تحميل رواية «جوازة ابريل» PDF
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد مرور شهر. في قاعة أفراح فخمة، تسبح في بريق الأضواء المعلقة في السقف العالي كأنها نجوم متلألئة تُشع بوهج يخطف الأنفاس. الأرضية مكسوة برخام أبيض ناصع، يلمع تحت الأقدام كمرآة تعكس بريق الثريات الذهبية المتدلية بانسيابية من السقف المزخرف بنقوش فنية بديعة. الجدران كانت مزينة بأقمشة حريرية باللون العاجي، ومرصعة بزهور طبيعية متناغمة بألوان الباستيل الهادئة. رائحة الورود تعبق في الأرجاء، تحمل معها لمسة من الفخامة والأصالة. الطاولات مصطفة بعناية، مفروشة بأقمشة مخملية مترفة، تتوسطها شمعدانات مذهبة، تح...
رواية جوازة ابريل الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم نورهان محسن
بداية الحب بيننا كانت بمثابة مجموعة من نقاط الماء تنزل على سلك كهربائي عارٍ، فأحدث انفجارًا عظيمًا، إذن كيف ستكون النهاية؟!
- إزاي مقرب مني كدا، أنا بنت خالك، أخرج حالًا قبل...
بتر أحمد بقية عبارتها، ممسكًا بيدها يوقفها قبل أن تصل إلى الباب، وهمس بغضب أعمى، تزامنًا مع دفعها نحو الحائط، فأغمضت عينيها، وشعرت بألم في أسفل ظهرها، واندفعت الدموع من عينيها لا إراديًا، مما جعله يتلعثم بقهر حزين:
- ياااه أنتي مش طايقة لمستي ليكي.. لدرجة إنك بعد ما كنتي بتدوبي بين إيديا وبتبقي ملهوفة على حضني دلوقتي بتعيطي.. مش طول عمرك بتقولي إني أمانك ومابتحسيش بالراحة غير وأنا واخدك في حضني، خلاص كل دا نسيتيه.. خلاص بقيتي بتكرهيني.
هدر أحمد بالكلمة الأخيرة بجنون، فرفعت عينيها نحوه، صارخة بصوت غاضب، غير مكترثة بحالته الهستيرية، وهي تنزع يدها منه:
- اللي بتعمله دا اسمه جنان!
شعوره بالغيرة القاتلة التي تحرق قلبه وعروقه، جعلته يفقد ما تبقى من سيطرته على أعصابه، وجهر بعنف:
- الجنان إنك تفتكريني هسيبك للـ**** دا..
قبل لحظات من هذا الحدث
كانت نادية تقف بالخارج مذهولة، والدموع تنهمر على وجهها، وهي ترى زوجها يحاول يائسًا الحصول على حبه ويتوسل بضعف لامرأة غيرها أن تشعر به وبغيرته عليها.
استيقظت من حالة الصدمة التي تملكتها، وهي تسمع أقدامًا تتقدم في الممر، فانعطفت إلى أحد الأركان المظلمة قبل أن يراها هذا القادم.
من ناحية أخرى سار باسم بخطوات هادئة نحو كابينة إبريل ليتفقد ما فعلته بهذا الفستان، وعلى وجهه ابتسامة استمتاع وهو يتذكر ملامحها الخجولة من جرأته التي كان يعلم جيدًا أنها تثير ربكتها، لكن الابتسامة سرعان ما تحولت إلى عبوس بمجرد أن سمع صوتًا رجوليًا غاضبًا قادمًا من الداخل، ودون تفكير اندفع بسرعة إلى مصدره.
في الداخل
- أنتي بتاعتي أنا.. مش بعد ما فضحتلك الـ**** تاني وعرَّفتك إنه متجوز عشان أمنع جوازتك تروحي تتجوزي واحد من نفس صنفه وتفضليه عليا.
حدقت فيه بنظرة عدم تصديق ستظل محفورة في عينيه، بينما لسانها تلجم من اعترافه، الذي جعلها تتجمد في مكانها من صدمتها الشديدة.
مرت عدة لحظات، وقبل أن تلملم جمع أفكارها المتناثرة حتى تتمكن من الرد عليه، وجدت يدين تسحبان أحمد من الخلف قابضًا على سترته جاذبًا إياه بعيدًا عنها وأمسكه من تلابيبه بكلتا يديه والشياطين تتراقص أمام عينيه بعد رؤيته لذلك الوغد مقتربًا منها إلى هذا الحد.
قست تعابيره، وهو يسأل من بين أسنانه المطبقة بقسوة:
- إيه اللي مدخلك عند مراتي يا ****؟
سارعت إبريل بالقول، وهي تكاد تموت رعبًا:
- باسم أنا هشرحلك بس سيـ...
قاطعها باسم بتحذير خطير:
- حرف منك كمان وتصرفي الجاي مش هيعجبك.
دفعه أحمد عنه بقوة، وهو يهتف بخشونة:
- يعني هتعملها إيه!! اللي بيني وبينها أمور عائلية ماتدخلش نفسك فيها.
عبست تعابيره بتقزز قبل أن يهاجمه، متمتمًا بحدة:
- بتتهجم على مراتي وكمان شارب وتقولي أمور عائلية دا يا ****.
- لا خوفتني بالشويتين دول.. أتكلم على قدك وأحسنلك تطلقها بذوق يا حيلة أمك وأبوك.
- آهااا.. دا أنت غرتك البدلة والكرافته دول بس وماله احنا فيها في ثانية أثبتلك العكس.
تجعدت تعابير إبريل في ذعر، وأغمضت عينيها بقوة، وباسم يلكمه في وجهه بحركة مفاجئة أطاحت بأحمد بقوة على المقعد الجانبي.
- دي عشان إيدك الن**** لمستها.
زأر بالكلمة الأخيرة بنبرة شرسة، ثم انحنى عليه، ووجه له ضربة أخرى عنيفة أصابت أنفه، فتأوه بعنف من الألم وهو يسقط للخلف بالكرسي، ليرتطم بالأرض بقساوة.
- ودي تعرفك لما حيلة أمه وأبوه حد يقرب على اللي يخصه بيعمل فيه إيه ولا لسه شكلك عايز تشوف أكتر يا *****.
نطقت إبريل لا شعوريًا:
- باسم لا سيبه خلاص.
هدر باسم بغضب عاصف:
- اخرسي أنتي.
تيبست إبريل في مكانها بوجه شاحب من ضراوة نبرته، بينما استدار باسم نحوها، ليتقدم نحوها بغضب مكبوت، وهو يرى جسدها يرتجف خوفًا، فأحاط كتفيها بكلتا يديه، وهو يمرر عينيه عليها بقلق ظهر في نبرته عندما تحدث بصوت أجش:
- الحيوان دا عمل فيكي حاجة؟!
هزت إبريل رأسها إنكارًا، عاجزة عن رفع عينيها نحوه خوفًا من أن يرى دموعها، ثم سرعان ما جحظت عينيها عليه فور أن سمعت زمجرته الغاضبة وهو يتفحص تلك الكدمة الزرقاء التي غطت منطقة معصمها الأيسر التي كان يمسك بها أحمد، لكنها لم تشعر بأي ألم من الصدمة.
في تلك الأثناء استعاد أحمد توازنه بسرعة حيث وقف من جديد متجاهلًا الدوار الشديد في رأسه ناهيك عن الألم في جسده وخاصة في أنفه النازف.
انسحبت الدماء من وجهها ذعرًا، وهي تتفاجأ بأحمد يسدد ضربة قوية في وجه باسم ليصطدم ظهره بالحائط بقسوة. قبل أن يلف الآخر يده حول عنقه، وهو يصرخ بهوس:
- ماتلمسهاش بإيدك القذرة دي تاني.
بفضل فارق الطول بينهم استطاع باسم التخلص من قبضته عن عنقه بحركة قتالية لاكمًا إياه في فكه، وهو يلهث من فرط الانفعال، ويهدده بوعيد:
- قسمًا بدين الله لأكون حادفك بإيدي من على اليخت.
- أحمد في إيه يا إبريل..!!!
قالتها صابرين مسرعة إلى الداخل بعد أن استنجدت نادية بها التي دخلت خلفها، فأكملت وهي تتنفس بلهاث:
- إيه اللي بيحصل دا يا أحمد.. ماتفهموني يا جماعة؟!
تجاهلت إبريل الرد عليها، لتنظر إلى أحمد بخيبة أمل وقهر ارتسم على ملامحها قبل أن تتحدث بصوت مرتجف لا يخلو من المرارة:
- استريحت كدا.. عايز تهدم حياتي ليه مش هاين عليك تشوفني بحب وأتحب وأتجوز أعيش حياتي.. زي ما أنا احترمت اختيارك.. جه الدور عليك تحترم اختياري.. ابعد عن حياتي وبطل توظهالي.. أنت سامعني.
هدرت إبريل بالكلمة الأخيرة في وجهه، فتجنب النظر إليها وهو يشعر بالخزي من نفسه، وكأنها أصابت عقله بصاعقة أعادت له وعيه، وهو يتلقى كلماتها كالخنجر المسموم، ونظراتها الحادة ونبرة صوتها مزقت أوتار قلبه، ثم تابعت منهكة:
- صابرين خذيهم واخرجوا من هنا قبل الناس اللي فوق يحسوا بحاجة وماتجيبش سيرة خالص لستي.
حانت التفاتة من أحمد نحوها، والتقت نظراتهما في لحظات بدت وكأنها رسالة منه، معناها سأدعك ترحلين مني.
ما إن غادروا في صمت، استدارت إبريل تحمل الفستان، عازمة على الفرار من أمام عينيه الرماديتين اللتين كانتا تنظران إليها بتأهب واستفسار لن تتمكن من الإجابة عليه الآن.
- رايحة فين؟
صدح صوته بهدوء يسبق العاصفة، فأجابت بفتور شديد دون أن تلتفت إليه:
- هغير الفستان.
سحبها باسم من رسغها حتى واجهته، قائلًا بنبرة جادة جافة:
- مش قبل ما تفهميني إيه حكاية اللي اسمه أحمد دا وإيه سبب تصرفاته الغريبة معاكي؟
سحبت إبريل نفسًا مرتجفًا، متحاشية النظر إلى وجهه الغاضب وهي تجيبه بصوت متوتر:
- ممـ مفيش حكاية ولا حاجة.. دا ابن خالي.
ضرب زاوية جبينه بنفاذ صبر بائن في قوله:
- ماتطيريش البرج اللي فاضل في نفوخي وتطلعي شياطيني عليكي..
تحدثت إبريل بهدوء محاولة الثبات أمامه:
- باسم أنا مش مستعدة لأي كلام دلوقتي.
أنهت جملتها وهي تتجه نحو الحمام، لكنه تحرك خلفها، معترضًا طريقها، وتعابيره تدل على أنه فقد السيطرة على أعصابه، نظرت في عينيه مذعورة، وهو يهدر بإصرار صارم:
- هتقفي هنا دلوقتي قدامي وتفسريلي.. كل القرف دا من لحظة ما اتبليت بيكي ومفيش حكاية.. أخش ألاقيكي في حضنه وتقوليلي مفيش حكاية.. هو أنتي إيه شايفاني بريالة ولا مركب قرون ولا هصدق الدمعتين دول وأبلع اللي حصل وأخرس..
انحنى باسم برأسه نحوها حتى صار وجهها موازيًا لوجهه، ثم نفث بقية كلماته في وجهها بفحيح:
- عايزاني أشوف مراتي وراجل بيتهجم عليها وأنا أقف أصفقلك أنتي وهو..
ايه هو حد قالك إني حاطط رجولتي في التلاجة؟!
تراجعت أبريل خطوة إلى الوراء، وهي تنفجر ضاحكة وبدأت الدموع تنسكب من فيروزيتها، وكأنها على وشك الجنون قبل أن تقول بنبرة هازئة:
هو أنت ايه ما بتشبعش من تمثيل دور الحبيب؟!! بص حوالينا، بص كدا، إحنا لوحدنا، ماحدش هنا، وما فيش كاميرات بتصورنا يا حضرة المخرج القدير.
أمسكها باسم من ذراعيها، ليهزها بقوة محذرًا إياها بحنق:
بطلي تخرجيني عن شعوري معاكي عشان ما تشوفي وش تاني للمخرج القدير هيلخبطلك كل أفكارك عني.
أبريل صائحة بتحدٍ لاذع:
أنت اللي بطل كدب شوية.. والحمقه الكدابة دي وفرها، مش هتعرف تخدعني بيها زي ما بتعمل مع الستات اللي بتعرفهم.. سيبني في حالي يا أخي، سيبني في حالي، أنت ما بتفهمش.
لم يعطها فرصة للاستيعاب، وهو يطبق شفتيه على شفتيها، كتم شهقتها داخل جوفه بعد أن سحبها من رقبتها، لترتفع تلقائيًا على أطراف أصابع قدميها، وسرت رعشة غريبة في جسدها من طريقته المجنونة غير المتوقعة، وحتى لا تفقد توازنها وضعت راحتيها فوق يديه، فازداد ضغطه على شفتيها الرقيقتين بجنون وهو يدفن أصابعه في خصلات شعرها، معمقًا قبلتهما بشغف مشتعل، لم يكن يعلم هل يطفئ لهيب غيرته النارية منها بهذه القبلة أم يثبت لها ملكيته بها أم كلاهما معًا.
مرت لحظات قليلة قبل أن يشعر بضربات خفيفة منها على ذراعيه اللتين كانتا ما زالتا تمسكان برقبتها، ففصل القبلة وهو يشعر بحاجتهما للهواء.
أسند جبهته على جبهتها، متلفظًا أنفاسه الحارة بصوت مسموع أرسل رعشة خفيفة في عمودها الفقري، قبل أن يسألها بهمس خطير:
ودا كمان كدب وتمثيل ولا حقيقة؟!
تابع باسم يهدر بغلاظة:
انطقي، ايه اللي بينك وبينه عشان يتجرأ عليكي كدا؟
عادت أبريل برأسها للخلف، وظهر الخجل جليًا على وجهها الذي اصطبغ بالاحمرار المغري مع أنفاسها المرتبكة، وزادت دقات قلبها من المشاعر الغامرة التي انخرطت فيها بقبلته المحمومة، لكنها لن تقف مهزومة أمامه بعد أن عرفت ما يخفيه عنها، فصرخت باستهانة جارحة وحقد مبطن:
وأنت مالك أو تطلع مين وبأي حق بتسألني.. أنت هنا مش مخرج المسرحية.. ومش هسمحلك تخرّج حياتي على كيفك.. أنت مجرد كومبارس بتمثل في قصتي.. أنت مش بطل الحكاية دي ولا من حقك تحقق معايا وكأنك بجد خطيبي وغيران عليا.
زفر بغضب مكبوت قبل أن يزمجر بوحشية:
اللهم طولك يا روح.. طريقتك المستفزة وكلامك الجارح دا بطليهم يا أبريل فاهمة.. بطليهم وإلا أقسم بالله العظيم هطلع جناني عليكي وأعرفك إذا ليا حق فيكي ولا لأ.. سامعة.. أنا مش هستحملك أكتر من كدا وسؤالي تردي عليه بإجابة واضحة يبقالك ايه غير إنه ابن خالك؟
صمتت أبريل تفكر لبرهة، ثم أجابت ببرود مميت:
كان خطيبي وكنا بنحب بعض.
اتسعت حدقتاه غضبًا، وهو يهتف باستهجان مخيف غلب على ملامحه:
أنتِ معجونة من ايه بالظبط؟ عمالة تتنقلي من واحد للتاني.. عشان كدا ما صدقتي بتسيبي مصطفى.. وكنتي مصممة تهربي من بيت أبوكي يوم خطوبة أختي عشان تروحي للحيوان دا.
تقلصت ملامحها من قسوة كلماته، وبدموع حارقة بللت شفتيها لتذوق طعمها المالح، وارتجفت نبرتها ما إن قالت بسخرية حزينة:
برافو عليك والله تحليلاتك عظيمة أوي.. بس ناقصها شوية تفاصيل بسيطة.. اللي بحبه دا لما اتحط تحت ضغط بسيط اتخلى عني.. اتجوز صحبتي بعديها شهرين عشان يربيني.. ويمكن هو اللي خلى مرات مصطفى تيجي وتقولي إنه عايز يتجوزني عليها.. وهو برده اللي خلى مراته اللي هي كانت صحبتي تيجي لحد هنا عشان تقنعني أتجوزه عليها.
ابتلعت تلك الغصة التي تشكلت في حلقها قبل أن تواصل شرحها له بأسى مرير:
نسي إن دا مستحيل يحصل، نسي إن استحالة أفكر أخلي بنته تعيش نفس عذابي اللي طول عمري عايشة فيه وماحدش حاسس بيا ولا بقهرة قلبي.. دا كله كوم وأمه اللي ما كانتش بتفوّت مناسبة أو فرصة إلا لما تفكرني إني منبوذة من أبويا وأمي، وأي موضوع يتفتح تنتهزه عشان تحسسني إن ما أنفعش لابنها.. لحد ما وصل بيها إنها تقومه عليا عشان كمان ما أكملش تعليمي وتبقى قضت عليا خالص.. ولما روحت أفهمها إني مش عدوتها زي ما هي فاكرة وتعتبرني زي بنتها، وإني مش قاصدة أعصيه عليها ضربتني بالقلم.. ما قدرتش أستحمل دا كله وسبت كل حاجة وجيت على هنا.
ما إن أنهت حديثها حتى ركضت إلى الحمام، بينما وقف باسم للحظات متجمدًا في مكانه قبل أن يتقدم نحو الباب بخطوات بطيئة، وهو يستمع إلى شهقاتها الخافتة فرفع قبضته عازمًا على طرقه بتردد، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، وغادر الغرفة بهدوء، بينما أبريل بالداخل أحست به يرحل فزاد بكاؤها حزنًا ومشاعر متناقضة تغلي في داخلها، كم كانت تود أن ترمي نفسها بين أحضانه وتختبئ فيه، لكنها ببساطة لم تستطع أن تفعل شيئًا سوى مهاجمته والرد عليه بلسانها الحاد الذي يحمي قلبها منه، ربما تريد أن تبرد قلبها الذي نسي كل ما يحدث حولها، وبدأ ينبض ولعًا به، وتمنت للحظة لو لم تسمع من أخته وقريبته ما يربطه بعلاقة قديمة مع أختها.
بعد عدة أيام
الساعة التاسعة صباحًا
في سيارة يوسف
كانت أبريل تقود السيارة بحذر شديد حيث أنها تعلمت القيادة مؤخرًا، وما زالت تخشى السيارات والزحام، حتى تشتت انتباهها بهاتفها المحمول في المقعد الآخر، ورأت اسم باسم يضيء الشاشة، فنظرت نحو الطريق بمكابرة محاولة تجاهل مكالمته للمرة التي لم تعد تعرف عددها منذ آخر لقاء لهما على اليخت، وهي تتجنب رؤيته أو الرد عليه مفضلة التركيز على عملها الذي بدأته، وليست مستعدة لخسارته يكفي لما عانته من خسائر في الفترة الماضية.
رن الهاتف مرة أخرى، فتأففت بغضب، وهي تلتقطه ومقررة إغلاقه تمامًا، وعندما نظرت للأمام فوجئت بسيارة تسد الطريق، ومن فرط توترها لم تستطع أن تتحكم في عجلة القيادة، فاصطدمت بها من الخلف بقوة فتوقف قلبها رعبًا.
تنفست أبريل بعمق محاولة التحكم في أعصابها حتى تتمكن من التعامل مع الموقف الجديد الذي ورطت فيه، ثم نزلت من السيارة، واقتربت من الرجل الذي كان يقف، وظهره لها يتحدث إلى شخص بجانب مؤخرة السيارة، وعندما حمحمت بصوت خافت التفت إليها، فتبخرت شجاعتها الواهنة وهي تجد نفسها واقفة وجهًا لوجه مع رب عملها، تأملت مظهره الذي كان غاية في الوسامة بالبدلة الرسمية مع نظارته الطبية التي أعطته جدية جذابة.
دياب ساخرًا بنبرته الرجولية المميزة، وهو يضبط النظارة الطبية:
كنتي سرحانة في ايه يا باشمهندسة؟
ضاعت الحروف من شفتيها قبل أن تقول بنبرة آسفة:
مستر داغر!! أنا آسفة أوي أوي.. والله ما كنتش شايفة و..
قطعت بقية تبريرها، وهي تنظر إلى السيارة بنظرات قلقة، ثم تابعت الاستفسار بخشية:
هي خبطة صغيرة مش كدا؟
أوشك العامل على الرد عليها، لكن دياب سبقه في الحديث بحزم لا يخلو من السخرية:
شايفة ايه؟ طبعًا مش صغيرة.
جحظت فيروزيتها بصدمة، مرددة بوجل:
يا خبر.. طيب ممكن تشوف حضرتك هيتكلف كام تصليحها وأنا هدفعُه.
هتف دياب بعصبية، وهو يحدق في انحناء السيارة الواضح:
أستغفر الله العظيم على الصبح.. دي لسه جديدة.. أو يعني كانت جديدة قبل ما تخشي فيها بالغشومية دي.
ارتجفت شفتاها حزنًا وهلعًا، وهي تقول بصوت متحشرج مليء بالحرج:
والله أنا ما كنتش بقصدي، كنت مستعجلة وعايزة ألحق الميتنج.. طيب لو ينفع حضرتك تصلحها وأنا هدفعلك اللي هتقول عليه؟!
تبدلت تعابير وجهه الصارمة إلى تعابير هادئة، عندما رأى الذعر واضحًا على ملامحها مع فيروزيتها الدامعة، فنطق بما جعل العامل يجحظ ببلاهة:
تدفعي ايه؟!
أنا كنت بهزر معاكي، مفيش حاجة كبيرة.
ضيقت عينيها بعدم تصديق تجلى في قولها، وهي تشير إلى الانعواج:
بس ده؟
دي ولا حاجة، ما أثرتش على العربية.
بجد!
ارتسمت ابتسامة هادئة على فمه، وهو يراقب تعابيرها الرقيقة، بينما أكد لها بإيماءة من رأسه، فوضعت يدها على صدرها تستشعر ضجيج دقات قلبها، ثم تمتمت بارتياح:
الحمد لله.
خلاص اهدي، ما حصلش حاجة.
أصلي بصراحة دي أول مرة في حياتي أخبط عربية حد، ولسه كمان متعلمة السواقة جديد.
خاطبها دياب بتفهم متريث:
معلش، دايماً أول مرة في كل حاجة ما بتكونش سهلة.
تكلمت أبريل بتلقائيتها العنيدة:
فعلاً، بس بغض النظر الخبطة تستاهل أو ما تستاهلش أنا هدفع تصليحها، وأنا آسفة قوي يا مستر داغر.
خلاص يا باشمهندسة مش مستاهلة، وكفاية اعتذارات، أنتي اعتذرتي كتير قوي.
أنهى حديثه بحزم بارد جعلها تصمت مستسلمة، ثم نظر إلى شاشة الهاتف محاولاً إخفاء ضيقه من مناداتها له باسم توأمه، ثم تابع بنبرة جادة:
إحنا اتأخرنا، يلا نلحق الميتنج، وخلي الفاليه يركن العربيات.
أومأت أبريل له بالموافقة وهي تتحدث بسرعة:
تمام، لحظة هجيب شنطتي من العربية.
بوقت الظهيرة
في منزل فهمي الهادي
داخل غرفة ريهام
انقلبت على جانبها في السرير، وهي تسمع رنين الهاتف الذي أيقظها من غفوة متقطعة مليئة بالقلق والكوابيس، لترى الشاشة تضيء برقم مصطفى، ما إن ضغطت على زر الرد حتى جاءها صوته المنزعج قائلاً:
ما بترديش عليا ليه، كلمتك كتير؟!
ريهام بفتور:
تعبانة شوية.
مصطفى بسؤال:
خير مالك؟!
مصدعة وعندي سخونية، الظاهر أخدت برد.
سلامتك، طيب إيه آخر الأخبار؟!
تنهدت ريهام ببطء، قبل أن تجيبه بضيق:
لميس نفذت اللي قولتلها عليه بالحرف زي ما كنا عايزين.
سأل مصطفى على الفور:
كويس قوي، وإيه النتيجة؟!
ما أعرفش، بس مفيش جديد.
تساءل مصطفى بنبرة ممتعضة:
يعني اللي حصل كان على الفاضي، إيه ما فهمتش إنه كان بيجري وراكي قبل ما يخطبها ولا إيه؟!
رددت بانزعاج من صوته العالي:
ما أعرفش، أنا بقى لي كذا يوم ما بتحركش من السرير.
مصطفى بهدوء:
خلاص، لما تتحسني هنتكلم تاني.
طيب باي.
رمت ريهام الهاتف بجانبها في ملل ملحوظ، وهي مستلقية على السرير، وعيناها مثبتتان في السقف في شرود، لم تكن مريضة كما ادعت، لكنها منذ يوم الخطوبة لم تخرج، ولم تذهب إلى العمل، ولم تكلم أحداً، ولم ترغب في رؤية أحد، كان عقلها يعمل ويدور بلا توقف في حيرة، لم تشعر لحظة بالراحة منذ رأت داغر بطل كوابيسها، متأكدة من أن ظهوره ليس طبيعياً، وأنه عاد بالتأكيد لسبب ما، لدرجة أن الخطط التي رسمتها مع مصطفى لم تعد ذات أهمية كبيرة بالنسبة لها، فهي من خططت لما حدث في يوم الخطوبة مع لميس التي لم تنس رؤيتها باكية في خطوبة هالة، وهي تشاهد باسم يقبل أبريل، فاستغلت الفرصة وسممت أفكارها تجاه أبريل بأنها تريد استغلال باسم حتى تتخلص من خطوبة مصطفى، ولأنها لا تحبه، لذا عندما تسمع عن علاقتها السابقة مع باسم ستهرب منه، لكن باسم فاجأ الجميع بعقد قران عليها.
لم تهتم بما حدث بعد ذلك بين باسم وأبريل، كل ما شغل تفكيرها هو داغر الذي لم تستطع إخراج ابتسامته الشيطانية من ذهنها، ومهما حاولت إنكار حدسها وعدم تصديق الأفكار التي تأتيها لا تعرف.
وما هو العائق؟ لقد توفيت زوجته الحبيبة عشيقته بعد صراع طويل مع المرض، وبالتأكيد الآن لا شيء يمنعه من أخذ عمر منها، وهذه بالفعل كارثة كبرى وفضيحة لم تتوقعها منذ ابتعدت عنه، وانقطعت أخباره عنها معتقدة أنه لا يريد رؤيتها مرة أخرى، بعد محاولاتها لإقناعه بأنها تحمل طفلاً من صلبه وليس من زوجها.
لقد سئمت من التفكير، وهي جالسة على جمر الانتظار كلما رن هاتفها تنظر إليه بعيون مرتعبة، معتقدة أن المكالمة منه، لكنه لم يظهر بعد ولم يسمع منه شيئاً، وهذا يقلقها أكثر فأكثر.
لاحقاً
في منزل صلاح الشندويلي
داخل غرفة باسم
هو أنت هتفضل راقد كدا يا خالو، مش متعودين منك على كدا؟!
قالت تلك العبارة بصوت مرح لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها وهي تدخل غرفته، فأجاب باسم بتكاسل:
مدغدغ على الآخر يا كارلا.
ألف سلامة عليك يا بيسو.
تابعت كارلا بتساؤل، مشيرة إلى صينية الطعام على المنضدة بجانب الشرفة:
إيه ده، الأكل زي ما هو؟!
تحدث باسم بنبرة واهنة:
تصدقي من كتر الوجع في عظمي ما قادر حتى أوصل لحد الكرسي عشان آكل.
جلست بجانبه على السرير، تداعب شعره الناعم برقة، مقوسة فمها بلطافة قائلة بلهجة تخللها التبكيت:
صعبت عليا قوي والله، بس أنت اللي عملت بطل ورميت نفسك في النيل.
رمقها باسم من زاوية عينه، وهو يلكزها في ذراعها رافعاً زاوية فمه باستياء انبلج بصوته:
بطلي تقطيع في اللي جابوني يا عديمة الإحساس، وقومي هاتي الأكل هنا.
صدحت ضحكاتها المتسلية، وهي تنهض من مجلسها، ثم أخبرته بمرح:
بس كدا، وهأكلك بإيدي، أنا ليا كام أنكل هو واحد بس.
اتسعت الابتسامة على محياه الوسيم هاتفاً بحماس:
أنتي روحي والله، دايماً أقول كارلا مفيش أحن منها.
أسرعت كارلا بالتقدم من المنضدة، وهي ترد عليه بصوت خجول:
ما تقولش كدا، ده واجبي، الله إيه الحلاوة دي.
صاحت كارلا بانبهار، وهي تتطلع إلى الطعام بأعين تلتمع بالحماس، فقال باسم باستفسار وهو يشعر بالجوع الشديد:
إيه اللي في الطبق عندك، أنا شامم ريحة فراخ مش كدا؟!
فراخ وخضار سوتيه و..
أكمل باسم عبارتها، وهي يرفع رأسه يريد معرفة محتويات الصينية بينما جلست على الكرسي وشرعت بتناول الطعام:
معاهم رز؟!
أكدت له كارلا بصوت متقطع من الطعام الذي تمضغه داخل فمها:
آه، وفي شوربة لسان عصفور كمان من اللي أنت بتحبه.
يا عيني جريت ريقي يا قلبي، ما تيجي هنا وتاكليني بقى.
عينيا، بس لحظة بس أبلع اللي في بوقي.
بعد عدة دقائق
غمغمت كارلا بارتخاء، وهي تمسح فمها بمحرمة ورقية:
الحمد لله، ده أنا كنت جعانة بشكل.
باسم بغيظ:
كانت حلوة الشوربة؟!
كارلا بتأكيد مستفز:
جداً جداً، عايزة أقولك دي فوايدها كتير قوي، وهي دي اللي ترم عضمك.
دمدم بسخط:
رمي يا أختي رمي، هتجيبيه من برا، طالعة لأبوكي.
أمسك باسم هاتفه يعبث فيه بعصبية موجهة نحو التي تتجاهله بقلب كالثلج.
أيتها المتمردة، تنسجين مؤامرة على قلبي العاصي حتى أوقعتيه في شباك عشقك، ثم تركتني عاجزاً عن النبض إلا بأمرك.
في مساء هذا اليوم
داخل المستشفى عند هالة
تجلس في مكتبها بوقت الراحة، وهي تراسل هدير عبر تطبيق الرسائل النصية "الواتساب".
مشغولة ولا إيه يا دوك..
لو عطلتك أكلمك وقت تاني!
_لا أبدًا يا حبيبتي، لسه مخلصة مرور على المرضى. إيه أخبارك؟
_والله زهقانة موت... مش واخدة على قعدة البيت خالص، وبفكر أروح نادي بدل الخنقة دي.
_فكرة حلوة، انزلي غيري جو.
_نفسي بس أنا مش مشتركة في أي نادي.
_سهلة، بكرة نتقابل وأوديكي النادي اللي أنا عضوة فيه، ونعملك اشتراك يا حبي.
_بجد ميرسي أوي أوي يا هالة، مش عارفة أقولك إيه، بتعبك معايا.
_ما تبقيش أوفر أوي كدا، عادي.
_حبيبتي ميرسي... إيه أخبارك أنتي وخطيبك؟
_تمام الحمد لله... هكلمك تاني بعد الشغل.
وضعت هالة مرفقيها على سطح المكتب، وأسندت رأسها على قبضتيها المرفوعتين، وأغمضت عينيها بتعبير ساكن، لتجوب في ذاكرتها أحداث ذلك اليوم قبل أسبوعين، حينما ذهبت إلى عيادة فريد الجديدة.
flash back
دخلت غرفة الكشف الطبي في عيادة فريد، الذي نهض من خلف مكتبه، مرحبًا بها بابتسامة جذابة لم تخلُ من الدهشة في نبرته الرجولية: أهلًا وسهلًا يا دكتورة هالة، إيه الزيارة الحلوة دي؟
صافحته هالة برقة: معلش لو جيت من غير ميعاد، بس حبيت أباركلك على العيادة.
_الله يبارك فيكي، العيادة نورت.
_ميرسي جدًا، اتفضل...
قدمت له علبة مستطيلة ملفوفة بأناقة، فأخذها منها مبتسمًا، فتحها أمامها بهدوء، قائلًا بعذوبة: ليه تعبتي نفسك؟
أجابته هالة بلطف: دي حاجة بسيطة عشان ربنا يحفظك ويباركلك في شغلك.
لثم فريد المصحف بحب، ثم تمتم بابتسامة زينت ملامحه الوسيمة: أحلى هدية.
تحرك فريد يفسح لها المجال قائلًا بلباقة: اتفضلي ارتاحي.
جلست هالة على الأريكة واضعة حقيبتها بجانبها، بينما تقدم فريد وجلس على الكرسي المقابل لها مخاطبًا إياها بنبرته الهادئة: عارف إنك واخدة على خاطرك من آخر مرة اتكلمنا فيها، وآسف لو كنت زودتها شوية معاكي.
_حصل خير... وكان معاك حق في اللي قولته، أنا دخلت أموري الشخصية في شغلي لدرجة إني أهملت وقصرت فيه.
_المهم إنك حاسة نفسك أحسن دلوقتي.
_الحمد لله.
أومأ لها بتفهم متحدثًا بجدية تليق به: الأزمات اتخلقت معانا، وإحنا لازم نقع في مطبات ونمر في حياتنا بضغوط ومشاكل تعطل عقلنا عن التفكير... بس مهما كان مكانش من حقي أكون حاد في كلامي معاكي، فياريت تقبلي اعتذاري للمرة التانية.
كانت على وشك أن تتحدث، ولكن باب الغرفة انفتح فجأة، ودخلت هدير مثل سهم انطلق من قوس ناري: السكرتيرة اللي برا دي لازم تغيرها يا فريد، دي مكنتش عايزة تدخلني.
أنهت هدير كلماتها الغاضبة، وهي تنظر إلى الفتاة التي دخلت خلفها باستعلاء، فتحدث فريد بزفير: معلش اتفضلي أنتي يا آنسة حلا.
سبقته هدير بالحديث مشيرة إلى هالة برأسها بشك متعجب: إيه دا؟ إحنا اتقابلنا قبل كدا في المستشفى مش كدا يا دكتورة؟!
تابعت هدير بذات النبرة موزعة بصرها بينهم: مش أنتي دكتورة برضه ولا عندك كشف؟ أصل السكرتيرة قالتلي عن عندك كشف.
فرك فريد حاجبه مجيبًا إياها بضيق: دكتورة هالة وهدير آآآ...
استكملت هدير عبارته بسرعة: أنا هدير خطيبته.
شعرت هالة بغيرة هدير منها، فانفرجت شفتاها بابتسامة عذبة، وهي تنهض من مكانها، قائلة بصوتها الناعم: أهلًا وسهلًا... معلش هستأذن منكم... جيت أبارك للدكتور على العيادة وأعزمه على خطوبة أخويا، وياريت تيجي معاه لو تحبوا.
لمعت عينا هدير بالحماس، ثم نظرت إلى فريد بتردد ينبعث من نبرة صوتها: أنا عن نفسي أحب نحضر أوي... بس فريد مالوش في جو الحفلات والأفراح.
شعرت هالة أنها استعجلت بالحديث، فنظرت إليه بارتباك ظاهر في كلماتها: إذا فيها إزعاج آآآ...
قاطعها بلهجته الرزينة: هنحاول نحضر... ألف مبروك يا دكتورة.
_الله يبارك فيكم واتشرفت بمعرفتك.
مدت هالة يدها لتصافحه، ثم صافحت هدير، وقالت بابتسامة قبل أن تغادر بهدوء.
back
ومنذ ذلك الحين وهدير تزورها بشكل متكرر في المستشفى، ومن خلال الحديث معها فهمت أنها تريد إقامة صداقة معها، وبالرغم من اندفاعها إلا أنها مثل الطفلة لا تضمر الخبث داخلها، لذا شعرت بالمسؤولية تجاهها لأنها صغيرة وغير ناضجة فكريًا، وربما فعلت ذلك لأن في أعماقها تريد الهروب من مشاعر أصبحت تراودها مؤخرًا تجاه فريد، والتي تخشى التورط فيها رغمًا عنها، لأنها لم تتعافَ من علاقتها السابقة وتحتاج إلى وقت لتهيئ نفسها نفسيًا وعقليًا لخوض تجربة أخرى، وفي حفل خطوبة باسم فور أن شعرت أن الأخرى تغار على خطيبها من حديثه معها، قررت أن تخترع قصة من خيالها وتخبرها بأنها مخطوبة، وأن شجارًا عاديًا حدث بينها وبين ياسر، ثم تصالح معها سريعًا وعادت علاقتهما جيدة، وهذا ما نقلته لفريد أيضًا، وما دعمها أمامهم لتصدق كلامها أن ياسر كان أحد المدعوين للخطوبة، وارتاحت لأنه ترك عمله في المستشفى وذهب إلى آخر، فلم تعد مضطرة للتعامل معه أمامهم بعد الآن، أو أمام فريد تحديدًا، الذي وضعت حدودًا رسمية بينها وبينه لا تتجاوز الزمالة، وهي الآن تشعر بالراحة نتيجة لذلك.
بعد مرور يومين
في منزل منى
_عال أوي، باين عليكي صحتك بقت أحسن كتير من آخر مرة شوفتك فيها.
أنهت وسام جملتها بأريحية، تزامنًا مع وضعها لفنجان قهوتها على الطاولة الصغيرة، وهي جالسة في غرفة المعيشة مع منى، التي تمتمت بابتسامة أظهرت محبتها إليها على وجهها الهادئ: الحمد لله.
_لو إني واخدة على خاطري منك جدًا يا منى، ومش أنا لوحدي، صلاح وباسم كمان زعلوا لما ما حضرتيش الخطوبة.
_غصب عني يا طنط، أنتي عارفة غلاوتكم عندي كبيرة، بس مقدرتش، لسه حاسة إني ما تعافيتش.
_لسه ما تعافتيش ولا كنتي خايفة تشوفي عز؟!
بلعت منى ريقها متجاهلة تزايد دقات قلبها بحنين حين سمعت اسمه وسألتها بمكابرة: هو إمتى هيبعتلي ورقتي؟
وسام بتنهيدة: والله يا منى هو لحد دلوقتي ما ترجعش من السفر.
منى بنبرة متذمرة: بس هو طول أوي، أنا طلبت منه الطلاق من أكتر من شهر ونص والأيام بتفوت وهو لسه مسافر يا طنط وسام... كدا هتضطريني أخلي المحامي يمشي في إجراءات القضية.
وسام بلوم: مش معقول يا منى، ليه كدا يا حبيبتي توصلي الأمور بينكم لكدا؟
_حاولنا نخليه يطلقني ودي بس هو كعادته بيتهرب.
وسام بدفاعية حانية: مهما كان ما توصلش للمحاكم، أنتوا أكبر وأعقل من كدا، واللي بينكم سنين وحب يستاهلوا تفكري عشانهم... هو أكيد مطول سفره ومش عايز يرجع عشان يديكي مساحتك في التفكير وتبقي على حريتك... مع إني متأكدة إن نفسيته مش أحسن حاجة وأنتي بعيدة عنه... ولا حتى دعاء متظبطة من وقت اللي حصل وهي ما بتخرجش من بيتها، حتى هي كمان ما جتش الخطوبة ومحملة نفسها ذنب كل اللي حصل.
تجمعت الدموع بمقلتيها، وتحدثت بصوت مهتز من فرط انفعالها: هي ما كانتش هي السبب الوحيد يا طنط، وأنا ما صدقت قدرت أطلع خطوة في شغلي ورجعت للأوبرا تاني ومعنديش استعداد آجي على نفسي تاني عشانه.
ربتت وسام على كفها مؤيدة إياها ببسمة حلوة: ودي حاجة كويسة أوي وطبعًا بشجعك عليها ومتأكدة إنه لما يشوف تمسكك بالحاجة اللي بتحبيها هيوافق عشان مش هيبقا عايز يخسرك تاني...
ولما يرجع هخليه يكلمك واقعدوا واتفقوا على اللي هيريحك وحطي شروطك، وهو لو بيحبك هيعملها ولو رفض خلاص يبقى على الأقل عملتي اللي عليكي.
تنفست وسام بعمق وهي تنهي جملتها، فأومأت لها منى برأسها بابتسامة مترددة.
تبدأ قوتك عندما تستطيع أن تأخذ قرارات عكس رغبتك لمجرد أنها الصح حتى لو أتعبتك.
مساءً
في إحدى المطاعم
سأل ياسر بهدوء: يعني إيه وافقتي؟ مش كان البني آدم ده اتقدملك ورفضتيه، إيه اللي غير رأيك؟
هزت يارا كتفيها، وأجابت سؤاله بسؤال آخر، متجنبة النظر في عينيه المترقبتين: وفيها إيه؟ أظن دي حاجة ترجعلي..!
ياسر مستفهمًا بإقتضاب: ترجعلك إزاي مش فاهم؟
رفعت يارا عينيها العنبريتين نحوه، تتأمله بنظرة حادة انجلت في لهجتها: يعني دي حياتي وأنا حرة فيها يا ياسر.
استفسر بلهجة منزعجة عبرت عن دهشته من معاملتها له بهذا الجفاء، كأن نظراتها العاطفية إليه ذابت في بحار النسيان: والله وكلامك ليا.. إيه نسيتيه بالسرعة دي؟!
اتكأت يارا إلى الخلف بظهرها، وانبلجت إمارات السأم على ملامحها الناعمة من تهربه، فواجهته بصراحة: لا ما نسيتش.. بس ما أظنش إن غير حاجة.. خصوصًا إن أنت وهالة سيبتوا بعض بقالكم مدة وأنت لسه واقف محلك سر يا ياسر.
تابعت بنبرة جدية: كفاية أضحك على نفسي.. كفاية أضيع حياتي وأنا عايشة لواحد مش شايفني ولا هيشوفني.. وخلاص أنا قررت أفوق من الوهم اللي معيشة نفسي فيه.
هز ياسر رأسه بالسلب، وأخبرها بلهجة لينة: مين قالك إني ما بفكرش فيكي يا يارا.. أنا بس كنت محتاج وقت أرتب فيه أفكاري ومشاعري و..
سألته يارا بملامح متصلبة: وقدرت ترتب نفسك وتعرف أنت عايز إيه؟
اقترب منها بجذعه عبر الطاولة، ليحتضن يدها بكفه، مؤكدًا لها بنبرة حنونة: أيوه يا حبيبتي أنا بحبك يا يارا وأنتي الوحيدة اللي ما أقدرش أعيش من غيرها وبكرة هكلم مامتك ونتفق..
شعرت بدفء كفه فوق كفها البارد، فسحبت يدها ببطء، ثم هزت كتفيها ولم يعد الأمر يعنيها متحدثة بنبرة جامدة: للأسف اتأخرت أوي يا ياسر.. خلاص أنا ومجدي قعدنا واتكلمنا وتقريبًا اتفقنا على كل حاجة وهنتجوز بعد شهر عشان هسافر أمريكا معاه.
فغر ياسر فاهه يستوعب كلماتها مما جعله يشعر بحرقة في قلبه قبل أن يضرب الطاولة، وخرج من فمه زمجرة مشحونة بالشراسة وعقله يكذب أقوالها: أنتي اتجننتي يا يارا يعني إيه بين يوم وليلة عايزة تتجوزي وتسافري كمان ومن نفسك بتقرري.
صدحت ضحكات يارا باستهزاء لاذع: يوم وليلة أظاهر إن عندك مشكلة في العد يا دكتور الكلام ده عدى عليه أكتر من شهر ونص.
زفر ياسر بضيق مستكملًا حديثه بنبرة هادئة محاولًا امتصاص غضبها: ما تخليش زعلك مني يخليكي تعملي حاجة تندمي عليها بعدين يا يارا قولتلك أنا كنت محتاج فرصة أ...
قاطعته يارا بانفعال: أنا كنت فرصتك يا غبي ومهما ندمت مش هيكون أكتر من الندم اللي حسيته بسببك يا ياسر.
ياسر مستفسرًا بنفاذ صبر: يعني إيه الكلام ده؟!
طوت يارا ذراعيها أمام صدرها، وأخبرته بحزم ورسمت ابتسامة حجرية على شفتيها: اتمنالي الخير يا ياسر بلاش نختمها بينا بزعل.. إحنا أخوات وأصحاب وعشرة سنين طويلة وأنا عايزاك تكون شاهد على كتب كتابي.
صمت ياسر لحظة وكلماتها الباردة أحرقت كبرياءه بنيران ضارية، فابتلع غصة مريرة علقت في حلقه قبل أن يسألها بصوت أجش: متأكدة من كلامك ده يا يارا؟
أومأت له برأسها إيجابًا، فلم يتحمل أكثر وقام من مقعده تاركًا المكان في غضب عارم، فأدارت رأسها للخلف تحدق في طيفه بنظرة حزينة لكن صوت عقلها أخبرها أنها على صواب فقد كان يجب أن تضع حدًا لهذه العلاقة السامة منذ وقت طويل، وأن تجعله يندم على اعتقاده أنها مضمونة مهما فعل بها، فهو لا يستحق حبها وصبرها معه، والآن فقط تشعر أنها استعادت حقها وكرامتها منه بعد أن رفضته تمامًا.
لم يكن نزع الوُد سهلًا لكنها المواقف التي عزّت عليك فيها نفسك تجبرك على نزع حتى اللحظات المتجذرة في أعماق ذاكرتك.
في منزل مرجانة
داخل غرفة نادية
_وبعدين في قعدتك دي.
استمعت نادية لسؤال أختها، وهي تشعل الضوء في الغرفة بعد أن كان يغمرها الظلام الدامس، فأجابتها بضيق دون أن تفتح عينيها: طفي النور واخرجي عايزة أنام يا سمر.
استفسرت سمر بحنق، وهي تجاورها على السرير: أنا اللي عايزة أعرف وبعدهالك هتفضلي مقضياها نواح كده وحابسة روحك ده كله هيفيد في إيه.
تغضن جبين نادية بانزعاج تجلى في صوتها، وهي تستقيم بظهرها فجأة: وأنتي مالك أنا كنت قاعدة على دماغك أنا في بيت بابا؟!
_في إيه يا بت يا نادية ما تكلمي مع أختك عدل.
قالتها مرجانة بغضب لائم بعد أن دلفت عليهم، فصاحت نادية بصوت عالٍ: أنا مش عايزة أتكلم أصلًا سيبوني في حالي.
مرجانة بحزن تشكو إلى ابنتها الكبرى: أهي على الحال ده من يوم ما جت هي وبنتها يا سمر.. منه لله أحمد وعمايله السودة.
_هي اللي اختارت وهي اللي جابته لروحها مع إني من الأول قولتلها بلاش الراجل ده.
استأنفت سمر حديثها بلوم شديد، وهي توجه نظرها نحو نادية التي تجنبت النظر إليها، وعضت على شفتها بقوة، تمنع دموعها من الهطول: فاكرة قعدتي تقوليلي إيه؟ قلبي متعلق بيه ما صدقت جه وخبط على بابي وهبقى مراته.. اتفضلي أديكي بقيتي مراته بس قلبه فضل يحب واحدة ثانية وأنتي عارفة وكل ما يكون معاكي تحسيه بيفكر فيها.. مهما كان بيعاملك حلو وبيدلعك دايماً حساه شايفها فيكي.. وأنتي كل ما تتأذي وقلبك يوجعك من حبه ليها تحسي نفسك أضعف من إنك تبعدي عنه.
_كفاية...
_فضلتي راضية بالفتافيت ومطنشة كرامتك لحد ما داسها لما شبع وأنتي غبية جرك في إيده عشان تقنعيها تجوزه وروحتي معاه.
قفزت نادية من الفراش بغضب، وهي تهتف بصوت محتد رافضة الاستماع لها: اسكتي بقولك اسكتي.
هتفت سمر من خلفها بتصميم يكسو ملامحها الرقيقة: سكت كتير لازم حد يفوقك هو عمره ما هيشوفك عشان قاعدة تحت رجله ومحدش بيبص تحت رجله.
رددت نادية بصوت مختنق بالعبرات: اسكتي يا سمر.. كلامك بيوجعني.. ونبي تسكتي.
راقبت سمر بكاء أختها بحزن وقهر لاح في كلماتها، وهي تربت على كتفها في مواساة: برضه بتقولي اسكتي.. يا حبيبتي أنتي هنا فالقة روحك من العياط عليه وهو بعد ما رجعتوا من عند المزغودة دي قالك روحي اقعدي عند أمك معناها إيه دي؟!
تهربت نادية من نظرات أختها قائلة بإحباط: ما اعرفش.
_لا عارفة.. وده اللي رعبك بالمنظر ده.. هو بيقولك مش عايزك بالطريقة ورماكي هنا.. بس يوم ما يهفو مزاجه ويشاورلك إيه هتدوسي على كرامتك تاني وتجري عليه ولا هتاخدي اللي فاضل منك وتبعدي بقى.
_أنتي ليه مش فاهمة.. إن في ناس مش بتقدر تبعد ليه مش فاهمة ليه إن اللي بيحب بجد بيدوس على كل حاجة كل حاجة عشان اللي بتحبه.
_وفي الآخر أنتي اللي بتدوسي على نفسك عشان خاطره هو أول واحد اللي هيدوسك.
_يا نادية حطي طرحة على راسك وتعالي؟!
صدح صوت أمها من الخارج، فعبست نادية، وهي تتبادل نظرات الاستفهام مع أختها التي سحبت الحجاب من على الكرسي، وناولته لها، ثم خرجا معًا، وهي تضعه على رأسها بعشوائية، لتسألها بحيرة: في إيه يا ماما؟!
_تعالي شوفي مين عاوزك؟!
_نعم.
_أنتي نادية عبد السلام؟
أومأت له بالإيجاب بحذر، فأشار لها بالقلم قائلًا برسمية: اتفضلي امضي هنا بالاستلام.
تساءلت مرجانة بقلق: فيها إيه الورقة دي يا بني؟
جاء الرد بصوت نادية في صدمة مدوية: أحمد..
طلقني...
بنتي!!!!!!
خرجت صرخة ارتعاب من فم مرجانة، وهي ترى نادية تسقط فاقدة للوعي، كأنها تاهت فجأة داخل طريق مظلم يدعى الحقيقة المرة، ووحش مفترس يتربص بها، ينتظر الناس السذج مثلها لاصطيادهم حتى يدمرهم كليًا.
أمسكت قلبي بين راحتيك، وكسرته بدم بارد، فأحسست بكل زاوية منه تتحطم، وأنا ألتمس رحمتك لأنال المزيد من قسوتك، والمضحك أنني كنت أقنع نفسي بجدوى المحاولة في حبك الذي يتجدد بين خفقة وأخرى داخل ضلوعي، والآن بت أضعف من كل شيء وأكثر هشاشة من وردة على الرصيف، مسحوقة تحت أقدام جبروتك.
رواية جوازة ابريل الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم نورهان محسن
ظل يغالب شعوره المفتون بها بضراوة، دون أن يدرك أنها تعقبت بصمت سفينته الضالة بأمواجها الفيروزية، تلقي عليه تعاويذها السحرية حتى دبت خفقة تلو الأخرى في أعماقه الراكدة مثل ضياء فجر جديد، أيقظ عواصف هوجاء تجهر باسمها عشقًا يؤجج صدره بأحاسيس قوية تحررت في لحظة تشابك أرواحهم في التحام يتحدى الزمن.
بعد مرور يومين
مساءً،
في سيارة باسم التي تشق الطريق الصحراوي بسرعة كعادته، أثناء عودته من تصوير خارجي لإعلان ليلحق موعده مع زوجته المتمردة التي سئم من تجنبها له في الآونة الأخيرة. حتى في التجمعات العائلية معاملتها له بها تحفظ بارد يثير حنقه بقوة. مستمرة في عدم الرد على رسائله ومكالماته العديدة لها حتى خضعت لرغبته اليوم، فقرر استغلال هذه الفرصة، وحجز طاولة في مطعم هادئ للاعتذار لها، وإنهاء هذا الركود القاتل لقلبه بينهما، فهو يعترف بتسرعه في حديثه الغاضب بخصوص اتهامه لها بأشياء مؤذية، لكنها أيضًا استفزت رجولته بحديثها عن حبها القديم لابن خالها الذي أجج نيران الغيرة في قلبه.
زاد من سرعة السيارة بعد أن ألقى نظرة خاطفة على هاتفه، حيث أشار إلى أنها وصلت الآن إلى المطعم من خلال الهاتف الذي أعطاها إياه، فهو مزود بنظام تتبع أو ما يعرف بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) حتى يتمكن من الاطمئنان عليها دائمًا.
خرج باسم من أفكاره، وهو يضيق عينيه الرماديتين الثاقبتين بهدوء في المرآة الأمامية، بينما لاحظ سيارتين تتبعانه من خلفه، وكان حدسه صحيحًا حين بالكاد ميز أرقام لوحة إحداهما في الضوء الخافت، وتمكن من التعرف على صاحبها.
أمسك الهاتف باليد الأخرى، ليضغط على تطبيق الرسائل النصية، مرسلًا عبارة إلى أحد الأرقام المسجلة قبل أن يبطئ السيارة التي كانت تلتهم الأسفلت من سرعتها العالية، مما جعل السيارتين تفعلان الشيء نفسه، ثم مرت لحظات قبل أن تتوقف جميع المحركات على الأرض، وتبعها خروج ثلاثة رجال ضخام البنية، تلاهم خروج باسم ومصطفى ووقف كلاهما أمام سيارتيهما.
ألقى باسم نظرة عابرة على أرجاء الصحراء المظلمة التي اخترقتها أضواء مصابيح السيارات حولهما، وهو يهز رأسه، مدركًا أن هذا اللقاء ليس مصادفة، قبل أن يتبادل نظرات التحدي مع الآخر قائلًا بثبات:
"باين عليك مستلمني مخصوص من أول الخط!!!"
لوى مصطفى شفتيه الغليظتين في ابتسامة باردة، مؤكدًا حدس الآخر بصوت واثق:
"لاقيتا فرصة عندي وقت فاضي ودا ما بيحصلش كتير فقررت أقابلك ونخلص حساباتنا مع بعض."
أنهى مصطفى جملته، وهو يمشي ببطء نحوه، ليسأله باسم باستخفاف، متكئًا بجسده على مقدمة السيارة:
"ولسه فاكر تخلصها دلوقتي؟! مش شايف إن وقتها عدى من بدري..!!"
أتم باسم كلماته ساخرًا، فوضع مصطفى يده خلف ظهره المستقيم بعدما وقف أمامه، وأخبره بجدية:
"معلش اتأجلت شوية بس ملحوقة أدينا قصاد بعض و.."
قاطعه باسم ببرودة حازمة، وهو يحدق في ساعته التي قاربت على التاسعة مساءً، ثم نظر إليه مجددًا، رافعًا أحد حاجبيه:
"توقيتك مش مناسب ليا يا مصطفى.. ورايا ميعاد مهم ومش عايز أتأخر."
نطق باسم هذه العبارة وأدار له ظهره، عازمًا على التحرك، فشعر بيد مصطفى تمسك بكتفه العضلي، وهو يقول بإصرار لاذع:
"استعجالك مالوش لازمة مش يمكن ما تلحقش ميعادك وتروحلها.. يمكن أنا أسبقك على هناك مثلًا."
لفظ مصطفى جملته الأخيرة، قاصدًا التلاعب بأعصابه، لكنه سيطر على انفعالاته الداخلية، وهو يواجهه بجسده، يطالعه بدهشة مزيفة تجلت في صوته الساخر:
"دا إحنا طلعنا أنا ومراتي تحت عينك وأنا ما عنديش خبر!!"
ضحك مصطفى بجفاء مرددًا بخشونة:
"مراتك!! شايفك كدبت الكدبة ومصدقها أوي يا ابن الشندويلي.. بس أنا سبق ووعدتكم لا أنت ولا هي هخليكم تعيشوا مرتاحين."
"غلبان أوي وقليل الحيلة مفكر بمطاردتك ليها وتوصيتك عليها في الشغل عشان تترفض دا الانتقام في نظرك."
نظر إليه مصطفى في صمت غامض، بينما يقهقه باسم باستخفاف قبل أن تتجعد ملامحه ببغض وهو يواصل حديثه:
"مستغرب راجل زيك وفي مكانتك يعمل التصرفات اللي ما فيهاش ريحة الكرامة دي إزاي بصراحة؟!"
بادر مصطفى بالاندفاع نحوه، جاذبًا إياه من ياقة قميصه الأبيض بعد أن فهم ما يرمي إليه، هاتفًا من بين أسنانه بنبرة محمومة بالحقد:
"الراجل اللي زيي هيعلمك معنى الرجولة اللي أبوك نسي يعلمهالك."
اقترنت جملته بضربة قوية أدارت وجه الآخر جانبًا، وتجهمت ملامحه من شدة الألم، لبضع لحظات قبل أن تلوح ابتسامة هازئة على وجهه تتناسب مع كلماته:
"وشادد وراك الجثث دول من السنتر بتاعك عشان يساعدوك في الكورس."
ثوانٍ من الصمت ملأت الجو بالخطر، ثم تابع باستفزاز متهور:
"بإيه مش هتقدر عليا بطولك؟!"
اختتم باسم عبارته بتحدٍ، مشيرًا برأسه إلى الواقفين خلفه في تحفز صامت، فارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي مصطفى، ليرد بنبرة جافة خطيرة:
"يمكن ما يحتاجش الحوار غير رصاصة ثمنها أرخص من حبة التراب اللي بتدوس عليها."
ارتفعت ضحكات باسم في وقت غير صائب، يهز كتفيه بلا مبالاة، رافعًا أحد حاجبيه باحتقار امتثل في قوله:
"يلا مستني إيه!! كفاية تضييع في وقتي ووقتك ونفذ على طول.. صدري مفتوح قدامك أهو يلا."
اتسعت الابتسامة على وجه مصطفى، تبين صف أسنانه المتساوية، وهو يستلم دفة الاستفزاز منه مهمهمًا بتخابث:
"باين عليها تهمك أكتر ما كنت متوقع ودا حلو هيخلي اللعب يسخن أكتر وزي ما لفيت عقلها بكلمتين أقدر أرجعلها ليا تاني لحضني بكلمتين زيهم."
تجمدت رماديتيه بنظرة قاتلة، ثم سرعان ما تحرر ذئبه البربري من سباته، واقترب منه بأنفاس مشتعلة ناتجة عن كتلة الغيرة الحارقة التي تضخمت في قلبه، فأعمت بدخانها الكثيف عينيه الرماديتين الحادتين بالغضب وعاجله بلكمة عنيفة، وهو يصرخ بشراسة مخيفة:
"سيرة مراتي ما تجيش على لسانك الوسخ."
رد مصطفى بركلة قوية في بطنه جعلته يئن من شدتها قبل أن يشتد شجار ضارٍ بينهما، وبدأ كل منهما في مهاجمة الآخر بضربات عنيفة بينما اقترب رجال مصطفى منهم بسرعة محاولين فض الاشتباك، ودفع باسم بعيدًا عن مصطفى وتقييد ثورته الهائجة بصعوبة، بينما نهض الآخر قائلًا بين أنفاسه الصاخبة:
"والله فاجئتني وطلعت ليك في الرجولة بس عيبك ما بتقدرش خصمك ولا بتديله حجمه الصح وآخرة الاستهانة بيا لسه هتوجعك أكتر."
أكمل مصطفى حديثه الغامض، وهو يخفض بصره نحو السلاح الذي أخرجه للتو من خلف ظهره مردفًا بهدوء متهكم:
"كان في نيتي أخلص عليك."
المعت سوداويتيه ببريق مخيف، حالما اتجه بنظره إليه، مستطردًا بنبرة قاسية ممتزجة بنيران الحقد:
"بس ليه أقتلك والمتعة في تعذيب الفريسة ألذ بمية مرة.. وعشان أبوك يعز عليا.. هعمل فيك معروف يدوب هديك قرصة ودن خفيفة تحرمك تقرب لحاجة مش بتاعتك.. أما هي ليها معايا حساب تاني خالص هصفيه معاها بطريقتي."
شعر باسم بسياط الهلع تجلد روحه بجنون، حالما رأى الخبث يلمع في عيني مصطفى، فاندلعت شرارات الغضب العاصف من عينيه الرماديتين محاولًا تحرير جسده المشتعل من بين أيديهم ليمزقه إربًا، لكن محاولاته باءت بالفشل، فكشر عن أنيابه مزمجرًا بوحشية ذئب ضارٍ:
"عايز أشوفك وأنت بتنفذ كلامك الخايب دا وبتتجرأ بس تقرب منها أو تأذي فيها شعرة وديني أقتلك."
"شايف إن التلج داب والوش التاني بدأ يبان واضح إن اللي بينكم أكبر من اللي كنت متخيله ودا هيخليني أنفذ اللي بفكر فيه وعايز أتفرج عليك وأنت بتحاول تمنعني يلا جرب يا بطل وريني!!"
حاول المقاومة سخطًا، لكن أحد الرجال فاجأه بضربة قوية على رأسه بالسلاح، فخرج تأوه مؤلم من بين شفتيه، وانهار جسده على الأرض وسط ضحك مصطفى الشامت، الذي بدأ يركله تباعًا في بطنه وأنحاء متفرقة من جسده قبل أن يتراجع إلى الخلف بأنفاس متقطعة، ليكمل بقية الرجال بدلًا منه بعنف أكبر وسط تلويه، فهتف مصطفى بسخرية قاسية:
"ها استوعبت الكورس ولا أخليهم يزودوا في الشرح عشان يدخل أكتر في دماغك؟!"
لم يتلق منه ردًا، فأشار إلى رجاله بالتوقف، ناظرًا إليه وهو ملقى على الأرض بجمود، فرفع باسم عينيه المشوشة، ثم تمتم بصوت خفيض ساخر، والدماء تسيل من فمه:
"تعب نفسك على الفاضي."
"ما تشغلش بالك بتعبي.. واطمن على أبريل مش هخليها تستنى عشان يدوب ألحقها."
نبش الرعب بمخالبه السامة في جدران قلبه ما إن سمع جملته، فشعر أن كل خلية في جسده تتفجر غضبًا من قلقه عليها، مما جعله يحاول النهوض راغبًا في اللحاق به، وهو يهدر بشراسة بين أنفاسه المتلاحقة:
"اقف عندك يا مصطفى ما لكش دعوة بيها.."
خد حقك مني أنا يا جبان.
رد مصطفى بصوت غليظ مشوب بالبرودة، وهو يتجه نحو سيارته دون أن يلتفت إليه: دي آخرة اللي تخون ثقته في نفسه ويفكر يتحدى الأكبر منه.
بعد مرور نص ساعة بمنزل صلاح الشندويلي، داخل غرفة دعاء.
برزت حدقتاها من الدهشة فور دخوله المفاجئ، لتهمس باسمه في نعومة: صلاح!
اندفع نحوها بسرعة يضم جسدها الفاتن إلى صدره بحنان ممزوج بالشوق: لما وسام قالت لي إنك رجعتِ من السفر جيت لك جري، أنتِ وحشتيني أوي، كنت هاموت وأضمك ليا.
ما إن شعرت بلمسة شفتيه الغليظتين على رقبتها حتى سرت رعشة خائنة في سائر جسدها، لكن سرعان ما وعت ودفعته برفق بعيدًا عنها، وهي تتمتم بنبرة مبحوحة من قوة المشاعر التي تتصارع بداخلها: صلاح ما ينفعش وجودك هنا، بليز اخرج.
مالك يا دعاء؟
تعبانة شوية من السفر وكمان أعصابي متوترة من وجود وسام، ممكن تشوفك أو أي حد في البيت.
ما تخافيش محدش شافني.. في إيه هو أنا ما وحشتكيش؟!
أعقب صلاح جملته بإنهاء المسافة بينهما، وارتشف عسل شفتيها المغريتين في قبلة استمرت ثوانٍ، معبرًا عن مشاعره الشغوفة تجاهها قبل أن يبعد رأسه قليلًا متعجبًا من تصلبها بين ذراعيه، الأمر الذي جعله يشعر بالريبة وهو يكرر سؤاله بغرابة: في إيه مالك يا دعاء؟
حررت دعاء خصرها من بين يديه، وأجابته ببرود، بخلاف دقات قلبها الثائرة اشتياقًا إليه، لكن ألم روحها المعذبة بحب هذا الرجل الأناني كان أقوى بكثير: أظن إني لسه مجاوباك.
طالعها صلاح بصمت قبل أن يهدر لا شعوريًا بصوت عال نسبيًا: لا دي مش حكاية تعب.. أنتِ متغيرة معايا وباين عليكي زعلانة عشان كدا بقيتي كنتِ تتعمدي تفضلي بعيدة عني.
انتفضت دعاء مذعورة جراء اندلاع فورة سخطه، لتقرب أصابعها من فمه محذرة إياه: وطي صوتك.
خلاص ردي عليا في إيه!
سحبت دعاء أناملها بهدوء من بين حضن أصابعه، وعقدت ذراعيها أمام صدرها بموقف دفاعي، وبشفتين مرتعشتين أخبرته بقهر حزين: بجد ما تعرفش مالي.. ابننا حياته اتهدمت فوق دماغه في نفس الوقت اللي كنت سارق فيه كام ساعة من وقتك مع مراتك عشان تيجي تنام في حضني.. عايزاني أكون عاملة إزاي؟
تصلبت عضلات جسده فور سماعه حديثها، بينما زفرت هي بحنق، وتابعت بمرارة: بس خلاص ما بقتش أستغرب من موقفك.. أنت حتى ما حاولتش حتى تقعد معاه أو تتكلموا وتهديه لو ربع ساعة من وقتك ما بتديلوش.. بس عندك وقت تشوف شغلك اللي ما بيخلصش.. بتحل مشاكل هالة.. مشغول بجوازة باسم.. بس عز ولا كأنه موجود في قايمة مواعيدك وتحضيراتك.
جفل صلاح بشدة، وهو يستمع لمكنونات صدرها، فوجد نفسه ينكر هذا الحديث بانزعاج: دعاء بطلي الوساوس اللي بقت مسيطرة على عقلك دي وشيليها من دماغك.. عز ابني زيه زيهم ويهمني زي ما يهمك بالضبط.. أنا كنت خارج من عندك دلوقتي وهاعدي عليه عشان نتفق نروح لأهل مراته ونحل مشكلت...
تراجعت دعاء للوراء، بابتسامة ساخرة على شفتيها قبل أن تدير له ظهرها، وتتجه نحو سريرها، وهي تخبره بفتور شديد: كتر خيرك والله العظيم أخيرًا افتكرته بعد شهرين.. ما تتعبش نفسك لسه خارج من شوية.. عن إذنك محتاجة أنام.. وابقي خد بالك أحسن حد يلمحك طالع من أوضتي وتحصل مصيبة.
أشرقت عيناه السوداوان بسخط من قسوة كلماتها، ليستدير ويغادر بسرعة قبل أن يتهور عليها، عبر الممر بخطوات غاضبة دون أن ينتبه لعدسة كاميرا هاتف لميس التي صورته وهو يدخل ويخرج من غرفة دعاء، حيث قررت جمع الأدلة ضدهما، عازمة على فضح علاقتهما في أسرع وقت ممكن أمام الجميع.
في إحدى المطاعم، عند أبريل.
كانت تهز ساقها بنفاذ صبر من جلوسها في انتظار باسم في ساحة المطعم الخارجية، تحدق أمامها بشرود متوتر.
دفعت خصلات شعرها خلف أذنها، وتضاعفت أفكارها الحائرة بشأنه، فهو من دعاها إلى هذا المكان، فلماذا لم يأت بعد؟ ثم نظرت حول المكان بتوتر شديد قبل أن تهمس في ذهنها بانزعاج: على أساس إنه يستاهل كل الخوف دا.. أكيد بيصيع مع واحدة من بتوعه وأنا اللي هبلة باكل في ضوافري من قلقي عليه وأقلق عليه ليه من الأساس ما يولع حتى!
ألقت أبريل نظرة على فنجان القهوة الذي برد وهو ينتظر أن تشفق عليه وترتشف منه قليلًا، لكنها كانت مشغولة بالتفكير في زائر أحلامها في الفترة الأخيرة.
نظرت إلى الساعة على هاتفها التي شارفت على العاشرة، فوقفت من مقعدها بغير رضا، وقررت المغادرة يكفي إضاعة وقتها الذي لا يستحقه هذا المستهتر.
توجهت إلى الخارج ووقفت على الرصيف تنتظر سيارة أجرة تعيدها إلى منزلها.
لم تمر سوى دقائق معدودة حتى زوت بين حاجبيها فور أن وجدت سيارة سوداء فاخرة تتوقف أمامها مباشرة، أشاحت بنظرها بعيدًا بلا مبالاة، ثم سرعان ما التفتت إلى مصدر الصوت الذي نادى باسمها من داخل السيارة، فتعرفت على صاحب هذه النبرة الأجش الجالس في المقعد المجاور للسائق، الذي لم يكن سوى ابن عمه عز.
Flash back
قبل نص ساعة من وصولهم إليها، داخل سيارة عز كانت الأجواء مشحونة بالصمت الثقيل حتى اخترقه سؤال عز بتنبيه: أنت متأكد مش عايز تروح مستشفى وشك بينزف؟!
صاح باسم بعنف: مش متزفت والله لو مسها أو عمل فيها أي حاجة لا أكون مخلص عليه وقاتله.
بطل الجنان دا بتاعك دا مش وقته.
ما تزود السرعة شوية.
أكتر من كدا إيه! اهدأ شوية إحنا قربنا نوصل.
زفير نافذ الصبر غادر جوفه قبل أن يهتف باستياء: طيب اديني موبايلك الوسخ هرس تليفوني.
عز بإيماءة: أهو عندك.
خطف باسم الهاتف من مكانه بعصبية، وسارع بطلب عدة أرقام معينة، ليسأل بلهفة ما إن أتاه الرد: ها! طمني حصل إيه!
أخبره صوت غليظ بثقة من الجانب الآخر: اطمن يا باسم باشا الهانم كويسة وتحت عينينا وما تحركتش من المطعم حضرتك كويس إحنا اتصلنا بعز باشا و...
قاطع باسم جملته بجدية، حينما استنتج بقية حديثه: أيوه أنا معاه دلوقتي يا ريكا.. خليك مكانك شوية وها أبقى عندكوا.. سلام.
عودة إلى الوقت الحاضر.
أشاحت أبريل بوجهها بعيدًا فور أن رأته زافرة بضيق، بينما استدار باسم حول السيارة، مسرعًا نحوها بخطوات متعرجة، وما إن وصل أمامها حتى رفعت رأسها بتعبير عابس تحول سريعًا إلى صدمة صاعقة، وما زادها تعجبًا مباغتته بأسئلته المفعمة بالقلق: أنتِ كويسة! حصل لك حاجة! الكلب مصطفى اتعرض لك.. كلمك.. ضايقك عمل أي حاجة!
قال ذلك دفعة واحدة بلهث وهو يرفع وجهها بكفيه، وعيناه الرماديتان الحادتان تحدق بها باهتمام وتفحص، بينما تنظر إليه بشفاه منفرجة في دهشة وحيرة، وعلامات الاستفهام تحوم فوق رأسها، لا تفهم ما الذي يتحدث عنه، وأخذت نظراتها المتسعة تطوف الجروح والكدمات في وجهه وصولًا إلى ملابسه الممزقة والملطخة بالدماء.
يبدو أنه خرج للتو من معركة دامية، مما أثار مظهره رعبها، لتتجاهل أسئلته وتطرح عليه سؤالًا بتوجس مذعور: أنت اللي مين عمل فيك كدا؟
خرجت منها شهقة مصدومة، عندما استوعبت ما قاله منذ ثوانٍ، وهتفت بثقة تضج بالذعر: مصطفى!
مصطفى هو اللي ضربك بالمنظر ده؟!
تجاهل الرد على جملتها، شاعرًا بفوران الدماء في عروقه فور نطقها لاسم هذا الحقير. دفعته أبريل من صدره برفق، تحاول الابتعاد عنه لكنه أبى ترك خصرها، فقبضت على قميصه بعفوية، غير مصدقة مدى حقارة مصطفى التي جعلته يرتكب هذا الفعل معه، لتسأله بإصرار حاد مليء بالخوف:
رد عليا، بأقول لك هو اللي عمل فيك كده صح؟!
بردة فعل لا إرادية، أحاط بجسدها يغمرها أكثر بين ذراعيه، وفور أن أحس برأسها على صدره، تغلغلت راحة دافئة في عروقه الباردة وتخدرت نبضاته بسكينة، قبل أن يرد عليها بتأكيد ولهفة:
ما تخافيش يا حبيبتي، أنا تمام تمام، هبقى كويس.
خفق قلبها تلقائيًا، وهو ينطق بهذه الكلمة العفوية التي لم يتمكن من السيطرة عليها بسبب قلقه الزائد، حيث كان فريسة لأفكار سوداوية وهو ملقى على الأرض بقلة حيلة، متخيلًا العديد من السيناريوهات التي قد تحدث لها من هذا الوغد الذي تركه مع رجاله ليبرحوه ضربًا من شدة سخطه عليه.
قبض باسم على راحتيه بعنف نادم، فما كان يجدر به أن يستفزه إلى هذه الدرجة خوفًا على من أصبحت طرفًا في عداوة سخيفة وقديمة بين رجلين، لم يكن أي منهما الخير للآخر، لكن الآن عليه أن يهدئ من روعه وحنقه حتى لا يخيفها أكثر، لأن شعوره بمدى أهمية وجودها بجانبه يستولي على كامل حواسه في هذه اللحظة من الزمن.
شعرت أبريل بالأمان بين أحضانه التي تضمها بحنان وطمأنينة طالما رغبت في الحصول عليهما طوال حياتها، لذلك لم تمانع في مبادلته لهذا العناق الدافئ، بل بدلًا من ذلك لفت ذراعيها حول خصره واحتضنته بقوة أكبر هامسة بإلحاح:
فهمني إيه اللي حصل؟
هفهمك كل حاجة.. بس بعدين يا أبريل.. إحنا في الشارع.
تمتم بهذه الجملة الأخيرة، وهو يقبل شعرها بلطف، ثم أخرجها من بين ذراعيه، لينظر إليها بمشاعر غامضة، يتأمل القلق الواضح على ملامح وجهها الفاتن، ثم تابع يقول بهدوء رقيق يتناقض مع ضربات قلبه الصاخبة:
المهم إن أنتِ كويسة.. كان نفسي نسهر سهرة حلوة بس هعوضهالك.
عقدت حاجبيها مستنكرة هدوءه، لم تكن تعرف شيئًا عن مدافع الحرب الأهلية التي كانت تدوي في أعماقه، وهو يتوعد بشراسة لمصطفى داخليًا بسبب ما جعله يشعر به من خوف ورعب الليلة على هذه الفتاة الساذجة التي أقحمت نفسها في لعبة خطيرة، ولا يبدو أن النهاية تبشر بالخير للجميع.
أفاق من أفكاره البعيدة على صوتها الناعم بقلق:
لازم نروح مستشفى، أنت متعور جامد وهدومك كلها دم.
عانق باسم كتفيها بصمت وتحرك معها إلى السيارة، وهو يرمق الأرقام المكتوبة بالحبر الأزرق على راحة يده، مبتسمًا في داخله بغموض ذئب ماكر لما سيحدث بعد قليل.
رواية جوازة ابريل الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم نورهان محسن
الفصل الثامن والعشرون (أريدك في فراشي الليلة)
وفي خضم الصراعات، وجدتها خلاصي من كل ما أشعله الحقد والانتقام في روحي المحترقة، بعد أن توغلت دون أن أشعر في هويد ليلى تضيئه بفيروزيتيها المستهجنة ببريقٍ استثنائي، طالما انطوى كياني كله إلى العثور عليه.
في غرفة نوم باسم
مالت أبريل بجذعها العلوي نحو باسم على حافة السرير، تثني ركبتها تحتها وتتكي بيدها على كتفه العريض بتلقائية لتتوازن، بينما تسارعت دقات قلبه وهو يتململ برأسه على الوسائد العديدة بدون استرخاء، يرفرف برموشه في توتر وتيه من شدة قربها المهلك لأعصابه، وعبيرها الفاتن يغطي بجبروت على رائحة مطهر الجروح الذي تستخدمه مما لا يساعده على الثبات، بالإضافة إلى لمساتها الرقيقة التي تشعل لهبًا حارقًا في أوردته، وهي تمررها بقطنة على وجهه، غير منتبه لنظراتها الحانقة من حركته المستمرة لا شعوريًا، غير مدركة للحرب التي تشن أسلحتها المدمرة على كيانه حتى فاجأها بلف قبضته حول معصمها، يمنعها من الإكمال، ويضع يده الأخرى على عينه اليسرى، ليصرخ متألمًا يحذرها:
اخ .. حاسبي بتحرق!
وزعت أبريل نظراتها بتعجب بين يديهما المعلقتين في الهواء قبل أن تسحب يدها منه، لتهتف بسخط:
لو غمضت عينك مش هتحس بحاجة.
ارتفع باسم بجذعه قليلًا، محاولًا إخفاء التوتر في جسده، محدقًا فيها بعين واحدة، مدمدمًا بامتعاض:
ولو مكنتيش هربتي من الأول ما كانش ده كله حصل.
حدجته بحاجب مرفوع استنكارًا قبل أن تجيبه بكبرياء أنثى:
لو ما كنتش وقفت في طريقي كان زماني دلوقتي في دبي.
هتف باسم بحدة مفعمة بالسخرية، بما يغذي غيرته بالظنون، ووساوس الشياطين التي تحرقه بنيران مستعرة:
أو عند حبيب القلب القديم في المنصورة.
وصلها مغزى جملته، منعشًا ذاكرتها بكلماته الجارحة في شجارهما الأخير، فتصاعدت ألسنة الغضب في ذهنها، وبدون تفكير، دفعته في صدره حتى تمدد أمامها، ثم أخذت كيس الثلج من على الطاولة، وضغطت بعدائية على أعلى خده، فتجعدت معالمه متأوهًا غيظًا واستنكارًا:
آه بتستغلي الموقف .. خفي إيدك شوية.
لو مش عاجبك خد اعمل لنفسك.
قالتها أبريل بتحدٍ بارد، ووضعت كيس الثلج في يده، فاعتصره بقوة مسببًا ألمًا حارقًا في باطن كفه، ثم رفعه إلى وجهه العابس، قائلًا بضيق ممزوج بالتقريع:
بقى كده هو ده جزائي عشان كنت بحاول أحميكي؟!
كان من باب أولى تحميني من نفسك.
زوى باسم بين حاجبيه بعد أن فهم ما تعنيه بإجابتها المباغتة، التي تسببت في وخزة مؤلمة شقت منتصف صدره، فثبّت نظراته عليها، ليسألها بهدوء مفتعل:
هو لما أنتِ شايفاني ذئب بشري كده .. ما وافقتيش ليه على سفر دبي؟!
أربكت نبرته المتكدرة أحشائها، لوهلة ندمت على تسرعها، فلم تجد صيغة للرد تبرر شعورها بالخوف عليه والانزعاج منه، فتظاهرت بالتذمر في قولها متثبتة كيس الثلج على وجهه:
أهو اللي حصل.
عض باسم شفته السفلى بيأس متألمًا من ضغطها الشديد على خده لا إراديًا منها، فحذرها بحدة:
بطلي الغل ده بقى.
عند عز خارج الغرفة
وقف عز على شرفة البيت الخارجية، متكئًا على سياج الزجاج، وهو يتحدث عبر الهاتف بصوت هادئ.
أهو لسه واصلين عنده في البيت من شوية .. ما رضيش يروح مستشفى ولا حتى خلاني أكلم هالة مع إنه واخد علقة محترمة.
سكت عز عن الحديث، يستمع لما يقال من الطرف الآخر قبل أن يدوي صوته بانفعال طبيعي، ليروي له تفاصيل ما حدث:
وهو اداني فرصة أفهم حاجة يا خالد .. أنا لقيت واحد الجارد بيتصل عليا بيقولي باسم بعت لهم رسالة بلوكيشن ومحدش يقرب لمراته .. فاتصلت على تليفونه مقفول لما رنيت على التليفون الاحتياطي رد عليا قالي مكانه نزلت أجري على عنده ولما وصلت له كانت الحتة مقطوعة وهو متكوم مش قادر يسوق.
تلقى استفسارًا من خالد جعله يلوى فمه بنزق صدح في رده:
وإحنا من إمتى بنعرف اللي ناوي عليه؟! ما هو دايمًا بيفاجئنا بالمصايب وبعدين بنشوف لها حل.
تنهد عز بضيق ممزوج بالإنهاك، فهو لم ينل قسطًا من الراحة بعد وصوله من سفره، وما إن أنهى خالد جملته حتى أخبره نافيًا بإيجاز:
لا مفيش داعي تيجي وما تقلقش لو في جديد هكلمك.
في غرفة باسم
وضعت يدها على جبينه، لتجدها مثل الجمر المشتعل، فتساءلت بغرابة:
من إيه الحرارة دي؟!
دور برد من يوم اليخت.
طرقات هادئة على الباب، قاطعت استفهامها عما يقوله، أتبعه دخول عز، ليسأل بهدوء:
إيه الأخبار؟! عامل إيه دلوقتي؟!
تمام.
تبادل عز وباسم نظرات مبهمة لم تفهمها أبريل، فصفّت حلقها مستفسرة:
مفيش هنا دواء خافض للحرارة؟!
لا.
نهضت من مكانها لتقف عند رأسه، ثم أخبرته بصوتها العذب:
طب هكلم أقرب صيدلية يبعتولنا.
وبعد أن غادرت الغرفة، طوى عز ذراعيه على صدره، مشيرًا برأسه، قائلًا باستفهام:
فهمني ليه ما كلمتش الرجالة تيجي على عندك بدل ما تسيبهم يعملوا فيك كده؟!
لما لقيت عربية مصطفى ورايا ما فكرتش .. بعتهم على عندها على طول كنت حاسس إنه هيغدر وحصل.
بينما كان باسم يشرح له ما حدث له، سار عز نحوه ليرمي جسده على السرير بقوة بجانبه، فصرخ باسم من الألم الذي نخر عظامه من جلافة الآخر:
آه يا أخي حاسب أنت كمان!
مرر عز بصره فوقه، بفم مقوس، متصنعًا بالأسى في سؤاله الساخر:
شكل إيديهم كانت تقيلة حبتين هما كانوا كام واحد؟
نفخ باسم الهواء من فمه بنزق:
يووه مش ناقصك.
وضع عز سبابته وإبهامه تحت ذقنه، مفكرًا قبل أن يستفهم بسماجة:
طيب هتداري من صلاح إزاي بخلقتك دي؟! دي هتاخذ لها مش أقل من يومين على ما تتظبط.
رمقه باسم من زاوية عينه، متجاهلًا استفزازه له، وقال بلا مبالاة:
فكك مش ده اللي شاغلني من أصله .. أنت رجعت إمتى من سفرك صحيح؟!
رد عز على سؤاله بهدوء:
لسه من كام ساعة .. المهم ناوي على إيه مع مصطفى؟!
نظر باسم إلى الأمام يتنهد بهدوء، ثم أجابه بغموض:
بعدين هتعرف.
هدوئك مش مريحني .. بلاش تتسرع خلينا نفكر نرد اللي عمله فيك بال...
باسم مقاطعًا:
اللي عمله زمانه بيترد له دلوقتي.
اعتدل عز على الفور مستجوبًا إياه بحيرة مرتابة:
يعني إيه مش فاهم؟!
عند أبريل
وقفت داخل مطبخه الإيطالي تعد له الشاي، عيناها تجوبه في إعجاب بتصميمه الرائع قبل أن تتكى على الطاولة خلفها، وتغمض جفونها في استرخاء وترفع رأسها للأعلى.
أضاف الصمت من حولها الكثير من الأفكار إلى ذهنها لتطلق تنهيدة طويلة من صدرها الذي وضعت كفها عليه، تستشعر نبضاته المضطربة بمشاعر متضاربة في أغوار خُلدها حائرة بشأن أمره، لا تعرف هل هو ملاذًا لها أم هلاكًا لها، عندئذ تصاعدت الدموع في عينيها، وهي لا تزال تشعر بقلبها ينزف بعد أن نهشها بأنياب كلماته السامة في المرة الأخيرة التي جرحتها في الصميم.
في الوقت نفسه، لم يفعل لها من قبل ما فعله هذا الرجل الباسم.
بدأ عقلها يتذكر مواقفه السابقة معها، بدءًا من مساعدته لها وإنقاذ حياتها، وصولًا إلى دفاعه عنها وحمايتها أمام الجميع، وتعريض حياته للخطر اليوم.
أحاطت بها الأسئلة في حيرة من كل جانب، لم تستطع أن تتغافل عن ارتيابها القوي تجاهه.
هل هو ممكن أن ذئبًا مخادعًا مثله قد يتحول إلى حامٍ لها في بضعة أشهر بسيطة؟ لكن دقات قلبه الهادرة ونبرة القلق عليها في صوته المرتجف الليلة وهو يحتضنها بين ذراعيه بلهفة، تتنافى كليًا مع أفكارها السلبية عنه.
زفرت ببطء قبل أن تلوح ابتسامة مرتبكة على شفتيها، وهي تشعر بالسعادة الممزوجة بالقلق عليه لما فعله مصطفى به، وعلى الفور فوجئت بوخزات متتالية في قلبها بعدم الارتياح.
أخرجها أزيز هاتفها من أعماق أفكارها المظلمة، فالتفتت بسرعة وأخذته من على الطاولة، لتتفاجأ باسم ريهام يضيء الشاشة، صفّت حلقها بخفة لتخفي توترها قبل أن تضغط على زر الرد.
عند باسم
رن ضحك عز في الغرفة مندهشًا مما فعله باسم بعد أن غادر مصطفى، تاركًا إياه مع رجاله في وسط الصحراء.
_يا ابن الأبالسة يعني ثبت رجّالته.. ووافقوا يعملوا كدا...!!!
_قدام الفلوس محدش بيقول لا.. ولا اترددوا لحظة واحدة وافقوا من غير فصال.
هتف عز بنبرة متحمسة: طبيعي يوافقوا الرقم للي هتدفعه ليهم مش شوية.. بس أنا أدفع أي مبلغ وأشوف شكله بعد للي هيتعمل فيه.
ضحك باسم بخفة، وهو يخبره بابتسامة لا تخلو من الغموض: من غير ما تغرم نفسك مليم.
رفع باسم هاتفه من جانبه، وضغط عليه لبضع لحظات، يراسل شخصًا ما، ثم سلمه إلى عز، الذي أخذه منه بنظرات مرتبكة قبل أن تتسع عيناه ذهولًا عندما رأى باسم يفتح مكالمة فيديو عبر الإنترنت على الشاشة، تلاها صوت مصطفى الغاضب يصرخ بعدم تصديق: إيه اللي بتعملوه دا يا شوية **** أنتوا اتجننتوا؟!!!
صرخ مصطفى بجنون غاضب محاولًا سحب ذراعيه من هؤلاء الرجال الذين يقيدونه من الجانبين في شارع مظلم ليس بعيدًا عن منزله.
رفع عز بصره نحو باسم مغمغمًا بانشداه متعجب: إيه دا؟
اتسعت ابتسامة شيطانية على ملامح باسم، كانت أبلغ رد على هذا السؤال، يستمع بصمت إلى أنين مصطفى من الألم فور أن وجه له رجل ضخم لكمة قوية تلتها أخرى في وجهه، ثم صرخ بألم أكبر عندما ضربه الرجل بركبته في بطنه، جعلته يحني ظهره يضغط على أسنانه بقوة، لكنه توقف عن الشتم بمجرد سماعه صوت باسم الواثق مفعمًا بالاستهانة: حبيبي يا درش ما هنتش عليا أسيبك تنام الليلة وأنت فاكر نفسك غالب.. قولت أمسي عليك بتحية على الماشي كدا.. بس عشان فكرت تنكشني..
تابع باسم بخشونة قاسية النبرات ممزوجة بتحذير سافر: وقسمًا بعزة وجلالة الله مرة تانية عقلك يوزك تبص عليها من بعيد بس لا أخليك تتمنى الموت على أنك تعيش زيك زي أجدعها نعجة في الزريبة للي متربي فيها.. فاكرها قبل ما ربنا يفتح على أبوك وتنسوا أصلكم.
استشاط مصطفى غضبًا من إهانات باسم المحتقرة له، ليصرخ مهددًا: أنا هربيكم يا شوية ****.
_سامحنا يا مصطفى باشا.. إحنا مالناش في اللي بينكم.. كلنا عندنا بيوت مفتوحة.. وإحنا مع اللي مصلحتنا أكبر معاه وهو دفع لنا أكتر.
قالها أحد الرجال بصوت غليظ مشوبًا بالرجاء قبل أن يغادروا المكان جميعًا في سيارة سوداء ضخمة، مما تسبب في صمت مميت يسود حول مصطفى، الذي سقط جسده على الأرض في إرهاق شديد قبل أن يدوي صوت باسم في برود هازئ: نصيحة يا درش ابقَ بحبح إيدك مع رجالتك الجداد أصل شكلك كنت منشفها على الغلابة دول أول ما سمعوا المبلغ نسوا اللي خلفوك والصراحة يستاهلوا للي هياخدوه عملوا كل اللي وصيتهم بيه بالحرف.
هتف عز باستهزاء غلف صوته من خلال شاشة الهاتف: تعيش وتأكل غيرها يا أبو الدراويش.
مسح مصطفى العرق المتصبب من جبينه، وهو يضحك في عدم تصديق لا يخلو من الاستفزاز من بين أنفاسه اللاهثة: حقيقي حلوة منك فاجئتني طلعت عيشتك برا وسط متسولين أوروبا في السباقات الرخيصة علمتك حاجة.
هز باسم كتفيه بفخر ينضح برجولة خاطفة للأنفاس في حديثه، غير مبالٍ بالازدراء في كلمات مصطفى: يلّا أديك عرفت أقل حاجة عند المتسولين شكلها عامل إزاي يا درش.. المرة دي كانت سريعة ما تتحسبش أكيد.. بس لو لسه خيالك مصورك أنك هتقرب من للي يخصني وهقف أتفرج عليك يبقى ذكائك محدود.
نطق مصطفى من بين أسنانه المطبقة بغل: الحساب هيجمع يا ابن الشندويلي.
ضحك باسم بقوة تدوي مثل دقات طبول الحرب ثم قال ساخرًا: صدقني ناوي أصفي حسابي معاك وهيحصل قريب أوي بس على الله تبقى راجل لما تعوز تصفي حسابك تيجي لوحدك راجل قدام راجل.. وعلى العموم جدعنة من راجل محدش هيشوفك وأنت بيتعلم عليك والفيديو دا هحتفظ بيه للذكرى في الحفظ والصون.
انطفأت الشاشة في يد مصطفى بمجرد أن انتهت المكالمة، فألقى الهاتف جانبًا، وعيناه السوداوان تلمعان بشراسة، مهسهسًا بلهجة تقطر حقدًا: طيب صبرك عليا يا باسم الكلب أيامك الجاية سودة معايا.
في الجهة الأخرى عند باسم
_هو مش هيسكت على فكرة.
قالها عز بتحذير هادئ، وهو يسير خلف باسم إلى شرفة الغرفة، فأمسك الآخر برأسه متألمًا، هاتفًا بامتِعاض منزعج: بعدين نفكرله يلّا اسكت كفاياك رغي قبل ما ترجع مش عايزها تعرف حاجة.
رن الهاتف في يد عز معلنًا عن اتصال، فنظر إليه قبل أن يخبره: دا عمي صلاح.
زفر باسم بضيق: إذا سألوك عني قول لهم بايت هنا.
بعد قليل
_الدواء وصل.
قالتها إبريل بصوت أنثوي عذب من خلفهما بعد أن دخلت الشرفة، متقدمة نحوهما فأخذ الحبة منها بابتسامة سريعة، وضعها في فمه، وابتلع بعض الماء خلفها، فتساءل عز بنبرته المبحوحة عازمًا على الذهاب: طيب محتاجين مني حاجة؟!
توجه باسم معه إلى الداخل حتى لا يصل الحديث إلى أذنيها قائلًا بجدية: ما تنساش تكلم حسان مدير البنك عشان الشيك اللي هيصرفوه الجارد أول ما الصبح هيطلع.
همهم عز مازحًا بخبث: أوك.. بقولك ما تيجي نلعب جيم وأهو أبقى بلهيك عن الشيطان و...
قاطعه باسم بفظاظة دافعًا إياه نحو الخارج، فأخذ الآخر يضحك بمرح: العبها عند صلاح يا أبو الشهامة هنا مستغنيين عن خدماتك.
اتكأت إبريل بذراعيها على حافة جدار الشرفة، مستمتعة بالنسائم اللطيفة التي أنعشت ذهنها، وداعبت وجهها بلطافة حتى جاء ليجاورها، فناولته الكوب الساخن بهدوء، تشابه مع نظراته التي مرت على ملابسها المكونة من بنطال أسود واسع وكنزة أرجوانية برقبة عالية زادت من جاذبيتها الرقيقة.
قاطع باسم تأمله فيها وهو يخفض رأسه نحو الكوب، بجبين مقتطب بعد أن أخذ رشفة منه، متسائلًا بغرابة: طعم الشاي ماله عامل كدا ليه؟
_دا شاي بالزنجبيل.
هكذا جاء ردها ببساطة جعلته ينبس بعبوس: ما بحبش طعمه.
رفعت إبريل ذقنها تسلط فيروزيتها عليه، لتتحدث بعذوبة ممزوجة بالجدية: في التعب مفيش بتحب وما بتحبش يلّا اشربه هيريحك.
ابتسامة جذابة زينت شفتيه بغمازتين آسرتين، مندهشًا في حبور داخلي بهذه المبادرة الرقيقة منها للاعتناء به، أنزل الكوب عن فمه لوهلة، متسائلًا بهدوء لين: هو دا للي آخرك؟
_جاتلي مكالمة.
_من مين؟
_ريهام..
قالت هذه الكلمة بمغزى خفي، قاصدة نصب فخ له، وفيروزيتها تفحص رد فعله بتمعن، بينما أومأ الآخر برأسه يحثها على الإكمال، فأكملت بنبرة لئيمة، وهي تتمايل في دلال أنثوي مقصود: سألتني اتأخرت ليه دا كله برا.. حكيتلها للي حصل.. وبعدين سألتني هترجعي امتى؟ قولتلها هفضل مع جوزي لحد ما أطمن عليه.
صعقته صدمة حقيقية فور أن أنهت جملتها، غير مدرك إلى الخبث الممزوج بالغيرة في طيات سردها، بل اهتدى عقله إلى شيء آخر، فمد شفته السفلى إلى الخارج، متظاهرًا بالتفكير قبل أن يتعجب بسخرية لعوبة: بقت كلمة جوزي سهلة على لسانك دلوقتي وعاوزة تفضلي معايا كمان..
من إمتي الحنية دي كلها!
تشربت وجنتاها باحمرار الخجل الممزوج بالندم على اندفاعها فور أن داهمها برد فعل غير الذي كانت تتوقعه، خاصة أنه لم يظهر عليه أي علامات توتر حين ذكرت اسم ريهام، فخفضت بصرها إلى يديها المتشابكتين خوفًا من أن يكتشف غيرتها، وهي تعي إلى السخرية منها في كلامه، لكنها تابعت بهدوء: اللي أنت فيه دلوقتي بسببي و..
قاطعها بجفاء على الفور: شفقانة عليا يعني!
لم يدع لها مجالًا للرد، بل تابع مغلفًا طبقة صوته بحدة طفيفة: أنا ما أحبش حد يعمل لي حاجة بدافع الشفقة.. اطمني عليا أنا كويس.
لانت نبرته في نهاية جملته حين لاحظ ملامحها التي تغضنت حرجًا، لتشيح ببصرها بعيدًا عنه قبل أن تهمس بخفوت: طيب.. أنا هرجع البيت.
استدارت ابريل ومرت من جانبه بهدوء إلى الغرفة، ثم وقفت لحظة، ممسكة بمقبض الباب بشدة، رافعة وجهها إلى الأعلى، محاولة أن تتنفس بعمق لتسيطر على رغبتها في البكاء قبل أن تضغط على المقبض، لتشعر بملمس باطن يده الدافئة ذات الأوردة البارزة فوق الجلد الرقيق لكفها، مخللًا أصابعه بين خاصتها بسلاسة، لتسمعه يقول ببحته الهادئة الرجولية: أوام بترجعي في كلامك مش كنتي هتفضلي معايا!
تلفظت أنفاسها بتثاقل، مجيبة إياه بتساؤل خافت يهدد ثباتها بالانهيار: وأفضل ليه بعد ما حسستني إن وجودي مش مرغوب فيه؟
تحركت أصابعه إلى الأعلى، دافعة خصلات شعرها خلف أذنها، هامسًا بحرارة انتقلت عبر جسده إلى ظهرها، أشعلت لهيبًا في ثناياها، وصل إلى الأطراف، مما أضعف موقفها الدفاعي ضده: زي ما حسستيني لما ما كنتيش بتردي على مكالماتي ورسايلي بالأيام.
أنهى باسم جملته، يدنو منها متكئًا بذراعه الآخر على الباب، لامسًا جلد أذنها بشفتيه من الأعلى ولفحتها أنفاسه الملتهبة، فتدلت جفونها إلى الأسفل بذبذبات طفيفة، لتهمس من بين شفتيها المزمومتين بقهر: عشان كنت قاسي في كلامك معايا.
احتدت نبرته الهامسة بجوار أذنها فور أن كرر عقله الحانق كلماتها السابقة: أنتي كمان استفزتيني بعنادك وبكلامك الفارغ اللي قولته.
عبست ملامحها فور أن نطق بهذه الجملة، فالتفتت بجسدها حتى التقت عيناهما بينما قالت شفتاها في استنكار، متهمة إياه: تقوم تجرحني! رغم إنك كنت عارف إني بستفزك ومش قصدي اللي بقوله..
ومضت عيناه الرماديتان بعواصف من غيرته المجنونة، مما جعلها ترتجف بتوتر أمام هيمنة جسده الذي يحاصرها، هادرًا في هسهسة خشنة: مهما كان أنا راجل مش لوح خشب.. ولا هو سهل عليا أسمع مراتي وهي بتقول كانت بتحب راجل تاني قدامي بالطريقة دي..
صمت باسم يلهث أنفاسه بغضب يضاهي انفعالها حالما احتجت بلوم: ده ما يديكش الحق تقولي إني بتنقل من واحد لواحد وأنت ما تعرفش حاجة عني.
ساهمت كلماتها المستهجنة في خروج وحوش غضبه الممتعضة، لتدوي بزئيرها الجنوني في سؤاله: وهعرف منين؟ وأمتى؟ وأنتي ما بتتكلميش معايا كلمتين من غير ما تقلب خناقة!!!
صاحت ابريل بصوت مرتفع يشوبه اعتراض عنيد: وبأسلوبك البربري ده مش عاوزة أكمل معاك أ..
بتر بقية الجملة على شفتيها عندما انحنى ينهي المسافة بينهما، ممسكًا بفكها بين براثن راحة يده الكبيرة بتملك، مبدلًا مجادلته العبثية معها إلى قبلة حارة، التهمت نيرانها كل غضبها منه في لحظة قبل أن يفك تشابك شفتيهما بتمهل مهلك.
أدار باسم وجهه، يمرر خده على خدها الناعم، هامسًا في أذنها بنبرة لينة مليئة بالأسف، يبتر بها يدي المكابرة التي تخنق حلقه عن الاعتراف بما لا يدعه الكبرياء أن يبوح به: حقك عليا كان غصب عني وعارف إني اتسرعت في اللي قولته.. بس إزاي هشوفه حاضنك وما أتجننش!
تابع بلهجة مفعمة بالغيرة، مسلطًا عينيه الرماديتين بعمق في عينيها اللامعتين بإنشداه منه: ما تعرفيش إزاي ولعتي فيا بنار قوية باللي قولتيه.. ما قدرتش أتحكم في نفسي ولا أتحمل فكرة إن في بالك حد تاني.
انصهر عقلها في بركة فضيته الذائبة لتهمس دون تردد: بس أنا ما فيش في بالي حد غيرك.
اخترقت الصدمة حجاب عقلها فور أن اندفعت هذه الحروف عبر لسانها، تعكس ما بداخل ثنايا قلبها، ولم يكن حالته أفضل من حالها، حيث تمركزت عيناه على شفتيها المنفرجتين اللتين تحدثتا بما هز كيانه، مما تسبب في زوبعة ضخت مشاعر طاغية في خفقاته المجنونة.
مال بوجهه نحوها ببطء شديد، يتحسس بنعومة شعرها في يده قبل أن يدفعه خلف كتفها، متكئًا بيديه على الباب خلفها يحيط جسدها بذراعيه، ليودع قبلة في غاية الرقة على شفتيها، فاستقبلتها باستجابة وله، لتدوم ثوانٍ معدودة قبل أن تشعر بشفتيه تبتعدان عنها.
ازداد ذوبانه فيها ما إن بادرت برفع وجهها مقابل وجهه في مطالبة صامتة بإعادة الكرة فاستجاب لها بهوادة شديدة تتنافى مع صخب قلبه تلهفًا إليها، ريثما أراحت يدها على صدره الصلب بتجاوب خجول واستسلام أنثوي هش أشعل الأجواء بالدفء حولهما، بينما تتنقل رأسهما يمينًا ويسارًا في تناغم معزوف فوق أوتار نبضات تشتد جنونًا وهيامًا.
أحاط باسم بجانب رقبتها بكفه مثبتًا إياها، وشفتيه تلتهم رحيق كرزيتها الناضجة بشغف حار، لثوانٍ قليلة فقط قبل أن يفصل قبلتهما بصعوبة ما إن لاحظ أنفاسها تتسارع كثيرًا، فخاف على رئتيها من الأذى.
تهدلت يديها إلى جانبها، بينما صدره يرتفع وينخفض في إثارة، ولم تكن حالتها أفضل من حالته، ليتمتم بخشونة محببة لأذنيها من بين أنفاسه المسلوبة عشقًا: أنتي كويسة!
- تقريبًا؟
تقطعت حروف الكلمة على عتبة شفتيها المبتسمتين بإنشداه عن حالها، وهي تزفر أنفاسها بنعومة على وجهه بلهيب ينبعث من ثنايا صدرها، لتحرقه شوقًا وشغفًا بها، فوضع جبهته على جبهتها، زافرًا بهدوء.
خفضت ابريل بصرها إلى الأرض، تستجمع أنفاسها المتحشرجة قبل أن تقول، بتحذير موجهًا إلى نفسها قبل منه: اللي بنعمله ده خطر!
همست بلهجتها الهشة في إغراء غير مقصود، فأشعلت نيرانًا داخل عروقه أشد فتنة بها، تشابكت عيناهما للحظات، فاتسعت ابتسامته المهلكة حتى حفرت غمازتان مثيرتان على جانبي فكه، جعلت نبضاتها تتسابق في افتتان به، ليقول بأنفاس متقطعة مشبعة باللهفة: طول عمري بعشق الخطر.
نبست بهمس مماثل لهمسه: وأنا طول عمري ببعد عنه.
أغمضت عينيها فور أن زرع قبلة عميقة وحانية على جبينها، فشعرت بدفء لذيذ كالعسل يتدفق عبر جسدها بالكامل، ليخفض هو وجهه ويمرر شفتيه بنعومة على طرف أنفها، بينما قال بهمسه الأجش والجريء: جربيه معايا المرة دي هتحبيه..
- باسم.
لفظت اسمه بدلال عفوي أذابه، فتقابلت الشفتان دون أن يتلامسا، مغمغمًا بحرارة وهو يتشرب أنفاسها بوله: طريقة نطقك اسمي بتعجبني وفي نفس الوقت بتعذبني يا بندقة.
بعد مرور فترة وجيزة
داخل مطبخه ذي التصميم الإيطالي
- مغمضة ليه؟ حاسة بدوخة!
سأل باسم باهتمام، ففتحت عينيها بسرعة، نافية بعد أن كانت متكئة على الحائط بهدوء لا يخلو من التفكير: لا أبدًا..
- هما مين الناس الكتير دول اللي كانوا معاك؟
سألته بفضول من خلف ظهره، وهو يعد لهم القهوة، فأجاب بهدوء: رجالاتي.
مطت ابريل باستغراب: ما كنتش عارفة إن عندك جاردات كتير بالمنظر ده.
- دول ما بيظهروش غير لما بكون محتاجهم بس بتوع المهمات الخاصة أصلاً خنيقة فكرة الحرس وأنا بميل للعنف نهائي.. بس يوم ما بكون مضطر بفتح له دراعاتي.
استدار باسم بجسده نحوها في آخر جملة قالها، فاتحًا ذراعيه على اتساعهما بابتسامة جانبية، فأدرك عقلها بسرعة ما يرمي إليه، مطرقة ببصرها إلى الأسفل، وهي تشعر بالخطر يطوق أفكارها بقلق، غافلة عن من سارع بالاقتراب منها، فشقت شهقتها في ارتعاب الأرجاء الساكنة، وهو يحتضن خصرها، رافعًا إياها بخفة وكأنها لا تزن شيئًا بالنسبة له، فطوقت رقبته بكلتا يديها تلقائيًا، ليضعها فوق الطاولة الرخامية ويقف قبالتها تمامًا دون أن يكف عن النظر إليها.
- مش عايزة تبصي لي ليه!
خايفة من منظري بعد ما اتحولت مسخ دميم؟
أنهى باسم كلامه، مجعدًا ملامحه بمشاغبة حال أن لاحظها تحدق في كل اتجاه إلا هو، ففشلت في كبت ضحكة تلقائية، رنت أنغامها بنعومة أثارته، وهي تدفعه في كتفه مدعية الغضب، لكن نبرتها خرجت كعتاب جاد:
ليك نفس تهزر إزاي وأنت كان ممكن يجرى لك حاجة بسببي النهارده.
قبض على كفها يأسره فوق قلبه النابض بقوة أربكت كيانها، بينما كان عقله يردد عليه كلمات مصطفى الوقحة وتهديداته الماكرة بما قد يفعله لإيذائها، فلم يستطع التحكم في انفعالاته، تاركًا ذئبه يثأر لحمايتها دون التفكير في العواقب، لكنه نفى بنبرة مطمئنة:
ما تفكريش كدا.
جذبت نفسًا مرتجفًا قائلة بصوت خافت:
حياتك اتقلبت من اليوم اللي دخلتها أنا فيه.
أمسك بذقنها بين أصابعه ورفعه، فتشابكت فيروزيتها التائهتين في أعاصير متضاربة تشبه رماديتيه العاصفتين في زوبعة بعثرت دواخله بالشوق قبل أن يتحدث بصوت أجش لا يخلو من الجدية:
هي اتقلبت فعلًا بس عشان دا الوقت اللي تترتب فيه بوجودك أنتي معايا يا أبريل.
استولت وساوس الشياطين على عقلها الذي صرخ محذرًا إياها من ضرورة توخي الحذر، فتحركت أصابعها لا إراديًا نحو جبينه، تتحسسه برفق، فأغمض عينيه مستمتعًا بلمستها، ليتلاشى شعوره على الفور بعد أن تكلمت بتردد:
هي دي تخاريف من حمى ولا دي كمان تمثيل؟
_ عشان بحبك.
صوت بداخله تمتم بهذه العبارة دون أن ينطق بلسانه، فكان هذا هو التفسير الوحيد لكل انفعالاته الضارية، وليتها تشعر بضجيج الحروب العنيفة في ثنايا صدره وتلهفًا عليها، وخوفه الشديد عليها كي لا يمسها أذى يكاد يصيبه بالجنون، كل ذلك يثبت له بما لا يدع مجالًا للشك أنها عبرت أعماقه التي لم يطأها أحد من قبل، فبات مغرمًا بهواها، وحالة من العذاب عزفت ألحانًا تمتزج بالشوق داخل قلبه، لكن لا شيء في متناوله سوى عذرها، فهو على يقين أن ثقتها بمن حولها تمزقت، كما يعلم أن اسمه محفور على جدران بوابة المنافقين داخلها بنقوش نارية تحرقه الآن بقسوة.
فإذ بصوت العقل يطرح عليه سؤالًا بإنشداه من أمره: متى أصبحت لها عاشقًا معذبًا بنارها المتمردة؟ فبادر القلب بالرد عليه: ما العيب في انهيار قيود السلطة ليتحرر غرام مقدرًا له أن يتدفق بسخاء؟ لقد حان الوقت لإسكات منطقك المتجبر، فنحن في حاجة ماسة إلى استراحة محارب، دع عواطفي الجياشة تتولى زمام الإدارة، لأجعلها تشعر بمدى شغفي بها، ولتهدأ نيران لوعتي متنعمًا في حضنها الدافئ.
طال صمته دون أن يعلق على كلماتها الأخيرة، فندمت على اندفاعها، وهمست بصوت يكنفه رجفة:
ساعات بكرة نفسي لما بتخدع في ناس بحبهم بحس إني مغفلة وغبية.
أومأ برأسه متفهمًا، وبدت ملامحه الحادة أكثر وسامة بكلماته الجادة التي حرص على إخراجها صلبة وحازمة:
عارف إن خوفك وخذلانك في اللي حواليكي هيمنعك تصدقيني دلوقتي بس دا مش هيمنعني أوصل لقلبك يا بندقة وهكون أمانك والزمن بينا هيثبتلك كلامي.
اختتم عبارته بنظرات ثاقبة أكدت لها أن لا شيء سيمنعه من التسلل لاقتحام حصون قلعتها العنيدة، وطالت لحظة السكون بينهما قبل أن يغير فجأة مجرى الحديث بسلاسة، فتضاعفت دهشتها منه:
تيجي نطلب عشا؟
هزت أكتافها بعدم اهتمام تجلى في قولها:
أنا مش جعانة بس إذا جعان مفيش مانع.
_ لا طالبة معايا تفاح.. بتحبيه؟!
سألها باسم مستفسرًا، وهو يخرج طبقًا مليئًا بالتفاح الأحمر من الثلاجة، فهمهمت بالموافقة، فقام بتقطيع ثمرة إلى قطع صغيرة بسكين حاد، ثم قرب إحداهما من شفتيها حتى تقضم جزءًا منها، فالتهم الجزء الآخر في فمه بلذة، مستفسرًا بنبرة متلاعبة:
حلو!!
همهمت أبريل ببراءة قبل أن تجفل أنفاسها مضطربة، حالما طبع قبلة عميقة على خدها، مغمغمًا بصوت متحشرج بإفتتان:
دا طعمه أحلى.
_ لاحظ إنك أخدت عليا جامد.
همست أبريل له بتحذير خجول، وخفضت بصرها إلى الأسفل، وهي تشعر به يداعب عنقها بإبهامه، ثم أرخى مرفقه الآخر على الطاولة الرخامية، واقترب منها حتى التصقت جبهتهما، فتسارعت دقات قلبها بقوة وهي تشعر بأنفاسه الدافئة تدغدغ بشرتها الناعمة، وبنفس صياغة جملتها، ردد بمرح جريء تجلى في نبرة صوته الضاحكة، مستمتعًا بتأثيره عليها:
ومالو!! خدي أنتي من دا كتير أوي بقي.
_ تعالي.
هكذا قال باسم، وهو ينزلها على الأرض بسرعة أنزلها، ليخرج معها من المطبخ، فاستفسرت متعجبة:
على فين؟
توقف عن السير والتفت إليها، يعتقل خصلة من شعرها بين أصابعه، ووضعها خلف أذنها، وهمس بما أربك خفقات قلبها بعنف:
عاوزك الليلة تنامي في سريري.
رواية جوازة ابريل الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم نورهان محسن
أنت لهيب الشوق الذي يلهب كياني،
تغمرني همساتك بحب متفجر كالسيل العاتي،
متأرجحة المشاعر في قلبي بين جنون الحيرة ووهج الأمل، لأشعر برعشة الخوف تتراقص في عتمة الليل، فأخشى أن تغيب عني كظل يتلاشى في الفضاء.
توقف عن السير والتفت إليها، يعتقل خصلة من شعرها بين أصابعه، ووضعها خلف أذنها، وهمس بما أربك خفقات قلبها بعنف:
"عاوزك الليلة تنامي في سريري."
"باسم!"
نطقت حروف اسمه برقة يشوبها التحذير، فرفع وجهها إليه بأنامله حالما وجدها تتهرب من نظراته بخجل أشعل وجهها بإحمرار لذيذ، وبابتسامة واثقة أخبرها بصوت يحمل مزيجًا من العذوبة والمزاح:
"ما تقلقيش، هكون راجل راقي."
دخل معها غرفة النوم المضيئة بخفوت، ووقف ينظر إلى عينيها المترددتين بعينيه العاشقتين. كان يشعر أن قلبه ينبض بسعادة غريبة، من المشاعر الدافئة التي تحيط بهما، لكنها بطبعها العنيد كانت تفضل إخفاء مشاعرها، وكأنها تخشى أن تُظهر مدى تعلقها السريع به. هو يعلم ذلك جيدًا، ويعشق هذه المقاومة الرقيقة في شخصيتها.
ذهبت نحو السرير وجلست باستحياء على حافته بعدما أشار إليها بفعل ذلك، بينما هو اتجه صوب الخزانة الصغيرة مد يده يفتحها، ثم أخرج منها منامة رجالية ليضعها بجوارها في صمت، وبعد ذلك توجه إلى الحمام. أدار المياه الدافئة لتملأ حوض الاستحمام فوصلها صوت المياه المتدفقة.
فور أن شعرت بقدومه نحوها أنزلت أهدابها إلى أصابعها المتشابكة في صمت، في حين جثا على ركبتيه أمامها بابتسامة حنونة تشابهت مع نبرته:
"الحمام جاهز.. الميه الدافية هتريح جسمك.. أنا قلت لك تنامي في سريري.. مش عشان أخوفك أو أحسسك بأي توتر.. بس عشان أديكي إحساس بالأمان اللي تستاهليه."
مال أكثر صوبها بشفتيه ليطبع قبلة حنونة على جبينها بينما فيروزيتها تتابعه بإنشداه.
مرت لحظة صمت قصيرة بينهما، ثم بنظرة تُفصح عن مزحته الدافئة أردف وكأنه ترجم أفكارها المشوشة:
"وأنا هكون في الريسبشن.. عشان لو احتجتي حاجة.. يعني مش بعيد.. بس مش قريب برضه.. عشان تحسي إنك مرتاحة أكتر."
"هتنام على الكنبة يعني؟!"
بابتسامة مشاكسة أجاب على استفسارها العفوي ملتفتًا إليها بوجهه من عند باب الغرفة:
"إيه صعبت عليكي وهتنيميني في حضنك؟"
أطبقت على شفتيها بخجل وهي تعبث في شعرها بتوتر معنفة نفسها داخليًا على تسرعها لتتلعثم في قولها دون النظر إليه:
"أنا كنت.. باستفسر بس.. وبعدين احترم نفسك وما تنساش تقفل الباب وراك وأنت طالع."
انطلقت ضحكاته الرنانة بعذوبة مما جعل ابتسامة تنمو فوق شفتيها رغماً عنها بينما تنصت إلى حديثه المرح يشوبه لمحة تذمر مصطنعة:
"هي بقت كده ماشي يا بنت فهمي.. هسيبك تحلمي بيا.. تصبحي على خير يا بندقتي."
غادر الغرفة دون أن ينتظر ردها تاركًا لها مساحة كاملة لتشعر بالراحة والسكينة فابتسمت بهدوء وداخليًا كانت تشعر بالامتنان فقد كان مختلفًا عن توقعاتها لذا سمحت لنفسها بالاسترخاء في حمامه وهي تفكر كم هو راقٍ وحساس بطريقة فاجأتها ولأول مرة منذ فترة طويلة ليست مضطرة لإخفاء مشاعرها وهي تشعر أن كل حركة منه مفعمة بالاهتمام والرعاية الرقيقة.
أرادت حقًا تصديق نظراته التي يطل منها حنان كبير يروي بستان قلبها المتعطش توقًا له وللدفء الذي تشعر به بين يديه وتبغي بشدة مساعدته في ترميم قلعة الثقة التي هدمها الآخرون داخلها بلا رحمة وأن تنجح في حب نفسها من جديد لتتجاوز العراقيل التي تعكر صفو حياتها.
في صباح اليوم التالي
تململت إبريل في نومها بانزعاج، وكأنها تحاول الهروب من شيء غير مريح يقترب منها.
أدارت رأسها بتثاقل إلى الجهة الأخرى، وخرجت من بين شفتيها المطبقتين تمتمة حانقة:
"بطل رخامة يا عمر.. سيبني أنام."
شعرت إبريل بشيء رطب يداعب وجهها مجددًا، حاولت تجاهل هذا الشعور الذي أيقظها من حلمها، لكنها في النهاية استدارت نحوه، ورفعت ذراعها ببطء تحتضن الكائن الذي بجانبها بحنان، تداعبه بخفة وفجأة انتابها شعور غريب، أناملها تغوص في فروة ناعمة، لا تشبه ملمس بشر، ففتحت عينيها نصف فاتحة، وصوتها المبحوح من أثر النوم تساءل:
"إيه ده؟"
في لحظة تجمدت أوصالها كما لو أصابتها صاعقة، نظرت بعينين جاحظتين إلى الكلب الجالس بهدوء بجوارها على السرير، وكأنها لا تصدق ما تراه ثم ما لبث أن هتفت بدهشة مضحكة من المفاجأة:
"أنت مين يا عم؟! وإحنا فين أصلًا؟!"
ما هي إلا لحظات حتى بدأت تفاصيل الأمس تعود إلى ذهنها، واسترجعت الأحداث التي أوصلتها إلى هنا، ثم تنهدت بعمق وهي توجه نظراتها نحو الكلب وكأنها تحاول استيعاب الواقع زافرة بتوجس:
"ماشي أهلًا وسهلًا.. أنا إبريل.. أنت جاي مع مين بقى؟"
في هذه اللحظة، انتبهت إلى اهتزاز هاتفها الصامت على المنضدة بجانب السرير، مضيئًا باسم صابرين، فالتقطته بسرعة واندفعت نحو الشرفة، محاولة الابتعاد عن الكلب الذي بدأ ينبح ويركض نحوها، وكأنه يطالب بالدخول بعد أن أغلقت الباب خلفها.
ردت على الهاتف بصوتها المتهدج، فجاءها صوت صابرين المتسائل بتذمر:
"إيه يا بنتي!! بارن عليكي من الصبح؟"
تلعثمت إبريل وهي تحاول استعادة رباطة جأشها:
"معلش يا بيرو، كنت عاملة التليفون سايلنت وراحت عليَّ نومه."
جاء رد صابرين متعجبًا:
"إيه صوت كلب ده؟ أنتِ جبتي كلب ولا إيه؟"
ضحكت إبريل بتوتر:
"ها؟ لا ده كلب الجيران.. أصل أنا طلعت البلكونة أشم هوا.. المهم طمنيني على ستي صحتها تمام؟"
أجابت صابرين على سؤالها بروتينية وهي تهتف بصوت عالٍ من الضوضاء حولها:
"آه الحمد لله أنا نزلت السوق أجيب لوازم ليها."
"تمام أنتِ أخبارك إيه وأخبار أبو لهب معاكي إيه ربنا هداه ولا لسه؟!"
"هو اللي زي ده بيتهدي ولا بيتهد؟.. أهو بيتعدل يومين ويرجع تاني يلاقي له حاجة جديدة يعمل بيها خناقة."
"طنشي خلي أعصابك في الثلاجة."
"من يوم ما بقيت أقصف جبهته كلمة قصاد كلمة بالذوق وأسكت على كده وما أزودش في الكلام.. وهو ما بقاش عارف يسلك معايا.. بالعكس بيحاول يتقرب لي ويتمحلس كده بس باثقل عليه."
"يا واد يا ثقيل."
"تعرفي لولا إنه ابن أمه أوي كان زماني لسه باحبه زي أول جوازنا.. بس هو اللي كرهني في عيشتي بسلبيته."
حاولت إبريل جاهدة أن تبقى مركزة، لكن عقلها كان مشوشًا من الحديث وأزمة صابرين مع زوجها جعل قلبها ينقبض ذكريات قديمة بدأت تطفو على السطح بينما الأخرى تتابع باستفاضة:
"تعرفي عشان كده كنت موافقاكي في قرارك ساعة ما سيبتي أحمد ما كنتش عايزاكي تخيبي خيبتي المقندلة دي وتشوفي المرار من أمه زي حالاتي."
سألت إبريل بتردد:
"هو ونادية أخبارهم إيه؟!"
أتت إجابة صابرين تجفل نبضات قلبها بصدمة:
"اسكتي على اللي عمله فيها.. خلاها تروح على بيت أهلها وبعديها بكام يوم بعت لها ورقتها."
"طلقها؟.. وبنتهم؟!"
صوتها المهتز بالكاد استطاع نطق هذه الكلمات، فجاء رد صابرين بإيجاز:
"مع أمها."
شعرت بالذنب يغمرها، والوساوس تستولي على ذهنها من كل جهة كأنها كانت السبب في هذه الكارثة، كما لو أن كل قرار اتخذته، كل كلمة قالتها، كانت تساهم بها في تدمير حياة شخص آخر، فتساءلت بصوت حزين يعكس أفكارها الداخلية:
"أنا السبب في اللي جرى ده؟"
"إيه العبط ده وأنتِ مالك بحاجة زي دي هو اللي خرب بيته بإيده؟!"
هكذا ردت صابرين بنفي، تؤكد لها أن هذا ليس ذنبها، لكن إبريل لم تستطع طرد هذا الشعور القاتم من قلبها، وبدأت العبرات تتجمع في عينيها، ثم بكلمات تقطر حزنًا هتفت بقهر:
"وبنته ذنبها إيه في كل اللي بيحصل ده؟ ليه الأنانية دي؟ ليه يحرمها منه؟ ليه ما يخليهاش تعيش حياة طبيعية بين أب وأم مع بعض؟ ليه ما يرضاش بعيشته ويجي على نفسه مرة عشان خاطر بيته ليه؟!"
حاولت صابرين تهدئتها مسرعة:
"بالراحة يا إبريل أنتِ بتعيطي ولا إيه؟!"
يا حبيبتي، ما تزعليش نفسك، أنتِ ما لكيش ذنب في حاجة من كل ده.
لهثت ابريل أنفاسها بصوت عالٍ، فوضعت كفها فوق فمها، وأنهت المكالمة بصوت مكبوت:
أنا تمام يا صابرين ما تقلقيش. هأقفل دلوقتي عشان أحضر نفسي للشغل. هاكلمك بعدين.
التفتت ابريل فجأة إلى الخلف، لتجده واقفًا خلفها مباشرة، فالتقت عيناه الرماديتان بعينيها الفيروزيتين، وما كان منها إلا أن ألقت بنفسها على صدره دون أي مقدمات، وأحاطت خصره بذراعيها، وكأنها وجدت ملاذًا آمنًا، تشبثت به كما لو أنه الوحيد الذي يستطيع أن ينقذها من دوامة مشاعرها.
تجمد باسم لوهلة، مصدومًا من مبادرتها الجريئة، لكنه شعر بقوة احتياجها إليه، فترك جسدها الصغير يغرق في حضنه الدافئ.
أجهشت بالبكاء بشدة، دموعها تنسدل كأنها سيول هاربة من عاصفة مكبوتة، لم يكن يدري ماذا يفعل، لكن كل ما شعر به هو حاجته لإراحتها، فهمس لها بنبرة لينة:
اهدِي يا حبيبتي...
رفعت رأسها إليه بعينين مغرورقتين بالعبرات، وصوتها المرتجف يخرج منه بوضوح قسوة الألم في سؤالها:
أنتَ سمعتني؟ صح؟
ابتلع ريقه بصعوبة، يحاول أن يتماسك أمام انهيارها الذي آلمه بقوة، وأجاب بخفوت يكاد يلامس شفتيه:
أيوه.
غرست وجهها في صدره مجددًا، وتابعت بهمس مكتوم:
أحمد طلق مراته. سابها وهما بينهم طفلة صغيرة.
كل حرف كانت تقوله مثل سكينٍ حادٍ يشق قلبها، ولمس هو وجعها العميق في نبرة صوتها المتحشرجة، فقرر أن يخفف عنها بقدر استطاعته، فحرك جسدها برفق معه ليجلسا معًا على المقعد في الشرفة دون أن يفلتها من بين ذراعيه كما لو أنها ستنهار لو أرخى قبضته عنها.
وضعت رأسها على صدره، بينما كانت نبضاته السريعة تتسارع وكأنها تحاول أن تمنحها الأمان، رفع ذقنه واتكأ بها على شعرها بحنان، ويداه تمسدان ظهرها برفق.
بين شهقاتها المتقطعة، خرجت كلماتها بمزيج من الخوف والضياع:
أنا خايفة. خايفة على البنت. مش عايزاها تبقى زيي.
رد بصوت دافئ مملوء بالصدق:
يا ريتها تكون زيك. أنتِ ما فيش حد زيك. أنتِ أحسن من ناس كتير يا ابريل.
نفت ابريل برأسها في حزن عميق، وهي تفصح بنغمة طفولية مفعمة بالمرارة:
لا. مش عايزاها تتعذب في الدنيا زي ما أنا اتعذبت. مش عايزاها تحس باليتم وأهلها عايشين. مش عايزاها تذوق الحرمان اللي أنا عشته. أو الخوف والوحدة اللي مرافقتني زي ظلي في كل حتة أروحها.
أحاطها باسم بذراعيه أكثر، كما لو كان يحاول أن يمحي كل مخاوفها بحنانه، وطمأنها بلهجته الواثقة مشددًا على الحروف بإصرار:
كل ده هيتغير يا ابريل. مع بعض هنعدي كل ده. ادينا فرصة مع بعض ما تخافيش.
صمتت ابريل لبرهة، وكأنها تزن كلماته في داخلها، ثم رفعت أنظارها صوبه، وتمتمت بصوت متحشرج بالارتباك والتردد:
يا ريتني أبطل خوف. يا ريتني أقدر أقول لك إني محتاجالك. بس مش عارفة إذا كان اللي بنعمله ده صح ولا لا؟ أنا متلخبطة وخايفة.
شعر بنبضات قلبه تتسارع بلهفة، فأمسك بكفها ووضعه على صدره، ونظر إليها بعينين تفيض بالجاذبية، قائلًا بنبرة جياشة بالمشاعر:
سامعاه؟ ده ما بقاش بينبض قوي كده إلا في وجودك أنتِ. بيحس بيكِ ومش طالب منك غير إنه يكون عشانك ملكك وبتاعك وليكِ. لسه عايزة إيه ثاني يثبت لك إني ما بضحكش عليكِ؟ إني محتاج لك زي ما أنتِ محتاجالي ويمكن أكثر.
شعرت ابريل بدفء كلماته يغمر روحها، حاولت مقاومة تياره، فوجدت نفسها محاصرة بين مشاعرها المتأججة وسحره القوي ممزوجًا بعاطفته الجارفة التي كانت أكبر من أي حواجز بينهما.
فاحت نبرة الارتياح في صوته حالما تابع مبتسمًا، وهو يتذكر الليلة الماضية في شرود:
عارفة ليلة إمبارح، مجرد إحساسي إنك معايا في نفس المكان، قدرت أنام لأول مرة من غير ما تزورني كوابيس كل ليلة. من غير ما أكون عايز أنام ما أصحاش ثاني.
تاه عقلها لثوانٍ، وسط غياهب الشكوك فور أن أسدل الستار على عبارته المبهمة، وآخر ما كان يخطر ببالها أن يعبث الموت بأفكاره، وعلى غير إرادتها، ارتج قلبها فزعًا من مجرد تخيل فكرة فقدانه ذات يوم.
خرجت ابريل من شرودها حالما انطلقت أسئلته مفعمة بالتوتر الواضح من صمتها:
هتفضلي ساكتة كده؟ مش هتقولي حاجة؟
تطلعت إليه بملامح تعكس تعبيرًا مترددًا، ثم عضت على شفتيها قبل أن تجيب سؤاله بسؤال:
هأقول إيه يعني؟
استكمل باسم حديثه بابتسامة حانية مثل شمس تنعكس بدفئها على شواطئ الأمل:
قولي موافقة. وأنا أوعدك إني هأعوضك عن كل حاجة وجعتك. من دلوقتي اطمني حضني هيكون مكانك وبيتك. ومش هتطلعي من الحضن ده أبدًا. ومستعد أعمل أي حاجة تخليكِ حاسة بالأمان فيه.
ابتسمت فور سماعها جملته، ثم خرجت من بين أحضانه، والقلق ما زال يعتمل في قلبها، قائلة بتردد مرتعش:
نفسي أصدقك. عايزة أثق فيك. بس خايفة يطلع في حاجات كتير في حياتك مخبيها عني. وألاقي نفسي مخدوعة ثاني.
هيجي الوقت اللي نعرف فيه عن بعض كل حاجة مرت في حياتنا إحنا الاثنين. أنا حابب أكتشف بنفسي كل تفصيلة تخص مراتي الغامضة وأديها فرصة تعرفني على أقل من مهلنا. موافقة؟!
هكذا أجابها بحزم حاني لا يخلو من مرحه المعتاد، معتنقًا يدها بين كفيه كأنما يحاول أن يبدد ظلال مخاوفها، وقلبه يتراقص بين اللهفة والترقب، ليأتيه الرد المنتظر، بإيماءة خجولة تنم عن موافقتها تمنح نفسها لحظة استسلام تامة لمشاعرها المتدفقة.
تأملها باسم بنظرات مشبعة بشوقه كأن الزمن توقف للحظة، وأصبحت هي مركز كونه، ثم دنى بشفتيه يلامس وجنتيها المبللتين بالدموع بنعومة، كأنما يمتص أحزانها، وحرارة أنفاسه تشعل بداخلها مشاعر رائعة، هامسًا في أذنها بصوت عميق مفعم بالعاطفة، كأنه يبوح بسر دفين:
يا ريتني كنت جنبك ومعاكي من زمان. عمر ما كنت هأسمح لنسمة تجرحك. ولا دمعة زي دي تنزل من عينيكِ. مع إن رموشك المبلولة دي مغرية قوي مخلّياني مش على بعضي.
شعرت ابريل بخفقات قلبها تتسارع، وكأن كلماته وصلت إلى أعمق أغوارها، فرفعت عينيها إليه بحرج مع عبارته الأخيرة التي نطقها بعبثه المميز، وهي مبتسمة بخجل لترد بلطافة لا تخلو من التوبيخ:
لم نفسك.
ابتسم باسم بخبث، وهو يقترب أكثر بعينين تتوهجان بشغف، وصوته يفيض بالمزاح الممزوج بالحب:
هو أنا لسه قلت حاجة؟
حاولت ابريل التملص من أسره المهيمن، بضحكة صغيرة:
وبعدين معاك؟!
شدد ذراعيه حولها أكثر، وهو يسألها بصوت منخفض وعينيه مليئتان بالتوق:
عايزة تروحي مني فين؟
يدوب آخد شاور سريع وأغير هدومي زمانها نشفت وأجري على الشغل.
رفع حاجبه بتعجب ممزوج بالفرح مستفسرًا:
هو أنتِ غسلتِ هدومك هنا؟
أجابته باندفاع، مشيرة إلى المنامة التي ترتديها:
آه إمبارح. أصل ريحتك كانت باينة في الهدوم. ودلوقتي موجودة فيا كمان بعد ما لبست بيجامتك.
تسللت ابتسامة ماكرة إلى شفتيه مظهرة نواجذه وهو يميل عليها، ليتساءل بخبث مبطن:
وفيها إيه؟ هي ريحتي مش عجباكِ؟
شعرت بارتباكها يتصاعد من إجابته، فردت بابتسامة محرجة:
مش قصدي كده. بس أصلها ملفتة قوي وباين إنها رجالي. يعني هأتكسف حد يشمها عليا في الشغل هيقولوا...
أتمّ عبارتها بهمسٍ أجشٍ، مفعمٍ بجرأته المعتادة وأنفاسه الحارة تلامس عنقها مشعلة بداخلها شغفًا متأججًا، وبأنفاس متقطعة نكزته في معدته لتنهض من حضنه موبخة إياه:
بطل قلة الأدب دي. إيه اللي بتقوله ده!!
لكنه لم يترك لها مجالًا للهروب، حيث قام خلفها مسرعًا، وقبض على خصرها ملصقًا ظهرها في بطنه، فشعر بانتفاضة في قلبه من ملمس جسدها، ليهمس بالقرب من أذنها بنبرة تشي بولعه:
يعني يرضيكِ تسيبيني لوحدي وتروحي الشغل؟
أدارت رقبتها إلى الأعلى لتلتقي عينيهما للحظات، ثم استدارت بين ذراعيه، ووضعت يدها برقة على جبهته قبل أن تستفسر بدهشة:
هو أنتَ دماغك وجعاك؟
ضحك بصوت عالٍ ممزوج بغرابة من سؤالها:
لا. ليه؟
أجابت بضحكة مشاغبة:
بأتأكد إن ما عندكش ارتجاج في دماغك من ضرب إمبارح.
انطلقت ضحكته العميقة، كالموسيقى تأسر قلبها، وتذوب في عمق غمازاته الخلابة، في حين دنى منها ليخبرها في أذنها بمزاح عذب:
أنتِ شاطرة في الهندسة بس بليدة في الرومانسية.
أنا بقي هديكي كورس مكثف فيها بالمجان وأخليكي الأولى على قلبي.
ارتفع صوت ضحكتها العذبة في ذهول، كأنها قيثارة تعزف بأوتارها الرقيقة، لتنسج ألحانًا تسحر قلبه وتغمره بموجات من العشق أطاحت بآخر ذرة تعقل في رأسه، ليتضخم شوقه ولهفته لخوض تجربة أخرى تتيح له تذوق شفتيها المسكرتين. وقبل أن تتمكن من الرد، اجتذب وجهها نحوه بشغف لم يتحكم في مقاومته، ملتهمًا كرزتيها المحمرتين من أثر البكاء، بجنون وشغف يختلجان في قلبه.
أما هي، فارتعش جسدها مع اقترابه المفاجئ، ومزيج متناقض من مشاعر الخجل المتردد والشغف الجارف يتراقصان في قلبها بانسجام مثير يشعل لهفة لم تعشها هكذا من قبل، لتغرق في بحر من عواطفه المتلاطمة، تبتعد شيئًا فشيئًا عن كل ما عرفت، لتصبح أسيرة لهذه اللحظة الساحرة. شعر بأصابعها تسللت لتتشابك حول رقبته، حركة صغيرة لكنها أحدثت داخله دوامة من المشاعر، فزاد من عمق القبلة، لتنساب أنفاسهما المختلطة كألحان ساحرة تعبر عن شغف روحي لا يمكن وصفه، مع حرارة جسديهما التي تصاعدت في تزامن مثير مع نبضات قلوبهما المجنونة، كأنهما يشاركان في رقصة غير مرئية تنسج بينهما خيوط الهيام الناري.
صرخ صوت داخلي في أعماق عقله حالما استغرقت القبلة الأخيرة عدة لحظات أطول، منبهًا إياه بضرورة فصلها والابتعاد عنها، حتى لا تتأذى رئتها من انحباس الهواء في صدرها مدة طويلة، مفسحًا لها مجالًا للتنفس ثم نبس من بين أنفاسه لها بوله:
مينفعش تكبري دماغك من الشغل النهاردة وتخليكي معايا؟
هزت رأسها بالنفي، محاولًا عقلها تذكيرها بضرورة المغادرة، لتنفيذ ما خططت له في الليلة الماضية، بينما قلبها يتأجج شوقًا، في رغبة ملحة للبقاء معه حالما سمعته يستكمل بصوت لاهث:
ليه مستكترة عليا كام دقيقة كمان في جنتك؟
_بجد متأخرة أوي وضروري أروح.
تسربت نبرتها الضعيفة إلى أعماق روحه، بينما لمساتها تداعب خده الشائك بنعومة، تركت أثرًا دافئًا على قلبه المتأجج، أفقدته المقاومة، ليحتضن شفتيها برقة متناهية، كما لو كانت تلك القبلة وداعًا مؤقتًا.
فصل القبلة بسرعة، وقال بلطف مستسلم:
طيب خلاص.. هسيبك تخلصي.. بس هنفطر مع بعض ماشي؟
ردت بابتسامة محببة:
حاضر.
في ذات الوقت، داخل غرفة ريهام.
تجلس ريهام على فراشها في غرفتها الواسعة، يغمرها شعور بالتوتر الحانق ينعكس في حدقتيها الزرقاوين اللتين تنظران إلى الشاشة المضيئة لجهاز الحاسوب المحمول، ليصدح صوت مصطفى الذي ينبعث منه استفسار:
عرفتي اللي حصل منين؟
لترد ريهام بنبرة تتسم بالحدة:
أبريل حكتلي عن اللي عملته في باسم.. أنت إزاي تعمل حاجة زي كدا؟ دا مكنش ضمن اتفاقنا!
تدفقت الأسئلة بغضب على لسانها باندفاع، فقاطعها بصوت محتد:
وانتي مش شايفة اللي عملوا ال*** فيا؟
تعكر صفو ملامحها بمزيج من الغضب المكبوت والغيرة اللاذعة، ليظهر ذلك جليًا في نبرتها بعتاب جارح:
غضبك خلاك تغلط.. وأهو علم عليك وعمل فيك زي ما عملت فيه.. هو مش النوع اللي بيخاف وينسحب زي ما كنت فاكر.. لا دا كمان استغل اللي حصل لمصلحته وأبريل بايتة في بيته من ليلة إمبارح.
مرارة خانقة تشكلت في حلقها، وهي تنطق العبارة الأخيرة التي تثاقلت بحجم خيباتها، تشعر للمرة الثانية أن امرأة أخرى تتربع على عرش كانت تتوق لأن يكون ملكًا لها، وكأن الزمن يعيد لها ذكريات الخسارة والألم بتحدٍ قاسٍ، لتسترجع في ذهنها مكالمتها معها بالأمس، ثم كلمات ابنها عمر، الذي أخبرها هذا الصباح أن أبريل ليست في غرفتها منذ ليلة الأمس.
غير منتبهة إلى معالم مصطفى التي اشتعلت بجمرات الغضب بعد خروج هذه الكلمات من فمها، وكأنها طلقات نارية في جسده ثم ما لبث تجعدت تعابيرها بالاستنكار حينما استمعت إلى صوته الأجش ذو النبرة الخطيرة:
فعلاً كنت غلطان لما سمعت كلامك وفضلت ساكت عليهم.. لحد ما بقت على ذمته وقدام عيني.. بس مش أنا اللي أسيب كلب زي دا يعلم عليا.. هو وأختك ووديني لأكون قالب حياتهم جحيم.
انتفض جسدها من حدته، لكنها تمالكت نفسها سريعًا عابثة في خصلاتها، محاولة أن تظهر الاستخفاف الحاد في وجهه عبر الشاشة، وبنبرة تحمل الشماتة قالت:
والله أنت اللي ما حسبتهاش صح.. دا غير إنك عملت اللي عملته من غير ما ترجعلي.
_بلاش الشويتين دول يا ريهام.. أنتي بس متضايقة من اللي حصل في حبيب القلب.. بس مش معنى كده تنسي روحك وأنت بتكلميني.
أخذ مصطفى لحظة ليلتقط أنفاسه الثائرة، ثم أضاف ببرود قاسٍ:
لو مالكيش مصلحة ما كنتيش دخلتي في الجيم من الأول.. إحنا كان بينا اتفاق أخلصك من الشيكات اللي على أبوكي وديون أمك بمجرد ما أبريل ترجع لي ندمانة، بس الظاهر إني هلغي الاتفاق دا!!
ضربت ريهام بكفها على الفراش، وهي تنفث زفرة حارة، لترد بنبرة تحمل غضبًا حادًا:
أبريل ممكن تكون غلطت.. بس أنت كمان مش ملاك، ولو هترجعها ليك يبقى من غير ما تمس باسم بأي أذية!!
_دا كان قبل ما الهانم تروح تبات عند الحيوان دا.. لكن من دلوقتي خلاص كل هدفي بقى إني أدمر كل اللي يخصوا باسم وأبريل.. لحد ما تيجي راكعة تحت رجلي وأكسرها.. ما فيش حد مش هيطوله الأذى حتى أنتي يا ريهام.
قال عبارته بنبرة تفيض بالقسوة والشراسة، ثم انقطع الاتصال تمامًا حالما أغلق شاشة الحاسوب، فتململت ريهام في مكانها، وشعور الخوف يتوغل في قلبها من تهديده، وهي تدرك أن الجميع سيصبح في خطر حقيقي أمام هذا المختل.
في منزل باسم.
كانت الشمس تسلل خيوطها الذهبية عبر النافذة المفتوحة، وتجلس أبريل وباسم على طاولة تتوسط الصالة أمامهما أكواب من عصير البرتقال الطازج، وبعض الأطعمة الخفيفة التي تناسب وجبة الإفطار، حتى قطعت أبريل الصمت بقولها المفاجئ ناظرة له بعينين مليئتين بالتردد والفضول:
هو أنا ممكن أسألك سؤال؟!
كانت نبرة صوتها متوترة، تشبه خطوات طفل يخشى أن يعبر عن مشاعره الحقيقية، في تلك اللحظة، لم تكن تسأل فقط، بل كانت تبحث عن إجابة قد تكون مفتاحًا لراحة بالها، إجابة تتعلق بما يخفيه باسم في قلبه.
_طبعًا.. خدي راحتك.
قالها باسم بنبرة ثابتة وواثقة، لكنه كان يشعر أن السؤال التالي سيحمل شيئًا أعمق من مجرد استفسار عابر، فهزت رأسها قليلًا وكأنها تجمع شجاعتها للسؤال التالي:
أنت عمرك.. حبيت.. حب حقيقي؟
كلماتها خرجت كحبات المطر الأولى في يوم شتوي بارد، بطيئة وثقيلة، ونظراتها متشبثة بعينيه، تتوق لمعرفة حقيقة مشاعره القديمة تجاه أختها، هل لا تزال تلك المشاعر تسكن أعماقه؟ ورغم أن طرح هذا السؤال قد يبدو، وكأنه طوق نجاة لقلقها المكبوت، إلا أنها تدرك في أعماقها أنه قد يفتح أبوابًا لدوامة جديدة من عذاب يشعل نارًا خامدة في قلبها، قد لا تستطيع كبحها إذا اندلعت.
_ما أقدرش أقول عليه حب حقيقي.. عشان دايمًا الحب الأول بيكون عفوي ومشاعرك على طبيعتها.. بس دا كان حب قديم.. ومن زمان أوي.
هكذا نطق بجملته، التي تحمل في طياتها صدى الماضي بلا مبالاة، وهو يقطم قطعة من التوست في فمه، في تلك الأثناء لم تعد فقط تبحث عن حقيقة الحب القديم، بل عن مكانها هي في حياته، لذا سألته بصوت متردد، ولكنه مكتظ بالتحدي الخفي:
مش يمكن لسه الحب القديم دا جواك؟ عشان كدا مش قادر تعيش حب جديد؟
كانت كلماتها تلقى كحجر في ماء هادئ، تولد دوامات من التساؤلات في قلب باسم من اهتمامها الواضح بهذا الموضوع، لكنه هز باسم رأسه ببطء وأجابها بنبرة مفعمة بالتوازن والهدوء:
ما أظنش.. عشان المشاعر بتتغير في كل مرحلة من حياتنا وبننضج.. اللي كنا شايفينه مناسب لينا إمبارح.. ممكن ما يناسبش تفكيرنا وأهدافنا ورغباتنا النهاردة.
مع كل إجابة يقدمها كانت تشعر بأنها لا تزال بحاجة إلى المزيد، لكنها لم تستطع إخفاء ابتسامتها التي حملت مزيجًا من الاستغراب والإعجاب في نبرتها الرقيقة:
بتعرف تقول كلام موزون.
رفع باسم حاجبيه ممازحًا، وهو يحاول كسر التوتر المتصاعد بينهما قبل أن يتجرع من كوب العصير:
هو كنتِ شايفاني تافه أوي كدا؟
ضحكت أبريل بخفة، وتجنبت عينيه لثانية، ثم ردت بتمهل، وكأنها تختار كلماتها بحرص:
مقدرش أسميك تافه..
ممكن سطحي وبتاخد كل حاجة بالتريقة والهزار، ومعظم الوقت بتكون ساخر.
أومأ باسم برأسه موافقًا على هذا الوصف جزئيًا، قائلًا بابتسامة جذابة:
"يمكن لأن التفكير الزايد بيتعب ويعطل."
كانت هذه الجملة بمثابة مفتاح لفهم جزء كبير من شخصيته، حيث يفضل السخرية كوسيلة لحماية نفسه من الغوص في مشاعر قد تكون مؤلمة أو مرهقة، لكنها لمست استعداده البائن للإفصاح عن مكنوناته معها تدريجيًا.
"وأنتِ لسه للحب القديم مكان جواكِ؟"
أعادها سؤاله الجاد إلى الواقع، بهدوء يتناقض مع العاصفة التي تأججها الغيرة في ثنايا صدره، بينما تجلت دهشتها في اتساع عينيها ورفع حاجبيها، فلم تكن تتوقع هذا السؤال المباشر. نظرت للأسفل للحظة، ثم رفعت رأسها، وأخذت نفسًا عميقًا، لترد بنفس صيغة إجابته المبهمة:
"كل ما بنكبر أكتر بنحتاج لإنسان يفهمنا ونحس معاه بالأمان وإنه السند.. خصوصًا إن دي هي الحاجات اللي طول عمري كنت مفتقدها."
التقطت أنفاسها لثوانٍ، مستطردة بجدية لا تخلو من النعومة:
"بس بعد بحث ومعرفة أكتر اكتشفت إننا لازم نتصالح مع نفسنا ونتشافى من جروح الماضي الأول.. عشان ييجي لحياتنا الإنسان الصح.. وإلا هنفضل نجذب اللي عندهم نفس احتياجنا."
شبك باسم قبضتيه تحت ذقنه، مرتكزًا بمرفقيه على الطاولة، بينما ارتسمت على شفتيه شبح ابتسامة إعجاب، ثم غمغم بنبرة شبه مازحة:
"بتقولي كلام خطير أوي."
ارتفعت ضحكتها الرقيقة تأسر قلبه بأنغامها الساحرة.
تسللت الكلمات من شغاف قلبه، لتنساب بنبرته العميقة المفعمة بالشغف، مثل لحن بديع يثير دقات قلبها برقة:
"كل شوية بتظهر فيكِ تفاصيل بتجنني أكتر.. وبتخليني ما أحسش بنفسي وأنا معاكِ.. فيكِ جاذبية عجيبة بتشدني ناحيتك زي ما تكوني حتة مغناطيس ما بتخلينيش قادر أسيطر على روحي وأنتِ قدامي."
أنهى عبارته بابتسامة مهلكة تعلو شفتاه، وأمسك يدها برقة عبر الطاولة، كأنه يربط بين قلبيهما بخيوط من الهيام. توردت وجنتاها بلون قانٍ يشبه أزهار الربيع المتفتحة، بينما عضت على شفتها محاولة تغيير الموضوع بسرعة، وهي تسحب يدها برفق من تحت كفه:
"ممكن نكمل فطار؟"
لمعت عيناه بعشق يسرى في شرايينه، وهو يعقد ذراعيه أمام صدره متسائلًا بهدوء:
"ماشي، قولي لي تحبي تعرفي إيه تاني عني؟"
"مش على بالي حاجة معينة.."
هكذا أجابته بصوت غير مبالٍ قبل أن يطرأ في ذهنها أمر ما، فصمتت ثوانٍ تستجمع شتات أفكارها، ثم سألته بنبرة يتخللها القلق الخفي:
"بس ممكن مثلًا تقول لي إيه هي أكتر حاجة ممكن تخليك تكره إنسان وما تحبش تعرفه تاني؟"
استغرق باسم لحظات في التفكير قبل أن يجيبها، وعيناه تلمعان بشيء من الجدية:
"الخيانة."
"عارف هتستغربي يعني عشان علاقاتي السريعة كتير.. أيوه ما حبيتش ولا واحدة فيهم.. بس تعرفي ما حاولتش أخون ولا واحدة يعني ما بقاش مع حد وأروح أعمل علاقة تانية بغيرها.. فأكتر إحساس يعصبني ويطلعني عن شعوري وتخليني أقفل باب التفكير في إنسان هي إنه يحسسني إني مغفل وبيتلعب بيا من ورا ضهري."
رده الحاسم ارتطم بها كمرآة تعكس طباعها، فهو يفكر بطريقتها، وهذا جعل قلبها يخفق بجنون، وكأن طبولًا صاخبة تدوي في صدرها. أفكارها تداخلت كضباب كثيف يحجب الرؤية، لتتأرجح بين رياح التوتر وعواصف التردد، إذ لا تعلم كيف ستكون ردة فعله عندما يكتشف ما هي على وشك القيام به اليوم.
"سرحتِ في إيه؟"
سألها بنبرة فضولية، حاولت الرد لكن الكلمات علقت في حنجرتها:
"أنا..."
امتدت أصابعها المرتعشة لالتقاط الكوب، ليفلت من يدها لا إراديًا ووقع على الأرض، مما أحدث صوت تكسير عالٍ متناثرًا إلى شظايا صغيرة، مما جعلها تجفل لوهلة، ثم انتفضت من مكانها قائلة بتوتر:
"أنا آسفة.. ما قصدتش."
"عادي.. فداكِ."
نظرت إلى ابتسامته الهادئة بعينين مهزوزتين بعد أن أصبح بجانبها، ممسكًا يديها اللتين ترتجفان بشكل ملحوظ:
"مالك اتوترتِ كده ليه؟"
شعرت بنظراته كأنها تخترق جدران قلبها الخفية، فابتسمت ابتسامة باهتة، محاولة التظاهر باللامبالاة، وهي تتوجه نحو الكرسي حيث تركت حقيبتها النسائية:
"أصلي اتأخرت على الشغل.. يعني يا دوب أطلب أوبر وأروح."
اقترب باسم منها بنظرة ماكرة في عينيه، وكأنه يرى فرصة لتأجيل مغادرتها، قائلًا بهدوء:
"ليه أوبر؟ خدي عربيتي روحي بيها."
"إزاي وأنتَ..."
قاطعتها ضحكته الجذابة، وهو يرفع يده ليوقفها عن الكلام:
"هأروح فين بوشي ده؟ وبعدين كده أضمن إنك هترجعي بالعربية عندي عشان نتغدى سوا ونكمل اليوم مع بعض."
"أنتَ أستاذ في التخطيط."
ردت بمزحة محاولة السيطرة على خجلها، فابتسم باسم كاشفًا عن نواجذه، رافقت جملته العابثة غمزة شقية:
"أستاذ في حاجات كتير.. وبكرة تتأكدي بنفسك."
مال عليها قليلًا وهو يتحدث، متكئًا بكفه على ظهر الكرسي خلفها، مشعلًا بينهما شرارة شوق لا يمكن إنكارها.
"باسم بطل التلميحات السفلة بتاعتك دي!"
لم تستطع إخفاء نغمة الارتباك الخجول الذي يتسرب إلى صوتها بينما دنا بجسده الذي يتحرك لا إراديًا كخيط مشدود نحوها. عيناه لا تفارق شفتيها المتوردتين اللتان تألقتا بلمعان مثير من تمرير لسانها عليهما بتوتر، كأنها ترسم لوحة حية من الإغراء، أشعلت في جسده رغبات تحبس الأنفاس في صدره، فتتأجج براكينه مهددة بالانفجار. انبعثت نبرته مفعمة بشغف مفتون:
"عارفة لو فضلتِ تقولي اسمي بالطريقة دي وتمصمصي شفايفك كده.. مش هتتحركي أبدًا من هنا.. وسفلتي وقتها هتطلع بجد."
اتسعت حدقتاها بصدمة خجولة، فابتعدت قليلًا وهي تشعر بحرارة مشاعره تسربت إلى وجهها فألهبته، ثم أطلقت تنهيدة خفيفة رفقت لجلجتها المرتبكة:
"كلامك ده بيوترني على فكرة وأنا كده هتأخر..."
أنهت كلماتها بسرعة، تتحرك نحو باب المنزل، فاتبعها بخطوات هادئة وثابتة، محاصرًا جسدها بينه وبين الباب، وجعلها تلتفت نحوه، فنظرت بتردد إلى عينيه الغارقتين في تأمل عميق بها.
"ليه كل ما أكون عاوز أعبر لك عن مشاعري ناحيتك بتهربي؟ وليه بتبقي حلوة أوي لما بتحمرّي وتتوتري كده؟"
سألها باسم بصوت خافت، يحمل عبق الشغف والافتتان، نفذ إلى أغوار روحها، يشعله بحرارة ساحرة. أطلق زفيره الحار بجانب أذنها، لابسًا شفتيها بنعومة بإبهامه، مستطردًا بابتسامة:
"طيب عارفة إن التوتر بتاعك ده دليل على إن قلبك بيتحرك ناحيتي زي الإكسبريس.. مهما عاندتِ إنك توقفيه أو تتحكمي في دقاته هيكمل في طريقه ليا.. بطلي معافرة في نفسك... وفيا."
رفرفت خفقات قلبها كفراشة مأسورة تحت سحر همساته التي دغدغت أعماق مشاعرها. أسدلت جفونها بخدر طفيف حالما اقتربت أنفاسه تلامس شفتيها برقة، ثم أطبق عليها بشفتيه في قبلة هادئة، سرعان ما أشعلت فيها نيران شغفه من تجاوبها الخجول معه، وكأنها أوقدت شرارة في بركان عواطفه الثائرة.
"استنيني هنا.. هأجيب لك المفاتيح من جوه وراجع."
همس باسم بخشونة حانية بعدما فصل القبلة التي تركت أثرها في أنفاسه المتسارعة بجنون، ثم غاب عنها لبضع لحظات، بينما ظلت هي في مكانها، تلتقط أنفاسها اللاهثة ببطء، تتلمس بإنشادٍ مسرور آثار قبلاته التي ما زالت عالقة على شفتيها حتى عاد إليها بالمفاتيح، وودعها بعناق حار جعل شيئًا في داخلها يرتعد بألم غامض، فتشبثت به بكلتا يديها كأنها لا ترغب في انتهاء تلك اللحظة الدافئة.
بعد مرور ساعة
توقفت سيارة باسم أمام مبنى راقٍ، ترجلت أبريل تسير بخطوات متوترة، قلبها يتراقص كفراشة حبيسة تضرب جناحيها على جدران صدرها، لكنها تعلمت إخفاء هشاشتها خلف قناع الصلابة والتهكم.
رفعت رأسها بثقة، وهي تتقدم نحو الداخل، تصعد إلى الطابق الموجود به شركته، ثم تقدمت نحو السكرتارية تطلب منها إذن للدخول، فرفعت سماعة الهاتف، لتتحدث بتردد ملحوظ:
"أيوه يا مستر مصطفى.. مدام أبريل موجودة برا وعاوزة تقابل حضرتك."
أغلقت الخط بعد ثوانٍ قصيرة، ثم نظرت إلى أبريل بابتسامة مهنية:
"اتفضلي."
مستر مصطفى منتظر حضرتك في مكتبه.
شكراً.
قالتها أبريل بابتسامة صفراء بعد أن لاحظت نظراتها المدهوشة من قدومها الجريء إلى عرين الأسد، لتتأكد من متابعة أخبارها باهتمام، خاصة بعد مناداتها بلقب مدام.
قدماها تتحركان بثبات ظاهري نحو الباب، أخذت نفسًا عميقًا وهي تفتحه، نظراتها تلاقت مع عينيه اللتين كانتا تشبهان شظايا الجليد، مسلطة عليها بجمود من خلف مكتبه.
جيتي ليه يا أبريل؟
سألها بصوته الذي خرج باردًا قاسيًا، كما لو كان ينحت الكلمات على حجر.
ثبتت عينيها عليه بهدوء دون أن ترمش، وابتسامة جانبية ارتفعت على شفتيها المكتنزتين مجيبة بنعومة مثقلة بالسخرية:
جيت أتفرج على الراجل الوقور وهو بيتحول لراجل عصابات وقاطع طريق.
وقف مصطفى من خلف مكتبه ببطء، ثم اقترب بخطوات واثقة، شعرت ببرودة جسده المهيبة تحيطها، وهو يلتف حولها مثل نمر يدرس نقاط ضعف فريسته، كتمت أنفاسها تلقائيًا، كأن رائحة الخوف ستفوح منها فتصل إلى حواسه المتأهبة لالتهاهما بلا رحمة.
تابعت حركات مصطفى بزاوية عينيها، بينما وقف خلفها مباشرة، وصوته المنخفض تسلل مثل السم يملأ الجو بخبث شيطاني وهو يسألها:
وأنهي واحد فيهم عجبك أكتر؟
أنت زودتها أوي بتصرفاتك اللي بقت خارجة عن السيطرة...
صوتها كان مزيجًا من التحدي والاستهجان، وهي تستدير نحوه بنفاذ صبر، ثم صاحت تردف:
فضلت ساكتة عن قسوتك وتهديداتك وعداوتك لحد ما وصل بيك الحقد والكره تعمل اللي عملته إمبارح... بأي حق؟
ضاقت عيناه قليلًا، بينما لمعت في صوته نبرة غضب:
بتلوميني على إيه وأنت السبب في ده كله؟
أشار بقبضته أمام وجهها يعتصرها بقسوة، معتبرًا تحديقها فيه تحديًا مستفزًا بحد ذاته، وهذا زاد من تصاعد حقده المكتوم، وتابع من بين أسنانه المطبقة بعنف:
تعرفي... لولا إني كنت متمسك بآخر ذرة عقل في راسي كنت خلصت عليه.
ألسنة الحقد المتأججة في سواد عينيه أنبأتها بأن العناد لن يجدي معه نفعًا، فخفضت نبرتها بهدوء لتفادي اشتعال ما هو أخطر:
كفاية كده يا مصطفى... وقف الحرب دي لو سمحت... وقفها.
نبرتها حملت صدى من رجاء خفي انعكس في عينيها اللامعتين، ليميل برأسه متفرسًا فيها بعينين ثاقبتين، ثم بسؤال قاتم مليء بالتهكم قال:
الدموع اللي جوه عيونك دي... خوف مني ولا خوف عليه؟
تنفست أبريل بصعوبة، وخرج صوتها هادئًا، لكنه مثقل بالتوتر:
أنا كل اللي عايزاه منك تنهي العداوة دي... أنا معنديش القوة عشان أحاربك وأتحداك زي ما أنت فاكر... أنا مش زيك...
بحاجب مرفوع من كلماتها التي استفزته، قاطعها بضحكة ساخرة، وبلهجة لاذعة كحد السيف قال:
ما تضحكيش على نفسك... أنت زي بالضبط ما تفرقيش عني حاجة.
تلاشت صدى ضحكاته في الهواء، ثم بعينين تشتعلان غضبًا اقترب أكثر منها، ليواصل بهسيس حاد:
زودي على كده إنك أنانية وغدارة... وخاينة!!!
ابتلعت ريقها بشق الأنفس من كلماتها التي طوقت عنقها بعقد من الشوك السام، سلب منها القدرة على التفكير للحظات، وقفت في مواجهته تمتزج نيران حقده الحارق، مع نار التمرد المتأجج بتحدي متوهج على أمواج عينيها الفيروزية المستهجنة في صراع مستعر.
رواية جوازة ابريل الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم نورهان محسن
عندما تتوقف المرأة عن كونها "شرسة" معك، تجيب على اتهاماتك بمنتهى الجمود، لا تعاتب، لا تبرر، لا تلوم. عندما تقول "نعم" أنت ربحت دون حتى مناقشتك، تأكد أنك لم تعد بحوزة قلبها، لم تعد تعنيها، فالأنثى داخل الحب لا تشبه نفسها وهي خارجه، حين تتوقف عن فعل يثبت لك خطأك في حقها فأنت خسرتها...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكتب مصطفى
_زودي على كدا إنك أنانية وغدارة... وخاينة!!!
ابتلعت أبريل ريقها بشق الأنفس من كلماته التي طوقت عنقها بعقد من الشوك السام، سلب منها القدرة على التفكير للحظات، وقفت في مواجهته تمتزج نيران حقده الحارق، مع نار التمرد المتأجج بتحدٍ متوهج على أمواج عينيها الفيروزية المستهجنة في صراع مستعر.
_خاينة!!!
رددتها خلفه بصوت يفيض استنكار، غير مصدقة إلى أي مدى وصلت حقارته، هل يحاول تحميلها وزر أكاذيبه الآن؟ سرعان ما رسمت ابتسامة باردة على شفتيها متمتمة بهدوء:
هو أنت إزاي مصدق نفسك كدا وأنت بتقولها؟!
رمقته أبريل بازدراء، وأشارت بإصبعها باستخفاف تجلى في جملتها بما يكفي لتنهش كبرياءه بخنجر مسموم:
عمومًا آخر حاجة ممكن تهمني هو أنت شايفني إزاي! كنت يعني هنتظر إيه من واحد ساب فعله هو ومسك في رد فعلي اللي كان طبيعي!
تقوست زاوية فمه بسخط مكبوت، أدارت له ظهرها وتقدمت نحو أحد المقاعد أمام المكتب، جلست بهدوء، وأرست حقيبة يدها برفق على قدمها، بينما أبقت نبرتها مشبعة بسخرية لاذعة:
سيبتني أبني قصور من رمل وأتخيل إني هعيش فيها مع راجل محترم في استقرار.. اتوهمت إني معاك هلاقي الأمان والحنان اللي اتحرمت منهم.. سيبتني أرسم أحلام في الهوا طلعوا كلهم سراب..
تدفقت الكلمات من شفتيها كاعتراف متأخر، وصوتها خافت كهمس سرٍّ محاط بالأشواك، لكنها مضطرة لتفريغ شحنات الألم والغضب المكبوت، بينما هو ظل واقفًا بثبات صامت:
اتهد دا كله في اللحظة اللي نزلت بجري بفستان الفرح وأنا بضحك بفرحة صحيت منها على صوت واحدة ست وهي بتقولي أنا مرات مصطفى... خطيبك!!
_وبعد دا كله بتقول عني أنانية وغدارة وخاينة!!
كررت أبريل كلماته بهدوء مشبع بالاحتقار، كسيف مسنون مزق ما تبقى من احترامها له، منهارة صورته في عينيها كقلاع رملية تحت أمواج الخداع، أما هو يدرك أنه ظلمها، لكن صراعه مع ضميره تلاشى أمام طغيان مارد غروره، حالما اخترق صوتها أذنه بتحدٍ يخدش كبرياءه الذي يعتز به.
خطى مصطفى في اتجاهها بخطوات حثيثة، جالسًا أمامها بشموخ، بينما نظراته تتوغل في عمق عينيها بحدة تنافي هدوء ملامحه الخارجية، مؤكدًا لها بإصرار محتقن بالقهر:
أيوه وهفضل أقول.. أنتِ اعتبرتيني عدوك وفسختي خطوبتك مني من غير ما تديني فرصة وتسمعيني.. افتكرتيني قاصد أذيتك وخربشتي بضوافرك في كرامتي ورجولتي قدام الدنيا كلها.. نسيتي إني كنت أحن عليكي من أبوكي نفسه.. نسيتي لي كل الحلو اللي عملته معاكي.. حسستيني إني شخيخة بين صوابعك ورميتيها زي دبلتي..
أخذ صوته يرتفع أكثر، غير قادر على كبح غضبه العارم:
حرقتي كرامتي زي فستان فرحك.. جبتي حد تاني في مكاني في نفس الساعة اللي قلعتي فيها دبلتي.. وكان مطلوب مني في الآخر أنخ وأخرس عشان الفضايح.
هو ظلمها بغدر، لكنها تعترف أن رد فعلها كان أشبه بقنبلة موقوتة في صميم رجولته، فأخذت نفسًا عميقًا، وقررت أن تضع عنادها جانبًا، عازمة على إنهاء هذا الفصل المظلم من حياتها، فما الحكمة من مواصلة صراع لن يؤدي إلا لمزيد من الكوارث.
_عارفة إني اتسرعت في اللي عملته.. وكان في طرق كتير يتحل بيها الموضوع.. بس كنت مجروحة مش شايفة غير خداعك ليا.. أنا معترفة بكل ده... وآسفة يا مصطفى إني ما اديتكش الفرصة اللي تدافع فيها عن نفسك.. بس لو سمحت كفاية كده... ونقفل الصفحة دي.
أنهت أبريل جملتها بتهدج مغلف بشفرة حادة غمرت نبرتها، بينما اتكأ بمرفقه على حافة المكتب، وأخذت أصابعه تتلمس جانب جبهته، وومض في ذهنه هاجس تزامن مع استفساره المشوب بتملك صارخ:
أفهم من كدا إن عندك استعداد تسيبيه وترجعي لي؟!
_مش فاهمة.. قصدك إيه!!
ارتسم على ملامحها خليط من براءة متصنعة وتوجس خفي، وسؤالها الهادئ حمل شرارة انفجار على أعتاب معركة وشيكة، فيما اعتدل في جلسته، مع انحناءة صغيرة نحوها، موضحًا لها بثبات:
قصدي واضح آن الأوان ترجع الأمور لموازينها الطبيعية ما بقاش له لزوم تكملي معاه افسخي جوازك منه وأنا مستعد أنسى وأغفر لك..
صمت مصطفى عدة ثوانٍ عيناه تتفحصان وجهها، بحثًا عن أي إشارة تدل على استسلامها، لعله يستعيد السيطرة التي تسربت من بين أصابعه كخيوط تلك الدمية الجالسة أمامه، متابعًا بنبرة أكثر هدوءًا مع رغبة تتزايد في استعادتها بأي وسيلة:
أنا لسه عاوزك يا أبريل وهعوضك بكل اللي تطلبيه عشان تحسي بالأمان من تاني معايا و...
طوت أبريل ذراعيها تحت صدرها، ولوت فمها بابتسامة استفزازية، لتقاطع حديثه بسؤال ساخر متعجب:
يعني أنت لسه عندك استعداد تدفع فيا فلوس تاني عشان أكون معاك؟!
جف مصطفى حلقه عقب أن تلقى كلماتها كصفعة غير متوقعة، فتراجع قليلًا وعينيه ارتجفتا للحظة، قبل أن يستعيد توازنه ويرسم قناعًا جليديًا على وجهه، يخبئ خلفه سيلًا من المشاعر المضطربة، بينما وضعت قدمها فوق الأخرى بثقة واضحة، وثمة سخرية لئيمة تتسرب من بين شفتيها:
إيه مالك! انصدمت كده ليه؟ مش هو ده سر تمسكك بيا؟! مش بابا ومراته باعوني ليك عشان الديون اللي اتراكمت عليه والأوتيل اللي دخلوك شريك فيه...
رفعت أبريل ذقنها عاليًا، بنظرة احتقار تتلألأ في عينيها، تقابلها نظراته القاسية المشبعة بالتوتر حاول السيطرة على أعصابه، لكن السخرية في حديثها كانت مثل قبضة فولاذية اعتصرت طغيانه بتحدي.
هزت كتفيها بلا مبالاة، وأخذت أناملها تعبث بقلم فوق المكتب، وهي تتابع بنبرة أشبه بالهمس:
ده طبيعي مستثمر كبير زيك... مايحبش يدفع فلوس في بضاعة ما يعرفش يستنفع من وراها.. حتى لو هيخسر فيها مستعد يدفع بزيادة.. بس الصفقة ما تروحش لإيد منافس تاني.
جزّ مصطفى على أسنانه بغضب جلي يسري في عروقه ينذر بتفجر ثورة بداخله، في حين كانت تذكرت حديث أخيها الذي كشف لها جميع هذه التفاصيل، ثم بضحكة تفيض ألمًا وازدراءً، أضافت مسلطة فيروزيتها نحوه:
مش أنا كنت بالنسبالك صفقة مجرد سلعة في مزاد عمالين تبيعوا وتشتروا فيها! وعارف ليه لحد دلوقتي محدش فيكوا كان عايز يقولي ولا حاولتم تضغطوا عليا بالكارت دا.. عشان أنت متأكد زيهم إن مش هيفرق عندي ولا يصعب عليا اللي باعني ليك وقبض تمني يفلس.. يداين.. أو يتسجن.
أنهت أبريل كلماتها بهدوء قاسٍ ثم انحنت قليلًا بظهرها صوبه وواصلت بنبرة مفعمة بالجدية:
مش كنت سألتني أنا جاية ليه؟ أنا جيت عشان أنهي الخلاف بينا باحترام واعتذرت لك رغم كل اللي عملته معايا.. بس أنت عاوز تستغل دا وفاكرني هتخدع تاني فيك.. للأسف دا مستحيل يحصل ومش محتاجة أفكرك إني دلوقتي ست متجوزة وبحب جوزي ومش هسيبه.. فوفر وقتك وابعد عننا.. وروح خد فلوسك من اللي اديتها لهم دا ما يخصنيش.
صدى كلماتها كانت كالرصاص يخرق هدوء المكان، وصمته يعلن انتصارها في تلك المواجهة، استقامت بجسدها من الكرسي لتمشي نحو الباب بخطوات ثابتة.
_الفلوس دي هعرف أخدها بطريقتي مش ده اللي شاغلني.. بس أنتِ فاكرة بعد كلامك ده هتقدري تحميه مني؟
منعتها كلماته الباردة التي نبضت بتهديدٍ صارم قيد حركتها عن الخروج، ولا تنكر أن شعورها بالخوف على باسم، هو السبب الرئيسي لمجيئها، لكنها عندما رأت الكدمات تملأ وجهه، اطمأنت لوجود ذئب شرس بجوارها، قادر على حمايتها من هذا الثعلب الخبيث.
استدارت بجسدها إليه ودق قلبها بعنف خلف ضلوعها، حالما رأته يقف من مكانه ويسير في اتجاهها، فتجلت نظراتها على الكدمة الواضحة أسفل عينه وبجانب فكه، مشيرة نحوه بإيماءة من حاجبها، نافية بتحدي:
لا.. هو مش محتاج مني أحميه.. وأكبر إثبات باين على وشك.
تشكلت ابتسامة ساخرة على شفتيها في نهاية عبارتها، مما أغضبه أكثر، انحنى قليلًا نحوها مما شكل جسده سحابة داكنة تغمرها بظلها الداكن، مثبتًا عينيه في فيروزيتها المتحدية، بينما يتحدث بصوت عدائي من بين أسنانه المضمومة:
دي كانت الفرصة الأخيرة ليكي عندي يا أبريل.. اللي من بعدها مفيش حاجة هتحوشني عن اللي هعمله فيكي ولا هتاخدني شفقة عليكي.. ووراكي لحد ما أندمك كويس أوي.. عشان مش اللي تستهواني بيه ولا هتعرفي تضحكي عليه باعتذار بارد زي اللي قلتيه.
_صحيح خالف تعرف... هي دي حقيقتك..
جواك أسود والحمد لله إن ربنا بيحبني عشان قدرت أخلص منك.
_ تبقي غبية لو فاكرة إنك هتخلصي مني. أنا زي السرطان يا أبريل، هفضل لابد في دمك وأنخر في حياتك لحد ما أدمرها بالبطيء. وصدقيني كل ذرة فيا متشوقة للحظة ما تجيلي وأنتِ ندمانة ومكسورة وبتطلبي رحمتي عشان أسامحك. ساعتها هدوسك تحت جزمتي زي أي لعبة تافهة مالهاش أي قيمة.
_ سبق وقولتلك وفر تهديداتك دي عشان مش هتقدر تخوفني بيها.
قاطعها مصطفى بإصرار عنيف: بس المرة اللي فاتت قولتي إن معندكيش حاجة تخسريها ودي كانت كدبة لإن عندك حاجات كتير أوي ممكن تخسريها بسبب العناد اللي سايقة فيه قدامي، بس خلاص شوية الصبر اللي كنت محوشهم ليكي خلصوا، ومن اللحظة هتشوفي إزاي أقدر أقلب حياتك جحيم ومش بالكلام زي كل مرة، الأفعال تنفذيها بدأ.
ردت أبريل بحسم غاضب: الأفعال اللي بتهددني بيها دي مش رجولة. دا دليل على جبنك وخستك اللي مكنتش شايفاهم قبل كدا.
عينيه لمعتا بنار لن تخمد بسهولة، ثم بعزم مخيف هتف: التهديد أوانه فات. من انهارده هطلعلك جوا كل كابوس هتشوفيه في نومك يا أبريل. هخليكي دايمًا خايفة تصحي من عز نومك على خبر موت حد عزيز عليكي. أخوكي أو ابن اختك ويمكن النسوانجي بتاعك. وأنا هكون أكتر من مبسوط بتعذيبك وحسرتك عليهم. وأوعدك بتاع النسوان مش هيكون جنبك عشان يحميكي من طاقة جهنم اللي فتحتيها على نفسك وعلى أهلك.
كلماته انهالت على قلبها كالسياط مزقته بعنف مرتعب، وقد وصلت المعركة إلى ذروتها، لكنها بالتأكيد لن تكون المنتصرة بها.
عصرًا
سارت أبريل نحو شقة باسم بخطوات بطيئة، وهي تشعر بثقل في قلبها، وكأنها تحمل جبالًا من القلق فوق كتفيها.
فتح باسم الباب بابتسامة دافئة، تشبه حرارة حضنه الذي غمرها به، دفء نبع من أعماقه ليذيب جليد التوتر الذي أحاط بقلبها، بينما ذراعيه نسجت حولها خيوطًا لا تنفك بسهولة، وهمس في أذنها بنبرة هادئة: وحشتيني يا أبريل. اليوم كان طويل من غيرك.
كانت جملته كالنسيم الحاني على قلبها، لكنها شعرت أن الصمت بينها وبين نفسها كان أكثر ارتفاعًا من الكلمات، فاكتفت بابتسامة خجولة ردًا عليه، وهي تخرج من بين ذراعيه.
أمسك باسم بيدها بحنان، وقادها إلى طاولة الطعام التي رتبها بنفسه، لتتفاجأ بالطاولة مزينة بأطباق شهية بعناية، والشموع تضيء بلمسة ساحرة، ورائحة العطر تفوح منها، تخلق جوًا خياليًا، وكأنهما في عالمٍ خاص بهما مع إضاءة خافتة تشع من مصابيح صغيرة بالأركان، والستائر المغلقة تعزلهم عن العالم الخارجي.
بحركة مليئة باللباقة، سحب لها كرسي على اليمين لتجلس عليه، ثم جلس على رأس الطاولة، بدأوا في تناول الطعام، ويبادلان أطراف الحديث، لكن في عوالمهم الخفية كلاهما مستغرقًا في أفكاره.
أبريل غارقة في دوامة من التردد، تخشى أن يكون الاعتراف بما فعلته شرارة تشعل غضبه، في اللحظة الحالية التي تشع بالسعادة، حيث تدللت على نسمات حبه وعاطفته، وكل كلمة منه كالعطر الذي ينعش روحها، لا ترغب في إفساد هذه اللحظة الثمينة، رغم أنها تدرك أن الصمت قد يمزق الثقة بينهما، لذا قررت أن تؤجل المسألة، وتخطط لحديث تدريجي في وقت لاحق.
توجه باسم نحو المطبخ، ليحضر أطباق الحلوى، لكن أفكاره كانت تطارده بلا رحمة، تتقافز في ذهنه كظلال متلاطمة، فهو يعلم أنها ذهبت إلى مكتب مصطفى، لم يكن الأمر سرًا بالنسبة له، هاتفه الذي أصلحه اليوم كشف له عبر تطبيق المراقبة أنها كانت عائدة من طريق الشركة، والغيرة والشك كوحشين عنيفين ينهشان قلبه بضراوة، لكنه كبح غضبه بأعجوبة، منتظرًا أن تبادر هي بالحديث.
بعد فترة وجيزة
لاحظ باسم شرودها وصمتها الطويل، مما جعله يحاول كسر الجدار بطريقته الخاصة، أمسك بقطعة حلوى صغيرة وقربها إلى فمها بابتسامة دافئة، فتناولتها أبريل مبتسمة باستحياء، بنبرة هادئة مصطنعة سألها: إيه يا أبريل. مش هتحكيلي عن يومك؟ عملتي إيه النهارده؟
اتسعت حدقتاها بدهشة، كأنما لم تتوقع سؤاله، بللت شفتيها الجافتين بطرف لسانها محاولة إخفاء توترها، وردت بكذب عفوي مبالغ فيه: كنت شغالة على المشروع الجديد اللي مسكته.
هزّ باسم رأسه ببطء، وكأنه يصدق ما تقول، ليطلق سؤاله كفخ يخفي خلفه جبالًا من الغضب المكبوت: ومكنتيش بتردي على تليفونك ليه؟
ابتلعت أبريل ريقها بتوتر يعتصر ملامحها، فقد تاه عقلها بين زحام الأحداث الأخيرة، لكنها أجابت بهدوء صادق: كنت ناسية أرفع الصوت.
اجتاحت عيناه الرماديتان برود قاتل، كأنهما غيومٌ داكنة توشك على أن تمطر عاصفة، معتقدًا أنها حيلة ضعيفة منها للهروب، ليدمدم بصوت حاد: كدبتين ورا بعض؟ جراءة زيادة منك يا أبريل.
انحنى نحوها بجذعه في نهاية جملته، ففاجأها بتعجبٍ جعل أهدابها ترمش مرتين، وبنبرة مترددة سألت: كدبتين إيه؟ مش فاهمة!
انقبضت شفتيه معًا قبل أن ينفي من بين أسنانه، وهو يشد على قبضته بقسوة: لا مكنتيش في الشركة. ولآخر مرة هديكي فرصة تراجعي نفسك وتقولي الحقيقة. كنتي فين؟!
صاح بسؤاله الأخير في صرامة جمدت أبريل في مكانها، ونبض قلبها تسارع بشدة، لكنها حاولت التماسك، مغمغمة بصلابة هشة، وهي تلهث قليلًا: عصبيتك دي معناها إنك عارف إجابة سؤالك.
مال برأسه نحوها، وهمس بصوتٍ مليء بإنذار خطير: وما دام فهمتي. ياريت تبطلي اللف والدوران دا. وتقوليلي إيه اللي وداكي عنده؟
_ أنت بتراقبني؟
انبثقت هذه الفكرة في عقلها باستيعاب، مما دفعها للاستفسار بتعجب، وهي ترفع وجهها القريب من وجهه، حتى تلاقت أنفاسهما في لحظة مشحونة بالتوتر تلاحمت مع عواصف عينيه بشيءٍ من الجنون.
_ بعد اللي جرى إمبارح. كنتي متوقعة أسيبك من غير حماية. إزاي يعني؟!
هكذا جاء رده مستنكرًا، فارتدت بظهرها ناظرة إليه بعدم رضا تجلى في قولها المرتعش: بس أنا مش طفلة صغيرة عشان تبعت رجالتك يمشوا ورايا.
جز على أسنانه بعنف، وعنادها يدفعه إلى حافة الصبر أطلق زفيرًا قويًا، ليخفي عنها مراقبته لهاتفها: ما مشيتش حد وراكي. العربية كان فيها GPS.
اجتذبها إليه فجأة من ذراعها، فتشابكت أنظارهما معًا، قبل أن يهتف بلهجة تتسرب منها كحمم بركانية: وما تخرجيناش من الموضوع! بتكدبي عليا ليه؟! أنتِ اتجننتي تروحيله برجلك؟! إيه؟ مستبيعة؟! ما خفتيش يعمل فيكي حاجة؟! ما فكرتيش فيا أنا؟! وفي اللي هحسه لما تعملي حركة زي دي ومن ورا ضهري؟! بتخبي عليا ليه؟!
حررت أبريل ذراعها من قبضته القوية، بدموع ترتعش بفزع في محجريها، تاهت تبريراتها على لسانها: أنا كنت هقولك. والله. بس.
قاطعها بصوتٍ عالٍ، وضرب الطاولة بقبضة يده بعنف: إيه؟! هتفضلي تبسبسي كتير؟! ما تكلمي على طول!
بدأت الدموع تتساقط على خديها لا إراديًا، ردت بصوتها المختنق: أنت موترني. هكلم إزاي وأنت بتزعق كده؟!
_ أنتِ بتعيطي ليه؟! هو ضايقك مش كده؟! عملك إيه؟! احكي. ما تجننيش زيادة بسكوتك دا!
زمجر باسم بعنف، وعيناه تبرقان بصواعق جنون الغيرة، فتجمدت للحظة، غير قادرة على الكلام، فضرب الطاولة بقوة وهو ينهض من مكانه، يبحث بعشوائية عن مفاتيح سيارته.
_ وعزة وجلالة الله. لأعرف أندمه المرة دي كويس أوي. ومش هستناه يجيلي أنا اللي هجيبه تحت رجلي. ومحدش هيقدر يرحمه من إيدي!
قالها بثوران أعمى، وهو يندفع بخطوات غاضبة نحو باب المنزل، فركضت أبريل مسرعة لتقف أمامه، ممسكة بكتفيه، لتهتف بهلع ينسكب مع حروفها: استنى يا باسم. أنت مجنون! عايز تروح فين؟!
_ أوعي من سكتي!
قالها باسم بصوتٍ متقطع من غضبه المفرط، وهو يحاول دفعها من طريقه، فنظرت إليه بتوسل، لتحاول تهدئته لم تدرك أنها تزيد الطين بلة: عشان خاطري. ما تتهورش! هو ما عمليش حاجة والله. أنا اللي روحتله من خوفي عليك.
توقف باسم لوهلة محدقًا فيها باندهاش، ثم هدر بتهكم مشوب بالاستنكار: خوفك عليا! أنتِ بتستهبلي صح! ما تعرفيش إنه وسخ!
ماخوفتيش من اللي ممكن كان يعمله فيكي وأنتي رايحة له برجلك!
استشعرت إبريل خوفه العميق يتوارى خلف براكين غضبه العارمة، فتضاعف شعورها بالألم ممتزجًا بعبراتها الحارقة، قبل أن تنطق بتقطع:
أنا مافكرتش كده.. ماكنتش عايزة اللي حصل إمبارح.. يتكرر أو يتجرأ ويأذيك تاني.. فروحت أوقفه عند حدوده وأفهمه يبعد عننا و...
التفتت قبضته كطوق من نار حول كتفيها، بعينين تقدحان شررًا، وهتف بحدة شرسة:
وإنتي فاكرة نفسك سوبر مان؟! أنا كنت طلبت منك تعملي حاجة؟! كنت قصرت معاكي في حاجة!! كان حد قالك إني خرع وماعرفش أجيب حقي وأحميكي منه!!!
ابتسمت إبريل بفخر، وقالت بهدوء:
ما بقتش محتاجة حد يقولي حاجة بعد ما شفت اللي عملته فيه...
لكن ما لبثت أن انسدلت عبراتها أكثر من فرط خوفها العميق، وهي تكمل بصوت منخفض مليء بالندم الصادق:
باسم.. لما عملت ده كله من الأول مافكرتش إننا هنوصل كده.. دلوقتي إيه اللي استفدنا غير البهدلة؟ أنا مش عايزة حد يتأذي أكتر من كده بسببي.
تسلل حزنها إلى قلبه، لكنه لم يكن كافيًا لإخماد لهيب الشك والغيرة المتأجج في أعماقه، فهزها بقوة وصوته خرج ممتزجًا بالحَنَق والغيظ منها:
أنتي غبية.. ده كان هدفه من البداية، يضربني ويلعب على أعصابي عشان يجبرني أجرى عليكي زي المجنون فتترعبي! كان كل ده ضغط عليكي عشان يخليكي تتهوري وتروحي له برجلك.. وإنتي بكل غباء وقعتي في الفخ.
تقر في داخلها بصحة حديثه الذي زاد من اشتعال نيران القلق في قلبها، بينما زاد ضغطه على أسنانه مستطردًا بصوت مقهور:
عايزة تعرفي قالي إيه ليلة إمبارح؟ كان واقف بيتحداني إنه هياخدك مني زي ما أنا أخدتك منه.. كان بيتكلم عليكي كأنك لعبة في ميدالية مفاتيحه يا هانم.
اجتاحت إبريل نوبة من الاختناق، فخفضت عينيها إلى الأرض، ووضعت كفيها على صدره، همست بصوت مختنق معبر عن قلقها:
باسم.. الموضوع معقد أكتر من كده!
قاطعها باسم باندفاع:
إذا كان على فلوسه اللي مديونين أبوكي ومراته له أنا هدفعهم عشان نقفل أي سكة عليه.
رفعت إبريل رأسها بصدمة تتجلى على قسماتها وهي تسأله بخفوت:
يعني كنت عارف.. من إمتى وإنت عارف الكلام ده؟!
تنهد باسم بعمق، وكأن ثقل العالم يجثم على صدره:
من يوم ما كنت عندك في أوضتك.. سمعت ريهام ومصطفى بيتكلموا.. وكان عايزها تقنعك وتأثر عليكي بموضوع الديون عشان ترفضي جوازك مني.
تزاحمت الشكوك في عقلها، وعادت بذاكرتها إلى أحاديث ريهام السابقة معها، وهي تحاول إقناعها بأن باسم ليس مناسبًا لها، وبدأت تتبلور في ذهنها فكرة مفادها أن أختها كانت تسعى لإبعادها عنه، لكن هل السبب وراء ذلك اتفاقها مع مصطفى أم من غيرتها على باسم.
قاطع مصطفى تفكيرها بسؤال ممزوج بالشك:
منين عرفتي الحكاية دي.. الحيوان ده اللي قالك؟
ردت إبريل ببساطة نافية:
لا.. يوسف.
شعرت بنار الأسئلة تتأجج داخلها، رفعت عيناها تلتقيان بعينيه الرماديتين:
هو ممكن أسألك سؤال واحد وتجاوبني عليه؟
أومأ برأسه بالموافقة، فاستجمعت شجاعتها، وكلمات مصطفى السامة ما زالت تتوغل في قلبها كالسوس:
هي ريهام كانت هي حبك القديم اللي إنت حكيت لي عنه الصبح، مش كده؟
تجمدت ملامحه بتفاجؤ كأن دلو من الماء البارد صُب على رأسه، فانعقد لسانه عن النطق.
_هي الإجابة صعبة أوي كده؟
قالتها بكبرياء حزين، فصمته مثل شعلة جديدة من الشك تحرق قلبها، دفعت يديه برفق من على ذراعيها، وكأنها تحاول التحرر من قيوده، والتفتت لتعطيه ظهرها، فسألها بدهشة، وخوفه يكاد يتسرب من صوته:
رايحة فين؟
_أوقات السكوت بيبقى أبلغ رد على السؤال... وسكوتك كان هو الرد اللي ما تمنيتوش منك.
هكذا همست في سرها بخيبة أمل، قبل أن ترد بهدوء مبحوح، وهي تمسح دموعها وتمشي بعيدًا:
محتاجة أدخل الحمام.. لو ممكن.
تنهد مستسلمًا:
طيب.. خدي راحتك..
توارت خلف باب الحمام فوقف باسم مذهولًا من سؤالها، ثم جلس بهدوء على كرسي الطاولة، محاولًا استيعاب ما حدث، بينما شعوره بالذنب والغضب يتزايد داخله، فأخرج باسم هاتفه من جيبه الخلفي، يعبث به في محاولة منه لتشتيت ذهنه عن مشاعر الغضب التي كانت تهدد بفقدانه السيطرة، ونيران الحنق لا تزال مشتعلة في صدره، متأكدًا أن مصطفى هو من أخبر إبريل عن علاقته القديمة بريهام، ساعيًا بذلك لإحداث فتنة بينهما.
لكن تفكيره انقطع حين وصلت إليه رسالة عبر تطبيق الرسائل النصية من رقم غير مسجل.
فضول غريب انتابه ففتح الرسالة، ليجدها صوتية فضغط على زر التشغيل، ليخترق صوتها الرقيق أذنيه، هذا الصوت الذي يتلهف لسماعه بشغف في الآونة الأخيرة، لكن هذه المرة كانت تتسرب من بين شفتيها كأنياب الغدر والخيانة القاتلة تنهش قلبه بشراسة، فانزلقت دمعة لم يتحكم بها من عينيه على شاشة الهاتف، تعبيرًا عن مدى قوة قهره وصدمته العنيفة.
عند باسم
تفكيره انقطع حين وصلت إليه رسالة عبر تطبيق الرسائل النصية من رقم غير مسجل.
فضول غريب انتابه ففتح الرسالة، ليجدها صوتية فضغط على زر التشغيل، ليخترق صوتها الرقيق أذنيه، هذا الصوت الذي يتلهف لسماعه بشغف في الآونة الأخيرة، لكن هذه المرة كانت تتسرب من بين شفتيها كأنياب الغدر والخيانة القاتلة تنهش قلبه بشراسة، فانزلقت دمعة لم يتحكم بها من عينيه على شاشة الهاتف، تعبيرًا عن مدى قوة قهره وصدمته العنيفة.
_باسم كداب.. ومالوش أمان.. وأنا ما باحبوش.. ومش فارق معايا.. وهيجي اليوم اللي هتخلص فيه منه وأبيعه قبل ما يبيعني.
بشفتين مضغوطتين كأوتار قيثارة مشدودة، وقلب ينبض بشدة تحت وطأة الخيبة، أخذ يستمع إلى التسجيل الصوتي الثاني لها، بنبرة تحمل اعتذار وندم، وكل كلمة بمثابة طعنة غادرة تنغرس في قلبه، تفتح جراحًا قديمة لم تندمل بعد:
مصطفى حبيبي! أنا آسفة إني جرحتك ووجعتك كان غصب عني.. كنت بانتقم منك.. كنت فاهماك غلط.. بس اكتشفت إني ما أقدرش أعيش من غيرك ولو كملت معاه هابقى باظلم نفسي.. أنا مش هأقدر أكمل معاه يوم واحد تاني.. هاطلق منه وهاكون معك تاني.. وننسى كل اللي فات وتعالى نبدأ صفحة جديدة.
ضغط على شفتيه بقسوة، وعينيه الرماديتين تعكسان عاصفة من المشاعر المتلاطمة، ويداه تعتصران قلبه بلا رحمة، يشعر بموجة من الغدر والخيانة تغمره، تشل أنفاسه كأنه يغرق في بحر مظلم.
هل كانت تحب مصطفى بالفعل؟ هل كان مجرد أداة للانتقام؟
رفع عينيه الممتلئتين بدموع كبريائه المتصدع، وترددت في عقله همسات الشياطين:
كاذبة، كانت تتلاعب بك، كانت تخدعك.
بينما كان يغوص في تهلكة أفكاره، انقضت عليه رسالة صوتية ثالثة كالسيف المسنون، ضغط عليها بخفة، فخرج صوت مصطفى الأجش، تتردد نبراته الشامتة مفعمة بالتحدي كقذيفة على رأس الآخر:
اتأكدت دلوقتي من كلامي لما قلت لك هاخليها تجيء لي برجلها وهرجعها لحضني من تاني.. الظاهر إن الدرس القديم اللي أخذته من ريهام ما علمكش حاجة.. بس إنت اللي غلطان يا بيسو كنت متوقع إيه من أختها؟ أكيد هاتكون بنفس الطبع.. وأديك سمعت بودانك يا ريت تكون اتأكدت دلوقتي إن كان ملعوب بيك من الآخر ما كنتش أكتر من كوبري لها عشان تستفزني..
استأنف حديثه بتعاطف مزيف:
بس تصدق دلوقتي إنت صعبان عليَّ قوي.. وتصدق كمان أنا دلوقتي اللي ما بقتش عايزها.. أصل اللي تسيب راجل وتروح لغيره تعملها كثير.. وعمومًا لو عايز تكمل معاها براحتك حلال عليك..
اعتصر كفه بعنف وكأنما يسعى للسيطرة على بركان مشاعره المتفجرة، تزامنًا مع خروج إبريل من الحمام التي تجمدت خطواتها مشدوهة، حين قفزت كلماتها من التسجيل الصوتي إلى أذنيها بعد أن أعاد تشغيله بتعمد. شعرت كأنها تلقت صفعة قوية قلبت موازين عالمها.
بعدما انتهى التسجيل، نهض باسم بخطوات ثقيلة، يتقدم نحوها كمن يقترب من عدو في ساحة معركة، وعيناه الرماديتان مثبتتان على وجهها الذي خفضته بتوتر.
سألها بنبرة صخرية مفعمة بالشك:
صوتك دا وكلامك ولا لأ؟
شعرت إبريل بلسعة مؤلمة في أنفاسها، وكأن الهواء المتصاعد قد تحول إلى دخان ملوث يغزو رئتيها مثل سم خبيث. همست بخفوت كمن يسعى لردم هوة عميقة بينهما:
كلامي.. بس.. اسمع الحكاية...
قاطعها باسم باستنكار حارق كالبركان، وتابع متهكمًا، يجلدها بكلمات قاسية كأنها سوط يمزق روحها بسبب جرم لم ترتكبه، مما زاد من عمق جراحها النفسية:
حكاية إيه المرة دي؟ كدبة جديدة!!! آه.. ما أنا عارف.. دا سهل قوي بالنسبة لك.. أنتِ بصراحة عندك قدرة على التمثيل والغش والتأليف بسرعة تُحسدي عليها.
تأملته إبريل بإحباط يلمع بالدموع في عينيها الفيروزيتين، وبصوت مختنق يطفو على حافة الانهيار، ترجت عقله أن ينفتح لفهم مشاعرها:
أنت مش فاهم حاجة؟
_كنت مش فاهم..
تراجعت إبريل بخوف مع ارتفاع صوته الحاد بغلظة، لتصطدم بظهرها بالحائط، محاصرة بينه وبين صدره الهادر بهيجان:
وخلاص فهمت.
قالها باسم مهسهسًا، وعيناه الرماديتان تتوهجان بغضب أسود ليهوي بقبضته على الحائط خلفها بقوة، وكأنه يفرغ جمرة ألمه ثم تقدم نحو طاولة الطعام، أمسك بمفرشها بقبضة وحشية، ونفضه بعنف، فاندفعت الأطباق في الهواء، ثم تصطدم بالأرض كقلوبهم المحطمة، وتتناثر شظاياها بفوضى عارمة.
_كل الحاجات دي ما بقاش لها داعي أصلاً.
كتمت إبريل شهقتها بألم يتخلله الوجل، مختنقة بالعبرات، حين هتف بهذه الكلمات بسخرية لاذعة من بين أنفاسه المتلاحقة.
سرعان ما احتضنته دوامة حالكة من الضحك الهستيري، مفعم بالقهر وعدم التصديق، وكلماتها عنه تخترق عقله كرصاصة غادرة.
ظل باسم يهذي، غارقًا في شلال غضبه:
أنتِ بتلعبي بي أنا.. أنتِ اللي عايزة تخلصي مني أنا.. إذا كان أنا.. أنا اللي كنت بخدعك.. أنا.. أنا اللي كنت بضحك عليكِ..
اتسعت مقلتاها في صدمة، وشظايا كلماته تتسلل إلى أعماق قلبها، تنغرز فيه بوحشية، لتزيد من آلامها جرحًا، بينما كانت ضحكته تتداخل مع كل جملة، تشكل سخرية مريرة تعكس أوجاع الخيانة المتفجرة من أعماق قلبه الجريح، محولة الألم إلى قسوة تشل أنفاسها.
حدجها بعينين حمراوين، يحملان بقايا ابتسامة ممزقة، وقال باستغراب ساخر مفعم بالقهر:
إيه مالك مستغربة ليه؟! أيوه.. زي ما استغليتيني عشان تنتقمي من أختك.. أنا كمان استغليت لعبتك عشان أنتقم منها..
أشار بإصبعه نحوها، متعمدًا إهانتها وتقليل قيمتها، كأنها مجرد أداة في لعبته أيضًا:
كنتِ يعني مش أكتر من وسيلة عشان أوجعها.. كنتِ بالنسبة لي زي أي علبة فشار مسلي قدام فيلم سهرة تافه.
نظرت إليه من خلف فيروزيتيها التي تخفي مزيجًا من الأسى والاستسلام، ودموعها تنساب دون ضجيج على وجنتيها كوداع أخير من روح منهكة، شفتاها المطبقتان تحبسان الكلمات خلف أسوار قلب متألم، بماذا يفيد الإفصاح؟!
رمقها باسم بنظرة عاصفة حادة، عيناه تجولان من رأسها إلى قدميها، وكلماته تقطر قسوة واستخفافًا:
وفري دموع التماسيح دي للي هتخدعيه بعدي.. خلاص اتكشفتِ قدامي.. وما عدتش يخيل عليّ ولا هيأثر فيّ وش البراءة اللي بتمثلي بيه على الكل دا.
نظرت إبريل إلى الأسفل، ملامحها لوحة من الألم والحزن، توازت مع نبرتها الخافتة في ليل مظلم:
خلصت.
صمت مريب لف المكان لحظات، مما جعلها تظن أن سلسلة إهاناته انتهت. بخطوات مرتجفة، تقدمت نحو الباب، محملة بأثقال لطخت كرامتها، فلتت منها شهقة هشة عندما اجتذب ذراعها إليه، مغتاظًا من برودها وصلابة ملامحها، بينما كانت تلك القشرة تخفي دمار روحها المتصدعة:
على فين؟! إيه.. هتهربي كعادتك الجبانة؟! أنتِ كدا ما بتقدريش تواجهي بعد ما بتتكشفي عشان جبانة وحقيرة.
فاض كيلها من عجرفته وقسوته المبالغ بها، ونظراته الحارقة التي تخترق كل دروعها، وكأنها خلف قفص حديدي، واتهاماته كالأصفاد تكبل معصميها في انتظار حكم الإعدام الذي سيهتف به في نهاية هذه الجلسة.
نفضت قبضته عن ذراعها بجفاء، قائلة بكبرياء مهدور محاولة التمسك بما تبقى لها من شجاعة:
هيفرق في إيه كلامي!! مش المطلوب حصل وأنت انتقمت زي ما كنت عايز؟! مبروك عليك نجاحك.. اتسلينا شوية!! زعلان ليه؟! أنت ما خسرتش حاجات كتير يعني.. اعتبر نفسك كنت في إجازة وخلصت وهترجع لحياتك تاني بعد ما تطلقني.
ابتسامة شيطانية ارتسمت على شفتيه تنذر بالخطر، ثم همس بتهكم جامح، ونيران الغيرة تنبعث من بين أنفاسه تشعل حريقًا في قلبها:
برافو، طلعتي نفسك ضحية للذئب الشرير.. بجد اللي يشوفك وأنتِ بتداويني وبتعيطي وبتمنعيني من إني أتهور يبصم بالعشرة إنك خايفة عليّ.. واللي يشوفك وأنتِ دايبة في حضني يصدق إنك عاشقاني بحق وحقيقي.. أنتِ بجد ممثلة شاطرة قوي يا إبريل.. بجد برافو عليكِ.. أنا اللي كنت غبي..
ارتد خطوة للوراء، ممرًا يده على وجهه كأنه يحاول مسح الألم الذي استوطن قلبه، كاظمًا انكساره بعنفوان، فهو لن يتقبل الهزيمة بسهولة، ليتمتم ببرود حاد:
يلا.. مش هعطلك أكتر من كدا.. باين عليكِ مستعجلة قوي عشان ترجعي لخطيبك السابق.. كان عنده حق لما قال يقدر يرجعك لحضنه تاني.. أنا ما بحاربش على بضاعة فاسدة.. وأصلاً ما بقيتيش لازماني.. ورقة طلاقك هتوصلك قريب.
_يلا.. اتفضلي مع السلامة.
_قبل ما أمشي هقولك حاجة واحدة بس!! أنا ما عملتش حاجة في حقك أستاهل عليها أي كلمة أنت سمعتهالي دلوقتي...
قالتها بصوت منخفض، يضاهي تمزق قلبه، ثم نظرت إليه نظرة أخيرة مليئة بالأسى قبل أن تخرج مسرعة من الشقة، وكأنها تغلق بابًا في قلبها أو هكذا أوهمت نفسها.
انهار جدار الجمود عن ملامحه، وتحولت مشاعره من غضب إلى ألم غريب يغزو قلبه، تاركًا إياه محطمًا، ضائعًا بين شكوكه التي تتغذى على حب ناري لا يمكنه الهروب منه.
رمى الهاتف على الأرض، وانهار على ركبتيه، صرخ بحرقة نابعة من قلب عاشق مكلوم، ينطق بما يشعر به بعدم تصديق:
إزاي لحد إمبارح كان عندي استعداد أكون قاتل أو مقتول، ولا حد يقرب لك بسوء، وأنتِ النهار ده تقتليني بالجحود دا؟!
رمى الهاتف على الأرض، وصرخ بحرقة نابعة من قلب عاشق مكلوم، ينطق بما يشعر به بعدم تصديق:
إزاي لحد إمبارح كان عندي استعداد أكون قاتل أو مقتول.. ولا حد يقرب لك بسوء..
وإنتِ النهارده تقتليني بالجحود دا؟
تعمَّد جرحها بضراوة تشعل في قلبها شظايا انتقامه المكسور، عقابًا لكرامته ورجولته المهانة، بينما كلماتها الأخيرة انطلقت من شفتيها كأشباح تُحاصر عقله، فضغط على أسنانه بقسوة صارخًا بقهر:
كدابة
بينما يدفع الكرسي بعنف، كأنه يحاول تحطيم سلاسل الذل التي كبلته.
عندما تتوقف المرأة عن كونِها "شرِسة" معك،
تُجيب على اتهاماتك بمنتهى الجمود،
لا تُعاتب، لا تبرر، لا تلوم،
عندما تقول "نعم" أنت ربحت دون حتى مناقشتك،
تأكد أنك لم تعد بحوزةِ قلبها،
لم تعد تعنيها،
فالأُنثى داخل الحُب لا تُشبه نفسها وهي خارجه،
حين تتوقف عن فعلٍ يثبت لك خطئك في حقها فأنت خسرتها...
عند ابريل
نزلت من منزله، تسير بخطوات متثاقلة ونظرات مشوشة تغمرها دموع كثيفة كغيمات معتمة، عقلها غارقًا في ضياعٍ لا حدود له، غير قادرة على تحديد وجهتها،
كلماته تتردد في رأسها كطنين نحلة عمياء، لا تفارقها، تنخر في أعماقها، تزعزع أركان قلبها، ثم تقذفه بعنف على صخرة الحقيقة القاسية: لقد أحبته.
توقفت خطواتها، تلمس صدع تفكيرها بصدمة مفاجئة، هل أحبته حقًا؟
جاءتها همسات قلبها كنداء مؤلم:
لا تنكري استسلامك الكامل بين يديه بوداعة.
تذكرت لحظات السعادة التي غمرتها بالأمس، كيف كانت نبضاتها تتراقص فرحًا باهتمامه ورعايته كخيوط حرير تلامس جروح روحها بنعومة، لكن العقل سرعان ما قطع هذا الوهم، يعنفها:
انسِي كل ما يتعلق به، لقد أهانك، وكان يتلاعب بمشاعرك كدمية في يده.
بين نيران مشاعرها المتأججة، كانت تشعر بأن حبها له أصبح سلاحًا ذا حدين، يرتقي بها إلى قمة السعادة ويهوي بها إلى قاع بحر مظلم في آن واحد.
زفرت بعمق، يكفيها أن تتوغل في دوامة الوهم، متمسكةً بفكرة أنه كان يكن لها مشاعر صادقة بل كان يتلاعب بها، فهي المخطئة رغم أن الشكوك تراكمت كسحب قاتمة فوق عقلها، لم تصدق حرفًا واحدًا مما قيل عنه، واختارت بإرادتها أن تمنح له الثقة، كمن يمنح مفتاح قلبه لأحد الغرباء، وهي تأمل أن لا تبتلعها غياهب الخذلان مثل كل مرة، بينما هو في انفعاله، سرعان ما تسرَّع في تصديق ما سمعه.
كيف لعاشقٍ أن يفرط في حبيبته بهذه السهولة، إلا إذا كانت في أعماقه لا تعني له شيئًا؟ لم يُعطِها فرصة لتدافع عن نفسها، لم يتمسك بها، كأن جراحه القديمة قد تسللت إلى أعماق نفسه، مكونةً درعًا من الجمود والتخلي، ربما خائفًا من أن تتركه كما فعلت شقيقته في الماضي؟ لكنها ليست مثلها، لماذا عليها أن تتحمل دائمًا وزر ما لا ذنب لها فيه؟
استرجعت في ذهنها ما دار من حديث في الصباح داخل مكتب مصطفى.
flash back
- وأنا هكون أكتر من مبسوط بتعذيبك وحسرتك عليهم... وأوعدك بتاع النسوان مش هيكون جنبك عشان يحميكي من طاقة جهنم اللي فتحتيها على نفسك وعلى أهلك.
كلماته انهالت على قلبها كالسياط مزقته بعنف مرعب، وقد وصلت المعركة إلى ذروتها، لكنها بالتأكيد لن تكون المنتصرة بها، مما دفعها للتراجع بخطواتها نحو باب المكتب، مُصممة على المغادرة، لكن سؤاله الماكر كان كفيلًا بإيقافها:
نسيت أسألك يا ترى؟ زي ما عرفتي بموضوع ديون أهلك ليا... يا ترى سيادة المخرج النبيل صارحك باللي كان بينه وبين أختك ريهام ولا...؟!!
التفتت ابريل نحوه بريبة يغلفها الحذر، وكأنها تقرأ ما خلف نبراته المسمومة:
قصدك إيه باللي بينه وبينها؟
أجابها مصطفى بنبرة ساخرة، وهو يمشي نحو مكتبه، وجلس مستندًا بظهره على الكرسي الفخم:
شكله ما حكاش ليكي قد إيه حبها وكان عنده هوس كبير بيها من أيام مراهقته... بس هي ما كانتش شايفاه أصلًا وراحت اتجوزت... ولأنه عنده نقص كبير في رجولته من وقتها وهو بيسعى يرد كرامته منها بأي طريقة... وأنتِ كنتِ فرصة كويسة ليه... يقرب منك ويتجوزك عشان يقهرها عليه ودا طبعًا لأنها لسه في دماغه ومقدرش ينساها.
تشنجت ملامح وجهها بصدمة، لكن لم تدع لسانها ينطلق قبل أن تستعيد زمام الأمور، بينما قهقه مصطفى بخشونة، مستكملًا حديثه:
عارفة بضحك على القدر يا ابريل... بجد غريب أوي وقت لما هربتي مني عشان حسيتي إني هأذيكي... روحتي اتحميتي في اللي أذاه هيصيبك في مقتل... والأيام هتثبتلك إنه هيرميكي بعد ما يزهق منك.
عقدت ذراعيها أمام صدرها، وصدى كلماته يتردد في جنبات قلبها المتسارع بقلق، بينما يردف متلذذًا بكل كلمة يلقيها عليها:
نصيحة مني ما تضحيش بالكل عشان خاطر واحد مخدوعة فيه... دا واحد كداب ومالوش أمان وانتهازي... فكري أحسن في أختك وأخوكي وابن أختك كل دول هيروحوا فين وإيه مصيرهم لما أبوكي يدخل السجن... أنتِ نفسك هتواجهي المجتمع إزاي؟ هتقدري تحققي النجاح اللي نفسك توصلي له إزاي؟ هو شخصيًا أول واحد هيسيبك غرقانة ويروح بعد ما يبيعك بالرخيص.
توقفت أنفاسها للحظة، ليس لأنها صدقت كلامه، بل لأن القسوة التي نطق بها أشعلت نار التمرد في قلبها، فرفعت رأسها، وعيناها كانتا جمرتين تتحديان نظراته المتعالية ثم بثقة لا تخلو من الازدراء تكلمت:
كل اللي قلته دا ما غيرش نظرتي فيك يا مصطفى... بالعكس حاسة إني بحتقرك أكتر من الأول... ومهما حاولت تشوه صورته في عيني مش هتعرف... لأن اللي بدأ بالغدر والكدب كان أنت... ومش صعب عليك دلوقتي تكررها تاني وتضحك عليا.
- وعشان توفر على نفسك التعب... ولو باسم كداب... ومالوش أمان... وأنا ما باحبوش... ومش فارق معايا... وهيجي اليوم اللي هتخلص فيه منه وأبيعه قبل ما يبيعني... دي كلها حاجات ما تخصكش... دي حياتي وأنا حرة فيها أكون مع اللي أختاره.
هكذا اندفعت كلماتها بتهور ممزوج بالتحدي، دون أن تنتبه إلى الابتسامة الماكرة التي ارتسمت على شفتيه بعد أن حصل على مبتغاه من هذا اللقاء دون جهد، مما جعله يقول بعدم اكتراث:
براحتك ما حدش وقتها هيكون خسران كل حاجة غيرك... أنتِ مجرد لعبة بيغيظ بيكي أختك... وكل اللي همه ينتصر على جروحه ماضيه... وأنتِ بتديله الفرصة فاكرة نفسك بالطريقة دي بتستفزيني.
ابتسمت بسخرية تخفي خلفها شعور بالغيظ لا يخلو من الغيرة، ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولة الحفاظ على هدوئها، ردَّت عليه ببرود متحدٍّ ونبرة تهكمية:
وأنت بقى منتظر مني لما تقول لي الكلام دا هاعمل إيه ها؟ ها صدقك مثلًا؟ هأحس بالندم وأقول لك... مصطفى حبيبي أنا آسفة إني جرحتك ووجعتك كان غصب عني... كنت بانتقم منك... كنت فاهمك غلط... بس اكتشفت إني ما أقدرش أعيش من غيرك ولو كملت معاه هأبقى باظلم نفسي... أنا مش هأقدر أكمل معاه يوم واحد تاني... هأطلق منه وهأكون معك تاني... وننسى كل اللي فات وتعالى نبدأ صفحة جديدة... مش دي الأوهام اللي بتدور في عقلك عشان كبريائك منعك تعترف إني سيبتك ومش راجعالك!!!!
أردفت بصوت يتسم بالقوة والعزم:
للأسف أنت غلطان أنا معاه بإرادتي عشان أنا عايزاه... واللي بينك وبين بابا أنا مش طرف فيه... فاهم؟
حاول أن يخفي غضبه، وهو يلوى فمه بحقد، وقال بهدوء زائف مفعم بالخبث:
طيب يا ابريل... افتكري إنك أنتِ اللي حكمتي على الكل يتحرقوا بنار أنتِ اللي ولعتيها... وأول الناس اللي هتنكوي في النار دي هو أنتِ!!!
back
في غياهب الحيرة وقفت حافيةً على جمر الهوس،
لا تدري إلى من تسند لومها: إلى مصطفى الذي أحرقها انتقامه بنيران هوسه، أم إلى باسم الذي لم تكن له سوى أداة لتحقيق ثأره، أم إلى نفسها التي اقتادت روحها نحو حافة الهاوية بتهور، غافلة عن عواقب خطواتها.
وسط دوامة أفكارها المتزاحمة، تردد أزيز الهاتف في أذنيها، يسحبها ببطء من أعماق شرودها، توقفت نظراتها عند اسم المتصل على الشاشة للحظات، شعرت بأنفاسها تتثاقل، فرفعت يدها ببطء وضغطت على زر الرد، محاولة أن تتماسك، لكن صوتها المخنوق لم يُخفِ مشاعرها.
أتاها صوته الرجولي الهادئ، يحمل في نبراته شيئًا من القلق:
مالك يا إبريل؟ النهارده ما جيتيش الشركة ليه؟
حاولت أن تستعيد بعضًا من رباطة جأشها، فاستجمعت ما تبقى من قوة في صوتها، وقالت بصعوبة مشوبة بالكذب:
أنا آسفة يا مستر دياب على غيابي...
كان عندي شوية ظروف.
نبراتها لم تخدع أذنه الحذرة، فتساءل بلهجة حادة بعض الشيء لا تخلو من الغموض:
مال صوتك؟ إنتي بتعيطي؟
سرعان ما أنكرت بصوت مرتجف:
لا.
جاء رده مصرًا، كأنه يستشف الحقيقة من وراء كلمتها:
لا إيه؟ إنتي بتعيطي.
فاض قلبها بالكلمات، لكنها اكتفت بهمسة مختنقة:
مخنوقة شوية.
ارتفع القلق في صوته الأجش:
ليه؟ إنتي كويسة؟ إيه اللي حصل معاكي؟ إحنا مش بقينا أصدقاء؟ ولا لحقتي تنسي كلامنا الأخير؟
ترددت إبريل للحظات، لكنها اعترفت بصوت خافت:
لا، مش كويسة.
لسألها بحزم:
إنتي في البيت؟
_لا.
_طيب… ابعتيلي اللوكيشن وأنا هجيلك.
حاولت التهرب، كأنها تخشى مواجهة أحدًا بحزنها:
لا.. ما تتعبش نفسك... أنا هروح دلوقتي البيت.
لكن إصراره كان واضحًا، قاطعها بنبرة حاسمة:
يلا اسمعي الكلام... ومسافة السكة وهبقى قدامك.
انتهى الحوار عند هذا الحد، فلم تقوَ على الاعتراض أو الرفض، فهي في حاجة ماسة إلى من يخفف عنها هذا الثقل الذي يوشك أن يحول قلبها إلى رماد من شدة الاحتراق، والدفء في صوته، والاهتمام الجاد الذي لم يخلُ من الحنان الأبوي، تسلل إلى داخلها، ليوقظ بداخلها رغبة في أن تفتح قلبها إليه، وكأنها وجدت أخيرًا من يفهم جراحها دون الحاجة إلى كلمات كثيرة.
في الجهة الأخرى، بمكتب دياب، امتدت يده ببطء نحو صورة فوتوغرافية موضوعة على مكتبه، تجمعه بابنتيه التوأم.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، حينما تذكر حديثه مع إبريل منذ أيام، حين صارحها بأنه توأم داغر، ومتزوج، وأيضًا أب لطفلتين تعيشان مع والدتهما في دبي.
رفع دياب الصورة وقبّلها بمحبة، كأنه يستمد منها دفئًا وحبًا مخفيًا خلف ملامحه المهيبة، ثم أعادها مكانها، قبل أن يسرع بخطوات ثابتة نحو الخارج.
رواية جوازة ابريل الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم نورهان محسن
هي النار وأنا الذئب العاشق،
تشتعل في فيروزيتيها نيران الاستهجان،
وأنا أغرق فيها بلا رجوع.
تحاول الهرب مني كقطة مذعورة،
ترتعش أنفاسها بين أنياب القدر الذي يعيدها إلي.
كأنما كل احتكاك بيننا يُعيد تشكيل العالم حولنا.
ترفع شعلتها في وجهي،
وتمردها يتراقص حولي،
وأنا أبتسم بتحدٍّ.
تخشى الانهيار أمام ضراوتي،
بينما أنا لا أخشى الاحتراق بها.
فهي لغز يربك عقلي،
وحقيقة لا يمكن تجاهلها.
نيرانها تجذبني كالمغناطيس،
وحنانها يُعيد إحياء نبض قلبي.
تحاصرنا نار لا تُطفأ،
تدمر كل عذر للتراجع،
وتعصف بكل الحدود التي وضعناها.
نحن مكتوبان في سطور ملتهبة،
أنا الذئب، وهي شعلتي،
في رقصة عشق تختلط فيها الشراسة بالحنان،
وتشتعل القلوب في لهيب لا ينتهي.
عند دياب
فتح باب الفيلا، ودخل بخطواته الواثقة، وملامحه جادة، تخفى وراءها الكثير من الغموض.
توقف للحظة عند مدخل الصالة، وبعينين حادتين رمق داغر الذي يجلس في الصالة الكبيرة، ببدلته الأنيقة، مشغولًا بترتيب بعض الأوراق على الطاولة أمامه، لكنه رفع عينيه فور سماعه صوت أقدام.
بصوت بارد وكأنه يلقي تحية غير مكترثة، قال دياب: إيه؟ كنت خارج؟
داغر رفع حاجبه للحظة، مستشعرًا أن هناك أمرًا غير طبيعي، لكنه رد بنبرة حاول أن يحافظ فيها على هدوئه: لسه جاي من ميتنج... كنت لسه هتعشى، ناوي تقعد تتعشى معايا ولا كالعادة؟
تقدم دياب بهدوء، ثم جلس قبالته، وملامحه لم تتغير، نظر إليه نظرة طويلة قبل أن يرد بجملة مقتضبة: لا... أنا كنت جاي أخدك هنروح مشوار.
تقوس فم داغر الذي كان قد اعتاد على هذا النوع من الحديث الغامض من شقيقه، مال بظهره على المقعد وتشدق بلهجة متسائلة: مشوار إيه دلوقتي؟ وإنت جاي منين قالب وشك كده؟
أشاح ببصره بعيدًا قبل أن يرد بذات النبرة: كنت بوصل إبريل عند صحبتها.. كانت منهارة جدًّا.
نبرة القلق التي تسربت إلى صوت دياب لم تفلت من ملاحظة داغر الذي جلس منتصبًا في مكانه، عينيه تضيقان بينما يسأله بجدية: إشمعنى؟ حصل حاجة جديدة؟
دياب أغمض عينيه للحظة بإرهاق، ثم أجابه بصوت منخفض: ما رضيتش تقولي السبب بطريقة مباشرة.. بس من سؤالي ليها فهمت إنها متخانقة مع جوزها.. وبعدها فهمت السبب.
بدأت ملامح داغر تشتد، وحاجبه يرتفع بنوع من الاستفهام المستفز: إنت إيه حكايتك مع البت دي؟ شايفك مهتم بيها زيادة عن اللزوم.
ابتسم دياب ابتسامة باهتة، لكن عينيه كانتا تحملان امتعاضًا من تفكير شقيقه ثم أخرج من حقيبة جلدية حاسوبه المحمول، ووضعه على الطاولة أمام داغر، مفسرًا له: في حاجة تهمك أكتر من اهتمامي بيها.. خد شوف بنفسك.
لم يكن داغر بحاجة إلى تفسير إضافي، فقد التقط الحاسوب على قدميه، وفتح الشاشة، ليرى تسجيل الكاميرات، ملامحه أصبحت جامدة أكثر مع كل ثانية تمر، وهو يشاهد مصطفى يهدد إبريل ببرود مرعب.
_هو دا بقى اللي مخليها منهارة؟ عشان شوية تهديدات من مصطفى في الهوا؟
سخر داغر من الأمر، بينما دياب ظل صامتًا لوهلة، ثم شرح له بهدوء لا يخلو من الازدراء: بعد ما هي خرجت من عنده بحوالي ساعة بعت ريكورد لباسم... ابن الـ***... سجل كلامها وعملوه ضدها وهو دا أكيد سبب مشكلتها مع جوزها.
الاستهزاء في ملامح داغر تحولت إلى استياء واضح، أدار الحاسوب بملل ليضعه جانبًا، ثم سأل بنبرة جافة: عادي... إيه علاقتنا بدا كله؟
دياب انحنى أكثر بجذعه، وخضراوتيه تلمعان بحدة، وهو يهتف بصوت صارم: زي ما خربت الدنيا ونارك طالت كل اللي له ذنب واللي مالوش.. ترجع تظبطها.
هنا حدق داغر في شقيقه بنظرة باردة، وأكد بجملة حادة: مفيش حاجة من اللي خططت ليها هغيرها يا دياب.. والبنت اللي جاي دلوقتي محموق أوي وبتدافع عنها؟ مش ملاك بريء. هي اللي رمت نفسها على باسم الشندويلي... ما فكرتش في اللي مصطفى هيعمله فيها.. أو عشان أبقى حقاني ما كنتش عارفة مؤامرات اللي بتحصل من وراها.
أضاف داغر بنبرة مهيبة، وهو يسند ظهره إلى الخلف بارتياحية، واضعًا ساقًا فوق الأخرى بغطرسة: كل واحد مشي في سكة ما يعرفش آخرتها يتحمل نار جهنم اللي هيولع فيها.. المهم من كل دا إني آخد ابني من ريهام من غير فضايح تطولني ولا تطول ابني طول عمره.
وبخه دياب بغضب مكتوم: دا كله كان غلطتك انت من الأول.. محدش قالك تعك وتخرب حياة الناس عشان متعتك.
أردف دياب بصرامة: كمل الفيديو للآخر واسمع بنفسك.. البيه بيهدد إبريل.. يا تطلق من باسم يا هيأذي ابن أختها.. يعني ابنك هيبقى كبش فدا لمصطفى.
غضب داغر اندلع، لكنه حاول أن يخفيه خلف قناع من الهدوء البارد، وقال باقتضاب: خلاص.. سيبني أتصرف أنا هعرف أوقف مصطفى عند حده.
وضع دياب يده على كتف شقيقه، يجبره على الهدوء بنبرة جادة واثقة: لا.. هدي دماغك مش هينفع نحلها بالدراع مراكزنا ما تسمحش بأساليبك.. الإعلام مفتح عينه على مصطفى أوي الأيام دي.. إدي لغرورك حقنة بنج عشان مفيش قدامنا غير حل واحد مضطرين نعمله.
رمقه داغر بحدة تنضح في صوته: بطل شغل الغموض بتاعك دا وكلم دغري.
لوى دياب فمه بابتسامة غامضة: هفهمك في السكة.
عند إبريل
كان الهواء البارد يداعب وجهيهما، وهما تجلسان على طاولة المطعم البانورامي على قمة المبنى الشاهق، والأضواء الساطعة التي تتلألأ في المدينة أسفل منهما تنعكس على ملامح إبريل الحزينة، التي كانت تتقلب في دوامة من الأفكار المتناقضة والمشاعر المشوشة، بينما كانت ريم تنظر لها بهدوء ثابت، وهي تحاول فك شفرات ما يدور بداخلها، تشعر بنبض الألم يتدفق في كل كلمة نطقتها إبريل عن جرح باسم الذي لا يزال ينزف في قلبها.
إبريل بصوت متردد مليء بالاستفهام واليأس قالت: قالي 'مش هعطلك أكتر من كده عشان ترجعي لخطيبك السابق'... يعني هو اتخلى عني بسهولة كده! إزاي ده يكون حب يا ريم؟
ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة، ورفعت يدها بهدوء، وكأنها تمسح الضباب الذي يثقل عقل إبريل، قبل أن ترد بنبرة مليئة بالتعقل والجدية: بصي يا إبريل بصراحة.. اللي عملتيه لما روحتي لمصطفى كان غلطة كبيرة منك.. مصطفى استغل كلامك عشان ينصبلك فخ ويوقع بينك وبين باسم.. ونجح في كده صح؟
اهتزتا عينيها بالندم، بينما صوت ريم ظل هادئًا متزنًا وهي تواصل الحديث، كأنها تفكك خيوط مؤامرة نسجها مصطفى بدهاء: وواضح إن مصطفى كان بيدبر حاجة مع ريهام تمام زي ما قالك باسم لما سمعه بيقول لأختك إنها تقنعك بأي طريقة إن باسم ما ينفعكيش وإن الديون اللي على أبوكي مش هيتنازل عنها غير لما ترجعي له مذلولة.
إبريل حدقت في الأفق البعيد، وعقلها يعيد صياغة الأحداث، حديث ريم الهادئ كان مثل البوصلة التي توجهها وسط العاصفة، الآن بدأت ترى الحقيقة المغيبة خلف أقنعة مصطفى وريهام المزيفة.
أكملت ريم بحكمة، محاولة ربط الأحداث ببعضها بدقة:
"لما صارحتي باسم إنك كنتي عند مصطفى.. ركزي على رد فعله.. مش كان هيجنن وكان عايز يروح يتخانق مع مصطفى. دي أكبر علامة على إنه كان غيران وعنده إحساس كبير بالخوف عليكي".
إبريل كانت تستمع، ولكن العبارة القاسية التي قالها باسم لا تزال تغمر قلبها بالمرارة: طب إزاي يقولي إنه استغلني عشان يوجع ريهام؟ يعني دي مش خيانة؟
ريم بنعومة تليق بشخص يحاول فك رموز ألغاز النفس البشرية، وضعت يدها بلطف على يد إبريل، وصوتها كان كالبلسم الذي يخفف الألم: لا يا إبريل.. هو قال كده في لحظة كان مجروح وملخبط فيها بعد ما سمع كلامك عن مصطفى وفهمه غلط.. هو لو كان فعلًا عايز ينتقم من ريهام ما كانش وصل الموضوع بينكم للجواز من كلامك عنه.. باسم مش النوع اللي يتجوز بسهولة أو ياخد قرار زي ده عشان ينتقم.
تنهدت إبريل غارقة في بحر من الأسئلة التي لا تجد لها إجابة: بس يا ريم كلامه كان جارح جدًّا.. في الوقت اللي كنت فيه بدأت أطمئن وأثق فيه..
حاسة إن مش هقدر أعدي اللي قاله ولا أسامحه عليه بسهولة.
ريم ابتسمت بلطف أكبر، كما لو كانت تحاول أن تجعل إبريل ترى النور في نهاية النفق:
"وأنا مش بقول تسامحيه بسهولة... بس اديلو عذره دا مهما كان راجل شرقي وحاجة زي اللي حصلت ممكن تكون عمت عينه للحظة وخليته يقول كلام مش محسوب عشان يرد كرامته... ولما يهدي ويفكر ممكن يراجع نفسه ويفهم إن اللي حصل كان مجرد فخ نصبه مصطفى وريهام."
تابعت بتحذير جاد لمعرفتها بعقلية إبريل المندفعة:
"المهم دلوقتي أوعي تعملي أي تصرف متهور تاني... تجنبي مصطفى خالص الفترة الجاية... دا هيساعد باسم يتأكد إنك مش طرف في أي لعبة وإنك بريئة من كل ده."
إبريل شعرت بأن ثقلًا ما قد بدأ يتبدد ببطء من على كتفيها، بينما ريم أكملت بصوت مليء بالحكمة والنصح:
"انتي دلوقتي مراته يا ابريل... الموضوع مابقاش مجرد لعبة تهربي بيها من مصطفى... انتي متجوزة باسم فعلًا... ولو مصطفى وريهام عرفوا إنكم هتنفصلوا... هيتأكدوا إن خطتهم نجحت... وإنهم فرقوا بينكم هترضي بكده؟"
مرت لحظة من الصمت، تحاول تجميع قطع الأحجية، قبل أن تهز رأسها بفهم واستيعاب، فألمها من كلمات باسم منعها من رؤية هذه الأمور بوضوح.
بعد مرور حوالي ساعة، في منزل باسم.
بدت ملامح الدهشة على وجه باسم عندما رأى رجلي الأعمال أمام باب منزله وقد قاربت الساعة على الحادية عشر مساءً، فقد التقيا مرتين فقط من قبل، لكن وجودهما الآن أثار فضوله.
جلس أمامهما على الأريكة، يحاول أن يظهر بمظهر الهادئ بينما تتأجج الأسئلة في رأسه. بعد دقائق من الدردشة العابرة، كان يحدق في الشاشة أمامه، وهو يشاهد الفيديو الذي يُظهر حديث إبريل مع مصطفى، ومعه بدأت صدمته تتفاقم.
تجسدت أمام عينيه كل الكلمات التي قيلت، فانزلق قلبه في معدته، عندما أدرك أن ما سمعه من إبريل كان مجرد سخرية على تفوهات مصطفى. ضغط على شفتيه في ندم، وهو يشعر بالخزي يتسلل إلى أعماقه عندما استمع إلى دفاعها عنه، وكلمة "أحبك" التي خرجت من شفتيها، كانت مثل خنجرٍ ينغرس في قلبه الذي ينبض بألم قاسٍ بدلًا من أن يتراقص بفرح غامر بإعلان حبها. شعور بالقهر من نفسه يجتاحه، كعاصفة هوجاء، فقد كان مثل الأعمى يحركه جنون غضبه وكبرياؤه بتهور جم. تذكر كيف استقبلها بإهاناته بدلًا من احتضان مخاوفها المتصاعدة من تهديدات مصطفى الحقيرة، تلك التهديدات التي كانت كالسيف المسلط على رقبتها، تحاصرها بظلالها القاتمة؟
تنهد في داخله مُحبطًا، كيف له أن يصلح ما أفسده بيده؟
حاول استجماع أفكاره والسيطرة على انفعالاته، واستدار إلى دياب وداغر، وتحدث بصوت متماسك:
"أقدر أعرف وصل الفيديو ده لإيديكوا إزاي؟"
تبادل داغر نظرات خاطفة مع دياب، الذي كان يتوقع هذا السؤال منه، كأنهما قد تواصلا في صمت بلغة يفهمانها دون حاجة للكلمات، بناءً على الاتفاق الذي أبرمه مع أخيه خلال مجيئهما إلى هنا، فأظهر دياب ثقة عالية، إذ جهر بكلماته بلا تردد، مفعمًا بعزيمة قوية؛ فقد قرر أن يمد يد العون لتلك المسكينة التي تشابك كاحلها الصغير في لعبة الكبار، عازمًا على مساعدتها للخروج من ظلال المأساة التي أطبقت عليها:
"إحنا اللي زرعنا كاميرات مراقبة في مكتب مصطفى."
تجمدت ملامح باسم للحظة، حواجبه ارتفعت في استغرابٍ كبير، وعيناه اتسعتا مثل دوائر من الحيرة تنجلي في استفهامه:
"برضه مش فاهم... عشان إيه تعملوا حاجة زي كدا؟ وإزاي عرفتوا إن في مشكلة بيني وبين إبريل؟ إيه زارعين كاميرات عندي كمان؟"
ازدادت حدة نبرته مع سؤاله الأخير بسخرية خطيرة، بينما دياب بدا واثقًا كما لو كان قائدًا في معركة، لكن في عينيه كان هناك بريق من الحذر:
"لا أبدًا... الحكاية مش زي ما أنت فاكر... في أسباب قوية خليتنا نضطر نعمل كدا."
نفى دياب بلهجته الهادئة يتخلل في طياتها عمقًا من الجدية، بينما داغر كان يتابع في صمت غامض التوتر الذي يتصاعد في أروقة الحديث.
واصل دياب مستطردًا:
"وبالنسبة لسؤالك إزاي عرفنا إن في مشكلة بينك وبينها... من خلال كلام مصطفى ليك بعد ما إبريل خرجت من عنده."
أنهى دياب جملته بينما باسم يميل إلى الأمام في جلسته، حواجبه مشدودة، ويداه على الطاولة تلامس سطحها بقوة، وكأنما يريد أن يتمسك بأي خيط من الخيوط المبعثرة حوله، وأخذ صوته يرتفع بشكل طفيف، تعكسه ملامح وجهه التي كانت تحمل انفعالات الامتعاض والاستنكار:
"وإيه يخلي أصحاب شركة كبيرة زيكم يهتموا بالحياة الخاصة لموظفة جديدة عندهم؟"
شعر باسم بدفء الغيرة يتسلل إلى قلبه، كأنها سُم يزحف ببطء في أوردته، قبل أن تأتي الإجابة من داغر هذه المرة وهو ينظر إليه بملامح مفعمة بالثقة:
"إبريل مش مجرد موظفة عندي وبس... في صلة تربطني بيها."
كانت جملته بمثابة حجارة كبيرة أُسقطت في بحيرة هادئة، مما أثار دوامات من الغيرة والاستياء في قلب باسم، لكنه تمالك السيطرة على ذاته، ومثلما تسرب الغضب في نفسه، بدأ الفضول يستولي عليه مستفهمًا بخشونة:
"إيه نوع الصلة اللي بتتكلم عنها؟"
واصل داغر حديثه بجدية وثبات، وكأن الكلمات تتدفق منه دون جهد:
"أنا عارف كل حاجة تخص موضوعك أنت ومصطفى وإبريل... واللي خلاني أكون عندك دلوقتي هو عشان نتفق لأن مصطفى بقى مصدر تهديد على ابني بسبب مراتك."
هتف باسم مستنكرًا:
"ابنك!!! إيه دخل ابنك بإبريل؟!"
تحدث داغر بصلابة، وكأن الكلمة خطٌ أحمر لا يمكن تجاوزه:
"ابني يبقى عمر ابن ريهام."
ارتفع حاجب باسم في ذهول مصعوق، حيث اجتاحت رماديتيه عاصفة من الصدمة العاتية، فأردف داغر بتفهمٍ لا يخلو من الحزم:
"مقدر صدمتك... لكن ماتطلبش مني أي تفاصيل أنا كشفتلك عن السر دا عشان أنا عارف إن ريهام مصدر إزعاج ليك... فأرجو إن الكلام دا يفضل بينا وبس."
تجاوز عقل باسم صدمة الخبر سريعًا، واستعاد رباطة جأشه، بينما يومئ برأسه بفهم، حيث أن ريهام وما يخصها لا يشغلانه، بل كان هناك أمرٌ أهم في طيات ذهنه استحوذ على تركيزه التام قبل أن يستفسر بهدوء خطير:
"طيب... أنا عندي سؤال أخير... انتوا برضه اللي ورا الإشاعات اللي ملأت المواقع عن إبريل وعلاقتي بيها من ورا مصطفى؟"
حاول دياب أن يجيب بدبلوماسية لتفادي المنازعات، ولكن سبقه داغر بإيضاح مشوب بعدم الاكتراث:
"أنا اللي كنت ورا الخبر دا..."
اندفع باسم بغضب متأجج، يلكم داغر في وجهه بقوة، في حين أن داغر لم يظهر أي ردة فعل مضادة، بدلًا من ذلك ظلت ملامحه صلبة، وقال بهدوء غريب:
"هعذرك عشان عارف اللي بيحب بيعمل أكتر من كدا."
عاد باسم يجلس مكانه بتعجب لاهث، بينما الآخر يستكمل حديثه كأن شيئًا لم يكن:
"خلينا في المهم... أنا اللي يهمني في كل دا ابني وبس... وعشان كدا قررت أدفع ديون أهل ريهام لمصطفى وأدخل شريك في الأوتيل... عشان أقطع عليه أي سكة يبتزهم بيها... وأعرف أتعامل معاه لو فكر تاني يكون مصدر تهديد لابني."
أنهى داغر جملته بصلابة وعملية بحتة، بينما كان باسم يشعر ببركانٍ من المشاعر المتضاربة، مدركًا أن الطريق أمامه مملوء بالأشواك، وأنه يتطلب منه الكثير من الجهد والصبر على قطته المتمردة حتى يتمكن من إصلاح ما أفسده معها، وأخذ قلبه يثقله بتساؤلات حارقة، تدور حول كيفية تجاوز الصعوبات واستعادة ثقة إبريل. لابد أن تكون كل خطوة يتخذها نحوها، تتسم بالحذر والذكاء، عازمًا على إعادة بناء ما تهدم بينهما، مثل فنان يحاول تجميع شظايا لوحة محطمة، عاقدًا العزم على إعادة الحياة لألوانها حتى تصبح يومًا نابضة بينهما.
في ذات الوقت، داخل فيلا فهمي الهادي، عند غرفة إبريل.
دقت ريهام الباب بخفة، ولم تنتظر ردًا، بل دفعته ببطء ودلفت إلى الداخل بخطواتها الواثقة التي تشي بشيء من الغطرسة، قائلة بنبرةٍ تنم عن تحدٍ خفي:
"إبريل... أنتي صاحية ولا أنا أزعجتك؟"
رفعت إبريل عينيها، والتعب يلوح في ملامحها الحزينة، لكنها تحكمت في تعبير وجهها لتبقى ملامحها هادئة، وهي تعتدل على السرير، ويدها تشابكت بتوتر على ركبتيها، محاولة السيطرة على مشاعرها المتضاربة.
"لا..."
كنت لسه هنام.
جاء رد أبريل بنفي متكلف، متصنعة الاسترخاء رغم أنها تتأمل بحذر ردود فعل شقيقتها التي اشتعلت زرقاوتاها بشيء من الشرارة، تحمل في طياتها مشاعر مختلطة من الحقد والكراهية، رغم تصنعها للهدوء.
جلست ريهام على السرير، ووضعت قدمًا فوق الأخرى بغطرسة، ثم تابعت بنعومة:
كويس أني لحقتك.. عشان في موضوع كده حابة آخد رأيك فيه.
رسمت أبريل ابتسامة زائفة على كرزيتها، وهمست بصوت هادئ يكتنفه الارتياب، حيث كانت مشاعرها تعكس إحساسًا عميقًا بأن هناك تفكيرًا شيطانيًا يختبئ خلف ما ستتحدث عنه:
اتفضلي...!
_بصراحة يا أبريل.. أنا بأفكر أغير ستايل لبسي كله من باب كسر الملل يعني.. وخطرت على بالي فكرة.. قلت ليه ما أبعتش هدومي القديمة لناس محتاجينهم.
أضافت ريهام بلطف، وهي تتلاعب بأطراف أصابعها:
منها مساعدة للمحتاجين ومنها أفضِّي الدواليب عندي فوق بعضها هدوم لسه جداد في حاجات ما لبستهاش خالص أو لبستهم مرة على الأغلب.
فهمت أبريل أن هذه الكلمات تخفي في طياتها سمومًا، بابتسامة باهتة تلوح على وجه أبريل تظاهرت بعدم الفهم:
كل ده كويس.. بس أنا لسه ما فهمتش عايزة إيه بالضبط مني؟
_زي ما أنتِ عارفة ما عنديش خبرة في المواضيع دي وما أعرفش إزاي أوصلهم للمحتاجين.. وكنت محتاجة لمساعدة وأنتِ جئتِ في بالي.
قالتها ريهام بنبرة تبدو غير مكترثة، لكن نظراتها بها خبثًا خفيًا، مما جعل قلب أبريل ينبض بسرعة.
_إزاي يعني؟
سألت أبريل مُحاوِلة أن تُبقي على حذرها.
_المكان اللي اتربيتِ فيه بالمنصورة.. منطقة شعبية مش كده؟! وأكيد في ناس حالتهم صعبة ومحتاجين لمساعدات.
تغضنت ملامح أبريل، وهي تدرك أن ريهام تحاول استدراجها إلى فخ ما، بينما أضافت الأخيرة باستفهام:
بالمناسبة.. أنتِ لسه بتكلمي أهل مامتك ولا لأ؟
_أكيد.. ما هم حضروا كتب كتابي.
_أيوه صح.. معلش.. ما كنتش مركزة.
احمرَّ وجه ريهام توترًا، وابتسامة شاحبة تراقصت على شفتيها، إذ كانت تسعى إلى التلاعب بعقل أبريل وكأنها خيوط عنكبوت، تحيك فخًا مفعمًا بكراهيتها لشقيقتها، ولكن أبريل بهدوء ودهاء، قصفت جبهتها حين ذكرتها أنها الآن زوجة باسم.
_كويس إن لسه في تواصل بينك وبينهم.. واحدة غيرك كانت نسيت المكان ده خالص بكل الموجودين فيه.. خصوصًا بعد ما بقيتِ عايشة في فيلا بالمستوى ده ومخطوبة لراجل مشهور وغني أوي.. يعني أي حد لو في نفس ظروفك ما أظنش كان هيبقى حابب يشوف حد من ماضيه.
تململ شعور الغضب في صدر أبريل من استفزاز الأخرى لها، لكنها قاومت الانجراف فيه، وهي تهتف بابتسامة واثقة:
اللي ما لوش ماضي ما لوش حاضر.. الناس اللي بتتكلمي عنهم دول بيتقال عليهم ما عندهمش أصل.
أخذت ريهام نفسًا عميقًا، محاولة استعادة توازنها:
عندك حق طبعًا.
تابعت بخبث تحاول تسليط الضوء على شيئًا معين:
بس كمان أنتِ طموحة أوي وبتفكري بذكاء عالي.. يعني بعد ما رفضتِ تتجوزي جوازة عادية.. حياتك اختلفت خالص.. جئتِ هنا وكملتِ دراستك واتخطبتِ مرتين لرجالة تقال في مجالهم.. وكل ده في وقت قصير أوي.
أحست أبريل أن الكلمات كانت كالرصاصات، تصيبها في قلبها، حاولت أن تحتفظ بهدوئها، لكنها لم تستطع تجاهل شعور الضيق الذي بدأ يتسلل إلى أعماقها، بينما الأخرى تتابع بتخابث أنثوي:
بنات كتير بيحسدوكِ على فكرة.. بس يا ترى ده ممكن نسميه إيه؟ نجاح ولا حظك حلو؟
لم تنتظر رد أبريل، وواصلت حديثها البعيد كل البعد عن شعورها الحقيقي المبطن خلف نبرتها الماكرة:
حقيقي أنا مبسوطة لك أوي من قلبي.. بعد يا حرام ما عانيتِ كتير من طفولتك من حرمان ومرض وما تربيتيش وسط أهلك زي الناس الطبيعية، بس شوفي أهو ربنا بيعوضك.
راقبت ريهام ملامحها علها تجد بها انكسارًا أو حزنًا، ولكن أبريل ظلت صامدة بالرغم من استنزاف أعصابها.
_الحمد لله ربنا لطيف بعباده.. بس مين فهمك إني كنت بأعاني بالعكس؟ أحلى أيام طفولتي قضيتها مع الناس اللي بأحبهم وبيحبوني.. وللسبب ده أنا متمسكة بذكرياتي هناك واللي بينسوا أصلهم بس هم الناس الواطية.
قالتها أبريل بحب لا يخلو من الترقيع الذي جمد ريهام للحظة، قبل أن تضحك بلكنة مزيفة:
إيه ده! أنتِ زعلتِ ولا إيه؟ صدقيني ما أاقصدش اللي فهمتيه خالص.. أنا بأدردش معاكِ وبس.
أومأت أبريل برأسها بثبات، زعزع ثقة ريهام، مما دفعها إلى النهوض من مكانها، لترد بعبارة تنم عن هدوء مشوب بالتوتر:
المهم مش عايزة أطول عليكِ.. هأسيبك تنامي.. وإحنا على اتفاقنا أنا وكام صديقة ليَّ هنحضر الحاجات دي.. أنتِ يبقى عليكِ توصيلهم أوكي؟
خرجت ريهام من الغرفة، قلبها يغلي بالإحباط الذي يثقل كاهلها، فلم تُظهر ملامح أبريل أي علامة على حزنها، كأن قناعًا من البرود غطَّى مشاعرها، مما جعل من الصعب على ريهام، أن تدرك ما إذا كانت تصرفات مصطفى اليوم قد أثارت مشكلة بينها وبين باسم أم لا.
أما أبريل أدركت أن حديث ريهام لم يكن مجرد كلام عابر، بل كان بمثابة إنذار، يشي بفرح أختها وشماتتها المحتملة عند علمها بتوتر علاقتها بباسم نتيجة مكائدهم الماكرة.
تساقطت دموع أبريل، غارقة في حزن عميق، وكأن كل همومها تجمعت في لحظة واحدة، لتثقل قلبها وتجره نحو الهاوية.
احتضنت شال جدتها الحبيبة، الذي يحمل عبق الذكريات الجميلة، تستنشق رائحة الريحان المهدئة لروحها المنزقة وتُذكّرها بالحنان والطمأنينة، ثم غاصت في نوم مضطرب، يتخبط بين كوابيس مؤلمة، يعبث بسلامها ويغتال أحلامها الوردية.
في اليوم التالي
بتوقيت الظهيرة
كانت الشمس تتوارى خلف سحب رمادية، تملأ السماء فوق موقع البناء الضخم، تتعالى فيه أصوات العمال الذين يركضون من زاوية إلى أخرى في تلك المساحة الهائلة، ومعدات ثقيلة تتنقل بين الأساسات، والأتربة تتطاير في الجو، بينما تقف أبريل ترتدي الخوذة وسترة بيضاء بأزرار بسيطة، وأكمامها مرفوعة قليلًا، بنطال واسع بلون بني فاتح، وشعرها مربوط على هيئة ذيل حصان، مما يكشف عن ملامح وجهها الناعمة بوضوح، ويمنحها مظهرًا بسيطًا وأنيقًا في الوقت ذاته، برغم إرهاقها الواضح، ظلت تقف هناك بثبات، مشغولة بفحص الرسومات على اللوح، تتنفس ببطء، صدرها يعلو ويهبط بصعوبة، تُقاوم نوبات السعال التي تزورها بين الحين والآخر كضيف ثقيل، لكن عنادها كان يُلزمها بالبقاء هنا، هروبًا من أفكارها المتزاحمة.
في تلك الأثناء، توقفت سيارة باسم أمام موقع البناء بعد أن تتبَّع مكانها عبر الهاتف، ثم ترجل منها بخطوات واثقة، مستفسرًا عن مكانها من أحد العمال، وعيناه تشتعلان غضبًا وقلقًا، إذ لم يكن يتوقع أبدًا أن يجدها في مكان كهذا، حيث يختلط ضجيج الآلات بصدى قلقه العميق.
_أنتِ كويسة يا باشمهندسة؟
سألها زميلها المهندس بقلق حالما لاحظ حدة سعالها، لكن قبل أن تتمكن من الرد، اخترق الهواء صوته العميق، مما جعل جسدها يتصلب للحظة قبل أن تلتفت إليه ببطء، تخفي في عينيها شبح الارتباك:
معلش..
استأذنك لحظة واحدة يا باشمهندسة.
تواكبت نبرته الحازمة مع نظراته المحذرة، كعاصفة من الوعيد لا تقبل أي اعتراض منها، جذب يدها بلطف متسلط دون الحاجة لتفسير، كأنما أسس حولها هالة من الملكية التي جعلتها تتبع خطاه بلا تردد.
عندما ابتعدوا عن باقي الفريق، توقفت محاولة أن تستجمع قوتها، وواجهته بتحدٍ ظاهر في عينيها رغم السعال المزعج:
إنت بتعمل إيه هنا؟!
سألت إبريل بصوت متهدج، بدلًا من الرد نظر إلى وجهها بتركيز شديد، ثم قال بنبرة باردة تحمل اهتمامًا خفيًا:
فين بخاختك؟
أشارت بتردد إلى حقيبتها المعلقة على كتفها، لكنها فوجئت بيده تسبق يدها، يفتح سحاب الحقيبة بحركة سريعة وأخرج البخاخة، ثم ناولها لها دون أن يقول شيئًا، أخذت البخاخة منه بيد مرتعشة، استخدمتها أمامه، ولكن رغم شعورها بتحسن بسيط، ظل قلبها يخفق بشدة بسبب وجوده بجانبها.
دقائق قليلة مرت قبل أن تستعيد أنفاسها، لكنها لم تنتظر طويلًا قبل أن تطرح سؤالها الحائر مجددًا، بصوت متحشرج وغاضب:
إيه اللي جابك هنا؟ وعرفت مكاني إزاي؟
حدجها بعينين غاضبتين، وبنبرته الحادة يتخللها قلق صريح سألها:
إنتي اللي بتعملي إيه في مكان زي دا؟ ماتعرفيش إنه خطر عليكي وجودك هنا؟
ازدردت رمقها بتوتر، ورفعت رأسها بعناد، وقالت برقة مبحوحة:
دي حاجة تخصني.
حاولت إبريل التسلح ببقايا كرامتها، وقلبها ينبض بخوف من مواجهته، بينما خطا باسم نحوها خطوة واحدة، زادت من اضطرابها، وهو يلتف بأصابعه حول ذراعها، ليقول بنبرة آمرة:
يلا امشي معايا .. كفاية عليكي كده.
استدار يخطو بها، لكنها زرعت قدميها في الأرض، وعيناها تلمعان بالاستنكار والتمرد، مخاطبة إياه بنبرة تغلفها طبقة من الكبرياء:
معاك؟ أنا مش هتحرك من مكاني .. امشي لوحدك!
دمدم باسم بتحذير مكبوت:
يلا يا إبريل .. ما تطلعيش جناني عليكي.
ابتسمت إبريل بسخرية رغم الارتباك الذي يجتاحها من نظراته الغاضبة، وقالت بتحدٍ متهكم:
ولو طلع .. يعني هتعمل إيه؟
يعلم أنها عنيدة، لكن هذا التحدي استفزه، لذا دنا منها أكثر، وعيناه تتسعان بشيء من الجنون المكتوم، ونبس بنبرة باردة لا تخلو من الشر:
هكتفك وأخدك معايا .. إن شاء الله بالغصب.
شعرت بتيار مثير يسري في جسدها، وكأن التهديد تحول إلى حقيقة ملموسة أطاحت بقلاعها، ومع ذلك استفهمت بذات النبرة:
وبأمارة إيه هتعمل كده؟
همس باسم بصوت ثقيل مليء بالتهديد والحنان في آن واحد:
مراتي .. وحر فيها.
أضاف بلهجة أكثر رقة:
يلا يا حبيبتي .. اسمعي الكلام.
أرادت إبريل الصراخ في وجهه، أرادت دفعه بعيدًا، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن القيام بأي من ذلك، بصعوبة تماسكت رغم خفقاتها التي زادت من سرعتها، ثم قالت بمقاومة مريرة:
مش فاضية أسمع كدبك.
لم يهتز باسم، لكن التوتر بدأ يتصاعد في عروقه من نبرتها الحزينة، قال بنبرة تفيض بالإصرار والحب:
وأنا مش ورايا غيرك.
أشاحت إبريل بوجهها بعيدًا عنه، وهمست بنبرة حاولت أن تبدو حازمة:
اتفضل امشي بالذوق يا باسم .. وخليني أروح أكمل شغلي.
عزمت الابتعاد، لكن قبضته أحكمت سيطرتها على ضعف مقاومتها، وتغيرت نبرته إلى جدية عميقة امتزجت بالحنان، ليتركها عالقة بين رغبتها في الفكاك وسحره الذي يأسرها:
إبريل .. عنادك ده هيضر صحتك .. أحسن لك ما تزوديش فيه وخلينا نتفاهم.
رغم محاولاته الواضحة، لكن جراحها النفسية كانت أعمق من أن تلتئم بسهولة، سكتت للحظة، محاولةً استيعاب ما يدور في رأسه، لتخرج كلماتها من بين شفتيها باندفاع:
انت عاوز إيه تاني مني؟ إيه جاي تديني ورقة طلاقي بنفسك؟
رد باسم بنبرة حانية، وكأنه يغزل الكلمات بخيوط من حب خفي:
هو احنا لحقنا نتجوز عشان أطلقك يا بندقة؟
نظرت إليه بعينين مليئتين بالشك، لتتفجر كلماته داخلها كجمرة لم تنطفئ بعد:
إيه! لسه لعبة انتقامك ما خلصتش؟ جاي تكملها؟
رد بصوت هادئ ممتلئ بالضيق:
هنا مش هنعرف نتفاهم.
ردت عليه بعناد، عيناها تلمع بالحدة والبرود معًا:
ما فيش بينا تفاهم يا باسم.
خلّل أصابعه في شعره بنفاذ صبر، وامتلأت عيناه بالعزم، وكأن شيئًا بداخله قد انكسر وأفسح المجال لتيار لا يمكن كبحه، ودون سابق إنذار، سحبها لتجد نفسها مجبرة على السير بجانبه، بخطوات متسارعة أشبه بالركض، تحاول مجاراة سرعته حتى لا تتعثر، وكلماتها تخرج بلهاث متقطع:
انت ساحبني وراك .. ورايح بيا على فين؟! سيب إيدي!!
تجاهلها باسم، فزاد غضبها وعلت نبرتها بغيظ، محاولة تحرير يدها بتهديد يائس:
انت ما بتسمعش؟ بقولك سيب إيدي! بدل ما أصوت وأنادي على العمال يقطعوك!
أنا كنت عارف إن الذوق مش هينفع معاكي.
انفلت صبر باسم في لحظة، واستدار ليحملها بقبضة حازمة فوق كتفه بسهولة، امتزجت الصدمة بالغضب والخجل على ملامحها، وهتفت بنبرة محتقنة، وهي تضرب بقبضتيها على ظهره بمقاومة:
إيه دا؟! إنت مجنون؟! نزلني!
ضحك باسم بيأس من لسانها السليط، ورد عليها وهو يسير بها بخطواته الواثقة:
يلا .. قادرة تصرخي؟ ولا أساعدك؟
صرخت إبريل بخجل:
انت أكيد اتجننت! ما يصحش اللي بتعمله دا؟
وفجأة، سمعا صوتًا آتيًا من الخلف:
إيه اللي بيجرى هنا؟! إيه اللي بتعمله دا يا حضرتك؟!
توقف باسم لبرهة، والتفت نحو الرجل ورفع صوته قليلًا بثقة ممزوجة بابتسامة خطيرة، وهو يخاطب باقي العمال الذين بدأوا بالتجمع بذهول:
شوفوا يا رجالة .. الباشمهندسة تبقى مراتي .. وإحنا بينا شوية خلافات زوجية .. انتوا عارفين الستات لما بتتعصب.
ضحك أحد العمال محاولًا تهدئة الموقف:
أيوه يا باشمهندس إحنا حافظين .. بس برضه بالهداوة.
رد باسم بلباقة، وهو يمضي بها نحو سيارته:
معلش لو عطلناكم ربنا يوفقكم .. بس مضطر أخدها قبل ما تتعب أكتر.
انت معجون من إيه؟ إيه فاكرها سايبة؟!!
زفرت بإحباط حالما عاد العمال إلى أشغالهم، فحاولت تحرير نفسها منه مجددًا، ركلت بقدميها في الهواء وضربته على ظهره بقبضتيها، لكن ذراعيه كحصن منيع، صاحت بإرهاق، وقد بدأ الغضب يتحول إلى يأس:
نزلني! بقولك نزلني!
هددها بصوت هادئ لا يخلو من عبثه الوقح:
هتبطلي حركات العيال دي يا باشمهندسة؟ ولا أديها لك على التوتة؟ ما تعرفيش ترفعي عينك في عين أصغر عيل في الموقع دا!!!
فغرت فاها ذهولًا من جراءته المفرطة، قبل أن تصرخ باستنكار يعبر عن استياء خجول يجتاح حصونها:
انت بجد سافل .. وما فيش في بجاحتك.
أحسن لك بلاش تعانديني عشان تتفادي بجاحتي اللي بجد.
أدخلها باسم السيارة قسرًا، وسط مقاومة شرسة من جانبها، رغم أنها كانت تدرك تمامًا أن محاولاتها ستبوء بالفشل، بعد أن أغلق الباب بالمفتاح الإلكتروني، وعندما جلس بجانبها، لفظت من بين أنفاسها اللاهثة:
افتح الباب دا .. خليني أنزل بدل ما أخليك تندم عمرك كله!!
مال باسم عليها فأصبح وجهه على بُعد بوصتين من وجهها، وهمس بصوت يفيض بحنان مفعم باللهفة:
عادي .. ما أنا ندمان .. يلا عشان تبقي بكِملت.
انحنى باسم قليلًا نحوها، ويده تتحرك بحذر وثقة نحو حزام الأمان، محاولًا ربطه حول خصرها، لكن بنظراتها النارية تحدته، وأمسكت الحزام بقوة، وقالت بتصميم:
أنا مش هروح معاك أي حتة .. انت فاهم؟
اربطي الحزام.
لا.
شدد قبضته على الحزام بانزعاج، واهتاجت نبرته هاتفًا من بين أسنانه:
إبريل .. أنا على آخري .. ما تجبرنيش... آآ...
رمقته بعينين متسعتين، ثم سألته باندفاع لا يخلو من التمرد:
إيه ..
هتضربني؟
في لحظة غير متوقعة، انحنى نحوها مقبلاً شفتيها برقة، كانت مثل لمسة من نور يضيء ظلمة قلبها الجريح، مما جعل حرارة لذيذة تسري في جسدها، وهي تشعر بملمس شفتيه فوق شفتيها المكتنزة، قبل أن تدفع نفسها بعيدًا بسرعة، وصدمة اجتاحت كيانها تحت سطوة مشاعره العارمة أشبه بنيران تتراقص في أعماقها.
ماتقربش مني كدا تاني!
همهمت بتلعثم خجول، فابتسم باسم بجانبية، ورماديتيه تراقبها عن كثب بشغف، هامسًا بصوت أجش من أثر عاطفته العاصفة وأنفاسه الدافئة تضرب جانب وجهها بحرارة تكاد تنصهر من لهيبها: هقرب منك زي ما أحب.
تحدته إبريل بنبرة متأججة: أنت فاكر إن باللي بتعمله دا هتربطني جنبي بالعافية؟
أشار باسم بإيماءة هادئة نحو خاتم الزواج في إصبعه، ثم نقل نظراته إلى الخاتم الذي يتلألأ في يدها: اللي رابطك أهو في إيدك.
حاولت أن تنزع الخاتم من إصبعها بحركة متهورة، لكنه كان أسرع يمنعها بحزم مطبقًا على أسنانه: إياكِ تعملي كدا.
أطلقت إبريل زفرة مكتومة، ثم ردت بكبرياء يشوبه الارتباك: عملتها مرتين.. وفي مرة منهم حرقتها ومعاها فستان فرحي.. المرة دي مش عندي استعداد أولع فيها وبس.. أنا ممكن أرمي نفسي في النار ولا أكون معاك في مكان واحد.
رمت إبريل عليه نظرة حادة لم تخفَ لمعة العبرات في فيروزيتها، ليرد ببرود ساخر يعكس مرارة كلماته التي كانت جمرًا تحت الرماد: ماكنش دا كلامك لحد إمبارح.. أنتِ قلابة أوي.. خلاص بقيتي بتكرهيني؟
عقدت إبريل ذراعيها أمام صدرها بهدوء، بينما عيناها تحدقان إلى الأمام، محاولة إخفاء ارتجافة أطرافها التي تكشف كذبتها: مين قال إني بحبك عشان أكرهك؟ أنت ماتهمنيش من أصله.
ضاقت نظراته عليها لثوانٍ، ثم التفت بوجهه مديرًا محرك السيارة، وهو يهمس بصوت بارد يشي بإصرار والتحدي: هنشوف يا بندقة.
بعد مرور فترة وجيزة.
عند هضبة جبل شامخة، حيث تهب الرياح بحذر، كأنها تتجنب التدخل في حوار محتدم، وقفت سيارة باسم وخرج منها، واستدار حولها، ثم أنزل إبريل، وأغلق الباب وراءها، أسندها إلى السيارة، محاصرًا إياها بين ذراعيه مربكًا نبضاتها بترقب.
في إيه؟! أنت جايبنا المكان دا ليه؟
تشكلت الأحرف على لسانها في صيغة سؤال مذعور مختلطًا بالاستغراب والغضب.
جاء رده متسمًا بنبرة هادئة تهدئ من روعها، تخفي وراءها بركانًا من الاضطراب: اهدئي.. إحنا هنا عشان نعرف نتكلم في هدوء وعاوز منك تسمعيني.
قاطعته برفض لا يخلو من النعومة كأنما تخشى أن يجرحها مجددًا: أسمع إيه؟ مش خلاص اللي كنت عاوز توصله حصل؟! ولا في إهانات جديدة عاوز تسمعها لي؟
تألقت رماديتيه كصواعق تعكس عذابه وغضبه من نفسه بعد إساءته إليها، قبل أن ينفي بنبرة تجسد جمر الحنان المتأجج في قلبه: لا يا إبريل، اللي قلته دا كان...
توقف عن الحديث عندما دفعته في صدره، فارتد خطوة إلى الوراء، بينما تابعت إبريل بحدة تشهر في وجهه سلاح الاتهام المشتعل في نظراتها المعاتبة: كان للي جواك ومخبيه ورا قناع حنيتك الكدابة.. زي كل كلمة حلوة كنت بتضحك عليا بيها.. كله كان كدب في كدب.
ماكنتش كدب يا إبريل.. كل حاجة عملتها وقولتها كنت حاسسها.. كانت من قلبي.. ما كذبتش ولا مثلت فيها.. كنت شايط منك عشان روحتيله من ورايا.. وجه الكلام دا في وداني جنني زيادة.. كنتي عاوزاني أعمل إيه؟ أصفق لك وأبعت له جواب شكر؟
لا تهزقني وتجرحني بس.. وماتدينيش فرصة أنطق جملة على بعضها.. نسيت في لحظة إن اللي قدامك دي عمرها ما حبت مصطفى.. أنت نفسك سألتني قبل كدا وجاوبتك.. ولا لحقت تنسى؟! ولو بقرب منك عشان أغيظه كنت بوافق أتجوزك ليه؟!! ها ليه؟
ابتلعت قدماه المسافة الفاصلة بينهما، ليأسر خصرها بين كفيه، ويلصق جبهته بجبهتها، فارتجفت أنفاسها اضطرابًا وترقبًا، ليهمس بصوت مغموس بالعذاب: أنا فعلًا في لحظة نسيت كل حاجة.. ماكنتش حاسس غير بالنار اللي قايدة في كل جسمي من غيرتي عليكي اللي عمت عيني.. وخلتني بتصرف زي المجانين.. كنت بقول لك كل حاجة عكس اللي حاسسها عشان...
عشان تكسرني!
قاطعته إبريل بصوت ضعيف، يعكس ضجيج قلبها الذي ينبض بجنون تحت ثقل كلماته الملتهبة بنيران الغيرة.
أحس بنيران كلمتها تحرق قلبه، وكأنها قد شقت عمق مشاعره، فتمتم من بين شفتيه بلوعة عاشق يعترف بحبه لها للمرة الأولى، وهو يكور وجهها بين كفيه بحنان عميق: عشان بحبك.. أنا بحبك يا إبريل.
جال باسم ببصره على وجهها بنظرة يتخللها شغف مضطرب، فارتعشت على شفتيها ابتسامة مختلطة بعدم التصديق والسخرية: هو أنت إزاي متخيل إني ممكن أصدق كلامك بعد اللي سمعته منك؟! إزاي؟!
وضعت إبريل كفيها على صدره، تدفعه كما لو كانت تبني جسرًا هشًا بينهما، وأضافت بنبرة متهدجة بالعذاب: إزاي هنسى إن لما لجأت لك عشان أتحامى فيك.. كنت في نفس الوقت بتستخدمني وسيلة تنتقم بها من أختي.. آآآه..
قاطعها باسم بتساؤل حازم مشددًا على كلماته بقوة، بينما احتضن كفيها على صدره بكفه الدافئ: وما سألتش نفسك لو حكاية قربي منك كلها مجرد انتقام منها.. أنا ماعملتش كدا من زمان ليه؟
احتبست إبريل أنفاسها للحظة، بينما راقب ملامحها التي سكنت بعد أن دوت طلقات كلماته في أعماق عقلها تحاول تفسيرها بحيرة، ثم عاد ليطرح سؤاله بهدوء هازئ، وهو يضع يده في جيب بنطاله: سكتي ليه؟
استدار بجسده بعيدًا عنها، مشعلًا سيجارة، بينما ترمق ظهره بنظرتها المتوجسة، ثم نفث دخانها في الهواء قبل أن يسألها بهدوء مميت: طيب.. عندك فكرة إن أختك وصلت بها إنها ترفع عليا السلاح وتهددني تقتلني وتقتل نفسها؟
إيه اللي بتقوله دا؟ حصل امتى الكلام دا؟
هتفت إبريل من خلفه فاغرة فاها بعد أن اختطفت أنفاسها الصدمة.
قبل ما تقعي قدام عربيتي بكام دقيقة ليلة خطوبة أختي.. وقتها ماكنتش قادر أفكر كويس ومتوتر لحد ما ظهرتي أنتِ..
التفت باسم نحوها، ثم استأنف حديثه بنبرة تنبض بالصدق: كنت عاوز أتخلص من المشاكل اللي هتسببها لنفسها وليا وللكل.. لاقيت إن قربي ليكي ممكن يخليها تبعد وتتأكد إن مالهاش وجود في حياتي.. كنت بهرب زي ما هربتي بالظبط.
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم احتضن وجهها بين كفيه بحنان، كمن يمسك بجوهرة نادرة، مما جعل دقات قلبها تتسارع بجنون، ليميل بعينيه نحوها، قبل أن ينطق بنبرة تهيم عشقًا وهيامًا: أنا وأنتِ مربوطين ببعض بطريقة ممكن ماتستوعبيهاش.. عشان كدا أنا مش هسمح لك تبعدي عني.. ومش عشان لو افترقنا أختك هتفرح وتشمت فيكي.. ولا عشان ممكن مصطفى يحاول يضايقك...
ترك بقية كلماته معلقة في الهواء، فالتقطتها هي بنظرة متسائلة مشحونة بالاستهجان، مما أثار في داخله شرارة التحدي: أمال عشان إيه بتحبني مثلًا؟!!
حاصرها بين ذراعيه، وظهرها مستندًا إلى السيارة، ثم جاء رده يدوي في أذنيها كصوت الرعد، قويًا وصريحًا يفتت حصونها: أيوه بحبك.
ارتجف قلبها بعنف خلف ضلوعها، لكن كبرياءها أمرها بالتمرد على تلك المشاعر: وأنا مش مصدقك.. لو كنت اتأثرت بكلامك في لحظة غباء مني.. دلوقتي عقلي مش حاسس إلا إنه بيكرهك.
رد باسم بحزم، ونبرة صوته تحمل عبق الجمرات الملتهبة التي تشتعل في سماء رماديته، كعاصفة نارية تجوب الأفق، وتبعثر دفاعاتها بلا رحمة: بيكرهني عشان قدرت أخطف راحته وتفكيره.. سلطته عليكي ما بقاش ليها أي لازمة قدام سلطتي أنا عليه وعلى قلبك اللي بيدق زي المجنون من قربي ليكي.
نطق باسم جملته بنبرة رجولية واثقة، بينما يلف أصابعه على ذراعيها، يجذبها نحو صدره حاولت أن تدفعه بمقاومة، لكن قبضته مزيجًا من القوة والحنان تأبى أن تفلت منها، لتهدر بيأس محتدم محاولة أن تضع حدًا لعواطفها المتضاربة: ابعد عني.. أنا مش هقدر أثق فيك تاني..
واعتبر الاتفاق اللي كان بينا انتهى.
_متأكدة من كلامك؟!
سألها باسم بصوت بارد تتراقص فيه نغمات السخط، فأكدت بهدوء مستفز، لكنها تعرف في أعماقها أن كلماتها لا تتماشى مع مشاعرها: أيوه.. وعاوزة ورقة طلاقي في أقرب وقت عشان هسافر.
باسم حاول أن يخفي غضبه خلف تهكمه، فتساءل بنبرة ساخرة: لا والله.. وعلي فين العزم يا مدام؟
بفظاظة واضحة ردت: ما يخصكش.
استحوذ عليه غضب أسود من فكرة فقدانها ممزوج بضيق حاد من استفزازها، فأخذ يهزها بين يديه بقوة لطيفة، بينما يصيح بثوران جامح جعل عروقه تنتفض بقوة، يعكس تصميمًا حادًا وامتلاكًا حارقًا: انتي كلك تخصيني.. فهماني.. ما تخصيش حد غيري يا إبريل!
تراقصت في أعماقها مشاعر فرح مستتر، وهي تحدق في سماء رماديته، التي تعصف بمطر عشق غزير ينساب بلا هوادة يجرف مشاعرها، أما هو حين لم يتلق منها إجابة أضحى صوته يتردد كعاصفة من المشاعر الجياشة محملة بشغف عنيف يفيض من أعماق روحه: شوفي.. أنا سبتك تخرجي كل غضبك فيا عشان تستريحي وعشان كنت غلطان في اللي قولته.. بس انتي كده زودتيها.. فكرة إنك تسافري أي مكان من غير موافقتي انسيها مش هتعرفي.. ولو وصلت إني أزرعلك GPS تحت جلدك هعملها.. فوفري طاقة التمرد دي.. عشان تقدري تجهزي نفسك لفرحنا.
اخترقت جملته الجدية قلاعها بضراوة فتعثرت كلماتها في حلقها، لتخرج بحدة لا إراديًا: يعني إيه هتتجوزني غصب عني؟
_انتي أصلاً على ذمتي ولا نسيتي؟
ذكرها باسم بنبرة قوية مؤكدًا أن لا توجد خطط مستقبلية لها إلا بحضوره، وهمس يجيش بالسحر أضاف: بس خلاص نضيع وقت ليه؟ نعمل فرح ونتجوز.
لامس باسم بنعومة شفتيها المرتعشتين التي انفرجت من حديثه، ثم تابع بشوق ماكر وهو يتلاعب بأفكارها كما يتلاعب العشق بنبضات قلبه العنيفة: خلي التفاهم ده يجي على مهله واحنا في سرير واحد.
ارتعشت أبريل بصدمة من جراءته المفرطة، ولكنها سرعان ما تخلصت من قبضة يده، لتهتف منزعجة: أنت قليل الأدب.. احترم نفسك.. وأنت ما تقدرش تجبرني على حاجة.
_أنا لحد دلوقتي ما جبرتكيش على حاجة يا إبريل.
_بس أنا ما بحبكش.
توهجت بهذه الجملة أمام عينيه اللتين تجسدان شغفًا متقدًا، مع كبريائها المتحدي في محاولة يائسة للهروب من لهب هيام مستعر، فالتصق بها حتى كاد يختنق أنفاسها من قربه المهلك، تلاقت نظراتهما في ساحة من نار مشتعلة، بينما يهمس بلهجة تتفجر بالعشق الجارف: هيجي اليوم اللي هتموتي فيا.. مش بس هتحبيني.
بعد مرور بعض الوقت، وصلت سيارة باسم أمام منزل فهمي الهادي، نزلت منها إبريل بسرعة غير آبِهة بانتظاره.
زم باسم شفتيه بغيظ، ثم نزل خلفها بعصبية، وتبعها بخطوات واسعة، فجأة أمسك بذراعها جاذبًا إياها نحوه، مما جعلها تفقد توازنها للحظة لتميل بجسدها نحو صدره، بينما يقول بسخرية باردة ترتسم على شفتيه: عيب أنا جوزك يا مدام مش سواقك الخصوصي.
سرعان ما استعادت توازنها، ونجحت في انتزاع ذراعها من قبضته بعنف، ثم واجهته بنظرة متمردة تنبض بالإصرار والعناد: ما تلمسنيش كده تاني.. واوعى تفتكر إنك هتقدر تمشي عليا قرار بالغصب!
ضغط باسم على شفته السفلية باستياء، ممسكًا بها مرة أخرى وهو يسألها بحدة: هو عنادك ده مالوش آخر؟
رفعت إبريل ذقنها بشموخ، مبتسمة باستفزاز متحدٍ، لكنها في ذات الوقت قلبها يرتجف بحماس: زي ألاعيبك اللي ما بتخلصش.
تمتم باسم بصوت مشتعل بنفاذ الصبر، والشياطين تعبث بأفكاره وتغريه بأفعال تتسم بالشر: أنا قربت أزهق.
أذهلته في اللحظة التالية، حينما لفت ذراعيها حول خصره، بينما أسندت رأسها على قلبه النابض بعنف تحت وطأة قربها، ضمها إليه ببطء مشبعًا بارتباك يعصف كيانه، تائهًا بين دهشة مبادرتها التي اخترقت صموده، وبين شوق يفيض بكل ما قاومه طويلاً، وكأنها أطلقت عاصفة مشاعره الحبيسة.
_في إيه؟
سألها باسم بنبرة مثقلة بالحيرة، فأخبرته بصوت خافت لا يصل إلى أحد سواه: واقفين بيبصوا علينا من الفراندة!
مرت دقيقة قبل أن ترفع رأسها عن صدره، فتشابكت نظراتهما في لحظة مشحونة بلهيب عواطف مضطرمة، دون تردد ضمها إليه مجددًا، بحنان يلتهمه شوق دفين، وذراعاه التفتا حولها كسلاسل قدر، تمنعها من الفكاك من دوامة المشاعر المستعرة بينهما، ليهمس لها بصوت أجش: خليكي.. لسه بيبصوا.
أدارت إبريل عينيها بحيرة، بينما لم يرفع بصره عنها لحظة واحدة، كيف استطاع معرفة ما إذا كانوا لا يزالون يقفون في مكانهم؟
تراقصت نبضات قلبها بجنون، وأدركت في تلك اللحظة بتفكير منذهل، أنه لا يسعى لغيظ ريهام، بل يرغب بشغف لا يقاوم في أن تحتل مكانها بين ذراعيه، كفراشة تتوق للعودة إلى زهورها.
_أنا موافقة عشان ما اسمحش لحد يشمت فيا.
أطلقت إبريل همسة رقيقة من بين شفتيها، تسللت إلى مسامعه كنسيم دافئ، مفعمة بكبرياء مشحون بعبق مشاعر جياشة دغدغت أعماق قلبه بسحر خاص برغم غيظه من تمردها اللامنتاهي.
لن أعفو عنه بلمسة عابرة،
فأنا القطة التي تروّض ذئبها بشغف جحيمي.
قوته ليست سلاحًا، بل سحرٌ أسيرٌ في أحضاني،
ذاب في جنوني، محاطًا بهالة ساحرة.
أنا الحلم الذي يتراقص في عينيه، ونار شوقه التي لا تنطفئ.
رواية جوازة ابريل الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم نورهان محسن
كل ما سبق لم يكن إلا مقدمة لخطوات قطة متمردة تقدمت بإرادتها نحو ذئب يتميز بالحيلة والمكر، وما إن وطأت قدماها في وكره، حتى وقع قلبها صريعًا في فخ نصبه لها باحتراف، فأضحت مقيدة بخيوط الحب الحريرية، وسجينة شرك هوى الماكر، الذي ما إن غرس رماديتيه في أغوار فيروزيتيها، حتى جعلت روحه تهفو إلى الانبعاث من بين أمواجها المستهجنة بشرارات رقيقة، أدت إلى سقوطه أسيرًا في غرام قطة روّضته عشقًا.
بعد مرور شهر
في قاعة أفراح فخمة، تسبح في بريق الأضواء المعلقة في السقف العالي كأنها نجوم متلألئة تشع بوهج يخطف الأنفاس. الأرضية مكسوة برخام أبيض ناصع، يلمع تحت الأقدام كمرآة تعكس بريق الثريات الذهبية المتدلية بانسيابية من السقف المزخرف بنقوش فنية بديعة.
الجدران كانت مزينة بأقمشة حريرية باللون العاجي، ومرصعة بزهور طبيعية متناغمة بألوان الباستيل الهادئة. رائحة الورود تعبق في الأرجاء، تحمل معها لمسة من الفخامة والأصالة. الطاولات مصطفة بعناية، مفروشة بأقمشة مخملية مترفة، تتوسطها شمعدانات مذهبة، تحمل شموعًا مضاءة تضفي على المكان أجواء من الرقي والسحر.
بينما الموسيقى تنساب برقة في الأجواء، تكاد تهدهد الحاضرين بلطف، والمدعوون يتجولون في المكان، همساتهم منخفضة، وأعينهم تتأمل في فخامة التفاصيل وذوق التزيين الراقي.
في إحدى الطاولات، حيث خالد يجلس بجوار لميس، وجهه مشرق بابتسامة هادئة تحمل في طياتها معاني عميقة من الحب والشوق. كانت عيناه تتأملانها بحب، يشعرها أنها مركز الكون، بينما قلبه ينبض بعشق لا يخجل من إظهاره، فهو قد بات أسير حبها، يتوق إلى اللحظة التي تكون فيها ملكًا له أمام الملأ.
اقترب خالد برأسه نحوها، وهو ينظر إليها بعينيه اللامعتين تحكيان قصة عشق لا تنتهي، ليهمس بصوت عميق يعبر عن رجولته وجاذبيته:
"مش ناوية تحني على الغلبان اللي قاعد قدامك يا لمسة قلبي؟"
رفعت لميس عينيها نحوه، تعلو وجهها علامات الاستغراب، بينما تسارعت نبضات قلبها عندما نطق بلقبها الرقيق، الذي ينساب من بين شفتيه بنغمة ساحرة، فاستفسرت برقة:
"أنت بتتكلم عن إيه يا خالد؟"
ابتسم خالد بابتسامة مفعمة بالثقة والعشق، ثم خفض صوته، محولًا حديثه إلى همسات مشبعة بالشوق:
"نفسي أكون جنبك في نفس المكان ده.. مش مجرد ضيف في فرح حد تاني.. أنا بحبك يا لميس وبشتاق لك بجنون.. عايزك تبقي معايا طول الوقت.. لما أفتح عيني الصبح إنتي تبقي أول حاجة أشوفها."
كل كلمة خرجت من شفتيه كانت كفيلة بإشعال وجنتيها خجلًا، ومشاعره تنمو ببطء في قلبها، ورغم رغبتها الصادقة في تقبلها، شعرت بأنها بحاجة إلى بعض الوقت لترتيب أفكارها المشوشة، فهي بعد أن اكتشفت خفايا علاقة عمها وزوجة عمها الراحل، وافقت على الخطوبة لتكون لديها حجة قوية تتيح لها الإقامة في منزل عمها، لتجمع الأدلة ضدهم، لكن الحب الجارف الذي يغدقها به هذا الخالد قد بعثر كيانها بشدة، وهو ما لم يكن في حسبانها.
خفضت لميس عينيها محاولة الهروب من نظراته الثاقبة، لكن إرادته كانت أقوى، إذ مد خالد يده برفق، ممسكًا بيدها كأنه يريد أن يزرع طمأنينته في روحها:
"إيه؟ مش هتردي على كلامي؟"
تنفست لميس بعمق، محاولة التماسك، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه بخجل، قائلة بلهجة تعبر عن صراعاتها الداخلية:
"يعني يا خالد الحاجات دي محتاجة شوية وقت عشان أقدر أجهز نفسي وكمان الشقة لسه محتاجة تجهيز..."
تأملها بنظرة يملؤها التفاهم والحب، وصوته أصبح أكثر دفئًا، ليمسح عن قلبها ما قد يشعرها بالقلق:
"يا عيون وعمر خالد.. قولي لي كل اللي بتفكري فيه.. وأنا تحت أمرك في كل اللي تطلبيه عشان تنوري بيتك في أقرب وقت."
أومأت لميس برأسها بخفة، وتوردت وجنتاها كفجر يشرق بلطف، وابتسامة خجولة تزين شفتيها، كأنها تعترف في صمت بأن مشاعرها تجاهه تتعاظم يومًا بعد يوم، وقلبها ينبض بشغف خاص، يتردد صداه في أعماقها.
في جهة أخرى من الحفل
وسط هذا الصخب البهي، كانت ساحة الرقص تضيء بلمعان خاص، كأنها مسرح يجمع بين الفرح والسر المخبأ في زوايا القلوب بصمت بين هالة وفريد. يرقصان في زاوية هادئة، رقصة تموج فيها الترددات وتخفي الصراعات من نوع مختلف، تحت أضواء خافتة تكاد تخفي ما يعتمل بداخل كل منهما.
حيث بهدوء ورقي قدم لها طلبه بأن تمنحه هذه الرقصة، ورغم ارتباكها الواضح وخجلها المتوهج كوهج وردة في شتاء قارص، لم تستطع أن ترفض، لكن ترددها كان نابعًا من مشاعر لم ترغب في مواجهتها، فقد كانت تفضل أن يغيب عن الحفل، أن يبقى على مسافة بعيدة، فقد كانت تأمل في قرارة نفسها ألا يلبي دعوتها التي أطلقتها باندفاع، عندما دعت زملاءها من الأطباء والطبيبات، ولم يكن بوسعها أن تتجاهله وحده، فدعته بلباقة، متمنية أن يأتي برفقة هدير، إلا أنه فاجأها بخبر سفرها إلى لندن لاستكمال أوراق الماجستير، وقضاء إجازتها هناك، ففكرة أنه سيأتي بمفرده كانت كافية لتقلب موازينها، وتجعلها تشعر بارتباك غامر، والآن، ها هو أمامها بطلة هادئة وساحرة، حضوره الواثق يسلب أنفاسها، ويثير ارتعاشات نبضاتها.
بينما فريد كان قريبًا بما يكفي ليشعر بارتباكها، بتلك اللمعة القلقة في عينيها، لكنها كانت تعاند، تلتزم بواجهة من القوة الهادئة، ثم بصوت خافت كأنما أراد أن يتسلل عبر جدران صمتها متسائلًا بلهجة مملوءة بحيرة غامضة:
"مش كان المفروض الدكتور خطيبك يبقى هنا معاكي الليلة؟!"
بابتسامة تراقصت فيها مشاعر الاضطراب فأجابته باختصار:
"مسافر."
لمعت عينا فريد ببصيص من الشك، نظرة عميقة تنم عن خبرة في قراءة الوجوه، وقد لاحظ تغير تعابيرها في تلك اللحظة العابرة، حيث كان يعلم أنها لم تخبره الحقيقة، فقد التقاه والدها عند دخوله القاعة، وأخبره صدفة بأن خطوبتها قد فسخت منذ أشهر قليلة.
تركها تتمايل بين ذراعيه للحظات، صامتًا وهو يعيد ترتيب الأفكار في عقله، محاولًا فك شفرة كذبتها.
في تلك اللحظة، التقت عيناه بعينيها، أمال رأسه قليلًا، يتفحص ملامحها المرتبكة بدقة، وكأن كل حركة وكل نظرة منها تقدم له المزيد من الأجوبة دون أن تلاحظ.
ابتسم ابتسامة صغيرة، نصفها هادئ، والنصف الآخر كأنما يدرك شيئًا لا يقال، ثم أضاف بلهجة مبطنة ببرود خفي:
"وهو السفر بيخلي الواحد ينسى.. الدبلة!!"
أنهى فريد عبارته مشيرًا بإيماءة مبهمة من عسليتيه نحو يدها الرقيقة التي يأسرها بين أصابعه خلال رقصتهم، فنظرت فورًا إلى يدها، وكأنها تذكرت فجأة هذا الغياب، وحاولت أن تتظاهر باللامبالاة، وهي تضحك بنعومة، لتقول بارتباك واضح:
"آه.. لا.. شكلي ما خدتش بالي إني نسيتها في دوشة اليوم."
خرجت الحروف مبعثرة من ثغرها، عكس حركاته التي تتسم بالهدوء والاتزان، كأن الوقت كله بين يديه، بينما يومئ برأسه، وملامحه لم تتغير، بل نظراته عميقة تخترق حصونها تدريجيًا بغموض.
في نفس ساحة الرقص
كانت إبريل ترقص برشاقة تنبض بالحياة، فرحة رغم محاولاتها لكبت مشاعرها، كل حركة تنم عن تناغم شغوف مع باسم، وكأنهما يعزفان لحنًا خفيًا في ساحة الرقص، مما جعل أنفاسهما ونبضات قلوبهما تتسابق في رقصة مفعمة بالمشاعر العميقة.
"مش كفاية بقى.. خلينا نقعد وترتاحي شوية يا إبريل."
همس باسم إليها بتحذير، وهو يراقب أنفاسها المتقطعة من فرط الحركة، حيث لا تزال آثار إجهادها واضحة بعد رقصها مع صديقاتها على أنغام الموسيقى الشعبية، لترفع حاجبيها بانزعاج طفولي وبنبرة معترضة ردت:
"بس أنا لسه ما تعبتش.. وعاوزة أرقص شوية."
نظر باسم إليها بمزيج من الدهشة والإعجاب، وكأنه يحاول فهم لغزها المستمر، ليقول بتهكم خبيث:
"لدرجة دي فرحانة؟"
التفت إبريل حول نفسها بخفة، لتنظر إليه وتقول بصوت يفيض بالأنوثة والعناد:
"الرقص مالوش أي علاقة بالفرحة.."
أنا برقص وأنا زعلانة عادي.
ضيق باسم عينيه بغيظ، ليقربها منه أكثر، وبنبرة تمزج بين المزاح والمكر أخبرها:
علي كدا هزعلك كتير عشان تبقي ترقصيلي لوحدي.
توردت وجنتاها بخجل أخفته خلف ابتسامة ساخرة، لتجيبه بعنادها المتأصل:
أوعدك اليوم اللي هتموت فيه وتقوم فيه جنازتك هرقصلك للصبح.
انطلقت ضحكته القوية، تنبض بعشق عميق ممزوج بالاستفزاز:
قد كدا بتحبيني وعايزة تبسطيني يا قلبي.
ردت إبريل بانزعاج:
بطل طريقتك دي بقى!
مال باسم نحوها، عاقدًا ذراعيه أكثر حول خصرها بتحد تجلى في قوله:
وهو أنا قولت إيه غلط؟ راجل عاوز مراته ترقصله.. إيه العيب في كدا؟
تجمدت إبريل في مكانها، ملامحها تتخذ طابعًا جديًا لا يقبل النقاش، تقطع نظراتهما ببرود محفوف بالخجل:
مش عيب.. بس دا لما يكون جوازهم طبيعي.. ومن دلوقتي بحذرك.. ممنوع أي تصرفات جريئة يا باسم، ممنوع تقرب مني إلا إذا سمحتلك.. وأنا مش هسمحلك.. ممنوع تديني أوامر.. مم...
كلماتها انقطعت فجأة، حينما أطبق شفتيه على خاصتها بقبلة خاطفة ورقيقة، ارتفعت يده بحذر لتستقر خلف عنقها، يجذب وجهها إليه بعشق لا يُقاوم، لم تتجاوز تلك القبلة خمس ثوان، لكنها كانت كافية لإحداث زلزال في كيانها.
ابتعد عنها محدقًا بملامحها المكتسية بحمرة الخجل الممزوجة بالضعف، شعرت كأن تيارًا دافئًا قد اجتاح قلبها، وخلّف وراءه ارتباكًا لذيذًا عجزت عن تفسيره أو وصفه.
ربت باسم على وجنتها بنعومة، قائلًا بابتسامة ماكرة وصوته ينضح بالتحدي:
الممنوع مرغوب.. القاعدة دي امشي بيها معايا هتتعبي.. كل ما قفلتي قدامي باب هعافر بكل قوتي عشان افتحه.
ردت عليه بنظرة صارمة من عينيها، لكن الحروف كانت عاجزة عن الانطلاق عبر شفتيها، ليواصل الحديث بتلك النبرة الآسرة:
لو همنع نفسي عن حاجة.. دا هيكون بخاطري أنا.. اتأكدتي دلوقتي إن كلمة ممنوع دي بتضر أكتر ما بتنفع يا روحي؟
صمتها كان ردًا كافيًا، لكنه لم يترك لها مجالًا للهرب، يقترب منها قائلًا بصوت متهكم لعوب:
ساكتة ليه يا بندقة؟ أنا مش فاكر إني كلت لسانك مع شفايفك!
تجيبه بغيظ واضح:
إنت مش هتبطل قلة الأدب دي.
رد باسم، مائلًا نحوها ببراءة ذئب عاشق:
وأنا ذنبي إيه يا روحي؟ كلمة ممنوع دي عندي حساسية فظيعة منها.. أول ما بسمعها بحس جسمي بياكل فيا وبفقد السيطرة على نفسي.. دا اللي حصل لما شوفت شفايفك بتنطقها بالطريقة الحلوة أوي دي.. ما عرفتش أقاومها غصب عني سامحيني.
لمس شفتيها بشغف حارق، بينما نبرته تتأرجح بين السحر والجاذبية، لكن ابتسامته الخبيثة كانت تكشف عن تعمده لإثارة غضبها واستفزازها بمهارة، أضاف متصنعًا الجدية:
بس خلاص.. أنا هنفذ كل كلامك من دلوقتي.. بس ما تنطقيهاش تاني.. اكتبي كل حاجة في ورقة بيضا بقلم أحمر.. وأنا هعلقها على التلاجة.. لما أجي أشرب هشوفها وأفتكر على طول.
أخذت إبريل نفسًا عميقًا، وملامحها تظهر مزيجًا من الغضب والاستياء الفاتن:
أنت مستفز.. خلاص! مش عاوزة أرقص، حرقت دمي!
أنهت كلماتها بغيظ ظاهر، وتوجهت نحو الكوشة، محاولة الهروب بخجل من جراءته المتزايدة، بينما انفجرت ضحكته بخبث، تتدفق منه مشاعر الانتصار لأنه نجح في جعلها تأخذ استراحة من صخب العرس وضوضائه، وكأنما استسلمت في النهاية للعبة مشاعره الماكرة.
في إحدى الطاولات القريبة.
ريهام تجلس بجوار والدتها، لكن ملامح وجهها لم تكن تعكس أجواء الاحتفال من حولها، بل كانت تعبر عن صدمة عميقة وخلط عواطف غاضبة، عيناها تتأججان بالتساؤلات والقلق، وتجولان في المكان، تبحثان عن تفسير لما يحدث.
انفجرت ريهام بصوت متسائل بثوران عنيف:
إزاي دا يحصل وما تقولليش يا ماما؟!
امسكي أعصابك يا ريهام.. ولا عاوزة تفرجي علينا الناس!
جاء رد سلمى كصدى هادئ في زحمة الصوت، محاولة كبح جماح انفعالات ابنتها، فردت ريهام بصوت خفيض، وأفكارها تتداخل في زوبعة من الحيرة:
ما هو اللي بتقوليه دا يطير العقل.. يعني إيه الفيلا دي بقت بتاعت إبريل؟
يوووه... هعيد تاني من الأول يعني ما أنا لسه قايلالك يا ريهام!
تأففت سلمى بضجر واضطراب من رد فعل ابنتها الذي يلوح في الأفق كمفرقعات نارية، لتردد ريهام بنبرة شبه هادئة حديث والدتها منذ قليل:
قولتي الشريك الجديد للي جه في الأوتيل سدد القروض للبنك والأوتيل مش هيتحجز عليه.. وكمان سدد لينا الشيكات لمصطفى.. إيه علاقة دا كله بإبريل؟
وأنت نسيتي إن الفيلا إحنا دافعين مقدمتها بس.. وما سددناش إلا قسطين من تمنها.. باسم رجع لنا المقدمة والقسطين وكتب الفيلا باسمها مهر ليها!!
كانت كل كلمة تخرج من فم سلمى كالسهم القاتل، ينغرس في قلب ريهام بعمق، معلنة لها عن نكسة مروعة تُشعل في نفسها نيران الحسد والضغينة، قبل أن تتمتم بصعوبة:
يعني إحنا بقينا قاعدين ضيوف في بيت إبريل؟
سلمى مؤكدة باقتضاب:
بالظبط كدا.
تساءلت ريهام بنبرة منزعجة، وكأنها تريد أن تلقي كل اللوم على والدتها:
إزاي ما تقولليش حاجة زي دي من بدري يا ماما؟
هو أنت الفترة اللي فاتت كنت مركزة مع حد.. مش كنت قافلة على نفسك في أوضتك وما بتكلميش حد حتى ابنك ما كنتش عايزة تفتحيله الباب، كانت والدتها تحاول أن تفسر ما يحدث، لكن الكلمات لم تكن كافية لتهدئة ريهام.
واحنا هنروح فين دلوقتي؟
باسم ادانا مهلة ندبر أمورنا لحد ما يرجعوا من شهر العسل.. واتفقت مع أبوكي يأجر لنا بيت صغير لحد ما الأوتيل يقف على رجله.. وننقل في بيت تاني.
جاءت كلمات والدتها بمثابة محاولة لتقديم بعض الأمل، لكنها كانت كسراب يتلاشى في الأفق، ومع كل كلمة كانت ريهام تشعر بحقد أكبر على إبريل.
الصدمة بلغت ذروتها حينما رأت والدها، يأتي نحوهم برفقة داغر، الذي وقف أمام الطاولة بشموخ معهود، ملامحه الصارخة بالوسامة والقسوة في آن واحد، مما أثار في نفسها اضطرابًا ورعبًا لم تشعر به من قبل.
ريهام بنتي يا داغر بيه، داغر بيه الشريك الجديد في الأوتيل.
جاء صوت والدها كالرصاصة، ليخترق سكون الصدمة الذي يحيط بها، فابتلعت لعابها بصعوبة، وكأن كل حرف في حنجرتها تحول إلى حجر ثقيل، مدت يدها لتصافحه فأرسل هذا التلامس رجفة باردة عبر جسدها وخضراوتيه القاسية تسحبها إلى أعماق مجهولة، نظراتها تنبض بحيرة مريعة، تتركها عالقة بين شعور الخوف والمشاعر المتضاربة التي تتلوى بعنف في أعماقها المحترقة.
شعور القلق تزايد في أعماقها، حالما جلس داغر معهم بثقة عالية، وكأنه يستمتع بإثارة الفوضى في قلبها، مر الوقت في حوار عابر بينه وبين والدها، تململت قليلًا كأنها تجلس على جمرات، ثم استأذنتهم بلباقة، بحجة الذهاب إلى الحمام، فيما نهض داغر خلفها بعدة دقائق، دون أن يلحظ أحد شيئًا غريبًا.
خلال ذلك الوقت.
خارج القاعة.
تسير منى بخطوات متوترة، وكأن الأرض تحتها تهتز، بعدما استأذنت من وسام بالذهاب إلى الحمام، تحاول أن تهدأ من اضطرابها المتفجر منذ أن لمحته في القاعة حضوره المتوهج في المكان كان كفيلًا أن يعيد كل نبضة مشتاقة، كل رعشة خامدة في قلبها، لتشتعل كالبركان من جديد بكل رجولته ووقاره، لامت نفسها بصمت على تلبيتها لدعوتها، وخصوصًا بعد تلك النظرات التي وجهها لها عز، وكأنها تعري روحها الهشة أمامه.
دخلت الحمام وهي تحاول أن تتنفس بعمق، وكأن الهواء يرفض أن يدخل صدرها في حضرة مشاعرها الملتبسة.
وقفت أمام المرآة، تتأمل تفاصيل وجهها بشرود، تتحسس مكياجها بأنامل مترددة، بينما يتراقص في ذهنها طيف عز بطلته الأنيقة الآسرة التي تنتزع الأنفاس.
تسللت ابتسامة هائمة إلى شفتيها، كأن روحها انجذبت بلا وعي إلى ذكرى قديمة، حُفرت بعمق بينهما، لتعيشها مجددًا في صمتٍ مفعم بالحنين.
flash back
وقفت مني أمام المرآة تلقي نظرة أخيرة على مظهرها الفاتن، وتمرر أصابعها على شعرها بتلقائية، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها.
وفجأة التفتت بمرح حين خرج عز من الغرفة، بنطلونه الأسود، وصدرية البدلة فقط تكشف عن كتفيه وذراعيه المعضلين، ووقف بابتسامة جانبية مفعمة بالثقة، وبريق عينيه يختلط بشيء من الإعجاب العاشق.
قال عز لها بنبرته العميقة، وهو يرفع حاجبه بنظرة مغوية:
إيه رأيك في الشياكة؟
ضحكت مني بنعومة، ونظرت إليه وكأنها تتفحصه بدهشة مصطنعة، ثم تلاعبت بكلماتها بمرح:
خطير يا حبيبي... بس هيبقى أحلى لو لبست القميص.
حرك عز حاجبيه بتكاسل، وتظاهر بالبراءة وهو يقول:
مالقيتوش!!
_إزاي؟ أنا حطاه بإيدي!
قالتها مني باستنكار، ثم تخطته إلى الغرفة بخطوات واثقة، لتشير إلى القميص المستلقي بعناية على السرير، قائلة بصوت لم يخلو من دهشة ناعمة:
أهو مكانه على السرير يا عز ماتلمسش... حرام عقلي قرب يروح منك.
اقترب عز منها بخطواته الهادئة حتى التصق ظهرها بدفء صدره الصلب، لينحني بجانب أذنها هامسًا بتملك حار دغدغ حواسها بتيار من الإثارة الخفية:
يروح على فين ويسيبني لوحدي؟
ضحكت مني بغنج ساحر، وضغطت برفق على صدره قبل أن تنحني لتلتقط القميص، ثم ناولته إياه بنظرة مثقلة بالدلال المثير، وهمست بصوت خافت، كأنما تلقي عليه سحرًا لا يُقاوم:
البسه بسرعة عشان نلحق ننزل.
أنهت مني حديثها وهمَّت بالابتعاد، لكن ذراعيه انغلقتا حول خصرها كطوق لا فرار منه، وجذبها إليه حتى لامس خدّه الشائك خدّها الناعم برقة، فيما تسللت أنفاسه اللاهبة بجانب أذنها، وهمس لها بجاذبية ماكرة مغلفة بإغواء مهلك:
تعالي هنا... مهمة مين دي؟
نظرت مني له ترفع حاجبها بتحدٍ، وشعرت بأنفاسها تتقطع، وهي تهمس بصوت متأثر، نصفه رغبة ونصفه تحذير:
كده هنتأخر... وممكن ديدو تعملنا حوار.
أطلق عز ضحكة خافتة، لامسًا بشفتيه شفتيها بخفة متعمدة، وهو ينبس بخبث متعمد:
أنتي شايفة كده! خلاص خليني أنزل كده وأنتي وديدو أحرار في بعض.
_لا تنزل كده فين يا مجنون؟ هو احنا قد ديدو؟
شهقت مني باستنكار مرح، لتحاوره بعبثه المحبب، بينما ترمي القميص على السرير، ثم استدارت بجسدها بين ذراعيه، وبدأت بفك أزرار صدرية البدلة، ومع كل زر ينفك تشتعل رغبته الحارقة بهذه الفاتنة.
أدارته مني بين يديها بحنان بالغ، قبل أن تبدأ بتلبيسه له، ما جعله يبتلع لعابه ببطء، وتمتم بتيه عاشق مسحور بجنيته الحسناء:
أعمل إيه؟ أدخل إيدي هنا؟
حاولت أن تتماسك، لكن ضحكاتها العالية بشقاوة خذلتها:
ده بديهي يا حبيبي...
رمقها عز باغتباط محب، وغمغم بنبرة أجش مثيرة:
كله منك... خدتي عقلي مني.
back
عادت فجأة إلى الحاضر على صوت باب المرحاض، وهو ينفتح ببطء، فرمشت بعينيها لتستعيد تركيزها، حين التفتت، وجدت نفسها وجهًا لوجه أمام عز، يقف بكامل رجولته، ملامحه المشدودة ونظراته العميقة تتحدث عن مشاعر كانت تخشى مواجهتها من جديد.
في نفس الوقت
عند ريهام
وقفت ريهام خارج القاعة، تتلاعب بأصابعها بتوتر شديد، كأنها تسعى لامتصاص قلقها المتصاعد عبر حركة يديها، غير قادرة على تحمل الصدمات المتتالية التي أرهقت قلبها بشدة، رفعت عينيها بعفوية بعد لحظات، لتجده يتقدم نحوها بخطوات واثقة كزئير عاصفة، وحضورٍ لا يحمل سوى القوة المطلقة والقسوة الجامدة.
لم تجد في نفسها قدرة على الفرار، فهي الآن أمامه مباشرةً، أسيرة تلك النظرات الجامدة التي تخترقها كالسيوف.
وقبل أن تستعيد أنفاسها، أمسك بذراعها بقوة جعلت قلبها يقفز من مكانه، شعرت أنها أسيرة بقبضته، مقيدة بقوة سلطته التي لا تملك منها فكاكًا، منساقة خلف خطواته التي تقودها بثباتٍ مخيف نحو زاوية معتمة بعيدة عن الأعين، وما إن توقفت هناك حتى اندفعت منها كلمات مرتجفة، تنبض برعبها العميق، عاجزة عن كبحه تحت وطأة حضوره الطاغي:
أنت ليه عملت كدا؟
جاء صوته خفيضًا باردًا، كصفعة قاسية تنفذ إلى أعماقها، مغلفة باحتقار دفين يشقّ روحها بلا هوادة:
كنت عاوزاني أسيب سمعة عيلة أم ابني تتمرمغ في الوحل بسبب إفلاس أبوكي وجشع أمك؟
ارتجفت كلماتها، وهي تخرج مترددة، وملامحها تعكس انكسارها أمامه:
عاوز إيه يا داغر؟ مش كفاية...
تلاشى ما تبقى من حديثها كأنما ابتلعته الظلال، حينما اقترب منها أكثر، نظراته لا تعرف الشفقة، تحاصرها كفريسة هشة تترجى الرحمة أمام عينيه الباردتين، وانبعث صوته الحاد كحد السيف عبر مسامعها:
عاوز ابني.
جحظت عيناها من الصدمة، نطقت بشبه همس مرتعش:
يعني إيه؟ أنت مالكش أي حقوق في عمر... دا ابني أنا!
بكل برود، أخرج من جيبه ورقة، مدّها نحوها بيد ثابتة، تجمدت أنفاسها وهي ترى شهادة ميلاد تحمل اسم داغر كأبٍ لعمر، نظرت إليه برعب، والصدمات تقرع في رأسها دون توقف، تساءلت بتلعثم:
إزاي عملت كدا؟
ابتسم داغر بسخرية جليدية:
بسيطة... طليقك راجل عملي جدًا وعارف مصلحته... اختار يحافظ على مهنته وسمعته... وأخذ شوية فلوس وساب البلد كلها.
حدقت ريهام فيه بعيون تملؤها الدهشة والغضب، لكنه لم يهتز، ألقى عليها نظرة مليئة بالاحتقار وقال بسخرية جارحة:
مشكلتك طول عمرك إنك ما بتعرفيش تستنضفي رجالة.
قال داغر ذلك بازدراء محتقر ثم عاد بخطواته الواثقة نحو قاعة الأفراح، تاركًا إياها تقف وحدها، متجمدة وسط دوامة من الارتباك والخوف.
عند مني
عادت فجأة إلى الحاضر على صوت باب المرحاض، وهو ينفتح ببطء، فرمشت بعينيها لتستعيد تركيزها، حين التفتت، وجدت نفسها وجهًا لوجه أمام عز، يقف بكامل رجولته، ملامحه المشدودة ونظراته العميقة تتحدث عن مشاعر كانت تخشى مواجهتها من جديد.
_أنت إيه اللي مدخلك هنا؟
سألت بصوت متوتر، وقد تجمدت في مكانها.
جاء ردّه هادئًا، ولكن عينيه كانتا تحملان شحنة كهربائية قوية، كألسنة نار تتراقص في عتمة روحها:
تفتكري إيه السبب؟
أجابته باستنكار محاولةً الحفاظ على تماسكها بصعوبة:
أنت واقف في الحمام الحريمي... إيه مش واخد بالك؟
اقترب منها أكثر، ورد بابتسامة جانبية تتراقص على شفتيه، تفيض بالتحدي والاشتياق، كأنما تهمس لها بأن المسافة بينهما مجرد وهم:
لا ماخدتش بالي كويس إنك نبهتيني.
_اخرج من هنا يا عز.
أمرت لكن صوتها كان أقرب إلى الهمس.
_قولي لي الحقيقة وإلا مش هطلع.
كان صوته مليئًا بالإصرار، مما جعل قلبها يخفق بشدة، لكنها حاولت أن تتجاهل التوتر الذي بدأ يزحف إلى أعصابها:
بلاش جنان ما ينفعش وجودك هنا اخرج.
_كأنك نسيتيني ونسيتي جناني.
_مين قالك نسيت؟!
أجابت مني بسؤال مندفع، مما جعله يقرب وجهه منها أكثر بشبح ابتسامة، وعينيه يلمعان بعزم لا يتزعزع، وبإلحاح هامس يشبه خفوت اللهب قال:
حلو أوي... يبقى عارفة إن لو انطبقت السماء على الأرض وحصلت فضيحة هنا...
برضه مش طالع إلا لما تردي علي سؤالي.
تراقص قلبها المفتون بين أضلعها من قربه المهلك، فتراجعت نحو حافة حوض الماء، لتعقد يديها تحت صدرها، وهمست بتذمر مستسلم:
سؤال إيه؟ قول وخلصني!
بخطوة واحدة كسر المسافة بينهما، قابضًا على عضدها، وبشراسة مشبعة بلهيب الغيرة تنساب بين أسنانه كأزيز النار هتف:
يطلع مين الواد الملزق دا اللي جايباه معاكي دا.. قصدك تجننيني مش كدا.. عاوزاني أصورلك قتيل!!
انفلتت من قيد قبضته، واندلع هتافها يعكس استياءها الواضح من حديثه:
لا.. أنت كدا اجننت رسمي!!!
نطقت بذلك ثم حاولت أن تمر من جانبه، لكن يديه القابضتين على كتفيها أضحتا كعائق لا مفر منه، مدمدمًا بصرامة:
ردي عليا.
_سيبني.
_مش على مزاجك يا منى.. دلوقتي حالًا عايز رد على سؤالي.
صوته الذي احتوى على نبرة الغضب، كان كالرعد الذي يتبع البرق، مستفزًا شعورًا متأججًا داخلها، لترد بنبرة متهالكة لكن في أعماقها كانت تعي أن تلك الكلمات تعكس صراعًا بين رغبتها في الاستقلال وعاطفتها الجياشة تجاهه:
ما يخصكش ومش هقولك.
_دا أنتي اتهبلتي بقى.. أنتي لسه على ذمتي يا هانم، أي حاجة تخصك تخصني.. فوقي مش معنى إني سيبتك شهرين تهدي فيهم وجيت على نفسي واستحملت بعدك عني بطلوع الروح.. يبقى خلاص تفتكريني هسمحلك تطلعيني من حياتك أو تعيشي على كيفك.
أخبرها عز بصوت عات كالأمواج الثائرة، تتسلل إلى أعماقها وتشعل نيران غضب دفين، لتنساب نبرتها كهمس حزين، يشبه أنينًا خافتًا، يكشف الألم دون أن يظهر انكسارها:
ما اتغيرتش يا عز.. ومفيش حاجة في الدنيا ممكن تخليك تبطل أسلوبك الهمجي دا.. بس أنا خلاص صبري عليك خلص ومش هصبر تاني.. من بكرة هروح للمحامي وهطلق منك.. طالما مش عاوز تطلقني بالتراضي.
شعر عز بجمرات الغضب تشتعل في عروقه كاللهيب، تحرقه بفكرة الانفصال عنها تمامًا، ليجذبها إليه حتى تلاشت المسافات وأنفاسه تداخلت مع أنفاسها، وهمس بنبرة مختنقة بعشق موجوع وغيرة لا تهدأ:
افهمي بقي.. أنا بموت فيكي.. وإنتي عارفة كدا بطلي تستفزيني بكلامك الغبي دا.. أنا مولع قدامك من غيرتي عليكي.
أشاحت منى برأسها عنه ببطء، تكابد بشق الأنفس تجاهل دفء قربه الذي يزيد من دقات قلبها، لكن ما بينها وبينه هو حبل مشدود بين الخوف من الافتتان والرغبة في الانغماس في بحر مشاعر لا تنتهي، وهمست بنبرة رقيقة مرتعشة، تخفي بين طياتها حنينًا عميقًا:
حتى لو بتغير عليا.. كل مرة نتخانق فيها كنت تجرحني بكلامك وبعدها تقولي أنا كنت متعصب وغيران.
أضافت منى بقوة غريبة، وهي تعاود النظر إلى عينيه، اللتين تلمعان وسط عواصف المشاعر كنجمتين ساطعتين في سماء حالكة:
بس أنا مش هسمحلك تاني تهيني وتجرحني.. وفي الآخر تعلق دا كله على شماعة أنا بحبك وبغير عليكي.. لو بتحبني كنت تحترمني وتقدر مشاعري مش تجرح وتبهدل فيا.
_ما هو إنتي مش هتحسي بحالي مهما وصفتلك قد إيه بحبك؟ قد إيه بتوحشيني؟! قد إيه مجنون بيكي؟ أنا روحي فيكي.. بغير عليكي حتى من الهدوم اللي ضماكي وأنا مش قادر آخدك في حضني.. ما بتحسيش ليه بالنار اللي بتحرقني.. أنا مولع من غيرتي عليكي من لحظة ما شوفتك داخلة القاعة مع ابن الـ*** دا.
أنهى عز جملته بانفعال عاصف، وانقض عليها كالموج العاتي، يغمر شفتيها بقبلة ملتهبة بالشوق والحنين.
حاولت منى التراجع، تقاومه بروح تفيض رفضًا واحتجاجًا، لكن ذراعيه أحاطتا بها بإصرار كقيد أبدي يشبه خشية الغريق من فقدان طوق النجاة، كأنه يخشى أن تتلاشى بين ذراعيه.
في تلك اللحظة، كان يتشبث بها كأنها الحياة ذاتها في أحلك لحظاته، يمتص من رحيقها بلهفة من يبحث عن خلاص في أعماق بحر هائج من الألم.
اختلطت أنفاسهما كأنهما يحاولان انتزاع بعضهما من قبضة اليأس المدمرة، ويده تمسد على ملامح وجهها، يلامس كل تفصيلة بها بتوق حار تجلى في صوته الأجش:
شهرين بعيدة عني يا منى.. دا كتير عليا.. حرام عليكي أنا بتصل بيكي كل يوم بحاول أوصلك.. وإنتي كل رقم تعمليلي منه بلوك.. ليه مش حاسة بيا.. أنا مش عارف أعيش وإنتي بعيدة عني.. مستعد أعمل أي حاجة بس تسامحيني.
نطق عز كلماته بنبرة تعبق بضعف جبار، يكمن خلفه صلابة تخفي جبالًا من القوة، كعواصف رعدية تمزق سماءً ملبدة بالغيوم، تخترق دفاعاتها الهشة بقسوة وتتصادم مع قرارها الصارم بعدم العودة إليه، لقد باتت العودة إليه حكمًا قاسيًا على كرامتها، وكأن الخضوع له نداء أخير، يطالبها بالتنازل عن كبريائها، وهي تكافح بألم لمنع قلبها من الاستسلام:
مهما عملت هتقدر تصلح اللي اتكسر جوايا.. هتقدر ترجعلي ثقتي في أنوثتي بعد ما أهنتها بكلامك وأفعالك.. هتقدر ترجعلي كرامتي اللي دستها برجلك.. هتقدر ترجعلي ثقتي في نفسي اللي اتدمرت بسببك.. والأهم من كل دا هتقدر ترجع الزمن وتنقذلي ابني يا عز.
كل كلمة منها اصطدمت بجدران قلبه، لتنخر في أعماقه بعنف، بينما أكملت منى بقلب يلتظى بالألم:
مصيبتي يا عز إن ما شوفتش دنيا غير بين إيدك كنت جنتي على الأرض ويوم ما خرجتني منها ضعت واكتشفت إني ما ليش حياة أصلًا فقررت أموت نفسي شوفت ضعف وذل أكتر من كدا.
_عارف إني اللي عملته ما كانش هين.. بس أنا ما حبتش ولا هحب في عمري غيرك لو فيها موتي ومستحيل أفرط فيكي ولا هخليكي تبعدي عني مهما حاولتي.
رفعت منى وجهها لتواجهه، ورغم ضعفها انبعثت شرارة من الإصرار في صوتها الرقيق:
أنت خلاص بعدتني عنك ومش من دلوقتي من بدري أوي يا باشمهندس وهفضل مصممة على الانفصال الرسمي.
قالت منى ذلك، ثم أبعدته عنها ثم خرجت بخطوات مرتعشة من الحمام، وقلبها يرتجف بين ضلوعها، متشبثًا به رغم الألم، فهي أقسمت في أعماقها على ترويض هذا الليث الجموح، متشبثة بعزيمتها كصخرة صلبة أمام أمواج عشقها العاتية، لن تسمح لضعفها أن يستدرجها للتنازل، بل ستبذل كل ما أوتيت من قوة لتثبت له أنها لن تتخلى عن حقوقها أو تنحني مجددًا، ستصمد حتى تخبو نيران غيرته التي تلتهم حصاد حبهما، حتى يجد في صلابتها ملاذًا يسكن إليه.
بعد مرور وقت لا بأس به.
تجلس إبريل في الكوشة، يديها متشابكة مع يد الطفل عمر الذي يقف أمامها، بينما ابتسامتها تنبض بالحنان والعذوبة:
ما شاء الله عليك يا قلب خالتك! أنت خطفت قلوب البنات كلهم بكل الأناقة والشياكة؟
رد الطفل بغرور بريء، يعكس ثقته بنفسه واعتزازه بمظهره:
عادي.. دي أقل حاجة عندي!
قبلت إبريل خده بقوة وحب، بينما أضافت بحماس:
يا لهوي على العسل يا حبيب قلبي!
تسلل صوتها الدافئ كنسيم رقيق إلى قلب الجالس بجانبها، مشعلًا في أعماقه شغفًا متأججًا، كأنها تعزف على أوتار روحه لحنًا عذبًا يأسر حواسه ولعًا، لكن عمر بتعبير متذمر طفولي اعترض:
كفاية بوس يا توتة خدي وجعني!
ضحكت إبريل بنعومة، وهي تقرص مقدمة أنفه بخفة، مضيفة بمشاكسة:
أعمل إيه بس؟ خطفت قلبي بحلاوتك يا مز!
تنهد باسم بحب لا يخلو من الجرأة:
يا بختك! مين قدك.. بكرة لما تكبر هتتمنى لو ترجع لأيام البوس أبو بلاش دا وما هتلاقيش!
عنفته إبريل بهمس مغتاظ:
بطل سفالتك دي.. دا طفل لسه صغير وبيلقط الكلام بسرعة.
المعت عينان عمر بتأثير، وقال بتساؤل:
لحد دلوقتي مش مصدق.. خلاص هتسيبني وتمشي من البيت؟
ضمته إبريل برقة وحنان، وكأنها تسعى لتبديد مخاوفه:
لا يا حبيبي مين دي اللي هتسيبك؟ أنت هتجيلي كتير وأنا هجيلك كمان!
عمر بحماس تساءل:
طيب هتخلوني أجي أشوف أمتى البيت الجديد؟
أجابته إبريل بهدوء:
قريب أوي يا روحي.. أول ما نرجع من السفر على طول هجيبك تشوف البيت.
رد عمر بفرح:
بجد؟
باسم مؤكدًا بثقة:
أكيد أنا وإبريل هننبسط أوي بوجودك عندنا في أقرب وقت مش كدا؟
أكملت إبريل الجملة محملة بحماسها:
مظبوط طبعًا.. دا إحنا هنتسلى أوي.. هنقضيها لعب مع بعض بالبلاي ستيشن زي ما أنت عايز!
صفق عمر بحماسة شديدة، وعيناه تتلألأ كالأحجار الكريمة:
يا سلام دا الكلام الحلو!
إلا أن إبريل بنبرة جادة لطيفة قالت:
بس أهم حاجة تسمع كلام ماما وخالو وتيتة وجدو.. وتهدي الشقاوة شوية، وتخلي بالك على نفسك ومن مدرستك.
وافق عمر بحذر:
حاضر بس أنتوا وعدتوني!
أكدت له إبريل، بينما دموع الاشتياق تهدد بالنزول من عينيها، تعكس عمق مشاعرها نحوه:
أكيد.. هنعمل كل اللي نفسك فيه سوا.
احتضنها عمر بشدة معبرًا عن حبه:
ميرسي يا توته.. بحبك أوي!
ربتت إبريل على ظهره بحنان وحب كبير:
وأنا بحبك يا روحي، وهتوحشني أوي.
في تلك الأثناء، جاء يوسف نحوهم، يحمل في عينيه لمحة من المرح، وقال لعمر بسرعة:
أنت واقف هنا وريهام عاملة تدور عليك.. يلا روح شوفها.
التفت يوسف إلى باسم بابتسامة واسعة مهنئًا للمرة التي لا يعلمها، لكنه مسرورًا لسعادة أخته:
ألف مبروك يا عرسان.
رد باسم بابتسامة عريضة خلابة:
الله يبارك فيك يا أبو نسب.
تابع يوسف بجدية:
مش هوصيك على إبريل تحطها في عينك.
احتضن كتفها بشغف، وقال بصوت يجسد صدق مشاعره العميقة، مما زلزل قلبها وجعله يرتجف خلف ضلوعها:
أنا حطيتها جوه قلبي.
يوسف حذره بحنان:
ماشي يا عم الحبيب.. خد بالك بلاش تكييف وهي نايمة بيتعبها.
ابتسمت إبريل بامتنان محب لنصيحته التي تحمل في طياتها عناية الأخ الأكبر، بينما قبلها يوسف على خدها بحب أخوي وقال بهمس:
هتوحشيني جدًا على فكرة.
أجابته إبريل بابتسامة مشرقة:
وأنت كمان يا يوسف، عقبالك يا حبيبي.
يوسف مازحًا:
يسمع منك يا رب! بس سلمي تلين دماغها وتوافق على البت.. والحق أخطبها قبل ما يجي اللي يلهفها وتروح مني.
إبريل بضحكة مرحة ومشاغبة قالت:
يبقى هتروح منك!
في هذه اللحظة، اقتربت وسام منهم مبتسمة وقالت:
إيه يا باسم يا حبيبي.. خد عروستك وروحوا على بيتكم، الساعة قربت على 12 بالليل.
أجابت إبريل بنبرة مضطربة:
لسه بدري يا طنط!
ردت وسام بابتسامة دافئة:
يا حبيبتي.. أنتم وراكم شهر عسل وسفر بدري الصبح.. يلا عشان تلحقوا ترتاحوا شوية!
قبل أن ينتهي الفرح، اقترب داغر بثبات واثق من الطاولة التي تجلس عليها ريهام وعائلتها، لمحت ريهام حضوره بملامح شاحبة، كأنها رأت ملاك الموت يقترب منها، في حين ظن عائلتها أنه جاء ليودعهم، لكن ما نطقه من بين شفتيه كطلقات نارية، جمدت الجميع في حالة من الصدمة المروعة، وريهام في مقدمة من سقطت عليها كلماته كالصاعقة:
أنا هاخد ابني يقضي معايا كام يوم يا ريهام.
تدحرجت عينا فهمي نحو ريهام عدم الاستيعاب، ثم انتقلت بنظرات مشوبة بالغرابة إلى داغر، كأنه يستفسر عن معاني الأمور التي تتجاوز فهمه:
ابنك مين يا داغر بيه؟
أشار داغر ببرود نحو الطفل الذي يجلس على قدم سلمي، وابتسم بابتسامة تتسم بالغطرسة:
هي ريهام لسه ما عرفتكوش إن أنا أبو عمر على العموم.. هي هتبقى تشرح لكم.. يلا يا حبيبي.. تعالى.
نهض الطفل، وسط نظرات الصدمة التي تملأ وجوههم، خاصة أن عمر بدا وكأنه يعرف داغر جيدًا ولا يمانع على الإطلاق في الذهاب معه.
_عمر.. تعالى هنا! أنت رايح فين؟
نادت عليه ريهام بصوت حازم يحمل نبرة قلق، فرد عمر ببساطة:
هروح مع بابا هو وعدني إنه هيخليني أقعد معاه في الإجازة.
ثم شرع الطفل في شرح كيف أن داغر طوال الأشهر الماضية كان يذهب إلى مدرسته، ويقضي معه وقتًا كبيرًا، وأن هذا كان سرًا بينهما كما أخبره والده، كان صوت عمر مفعمًا بالفرحة، بينما تتجلى سعادته في عينيه البراقتين، ولم يمانع عمر بل رحب بالحنان واهتمامه الكبير الذي غدقه به، مما صعق ريهام في مقتل، خاصة أمام نظرات عائلتها المشدوهة في حيرة من أمرهم حول ما يجري.
رواية جوازة ابريل الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم نورهان محسن
الفصل الثاني (فراشة حول اللهب) ج3
يا سيدة الأنفاس المختبئة بين ضلوعي،
هل تعلمين أنكِ تفتحين أبواب قلبي، زرًا زرًا، بنبضٍ يرتعش تحت أطراف أصابعكِ مثل السحرِ يجذبني إليكِ؟
كل خفقة من عروقكِ تنفجر في داخلي كالنار،
وكل نَفَسٍ يخرج من شفتيكِ يستهويني بقوة،
يجبرني على الاقتراب أكثر، لأتذوق ذلك الرهف المتمرد من بين عنادكِ الصخري.
في منزل باسم الشندويلي
دخلت إبريل بخطوات مرتعشة، وجودها معه بمفردها سيثير مشاعرها المتناقضة، لكنها تخفي ذلك تحت قناع من اللامبالاة، وتجنبت النظر إليه وإبداء التذمر لعلّه ينفر منها ويتركها وشأنها، حيث أن قلبها الخائن كان يكشفها بنبضاته المتسارعة، وهي لا تثق في قدرتها على التحكم بمشاعرها أمامه.
أما باسم فكان يتبع خطواتها بنظرة واثقة، يتعمد تأملها من بعيد، ملاحظًا كيف تمشي متعبة حتى استقرت على أحد الأرائك، لتنحني بجسدها المتعب وتفك حذاء الكعب العالي الذي أرهقها طيلة اليوم.
تنفست إبريل بعمق وقالت بلهجة ممزوجة بالراحة والتذمر:
"أخيرًا اليوم الطويل دا عدّى على خير وخلصنا!"
أطلق باسم ضحكة ماكرة متعمدًا أن يثير أعصابها، وصوته يحمل سخرية مفعمة بالحب:
"لا يا حلوة مخلصناش.. إحنا لسه بنقول يا هادي."
لم تبالِ للرد، فالتعب كان يغلبها على أن تدخل معه في جدال لا نهاية له، وقامت من مكانها، رافعة الفستان عن الأرض قليلًا، لتخطو حافية القدمين بخطوات مترددة نحوه، كعادته لم يفوّت الفرصة ليتلذذ بشذاها الخلاب الذي تغلغل في كيانه، فأغمض عينيه بلحظة خفية من الانتشاء المغرم، متمنيًا لو يبقى هذا العطر مسكونًا في أنفاسه، بينما حاولت أن تبدو غير مبالية، وتوجهت نحو حقيبتها القريبة من الباب، ثم حملتها لتسأله ببرود مصطنع:
"فين أوضتي؟"
أشار برأسه نحو باب على يمينها دون أن ينبس بكلمة، ثم حك أنفه بسرعة ليخفي ابتسامته، فخرج صوتها مهتزًا باستنكار:
"دي أوضتك أنت.. فين أوضتي أنا؟"
صحح لها باسم بحزم، مع تقطيب حاجبيه بانزعاج مصطنع:
"مفيش حاجة اسمها أوضتي وأوضتك.. اسمها أوضتنا!"
وضعت إبريل الحقيبة على الأرض، وتحدثت بنبرة متمردة:
"إحنا متفقناش على كدا."
رفع باسم كتفيه بتحدٍ، وتلاعبت ملامحه بتعبير مفعم بالثقة، مرددًا العبارة بنبرة خشنة:
"وهو إحنا كنا اتفقنا على حاجة؟ ما تلوميش حد غير دماغك الناشفة! مش أنا طلبت منك تيجي زي أي عروسة.. وتغيري العفش وتعملي الديكورات على ذوقك وأنتِ رفضتِ."
أثناء حديثه، أخذ يدور حولها ببطء، محاطًا بجاذبيته المهيبة كغيمة داكنة تكتنف الأفق، مما جعلها تشعر بالقلق والانزعاج، فهتفت بحدّة مضطربة:
"أنت بتحوم حواليا كدا ليه؟ وأيوة رفضت عشان ذوق الشقة كان عجبني زي ما هو.. بس ما جبناش سيرة أوض النوم في كلامنا..!!!"
التفتت إبريل إليه نظرة مليئة بالسخرية والتذمر، ثم أضافت مستاءة:
"وبعدين عايز تقنعني إن شقة طويلة عريضة زي دي.. ما فيهاش غير أوضة نوم واحدة.. أنت بتكلم بياعة قوطة على فرشة خضار!!!"
رفع باسم حاجبيه بتحدٍ مستفز، بينما كانت رماديتيه تتأمل ملامحها الجميلة بافتتان، متسائلًا بصوت منخفض:
"تفتكري اتنين عرسان هيحتاجوا أكتر من أوضة نوم ليه؟ ها يا روحي!!!"
همس باسم بها بنبرة آسرة، محتويًا ذقنها بين أصابعه، فانعكست على وجه إبريل ملامح الشك الممزوج بالخجل، وعبرت بسخرية لاذعة، وهي تدفع يده بعيدًا بتوتر:
"يعني مفيش أوضة للطوارئ.. للضيوف.. ولا بتسيبهم يناموا على الكنبة كدا؟!!!"
خطا باسم خطوة إضافية نحوها، مبتسمًا بابتسامة غامضة احتبست أنفاسها منها، بينما عيناه تتلألآن بمكر عابث، قائلًا بنبرة خافتة جريئة:
"ضيوفي ما بيلاقوش الراحة غير في حضني يا حبيبتي..."
شهقت إبريل بخفة وارتبكت لوهلة، تمالكت نفسها بنبرة تجمع بين الخجل والغيظ:
"احترم نفسك.. واتكلم جد شوية بقى."
"واحد عازب هيحتاج أكتر من سرير في البيت ليه يا إبريل؟"
توسعت ابتسامته مستمتعًا بمشاهدتها تهرب من نظراته، مثل فرسة جامحة تحاول الإفلات من خيالٍ يعرف نقاط ضعفها، وفي صمتها العاجز، أضاف بخبث:
"ناوية تقضي الليلة واقفة مكانك كده.. ولا تحبي أشيلك زي ما شيلتك يوم الموقع على كتفي.. بس برومانسية المرة دي؟"
تراجعت إبريل خطوتين بتوتر، وهي تلعق شفتيها، واتجهت لتجلس على كرسي السفرة، متظاهرة باللامبالاة رغم اضطراب نبضاتها المتزايدة بعنف من جراءته اللامحدودة:
"ممكن تبطل البواخة دي."
اقترب باسم منها، ليجلس على حافة الطاولة بتمهل واضعًا مرفقيه على فخذيه، وبنبرة تكاد تمزق أسوارها الدفاعية همس:
"فيها إيه لما أشيلك؟ مش العريس بيشيل عروسته الليلة دي؟ ولا لسه بتتوتر مني؟"
ابتلعت إبريل ريقها، مستشعرة اهتزازات توتر تعصف بمعدتها، وسألت بثبات نسبي:
"وأنا هتوتر ليه؟"
انحنى باسم أكثر نحوها حتى أصبح فمه على بُعد أنفاس بسيطة من أذنها:
"ما أعرفش وإحنا لوحدنا... بحسك متوترة بزيادة."
التفتت إبريل إليه فجأة، لتجد وجهه قريبًا من وجهها بشكل يكاد يعطل عقلها، وعيناها تعلقتا بعينيه للحظات، قبل أن تفر بنظراتها إلى الأمام، متلعثمة بصوت منخفض:
"لا.. أصلًا مفيش حاجة فيك بتحرك أي إحساس جوايا بالتوتر يعني."
تململ باسم بابتسامة جانبية:
"بجد؟"
"أيوة!"
أجابت إبريل بإصرار، لكن اضطراب حركتها يمينًا ويسارًا بعشوائية فضحها فأطلق ضحكة جذابة، وقال بهدوء:
"خلاص.. مصدقك."
أراح باسم يده برفق على كتفها، مقترحًا بنبرة هادئة تعكس الاطمئنان:
"بالمناسبة.. لو حابة تاخدي شاور؟"
انتفضت إبريل بسرعة فارتطمت ركبتها بالطاولة، وأمسكتها بتألم، ولا شعوريًا استندت على فخذه، في حين هو بقي متسمرًا، يراقبها بعينين تعكسان حرارة غلفت جسده، وعندما التفتت مجددًا، ووجدت وجهه قريبًا، تراجعت قليلًا مترددة، فخفضت كفها عن فخذه، لتجد نفسها تجلس على قدمه، نظرت له مذهولة، ليتمتم بصوت يشتعل بشغفه الجارف لها:
"زي ما قلت لك.. أنتِ متوترة.. وبتوتريني معاكي كمان."
نهضت إبريل عنه وتراجعت خطوتين إلى الوراء، تتملكها مشاعر الحرج، بينما ابتسم لها بدعابة وحنان مردفًا:
"وبعدين ما كنتش أقصد حاجة من اللي دماغك.. يعني بقول إن كل واحد فينا بعد اليوم الطويل دا محتاج دُش يريحه ولا إيه؟"
أغمضت إبريل عينيها متنهدة بقوة دون أن ترد، محاولة تفريغ شحنة التوتر المتراكمة داخلها، وبعد لحظة من الصراع الداخلي، تحركت باستسلام نحو غرفة النوم، تسحب حقيبتها الضخمة على المزلاج خلفها، وهي تهمس في سرها بكلمات لاذعة بسبب تلاعبه الذي أثار حنقها.
توجهت إبريل إلى الحجرة الصغيرة المخصصة للملابس، ذات التصميم الزجاجي الذي كان يعكس نور الغرفة الخافت، لكن شيئًا ما عاق حركتها، استدارت برأسها لتجد فستان زفافها قد تشبث بطرف الباب الجرار، فحاولت جذبه بحذر، لكنها لم تنجح.
في تلك الأثناء، دخل باسم، وهو يفك ربطة عنقه، وألقى بها على الأرض بإهمال، محدقًا في مشهد الفستان العالق، ثم أكمل سيره موجهًا حديثه إليها بنبرة ملؤها الشماتة لا تخلو من العجرفة:
"خدي بالك لا يتقطع.. أنا دافع فيه دم قلبي."
نفخت إبريل بغضب، ثم ردت عليه بعناد متمرد:
"خليه يتقطع ما يهمنيش.. أنا أصلًا مش طايقة الفستان دا عليا وكارهة أفضل بيه أكتر من كدا.. وما هصدق أقلعه وأرميه بعدها في الزبالة!!"
زم باسم فمه وهو ينزع سترة البدلة، عازمًا على التعامل معها بنفس أسلوبها، ثم صاح بنبرة مشوبة بالسخرية:
"وأنا كمان كاره البدلة دي.. والليلة كلها كانت حجر على قلبي.. يلا خلينا نرميهم في زبالة واحدة."
أنهى جملته ليرمي السترة عليها بقوة، شهقت إبريل بتفاجؤ مكتوم من حركته السخيفة، لتبعد السترة عن وجهها وشعرها الذي تبعثر، ثم ألقتها بقهر مغتاظ على الأرض، وعادت تحاول جذب الفستان مرة أخرى.
من خلفها هتف بحنق لاذع، وهو يرفع مرفقه على الرف بجانبه:
"طلعت روحي طول اليوم معاكي.. وأنتِ التماثيل اللي في المتحف فيهم روح عنك."
توقفت يديها عن الحركة، وعينيها اتسعتا بنظرة مستنكرة نحوه، ولاحت ابتسامة مبهمة على شفتيها، ثم حدقت نحو الفستان، وسحبته بقوة لتخرجه من أسره، قائلة بنبرة ناعمة خبيثة:
"تصدق.. شفقت عليك يا مسكين.. ويا ترى ناوي تطلقني إمتى عشان ترتاح من المجهود الجبار دا؟"
قال باسم بلامبالاة مزيفة:
"ما قدمناش غير الصبر يا مراتي الحلوة.. مش يمكن أنتِ اللي ما تقدريش تستغني عني ثانية واحدة؟"
اعترضت بإصرار مغتاظة من عجرفته وثقته:
"ما أظنش إن دا هيحصل."
"هعمل نفسي مصدقك مؤقتًا.. لحد ما الأيام تثبت العكس."
"طب ممكن تتفضل عشان أغير الفستان؟"
"لو تحبي أساعدك.. ما عنديش مانع."
"باسم!! اخرج برا عشان أنا بدأت أتوتر بجد."
تهربت إبريل بانزعاج خجول من براثن جراءته، وهي تعقد ذراعيها تحت صدرها، بينما اتسعت ابتسامته المهلكة لتفصح عن استمتاعه الشديد بالموقف:
"ماشي.. هسيبك تاخدي راحتك."
هكذا تحدث باسم بضحكة، وهو يسير نحو باب الغرفة، ثم أخرج المفتاح من القفل، وتابع بابتسامة لاذعة:
"بس عشان دماغك الحلوة ما توزكيش.. هخلي المفتاح معايا."
دبت إبريل بقدميها في الأرض غيظًا بعد خروجه، قبل أن يقع بصرها على ثوب نوم فيروزي على علاقة خشبية مغرٍ جدًا وذو ذوق فريد، مفرود بعناية على السرير، فشعرت بحرارة تصعد إلى وجنتيها، متذكرة جرأة باسم في اختياره.
استحضرت في ذهنها ذلك اليوم حينما اشتراه لها، وكيف اندلعت بينهما مشاجرة لطيفة عندما أبدت اعتراضها على جرأة الثوب.
Flash back
في سيارة باسم قبل الفرح بعدة أيام
لم تكد إبريل تستعد للنزول حين أوقفها صوته الهادئ:
"قبل ما أنسى.. استني."
استدارت إليه بحيرة،
وعلامات الاستفهام تتلألأ في عينيها:
في إيه؟
مدّ باسم يده نحوها بكيس مصنوعًا من ورق مقوى ذي لون بيج دافئ، متمتمًا بنبرة هادئة:
اتفضلي.
أخذته ابريل بتردد، وتساءلت بفضول متوجس:
إيه دا؟ في إيه جواها؟!
-هدية بسيطة، افتحي وشوفيها بنفسك.
لم تشعر بالارتياح تجاه تلك الابتسامة الجانبية التي ارتسمت على فمه، إذ أثارت في أعماقها أمواجًا من الشكوك والتوتر، سرعان ما استسلمت لفضولها، وبأطراف أصابعها أخرجت قميص نوم مثيرًا، مصنوعًا من قماش الدانتيل الشبكي، بلون أزرق مخضر يتمايل بتدرجاته مع لون عينيها التي ازدادت اتساعًا من الصدمة.
اشتعلت في قلبها نار من الحياء، وتسللت حرارة قوية إلى وجهها المحتقن، لكن ببراعة رسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، قائلةً بإعجاب:
واو، إيه اللون الحلو دا؟!
زوى باسم حاجبيه بتعجب مشوب بالشك، فقد كان يتوقع ردة فعل معاكسة تمامًا، لكنه سألها بخبث مثير:
عجبك ذوقي؟ تخيلته عليكي لما شوفته، ومتأكد هيبقى يخبل على جسمك الحلو.
استمعت ابريل إلى مغازلته الجريئة، ووجنتاها تتقدان بخجل عارم، ولم تستطع أن تبعد نظرها عن القميص الذي بين يديها بذهولٍ يغمرها، ثم خفضت رأسها وابتسامة غامضة تتسع على شفتيها الرقيقتين، مما جعله يتابع:
وعلى فكرة جبت الطقم كامل.
-وأنت اشتريته إمتى دا؟
ضغطت ابريل على شفتها السفلى، ثم سألت بنبرة تحمل غموضًا، فأجاب بابتسامة كسولة:
وأنت بتقيسي بروفا الفستان يا حبيبتي...
-عجبني لونه، حلو قوي يا باسم، ميرسي ذوقك حلو.
-يشبه عيونك الحلوة.
قال باسم بصوت مبحوح مفعم بلهيب الهيام، بينما أخذت تحدق في القميص لفترة، ثم وضعته داخل الكيس مرة أخرى لتناولته إياه برقة أسرت لبه:
ممكن تمسك كدا، هاخد شنطة من الكرسي اللي ورا عشان أحطه فيه.
ضغطت ابريل على حقيبة يدها بقبضة متوترة، ثم انقضت عليه فجأة كالعاصفة، تضربه بها بقوة، وهي تهتف بصوت يختلط فيه الغضب بعدم التصديق:
بقى جبتلي بيبي دول يا سافل يا متحرش!
صاح باسم بإنشداه، وهو يرفع ذراعه أمام وجهه، محاولًا صدّ ضرباتها الثائرة:
اتحولتي كدا ليه؟ ما كنتي حلوة!!
تكلمت بازدراء من بين أنفاسها المتقطعة:
والله أنت ما شوفتش تربية في عمرك ثانيتين على بعض.
أحاط باسم جسدها بذراعه، بينما جذب حقيبتها من يدها بقوة ورماها بعيدًا بلا مبالاة، فدفعت صدره بقبضتيها محاولة الابتعاد عنه، لكن ذراعيه كانت كالسلاسل، محاولًا الحد من حركاتها الخرقاء، بينما انفجر في ضحكة خفيفة تعكس مرحه واستمتاعه باللحظة التي استغلها لصالحه:
أخيرًا جئت في حضني بكيفك! ومتحرش إيه يا ملسوعة؟ أنا جوزك!!
ازداد غيظها من وقاحته، فرفعت يدها لتجذب شعره بغل، فصاح بألم:
لا لا، كدا هتعوريني يا مجنونة.
هدرت ابريل بسخط:
أنت لسه شوفت جنان؟ تتجرأ تعمل كدا إزاي؟
باسم بصرامة طفيفة:
عملت إيه يعني؟ هي جريمة أنت مراتي، واعقلي بقى إحنا في العربية.
ابريل بنبرة خفيضة لا تخلو من الحدة:
المسخرة دي تروح تديها لواحدة من اللمامة اللي بتعرفهم.
ربت باسم على ظهرها برفق، متمتمًا بهدوء نسبي:
خلاص اهدي وخدي نفسك، أنت مش عارفة تجمعي كلمتين على بعض.
-خلاص ابعد عني، أنت ماسكني كدا ليه؟ أوعى كدا!!
نطقت ابريل بها بنبرة مرتجفة، بينما قلبها يقرع بسرعة كأنما يحاول النجاة من أسر احتضانه الدافئ، لكنه همس لها بنبرة غارقة في الإغواء:
خلينا شوية، أنا كدا مرتاح قوي.
-أوعى، سيبني بقولك!
-مستحيل.
همس باسم بكلمة واحدة تهاوت لها روحها كسيول عارمة، غمرت مقاومتها الضعيفة، وانسابت في عروقها كعطر مثير، تنسج خيوط السحر حول قلبها، اقترب منها تدريجيًا، حتى اختلطت أنفاسهما في أنشودة من الهيام، وبنعومة حارة لامس شفتيها، ملتهمًا إياها بشوقٍ وعشقٍ يعصف بكيانها، حيث نيرانه الملتهبة تصهر كل ما تبقى من تمردها الهش، فتجعلها كفراشة تحوم حول لهب، مأسورة بوهج شغفه.
تسرّبت ابتسامة خجولة إلى شفتيها رغماً عنها، متمنيةً لو أن قلبها لا يخفق بهذه السرعة كلما تذكرت حنان ودفء مواقف هذا العابث معها.
في منزل فهمي الهادي:
-مش قادر أصدق! إزاي! إزاي بنتي تطلع بالقذارة دي؟ إزاي عرفتي تقرطسينا كلنا وأولهم جوزك النطع السنين دي كلها! ويطلع عمر ابن راجل تاني غير جوزك؟ إزاي كنتي قادرة ترفعي عينك في وشنا وتكدبي علينا بالبجاحة دي؟ انطقي؟!
صرخ والدها بصوت عالٍ اهتز له جدران المنزل، وكلمات غضبه تحولت إلى شظايا تنفجر حول ريهام، التي وقفت أمامه خائفة ومرتبكة، بينما دموعها تتساقط على وجنتيها في محاولة يائسة للدفاع عن نفسها بنبرة مبحوحة:
يا بابا، كان في ظروف، أنا كنت لوحدي، أسعد عمره ما فهمني ولا كان بيعاملني على إني مراته وليا حقوق عليه، اللي حصل دا كان غصب عني!
تدخل يوسف الذي لم يكن ليبقى ساكنًا أمام ما يحدث، اقترب منها، ووجهه يحمل مزيجًا من الصدمة والاحتقار، ورفع يده وهوَى بها على وجهها بقسوة:
لسه ليكِ عين تتكلمي.
تجمدت ريهام في مكانها بمزيج من الألم والفزع، ويدها تلمس خدها، ليقوم بإمساك ذراعها بقوة، فاهتزت من قوة قبضته العنيفة، أضاف بنبرة حادة كخنجر، وعينيه تشتعلان بنيران الغضب:
هي الخيانة ليها عندك تبرير كمان يا***.
حديثه جرح كرامتها، نظرت إلى والدتها لعلها تنجدها، لكن الأخيرة كانت مشغولة بمواجهة ثوران زوجها الذي جلس على المقعد هادرًا بانفعال:
طول عمرك طايشة ومش شايفة غير نفسك، وأمك بوظتك بتربيتها ليكِ!
-إيه يا هانم مش سامعلك حس؟
قالها فهمي ساخرًا، وعيناه تغليان بالاستهجان، وهو يحدق في زوجته، فتفوهت باضطراب:
جرى إيه يا فهمي أنت هتجيب اللوم عليّ دلوقتي! أنا مربية بنتي أحسن تربية و...
قاطعها فهمي بصرامة متهمًا إياها:
اسكتي مش عاوز أسمعك لا أنت ولا بنتك، أنت اللي فسدتِها بدلع فيها!
-أرجوك يا بابا أنا محتاجة ابني! أنا ما أقدرش أعيش من غيره!
توسلت إليه بنبرة مليئة بالمرارة، ودموعها تسيل على وجنتيها الملطختين بالكحل الأسود، بينما هو فقد أعصابه تمامًا، وهدر بها بقسوة لاذعة مرة أخرى:
بأنهي عين هأقف أقوله عاوزين الولد بعد ما أنقذنا من إفلاسنا وبقى شريكنا في كل حاجة؟ هأرفع عيني في عينه إزاي بعد انهاردة وهو كاسرنا وكله بسببك.
اجتاحت قسمات وجه يوسف غضب جامح من هذا الحديث، بينما قبضته يعتصرها بعنف لا إرادي، وهدر بحدة، بينما خطواته تقترب منها كإعصارٍ لا يعرف الرحمة، مشعلًا داخلها فتيل الخوف:
أنا هأقتله وأقتلك يا ريهام.
أوقفه صوت أبيه الذي انفجر كصاعقة عنيفة:
اخرس يا يوسف، مش عاوزين جنان وفضايح، كفاية المصيبة اللي وقعت فوق دماغنا يا بني.
وجه حديثه إلى ريهام بحسم قاسٍ:
اسمعي ما فيش من انهاردة خروج ولا شغل ليكِ، ومن اللحظة دي هتتحبسي في أوضتك ومش هتخرجي إلا بإذني.
يوسف تنبه على كل اللي في البيت، ما تعتبش برا باب أوضتها لما نشوف هنعمل إيه في الوحلة اللي غرقتنا فيها؟
قالها بنبرة قاسية، نُزعت عنها تلك الألوان المشرقة، وأصبح وجهها شاحبًا مع شعور بالندم.
رواية جوازة ابريل الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم نورهان محسن
يوسف تنبه علي كل اللي في البيت .. ماتعتبش برا باب اوضتها لما نشوف هنعمل ايه في الوحلة اللي غرقتنا فيها ؟!
قالها بنبرة قاسية ، نُزعت عنها تلك الألوان المشرقة ، وأصبح وجهها شاحبًا مع شعور بالندم.