تحميل رواية هدير بقلم اسماعيل موسي pdf
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انزلي يا تالا جدك عايزك تحت بسرعة. لبست نقابي ونزلت بسرعة. جدي عمره ما طلبني، أنا كنت فاكرة إنه نسي إن عنده حفيدة عايشة معاه في البيت. في ساحة البيت الكبير كان جدي قاعد على الدكة وقصاده شاب جميل. جدي قال: "اقعدي يا تالا." قعدت بخجل. جدي بص ناحيتي: "ده ابن عمك سامر وصل النهاردة وطلب إيدك مني!" بلعت ريقي بصعوبة. أنا مشفتش سامر من أيام الطفولة، من أول الخناقة اللي دارت بين والدي الله يرحمه وعمي جابر. وقتها عمي جابر ساب البيت وسافر إسبانيا ومات هناك، وكل علاقتنا بسامر ووالدته انقطعت من زمان. ليه راج...
رواية هدير الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسي
انزلي يا تالا جدك عايزك تحت بسرعة.
لبست نقابي ونزلت بسرعة.
جدي عمره ما طلبني، أنا كنت فاكرة إنه نسي إن عنده حفيدة عايشة معاه في البيت.
في ساحة البيت الكبير كان جدي قاعد على الدكة وقصاده شاب جميل.
جدي قال: "اقعدي يا تالا."
قعدت بخجل.
جدي بص ناحيتي: "ده ابن عمك سامر وصل النهاردة وطلب إيدك مني!"
بلعت ريقي بصعوبة.
أنا مشفتش سامر من أيام الطفولة، من أول الخناقة اللي دارت بين والدي الله يرحمه وعمي جابر.
وقتها عمي جابر ساب البيت وسافر إسبانيا ومات هناك، وكل علاقتنا بسامر ووالدته انقطعت من زمان.
ليه راجع دلوقتي؟ ليه طالب إيدي وهو حتى ما يعرفنيش؟
تذكرت كلام والدي عن والدة سامر وقد إيه هي ست شريرة ومتكبرة ومش بتحبنا، وإنها عمرها ما نسيت معارضة والدي لجواز عمي منها.
كل ده وسامر ساكت، كان بيبص عليا كل شوية لكن بنظرة تايهة، كأنه مرغم على الحضور هنا.
قلت بخجل: "أنا معرفش ابن عمي كويس يا جدي واتفاجأت بطلبه. أكيد ابن عمي عايش في الخارج وعارف إن الحاجات دي مش بتتم بالطريقة دي. أنا محتاجة وقت أفكر."
"لكن أنا مستعجل." نطق سامر بصوت هادي. "أنا شايف نقرا الفاتحة وخلال فترة الخطوبة تقدري تاخدي قرارك."
كنت لسه هفتح بقي لكن جدي قال: "خلاص هنقرأ الفاتحة دلوقتي وبعدها ربنا ييسر الخير."
بعد قراية الفاتحة، سامر باس على إيد جدي ومشي.
كده من غير أي كلام ولا حتى تلميح.
طلعت غرفتي في غضب شديد.
جدي فاكرني طفلة من التراث القديم، يأمر أطاع، لكن أنا ليا رأي وقراري، ومش هتجوز سامر ده مهما حصل.
مكنتش أعرف أي حاجة عن سامر ولا شغله، والصراحة في الوقت ده مكنش ليا رغبة أعرف أي حاجة.
الصبح كانت صاحبتي هدير منتظراني عشان نروح الجامعة وكانت مستعجلة جداً لأننا اتأخرنا وكمان عمالة تلومني لأني خبيت عليها خبر خطوبتي.
ركبنا مواصلات أقلتنا للجامعة.
دخلنا المدرج وكان فيه هيصة لأن دكتور المادة اتأخر.
بعد ربع ساعة عميد الكلية دخل المدرج.
الكل لزم الصمت.
عميد الكلية شرح إن مدرس المادة بتاعتنا اتنقل جامعة تانية وإن فيه دكتور جديد هيمسك المادة بدل منه.
زعلت جداً لأن كنت بحب دكتور مختار وبفهم منه كويس وكانت ضربة موجعة ليا.
عميد الكلية قال: "رحبوا معايا بالدكتور سامر."
وفجأة دخل سامر ابن عمي، بلبس أنيق شايل في إيده دفاتره.
سامر كان وسيم جداً ومظهره ملفت وجذاب.
اتسمرت مكاني وحاولت أستخبي تحت البنش من الصدمة.
بدأ سامر يتكلم ولاحظت وشوشات البنات جنبي.
قد إيه هو صغير ووسيم وقصص غريبة عن أصله وحكايته وجاي من فين.
سامر كان مبهر في طريقة شرحه لدرجة إن المدرج كله كان بيسمع في صمت.
ولما خلص ارتفعت عاصفة من التصفيق.
ولقيت طالبات وطلاب كتير راحوا يسلموا عليه ويتعرفوا عليه.
هدير: "يلا نسلم على الدكتور يا تالا."
قلتلها: "مش عايزة، يلا نمشي."
هدير قالت: "ده دكتور لقطة يا تالا، شفتي بيتكلم إزاي؟"
"شايفة عيونه، شايفة لبسه."
وسط الزحمة بصيت عليه.
كان مشغول في الكلام ومكنش بيبص على المدرج.
وقفت وفضلت باصة عليه.
قلت يمكن يبص عليا.
رواية هدير الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسي
سحبت هدير من إيدها وخرجنا من المدرج.
هدير: ياريت كل الدكاتره زي الدكتور سامر.
سألتها: ليه ماله؟
هدير: أنيق، وسيم، متحدث، بيشرح بطريقة جديدة زي الدحيح كده، يارب اوعدني بواحد زيه يا رب.
هدير بصت عليها: مقلتليش بقا يا ستي خطيبك دا ولا ابن عمك شكله ايه؟
: شكله عادي يا هدير، يعني هيكون رشدي اباظه؟
هدير: دكتور سامر عندي أحلى من رشدي اباظه، مش بس شكله، شفتي البدلة والقميص جمال إزاي، وبعدين شعره لايق على وشه أوي.
أنا حاسة إني هجيب امتياز في المادة دي يا تلا والله.
ثم نظرت هدير لتلا: مش هتوريني صورة خطيبك بقا؟
تلا: بدربكة، معنديش صورة ليه، أنا لسه مقررتش أصلاً إن كنت هستمر ولا لأ.
بعدين كفاية كلام، المحاضرة التانية بدأت.
مشيت تلا مع هدير ناحية مدرج المحاضرة التانية.
هدير: بصي يا تلا دكتور سامر بيعمل إيه؟
تلا برعب: ليكون سامر قريب منها؟
وبخضة: ماله؟
هدير: هناك.
وسحبت هدير تلا من إيدها وشاورت على مكان الدكتور سامر اللي كان قالع بدلته ونازل في الطين بيزرع شجرة مع عمال الجامعة. كان شغال بجد ومركز في الحفر والري، غير منتبه للنظرات المتلصصة اللي ثابتة عليه.
شردت تلا للحظة، هو ليه بيعمل كده في أول يوم في الجامعة؟ عايز ياخد الأضواء طبعاً ويبقى مركز حديث كل الطلبة!
أنهت تلا محاضرتها ورجعت على البيت الكبير، ومن غير قصد قعدت تسأل نفسها: يا ترى سامر ممكن يجي عندنا النهاردة؟
لكن هي كانت عارفة عملت إيه، وسامر بعد كلامها مستحيل يجي على البيت ولا يقعد معاها.
رغم كده فتحت شرفتها اللي مش بتفتحها غير في المناسبات.
وقعدت تذاكر وعينها على الطريق والحقول.
سامر مظهرش، وده كان المتوقع. مقدرتش تلوم سامر ولا حتى نفسها. مش ممكن تضعفي يا تلا من أول مفاجأة.
الصبح على غير العادة تلا كانت لابسة وجاهزة منتظرة هدير قدام البيت.
هدير: يعني على الشياكة يا عم، وكمان صاحية بدري؟ ده أنا كنت بانتظرك ساعة كل يوم على ما تجهزي.
وصلوا الجامعة.
تلا بخبث: هي أول محاضرة بتاعت الدكتور مين؟
هدير بحسن نية: دكتور سامر أحلى اصطباحة.
دخلو المدرج اللي كان فاضي، تلا قعدت في الصف التاني على غير عادتها. الطاولات اللي في آخر المدرج اشتكت منها طول السنة.
هدير: تلا احنا هنقعد هنا بجد؟
تلا: أيوه.
هدير: مش معقول، ده أنا كنت بترجاكي نقعد في المنتصف بترفضى!
تلا من غير اهتمام: المدرج كان فاضي، أهي قاعدة والسلام.
المدرج اتملى من الطلبة ودخل دكتور سامر. مر من جنب تلا من غير ما ينتبه، على المدرج مسك الميكروفون وبدأ يشرح.
سامر مكنش من عادته يبص على الطلبة، نظرته كانت عامة وواسعة. وسط الشرح كان فيه سؤال محتاج إجابة.
الدكتور سامر قال السؤال وبص على الطلبة ينتظر حد يجاوب، وجت نظرته على تلا.
رواية هدير الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسي
دكتور سامر ولا كأنه شافها أو يعرفها، هكذا شعرت تلا لما عين سامر الجميلة عبرتها نحو الآخرين، يفتش عن أي طالب رافع إيده وسط المدرج الصامت الساكن. شعرت تلا بغصة، كيف لا يعرفها هذا الأحمق؟ أنا خطيبته! ثم بسرعة، كعادة النساء، رفعت أنفها بفخر وقالت: عادي.
فجأة بنت رفعت إيدها، المدرج كله بص عليها تلقائيًا. كانت بنت قصيرة وجميلة الملامح، هادية، ويمكن عمرها ما حاولت تتجاوب مع أي دكتور.
"دكتور سامر، اتفضلي،" وقعد على الكرسي. سامر ما كانش بيسأل الطالبات على أساميهم، عكس الطلبة. كان شايف إن ده من خصوصيات البنات، أو كانت ليه مبادئ بيحتفظ بيها.
البنت ارتبكت وصمتت أكتر من دقيقة والدكتور سامر بيبص عليها.
"ارجوكي متقلقيش، مهما كانت إجابتك أنا هحترمها. أنا مضطر لإحترامها."
البنت اتشجعت وبدأت تتكلم بصوت واطي.
سامر نزل من على المسرح وقرب منها، وتقريبًا وقف جنب تلا. وفضل يسمع البنت لحد ما خلصت. تلا كانت باصة قدامها من غير حركة. كان فيه بنت شبه تلا بالظبط في المقاعد الخلفية، شبهها في اللبس والنقاب، ما تقدرش تفرق بينهم غير لو كنت شديد القرب والمعرفة منهم، وعين سامر كانت مصوبة عليها.
"برافو،" شكر سامر البنت ورجع يكمل شرح. وطول المحاضرة عين تلا ما ترفعتش من عليه. كانت طريقة سامر في الحديث ملفته وجاذبة بشكل مخيف، من النوعية اللي تتمنى ما تخلصش كلام. وكانت دي أكتر لحظة تلا خافت تحبه.
هدير بهمس: يخرب بيت جمال أمك، شكلي هحب الدكتور سامر يا تلا!
تلا: متحاوليش يا هدير، هتوجعي قلبك على الفاضي، سامر مرتبط.
هدير: عرفتي إزاي؟
تلا: سمعت البنات بيقولوا كده. وبعدين إحنا فاضيين للكلام ده يا هدير؟
انتهت المحاضرة. كان مرت تلت أيام على الفتحة وسامر راح على بيت جده. تلا كانت في غرفتها، لكنها سمعت من أم عادل، مرأة عمها، إن سامر قاعد مع جدها.
غيرت هدومها وانتظرت جدها يبعت في طلبها. أكيد سامر عايز يقعد معاها زي أي اتنين مخطوبين.
جدها اتأخر، وتلا خافت سامر يمشي من غير ما يتكلم معاها.
نزلت السلم بخجل وضيق. افتكرت إنها نسيت مذكرة على الكنبة تحت.
"تلا؟ بنت حلال، أنا لسه كنت هبعتلك. ابن عمك هنا،" قال جدها وهو بيشرب الشاي.
وقفت تلا وقربت منهم وقعدت بعيد.
جدها بحزم: قربي يا تلا.
قربت تلا منهم وقعدت.
الجد: رحبّي بابن عمك يا تلا.
تلا: إزيك يا دكتور سامر؟
سامر بابتسامة: إزيك يا تلا، عاملة إيه؟
تلا: الحمد لله كويسة. إنت عرفت منين إنتِ دكتورة يا تلا؟
هو انت متعرفش يا دكتور؟ أنا طالبة عندك في الدفعة.
سامر: أصل انت متعرفش أنا في كلية إيه أصلاً.
سامر: بجد يا تلا؟ الحقيقة معرفش. إزاي مشفتكيش في المدرج؟
تلا: ده أفضل يا دكتور سامر، أنا مش عايزة أي شخص من الدفعة يعرف إني خطيبتك، انت عارف إننا لسه في فترة التعارف، وكمان عشان كلام الطلبة وتلميحاتهم البغيضة.
سامر: حاضر يا بنت عمي، أوعدك محدش يعرف إني خطيبك.
تلا: ولا تهتم بيا أكتر من اللازم، أنا طول عمري منعزلة ومليش علاقات، يعني بلاش تناديني باسمي أو تسلمي عليا! أو حتى تقربي مني.
سامر: حاضر يا بنت عمي.
الجد بضحك: فيه إيه يا تلا، سامر مش بس خطيبك، ده ابن عمك كمان؟
تلا: أنا شايفه إن كده أحسن يا جدي، ولا إنت إيه رأيك يا دكتور سامر؟
سامر: زي ما تحبي يا تلا، لكن أنا سامر بس، على الأقل هنا. فيه حاجة مش فاهمها في المادة بتاعتي، أشرحها ليكي؟
تلا: متشكره يا دكتور، أنا بذاكر كويس.
وأدرك سامر إنها صغيرة على الحب، فالعمر لا يقاس بالسنون، بل يبدأ تاريخ ميلادك من لحظة ما دق قلبك بحب شخص ما.
وكان سامر فرحان، ده اللي كان بيبحث عنه، بنت متعرفش الحب ولا كل هذا الهراء.
كانت لديه قناعاته الشخصية اللي وهب ليها كل حياته. في هذه اللحظة عرف سامر إنه لقى البنت اللي كان بيدور عليها.
ثم ابتسم سامر. غيرتها من النوع المحبب. إذا غارت الأنثى أحبت، ومتصدقش اللف والدوران. المرأة لا تكون امرأة إذا مشت في خط مستقيم.
النساء يعشقن التلميحات، الكلمات الهاربة. يحببن أن يصل لما يفكرن فيه دون أن تقوله علانية.
وإذا قلت لها أحبك مرة، إياك أن تكررها، لكن افعل شيء يشعرها بالحب. حافظ على غموضك تضمنها.
فالكتاب المباح الخالي من الأسرار ممل، مثل فيلم جميل شاهدته أكتر من مرة.
سامر بص للساعة بتاعته: أنا مضطر أمشي يا جدي، عندي لقاء مهم فيديو كونفرنس.
تلا بتهور: لقاء إيه؟
سامر: أنا دكتور متفرغ في جامعة برشلونة وليا بعض الطلبة بديهم محاضرات.
وكانت على وشك قول بنات ولا ولاد، ثم تذكرت عدم أحقيتها في السؤال، فحتى الآن ترفضه ولم تغير قرارها بعد.
واستنت تلا سامر يديها رقم تليفونه زي أي اتنين مخطوبين، أو يتكلم معاها، أو يعرض عليها تليفون جديد، أي شيء يوضح لها إنه مهتم.
رحل سامر، وتلا قعدت شارده. تابعته وهو بيختفي من باب البيت.
خرجت بره في الشارع وبصت عليه وهو ماشي بين الحقول لحد ما اختفى.
"كل واحد يفتح المذكرة على الصفحة 88." كان المدرج مليان، وتلا وهدير في المقعد الخلفي تلك المرة.
فيه ناس كتير ما كانش معاها مذكرة. سامر عاين المحاضر: أي طالب مقدرش يشتري المذكرة يروح على المكتبة وياخدها. أنا سايب خبر للمكتبة بكده. لكن أي شخص عنده القدرة على شراء المذكرة وتلكع لأي سبب، مش هقبل أي مبررات.
مشي الدكتور سامر بين الطلبة في الممر اللي بيفصل الطاولات عن بعضها.
"وإنتِ فين كتابك؟"
للحظة فكرت تلا إن الكلام مش موجه ليها، لكن وقوف سامر قدامها وبصته عليها أجبرتها على الرد.
"آسفة يا دكتور، أول ما هخرج من هنا هشترى المذكرة."
وحست نفسها متقزمة بين طلاب الدفعة. هدير كانت قاعدة جنبها بترتعش. الدور عليها.
لكن سامر عدى كل ده ورجع على المسرح. "آه، قبل ما أنسى. الكلية منظمة رحلة وعميد الكلية طلب مني أبلغكم. ياريت اللي عايز يروح يدفع الاشتراك في شباك شؤون العاملين."
خلصت المحاضرة.
هدير: يلا بينا يا تلا ندفع اشتراك الرحلة؟
تلا: مش رايحة رحلات يا هدير.
لكن لما شافت تلا بنات الدفعة مزدحمات على شباك التذاكر مثل سرب نمل على جثة صرصور، وبينهم بنات جميلات، غيرت قرارها.
"أنا هروح الرحلة."
كان من بينهم شلة بنات بتكرههم تلا ولا تحترم ميعادهم ولا لبسهم الأنيق المزيف.
هدير: يا بختك يا تلا، كلمتي دكتور سامر وأنا لأ. أنا مش هشترى المذكرة عشان يعاقبني.
جهزت تلا وهدير عدت النزهات. حقيبة مليانة بالسندوتشات، قنينات ماء، تسالي، مرايا الزينة، زجاجة عطر وكريم مرطب.
كل واحدة منهم حملت حقيبة على بابا على كتفها ووقفوا ينتظروا باص الرحلة.
رواية هدير الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسي
وصل باص الرحلة، أتوبيس عليه القيمة مستأجر من إحدى شركات النقل التي تمص دم الشعب.
ارتقى موظف ثلاثيني سلم الباص وكان في يده كشف، وبدأ ينادي بأسماء الطلبة والطالبات الذين دفعوا اشتراك الرحلة.
نظر الموظف، الذي كان يحاول أن يبدو أنيقاً، نحو الطلبة، ثم نظر لكشف الرحلة بتركيز قبل أن ينادي على الاسم الأول.
راح الطلبة يركبون الباص، وكان ملاحظاً أن الطالبات الاجتماعيات، كثيرات الحركة، المعروفات، ركبن الباص أولاً في مصادفة غريبة تدعو للاندهاش.
الموظف الحيادي كان حافظ بعض الأسماء ولم يلتزم بالترتيب الأبجدي، وركب من يعرفهم قبل الآخرين. لا شيء جديد يدعو للاستعجاب. في رحلة أو مدرسة أو وظيفة أو مصلحة حكومية أو حتى فرن عيش، هناك قوانين إلزامية. عليك أن تعرف مقامك وقدرك، وأنت مجرد حثالة أخرى في هذه الحياة، مكانك آخر الصفر.
ركبت ثلاث وهدير في المقعد الخلفي. الدكتور سامر لم يظهر والاتوبيس تحرك. سامر مشرف الرحلة، الطلبة كانوا يعرفون ذلك.
في الطريق، وقف الباص وركب سامر. كان مكانه في المقاعد الأمامية جوار فتاة منحلة المظهر من البنات التي تغرق وجهها بالمساحيق وترتدي "محزق وملزق" وتترك شعرها المكوي عنوة للريح تتلاعب به.
بص سامر على الأتوبيس وتأكد أن تلا موجودة. لو كان فيه مكان فاضي جنبها كان هيقعد فيه بلا تردد.
انطلق أتوبيس الرحلة بلا توقف نحو البحيرة. المخيم كان هينصب وسط الخضرة والأعشاب.
بدأت كل مجموعة مقربة من بعض تنصب خيمتها وتقعد فيها.
خيمة تلا كان فيها هدير والفتاة الهادئة القصيرة التي لا تفتح فمها إلا نادراً، تسنيم.
مر سامر على خيام الطلبة يشوف لو كان فيه شخص محتاج مساعدة، وكانت خيمة تلا آخر خيمة.
هدير وتلا بعد ما نصبوا الخيمة فرشوا الأكل لحظة مرور سامر.
سامر تلقى دعوات كتيرة من طلبة وطالبات عشان ينضم إليهم، لكنه رفضها.
ألقى سامر التحية بوجه مبتسم.
أول ما تفكر به الفتاة معدتها قبل الخطبة، ثم تلتزم العدة وقت الخطبة قبل أن تنقض على الأخضر واليابس بعد أسبوع من الزواج.
"فضل يا دكتور"، قالتها هدير بصوت متهدج.
"سامر، الصراحة أنا جعان، بس ممكن ننقل الأكل خارج الخيمة؟"
"البنت الأوزعة طبعاً يا دكتور."
"هدير، دا شرف لينا يا دكتور."
تلا بوجه غير واضح الملامح تكسوه حمرة الخجل، لم تفتح فمها.
قعد دكتور سامر معاهم وبدأ يأكل ويسنى على مذاق الطعام.
داريا شافت دكتور سامر قاعد مع أحط الناس شأن في نظرها، فداريا ابنة رجل ميسور يلبي لها كل طلباتها والأكل اللي معاها جاهز من ماك وكنتاكي. تنفست داريا بغضب.
"شوفي دكتور سامر قاعد مع مين؟"
"مادلين بنظرة حاقدة: آه شايفه، إحنا طلعنا الرحلة دي عشانه."
"داريا: مين البنت اللي هناك دي؟ المنقبة؟"
"مادلين: معرفش اسمها، أنا مش بعرف الأشكال دي."
"شايفه سامر بيبصلها إزاي؟"
"داريا: آه شايفه، مش ناقص غير يأكلها بيده."
"مادلين: أكيد دكتور سامر بيعطف عليها، أنا عارفة الصنف دا كويس. أكيد راحت عنده المكتب عشان المذكرة ودكتور سامر قلبه طيب. أنا فاكرة كويس إن البنت المنقبة دي مكنش معاها مذكرة. أنا هموت من الغيظ. شايفة البنت بتبص عليه إزاي."
خلص الدكتور سامر أكل وسابهم ومشي. داريا مشيت بغيظ ناحية خيمة تلا، وكان ليها مشية مسترجلة مع إن عودها كان لا يخلو من انحناءات نثوية هايلة.
"هاتي يابنت"، وشاورت داريا بإيدها. "بلاش الشغل الرخيص ده، انتي عايزة إيه من دكتور سامر؟ متعتَقديش إن دكتور سامر كان عايش في أوروبا وإنك ممكن تخدعيه عشان قلبه الطيب."
"تلا بتحدي: وانتي مالك أصلاً، بتتدخلي في حاجة ملكيش فيها ليه؟"
"داريا بسخرية: بطلي شغل الشحاتة ده، إن كان على المذكرة أنا ممكن أديكي تمنها." وخرجت من جيبها مية جنيه، رمتها في وشها.
تلا، وطت على الأرض، مسكت الفلوس وبقلم معتبر ضربت داريا على وشها.
داريا صرخت. مادلين اشتبكت مع تلا، هدير اتدخلت، وحصل قدام الخيمة اشتباك عنيف، استخدمت فيه كل الأسلحة النثوية الممكنة، من عض ورفص، شد شعر، تقلبات أرضية.
تجمعت طلبة الدفعة على الصراخ وتم الفصل بين البنات. داريا كانت مرمية على الأرض بتعيط وتنشد قصيدة اتهامات ضد تلا.
وصل دكتور سامر بيجري، لقى داريا مرمية على الأرض بتعيط ماسكة وشها.
بص دكتور سامر لتلا. تلا كانت واقفة بثبات وعزة وفخر.
ساعد سامر داريا تقف، وسأل: "إيه اللي حصل؟"
كل شخص قال حجته، لكن سامر كان محتاج شهود.
داريا مشهورة في الدفعة، وشهادة البنات كانت في صفها.
"أقول مزيفة من أشخاص مشفوش حاجة."
أصرت داريا تعمل محضر رسمي لإدارة الكلية.
أخذ سامر داريا وصحبتها على خيمته، عشان يحاول يحل المسألة دي، وكان بيعتذر لها قدام الطلبة.
"داريا بعصبية: مش هتنزل يا دكتور، أنا والدي هيخرب الدنيا، البنت دي لازم تتطرد."
"تلا بعصبية: بنت مين اللي تتطرد يا إفاقة يا كدابة." وهجمت على داريا تضربها تاني.
مسك سامر إيد تلا قبل ما توصل وش داريا وصرخ: "كفاية لحد كده يا تلا."
"داريا بعياط: شوفي يا دكتور؟ أشهدوا يا بنات."
مشيت داريا ورا دكتور سامر مع صحبتها مادلين، مسحت دموعها، وعدلت مكياجها وابتسمت وهي بتهمس في ودن مادلين.!!
"البنت دي لازم تتأدب، أنا مش هسكت عن اللي حصل ده."
"مادلين: ما أنتي هتعملي محضر رسمي؟"
"داريا بهمس: المحضر دا في ناحية، واللي هعمله في ناحية تانية خالص."
"مادلين: لما نرجع الجامعة نشوف هنعمل إيه؟"
"داريا بعصبية وغل: مش هستنى لحد ما نرجع الجامعة، البنت دي هتخرج من هنا بفضيحة!!"
داخل خيمة دكتور سامر، داريا المستضعفة، لم تتوقف عن العياط والولولة، تندب. المرءة عندما تحب ولديها كل المقومات.
داخل الأنثى يوجد ثعبان وقمر وبومة.
"انتهى اللقاء، داريا أنا مش هعمل حاجة عشان خاطرك يا دكتور سامر، لكن والدي أنا مش ممكن أتوقع ردة فعله لما يعرف."
"سامر: أنا هقابل والدك وأخلص معاه الموضوع."
في طريقهم ناحية الخيمة، داريا: "اديني رقم فتحي الشريف يا مادلين."
فتحي الشريف أاصيع طالب في الدفعة وشهرته فتحي بفره. مش بينزل الجامعة غير ضارب بانجو أو حشيش وعنيه مش قادر يفتحها.
"مادلين: هتعملي إيه؟"
"داريا: فتحي بفره هو اللي هيعمل، مش أنا."
كلمت داريا فتحي بفره، اللي كان نايم في سريره مش عارف الجو نهار أو ليل.
مشى ورا داريا لحد ما جذمته اتقطعت، كان نفسه يتكلم معاها أو يصاحبها. داريا عارفه إنه يتمنى كلمة منها.
أو حتى تقف معاه دقيقة صدفة داخل حرم الجامعة.
"فتحي غير هدومك، خد مواصلات وتعالى على هنا بسرعة."
رواية هدير الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسي
تلا داخل خيمتها بغضب.
"دكتور سامر عمال يتحايل عليها كمان؟ أقسم بالله لولا مسك إيدي لكنت ضربتها تاني حتى لو هاتترفد من الجامعة، بنت كذابة وحقيرة."
"مهما كانت المواقف والإشكاليات، فليس عليك أن تتهور. هذه السبات ليست فخر لك. إن بعض البشر لا يعترفون ولا يتراجعون إلا عندما تعاملهم بنفس طريقتهم الحقيرة والخسيسة، لذلك اعتزل البشر."
تلا: "كنتِ عايزاه يعمل إيه يعني؟ يضربها ولا يحاول يحل المشكلة؟"
هدير: "كنتِ عايزاه يدافع عني لأنه لو مدافعش عني ما يست..."
قضمت تلا الكلمة قبل النطق بها، كادت أن تفضح السر. حينها تذكرت شرطها وعذرت سامر.
هدير: "يدافع عنك إزاي؟ هو يعرفك أصلاً؟ ثم الراجل كان بيحل المشكلة. داريا كانت هتعمل محضر، والشهود كانوا معاها. يارب تعدي على خير، اسمي لو جه في المحضر أبويا مش هيخليني أحط رجلي في الجامعة مرة تانية."
تلا بثقة: "متخفيش، دكتور سامر هيحل المشكلة. داريا مش هتعمل محضر ولا أي حاجة."
هدير بغيظ: "أنا هموت من هدوئك ده يا تلا، دكتور سامر مشرف الرحلة ومش مضطر يدافع عنا، هو إحنا ماسكين عليه زلة؟"
تلا وهي تبص لبعيد: "متخفيش يا هدير، مش هيحصل حاجة."
"دلوقتي يلا بينا، إحنا مش هنتحبس في الخيمة."
تسنيم وهدير وتلا قعدوا على ضفة البحيرة قبل غروب الشمس، بيحدفوا شرائح طوب رقيق على سطح المياه الراكده في تحدي مين يبعد حجره أكتر.
وصل فتحي بعد غروب الشمس، تسلل لداخل المعسكر الواسع. كان فيه رجال أمن، لكن مساحة المعسكر وعدد الطلبة مخلاش حراس الأمن يلاحظوا دخوله.
الجو كان جميل والقعدة كانت رائعة. قربت منهم بنت ميعرفوهاش شخصياً لكن من دفعتهم.
"أستاذة تلا، ممكن كلمة لو سمحتي؟"
وقفت تلا ومشيت مع البنت ناحية الخيام المنصوبة.
البنت: "بصراحة إلى عملتيه في داريا تستاهله، بنت متكبرة ومغرورة وشايفة نفسها. كويس إنك ضربتيها، أنا شفت كل حاجة ولو طلبوا شهادتي هكون في صفك."
صافحت تلا جوانا، التي تتمتع ببنية رياضية ورغم أن لديها ملامح كيت وينسلت إلا أنها تمتلك نظرة كفيلة بتجميدك. وتندهش كيف لتلك العيون الخضر أن ترعب؟
قصدت تلا الخيمة، هتاكل ساندوتش تصبيرة. ما إن دخلت الخيمة حتى ظهر فتحي في يده سلاح أبيض.
كانت تلا على وشك الصراخ، لكن فتحي المحنك زرع السكينة في جنبها.
"اسكتي يا بت، هشرخ معدتك."
تلا: "انت عايز إيه؟"
فتحي: "ارفعي النقاب ده."
تلا بخوف: "هتعمل إيه؟"
فتحي بضيق: "ارفعي النقاب، خليني أشوف تستاهلي ولا لأ."
تلا: "ابعد عني أرجوك، حرام عليك."
ضغط فتحي على السكينة حتى اخترقت القماش ولامست الجلد.
"مش حرام الجسد دا يتشوه؟ ارفعي النقاب، عايز أشوفك."
"هناك بعض اللحظات عليك فيها الاختيار بين شرفك ومبادئك وحياتك!"
غمضت تلا عينيها وصمتت.
فتحي: "بصي، برضاكي بالعافية هترفعي النقاب، القرار ليكي؟"
تلا باستسلام: "مش هرفع النقاب."
فتحي: "تمام." وغرز السكين أكتر في جلدها.
دخلت داريا من الباب على وشها ابتسامة سخرية. ومادلين وقفت خارج الخيمة تراقب الطريق.
رفعت داريا نقاب تلا بالعافية.
"دا عشان تعرفي تعاملي بنات الناس المحترمة إزاي." وضربت تلا بالقلم على وشها.
فتحي: "خلص، إحنا معندناش الليل بطوله هنا."
أخرجت داريا تليفونها.
"افتحي المن."
"نزل من جمال تلا بعد ما كبل إيديها، حضنها."
التقطت داريا الصورة.
"حضن يبدو لك هادئ مسالم."
ثم قبله عنيفة طويلة وعدت صور سريعة.
فتحي: "مش كفاية كده يا داريا؟"
داريا بحقد: "لا مش كفاية." ثم شقت رداء تلا عند الكتف.
دالين بخوف: "دكتور سامر جاي على هنا."
داريا: "اخلص يا فتحي يلا."
دفعت تلا فتحي بعيد عنها بكل قوتها. السكينة جرحتها، وهربت العصابة من مؤخرة الخيمة.
قعدت تلا على الأرض تعيط وتبكي. وقف سامر قدام باب الخيمة ونادى عليها.
"تلا ممكن تخرجي؟ أنا سألت عليكي صحابك وقالوا إنك هنا."
تلا بعصبية وعنف: "ابعد عني لو سمحت، أنا مش عايزة أشوف حد."
سامر: "لو كنت زعلتك يا بنت عمي أنا أسف، بس عندي كلمتين عايز أقولهم لك."
تلا: "لو سمحت مش عايزة أشوف حد، ابعد من فضلك."
انحسب سامر بحزن بعيد عن الخيمة وترك تلا بمفردها.
جوانا: "هما البنات دول كانوا بيعملوا إيه في خيمة تلا؟ وليه خارجين من ضهر الخيمة؟"
"حدث جوانا أخبرها إن فيه مصيبة حصلت. تلا وداريا كانوا لسه متخانقين وكمان مين الصعلوك اللي كان معاهم ده؟"
وقبل ما تروح على خيمة تلا نادت عليها واحدة من صديقاتها، اتلهت ونسيت اللي كانت بتفكر فيه.
رواية هدير الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسي
أحيانًا كل حاجة بتنتهي قبل ما تنتهي، لما الأشياء بتفقد قيمتها في نظرنا، أو إحنا بنفقد الشغف.
لاحظت هدير وتسنيم اختفاء تالا اللي طول عن اللازم. رجعوا على الخيمة، تالا كانت غيرت ملابسها وقاعدة دماغها وسط ركبتيها. اتكلموا معاها، لكن تالا كانت في حالة تانية، حالة من عدم الإدراك وقلة الوعي. ردودها كلها كانت هجومية. اختفت تالا المرحة اللي خاضت معركة ملحمية من ساعات، تبدلت بأخرى مهزومة داخل نفسها.
تالا في نفسها بتصرخ في صمت:
"لو كان عندي أخ، حتى والدي حي، ما كان حالي هيبقى كده. أطلب المساعدة من جدي؟ هقول له إيه طيب؟"
كانت من الحالات اللي الإنسان بيشعر فيها باليتم. تالا لمّت ملابسها وقالت إنها رايحة.
هدير:
حاولت تقنعها تعدل قرارها، لكن تالا أخدت حقيبتها ومشيت. تركت المعسكر وكل شيء وراها.
اليوم التالي، تجمع الطلبة حول الباص. نطقت الأسماء وكان واضح تغيب تالا. هدير وضحت إن تالا اضطرت تغادر المعسكر لظروف خاصة.
ظروف المرأة غير ظروف الرجل، وكلها مقبولة. وحدها سامر اللي كان بيفكر إيه اللي حصل؟ سأل هدير وتسنيم، لكنهم ما كانوش يعرفوا حاجة ممكن تفيده.
داريا:
كنت منشكحة في قمة السعادة والفرح والمزاح، وعمالة يعني مع دالين وأصدقائها.
بدل سامر جلسته في طريق العودة، وجلس على مقعد تالا الفاضي.
مر أسبوع وتالا متغيبة عن الجامعة. كانت رافضة تقابل أي شخص، حتى هدير صديقتها، متعللة بالمرض. لازمة فراشها كأنها في بيات شتوي. وكانت كل يوم تتمنى حضور سامر لبيت العائلة عشان يتكلم معاها، وكانت مستعدة تعتذر له عن طريقتها الزبالة معاه.
كانت محتاجة تتكلم مع شخص تثق فيه، وما كانش عندها أي شخص يمكن الوثوق به. فحمل الآلام بمفردك أمر مجهد ومهلك، ويمكنه أن يقضي عليك.
لكن سامر، اللي شعر برفض تالا له وعدم رغبتها في الكلام معاه، أو حتى احترام إنسانيته بعيدًا عن إنه ابن عمها، ما لقاش مبرر يدفع تالا تكلمه بالطريقة دي. وكمان ما حبش يفرض نفسه عليها. إذا كانت مش عايزاه، وبتنتهز كل فرصة توضح فيها كده بأفعالها وكلامها.
خلال الأسبوع ده، سامر قدر يحل المشكلة واعتذر لوالد تالا عن الموقف اللي حصل، وفسره بأنه خناقة تهوريه بين شابتين، لالتباس فعل استباقي قبل حدوثه، واختلاف وجهات نظر نمطية متسع بين ذهنَيْن رفض كل منهما تقبل الآخر.
لكن غياب تالا قلقّه. إن كان يعرف شيء واحد عن تالا، فإنها مش ممكن تتغيب عن الجامعة عشان سبب تافه.
الحب يجب اقتلاعه في بدايته، لأنه مثل الشجرة، كلما كبرت وتضخمت، تعمقت جذورها وانتشرت وتوزعت وغطت مساحة كبيرة، وصعب جثها.
أنهى سامر محاضراته وذهب لبيت الجد، وهناك طلب مقابلة تالا. لكن تالا رفضت. الجد اتعصب وقعد يزعق، لكن سامر هداه وقال إنه مش زعلان. وأدرك في تلك اللحظة حاجة تالا الملحة للتحدث معه. فيه حاجة حصلت ولازم يعرفها.
طرق سامر باب غرفة تالا وترجاها تنزل تقعد معاه شوية. تدللت تالا مثل أي أنثى، وهذا شيء طبيعي على الرجل أن يحترمه.
نزلت تالا. الجد الذكي منحهم مساحة يقدروا يتكلموا من خلالها.
سامر:
تالا، لو فيه حاجة حصلت معاكي، أحب أعرفها. وتأكدي يا بنت عمي إني مش بس خطيبك، أنا لازم أكون في ضهرك في مشاكلك ومتاعبك. لازم أكون راجل معاكي.
تالا:
مفيش حاجة. أنا بس تعبانة شوية.
سامر:
شوية الأوباش زعلوكي في حاجة يا تالا؟ تأكدي إني مهتم أعرف لو فيه حاجة مضايقاكي.
تالا:
لا. مفيش.
لكن في سرها كانت بتبكي. إزاي أقول له على حاجة محرجة زي كده؟
سامر بعد صمت طويل وتركيز:
تالا، لو انتي مجبرة عليا، أنا هنسحب. أنا بس عايز أسمعها منك.
تالا في سرها:
أعتقد دا أنسب حل. إزاي هقبل أجوزك وشخص ماسك عليا حاجة ممكن يتبذلني بيها؟
تالا:
سامر، انت شاب كويس والف مين يتمناك، لكن أنا مش عايزة أجوز دلوقتي.
وفهم سامر إن دا رفض بطريقة مهذبة. سحب نفسه، اعتذر لتالا، وفسخ الخطبة مع جده وغادر المنزل.
رواية هدير الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسي
مضت الأيام وتلا منعزلة في غرفتها، ما كانت قادرة تروح الجامعة ولا حتى تنزل الشارع. بالنسبة لها، اللي حصل أمر فظيع جداً ما قدرت تتحمله. تلا من يوم وفاة والدها ووالدتها كانت متوفية أصلاً بعد ولادتها، قضت أربعة عشر سنة في اليتم. محدش يعرف يعني إيه يتيم؟ إنسانة وحدانية منعزلة، لا بتحب المشاكل ولا ليها علاقات اجتماعية أصلاً. حتى داخل البيت كلامها قليل، مكتفية بذاتها. كانت بتقضي وقتها بين المذاكرة وهواياتها اللي خلقتها من رحم العزلة. إنسانة حتى وهي شابة بتنام حاضنة دمية إلى الآن. جدها كان مدرك لده وحاسس بألمها، ويمكن هو اللي أصر محدش يضايقها.
كتير فكرت تلا بعد وفاة جدها هيكون إيه مصيرها؟ أعمامها هيجوزوها ويخلصوا منها. ما كانت عايزة تتجوز واحد من أولاد عمها عشان اتنقبت من وهي صغيرة، لكن بعد كده أدركت إن النقاب حماية وطاعة في نفس الوقت. اقتنعت تلا إن عليها أن تتحمل حزنها بمفردها، وإن ليس من حقها أن تدخل شخص آخر معها في ورطتها.
ماذا تفعل إذا كنت لا تمتلك صديق ولا قريب ولا حتى عائلة؟
حتى بعد دخولها الجامعة، تلا كانت تخجل من عدم قدرتها على الكلام مع الناس، ولا حتى بتعرف ترد كويس. كانت بعيدة عن كل ده وبتقعد مع نفسها. جدها حس بيها وطلبها وحلول يقنعها تتكلم، لكن تلا ما تكلمتش. لكنها اضطرت ترجع الجامعة، وكان أول يوم رجوع ليها يوم أسود بالنسبة ليها.
كانت ماشية وهي حاطة راسها في الأرض، خايفة من كل نظرة، متوقعة في أي لحظة شخص يظهر لها بصورها ويفضحها وسط الجامعة. لو حصل دا، تلا ممكن تموت فيها.
هدير كانت مبسوطة كدا برجوعها، طايرة من الفرح والسعادة. مش عارفة تعمل إيه عشان تخليها سعيدة. تسنيم وجوانا كلهم اتجمعوا حواليها، ولأول مرة تلا تحس إنها بين ناس ممكن تحميها. مشيت وسطهم مستورة بيهم ودخلت المدرج مدسوسة وسطيهم.
مادلين شافت تلا. همست لداريا: "البنت شرفت."
داريا بسخرية وغل: "متقلقيش، هخلي أيامها سودة. البنت دي لازم تبوس إيدي قدام كل الجامعة."
المحاضرة بدأت. تلا خلاص هتتخلص من خوفها، وصلتها رسالة من داريا بواحدة من صورها المخجلة. بصت تلا على داريا بخوف قبل ما تشيل الفون في شنطتها وتحط دماغها في الأرض.
جوانا قاعدة ملاحظة كل ده وبدأت تربط الأحداث ببعضها، لكن عقلها ما وصلش لكل الحقد والندالة دي كله. بس! حطت عينها على داريا ومادلين، راقبتهم بدقة وشافت نظراتهم وسخريتهم وهما بيبصوا لتلا، وشافت خوف تلا وراسها اللي موطية على الأرض. وقدرت تكون قصة في دماغها، وكان ناقصها إشارة بسيطة.
خلصت المحاضرة وخرجوا بره المدرج. داريا قربت من تلا وسط البنات، بصت عليها بكبر وغرور.
داريا: إيه مش ناوية تعتذري عن اللي عملتيه معايا ولا إيه؟
تلا بخضوع: أنا آسفة.
داريا: مش سامعة بتقولي إيه؟ ارفعي صوتك الحلو.
رواية هدير الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسي
داريا، بتقولي إيه أنا مش سامعاكي، ارفعي صوتك شوية!
كانت تلا على وشك تقول آسف بصوت مرتفع حتى تتمكن من الفرار من الجامعة، الهرب لغرفتها ووحدتها. البشر مؤذين جدا.
ظهر دكتور سامر من بعيد، لمحته داريا. مسكت التليفون بتاعها ونظرت لتلا نظرة طويلة ساخرة.
حتى العيون يمكنها أن تسخر، خاصة العيون العسلية، ويمكنها أن تقتل أيضاً.
اقترب سامر في حلة إيطالية أنيقة ضيقة، وكان شعره مهمل غير مشذب مما زاده جمال.
فمه انفتح لما شاف تلا رجعت الجامعة وحس بفرحة ووشه ابتسم.
حدقت تلا بالهاتف برعب. هذا الهاتف اللعين داخله حياتها وحيائها. وفكرت في اللحظة دي إنها لو حطمت التليفون المشكلة هتتحل.
تلا بنفس طويل وصوت واضح مرتفع: "أنا آسفة يا داريا". قالت تلا الكلمة وسط اندهاش هدير وتسنيم.
سمع دكتور سامر اللي كان معدي جنبهم الكلمة بوضوح ومش عارف ليه حس فيها بألم دفين، وجع مكتوم يسكن تلا وحزن يقطع أحشائها وحس إن مودها تعكر.
هذه فتاة اختارت لنفسها الوحدة، ربما عليها أن تقضي ما تبقى من حياتها في عذاب وألم.
وسط العيون المندهشة، جوانا حطت إيدها الرقيقة على كتف تلا وحضنتها.
"يلا بينا على المحاضرة."
جوانا لتلا بعد ما لاحظت أنفاسها الساخنة المتلاحقة بلا هوادة: "تعالي معايا اغسلي وشك في الحمام."
سحبت جوانا تلا، ومن اللحظات القليلة دي تلا حست إن فيه حد حاسس بيها من غير ما تتكلم ولا تشكي أوجاعها.
وتمنت لو سامر كان حس بيها واجبرها على الكلام بدل انسحابه من حياتها الكئيبة.
كانت تلا بتبكي لما رفعت النقاب. جوانا بصت للناحية التانية عشان تمنح تلا بعض الخصوصية.
خافت إن تشعر تلا بالخجل منها. جوانا كانت عايزة تدي تلا وقت تحزن فيه وتطلع وجعها في ستر.
"تلا، أنا خلصت، يلا بينا."
جوانا: "إحنا مش هنروح المحاضرة، أنا عزماكي على نسكافيه سخن."
لم تعترض تلا، مكنش ليها نفس تحضر المحاضرات. قعدوا قدام بعض في صمت يتشاركان الحزن.
الحزن مثل الفرح يحتاج من يتشاركه معنا.
جوانا: "تلا، أنا عارفة إنك في مشكلة عويصة، لو كنتي بتعتبريني صديقتك ارجوكي اتكلمي. كل مشكلة ليها حل.
الهروب من مواجهة المشكلات تأجيل مش أكتر."
تلا: "مشكلتي ملهاش حل يا جوانا، أنا في ورطة كبيرة أوي، حاسة إن حياتي انتهت وإني لازم أموت."
جوانا: "داريا صح؟ أنا شفتها يوم الرحلة خارجة من خيمتك ومعاها دالين وشاب شكله معجبنيش.
إيه اللي حصل داخل الخيمة يا تلا؟"
تلا: "مقدرش أقول يا جوانا، مقدرش!!"
جوانا بنبرة هادية عاطفة: "الولد ده تحرش بيكي؟ اغتصبك؟"
تلا بدفاع عن الشرف: "لا لا مش للدرجة دي."
جوانا: "امال مرعوبة ليه وقلقانةني معاكي؟ مهما كان حصل غير كده سهل."
تلا ببكاء: "اجبروني يا جوانا، هددوني بالقتل، داريا خلت الولد ده يتصور معايا في أوضاع مخلة.
أنا لازم أقتلها، مش هرتاح غير لما أفش غلي فيها."
جوانا بفرحة: "بس كده؟ هي حركة وسخة لكن انتي ممكن ترفعي عليهم قضية لو حاولوا يبتزوكي."
تلا: "لا لا، مش هينفع، أنا مش هقدر أعيش لو حد شاف صوري بالشكل ده!!"
جوانا: "طيب سيبى الموضوع دا عليا أنا، ممكن أوصلك للبيت؟"
تلا: "بيتنا بعيد مش عايزة أتعبك."
جوانا: "أنا متعودة على المشي مسافات طويلة، ما يغركيش شكلي الكيوت. أنا بشتغل تلت شغلانات عشان أصرف على نفسي يا أستاذة، مش عندي جد غني بيديني كل الفلوس اللي أنا عايزها."
مر دكتور سامر ببصره على المدرج، شاف هدير وتسنيم لكن ملقيش تلا.
شرد لحظة يفكر: معقول للدرجة دي مش طايقاني ولا قادرة أتحمل وجودي معاها في مكان واحد؟
لكن أنا معملتش في حقها أي حاجة ممكن تضايقها. ثم تنهد دكتور سامر.
وبعدين معاكي يا بنت عمي؟ ليه مصعباها للدرجة دي؟ أنا أكتر واحد مهتم بحالك من يوم ما شفتك بتبكي في جنازة والدك الله يرحمه.
ولما رجعت مصر كنتي أول بنت فكرت فيها، كنت عايز أنتلك من وحدتك وأمنحك بعض السعادة.
"إيه يا دكتور روحت فين؟" صرخت داريا المنتشية بالفرحة.
وتذكر سامر اعتذار تلا لداريا، تلا اللي منعها بالعافية تضرب داريا وبتعتذر ليها؟
هعرف إيه اللي حصل مهما كلفني الأمر، لو مش عن طريق تلا يبقى عن طريق داريا.
رواية هدير الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسي
كان الجد حزينًا على فسخ الخطبة وظل أيامًا يفكر فيما يمكن أن يكون قد حدث.
صحيح أنه سمع كلام تالا الجاف مثل قلم رصاص يوم قراءة الفاتحة، لكنه يعلم أن الفتيات مجانين وفي الغالب يقلن عكس ما يرغبن به فعلًا.
وهو يعلم أن سامر حفيده شاب جيد وتالا تربيته، إذًا كان الفشل يقع على عاتقه وحده.
وراحت عن الجد راحة البال واختفت ابتسامته وبدا عليه الوجوم والتعاسة.
لم يعد هديل الحمامات يطربه واختفى مذاق كوب الشاي بعد الفجر.
وكان يشرد لفترات طويلة يحدق بالفراغ.
"معقولة يا بنت ابني يكون نصيبك واحد من أولاد أعمامك إلى إنت مش طايقاهم؟"
ثم سرح فكره أكثر من ذلك، سمع مؤخرًا عن حاجة اسمها الحب بتبوظ عقول البنات، وهو رجل قوي لكنه فاهم أنه أمام الحب منزوع الحيلة.
وتالا حالها متغير، البنت مش على بعضها من أكثر من أسبوعين.
"لازم أتكلم مع سامر وأعرف إيه اللي حصل خلاه يفسخ الخطوبة."
وطلب من واحد من أحفاده يطلب سامر في التليفون.
هذه العدة التي أفسدت الحياة الاجتماعية.
سامر كان في الجامعة لكنه وعد جده يمر عليه بعد الشغل.
اليوم التالي جوانا انتظرت تالا على باب الجامعة ودخلت معها ناحية المدرج.
جوانا قررت أنها متسيبش تالا تمشي لوحدها وأنها هتتصدى لمضايقات داريا بكل قوتها.
كانت داريا واقفة مع شلة بنات متأنقين.
تالا اختارت طريق بعيد عنهم لكن داريا مشيت ناحيتهم.
أصبح إذلال تالا مثل المخدر بالنسبة لها.
"إزيك يا تالا؟"
"تالا: الحمد لله بخير."
"داريا: أنا قلت أسلم عليكي أصل يومي ما بيبقاش جميل غير لما أشوفك."
كانت تتكلم بضحكة تجعلك تمقت الحياة وتتمنى ضربها.
جوانا لاحظت أن عين تالا على تليفون داريا، عين مرعوبة.
زقت جوانا تالا على داريا، دفعتها بقوة لدرجة أن داريا وقعت على الأرض.
"تالا: المصدومة حاولت تعتذر لداريا، لكن داريا بصراخ منعتها."
"داريا: وكمان بتعملي كده، أنا هعرف أربيكي إزاي، ورحمة أمي لأفضحك يا تالا، هخلي سيرتك على كل لسان."
"تالا: بخوف وهي تكاد تقبل يد داريا، عشان خاطري، أرجوكي بلاش، حرام عليكي."
"داريا: بسخرية، مبقاش داريا لو خليتك تحطي رجلك في الجامعة مرة تانية."
"تالا: وقد ارتفع نحيبها، وطّي صوتك لأن الطلبة بدأت تتجمع حواليكي."
تجمعت الطلبة وظهر على وجوههم نظرات الصدمة.
"داريا: بسخرية، خايفة من إيه؟ مش إنتي البنت المنقبة اللي الكل بيحلف بأدبك؟ محدش يعرف أسرارك القذرة غيري."
وهي بتلعب بالتليفون بتاعها.
"جوانا: بعصبية، سحبت الفون من إيد داريا، وريني هتعملي إيه بقى؟"
"جوانا: الفون ده هيروح لعميد الكلية وكل اللي ليه حق ياخده."
"داريا: بوجه خايف، هاتي التليفون بتاعي يا قذرة."
"جوانا: تليفونك هيرجعلك لكن مش هنا في مكتب عميد الكلية."
سحبت جوانا تالا وراها ومشيت على مكتب عميد الكلية.
كان فيه حشد من الطلبة.
عميد الكلية خرج بره المكتب لما سمع الصراخ والزيطة.
"جوانا: فيه مشكلة كبيرة حضرتك ولازم تحقق فيها."
"جوانا: البنت دي" وأشارت على داريا، "بتبتز تالا بصور مخجلة أخدتها هي وأصحابها بعد ما هددو تالا بالقتل."
عميد الكلية مسك التليفون بصدمة.
"عميد الكلية: افتحي التليفون يا آنسة."
"داريا: اللي بيحصل ده غلط وأنا مش هسكت عن حقي."
"عميد الكلية: بقولك افتحي التليفون، دي أعراض ناس."
"داريا: مش هفتح تليفوني لحد."
"عميد الكلية: بتهديد، لو مفتحتيش الفون هضطر آخد ضدك إجراء تأديبي، هفصلك من الكلية."
"داريا: بتردد فتحت الفون بالرمز الخاص."
مسك عميد الكلية الفون وفتش فيه بدقة وتركيز وعنيه مبرقة وكل شوية يبص على تالا وجوانا وداريا.
بعد خمس دقايق خلص فحص الفون وبص على داريا.
بعد كده بص على تالا وجوانا.
"عميد الكلية: أنتم الاتنين متحولين على مجلس تأديبي، اتهام الناس زور مش هيعدي من غير عقاب."
وبص على داريا، "أنا آسف يا بنتي..."
رواية هدير الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسي
في طريقه نحو المحاضرة صادف دكتور سامر تلا وصديقتها جوانا.
وكانت داريا واقفة بعيد تتكلم في التليفون.
تلا كانت تبكي بصوت عالٍ وجوانا ماشية جنبها في شرود وصدمة.
"مجلس تأديبي يعني فصل من الجامعة، ده غير عقاب الأهل والشوشرة اللي هتحصل."
سامر بص على تلا ووقف مكانه.
"تلا تعالي هنا."
تلا بصت لقيت سامر ابن عمها واقف باصص عليها.
ولقت نفسها مدفوعة ناحيته، عايزة تجري وتترمى في حضنه.
عايزة تصرخ: "أنا وحيدة ومكسورة، كنتم عزوتي وأهلي وناسي وكل شيء."
وصلت تلا وجوانا عند دكتور سامر.
"بتعيطي ليه؟"
"إيه اللي حصل؟"
"هترفد يا سامر، مستقبلي هيتدمر."
جوانا فتحت بقها.
"إزاي تلا بتكلم دكتور سامر من غير ألقاب دلوقتي؟ هيخسروا الدكتور الوحيد اللي ممكن يقف جنبهم."
"سامر حصل إيه؟"
"تلا مصيبة كبيرة."
سامر بقلق: "قولي حصل إيه؟"
جوانا راحت تفتح بقها.
تلا ضغطت على إيدها منعتها تتكلم.
سامر: "يعني مش هتقوليلي حصل إيه؟"
تلا: "مقدرش أقول، مش عايزة أتكلم."
قربت داريا من دكتور سامر اللي لمحها ماشية ناحيته.
"طيب تقدري تمشي آنسة تلا، مش لازم تحضري المحاضرة النهاردة."
"إزيك يا داريا؟ عاملة إيه؟"
داريا بثقة: "الحمد لله يا دكتور بخير، متنساش إن بابا عازمني على الغدا."
سامر: "أنسى إزاي ودي حاجة تتنسى."
ترك سامر تلا واقفة في نص هدومها ومشى يتكلم مع داريا.
تلا في سرها بانكسار: "حتى انت يا سامر؟ ده انت الشخص الوحيد اللي كان ممكن أفتحله صدري وأقوله سري."
وعياطها زاد بطريقة ملفتة.
جوانا شدت تلا لبعيد.
"انتي ليه رفضتي أقول لدكتور سامر الحقيقة؟"
"ثم إزاي بتقولي سامر من غير ألقاب؟"
تلا: "خلاص يا جوانا، كل حاجة اتدمرت فوق دماغي، مبقتش فارقة."
في المجلس التأديبي، تلا تحملت المسؤولية كلها وبرأت جوانا من اللي حصل.
المجلس قرر فصل تلا وتوجيه إنذار بالرفد لجوانا.
قعدت تلا في بيت جدها، مش بتخرج من غرفتها ولا بتتكلم مع أي شخص.
الحزن بينهش فيها ويقطع كل حتة في جسمها.
للحزن حافة مدببة مثل السكين، كلما حركته الأفكار قطع في الجسد بلا رحمة.
سامر وصل بيت جده بعد أسبوع، وطلب منه هو وأعمامه يوصلوا معاه بيت والد داريا لأنه قرر خطبتها.
البيت عمّت فيه الفرحة.
بنت عم تلا خبطت على باب غرفتها.
"افتحي يا تلا، عندي ليكي خبر حلو."
"سامر ابن عمنا هيخطب بنت على الأميرة."
"وطلب مني أدعيكي على الفرح."
تلا من ورا الباب قعدت تصرخ من الصدمة اللي حستها خيانة.
"وكمان عايزني أحضر خطوبة أكتر إنسانة آذتني في حياتي."
قعدت تعيط بصوت عالي جداً وصرخت: "مش رايحة أفراح، مش عايزة أخرج من غرفتي."