لكزته هالة في كتفه و قالت بنبرة مغتاظة: -تصدق إنك رخم. رد محمود بنبرة لا تقل عن نبرتها: -أنا بردو اللي رخم بعد كل اللي عملته دا؟! حملت هالة ذيل ردائها الأبيض و قالت بجدية: -بصراحة أنت تعبت و تعبت جامد كمان، بس جيت في الأخر و عكيتها بكلامك دا! وقف محمود مقابلتها و قال بنبرة حانية و نظراته لا تبرح خاصتها: -نورتي بيتك يا هالة، بيتك اللي حلمت سنين و صبرت سنين عشان يجمعنا سوا. أكادت أن ترد على كلماته لكنه قاطعها قائلًا
بتوسل: -ارجوكي خليني اتكلم، أنا مش عايز اسمعك قد ما عاوزك تسمعيني. أنا فضلت كاتم حبك جوايا عشر سنين بحالهم يا هالة، عشر سنين لا بهدأ و لا بيرتاح لي بال، و أنتِ مع حد تاني. أنا جوايا نار محدش بيحس بيها غيري أنا يا هالة، نار واحد حب و مطالش اللي بيحبها. خفض بصره و هو يحتوي كفيه بين راحتيه و قال:
-أنتِ كنتي حلم بعيد، بعيد أوي يا هالة، بعيد لدرجة إني كنت متأكد إنك مستحيل تكوني ليا، بس ربنا قالي لأ، مافيش مستحيل و إن اللي بيصبر بينول. رفعت هالة كفيها محتضنة وجهه بين راحتيها و الإبتسامة لا تفارق شفتاها: -أنا حبيبت نفسي من كتر حبك فيا، أنا مهما اتخيل إني في حد ممكن يحب حد، مش هتخيل حبك ليا. حاوط خصرها و هو يقترب منها و السعادة تُنير وجهه ثم قال: -و مين يعرفك و ما يحبكيش.
عانقها ليطمئن حاله بأنها ماثلة أمامه، ربتات خفيفة ربتتها على ظهره. حدثت نفسها بسعادة على عوض الله لها. الزيجة الثانية لها اختارتها بعقلها و ليس قلبها، و على ما يبدو أن اختيارات العقل أفضل بكثيرٍ من القلب. بعد مرور شهرين. لم يحدث شيئًا جديد يذكر سوى تردد هالة لطبيب النساء و التوليد للمرة الثانية على التوالي، رغم عدم رغبة محمود في ذلك إلا إنه وافق لأجلها.
جلس جوارها على المقعد بعد أن طلب من مساعدة الطبيب أن تتعجل في دخولهما. همس بجانب أذنها و قال: -الدكتور دا شاطر أوي، أنا امي ولدتني عنده بعد ما قطعت الأمل. مكنتش حابب نكشف دلوقت، بس إصرارك و عياطك خلوني اسمع كلامك. ربتت على كفه بهدوءٍ عكس القلق الذي يسود قلبه قبل قلبها. لحظات ثم أمرتهم المساعدة بالدخول.
ولج محمود و خلفه هالة. جلست على المقعد تاركة زوجها يصافح الطبيب بحرارة، على ما يبدو أنه على علاقة قوية تربطهما ببعضهما البعض. جلس على المقعد المقابل لزوجته بينما ابتسم الطبيب قائلًا: -مبروك على الجواز، مع إنها جت متأخرة، لو كنت أعرف كنت جيت الفرح من غير عزومة. أنتِ متعرفيش محمود دا غالي عليا ازاي. ابتسمت بتوتر له و قالت: -الله يبارك في حضرتك يا دكتور. سألها بعملية قائلًا: -خير، بتشتكي من حاجة؟
تلعثمت من فرط توترها و لم تستطع الإفصاح عن شئ، بينما رد محمود بعفوية: -إحنا عاوزين نعرف بس الدنيا أخبارها، بقالنا شهرين و لسه…. رد الطبيب و قال: -شهرين إيه يا راجل اللي جاي بعدهم و تقول تعرف الأخبار؟ إنتوا لسه عرسان. -لأ، ما هو أنا كنت متجوزة قبل كدا يا دكتور أدهم، و قعدت عشر سنين من غير حمل. أردفت هالة عبارتها بعد أن استجمعت شجاعتها، بينما استمع لها الطبيب بكل حواسه. حرك رأسه و قال بتفهم:
-طب أنتِ كنتي بتتعالجي من حاجة، عملتي اشاعات و تحاليل قبل كدا؟ ردت هالة و قالت: -أيوه، عملت كل حاجة تخطر على بال حضرتك، بس كل الدكاترة أكدت إني اخلف، و جوزي السابق بردو خلف، لكن إحنا مع بعض ما ينفعش نخلف. -اه فهمتك تمام. ضغط على زر الاستدعاء الممرضة التي أتت على الفور. أشار لها و قال بهدوء: -مع المدام، حضريها.
حركت هالة رأسها علامة الإيجاب. بينما وقف محمود داهشًا مما يحدث، لا يعرف مالذي يقصده الطبيب. ستتعرض من جديد لتلك الكشوفات المحرجة. دقائق و ولج الطبيب ليبدأ أولى مراحل الكشف. لم يمر أكثر من خمس دقائق و غادر الدكتور أدهم الحجرة. أشار بيده تجاه السرير الآخر و قال: -خلينا نطمن على الرحم و نشوف إيه الأخبار.
رفعت هالة بصرها للأعلى لتنعكس صورة الرحم على شاشة التلفاز. تسارعت نبضات قلبها و هي ترى الطبيب صامتًا يباشر عمله في هدوءٍ تام. لم تتحمل الصمت الذي يحدث فبادرت هي بالسؤال قائلة: -خير يا دكتور؟ رد ادهم و قال: -لا خير إن شاء الله، أنا شايف إن مافيش أي حاجة تمنع. وقف عن مقعده و قال: -إحنا كدا اطمنا على الرحم و الحوض و الحمد لله كويسين. جلس على مقعده من جديد و قال حين سألته: -هو حضرتك ها تكتب لي على منشطات؟
و لا تحاليل جديدة؟ رد ادهم و قال بهدوء: -خلينا نصبر شهرين تلاتة كمان، إنتوا لسه صغيرين و مافيش حاجة تمنعكم، ليه نتجه للعلاج من دلوقت؟ دا غير التوتر و القلق اللي أنتِ في دا سبب رئيسي في تأخير الحمل و بيأثر على الهرمونات. ترك القلم و قال بجدية و هو ينظر لمحمود: -طب يا محمود أشوفك عن قريب إن شاء الله. خرج محمود و هالة و بداخل كلاهما قلقًا تجاه شئ لا يود أحدهم الإفصاح عنه في ذلك الوقت.
بعد مرور أسبوعًا كاملًا من زيارة الطبيب، لم يحدث شيئًا جديد يذكر. وفاة والدة حمزة و ذهاب هالة إلى بيت عمها لقضاء واجب العزاء. وافق محمود على مضضٍ و رافقها حيث منزل عمها. ولجت البيت اسفل أنظار حمزة الذي كان يصافح محمود و هو يحاول أن يمنعه رأهُ عند طبيب النساء الدكتور أدهم مع امرأة أخرى، ليس هو نفس الذي يأتي مع زوجته السابقة. جلس محمود لدقائق معدودة ثم غادر معتذرًا من إبراهيم لتعب والده الذي أتى فجأة.
كانت والدة هالة جالسة جوار ابنتها تطمئن عليها بنبرة هامسة. حدثتها بهمس قائلة: -حماكي تعبان و جوزك راح له، واجب تروحي تزوريه. ردت هالة قائلة بذات النبرة: -محمود محرج عليا، مرحش هناك و قالي اقطعي رجلك من هناك بعد آخر خناقة حصلت هناك، ما أنتِ عارفة. ردت والدتها بإصرار قائلة: -دا حاجة و دا حاجة، روحي، عيب كدا، دا مهما كان حماكي و هايزعلوا لو مرحتيش. ابقي خلي إبراهيم يوصلك بعد العزا. -خلاص بقى، ابقى اروح أنا و خلاص لوحدي.
******* على الجانب الآخر. كان محمود جالسًا جوار جدته يعارض من يتحدث في حق زوجته. لم يعجبها تصرفات حفيدها. اغتاظت من معارضته قائلة: -البت دي ساحرة لك و هو أنت بردو محمود اللي نعرف. ردت والدة محمود و قالت: -أيوه، هما بتوع اسحار، ماهي كانت عاملة كدا في جوزها الأولاني، اومال هو اتحملها ازاي من غير خلفة؟
دا حتى لما ربنا شال الغشاوة اللي عينه كرمه بواحدة زي الفل و حملت، و هي وقعت في ابني و بتعمل معاه نفس اللي عملته مع اللي قبله. ردت جدته قائلة بتأييد: -و لما بتغلط مابيشوفش غلطها!! و يقلك مراتي مبتغلطش، يعني إيه مراتك مبتغلطش يا محمود؟ يعني أنا كدابة؟ -لا أنتِ مش كدابة يا ستي، و مراتي مبتغلطش فعلًا، و ااااه يا عيني. ردت الجدة بفزع قائلة: -مالها عينك يا واد، إيه اللي حصل؟ رد محمود قائلًا:
-جناح مراتي دخل جوا عيني يا ستي. ضربته الجدة في كتفه و قالت: -و كمان ليك نفس تهزر!! تنهد محمود و قال: -من الآخر كدا يا ستي، عاوزة إيه؟ ردت الجدة قائلة: -عاوزة مراتك ياحبيبي، تعرف إنك متجوز بنت عمك و إن جاي لك عيل في السكة، و لا بنتنا في حاجة غلط لا سمح الله عشان كدا مدراين عليها؟ وقف محمود عن مقعده و قال بعصبية مفرطة: -لا متفقناش على كدا، و كان شرط اساسي على ابوي إن هالة متعرفش، إيه اللي جد بقى؟ ردت زوجة محمود قائلة:
-اللي جد يا حبيبي إن أنا مراتك، و زي ما هي ليها أنا ليا. -و أنتِ ناقصك إيه بقى؟ -ناقصني إنها تعرف إني مراتك، و لا أنا مش حقي امشي معاك و اقول للناس كلها دا جوزي؟ و بعدين هي تقبل مش كفاية إنك قبلت بيها و هي مبتخلفش!! عندك حق، فضل كبير منه عليا، و أنا حقيقي مش عارفة اشكرك ازاي على الجميل دا يا محمود. أردفت هالة عبارتها و هي تتحامل على نفسها بعد ما وصل إلى مسامعها تلك الحقيقة المُرة:
-أنت اتجوزت بعد جوازك من هالة بأسبوعين بس، لا ليك حق تزهق بردو. تابع و هو يمسك بيد هالة و قال: -إحنا هنمشي دلوقت، و لما تخلص خناقتك مع اهلك تعال لي عشان نتفاهم على رواقة. كادت أن تغادر المنزل لكنه استوقفها قائلًا: -هالة اقسم بالله ابويا ضغط عليا، أنتِ متعرفيش عمل إيه عشان اتجوزها، دا دا عمـ… قاطعه إبراهيم و قال: -يا جدع عيب، رضا الولدين واجب، و رضا إبراهيم و اخته أهم واجب. سلام بقى دلوقت.
غادر إبراهيم و هو يمسك بيد اخته التي كادت أن تفقد وعيها لكنها تحاملت على نفسها. وصلت إلى منزل والدتها التي كادت أن تموت إثر صدمتها الجديدة. وقف إبراهيم عن مقعده بعد أن أخذت مفاتيح شقة أخته و قال: -أنا ماشي بقى، ابقي حضري العشا على ما اجي. خرج من بيته متجهًا نحو منزل شقيقته الذي يبعد عنه بما يقارب الخمسة عشر دقيقة. وقف على باب الشقة و قال:
-يلا يا رجالة، شيلوا كل العفش اللي هنا، متخلوش مسمار في الشقة، حتى الصور اللي على الحيطة، عاوزكم تشيلوها، و يبقى يوريني بقى هايعمل إيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!