بعد أن تناول لطفي عشائه، خرج إلى المقبرة كما هي عادته. بقي جالسًا أمام غرفة الحراسة ينتظر قدوم ذلك الشاب. كانت صدمته كبيرة بعدما عرف السعر الحقيقي الذي تباع فيه هياكل العظمية، وأحس بأنه قد خُدع وتم تغافله من قبل ذلك الشاب. ما هي إلا ساعات حتى وصل منتصف الليل، فإذا بذلك الشاب قادم من بعيد وهو يحمل كيسه في يديه. لكنه لاحظ تغييرًا في استقبال لطفي له، وكانت نظرته توحي بأن هناك شيئًا ما قد حصل. فسلم عليه قائلًا:
"مساء الخير، كيف حالك يا لطفي؟ رد لطفي التحية بوجه بارد وناشف: "أهلاً بك، تعال واجلس إلى جانبي قليلًا، أريد أن أتحدث معك في أمر مهم." كان توقع الشاب صحيحًا حينما لاحظ ملامح لطفي المتغيرة، لكنه تقدم في صمت وجلس إلى جانبه كما طلب منه حتى يفهم ما حصل. وقال: "خير إن شاء الله، ماذا هناك أيضًا؟ استدار نحوه لطفي وقال:
"من الآخر، أنا عرفت السعر الحقيقي الذي كانت تباع فيه الجثث في الأسواق، وطوال تلك الفترة لم يكن نصيبي من هذه العملية إلا فتات. فأنا عرفت أن ثمن الجثة كم يساوي، وحتى نكمل عملنا معًا، لابد أن تتغير قواعد الاتفاق." استغرب الشاب من كلام لطفي، فلم يكن يعلم بأنه سيأتي يوم ويعرف الحقيقة. فسأله قائلًا: "وما هي القواعد الجديدة الآن؟ فرد عليه لطفي مباشرة: "نصف بنصف ثمن الجثة، وهذا آخر كلامي." يضحك الشاب وهو
مندهش من كلام لطفي وقال: "لقد أصبحت رجلًا خطيرًا، والمال قد أفسد طباعك لدرجة أنه جعلك داهية. عمومًا، أنا موافق وسأقسم المبلغ معك. ولكن أنا أيضًا يجب أن أغير من قواعد اتفاقي. في السابق كنت أنا من يحفر القبر وأنا من يستخرج الجثث، وأنت لا تفعل شيئًا سوى أنك تمسك المصباح للإنارة. أما الآن، سيصبح كل يوم واحد منا له يوم في حفر واستخراج الجثث. فمرة أنا أحفر ومرة أنت، فما هو ردك؟ سكت لطفي قليلًا وراح يفكر، ثم أجابه قائلًا:
"موافق، أعطني المبلغ المتفق عليه." أدخل الشاب يديه في جيبه واستخرج ثلاث أظرفة مالية وقدمها إلى لطفي. ثم قدم إليه كيسًا بلاستيكيًا وقال: "اليوم هو دورك، وأنا أكتفي بحمل المصباح وأضيء لك." حمل لطفي أدوات الحفر وتوجه نحو أحد القبور القديمة وبدأ يحفر. وعندما وصل إلى الجثة، تفاجأ بأنها جثة لطفل صغير، ولا تزال كما هي عليه وكأنه قد دُفن منذ لحظات. حتى الكفن كان لا يزال جديدًا وتفوح منه رائحة مسك. فأصيب بتوتر وخوف شديد.
رفع رأسه وقال: "إنه قبر لفتى صغير، دعنا نغلق القبر ونذهب لحفر واحد آخر، فهذه جثة وتبدو حديثة." لكن الشاب رفض اقتراح لطفي وقال: "لا بالعكس، هذا ما نحتاجه في أبحاثنا، استخرج الجثة وأت بها." أصيب لطفي بقشعريرة في جسده، ولم يتمكن من حمل جثة. وعاد يقول ثانية: "دعنا منها، لنذهب إلى جثة أخرى." لكن الشاب أصر على كلامه وقال: "قلت لك هاتها ولا تكثر من النقاش، هذه الجثة نحتاجها في أمور تشريح، ولا تكثر من الثرثرة."
مد لطفي يديه وحمل جثة الفتى وأخرجها. وقبل أن يقدمها إلى الشاب الذي كان واقفًا ينتظره، نزل طرف الأمامي من الكفن وبرز وجه الجثة. فقد كانت تعود لفتاة صغيرة، وكان شعر رأسها أحمر طويل وعمرها في حدود خمس سنوات أو أكثر. ولما شاهد لطفي وجهها، أصيب بخوف شديد وانتابه رعب في كامل جسده. فقد كانت فتاة ميتة في كامل سلامتها، ولا يبدو أن جسدها قد تأثر بالرطوبة والعفن.
بقي لطفي لبعض الثواني يحدق في وجه جثة الفتاة ولا يقوى على حركة، وجسده قد تنمل في مكانه. ولم يستفق إلا على صوت الشاب وهو يناديه: "هات الجثة، ما بك تحجرت في مكانك هكذا؟
أخذ الشاب جثة الفتاة الصغيرة وانصرف، وترك لطفي هناك واقفًا مكانه، وصورة وملامح تلك الفتاة لا تفارق مخيلته. دخل إلى غرفة الحراسة وجلس وهو يضم ركبتيه على صدره، وكلبه إلى جانبه ينظر إليه وقد أحس بأن صاحبه ليس على ما يرام. كان قلبه يدق بسرعة ويداه باردتين وجبينه يتعرق. فلم يستطع أن ينسى صورة تلك الفتاة.
أشعل مذياعه ووضع إبريق الشاي، وحاول أن يتلهى بسماع نشرة الأخبار حتى ينسى ملامح تلك الفتاة. مر وقت سريعًا، وبينما هو جالس يستمع إلى الإذاعة، إذا به يسمع صوت بكاء لطفل في الخارج. أنقص صوت مذياعه قليلًا وظل يسترق السمع، لعله كان يتوهم أو يتخيل، لكن البكاء لم يتوقف.
استغرب في وجود طفل في هذا المكان، فنهض وحمل مصباحه اليدوي وفتح الباب وراح يوجه الإنارة في كل مكان لعله يلمح من يكون. فعرف أن البكاء كان يأتي من الجهة الشرقية للمقبرة. أمسك عصاه وتقدم يمشي على مهل صوب الصوت إلى أن وصل إلى مصدره. وما إن اقترب أكثر حتى تفاجأ بفتاة صغيرة تقف أمامه، فأصيب بصدمة لما وجدها هي نفس الفتاة ذات الشعر الأحمر التي أخرجها من قبرها قبل قليل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!