الفصل 3 | من 5 فصل

رواية همس الأنس الفصل الثالث 3 - بقلم ايه محمد

المشاهدات
20
كلمة
4,895
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

في صباح يوم جديد، استيقظت همس من نومها على حلم غريب يراودها. رأت شخصًا غريبًا يحمل لها كأسًا، تذوقته ووجدته مرًا. رغم جمال ذلك الشاب، إلا أنه كان يحمل القسوة بأنواعها، ولكن الكأس التي ترتشف منها انتهت بطعم معسول. فاستغفرت الله وقامت من فراشها، واغتسلت وأدت فريضتها، ثم اتجهت للمطبخ وأعدت الفطور للجميع. في غرفة إسلام:

لم يتمكن من النوم من كثرة التفكير بتلك الفتاة. فاستعاذ بالله من الشيطان وقام من الفراش، واغتسل وأدى فريضته، ثم ارتدى ثياب عمله وخرج ليجد همس تحضر المائدة الصغيرة. وما إن رأته حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة جميلة. إسلام: صباح الخير يا همس. همس: صباح النور يا إسلام. إسلام باستغراب: هو أنا فايق بدري النهارده ولا في حاجة غلط؟ همس بابتسامة: لا، كل حاجة صح. أنت قايم بدري. إسلام: هو أنا نمت أصلًا.

اقتربت منه همس بقلق وقالت: ليه مالك يا إسلام؟ إسلام: مفيش يا همس، اطمني. كل الحكاية إن كان في بنت بتعمل عندي عربيتها، بس مش راضية تروح من بالي، مش عارف ليه. ابتسمت همس وقالت: حلوة؟ إسلام: مش حكاية إنها حلوة، بس في حاجة غريبة مش قادر أوصفها. كادت همس أن تتحدث لتجد مليكة تخرج من الغرفة. مليكة بنوم: صباح الخير. إسلام: صباح النور يا حارقة. مليكة: الله! مش قولت بلاش الاسم دا. إسلام: ههههه، هحاول، ههههه.

رباب: صباح الخير يا أولاد. الجميع: صباح النور يا ماما. رباب: إيه الاجتماع دا على الصبح؟ إسلام: اجتماع إيه؟ أنا نازل عشان هرجع بدري إن شاء الله، وهاخدكم أجيب لكم لبس من أحسن مكان في مصر كله. مليكة بفرحة: بجد يا إسلام؟ إسلام وهو يحتضنها: بجد يا روح إسلام. هرجع المغرب بإذن الله تكونوا جاهزين. همس: أنا مش محتاجة حاجة يا إسلام. إسلام: قولت ألاقيكم جاهزين، وأنتي يا ماما. رباب: يا بني أنا...

لم يستمع لهم إسلام وغادر إلى عمله. بقصر إلياس سويلم: في غرفة مالك: كان مالك بالمرحاض يغتسل للذهاب إلى الجامعة، فخرج ليكمل ارتداء ملابسه ليجد جوان ينتظره بالخارج يجلس بثقة كبيرة لا يستطيع أحد أن يكسرها به. مالك: خير. جوان: اقعد. تعجب مالك من طريقة جوان، ولكنه بالفعل انصاع لأوامره وجلس أمامه. جوان: عايزك معايا بالليل، هنخرج سهرة حلوة. مالك باستغراب: بس جدي... قاطعه جوان قائلًا بثقة: سيب لي الموضوع ده.

ابتسم مالك قائلًا: قشطة. من 5 هكون عندك. وقف جوان وخرج بهدوء، ولم يكلف نفسه عناء رسم الابتسامة على وجهه أمام رفيقه، فهو حاد الطباع. اتجه جوان إلى غرفة ريناد ليجدها تجلس بجسدها، ولكن عقلها وروحها ليست معها. جلس بجانبها ووضع ساقًا فوق الأخرى بثقة قائلًا: بتفكري في مين؟ انتفضت ريناد بفزع قائلة بفزع: جوان! خضتني. جوان بثبات: اعتبرها إجابة على سؤالي. جلست ريناد وقالت بتوتر: هفكر في مين يعني؟ جوان بشك: اممم، أوك. عن إذنكم.

تركها وتوجه إلى الباب. "تقل" باستغراب: رايح فين؟ نظر لها جوان نظرة آخرستها. فمن هي لتجرؤ على طرح أي سؤال لجوان سويلم؟ خرج جوان قبل أن يرتكب أي حماقة. أما ريناد، فظلت في حيرة من أمره ومن دخوله الغرفة بهذه الطريقة. توجه مالك إلى الجامعة بسيارته الفاخرة، وصفها ثم هبط واتجه إلى المدرج ليجد مليكة ورحمة يصعدان الدرج ولم يلحظوا وجوده. ليستمع لحوارهما. رحمة: في إيه؟ بتكلمي مين من ساعتها؟

مليكة بابتسامة: إسلام. بحاول أقنعه نروح بدري عن الميعاد اللي قاله، لأني هكون مشغولة بالمذاكرة للامتحان بتاع الدكتورة رحاب. رحمة: طب ووافق؟ مليكة بثقة: ههههه، طبعًا هيوافق، لأني هستعمل أسلوبي الخاص لو موافقش. رحمة باستغراب: عندك أساليب كتيرة؟ تقصدي أنهي واحد؟ مليكة: ههههه، أوضته. ههههه. كانت تقصد أنها ستقوم بإفساد أدواته وملابسه كما تفعل دائمًا.

وصلت الفتيات إلى المدرج ولم تنتبه لتلك العيون الحارقة التي التهبت سخطًا وغضبًا على تلك الفتاة. ألف مالك إلى المدرج وعيناه تنظر لمليكة نظرة استحقار استشعرتها هي ولم تعلم لما سببها. بعد انتهاء المحاضرة، خرج الجميع إلى الخارج. بينما توجهت مليكة ورحمة للخروج. فقال مالك: استني. نظرت له الفتاتان بحيرة، فقال بابتسامة: آنسة مليكة. تعجبت مليكة من معرفته لاسمها، ولكن وجدت عيناه متركزة على دفترها. رحمة بخجل: آه، طب هخرج أنا.

جذبت مليكة رحمة من معصمها بأن لا تتركها. فتعجب مالك وقال: مش هاكلك يا آنسة. مليكة بخجل: العفو يا دكتور، بس مينفعش أكون مع حضرتك لوحدنا، ده لسمعتك. ابتسم بسخرية على طريقتها الذكية، فقال: أوك، على العموم مش هعطلك. بكرة يكون عندي بحث عن... نظرت له بتعجب، حتى رحمة، فلماذا اختارها هي فقط ولم يطلب من الباقين؟

مالك بمكر: ما تستغربيش، أنا مشهور بأن اللي يغلط بفصله على طول، أو على الأقل أشيله المادة. بس في طلبة ممكن أعمل لهم اختبار، لو نجحوا بيكملوا، لو لا بتاخذ القرار من غير تفكير. مليكة: بس أنا مكنتش أعرف نظام حضرتك. اقترب منها مالك وقال: واديكي عرفتي. البحث يكون معايا بكرة، وإلا اعتبري نفسك شيلتي المادة. وتركها ورحل، لتبكي بشدة. مليكة: أعمل إيه يا ربي؟ عايز البحث بكرة، هعمله دلوقتي.

رحمة: اهدي يا مليكة، إن شاء الله هنلاقي حل. أنا هساعدك. مليكة ببكاء: حتى لو ساعدتيني يا رحمة، مش هنخلصه. ده طالب دا صعب قوي. رحمة: أنا حاسة إنه مستقصدك يا مليكة. مليكة: بس أنا عملت إيه؟ رحمة: الدكتور ده بيبان عليه إنه إيده طايلة، واضح من كلامه. لازم تعملي البحث ده، وإلا فعلاً ممكن يفصلك. مليكة بعصبية: يفصلني إزاي؟ هي دي كانت جامعة أبوه؟ رحمة: اهدي يا مليكة، مش قدام الناس.

مليكة بدموع: مش عايزة أخيب أمل إسلام فيا يا رحمة. أنتِ متتصوريش هو بيعمل إيه عشاننا. عمره ما افتكر نفسه بحاجة، ديما إحنا أول اهتماماته. مش معقول بعد كل التعب ده أخذه. رحمة: إن شاء الله خير وهساعدك بإذن الله. تعالي يلا نلحق الأتوبيس، وبعدين هنتكلم. وبالفعل توجهت الفتيات إلى الأتوبيس وغادورا إلى وجهتهم. أما همس، فكانت تعمل بالمنزل وتحضر الغداء لحين عودتهم، ولكن وجدت والدتها تصرخ. ركضت همس إليها بزعر.

همس بلهفة: ماماااا! مالك يا حبيبتي؟ رباب بتعب شديد: مش عارفة يا بنتي، دماغي هتموتني. همس: أنتِ ما أخدتيش علاج الضغط؟ رباب: لا يا بنتي، خلص. ومرضتش أشيل أخوكي الهم. همس: كدا يا ماما؟ طب كنتي قولتي لي. رباب: يا حبيبتي، ما أنا كويسة أهو الحمد لله. همس: كويسة فين؟ أنا هنزل أجيب العلاج وهاجي قبل ما يرجع، مش هتأخر. رباب: يا بنتي الساعة 5، أكيد هيرجع عشان يخرجكم زي ما قال. همس وهي ترتدي

الجلباب الأسود الفضفاض: لا، إحنا هنروح بكرة عشان مليكة عندها بحث مهم ورحت مع رحمة. مش هتأخر بإذن الله. وخرجت همس من المنزل لتبحث عن أي صيدلية لتحضر الدواء لوالدتها. اتجت همس إلى الصيدلية الموجودة بالحي، فهي لا تعرف سواها، ولكنها صدمت عندما وجدتها مغلقة. فاتجهت إلى أحد المحلات وسألت عن مكان أي صيدلية أخرى ليخبرها أنها تبتعد من هنا بمسافات طويلة. ما كان عليها إلا أن تسأله عن مكانها بالتحديد من أجل والدتها.

وبالفعل شرح لها الطريق، فابتسمت وشكرته وانصرفت. أما رحمة ومليكة: ظلت تعملان لساعات طويلة متواصلة إلى أن أنهيا البحث بعد مجهود كبير للغاية. وصلت همس إلى الصيدلية بعد عناء كبير وجلبت الأدوية وتوجهت للعودة. ولكن المال الذي لديها لا يكفي لصعود إلى شاحنة، فأسلمت أمرها إلى الله وتوجهت سيرًا إلى المنزل، ودعت الاستغفار والصلاة على الحبيب يأنس طريقها حتى لا تشعر بالخوف.

بالطريق لمحت همس مكانًا أشبه بملهى ليلي يخرج منه الشباب وهم بحالة من السكر. غضت بصرها ونظرت لهم بطريقة مقززة وأكملت طريقها لتجد أمامها شابين مغيبين عن الواقع بفعل المحرمات التي يرتكبونها. حاولت أن تتنحى جانبًا، ولكن تعمدوا أن يقطعوا طريقها. قال الشاب: إيه يا حلوة؟ رايحة بدري كده ليه؟ همس بعدم فهم: أفندم؟ الشاب الآخر: دي السهرة لسه في أولها. الشاب: إيه اللي أنتِ لابسه ده؟

يالا اقلعي العباية دي، متخافيش، محدش من أهلك هيشوفك. الشاب الآخر: يا غبي، مش بيقلعوا هنا، بيخرجوا من بيتهم بيها ويقلعوا جوه في الكباريه عشان أهليهم. الشاب: طب خلاص، تعالي ندخل جوه. جذبت همس يدها بغضب ودفشته بعيدًا عنها وقالت بغضب: إيدك دي تلمسني تاني، وقسمن بالله هقتلكم. الشاب الآخر: طب تعالي.

وجذبها عنوة إلى الداخل. حاولت همس التملص من بين أيديهم أو الصراخ، لكن لا أحد يأتي إلى هنا غير السكارى، وهي لا تعرف لماذا قدماها جرت بها إلى هنا، ولكنها إرادة الله لتلتقي به. بالداخل كان يجلس الجيمس ومالك. مالك: المكان ده مجتوش من زمان. جوان بلا مبالاة: وأنت جيت. مالك: أيوا يا جيمس، معاك بنخش أي مكان. جوان وهو يرتشف المنكر: أول مرة تعرف.

كانت الفتيات عيونهن تأبى أن تتركه، فهو معشوق الفتيات منذ الجامعة بشعره البني الحريري الطويل بعض الشيء، وبشرته البيضاء، وعيونه التي تشبه البحر الثائر. أردت الفتيات أن يحظوا به، ولكن لم يتحقق آمالهن قط. اقتربت إليه إحداهن من العاهرات لتستميله بحركاتها الجريئة، ولكن هيهات. دفشها جوان بعيدًا عنه بقوة، وأشار لها بيده قائلًا بصوت كالفحيح: عيديها تاني، وأوعدك إنك هتطلعي من هنا وهي على درعك.

(كان يقصد اليد التي وضعتها على ملابسه) ارتاعبت الفتاة منه وهرولت إلى الخارج. مالك باستغراب: أنا مش فاهم حاجة. طب أنت جاي ليه هنا؟ جوان دون النظر إليه: هو ده السبب اللي جابك. الستات. لم يعلم مالك بما يجيبه، فقلبه تعلق بتلك الفتاة الغامضة، ليكتشف أنها لا تفرق عن باقي الفتيات اللاتي بجواره. تاه صوتها من خلفه لتحرر رباط قلبه، لتعلن الحرب على غروره، لتعلمه أنها هنا لأجله هو، أنها ستتغلب على غروره.

همس بصراخ: ابعد عني يا زبالة، سبني بقولك. الشاب الآخر: إنتِ هتعملي فيها شريفة؟ ده هنا. رحمة بدل وقفتك بره، يالا شيلي العباية دي. ورفع يده ليحل أزرار الجلباب، ليجد صفعة قوية هوت على وجنته. همس: رفعت يدها بوجهه: إيدك الواسخة دي لو اتمدت عليا تاني، لأكون قتلتك. فاهم؟ وتوجهت لتخرج لتجد يده قابضة عليها بقوة، ورد الصفعة مرة أخرى لها، فهوت على الأرض من شدتها.

هوت تحت قدمي جوان سويلم، تحت قدم الشيطان الذي ستصير ملكه، هو يا للصدفة! لا بل تدبير الملك الذي إذا أراد أن يقول لشيء كن فيكون. لترفع وجهها لتقابل عيناه الساحرة التي تنظر لها بعدم اهتمام. صعقت همس مما رأت، فتحولت نظراتها لصدمة حقيقية. هو؟ هو من تراه في حلمها؟ نعم، هو الشاب الذي تحلم به منذ فترة طويلة. حتى جوان تعجب من نظرتها الغامضة، ولكن لها سحر خاص عليه، على الرغم من أنها فتاة عادية للغاية.

الشاب: يا عم دي بتعمل كده عشان عايزة قرشين زيادة، اديها وخلصنا. وبالفعل أعطى لها الشاب مبلغًا ضخمًا للغاية. كان الجميع يتابع الموقف، حتى الموسيقى وقفت، ومن أهمهم جيمس ومالك. همس بغضب جامح وهي تلتقط المال ثم تمزقه بكل ما أوتيت من قوة وألقته بوجه الشابين وقالت: خلي فلوسك تنفعك يوم حسابك، لما تواجه غضب ربنا بالمنكر اللي بتعملوه ده. جوان بسخرية: والله أما هنا منكر، جاية ليه يا ست الشيخة؟ اتجت إليه

همس وعيناها تملأها الغضب: للأسف، لو فضلت أشرح اللي حصل، محدش عنده عقل فيكم، للأسف إنه يفكر ويصدقني. ثم نظرت له بشفقة وقالت: أنا بشفق عليكم. الأماكن الزبالة دي بتداروا عن عيون الناس وأهاليكم عشان القذارة، لكن نسيتوا اللي شايف كل تصرفاتكم، نسيتوا ربكم. بتحسر عليكم وأنتم خايفين من أهلكم ومش خايفين من اللي خالقكم وخالقهم. ثم وجهت كلامها لجوان: أنا مش بلوم عليك ولا على أمثالك، اللون على أهلي.

ألقى جوان الكأس بقوة فتهشم، وقف واقترب منها قائلًا وعيناه تشع شررًا: كلمة زيادة وهتكوني جثة. ابقي خلي نصيحتك تنفعك، أنتِ مجرد إنسانة وسخة، بدل العفاف ده، إيه جابك هنا؟ لازمتها إيه المحاضرة دي كلها؟ ما تطلبي زيادة، لازم وتخلصيهم، لازم تعملي مهرجان عشان الكل يسمعك. أنا مش عارف الحيوان ده عاجبه فيكي إيه، أنتِ ما تتحسبيش من سوق الستات. أعرفك لو أنا مستنضفش أشغلك حتى إنك تغسلي عربيتي، فاحسن لك غوري بهدوء.

انحنت همس وجذبت الأدوية ورمقته بنظرة اخترقت قلبه وغادرت، لأنها لا تريد أن تتأذى بسبب ذئاب بشرية لا يهمها سوى الجسد العاري. ركضت همس بخوف إلى المنزل، خوفًا من أن يصل أخاها فيغضب عليها. وبالفعل، وصلت إلى الداخل لتجد مليكة ووالدتها، ويبدو عليهما الخوف الشديد. رباب بلهفة: همس حبيبتي، كنتي فين كل ده؟ قلقتنا عليكي. أختك راحتلك الصيدلية مالقتكيش، كنتي فين؟

مليكة بخوف: مش وقته يا ماما، الساعة 8، زمان إسلام راجع. ادخلي بسرعة غيري هدومك. وبالفعل ركضت همس إلى الداخل وأبدلت ثيابها وارتمت على الفراش تبكي بقهر على كلام الشاب التي لا تعرفه، ولكن ترك لها تذكارًا لن يتركها. كلامًا جعلها تبكي بحرقة، ولكنها توجهت إلى محبوبيها، فهو الوحيد القادر على إخراجها مما هي به، هو القادر على أخذ حقها. اتجهت إلى الرحمن الرحيم، إلى الله سبحانه وتعالى.

سجدت همس وبكت، ولكنها حمدت الله على أنها رغم الفقر الشديد، إلا أنها لن تكن مثل تلك الفتيات، فتيات الهوى. وأخذت تدعو الله على تلك الفتيات التي شوهت سمعة الفتيات بخروجها من منزلها بجلباب فضفاض، ثم تخلعها بمثل هذه الأماكن. ألا تخاف الله؟ تخاف الناس ولا تخشى من الملك؟ دلف مليكة إلى الغرفة لتجد أختها تجلس على سجادة الصلاة شاردة تمام، تدعي دموعها بصمت. جلست مليكة بجانبها وقالت بقلق: مالك يا همس؟

من ساعة ما رجعتي وانتي حابسة نفسك بالاوضة، وليه اتأخرتي كده؟ همس بصوت متقطع من البكاء: ماما أخدت العلاج. مليكة: أيوا أخدته ونامت. همس: وإسلام رجع؟ مليكة: لا، لسه. قوليلي بقا مالك؟ ارتمت همس بأحضان أختها الصغيرة، فالأخت الصغرى دائمًا تمتلك الحنان الأكبر. مليكة ببكاء: مالك يا همس؟ قلقتيني عليكي بجد. همس: مفيش يا مليكة. مليكة: أنا مش صغيرة يا همس، أنا واثقة إن في حاجة وحاجة كبيرة أوي كمان.

تنهدت همس بألم وقصت على أختها ما حدث وكيف أن هؤلاء الأوغاد جذبوها بالقوة إلى هذا المكان المشيع، وأيضًا ما قاله الشاب الغريب، وأيضًا أنه هو نفسه الذي تراوده في الأحلام. غضبت مليكة على هؤلاء الذئاب وقالت: عرفتي ليه إسلام كان خايف علينا يا همس؟ للأسف الدنيا دي زي ما فيها الكويس، فيها الوحش. همس: طب ليه يشوهوا سمعتنا؟ بيلبسوا العباية قدام أهليهم، ووخدنها حصن ليهم، واحنا ندفع التمن.

مليكة بوجع: وفي أصعب يا همس، زي النقاب. السترة للست، بيستهزأوا بيه. الدنيا عادت صعبة أوي. المهم إنك تحمدي ربنا إنك خرجتي من هناك بخير. دع الخلق للخالق. همس: عندك حق. أنتِ متتصوريش أنا كنت خايفة إزاي. بس الغريبة الشاب ده هو اللي بشوفه بالحلم على طول. مليكة: ممكن تكوني بتتخيلي يا حبيبتي. همس بتوتر: ممكن. أنا تعبانة أوي. مليكة: أكيد الموقف اللي كنتي فيها صعب أوي، كفاية الخضة. أنا هقفل النور، نامي، وإن شاء الله هترتاحي.

همس باستغراب وهي تجذب الغطاء: إيه؟ خالي إسلام يأجل الخروج لبكرة، وبحث إيه ده؟ انتي مقولتيليش وأنا على طول بساعدك. مليكة بصوت منخفض: ده بحث عقاب، مش مستريحة للدكتور ده. ربنا يستر. همس: بتقولي إيه؟ مليكة: ها، لا بقولك أنا ورحمة ساعدنا بعض، وبعدين محبتش أتعبك معايا، كفاية عليكي شغل البيت. أنتِ مش بتخليني أساعدك في حاجة. همس: بكرة تعملي بالإجازة إن شاء الله. المهم دلوقتي تركزي في مذكراتك، فاهمة؟

مليكة: علم وينفذ يا بشمهندسة. همس بسخرية: مهندسة؟ تصدقي إني نسيت مؤهالي. مليكة بحزن: معلش يا همس، أنتِ عارفة إسلام خايف علينا. همس: ماهو ده اللي هموت وأعرفه، ليه يعلمنا تعليم عالي ومش عايزنا نشتغل؟ ما كنا دخلنا دبلوم وخلاص. مليكة: أنا كمان مش فاهمة حاجة. المهم نامي بس، ريحي أعصابك، ونتكلم بكرة بإذن الله. ابتسمت همس لها وغاصت في نوم عميق، فهي بالفعل تحتاج للراحة بعد ما مرت به. عاد جوان ومالك إلى القصر.

مالك: متشكر يا جيمس على السهرة دي، بس كانت هتحلى أكتر لو كان فيها مزز. جوان بلا مبالاة: وإيه منعك؟ ما كانوا كتير قدامك. مالك بسخرية: هو حد قدر يقرب مننا من ساعة اللي عملته مع البنتين دول؟ جلس جوان على الأريكة بإهمال وهو يفتح أزرار قميصه بإهمال. فقال: أنا كده، ماليش في القرف ده. ودول بيعملوا نمرة، بس كل واحدة بطريقة مختلفة، والنهاية واحدة، وأنت عارفها كويس.

جلس مالك وقال: ما أعتقدش. البت الأخيرة دي كان بيبان عليها مظلومة بجد. جوان بسخرية: غبي، ما بتفهمش. مالك: كده يا جو؟ قاطعه نظرات الأسد الثائر، فبدل حديثه قائلًا: جمااااال. جوان بغضب: أيوا كده، اتعدل، وإلا أعدلك بطريقتي. مالك: لا وعلي إيه. الياس بحزم: كنتوا فين؟ وقف مالك وقال بتوتر: أنا كنت كنت... كان جوان يجلس بهدوئه المميت، لا يرفع عيناه عن هاتفه، فقال: كان معايا.

لياس لمالك: روح شوف أمك وخليها تعقل، بدل ما أعقلها بطريقتي. مالك: حاضر. وصعد مالك إلى والدته ليجدها تبكي بشدة، فعلم أنها فعلت شيئًا أغضب إلياس سويلم. مالك: في إيه يا ماما؟ نجلاء: مالك، كويس إنك جيت. مالك: ليه؟ في إيه؟ نجلاء: جدك بيهددني إني لو مبطلتش أفتح موضوع لين، هيطردني من القصر أنا كمان. مالك باستغراب: هيطردك؟ إزاي؟

نجلاء ببكاء: يا بني، ده ممكن يعمل أكتر من كده، ومش بعيد يخلي أبوك يطلقني. ده رجل قاسي، مفيش في قلبه ذرة رحمة. بعد بنتي عني لمجرد إنها دخلت الكلية اللي بتحلم بيها، كان مصيرها إنها تطرد من القصر وبقت منبوذة من الكل. مالك بحزن على أخته: إحنا إيه اللي جابرنا نكون هنا يا ماما ونطيع أوامره؟ ليه منمشيش من هنا؟ فزعت نجلاء لما استمعت وقالت بلهفة وهي تركض إلى الباب وأغلقتهم جيدًا: هوووش، أنت اتجننت؟

لو حد سمعك من الخدم أو جوان، اعتبر إني فقدتك للأبد. مالك باندهاش: ليه؟ هيقتلني يعني؟ نجلاء ببكاء: أرجوك يا بني، بلاش كلام في الموضوع ده. وما تنساش وعدك ليا. مالك بغضب: يا أمي، أنا بسبب الوعد ده بقيت قدامه ضعيف الشخصية. كل ده عشان أنتِ خايفة عليا منه. هيعمل إيه يعني؟ حتى الجواز، هتجوز وأنا مش مقتنع، وريناد مش بتحبني، حبها ليا حب أخوي. لازم أوقف الجوازة دي. نجلاء بخوف لاسترجاع ذكريات الماضي،

فقالت بزعر: وقسمن بالله يا مالك، لو اتكلمت كده تاني، لاموت نفسي. أنا مش مستعدة أخسرك أنت كمان. كفاية لينا. اقترب مالك منها واحتضنها وقال: بعد الشر عليكي يا ماما. خلاص يا حبيبتي، مش هتكلم. هتحمل أي حاجة عشانك. ابتعدت نجلاء عنه ووضعت يدها على فمها من الصدمة قائلة: مالك، أنت سكران؟ مالك بتوتر: لا يا ماما، ده هو كأس واحد بس، كنت في حفلة مش أكتر. نجلاء بشك: أنت كنت مع جوان؟ مالك: ماما. نجلاء بحزم: كنت مع جوان صح يا بني؟

قولتلك ابعد عنه. جوان معتش زي الأول، عاد نسخة شبيهة لالياس سويلم. جوان بتاع زمان خلاص انتهى. مع مرض همس أمهم. مالك: ممكن تهدي بس، إحنا مرحناش أي مكان يا ماما. جوان لسه زي ما هو في حاجات، بس أكدلك إنه موجود داخل حصون حاولت أزيلها أنا وعمي، بس مقدرناش. نجلاء: اسمع يا مالك، هي كلمة واحدة. ابعد عن جوان، فاهم؟ مالك: حاضر يا ماما. عن إذن حضرتك، عايز أنام. تصبحي على خير. نجلاء بابتسامة: وأنت من أهله يا بني.

أما بالأسفل، يجلس إلياس بجانب جوان. إلياس: مالك يا جوان؟ قالب على أبوك كده ليه؟ رفع جوان عيناه الزرقاء وقال: مش عايز أتكلم في الموضوع ده يا جدو، لو سمحت. إلياس بخبث: خلاص يا حبيبي، أنا كنت بس عايز أعرفك إن مفيش حاجة اسمها حب، زي ما شوفت كده. أبوك. رفع جوان عيناه وقد احتلتهم القسوة والجفاء، ليكمل إلياس بمكر: عرفت أنا ليه عايز أجوز أختك لمالك؟ عشان مش هيقدر يعمل اللي أبوك عمله وأنا موجود. فهمت بقى؟

نظر له جوان بعدم مبالاة وتوجه إلى الأعلى. ليجد أخته ريناد تنتظره. ريناد: جوان. عندما تبدلت ملامحه، قالت مسرعة: أقصد جمال. ممكن أتكلم معاك شوية؟ دلف إلى غرفته بهدوئه المعهود، فعلمت أنه أعطاها الإذن بالحديث. فدلف بعده مباشرة. جلس جوان على الأريكة ووضع قدمًا فوق الأخرى بانتظارها تتحدث. وبالفعل، دلف بتوتر وجلست على المقعد المقابل له وقالت: أنا كنت يعني... جوان: عايزة إيه يا ريناد؟

ريناد: جوان، أنا بعتبر مالك أخويا. هتجوزه إزاي؟ تحولت عين جوان إلى الغضب القاتم وقال: انتي فاكرة إن الكلام ده ممكن يأثر معايا؟ بعد الجواز مش هيكون أخوكي، مش هتحسي بالإحساس ده. متقلقيش. وقف جوان وتوجه إلى غرفة تبديل الملابس، فعلمت ريناد أن الحديث قد أنهته الجيمس. ولكن رفضت أن تخرج وتوجهت خلفه وقالت: جوان، أنا مش بحبه. الإحساس مش بيتغير من يوم. خلع جوان

قميصه وجذب التيشيرت وقال: مفيش حاجة اسمها حب. متعيشي في وهم. أنتِ مش قدّه. فقدت ريناد صوابها وصرخت به قائلة بغضب: الحب موجود، بس اللي زيك عمره ما يحس بيه، لأنك إنسان بلا مشاعر ولا قلب. كتلة قسوة. عشان كده عمرك ما هتلاقي حد يحبك يا جوان. ولو لقيته هتخسره أكيد، زي ما خسرت حبك بقلبي. تركته جوان مذهولًا، لا يقوى عقله على التصديق أن من تتحدث هي أخته الصغرى. ولكن لمس حديثها قلبه.

جلس جوان بإهمال على الفراش يتذكر الوردة التي أنارت حياته، والدته. كانت حياته مليئة بالسعادة بوجودها، وأيضًا أبيه وأخته التي أصبحت الآن تنقمه. تذكر محبة أبيه لها والوعود التي أعطاها لها وخلفها. كسر الوعود بأن تظل هي محبوبته، تركها وتخلى عنها بمرضها وتزوج أخرى ليرضي نزواته. لا يعلم ما الذي حدث معها لتفقد الوعي لسنوات عديدة، فتولد بداخله شرارة القسوة واللهيب ليصبح قلبه شرارة تذهب الجميع. هي كل شيء بالنسبة له. فماذا لو علم أن هناك من يجعلها تغيب للوعي دائمًا؟

ماذا لو علم أنها حبيسة للأسرار؟ إذا أفاقت لن تكون لصالح أحد بالقصر، لذلك يحرص على جعلها فاقدة للوعي؟ ماذا سيكون رد فعل جيمس؟ كيف ستدخل همس حياته؟ هل تشابه الأسماء بينها وبين والدته سيكون سببًا لفرحها أم لتعاستها؟ ما مصير مليكة وريناد ومالك وإسلام؟ ما العلاقة التي تربط جميع الأحداث؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...