عقد خالد ما بين حاجبيه وقال: –هو صوت الخناقة اللي شغالة برا دا في شقتنا ولا الجيران صوتهم عالي لدرجة وصلّت لهنا؟ ردت شهد بعصبية قائلة: –تلاقي قليل الذوق صاحبك، هو أنا تايهة عنه؟ خرجا الاثنان لمعرفة ما حدث، وجدت شهد هالة واقفة مقابلة أدهم تتشاجر معه وتتحدث بعصبية: –أنا أخويا ألف واحدة تتمناه، ابقى روح اتعالج يا معقد يا ضيق الأفق! تابعت بهدوء قائلة: –بس لو وافقت إنهم يرجعوا لبعض أكون شاكرة ليك جدًا والله.
وقف خالد وسط الردهة محاولًا فهم ما حدث، ابتسم بتوتر ملحوظ وهو يجلس صديقه قائلًا: –اهدأ يا أدهم، إيه اللي حصل لكل الزعيق دا؟ رد أدهم بنبرة حادة تملؤها الغيظ من تلك الماثلة أمامه بشموخ وكأنها لم تفعل شيئًا. بعد مرور عدة دقائق استطاع العروسان تهدئة الأجواء نوعًا ما. ما زال أدهم يهز ساقه كنوع من العصبية المفرطة، بينما كانت هي تحدقه بنظرات حادة يتطاير منها الغضب والشر. تنحنح خالد وهو يقول بهدوء:
–ما تصلوا على النبي يا جماعة، كدا في إيه؟ ردد الجميع في آن واحد بخفوت: –عليه أفضل الصلاة والسلام. سألتها صديقتها قائلة بتوجس: –مالك يا لولو؟ مضايقة ليه؟ هو دكتور أدهم زعلك؟ دا حتى دكتور أدهم راجل ذوق. لكزها زوجها في كتفها لتحسن تعبيراتها، تأوهت بخفوت وهي تنظر لصديقتها التي تبرر سبب عصبيتها قائلة: –ما فيش يا ستي، كل دا عشان بقول له إنه متحكم في أخته وكل يوم والتاني يفرق بينها وبين أخويا الغلبان. وجه أدهم سبابته
تجاهها وقال بنبرة حادة: –الشيء ده ما يتكلمش خالص، أنا لما بسمع صوتها بتعصب. وقفت هالة عن مقعدها بهرولة وهي تقف أمامه آمرة إياه بالاعتذار وسحب إهانتها قائلة: –لو سمحت اسحب إهانتك دي، أنا مقبلهاش نهائيًا ولازم تعتذر. ثم أنا ليا يا أستاذ! ابتسم أدهم ابتسامة سمجة وهو يقول بهدوء حد الاستفزاز مصححًا: –دكتور، أنا دكتور مش أستاذ يا هالة. ردت بنظرات تحدٍ وكبرياء قائلة بنبرة لا تقل عن نبرته:
–الدكتورة هالة، دكتورة في إدارة الأعمال والحاصلة على المركز العاشر في أكتر ميت مؤثر على مستوى مصر. رد خالد بعقلانية وقال: –يا جماعة مش كدا، في إيه؟ المفروض إنكم كبار وعاقلين، مالكم بس!
تابع حديثه وهو يدفعه برفق على المقعد. هوى أدهم بجسده على المقعد، ونظراته لا تبرح تلك الماثلة بشموخ وعناد لا يعرف حتى الآن من أين أتت به. بدأت الأوضاع تهدأ شيئًا فشيئًا، ما إن سردت هالة ما يحدث لأخيها وكم الحروب الذي خاضها ليفوز بقلب شقيقة أدهم. ومن الجهة الأخرى من نفس المكان كان أدهم يعارضها بين الحين والآخر. وصلا العروسان خالد وشهد أخيرًا إلى حل يرضي جميع الأطراف ووافق عليه أدهم قائلًا بنبرة صارمة:
–أنا موافق بس بشرط الدكتورة دي متدخلش في أي شيء تخص أختي ولا تدخل لها بيت، ومن هنا لحد ما جوازة أخوها تتم يفضل تبعد تمامًا عن أي تفاصيل تخصهم. أنا أخاف على أختي و... وثبت هالة عن مقعدها وقالت بنبرة مختنقة إثر البكاء الذي منعته بأعجوبة حين قالت: –متقلقش يا دكتور، أنا مستحيل أدمر بيت اتنين بيحبوا بعض، واحد منهم أخويا والتانية صاحبتي. التقطت حقيبتها بعنف ثم غادرت المكان. نظر خالد لصديقه وقال بعتاب: –ليه كدا يا أدهم؟
أما ليك حق بجد، ملقتش إلا هالة؟ طب دي أطيب خلق الله والله. رد أدهم بعصبية وقال بتوتر: –أنا عارف بقى يا خالد، أنا قلقان من كتر الكلام اللي بيتقال عنه. ردت شهد وقالت بجدية قائلة: –كان أقول معاك حق في كلام وأعذرك لو أنا معرفش هالة، بس هالة دي صديقة الطفولة واتربينا مع بعض. متصدقش يا أدهم أي حاجة بتتقال، شوف بعينك واحكم بنفسك. رد أدهم وقال بضيق: –أيوه بس إزاي كل اللي اتجوزتهم مش حلوين فيها وهي اللي ملاك؟
معلش مع احترامي ليكي بس الموضوع فيه حاجة غلط. ردت شهد قائلة بهدوء: –لا غلط ولا صح، الموضوع وما فيه إن هالة اتجوزت اتنين، ابن عمها كانت بيحبها وبيحب نفسه، اختار نفسه وخسر هالة. بس لما طلبت منه يبعد عنها عشان مستحيل ترجع له، تقبل كدا جدًا. التاني لأ، التاني قالها ياتكوني ليا يا متكونيش لحد أبدًا. وبدأ بقى شغل قلة الأدب ورمي البلا، ومرضتش تقول لأخوها عشان ما يضرش مركزه. رد خالد وقال بهدوء:
–من الآخر كدا يا أدهم، صوابعك مش زي بعضها. زي ما جه اللي احترمها، جه برضه اللي بهدلها. من الآخر هي اللي ظلمت نفسها بنفسها. ختم حديثه قائلًا: –ومتزعلش مني يا أدهم، مافيش راجل في الدنيا هايقبل إن راجل غريب يقوله تدخل مين بيتك ومين لأ. لا و مين الناس دي؟ أهله اللي هي أمه وأخته. طب بالذمة تأمن على أختك معاه إزاي بعد كدا؟ دا أنت المفروض تقلق يا دكتور يا متعلم يا فاهم، بس أقول إيه دبش في كل تصرفاتك وكلامك والله.
وقف أدهم عن مقعده متأففًا من عتاب صديقه والذي على ما يبدو أنه لن يتركه الليلة حتى يهدر بصوته متأسفًا لتلك هالة. غادر المكان بخطواته الواسعة والسريعة قبل أن يفصل رأسه عن جسده. توقف أمام المصعد الكهربائي في انتظاره. حاول خالد أن يعتذر له عن ما بدر منه، لكنه رد بهدوء وقال: –مش زعلان والله يا خالد، أنا مضايق بس. على العموم ليك زيارة تانية غير دي، دي مش محسوبة. سلام.
غادر قبل أن يسمع رد صديقه. خرج من المصعد متجهًا نحو سيارته، وجدها تستند عليها وهي تكفكف دموعها بظهر يدها. تردد في بادئ الأمر أن يقترب منها، لكنه حسم تردده بخطواته الهادئة تجاهها. وقف وقال بجدية وهو يضع يده في جيب سرواله: –اتفضلي أوصلك. عقدت ساعديها أمام صدرها ولم ترد عليه. كرر عرضه لكن رأسها تحولت لحجر صوان لا يلين. جلس على حافة السيارة وقال بتساؤل: –طب أنتِ واقفة ليه هنا؟ ردت هالة بنبرة مغتاظة قائلة:
–وأنت مالك يا بارد؟ إيه التطفل دا! أنا مش سبتلك المكان كله ومشيت، جاي ليه ورايا بقى يا بارد؟ رد أدهم وقال بغضب مكتوم وهو يغمض عينيه بقوة: –يا صبر أيوب، أنتِ ليه لسانك طويل كدا؟ تابع بنفس النبرة وقال: –ثم اللي ركنة عليها دي أصلًا عربيتين. نظرت هالة للسيارة ثم عادت ببصرها له وقالت: –بقى العربية دي بتاعتك أنت؟ مع إن شكلك يقول شحاتها. وقف أدهم وهو يشير بسبابته وقال بنبرة مغتاظة:
–تصدقي أنا غلطان إن واقف معاكي، بتكلم واحدة زيك. اتجه نحو باب سيارته واستقل وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة يسبها. كاد أن يغادر لكنه أطل برأسه عبر النافذة وقال: –ها، تيجي أوصلك ولا هتفضلي مستنية التاكسي اللي طلبيه ومش راضي يعبرك؟ رفعت ذقنها بشموخ وقالت بعناد: –لأ. رد أدهم بنبرة مغتاظة: –أحسن، وفرتي والله. سارت بخطواتها الواثقة بعيدًا عنه. نظرت للجرو الذي يقترب منها، قام بتحذيره والرعب يدب في أوصالها قائلة: –امشي، امشي.
سارت بخطوات أشبه بالركض محاولة الفرار منه، وقبل أن تطأ خطوة أخرى وجدت مجموعة كبيرة تفوق جسد ذاك الجرو الذي تركته. عادت للوراء بخطوات متعثرة. نظر لها وجدها تقترب منه. طرقت على زجاج السيارة وقالت: –أستاذ أدهم، أنا قبلت عرضك خلاص. رد أدهم وقال بابتسامة سمجة مصححًا اللقب: –الدكتور أدهم. –طب يا دكتور أدهم وصلني من فضلك. أشار أدهم بيده تجاه الباب المجاور لبابه وقال: –اتفضلي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!