الفصل 9 | من 11 فصل

رواية هالة و الادهم الفصل التاسع 9 - بقلم هدي زايد

المشاهدات
14
كلمة
4,456
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

خرج إبراهيم بعد أن أمر أخته بالذهاب دون أن تعقب على حديث عم ليالي. نظر أدهم له وقال بهدوء: –أنا التزمت الصمت احترامًا لحضرتك، لكن اللي حضرتك عملته دا أنا مش راضي عنه. العم وقال بنبرة متغطرسة: –أنت بتغلطني يا أدهم؟ خرجت ليالي من حجرتها وقالت بضيق: –أدهم مش قصده يا عمي، بس برضه حضرتك مكنش ينفع تقول كدا لإبراهيم وأخته. قاطعها بنبرة حادة وصوت مرتفع: –أنتِ بتقولي إيه؟ يا بنت؟ وبعدين مين دا اللي أنتِ بتدافعي عنه؟

دا حتة محامي لا راح ولا جه. بص لنفسك و لمركزك، شوف أنتِ مين وعمك يبقى مين؟ وقف أدهم عن مقعده لينهي الجدال وقال بنبرة هادئة على النقيض لما يحدث بداخله: –هي ليالي أحمد الشرقاوي بنت أحمد الشرقاوي الموظف البسيط اللي كان شغال في مصلحة الضرائب، وأمها الست نوارة الخياطة اللي ضهرها اتقطم لحد ما علمتنا وبقينا دكاترة. نظر له وقال بابتسامة واسعة:

–عمنا بقى الدكتور أدهم الشرقاوي، الدكتور العظيم، الرجل العصامي اللي بدأها من الصفر، ودلوقتي بقى عنده أكبر مستشفى في مصر واسمه من أكبر وأهم دكاترة مصر. ختم حديثه قائلاً: –أختي لو هي اللي موافقة على العريس، فأنا هعمل دا وأنا راضي. ولو قابلة تعيش معاه في أوضة تحت السلم وهي راضية، أنا كمان راضي. –أنت بتتحداني يا ولد؟ –أنا بعمل اللي يريح أختي. أنا لو عشت لها النهاردا مش هاعيش لها بكرة. رفع سبابته وقال بنبرة حادة:

–طب اسمع بقى، لما أقول لك لو اختك اتجوزت الولد دا، لا أنت ابن أخويا ولا أعرفك. رفع أدهم رأسه بشموخ وهو يضع يده داخل جيبه وقال: –شرفت يا عمي، وياريت تبقى تشرفنا دايما، وطبعًا تبلغنا قبلها. غادر العم منزل أبناء أخيه والشر يتطاير من عيناه. ماذا يفعل ليكسر أنف أدهم؟ فهو من المتمردين عليه من وجهة نظره. يحاول بشتى الطرق كسبه في صفه، ولكن الأخير لا يريد ذلك ويعي جيدًا ما يريده العم. نظرت ليالي لأخيها وقالت بضيق:

–مكنش ينفع تطرد عمك يا أدهم، هو مكنش قصده حاجة. رد أدهم وقال بغضب مكتوم: –أنتِ مستوعبة كويس أنتِ بتقولي إيه؟ ولا بتحاولي تجملي اللي حصل؟ عمك لا هو عاوز يحافظ على جوازتك دي زي ما بيقول، ولا هو فعلًا العم الحنون اللي بيخاف على مصلحة ولاد أخوه. دا واحد أناني مش عاوزنا نخرج من تحت طوعه ونفضل طول عمره تحت جناحه، عشان كدا بيطفش في عريسك بحجة أخته وجوازاتها اللي مبتكملش. ردت ليالي وقالت بنبرة حزينة قائلة:

–طب وهتعمل إيه دلوقتي؟ –في إيه؟ –في عمك؟ –ولا أي حاجة. واعملي حسابك محدش فينا رايح المستشفى تاني ولا هنشتغل تاني هناك. –عشان كدا كنت مصمم تعمل شغل خاص بيك. –طبعًا. جلست على المقعد وقالت بنبرة مختنقة: –طب وإبراهيم؟ نظر لها أدهم وقال بتساؤل: –بتقولي حاجة يا لولو؟ ردت ليالي نافية. تابعت بإحباط وهي تقف عن مقعدها وقالت: –أنا هقوم أرتاح شوية، أنا تعبانة.

غادرت الردهة قبل أن يسألها سؤالًا آخر، لكن تملك منها اليأس والإحباط. نظرات الشفقة والعطف كانتا تشعان من أعين أدهم. ود لو يستطيع مساعدتها، لكنه يريد أن تنعم أخته بالراحة بدلًا من الشقاء بعيدًا عن تلك الهالة. ***

أسبوعًا كامل مر على الجميع لم يحدث فيه شيء جديد سوى نجاح إبراهيم المستمر وإلحاقه بالنيابة العامة. كان يسعى لهذا المنصب منذ أشهر ولم يخبر أحد ظنًا منه بأنه لن يناله. الوحيدة التي كانت تعرف هي هالة. قررت أن تقف بجانبه كما فعل معها بالسابق. رفضه المستمر جعلها تخطط في أكثر من طريق حتى يحصل على ليالي.

توقفت أمام العيادة الخاصة بشقيقها الأخيرة. ترددت في بادئ الأمر خوفًا من هذه الخطوة، لكنها قررت أن تكمل ما بدأته. طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها. جلست على المقعد المقابل لمكتبه. كاد أن يتحدث، لكنها ردت بهدوء مصطنع: –أنا دفعت حق الكشف وجيت لك النهاردا مخصوص بعد ما فشلت أوصلك عن طريق تليفوناتك وأي حاجة ممكن تخليني أعرف أوصل لحضرتك. التزم الصمت حين تابعت حديثها قائلة بتوتر:

–أنا عارفة إن اللي هاحكي ما يخصش حد غيري، بس أنا بحاول أسعد إبراهيم زي ما هو دايمًا بيعمل معايا. فـ ارجوك اسمعني. –اتفضلي، سمعك. كانت جملته بمثابة الثلج الذي هبط على تلك النيران المتأججة داخلها. ناهيك عن ابتسامته الخفيفة التي زادت من توترها وهي تقول:

–طبعًا الكل عارف إني اتجوزت مرتين، ولكن اللي محدش يعرفه إني في المرتين مظلومة. سيبك من الكلام اللي اتقال لأن الكذب مافيش أسهل منه. ربنا قادر يجيب لي حقي وهو سامع ومطلع على كل أذى اتأذيت من اللي اتجوزتهم. نظرت له وقالت بنبرة مختنقة:

–ربنا مكتبش إني أخلف منهم، وعرفت في المستقبل حكمة ربنا سبحانه وتعالى. وراضية والحمد لله. بس لأن صوابعك مش زي بعضها، ربنا وقعني في واحد حبه ليا اتحول لكره. معرفش إزاي بعد ما انفصلت عنه اتكلم عليا بالسوء وبحاجات مليش علاقة بيها من الأساس. تنهدت بعمق وهي تختم حديثها بابتسامة مريرة:

–عم حضرتك كان الدكتور اللي أخدني عنده طليقي محمود، ومحمود دا حاليًا بيتابع معاه حمل مراته الجديدة. وطبعًا مش محتاجة أحكيلك إيه هو شغل الضراير. نظرت له وقالت برجاء: –والله العظيم لا أنا ولا أمي موافقين إننا نعيش مع إبراهيم أصلًا، واتفاجئنا زينا زيكم بالظبط. وافق عليه. وإن كان عليا أحلف لك على مصحف ما هدخل بيت أخويا لحد ما أموت. كفاية عليا أشوفه مبسوط مع الإنسانة اللي اختارها قلبه.

لحظات من الصمت التام كانت تسود المكان. تنفس بعمق وقال بهدوء: –أنا طبعًا مش حابب دي تكون علاقتكم بـ أخوكي الوحيد، ولا أنا أرضاها على أختي. ولكن أنا آسف، بس أخوكي تخلى عن أختي ومفكرش حتى في حل وسط يرضي جميع الأطراف. تفتكري دا أنا هأمن على أختي معاه؟! –أخويا عمل كدا عشان بيحبنا ومن كتر حبه فينا مفكرش غير بالشكل دا. صحيح تصرفه غلط، بس هو برضه معذور. هو مش ذنبه إن أهله بيحبوه أكتر من نفسه. رد أدهم وقال بهدوء شديد:

–ولا ذنب أختي تاخد واحد مبيحاولش يعمل عشانها الممكن!! ختم حديثه قائلاً باعتذار وهو يقف من خلف مكتبه وقال: –شرفتيني يا مدام هالة. كان نفسي أساعدك، بس للأسف طلبك مش عندي! وقفت عن مقعدها وهي تتابعه بعينيها وهو يتجه نحو باب الحجرة وقالت: –لو بتحب أختك، سيب لها هي القرار. دي حياتها هي. هتف أدهم لمساعدته الجالسة بالردهة. أتت على الفور وقالت بأدب: –نعم يا دكتور؟ –رجعي للمدام تمن الكشف. –حاضر، ثواني. –أرجوك فكر.

رد أدهم وقال باعتذار: –أنا آسف، بس حقيقي أخوكي مسبليش أي شيء أفكر في دا. حتى مفكر يجي لي نتفق بعيد عن عمي!! أتت المساعدة ووضعت النقود بين أدهم ثم غادرت المكان. نظر أدهم لها وقال: –نورتي العيادة، وياريت متعمليش الحركة دي تاني طالما مش في إيدي أساعدك. نظرت هالة له وقالت بيأس: –كنت فاهمة إنك هتساعد أختك اللي بتحبها زي ما بتقول، لكن للأسف طلعت أناني وحابب تخليها جنبك. كادت أن تغادر المكان، لكنها عادت وقالت:

–آه، أختك بتحب إبراهيم ومش هتتجوز غيره. وطول ما أنت مش موافق عليه، هي هتفضل جنبك. وبالنسبة لتمن الكشف، أنا خدت من وقتك ودا تمنه. متشكرة مرة تانية. *** في منزل إبراهيم. كانت هالة ترص الصحون الفارغة على المائدة بينما كانت والدتها تعد وجبة الغداء. ولجت هالة المطبخ وقالت بنبرة مغتاظة: –وابنك بقى بايخ أوي. كل ما أقوله تعال نتمشى يقولي تعبان يا هالة، مخنوق، سبيني لوحدي دلوقتي. ردت والدتها بنبرة متعاطفة مع ولدها وقالت:

–لي حق يا حبيبي، ملحقش يفرح. رفعت رأسها لأعلى وقالت: –أدعي عليك بإيه يا محمود، وأنت فيك كل العبر. –لا تدعي عليه ولا على غيره، ربنا يبعدهم عنا وخلاص. –هو لسه بيضايقك برضه؟ –وطي صوتك هيما يسمعنا. دا مش راضي يسبني في حالي خصوصًا بعد فركشة خطوبة هيما. –طب روحي نادي أخوكي وقولي يلا الغدا جاهز. –حاضر. داخل غرفة إبراهيم.

كانت تراسله ولم يرد على رسائلها. لم تتركه منذ ذاك اليوم. كان يجلس القرفصاء مسندًا بذقنه على ركبته. ولجت وجلست بجانبه. لم يشعر بها حتى قالت له: –ياااه، دا أنت في آخر الدنيا يا هيما؟ –في إيه يا هالة؟ –أبدًا مافيش، كنت بقول لو ينفع يعني نتمشى شوية أنا وأنت بعد الغدا أكون شاكرة ليك بجد. –معلش يا هالة، تعبانة ومش قادر، وكمان عندي شغل بكرة بدري.

–كدا يا هيما، ماشي شكراً. من يوم ما بقيت وكيل نيابة، وأنت لا بتخرجني ولا بتفسحني، وكأنك بتتكسف تمشي جنبي!! نظر لها وقال بضيق: –إيه الهبل اللي بتقول دا؟ أكيد طبعًا مش كدا، بس أنتِ عارفة إني بقى عندي مسؤوليات أكبر وشغل أكبر. ردت هالة بإصرار قائلة: –طب لو زي ما صحيح ما بتقول، تعال نتمشى النهاردا بعد الغدا. –خليها بكرة. –مش هاينفع. –ليه؟ –عشان عندي شغل كتير وهبقى مشغولة جامد أوي. كرر جملتها محاولًا تقليدها قائلًا:

–جامد أوي. تابع بجدية وقال: –حاضر يا ستي، بعد الغدا أبقى آخدك ونتمشى شوية. *** في المساء. كانت تشير بيدها تجاه إحدى اللوحات وقالت برجاء: –أنا نفسي أشوف الفيلم دا، تعال نتفرج عليه. –يااه يا هالة، فيلم يعني تلت ساعات وأنا هلكان وعاوز أنام بجد. –لو معجبنيش همشي، مش مهم نكمل، عشان خاطري دا رومانسي وصدقني هايعجبك، تعال بس.

ما فعلته وما سوف تفعله من المؤكد لن يمر على عقله كمحامٍ سابق يعرف ببواطن الأمور وتلك التمهيدات جيدًا. لن ينكر بداخله أنه كان يتوق شوقًا لرؤيتها. لا يعرف أن يبقى أم لا، ولكن قلبه أمره بالبقاء. جلس وتظاهر بالجمود وهو يشاهد أحداث الفيلم. نظرت ليالي له وقالت: –فعلاً الحب موجود، بس في الأفلام. إنما الحقيقة كله كلام في كلام. تجاهل حديثها، بينما هي اغتاظت منه فقررت أن تسأله بنبرة مغتاظة:

–جيت ليه لما أنت تتقمص دور الكومبارس!! –والله أنا لو أعرف الحركات العيالي دي ما كنت جيت. تابع بنبرة ناعمة: –بس أقول لك على حاجة؟ دي أحلى حاجة عملتها هالة. كان نفسي أشوفك بجدارة. ردت ليالي وقالت بنبرة معاتبة: –ما هو واضح بأمارة اللي حصل. –اللي حصل غصب عني. أهلك عاوزني أرمي أهلي وهما ملهمش غيري. تفتكري رد أي حد عاقل كان هيبقى إيه؟ ردت ليالي قائلة:

–كان هيبقى حل وسط يرضي جميع الأطراف ويأكد إنك عاوزني. مش من أول ما حطوا شروطهم تقولهم بنتكم مش عاوزها!! ابتسم وقال باعتذار: –في دي عندك حقك. حقك عليا. –بعد إيه يا بيه؟ ما خلاص شكلك بقى زي الزفت قصادهم وفاهمين إنك مش شاريني. –دا أنا أبيع الدنيا كلها وأشتريكي. –دا كلام متأسفة مش هصدقه. أنا عاوزة فعلًا. إيه الفيلم بدأ من بدري؟ فاتني كتير؟ أردفت هالة عبارتها المتسائلة، وبين يدها الذرة المقرمشة. جلست بينهما

ثم نظرت لهما وقالت بفضول: –إيه مالكم؟ ساكتين ليه؟ هو أنا جيت في وقت مش مناسب؟ إبراهيم وقال بنبرة مغتاظة: –تقريبًا! *** بعد مرور يومين. كانت ليالي جالسة المقعد تتناول وجبة الغداء مع أخيها. وبداخلها تردد شديد في أن تتحدث معه وتُمهد لحبيبها من جديد. لاحظ هذا التردد أدهم لكنه تجاهله تمامًا. تنهدت بعمق قبل أن تتحدث بهدوء: –إبراهيم عاوز يجي يتقدم يا أدهم. رد أدهم وقال بهدوء: –وبعدين؟ –هو إيه اللي وبعدين؟

ولا قبلين. إبراهيم حاسس إنه اتسرع في رده وعاوز يجي يتقدم من تاني. –ويا ترى لسه مصمم على نفس طلبه ولا غيره؟ –أدهم، اعتقد إنك أنت وإبراهيم نفس الشيء، وإن لو حطيت نفسك مكانه هتلاقي تصرفك نفس تصرفه. تنكر دا؟ –طبعًا لأ. بس أنا على الأقل مش جبان عشان أسيب الإنسانة اللي بحبها وأقول لأهلها مش عاوزها!! ردت ليالي وقالت:

–إبراهيم خانه التعبير يا أدهم، وأظن هو مش قصده المعنى الحرفي للكلمة. فبلاش نعلق شماعة الغدر والجبن والكلام اللي ملوش لازمة. أعاد أدهم بجسده للخلف وقال بهدوء: –ليالي، أنتِ عاوزة إيه بالظبط؟ ردت ليالي بنبرة مختنقة: –عاوزك تدي له فرصة تانية وتكون راضي عن جوازي. التزم الصمت، بينما هي كانت تناجي ربها بأن يمر الأمر على خير. تنهد بعمق وقال: –خليه يجي يوم الخميس الساعة خمسة. تابع بجدية مصطنعة قائلًا:

–ولو اتأخر دقيقة واحدة، مش هحدد مواعيد تانية. أنا حذرتك أهو. ثبتت ليالي عن مقعدها وقالت بسعادة غامرة: –ربنا يخليك ليا يا أحلى دومي في الدنيا كلها. كانت تغمره بقبلاتها السريعة والمتتالية، بينما كان هو يحاول التملص من عناقها الشديد له.

هرعت نحو حجرتها لتخبر إبراهيم. ظل ينظر لمكانها والابتسامة لا تفارق شفتاه. فاق على صوت رنين هاتفه، وجده صديقه يخبره بموعد السفر الذي حدده ليتسلم وظيفته الجديدة بألمانيا. أنهى حديثه معه وعلى أن يمد له المهلة أسبوعًا فقط لا غير حتى يستطيع إنهاء كل شيء. *** في مساء يوم الخميس.

كانت ليالي تقرأ الفاتحة وهي جالسة بجوار إبراهيم. الفرحة التي تجتاح قلبها لا تقدر بثمن. وأخيرًا مر اليوم بسلام وانتهت المراسم على خير. وافق أدهم على مضض بأن الخطبة ستة أشهر كحد أدنى، بينما كان إبراهيم يشعر بطول المدة. وبسن هذا وذاك ربحت كفة أدهم وتمت الموافقة النهائية. أتى موعد السفر وليالي لا تكف عن البكاء. رغم فرحتها لأخيها بهذا العمل الجديد، إلا أن هذه المرة تعتبر الأولى في ابتعادهم عن بعضهما البعض.

وعدها بأن عودته قريبة ليتمم زواجها من إبراهيم.

خلال الستة الأشهر لم تشعر بأنها بمفردها. كانت هالة شبه مقيمة معها في المنزل. على الرغم من ترقيتها في عملها الجديد والذي يتوجب عليها أن تثبت جدارتها، إلا إنها لم تتخلى عن أخيها في أدق تفاصيل حياته ومساعدته في كل شيء يخص المفروشات والأثاث. لم يتركها محمود تنعم بحياتها. قرر أن تعود له أو لا تبقى على قيد الحياة. هددها كثيرًا مرارًا وتكرارًا، لكنها لم تلتفت لمثل هذه التهديدات. حتى سئمت ليالي من اللامبالاة التي تتعامل بها مع ذاك البغيض.

نظرت لها وقالت بنبرة حادة: –هالة، أنتِ ليه ساكتة على اللي محمود بيعمله؟ بلغي عنه، كفاية بهدلة فيكي لحد كدا. أنتِ خايفة منه؟ –أنا خايفة على أخويا منه، خايفة إبراهيم يخسر كل حاجة بيسعى ليها بقاله شهور بسبب واحد زيه. وبعدين هو هيعمل إيه يعني؟ دا بيحبني ومستحيل يأذيني، هو بس عشان مش عارف يرجع لي بيقول كلام وخلاص.

كلمات طمأنت بها قلبها قبل ليالي. لا تعرف إن كان سيفعل هذا بالفعل أم لا. غادرت عيادة تلك الأخيرة وفي طريقها للعودة إلى المنزل.

استوقفها محمود محاولًا تخويفها، لكنها كانت صارمة معه. حاول جذبها من ذراعها، فقامت بصفعه وبدأت تتشاجر معه، حتى أخرج من جيب سترته زجاجة من مادة كيميائية تشوه الجلد في ثوانٍ معدودة. كاد أن يوجه فوهة الزجاجة في وجهها، وبحركة عفوية منها انقلب تجاهه هو. ابتعدت وصرخاتها تدوي المكان بالتزامن مع صرخاته. هرع أحد الواقفين تجاه منزلها ليخبر أخاها. طرقات على الباب الخشبي. قام بفتحه. هتف الشاب بسرعة:

–الحق اختك هالة يا هيما. محمود رمى عليها مية نار وشوه لها وشها عند البيت المهجور. دقائق أم ثوانٍ، لا يعرف إبراهيم بالتحديد كم الوقت الذي اتخذه حتى يصل إلى هناك حافي القدمين. وقف مقابلتها محاولًا فهم ما حدث. نظرت له بأعين دامعة والخوف يدب في أوصالها، بينما قال هو بذعر: –مالك؟ في إيه؟ ردي عليا؟ بعد مرور عدة ساعات.

تم نقل محمود إلى المشفى والقبض على هالة بعد اتهامه لها بشكل مباشر. بدأت التحقيقات تأخذ مجراها. انقلب السحر على الساحر وفقد هو جزءً من وجهه بسبب تلك المادة التي أذبته. بينما هي حتى الآن لم تستوعب أنها كانت ستفقد وجهها أو بصرها بسبب ذاك محمود. علم أدهم ما حدث. ثورة من الغضب انتابته وهو يخبر أخته بعصبية شديدة قائلًا: –مش قلت لك الناس دي بتاعت مشاكل!! أخته ماشية بمية نار، هتعمل معاكي إيه؟ –أفهمك إيه بس يا ليالي يا ليالي؟

أنا قلبي مش مطمن من ناحية الناس دي. أرجوكي افسخي الخطوبة. يعني إيه مش هاتفسخي؟ لأول و لآخر مرة بقولك الناس دي ملكيش علاقة بيهم. أنا نازل مصر وأنا بنفسي اللي هقول لإبراهيم مش عاوزينك. ومش بس كدا، كمان هتيجي معايا ألمانيا. سلام. بعد مرور أسبوع. كان أدهم جالسًا في غرفة الضيوف الخاصة بمنزل إبراهيم. وضع علبة المصوغات والهدايا ثم قال باعتذار: –ربنا يوفقك يا إبراهيم مع حد تاني. –هي ليالي اللي قالت لك كدا؟

–أنا أخوها الكبير وأنا أدرى بمصلحتها. –معلش يا أدهم، بس إيه سبب فسخ الخطوبة؟ –أنا آسف، بس كلامي مش هايعجبك وأنت عارف كدا كويس. أختك هالة شكلها بتاعت مشاكل وأنا خايفة على اختي من المشاكل. لقد تعلم إبراهيم الدرس جيدًا، فقرر أن يتحلى بالصبر حين قال: –بس أختي النيابة برأتها وسجنت محمود. –أنا آسف لتاني مرة، بس أنهي نيابة دي؟ النيابة اللي أنت واحد منهم، فطبيعي يجاملولك. –يجاملوني!! أنت فاهم أنت بتقول إيه؟

–أستاذ إبراهيم، من فضلك كفاية لحد واسمح لي أمشي. رد إبراهيم قائلًا بعصبية: –لا مش هاسيبك تمشي وأسيبك تفهم كلام عني وعن أهلي غلط ومحصلش. خليني إن النيابة جاملتني زي ما بتقول، كمان الشهود والكاميرات اللي في الشارع بتجامل؟ مشكلتك إيه؟ مش فاهم ليه كل حاجة تحصل تقول اختي!! مع إنها أطيب خلق الله ودايمًا في حالها. ليه حكمك المتسرع دا؟ وقف أدهم وقال باعتذار: –أنا آسف يا إبراهيم. تفهم خوفي وقلقي على أختي.

رد إبراهيم وقال بعصبية: –لا مش متفهم. عشان اختي كانت شبه مقيمة مع اختك، مفكرتش ليه تأذيها؟ إيه العجرفة اللي في كلامك دي وإيه الأسلوب دا يا أخي؟ دا إحنا كلنا عباد الله. غادر أدهم منزل إبراهيم أسفل ناظريها. لا تعرف مالذي تفعل حتى تحسن صورتها في نظره لأجل أخيها، بينما كان إبراهيم يهشم كل ما طالته يده. بعد مرور أسبوع كامل.

كانت هالة في حفل زفاف صديقتها المقربة تقف وسط الجمع تصفق كما يفعل المدعوين. تدندن وهي تقترب من صديقتها. راقت للمصور فبدأ يسلط الضوء عليها، حتى لاحظ شقيق العريس فسأله بجانب أذنه: –تقرب لكم دي؟ –دي صاحبة العروسة. ولم نفسك بقى عشان أخوها وكيل نيابة وهي دكتورة في إدارة الأعمال، يعني حاجة على مستوى عالي. نظر له المصور وقال وهو يقطم التفاح: –وإيه يعني؟ ما إحنا كمان عالين وعندنا رتب وناس عالية عالية يعني.

تابع بغمزة من عينه قائلًا: –ما تشوفلنا أخبارها إيه كدا؟ يمكن تفرح بيا قريب. أشار بسبابته وقال: –مش هتناسبك. دي كانت متجوزة مرتين واطلقت وتقريبًا مبتخلفش. رد المصور وقال: –يا خسارة الحلو مبيكملش. عارف لو خسرت صاحبتي بسبب صاحبك اللي كل يوم والتاني يكسفنا مع العرايس دا هعمل فيك إيه أنت وهو يا خالد؟ قالت عبارتها شهد وهي تقف أمام الموقد تعد قدحان من القهوة، بينما داعب خالد خديها وقال بنبرة خافتة:

–ولا تقلق يا جميل. أنا قلت له إن العروسة دي آخر عروسة هاجيبها لك عشان دي تبع مراتي ومراتي هتر ميني قبلك بسبب صاحبتها. كاد أن يذهب ليفتح باب الشقة، لكنها استوقفته قائلة بهمس: –خلي أدهم هو اللي يفتح لها يا بيبي. خليك ناصح. –أيوه صح، معلش أصل نسيت. وقعتيني في حبك إزاي؟ –خااالد!! –أنا آسف. كملي. المفروض يحصل إيه دلوقتي؟ ردت بحماس قائلة:

–هالة هتدخل هتتفاجئ بأدهم. هتسأله إن كانت غلطت في الشقة ولا إيه. هو بقى هايقول لأ دي شقة صاحبتك. فتدخل. تكلم وارد خالد وقال بنبرة ساخرة: –حيلك حيلك يا حبيتي. دا أدهم صاحبي وأنا عارفه دا. لولا كنت صاحبه من أيام الكدية، كنت قلت عليه آخرس يعني اللي حصل معانا مستحيل يحصل بـ…. عقد ما بين حاجبيه وقال: –هو صوت الخناقة اللي شغالة برا دا في شقتنا ولا الجيران صوتهم عالي لدرجة وصلت لهنا؟ ردت شهد بعصبية قائلة:

–تلاقي قليل الذوق صاحبك. هو أنا تايهة عنه؟ خرجا الاثنان لمعرفة ما حدث. وجدت شهد هالة واقفة مقابلة أدهم تتشاجر معه وتتحدث بعصبية: –أنا أخويا ألف واحدة تتمناه. وابقى روح اتعالج يا معقد يا ضيق الأفق. تابعت بهدوء قائلة: –بس لو وافقت إنهم يرجعوا لبعض أكون شاكرة ليك جدًا والله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...