تشعر نور أنها سمعت الصوت قبل كدة لكن ترد بعصبية ودموع: بابا ماله وانت مين انطق؟ يغلق زين الهاتف ويبتسم بوجع: جربي يعني إيه الدموع، والله تبكي على كل لحظة ضحكتي وعشتيها مع أمي، وأنا لا، مش هي فضلتك عليا وعاشت معاكي. غضب سامي وقال: حرام عليك يا ابني كده، البنت هتعيش يوم على أعصابها على ما ترجع. تكلم زين بغضب: يوم واحد مش يفرق كتير، مش هي كانت بتقولها ماما في الوقت اللي أنا كنت وحيد؟ اندهش سامي واستغرب ورد عليه:
وهي ذنبها إيه؟ كانت طفلة مكملتش ٥ سنين؟ وانت ليه عايز تخلق عداوة ما بينكم؟ ولسه مش شوفتها والمفروض هتكون اختك، يا عالم أبوها يعيش أو لا، وفي الوقت ده. ابتسم زين وقال: دودى هانم تختار، يا أنا أو هي. كانت نور دمها محروق وقالت: مين البني آدم ده اللي رد عليا؟ وماله بابا؟ عشان كده محدش بيرد عليا إلا بعد وقت. ولما بسأل ماما تقول كذا مبرر. يارب تكون بخير يا بابا. أنا أتصل بـ دودى وأشوف، لازم أسمع صوتها.
تبدأ تضغط على أزرار الهاتف. فكر زين بطفولة كأنه رجع شاب عنده ١٥ سنة، مش شاب عدى ٣٠ وقال: أكيد هتجري دلوقتي تتصل بست الكل، لكن هي مش عارفة إن التليفون معايا، أخدته من غير ما تحس. يلا حظك، عيشي يوم وأحلمي كوابيس. لكن ضميره بيعتبه وقال: أنت بتعمل إيه؟ طبعًا هتطلع لمين غير لـ مهدى باشا؟ عايز تعذب بنت على أبوها؟ ومين اللي أنقذ أمك؟ مش أمها. زعق في نفسه وقال: اسكت، خلص فاهم؟
ما هي أخدتها مني طول السنين دي، وأنا محروم منها ومن حنان الأم. كانت عمتوا إيناس تاخد أدهم في حضنها ولميس، ولما كانت تدخل في عز الشتاء تيجي تغطي أدهم، كانت تنام جنبه وتتكلم معاه وأنا نايم وسامع كلامها وبأرعش وهي مش شايفاني. والهانم كانت في حضن أمي. لازم كل واحد كان السبب في كل صرخة طلعت مني يتحاسب، بريء أو مجرم. ويذهب إلى البيت يأخذ شاور وينام. يحلم بنور بيبكي بالدموع وهو في سفينة وسط البحر ينادي
على زين وزين يضحك ويقوله: استرجل ياواد، الراجل مش بيبكي. يقوم ويشعر بنغزة في قلبه: خير، تفسير الحلم ده إيه؟ واشمعنى الود ده مركز معاه؟ حتى هنا يتقلب عليا السرير يمين ويسار، ثم يقوم يتصل بيه. كانت نور قاعدة على السرير قافلة الباب عليها كويس زي ما كانت بتعمل من يوم ما بقت في غرفة لوحدها وتعيط: أنا قلبي مقبوض، يارب بابا يكون بخير، ومراته مش بترد عليا. أنا لو مش في وسط البحر كنت سافرت حالا، لكن مجبور أفضل لبكرة.
ثم تلاقي اتصال، تمسك الهاتف تلاقي زين. استغربت نور وقالت: غريبة، أول مرة يتصل بيا بعد ما رجع. خير، لتكون أم أدهم فيها حاجة؟ تغير صوتها لولد وترد: أيوه يا فندم. لكن شعر زين بصوتها المنبوذ وسألها: انت مال صوتك؟ صحيتك من النوم؟ حولت متحسسوش أنها كانت بتعيط وقالت: لا يا فندم، أنا لسه هنام وكل الشغل تمام والفريق بتاعنا ينزل إجازة ويجي الفريق التاني. سأله زين وقال: وأنت نازل؟ بلعت نور وقالت:
لو أمكن يا فندم، وارجوك متطلبش مني أقعد مدة جديدة. استغرب زين وسألها: ليه مستعجل تنزل؟ اتنهدت نور وقالت: الحاج مريض، وهو أساسًا كان مريض قلب وغير شريان قلب قبل كده. ممكن لو تسمح أنزل أطمئن عليه. كان زين بيتكلم معاه كأنه بيتكلم مع نفسه وبيلومه كأنه بيلوم نفسه وقال: اوعى تكون بتبكي زي البنات لوحدك. هزت رأسها نور وقالت:
كلنا يا فندم بيجي لينا لحظة ضعف وقلة حيلة ونشعر بالوحدة، ولكن هذا ليس يدل عن شخصية الفرد إن كان رجل أم لا. كمل زين كلامها وقال: صح، وأحيانا يجي لينا لحظة من الطفولة، كأنك طفلة متغاظة من شخص وعايزة تنتقم منه عشان أخد الحاجة الخاصة ليك. تكمل حديثه وكأنهم بيتكلموا عن حاجة واحدة وهما بيلمسوا على بعض الكلام بدون ما يعرفوا وقالت:
وفى ناس تشعر بلذة ومتعة عندما تسمع دموع شخص، وممكن يحرق دمه ويفرح وهو شايفه مهزوم مكسور، لكن نسي أنه ممكن يتعرض لنفس الموقف ويكون في لحظة انكسار. أكمل زين وقال: وممكن يكون انكسر من زمان وعايز يعيشه نفس الإحساس، إنه يتحرم يشوف أغلى شيء في حياته قبل الموت. لكن أنا مش ندمان، هي أخدت أمي مني زمان، لازم أخليها تنكسر. استغربت نور وسالت بلهفة وقالت: هي مين حبيبتك؟ ولو محتاج تحكي لي أنا معاك. رفض زين وقال: لا طبعًا. فهمت
نور أنه لسه مغرور وقالت: تمام، حضرتك حر، وأسف على تطفلي. ابتسم زين وقال: يا ابني، مقصدش. لا، إنني مش عايز أحكي، أقصد إن هي مش حبيبتي. بس أنا أحكي ليك وأنت احكم. هزت رأسها نور بفرحة وقالت: اتفضل. بدأ يحكي زين: أنا كنت فاكر إن أمي ميتة، ولكن لما رجعت اكتشفت إن أمي كانت عايشة طول السنين دي وبتربي في بنت زوجها. اندهشت نور وقالت: يعني هربت واتجوزت وسابت أبوك والكل ضحك عليك وقال لك ماتت، صح؟ هز زين رأسه بالنفي:
لا، أنا شوفتها قدامي. اتعرضت لحادثة ولم لحقتها. قالوا ماتت. وبعد سنين رجعت تقول: أنا كنت فاكرة نفسي أموت وخفت تعيش الوجع معايا. قلت تعيش وجع مرة واحدة عشان كان عندها ورم وكانت فاكرة نفسها هتموت. دفعت عنها بصفة أنها بنت وقالت: في ده عندها حق. أنا جربت بدل المرة كذا مرة الوجع، وإن أخسر أبوي مع كل مرة كان يتعرض لأزمة قلبية، يكون بين الحياة والموت وأفضل على أعصابي. كان زين رافض وقال:
مش مبرر أن كل أم تعيش ألم أو أب يعزل أبناءه ويعيشهم بخدعة. فكرت نور في كلامه واقتنعت: أكيد إحنا بنتجمد لما بنعيش المسؤولية مع أهلنا، لكن مالها البنت اللي بتقول عليها؟ بدأ يشرح زين: ماهي حبت ترد جميل الممرضة اللي وقفت جنبها في مرضها واحتضنتها في بيتها، ولما طلبت منها تربي بنتها عاشت معاها وربيتها وسابتني أنا ابنها. بالمقابل لازم البنت دي تتألم. ضحكت نور بصوت ولد: يعني بتعاقب البنت بدل أمك، يبقى وقعت في حبها.
رافض زين وقال: بقولك إيه، أنت مش هتفهمني، روح نام. أنا مش عارف كلمتك ليه أصلًا. ابتسمت نور وقالت: ممكن كنت عايز حد يقولك إنك صح، ولكن الإجابة طلعت عكس رأيك. فكر زين في كلام نور: أنا بحب عقلك يا واد، ينور بيوزين بلد. لكن أنا شايف إن لازم تدوق شوية وتبكي وتتشفّح على أبوها زي ما كنت بشفّح على أمي وهي جنبي. فهمت نور وسألته: هو أنت عملت مقلب من المقالب اللي اتعملت معايا في البنت؟ ضحك زين وقال: حاجة زي كده.
كان يشعر بالنوم ويتوب وهو بيقولها. اندهشت نور وقالت: ربنا يكون في عونها. أنا الحمد لله بقيت صديق ليك. صح؟ لم يستمع له زين، كأنه لم يتحدث مع نور، كأنه أخذ منوم ونام وساب التليفون مفتوح. كانت تنادي عليه: مهندس زين، روحت فين؟ سمعت صوت نفسه. ضحكت نور: ده نام. تغلق الهاتف وتنام هي كمان. يأتي الصباح في غمضة بصر على أبطالنا وكل منهم يستعد. تستعد نور لكي تذهب عند أبوها. وزين لكي يرى نظرة الخوف والرعب في عيون نور.
يلبس ويذهب على المستشفى جري. ونور جهزت نفسها من الساعة ٥ ويأتي أمير بالعمال على الساعة ٩ صباح. وتحدث مع نور وقال: أهو صحيت من الفجر عشانك يا أستاذ نور. هزت رأسها نور بامتنان وقالت: أشكرك جدًا. الحاج مريض وأعتقد محجوز في مستشفى. كشر أمير وقال: والله كنت فاكر مستعجل عشان تشوف الجو، لكن ما دام كده مفيش مشكلة، الكل يحضر نفسه. تحدث العمال بلهفة: كلنا متشوقين نشوف أهلينا بالحقيقة. ابتسم أمير:
تمام، أول مرة السفينة تنتظر العمال، والموجودين عدد قليل. هزت رأسها نور: إن شاء الله الكل يرجع، ومستر أدهم ومهندس زين في أقرب وقت. سألها أمير: وإنت راجع تاني ولا لأ؟ هزت رأسها نور: أنا يعتبر خلصت كل عملي، لكن إذا احتاجوا لسبب سوف آجي أكيد، وسوف وممكن كل ١٥ يوم آجي يومين وأرجع. وضحكت. عرفت خلص اللعبة، أتصل بيك. ضحك أمير وقال: وأنا تحت أمرك يا واد يا حلو أنت، وإيه رأيك أشوفلك عروسة؟ ضحكت نور وقالت: تانى؟ وهزت رأسها.
بإذن الله. ضحك أمير وسأله: بإذن الله إيه؟ ابتسمت نور وقالت: بإذن الله نوصل لأهلنا بخير يا أخي. طلب أمير من الكل يجيب الحقائب. كان يوجد على السفينة المهندسين مصطفى وعمر وسيف، وأيضًا القبطان أسر وحازم، وبعض من العاملين القليلة. انصدمت ولاء لما سمعت أن سيف مش نازل وبدموع: ليه مش نازل المرة دي؟ كان يعتذر سيف وقال:
آسف يا حبيبتي، علشان المديرين عندهم أسباب خارجة عن إرادتهم لوجودهم في القاهرة. هو أسبوع يا قلبي وراجع، وإحنا كل يوم مع بعض على التليفون. بدأت تهدأ ولاء: أسبوع مش أكتر. أنا اللي غلطانة إني وافقت على شغلك هناك. ضحك سيف وبمزح: يابت استرجلي كدة، مكنش تأخير أسبوع. ضحكت ولاء: لأ يا حبيبي، ده تأخير شهر ونصف ومعاهم أسبوع. ضحك سيف: أكيد، وحسابهم باليوم والساعة. إنتي عارفة لما أرجع لكِ أعمل إيه. اتكلمت ولاء بدلع:
لأ مش عارفة هتعمل إيه. بدأ سيف يتحدث معها ويوسف لها ماذا يفعل: هتلبسي القميص القصير وعلى ضوء الشموع هنرقص مع بعض، واحملك وندخل على غرفتين، ودخل غرفته. وبدأ يحكي ماذا يفعل معه وهو يلمسه وشعر بالشهوة وهي أيضًا. لكن الأهم، رجعت علاقتهم مثل الأول وأكثر. رغم المسافة البعيدة كانوا دائمًا مع بعض.
توصل الطائرة على المدينة ثم ينزل الجميع. تجري نور تشتري من صيدلية فوط صحية لأن الوقت جاء وتشعر بالألم في بطنها ورجليها، ثم تدخل الحمام ثم تخرج وتركب وتذهب إلى الأتوبيس. تمر الساعات بملل حتى توصل على القاهرة. تنزل أول واحدة في القاهرة ثم تركب تاكسي وتروح على البيت. لكن المفاجأة أن لا يوجد أحد في البيت ولا يعلم أحد عنهم شيء. تتصل بعمها سامي. سألت نور سامي: فين بابا؟ أنا هموت أشوفه، وماما كمان مش موجودة.
سألها سامي وقال: كويس إنك رجعت، إحنا في مستشفى علشان والدك تعبان. بكت نور وقالت: أنا كنت حاسة. اسم مستشفى وفين؟ يعطي سامي العنوان لنور.
تدخل نور، تخلع ملابس الولد، فكت البوركة، كان شعرها طول شوية، سرحته سريع ولبست حلق ولبست قميص أسود تحته تي شيرت أسود وبنطلون جينز أيضًا. تأخذ حقيبة بيضاء، كانت تفعل كل هذا لكي أبوها يشوفها أن بنتها اتغيرت، أحبت نفسها كفتاة وعلمت أن الثقة بالنفس هي من تحافظ على الفتاة. كان في عقلها كلام كتير عايزة تقوله، أنها عاشت في وسط شباب كتير وعرفت كل حاجة عن عالم الرجل وأنهم مش كلهم وحوش زي ما كانت متصورة.
خلال هذا الوقت كان زين يتقص لكي يعرف مكان بيت رافت ومديحة من مصادر خاصة بها، وذهب لكي يحرق دم البنت اللي أخذت أمه منه. اتجه ووضع يده على الباب. فتحت نور الباب وفجأة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!