الفصل 2 | من 11 فصل

رواية هالة و الادهم الفصل الثاني 2 - بقلم هدي زايد

المشاهدات
25
كلمة
2,225
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

لم يُبدِ أي رد فعل تجاه هذا الخبر الجميل من وجهة نظر وداد. ظلت عيناه معلقتين في عينيها في انتظار المباركة، لكنها وجدته يتساءل بهدوءٍ عجيب: –هو أنتِ متأكدة؟ تحاملت على نفسها مانعة الدموع أن تتجمع في مقلتيها، وقالت بجدية: –أنا عملت التحليل مرتين، وفي مرتين طلع إيجابي يعني حامل. –طيب مبروك. قالها حمزة بنبرة مقتضبة، محاولًا مجاملتها وإخفاء حزنه الشديد بعد سماع هذا الخبر. استوقفته قابضة على يده برفق، وقالت:

–حمزة، أنت مش مبسوط إنك هتبقى أب؟ لم ينكر شيئًا، اليوم لن يجامل أحدًا على حساب قلبه وسعادته الحقيقية. نظر لها وقال: –هاكذب عليكي لو قلت إن أنا مش نفسي أبقى أب، بس حابب دا وها أموت عليه من هالة يا وداد. نظر لها وقال بجدية لا تأتي في صدره:

–مش قادر أخبي أكتر من كدا يا وداد، هالة هي حبي الأول والأخير. أنتِ، ومتزعليش مني، مراتي آه، بس في نفس الوقت كنتِ مرات أخويا. أنا أصلًا لسه مستغرب أنتِ إزاي نسيتي جوزك بالسرعة دي. أنتِ حزنتي عليه فترة العدة بس، وبعد كدا قالوا لك لازم تتجوزي حد من إخواته، قلتِ ماشي. مصارحته بكل هذه الأشياء جعلتها تتمنى أن تختفي داخل سابع أرض، لكنها قررت أن تتحمله لنهاية الحديث. ثم أتى الرد بطريقة غاية في البساطة وهي تقول:

–طلقني يا حمزة، واعتبر إن مدخلتش حياتك. –لو كان ينفع أطلقك كنت عملت، مكنتش اتجوزتك أصلًا. أنا بربي ابن أخويا. تابع بحسرة تملأ نبرة صوته، ناظرًا لباطنها، وقال: –وابني اللي جاي في الطريق. كاد أن يلج غرفته، لكنه غير مسار طريقه واتجه نحو الباب. استوقفته متسائلة بمرارة: –على فين يا حمزة؟ رد دون أن يستدير قائلًا: –النهار ده يوم هالة، وها أروح لها منين ما تكون يا وداد. خرج من الشقة وصوت بكاء وداد يصل لمسامعه.

لم تجد الحنان الذي بحثت عنه في زوجها السابق. ظنت أنها بمجرد الزواج من أخيه الذي ظل يدلل زوجته ويعاملها معاملة الأميرات، ستنال من هذا الحنان. لم تكن تعلم أن ما يفعله هو نابع من أعماق قلبه، وأن زواجه منها كان بضغط من والدته ليس إلا. رغم المشكلات التي حدثت بين حمزة وهالة، إلا أن الحب والتفاهم قبل زواجه كان يسود علاقتهما. لم يكن عدم إنجابه لأطفال معضلة بالنسبة له، ما دامت هالة بجواره، فلا يريد شيئًا آخر سواها. ***

داخل غرفة هالة بالطابق الأرضي. كانت في سباتٍ عميق حين ولج حمزة الحجرة. رفع الدثار ببطءٍ، حتى لا يوقظها. جلس بهدوءٍ تام، لأول مرة منذ زواجه الجديد، يتشاركا ذات الفراش. نظر لوجهها الشاحب، وجدها مغمضة العينين. مال بوجهه ليُطبع قُبلة ناعمة. شعرت بأنفاسه، فتحت جفنيها بثقل، ووجدته يتوسد الوسادة وهو يقول: –هو مش المفروض إن النهار ده يومك؟ ولّته ظهرها وقالت بجمود: –أنا انتهت كل أيامي معاك خلاص يا حمزة.

احتقن الدم في عروقه وهو يستمع لكلماتها الصارمة، دون أن تتواجه مع نظراته المغتاظة. ضغط على كتفها جابرًا إياها أن تنظر له، وقال: –أيام مين اللي تنهتي؟ أنتِ بتخرفي كتير الأيام دي وأنا ساكت ومتحمل عشان حالتك النفسية، بس... ردت مقاطعة إياه وهي تعتدل في رقدتها، قائلة بهدوءٍ حد الاستفزاز:

–ما بسش يا حمزة، أنا حالتي النفسية ما فيش أحسن منها. أوعى تكون فاكر إني أنا الست الضعيفة اللي هاتموت عشان جوزها اتجوز عليها. فوق يا بابا، وأعرف أنت بتكلم مين. أنا هالة. أنت جيت عليا كتير من يوم ما فكرت تتجوز وداد. أنا كنت بستحمل عصبيتك ونرفزتك بين الوقت والتاني عشان كنت بقول: كفاية يا بت، إن متحنل يعيش معاكي وأنتِ مبتخلفيش. نظرت له، وجدته يجلس على حافة الفراش يستمع لحديثها. تابعت بكل ما أوتيت من هدوء وبرود أعصاب:

–بس لا، أنا ما فيش حاجة ناقصاني. وإن كان على الخلفة، بكرة ربنا ها يعوضني. أنا واثقة في ربنا خير. –خلاص يا هالة، خلصتي كلامك؟ طلعتي اللي في قلبك؟ –أيوه، واتفضل روح نام جنب مراتك. ختمت حديثها بمراوغة رغم جمود ملامحها: –ومبروك على الحمل يا حمزة. –أنتِ مين قالك؟ –مراتك من فرحتها بالخبر قالت لأمك، وأمك ومن فرحتها قالت ليك. كاد أن يقترب منها، لكنها استوقفته قائلة:

–إياك تلمسني ولا تقرب لي. أنا مش الرف الاحتياطي اللي ها تيجي تحط عليه حاجتك وتمشي. –رف إيه وكلام فارغ إيه، هالة. أنا مش عاوز أضغط عليكي أكتر من كدا، بس أنتِ كمان بلاش تضغطي عليا، الله يبارك لك. –أضغط عليك!! غريبة. أنا من يوم جوازك وأنا ببعد عنك بكل اللي أقدر عليه. بس اللي ملاحظاه إنك أنت اللي ماشي ورايا زي ال... صمتت حتى لا يحدث مشاجرة جديدة بينهما، وهي لا تريدها الآن تحديدًا. وقفت عن حافة الفراش، وقالت بهدوءٍ تام:

–بص يا ابن الناس، أنا اتحملتك فوق طاقتي، وربنا أمرني بالصبر. البلاء وإن أقول الحمد لله في السراء والضراء، وأنت كنت بالنسبة لي الاتنين. فأنا بكل الهدوء اللي في الدنيا بقولك: طلقني. هدر حمزة بصوته الجهوري قائلًا: –هو في إيه؟ كل شوية طلقني، طلقني، طلقني. مش ها أطلقك يا هالة، ولو اتقلبتي قرد. ردت هالة بعنادٍ: –مش ها تقلب قرد يا حمزة، وبرضه ها أطلقك. نهض عن الفراش بعنف متوجهًا نحوها، وقال بنبرة مغتاظة:

–طب اسمعي بقى، طلاق مش مطلق، وأعلى ما خيالك اركبيه. فاهمة ولا لأ؟ ابتسمت ماء شدقيها، وقالت بهدوءٍ تام: –حاضر يا حمزة. في عصر اليوم التالي. ولج حمزة منزل والدته باحثًا عن هالة. رفع الستار الموضوع على باب المطبخ، وقال بنبرة متعجبة قائلًا: –فين هالة يا ماما؟ بكلمها مبتردش. استدارت والدته قائلة بذات النبرة: –هي مش معاك؟ دي خرجت وقالت لي إنك اتصلت عليها عشان تروحوا سوا للدكتور!

كور قبضته وقام بضرب الحائط بقوةٍ شديدة وهو يقول بغضبٍ: –الهانم مشت زي ما قالت. –هو في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. كادت أن تسأله، لكنه خرج من المطبخ وهو يتمتم بحنق. حاول أن يسأله أخوه، لكنه لم يلتفت لأحد اليوم. داخل منزل والدة هالة. وقف أخوها إبراهيم، وقال بجدية مشيرًا تجاه المقعد المجاور: –تعالي هنا يا هالة جنبي. جلست كما أشار له إبراهيم، وقالت بحزنٍ دفين: –أنا خايفة من حمزة، دا مجنون وممكن يبهدل الدنيا.

ارتشف إبراهيم المشروب الدافئ، ثم نظر للكوب بتقييم، وقال: –عليها كوباية سحلب يا روحي، عليها تحفة. ردت والدته و قالت بنبرتها المغتاظة قائلة: –أنت يا واد، أنت جايب البرود ده منين؟ بتقولك جوزها حلف يمين طلاق ما تخرج من البيت وخرجت، يعني اطلقت، وأنت قاعد بتشرب سحلب!! رد إبراهيم قائلًا بنبرة حائرة: –هو الطلاق له مشروب معين؟ طب قولوا لي عليه وأنا أعمله. سألته هالة قائلة بتساؤل: –ناوي على إيه يا إبراهيم؟

أجابها وهو يرتشف المشروب قائلًا: –ناوي أقوم أعمل كوباية تانية، أعملك؟ هدرت والدته بصوتها المرتفع، ثم أمرته بالمغادرة، وقبل أن تُصاب بذبحة صدرية، ولج المطبخ يُعد مشروبًا جديدًا. أتاه اتصالٌ من صديقه المقرب، ضغط على زر الإجابة وقال: –وعليكم السلام يا عم، كل ده نوم؟ آه، كنت ناوي أخرج النهار ده، بس مش ها ينفع بقى خلاص. لا أبدًا، ما فيش اختي هالة اطلقت. أنا ها أعمل إيه؟ بعمل سحلب، أعمل لك معايا؟ خلاص نتقابل هناك، سلام.

*** أغلق الهاتف، وعلامات الدهشة والذهول ترتسمان على وجهه. ظل يجوب الغرفة كالمجذوب وهو يقول: –هالة اطلقت؟ معقول يكون ليا نصيب من تاني؟ –يا محمود، تعال بقى خليني نخلص. ردفت الجدة تيسير جملتها متأففة من ذاك المحمود الذي لن يهدأ حتى تُصاب بالجنون يومًا ما.

خرج من غرفته والسعادة تنير وجهه أخيرًا. جلس بجوار جدته بجسده وعقله يسبح في أفكار انتظرها طويلًا، أكثر من عشرة سنوات كاملة في انتظار هالة. تزوجت بابن عمها بعد رفض والدها له، معللًا بأنه لن يصون ابنته. واليوم الرجل الذي رهان عليه هو من تركها مجذوبًا، من يترك هالة وناقمًا على النعمة من لا يصونها. انتشلته الجدة من بئر ذكرياته بلكزة من عكازها. –لا يا ستي مش عاوزها، البت دي.

أردف محمود عبارته وهو يتحاشى النظر لجدته التي حملت بين يديها مجموعة من الصور. –لإحداهن، لكزته جدته في كتفه وقالت بنبرة غاضبة: –ليه بقى يا إن شاء الله؟ مالها دي كمان؟ طويلة ولا قصيرة؟ بلع لقيماته بهدوء وهو يخبرها بجدية: –دي بتعامل الطبال على إنه جوزها، يعني اتجوزها دي بقى وجايبها من كل فرح شوية. –يا واد، دي كانت بترقص في فرح أختك بتجاملها يعني.

–تجامل أختي ماشي، إنما الطبال يطبل وهي ترقص من غير خشا ولا أدب، وأنا اتجوز!! وضعت الجدة الصور فوق سطح المنضدة الزجاجي وقالت بعصبية: –دي عاشر عروسة تطلع فيها البدع. أنت إيه حكايتك بالظبط يا واد أنت؟ رد محمود بهدوئه المعتاد: –والله يا ستي ما عارف أنا حكايتي إيه، بس مصر كلها عارفة عادي. ختم حديثه قائلًا:

–بصي، عشان أنتِ مبتحبيش اللف والدوران وأنا نفس الحكاية، أنا مش هتجوز غير اللي بحبها، وأول حرف من اسمها هالة. عجبك ولا لأ؟ لو مش عجبك ها أدخل آخد هدومي وأمشي. ردت الجدة بجمود وهي تشير بيدها قائلة: –مع الف سلامة، والباب يفوت جمل. مش محمود. ردت الجدة قائلة بنبرة مغتاظة: –لسه عاوز تتجوزها بعد ما أبوها مسح بكرامتك الأرض وقال ابن عمها يصونها، والغريب يبهدلها؟ رد محمود قائلًا:

–يا ستي الكلام ده من عشر سنين أيام ما أبوها كان اللي يرحمه لسه عايش. لكن إبراهيم أخوها صاحبي وعارف إن لسه بحبها ومتجوزتش لحد دلوقتي عشان... –وكرامتك يا محمود؟ –مالها يا ستي كرامتي؟ وبعدين هما رفضوا مرة. –الله ينور عليك، يعني رفضوا نخلي عندنا دم بقى ونسكت، ولا نبقى من باردين ونروح نقولهم جوزونا بنتكم؟ رد محمود قائلًا: –نبقى باردين ونروح نقولهم جوزوني بنتكم. أنا بس يا ستي اللي ها اتجوزها، محدش معايا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...