بعد مرور ثلاثة أشهر من التأجيل لرؤية هالة بناءً على طلب إبراهيم، قرر أن يذهب دون اتصال مسبق. ذهب هناك ليعرف بما لا يود أن يسمعه من أخيها أو حتى هي. الوضع بات يسوء أكثر من ذي قبل. تريد أن تتركه وحده. من أين أتت بهذه الجرأة التي تتحدث بها! تمردت عليه وعلى قلبه الذي أصبح يعاني بسبب عنادها وقسوتها. كان ينفث دخان لفافة التبغ خاصته وهو يستمع لقرارها بواسطة أخيها إبراهيم. وضعها في المنفضة وقال بغضب مكتوم:
–يعني إيه مش عاوزاني؟ أنا عاوزها يا إبراهيم. أنا مش هاسيب مراتي. رد إبراهيم بهدوءٍ حد الاستفزاز، مربتًا على فخذيه قائلًا: –اشرب قهوتك يا حمزة وروق كدة. تابع بجدية قائلًا: –أنا كمان يا ابن عمي، والله ما عاوزك تسيب مراتك بس هي مش جاية. أعمل إيه بس يا حمزة؟ هدر حمزة بصوته الجهوري وهو يقف عن مقعده بهرجلة مما أدى لسقوطه. نظر إبراهيم بطرف عينه أرضًا، ثم عاد ببصره وقال: –كدة وقعت الكرسي؟ اعدله بقى عشان أمي مابتحبش الكركبة.
رد حمزة وقال بنبرة مغتاظة وهو يبحث عن هالة في كل مكان: –هالة يا هالة. خرجت هالة من حجرتها وقالت بهدوء: –أنا أهو يا حمزة، في إيه؟ رد من بين لهثه وقال: –أنا عاوز أعرف إيه اللي أنتِ عملتيه دا؟ –عملت إيه؟ –سبتي البيت ليه وأنتِ عارفة إني حالف عليكي بالطلاق ما تخرجي منه غير بعلمي؟ –حمزة أنا تعبت ومش قادرة أكمل بالشكل دا. –يعني إيه؟ ردت بمرارة في حلقها قائلة:
–يعني خلاص كفاية بقى نتعب بعض أكتر من كدا. أنت اتجوزت وجاي لك عيل في السكة. سيبني في اللي أنا فيه، الله يرضى عليك. اقترب حمزة منها وهو يحتضن يدها بين كفيها وقال بتوسل: –هالة أبوس إيدك بلاش تبعدي عني. أنا بحبك والله ما عاوز من الدنيا غيرك. لو بعدتي عني أنا ممكن أموت. رد إبراهيم وقال بهدوء: –محدش بيموت ورا حد يا حمزة. وبطل بقى شغل الصعبانيات دا، مش هيأثر فينا. رد حمزة بنبرة صادقة وهو ينظر لهالة وقال:
–والله العظيم بحبك. ووجودك في حياتي كفايتي من الدنيا واللي فيها. أبوس إيدك يا هالة ارجعي لي. ولو وداد اعتبريها مش في حياتنا. وإن كان على اللي جاي بردو مش عاوزه طالما مش منك. ردت هالة من بين دموعها وقالت:
–مبقاش ينفع يا حمزة. أنا مش عاوزة نص راجل. أنا كنت ليك كل حاجة وأنت رحت اتجوزتها. وياريتك اتجوزتها كدا على الورق وخلاص. أنت اتجوزتها فعلاً ودست على قلبي وحبنا اللي أنت بتتكلم عنه. أنا أناني يا حمزة، عاوزني وعاوز تخدف. وعاوز وداد اللي بتلبي طلباتك من قبل ما تقولها. أنت م عاوز تتنازل عن حاجة وعاوزني أقبل بدا عشان أنا مبخلفش. مع إن كل الدكاترة اجمعت على إني ينفع أخلف بدل العيل عشرة بس من حد غيرك أنت يا حمزة. فاهم إني هقبل عشان بحبك. بس اللي بيحب ما بيوجعش حبيبه. اللي بيحب ما بيدورش على حد تاني، بيكتفي باللي هو وبس عشان هو دنيته وكل ما لي. لكن أنت عملت إيه؟
قل لي عملت إيه عشان حبك ليا زي ما بتقول؟ اتجوزت عليا وعاوزني أقبل بدا. طب ليه؟ عشان إيه؟ أقبل بكل الوجع دا والمفروض عليا أضحك في وشك وأقول حاضر؟ رد عليا يا حمزة عشان إيه؟ رد إبراهيم مقاطعًا إياها ببرود: –عشان هو هارون الرشيد. *** داخل منزل جدة محمود.
كان جالسًا في غرفته ممددًا على حافة الفراش يتذكر المواقف العابرة التي جمعته بحبيبته. لم تكن حتى الآن بما يجيش في صدره. طلب يدها من والدها فرفض مبررًا أنه بن أخيه سبق وعرض عليه هذا. رفع بصره لسقف الغرفة وهو يطلق تنهيدة قوية تعبر عن مدى حزنه. كان يظن أن صداقته مع أخيها إبراهيم ستكون سببًا قويًا لموافقة والدها عليه. علم بعد ذلك أن حمزة يعشقها منذ الصغر وعرض على عمه الزواج منها قبل تغربه لإحدى الدول العربية ووافق العم دون أدنى تفكير. عاد بعد عامين وتزوج بها في عمر الثامنة عشر. وبعد مرور عشرة سنوات تزوج بأخرى. من أين أتى بهذه الوقاحة يتزوج بأخرى وهي معه؟
لو كان هو لمات ولا يفعل فعلته تلك. وقف عن حافة الفراش متجهًا نحو شرفته. وقف يراقب ما يحدث داخل غرفة الضيوف المطلة على غرفة نومه. يراه يتوسلها، يقبل يدها حتى توافق أن تعود له من جديد. ابتسم بجانب ثغره وقال بخفوت: –مقدرتش النعمة اللي في إيدك يا غبي. تستاهل. ولجت الجدة وعصبيتها تفوق الحد. استدار بجسده كله وقال: –مالك يا ستي، في إيه؟ –قل لي يا محمود مين اللي عمل كدا في الطاسة التيفال الجديدة؟
–أنا يا ستي لقيت المطبخ مبهدل قلت أغسل المواعين وأظبطه ولقيتها سودا قلت لا ستي بتخب النضافة أغسلها يا واد وخليها بتلمع عشان ستك تدعي لك. ردت الجدة بنبرة مغتاظة وقالت: –دا أنا هدعي عليك من هنا للصبح. دي هي بتبقى كدا يا واد. –وأنا أعرف منين بس يا ستي؟ أنا قلت أساعدك. وضع قدح القهوة وقال بهدوء: –سيبك من كل دا وقولي لي عملتي إيه مع أبويا وأمي؟ –عملت إيه في إيه؟ مش فاهمة. –مش قلت لك تقولي لهم إن عاوز اتجوز هالة؟
شاحت الجدة بوجهها بعيدًا عنه ثم عادت ببصرها وقالت: –هو أنت مافيش عندك دم ولا كرامة؟ تتجوز واحدة متجوزة قبل كدا ليه؟ –يا ستي أنا بحبها وكنت مانع نفسي طول السنين اللي فاتت دي عشانها وهي دلوقتي اطلقت خلاص. يبقى ليه متجوزهاش؟ ردت الجدة بضيق من حفيدها وقالت: –يا واد دي مبتخلفش. هتعمل بيها إيه دي؟ رد محمود وقال بحب ورضا: –أنا عارف وراضي ومش عاوز غيرها يا ستي من الدنيا. ليه مش عاوزين تعملوا لي اللي أنا نفسي فيه؟
يا ستي دا أنا لو طلبتوا مني نور عينيها أحطوا على طبق من دهب وأقولكم اتفضلوا. وأنا بطلب منكم تيجوا معايا نطلبها تقولوا لا؟ ردت الجدة بعصبية مؤيدة قرار والديه: –أنا مليش دعوة بيك يا خويا. أنا لو رحت معاك أبوك هايزعل وأمك هتقول بتقوي على الغلط. سألها محمود بنبرة ذاهلة قائلة: –غلط؟ غلط إيه يا ستي اللي بتقولي عليه دا؟ بقى لما اتجوز اللي بحبها تقولي غلط؟ ردت الجدة بعصبية محاولة الهروب من الإجابة قائلة:
–معرفش بقى. المهم أنا لا رايحة ولا جاية معاك في حتة. ولو عاوز تتجوزها أنت حر بس أبوك وأمك مش راضين عن الجوازة دي وأنا كمان. وابقى دور لك ع أي مكان تاني غير هنا تتجوزها فيه. *** في منزل حمزة. كان الشر والغضب يتطاير من عينه يتذكر ما فعله معه إبراهيم طيلة هذه المدة ويعض على أنامله من الغيظ. جلست وداد جواره وقالت: –رجعها يا حمزة وطلقني لو دا هايرضي هالة. رد حمزة بعصبية مفرطة قائلاً:
–أنتِ بتفهمي عربي ولا لأ. بقولك مش عاوزة أصلًا ترجعي لي ودي كانت الطلقة التالتة وعدينا خلاص شهور العدة. ردت بإقتراح قائلة: –طب ما تشوف محلل و ارجـ… ضرب بيده على صدغه وقال بصوت جهوري: –قومي من جنبي بدل ما أطلع كل جناني عليكي. محلل إيه وزفت إيه؟ وقفت عن الأريكة وهي تستمع لعتابه ويضرب جبهته بغيظ شديد: –غبي غبي. كان لازم أفهم لعبه إيه. اللي أنا عملته في نفسي دا. *** بعد مرور يومان.
كان محمود جالسًا في غرفة الضيوف داخل منزل صديقه المقرب إبراهيم، يستمع لحديثه وهو يقول بهدوء: –طب ولما أهلك مش موافقين يا محمود جاي تعمل إيه في بيتنا، لا مؤاخذة؟
–أنا بحب هالة يا هيما وأنت عارف كدا وعارف إن قا طع الجواز عشانها وسبق وطلبتها منكم قبل كدا والنهاردة وبعد عشر سنين جاي لك تاني أطلبها. سيبك من أهلي هما أصلاً لو جبت لهم مين ما هايوافقوا عشان أنا وأنت عارفين كويس إنهم عاوزين اتجوز بنت عمي. والقلب وما يريد يا صاحبي بقى. –معلش يا محمود ومتزعلش مني. أنا أختي مش تعباني في حاجة ولا بتأكل من أكلي عشان أجري أجوزها لتاني مرة جوازة كدا والسلام.
–اخس عليك يا هيما. وهو أنا بردو جوازة والسلام؟ –مقصدي بس أنت جاي بطولك وتقولي لي أهلي م حابين اختك ومش عاوزينها وأنا عاوز اتجوزها. عاوزني أقولك إيه مبروك؟ ما هو طبيعي أقولك لأ. أنا أختي عندها تمانية وعشرين سنة يعني لسه صغيرة. واللي في سني لا اتجوز ولا حتى اتخطب. يبقى ليه أستعجل على جوازها؟ رد محمود بإصرار قائلاً: –طب خد رأيها وشوفها كدا هاتقول إيه؟ يمكن ربنا كاتب لنا حياة مع بعض. رد إبراهيم وقال بهدوء:
–خلاص سيبني ليوم الخميس وهرد عليك. بس إيًا كان الرد أنت أخويا وصاحبي. بعيد عن اللي هايحصل يعني متزعلش وتاخد لك جنب. –عيب عليك يا هيما. إحنا أخوات من غير حاجة يا جدع. بعد عدة ساعات من المناقشات بين إبراهيم وهالة، جلست بجوار أمها حائرة في ردها. نظرت لأمها وقالت: –مش عارفة يا ماما. هو محمود كويس وغلبان بس الصراحة عمري ما فكرت فيه كزوج. ردت والدتها ساخرة منها قائلة: –واللّي فكرتي فيه زوج ياختي عمل إيه؟
ما هو راح واتجوز عليكي. وبعدين محمود دا متربي معانا وعارفينه من زمان وصاحب أخوكي الروح بالروح يعني عمره ما هايفكر يعمل فيكي حاجة كدا ولا كدا. –مش عارفة يا ماما محتارة. –خلاص شوفي واقعدي معاه. لو مش مرتاحة له يبقى نرفضه. لو ارتحتي يبقى على بركة الله. نظرت هالة لوالدتها ثم عادت ببصرها لأخيها وقالت: –خلاص يا هيما قل له يجي يوم الخميس. *** يوم الخميس الساعة السابعة مساءً.
جلس داخل غرفة الضيوف يهز ساقه بتوتر ملحوظ. ولأول مرة سيحدث معها على انفراد. أتت أخيرًا وبين يديها حامل القهوة الساخنة. وضعته برفق ثم صافحته. جلست على المقعد المجاور وقالت بخفوت حين سألها: –عاملة إيه؟ –الحمد لله بخير. –يارب دايما تبقي بخير وسعادة. أنا بصي عاوز أقولك كلام كتير أوي بس م عارف أبدأ منين ولا منين. بس خليني أكلمك عن نفسي وأقلك أنا محمود جاركم. عارفاني يا هالة؟ ردت هالة باسمة:
–آه طبعًا عارفك. أنت صاحب إبراهيم أخويا. رد بجدية قائلاً: –بصي أنتِ شكلك متعرفيش عني كل حاجة. بس أنا هاختصر كل الطرق وأقول إني استنيتك كتير كتير أوي يا هالة لدرجة فقد الأمل في إنك تكوني ليا. بس ربنا قالي اصبر وأنا هكافئك أحلى مكافأة. يا محمود بعتك تاني ليا بعد ما خلاص كنت مقرر أسيب الدنيا كلها وأمشي. كنت ناوي أرجع أسافر تاني وأشتغل بس رجوعك تاني ليا خلاني وقفت فكرة السفر تمامًا من دماغي.
كادت أن ترد عليه لكنه استوقفها قائلًا: –أنا عارف إني رغاي وكلت دماغك. بس أنتِ مش عارفة أنا جوايا إيه وحاسس بإيه. ولا اا…. ولج إبراهيم وقال بابتسامة واسعة: –كمل كمل. قول حاسس بإيه. بص اتكلم وخد راحتك على الآخر. أصل أنا بحب أسمع الحاجات دي أوي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!