ارتعب لطفي من منظر ذلك الشخص الملثم الذي دخل عليه فجأة من دون سابق إنذار. بقي يتأمله وهو مرعوب من منظره ثم خاطبه وهو يقول: السلام عليكم. ولما لاحظ الشخص الواقف خوف لطفي منه، نزع اللثام من وجهه. فإذا هو شاب في بداية الثلاثينيات. تقدم منه قليلاً وخاطبه قائلاً: مابك يا أخ لطفي؟ ألا ترد سلام؟ إنصدم لطفي لما عرفه بأنه يعرف اسمه أيضاً ويتحدث معه بثقة كاملة كأنه يعرفه منذ زمن. فقال: وتعرف اسمي أيضاً؟ من تكون أنت؟
ابتسم الشاب وجلس بالقرب منه وقال: الن تضيفني بكأس من الشاي أولاً؟ فسهرتي معك طويلة وأريد أن أحكي معك في موضوع مهم. جلب لطفي كأس إضافي ووضعه أمام الشاب، ثم سكبه له من إبريقه النحاسي. وظل يتأمله في ورع منتظراً منه ما سيقول. حمل الشاب كأس شاي بهدوء وارتشف منه رشفة عميقة، ثم وضعه على الأرض وقال:
تعمدت أن آتي إليك في هذا الوقت حتى لا يرانا أحد. فأنا أعرفك جيداً وأعرف الظروف التي تمر بها. وقد جئت إليك بمشروع سينتفضك من حالة الفقر ويوصلك الرفاه والغنى. استغرب لطفي من كلام الشاب الغريب وقال: لم أفهم بعد عن أي مشروع تتحدث؟ شبك الشاب أصابع يديه وقال: مشروع ستأكل منه شهد وستقبض ثمنه كل ليلة. وراتبه يصل إلى عشرين ألف درهم، وتأخذها مني على الفور.
اندهش لطفي من كلام الشاب وراح ينظر إليه وهو غير مصدق. لما سمع هذا المبلغ، أدرك أن المشروع الذي سيقدمه له هو مشروع مشبوه وغير نظامي، فلا يعقل أن يجني مبلغ كبير مثل هذا بمشاريع قانونية. فسأله لطفي قائلاً: وما هو هذا المشروع؟ سكت الشاب قليلاً وراح يحدق في وجه لطفي حتى يستوعب مدى صدمته مما سيسمع. ثم قال:
المشروع هو أني سآتي كل ليلة وأخذ جثة من المقبرة. وأنت تساعدني في نبش القبر وإخراج الجثث. ومقابل كل جثة آخذها لك مني عشرين ألف درهم كما ذكرت لك. فتح لطفي فمه وعيناه من الدهشة وهو يسمع هذا الكلام وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. تريد أن تخرج جثث الناس أموات؟ هل جننت يا هذا أم ماذا؟ كيف تطلب مني أن أساعدك في نهب جثث للناس الميتة؟ فقال الشاب يحاول أن يقنع لطفي بمشروعه قائلاً:
تعالى لنحسب الأمر بالعقل والمنطق. هذه الجثث التي تحرسها هي الآن عرضة للدود والتعفن. بماذا تستفيد من حراستها؟ ثم من سيهتم بها إن كانت موجودة أو لا؟ وأنا لا أقصد جثث حديثة. ولكن أقصد جثث التي أكل عليها الدهر وشرب، وخاصة التي لا يأتي أهلها لزيارتها أو حتى ترحم عليها. أنا سآخذها وأنت تقبض مني المبلغ، ولا من عين شافت ولا من يدري. ما رأيك؟ لم يقنع كلام الشاب لطفي وأصر على موقفه وقال:
يا بني آدم، هذه حرمة الناس الميتة. فكيف تطلب مني أن أخرجها من قبرها وأسلمها لك؟ وهل نسيت أني مؤتمن عليها من طرف أهلها؟ ثم من أنت حتى تأتي عندي في مثل هذا الوقت وتطلب مني أن أساعدك في جريمة يعاقب عليها القانون؟ مستحيل أن أفعل ذلك. فانسى هذا الموضوع وعد من حيث أتيت. أدخل الشاب يديه في جيبه وأخرج علبة سجائر وأشعل واحدة. ثم قال وهو ينفث دخان سجارته: تريد أن تعرف من أكون؟
أنا عضو في منظمة عالمية تسعى لتقديم أبحاث علمية لفائدة البشرية. والجثث التي سأخذها منك سيتم إجراء عليها تجارب ويستفيد منها البشر في الأخير. وتذكر يا لطفي أن الجثث التي هي عرضة للتعفن والدود، العلم أولى بها. وأنت بمساعدتك لي ستقدم خدمة جليلة للعلم. وفي نفس الوقت تستفيد من تحسين وضعك المالي. فبدلاً من أن تعيش على هذا الراتب السخيف وعن صدقات محسنين...
خذ لك المبلغ المحترم على الأقل يكفي لمصاريفك ومصاريف أهلك. وصدقني أنها فرصة لا تعوض. لذلك سأتركك تفكر مع نفسك جيداً. وفي ليلة الغد سآتي إليك وأسمع منك جوابك النهائي. مع السلامة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!