخائن ينبض بقوة مثل المطارق بين ضلوعها تأثرًا به. وهذا ما كانت تخشى حدوثه، فإنها تكذب على نفسها، فقط تشعر أنه أصبح شخصًا غريبًا عنها، يتدفق كالسم في عروقها، يستهدف هذا الشريان المسمى بالوتين الذي يسكنه هذا العز. بينما العقل يعزز من وفرة هذا السم، لأنه يريد التخلص من هذا العز، ولكن بمجرد حدوث هذا الشيء اللعين، سيصبح قلبها مجرد نبضات عديمة الفائدة ولا قيمة لها.
***
عند هالة.
عبس وجه ياسر بغضب، وهو يطلق زفرة قوية من ضغطها المستمر على أعصابه المضطربة حرفيًا، خاصة أن عقله أيضًا لا يرحمه، مجسدًا صورة يارا أمامه، وهي تقبله الليلة الماضية، لكنه قمع شعوره بالخيانة بكل ما أوتي من قوة، فهو لم يخطئ بتاتًا: "يوووه.. أنا زهقت.. إنتي ليه مش عايزة تفهمي.. المفروض يبقي عندك ثقة فيا وفي نفسك أكتر من كدا."
واجهته هالة بصدق، وهي تحدق في عينيه مباشرة: "الثقة بتتبني بالوقت والمواقف.. مابتتخلقش في يوم وليلة.. واللي شفته منك يخليني إزاي أثق فيك.. خلاص.. آخري جبته.. مش هقدر أتحمل فكرة إنها في حياتك دي يا ياسر عشان دا بيجرحني.. فاهم يعني إيه؟"
زم ياسر شفتيه قبل أن يضغط على فكه بقوة، وهو يتحاشى النظر إلى عينيها الزرقاوين المتألمتين، ثم هتف بنفاذ صبر: "يعني عايزة إيه من الآخر يا هالة؟"
"_عايزة أكون الوحيدة في حياتك وجوا قلبك.. عايزة تتنافس مع العشاق وأنت بتعبرلي عن حبك ليا.. عايزة أبقى أنا وبس.. تكون ليها كامل الحقوق فيك.. عايزة كل وقتك.. كل اهتمامك.. عايزة أبقى كل حاجة في حياتك._"
دار هذا الحديث الداخلي في ذهنها، عيناها فقط هي التي عبرت عما تريده وتتمناه بشدة.
مرت عليهما لحظات صمت ثقيلة قبل أن تتحدث بهدوء، ليشعر بانقباض في قلبه بمجرد سماع كلامها: "إذا طلبت منك تقطع علاقتك بيها.. هتوافق يا ياسر؟"
صدمها رد فعله عندما صاح بالرفض القاطع: "لا يا هالة.. أنا كنت صريح معاكي من البداية.. خصوصياتي وأصدقائي خط أحمر.. لازم تحترميهم.. وإنتي قبلتي.. يارا أنا مش هقطع علاقتي بيها عشان شوية أوهام مالهاش أساس إلا جوه دماغك.. وإنتي اللي ليكي عندي إنّي أحترمك ومقصرش معاكي وبحبك."
أنهى ياسر كلامه بثقة لم يشعر بها، إذ أخذ كف يدها الناعمة بين كفيه بحنان. لقد كان يكذب وكان يعلم ذلك، لكنه لم يرد أن يخسر أيًا منهما. فوجدت هالة نفسها تنظر إليه باستغراب في البداية، قبل أن تنجلي طبقة بلورية من الحزن على عينيها الزرقاوين، وطغى على قلبها ألم لا يحتمل نتيجة نزيف جرح غائر في كبريائها كامرأة، هو ألم يخص شخصها ولا علاقة له به.
حملقت هالة في يدها المتشابكة مع يده، لعدة ثوانٍ قبل أن تسحبها بهدوء يخالف حقيقة مشاعرها في تلك اللحظة، بجهد شاق بذلته للحفاظ على ثباتها الانفعالي، حتى لا تنفجر بالبكاء في وضح النهار أمام العيون الفضولية المحيطة بهم، سألته بنبرة مقتضبة: "مقصرتش خالص فعلًا.. تقدر تقولي موقف واحد حقيقي اتحطيت أنا فيه وأنت كنت جنبي فيه؟! مفيش صح.. بس تروح عادي توصلها هي لبيتها وتسيبني أنا في مشكلة.. مش كدا.. صاحب البالين كذاب يا دكتور."
اخفض ياسر بصره بارتباك من عودة اتهاماتها تتقاذف عليه، لتجرده أمام ذاته بحقيقة إهماله الغامر تجاهها، لينظر إليها بسرعة مرة أخرى، مستشعرًا بخطر يقترب، وهي تستكمل بسخرية مريرة: "وبعد دا كله تاعب نفسك وجاي لحد هنا عشان تعاتبني على حاجة ماليش ذنب فيها.. بدل ما تدعمني بكلمة طيبة تخفف عني التوتر اللي كنت فيه.. لا كنت بتلومني على مساعدتي لإنسانة كانت بتموت قدامنا يا دكتور وبتنتقد تصرفات أخويا.. قد كدا إنت زعلان على نفسك..!!!"
كاد ياسر أن يجيب، لكنه تراجع عن رغبته في ذلك بشكل مثير للريبة، حينما أشارت إليه بالصمت، فقد سئمت من حججه الضعيفة الكثيرة، خاصة وأن عقلها كان يعيد لها مرارًا وتكرارًا مواقفه الكثيرة أثناء الفترة الماضية، المليئة بانشغاله بامرأة أخرى، وتفضيله لها في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى نظرات المدعوين للخطوبة، مثل النصل القاسي المغروس في وسط كرامتها الدامية، أنها لا تستحق أن تعامل بهذه الطريقة التي تؤلم قلبها، مهما كانت واثقة في نفسها، ستبقى نظراته واهتمامه ومراعاة مشاعرها هي الأولوية.
مررت هالة نظراتها مغمورة بالدموع على ملامحه ذات الحاجبين المقعدين، وكم كانت ترغب في البقاء معه، لكن عليها أن تضع حدًا نهائيًا لهذا الألم العميق الذي يسكن أعماقها، حتى تتحرر أنفاسها محبوسة في رئتيها.
"_خلاص.. أنا لقيت الحل اللي هيريح جميع الأطراف._"
توترت ملامحه وسألها بقلق حائر وهو يرى أصابع يدها اليسرى تنزع الخاتم من بنصر يدها اليمنى: "إنتي بتعملي إيه؟!"
أمسكت هالة كف يده الباردة بأطراف أصابعها المرتجفة وبسطتها، لتضع خاتم الخطوبة الذي لم تلبسه إلا ساعات قليلة، قالت بابتسامة باهتة: "اتفضل.. دي مش بتاعتي وما كانش المفروض ألبسها.. وهي من حق واحدة تانية."
رواية جوازة ابريل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نورهان محسن
طالما كان يهوى المخاطر، ويذهب إليها بكامل إرادته، ويخبره حدسه أن طريق هذه المتمردة محفوف بالعديد من العثرات الصعبة، وهذا ما يجعل عروقه تشتعل بنيران التحدي والإثارة في مواجهة تيارات أمواجها الفيروزية التي على الدوام متأججة بالعداء والاستهجان.
"فاصبر أيها القلب، لدينا الوقت لترويض هذه النمرة الشرسة، سنصمد بقوة مهما صعب علينا الوصول إليها."
***
داخل غرفة نبيل والدها، اقتربت منه هناء، تضيق عينيها عليه في حيرة، وهي تراه بكامل ملابسه، وقالت بإستغراب:
"انت خارج ولا إيه يا نبيل؟"
هز نبيل رأسه بالإيجاب، مهندمًا عنق قميصه الأبيض، وهو يشرح لها بقلق بالغ:
"رايح ورا ابنك ألحقه، مش ناقصين فضايح.. وفوق الخسارة اللي حصلت كمان يعمل حاجة مجنونة يضيع بيها نفسه."
هزت هناء رأسها بإيماءات متتالية بتأييد، وهتفت بتعجل:
"طيب أنا هلبس وهاجي معاك."
استدارت على الفور نحو خزانة الملابس، وخطت عدة خطوات نحوها، لكن صوت نبيل الأجش أوقفها:
"لا ابنك مش رايح البيت عندهم.. رايحهم على المستشفى."
أدارت جسدها نحوه، وبزغ الفزع على محياها، وهي تستفسر:
"مستشفى.. ليه؟"
نهج صدره علوًا وهبوطًا مع تزايد القلق داخله، مع إجابته بصوت متوتر:
"أبريل تعبت امبارح بليل ونقلوها على المستشفى.. وأكيد هتبقي عيلة صلاح هناك وأنا ما أضمنش ممكن ابنك يعمل إيه!"
اقتربت هناء منه، لتربت على ذراعه بحنان، محاولة أن تبثه بالاطمئنان بينما نجح القلق والخوف في التسلل إلى قلبها:
"اهدأ طيب.. اهدأ ما تتوترش كدا غلط على صحتك.. أكيد مصطفى هيقدر يتصرف صح، أنا عارفة ابني عاقل."
هز نبيل رأسه بالرفض، وهدر بانفعال لا إرادي، وما زاده ردها إلا غضباً:
"عاقل!! انتي ماشوفتيش شكله وهو خارج يجري زي المجنون.. تقدري تقوليلي هيتصرف إزاي وهو متشتت بين اتنين ستات ها.. لا لا مش هيقدر يفكر صح طبعاً ومحتاج للي يرجعله عقله، أنا سيبته يتمادي كتير أوي."
ظهرت على وجهها علامات الاقتناع بصحة كلامه، فهتفت سريعاً بعزم:
"خلاص.. أنا هحضر نفسي في خمس دقايق وأجي معاك."
***
في الغرفة، أغلقت أبريل باب الخزانة بعنف، وهي تفرك جبهتها في محاولة لإنعاش ذاكرتها المشوشة، وأخذت تتمتم بصوت حائر ملون بأنواع كثيرة من الغضب:
"ده وقته دا.. أدور فين تاني.. أنا متأكدة إنه كان موجود معايا، راح فين بس؟!"
"محتاجة مساعدة؟!"
استدارت أبريل في مفاجأة، فور أن جاءها صوته العميق بنبرته الرجولية الساخرة المميزة التي أصبحت مألوفة لها إلى حد ما، فاشتعلت فيروزيتها استنكاراً من وقاحته، وهي تشاهده يقف بجلال قامته الشامخة معها داخل الغرفة بعد أن ولج وأغلق الباب خلفه دون أن تشعر حتى بوجوده، فخرج صوتها خافتاً من نفاد الصبر:
"إحنا مش هنخلص بقى."
ارتفع مستوى صوتها رداً على هذا الوقح، وهي تصر على أسنانها بإغتياظ:
"انت مش كنت مشيت!! إيه اللي رجعك؟!"
انفرجت ابتسامة باردة على فمه، وعيناه الرماديتان تتألقان ببريق مفتتن بها، وهي تضع يديها على خصرها بتحدٍ.
خطى باسم عدة خطوات حتى وصل إلى طاولة صغيرة أمام أريكة تتسع لشخصين، ووضع عليها صينية الطعام دون أن يعير لسؤالها اهتمام، وقال بهدوء مريب:
"باين عليكي فايتك كتير محتاجة تتعلميه.. أولهم إزاي تعاملي حبيبك وخطيبك؟!"
رمقته بنصف عين مهسهسة بمقت:
"حبتك حية تتلف حوالين رقبتك."
زوى بين حاجبيه الكثيفين، عابسًا بجاذبية طاغية لم تلاحظها أبريل وسط اضطرابها، بينما يخبرها بحزن كاذب:
"وآهون عليكي يا بندقة وأنا اللي روحت مخصوص أجيبلك الفطار لحد عندك."
أنهى باسم حديثه بابتسامة لطيفة داعبت على شفتيه، فبادلته بأخرى بلا مرح مع نطقها بغضب ناعم:
"كتر ألف خيرك.. حقيقي ميرسي أوي.. بس تعبت نفسك على الفاضي، أنا مش هفطر."
التفتت أبريل في جملتها الأخيرة متجاهلة وجوده، وهي تحمل حقيبتها التي تركتها في سيارته بالأمس وأفرغت كامل محتوياتها على فراشها، تبحث في أغراضها من جديد، على أمل أن يظهر الشيء المفقود، بينما وصل صوته الرجولي المتسائل إلى مسامعها:
"أومال الممرضة اللي برا قالت إنك جعانة وطلبتي فطار..؟!"
تمتمت ساخرة دون أن يسمعها:
"شفتك نفسي اتسدت."
سرعان ما تومض روماديته بشرارة ماكرة في نهاية جملته، وهمهم بإدراك، بينما تركزت حدقتيه عليها شاملاً إياها بنظراته الثاقبة:
"شكل القطة فاقت وراقت وغيرت هدومها كمان وعايزة تهرب تاني مش كدا.. عموما ريحي نفسك اللي بتدوري عليه مش هتلاقيه."
توقفت أبريل عما كانت تفعله بعد أن لفت انتباهها بكلامه، فأدارت رأسها ببطء، لتحدق به بهدوء مصطنع، تخفي وراءه الانزعاج وعدم ارتياح من نبرة صوته الواثقة، فبادلها النظرات بغموض، هو يجلس على الأريكة، واضعاً ذراعيه خلف رقبته ببطء، وارسمت إبتسامة كسولة على فمه، ناجمة عن سبقه لها بخطوة دائماً.
إزدردت ابريل ريقها في اضطراب، وتساءلت بتوجس:
"وانت إش عرفك باللي بدور عليه أصلاً؟!"
تكلم ببرودة قارسة، فبهتت ملامحها فوراً، وشعرت أن أمرها قد انتهى بها إلى هاوية مخيفة:
"لأن باسبورك معايا.. مش هو دا اللي بتدوري عليه."
اتسعت عيناها بإنشداه من كلماته التي تردد صداه بأذنها، لتسأل بإستنكار شديد:
"يعني فتشت في شنطتي وسرقته يا حرامي؟ إزاي تعمل حاجة زي دي؟!"
حرك لسانه داخل فمه ببرود قبل أن يخاطبها بتحذير متذمر:
"عيب لما تكلمي خطيبك بالطريقة دي يا بندقة."
خرجت من ذهولها، تهز رأسها برفض، وهي على وشك الجنون، مجرد التخيل أن مستقبلها اللعين أصبح قسراً بين يدي هذا الرجل المتلاعب، يجعل غضبها يضرم بتضاعف، صرخت باعتراضا عنيفا:
"خطيب مين وبتاع مين.. ما تنادليش بالطريقة دي تاني.. وباسبوري ترجعولي حالا قبل ما أطربق الدنيا فوق دماغك."
تابع بجمود تلك الكلمات الأخيرة الصادرة منها بنبرة تهديد مضحكة، واضعًا قدمه فوق الأخرى، متلفظاً باسترخاء:
"لو طربقتيها هتنزل على دماغك معايا."
برودة أعصابه الجليدية أصابتها بالجنون، بينما كان باسم يستمتع بشكل غريب بحرق أعصابها، فاندفعت نحوه بخطوات غاضبة، واستبدت كل ذرة في خلاياه بتحفز للانقضاض عليه حتى تزيل هذه الإبتسامة عن فمه الغليظ، مرددة دون تفكير في خضم إستيائها الحارق:
"وأنا اللي هفتحلك دماغك بإيدي.. هو انتو عاملين مؤامرة عليا يعني.. بأي حق عمالين تبيعوا وتشتروا فيا.. مرة هي تاخد موبايلي وتحبسني زي القرد جوا القفص.. ودلوقتي انت بتاخد باسبوري غصب عني.. إيه فاكرين الناس بتمشي على مزاجكم!!!"
كانت أبريل تتحدث بلاهث شديد، وهو يضحك بذهول واضعاً يده بدفاع أمام وجهه مانعاً وصولها إليه، لتسدد ضرباتها على ذراعيه بإصرار مجنون، ودون سابق إنذار، تمكن من إمساك معصميها بإحكام، وإختطفها إليه حتى سقطت جالسة فوق ساقيه، ليتساءل باهتمام:
"مين اللي حبستك وأخدت موبايلك يا قردة؟!"
تجمدت حركاتها للحظات من الصدمة مع شعورها بذراعه الذي التف حول خصرها، ثم بدأت بسرعة تدفعه بعيدًا عنها بقوة في محاولات فاشلة، وصدرها يرتفع وينخفض بسرعة من شدة الجهد، مستنكرة بصوت حانق مبحوح:
"إيه دا انت اتجننت!! ابعد عني!!!"
قالت أبريل ذلك بينما تدفعه في صدره، وتسحب نفسها بعيداً عنه، جعلها تهرب منه طوعاً، لينظر إليها بعينين متسائلتين، وهي تتراجع خطوتين إلى الوراء، هاتفة بنبرة حادة ومضطربة:
"ما تدخلش في اللي ملكش فيه وهاته أحسن لك."
حدق في يدها الممدودة إليه، ليقول ببساطة:
"بعد ما تفطري."
ردت بجفاء عنيد:
"مش عايزة أتسمم.. هي عافية.. رجعلي باسبوري بالذوق بقولك."
ضحك بسخرية عندما سمع كلمة "ذوق" الذي تناقض مع نظراتها الشرسة، ثم تابع بتهكم:
"هتعملي بيه إيه!! ولا له أي لازمة.. لو فاكرة إنك هتعرفي تخرجي من باب المستشفى أصلاً انسي.. ما تتعبيش روحك وتتعبيني معاكي، أنا من قلة النوم مش شايف قدامي."
اندلعت جمرات الشك في قلبها، وهي تتساءل بريبة:
"تقصد إيه؟"
"روحي بصي وهتفهمي قصدي."
قال باسم ببرود، فتابعت بعينيها المذهولة إصبعه السبابة الذي أشار به نحو النافذة.
***
في غرفة مني، أصبح معدل تنفسها مرتفعاً ولاهثاً، عندما وصل إليها صوته، لتتمكن بصعوبة من تجاهل النظر إليه، وتمتمت بالرفض:
"ماما خليه يمشي مش عايزة أشوفه قدامي."
"عز اخرج الله يرضي عليك يا بني.. انت مش شايف حالتها بقت عاملة إزاي بسببكم.. بقي هي دي الأمانة اللي أمنتِك عليه؟"
تجاهل كلمات سوسن التوبيخية، وكأنه لم يسمعها، كل تركيزه كان على التي كانت تجلس، تخفض وجهها لتجنب النظر إليه، ليهمس بمرارة معذبة:
"خلاص يعني لدرجة دي مبقتيش طيقاني ولا قادرة تبصيلي؟"
تجاهلت مني سؤاله بإبتسامة ساخرة مغمورة بالدموع وصوبت حديثها إلى دعاء:
"استريحتِ خلاص يا دعاء هانم.. ألف مبروك اللي كنتي عايزة توصلي له حصل."
"ابنك حبيبك طلقني.. وابني خسرته من قبل ما ألحق أفرح بيه."
خرجت الكلمات مشحونة بنيران أججها إحساسها بالظلم الشديد، وسقطت كالصاعقة على رأسي عز ودعاء، التي تجمدت في مكانها للحظة، وأخفضت أعينها من الخجل، وبينما يقف عز يوزع بينهما دون أن يفهم:
"يلا مستنية إيه!! خديه واطلعوا من حياتي.. روحي جوزيه للي تستحقه وخليه يسيبني في حالي بقيت."
عظمت حيرته مع كلام منى، لكنه وضع كل أسئلته جانباً محاولاً أن يصبر عليها أكثر، وتحدث بهدوء شديد:
"ممكن تهدي شوية يا مني.. أنا مستحيل هتخلي عنك ومقدر الحالة الصعبة اللي انتي فيها."
قال عز ذلك، وهو يتقدم نحوها عدة خطوات، ليقف أمام السرير، ويرفع يده يريد أن يلمس شعرها، إلا أن أيقظه صوتها فور أن صرخت بهجمة حادة، مما أفقده كل دفاعاته الواهية أمامها:
"ابعد عني وامشي اطلع برا انت وأمك."
احتقن وجهه من جفائها المبرر، ثم ألقى نظرة سريعة وشاملة على من معهم في الغرفة قبل أن يسأل بحدة:
"إيه يا مني بالظبط.. إيه لزوم التجريح دا في أمي مش فاهم؟!"
مسحت دموعها بظاهر يدها، وقالت بحزن ملموس في نبرتها الباكية:
"ابقي خليها تفهمك.. ابقي قوليلو كنتي بتخططي لإيه.. ابقي احكيله الكلام المسموم اللي على طول كنتي تسمعيهولي.. وابقي افتكر إن ابني مات بسببك يا عز.. ولو انطبقت السما على الأرض عمري ما هسامحك."
***
في المنصورة، داخل منزل الجدة تحية.
"داخلة بتنفخي من الصبح ليه يا بنتي؟!"
تساءلت تحية بذهول، وهي جالسة على الأريكة في غرفة معيشة المنزل، فتلوت شفتي صابرين وهي تجاورها قائلة بنزق:
"شوفت أخت أم أحمد وهي طالعالها.. يا ساتر لما الاتنين دول بيتلموا على بعض ما حدش بيسلم من لسانهم."
تحية بإيماءة لا مبالية:
"سيبك منهم.. أحمد كلمك قالك وصل واطمن على أبريل ولا لأ؟"
صابرين بنفي شارد:
"لسه ما اتصلش."
تابعت بصوت هادئ، وكأنها تفكر بصوت مسموع:
"بس شكلها كدا هتحصل خناقة جديدة بين أحمد ونادية."
تحية بحيرة:
"ليه خير؟"
ردت صابرين بإستفاضة:
"صدفتها على السلم كانت واخدة بنتها وشنطة هدومها وماشية.. وبتقول أمها عيانة بس أنا متأكدة إنها أكيد زعلانة.. ماشوفتيهاش امبارح كان بوزها شبرين وهي قاعدة معانا.. لازم طبعاً مضايقة عشان أحمد راح لأبريل."
تحية بنبرة حزينة:
"حقها يا بنتي ماهي مراته.. يلا ربنا يهديهم.. ذنبها إيه البنت اللي في وسطهم ومتبهدلة بينهم دي."
التفتت صابرين إليها، وهي تثني إحدى ساقيها أسفلها، لتسأل بتردد مفكر:
"تفتكري يا ماما يعني لو كان جاب البنت دي من أبريل مش الحياة كانت هتبقى أحسن.. هتبقى متشحططة معاهم كدا؟"
هزت تحية رأسها بسرعة مستنكرة بشدة وقالت:
"..."
***
عند باسم، وضع باسم ذراعه بطول حافة الأريكة، وتحدث بإستهزاء:
"يلا اتحفيني بقي.. ناوية تطيري من الشباك عشان تهربي من أكتر من 15 مراسل صحفي لقنوات كتير؟ أحسن حاجة تعمليها إنك تعقلي كدا عشان خروج من هنا لوحدك دا مستحيل."
حدقت أبريل بهم من النافذة بقلب ينبض مثل الطبول، ولم تستطع الوقوف بهدوء، لتتحرك في مكانها ذهابًا وإيابًا بتوتر بالغ، وهي ترفع يديها وتمسك بهم رأسها الذي كان يترنح من تشوش أفكارها، لتهمس بعصبية:
"كان فين عقلي!! كان فين لما ورطت نفسي الورطة السودة دي يارب!!!"
تبدلت ملامح باسم اللامبالية إلى ملامح أكثر جدية، تناغمت مع صوته الهادئ مع لمحة من الحدة:
"أظن كدا خلاص اكتفيتي من العناد واقتنعتي إن الحكاية دخلت في الجد واللعب الفردي مابقاش في صالحك.. يلا تعالي اقعدي خلينا نفطر ونفكر هنعمل إيه ونتفاهم على كل حاجة قبل ما يوصلوا."
التفتت أبريل لتنظر إليه وبضيق شديد، فحاول تغيير مجرى الحديث من خلال سؤاله المرح، بعد أن تدحرجت عيناه على الصندوق الموضوع أعلى السرير:
"بالمناسبة عجبتك الشوكولاتة؟"
انتقل بصرها إلى حيث أشار إليه، ثم ابتسمت بوداعةٍ خطيرة، وردت عليه بغموض:
"حلوة وغالية!!"
سأل باسم مرتاباً، وهو يشاهدها تتحرك من السرير، لتلتقط الصندوق، وتعود أدراجها إلى النافذة:
"هتعملي إيه؟"
حدقته أبريل بعيون إرتمت بها براءة مصطنعة مبطنة بالخبث، ثم مدت يدها إلى المقبض، لتفتح النافذة على اتساعها، وأسقطت الصندوق منها في غمضة عين، قبل أن تعاود النظر إليه، وهي تتحدث بغطرسة ممزوجة بالإستفزاز، وشعر جزء كبير منها بفرحة النصر عليه:
"كدا أعتقد وصلك ردي على التخاريف اللي كنت بتقولها!! ويلا اديني باسبوري يا حرامي قبل ما أخليك تحصل شوكلاتك من الشباك."
قام باسم من مقعده، وركز رماديتيه على معالم التحدي المشع بفيروزيتيها الخلابة، مع التهديد المباشر في لهجتها، ليخطو نحوها ببطء، وهو يتحدث معها بهدوء لا يشعر به بعد أن استفزته حركتها كثيراً:
"مش حرام النعمة تترمى كدا؟!"
"مش عايزة من وشك حاااا."
تلاشت بقية جملتها بالهواء في ذعر، إذ تبخر شعورها بالفوز عليه الذي أعمى بصرها بكل غباء عن رؤية تقدمه نحوها، مهيمناً عليها بطوله الشامخ.
وقبل أن ترمش حتى، أمسك معصمها وسحبها نحوه، فأصبحت سجينة ذراعيه، وظهرها ملاصقاً على صدره العضلي الملتهب بجمرات الغضب من تمردها المفرط.
مرت عليهما لحظة سكون جراء صدمتها، ظهرت ابتسامة شقية على شفتيه منتظراً بإستعداد رد فعلها المتوقع، إذ تسمرت صامتة كما لو أنها قد صدمت للتو بتيار كهربائي من ملامسة أجسادهما ببعض، وللمرة الثانية في نفس الساعة، تمكنت من استنشاق عطر أنفاسه مع الهواء بسبب شدة قربه الجريء منها، وبصعوبة تمكنت من خروج الحروف بتلعثم مذهول:
"ماسِكِني كدا.. إزاي!! لو مابعدتش عني هصرخ.. وأعملك فضيحة."
مال باسم برأسه نحوها، وضغط خده بذقنه الخشنة على خدها الناعم، الذي يشع باحمرار الغضب والخجل في آن واحد يتلامس نعومة بشرتها برقة، ضاماً إياه بإحكام إلى صدره بكلتا يديه حتى يردع بعض حركاتها المتهورة، ليهمس بالقرب من أذنها بتسلية:
"تؤ تؤ مش قبل ما نتفق."
تسللت رجفة غامضة إلى سائر جسدها المرتبك من لمساته الحارة، فهزت رأسها رفضاً لهذه المشاعر التي عصفت بها، وأخذت تقاومه بشراسة، وهي تصرخ بعناد تلقائي:
"في أحلامك إني أتفق على أي حاجة مع واحد سافل وحقير زيك."
قال باسم بتروي، وهناك شعور يغمره بالرضا والاستمتاع، وهي بين ذراعيه تكافح للتحرر من أغلاله الحديدية بضرارة تتناقض مع وداعة وجهها الرقيق وصغر جسدها الرشيق مقارنة بجسده الشاهق:
"هعمل نفسي ماسمعتش ظفارة لسانك دي بشكل مؤقت.."
قاطعته أبريل ساخرة بحدة:
"هتعمل إيه تاني أكتر من اللي عملته فيا ها!! سيبني بقولك يا قليل الأدب!!!"
وأختتمت أبريل جملتها بمحاولة فاشلة للإفلات من حصار أحضانه، ليشدد باسم من احتضنها أكثر، هاتفاً بضحكة مندهشة:
"اهدِي بقي انتي جايبة الشراسة دي كلها منين يا بت.. دا انتي كلك على بعضك تتقاسي بسلك الشاحن.. عمالة تعافري وانتي ما فيكي حيل إزاي..!!!"
تأوهت ابريل بألم من قبضته القوية التي تعتصر معصميها، لتهتف بوعيد حارق:
"سيبني يا بارد.. والله لأدفعك تمن عمايلك دي غالي وهتشوف يا حيوان.. أوعي بقي!!"
بلع باسم كتلة النار المتقدة بالغيظ في جوفه، ليسألها بأنفاس متهدجة:
"هو انتي لازم تطولي لسانك.. مابتعرفيش تتكلمي بأسلوب أنضف من كدا خالص!؟"
ردت أبريل من بين أنفاسها اللاهثة:
"هو دا الأسلوب اللي ينفع مع أمثالك."
اختفت ضحكاته المرحة في أقل من ثانية، وتحولت إلى نبرة خطيرة، أقرب إلى الهسهسة بجوار أذنها، بينما يشعر بجسدها يرتجف بين يديه بتأثير لا إرادي، ونظراته موجهة إلى النافذة:
"حطي في الاعتبار إني عديتلك كتير أوي لحد حسابك ما تقل زيادة عن اللزوم معايا.. لو عايزه باسبورك يبقي في إيدك تنفذي اللي هقوله من غير دبش وصريخ وعناد.. والمرة دي إذا ماسمعتيش الكلام ماتلوميش إلا نفسك.. فاهمة!!"
نطق الكلمة الأخيرة بحدة مخيفة تلاعبت بأعصابها بلا رحمة، ودون أن يمنحها الفرصة للتنبؤ برد فعله التالي، فوجئت به يدفعها على الأريكة الجانبية بقوة طفيفة، فخرجت شهقة مذهولة من بين شفتيها بعد أن فقدت توازنها، وسقطت عليها بشكل ملتوي.
رفعت فيروزيتها بغضب عازمة على توبيخه، فتجعد جبينها خشية من رماديتيه التي تشعان صواعق براقة لا تبشر بالخير، مما جعلها تبتلع لعابها بصعوبة، وازدادت نبضات قلبها حتى كادت تقفز من ضلوعها خوفاً، وهي تتابع اقترابه منها، لكن في اللحظة التالية، تفاجأ كلاهما بفتح باب الغرفة دون إستئذان، ليظهر شخص ما من خلفه، فجحظت عيناها على اتساعها بذهول واحتبست أنفاسها تلقائياً في صدرها.
***
رواية جوازة ابريل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان محسن
بيني وبينك حروبٌ صامتة .. لا أنت بدأت السلام لتنهي المعركة، ولا أنا انسحبت مهزومًا لينهيه.
بيني وبينك جدرانٌ من مكابرة، بنيناها بأنفسنا دون أن نشعر ولو للحظةٍ أننا لن نستطيع هدمها.
بيني وبينك مللٌ وإحباط، لم نكن نعرف في بداية الأمر أننا سنصل إليه يومًا.
كنا نظن أن قصتنا ستكون مثل بداياتها الرائعة.
بيني وبينك نار الغيرة الحمقاء التي لا تعرف المنطق أبدًا.
بيني وبينك كل موقفٍ أهوجٍ تصرفنا به كالغرباء مع بعضنا البعض.
بيني وبينك حماقة.
بيني وبينك تسرّع.
بيني وبينك انفعالاتٌ بغير مكانها سببت لي ولك جراحًا.
بيني وبينك محادثاتٌ بالساعات مليئةٌ بالحُب والأمل.
بيني وبينك محادثاتٌ لم تكمل الخمس دقائق لا نجد فيها ما نقوله!
بيني وبينك تحّولٌ جذريٌّ مخيف.
بيني وبينك فراق كان مثل بداياتنا .. عنيف وصادق.
***
عند عز
"ولو انطبقت السما على الأرض عمري ما هسامحك."
"اهدي يا مني، كفاية تعملي في نفسك كدا."
اقترب عز بلهفة بعد أن انتابه القلق عليها بشدة، رغم حزنه من شراسة هجومها عليه: "خلاص يا حبيبتي.. اهدي، انتي تعبانة وفقدتي دم كتير. غلط عليكي كدا عشان صحتك و..."
"صحتي!!" غضبت حاجباها بإستنكار، ورددت بقهر منتَحِبَة: "أنا عايزة ابني يا ماما، مالحقتش حتى أحس بوجوده ولا أفرح بيه."
ألقت بنفسها على صدر أمها مع كلماتها الأخيرة، لتربت سوسن على خصلات شعرها البنية بحزن، محاولة التخفيف عنها: "ربنا هيعوضك يا حبيبتي.. استهدي بالله كدا، دا قضاء الله، مكنش مكتوب له يكمل."
جلس عز سريعًا على حافة السرير ليخبرها بأسلوب رقيق حنون، محاولًا استرضائها: "أنا مستعد أعملك كل اللي تطلبيه، كل حاجة، الدنيا كلها متغلاش عليكي عشان تسامحيني وتتحسني يا حبيبتي."
"مش عايزة أي حاجة منك غير ورقة طلاقي، تبعتهالي وبعدها مش عايزة أشوفك تاني."
حدقت مني إليه بضراوة حارقة مع إختتام حديثها القاسي على قلبه الذي يرتعد بين ضلوعه من شدة اللوعة. إنه لا يعرف ماذا يفعل، فهل يبكي على حاله أو حالها؟ يلتمس لها كل أعذار العالم لما فعله بها، ولكن فكرة ابتعادها عنه تفقده عقله وتنتزع روحه من جسده، مما جعل دموعه تتساقط من مقلته لا إراديًا قائلًا بخوف من فقدانها: "انتي بتقولي من قهرتك وجرحك كبير ومقدر إن اللي مريتي بيه مش سهل، وأنا مستعد أستحمل منك كل حاجة.. بس أنا مقدرش أبعد عنك يا مني، انتي محتاجالي زي ما أنا محتاجالك ومش هسيبك. هردك لعصمتي تاني ودلوقتي."
امتزج إصرارها الحاد بدموعها الغزيرة على خديها المحتقنتين من شدة الانفعال في قلبها المحطم: "إذا عملت كدا هخلعك يا عز.. مش كفاك كل الأذى اللي وصلته بسببك؟ انت أكتر مخلوق على الأرض بقيت بكرهه وبحتقره، فاهم؟ بحتقرك وبكرهك. اطلع من حياتي خالص، مش طايقة أشوفك قدامي ومش عايزة منك حاجة."
ظلت تتلوى بشكل متشنج بين ذراعيه التي كان يحاول أن يحيطها بهما حتى يسيطر على حركاتها الخرقاء، لكنها استمرت في الصراخ وهي منهارة، تبكي بمرارة، حتى جاءتهم الطبيبة بسبب الضجيج، قائلة بنبرة جدية: "كدا مينفعش يا جماعة، حالة المدام ماتسمحش بكل الانفعال دا، خصوصًا مع كمية النزيف اللي حصلتلها."
تابعت بعملية: "لو سمحتم اطلعوا برا."
وقف مكانه بعينين متحجرتين وملامح جامدة، نقشت العذاب على ملامحه بإتقان، بينما تنهدت الطبيبة بإستسلام وأعطتها حقنة مهدئة بعد أن أصيبت بانهيار عصبي من قوة صدمة فقدان جنينها، وبعد عدة لحظات بدأ الدواء يسير مفعوله في عروقها مما جعلها تسترخي تدريجيًا على السرير، وهي لا تزال تتعرق وتهذي بكلمات غير مفهومة حتى ذهبت إلى عالم آخر أمام نظراتهم الحزينة والمشفقة.
***
في غرفة ابريل بالمستشفى
"عمر!!"
حاظت عيناها على اتساعها بذهول، واحتبست أنفاسها تلقائيًا في صدرها، وهي تنطق بسعادة مشدوهة: "عمر؟"
ركض الطفل نحوها مباشرة، ورمى جسده الصغير بين ذراعيها، وهو يقول بصوت لاهث: "جيت أديكي حضن كبير بتاع انهاردة وامبارح.. انتي وحشتيني."
"ابريل انتي كويسة؟" سأل عمر باهتمام، لتقبل خده بلطف تحت أنظار باسم، حيث كان مذهولًا من تغيرها الجذري مع عقلة الإصبع هذا، بينما قالت بحب حقيقي: "يا حبيب قلبي أنا زي الفل.. وانت كمان وحشتني أوي.. انت ازاي جيت هنا؟"
أجابها عمر بتلقائية طفولية: "مع ماما وجدو وتيتة، بس أنا سبقتهم وجبتلك دي. عارف إنك بتحبيها هناكلها مع بعض."
نظرت إلى الكيس البلاستيكي بإنشداه، ثم قبلت خده مجددًا بضحكة جميلة: "يا روح قلبي ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا."
همت بفتح الكيس، فقاطعها باسم، وهو يأخذها منها بحركة مباغتة بعد أن جلس بجانبهما على الأريكة، ومد يده لها بالكوب قائلًا بنبرة آمرة باردة: "اشربي اللبن الأول."
رد عمر بسرعة بدلاً منها: "لا ابريل بتكح كتير ووشها بيحمر من اللبن."
ابتسمت للطفل، وأخذت الكأس من يد باسم، وأعطته له قائلة بحنان: "خد انت اللبن اشربه يا حبيبي، ولما تخلصه هناكل غزل البنات، اتفقنا."
تعجب باسم من هذا الحب الشديد بينهما، وقال بتساؤل: "بتاكلي بسكوت مع الشاي ولا عايزة كروسون؟.. أوعي وشك يبقى بيحمر منه دا كمان!!"
انزعجت إبريل من أسلوبه الساخر المعتاد معها، وهمست بحدة: "مش عايزة حاجة، قلتلك انت مابتفهمش عربي. رجعلي باسبوري واتفضل امشي من هنا، كتر خيرك لحد كدا."
مال باسم نحو أذنها، وتمتم بنفس النبرة: "طيب، عناد فوق عنادك مش ماشي، ولا هرجعلك باسبورك إلا لما تسمعي الكلام وتخلصي فطارك. ادينا قعدينا."
اغتظت ابريل من تهديده لها، لتدمدم بعناد رهيب: "مش سامعة كلام، وهات الباسبور بالأدب وإلا..."
قطع صراع الهمس بينهما صوت أنثوي يقول بهدوء: "صباح الخير."
اتجهت أنظارهما نحو الباب، ليجدوا ريهام تدلف بطلة أنثوية جذابة، ورائحة عطرها الرائعة تسبقها، فردا التحية في نفس الوقت.
"ازيك يا باسم.. عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟ حاسة إنك أحسن."
اكتفى باسم بهز رأسه، في حين ردت ابريل بإقتضاب: "الحمدلله."
شعرت ريهام بإستمرار ابريل في الانزعاج منها، لتقول بنبرة عادية: "بالمناسبة بابا بيتكلم مع الدكتور برا عشان يطمن على صحتك وداخلين يشوفوكي."
أضافت وهي تشير إلى الطفل: "تعالي يا عمر اغسل إيدك، عن إذنكم شوية وجاية."
***
عند هالة
"انتي بتعملي إيه؟!"
أمسكت هالة كف يده الباردة بأطراف أصابعها المرتجفة وبسطتها، لتضع خاتم الخطوبة الذي لم تلبسه إلا ساعات قليلة، قالت بابتسامة باهتة: "اتفضل.. دي مش بتاعتي وماكنش المفروض ألبسها، وهي من حق واحدة تانية."
رمق ياسر الخاتم الذي في يده بتعجب، وخاطبها باستنكار: "هالة.. انتي منفعلة دلوقتي، بلاش قرارات نندم عليها بعدين عشان شوية حكايات في بالك مالهاش أساس."
"بالظبط، هي فعلاً كانت حكاية وكل حكاية وليها نهاية.. بس تصدق أنا كنت عارفة النهاية قبل ما تبدأ الحكاية دي، بس كنت بقاوح مع نفسي."
قالت هالة ذلك لتهم بالرحيل، لكن قبضته على معصمها منعته، قائلة بنبرة غاضبة: "استني هنا.. انتي عمالة تجيبي كلمة من الشرق وكلمة من الغرب ومش مديني فرصة أدفع فيها عن نفسي، ولا عايزة تسمعيني."
نظرت هالة إلى يده بارتباك، وتحدثت بأهدأ لهجة تملكها، وأشارت إليه بحزم: "الكلام بينا خلص خلاص، لو سمحت سيبني أمشي."
هز ياسر رأسه بالنفي، وشدها إليه أكثر، قائلًا بحدة: "مش قبل ما تسمعي اللي هقوله."
لم يترك لها أي مجال للرد، بل سحبها خلفه إلى الباب الخلفي للسيارة، وقال بنفاذ صبر: "اتفضلي اركبي."
هل أصابه الجنون؟ هذا ما كان يدور في رأسها، من تحوله المفاجئ، لتهتف بارتياب، وكأن أذنيها لا تسمعان ما أمرها به؟: "هو انت مسكني كدا ليه؟"
صرخ ياسر على أسنانه، وهو يشدد قبضته عليها، وقد وصل سخطه منها إلى أقصى حد، وهو يتمتم بتحذير: "الناس بدأت تتفرج علينا، خلينا نروح نقعد في حتة ونتفاهم."
وضعت هالة يدها على يده، تحاول أن تدفعه عنها، وكانت على وشك الرد، لكن قاطعها جسم ضخم وقف كالحاجز بينها وبين ياسر، وقال بصوت رجولي بارد: "مش من الأصول تسحب بنات الناس من إيدها في الشارع وتركبها العربية وبالعافية، ماينفعش."
***
في غرفة ابريل بالمستشفى
مرت عدة دقائق، وهما يستمعان إلى صوت صنبور الماء من داخل الحمام، فيما جلست إبريل بجوار باسم، تهز قدميها بحركة متوترة، وعيناها على باب الغرفة.
رمقها باسم بنظرة خاطفة، وهو يعلم ما يدور في ذهنها.
"إذا وجودي مش مريحك فإنا ممكن أمشي." قال ذلك بهدوء خبيث، ثم نهض من مقعده ينوي الذهاب إلى الباب، لكن أبريل انتفضت بسرعة خلفه، وتلقائيًا تشبثت بذراعه لتمنعه من الخروج، قائلة بلهفة متوترة: "هتروح فين؟ انت هتسيبني هنا وسطهم لوحدي؟ خليك وانسي مؤقتًا للي كنا بنقوله."
كتم باسم ابتسامته، وهو يحاول الحفاظ على ملامحه الجدية، بينما كان يستمتع بعنادها الذي تتمسك به بإستماتة، فرفع وجهه إلى أعلى وكرر بمكر: "مؤقتًا ها؟ لا يا ستي ماتجيش على نفسك كدا.. شكلي فرضت نفسي عليكي أكتر من اللزوم ودي مسائل عائلية وأنا غريب!!"
ردت ابريل بإرتباك: "عادي مفيش مشكلة إذا قعدت."
جلس باسم على حافة الأريكة، فأصبح مستوى طولها تمامًا، وتساءل في دهشة: "تغيير مش متوقع صراحة.. بس عارفة الجملة دي ناقصة حاجة."
عقدت ابريل ذراعيها إلى صدرها، وتساءلت بعدم فهم: "إيه بقي؟"
تأملها عن كثب للحظات قبل أن يقول: "إحساس واحترام."
ارتفع حاجبها بتعجب، وهمست بتساؤل: "انت بتتلكك بقير؟"
رفع باسم حاجبه بحركة مماثلة، وأجابها بتحدي هامس: "آه بتلكك.. قولتي إيه؟"
زفرت أبريل الهواء بضيق يظهر مدى الحنق الذي يشتعل في عروقها، قالت بتبرم: "لو سمحت ممكن تخلي."
هز باسم رأسه بعدم رضا، وقال بإبتسامة جانبية: "بنفس عشان أصدقك."
مضت عدة ثوان أدارت بهم وجهها إلى الجانب الآخر، لتتنفس بعمق قبل أن تنظر مرة أخرى إلى عينيه الرماديتين الداكنتين، ثم تحدثت بصوت رقيق مملوء بالرجاء الصادق: "ممكن لو سمحت تفضل معايا وماتسيبنيش هنا لوحدي."
تبادلا النظرات للحظات بين الحاجة والقلق والرضا والصمت، قبل أن يقرب شفتيه بجوار أذنها، لتتغلغل رائحتها الرقيقة إلى رئتيه، وهمس في تساءل شارد بصوت حانٍ جعلها ترتجف كأنه يحادث نفسه: "أسيبك وأروح على فين؟"
***
أمام غرفة في ممر المستشفى
جر قدميه إلى خارج الغرفة منهكًا، وعيناه غير قادرتين على رؤية أي شيئًا مملوءتين بالحزن، وكلماتها القاسية لا تزال تتردد في أذنيه، مما جعل حياته سوداء كالليل المظلم، لكن قلبه الهادر باسمها سيظل متمسكًا بالأمل، ربما تحدث معجزة سحرية حتى يعود حبيبته بين ذراعيه مرة أخرى.
أفاق عز من حالته على صوت يهتف بأنفاس لاهثة: "ماما."
رأت سوسن ابنها قادمًا بخطوات واسعة نحوهم، وعندما وصل إليهم قالت بتعب: "تعالى يا حازم شوف اللي جرا لأختك؟!"
التقط كفها الباردة بين يديه، يربت عليها بلطف، ويقول لها في حرج: "معلش اتأخرت عليكم غصب عني."
تسأل حازم بقلق: "طمنوني، إيه أخبار مني؟ عملت في نفسها كدا ليه؟"
سوسن بمرارة متجاهلة وقوف عز ودعاء الصامتة: "حالتها لا تسر عدو ولا حبيب.. أختك مدمرة. على أول ما تقدر تقف على رجليها هاخدها ونسافر على الشرقية."
سارع عز بالتدخل بشكل فظ: "تسافر إزاي يعني يا حجة؟"
حازم بهوادة: "استهدي بالله يا عز.. أكيد مني محتاجة تغير جو، والسفر هيساعدها."
أطلقت سوسن تنهيدة ساخرة، ولم تعجب عز نبرة التهديد منها عندما تحدثت بحزم: "اسمع يا عز، قدام الكل بقولك بنتي ورقتها توصلها لحد عندها، ومتتقربش منها تاني، كفاية اللي جرا لها بسببك لحد كدا."
تدخل حازم يقول بإستنكار: "أهدي يا ماما، طلاق إيه بس؟"
قالت سوسن بجفاء مغمور باللوم: "اسأل جوز أختك، ولا أقول طليقها بعد ما رميت عليها يمين الطلاق امبارح."
تكلم بخشونة تضاهي سوداويته الحادة: "اسمع يا حازم، خلاص أنا موافق إنها تسافر عشان تهدي أعصابها وتعرف تفكر كويس، بس مش هطلقها رسمي إلا لما تبقي متأكدة من قرارها، وأي حاجة هي عايزاها أنا هنفذها، ودا آخر الكلام."
مشى بجانب أمه بضيق شديد، وقلبه يغلي غضبًا وقهرًا، لا يصدق أنه سيسمح لها بالابتعاد عنه، لا يستطع تحمل فكرة الفراق عنها بتلك السهولة، لكن كان عليه أن يمنحهما فرصة للتفكير والاسترخاء، ربما تغير قرارها الذي اتخذته عن مستقبلهما معًا.
***
في شقة زينب
"اه يا ركبتي بقالي يا أختي مدة ركبتي بتنقح عليا. العيال وطلباتهم هدّت حيلي."
قالت ذلك أختها بنبرة متعبة، بينما كانت تجلس معها في غرفة المعيشة، فخاطبتها زينب بلطف: "سلامتك يا حبيبتي، ابقي فكريني وإنتي نازلة أديكي اسم مرهم هيسكنلك الوجع."
ردت بابتسامة: "تعيشي يا قلبي.. طمنيني، صوتك في التليفون قلقني، خير حصل إيه؟ انتي خوّشتيني أوي."
خفضت زينب عيناها، قائلة بتنهيدة يتخللها الأسى: "مش خير خالص يا سناء.. أنا في غلب من ساسي لراسي يا أختي وضغطي واطي وتعبانة."
وسناء بفضول: "سلامتك.. غلب إيه؟ خير كفالله الشر.. هو مش أحمد اسم الله عليه رجع من السفر وخدتيه في حضنك واطمنتي عليه؟ قلباها محزنة ليه بقي؟"
زينب بتبرم: "يا فرحتي برجوعه.. رجع وناوي يخرب بيته بإيده."
"مش فاهمة حاجة؟"
روت لها زينب بسخرية الحديث الذي دار بينها وبين أحمد بعد قراره السفر إلى القاهرة: "امبارح فتحني في سيرة اللي ماتتسمي."
حكت سناء طرف حاجبها بحيرة: "قصدك على مين؟"
هتفت زينب بنزق: "البت ابريل، هو فيه غيرها ماتتسمي؟"
لوت سناء شدقها بعدم رضا: "إيه اللي فكروا بيها تاني؟ مش اتقفلت السيرة دي من يجي أربع سنين؟ من يوم ما فركشتي خطوبتهم والغندورة سافرت عند أبوها وخلصتوا من همها وابنك بسم الله ماشاء الله عليه اتجوز وخلف وارتاح قلبك."
هزت زينب رأسها بالنفي عدة مرات، وقالت بحسرة: "مفيش حاجة اتقفلت يا سناء يا أختي."
"يعني إيه الكلام دا يا أختي؟ معقولة لسه حاططها في دماغه؟"
"الله يسامحك يا ابن بطني.. من لحظة ما عرف إن المحروسة خطوبتها اتفسخت والموضوع رجع يشعشع في نفوخه من تاني."
سناء بإستفهام: "طيب ومراته؟"
ردت بابتسامة متكهمة ممزوجة بالقهر: "بيقول إن معندوش حاجة تمنع ويقدر يفتح بيتين.. الحكاية دي تدخلنا في خناق ومشاكل من تاني مش عارفة أعمل إيه."
سناء بدراما: "يا خبر زعلتيني ليه كدا؟ هي مراته مالها؟ ماهي زي القمر وبتحبه وتتمناله الرضا يرضي."
"أهو اللي حصل مش راضي باللي مقسوم له، وكل ما أفتح بوقي يقلبلي خلقته.. كأنه بيقولي انتي السبب يمه وأنا سبتها عشان خاطرك.. بس لسانه مابينطقش.. وأنا قلبي حرقني عليه. يعني كنت مفكرة لما يتجوز ومراته تبقي في بيته هيركز معاها وينسي ابريل وأيامها."
"يا زينب ماهو دا الطبيعي، مش سهل على البني آدم ينسى حد كان بيحبه ومتعلق بيه، خصوصًا إنهم متربين مع بعض من صغرهم."
زينب بضيق شديد: "مش عارفة، مش عارفة أعمل معاه إيه بس يا خوفي لا ينخرب بيته ويرجع يندم."
ربتت سناء على كتفها بمواساة يتخللها اللامبالاة بالأمر: "إن شاء الله خير، اهدي انتي بس."
***
في غرفة ابريل
"الله الله.. واضح إن صحتك ردت. لابسة ومحضرة شنطتك كمان. إيه؟ كنتي عايزة تكرريها تاني؟ مش كدا يا بن..."
صاح فهمي مستنكرًا بشدة بعد أن اقتحم الغرفة وسلمى خلفه، ثم واصل حديثه الغاضب: "ومعناه إيه اللي منشور في الجرايد وعلى المواقع دا يا ابريل؟ يعني إيه انتي تعلني للصحافة إنكم مخطوبين؟ حتى قبل ما يتقدملك في الحفلة؟ ممكن تفهمونا؟"
وزع فهمي نظراته بينهم، ليبادر باسم بالتحدث بصوت هادئ: "ممكن تقعد يا عمي وتهدى عشان نعرف نتكلم."
بدأ يغزو الارتباك كيان أبريل، لذا حاولت الحفاظ على بعض الهدوء والاستقرار الانفعالي، وهي تسأل بصوت متقطع: "هو مين قال أصلًا إنها هربت؟"
فهمي بنفاذ صبر: "أومال إيه كل اللي حصل دا إيه؟ تقدري توضحي لنا؟"
حركت قدميها نحو السرير، وعقلها يعمل بأقصى سرعة حتى جلست على مسافة قليلة من باسم، وكأنها تبحث عن ملجأ آمن بجانبه، وأجابت بتوتر: "حصل بالغلط غصب عني.. كنت مضايقة ومخنوقة من القعدة في الأوضة لوحدي.. لقيت نفسي بلبس عشان أروح الخطوبة."
استنكرت سلمى بعدم اقتناع: "أومال مين ولع في الفستان إن شاء الله؟ كانت الولاعة بتعمل معاكي إيه من الأساس؟!"
أخبرتها ابريل بلهجة مغلفة بالثبات والثقة: "كانت هدية من مصطفى.. كنت رامية الفستان على الأرض من عصبيتي.. واظاهر إن شبكت فيه النار لما وقعت مني الولاعة من غير ما آخد بالي وأنا خارجة.. ولما خرجت لقيت الأمن بيجروا ورايا فاتخضيت وجريت منهم لحد ما وصلت لفيلا أونكل صلاح.. وهناك قابلت باسم وهو اللي فاجئني بطلب جوازه مني وقتها اتجمع المصورين علينا وسمعونا معرفناش نوضح لهم حاجة وكل حاجة حصلت بسرعة."
سلمي بسخرية: "واحنا المفروض نصدق التمثيلية العبيطة بتاعتك دي؟"
اندفعت ابريل تقول بنبرة قوية ذات مغزى: "زي ما أنا صدقت تمثيليتكم الخايبة ليا."
صرخ فهمي بعنف على إثر ذلك انتفضت ابريل وشحبت بخوف: "شكلك مش حاسة بالفضيحة اللي حصلت بسببك لينا ولمصطفى ولأهل باسم كمان."
ضاقت عيناها بدهشة حقيقية، وهي تجيبه بدفاع عن نفسها: "فضيحة ليه؟ أنا معملتش حاجة أخاف منها.. ومصطفى مالوش عندي حاجة، خطوبته وفسختها لأنه واحد كداب وغشاش.. وقرار خطوبتي من باسم محدش له إنه يدخل فيه، دي حياتي ومن حقي أنا اللي أختار أعيشها إزاي؟"
زجرها فهمي بصرامة حانقة: "اخرسي يا بنت، انتي جايبة البجاحة دي منين؟ بقي دا جزائنا على اللي بنعمله عشانك يا بنت إلهام؟"
سارع باسم بالتحدث بدفاع: "فهمي بيه، المكتوب دا كلام جرايد ومتفبرك.. أظن إنك المفروض تكون أكتر واحد فاهم كدا كويس.. المهم دلوقتي نحضر في أسرع وقت ترتيبات الخطوبة عشان نقفل على إشاعات طلعت دي نهائيًا."
ريهام بإنخراط في الحديث: "وانت تعرفها أصلاً منين يا باسم وامتى عشان تتقدملها؟ وليه عايز تتجوزوا بالسرعة؟"
تابعت ريهام بخبث خفي: "إلا إذا انتو حصل بينكم حاجة وعايزين تتجوزوا عشان تداروا عليها؟"
***
في شقة تحية
"تفتكري يا ماما يعني لو كان جاب البنت دي من أبريل مش الحياة كانت هتبقى أحسن؟ هتبقى متشحطة معاهم كدا؟"
هزت تحية رأسها بسرعة مستنكرة بشدة، وقالت: "استغفري ربنا يا صابرين، لو دي من الشيطان يا صابرين.. دي إرادة ربنا، هو اللي بيوفق وهو اللي بيفرق.. يلا ربنا يكتب لهم الخير كلهم ويوفق كل واحد في حياته."
"اللهم أمين يارب العالمين."
تابعت صابرين بإغتياظ: "بس أنا برده لحد النهارده مفروسة من زينب.. فضلت تزن على ودانه بكلام فارغ، قال إيه.. أبريل دي عاملة زي الطير المهاجر من عشه وبكرة تتلوى عليك لو صالحته ونفذتلها طلبها، وهتركبك وتسوق هي.. وشحنته كلام زي الزفت في حق البت الغلبانة.. ومافيش شهر وراحت خطبتلو نادية وقال إيه إحنا هنجوزهم بسرعة، البت أهلها مجهزينها من الإبرة للصاروخ وهي موافقة ماتكملش بعد الثانوية كمان عشان خاطر عيونه، وفي الآخر أهو بقي بيسيبها بالشهور لوحدها وبيطل عليها شهر واحد في السنة. بالذمة دا مش حرام عليه؟"
تحية بتنهيدة: "الله يصلح حالهم، هنقول إيه، دا النصيب.. فكرتيني صحيح من ضمن حجج مرات أخوكي اللي مابتخلصش عشان تسم بدنها.. أبريل مش فاضية تجهز نفسها وملخومة في دراستها، الله يهديها ويسامحها."
صابرين بتأكيد: "أبريل عزيزة النفس، وكانت مابتتكلمش عن جهازها دا خالص ولا بتجيب سيرته."
تحية بقلة حيلة: "الله وحده يعلم الحال، كان ممشينا بالعافية، أنا لو عليا كنت جبت لها الدنيا عندها."
"بس بابا الله يرحمه ليه فضل رافض خالص إنها تشتغل رغم إنها كانت بتزن عليه كتير؟"
"أبوكي ماكنش عايزها تتبهدل عشان صحتها ومذاكرتها ماتتأثرش، مش هتبقى خربانة من كله.. واختك الله يسامحها مابتسألش في بنتها، حاطة إيديها في الميه السقعة وأبوها يدوب بيبعتلها مصاريف دراستها بالمعافرة والمحايلة كأننا بنشحت منه."
صابرين بخفوت: "يلا في الأول والآخر دا نصيب يا ماما."
ابتلعت تحية تلك الغصة في حلقها قبل أن تردف: "أيوه بس أنا لحد دلوقتي قلبي مش مسامحها خالص.. أبريل السنة دي أخدت الشهادة الكبيرة، وزي ما زينب كانت عايزة أحمد يتجوز عشان تشوف عياله، اهو اتجوز من أربع سنين وعنده بنوتة ربنا يخليهاله، بس اهو مش راضي بعيشته وسابلها البلد كلها وسافر، استفادت إيه بأنانيتها دي؟"
هزت صابرين رأسها بالإيجاب، وهي تقول بأسف: "ربنا يهديهم يا ماما، اهدي انتي وروقي، لا ضغطك يعلى مش ناقصين.. هتعملي إيه في تفكير زينب يعني؟ أمه وماحلّيتهاش غيره ومتمسكة بيه أوي.. ومن زمان وهي مش متقبلة حبه لإبريل، وكانت بتغير منها خصوصًا بعد ما بقت خطيبة ابنها."
تحية بإنفعال طفيف ينم عن شدة القهر الذي تشعر به على صغيرتها: "هي اللي عقلها صغير ومابتفكرش غير في نفسها.. كل دا عشان معاملته كانت كويسة معاها ومراعي ظروفها، استكترت على البت تفرحلها شوية."
اهتز صوتها في نهاية العبارة بالحزن، فربتت صابرين على فخذها بلطف قائلة بضيق: "هو دا مربط الفرس يا ماما.. ظروف أبريل ودلعها مننا كلنا.. البنت حلوة شكلاً ومضمونًا، والناس اللي حواليها بيحبوها ومهتمين بيها وكأن الكون بيدور حواليها، دا خلي زينب تفكر إن ابنها هيبعد عنها ويقرب من مراته حبيبته وتكون واخداه من أمه طول الوقت."
***
في غرفة ابريل
"أبريل."
"الله الله.. واضح إن صحتك ردت. لابسة ومحضرة شنطتك كمان. إيه؟ كنتي عايزة تكرريها تاني؟ مش كدا يا بن..."
صاح فهمي مستنكرًا بشدة بعد أن اقتحم الغرفة وسلمى خلفه، ثم واصل حديثه الغاضب: "ومعناه إيه اللي منشور في الجرايد وعلى المواقع دا يا ابريل؟ يعني إيه انتي تعلني للصحافة إنكم مخطوبين؟ حتى قبل ما يتقدملك في الحفلة؟ ممكن تفهمونا؟"
وزع فهمي نظراته بينهم، ليبادر باسم بالتحدث بصوت هادئ: "ممكن تقعد يا عمي وتهدى عشان نعرف نتكلم."
بدأ يغزو الارتباك كيان أبريل، لذا حاولت الحفاظ على بعض الهدوء والاستقرار الانفعالي، وهي تسأل بصوت متقطع: "هو مين قال أصلًا إنها هربت؟"
فهمي بنفاذ صبر: "أومال إيه كل اللي حصل دا إيه؟ تقدري توضحي لنا؟"
حركت قدميها نحو السرير، وعقلها يعمل بأقصى سرعة حتى جلست على مسافة قليلة من باسم، وكأنها تبحث عن ملجأ آمن بجانبه، وأجابت بتوتر: "حصل بالغلط غصب عني.. كنت مضايقة ومخنوقة من القعدة في الأوضة لوحدي.. لقيت نفسي بلبس عشان أروح الخطوبة."
استنكرت سلمى بعدم اقتناع: "أومال مين ولع في الفستان إن شاء الله؟ كانت الولاعة بتعمل معاكي إيه من الأساس؟!"
أخبرتها ابريل بلهجة مغلفة بالثبات والثقة: "كانت هدية من مصطفى.. كنت رامية الفستان على الأرض من عصبيتي.. واظاهر إن شبكت فيه النار لما وقعت مني الولاعة من غير ما آخد بالي وأنا خارجة.. ولما خرجت لقيت الأمن بيجروا ورايا فاتخضيت وجريت منهم لحد ما وصلت لفيلا أونكل صلاح.. وهناك قابلت باسم وهو اللي فاجئني بطلب جوازه مني وقتها اتجمع المصورين علينا وسمعونا معرفناش نوضح لهم حاجة وكل حاجة حصلت بسرعة."
سلمي بسخرية: "واحنا المفروض نصدق التمثيلية العبيطة بتاعتك دي؟"
اندفعت ابريل تقول بنبرة قوية ذات مغزى: "زي ما أنا صدقت تمثليتكم الخايبة ليا."
صرخ فهمي بعنف على إثر ذلك انتفضت ابريل وشحبت بخوف: "شكلك مش حاسة بالفضيحة اللي حصلت بسببك لينا ولمصطفى ولأهل باسم كمان."
ضاقت عيناها بدهشة حقيقية، وهي تجيبه بدفاع عن نفسها: "فضيحة ليه؟ أنا معملتش حاجة أخاف منها.. ومصطفى مالوش عندي حاجة، خطوبته وفسختها لأنه واحد كداب وغشاش.. وقرار خطوبتي من باسم محدش له إنه يدخل فيه، دي حياتي ومن حقي أنا اللي أختار أعيشها إزاي؟"
زجرها فهمي بصرامة حانقة: "اخرسي يا بنت، انتي جايبة البجاحة دي منين؟ بقي دا جزائنا على اللي بنعمله عشانك يا بنت إلهام؟"
رفع فهمي ذراعه، وهو ينوي أن يصفعها، لأنها تمادت في الحديث معه بهذه الحدة الجريئة منها، ولكن فجأة باسم رمح كالسهم الحاد، ليقف بينهما قبل أن يصل كف فهمي إلى خد إبريل التي انكمشت بخوف، وهي تتوارى وراء باسم بصدمة.
رمقه باسم بجدية، وهو يمسك بذراعه، وخرج صوته شديد البرودة، كنسيم هادئ قبل هبوب عاصفة مخيفة: "أظن من باب أولى نهدا عشان نعرف نتعامل مع دستة الصحافيين اللي مستنين ع باب المستشفى ومنتظرين لحظة خروجنا، واللي حضرتك عايز تعمله مايصحش، ولا هيوصل لنتيجة سليمة، ولا هسمح إنه يحصل للإنسانة اللي هتبقى مراتي وعلى اسمي."
فهمي بزمجرة، وهو يسحب ذراعه من قبضة باسم: "إيه هو اللي ماتسمحش وتسمح.. اتفضل ابعد عن طريقي وما تدخلش بيني وبين بنتي."
رفع باسم حاجب واحد بتحدي، ثم خاطبه برسمية: "أفهم من كدا إنك شايفني ماستحقش شرف نسبك يا فهمي بيه؟"
فهمي بصوت مضطرب: "أكيد مكنتش أقصد كدا.. لكن إزاي عايز عايز تتجوزها وهي مخطوبة و..."
ضيق رماديتيه الذئبية بتفكير، ثم تساءل بلهجة غامضة: "كدا الكلام متغير ومش متركب على بعضه، لحد امبارح كانت مفسوخة خطوبتها وانت موافق عليا، إيه اللي اتغير؟ في إيه بالظبط؟"
خرجت الكلمات من فم فهمي مثل قنبلة موقوتة، حان وقت انفجارها: "في إن مصطفى رجع من السفر وزمانه جاي على هنا."
اتسعت فيروزيتها من الصدمة، وهي مازالت تحتمي بظهر باسم، وتستمع إلى حديثهما بذهن شارد وإحساس دافئ بالأمان يتسرب إلى ثنايا قلبها الهادر بقوة، حيث لأول مرة منذ رحيل جدها تشعر أن سندها يعود من جديد ولا يستطيع أحد أن يؤذيها طالما هو معها.
رواية جوازة ابريل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان محسن
في سيارة نبيل الترابلسيقان السائق يقود سيارة نبيل بهدوء متوجهاً إلى المستشفى، فيما جلس صاحب العمل في المقعد الخلفي وزوجته بجانبه.
حتى قطع الصمت فجأة بصوته وهو يقول بنبرة الندم:
"احنا سبب كل اللي حصل؟!"
استفهمت هناء بعد أن أثار دهشتها بكلماته المفاجئة:
"قصدك إيه؟"
استأنف حديثه موضحًا، وعذاب الضمير يفتك به:
"اتحولنا أنا وانتي ناس أنانية.. من خمس سنين من يوم ما حنين شالت الرحم بسبب الورم بعد ولادتها التانية لتالا واحنا بنضغط على مصطفى عشان يتجوز تاني. فضلنا من كل جهة ننخر في الخشب لحد ما كرهها وكره حياته بعد ما كان راضي بنصيبه ومكتفي بمراته والبنتين."
صمتت هناء لبعض الوقت قبل أن تبرر الموقف بالإنكار، متجاهلة صوتًا بداخلها يؤكد صحة أقوال زوجها:
"احنا كنا بنعمل كدا عشان مصلحته يا نبيل. أي أم وأب من حقهم يسعوا في اللي في مصلحة ابنهم وفلوسه."
هز رأسه بقلة حيلة وهو ينظر من خارج النافذة، وقال بأسي:
"وادي النتيجة يا هناء. دنيا ابنك بتتهد فوق دماغه ودماغنا، وحتى الشغل بيتدمر عشان مابقاش مركز فيه. واللي كانوا مستنيين له غلطة عشان يسنوا أسنانهم عليه، استغلوا نقطة ضعفه عشان يخسروا كل حاجة."
طرق الهلع والخوف باب قلبها على ابنها، وانعكست مشاعر التوتر على وجهها، عندما تحدثت بصوت مضطرب:
"ماتشيلش نفسك أكتر من طاقتها يا نبيل.. ضروري هنلاقي حل.. وبعدين حنين كمان كانت تصرفاتها الأخيرة معانا مستفزة وكل مناسبة تجمعنا بقت تتعمد ماتحضرهاش عشان مانشوفش مصطفى ويكون وسطنا. لو مش ملاحظ هو من يوم ما انفصلو عن بعض واغلب وقته معانا."
نبيل بإعتراض مثقل بالضيق:
"ماتحطيش مبررات لغلطتنا يا هناء. احنا اللي خربنا حياة ابنك من كتر الوسوسة في ودانه.. من تدخلنا في حياته مع حنين لحد تدبيرنا مع قريبتك ومقابلته بإبريل وخطوبته ليها. ظلمنا بنت مالهاش ذنب عشان أنانيتنا ودلوقتي كلنا بنرمي اللوم على رد فعلها."
أقرت هناء بنبرة منخفضة:
"مانكرش اني لما شوفت ابريل عجبتني وكلمت سلمى عليها.. بس هو بعدها أعجب بيها وهو اللي طلب مانقولهاش على جوازه من حنين لحد ما يعرفها بنفسه."
نبيل بعبوس أشد:
"ودي كانت أكبر غلطة غلطناها.. كله عك في عك.. ياريتنا ماسكتناش. بسبب كدبته دي اتفضحنا كلنا وسمعتنا هتبقي في الأرض."
في نفس الوقت بالمستشفى
داخل غرفة ابريل
"عمالين نضيع الوقت في كلام لا هيودي ولا هيجيب.. بدل ما نفكر إزاي نمنع الفضيحة اللي هتحصل لما مصطفى يتأكد إنك اتخطبتي لغيره!!"
رددت سلمى تلك العبارة بلهجة حانقة، فانجلى الاستنكار من عينيها الفيروزيتين اللامعتين بالغضب، وهي عقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم قالت احتجاجًا:
"ولو عرف يعني هيعمل إيه!! مين اللي لازم يخاف؟ مين اللي غلط في حق مين الأول؟ مين خبي وكذب!! ليه عايزيني أسكت وما أواجهوش؟ هو ملوش عندي حاجة يبقى أخاف وأستخبى منه من الأساس ليه؟!"
اتسعت عينا ريهام بذهول الكاذب، وهي تسأل بتهكم ساخر:
"عايزة هتقوليله إيه؟! عايزة تخربي الدنيا أكتر من كدا؟ خلاص سيرتنا بقت على كل لسان."
تجهمت معالم فهمي بحنق، وصاح بصوت نافذ الصبر:
"بنت انتي اسكتي خالص.. مش مكفيكي المصايب اللي عملتيها لحد دلوقتي.. ماسمعش ليكي حس وخليني أشوف صرفة لمصيبتك الجديدة دي."
ضاقت عيناه الرماديتان من حالة العصبية المفرطة التي تظهر على فهمي قبل أن يسأل بحذر ولبااقة مشوبة بالدهاء:
"اعذرني يا فهمي بيه في سؤالي.. بس ابريل عندها حق في كلامها. هو ليه عندك حاجة عشان تبقي متوترة أوي كدا منه؟!"
تأكدت شكوكه فور أن توترت تعابير فهمي الذي بذل قصارى جهده لإخفائه، كما قال بصوت مرتعش:
"ولا حاجة طبعًا لكن.. لكن ما يصحش اللي حصل.. ولا أي راجل هيقبل إن خطيبته تسيبه بدون معرفته وتتخطب لواحد غيره بين يوم وليلة كدا."
ظلت ملامح باسم هادئة، وهو يوزع نظراته على الجميع، ثم زفر الهواء من فمه قبل أن يتحدث بجدية:
"طيب خلينا نخرج من هنا الأول بدون شوشرة وبعدين نشوف حكايته."
وافقه فهمي بهدوء:
"خلاص أنا رايح الاستقبال أبلغهم ما يطلعوش مصطفى علي هنا."
"طيب على ما تجهزي حاجتك يا ابريل.. أنا وريهام هنروح نطمن على منى مرات ابن عم باسم مش هنتأخر.. وانت يا يوسف روح هات إذن من الدكتور عشان ناخد أبريل ونرجع البيت."
أنهت سلمى جملتها بهدوء، فاكتفت أبريل بالرد عليها بإيماءة صغيرة، ولم تخرج من شرنقة المراقبة الصامتة التي وقعت فيها مستسلمة لأرائهم، فماذا عليها أن تفعل إذا أصروا على توجيه مسار حياتها كما يريدون؟
خلال ذلك الوقت أمام بوابة المستشفى
عند هالة
قاطعها جسم ضخم وقف كالحاجز بينها وبين ياسر، وقال بصوت رجولي بارد:
"مش من الأصول تسحب بنات الناس من إيدها في الشارع وتركبها العربية وبالعافية. ماينفعش."
بهتت هالة مصدومة، بينما جهر ياسر بإستنكار:
"دي خطيبتي يا أستاذ.. ثم إنت تطلع مين عشان تدخل في شيء مايخصكش؟"
"مبسوطة دلوقتي؟ خليتينا نسمع كلمتين مالهمش لازمة من اللي رايح واللي جاي."
قطب الآخر جبينه بعبوس الآخر عند سماع تلك الكلمات الفظة من ياسر، ليهندم ياقة قميصه بكبرياء ثم قال بنبرة لبقة:
"لو عايز تعرف أنا مين مفيش مانع.. أعرفك بنفسي أنا الدكتور فريد عبد العزيز."
ياسر بعنجهية:
"ومين يعني الدكتور فريد؟"
ظهر شبح الابتسامة على شفتيه المقتضبة بسبب أسلوبه الاستفزازي قبل أن يرد بثقة وثبات عاطفي:
"عبد من عباد الله يا ريس وعلي باب الله كمان.. بس الحمدلله ربنا اداني رجولة ونخوة اللي زيك ما يسمعش عنهم ومستعد أعلمك الاحترام عشان شكلك نازل من بيتكم ماتعرفهوش."
تجهمت ملامح ياسر بحدة، منقلبًا الوضع بينهما، ليهتف بسخط نافذ الصبر:
"محترم غصب عنك.. ودي أمور شخصية بين واحد وخطيبته إيه يدخلك فيها؟"
تصاعد غضب فريد أكثر من استخفاف ياسر، ليهدر بخشونة حاسمة:
"دا مش بس أدخل وأكسرلك إيدك كمان اللي اتمدت وسحبتها بالمنظر دا.. وإيا كانت صلتك بيها في أسلوب متحضر تتكلم بيه.. لكن واضح إنك واحد ما تحترم في بدلتك."
استحوذ الاضطراب تمامًا على هالة التي شعرت بجفاف شديد يجتاح حلقها، وهي تتابع أنظار المارة إليهم قبل أن تجد صوتها في نبرة مترجية:
"دكتور.. خلاص لو سمحت الناس بدأت تتفرج علينا.. دا مجرد سوء تفاهم مفيش حاجة."
تجلجلت ضحكات ياسر الساخرة، وهو يصفق متهكمًا:
"والله برافو عليكي.. كمان لحقتي عينتي بودي جارد لحراستك مني؟!"
كاد فريد أن يندفع نحوه يريد أن يلقنه درساً قاسياً غير مبالٍ بمكان وقوفهم، لتشعر هالة بما يفكر فيه، وكاد قلبها ينفطر من صدرها من التوتر، بينما كان صوتها يرتعش وهي تناشد إلى أدنى ذرة متبقية من العقل في الرجل الآخر:
"ياسر إحنا كبار بما فيه الكفاية.. ارجع لوعيك من فضلك واكلم بعقل.. إنت مش حاسب حساب لكلامك ولا للمكان اللي واقف قدامه.. امشي لو سمحت كفاية لحد كدا."
"ماشي يا هالة.. بس اتأكدي اللي حصل دا هيكون ليا رد فعل عليه مش هيعجبك وكلامي هيبقي مع أهلك."
لم تهتم هالة بتلميح التهديد في نبرته، واستطاعت أن تتنفس الصعداء بمجرد أن رأتـه يعطيهم ظهره، ليصعد إلى سيارته.
بعد فترة وجيزة في غرفة ابريل
كانت منحنية، وتضع متعلقاتها الشخصية في الحقيبة وهي شبه تائهة في أفكارها، داهمها شعور الدوخة من جديد، فاستندت على السرير بكلتا ذراعيها، وجلست عليه ببطء، بينما كان باسم يقف أمام النافذة ينظر إلى الصحفيين الذين ما زالوا أمام المستشفى.
أدار باسم رأسه، وهو يقول ذلك، فاتسعت عيناه في دهشة، ليهرول نحوها قائلاً بقلق:
"إيه مالك أنتي تمام؟!"
هزت ابريل رأسها رداً على سؤاله بإشارة صغيرة، وهي تغمض عينيها، أراد وضع يده على ظهرها بتلقائية، لكن تراجع في آخر لحظة، ليسألها بهدوء:
"اتضايقتي من كلامهم مش كدا؟"
أجابت باقتضاب:
"أنا كويسة."
"طيب تعالي نقف عند الشباك عشان تشمي شوية هوا يريحوكِ."
أنهى باسم كلماته الهادئة، وفي الوقت نفسه لف ذراعه حول خصرها، ممسكاً يدها في الكف الأخرى، ليساعدها على النهوض بخفة، دون إعطائها المجال للاعتراض.
وقف كلاهما ينظران إلى الخارج في صمت تام، بينما كان لا يزال محتفظًا براحة يدها في يده، ومن يرى موقفهما سيستنتج أنهما في وئام كبير معًا.
قطعت أبريل هذا الصمت قائلة بامتنان، وهو ما أحسه في رقة نبرة همسها:
"متشكرة وعارفة إن انت مالكش ذنب أنا اللي ورطتك في مشكلة ماتخصكش و.."
باسم بتمتمة:
"انتي عايزة ترجعي لخطيبك؟"
رفعت رأسها إليه بارتياب بمجرد أن فاجأها بسؤاله الذي لم تفهم مقصوده منه، فجاءت إجابتها المندفعة تذهله، وهي تتراجع خطوة إلى الوراء:
"لا."
"لسه في حاجة مش فاهمها.. لما انتي عندك جدتك في المنصورة ليه عايزة تسافري دبي؟!"
شردت بنظراتها للأمام، وهي تفكر في إجابة سؤاله، بقدر ما افتقدت حنان جدتها، لكن يصعب عليها الذهاب إلى هناك، خاصة في ظل وجود أحمد، لا تعرف ماذا ستفعل لو رأته وهي في قمة ضعفها، ولا تريد أن تتخذ قراراً تندم عليه بقية حياتها لمجرد احتياجها للأمان.
أخرجت تنهيدة مثقلة، وهي تجيبه باختصار:
"العيشة بالمنصورة ماتناسبنيش وصعب كنت أفضل عايشة مع بابا بعد اللي حصل.."
كان على طرف لسانه أن يسألها عن والدتها، لكنه تراجع ينظر إليها بتردد، حالما أضافت بنبرة غامضة مزقت أوتار قلبها سرا:
"مالقتش حل غير السفر في كل الأحوال مفيش هنا مكان بننتمي ليه."
أشفق باسم عليها، وقال عمداً، وكأنه يتحدث إلى نفسه:
"بس الهروب من مكان لمكان عشان موقف حصل دا مش هو الحل السليم!!"
علت ابتسامة غبر مبالية ثغرها الوردى، مستهزئة باحتقان:
"مابقتش فارقة.. المهم إن بسببي ورطتك وورطتني أكتر وخلاص مبقاش ليا مهرب.."
لمعت عيناه دهشةً من تقلب مزاجها السريع، وضحك بخفة على تذمرها اللطيف قبل أن يسأل:
"لسه حاسة بالدوخة؟"
"بدأت تروح.. هو ممكن أطلب منك طلب؟"
استقطب حاجبيه الكثيفين مستفهماً:
"إيه؟"
تلجلجت كافة خلاياها، وهي تقول باستحياء:
"ينفع تنزل تلحق علبة الشيكولاتة قبل ما حد ياخدها يعني مش هتبقي خسرانة من كله."
استعجب باسم من طلبها اللامنطقي، واستفسر بارتياب:
"دي لعبة جديدة عشان تخلعي ولا إيه؟"
تنفست بصوت عال، وهي تتكهم باستياء:
"هخلع إزاي وفي طقم الصحفيين دا في انتظارنا؟"
أمسك برسغيها على حين غرة، ليهزها بتمهل ودمدم سخطًا:
"وكنتي بترميها ليه لما عينك فيها؟"
أبريل بتهكم واضح غافلة عن كونها بين براثن الذئب:
"ما أنا رميتك انت شخصيًا وأهو بقينا مدبسين في بعض."
رفع حاجبه متجاهلاً ما قالت، وتابع بغموض:
"طيب عشان نبقى واضحين.. في حاجة مهمة لازم تعرفيها عني كويس.."
"واللي هي؟!"
انفرج ثغره مشكلاً ابتسامة مغترة بزغت في قوله:
"أنا مبقولش ولا بعمل حاجة من غير مقابل.."
تخصرت، وهي تتأمل ابتسامته اللئيمة، لتسأله بغيظ مصحوبًا بتعبير مريب:
"وايه المقابل دا اللي انت عايزه يعني؟!"
ازدادت نبضات قلبها شيئًا فشيئًا، وتسمرت فور احتدت جرأته وهو يميل برأسه نحو وجهها، ليتأمل ببطء جمال عينيها الفيروزية، برموشها الطويلة التي ترفرف في ارتباك، لينبس بخفوت مثير امتزج بحرارة أنفاسه على شفتيها:
"و مالك اتوترتي كدا ليه يا أم لسان ونص.. إيه اللي خطر على بالك؟!"
أعقب عبارته الأخيرة بغمزة من إحدى عينيه، ونتيجة لتلك الحركة استفاقت من الفقاعة السحرية التي خلقها حولها بأساليبه الجهنمية، لتسحب نفسها من حصاره الطاغي ثم تذمرت باستياء:
"انت مابتزهقش من أسلوب التلاعب بتاعك دا."
راقب باسم ارتباكها باستمتاع، وهو يخبرها ببراءة:
"طبعًا ماعرفش أغيره."
هزت أبريل رأسها بيأس، واستدعت الهدوء في قولها:
"طب اتفضل ممكن تنزل قبل ما تروح علينا."
رفع باسم أكمام قميصه، وهو يقترب منها بخطوات بطيئة، راقبت بحذر المكر والتهديد الذي لاح في عينيه الذئبيتين، وهو يقول بصوت منخفض أجش:
"هنزل بس اياك عقلك يوزك اا.."
سارعت ابريل مقاطعة إياه، بعدما تعبت من كثرة المجادلة معه:
"والله مش هيوزني خلاص."
في ذات الوقت عند الاستقبال
"سجلوا عندكم خناقة بعد كام ساعة من تلبيس الدبل. دكتور ياسر ودكتورة هالة استند باي فركشة."
هذه العبارة نطقتها ممرضة في منتصف العشرينيات من عمرها بعد أن اقتربت منهم بسرعة من الخارج، لتسأل إحدى الممرضات في حيرة:
"بتقول إيه المروشة دي؟"
ضحكت أخرى، وهي تقول بدهشة:
"ما تاخدي نفسك الأول وبعدين اكلمي عشان إحنا مش فاهمين منك حاجة."
التقطت أنفاسها ببطء، وهي تهندم الحجاب فوق رأسها لتسرد بصوت منخفض، وتلوح بيديها بحماس:
"الدكتورة هالة والدكتور ياسر كانوا واقفين مع بعض قدام البوابة ووشوشهم مقلوبة وفجأة هي قلعت الدبلة وادتهاله."
ضربت إحداهن خدها بذهول، قائلة بشهقة:
"يا نهار كحلي! عرفتي إزاي يا شيخة الحارة؟"
"شوفتهم بعيني وأنا راجعة من عند مطعم الفول والطعمية."
التزمت الصمت لثوان توزع نظراتها، بينما تمط شفتيها للخارج وأردفت:
"لو مش مصدقني ابقوا بصوا على صوابعها.. خرجت والدبلة منورة في إيدها ودخلت وإصبعها فاضي."
أحداهن بشفقة:
"يا عيني مسكينة دكتورة هالة والله."
أضافت أخرى، وهي تضع كفها على خدها:
"دي حظها فقري أوي صحيح مش دايما الجمال والمال نعمة."
استرسلت الممرضة بإستفاضة:
"أخدوا عين قوية وبكمالة النحس كمان واحدة من المعازيم تقع من طولها في خطوبتها ونقلوها على هنا.. وفوق دا كله بدل ما تقعد تقضي ليلتها في رقص وهيصة قضيتها في العمليات مع الراجل أبو رصاصة دا."
"يخربيتك! سوسة بتعرفي دا كله منين؟!"
تطلعت إليها، وهي تكتف يديها بتكبر مصطنع، لتنبس زميلتهم بحسرة:
"بجد أغرب خطوبة ممكن تعدي على واحدة بنت الله يكون في عونها."
في هذه الأثناء
عند ابريل
كانت واقفة وذراعاها مطويتان، وهي تحدق من النافذة، وعقلها يتذكر كلام والدها المسموم لها عندما نعتها بلقب "ابنة إلهام"، في كل مرة ينطق بها تشعر وكأنه يتعمد إهانتها، فهو لا يعرف شيئًا عن علاقتها بوالدتها، فيتردد في سرها صوت يسخر من حزنها:
"زعلانة ليه وهي دي حاجة جديدة يعني.. ما انتي عارفة إن فهمي بيه ما يهموش حاجة غير نفسه وبس. هيفرق عنده بنته اللي رماها زمان.. كنتي متعشمة ليه إن دا هيتغير دلوقتي وهياخدك في حضنه زي أي أب في الدنيا ما بيعمل مع بنته عشان يطمنها ويقويها.. إزاي الدنيا دي مايلة بالعكس كدا؟! إزاي الغريب يدافع عنك واللي المفروض أقرب حد ليكي في الدنيا يعاملك زي المجرمين!!!"
رفعت رأسها محدقة في السماء بنظرات مؤلمة، والدموع الكثيفة كونت طبقة كريستالية على عينيها، قاومت بشدة تلك الرغبة المتصاعدة في البكاء، فإذا ضعفت سوف يمضغونها إلى حد سحقها تحت أنيابهم القاسية.
تفاصيل حلمها البشع اخترقت جدران عقلها بقوة، وزادت من شدة مقاومتها للانهيار الوشيك.
ظهرت على شفتيها ابتسامة ساخرة، وسبحت أفكارها مستحضرة أحداثًا من ذكرى ماضية، مما جعل جراحها النفسية تنزف أضعافًا مضاعفة.
***
آخر مكالمة جرت بينهما كانت منذ أربع سنوات، ولم تكررها مرة أخرى، بل استمرت في تجنب أي محادثة بينهما. لن تنسى لها أبدًا عندما انهارت، وصدمت من تخلي أحمد عنها بعد أن خيرتها بينه وبين استكمال دراستها الجامعية، لتشعر بألم الظلم والعجز والضعف يشطروا قلبها دون شفقة. وبدون أدنى تفكير، التقطت هاتفها ووقفت أمام نافذة غرفتها في منزل جدتها، لتبحث عن رقم والدتها، بأصابعها المرتعشة مثل خفقاتها المتسارعة من التوتر، بتردد اتصلت، وعندما جاء الرد هتفت بخجل:
"إزيك يا ماما عاملة إيه؟!"
"هكون عاملة إيه يعني يا أبريل؟ اهو الدنيا ماشية بالعافية.. بس الحمدلله على كل حال، إيه خير؟ متصلة ليه متأخر كدا؟ في حاجة ولا إيه؟"
شعرت بالضيق والاختناق، وانهار سقف توقعاتها فوق رأسها بخيبة أمل، وتجمعت الدموع في مقلتيها بحزن شديد لعدم سؤالها عن حالها، واهتمامها فقط بسبب اتصالها بها، كأن هذا ليس من أبسط حقوقها، فمررت طرف لسانها، ترطب شفتيها الجافتين، لتحاول أن تبث في نفسها الشجاعة، في حين ردت بإحراج:
"آسفة ماخدتش بالي من الوقت.. بس كنت محتاجة أكلمك في حاجة ضروري."
استغربت من صمتها:
"ماما انتي معايا؟"
وصلها صوتها الناعس، وهي تتثاءب:
"آه سامعاكي. قولي إيه هي الحاجة دي؟!"
"أنا كنت عايزة أجي أقعد معاكي فترة."
"ومن إمتى دا إن شاء الله.. ما كل إجازة بتختاري تفضلي عند ستك؟!"
أبريل موضحة:
"لا أنا عايزة أجلك بكرة مش في الإجازة."
إلهام مستنكرة:
"اشمعنى؟! مش عندك مذاكرة وجامعة اللي صممتي تخشيها.. وبعدين إيه اللي قومها في دماغك كدا مرة واحدة؟ إيه زهقتي ستك منك طبعًا مش كدا؟"
أبريل بإندفاع:
"أنا وأحمد فسخنا خطوبتنا يا ماما."
شهقت إلهام من المفاجأة، قبل أن تعاود توبيخها:
"نعم.. دا إمتى؟! وإزاي دا يحصل ومحدش يعرفني.. إيه أنا آخر من يعلم يعني يا بت؟!"
أبريل بتنهيدة حزينة:
"دا حصل النهاردة وعشان كدا محتاجة أجي أقعد عندك.. أنا مش عايزة أقعد هنا بعد كدا."
حثتها إلهام على الشرح:
"بلاش الكروتة دي في الكلام وفهميني إيه اللي حصل عشان تفسخوا خطوبتك."
وانتهت أبريل من سرد ما حدث معها، لتقول إلهام بعدم رضا:
"زينب مفيش فيها فايدة طول عمرها كدا ومش هتتغير.. بس انتي غلطانة يا أبريل."
استنكرت أبريل لوم والدتها بشدة:
"وأنا غلطت في إيه؟"
"الراجل من حقه تكون مراته مهتمة بيه وتاخد بالها من بيتها مش فاهمة إيه حتة الشهادة اللي انتي متمسكة بيها أوي كدا دي؟"
شعرت أبريل بالقهر من استخفافها، لتجيبها بدفاع:
"حتة الشهادة دي هي مستقبلي.. وهي اللي هتحسسني بالأمان باقي عمري لما أتخرج وأشتغل وأعتمد على نفسي.. مش معنى إني بحب أحمد يعني هفضل متكلة عليه ومحتاجاله في كل حاجة بحياتي."
إلهام بضجر:
"قصروه يا أبريل شكلك كدا بيقول إنك مش عايزة الخطوبة دي وماصدقتي تحصل حاجة تسيبيه بيها. طب كان ليه من الأول بقي.. إنتي عملتي مشاكل بيني وبين أخويا وابنه."
"هو أنا عشان بدافع عن حق من حقوقي أبقى بياعة وبتاعة مشاكل يا ماما.. المهم أنا مش هقدر أقعد هنا تاني. هتوافقي أجي أعيش معاكي ولا لأ؟"
"قوليتلك قبل كدا مينفعش يا أبريل سبق وفهمتك ظروف جوزي وأحوالنا المادية على القد أوي خصوصًا وإنك عارفة مصاريف جهاز أختك شمس قطمت وسطنا."
أسرعت أبريل لتخبرها بلهجة مترجية، متجاهلة وخز الألم الذي نقر بحدة في صدرها من اهتمام أمها بأختها التي عاشت حياتها كلها بين ذراعيها، في حين أنها في حاجة إليها أيضًا، لكن لتحصل على هذا القدر من الحنان والعطاء يجب عليها أن تتوسل لها:
"أنا مش هكلفكم أي حاجة والله هشتغل وهصرف على نفسي.. وبابا متكفل بمصاريف جامعتي أنا بس هنقل الورق لجامعة الإسماعيلية.. ماما والله بجد محتاجاكي لو سمحتي خليني أجي أقعد معاكي والله مش هزعجك ولا هتحسي بوجودي."
إلهام قاطعتها مكررة جملتها السابقة بعدم اكتراث:
"بطلي زن يا أبريل إنتي مابقتيش عيلة صغيرة.. الفترة دي صعبة بقولك وإختك محتاجاني جدا معاها عشان بننزل نلف على عفشها. حتى مش هبقى فاضية أجي على المنصورة عشان أشوف موضوعك قدامي لسه كام يوم أدبر نفسي فيهم.. دا غير إن فاروق مش هيوافق يا أبريل.. وهو أصلاً عصبي الأيام دي عشان إنتي عارفة فرح شمس قرب ومشغولين لشوشتنا في ترتيبات الفرح."
أبريل بجمود:
"تمام فهمت."
تثاءبت مجددًا، وهي تخبرها:
"يلا روحي نامي تصبحي على خير."
***
رسمت دمعة ساخنة خطاً متعرجاً على خدها المحمر، تزامناً مع انتباهها إلى طرقات متتالية على باب الغرفة لتمسحه بقية دموعها بخفة، وسمحت للطارق بالدخول قبل أن تستدير، لتجد نفسها في مواجهة مصطفى وجهًا لوجه.
***
قبل ذلك بدقائق
عند ريهام
ريهام تجلس على أحد الكراسي في الاستراحة أمام غرفة منى بعد أن اطمأنت بشكل سطحي على أحوالها، وتركت والدتها تواسي سوسن ببعض العبارات المتعاطفة، لتبدأ باستجواب عمر الذي يقف أمامها، وهو يمضغ قطعة حلوى، بينما يقوم بهندمة ملابسه بلطف:
"أونكل باسم اللي كان مع أبريل يا عمر ماسمعتهمش كانوا بيكلموا يقولوا إيه قبل ما أدخل عليكم؟"
مال عمر برأسه دليلاً على التفكير قبل أن يسرد لها:
"كان عايز يخليها تشرب اللبن بالعافية.. بس أنا قولتله لا.. دا وحش لأبريل وشربته أنا مش بتعب منه."
قطبت ريهام حاجبيها دون فهم شيء، لتحثه على الاستكمال:
"و إيه كمان؟"
رفع كتفيه دلالة على عدم معرفته، وهو يواصل كلماته، شارحًا ما يتذكره بعفوية:
"كانوا مقربين من بعض أوي.. بيكلموا بصوت واطي أوي ماسمعتش حاجة."
كظمت غيظها زافرة بخفوت، وهي تأمره بعدم رضا:
"طيب روح اقعد جنب جدتك وأنا لحظة وجيالكم."
سلمى بسؤال:
"رايحة فين يا ريهام؟"
ردت عليها بعدم اكتراث:
"هرجع لأبريل أفضل معاها لا تعمل حاجة مجنونة من حركاتها وانتِ يا ماما معلش خدي عمر اغسلي إيده من الشيكولاتة."
"طيب."
***
تسير في القاعة المؤدية إلى غرفة أبريل، لتتسع مقلتا عينيها الزرقاء بتفاجؤ، وهي ترى مصطفى يقترب بخطوات متوازنة من الجانب الآخر من الممر، فتهادنت في مشيتها، وعقلها ينسج خطة جديدة راسمـة ابتسامة لطيفة على شفتيها بمجرد وقوفها أمامه، لتمد يدها تصافحه قائلة بنبرتها الناعمة:
"حمدلله على سلامتك يا مصطفى. إنت رجعت من السفر إمتى؟"
رفع مصطفى نظارته الشمسية، لتظهر عيناه السوداوتان ببريق مستاء، وهو يرد بمجاملة قبل أن يسيطر الاستنكار على صوته الذي كان مليئًا بالحيرة:
"الله يسلمك يا ريهام.. طيارتي وصلت الفجر.. فين فهمي؟ وإيه الكلام المكتوب دا؟! أنا مش فاهم حاجة. إيه علاقة أبريل بباسم الشندويلي وإيه اللي حصلها؟"
توترت ريهام لوهلة من هذا الهجوم، وهي تمتم:
"اهدأ واحدة واحدة يا مصطفى.."
تابعت بلوم خبيث:
"تفتكر هيكون حصلها إيه.. طبعًا تعبانة ومضايقة أوي."
"يعني عرفت؟"
ردت بتعمد:
"كل حاجة والبركة في حنين."
ححظت عيناه بصدمة، متسائلاً بعدم تصديق:
"يعني حنين هي اللي عملت كدا؟"
لمعت زرقاويتها ببريق غامض، مؤكدة بثقة شيطانية:
"أيوه جتلها لحد البيت والله أعلم قالتلها إيه. من ساعتها وهي منهارة وزعلانة جدًا.. ومانصحكش تشوفوا بعض على الأقل لحد ما تهدأ."
جاءها رفضه بإصرار:
"أنا لازم أشوفها وحالًا يا ريهام."
***
في الوقت الحالي
عند ابريل
"مالك متسمرة كدا ليه كأنك شفتي عفريت؟! دا حتى ما طلعتش منك كلمة حمدلله على سلامتك!!!"
قال ذلك بسخرية، ليخفي توتره من تحديقها المستمر به، إذ أنها خالفت توقعاته باستقبالها الصامت، على عكس ظنه منها أنها ستنهمر عليه بالدموع والاستفسارات التي لا تنتهي في مثل هذا الموقف، لكن ما يراه هو بريق غريب يشع من فيروزيتيها، فيما ظلت أبريل صامتة، تجمع شتات نفسها بتريث، وهي تشكر القدر الذي أعد لها هذا اللقاء حتى تتمكن من إفراغ كل قهرها به، إذ خرج صوتها باردًا حالما قالت بتلاعب:
"مظنش إنك جاي عشان تسمع مني حمدلله على سلامتك.. زي كمان ما أنا مش مستنية منك تبررلي أسباب كدبك عليا عشان مفيش أي مبرر بيشفع الكذب."
"أنا عايزك تسمعيني.."
انقطع استرساله حينما وقعت عيناه على يديها اللتين كانت تلوح بهما بإنفعال ليسأل بحدة، بينما يمسك معصمها في قبضته:
"دبلتك فين؟"
رفعت فيروزيتها التي كانت تتلألأ بلهيب البغض مقابل عيناه المستهجنة، لتنفض يدها منه، وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي تهتف بازدراء قاتل:
"ماتلمسنيش!! إنت مين وإزاي تدخل هنا بدون إذن.. وبصفتك إيه؟!"
مصطفى بتريث:
"أبريل اهدى عشان أعرف أشرحلك موقفي."
استهزأت باستخفاف:
"تشرحلي موقفك.. الحكاية مش مستاهلة شرح."
"كنت ناوي أقولك.."
اقتلعت أبريل ثمرة تبريره مقاطعة إياه بقسوة:
"إمتى بقي؟!.. بعد ما تكون اتجوزتني على مراتك.. وابقى قدام الأمر الواقع وأختار بقي ما بين أرضي إني الزوجة التانية أو أطلق وأنا لسه عروسة؟"
صمت مصطفى هنيه، وهو ينظر في عينيها المترقبة لإجابته، قبل أن يقول بصوت منفعل:
"إنتي ليه مصرة على إني كنت قاصد أكذب عليكي ومش عايزة تسمعيني؟"
تهكمت أبريل بنبرة معبئة بالإشمئزاز:
"اسمع كذبة جديدة عايز تألفها عليا!! إنت متعرفش قد إيه شايفاك صغير أوي في عيني دلوقتي."
تجمدت بخوف، حينما هدر فجأة بلهجة عصبية:
"احترمي نفسك يا أبريل. عمالة تغلطي ومش مدايني فرصة أفهمك."
ابتلعت غصة من الألم كانت واقفة في حلقها، قبل أن ترد عليه ببرودة شعرت بها تنخر عظامها:
"كان عندك مية فرصة تقولي فيها الحقيقة بس إنت قررت تخدعني.. بس الحمدلله إن ربنا كشفك على حقيقتك وبعتلي مراتك عشان تفوقني من الوهم اللي عيشتني فيه قبل ما أغرز في حفرتك القذرة عمري كله."
جفلت أبريل بقوة، وتباطأت نبضاتها الخافقة من الذعر تحت ملمس قبضته، التي التفت بإحكام حول معصمها تعتصره، هاتفا بحدة من بين أسنانه المطبقة:
"أنا كنت مقدر وضعك وإنك تعبانة وعشان كدا سكت.. بس إنتي زودتيها أوي ومش هسمحلك بالغلط أكتر من كدا.. ولا دا الموضوع اللي جاي أتكلم فيه.. إيه اللي بينك وبين باسم الشندويلي والمكتوب دا أساسه إيه؟"
***
خلال ذلك
في ردهة المستشفى
"الدكتور جاي يعملها اختبارات التنفس ويطمن على حالتها قبل ما يكتبلها على خروج."
تحدث بها يوسف الذي جاء إلى حيث كانت ريهام تجلس تهز قدمها بتوتر ولم ترد، في نفس الوقت جاء صوت ضجة من خلف باب غرفة أبريل.
"إيه الصوت دا؟"
نطق بهذا السؤال، وهو يتجه نحو الغرفة:
"استني.. دا مصطفى."
ذهل يوسف بإستنكار مترقب:
"نعم ومين جوا معاهم؟!"
"لوحدهم."
اتسعت عيناه بعدم تصديق، ليهدر بها بإنفعال:
"إنتي اتجننتي؟ سايباها لوحدها معاه هو دا كان اتفاقنا؟"
ريهام بإستهانة:
"وهو هياكلها؟ سيبهم يتفاهموا مع بعض يمكن يتصالحوا."
"اوعي كدا."
قالها دون اهتمام لحديثها بعد أن دفع يديها عن ذراعه، لكي يتمكن من الاسراع إلى الداخل، ليصل صوت أبريل إلى أذنيه، التي سألت باستخفاف شرير:
"مش عايز تعرف دبلتك فين؟"
"أبريل اهدأ خلاص!!"
أندفع يوسف لمقاطعتها، جاذبًا يدها من بين مخالب ذلك الأسد المتوحش، ليقف حاجزًا بينهما بعد أن دفع مصطفى إلى الوراء، وقبل أن يجد أنفاسه للحديث، أردفت أبريل بما أثلج روحها المحترقة بنيران يؤججها شعورها بالخداع، والقهر من هذا المتجبر:
"حرقتها مع فستان الفرح.. والخطوبة أنا اللي فسختها.. واللي قريته مظبوط أنا هتخطب لباسم دي مش إشاعة.. ودلوقتي اطلع برا مش عايزة أشوفك تاني."
أنهت حديثها بتحدٍ، مشيرة بإصبعها نحو الباب، غير مهتمة بتعابير الغضب المقيت على ملامحه، لتزداد وتيرة أنفاسه الحارقة، وهو يصرخ فيها غير مصدق، بعد أن دفعته للجنون فاقدًا زمام تعقله ووقاره:
"إنتي مجنونة؟ بتخرفي بتقولي إيه؟! إنتي واعية للي بتقوليه.. دا على أساس إني لعبة في إيدك وهتحركيها على مزاجك؟"
تقدم مصطفى خطوة إلى الأمام يريد الوصول إليها، وهو يطحن أسنانه بشر، لكن يوسف منعه قائلاً بارتياع:
"بس خلاص لو سمحت اخرج من هنا يا مصطفى.. وجودك هنا هيعقد الموضوع أكتر وكفاية اللي حصل منك في حقها."
رفض مصطفى بإستهجان، بينما يحاول إبعاده عن الطريق:
"مش قبل ما أشوف اللي عملته الست أختك اللي طلع مالهاش كبير."
"مصطفى بنفسه هنا.. إيه الزيارة العزيزة دي؟"
صاح صوت باسم من الباب باستخزاء شديد، قابله مصطفى بجبين مقتضب قبل أن يشير إليه بضحكة غاضبة:
"دا الحكاية طلعت جد مش تأليف من الإعلام.. أنا عايز أعرف دا بيعمل إيه هنا؟!"
لم يتلق ردًا من باسم الذي تقدم أمام الجميع بخطوات واثقة، وعيناه الرماديتان الذئبتان مسلطة عليها كأن لا أحد غيرها في الغرفة.
"الطلب حضر يا بندق."
ردت على همسه القريب من أذنها بإيماءة خافتة، وهي تأخذ منه الصندوق بذهول مرتبك، بسبب لف ذراعه حول خصرها بجرأة، كرد فعل بدا طبيعيًا من جانبه.
أخبره بهدوء رهيب، قاصدًا استفزازه، ليرمقه مصطفى شرزاً:
"أنا في مكاني الطبيعي جنب خطيبتي."
ردد مصطفى بهسهسة خطيرة:
"خطيبته؟"
هز باسم رأسه بالإيجاب، وارتفعت زاوية فمه بابتسامة، مجيبا إياه بنبرة عادية:
"هو إحنا لسه محددناش إمتى بالظبط حفلة الخطوبة.. إنت عارف الترتيبات بتاخد وقت بس هتكون قريب أوي وانت أول المعازيم يا درش."
كاد مصطفى أن يصاب بالجنون في هذه اللحظة، فما يراه الآن يتصف بكلمة واحدة مكونة من خمسة أحرف مهزلة، اقترنت أفكاره بزمجرة حادة، ظهرت جراءها عروق جبهته النافرة بغضب:
"إنتي إزاي تسمحي لنفسك توافقي على خطوبة من واحد وإنتي مخطوبة لراجل تاني؟؟"
خطى نحوها في انفعال، لكن أوقفته يد باسم التي ارتفعت، لتدفعه للخلف من صدره، واليد الأخرى لا تزال تستقر على خصر أبريل بحماية، التي كانت تراقب الموقف أمامها برعشة مضطربة، بينما صاح بصوت حاسم مليئ بالصرامة:
"كلامك معايا أنا ولا إنت مابتعليش صوتك غير على الحريم."
تغضنت ملامح مصطفى، وكل خلية فيه تطالب بالاشتباك معه، ولكن قبل أن يتمكن من التحرك نحوه اعترض يوسف طريقه بجسده الرياضي، ممسكًا بذراعه، مهدئًا إياه حتى لا يتطور النقاش إلى معركة:
"مصطفى اهدا.. دي مستشفى مش مكان مناسب للزعيع والخناق."
قاومه مصطفى بغضب مشحون، فتدخلت أبريل التي اندفعت واقفة في المنتصف بينهم، وهى تنظر إلى مصطفى بتحدي قوي ظهر في صوتها المبحوح، وهي تقول بنبرة حادة مستنكرة:
"هو إنت بأي حق ليك عين وعايز تحاسبني؟ مش كفاية الكلام اللي اتكتب في حقي بسبب كدبك.. خلاص وقتك هنا انتهى يا مصطفى.. تمن دبلتك هيوصلك مع الشبكة ومعاهم فلوس الفستان وأي حاجة كنت جبتهالي هترجعلك.. ولآخر مرة بقولك تتفضل تطلع برا حالا."
أنهت كلامها القاسي بأنفاس ثائرة، وهي تشير إلى باب الغرفة، فتجعدت ملامح مصطفى بشدة بسبب إهانتها لكبريائه بحضور شقيقها الذي تابع المشهد بصمت، وباسم الذي ينظر إليه بتحفز، قبل أن يركز اهتمامه عليها مخاطبًا إياها بين أسنانه بغضب وانفعال شديد:
"بتطرديني عشانه!! بقي هو دا الراجل اللي عايزة تتجوزيه؟ سمعته مع البنات في الوحـ.."
اختتم مصطفى حديثه بنظرات الاحتقار التي وجهها لباسم الذي اشتعلت رماديتيه من الامتعاض، وهو يهم بالتحرك نحوه ليفتك به، لكن أبريل وضعت يدها بشكل عفوي على صدره، وهي تنظر إليه بنظرة ردعته عما كان ينوي فعله، وبصعوبة سيطر على نفسه.
احترقت خلايا مصطفى بالحقد والغيرة بسبب فعلتها، بينما التفتت أبريل نحوه، ولمعت عيناها بالكراهية والاشمئزاز، تجلى في صوتها، تريد كسر غروره تمامًا ورد الصفعة إليه:
"بس على الأقل راجل.. وقد كلامه مش كداب ولا غشاش."
حدق فيها مصطفى بنظرة حالكة شرسة، وهو يهتف باستياء ووعيد:
"والراجل دا.. وعد منه.. إنه هيعرف إزاي يحاسب حتة عيلة زيك.. على كل كلمة وفعل عملتيه.. وهندمك عليه."
اتسعت عيون باسم غضبًا، فأراد أن ينهي هذا النقاش العقيم بسرعة، وهو يجذب أبريل تلقائيًا حتى وقفت خلف ظهره، وأصبح هو مقابل مصطفى في وضعية دفاعية، قائلاً بتجهم خشن:
"حاسب على كلامك قبل ما أندمك أنا عليه.. هي مش قالتلك اللي ليك هيرجعلك خلاص انتهى موضوعك معاها زي ما قالت خلص."
نظر إليه مصطفى بنظرات لاذعة بعد أن اشتعلت نيران الغضب بداخله بسبب حركاته معها وكلامه الواثق له، وقال بحدة:
"مفيش حاجة انتهت. اللعبة يدوب هتبدأ يا ابن الشندويلي."
مرت ثواني من الصمت على باسم، قبل أن يهز كتفيه مبتسمًا بسخرية، وهو يقول بتحدٍ عارم:
"وأنا متشوق أوي للعب ووريني هتقدر تعمل إيه؟"
وجه مصطفى إليه نفس الابتسامة الساخرة، ليقول له بنبرة قوية باردة، عكس نظراتهم النارية نحو بعضهم البعض:
"تمام.. بس افتكر النار اللي بتلعب بيها مش هتطولك لوحدك.. ولو كنت راجل زي ما بتقول عليه ابقى احميها من اللي جاي.. دا لو قدرت تحمي نفسك الأول من اللي هعمله في واحد واحد فيك."
رمقها مصطفى بنظرة وعيد أخبرتها أن ما سيأتي لن يكون سارًا، بل الأمور ستصبح أكثر خطورة، قبل أن يضيف بصوت أجش من بين شفتيه المشدودتين:
"حولت المحبة اللي بينا لباب عداوة فتحتيه بإيدك.. واللي بينا مش هينتهي بالسهولة اللي إنتي فاكراها يا أبريل.. كرامتي اللي دستي عليها.. هدوس قصادها على رقبتك وتمنها هتدفعيه من دمك."
شعرت أبريل بالخوف من جدية تهديده المباشر لها، لكن باسم قطع تحليل أفكارها بل أنها فزعت بقوة، عندما رأته يندفع نحو مصطفى بعد أن تخلى عن آخر ذرة من سيطرته، ووجه له لكمة قوية على أطاحت بفكه للجهة الأخرى، وهو يصيح بلكنة غاضبة:
"..."
رواية جوازة ابريل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورهان محسن
لم يكسرني اكتشاف أن الوجهة كانت خاطئة، بل الوقت الذي قضيته أمشي في طريق كنت أظن أنه صحيح. طغت الصدمة على ملامحي عندما أدركت مدى حماقتي في اختياراتي. كم كنت مندفعة وساذجة حينما صدقت أكاذيبهم المنمقة. كم أخطأت عندما سمحت بتكرار الأخطاء.
لكن من هذه اللحظة فصاعداً، سأرفض الأشياء التي تحطم قلبي، والأشياء التي تجرحني، والأشخاص الذين يتعمدون إيذائي. سأتقن لغة التمرد وسأختار الانسحاب من المعارك الخاسرة، ولن أهتم بمن يتهمني بالأنانية وحب الذات.
بعد فترة وجيزة.
عند هالة:
خرجت هالة من الحمام، لترى فريد واقفاً بجوار الباب ومتكئاً على الحائط. وحالما لاحظ طلوعها تقدم منها متأملاً ملامحها الناعمة التي شابها شحوب طفيف بعد أن غسلت وجهها بالماء البارد عدة مرات لتمحو آثار البكاء. لكن عينيها الزرقاوين كانتا كالنافذتين الشفافتين تعكسان له مدى ضيقها من الذي حدث منذ قليل. وما شاهده حين خرج من باب المستشفى عازماً على الذهاب إلى منزله، إلا أنه وقف متردداً في التدخل حتى رآه يسحبها بالقوة من ذراعها. حينئذ لم ينجح في السيطرة على حاله وهرع نحوهما تلقائياً.
أفاق فريد من أفكاره محمحماً بهدوء:
أنتي كويسة؟
أجابت هالة بصوت رقيق، متجنبة النظر إليه:
الحمدلله تمام.
طيب اتفضل.
حدقت هالة في يده الممدودة بفنجان القهوة، قبل أن ترفض بأدب:
دا بتاعك.. شكراً!!
لم ينكر استنتاجها، بل فضل عدم إخبارها بأنه أرسل إحدى الممرضات خصيصاً لإحضار القهوة لمساعدتها على الهدوء. ليخبرها بحزم حنون:
امسكي.. انتي محتاجاه أكتر مني.
فريد بمرح:
ماتقلقيش، ماشربتش منه ولسه سخن لحسن حظك.
أمسكت به بين يديها، قائلة بضحكة ناعمة أبرزت جمالها الهادئ:
شكراً.
أغمضت هالة عيناها، بينما ترتشف منه قليلاً مستحسنة مذاقه، قبل أن تستمع إلى رنين هاتفها في جيب معطفها الطبي. لكنها فضلت تجاهله، إذ ليس لديها الآن القدرة على الرد على أحد. وهذا ما استشعره، مما جعله يقترح عليها بلباقة:
تحبي نقعد في الكافيتريا شوية، وبالمرة تعزميني على قهوة تانية؟
أثناء ذلك.
داخل غرفة أبريل بالمستشفى:
قاطع باسم تحليل أفكارها، وقبل أن تدرك أي شيء، وجدته يندفع مثل السهم الناري نحو مصطفى بعد أن تخلى عن آخر ذرة من سيطرته على أعصابه، مسدداً له لكمة قوية أطاحت بفكه إلى جانب الآخر، وهو يجلجل بلكنة غاضبة:
ودي مني عشان تهدد كويس.
دا انت طلعت مش بس بتعرف تاخد البنات على خوانة يا ابن الشندويلي؟!
قال مصطفى مستهزئاً بغضب متألم، وهو يمسح الدم من فمه بطرف إبهامه. وبحركة خاطفة رد له الضربة بقوة فتأوه الآخر من شدة الألم بأنفه. في حين جحظت عيناي أبريل بذعر وهي ترى هجوم كلاهما على الآخر بغل وشراسة، لتتحرك نحوهم بحذر.
حاسبي يا أبريل، ماتقربيش، خليكي بعيد.
صاح يوسف بهذه الجملة، مشيراً إليها بعدم الاقتراب.
بس كفاية، هتلموا علينا الناس.
في خضم صراعهم، تلقى يوسف نصيباً من الضرب، وهو يُقحم نفسه في هذه الفوضى العارمة وسط إهاناتهما اللاذعة المتبادلة، وصرخات أبريل المرتعبة، التي تراجعت في إحدى زوايا الغرفة، قبل أن ترى اندفاع عز الدين الذي هرول تاركاً والدته واقفة مع ريهام وسلمى تنتفض قلوبهم فزعاً من الأصوات العالية في الداخل.
في اللحظة التالية، نجح عز ويوسف في فض الاشتباك بصعوبة، بينما حاول باسم التخلص من ذراعي عز، مشيراً لمصطفى بسبابته في تحذير، وهو يصيح بصرامة غاضبة:
دي حاجة بسيطة من اللي هتشوفه على ايدي إذا اتعديت حدودك تاني واتعرضتلها بحرف يا خسيس.
ردت كلمات مصطفى النارية بصوت حاقد عليه:
وأنا أقسم بعزة وجلالة الله ما هسيبك إلا لما أدفعك تمن اللي عملته دا غالي يا *****.. وساعتها مفيش مخلوق هيرحمك من اللي هعمله فيك.
احتدمت ملامحه بنظرة ازدراء من رماديتيه القاسيتين، هاتفاً بصوت حاد متحفزاً للانقضاض عليه مجدداً:
شكل لسانك واخد على التهديد وخلاص.. لاخر مرة هحذرك، بلاش تختبر صبري.
انقطعت كلمات باسم، تزامناً مع صوت الباب يغلق بقوة، ليلفت انتباه الجميع. أعقبه زمجرة صلاح بصوت عال وهو يردد محذراً:
هيطلبولنا الشرطة لو ما وقفتوش شغل البلطجية اللي بتعملوه في بعض دا؟!
اشتدت لهيب أنفاسه الحارقة، وهو ينفض يدي يوسف عنه، ويزمجر منذراً إياه بحدة:
حساب ابنك تقيل معايا أوي يا صلاح.. وكلمة منه كمان أقسم بالله مش هبقى ضامن نفسي.
ارتفعت زاوية فم باسم بابتسامة ساخرة، وهو ينظر إليه بتحدٍ سافر، مما جعل نبيل يتدخل في النقاش الذي دلف بعد صلاح بقليل مناشداً صوت العقل برأس ابنه:
صلي على النبي يا مصطفى.. عصبيتك دي أنت أول حد يضر منها. يلا خلينا نطلع من هنا قبل ما نبقى فرجة للناس أكتر من كده.
صلاح بوقار وثبات:
نبيل.. من فضلك هات ابنك وهنخرج نتفاهم برا ونحل الموضوع.
مفيش تفاهم.. والاهانة اللي حصلت دي مش هتعدي مرور الكرام.
ما إن انتهى من كلامه المليء بالامتعاض، حتى خرج من الغرفة بعد أن حدق بها بسواديته الملتهبة بنيران الغضب في لحظات مرت كالدهر عليها، بسبب شدة خوفها منه.
في ذات الوقت.
في كافيتريا المستشفى:
وضعت فنجان القهوة الفارغ على الطاولة، وفركت جبهتها منهكة من قلة النوم. ليسألها بعذوبة:
أطلب لك قهوة تانية؟
رفضت هالة بلطافة قبل أن تعرب عن خالص شكرها:
لا ميرسي أوي.. وشكراً على اللي عملته.
منحها ابتسامة عذبة قبل أن يرد بصوته الواثق:
مفيش داعي للشكر، القصة بسيطة.. بس مقدرتش أفضل واقف بتفرج، خصوصاً إن الممرضات عينهم كانت عليكم.
انشغلت هالة في التفكير بكلامه الذي ملأ صدرها بالضيق، ثم قالت بسخرية مريرة:
حقهم يكلموا.. مش حدث هيحصل كل يوم إن دكتورة تتخطب بليل وتفسخ خطوبتها تاني يوم الصبح.
التمع الإعجاب في عسيلته برقتها المعهودة التي سرقت لبه، بينما زرقاوتيها الغامرتين بحزن، جعلت شرارة من الجحيم تنفث لهيبها في صدره. فنفض من ذهنه تلك الأفكار، متحدثاً بجدية تليق به:
طالما مقتنعة باللي عملتيه خلاص.. كدا كدا الناس هتتكلم.
هزت هالة رأسها تأييداً، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، فمسحتهما بسرعة قائلة بصوت منخفض:
فعلاً.. بس جايز عيبنا إننا مش بنقدر نعترف إننا فشلنا، وهو دا سبب محاولتنا الكتير في حاجة عارفين نتيجتها كويس، بس مع ذلك عمالين بنحاول. جايز حاجة تتغير.
تحولت أفكار فريد تلقائياً إلى خطيبته، التي استمر في محاولات عديدة معها لتغيير أفكارها، لكن لم يفلح في ذلك. فزفر الهواء بقوة وهو يمسد بأصابعه على عينيه المنهكتين قبل أن يهمس بخفوت:
مفيش إنسان بيتغير إلا إذا كان القرار نابع من جواه هو.
فريد.
تصلب فريد مكانه للحظات قبل أن يرفع رأسه إلى مصدر الصوت الناعم الذي ينادي باسمه، ليجد أنها قد خرجت من أفكاره، متجسدة أمامه بهيئة باكية، مصحوبة بكلماتها المتقطعة وهي تلقي بنفسها فجأة بين أحضانه، متشبتة برقبته بكلتا ذراعيها، مرددة ببكاء:
حبيبي.. أنت كويس.. جرالك حاجة!!
انتصب واقفا من مقعده قبل أن يتساءل بدهشة:
هدير!! أنتِ جيتي هنا إزاي؟
ارتمت بأحضانه على حين غرة متعلقة بكلتا ذراعيها في رقبته، مرددة ببكاء:
أنا خوفت أوي.. كنت هموت من الخوف عليك أوي يا فريد.
تشنج جسد فريد بتوتر من فعلها الجريئة، خاصة عندما اتجهت الأنظار إليهم، فوضع يديه على ذراعيها ولإنزالهما من رقبته برفق.
مررت هدير يدها على ذراعه المصابة دون قصد فصدرت عنه تأوهاً متألماً:
آه.
ابتعدت هدير سريعاً عنه فوراً، وهي تقول بفزع، وكل خلية فيها ترتعد خوفاً عليه:
سوري والله.. آسفة خالص، إيدك بتوجعك؟
أجاب فريد بابتسامة ممزوجة بقلة حيلة، وهو يربت على خدها الناعم:
خلاص اهدي اهدي، أنا كويس قدامك مفيش حاجة.
لعقت هدير طرف شفتيها بتوتر قبل أن تنبس بصوت خجول ممتزج بالندم:
ماتزعلش يا فريد.. دي آخر مرة هزعلك فيها.. أنت ماتعرفش خوفت عليك.. مش هقدر أتحمل يجرالك حاجة بسببي.
متخافيش، جت سليمة دك...
أدار فريد رقبته بتلقائية فوجد مقعد هالة خالياً، فحرك نظره في أرجاء المكان، ولم يجد لها أثراً، بينما كانت هالة منذ عدة دقائق تشاهد ذلك المشهد في صمت تام رافضة إصدار أي صوت حتى لا تقاطعهم. وهناك شعور بالحسد والحزن يرتجف في وجدانها، لوجود هذه الفتاة اليافعة مع شخصية مثل فريد مزجت بين الرصانة والحنان، لتشعر بالحرج وهي تنهض بهدوء شديد، تغادر الكافتيريا قبل أن يلاحظوها.
قرأت هدير بعينيها الحيرة على وجهه، لتستفهم بتساؤل:
في حاجة؟
هز فريد رأسه نافياً، وتمتم بخفوت:
ها.. لا مفيش.
بعد مرور بضعة دقائق.
كانت إبريل تجلس على السرير، شاحبة الوجه، مطرقة رأسها إلى الأسفل، وتتساقط العبرات من عينيها لا شعورياً نتيجة انزعاجها وقهرها المتزايدين من تفاقم الوضع الذي أوقعت نفسها به، بالإضافة إلى ثورة مصطفى في النقاش الذي تحول إلى معركة دامية. لكن ما أزعجها حقاً هو انهيار أعصابها أمام الجميع الذين يتأملون في ضعفها الآن. في حين من الصعب عليها أن تخلو بنفسها، وكم كرهت هذا الشعور بشدة.
ماتعيطيش يا أبريل.. خلاص أونكل مصطفى مشي.
أيقظها عمر من أفكارها حالما ربت على ركبتها بمواساة بريئة، لتبتسم له بمرارة تسري كالسم في خلاياها، وهي تمسح دموعها بكفيها، تزامناً مع انتباه باسم محدقاً بها بحاجبين عابسين.
اجتاحه شعور بالانزعاج بمجرد أن رأى وجهها الباهت بهلع. لم تشعر بقدميه تقتربان منها بسرعة خاطفة، إذ فوجئت به يضع أطراف أصابعه تحت ذقنها، لتجحظ عيناها الحمراوان بدهشة وديعة بعد أن رفع وجهها إليه.
التقت نظراتها الواهنة بعينيه التي تتلألأ ببريق غامض، لعدة ثوانٍ متأملاً بحبات اللؤلؤ المتناثرة على وجنتيها، ثم صعد بإبهامه يمسحها برقة بالغة. أثارت هذه الحركة البسيطة مشاعر دافئة تغلبت على البرودة التي كانت تسيطر على كيانها منذ لحظات.
انفرجت أبريل شفتاها المرتجفتين، وتجمدت عيناها على خط الدم المتدفق من فمه، واغتال قلبها شعور بالذنب، لتكسر الصمت منتفضة، وهي تشير إليه بصوت مذعور يرافقه بحة طفيفة:
انت كويس؟ في دم.
رفع باسم أصابعه تلقائياً، وتحسس زاوية فمه، عاقداً جبهته وهو ينظر إلى قطرات الدم على إصبعه، مهدئاً إياها بهمس:
ماتقلقيش، أنا كويس، دا جرح صغير.
قاطعت ريهام التواصل البصري بينهم فور أن أدخلت نفسها بسرعة في الحديث، ناطقة باهتمام، وعيناها الحادتان تشعان بالغيرة:
إيه هو اللي صغير؟ شفتك شكلها اتفتحت.. خلينا نطلع نشوف دكتور يشوفك أحسن.
أومأت أبريل تأييداً لذلك الاقتراح، تزامناً مع التقاطها أحد المناديل من داخل حقيبتها، وسلمته إليه فوضعه على فمه دون أن يظهر على ملامحه تعبير محدد أو شعور بالألم، ثم تمتم بعد برهة:
هروح أغسل وشي.. وهبعتلك الدكتور يشوفك قبل ما نمشي.
عجبك الحال دلوقتي؟! الكل وقع في بعضه من وراكي.. وجبتي الأذى لينا كلنا.. ياريت تبقي مستريحة دلوقتي.
أطلقت ريهام هذه العبارة باستهجان بغيض، بمجرد خروج باسم من الغرفة بهدوء. وبالفعل نجحت في إصابة مشاعرها المحطمة بنجاح، مستغلة كونها الآن بلا حماية، وفي أكثر لحظاتها ضعفاً.
راقبت ريهام بابتسامة داخلية خبيثة تغضن حاجبي أبريل بتجهم صامت، وأشاحت بوجهها جانباً بمشاعر مختلطة بين الذنب والعذاب الذي يغلي مثل المراجل بداخلها.
خلال ذلك الوقت.
عند مصطفى في استراحة الزوار بالمستشفى:
مش ماشي من هنا.. إحنا لسه ماتحاسبناش وأنا مابسيبش حقي يبات برا يا باباي.
يجلس مصطفى بإصرار كبير، وما زالت الصدمة تكتسح كل أفكاره. ليضع والده يده على كتفه ثم قال برزانة:
اسمع كلامي يا بني، حاول تتمالك نفسك، أنت مش في وعيك من العصبية.
صدح صوت صلاح الذي تساءل بصوت وقور شامخ، وخلفه يقف فهمي بملامح متوترة:
ممكن تتفضلوا معانا، خلينا نروح أي مكان نقدر نتفاهم فيه بشكل هادي.
نبيل برفض:
ماظنش إن الوضع دلوقتي مستحمل أي نقاشات يا صلاح.
خرج مصطفى من أفكاره المظلمة، ووجه حديثه لصلاح بنبرة غريبة مليئة بالرغبة في الانتقام:
ابنك النهارده الحظ في صفه، اتكتبله عمر جديد.. بس ماتنساش تفكره إنه لعب في عداد عمره يوم ما اتعدى على حاجة تخص صعيدي دمه حر مابيسيبش حقه لو ليوم الدين.. يعني سكوتي عليه مش هيطول زي ما انتو فاكرين.
ضاقت عيناه عليه بتركيز قبل أن يقول بثبات:
تهديدك دا أنا مش هحسبه عليك عشان مراعي موقفك يا مصطفى.. بس أنت متأكد إني مش هقف قليل الحيلة ولا هرحم اللي يتجرأ يمس ابني.
رأى صلاح عبوس مصطفى يطغى على ملامح وجهه الصلبة، فتجاهله وتابع بلهجة ذكورية صارمة:
وبنت فهمي تعتبر زي بنتي بالظبط.. واللي حصل منك غلط كبير في حقها وكل اللي هنا وأول أبوك متأكدين من كدا. من أول خطوبتك ليها وهي ماتعرفش إنك متجوز لحد ما جيت لعندها هنا تهددها وسطنا كلنا وما احترمتش لا كبير ولا صغير، ودي لا أخلاق ولا أصول الصعايدة.
أردف صلاح بتساؤل:
ولا أنا غلطان يا نبيل؟ وأنت فهمي؟
تكلم نبيل بتأييد جاد:
عداك العيب في كلامك يا صلاح، وإحنا مدينون ليك يا فهمي على اللي حصل من شوية.
أومأ له صلاح بالموافقة قائلاً بجدية:
وشهادة حق اتحاسب عليها قدام المولى عز وجل. ابني طلب إيد بنت فهمي قدام الناس وهي رجعت لأبوها وكبرته.
سارع فهمي بالتحدث مبرراً:
وأنا لا وافقت ولا رفضت الموضوع.. إحنا كنا هناخد وقت نفكر حسب الأصول، لكن كلنا اتفاجئنا باللي كان مكتوب النهارده.
كان مصطفى يتابع النقاش بصمت تام، وبملامح غير مقروءة.
استأنف صلاح كلامه بتنهيدة عميقة:
قصره اللي حصل حصل.. احسبها كويس يا مصطفى، أنت مش هتتجوزها بالإجبار. إذا عايز ماتطلعش خسران كل حاجة.. تطلع للصحافيين برا تنفي وتكذب خبر خطوبتك بالبنت فوراً وتقول إن كل دي إشاعات من المنافسين وإنها قريبتك من بعيد وبس. وإحنا هنتخذ كل الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عن الإشاعات السيئة اللي طلعت عليهم.
انتفض مصطفى واقفاً، يعلو وجهه إمارات الغضب هادراً بشراسة مصحوبة بالاستنكار رافضاً الاعتراف بخطئه:
إيه السهولة اللي بتتكلم بيها دي يا صلاح.. أنت فاهم بتطلب مني إيه؟!
أنهى جملته بزمجرة عنيفة، ليقابل صلاح على هذا السخط الناري ببرود تام، واضعاً يديه في جيوبه بطريقة متعالية، ناظراً إليه بتحدٍ.
قطع نبيل حرب التواصل البصري، حالما تحدث بصوت حاسم وغير قابل للنقاش:
مصطفى، أنا مع صلاح في كل اللي قاله دا الصح، ومفيش حلول غيره. هي مش عايزة تكمل، هي حرة في قرارها، بس دلوقتي سمعتها هتدمر بسببك. وفي الأول والآخر الغلط كان عندنا كلنا اللي طوعناك. هي مالهاش ذنب. وإذا مش هتنفذ اللي اتقال، يبقى أنت مابتكبرنيش وبتعصي كلامي.
بعد مرور ساعة.
غادرت أبريل المصعد مع عائلتها، وقبل أن تتمكن من الذهاب خلفهم، أوقفها صوته قائلاً بنبرة هامسة غامضة بالقرب من أذنها:
ما تصوتيش.
خرجت شهقة من شفتيها عندما حملها بين ذراعيه بخفة، وبحركة عفوية تشبثت برقبته، غير مصدقة تصرفه غير المتوقع، قبل أن تغمغم باعتراض خجول:
انت.. وبعدين في حركاتك دي.. نزلني، هو أنا رجل مكسورة؟
في إيه؟ أنتِ كويسة يا أبريل؟
انفرج فاها استعاداً للرد على سؤال يوسف، لكن أسكتتها على الفور نظرة تحذيرية من رماديتيه، وأجاب بدلاً منها:
دايخة ومش قادرة تمشي.
أبريل بنفي هامس، وهي تراقب ابتعاد أخيها مع سلمى:
على فكرة قادرة أمشي.. نزلني.
استهزأ باسم بامتعاض، وهو يسير بها بخطوات هادئة:
أنتي وش فقر.. دا أجمد ست تتمنى تبقى في مكانك.
غمغمت أبريل باغتياظ من غطرسته المفرطة:
عليك وعلي أجمد ست بتاعتك.
باسم باستنكار:
هو أنتِ لو سمعتي الكلام مرة واحدة من غير مناهدة هتموتي محروقة؟
سخرت أبريل بعفوية:
وهو أنت بقي كيف عندك تحرجني قدام الناس؟
التوت شفتي باسم في ابتسامة مستمتعة بغضبها بلا رد.
في هذه الأثناء.
كان صلاح يتحدث بلهجة رسمية، وملامحه تنضح بالجدية، مخاطباً مجموعة من الصحافة والإعلام:
أظن اللي انتو شايفينه يغني عن ألف كلمة ممكن تتقال في الموقف دا.. الباشمهندسة أبريل تبقى خطيبة ابني باسم وبعد شهر من دلوقتي هنعمل خطوبة بشكل رسمي.. وكمان قدامكم بنفسه رجل الأعمال مصطفى الترابلسي اللي بيكون قريب مرات أستاذ فهمي الهادئ.. وأظن مجرد حضوره في نفس المكان يأكدلكم إن كل اللي اتنشر كان إشاعات ملهاش أي أساس ومفيش علاقة صلة بينه وبين الباشمهندسة أبريل غير قرابة واحترام وبس، وإحنا هنتخذ كل الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عن الإشاعات السيئة اللي طلعت عليهم.
عند باسم.
وصل باسم بها إلى السيارة، وأنزلها بهدوء على الأرض، وقبل أن تدرك ما يفكر فيه، وجدته وضع ذراعه حول كتفيها، وجذبها بالقرب من حضنه. فرفعت وجهها بسرعة محدقة بملامحه الهادئة بامتعاض، لتهمس باعتراض:
إيه الجنان اللي بتعمله؟ مقرب مني كدا ليه؟!
عشان نوثق اللحظة بسيلفي، يلا اضحكي عشان الصورة تطلع حلوة.
أتبع جملته بغمزة شقية بإحدى عينيه، لتظهر على شفتيها ابتسامة بعدم تصديق لما قاله.
التقط لهما عدة صور باستخدام الكاميرا الأمامية للهاتف، وبعفوية أسندت رأسها على كتفه بقلة حيلة وخجل من نظرات الناس من حولهما.
على الجانب الآخر.
توقفت سيارة أجرة أمام المستشفى، وترجل منها أحمد، وما إن هم بعبور الشارع حتى ثبتت عيناه في دهشة مصدومة من ذلك المشهد العاطفي أمام سيارة باسم، مما جعل جمرات الغيرة تشتعل في صدره بضراوة، عند رؤيتها تقف بين أحضان نفس الشاب الطويل الذي جمعتها به صورة على موقع التواصل الاجتماعي.
اهتزت حدقتاه بتوتر، ووجهه محتقناً بالغضب، لا يعرف ماذا يفعل. يحاول ضبط تنفسه الثائر، مانعاً رغبته في الذهاب إليهم حتى يدق عنق ذلك الوغد بمنتهى القسوة، دون أن يبالي بأي شيء آخر، لكنه توقف فور أن رأى ما حدث في اللحظة التالية.
قبل دقائق بسيطة.
تساءل يوسف بسخط مستنكر:
دا واخدها على عربيتهم ليه دا.. إيه هنسيبها تركب معاه بعد دا كله ولا إيه؟
نهره فهمي بصوت منهك ناقم:
سيبه يا يوسف، أنت مش شايف العين علينا، هو حالياً خطيبها، يلا اركبوا خلصوني في اليوم دا.
نظرت ريهام إلى والدها بعدم رضا، لتتحدث بهمس شقيقها:
روح أنت اركب معاهم يا يوسف.
هز يوسف رأسه معارضاً إياها بلهجة حادة:
أنا مش هطيق أركب مع الجدع دا في عربية واحدة، ممكن أرتكب جناية فيه.
زفرت ريهام بتبرم:
خلاص روح، مافيش منك راجل يا أخي.. عمر حبيبي تعالي.
امتثل الطفل لأمرها بهدوء، فانحنت وهمست في أذنه ببعض الكلمات، حتى وافق بإيماءة من رأسه في حماس، فابتسمت له بخبث شديد.
عند أبريل.
تمكنت أبريل من الإفلات من قبضته، وعقدت يديها بعناد على صدرها:
لحد هنا وبس، ركوب معاك لوحدي مش هيحصل.
أشار باسم بإهمال، وهو يخاطبها بفظاظة مستفزة:
أهي عندك عربية أبوكي، روحي اركبي معاهم واستحملي كلامهم طول الطريق.
نظرت إليه بضيق شديد، وهي تنفخ خديها بتذمر طفولي.
أبريل.. أبريل.. عايز أروح معاكو ممكن!!
حملق بها الطفل الصغير ببراءة، فابتسمت له ابتسامة عريضة، شاكرة إياه سراً على أنه أنقذها من هذا الوضع الصعب مع هذا الذئب المتلاعب، وأطلقت تنهيدة ارتياح، مرددة بصوت ينضح بالرقة:
خلاص هركب معاك أنا وعمر.
إحساس غامض مفعم بالضيق سيطر عليه حينما رأى مدى ارتياحها لفكرة عدم وجودها معه بمفردها، وكأنه سيرتكب جريمة بشعة ليؤذيها بها.
بالرغم من أنه يطمح إلى بث بعض الطمأنينة بداخلها، خاصة بعد أن شعر بتوترها ورعبها، الذي حاربت لإخفائه بمهارة خادعة خلف تلك النظرات المحتقرة المتحدية لمصطفى، لم يستطع حينها إلا أن يهجم عليه بعنف شرس يتنافى مع طبيعته اللامبالية، ليكسر حلقة التهديد المروع في قلب تلك الهرة المرتعدة خلف ظهره تحتمي به متجاهلة جميع من في الغرفة.
ربما هذا السبب فعل زر الحامي في أعماقه من أجلها، دون أن يترك لنفسه أي مجال لترجمة مشاعره الغريبة غير المفهومة.
انتزع نفسه بسرعة من هذه الأفكار، وهو يتجه إلى الجانب الآخر من السيارة، ويتمتم من خلال أسنانه المطبقة:
طيب يلا اركبوا وامري لله.
انطلق باسم بسيارته تحت أنظار أحمد الذي كان يرمقهم بنظرات حادة قاتلة، وبعنف تتخللت أصابعه في خصلات شعره الناعم، مدمدمًا بألفاظ نابية، ثم أوقف سيارة أجرة ليتبعهم.
في المنصورة.
داخل منزل والدة نادية:
أنا عايزة أطلق يا مرجانة.
هتفت نادية بهذه العبارة فور دخولها المطبخ حيث كانت والدتها واقفة، التي همهمت بلا مبالاة:
معلش يا نادية.
صاحت نادية بصوت منفعل:
هو إيه اللي معلش يا ماما؟ هو أنتي سمعاني أصلاً؟
استمرت مرجانة في تحريك محتويات الطبخة فوق النار، وهي تقولها ببرود وملل:
أطرشت من كتر ما سمعت منك الجملة دي. كل مرة ينزل فيها إجازة وبعد دقيقتين بترجعي في كلامك.
عبست نادية بضيق معارضة إياها بصوت مقهور:
لا المرة دي غير كل مرة يا ماما، أنا هاخد موقف.. دا سايبني أنا أتحرق هنا وهو دلوقتي معاها. هو فاكرني إيه؟ من جبس؟
لطمت مرجانة على خدها، وهي تهمهم باستياء:
يا خيبتك في بنتك يا مرجانة، عقلها سرح منها خلاص.
أجابت نادية بنبرة مرتعشة، ودموعها تنهمر في هزيمة منكسرة، واضعة يدها على صدرها:
أنا قلبي تعبني أوي يا ماما، خلاص حاسة إني هموت ونفسي بيروح من قهرة قلبي.
أطلقت مرجانة تنهيدة مليئة بالأسف، وهي تخفض الحرارة على الطعام قبل أن تتجه إليها، وتربت على ظهرها بتعاطف، وهي تسير معها إلى غرفة المعيشة لتقول بحزن:
كان مين غصبك على العيشة دي يا نادية؟ ما أنا ياما قولتلك يا حبيبتي اطلقي منه وخذي معاش أبوكي الله يرحمه وعيشي بيه أنتِ وبنتك معززة مكرمة هنا.
جاورتها مرجانة على الأريكة، تثني إحدى ساقيها تحتها وهي تصر على أسنانها، قائلة بنبرة ذات مغزى:
بس الأول ابقي مالية إيدي منك.. مش تعملي زي كل مرة وتجري عليه زي الخايبة.
انتفضت نادية بتسرع:
لا والله المرة دي غير كل مرة والله العظيم.
تقوس فم مرجانة بابتسامة ساخرة، ووضعت كف يدها على خدها تنظر إليها بتفحص:
اهي هي الجملة دي.. كل مرة تجيلي غضبانة وبتاكلي في نفسك وتقعدي تسخني فيا.. لحد لما السكر والضغط يعلوا عليا.. ومع أول مكالمة منه يطمن على بنته كمان مش عليكي.. بتقومي تاخدي بعضك وترجعيله.. حصل ولا محصلش؟!
استدارت نادية في جلستها، وهي تفرك كفيها ببعضهما، قائلة في اعتراف مليء بالخجل من نفسها:
حصل.. حصل.. بس يعني هو ذنبي إني بحب جوزي وباقية عليه يعني يا ماما؟
أنهت كلامها بمرارة، ثم انفجرت في البكاء المرير، وتساقطت دموعها الحارقة على خديها.
ربتت والدتها على كتفها بضيق مقهور:
يا حبيبتي مش عيب الست تحب جوزها وتموت في التراب اللي بيمشي عليه كمان وتعمل كل اللي يرضيه.. بس لازم تبين قدامه شوية كرامة عشان ما يستهيفهاش زي ما بيعمل دلوقتي فيكي.. اهو راح يشوف بنت خالته اللي الكل عارف إنها لسه مشعشعة في نفوخه ولا سأل فيكي يا بنت الخايبة.
حدقتها نادية بنظرات جاحظة، وتذمرت بنبرة متحشرجة بالبكاء:
هو انتي كدا كل ما أجلك تقعدي تقطمي فيا وخلاص.. معرفش حظي ماله مقندل كدا ليه معاكو كلكو؟!
لكزتها مرجانة في كتفها مغتاظة من سلبية ابنتها، لتردد بصوت متهكم:
حظك ما كانش في أحسن منه يا بنت بطني.. أنتِ اللي ميلتي بختك بإيدك يا أختي فاكرة ولا نسيتي؟
واصلت حديثها بعتاب، وهي تهز الطفلة الباكية مثل أمها على قدميها:
ولو نسيتي أنا هفكرك يا بنت مرجانة.. كام جدع ما فيهوش غلطة اتقدمولك وكنتي بترفضيهم.. أنتِ اللي قبلتي تتخطبي لواحد وإنتي عارفة إنه جاه يخبط على بابك كيد في بنت خالته.. بس أنتِ اللي قولتي أنا موافقة على دا يا ماما أنا بحبه يا ماما وما صدقت إنه طلبني للجواز وهخليه يحبني بعد الجواز.. وادي آخرتها قاعدة بتتلوني عشانه في مية شخصية وشكل كل مرة بينزلك فيها من الكويت عشان تملي عينه وأول ما عرف إنها ما بتردش سابك وجري عليها عشان هي كرفته ومش معبره.
عقدت نادية جبهتها في انزعاج، ورغم أنها اعترفت بصدق حديثها، إلا أن قلبها يسكنه سلطان واحد، وهو الأمر الناهي في دقاتها، بينما لوت مرجانة شفتيها إلى الجانب، وأضافت بنبرة حادة غير راضية عما تسمعه:
أنتِ اللي رضيتي بالقليل عشان بتحبيه، عملتي نفسك طرشة عشان ماتسمعيش البنات وهي بتكلم في فرحك وبتقول دي خطفت خطيب صاحبة اختها.
خرجت من شفتيها تنهيدة حارة أعقبها صوتها المبحوح:
لازمتها إيه بلاعة الذكريات اللي فتحتيها لي دي يا ماما.. يعني بذمتك أنا ناقصة، مش كفاية حرقة دمي وبتحرقي دمي زيادة.. أنا جايلك عشان تطبطبي عليا وتبردي نار قلبي شوية مش عشان تقومي حريقة في قلبي كدا وتيجي عليا.
لكزتها مرجانة بقسوة في خصرها قبل أن تصيح بسخط:
افهمي يا حمارة يا بنت الكلب.. اللي بياكل سكر على طول نفسه بتجزع، وطول ما أنتِ مدلدقة حنان واهتمام كدا وفاكرة إن دا هيلزقه فيكي تبقي هبلة.. أوقات الراجل يحب اللي تتقل عليه بس بدلع.. تنشغل عنه بحاجة مايعرفهاش وتبطل تجري وراه.. ساعتها بيبقى هيجنن ويعرف إيه اللي مركزة فيه ومش شايفاه وهو قدامها.. بس أنتِ بطريقتك دي مخلياه يتمرع عليكي وهيفضل يبيع ويشتري فيكي وممشيكي على مزاجه هو. عمال يروح ويلف على كيفه كدا.. وهو ضامن إنه هيرجع يلاقيكي على حالك مستنياه.. يا ما قولتلك خليكي معاه زي الميزان، اظبطي إيدك وايدلو كل حاجة بمقدار.. لا تجوعيه لحد ما يموت ولا تشبعيه لحد ما يفطس منك.
شهقت نادية بعفوية، وهي تتمتم بنبرة مذعورة:
بعد الشر عنه يا ماما.
رمقتها مرجانة بعينين جاحظتين من الصدمة، وهدرت بنبرة غاضبة:
يخربيت أمك يا بت المجنونة.. جننتيني معاكي.. اتنيلي خدي البت نامت وخليني أشوف الأكل اللي على النار.
في نفس المنزل.
اعتدلت أبريل في جلستها على سجادة الصلاة بعد أن أدت صلاتها بخشوع، ثم فتحت مصحفها الصغير، وبدأت في القراءة وعيناها المتضرعتان ممتلئتان بالإرهاق حتى شعرت بالطمأنينة والراحة تتسلل إلى صدرها.
بعد مرور بعض الوقت، قامت من مكانها، ونزعت عنها الإسدال.
سارت أبريل حافية القدمين، مرتدية بيجامة ذات لون سماوي بأكمام قصيرة مصنوعة من قماش خفيف، وهي تتأمل بفيروزيتيها، وتتفحص غرفة الضيوف التي أعدتها لها زوجة أبيها سلمى.
خرج زفير عميق من شفتيها، وهي مستلقية على السرير تضم شال جدتها الحبيبة إلى أحضانها بمزيج من الاسترخاء والهدوء، لتشرد في التفكير بأحداث اليومين الثقيلين الأخيرين، بكل ما حدث فيهما، منذ لحظة خروجها من المنزل هاربة وصدفة لقائها بهذا الذئب الباسم، مروراً بزيارة مصطفى في المستشفى، وما فعله باسم لأجلها اليوم، أقنعت نفسها بأن هذا المشهد في غرفتها بالمستشفى كان مجرد عرض في مسرحية من إخراجهما معاً، وتعترف بأنه تفوق على نفسه في لعب دور العاشق والحامي لحبيبته، ثم اختتم اليوم بالظهور غير المتوقع لأحمد قبل عودتها إلى منزل والدها.
رواية جوازة ابريل الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورهان محسن
مرت سنوات عديدة قارنتها بحماقة بالنساء اللواتي عرفتهن، النساء اللواتي خذلنك، والنساء أولئك الذين خذلتهم. لقد فات الأوان لإدراك كم كانت مختلفة، وكم كان حضورها يغنيك عن جميع النساء الأخريات. مرت سنوات وأنت تفكر مراراً وتكراراً كيف فقدتها ولماذا رحلت، وتبحث عن مبررات لهجرانها لك، ثم تتهمها بالجبن والخيانة رافضاً الاعتراف بأن السبب الحقيقي هو أنت وأنك كنت ضعيفاً، أضعف من أن تحتوي امرأة بجنونها وحنانها. تقف الآن مندهشاً أمام امرأة ذات ملامح صلبة. بالماضي كنت ترى ملامحها في وجهك، وضحكتها على شفتيك، وعيونها تتألق في عينيك. كيف يمكنك الآن هزيمة حصونها المنيعة؟
***
في المنصورة
عند أحمد في منزل زينب
"يعني إيه راحت لأمها من غير ما تعرفني؟ إزاي تخرج برا بيتها منها لنفسها كدا تستأذني؟"
زمجر بغضب وبلهجة حادة، وهو يتحرك بين الأثاث في غرفة المعيشة يكاد أن ينفجر أمام والدته التي كانت تراقبه بتوتر. ثم صدح صوتها: "استهدي بالله يا أحمد يا بني، هي برده معذورة."
رفع أحمد حاجبيه مستنكراً كلامها الذي لم يعجبه، معقباً بصوت ساخط: "معذورة إيه وقرف إيه بس؟"
زينب بنبرة معاتبة: "أيوه معذورة، هي واخدة على خاطرها وساكتة وشايلة في قلبها ومابتشتكيش. طبيعي يبقى فاض بيها. عايزها يعني تقعد محروق دمها وهي عارفة إنك رايح ملهوف على ست أبريل يا ابن بطني."
تضخمت عروق حلقة حنقاً عند ذكر سيرتها، إذ كان لا يزال يشعر بالغضب المشتعل في أوردته، كلما ترددت كلماتها المسمومة في فضاء عقله، يضاهي لهيب سيجارته المشتعلة بين أصابعه، قبل أن يرد عليها بقسوة، مدركاً المعنى الخفي وراء كلماتها: "ده مالوش دعوة بده يا ماما، ماتخلطيش الأمور ببعضها. مهما كان السبب، ليها راجل تعرف خط سيرها مش من دماغها تمشي، وده كان بيحصل وأنا مسافر، مش كدا؟"
سرعان ما أجابت زينب على سؤاله بالنفي: "أبداً ورب الكعبة يا بني، دي أول مرة. هي لا بتروح ولا بتيجي، وحتى عدت عليا واستأذنتني. ساعتها حتى خالتك كانت عندي، لو مش مصدق أتصلك عليها وأسألها."
نفث الدخان من سيجارته بضيق، فهذا هو الشيء الوحيد الآن الذي يجعله يشعر بالصبر قليلاً حتى لا يفعل شيئاً سيندم عليه لاحقاً. بينما زينب تابعت برجاء: "بالله عليك سايق عليك النبي وأهل بيته تروح وتراضي مراتك وترجعها لبيتها. ماتسيبهاش مكسورة الخاطر كدا، دي مهما كان مراتك وأم بنتك. أنت لو لفيت الدنيا مش هتلاقي في أصلها ومحبتها ليك."
نبس بنبرةٍ هادئة بعض الشيء، وهو ينهض من مقعده: "هشوف، ربنا يسهل. أنا طالع دلوقتي أستريح من السفر."
سألته بلطف: "طيب يا حبيبي، مش عايز تاكل لقمة؟ اتلاقيك على لحم بطنك."
"ماليش نفس."
***
في غرفة أبريل
كانت أصابعها تعبث بوشاح جدتها الحبيبة، وهي لا تزال مسترخية على ظهرها، وأفكارها تسبح في بحر مظلم. لم تكن تتخيل في حياتها أنها ستقع في فخ كهذا، لتتمركز أفكارها عند اللحظة التي رأته فيها، حيث كان الأمر بمثابة مفاجأة إضافية لصدمات هذا اليوم الطويل. لكن بالنسبة لهذا اللقاء على وجه الخصوص، لم تكن مُستعدة له على الإطلاق، فهي تشعر بإحساس مثقل بالألم يتغلغل في قلبها، وتشكل الدموع الكثيفة سحبًا بلورية فوق عينيها، كلما تذكرت كلماته.
ألم يكن كافياً استنزاف طاقتها وروحها، ليأتي ظهوره ويطيح بما تبقى من صمودها الضعيف، مما يجعل عقلها يستحضر التفاصيل الكاملة لهذا الحدث؟
**Flash back**
منذ بضعة ساعات
داخل سيارة
"بصي لي بزاوية عينك وأنا بسوق، وبعدين أشري لي وأنا أتمتم بنبرة آمرة: اربطي الحزام، اربطي الحزام."
حاولت سحب حزام الأمان من مكانه، لكنها لم تنجح لأن أعصابها كانت متوترة، فقالت بضيق: "مش بيطلع معايا."
"اوعي إيدك."
نبس باسم بهدوء بعد أن أوقف السيارة على جانب الطريق، وانحنى نحوها واضعاً حزام الأمان عليها.
أخفضت بصرها بعد أن حبسها بين ذراعيه، تشعر بمراقبته لملامحها الناعمة بنظرات جعلت نبضها يرتفع من شدة قربه، بينما لم يفوته الشعور بتوترها، ليسألها بهمس رجولي خبيث: "أومال فين أعصابك؟"
رفعت إليه فيروزيتها، وأجابت بصوت منخفض، وعيونها مليئة بالسخرية، لتغطي خجلها: "قطعوا تذكرة هجرة على المريخ من بعد ما شفتك على طول."
ضحك باسم بلؤم: "وزعلانة أكيد عشان مش هتعرفي تحصليهم، وباسبورك تحت إيدي."
دفعته بعيداً وهتفت بغيظ يلوح في نظرتها، بالإضافة إلى لهجتها المستنكرة: "تصدق أنت واحد مستفز."
عاد ليجلس منتصباً في مقعده، مقلماً بغطرسة ياقة قميصه، وهو يمطرها بنظراته الماكرة بعد أن نجح في إغاظتها وإثارة غضبها، وهو ما يروقه جداً.
***
بعد فترة قصيرة، كانا لا يزالان على قارعة الطريق.
"أبريل هاتي تليفونك عايز ألعب عليه جيم."
حدقت أبريل عبر المرآة بأسف، ووجهت حديثها إلى عمر الذي كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة: "التليفون مش معايا."
أدار الطفل عينيه بضجر، ثم مد ذراعه إلى الأمام إلى حيث يوجد مشغل الموسيقى في السيارة، وبسرعة أبعد باسم أصابعه عن الجهاز وهو يحذره ببرود: "عيب يا حبيبي."
تذمر عمر بملل: "زهقان، عايز أسمع حاجة تسليني."
تنهد باسم تنهيدة عميقة تشير إلى مدى إرهاقه، مصاحبة لصوته بالرفض: "مفيش حاجة هتشتغل، أنا مصدع."
ساد صمت قصير قبل أن يقطعه عمر الذي قال: "عايز أعمل التويلت."
باسم ببلاهة: "توليت؟!"
هز عمر رأسه مؤكداً: "أيوه، ودلوقتي حالا."
وجه باسم نظره الحائر إلى أبريل التي كانت تحبس ضحكتها بصعوبة قبل أن يسألها مستاءً: "ما أنت كنت في المستشفى من عشر دقايق، ماعملتهاش هناك ليه؟"
رفع عمر كتفيه، وأجاب بعفوية استفزت حواس باسم: "ماجاش على بالي. يلا بسرعة عشان ما بعرفش أمسك نفسي."
ضرب باسم المقود بغضب، مما جعلها تبتعد عنه قليلاً خوفاً من ردة فعله، بينما نظر إليها بحاجب مرفوع وتمتم بتجهم: "مش طالعلك صوت ليه؟ ماتشوفي حل؟"
لوحت أبريل بيديها في الهواء بارتباك، وهتفت بقلة حيلة: "أصلها مالهاش غير حل واحد. ماتفضلش مصدوم كدا. الحق قبل ما يبدلك العربية."
أحس بالسخرية في لهجتها، حك فروة رأسه بعنف، وتمتم بكلمات غاضبة غير مفهومة، مما جعل أبريل تضع كفها على فمها لتخفي ضحكاتها حتى لا يتفاقم الموقف أكثر.
بعد مرور فترة وجيزة.
تسألت أبريل بذهول، وهي تلتفت إليه: "أنت وقفت هنا ليه؟"
تنقل باسم ببصره خارج السيارة، وهو يجيبها بفظاظة: "بدور على أي زنقة يصرف نفسه فيها."
ضيقت أبريل عيناها باستنكار، وهدرت بتوبيخ: "أنت اتجننت؟ عايزو يعمل كدا في الشارع؟ وعاملي فيها مخرج وشياكة وحركات؟ طلعت بتتصرف زي الكلاب والقطط في الخربات."
اقترب منها لا إرادياً، وهو يشعر بأنه على حافة الجنون، تقلصت ملامحها وهو يزمجر باستياء، مشيراً إلى أنفه: "عايزاني أعمل إيه يعني؟ أنا روحي بقت هنا منك ومش مستحمل أسمع صوت. كفاية اللي استحملته منك لحد دلوقتي، فا لسانك هيطول كمان هـ..."
قاطع عمر تلك المشاجرة بينهما، مذكراً إياهم بتذمر طفولي: "ممكن تتخانقوا وقت تاني، أنا عايز أروح التويلت دلوقتي، هنعمل إيه؟"
نظر إليه باسم بانزعاج، قبل أن يقلب عينيه عليها عندما قالت باحتجاج عنيد يتناقض مع ارتعاشها الداخلي خوفاً من فورة غضبه: "مبدئياً كدا، ماتشوحليش في وشي تاني وإيدك تفضل جنبك لو سمحت. وبعدين، ما الماركات في كل حتة، اقف عند أي ماركت قريب، مش قصة."
تجاهلها متمتماً بإستشاطة: "اللهم طولك يا روح."
***
بعد مرور دقائق
داخل إحدى متاجر التسوق.
دخل باسم عنوة إلى دورة مياه الرجال مع الطفل الصغير بعد مشاجرة كلامية مع خالته صعبة المراس، التي سارت بين الرفوف العالية تتفحص مختلف المنتجات بذهن شارد، حتى سمعت صوتاً ينادي باسمها جعل جسدها يتسمر مكانه بسبب وقع الصدمة، ثم استدارت تزامناً مع حبسها أنفاسها فور أن وجدت حالها تواجه أحمد مباشرة، الذي قال بصوت منخفض أجش: "لسه على عنادك ومش عايزة تتحجبي؟"
مشت بعينيها دون أن تركز على أقواله، وكأنها جاءت من بعيد، وشعرت أن لسانها مقيد من الدهشة التي سيطرت على ملامحها الجميلة. لم تصدق أنها تراه واقفاً أمامها، وهو يطوف ملامحها، وعيناه تلمعان بلهفة، ليتحدث بنبرة تشتعل في ثناياها بنيران حنينه الغامر: "وحشتيني يا توتة.. وحشني كل حاجة فيكي. رغم إن كلك على بعضك مطبوعة بختم من نار جوه قلبي اللي مابيفكرش غير فيكي."
تغيرت ملامحها المشدوهة إلى حجرية، وهي تخرج من عباءة الصمت لتسأل بحاجب مرفوع: "أحمد!!! أنت هنا بتعمل إيه؟"
ظهرت على وجهه ابتسامة ساحرة، وهو يميل رأسه إلى الجانب، وينظر إليها بعمق وشوق كبير، فأضافت أبريل بثقة: "دي مش صدفة، أنت..."
بلل شفتيه بطرف لسانه، ليرد بهدوء: "جيت وراكي من المستشفى على هنا."
عاودت أبريل السؤال، وهي لا تزال تشعر بالريبة نحوه: "وإزاي عرفت مكاني أصلاً؟"
أحمد بإختصار: "اللي شغالين في بيت أبوكي."
أومأت أبريل بفهم، فأردف بإهتمام ممزوج بالحيرة: "أنا اللي عايز أفهم إيه اللي حصلك خلاكي تدخلي المستشفى وإزاي يكتبوا عنك كلام زي ده؟ مين اللي عمل كدا؟!"
زفرت الهواء بتهمل، لتفرغ رئتيها بعد أن أحست بضيق فيها، وردت بنبرة ثقيلة الحروف: "شوية تعب وراحوا لحالهم. وبخصوص المكتوب، بإختصار أنا ومصطفى فسخنا الخطوبة. ومنافسين له هما سربوا الخبر ده بالقصد عشان يبوظوا شغل مصطفى، يعني مجرد إشاعات واتكذبت خلاص."
"مين اللي كان خارج شايلك من المستشفى؟!!!"
طفى غضبها على السطح في سؤالها المتبادل بغطرسة: "وأنت دخلك إيه؟!"
دحرج قلبه داخل فوهة بركان على وشك الانفجار بمجرد سماعه ردها، نفث شيطان الغيرة النار على بارود أفكاره المتضاربة، ليهتف بإصرار شديد: "محدش له دخل بيكي قدي، ومش ده المكان اللي هنناقش فيه كلام زي ده. بس دي النهاية يا أبريل، أنا سبتك براحتك كتير أوي. كفاية لحد كدا، أنتي مالكيش مكان عند فهمي وهترجعي معايا. ابعدي عن القرف ده كله بقى، كفاياكي عناد. إحنا هنتجوز وهعملك فرح ما تتعملش لبنت قبلك، وهتعيشي معززة مكرمة معايا وهحميكي منهم. وإذا على نادية مش هتحسي بوجودها نهائي في حياتنا، أنا بوعدك."
انفلتت منها ضحكة ساخرة، ليعقد حاجبيه بإنزعاج، بينما تقول هي باستنكار: "أنت بناءً على إيه بتخطط وترسم مسارات لحياتي وعايز تنفذها كمان؟ أنت مين قالك أصلاً إني لسه بفكر فيك أو عايزك يا أحمد؟ إحنا انتهينا من سنين."
تلألأ العذاب داخل عدستيه، وقال بصوت مخنوق: "دي جزاتي. ده اللي أستاهله منك عشان بحبك ولسه عايزك يا أبريل."
صرخة رفض مع شعور غريب بالنفور ارتفعت في أعماقها وظهرت في صوتها بمجرد أن هسهست بقوة نابعة من قلب مقهور: "أنت لا عمرك حبيبتني ولا قدرت تعرفني كويس. كل مرة بنتكلم فيها بتأكدلي إنك ماتفرقش حاجة عن أبويا، نفس أنانيته بالظبط."
تنبهت حواسه لحديثها الذي جعل أنفاسه تتضارب في صدره، ولأول مرة يجد صورته تنعكس في عينيها بهذا التعكر والقتامة، نضحت في قولها بصوت زاخر بالخيبة: "ولآخر مرة بقولك ماتدخلش في حياتي بأي شكل. اللي اتخلى عني زمان مستحيل أصدق إنه هيبقى ليا دلوقتي سند."
صعقت من وقاحته بمجرد أن منعتها قبضته من الفرار، فارتبكت أنفاسها أمام نظراته السوداء الغاضبة قبل أن يهسهس بحدة خطيرة: "رايحة على فين؟ إيه الكام سنة اللي عيشتيهم مع أبوكي نسوكي سنين عمرك كله في حضني؟"
***
خرج عمر من المرحاض، وهو يهندم ملابسه قائلاً بابتسامة: "على فكرة أنت عجبتني."
باسم بعدم فهم: "عجبتك في إيه؟"
أخبره عمر بحماس مقلداً إياه: "لما ضربت أونكل مصطفى كنت جامد أوي. بتعملها إزاي دي؟"
باسم بضحكة: "أنت شمتان فيه كدا ليه؟ مابتحبوش ولا إيه؟"
عمر بتعبيرات عابسة: "لا مابحبوش. هتعلمني الحركة دي؟"
ضاق عيناه بشكل غريب من تلك النخزة المفاجئة التي أصابت قلبه بالانزعاج، حاول أن يصرفها بسرعة وهو يداعب شعر الصبي بخفة، ويحثه على الحركة وهو يتمتم بهدوء: "هعلمهالك يا لمض زي خالتك."
***
عند أبريل
سرعان ما استعادت وعيها، وأزاحت يده وارتدت خطوتين إلى الوراء، وقالت بين أسنانها بصوت منخفض لا يسمعه إلا هو: "مش هسمحلك تشقلبلي حياتي، لمجرد إني جيت على بالك فجأة وجاي تشوفني. لأخر مرة بقولك بالذوق امشي من هنا وسيبني في حالي."
تجاهل حديثها بالكامل، وأبرز الضوء على الكلمة الأخيرة، ممسكاً معصمها وهو يتحدث بجنون، لعله ينجح في كسر الجليد الذي يغلف مشاعرها تجاهه: "أنا حالك؟ مين بقي حالك غيري؟ ماتردي مين؟ أنتي ماحبتيش غيري يا أبريل، وبطلي تعملي عبيطة. أنتي متأكدة إني هسيبك بالبساطة دي؟"
أبعدت يده عنها بحدة صدحت في صوتها الهامس: "ممكن توطي صوتك؟ الناس بدأت تتفرج علينا. أنت عايز توصل لإيه باللي بتعمله ده؟"
أحمد بصرامة: "عايزك ترجعي معايا على المنصورة حالا."
أمسكت لسانها في اللحظة الأخيرة حتى لا تشتبك معه، فلا تنقصها فضيحة أخرى، فالفضائح التي تلقتها اليوم كانت كافية لها، لذا أجابت بإستخفاف: "مش كل حاجة هتعوزها لازم تحصل."
ثبتت بجوابها الغامض سكين مسنون بالحيرة على رقبته، لكنه رد بعبوس يشوب ملامحه: "لأ هيحصل. أنا مش هسيبك تاني هنا لوحدك."
"هي مش لوحدها!!"
صدح صوت باسم بارداً من خلفهم، فانقبض فك أحمد بشدة حالما التفت إليه، وهو يشاهد عمر يندفع نحو أبريل، ويقف بجانبها قبل أن يسأل بحدة: "وتطلع مين سيادتك؟ يبقي من قرايب أبوكي؟!"
"باسم."
منعت باسم من الرد بمجرد أن نطقت اسمه بنعومة متعمدة، وأذهلت من نفسها، فلم تتوقع أنها ستسعد برؤيته هكذا من قبل، ربما لأنه جاء في الوقت المثالي لتتحرك تلقائياً نحوه، ثم أضافت بنفس النبرة الرقيقة: "باسم خطيبي وشبكتنا كمان كام يوم و.."
باسم الذي يلعب دور المراقب في هذا المشهد الغامض بالنسبة له، استطاع أن يلاحظ مدى غضب أحمد الواضح فور أن قاطعها باستهجان مصعوق: "نعم؟ خطيبك؟ يعني إيه؟ إزاي بتفسخي وبتتخطبي كدا على كيفك من غير ما تعرفي حد من أهلك؟"
ارتفعت حواجب باسم، وزاد شعوره بالريبة تجاه هذا الشخص، قبل أن يخرج عن صمته، وهو يستفسر بخشونة رجولية: "أهلها اللي هما مين؟ ويا ترى بقى بصفتك إيه تقف وتحاسبها بالعشم ده كله؟"
رد أحمد عليه بنبرة أجش واثقة: "أهل أمها..."
ارتسمت على شفتيها الممتلئتين ابتسامة زائفة تخفي الضيق وراءها الذي يستوطن قلبها، وقالت بتوتر حاولت إخفاءه وهي تضغط بخفة على أصابع عمر الذي كان واقفاً هناك لا يفهم شيئاً: "ده.. ده ابن خالي يا باسم."
رفعت فيروزيتها نحو أحمد، واستطردت بصوتها الواثق، مصحوباً بضحكة مرحة: "كل حاجة حصلت بسرعة أوي، تخيل لسه امبارح كانت هتتحدد قراية فتحتي. ولسه لسه أنا كنت هعرف ستي. بس ملحقتش ودخلت المستشفى."
عقد أحمد حاجبيه بعبوس أكبر من كلامها وحركاتها المدللة نحو هذا الشخص الفارع الطول بجوارها، مما جعله يشيح بوجهه جانباً دون رد حتى لا يرتكب جريمة القتل العمد فيهم، فأكملت مبررة بعدم اكتراث: "معلش يا باسم.. أصل أحمد كان مسافر برا مصر ولسه واصل وبقالنا سنين ما تقابلناش، عشان كدا كان مستغرب."
هز باسم رأسه وهو يسأل مرتاباً: "هو الأغرب الصدفة دي؟"
رد أحمد سريعاً، موجهاً لأبريل رسالة مبطنة بالتحدي: "لأ، كنت جاي مخصوص عشانها من المنصورة. جدتها بعتتني أجيبها، هي مش هتطمن عليها إلا لما تشوفها قدامها و.."
استقبلت حديثه بذكاء: "ستي أنا هكلمها وأطمنها عليا. وكمان عشان أقولها على معاد شبكتي وتيجي تحضرها."
ابتسمت له متظاهرة بالود، لكن البرود كان واضحاً في صوتها بمجرد إضافتها: "صحيح، إذا قاعد شوية في مصر، ياريت تحضر أنت كمان. وتجيب نادية مراتك معاك، هنستناكم."
عض أحمد باطن خده بقسوة، ليردع رداً لاذعاً بسبب استفزازها الصريح له، كان الأمر كما لو أنها ترمي عود ثقاب في فم البركان داخل قلبه، فتفجرت حمماً حارقة غير مرئية، العلامة الوحيدة على حالته هي انعكاس نظرته المظلمة التي تعادل طلقات نارية يريد أن يفرغها في صدورهم.
***
في نفس التوقيت بالمنصورة.
انطلقت صرخات نادية، وهي تهرع إلى غرفة والدتها: "ماما الحقي!"
انتفضت مرجانة من مكانها، ونظراتها المذعورة تتوافق مع نبرة صوتها المتسائل: "جرى إيه يا بنت المسروعة؟ حرامي نط علينا؟"
رددت نادية من بين لهاثها: "أحمد! أحمد!"
عقدت مرجانة حاجبيها، وهتفت بتعجب: "يخربيت سنينه، ماله المحروس؟ إيه بعتلك ورقتك ولا إيه؟"
نادية بشهقة: "لأ لأ، تفي من بوقك يا مرجانة. ده أنا لاقيته اتصل بيا يجي أربع مرات لما كنت بحمي زينب. ولاقيته بيقولي هييجي هنا، هو في السكة دلوقتي وعايزني أجهز حاجاتي أنا وبس وهنسيب البت معاكي هنا."
هزت مرجانة رأسها بعجز أمام جنون ابنتها، وجلست بتعب وقالت بتشدق ساخر: "مش كنت لسه بقولك يا بنت الهبلة، أول ما هيكلمك هتروحي تجري عليه."
التفتت نادية في حيرة حول نفسها، رددت كلمات مبعثرة من شدة سعادتها: "مش وقته مش وقته يا ماما، جوزي جاي يصالحني وأنا لسه عايزة آخد دوش وألبس."
هتفت بريبة من خلفها: "استني هنا، هو عايز ياخدك لوحدك ليه؟ مصيبة يا بت، لا يكون ناويلك على نية سودة."
نادية باستنكار: "ما تبطلي تخاريف آخر الليل دي يا مرجانة."
مرجانة بخوف: "أنا مش مطمنة لابن زينب والفار بيلعب في عبي. أنتِ مابتسمعيش عن الجرايم اللي مالية الدنيا؟ يمكن يعمل فيكي حاجة يا بت."
نادية باستعجال: "أنتِ هتقلقيني ليه بس؟ يالهوي، الوقت بيجري، هجيبلك زوزو على ما أخلص يا ماما."
فرت من أمامها فور انتهائها من الحديث، فضربت مرجانة يداً بيد، وتمتمت بأنشداه: "يا مهبوشة، والله أنتِ اللي هتجيبلي الشلل. ربنا يسترها معانا."
***
في صباح اليوم التالي
داخل شقة ذات طراز حديث.
"أسفة يا ريم إني جبتلك بدري كدا، بس ماقدرتش أستنى معاد العيادة. بجد حاسة أعصابي تعبانة ومابقتش عارفة أعمل إيه. حاسة إني تايهة."
أنهت أبريل كلامها بقشعريرة، إذ شعرت أنها على وشك الانهيار.
قدمت لها ريم، الطبيبة النفسية، فنجاناً من القهوة ليساعدها على الاسترخاء، وقالت بلطف: "اشربي دا، هيهديكي."
جلست ريم بالمقعد المقابل لها، قائلة بصوتها الهادئ: "شوفي، لازم تاخدي المهدئ اللي كتبته ليكي ده هيريحك، وتواظبي على كورس التأمل اللي ماشيين عليه عشان تصفي ذهنك والصداع ده يروح."
أبريل مغمغمة: "حاضر."
رفعت حدقتاها الدامعتين إليها، وأردفت بتساؤل مقلق: "بس أنتي شايفة إني اتسرعت في فسخ خطوبتي من مصطفى؟ شكلي اتهورت لما عملت كدا وورطت نفسي."
خاطبتها بحنان، في محاولة للتخفيف من القلق الواضح على ملامحها الرقيقة: "مش مهم خالص اللي أنا شايفة، المهم اللي أنتِ حاسة بيه."
"أنا حاسة إن في حاجة جوايا استريحت بعد ما طلعت كل اللي في قلبي وجرحته، بس دلوقتي بعد ما هديت حاسة إني قاسية. حاسة إحساس وحش. أنا ماشوفتش حاجة وحشة من مصطفى طول السنة اللي عرفته فيها، بالعكس كان كويس معايا. بس فكرة إنه يخبي عليا موضوع مهم زي إنه متجوز وعنده ولاد صدمتني وخلتني بجرحه من قهري وصدمتي فيه. ياريت هو اللي جه وصارحني."
صمتت لعدة ثوانٍ تجمع أنفاسها المسلوبة، والعبرات الساخنة تتساقط بهدوء على خديها، لكنها أكملت بخفوت حزين: "بس اللي حسيته من كلام مراته إنه ممكن جداً يرجعوا لبعض. وقتها كل إحساس بالراحة والأمان اللي كنت برسمهم لحياتي معاه اتبخروا. والأكيد مابقتش أقدر أثق في أي كلام هيقوله ولا قدرت أحطله أي أعذار."
استمعت إليها ريم باهتمام، وأعطتها الوقت الكافي لتقول كل ما لديها دون مقاطعة حتى تفرغ شحنة الحزن الذي كان يجثو على صدرها، بينما تابعت بمرارة تجرح حلقها: "ده غير صدمتي في أهلي. إزاي قدروا يخبوا حاجة مهمة زي دي عليا طول الفترة دي."
زينت شفتي ريم ابتسامة رزينة وهي تقول: "أول حاجة احمدي ربنا إنك عرفتي كل ده في الوقت المناسب قبل الفأس ما كانت وقعت في الراس واتورطتي ورطة أكبر."
واصلت حديثها بنبرة أكثر جدية: "ثانياً، أنتِ من جواكي لازم تتقبلي فكرة إن الراجل المتجوز من حقه يتجوز على مراته، ده شرع ربنا وحلال. بس كمان ربنا سبحانه وتعالى قال حقه يتجوز في حالات معينة، ولازم يكون الزوجة الأولى عندها علم والتانية عندها علم برده وموافقة تبقى ضرة. وأكيد أنا معاكي طبعاً في إنك مش عايزة تحسي بقلة قيمة ولا عدم كرامة وتقللي من نفسك ولا تسمحي لحد يدوس عليكي. كل ده تمام، بس أنتِ جرحتي كرامته جداً لما وافقتي على العريس اللي أنتِ برده حشرتيه في قصتك من غير أي أسباب."
أبريل بمعارضة: "أيوه بس هو كمان استغلني يا ريم و..."
قاطعتها ريم، وهي تخبرها بابتسامة واثقة: "ومـاتنكريش إن جزء كبير منك كان مبسوط بحمايته ليكي رغم أفعاله الجريئة معاك."
عضت أبريل شفتيها بحرج، لتستكمل ريم برزانة: "أبريل، محدش هيجي من برا يحل مشاكلك يا حبيبتي. سواء أحمد أو مصطفى، وحتى باسم كمان. لازم تواجهيهم وتطلعي اللي جواكي وتبطلي تنسحبي في صمت. بمعنى أصح، بطلي تهربي لمجرد إن الدنيا خربت، لأن دايماً فيه حلول. بدل ماتهربي دوري على حل واتناقشي مرة واتنين، يمكن تلاقي أسباب عندهم تعذريهم بيها. ماتظلميش حد مالهوش ذنب في مشاكلك النفسية اللي سببوها مامتك وباباكي ليكي من طفولتك. أنهي كل علاقة فيهم بشكل سليم بعد ما تدي نفسك فرصة تفكري كويس في اللي أنتِ عايزاه فعلاً."
***
في فيلا الشندويل
داخل غرفة.
استيقظ باسم على صوت رنين هاتفه باسم خالد، فأجاب بصوت نائم: "الدنيا اتهدت عشان تصحيني من النجمة كدا؟"
انتفض من نومه، وهو يمسح آثار النعاس عن وجهه براحة يده، ليتساءل في حيرة مشوشة: "بتقول إيه!! مستشفى إيه؟"
اتسعت مقلتيه بتفاجئ، وغمغم بتعجب: "حادثة!!"
استمع إلى صوته المتعب عبر الهاتف قبل أن يردد باستنكار: "و لميس بتعمل إيه معاك من امبارح يا خالد؟!"
***
عند أبريل
أوقفها صوت رجولي ينادي باسمها فور خروجها من منزل ريم.
التفتت أبريل في ذهول، لتجد ثلاثة رجال بأجساد عملاقة يحدقون بها بنظرات غامضة قبل أن يشرع أحدهم في التحدث بصوت غليظ رغم هدوءه: "تسمحي تتفضلي معانا بهدوء ومن غير شوشرة."
تسارع نبضها مع قلق انجل من سؤالها بعد أن ابتلعت ريقها بصعوبة: "أتفضل معاكم على فين؟ أنتو عايزين مني إيه؟"
أحس الخوف والحذر من نظراتها الشفافة، فتحدث بنبرة تحذيرية مفعمة بثقة عالية: "مافيش داعي للخوف يا باشمهندسة. ولأخر مرة بطلب منك بلطف تركبي معانا."
رواية جوازة ابريل الفصل السابع عشر 17 - بقلم نورهان محسن
نريد كل شيء للأبد.. نريد الجمال أن يبقى للأبد، والصحة للأبد والنجاح للأبد والحب والشغف للأبد والسعادة للأبد.. وهذا سبب معاناتنا، رغبتنا الشديدة ببقاء أشياءنا للأبد، ومقاومة النهايات والتمسك بالأموات والتعلق بالشظايا..نرفض تصديق أن بعض الأشياء تموت وتنتهي صلاحيتها.. قد يموت لنا أحبة وهم ما زالوا على قيد الحياة، وقد يموت حلم كتبناه منذ طفولتنا، قد تموت نسخة منا وتبدأ نسخة جديدة لا نفهمها ولا نعرفها ولا ننتمي إليها.. عبور الحياة أصعب ما في الحياة.. فالرحلة ليست سهلة على أحد منا.. جميعنا ننمو وننكسر، نرتقي ونسقط..نحب ونفقد.. ننجح ونفشل، نتعافى ونمرض، نتأمل وتخيب آمالنا.. كم من الأحلام التي زرعناها وسقيناها بقلوبنا ورعيناها بكل قدراتنا وماتت في النهاية بدون اختيار منا.. إنها الحياة لا تصفو لأحد وليست وردية على الدوام، ما يجعلنا نستمر فيها هو الإيمان.. الذي يجعل من كل التفاصيل الصعبة ممكنة.. ويحول المستحيل إلى يقين بتحقيقه.. وما علينا سوى أن نزرع حلماً كلما مات حلم... وإن اغتالوا كل أحلامنا.. سنحلم ونحلم ما دمنا أحياء وللحلم بقية.
عند هالة
"ناوية تقولي امتى ليهم إنك فسختي الخطوبة؟!"
وصلها صوت لميس، وهي تتساءل بهدوء عبر الهاتف: "طبعاً ما قدرتش أقول حاجة.. الجو كان مكهرب على الآخر وكمان عز ومامته بايتين هنا من امبارح فأجلت الكلام في الموضوع.. ومش رايحة المستشفى النهاردة ويدوب الحق أكلم مع بابا قبل ما يروح شغله."
ردت هالة باضطراب: "ادعيلي بس ربنا يستر ويعديها على خير."
لم تتلق إجابة من لميس التي شردت قليلاً في كلماتها، مخاطبة نفسها سراً بجزع: "يعني دعاء وصلاح في نفس البيت إزاي وسام ساذجة كده؟"
"روحتي فين؟!"
لميس بانتباه: "معاكي.. طيب أخبار عز إيه بعد اللي حصل؟!"
ختمت لميس جملتها بسؤال، إذ أرادت أن تغير مجرى الحديث هرباً من التفكير فيهما، بمجرد أن تسلل إليها شعور بالاشمئزاز منهم، لتسمع رد هالة بصوت حزين: "صعبان عليا من لحظة ما رجعنا وهو قافل على نفسه ومش عايز يكلم مع حد."
أضافت هالة تستفسر باهتمام: "بس أنتِ اللي ما قولتيليش إيه اللي حصل مع خالد وحالته إيه دلوقتي؟"
في مقهى راقٍ على ضفتي النيل
عند أبريل
"مراد.. اسمي مراد.. طبعاً بعتذر عن الطريقة اللي طلبت ندردش مع بعض بيها."
هكذا تحدث معها بلباقة، وهو يجلس على مقعده المقابل لها، بينما تنصب نظراتها عليه بتركيز بعد أن نزع النظارة الشمسية، لتكشف عن عينيه البنيتين الحادتين، مرتدياً حلة رسمية من مزيج من اللونين الأسود والرمادي أضافت تميزاً لملامحه الرجولية المهيبة، فخرج صوتها هادئاً لا يخلو من التوتر: "حصل خير.. ممكن أعرف إيه سبب المقابلة الغريبة دي؟!"
قالت أبريل ذلك لتحثه على الإكمال، قيّمها بنظرته الثاقبة قبل أن يلقي كلامه، ولم تفارق الجدية ملامحه: "إحنا اللي ورا تسريب الإشاعات عن خطيبك السابق وخطيبك الحالي."
راقب مراد بتمعن وقع الجملة عليها، بينما بهتت ملامحها لثوانٍ معدودة من تصريحه الذي كان بمثابة قنبلة اخترقت أذنيها للتوه، وندمت على الفور على مجيئها من الأساس، إذ أنها تقف الآن على حافة الهاوية بوضع نفسها في هذا المأزق الجديد الذي جعلها تشعر بصعوبة في الاسترخاء.
ساد صمت قصير قبل أن تكسره أبريل، قائلة بذهول مفعم بالتوجس: "وبالبساطة دي بتقولها؟!"
هز مراد منكبيه العريضين، قائلاً بنبرة هادئة قوية: "سبق وقلت لحضرتك ما عندي نية للف ولا دوران وبحب الطرق المستقيمة."
ارتفعت حاجباها الجميلتان دهشةً، لتسأل بتنعت ونبرة متجهمة، استشفها من تعابيرها الساخرة التي لا تخلو من اللطافة العفوية: "فين الاستقامة اللي بتقول عليها دا اسمه تشهيرك بسمعة بنت؟"
أخبرها مراد بلهجة متلهفة موضحاً لها: "ما كنتش أنتِ المقصودة.. طلبي منك إنك تحطي إيدك في إيدينا عشان مصلحتنا أولاً."
استوقفتها نقطة ما في جملته، وهي تقطب حاجبيها لتتساءل بفطنة، ومسحة من القلق خيمت على فيروزتيها: "بتتكلم بصيغة الجمع!! مين اللي ورا الإشاعات دي؟"
رمقها مراد ببرود قبل أن يحتسي قليلاً من قهوته بتعبير عابس يعلو قسماته، ثم أجابها بنبرة ثابتة يشرح لها بتأنٍ: "مش في صلاياتي أقول مين.. لكن أنا طلبت نقعد ونتكلم عشان أعرض عليكي عرض شغل في دبي نفس الشركة اللي كنتي هتشتغلي فيها.. وبالنسبة لك دي فرصة كويسة عشان تخلصي من كل المشاكل اللي هنا وهتكوني تحت حمايتنا من مصطفى وغيره."
فركت أبريل حاجبيها بتفكير في الرد، وهي تلجم اندفاعها المتهور لارتكاب أي حماقة تضيفها إلى قائمة تصرفاتها الأخيرة، لكن هذا عرض سخي للغاية، وسيكون من الصعب عليها تجاهله بهذه السهولة، خاصة حين تابع بنفس الثقة: "إذا موافقة التأشيرة هتكون جاهزة خلال أيام."
"أنا مش معايا، جوازي ضاع مني."
أمال جذعه إلى الأمام، وعلى شفتيه ابتسامة منتصرة عندما استشعر استجابتها، وأخذ يطمئنها بنبرته الواثقة: "حتى دي حلها في منتهى السهولة بعلاقاتي أطلع لك غيره وعليه التأشيرة."
رمقها بذات الثقة، وقد ارتسمت ابتسامة رائعة على شفتيه، قبل أن ينبس بسؤال: "ها.. إيه ردك؟!"
عند لميس
جلست في كافتيريا المستشفى، وأطراف أصابعها تضغط على فنجان القهوة، وهي تائهة بين أمواج أفكارها المتضاربة حول أحداث الأمس، عندما ذهبت لزيارة منى بعد أن علمت بدخولها المستشفى، رغم أنها أرادت تجنب لقاء صلاح ودعاء، يليها الليلة التي قضتها هنا في المستشفى، بين القلق والخوف.
**Flash back**
في اليوم السابق
ترجلت لميس من سيارة الأجرة، لتقوم بمساعدة أختها الصغرى على الخروج أيضاً، ثم أغلقت الباب بهدوء واستدارت ممسكة بيد الطفلة وهي تحذرها بنبرة لطيفة: "ساندي هتكون شطورة ومش هتعمل شقاوة عشان الدكتور مش يديها حقنة كبيرة خالص زي بتاعت الحصانة."
تحدثت بطفولة محببة لا تخلو من الذعر: "لا حقنة لا ساندي هتقعد مؤدبة."
قالت لميس بضحكة خفيفة: "أما نشوف ما ضمنكيش الصراحة."
وقبل أن تعبر الطريق، رأت الجميع يغادرون باب المستشفى، وتجمدت أنظارها المصدومة على باسم الذي كان يحمل بين ذراعيه تلك الدمية السخيفة التي تدعى أبريل، فاحتدمت جمرات القهر في قلبها الذي صرخ منبهاً إياها بما يعتريه من ألم.
نفضت لميس تلك الأفكار من عقلها، تزامناً مع تحول ملامحها الحزينة إلى أخرى حائرة فور سماع اسمها بصوته العميق من خلفها، بينما رائحة عطره الفاخر تتقدمه بعدة أمتار، لتعلن عن حضوره المميز: "آنسة لميس!!"
على الفور أدارت لميس رأسها، لترى خالد الذي تابع مبتسماً: "شكلنا جينا متأخر..."
ولم يتلق أي رد منها، وهو ينظر بحاجبين مجعدين إلى لمعان دموعها الخائنة على أطراف مقلتيها المكحلتين، ليبرز الاهتمام والقلق في صوته عندما يسألها: "في حاجة حصلت ولا إيه..؟!"
نفت لميس برأسها، وهي تبرر له بشيء من الصدق: "لا أنا بس حاسة إني تعبانة شوية."
"خير إن شاء الله.. خلينا ندخل تكشفي ونطمن..."
قاطعته لميس متمتمة باعتراض رقيق: "مالوش داعي دول حبة صداع من قلة النوم."
أذعن لرغبتها قبل أن يسأل بإبتسامة جذابة، وهو يتحدث إلى الطفلة: "اللي يريحك.. الجميلة عاملة إيه؟"
ساندي بلطافة: "كويسة يا أونكل."
حثتها لميس على القول الصحيح برفق: "قولي الحمد لله يا نانا."
"الحمد لله."
ابتسمت شفتيه لا إرادياً بهيام اشتعل في نظرته نحوها مما جعلها تضطرب، لتقول بسرعة وهي تنوي الرحيل من أمامه: "عن إذنك."
أوقفها بنبرته العذبة: "رايحة فين استني هوصلك."
أطرقت نظراتها أرضاً رافضة بكياسة: "ماتتعبش نفسك."
خالد مبتسماً: "مفيهاش تعب ليا خالص بالعكس."
أرجعت لميس خصلات شعرها خلف أذنها بتوتر انجلى حينما نطقت: "ميرسي.. بس أنا أصلي هرجع الفيوم دلوقتي هطلب أوبر يوصلني للمحطة."
عبست ملامحه الوسيمة، وهو يسأل مستفسراً بهدوء خطير: "هتسافري لوحدك؟"
ردت لميس ببساطة استنكرها بشدة: "عادي متعودة على كده."
لوى خالد فمه بامتعاض قبل أن يتحدث إليها، وقد عقد حاجبيه في رفض حاسم: "لا اسمحيلي مفيش حاجة اسمها تسافري لوحدك.. مابتسمعيش كمان عن حوادث التحرش اللي بتحصل للبنات من سواقين الأوبر.. بعد إذنك اتفضلي اركبي وأنا هوصلكوا بالعربية."
سيطرت على ارتعاش جسدها الطفيف نتيجة استشعارها لاهتمامه بها، مما كان له وقعاً معزوفياً على أوتار إحساسها البتول، فحاولت التغلب على تلك المشاعر، قائلة ببعض التوتر: "بس دا سفر طويل عليك مش عايزة أتعبك معايا.."
منحها خالد ابتسامة راضية عندما أحس بإقتناعها، قبل أن يقول بنبرة جادة زاخرة بالحنان: "كل التعب فداكي.. وأهون ألف مرة من إني أفضل قلقان عليكي وأنا سايبك تسافري لوحدك والدنيا هتليل علينا."
تلألأت عيناها بوميض متأثر بكلامه وإلحاحه عليها، مما جعلها تشعر بمدى اهتمامه بها وخوفه عليها.
**Back**
"عايزين أقوالك في المحضر يا مدام."
خرجت من بحور هذه الذكرى على صوت ذكوري غليظ يخاطبها، لتجد رجلاً بالزي العسكري يقف على بعد خطوات منها.
صحت لميس له بحرج، وهي تتنحى عن مقعدها: "آنسة لو سمحتي."
أومأ لها بفهم: "تمام اتفضلي من هنا."
في منزل خال ياسر
هتف ياسر ممتعضاً من استمرار خاله بالضحك: "بقالي نص ساعة بتضحك يا خالي.. هو إيه الكوميدي في اللي عمال أحكيهولك؟!"
"اصل حاجة من اتنين.. أنت يا إما غبي يا إما عبيط!!"
خرجت تلك الكلمات الهازئة من بين ضحكاته بعد أن روى له الآخر ما حدث بالأمس، فرفع ياسر حاجبيه بغضب ظهر في سؤاله: "كمان ليه الغلط دا بس دلوقتي؟!"
مسد على لحيته الطويلة بتفكير، ثم تحدث بعدم رضا: "اصل مش معقول بعد كل اللي حكيته دا وتبقى أنت اللي زعلان ومستغرب هي رمت الدبلة في وشك ليه."
ياسر أدار وجهه في حرج قبل أن ينظر إليه مرة أخرى، ليقول بانزعاج: "هو أنا جايلك عشان تقطعني يا دكتور ولا إيه؟"
استغرق بضع ثوانٍ لتقييمه بنظرات عملية، وهو مسترخٍ في مقعده ثم قال بجدية: "خلاص خلاص مش هعمل عليك دور الخال الواعظ.. أنا كنت واخد الموضوع بتريقة عشان متأكد إنك مش جايلي دلوقتي عشان تسمع رأيي بصراحة.. بس لو أنت عايز حد يقولك أنت صح وما غلطتش يبقى روح لحد تاني ينافقك.. إنما طالما جيتلي يبقى غصب عن عين أهلك هتسمع الصح.. والصح إنك فعلاً غلطان عشان بنات الناس مش لعبة في إيدينا يا دكتور.. وعندها كل الحق طبعاً تضايق من الهبل اللي عملته ده."
ضحك طرف أنفه بإصبعه السبابة دون أن ينظر إليه قبل أن يهتف بصوت مستنكر: "إيه دا كله.. هو أنا عملت إيه لكل دا!!! محسسني إني كنت بخونها يا خالي."
مماطلته في الكلام كعادته دفعته إلى عقد حاجبيه وتوبيخه: "تبقى بجد مصيبة سودة لو شايف إنك معملتش حاجة يبقى أنت عندك مشكلة يا بني.. دا أنا كنت معاك في خطوبتك.. وشوفت بعيني شوية بترقص مع دي وشوية مع دي.. ومشغول عن المسكينة التانية خالص."
"بس يارا دي أعز صديقة ليا.. إيه يزعلها إني مهتم بيها وبقدر الصداقة بينا دي مجاملات عادية جدا.. عايزني يعني كنت أسيبها ترقص مع حد غريب أنا مقبلش كدا على القريبين مني."
زفر خاله بقوة ليحاصره في خانة اليك، حالما سأله بلهجة قوية: "وتقبل على خطيبتك إنها تقف مكسوفة وسط أهلها وصحابها من تصرفاتك اللي هي مش متقبلها دي؟"
حاوره ياسر بمراوغة متمسكاً بآخر كلمة خرجت من فم الأخير: "أيوه بقي لما هي مش متقبلها.. ليه قبلت بالخطوبة من الأساس وأنا معرفها على يارا من البداية ومصارحها بكل حاجة."
هز رأسه بعجز لأن هذا الأحمق متشبث بأفكاره الحمقاء بعناد، ليغمغم عابساً، وهو يميل رأسه إلى الجانب قليلاً: "تفتكر إيه يخلي إنسانة في جمالها ومن عيلة كبيرة وكمان دكتورة وناجحة.. ترضى إنها تتخطب لواحد عنده البيست فريند بتاعته أهم من اللي هتكون شريكة حياته إلا لو ماكنتش بتحبك.. أنت خسرتها بغبائك يا ياسر!!"
عند خالد
فور خروج وكيل النيابة، بعد أن أخذ أقواله في المحضر، اعتدل في نومته قليلاً، وهو يعقد حاجبيه من شدة الألم، في أجزاء متفرقة من جسده نتيجة الكدمات التي أصيب بها، بالإضافة إلى قدمه اليسرى التي حولت أنظاره نحو الجبيرة المحيطة بها بإحباط، أنه الآن مجبر على الراحة وعدم التحرك بحرية، وهو أمر لا يتحمل حدوثه، ولكن الذي يهون عليه مصيبته أنه لم يحدث لها مكروه.
اشتعلت نيران الغضب في عينيه العشبيتين، وتصلبت ملامحه القاسية ما إن هاجمت ذاكرته هذا الشعور بالخوف عليها الذي سيطر على كامل عقله، حالما بدأ يتذكر ما حدث، وكأنه شريط سينمائي يمر داخل رأسه.
**Flash back**
أثناء توجههما إلى الفيوم، توقفا أمام محطة بنزين، ثم خرجت لميس وشقيقتها للذهاب إلى المرحاض، وصدم خالد بثلاثة شبان يستقلون السيارة، وهددوه باستخدام السلاح حتى يخرج من السيارة في صمت.
في البداية كان يعاملهم ببرود حتى يفكر في إيجاد حل لهذا المأزق، لكنه فوجئ بقدوم لميس واقترابها من السيارة، لذا كان عليه التصرف قبل ركوبها، فأخذ يفكر في شيء يمنعها من ذلك، لكنه لم يجد شيئاً، إلا أنه يندفع بسرعة بالسيارة تحت نظراتها المصدومة دون أن تفهم ما يحدث.
تحدث أحدهم بغرابة: "دا رايح على فين دا؟"
سأل بذعر حاول إخفاءه وراء لهجته القاسية، وهو يوجه المسدس نحو رأس خالد: "بتعمل إيه يا جدع أنت.. وقف العربية وانزل منها."
"اسمع الكلام هتوقف ولا هموتك!!"
"لا إحنا نموت كلنا.."
صدحت كلمات خالد الأخيرة في أرجاء السيارة كسكين حاد بجدية شديدة، أحدثت ارتعاشاً في أجسادهم، فصرخ الرجل عليه بحدة: "لا دا شكله مجنون دا ولا إيه وقف وإلا....."
لم يكمل جملته، حيث كان خالد يقود السيارة بسرعة فائقة قبل أن ينحرف بمقود السيارة، مما أدى إلى انقلابها، ولم يعِ شيئاً بعد ذلك حتى استيقظ في إحدى غرف المستشفى.
أفاق من شروده، متنهداً بعمق، وهو يعترف أن ما فعلوه كان جنوناً في حد ذاته، لكن جزءاً منه أراد اغتنام هذه المخاطرة، يعلم أنه كاد أن يفقد حياته أثناء قيامه بهذا الفعل الخطير من أجل كسب محبة قلبها، حينما تتأكد أنه يحبها ويخاف عليها وأنه جدير بها.
في الإسكندرية
عند أحمد
خرجت من الشاليه بإطلالتها الساحرة، مرتدية فستاناً صيفياً يناسب قوامها باللون الأبيض، على طراز عصري، ويحتوي على نقاشات ملونة.
تقدمت نحو الذي كان يجلس ناظراً بعمق في اتجاه البحر، يهيم بأفكاره في عينين فيروزيتين، رغم الضيق الذي يشعر به في صدره منها.
عاد إلى الواقع على صوت زوجته، التي وقفت أمامه مباشرة بعض الوقت، دون أن يشعر بوجودها، لتسأله بابتسامة لطيفة، وداخلها تحترق من الغيرة: "سرحان في مين؟!"
"مفيش."
حبست أنفاسها بمجرد أن أربكتها إجابته الباردة، ثم تحلت بالشجاعة، وجلست بجانبه على كرسيه، وسألته بصوت محرج لا يخلو من ترقب: "انت لسه زعلان مني؟"
أحاطت بها ثمة طمأنينة دافئة، حينما لف ذراعه حول جسدها، ثم خاطبها بنبرة هادئة لا تخلو من اللوم: "يعني عارفة إن اللي عملتيه كان يزعل يا نادية."
رفع وجهها بسبابته يجبرها على النظر له، وقال بهدوء حازم: "أنا مارجعتش من الغربة عشان تسيبيني وتقعدي عند أمك."
قضمت نادية شفتها في اضطراب جعلها تتلعثم في حروفها: "حقك عليا يا حبيبي.. عارفة إن ما كانش المفروض أروح لماما من غير ما أقولك.. بس أنا ما كنتش أقصد.. أنا أنا بصراحة اتضايقت قوي لما سبتني ورحت لها."
تغضنت معالم وجهه فور نطقها بآخر عبارة قبل أن يقاطعها قائلاً...
رواية جوازة ابريل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نورهان محسن
عند احمد
حقك عليا يا حبيبي.. عارفة إن ما كانش المفروض أروح لماما من غير ما أقولك.. بس أنا ما كنتش أقصد. أنا بصراحة اتضايقت قوي لما سبتني ورحت لها.
تغضنت معالم وجهه فور نطقها بآخر عبارة قبل أن يقاطعها، قائلاً بنبرة ثقيلة: غيرتي عليا؟
غصب عني.. انت مش جوزي وحبيبي، ده حقي مش كده؟
عارف إنك أخدتي على خاطرك عشان سافرت.
صمت أحمد لبضع ثوانٍ وهو يقرأ بتأنٍ تعابير وجهها المنذهل من اعترافه، ليستكمل جملته بما جعل قلبها ينبض بجنون عاشقة متلفحة لذلك الحنان الذي نادراً ما يمنحها إياه.
انتي خاطرك عندي كبير وغالية عليا أكتر ما انتي متخيلة يا حبيبتي.. ومش عايز ده يتكرر تاني مهما يحصل، تمام؟
تدفقت الدموع من عينيها فرحاً، وتأثرت بكلماته بعد أن أثلجت روحها المشتعلة بنيران الغيرة بصوته الرجولي الهامس الذي كان كالبلسم الذي نزل على قلبها ليهدئ جراحه، لتحتضن خصره وتضع رأسها على صدره وهي تهمهم برقة مبحوحة: حاضر.. حاضر يا حبيبي.
طبع قبلة هادئة فوق وجنتها ذات الملمس المخملي، وهو يقترح عليها: طيب إيه ما جوعتيش؟ عجبك السمك بتاع الصبح.. تيجي نتغدى سمك؟
استغربت نادية لتقول بغنج مغرٍ، وهي تحرك أناملها الرقيقة بنعومة فوق شعر صدره: حمودي! انت إيه حكايتك مع السمك؟ وهو حد في الدنيا يفطر سمك.. ودلوقتي عايز تغدينا سمك برده؟
ضحك أحمد بخفة قبل أن يضغط على أصابعها وهو ينحني نحوها، ويهمس في أذنها بتثاقل مغرٍ بعد أن استثارت غرائزه من دلالها الفطري: بعد حمودي بتاعتك دي العشا هيبقى سمك كمان.
قاطعت نادية بقية جملته بشهقة خفيفة، إذ شعرت بأصابعه تستكشف منحنيات خصرها وظهرها الفاتنين بلمسات جريئة من فوق فستانها، لتسرى كهرباء الشوق في جسدها: كمان عشا؟ لا كده كتير أوي!
مرر طرف لسانه على شفتيه بشهوة، وتمتم بوقاحة صارخة: أومال أعملك إيه! مش لازم أشحن باور عشان أعرف أمتعك يا كوكتيل حلويات عايز أعصرك جوه حضني.. ما تيجي أكل سريعة.
غمغم أحمد بالعبارة الأخيرة بإغواء مثير، وهو يقرص خصرها على حين غفلة، فخرجت من بين شفتيها شهقة خافتة تذمرت بانتفاضة: يا قليل الأدب! الناس رايحة وجاية قدامنا!
ارتفعت ضحكته الرجولية التي أهلكت قلبها هياماً، فيما يقضم شحمة أذنها برفق، هامساً لها بأنفاس ساخنة: خلاص تعالي نكمل قلة أدبنا.. قصدي كلامنا جوه عشان ناخد راحتنا وأفهمك على السرير ليه ما بشبعش من السمك لا ليل ولا نهار.
ضحكت نادية بتعجب منه، فالتلمعت الرغبة في نظراته المفتتنة بها أكثر، ثم قام فجأة ليحملها بين ذراعيه، فتشبثت برقبته مستمرة بالضحك في سعادة غامرة، وهي تراه يتجه نحو الشاليه، ليطفئ نيران جسده المحترق في نعيم أحضانها المثيرة، وبدون مقاومة منها انصهرت، مثل شمعة رقيقة تذوب ببطء شديد في نيران أشواقه.
عند لميس
أنهت مكالمتها الهاتفية مع والدها الذي أبلغها بقدومه إليها برفقة باسم، ثم دخلت الغرفة فرأت أختها الصغيرة متعمقة في سبات عميق على الأريكة الصغيرة، وعلى السرير ينام خالد بسكون يحتل ملامحه التي تنضح بالرجولة الممزوجة بعنفوان يأسر القلب.
تابعت لميس سيرها نحوه بخطوات حثيثة، ثم جلست على الكرسي بجانب السرير وظهره للحائط، ضاقت عيناها، تتفحص الكدمات على وجهه الوسيم والجرح في جبهته الذي كان مخفياً برقعة لاصقة.
انتبهت لميس على حالها عندما وجدته يفتح عينيه ببطء مما أربك نبضات قلبها، أما هو فكان نائماً من تأثير الدواء، حتى تنبأت خلاياه الحسية بوجودها بمجرد دخول عطرها الآسر داخل أنفه.
نمت على شفتي خالد ابتسامة منتشية سعيدة برؤيتها، وبدأ يمرر رموشه اللامعتين بانجذاب لا إرادي على وجهها المتورد خجلاً من تحديقه بها الذي زاد من دقات قلبها الخجول، قبل أن تقرر بشجاعة كسر هذا الصمت المربك بصوت رقيق يحمل في طياته لمحة من الاهتمام أسعدت قلبه المتيم بها عشقاً: على فكرة الدكتور قال تقدر تخرج النهارده.. بس تاخد بالك من مواعيد الأدوية وما تحملش على رجلك كتير عشان تشفي بسرعة بإذن الله.
لو وجودي هنا هيخليكي تفضلي جنبي كده مستعد أفضل في الرقدة دي إن شاء الله سنة.
تمتمت لميس بذهول، وهي تهرب بنظراتها بعيداً عنه: بعد الشر.. إيه اللي انت بتقوله ده!
ابتسامة خفية ارتسمت في قلبه ملاحظاً أن خدودها تحولت إلى اللون الأحمر بسبب كلامه الغزلي، فتظاهر بالانشغال بالجلوس على السرير، وهو يعدل وضع الوسادة خلف ظهره قبل أن يصدر تأوهاً خفيفاً جعلها تنهض سريعاً، وتتحرك نحوه لتقوم بتعديل وضعيتها له غير منتبهة، لتشنج جسده من اقترابها منه، وأنفاسها التي تضرب جانب وجهه بحرارة ألهبت عواطفه.
ابتعدت لميس قليلاً مستقيمة بوقفتها قبل أن تستفسر: مستريح كده؟
على الآخر.
همس أحمد لها بنبرة رجولية أثارت بداخلها أحاسيس غريبة زلزلتها، والتقت أعينهما طويلاً في حديث عجزت الألسنة عن نطقه، بينما ظلت هي متيبسة في مكانها، تفرك كفيها بتوتر ملحوظ، قبل أن يأتي إنقاذها من نظراته الساحرة بطرقات متتالية على الباب، فأذنت للطارق بالدخول، ثم ظهرت ممرضة تحمل صندوقاً صغيراً، تحتوي على مستلزمات طبية، قالت بابتسامة ناعمة للغاية: إزيك دلوقتي.. طالما صحيت خلينا نغير الشاش على جرح إيدك.
في تلك الأثناء
داخل غرفة أبريل
جلست إبريل بارتياح في حوض الاستحمام، وجسدها مغطى برغوة الصابون، التي انتشرت روائحها في أنحاء الحمام، فشعرت بمزيج من الاسترخاء والهدوء داخل نفسها.
أغمضت عينيها، تتنقل ببلورة ذاكرتها إلى ما حدث بينها وبين ذلك الرجل الغامض اليوم.
flash back
إيه ردك؟!!
تطلعت أبريل نحوه مرة أخرى بابتسامة متكلفة على ثغرها قبل أن تنطق، بما جعل أسهم توقعاته يهبط بقوة: للأسف أنا ما عنديش نية أسيب مصر.. فـ معلش اعذرني عرض حضرتك مرفوض.
استعجب مراد كلياً من رفضها السريع، دون أن تكلف نفسها عناء التفاوض معه ليقول بهدوء: على حسب مصادري انتي محتاجة للفرصة دي وفي التوقيت ده بالذات.. إذا محتاجة وقت للتفكير مفيش مشكلة.. بس ياريت الرد يكون في أسرع وقت، الفرصة مش بتستنى حد.
أومأت أبريل برأسها بالنفي، وهي تشعر بعدم الارتياح تجاه هذا الشخص، قبل أن ترد عليه بحزن مصطنع: مالوش داعي، ردي النهائي انت خلاص أخدته.. عن إذنك.
أنهت أبريل جملتها بسرعة، ثم همت بالنهوض من مقعدها، لكن استوقفها صوته الحائر في أمرها: لحظة من فضلك ما كملناش كلامنا.. أقدر أعرف طيب إيه سبب رفضك؟
ضاقت عيناها الفيروزية بنظرات جامدة، وظلت صامتة لعدة ثوانٍ قبل أن تخبره: مبدئياً حضرتك مش واضح معايا.. ولا مش عايز تقول لي مين اللي وراك، فـ على أي أساس هثق فيك؟
أومأ لها مراد ليقول بفهم، محتفظاً بملامحه الجادة: حقك إذا ما وثقتيش فيا بسرعة، وتحت أمرك مستعد أقدم لك كل الضمانات اللي انتي عايزاها، الوظيفة والمبلغ اللي تطلبيه هيكونوا تحت أمرك.
زادت مخاوفها بمجرد وصوله إلى هذه النقطة، لقد شعرت بالغموض تجاهه في البداية، لكن جملته الأخيرة أثارت المزيد من الشك بداخلها، فزمت شفتيها بالتفكير متابعة توجس: ياه! انتوا باين هتستفيدوا بحاجات كتير من ورا اللي انتوا بتعملوه ده؟!
تشابكت أصابعه مع بعضهما فوق الطاولة، وأجابها بصوت متزن: كل ده مش مهم خالص ولا هتفيدك معرفته قدام اللي احنا هنقدمه لك.
أخذت أبريل نفساً عميقاً ولفظته ببطء لتسيطر على الحالة الغريبة التي بدأت تصيبها، وهي تفكر في كل إغراءات هذا العرض.
هو فعلاً العرض بتاعك ما يترفضش.. لكن انت بتعرضه على الشخص الغلط يا أستاذ.. أنا ما تربطنيش بمصطفى بيني غير صلة قرابة من بعيد.. وحتى الإشاعات اللي انتوا طلعتوها ما بقاش ليها أي أساس صحة، لأن أنا دلوقتي مخطوبة.
هكذا تشجعت أبريل مستجمعة كل أفكارها في هذه العبارة الحاسمة وهي تنكر الأمر برمته، فتنحنح في حرج، ثم أخرج شيئاً من جيبه ومد يده إليها: عموماً إذا غيرتي رأيك في أي وقت ده الكارت بتاعي، اتصلي بيا.
صمت مراد للحظة، ثم استكمل حديثه بنبرة شبه مهددة: بس إذا مش هتوافقي على عرض، تعتبري إن المقابلة دي ما كانتش، وما تحكيش فيها مع أي حد، ده لمصلحتك.
ضحكت أبريل بفتور ظاهري، ثم أخبرته بعدم اكتراث: ما فيش حاجة تتحكي يا فندم، زي ما فهمتك أنا وخطِيبي مش طرف في الموضوع اللي حضرتك بتتكلم فيه.
قام مراد من مقعده، ليتمتم بصوت هادئ، قبل أن ينصرف أمامها: تمام، فرصة سعيدة وشكراً لوقتك.
back
شعرت بأن ثقلاً كبيراً قد انزاح عن صدرها بعد أن تمكنت تجاوز هذا الفخ الذي نصبه لها مصطفى، وهذا ما توصلت إليه من ترابط الأحداث ببعضها.
مصطفى كان على علم بعرض العمل الذي جاءها من دبي، مما جعل الشك يساورها حياله، ليطرأ لها حينها بفطنة أن المقصود ليس سوى باسم، لأن أول من سيتضرر من سفرها هو من أعلنت خطوبته الرسمية عليها في الصحف والأنباء، فإذا هجرته فإن ذلك سيسبب له فضيحة كبرى، مما يعني أن الضرر سيلحقه بالذات، وهذه الاحتمالية هي الأقرب لتفكيرها الآن، ربما أراد مصطفى أن يخدعها بهذه الفرصة التي كانت تتمنى أن تتاح لها، لذلك لا تستبعد أن يتبين في النهاية أنه وراء هذه الحيلة المدبرة من أجل إبعادها عن باسم، وبذلك يكون حقق هدفه بمنتهى السهولة كما تواعد لها قبل يومين.
أغمضت أبريل عينيها بابتسامة صغيرة تنمو على شفتيها في استرخاء، وشعرت بالحيوية تسري في خلاياها، مؤكدة لنفسها أنها اتخذت القرار الصائب هذه المرة، لكنها الآن في حاجة ماسة إلى عمل حتى يستقر وضعها المالي، خاصة أن الأموال التي تدخرها لن تكفي بعد أن تعيد ثمن الفستان المحروق بالإضافة إلى خاتم مصطفى لها.
كان لازم يعني تاخدني الجلالة وأولع له في الفستان والدبلة.. أهو مفيش جواز وكمان بقيت مفلسة!
حركت قدميها بتململ في الماء بمجرد أن بدأ عقلها يتزاحم بالعديد من الأفكار المغرية، فأراد جزء منها اغتنام هذه الفرصة التي أفلتتها بإرادتها الحرة، وهي لا تنكر أنها أحياناً متناقضة في تفكيرها، يمكنها أن تفعل الشيء والعكس، والدليل أنها على الرغم من أنها لا تزال لا تطيق باسم، إلا أنها لن تنسى أيضاً أنه دعمها بالأمس عدة مرات متتالية.
زمت فمها بعبوسة خفيفة ممزوجة بالعزم على حجب وساوس الشيطان عن أفكارها، فإذا كان مصطفى يعتقد أنه ذكي لأنه تمكن من خداعها مرة، فلن تسمح له باللعب معها مرة أخرى.
عند خالد
تجلس لميس على السرير مقابل خالد الذي يرمقها بنظرات بحب، مستمتعاً بلمساتها الناعمة، وهي تلف الشاش الأبيض حول يده ببطء مرتجف.
تذكرت نظرات الإعجاب الواضحة في عيني تلك الممرضة الوقحة، وهي تعرض تغيير الشاش عليه بنعومة فائقة، عندئذ شعرت كأن بركاناً يغلي في قلبها حمماً ببوادر الغيرة، وجدت نفسها تدفع تلك الممرضة لا شعورياً إلى الخارج، بينما تخبرها أنها طبيبة وستعتني بتغيير جرحه بنفسها، تحت نظرات خالد الذي كان شعر بنبضات قلبه تتراقص فرحاً بغيرتها كما ظن، أما هي فكانت غاضبة من حالها، كيف تغار على شخص وهي تحب شخصاً آخر، غافلة عن حقيقة أن الغيرة هي الوجه الآخر للحب؟
تنهدت لميس بعمق، وهي تربط له أخيراً هذا الشاش بقوة لا شعورياً جعلته يتأوه من الألم بصوت خافت، فسارعت تقول بأسف: معلش أنا آسفة.
باين عليكي متصعبة.. في حاجة مضايقاكي؟
قال خالد ذلك مدعياً التعجب من حالها، وبالرغم محاولاتها إخفاء ما يدور في ذهنها، فارتعاشة يديها وحركاتها التي تعبر عن انزعاجها وغضبها، كانت تفضحها أمام عاشق يراقب أدنى إيماءة منها.
همهمت لميس بلامبالاة ظاهرية: لا أبداً مفيش حاجة.
استفهم بخبث: طيب ما سبتيش ليه الممرضة تغير على الجرح؟
رفعت لميس وجهها إليه بسرعة، وعيناها تلمعان بحدة، لتقول باقتضاب: لو عايزاها ممكن أروح أناديها لك.
اختتمت لميس جملتها، وهي تنهض من مكانها، لكن منعتها أصابعه التي التفت حول رسغها، تسحبها نحوه بخفة، هامساً بنبرة ذات مغزى لا تخلو من الاستمتاع بارتباكها: غيرانة عليا؟
همهمت لميس باستنكار متوترة من قربه ولمسة يده: وأنا بصفتي إيه أغير عليك؟
تأملها خالد بحاجب مرفوع، وسألها بنبرة احتجاجية وهو سعيد بهذه المناغاة بينهما: هنقضيها في الاستعباط ده كتير.. كنتي قلقانة عليا لما عملت الحادثة؟
هكذا سألها بلهجة جادة، فحمحمت تجلى حلقها، وهي تحاول إزاحة هذا الارتباك الذي يصيبها أمامه: طبيعي أي إنسان هيتحط موقف زي اللي كنا فيه يحس.. يحس بقلق وخوف.
جعد خالد حاجبيه ولم يعجبه ردها، فسألها مرة أخرى بصوت عميق: يعني كنتي هتزعلي عليا لو كان جرالي حاجة؟
ظهر الترقب الشغوف جلياً في رموشه الساحرتين، آملاً منها إجابة واضحة، فارتجفت شفتاها رغماً عنها من هذه الفكرة، لكنها لم تمنحه ما يريد، انحدرت بنظرها إلى يده التي قبضت على أطراف أصابعها وهي تجيبه: شكل تأثير الدواء مش مخليك مركز في اللي بتقوله.. ممكن تسيبني؟
لم يزيح رموشه الداكنين من بنيتها، بينما يرد مبتسماً: عمري ما هعمل كده لو فيها موتي.
قطبت حاجبيها متأثرة بشكل واضح بكلماته، فهو هنا الآن بسببها، إذ لم يغب عنها حقيقة أنه عرض نفسه لهذا الخطر الكبير من أجلها، لتسأل بصوت أعمق: ليه بتجيب سيرة الموت كتير؟
لأنها الحاجة الوحيدة اللي ممكن تفرقني عنك بعد ما لقيتك يا لميس.. انتي ما تعرفش أنا قد إيه بحبك وقد إيه بتمنى تكوني مراتي.
أنهى خالد حديثه، وهو يتأملها بنظرته العاشقة المتوازية مع نبرته الصادقة التي أجبرت قلبها العذري على الوقوع بين أحراش هذا الليث العاشق الذي بدأ عشقه يزحف بين نياط قلبها، فخفضت عينيها وهي تهمس بخجل: بس إحنا ما نعرفش عن بعض أي حاجة.. ما أعرفش عنك أي معلومات خالص!
مد خالد أنامله يقبض على ذقنها، يرفع وجهها إليه، وقال بإبتسامة هادئة: هيكون عندنا كل الوقت اللي تعرفي فيه كل حاجة عني، وأنا كفاية عليا إن أنا عارف إني بحبك وعايز أكمل عمري معاكي.
تعاقبت فصول العواطف على وجهها المحمر خجلاً، وهي تتمتم بنعومة أذابته: خالد.
استطاعت أن تهتز كيانه بقوة مشاعر عميقة، حالما نطقت حروف اسمه بصوتها الناعم، وبدون إرادته ضغط على أصابعها المتشابكة مع بأصابعه، وألح عليها بحب بالغ: ليه حرب الأعصاب ده ارحمي قلبي المسكين.. ردي عليا قلتي إيه؟
قالت إنك تعبان ومحتاج راحة.
جاء إليهم صوت باسم المتلاعب من خلفهم، فبادرت لميس على الفور بالنهوض من السرير، وأزاحت شعرها خلف أذنها، وتساءلت في حرج: أومال بابا فين؟
باسم بتخابث: سبقته على هنا، قلبي كان حاسس.. حمدلله على سلامتك يا بطل.
رمقه خالد بازدراء وحاجب مرفوع قبل أن يرمقها بضيق، منزعجاً منها لأنها انتزعت أصابعها عنه بغتة.
أنا طالعة أشوفه عن إذنكم.
قالت ذلك قبل أن تهرب خارج الغرفة وهي تشعر بالخجل الشديد من هذا الموقف المحرج، فيما جلس باسم على الكرسي بجوار خالد قائلاً بطرافة ماكرة: حرارة الأوضة بتقول إن الحب كان مولع في الدرة على الآخر.. طب استنى لما تقوم على حيلك الأول يا فان ديزل الشرق.
أعقبت كلماته غمزة شقية من رماديتيه المتلألأة بتسلية.
عض خالد شفته من الداخل بقهر مكبوت، ثم همس بغيظ: في حد يدخل دخلة المباحث اللي دخلتها علينا دي، حرام على أهلك يا أخي، كانت خلاص هتنطق.
أردف باسم مازحاً بتسلية: بذمتك ما قلتلهاش أنا مش محتاج لأدوية، انتي علاجي الوحيد.. تبقي كارثة لو قلتلها كده بجد!
حدجه خالد بنظرات نارية، وانفجر الآخر بالضحك عليه بمرح بعد أن اطمأن عليه.
في الخارج
لميس تمشي في الردهة ذاهبة إلى الكافيتريا لتحضر لوالدها فنجان قهوة، منبسطة الأسارير، ونبضات قلبها تتلاحق بزهو، بينما لا تزال تشعر بلمسة يده التي أخضعت جوارحها له.
اتسعت الابتسامة على شفتيها الرقيقتين، وتخللت أصابعها في خصلات شعرها بسعادة وأمل جديد.
بعد مرور بعض الوقت
خرجت أبريل من الحمام مرتدية بيجامة صيفية وردية شاحبة نصف كم، وسارت بخطوات هادئة، وهي تمشط شعرها ذو الخصلات الذهبية.
وقعت نظرتها بغرابة على شيء ما، وهي تتحرك نحو السرير، ضيقت نظرتها على هاتفها، ورفعته من أعلى الطاولة، ارتفعت زاوية فمها بابتسامة ساخرة عندما أدركت أن زوجة أبيها دخلت، ووضعته ثم غادرت، لكن ما جعلها تقطب حاجبيها بدهشة هو هذا الكتاب الموجود بجانب الهاتف، فالتقطته تقرأ العنوان بعينين جاحظتين، قبل أن تتهلل أساريرها بفرح، وهي تتفحص أوراقه بعدم تصديق.
كل سنة وانتي طيبة يا أبريلا.
اختفت الابتسامة من شفتيها تدريجياً فور سماعها صوت أخيها يقول بهدوء، فالتفتت إليه بتعبير غامض على وجهها بعد أن أزدردت رمقها، إذ لم تلتق به منذ الأمس، وبصوت حاولت أن تجعله منخفضاً سألت باستنكار: بمناسبة إيه.. عيد ميلادي لسه باقي كتير عليه؟
أشارت أبريل إلى الكتاب الذي تحمله بين يديها، ليخبرها بنبرته الرجولية المرحة: أنا قلت لازم نحتفل بعد ما عرفت أعمل لك فيه أخيراً.. عشان كده هنقدم عيد ميلادك.. ما أنا بصراحة مش حمل أجيب هديتين في سنة واحدة.
تركت الكتاب على السرير بإهمال مرئي، قبل أن تحتضن إحدى الوسائد ضاغطة عليها بأظافرها بقوة، وكأنها بذلك تقمع بركاناً على وشك أن يعلن عن ثورانه، قالت بصوت خافت: تعبت نفسك على الفاضي.. تقدر ترجعه من مطرح ما جبته.
تساءل يوسف بحيرة: إزاي ده! انتي كنتي نفسك تقرأي الرواية دي جدا.. وبعدين هتكسفيني.
قاطعت أبريل جملته بهدوء ما قبل العاصفة: ممكن تبطل تمثيل!
انفصلت شفتاه عن بعضهما البعض، وابتلعته وحوش الصدمة نتيجة اتهامها، مشيراً إلى نفسه وهو يجمجم مشدوهاً: انتي شايفة إني بمثل يا أبريل؟
هبت أبريل على قدميها بعد أن ارتفعت عواصف الغضب في فيروزيتها الغائمة بالدموع، وهي تردد بسخرية مريرة: أيوه بتمثل.. بطل تعمل نفسك مهتم بيا كدب.
انعقد لسانه عن الرد، وهو يتطلع إليها بنظرة حزينة،
ساد الصمت لثوانٍ معدودة حتى استطاع أن يجد صوته قائلاً في حرج: أنا عارف إنك مضايقة وزعلانة مني وحقك.. بس انتي مش فاهمة إ...
قاطعته أبريل مجدداً بانفعال، وهي تلوّزه صدره: لو مش فاهمة.. فهمني.. اشرح لي.. بس هتشرح تقول إيه! أنا اتخدعت فيك انت بالذات.. إزاي قدرت تغشني وتنافقني كده! إزاي قدرت تضحك في وشي وتطبطب عليا وتفرح لي وانت عارف إني مضحوك عليا ها إزاي!
هدرت أبريل بالكلمة الأخيرة بغضب، وهي تنظر إلى عيون يوسف النادمتين فيما ينبس بصوت يملأه الألم: والله العظيم يا أبريل أنا ما كنت موافق واعترضت كتير على اللي كان بيحصل.. وكنت عايز أفهمك على كل حاجة والله.. بس لو تفتكري أنا كنت في سفرية تبع الشغل.. لما رجعت وعرفت إن فتحتك هتتقري على مصطفى وشوفتك مبسوطة وبتتكلمي عنه بفرحة وانبهار.. معرفتش أنطق.. ده غير ضغطهم عليا يا أبريل افهميني عشان خاطري أنا ما كنت...
أكملت أبريل بدلاً عنه: أنا اللي ما عنديش ليك غير رد واحد دلوقتي على كل اللي حصل ده.
علقت أبريل كلماتها في الفضاء، لأنها رفعت يدها لتهوي بها على جانب فكه.
لم تكن صفعة قوية، بقدر ما كانت قاسية، لن يترك أي علامة على وجهه، لكنها شممت روحه بنيران الخزي من نفسه.
أغرق عيناه بالدموع، وهو يحتوي جسدها بسرعة، ويضم رأسها إلى صدره بيد، ويربت على شعرها بحنو باليد الأخرى، أما هي فقد طوقت خصره، واستطردت بنحيب مكتوم: بتكدبوا عليا ليه.. عملت لكوا إيه بس!
انهمرت العبرات من عينيه متأثراً ببكائها المرير، وهيئتها الضعيفة، وأحس بانقباض يشتد حول قلبه حزناً وندماً وأخذ يردد باعتذار: أنا آسف والله العظيم.. آسف أوي يا أبريل آسف والله آسف سامحيني.
تركها لبضع دقائق تبكي بحرية، حتى بدأت شهقاتها تهدأ شيئاً فشيئاً، وساعدها على ذلك ضمه إليها بقوة وحنان.
كم كانت في حاجة إلى ذلك الحديث، لتضمد بعض جراحها العميقة من طعنات الخذلان، ظلت متشبثة به، تستمد منه قوتها وصمودها من جديد.
أسهل كلمة أسف دي سهلة ممكن وانت بتنطقها يا يوسف.. بس للي عملته معناه إنك جبان.. خونت ثقتي فيك.
رفعت فيروزيتها الدامعة لتثبتها في عينيه البنيتين، ثم تركت العنان للغضب وخيبة الأمل التي استقرت في أغوار قلبها أن تخرج من صدرها المنقبض، وتصعد إلى لسانها، وهي تلفظ كلمات مليئة بالسخط والضيق الكامن في ذهنها بصوت مختنق بالعبرات: أنا كنت خايفة أوي من وجودي وسطكم.. كنت خايفة من حياتي معاكم.. وكنت خايفة ما ألاقيش من ناحيتكو قبول ليا.. فرحت أوي من جوايا لما طنط سلمى حضنتني أول مرة شافتني فيها.. ولما انت قربت مني وعاملتني كأنك تعرفني من سنين اتعلقت بيك ودخلت قلبي.. عارف إن ماما ما سمحتليش أقرب من ولادها.. كانت دايماً بتخليني أتعامل معاهم من بعيد.. وبطريقة سطحية أوي.. وأنا كل اللي كان نفسي فيه أحس إن ليا إخوات بجد أفرح واضحك وأبكي معاهم وأشاركهم حياتهم وأروح معاهم المدرسة و ننزل نلعب مع بعض في العيد.. كان نفسي يبقى ليا أخ عايش معايا أحس إنه سندي وضهري وأمان ليا في وقت أزماتي ويخاف عليا.
استوحشت برودة غريبة على صوتها، بعدما أفرغت ما بجعبتها: بس اكتشفت في الآخر إن إخواتي دول عمرهم ما حبوني ولا كان يهمهم مصلحتي.. إخواتي اللي اعتبرتهم حياتي كلها وأنا فضلت بالنسبالهم ضيفة وغريبة.. انت بسكوتك ده كنت هتتسبب في ظلم كبير أوي كان هيحصلي وأنا ده مش هسامحك عليه.
مهما قلتي وعملتي فيا أنا راضي عشان الحق عندك.. بس انتي أختي يا أبريل أنا مش بمثل.. ربنا وحده اللي عالم قد إيه معزتك كبيرة عندي.. وانتِ هتسامحيني ومش هتقدري تكرهيني.. اعتبريها غلطة ومش هتتكرر.. هتشوفي هقف معاكي من هنا ورايح في أي حاجة هتشوفي بعينك.
حافظت على ادعاء التماسك أمام توسلاته ودموعه، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل ألم قلبها الضعيف تجاهه، فهو الأخ الذي تمنت أن تحظى به، لا يمكنها أن تقسو عليه، لكن قلبها مجروح بشدة، ولا تشعر بالأمان، ويصعب عليها أن تسامحه على ما اقترفه بحقها، ستدع الأيام ترمم ما حطمه سلبيته.
في وقت متأخر من الليل
آه معلش التليفون كان فاصل مني طول اليوم يا مراد.. أنا لسه راجع البيت.. ها طمني إيه الأخبار؟
صمت باسم للحظات يستمع الرد من الطرف الآخر، ثم سأله باستغراب: بسرعة كده؟
تعالت ضحكاته المرحة في أرجاء غرفته، نافياً بهدوء: لا ما تعملش حاجة وأنا هكلمك بعدين.
شكره باسم بامتنان: تمام يا حبيبي متشكر جداً على الخدمة دي.. أكيد في أقرب فرصة هشوفك.. مع السلامة.
في صباح اليوم التالي
داخل منزل فهمي الشندويلي
في غرفة ريهام
الحقيني يا ريهام اللي كنت خايفة منه حصل!
هكذا صرخت سلمى بتوتر، وهي تقتحم غرفة ابنتها.
لوت ريهام شفتيها بحيرة، وهي ترتدي حذاءها باهظ الثمن ذو الكعب العالي: خير على الصبح في إيه؟
جاورتها سلمى على الفراش مغمغمة بصوت لاهث: ما فاتش يومين.. ومصطفى باعت بيطالبنا بالمتأخرات اللي علينا لشركته.
عقدت ريهام حاجبيها باندهاش، وقالت بعدم تصديق متوجسة: مش معقول مصطفى يعمل كده.. أكيد من عصبيته واكيد هيهدى ومش هيضرنا، إحنا قرايبه برده.
لمعت عيناها بحسرة لاذعة صدحت في قولها: مش هيضرنا.. ده ألغى الدفعة اللي كنا هناخدها نسد بيها بوق المهندسين المسؤولين عن تنفيذ التجديدات في الأوتيل بيهم.. وتقوليلي مش هيضرنا ده هيدور انتقامه فينا كلنا.
اهتزت نبرتها بخوف من مصداقية هذه الاحتمالية، لتربت ريهام على كتفها مهدئة إياها: هدي أعصابك انتي بس كده.
استقامت ريهام تهندم كنزتها البيضاء قليلاً، لتتابع بثقة استنكرتها والدتها: أكيد هنلاقي حل ماتقلقيش.
مسحت سلمى على وجهها القرمزي من شدة غضبها، ويكاد الألم يفتك برأسها قبل أن تهتف بنفاذ صبر لا يخلو من الخوف: حل منين بس بقولك بيتنا هيتخرب هيطردونا منه لو مسددناش الأقساط.. حاسة الضغط والسكر عليو عليا.. هلاحقها من أبوكي ولا من بنته ما بقتش عارفة أفكر.. لو عرفنا ندبر كام قسط هنعمل إيه مع البنك كل ما بنتأخر في دفع القرض بتزيد الفوايد علينا.. نتصرف إزاي دلوقتي يا ريهام خلاص هنتفضح قدام الناس هنعلن إفلاسنا يا دي المصيبة.
أجابتها ريهام باختصار خبيث: مش هتحصل مصيبة يا ماما.. أبريل هترجع لمصطفى وقريب أوي.
رواية جوازة ابريل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورهان محسن
كنت كطائر الكناري الطليق يتلولب في الهواء، حيث كان واثقاً فوق الشجرة عالية، ويغني للأغصان بصوته الرائع كل صباح، فصادف أن شاهدته من بين الأغصان، فأعجبت به وانجذبت نحوه، مما جعلك لا تستطيع أن تقاوم جماله الرقيق، فأحببت أن تحظى بإمتلاكه، لذا فكرت بصيده، فألقيت فتافيت الخبز إليه بمنتهى الرقة والحنان حتى اطمأن إلى يدك الممدودة إليه، ثم على حين غرة أدخلته في قفص ذهبي وأغلقت بقفل وردي، حرمانًا إياه من الغناء والحرية مرة أخرى يا ملاذي الملعون.
أما بعد.
نحن لا نقع في الحب باختيارنا، لكن الابتعاد عن من نحب قرار يمكن اتخاذه.
عند ريهام
"مش هتحصل مصيبة يا ماما.. ابريل هترجع لمصطفى وقريب قوي."
جحظت عينيها بدهشة، وهي تتساءل بسرعة: "هي قالتلك حاجة؟"
رفعت ريهام حاجبها بغطرسة مجيبة إياها بثقة: "من غير ما تقولي.. ابريل مش هتكمل مع باسم، لأن لو مش واخدة بالك هي وافقت على الخطوبة مش حبًا فيه زي ما هي عايزة تقنعنا.. كل الحكاية إنها عايزة تضايق مصطفى مش أكتر.. يعني فترة بسيطة وهيسيبوا بعض."
عبست ملامحها في استنكار، وأسندت مرفقيها على فخذيها، وشبكت أصابعها ببعضها البعض، وهي تتساءل بنفاذ الصبر لا تخلو من الارتعاب: "وانتي جايبة الثقة دي منين؟!"
نهضت سلمى من مكانها، وهي تتحرك ذهابًا وإيابًا، وقصفتها بالمزيد من الاستفسارات التي كانت تتماوج في رأسها بتوتر: "ماهي حتى لو سابته هنضمن إزاي إنها ترجع لمصطفى.. وتفتكري مصطفى أصلًا هيبقي لسه عايزها بعد اللي عملته فيه؟"
وقفت ريهام في وجهها، ورفعت يديها لتضعهما فوق ذراعي والدتها، وشرحت لها بنفس النبرة الواثقة، ممتصة غضبها: "دي بقي سيبها عليا.. أنا كلمت مصطفى امبارح ورايحة أقابله النهارده.. ومش بعيد أقدر أخليه يغير رأيه ويتمسك بيها أكتر."
انفرجت أساريرها بتفاجؤ، وقرع قلبها ينبض بأمل جديد، فهتفت تشجيعًا: "تبقي بنت أمك بصحيح إذا نجحتي في كدا يا ريمو."
تعالت ضحكاتها بخبث، وهي تطمئنها بغرور: "ماتخافيش يا ماما الأفكار عندي كتير أوي بس محتاجين شوية صبر.. يلا يدوب أروح الأتيليه أخلص اللي ورايا وبليل هروح أقابله أوكي."
وهكذا أنهت حديثها معها، وهي تتحرك من أمامها، تأخذ حقيبة اليد من فوق طاولة الزينة، بينما سلمى جالسة على السرير تتنفس الصعداء، ثم قالت بابتسامة: "طيب يا حبيبتي ماتنسيش تطمنيني بأخبار كويسة."
خلال هذا الوقت
عند عز
تململ في نومه، وهو يعقد حاجبيه بانزعاج من تلك اللمسات الناعمة، كما لو كانت تخبره بهدوء أنها بجانبه.
فتح عز عينيه ببطء، ووقع بصره على كف يدها، الذي تداعب به خده صعودًا وهبوطًا بنعومة.
أدار عز رأسه إليها، فأغلقت عينيها على الفور متظاهرة بالنوم، تأملها بحاجبين معقودين، قبل أن تلوح شبه ابتسامة متعجبة على فمه من هيئتها، عيناها مغلقة، وإحدى يديها تحت رأسها، ولا تزال تمرر أطراف أصابعها على لحيته في آن واحد.
ساورها الفضول حيال صمته، ففتحت عين واحدة ببطء، لتراه يحدق بها قبل أن يهمس بصوت خشن ممزوج ببحة النعاس: "صباح الخير.. بطتي الشقية قايمة من بدري وعمالة تعاكس فيا."
نظرت إليه من خلف جفونها نصف المغمضة، ثم غمغمت بهمس: "أنا لسه نايمة."
"والله.. من يوم ما اتجوزنا دي أول مرة أعرف إنك بتتكلمي وأنتي نايمة."
جاراه عز بذهول، مستمتعًا بسحر لمساتها الرقيقة، بالإضافة إلى حركاتها اللطيفة التي تخطف الأنفاس من صدره.
أجابته منى بابتسامة، وجفونها لا تزال مغلقة: "دي غلطتي عشان خبيت عليك مرضي اللي مالوش علاج."
رفع أحد حاجبيه الكثيفين في دهشة مما زاده وسامة، ثم غمغم متسائلاً: "ومن إمتى وانتي على الحال ده؟"
"من أول يوم اتجوزتك فيه."
تلقى منها الجواب بنفس الهمس بجانب أذنه، ثم ما لبث أن مالت بوجهها نحوه، وقبلت خده بحنان، مع ابتسامة كسولة علقت على زاوية فمه من حلاوة قبلتها، فيما عادت للنوم على جانبها كما كانت.
ضم شفتيه معًا في خط مستقيم، وهز رأسه بخيبة أمل وآس مصطنعين: "لساني مش مطاوعني أقولك ربنا يشفيكي منه.. أنا عايزك كده مريضة بيا على طول."
ابتسمت منى بهيام وهي تراه ينحني عليها ليضع رأسه على صدرها، ويلف ذراعه حول خصرها مثل طفل يتودد إلى حنان أمه: "أنا مش بس مريضة بيك.. أنت الميه والهوا والنفس ليا يا حبيبي."
بادر عز بسؤال، وهو يرفع وجهه إليها: "يعني تقدري تعيشي من غيري قد إيه كده بأقصى حد؟"
زمت شفتيها المغوّطين بتفكير مصطنع، لتقول بتمتمة ناعمة: "يعني يوم أو يمكن يومين كده."
"ما تصيعيش.. تقدري تعيشي من غير ميه أسبوع عادي."
قالها بنبرة مرحة ممزوجة بالضحك، وهو يطبع قبلة خفيفة على شفتيها المزمومتين، ثم سرعان ما غمس وجهه في صدرها مرة أخرى، ليصله صوتها المتحشرج من فرط المشاعر التي تعصف بقلبها النابض بقوة تحت رأسه: "بس مقدرش أستغني عن الهوا لو دقيقة واحدة.. وكل ما يخطر على بالي.. إني ممكن أصحى في يوم ومابقيش في حياتي بتجنن وأترعب."
نظراته العاشقة تركزت على مقلتيها الدامعتين بعد أن رفع نفسه نحوها، ليهمس لها بحزم حنون: "راسك الحلوة دي مش عايزها تفكر في الأفكار دي تاني.. إحنا هنعيش سوا.. ونكبر سوا ولا تقدر أي حاجة هتبعدني عنك."
اتسعت ابتسامتها، فازدادت جمالًا مع إشراقة وجهها الجميل، وأحاطت وجهه بين يديها قائلة بنبرة منخفضة جعلت انتظام نبضات قلبه يضطرب لهًا وعشقًا من أجلها: "بحبك قوي."
اقترب عز متصنعًا عدم سماع همسها، ليغمغم بجانب شفتيها: "إيه.. ماسمعتش؟"
تعالت ضحكاتها بنعومة، ثم ما لبث أن نطقت بحب: "بحبك أوي."
تلمعت عيناه بغرام جارف، متممًا بنفس اللهجة: "على صوتك أكتر."
مررت بأطراف أصابعها على لحيته قبل أن تطبع فوقها خده بقبلة هادئة، لتكرر بهمس مفعم بالعشق: "بحبك أوي."
أغمض عز جفنيه، وهو يشعر بالنعيم يغلفه وهي بين ذراعيه، مستمتعًا بنبرة صوتها الكناري، وتنهداته المنتشية تشق فمه، وهو يعانق جسدها له أكثر: "أيوه كده سمعت."
اتسعت عيناه من الصدمة، وهو ينتشل نفسه من خضم ذكرياته فور أن شعر أنه لا يحتضن سوى الفراغ.
نظر حوله بتيه، ليكتشف أخيرًا أن ما كان يعيشه قبل بضع ثوانٍ، لم يكن سوى ذكرى قديمة مدمجة في دفتر ذكرياتهم.
بعد فترة وجيزة
سمع عز طرقًا على باب الغرفة، وقبل أن يسمح بالدخول، وجده ينفتح، ليظهر باسم بطول قامته خلفه.
وقعت نظراته على الشخص الجالس على السرير، وتحيط به موجة من الدخان المتصاعد من احتراق سيجارته.
شعر بالأسى على حالته، فأخذ نفسًا طويلاً قبل أن يهتف بنبرته الهازئة، وعلى فمه ابتسامة جانبية: "جرى إيه في الدنيا يا أبو الصحاب.. كل ما أسأل عليك يقولولي معتكف.. أنت لو واخد سويت في أوتيل مش هيجيلك التلت وجبات جوه الأوضة كده."
داس عز بقايا سيجارته في منفضة السجائر الموضوعة على الطاولة قبل أن يلتفت إليه، صائحاً بصوت منزعج: "الله يخليك يا باسم مش ناقصك.. اخرج واقفل الباب وراك."
كتف باسم ذراعيه أمام صدره بعدم رضا، وقال بصوت ذو مغزى: "لحد امتى هتفضل راكب دماغك كده ومش عارف تهدي من عصبيتك المتخلفة دي شوية."
صاح عز بصوت غاضب: "استغفر الله العظيم.. باسم أنا على أخري.. يا تتكلم عدل يا تغور بره.. القرف اللي فيا يكفي بلد بحالة."
لاحظ باسم نظرات عز الزائغة على الهاتف بتوتر، فأتجه إليه، ليجلس على السرير أمامه قبل أن يبادر بسؤاله: "عايز تكلمها مش كده؟"
اندلعت شرارات من اللهب، يغلفها الشوق الغامر لها في مقلتيه، وهو يتململ في مقعده كأنه جالس فوق نيران تحرقه، وأخبره بنبرة معذبة يملؤها الحزن: "حايش نفسي بالعافية.. هاين عليا أقوم أروح أجيبها من عند أمها ولو بالغصب.. أنا أصلًا معرفش إزاي فاتوا عليا اليومين دول من غير ما أشوفها.. أنا مش متخيل أصلًا إني عايز أكلمها ومش عارف هكلمها بأنهي وش هقولها إيه.. دماغي هتشت مني!!"
هكذا تكلم عز، والدموع الحارقة تلمع في عينيه ليربت باسم على قدم الآخر بمؤازرة، وهو يخاطبه بجدية: "تعالى على نفسك شوية واستحمل عشانك وعشانها.. سيبها تقعد مع نفسها كام يوم عشان تفكر كويس وتحس بغيابك وتسأل نفسها أنت روحت فين وليه ماحاولتش تكلمها أو تروح لها.. ساعتها هي من جواها هتحس لأنها محتاجالك.. لكن طول ما أنت اللي هتفضل تطاردها هي هتهرب منك."
هز رأسه له بالموافقة على مضض، ثم سأله بسرعة بنفاذ صبر: "يعني أعمل إيه..؟"
تطلع باسم حوله بنظرات غير راضية، وهو يدلك ذقنه بأطراف أصابعه مفكرًا، ثم أخبره بهدوء: "تطلع من الحالة الكئيبة اللي حاطط نفسك فيها دي.. وقوم البس هتيجي معايا نروح لخالد.. الراجل متخرشم على الآخر."
عقد حاجبيه بإستغراب إحتل سؤاله: "ليه هو إيه اللي جراله..!!!"
استقام باسم واقفًا، ليسير ناحية الباب، معقبًا عليه بعجل: "انجـز أنت وفي السكة هبقى أحكيلك."
كأنه أنهى باسم كلامه في نفس الوقت الذي أغلق فيه الباب خلفه.
تنهد عز بقوة، ونهض من السرير بعد أن أزال الغطاء عنه، ثم توجه إلى الحمام استعدادًا للخروج.
في الساعة السابعة مساءً
بداخل إحدى المقاهي
جلست ريهام أمام مصطفى بمظهرها الأنيق، وعينيها الزرقاوين تتلألأ ببريقهما الخلاب، وقالت بابتسامة ساحرة ينخدع بها أعتى الرجال: "ميرسي ليك يا مصطفى إنك وافقت تيجي ونتقابل."
ابتسم مصطفى مجاملًا إياها بهدوء: "رغم إن مش راضي وعلي أخري من اللي بيحصل من أختك وأبوك.. بس أنتِ معزتك عندي كبيرة يا ريهام."
بادلته الإبتسامة، وهي تتحدث بلطف: "وأنت كمان.. إحنا مش بس قرايب إحنا أصحاب وطول عمرنا متربيين مع بعض.. عشان كده مش عايزآك تاخد قرار متسرع يا مصطفى تظلم أبريل بيه."
دلت ملامح وجهه الرجولية التي يكسوها احمرار طفيف إلى استيائه فور انتهاء جملتها، أعقبه تفوه الغاضب: "أختك حولتلي تمن الفستان والدبلة الصبح.. وكل المواقع والأخبار ناشرة صورها في حضنه وتقوليلي ما أظلمهاش.. ده عبث يا ريهام."
صمتت ريهام لعدة ثوانٍ، بحثًا عن إجابة ترد به عليه وهي توبخ أبريل سرًا في عقلها، قبل أن تنظر إليه وقالت بنبرة دبلوماسية: "شوف يا مصطفى أنا هكون طرف محايد.. زي ما هي غلطت.. أنت كمان غلطت.. أبريل بنت حساسة جدًا وكرامتها فوق كل حاجة وأنت عارف ده كويس."
رمقها بنظرة ممتعضة، هاتفا بنبرة محتدة: "حساسة إيه وزفت إيه.. بقولك في حضن غيري؟!"
زمت شفتيها بضيق من لهجته معها، لكنها بصبر بدأت تنسج خيوط قصتها الخيالية حول ذهنه: "الموضوع مش كده خالص.. ده جارنا من زمان وكانت عينه مني.. لما صدّيته حب يستفزني.. وطلب في حفلة أخته إيد أبريل قدام الكل وهي وافقت في لحظة انفعال بعد صدمتها بموضوع جوازك.. لكن هي ما بتحبوش ولا تعرف حاجة عنه أصلًا."
زوّى مصطفى حاجبيه بحنق تطابق مع تلفظه: "أنا كنت عارف إنه واحد حقير ومستغل بس ما تصورتش يبقى منحط لدرجة دي.. وإنتي إزاي ساكتة عليه.. ما عرفتيهاش الحقيقة وقولتي لبابا؟"
يسأل مصطفى مستفسرًا في نهاية عبارته، عبست ملامحها الفاتنة بحزن مصطنع ينضح بصوتها الناعم المملوء بالمكر الخفي: "ماكنتش عايزة أعمل مشكلة بينا وبين عيلته.. هما أصدقاء لعيلتنا من زمان جدًا وكمان بعد اللي حصل ثقتها فينا انعدمت.. مكنتش هتصدقني."
يهتف مصطفى محتجًا: "كل اللي قولتيه ما ينفيش إنها غلطانة في حقي أكتر ما غلطت في حقها بكتير.. أختك واتحدتني بكل بجاحة وأنا لآخر وقت كنت كويس معاها واستحالة أنساها اللي عملته."
طالعته ريهام بقلق بمجرد ظهور غضبه من أبريل مرة أخرى، وسرعان ما غيرت دفة الحديث بحزن مزيف: "باسم إنسان خبيث.. أنا خايفة عليها منه.. ممكن يضحك عليها ويضرها من غير ما تحس."
نفخ مصطفى بإستياء قبل أن يرد من بين شفتيه المضغوطتين: "أنا هعرف بطريقتي أخليه يبعد عنها غصبن عنه."
تجعّدت ملامحها على الفور من كلامه التهديدي، من المؤكد أنها لم تكن تريده أن يؤذي باسم، فغمضت عينيها واستفسرت بصوت يملؤه القلق: "يعني إيه.. أنت ناوي على إيه يا مصطفى؟"
ارتشف مصطفى قليلاً من فنجان قهوته قبل أن يجيب بغموض غير مريح: "هتعرفي في الوقت المناسب."
تجنبت نظراته الثاقبة لها، حينما نظرت إلى ساعة هاتفها بتوتر، ثم خاطبته بنبرة لينة: "طيب ممكن تيجي معايا على البيت ونكمل كلامنا هناك بليز يا مصطفى.. ماما أعصابها تعبانة جدًا من بعد اللي حصل وأنا قلقانة يجرالها حاجة."
أماء مصطفى إليها بالموافقة على مضض.
بعد مرور ساعة
بداخل غرفة منى
"استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.. يارب سامحني واغفرلي ذنبي.. أنا عارفة إني غلطانة وارتكبت إثم في حق نفسي لما حاولت أنتحر.. كانت النتيجة إني خسرت هديتك ليا.. أنا أستاهل عقابك بس سامحني واهديني للطريق الصحيح يارب.. اشفيني منه وخرج حبه الملعون من قلبي يارب.. دي غلطتي أنا اللي حبيته بالشكل ده.. أنا اللي أذيت نفسي وأنا مش حاسة.. يارب سامحني وعوضني خير من عندك يا كريم."
أنهت منى صلاتها، وطوت سجادتها قبل أن تنزع الأسدال عنها، ثم توجهت إلى شرفة غرفتها، تمسح الدموع عن وجهها بأطراف أصابعها المرتجفة، إذ لم تفعل شيئًا منذ يومين إلا البكاء على حالها وعلى قلبها الذي كاد أن يتوقف من شدة الحسرة وألم الفقد الذي تشعر به.
جلست منى على المقعد، وهي تضع يدها لا إراديًا تتحسس بطنها بابتسامة مريرة، هي ليست غافلة عن حقيقة كونها السبب فيما آلت إليه حياتها، فهي التي تخلت عن أشياء كثيرة لإرضاء زوجها، قلبها هو الذي لف حبلاً خانقًا حول رقبتها حتى زهدت روحها بابتسامة عريضة على وجهها.
ابتلعت تلك المرارة التي استقرت في جوفها، والذكريات تتضارب في ذهنها، لتغرقها في أعماق بحره العميق.
flash back
كانت منى تجلس في حضن عز على الأريكة في غرفة المعيشة داخل منزلهما، بينما كانت تتصفح أحد مقاطع الفيديو على هاتفها أثناء مشاهدة عز لأحد البرامج على التلفاز.
جذبت منى انتباهه بصوتها المتحمس مشوب بالحنين: "شايف يا عز البنوتة السكرة دي.. جميلة قوي أوي ماشاء الله.. شايف شايف ضحكتها العسل.. والله دي الواحد ما يشبعش منها أبدًا طول الوقت."
"زي ما أنا مش بشبع منك أبدًا كده؟!"
همس عز لها بتلك الكلمات بصوت أجش مثير بجانب أذنها، بينما يميل نحوها، وعض وجنتها برفق، فأبعدت رأسها عنه، وهي تتذمر برقة: "يووه من حركاتك دي يا عز.. الفيديو هنا شوف."
أدارت منى وجهه نحو الشاشة بيدها، فاخذ منها الهاتف وقال بنبرة غاضبة: "أشوف إيه بس!! دول شوية ناس مستعبطة أصلًا.. مش فاهم ليه بيستعرضوا عيالهم بالمنظر ده.. كل ده عشان كام ألف لايك وكومنت في الآخر.. أنا لما يبقى عندي بنوتة قمر كده من خوفي عليها هخبيها عن عيون الناس.. محدش عارف النفوس شايلة جواها إيه لبعض؟"
ابتسمت منى بحبور، وتسارعت نبضات قلبها شوقًا، سألت بنبرة ثقيلة: "يعني أنت نفسك في بنت؟"
غمز لها عز وهو يحدق بها بنظرة وقحة، شعرت بأنها عارية أمامه، وهو يقول بخفوت عابث: "جدًا.. أنا بموت في البنات.. هو في أحلى منهم."
لطمت خده بغيظ، ووبخته بشفتين مزمومتين، أثارت فيه رغبات غير أخلاقية: "احترم نفسك.. أنا بكلم بجد دلوقتي.."
لانت ملامحها، وأخفضت بصرها، مع ارتباك شعر به في صوتها فور أن قالت: "يعني أنت موافق إننا نجيب بيبي يا عز وننهي موضوع تأجيل الخلفة اللي اتفقنا عليه في أول جوازنا؟!"
شعرت بقبلته الناعمة على جبينها، وهو يحرك خصلات شعرها خلف ظهرها، ليسألها هامساً: "أنتي مستعدة لكده؟"
حدقت منى فيه بسرعة، مبتهجة أسايرها، وعيناها تتلألأ بوميض متلهف، ردت مندفعة: "أوي يا عز.. ماتتخيليش قد إيه نفسي أوي أجيب منك بيبي.. ها موافق؟"
طال عز النظر إلى عينيها بغموض قبل أن يجيبها بجمود: "مش عارف.. لسه حاسس إني هندم أوي لو وافقت."
تضاءلت البسمة فوق ثغرها الفاتن، وهي تسأله بتمهل بلمحة خوف: "ليه بتقول كده!! هو أنت مش..."
ظهرت البسمة على شفتيه قاطعًا بقية جملتها بتقبيل خديها بقبلات ناعمة متتالية، وهو يتمتم ببحته الرجولية الزاخرة بالشغف: "أنا كمان نفسي أوي في طفل منك.. بس خايف؟"
سألت بعينيها الساحرتين اللتين أذابت روحه في طبقات البندق اللذيذة في مقلتيها، وسرعان ما لف ذراعيه من حول جسدها أكثر بتملك عاشق، ليتابع عبارته بنفس النبرة: "أنا بس متعود إن اهتمامك كله ليا أنا لوحدي.. ف على قد ما أنا عايز أخلف منك على قد ما أنا غيران من فكرة إنه لما ييجي الطفل ده هيشاركني فيكي وممكن يلهف كل وقتك وتنسيني أنا."
أنهى عز كلامه بتذمر طفولي حاد مليء بالتملك، عقدت حاجبيها من جدية كلامه غير المنطقي، لكنها في النهاية تعشق هذا الرجل بقلبه العفوي، فقاربت جسدها منه داخل حضنه، وشرعت في استرضائه بلطافة: "هو أنت هتغير من ابنك من قبل ما ييجي يا مجنون.. أنا وأنت هنبقى شركاه في النونو.. هنربيه ونحبه ونهتم بيه مع بعض يا زوزو."
تلمعت عيناه بوميض ملتحفًا بالشغف، وهو يهز رأسه بالموافقة فيما يسحبها من خصرها، لتعانق رقبته بكلتا ذراعيه بابتسامة مليئة بالفتنة، فهمس فوق شفتيها بإغواء رجولي جذاب: "قدام زوز دي من شفايفك الحلوة تسقط كل أسلحتي وبرفعلك الراية البيضاء بكل حب واستسلام يا بطة قلبي."
اقترب عز منها حتى اختلطت أنفاسهما سوياً، حركت وجهها يميناً ويساراً، في محاولة للتمنع عليه بدلال، لكن قبلاته المحمومة بالجنون، وهمساته لها بهذه العاطفة الجياشة جعلت قلبها يستجيب له بنفس الشغف الملتهب.
back
خرجت من الانغماس في أفكارها عند شعورها بلمسات ناعمة على قدميها.
خفضت نظرتها إلى القطة الصغيرة التي يمتلكها ابن أخيها، فانحنت والتقطته بلطف من الأرض، ووضعته في حجرها، ودبت رأسه الناعم، وهي تنظر إلى الأمام مرة أخرى في صمت.
لها هي الآن فقدت بآن واحد جنينها وزوجها الذي أحبته أكثر من حياتها، حتى باتت تشعر بأنها لا قيمة لها بدونه، فهو ملاذها ولعنتها في نفس الوقت، لذا لن تلقي اللوم عليه وحده، هي أيضًا ملامة بشدة، ولكن تسمح لنفسها بأن يستهلكها الحزن وتظل عالقة بذكرياته إلى الأبد، عليها أن تتقبل الواقع.. يكفي عناد ودموع.
أخذت منى نفسًا عميقًا، وقررت المضي قدمًا وتغيير هذا الشعور المرير إلى شيء إيجابي قريبًا.
ما حدث لن يكون نهاية العالم، ولن تتوقف الحياة حزنًا عليها، ولن ينفعها الاستمرار في البكاء على الأطلال، وعند وصولها إلى هذا الحد من التفكير، قامت من مقعدها عازمة على فعل شيء ما.
عند أبريل
كانت تجلس على الأريكة في غرفتها، وفي يدها الكتاب الذي أهداها إياه أخيها.
فجأة أغلقت، وانحنت إلى الأمام في مقعدها، وقدميها متقاطعتان، وهي تمضغ قطعة الشوكولاتة في فمها بملامح مستاءة قائلة في دهشة من حالها: "هو أنا شاغلة دماغي ومللهوفة إني أشوفه كده ليه أصلًا.. وإيه القلق اللي حاسة بيه ده!! ما خلاص الجرايد كلها ناشرة صورنا مع بعض.. يعني خلاص بقينا مرتبطين وما يقدرش يخلع."
أدارت أبريل مقلتيها بضجر، وهي تلعب بأطراف ضفيرتها وأردفت بإغتيظ: "بس ده باين عليه لعبي وأنا مش مطمنة ليه خالص.. يا ترى هيكون راح فين!! ده بقاله يومين ولا حاول يجي ولا شفته في الكومباوند كله.. حتى لما مامته شافتني الصبح ما جابتش سيرة عنه وسألت على صحتي وخلاص.. أووف يحصل اللي يحصل بقي.. أنا شاغلة دماغي بيه ليه أصلًا!!!"
نفخت أبريل وجنتيها بإمتعاض، ثم تذكرت مكالمتها مع جدتها أمس.
flash back
"إزيك يا سبورة عاملة إيه؟"
اختتمت سؤالها بنبرة مرحة، وتلوى شدق صابرين بتذمر زائف قبل أن تضحك بخفة وهي تسأل بمحبة: "هعديلك سبورة دي يا كلبة المرة دي.. طمنيني كنا قلقانين عليكي أوي."
أجابت أبريل بهدوء: "أنا تمام والله."
رأتها أبريل تجلس بجوار تحية، وتضع الهاتف على بعد مسافة حتى ظهرت صورة جدتها أمامها وهي تهتف بلهفة: "أبريل يا حبيبتي أنتِ كويسة."
ابتسمت أبريل بشوق كبير، هاتفة بحب: "يا توحا وحشتيني أوي."
"وإنتي يا روح قلب توحا.. كان قلبي هينخلع من خوفي عليكي."
"بعد الشر على قلبك يا ستي.. ماتعيطيش.. أنا كويسة والله العظيم زي ما أنتوا شايفين أهو."
عارضت تحية بعدم اقتناع نابع من خوفها عليها: "كويسة إيه بس.. أنتِ لونك مخطوف يا بنتي وصوتك كمان باين عليه التعب."
تدخلت صابرين مستفسرة بعدم فهم: "إيه اللي حصل يا أبريل؟ ليه تعبتي جامد كده.. إحنا مش فاهمين حاجة وأحمد تليفونه مقفول من امبارح ولا بيرد علينا!!"
تجاهلت إبريل الرد على كلامها الأخير، ولم تخمن كثيرًا، إذ عرفت أن ذلك بسبب استفزازها له، لكنها اضطرت لذلك حتى لا يتصاعد النقاش بينهما، ويؤدي إلى مشاجرة مع باسم، كان عليها أن تجعله يستيقظ على حقيقة أنها لم تعد بحاجة إليه منذ فترة طويلة.
نفضت ابريب تلك الأفكار من ذهنها، مبررة بكذب: "كانوا شوية تعب خفاف.. أنتوا عارفين تغيير الجو بيأثر عليا وكمان أنا فسخت خطوبتي من مصطفى."
اتسعت أعينهم من الصدمة، وقبل أن يطرحوا عليها المزيد من الأسئلة، بدأت تروي لهم أحداث اليومين الماضيين، وعندما انتهت صاحت صابرين بإستشاطة: "ابن الـ... منه الله اللي معندوش ضمير.. هو فاكر إن بنات الناس لعبة.. وإزاي أبوكي ومراته الحربوقة يعملوا كده!!"
تحية بقلق: "أبريل ارجعي يا بنتي وخليكي هنا معانا ووسطنا.. أنا مش هستحمل يجرالك حاجة وإنتي معاهم لوحدك.. ما بقتش آمن تقعدي مع الناس دول بعد عملتهم السودة دي.."
فركت إبريل طرف أنفها متوترة من جدية جدتها في الحديث، ثم همهمت بخفوت: "مش هينفع يا ستي."
ردت صابرين بدلاً من والدتها بإمتعاض: "استني إنتي يا ماما.. يعني إيه مش هينفع يا أبريل.. أنتِ بتفكري ترجعيله ولا إيه؟!"
هزت أبريل رأسها بقوة نافية على الفور: "استحالة أرجع للبني آدم ده.. أنا بعتله كل حاجته وموضوعه بالنسبالي اتقفل."
صابرين بتصميم: "يبقى خلاص واحد.. مافيش حاجة اسمها تفضلي عندهم يوم واحد تاني."
ربتت تحية على ذراع صابرين، حتى تسيطر على انفعالها قبل أن تتحدث إلى أبريل بحنان: "خالتك بتتكلم صح يا حبيبتي.. تعالي وعيشي معانا بقي وبكرا يجيلك عدلك يا حبيبتي وتتهني."
ازدرت ابريل بإرتباك وتردد: "ماهو فيه حاجة كده حصلت لسه ما حكتلكوش عليها..."
تكلمت صابرين بعدم ارتياح من تحركات أبريل المضطربة، التي تعرفها جيدًا كلما ارتكبت كارثة: "إيه حصل تاني.. ماتكلمي على طول يا مزغودة.. أنا أعصابي ساحت منك."
فركت ابريل كفيها معًا قبل أن تتحدث بسرعة، كما لو كانت على وشك أن تلقي نفسها في البحر: "أنا هتخطب."
صابرين بإنشداد: "تتخطبي!! هو أنتِ لحقتي؟!"
أبريل بتذمر: "يا ستي ما تسكتيها بقي.. كل شوية بتقطعني.. ماتسمعي للآخر يا صابرين."
لوحت صابرين بكلتا يديها مستاءة بعبوس: "أسمع إيه ونيلة إيه!! تفسخي وتتخطبي وأهلك معندهمش خبر.. هي دي أخرتها يا جزمة."
تضاحكت أبريل بخفة، وردت بسلاسة: "هو أنا بقولك اتجوزته!! هو كلم بابا من يومين بس."
رمقتها صابرين بزاوية عينيها بنظرة ذات مغزى، فيما استفسرت الجدة بصوتها الهادئ: "ويطلع مين ده يا أبريل؟"
أبريل بمراوغة: "شاب ابن ناس كويسين ومحترمين أوي.. جيرانا.. لما تعبت هما اللي اهتموا بيا وجابوني على المستشفى.. يبقوا جيرانا بالكومباوند.. هو أصلًا بتاعهم وعندهم شركة مقاولات كبيرة."
صابرين بسؤال مباشر: "المهم هو إيه نظامه؟"
ردت أبريل بثقة كاذبة: "هو كويس ومحترم جدًا ووسيم كمان."
"يلا أنا هقفل شوية عشان أستريح وهرجع أكلمكم تاني."
back
زفرت أبريل بقوة، وهي تضرب إحدى كفيها بأخرى، ساخرة من نفسها: "معرفش أنا هقصر أكتر من كده إيه تاني من كتر الكذب اللي عمالة بكدبه من ساعة ما شفت البني آدم ده."
وصل إلى أذنيها صوت غريب من خلف شرفة غرفتها المفتوحة، فأدارت رقبتها إلى الوراء في دهشة لتعرف ما هذا الصوت.
اتسعت مقلتيها بذعر يدب في قلبها، حالما رأت ظلًا طويلًا يتحرك من خلف الستائر البيضاء، فنهضت من مكانها بهدوء، وعقلها يتخيل العديد من السيناريوهات السيئة حول هوية ذلك الشخص الذي يختبئ في الظلام ويريد اقتحام الغرفة بهذه الطريقة.
بدأت تفكر بسرعة إذا كان عليها أن تصرخ طلبًا للمساعدة ممن في المنزل، سيمر قدر لا بأس به من الوقت حتى يتمكنوا من الوصول إليها، مما يمنح هذا الشخص المجهول وقتًا كافيًا لإيذائها فعليًا، لذلك ليس أمامها وسيلة للدفاع عن نفسها سوى مهاجمته أولًا، لتسرع في خطواتها، وتلتقط مضرب بيسبول شقيقها بجوار الخزانة، وتغلق مقبس الكهرباء، فتغرق الغرفة في الظلام باستثناء شعاع ضوء خافت يتسرب من فتحة الشرفة، والتي بمجرد أن استدارت نحوها مرة أخرى، وجدت أنه على وشك الدخول منها، فمشت على أطراف أصابع قدميها حتى لا تحدث أي ضجيج، ووقفت خلف الجدار، بجانب باب الشرفة، ورفعت المضرب بين يديها، وفور أن دخل الغرفة، هبطت على رأسه بكل قوتها فخرج صوت أنين متألم من فمه، تزامنًا مع سقوطه على الأرض كجثة هامدة.
ركضت إلى الزر الكهربائي، وضغطت عليه، ثم عادت إلى مكانها ببطء، ممسكة بالمضرب بشكل دفاعي، تريد أن تعرف من هو قبل أن تنادي من في المنزل.
جحظت عيناها بهلع، وعلامات الصدمة بادية على ملامحها، وهي تشهق بحشرجة مرعبة: "يااااالهوي!!!!"
رواية جوازة ابريل الفصل العشرون 20 - بقلم نورهان محسن
يخربيت سنينك السوده يا ابريل
قالتها بهلع ممزوج بطعم الدموع التي بدأت تتساقط على خديها من الخوف، وأخذت تضرب خده براحة يدها بخفة، تحاول إيقاظه:
فوق يا باسم.. فوق ابوس ايدك.. الله يخليك.. ماتودنيش في مصيبة.. والنبي قوم.
ظلت ابريل تناديه بذعر مرتجف يعادل دقات قلبها المدوية من الرعب، على أمل أن يستفيق، لكن لا حياة لمن تنادي.
وضعت إصبعها السبابة أمام أنفه، وشعرت بأنفاسه الدافئة، فأطلقت على الفور تنهيدة عميقة ممزوجة بالارتياح، حينما تأكدت من أنه لا يزال على قيد الحياة.
تمكنت أخيرًا من النهوض، وسارت بخطوات مرتعشة نحو طاولة التجميل الخاصة بها، وسحبت زجاجة عطرها من فوقها، لتعود إليه مرة أخرى، ثم ركعت بجانبه، وهو لا يزال فاقدًا للوعي، وبدأت في نثر بعض العطر على ظهر يدها لتبدأ بتمريره بالقرب من أنفه ببطء ليستنشقه، وهي تهزه بلطف.
رأته يتململ برأسه، ويعقد حاجبيه انزعاجا بمجرد استنشاقه لرائحة العطر التي تسللت إلى أنفه، مما جعله يبدأ بالخروج من غيبوبته المؤقتة، وهو يستمع إلى همسها الخائف:
الحمدلله.. انت كويس..!!
فتح جفنيه ببطء قبل أن ينظر إليها لبضع لحظات بتيه صامتة أخافتها، فسألت بسرعة:
ساكت كدا ليه؟! رد بأي حاجة طمني عليك.
إعتدل بظهره مع بعض الألم الذي يعصف برأسه، وهو يمسك مكان الضربة على الجانب الأيمن من جبهته، بينما ينظر حوله في نفس الصمت.
تابعت بسؤال آخر:
طيب انت جيت هنا ليه؟
انت مين؟
وقع سؤاله المباغت على أذنيها، مثل صعقة عنيفة شلت أطرافها.
في ذلك الوقت.
فى فيلا صلاح الشندويلى.
كانت هالة تجلس على أحد الكراسي المريحة أمام حوض السباحة، تستمع إلى الموسيقى الهادئة عبر السماعات الصغيرة في أذنيها، وتنظر إلى الماء الذي عكست داخله صورة السماء بستار ليلي مرصع بالنجوم الساطعة، والنسيم يداعب شعرها البني حول وجهها الباهي، بينما عقلها شارداً فيما حدث هذا الصباح.
flash back.
اطمنتي علي لميس؟
طرحت وسام هذا السؤال بصوتها الأنثوى الهاديء، بينما تجلس مع هالة على طاولة الطعام تتناولان الإفطار لوحدهما.
جاءها الجواب منها بعد أن ارتشفت القليل من عصير البرتقال:
اخر مرة كلمتها كانت بليل وهي تمام هتيجي من الفيوم اخر الاسبوع.
سلمي بهدوء:
تيجي بالسلامة.. صحيح خلصي فطارك وادخلي لباباكي في مكتبه لما صحي سألني عليكي.
هالة بتوتر:
طيب ماقالكيش عايزني في ايه؟
أجابتها بتخمين:
لا يا حبيبتي بس علي ما اعتقد هيكلمك في موضوع ياسر.
ربنا يستر.
ماتقلقيش.
هكذا تمتمت وسام بنبرة مطمئنة، فأومأت لها هالة برأسها قبل أن تغادر من أمامها متجهة نحو مكتب والدها.
صباح الخير يا بابا.
صباح النور.
طرقت الباب بهدوء، فجاءها صوته يسمح لها بالدخول:
اخبارك ايه؟
هالة ببساطة رقيقة:
كله تمام الحمدلله.. كنت عايزني في حاجة مش كدا؟
مرت دقيقة من الصمت، قام خلالها من مقعده، ثم دار حول المكتب، ليجلس مقابلها قبل أن يتحدث بلهجة جدية:
سبق من يومين لما جيتي وقولتلي انك رجعتيله دبلته، ردت عليك وقلت لك مش هسمع قرارك النهائي دلوقتي وهديك فرصه يومين تفكري كويس يمكن تغيري رايك، ودلوقتي بسألك للمرة الاخيرة انتي متأكدة من القرار اللي بلغتيني بيه؟
أومأت هالة برأسها بينما لسانها يؤكد له بتهذيب:
بصراحة يا بابا انا اديت لنفسي اكتر من فرصة معاه.. بس هو مشكلته انه مش شايف نفسه غلطان او عامل حاجة مزعلاني، وانا بقي صعب عليا اتجاهل اللي بيحصل.
خفضت وجهها إلى الأسفل، وضد إرادتها، تجمعت العبرات في زوايا مقلتيها، وأضافت بصوت منخفض، كأنها توجه هذا الحديث لنفسها:
بس بجد اذا في حد فعلا غلطان فهو انا.. انا اللي فشلت في اختياري من الاول.. كنت غلطانة لما افتكرت ان ممكن اقدر اغيره.. الجواب كان باين من عنوانه وهبقي غبية اذا كملت يا بابا وانا جوايا شك ان الحال ممكن يفضل زي ماهو.. ف ايوه يا بابا انا مش هقدر استمر في الخطوبة دي.
عانق صلاح كف يدها بحنان يؤزرها، وهو يقول بهدوء:
تمام يا هالة.. انا سبق وقولتلك اني معاكي في اي قرار هتاخديه.. ومش ممكن هسمح انك تعيشي باقي حياتك متعذبة مع واحد مافيش بينكو تفاهم.
هالة بإبتسامة ممتنة:
شكرا يا بابا.
عادت هالة من أفكارها إلى الواقع، والابتسامة ترتسم على شفتيها، زفرت أنفاسها بارتياح وهدوء غريب لم تحظى به فى الآونة الأخيرة، ربما لأنها تمكنت من اتخاذ قرار الابتعاد عما يؤلمها بمفردها دون تدخل من أحد.
انت مين؟
وقع سؤاله المباغت على أذنيها، مثل صعقة عنيفة شلت أطرافها.
خرجت ابريل من أفكارها المرتبكة على صوته الحائر، بمجرد أن كرر نفس السؤال:
انتي مين وانا بعمل ايه هنا؟
ابريل بِلا استيعاب لا تخلو من الصدمة:
مش فاهمة قصدك.. يعني انا مين..؟
أنتابها القلق الشديد عليه فور أن أمسك برأسه، وتجعد جبينه من الألم، فاقتربت منه دون وعي، ناسية ما كانت تفكر فيه قبل ان تتساءل بصوت مفزوع:
مالك انت حاسس بإيه؟
تحسس باسم بأطراف أصابعه مكان الإصابة بحذر منزعج من الألم، قبل أن يجيبها بضيق:
وجع جامد في راسي.
شكل الخبطة كانت جامدة.
جمجمت ابريل بخفوت، وإزدردت لعابها بتوتر، وهي تخفض يده إلى الأسفل، وعينيها تتفحص رأسه بعناية قبل أن تزفر بشيء من الراحة:
الحمدلله مافيش نزيف.. هتبقي كويس بعد شوية و يروح الوجع.. بس هو انت بجد مش عارف انا مين؟!!
ترددت في طرح سؤالها الأخير بخوف لم يخفى على عيني الجالس أمامها على الأرض، الذي مرر عينيه اللامعتين على ملامحها الطفولية، وهمس بإعجاب:
كل اللي اعرفه انك حلوة اوي بالضفرتين دول يا بندقة.
اتسعت عيناها حتى كادت تخرج من محجريها من الصدمة التي ألجمت لسانها للحظات، ثم حركت رأسها بعدم التصديق تطابق غمغمتها:
لا انت مش طبيعي.. مش طبي...
سألها بحيرة طريفة:
انتي متعودة تقابلي الضيوف بالترحيب الشديد دا؟؟ ودا بتعملي بيه ايه هنا اصلا؟
قال باسم السؤال الأخير باستنكار شديد، وهو ثني ساقه، ممسكًا بالمضرب الخشبي.
فأجابته بعفوية:
بتاع اخويا.
جذبته ابريل من يده بغتة، وهى تهاجمه مستفهمة:
انت اللي بتعمل ايه هنا في اوضتي في وقت متأخر زي دا انت مجنون ولا بتستهبل...!!؟
احتبست الحروف فى جوفها حالما وضع إصبعه على شفتيها، قائلا بتوبيخ هامس:
هيسمعونا.. حد قالك اني اطرش؟!
اوعي كدا.
أبعدت يده عنها، وهي تنفخ الهواء من فمها بضيق، ووضعت يديها على مكان قلبها الذي كان يؤلمها من شدة خفقاته، وأردفت بتقريع:
حرام عليك قلبي كان هيقف من الخوف عليك يا بارد وانت مرمي قدامي ومابتنطقش.
أربكت نبضات قلبه، وكأن عاصفة صحراوية استهدفت كيانه، حالما أحس بخوفها عليه للمرة الثانية، بادياً علي ملامحها وتصرفاتها ليتمتم باندفاع:
خوفتي عليا؟
سألت ابريل مستنكرة:
وانا هخاف عليك بأمارة ايه؟
رفع باسم يده، ومسح بخفة دمعة هاربة على خدها المحمر، وسأل مستفسرًا بتعجب ماكر:
اومال الدموع دي كلها علي مين؟!
أدركت أبريل على الفور أنها كانت تبكي دون وعي من خوفها، فأجابت عليه بسرعة بديهة تتحلى بها:
علي مستقبلي اللي كان هيضيع بسببك.
ارتفعت ضحكاته الرجولية، مشاكساً إياها بمرح:
واطية يا بندقة.
وكزته أبريل في كتفه، وهى تمتم بغيظ من هذا المحتال:
احترم نفسك.
شعر باسم بألم طفيف، لكنه رسم على ملامحه مزيد من الألم المزيف، وهو يئن بتحذير:
اي حاسبي...
نبست أبريل بقلق، وهي تكور قبضتيها بقوة تحت ذقنها قبل أن تقول بمبرر يتناقض مع توبيخها له، مما جعله يحبس ضحكته بصعوبة من جنونها:
اسفة مقصدش والله.. ماهو انت اللي بتستفزني وقايم فيك حيل تستظرف كمان!!
غمز باسم لها بعبث عفوى، وهو يجيبها مبتسماً:
فيا حيل لحاجات كتير تحبي تجربيها.
اعتلت فيروزيتها نظرة شرسة، مشيرة إليه بتهديد، وهي تهسهس من بين أسنانها في استهجان محبب له:
انت لو مابطلتش والله هـ...
تاملتها رماديتيه، التى تهيم علي ملامحها بتأنِ، تلائم مع نبرته التائقة:
وحشتيني ووحشتني شراستك.
تلاشت نظراتها الغاضبة حالما سمعت همسه الرجولي الذي لامس شغاف قلبها لا شعورياً، فيما هو يرى الخجل يرتسم كلوحة فنية مليئة بالألوان القرمزية الرائعة على صفحة وجهها ذو الملامح البريئة، وهي ترد بتلعثم خجول:
هقوم اجيبلك حتة تلج تحطها مكان الخبطة قبل ما تورم.
سرعان ما وجدت قبضته تلتف حول معصمها، تمنعها من النهوض، وهو يرفض باعتراض:
لا خليكي ماتخرجيش.
أخفت ابريل رجفة سرت في أعماقها خلف الاحتجاج الذي ظهر على ملامحها، فسحبت يدها منه قبل أن تستفسر بريبه:
اشمعنا؟
مصطفي قاعد برا.
اندهشت ابريل من إجابته، وكأنه يحدثها عن أحوال الطقس، ولا إرادياً حركت رأسها نحو باب غرفتها قبل أن تثبت نظرها عليه من جديد بتوتر، وقالت بتعجب:
وانت عرفت منين!!!
أجاب باسم موضحا إليها، وهو ينهض ببطء من الأرض، وهو لا يزال يشعر بصوت يشبه الطنين في جمجمته:
ماهو دا اللي جابني الامن بلغوني انه دخل مع اختك فجيت اطمن عليكي.. بس انتي كده طمنتيني عليكي قادرة تقومي باي حد.. ومجهزة السلاح كمان.
قال جملته الأخيرة مازحا، عندما رآها تستقيم هي الأخرى، وهي تمسك المضرب، فتصاعدت ضحكتها العفوية، التي يسمعها لأول مرة منذ أن التقى بها.
كنت عايزني اعمل ايه وانت داخل عليا دخلة الحرامية دي.. بس الحمدلله جت سليمة.
رفع يده ليلمس جبينه بحسرة، وتمتم علي مضض مضحك:
اه جت سليمة جبتيلي ارتجاج في المخ ودشدشتي نفوخي من جوا بس.
ضحكت ابريل برقة فشلت في اخفائها، ثم أخبرته بمزحة:
احمد ربنا اني مكنتش طويلة شوية كانت دماغك دي اتفلقت نصين من قوة ضربتي.
باسم بحاجب مرفوع، مغتاظا من ثقتها غير المنطقية:
ايه الفرعنة اللي انتي فيها دي يا بت انتي.. اومال لو ماكنتيش شبر ونص هتعملي فينا ايه؟!
تحولت ملامحها إلى الجدية التي بدت في قولها الذي يكاد يكون متوسلا:
احنا اللي هيتعمل فينا لو حد دخل دلوقتي وشافك.. ممكن تخرج بقي قبل نتورط في مصيبة جديدة!!
مش قبل ما تجاوبيني؟؟
قال باسم ذلك وهو يجلس علي سريرها بإرتخاء، فسألت مستفسرة بفضول:
علي ايه؟
ماوحشتكيش اليومين اللي فاتو؟
أدارت عينيها بملل واضح من تلاعبه، ثم نظرت إليه بسرعة مرة أخرى، ووضعت يديها على خصرها، وأجابته بامتعاض:
وهتوحشني ليه؟! هو انا اعرفك منين ما تخليك منطقي في كلامك؟!
رفع باسم يده يحك بها مؤخرة عنقه، مدمدماً بحرج:
يخربيت ام الدبش اللي طالع من بوقك.
نهض من مقعده متوجهاً إليها، مهدئاً قليلاً من روعها وهو يتابع قائلاً:
خلاص ماتتوتريش انا جنبك.
طالعته ابريل لثوانٍ، ثم لوت فمها بتهكم، وهي تردد داخلها:
وجودك انت هنا موترني اكتر من اللي قاعد برا.
فى نفس المنزل.
تحديدا علي طاولة الطعام.
كانوا يتبادلون اطراف الحديث، وهم يتناولون العشاء.
انت ما اكلتش يا مصطفي الاكل مش عجبك ولا ايه؟
أنهت سلمى سؤالها بإستغراب مرتبك من صمته، ليرد عليها بلامبالاة:
ماليش نفس للاكل.. ابريل فين ايه مش حابة تشوفني؟
بررت ريهام له بدلاً من والدتها بنبرةٍ لينة:
لا هي من ساعة ما خرجت من المستشفي وهي جوا اوضتها مابتطلعش منها الا بسيط اوي حتي مابقتش تقعد تاكل معانا.
تلفظ مصطفي بلهجته الآمرة:
عايز اشوفها.
بس هي مش عايزة.
وصل رد يوسف الساخر بجمود إلى أذنيه لكنه لم يعلق عليه، فيما تدخلت سلمى في الحديث بصوت هادئ معتذر بعد أن نظرت لابنها بنظرة تحذيرية:
معلش يا مصطفي اديها فرصة تستوعب و تهدا ماتنساش هي صحتها لسه ضعيفة.
ردد مصطفي بإقتضاب:
اديها فرصة!!
أخذ مصطفي نفسا عميقا، وهو يبتسم ببرود، وتابع بهدوء خطير لا يخلو من السخرية:
بالمناسبة سمعت انكو اتفقتو مع صلاح علي معاد الخطوبة بعد اسبوعين .. معلش عشان اكون فاهم ناويين تثبتوني لحد بعد فرحها يعني مش كدا!!!