إنصدم لطفي لما شاهد أن هذا القبر يعود لأبيه. وقد أعماه المال ولم يعد يدري من يكون صاحب القبر إلا بعد أن قرأ لافتة مكتوبة فوق نعشه. فصرخ في الشاب وهو يقول: توقف، أرجع الجثة كما كانت وأياك أن تأخذها. إستغرب الشاب وقال: ماذا هناك؟ سكت لطفي وهو يحاول أن يخفي دموعه التي كانت تخنق صوته والتي غطت مقلتيه بعدما إنصدم من ذلك المنظر. وقال: يجب أن تعيد الجثة إلى قبرها فوراً، هل تسمع؟ لكن الشاب أصر على معرفة السبب وقال:
هل يمكن أن توضح لي ما الذي جرى لك؟ فأجابه لطفي وهو يقول: أتعلَم من يكون صاحب هذه الجثة؟ إنه أبي. وضع الشاب الكيس على الأرض وقال: أهذا كل ما في الأمر؟ اسمع، أقدر موقفك جيداً، ولكن دعني أوضح لك شيئاً يجب أن تعرفه، وبعدها قرر ما شئت. أريد أن أطرح عليك سؤالاً: ماذا ورثت من أبيك وماذا ترك لك؟ ألم ترث منه إلا الفقر والتعاسة؟ ثم إن هذا الذي تفعله الآن معي، أليس هو محاولة منك لإنقاذ نفسك من عبء الذي تركه لك أبوك؟
ألا تفعل ذلك من أجل تحسين وضعك المادي خشية أن يكبر أولادك فيجدون مصيرهم مثل مصيرك، يتخبطون في وسط الفقر والعوز؟ ثم إنك يجب أن تكون فخوراً بنفسك لأنك تقدم جثة أبيك لمختبرات العلم حتى يستفيد منها البشرية بدلاً من أن تبقى جثته هنا يأكلها الدود والرطوبة. وهل تعلم أني قد فعلت نفس الشيء مع جثة أبي وعمي وأخوالي وقدمتهم لمختبرات حتى يستفيد منهم البشر؟ وها أنا سليم معافى أمامك ولم يحصل لي شيء. أتعلم لماذا؟
لأنني لا أنجر مثلك تحت مسمى العواطف والأحاسيس الكاذبة. فنحن يا لطفي نعيش في الغابة، فإن لم تكن فيها ذئباً أكلك الفقر والظلم قبل أن تأكلك الذئاب. هذا إن وجدت في جسمك نحيلاً هذا لحماً تأكله، فلو بقيت طوال عمرك على هذا الحال فإنه سينظر إليك على أنك شخص شحات يعيش على صدقة الآخرين.
انظر لنفسك كيف أصبحت شخصاً محترماً بعدما دخلت إلى منزلك وأنت محملاً بالأغراض، حتى استقبال زوجتك لك سيتغير بعدما أصبحت تدخل عليها وأنت تحمل كل ما لذ وطاب. فهل كانت ستستقبلك بهذا الاحترام والتقدير إذا كنت تدخل عليها كل صباح وأنت تجر كلبك وتلبس معطفك المتعفن ذلك؟ راح لطفي يصغي إلى ما يقول الشاب وهو لا يدري ما يقول أو بما يرد عليه. ثم أدخل الشاب يديه في جيبه وأخرج مبلغ عشرين ألف درهم أخرى وقال:
بما أن الجثة كانت لأبيك، سأكون كريماً معك وسأضيف لك نفس المبلغ، وهكذا يصبح نصيبك اليوم ضعفين. فقل لي، هل كنت تحلم يوماً أن تمسك هذا المبلغ طوال حياتك؟ هل تصورت أن يأتي يوم تدخل فيه المبلغ كهذا إلى جيبك وفي ليلة واحدة؟ أجبني، ماذا قررت؟ أمسك لطفي مبلغاً من المال ووضعه في جيبه وقال: مبارك عليك جثة أبي، خذها، رافقة السلامة. إبتسم الشاب بعدما نجح في إقناع لطفي وقال:
هكذا أريدك يا لطفي، قلب من الصخر لا يتأثر بالمشاعر الزائفة. وبعد شهر من الآن سترى كيف ستفرض احترامك على الجميع بعدما تصبح من أغنياء القرية، وربما سيناديك الناس بالحاج لطفي بدلاً من اسم لطفي حارس مقبرة. حمل الشاب جثة والد لطفي وخرج بها متوجهاً إلى سيارته عند مدخل المقبرة. وترك لطفي واقفاً هناك وهو لا يدري ما يقول. كان قلبه يعتصر من أسى وحزن، ولكنه قرر أن يصغي لوصية ذلك الشاب وأن يبقى جامداً لا يتأثر مهما حصل.
قضى ليلته هناك وهو جالس أمام محرسه إلى غاية شروق الشمس. وفي الصباح، بعدما حمل أغراضه، لاحظ أن كلبه قد جاء إليه وهو يحمل عظمة في فمه. أخذها منه بسرعة وراح يتفحصها، فإذا به يتفاجأ بأن هذه العظمة قد سقطت ليلة البارحة من هيكل أبيه. فأحس بالأسى وراح يحدق بها وهو ممتعض القلب، لكنه تذكر ما قرره ليلة البارحة، فأدخل العظمة إلى جيبه وتوجه إلى منزله. وحين وصل إلى المنزل، دخل مباشرة إلى غرفته وأغلق الباب عن نفسه.
ومد يده إلى صرة فوق دولاب وفتحها ووضع بداخلها المبلغ الذي حصده. ثم أخرج عظمة هيكل أبيه وراح يتأملها في صمت، ثم وضعها مع المال وأغلق الصرة. في المساء، وبعدما خرج من منزله، توجه مباشرة إلى المقهى للجلوس هناك. فلم يكن من قبل يحب أن يأتي إليه بسبب ظروفه المادية، أم الآن فقد تحسن الوضع بعض الشيء. دخل إلى مقهى فلمح إحدى أصدقائه جالساً هناك لوحده، فتقدم إليه وجلس إلى جانبه وقال: سلام عليكم أيوب، كيف حالك؟
رفع أيوب رأسه وقال في حزن: الحمد لله على كل حال. لاحظ لطفي أن صديقه ليس على ما يرام فأسأله قائلاً: ما بك؟ أحس بأنك مهموم وشيء ما يشغلك. فأجابه أيوب قائلاً: أنا أفكر في المشكلة التي جاء بها ابني من الجامعة. فسأله لطفي قائلاً: وما به ابنك؟ فرد عليه أيوب شارحاً: أنت تعلم أن ابني يدرس في كلية الطب في العاصمة وقد طلبوا منه أن يشتري جمجمة بشرية حقيقية من أجل أن يحضروها معهم إلى الجامعة لإجراء فحوص وامتحانات. إستغرب
لطفي من هذا الطلب وقال: ولماذا يريدون منهم أن يشتروا جمجمة بشرية حقيقية؟ فرد عليه أيوب بقوله: وما أدراي بذلك، ولكن المشكلة الأكبر هو أن سعر جمجمة واحدة يساوي عشرون ألف درهم. إستغرب لطفي لما سمع هذا الرقم وراح يفكر في الخدعة التي وقع فيها، فقد كان مغفلاً ويبيع جثة ميت كاملة لذلك الشاب بمبلغ عشرين ألف درهم فقط، بينما جمجمة لوحدها تساوي نفس السعر. فعاد يسأل أيوب قائلاً:
ولنفترض أن شخصاً أراد أن يشتري جثة كاملة، فكم تساوي؟ ضحك أيوب وقال: تلك هي الطامة الكبرى، فالجثة كاملة تساوي ستة أضعاف ثمن الجمجمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!