خرج الشاب من عند لطفي وتركه في دوامة من الحيرة. راح يفكر مع نفسه في كلام الذي قاله له. هل يعقل أن هناك أناس تفكر بمثل هذا الأمر وتستبيح حرمة الأموات من دون ضمير ولا أخلاق؟ ولنفترض أني وافقت، ماذا سيحصل لو اكتشف أحدهم أن جثة أقاربه غير موجودة في القبر؟ لا شك أن أصابع الاتهام كلها ستتجه نحوي. وربما سرقتها وأخذها من أجل ممارسة طقوس السحر والشعوذة. ستكون فضيحة تنكس رأسك يا لطفي ورأس أهلك معك، وتكون عقوبتها وخيمة.
ولكن يا لطفي، هذه فرصة قد جاءت إليك لإخراجك من مستنقع الفقر. ثم إن الأمر هو لخدمة العلم والبشرية كما قال ذلك الشاب أساساً. من سيدري بأن جثة أقاربه غير موجودة في مكانها؟ كل الأمر يتم بالخفاء ولا أحد سيدري بذلك. فلو بقيت يا لطفي تنتظر معاشك الذي تقبضه في آخر الشهر، فإنك طوال عمرك لن تحقق شيء. غيرك يسعى لتغيير وضعه بكل الطرق، وأنت جالس هنا تحرس الأموات؟ هل يعقل أن الدنيا ستضحك لك في آخر عمرك؟
وهل يعقل أن هذه الجثث التي أحرسها تساوي كل هذه الثروة؟ هذه يعني أن طوال الوقت كنت جالس أحرس كنوز ثمينة وأعاني من قسوة الفقر من دون أن أدري قيمتها؟ ولكن مهلاً يا لطفي، هل ستخون الأمانة في آخر عمرك؟ ألن تفكر بأن الأمر يمكن أن يحصل معك أنت أيضاً؟ فهل كنت سترضى أن يأتي أحدهم ويستخرج جثتك ويهربها إلى خارج بلاد ويبيعها لتلك المنظمات؟ اتعلم ماذا ينتظرك لو أحس أي شخص بأن جثة أقاربه غير موجودة؟
ثم من يتضمن لك بأن الأمر سيبقى مكتوماً إلى ما لا نهاية؟ إياك أن تورط نفسك يا لطفي، فهذه لعبة قذرة لا مكان لك فيها. حل الصباح فنهض لطفي من مكانه وخرج من المقبرة متوجهاً إلى منزله وهو يفكر فيما حصل البارحة. وما أن دخل المنزل حتى وجد زوجته تنتظره وهي عابسة. خاطبها قائلاً: صباح الخير يا سعاد. كيف حالك؟ لم ترد عليه سعاد التحية، وإنما أخرجت أوراقاً من درج طاولة وقالت:
تفضل. هاهي فواتير الكهرباء والماء قد وصلت اليوم والمبلغ الذي فيها يساوي مقدار راتبك ويزيد. فكيف تصرف مع هذه المشكلة؟ أمسك لطفي فاتورة الماء والكهرباء وراح ينظر في سعر الذي كتب عليها، فقد كان بمقدار راتبه كما قالت زوجته. وقبل أن يعلق على الأمر، بادرته زوجته سعاد قائلة: ونسيت أن أخبرك بأنه لم يبقى في المنزل أي سلعة. ولا تنسى أن أولادك بحاجة إلى آلبسة جديدة، فالملابس التي على جسدهم لم تتغير منذ ثلاث سنين.
أجابها لطفي في غضب وهو قائلاً: يا فتاح يا عليم، حتى مع الصباح لا يكف جرس تنبيهات عندك من رنين؟ هل كان من ضروري أن أسمع هذا الكلام مع أول شروق شمس صباح؟ فأجابته سعاد في سخرية: وماذا كنت تريد مني أن أقول لك وسط هذه الخيبة؟ هل كنت تنتظر أن أغني لك أغاني أم كلثوم وأنا أحمل لك فاتورة كهرباء؟ أم كنت تريدني أن أحضنك وأنا أقول بأن أولادك يموتون من البرد وهم يلبسون ملابس مقطعة وقديمة؟
ياعزيزي ألف مرة أخبرتك بأن هذا الوضع لا يحتمل التأجيل، وأنت من تصر على أن تغطي شروق الشمس بالغربال. فتحمل عواقب رومنسيتك يا روميو. خرج لطفي وراح يبحث عن من يستدين منه مبلغ من المال. وكل من يذهب إليه يتجج بألف حجة، فلا أحد من أهل القرية وافق على إدانته. كل الأبواب أغلقت في وجهه، ولا يملك أي شيء يستطيع أن يبيعه حتى يسدد به حاجته. فرجع إلى منزله وهو يتحسر على ما هو فيه.
فتح باب المنزل فوجد زوجته لا تزال جالسة في مكانها تنتظره. وما أن دخل حتى وجد نظراتها حزينة تمرقه في صمت. فتقدم وجلس بالقرب منها وهو يفكر، مشبك ذراعيه على صدره. وسعاد تنظر إليه منتظرة ما سيقول. فبادرته بسؤالها قائلة: ماذا ستفعل الآن؟ رفع لطفي وجهه نحوها وقال: لا عليك. لقد وجدت الحل.
انتظر لطفي إلى أن حل ظلام، فلبس معطفه الثقيل وأخذ كلبه معه واتجه نحو المقبرة. وبقي واقفاً عند باب غرفة حراسته ينتظر ذلك الشاب. إلى أن وصل منتصف الليل فجاء به يشاهد شبح لشخص قادم من بعيد باتجاهه. فعرف بأنه نفس ذلك الشاب الذي جاءه ليلة البارحة، وها هو قادم على نفس الميعاد كما أخبره. فابتسم في فرح وراح يتهيأ لاستقباله. وصل الشاب إلى مكان لطفي وتوقف بالقرب منه وسلم عليه قائلاً: مساء الخير لطفي. هل فكرت في عرضي؟
فأجابه لطفي في لهفة: أجل. وأنا موافق على كل ما تقول.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!