كانت موافقة لطفي بالنسبة لذلك الشاب فرحة كبرى وانتصار لما كان يخطط له. فأدخل يديه في جيبه وأخرج منه ظرفًا مغلقًا وقدمه إلى لطفي وقال: "وأنا عندي وعدي. ها هي عشرون ألف درهم نقدًا، تفضل وقم بحسابها إذا أردت." أمسك لطفي الظرف الورقي من يد الشاب وفتحه، فإذا به مبلغ مالي. فوضعه في جيبه في سعادة. أما الشاب فقد كان يتأمل وجه لطفي في خبث ثم خاطبه قائلاً: "أحضر مصباحك اليدوي ريثما أحضر أدوات الحفر."
توجه الشاب إلى المكان الذي كان يركن فيه سيارته خارج المقبرة، وأحضر معه أدوات الحفر، وتوجه مع لطفي إلى أحد القبور القديمة وبدأ يزيح عنه الرمال إلى أن وصل إلى خرسانة التي تغطي سطح القبر. كان لطفي يضيء له المكان وهو ينظر في كل اتجاه ويرتجف من الخوف. فلاحظ الشاب تردد وخوف لطفي فقال مشجعاً: "ما بك ترتجف هكذا يا رجل؟ هل أنت خائف؟
دعك من تلك الخرفات والأساطير التي تسمعها من الناس. فكل شيء طبيعي وسننفيذ المهمة بنجاح. ليكن قلبك قويًا ولا تخشى أي شيء. فالفقر هو الذي يخيف وليس نبش القبور." تشجع لطفي وقال وهو يمسح عرقه رغم برودة الطقس: "حاضر، سأحاول أن أكون كذلك." عاد الشاب مرة ثانية لنبش القبر وأزال الخرسانة التي تغطي نعش الميت إلى أن وصل إلى جثة. وما أن رأى لطفي بقايا الكفن حتى بدأت أقدامه ترتجف من الرعب وهو لا يريد أن يشاهد ذلك المنظر.
فصاح به الشاب وهو يقول: "ساعدني في إخراج جثة، وإياك أن تكسر أي عظمة وإلا سنضطر إلى نبش قبر آخر." وما أن سمع لطفي هذا الكلام حتى كاد قلبه يتوقف من الخوف ولم يتمكن من الاقتراب من جثة الميت. فلاحظ الشاب تردده مرة أخرى فقال غاضبًا: "هل عدنا إلى الخوف مرة ثانية؟ فكر في المال الذي ستحصل عليه كل ليلة واترك خوفك جانبًا. مد يدك وخلصني." اقترب لطفي من الجثة وأمسك طرفًا منها، فإذا هي مجرد عظام تتناثر بداخل بقايا الكفن.
أخرجها بصعوبة ووضعها مع الشاب في كيس آخر. وبعدها دفنوا القبر وأعادوا كل شيء كما كان عليه. حمل الشاب الكيس الذي بداخله عظام الميت وقال: "أرأيت أن الأمر بسيط ولا يحتاج إلى كل ذلك الخوف. على كل حال، موعدنا في منتصف ليلة الغد مثل العادة. أنا سأذهب الآن وفي الصباح لا تنس أن تأتي وتخفي ما تبقى من أثر الحفر حتى لا يشك أحد بأمرنا. مع السلامة." ذهب الشاب وترك لطفي هناك في المقبرة.
فقد كانت ركبتاه لا تزالان ترتجفان وقلبه يخفق، ولكنه تمالك نفسه وعاد إليه اطمئنانه بعدما أخرج الظرف الذي أعطاه له ذلك الشاب. راح يعد النقود فوجدها تساوي كما اتفق معه. فراح يتساءل في نفسه ماذا يمكن أن تفعل تلك المنظمة بجثث البشر؟ وأي علم هذا الذي يعتمد على بقايا جثث وعظام؟ كانت رائحة المال قد أنسته كل التساؤلات ولم يكترث ما دام هو يقبض المبلغ كهذا كل ليلة.
في الصباح التالي، خرج من محرسه وتوجه إلى القبر الذي نبشه من ذلك الشاب. وراح يرتب التربة ويخفي آثار الحفر كما أوصاه حتى لا يثير شكوك. ثم أخذ معه كلبه وتوجه عائدًا إلى القرية. في الطريق، ذهب مباشرة إلى مؤسسة الكهرباء والماء ودفع الفواتير المستحقة عليه. ثم دفع ديونه السابقة لأصحاب المحلات. وبعدها توجه إلى دكان ملابس واشترى ملابس جديدة لأولاده واشترى حاجات منزلية وعاد وهو يحمل قفة ثقيلة بها كل ما يحتاج.
وما أن فتح باب المنزل حتى شاهدته زوجته يدخل عليها وهو مثقل بالأغراض التي جلبها معه. فراحت تنظر إليه مستغربة ثم قالت: "ما هذا؟ من أين أحضرت كل هذه الأشياء يا لطفي؟ وضع لطفي الأغراض على الأرض وقال وهو يخفي الأمر عن زوجته سعاد: "لقد أقرضت مبلغًا من المال وتصرفت وأحضرت لكم كل ما تحتاجون." لم يقنع هذا كلام سعاد فعادت تسأل: "أقرضت مبلغًا من المال؟ ومن هذا الذي يقرضك كل هذا المبلغ من سكان القرية؟
وأغلب الناس هنا فقراء لا يكادون يملكون قوت يومهم." انزعج لطفي من إلحاح زوجته وقال: "أوف، وأنتِ ما يعينك في الأمر؟ ها قد تصرفت وأحضرت لكم كل شيء. فهل كل من الضروري أن تفتحي معي محضر وتحققي معي في كل شيء؟ دخل لطفي إلى غرفته وأغلق على نفسه الباب. ثم أدخل يديه في جيبه وراح يعد ما تبقى من المال معه فوجده قد نفد. راح يبحث عن مكان يخفيه فيه بعيدًا عن أنظار زوجته الفضولية.
فلم يجد أمامه إلا ملابس أبيه القديمة التي تركها له وبقيت من أثره. فأخرجها وصنع منها صرة كبيرة وأخفى المال بداخلها. ثم ربطها جيدًا ووضع الصرة فوق دولاب الملابس حتى لا تتمكن سعاد من الوصول إليها بسبب قامتها القصيرة. وبعدها تمدد على فراشه ونام. في الليلة الثانية، وبعدما تناول لطفي عشائه، خرج مسرعًا إلى عمله. وحينما وصل هناك ظل ينتظر موعد قدوم ذلك الشاب في تلهف. إلى أن وصلت الساعة منتصف الليل فإذا به قادم من بعيد.
فنهض لطفي في سعادة لاستقباله. اقترب الشاب من لطفي وسلم عليه قائلاً: "مساء الخير. أرى أن السعادة تغمرك. أرأيت كيف أن المال هو دواء لكل معلول؟ ها أنت قد عادت الحياة إلى وجهك مرة أخرى وصدق من قال أن الدراهم مراهم." ثم أدخل يديه في جيبه وأخرج منه ظرفًا ماليًا وقال: "ها هي حصتك اليوم. أحضر مصباحك ودعنا نبدأ في العمل." اتجه لطفي مع الشاب إلى إحدى القبور القديمة وبدأ يحفر معه دون أن ينتبه إلى من يكون صاحب القبر.
وبعدما أخرجوا جثة ووضعوها في كيس بلاستيكي كبير، وقع نظره بصدفة على لافتة القبر. فإذا به يجد أن صاحب ذلك القبر هو والده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!