تحميل رواية حرر هواك فالحب بات معلنا بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأحياء الهادئة، يقف أمام مرآته يضبط ربطة عنقه بقامة منتصبة شامخة، انتهى من عقد نهايتها عِند حلقه فبات وسيم المظهر أكثر جاذبية عن ثيابه المعتادة. رفع أنامله وتخلل بها خصلات شعره السوداء الناعمة ليعيد انتصابها من جديد، مد يده والتقط قنينة عطره، دعس على جزء منها فتناثر العطر على أنحاء متفرقة من حُلته السوداء. أعاد وضعها على التسريحة ثم اختلس النظر إلى مظهره للمرة الأخيرة قبل خروجه من الغرفة، أخرج تنهيدة قبل أن يولي صورته في المرآة ظهره وتوجه نحو الباب، أدار مقبضه على مهلٍ فشيء ما يمنعه من ا...
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم تسنيم المرشدي
قضيت ثلاثة أيام العزاء، لقد قام يوسف بدوره على أكمل وجه بمساعدة بلال، كان ثلاثة أشخاص في آن واحد، يتابع عمله ويقف في العزاء مع أهل المتوفي وأخيراً لم ينسى لينة من يومه.
لقد عانى للغاية في تلك الأيام، فلقد وقع على عاتقه مسؤوليات عديدة وكان جديراً بها.
ولج لمنزله بعد منتصف الليل، فكان لديه بعض الأعمال في المعرض عليه إنهائها أولاً قبل عودته، ألقى بجسده المنهك على أقرب أريكة قادته قدميه إليها.
تراجع برأسه للخلف وأوصد عينيه، لقد شعر لوهلة أنه لن يتخلص مما كان فيه، اخترق سؤالها أذنيه بنبرتها الأنثوية الرقيقة:
"يوسف.. أنت كويس؟"
فتح عينيه بتمهل وهو يجيبها بصوته الخافت:
"كويس، أنتِ لسه صاحية ليه؟"
ابتسمت بعفوية ناظرة لدفترها الذي بين يديها وأردفت بحماس:
"كنت بتعلم تركي"
اعتدل يوسف في جلسته ورمقها بنظرات معاتبة قبل أن يردد مستاءً:
"دا وقت تعليم تركي يا لينة؟، أنتِ ناسية أنك تالتة السنة دي، يعني مفيش وقت عشان يضيع."
تفهمت معاتبته لها، اقتربت منه وجلست على الأريكة المجاورة له، تنهدت قبل أن تخبره:
"متقلقش والله أنا عاملة اللي عليا وزيادة، بس مش طبيعي يعني أقعد للساعة ٢ أذاكر يا يوسف، كفاية دروس طول اليوم والمذاكرة اللي بعدهم، بسلي نفسي عشان مزهقش من كتر المذاكرة"
تفهم يوسف موقفها ولم يعقب، أخفض بصره على دفترها ثم قال بنبرته الرخيمة:
"وريني اتعلمتي إيه؟"
ناولته لينة بحماسة شديدة، بينما لم يفهم يوسف ما دونته فأعاد النظر إليها وحاجييه معقودان:
"إيه الكلام دا، مش فاهم حاجة"
قهقت لينة بعجرفة فهي فقط من تفهم ما دونته، أخذت دفترها ومالت بجسدها لليمين لكي تكون أقرب إليه، لم يكن هناك ما يفرقهما سوى سنتيمترات قليلة، بدأت تشير إلى بعض الكلمات بسبابتها وهي تنطقها:
"دي مثلاً معناها "ماما" بتنطق "annem"، "آ نيـ م""
ردد يوسف الكلمة خلفها فاتسعت ابتسامتها لإستجابته معها، فنطقت كلمة أخرى وهي تردد بتهمل لكي ينطقها صحيحة:
"دي معناها "أخي" بتنطق "kardeşim"، "كـارديشم""
رددها يوسف نطقها الصحيح فازدادت لينة تلهفاً لإخباره المزيد، فتوقف قليلاً لتستمد بعض الشجاعة قبل أن تنطق كلمة بحد عينها، زفرت أنفاسها ثم أشارت على كلمةٍ ما ونطقتها بهُيام:
"دي بقى "Seni seviyorum"، "سيني سيڤ يورم""
تعجب يوسف من أسلوبها الذي انعكس عن بدايته، فكانت تخبره بمعنى الكلمة قبل نطقها، التفت إليها متسائلاً عن معناها بفضول:
"معناها إيه؟"
ابتلعت لينة ريقها ونظرت في سودتاه مجيبة إياه بنبرة مُتيمة:
"بحبك"
خفق قلب يوسف بشدة، وكأنه اعتراف صريح إليه، لم يشعر بتلك الإضطرابات من قبل، ماذا يحدث لقلبه، إنه مجرد توضيح لمعنى الكلمة، فما كل تلك الضجة الحادثة؟!
شعر يوسف بافتضاح أمره أمامها إن مكث لثانية أخرى، انتفض من مكانه وهو يهرب بنظريه بعيداً، معللاً سبب هروبه:
"معلش بقى معتش قادر أفتح عيني، يلا تصبحي على خير"
"وأنت من أهل الخير"
قالتها هامسة وهي تتابع طيفه الذي اختفى خلف باب غرفته، تنهدت ثم ولجت لغرفة السيدة ميمي راجية النوم، فمن كان السبب في إبقائها مستيقظة قد عاد ولم يعد هناك مجالاً للهرب بعد.
على الصعيد الآخر، كان يحاول تهيئة عقله أن الأمر عادياً، ولا يوجد به شيء مريب، فهي لينة ودوماً ما يصدر منها تصرفات غريبة، الأمر لا يستحق كل ذلك التفكير.
بدل ثيابه سريعاً فلم تكن لديه القدرة على أخذ استحمام، استلقى على الفراش بهدوء لكي لا يسبب الإزعاج لأخيه، لكنه كلما أغفل عينيه يُعاد الموقف في ذاكرته ناهيك عن قلبه الذي يخفق بشدة وكأنه مازال أمامها.
تأفف حين فشل في استخراج تلك الذكرى من عقله، سحب الوسادة من أسفل رأسه ووضعها أعلاها لربما تنجح في سلب كل أفكاره حتى يستطيع النوم.
أشرقت الشمس فسقط عموداً ذهبياً على غرفة السيدة ميمي، متسللاً من زجاج النافذة على عيناي لينة المتناثر شعرها الكستنائي على الوسادة.
فركت عينيها حينما ضجرت من الضوء ثم مدت يدها حاجبة الضوء عنها، استقامت بجسدها فانسدل بعضاً من خصلاتها على وجهها، رفعتهم بأناملها ونهضت باحثة عن إسدالها.
ارتدته ثم خرجت من الغرفة باحثة بعينيها عن الجميع، لمحت ذلك الجالس هناك يرتشف كوباً من الشاي، عضت على شفتيها ولم تتردد في الإقتراب منه.
حمحم بصوت عالٍ فانتبه لها يوسف، ألقت تحية الصباح وهي تجلس جواره:
"صباح الخير"
"صباح النور"
قالها يوسف وهو يضع الكوب أعلى الطاولة، صدح رنين هاتفه فعقد حاجبيه متعجباً حين قرأ الإسم المدون، تنهد ثم أجاب بصوته الأجش:
"آنسة فاطمة.."
انتبهت حواس لينة بالكامل بعد نطقه إسم إمرأة، حرصت على سماع صوتها لعلها تعرف هويتها، لكن صوتها كان منخفض للغاية ولم تستطيع معرفة من تكون.
"أنا كنت محتاجة أقابل حضرتك ضروري النهاردة"
أردفتها فاطمة بينما أجاب يوسف بتلقائية:
"بس أنا مش هينفع أجي البيت"
اتسعت مقلتي لينة بذهول لما وقع على مسامعها، سيطرت عليها الغيرة فلم تشعر بتعابير وجهها التي احتدت وهي تطالعه بغيظ في انتظار انتهائه من تلك المكالمة، بينما تابع يوسف حواره مع فاطمة التي قالت باستحياء:
"أنا متفهمة طبعاً، وأكيد مينفعش تيجي لأني لوحدي، لو ينفع أجي أنا المعرض؟"
لم يعترض يوسف على اقتراحها فهذا أنسب حل، زفر أنفاسه ثم رد عليها بجدية:
"تمام هستناكي هناك، بس ياريت لو قبل الضهر عشان بعد كدا مش بكون موجود"
"بإذن لله هكون عند حضرتك الساعة ١١"
أخبرته بموعد مجيئها قبل أن تغلق، لاحظ يوسف نظرات لينا المشتعلة، كاد أن يسألها عما بها لكنها بادرت بسؤاله:
"مين دي؟ وعايزاك تقابلها في البيت إزاي يعني؟"
تعجب يوسف من اهتمامها المبالغ، ابتسم بخفة وأجاب على أسئلتها بتلقائية:
"دي بنت أستاذ عبد الرحمن الله يرحمه، عايزة تتكلم معايا"
بدون تفكير سألته بغيرة واضحة:
"تتكلم معاك في إيه؟"
بتهكم شديد أردف يوسف:
"معرفش، لسه مقابلتهاش"
طالعته بأعين ضائقة ثم هتفت بآخر أسئلتها أو ربما هناك المزيد بعد:
"ممم وهتتقابلوا فين؟"
باختصار هدر:
"في المعرض"
أنهى جملته ثم نهض ليذهب إلى مكان عمله، تابعته لينة بخطوات مهرولة، تتآكلها الغيرة حتى كادت أن تقتلها من شدتها.
أدار يوسف مقبض الباب فتفاجئ بوقوف "شهد" خلفه، ابتسمت بسماجة ثم رددت:
"إزيك يا يوسف؟"
حد يوسف نبرته حتى بات صوته خشن وقال:
"كويس"
لم يضيف المزيد وغادر، فتملقت الأخرى من أسلوبه البارد معها، وعادت بنظراتها إلى صديقتها قائلة:
"يا باي دمه سم، بتحبي فيه إيه دا؟!"
لم تتحمل لينة كلمات شهد السخيفة وهدرت بها شزراً:
"أوف، مليون مرة أقولك ملكيش دعوة بيه"
تعجبت شهد من عصبيتها المبالغة، طالعتها لبرهة قبل أن تتسائل بفضول:
"في إيه مالك، مش معقول كل العصبية دي عشان كلمته!!"
تأففت لينة ثم أولاتها ظهرها وتوجهت للداخل، تبعتها شهد ورحبت بالسيدة ميمي التي ظهرت للتو ثم ولجت خلف لينة الغاضبة.
جلست على طرف الفراش وسألتها باهتمام:
"ها قولي مالك؟ أكيد الموضوع مش هيخرج عن سي روميو!!"
رمقتها لينة بنظرات مشتعلة فتأكدت الأخرى من حدسها، قهقهت بسماجة ثم اقتربت منها حتى أصبحت ملاصقة لها وأردفت بحماس:
"احكي بقى.."
زفرت لينة أنفاسها بضجر ثم بدأت تقص عليها ما أثار غيرتها بعصبية مبالغة..
في تمام الساعة الحادية عشر ظهراً، طُرق باب مكتب يوسف فسمح للطارق بالدخول، فُتح الباب من قِبل فاطمة بزيها الأسود حداداً على أبيها، ابتسمت بإستحياء ثم تعمدت ترك الباب مفتوحاً.
نهض يوسف ورحب بها باحترام:
"اتفضلي يا آنسة فاطمة"
جلست الفتاة فبادر يوسف متسائلاً بذوق:
"تحبي تشربي إيه؟"
رفضت مسرعة:
"شكراً، أنا مش جاية أشرب، ياريت تسمعني وتقدر تساعدني في مشكلتي.."
عاد يوسف بأدراجة إلى كرسيه، وكلماتها تتأرجح في عقله، يا تُرى ماذا تريد، حمحم قبل أن يهتف مع مراعاته عدم إطالة النظر إليها:
"اتفضلي، ولو في إيدي حاجة مش هتردد"
أخذت فاطمة شهيقاً عميق قبل أن تبدأ في قص ما جاءت لأجله:
"يمكن الكلام دا مش وقته بس مضطرة أقوله، فيه واحد كان متقدم لي في حياة بابا، وهو للأسف رفض، وأنا متعلقة بالشاب دا جداً وبصراحة رجع يكلمني تاني بعد وفاة بابا وعايز يتقدم تاني، وأنا خايفة أقول لحد من أعمامي لأنهم كانوا عارفين إن بابا رفضه يعني أكيد هيرفضوا هما كمان، كنت عشمانك فيك تكلمهم وتقنعهم بيه، هما عارفينك وعارفين غلاوتك عند بابا الله يرحمه يعني كلامك هيفرق جداً.."
ضاقت يوسف بعينيه أمامه لدقيقة دون تعقيب، ثمة أموراً لم تخبره بها، هناك الكثير يجهله، رفع عينيه عليها وسألها مستفسراً:
"معلش اعذريني، بس طلاما أنتِ طلبتي مساعدتي وعايزاني أدخل في الموضوع فأنا مش هقدر أتكلم من غير ما أعرف شوية تفاصيل كدا، أولهم ليه أستاذ عبد الرحمن رفضه؟"
ترددت الفتاة كثيراً في إخباره، لكن ما عليها سوى ذلك وإلا لن يساعدها، أخفضت رأسها ونظرت إلى كفوفها التي تفركهم بشدة ثم بدأت تخبره بهدوء:
"معندوش شقة، ومعندوش دخل ثابت.."
رفعت عينيها على يوسف وواصلت متلهفة:
"بس هو بيحبني و.."
قاطعها يوسف بسؤاله من منطلق العقل:
"حبه دا هيأكلكم وهيعشكم؟!"
طالعته فاطمة بخجل اجتاحها وتشكل على وجنتيها فباتوا حمرواتين، أخرجت زفيراً قبل أن تجيبه:
"هنعيش في بيتنا مؤقتنا على لما يجيب شقة.."
تفاجئ يوسف مما قالته، لم يستطيع رفع بصره عنها مذهولاً من حديثها الوضيع، استشف ضعف شخصيتها وأنه قد نجح في اللعب بها، حمحم وبهدوء حاول أن يريها الأمر من منظور آخر:
"آنسة فاطمة أنتِ زي أختي، وأنا لو واحد اتقدم بالمواصفات اللي أنتِ قولتيها دي مش هوافق، أستاذ عبد الرحمن كان عنده وجهة نظر إنه يرفضه، أنتِ للأسف مضحوك عليكي بكلمتين حلوين ودا اللي هو بيسعى ليه عشان يوصل لبيتكم، والدليل أنه محترمش حرمة الميت وكلمك أول ما عرف أن والدك توفى، رغم أنه هو لو راجل كان أتقدم لعمامك وأقنعهم بأسباب منطقية مش يكلمك أنتِ، الراجل يتفق مع راجل زيه، إنما اللي يدخل للحريم دا بنقول عليه نطع! هو عارف إنك متأثرة بيه وبكلمتين هتوافقي بيه تاني!"
أخذ يوسف نفساً عميق قبل أن يسترسل ما تبقى لديه:
"تقدري تقوليلي أختك هتروح فين؟ هتعيش معاكم إزاي؟ طيب أنتِ تقبلي إن راجل غريب يكون معاها في نفس البيت؟!"
تدخلت فاطمة موضحة:
"دا مش غريب، دا هيبقى جوز أختها!"
بإبتسامة هادئة هتف:
"جوزك أنتِ، إنما هيفضل غريب عنها ودا حرام"
جادلته فاطمة بعظم اقتناع:
"حرام إزاي وهو هيبقى من محارمها؟!"
أوضح لها يوسف بنبرته الرزينة:
"في حديث للرسول صل الله عليه وسلم بيقول"إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت."الحمو دا شامل أختك!! نهى الرسول عن الخلوة بيها حتى لو في وجودك، أنتِ متعرفيش جوزك نيته إيه؟ ولا بيبص لها إزاي، وأنتِ عايزة تقعديهم في بيت واحد!!"
احتدت ملامح فاطمة وهي تلقي كلماتها بإقتضاب يشوبه الإتهام:
"على حد علمي إنك مقعد بنت عندك في البيت ولا هي قريبتك ولا فيه بينكم اللي يخليها قاعدة في بيت فيه شابين!!"
فارت الدماء في عروق يوسف، فهو لن يتحمل إهانة لينة بشتى الطرق، كز أسنانه وحاول إخماد غضبه، فهي في النهاية وصية شخص عزيز عليه، طالعها بجمودٍ قبل أن يردف كلماته الباردة:
"أنا واثق من نفسي، وواثق من أخويا، لكن مش واثق من اللي أنتِ جيباه!"
لم يروق لفاطمة ما أردفه يوسف، نهضت عن مقعدها ونظرت إليه بحسرة:
"أفهم من كدا إنك بترفض تساعدني"
نهض يوسف وأوضح لها نواياه:
"أساعدك بالأصول يا آنسة فاطمة، باباكي نفسه رفضه، أنا هوافق إزاي؟، يوفر لك سكن ويشتغل شغلة كويسة ووقتها أقدر أساعدك وأتكلم مع عمامك، لكن أروح أقولهم إيه؟ واحد متقدم لبنت أخوكم وطمعان يعيش معاها في بيت والدها!!دا كلام يُعقل يطلع من راجل لرجالة؟!"
شعرت فاطمة بغصة مريرة في حلقها، تلألأت العبرات في عينيها، فلقد تبخر آخر آمالها، فكيف ستقنعهم بهذا الشاب إن رفض يوسف؟
بصعوبة تحدثت قبل أن تجهش باكية:
"شكراً لحضرتك وأسفة على الإزعاج"
أولاته ظهرها وتوجهت إلى الباب فأوقفها يوسف بندائه:
"آنسة فاطمة.."
التفتت إليه بأملاً قد خلق داخلها فواصل هو:
"ياريت تسيبي لي رقمه، ومعتيش تكلميه، متخونيش ثقة والدك عشان أي حد"
لم يراودها الخجل تلك المرة بل دهسها وكأن سيارة نقل هائلة قد دهستها، ابتلعت ريقها وعادت إليه فكان قد أحضر يوسف قلماً ودفتر، دونت به الرقم ثم هرولت إلى الخارج سريعاً دون أن تنظر إليه.
طالع يوسف الرقم بنظرة مطولة وهو يرتب لمكالمة هاتفية لذلك الشاب، أنتبه لرنين هاتفه فأجاب على الفور:
"رمضان باشا بيكلمني بنفسه!"
في تلك اللحظة قد دلف بلال إلى المكتب وبيديه بعض الأوراق فأشار إليه يوسف بالجلوس، بينما أشار بلال إلى ساعة يده يحثه على التعجل لكي يذهب.
"عريس!"
هتف بها يوسف وهو يطالع بلال بصدمة، بينما علم بلال أن المكالمة سوف تطول مدتها فنهض لكي يغادر فأشار إليه يوسف مرة أخرى بالجلوس مجيباً على خاله:
"وإيمان موافقة عليه؟"
تجمدت حواس بلال حين صغى لكلمات يوسف ولم يستطيع الجلوس، بل اقترب منه لعله يسمع ما يخبره خاله به، كان يقف على أحر من الجمر ينتظر إنهاء يوسف المكالمة.
"ماشي يا خالي، هسألك عنه وأرد عليك"
أنهى يوسف المكالمة بجملته، فصاح بلال غاضباً لا يصدق ما سمعه:
"هو إيه دا اللي هسألك عليه؟ عريس!! وهي موافقة؟"
أسرع يوسف في توضيح سوء الفهم:
"اصبر يابني، لسه مفيش حاجة حصلت، دا واحد متقدم وخالي عايز يسأل عنه قبل ما يدخله البيت عشان لو حصل نص.."
قاطعه بلال بهجوم شديد:
"بس يا يوسف أنت بتقول إيه؟!"
جن جنون بلال، جاب الغرفة ذهاباً وجيئاً بخطى مهرولة وهو يردد بعدم تصديق:
"وهو كل عريس بيتقدم بيقولك أسأل عليه؟"
هز يوسف رأسه نافياً سؤال بلال الذي ازداد حنقاً، لقد وضحت الصورة أمام عينيه الآن، جلس على المقعد بإهمال ورفع نظريه على يوسف مردداً بعصبية:
"معنى إنه يخليك تسأل عليه، يعني موافق، وإلا كان رفض زي اللي قبله، دا غير إنها هي نفسها مرفضتش، عن كلامك هي اللي بترفض مش أبوها!!"
دار يوسف من حول المكتب وجلس مقابل بلال، حاول تهدئته قدر المستطاع:
"ممكن تهدى.."
لم يهدأ بلال بل هتف عالياً غير متقبل أمر يوسف:
"أهدى! أهدى إزاي بعد اللي سمعته دا؟"
تأفف يوسف ورفع من نبرته لكي يجبر بلال على سماعه:
"أيوة تهدى لأن مفيش حاجة تخليك متعصب كدا، هو قالي أسأل عليه يعني لسه موافقوش.."
قاطعه بلال بحنق:
"ومرفضوش!"
تأفف يوسف تلك المرة بصوت عالٍ وصاح به شزراً:
"يابني أفهم بقى، أنا قصدي إن الموضوع كله في إيدي، خالي مستني أسأل عليه يعني في إيدي أطول المدة على قد ما أقدر، وفي إيدي برده أكلمه يا بلال عنك، ومش كلام على إنك عريس زي أي حد، لا خالص أنا قادر إني أخليكم تتجوزوا آخر الشهر دا لو تحب!!"
تفاجئ بلال من كلمات يوسف الواثقة، طالعه بأعين جاحظة فتابع يوسف بتهكم:
"وكنت أقدر أعمل كدا من زمان، بس أنت اللي كنت رافض.."
شعر بلال بضياعها منه، ولن يتحمل ذلك قط، مال للأمام ليكون أقرب ليوسف وقال:
"يعني إيه، المفروض أعمل إيه دلوقتي؟"
بهدوء أخبره يوسف:
"مش هتعمل حاجة أنا اللي هعمل"
"متأكد إني مش هترفض؟"
سأل بلال بتوجس، فهو على علم بمشاعرها تجاه يوسف، بثقة أجابه يوسف:
"يابني عيب عليك دا أنت بتكلم يوسف الراوي.."
تقوس ثغر بلال بإبتسامة عريضة ثم نهض مردداً:
"ماشي يا إبن الرواي، ورينا هتعمل إيه"
كاد أن يغادر إلا أنه تريث حين تذكر ما جاء لأجله، عاد إلى المكتب ودفع الأوراق بيديه أمام يوسف موضحاً ماهما:
"بص على العربيات دول مش حاسسهم وأبويا مُصر يجيبهم، قولت أكيد أنت اللي هتقنعه لو فيهم حاجة"
اكتفى يوسف بإيماءة من رأسه بينما غادر بلال على الفور، سحب يوسف الأوراق ليتفحص السيارات جيداً قبل أن يبدى رأيه فيهما.
حل المساء، فعاد يوسف ليصطحب لينة ويعودان إلى المنزل، لم تحظى لينة بسؤاله طيلة اليوم عن مقابلته مع فاطمة، فكانت شهد مرافقة لهما اليوم.
لم تطيق الإنتظار بعد، التفتت إليه وبنبرة مليئة بالغيرة سألته:
"كانت عايزة منك إيه؟"
عقب يوسف على سؤالها دون أن يلتفت إليها:
"هي مين؟"
"اللي كلمتك الصبح"
قالتها لينة بصوت حاد فأجبرت يوسف على التعجب من أسلوبها، حدجها لبرهة قبل أن يردف:
"اه، فاطمة.."
ازدادت غيرة لينة وكزت أسنانها بعصبية، لم تخفض نظرها عنه قط، تنتظر استكمال حديثه الناقص، لكن لا تدري هل ستصمد وهو يحادثها عن إمرأة أخرى أم ستقلب الوسط رأساً على عقب؟
قطع يوسف بكلماته حبال أفكارها:
"فيه واحد متقدم لها وعايزاني أقنع اعمامها بيه.."
شعرت لينة ببعض الراحة داخلها، تنهدت ثم بفضول تابعت أسئلتها:
"واشمعنا أنت، ما تروح تقولهم"
"هيحاول يوسف إنهاء الحوار سريعاً، فلا يحب التحدث عما لا يعنيه فقال:"
"عادي يا لينة، أنا كنت قولتلها لو محتاجة حاجة كلميني"
عقدت ذراعيه لأعلى صدرها وبتذمر واضح صاحت:
"وأنت متعود بقى تساعد كل واحدة كدا؟!!"
بهدوءٍ يشوبه الريبة من أمرها أردف:
"بساعد أي حد محتاجني يا لينة.."
نطق اسمها وهو يطالعها بغرابة، ثم عاد ناظراً أمامه لكي يسير من ذلك الطريق القريب منهما، انتهبت لينة لتغير سيرهما فتسائلت بملل:
"أنت جايبنا هنا تاني ليه؟"
صف السيارة وهو يجيبها:
"عايز أتكلم مع خالي في موضوع مهم"
قلبت لينة عينيها فهدر هو متعجباً:
"أنتِ بتضايقي ليه لما بتيجي هنا؟"
توترت لينة من سؤاله، حتماً لن تخبره السبب الحقيقي، ابتلعت ريقها لتعطي فرصة لعقلها في إيجاد عِلة تخبره بها، نظرت إليه ثم وضحت بكلمات زائفة:
"مش بضايق، بس أنت كل مرة بتيجي هنا بليل وأنا بكون تعبانة من الدورس، بس كدا"
هز رأسه وهو يتمتم داعياً:
"إن شاءالله منطولش"
صعدا كلاهما ثم قرع يوسف جرس المنزل، فُتح له في خلال ثانيتين، تقوس ثغر يوسف بإبتسامة حين رآى إبن خاله ورحب به:
"دا أنا حظي حلو بقى عشان أشوفك"
بادله أسامة الإبتسام مع ترحيبه الحار:
"واحشني يا جو والله"
"وأنت كمان أخبار الكلية إيه"
سأله يوسف بينما أجاب أسامه بتذمر:
"أهو ماشية.."
صوب أسامة عينيه على لينة الواقفة خلف يوسف ورحب بها:
"إزيك يا لينة؟"
باختصار مصاحب للحياء أردفت:
"الحمد لله"
دعاهما أسامة للداخل، ثم نادى على والده الذي جاء على الفور عند علمه بوجودهما، رحب بهما بحفاوة شديدة على عكس هادية التي كانت باردة معهما.
اختفت من أمامهم مسرعة، ولجت لغرفة إيمان وحذرتها بألا تخرج، يكفي تقليل من شأنها لهذا الحد، ثم عادت هي لمضايفتهم على مضضٍ.
بعد أحاديث تبادلاها الرجال، حمحم يوسف قبل أن يطالب خاله بما يريد:
"لو سمحت يا خالي، كنت محتاج أتكلم معاك في موضوع كدا.."
مرر رمضان نظراته على الجميع فانسحبوا خلف بعضهم، رافقت لينة هادية بينما دلف أسامة إلى غرفته.
قلق رمضان من طلب يوسف وسأله بتوجس:
"مش خير يا يوسف؟"
شكل يوسف بسمة على شفتيها لكي يبث فيه الطمأنينة، وقال بصوته الرخيم:
"كل خير إن شاء الله، فيه عريس متقدم لإيمان.."
تفاجئ رمضان بهذا الخبر، فهو قد أخبره في الصباح بوجود خاطب فمتى ظهر الآخر، قطب رمضان حاجبيه بغرابة مردداً بذهول:
"عريس!! دا غير اللي قولتلك عليه؟"
أماء يوسف برأسه مؤكداً قبل أن يوضح له:
"دا بلال صاحبي، أكيد عارفه"
أبدى رمضان معرفته ببلال قائلاً:
"أيوة أعرفه عز المعرفة"
اتسعت إبتسامة يوسف وتابع حديثه:
"الرسول صل الله عليه وسلم قال "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج"وقالنا برده "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه""
تمم رمضان على ما قاله يوسف بقوله:
"صدق رسول الله صل الله عليه وسلم"
عاد يوسف لمواصلة حديثه:
"وبلال خلق ودين، وجدع وصاحب صاحبه، دا لولاه مكنتش وصلت للمكانة اللي أنا فيها دي، راجل يعتمد عليه وبيتقي ربنا في شغله وحياته دا غير إن مادياً كويس جداً جداً وهيقدر يعيشها في مستوى مرفه، أنا أضمنهولك براقبتي يا خالي."
شعر رمضان بالحيرة، فلم يقع في أمراً هكذا من قبل، طالع في الفراغ أمامه للحظة قبل أن يهتف متسائلاً:
"طيب والعريس التاني دا أقوله إيه؟"
تدخل يوسف باقتراحه:
"أعتقد يا خالي إن مش صعب رفضه، أنا فهمت من كلامك الصبح إنكم لسه موفقتوش عليه"
أكد رمضان على حديث يوسف بصوته الأجش:
"فعلاً، أنا كنت عايز أسأل عليه الأول ولو شخص كويس كنت هحاول أقنع إيمان"
أسرع يوسف في الحديث متلهفاً:
"يبقى تقوله كل شيء قسمة ونصيب زي اللي قبله، طلاما كدا كدا إيمان مش موافقة، وبدل ما تقنعها بيه أقنعها ببلال!!"
أخفض رمضان نظريه ليفكر في كل ما قيل، لم يجد صعوبة في رفض الخاطب، فهو ليس أول من رفضوه، هو يثق في يوسف كثيراً وحتماً لن يتدخل في الأمر إلا لمصلحة إبنة خاله.
رفع رمضان بصره على يوسف وبهدوءٍ هدر:
"مبدأياً يابني طلاما أنت شايف أنه مناسب ووكويس أنا مش هراجع وراك، بس اديني مهلة أتكلم مع هادية وإيمان وأرد عليك"
وافقه يوسف في رأيه لكنه حاول التأكيد عليه بقوله:
"براحتك يا خالي، بس حاول تقنعهم بلال فرصة مش هتتكرر تاني، أنا واثق من كدا."
"إن شاء الله يابني، اللي فيه الخير يقدمه ربنا"
أنهى رمضان حوارهما بكلماته، نهض يوسف مستأذناً منه:
"استأذن أنا بقى، تصبح على خير"
نهض رمضان غير موافقاً على ذهابه:
"لا لا تمشي إيه، لسه هتتشعى معانا"
رفض يوسف بلطف:
"لا معلش يا خالي مرة تانية، لينة تعبانة طول اليوم من الدورس وبتبقى عايزة ترتاح"
لم يطيل رمضان، فخرج يوسف إلى الخارج فتفاجئ بجلوس أسامة برفقة لينة بفردهما يتسامران، لم يشعر بأسنانه التي كادت أن تُفتك.
حمحم وبصوت غاضب صاح:
"لينة.."
ذعرت لينة من نبرته فنهضت تلقائياً عند رؤيته، اقترب منها وأردف أمراً:
"يلا عشان نمشي.."
أماءت له بقبول وخوف معاً، لا تعلم من أين أتى ذاك الرعب الذي تملك بخلاياها، أوقفهما أسامة بسؤاله الذي وجهه إلى لينة:
"لينة عندك انستجرام؟"
كادت ليناة أن تجيبه إلا أن يوسف قد أسبق بالإجابة بحدة:
"لأ، معندهاش"
أرخى يوسف من ملامحه المشدودة وابتسم على مضضٍ قبل أن يوجه حديثه للآخرين:
"تصبحوا على خير"
رد جميعهم في آن واحد:
"وأنت من أهله"
نظراته كانت كفيلة لإرهاب لينة، ابتلعت ريقها وتابعت خطواته السريعة، إلى أن استقلا السيارة، ثم لم يتحمل يوسف لثانية أخرى وسألها مستفسراً بنبرة جامدة:
"أنتِ إيه اللي قعدك مع أسامة لوحدكم؟"
لم تتفاجئ لينة من السؤال، فكانت على استعداد له، حركت رأسها ناحيته وهي تجيبه بهدوء:
"آبلة هادية دخلت المطبخ، معرفتش أعمل إيه"
"وكان بيتكلم في إيه؟"
هتف يوسف بسؤال آخر بحدة فأجابت لينة بتلقائية:
"معرفش، مركزتش، سيبته يتكلم وخلاص.."
لم يعقب يوسف، تعجب من انفعاله المبالغ، فماذا يمكن أن يحدث إذا تحدثا قليلاً، إنها لينة اخر، أكثر من يثق فيها، لكن مشكلته إنه لا يثق فيمن يقفون أمامها.
هدأ رويداً رويداً لكنه لم يتناول الأحاديث معها إلى أن وصلا إلى منطقتهم، ترجلت لينة أولاً بخطوات مهرولة فهي متعبة للغاية، تريد فقط الإستلقاء لتنعم ببعض النوم.
كانت رؤيتها مشوشة بعض الشيء لركضها بتلك السرعة الذي أدى إلى إلتواء قدمها اليمنى، فآنت بألم شديد ثم أمسكت بسور الدرج لكي لا تفقد توازن جسدها.
حاولت الصعود لكنها لا تتحمل الضغط على قدمها، في تلك اللحظة قد تابعها يوسف وتعجب من وقوفها، اقترب منها متسائلاً بحيرة:
"مالك، واقفة كدا ليه؟"
أخبرته بما حدث فحاول تشجيعها على الصعود بقوله:
"طيب امسكي في الطرابزين واطلعي براحة"
بنبرة مرتجفة تهدد بالبكاء تمتمت:
"مش عارفة أضغط عليها، بتوجعني.."
هتفت آخر جملتها ثم بكت من الألم، فلم يتحمل يوسف بكائها المفاجئ، مسحت لينة عبراتها بأناملها سريعاً، رفعت عينيها للأعلى لا تدري كيف ستصعد بتلك الحالة إلى الطابق الثاني.
حشرت أنفاسها حين شعرت بذراعه الذي حاوط به خصرها، التفتت ناظرة إليه لتتأكد مما هما عليه، ازدادت دهشتها حين قال:
"اسندي إيدك على كتفي"
طالعته لينة لبرهة غير مصدقة ما يحدث، حثها هو بإشارة من عينيه فامتلثت على الفور، أصبحت بين أحضانه دون سابق إنذار، شاعرة بنبضاته التي تعزف خلف كتفها.
كان يرفعها يوسف من آن لآخر حتى تخطوا جميع الدرجات، طرق يوسف الباب فلن ينجح في فتحه وهي بين ذراعيه.
فتح له أخيه الذي تعجب من وضعهما وتسائل بريبة من أمرهما:
"في إيه؟"
هاجمه يوسف مستاءً:
"وسع ندخل الأول"
تنحى زياد جانباً فأدلف يوسف أولاً ليساعد لينة على الدخول، ثم مال بها بحذر عند وصوله للأريكة حتى اعتلتها، كانت تخرج منها آنة كلما حاولت تحريك قدميها، فحذرها يوسف بقوله:
"معتيش تحركيها، هدخل أشوف لو فيه مرهم هنا ينفعك"
انسحب يوسف من بينهما باحثاً عن شيء يضمد به آلامها، عاد زياد بنظريه عليها وتسائل باهتمام:
"إيه اللي حصل لرجليكي؟"
أجابته بنبرة خافتة:
"اتلوت وأنا طالعة على السلم"
خرجت السيدة ميمي من غرفتها بعدما أدت ركعتان قيام ليل، ذعرت حين رأت دموع لينة على مقلتيها، هرولت إليها متوجسة خيفة خشية أن مكروه قد أصابها، بخوف واضح سألتها:
"مالك يا لينة، بتعيطي ليه؟"
أخبرها زياد من خلفها:
"رجليها اتلوت وهي طالعة السلم.."
"يا حبيبتي، وريني رجلك كدا"
هتفت ميمي بآسى وحزن ثم جلست القرفصاء لكي تتفحص قدمها، شهقت بذعر حين رأت تورم كاحلها وتمتمت بحزن:
"رجليكي وارمة خالص"
حضر يوسف الذي وقعت كلمات ميمي على أذنيه فرد عليها:
"أنا ملقتش حاجة هنا تنفعها، هنزل أشتري من الصيدلية"
اختفى يوسف فور إخبارهم بذهابه، بينما نهضت السيدة ميمي قائلة:
"هروح أجيب مية دافية أعملك كمادات عليها"
اختنقت لينة من ذلك الحجاب الذي لم تخلعه منذ عدة ساعات، تريد التحرر منه بأي ثمن، حاولت النهوض لربما تستطيع التوجه إلى غرفة السيدة ميمي وتعطى خصلاتها بعض الحرية.
لم تنجح في الوقوف بمفردها، يزداد الألم كلما دعست على قدمها، أشفق زياد على حالتها المذرية فأراد مساعدتها، اقترب منها ثم مد يده لها وهو يهتف:
"تعالي وأنا أساعدك.."
لم تفكر لينة ثانية بل أبدت رفضها بتعب:
"لأ شكراً.."
حاول زياد مرة أخرى، فهو يرى معاناتها ويريد فقط تقديم العون لها:
"يابنتي تعالي هدخلك الأوضة"
هزت رأسها رافضة ثم مالت على جدار الأريكة وأوصدت عينيها لحين حدوث أمراً يهدئ من آلامها، أطلقت صرخة قوية حين لامست تلك المنشفة المبللة بالماء الدافئ قدمها.
آزرتها ميمي وحثتها على التحمل:
"معلش يا لينة، استحملي عشان تهدى شوية"
كررت السيدة ميمي فعلتها حتى عاد يوسف، أقترب منهم وخصيصاً لينة، وضع ما معه جانباً ثم وقف أمام لينة وانحنى عليها، ثم أحاطها بذراعيه وهو يردد:
"قومي معايا براحة"
تشبثت لينة في ذراعيه ثم نهضت بصعوبة بالغة، رفع زياد حاجبيه متعجباً من أمر تلك الفتاة، لقد رفضت مساعدته منذ دقائق لكنها لا تبدي أي ردة فعل أمام يوسف!!
ولم تكن المرة الأولى، بل منذ دلوفها من ذلك الباب ترفضه دوماً، شعر زياد بغرابة تصرفاتها معه، كز أسنانه وهو يتابعهم بغضب تأجج داخله.
ساعد يوسف لينة على دخول غرفة والدته ومن ثم ساعدها على الاستلقاء، نظر إلى والدته وأمرها بلطف:
"شوفي يا أمي عندك مراهم ادهني لها أنتِ، أنا برا لو احتجتوني"
أماءت له ميمي ثم جلست بجوار قدمي لينة وبدأت تملس على كاحلها المتورم بحذر لكي لا تؤلمها.
بينما ولج يوسف لغرفته، فك أزرار قميصه الذي ألقاه على الفراش، كاد أن يتابع تبديل ثيابه إلا أن رنين هاتفه قد منعه، توجه نحو الفراش واختلس النظر إلى هاتفه الموضوع أعلاه، عقد حاجبيه تلقائياً فور رؤيته لاسم المتصل.
جلس على طرف الفراش ثم تناول الهاتف وأجاب:
"إيمان!"
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم تسنيم المرشدي
"أنا هسألك حاجة وأقفل على طول"
قالتها إيمان فشعر يوسف بالغرابة حول سؤالها. تنهد وانتظر مواصلة حديثها التي تابعته بنبرة مهزوزة:
"سبق وقولتلي إني أختك ومصلحتي تهمك، أنا عرفت من بابا إن أنت جيت النهاردة، أنا عايزة أعرف رأيك."
قطب يوسف جبينه، فما أهمية رأيه في ذلك. حالة من السكون طالت مدتها حتى أجاب يوسف مختصراً:
"رأيي قولته لخالي."
"وأنا عايزة أسمعه منك."
قالتها إيمان مُصرة على سماع إجابته. بينما أخرج يوسف تنهيدة مطولة، على الرغم من نفوره من تلك المحادثة إلا أنه سيواصل من أجل صديقه:
"لو فعلاً عايزة رأيي، فأنا قولتلك رأيي قبل كدا."
بعدم استيعاب سألته:
"قولت إيه؟"
نهض يوسف من على الفراش وسار في الغرفة ثم استرسل:
"قولتلك خدي اللي بيحبك هيديكي مشاعره وقلبه ووقته وفلوسه وهيتقي ربنا فيكي، ووقتها كنت أقصد 'بلال'."
"أنا كدا قولت كل اللي عندي، فكري كويس قبل ما تبلغي خالي برأيك."
كلماته كانت بمثابة إنهائه للمكالمة. لم تطُل هي، وكادت أن تغلق إلا أن يوسف لحق بها:
"إيمان.."
أجابته بلهفة:
"نعم."
بهدوء أردف:
"لو سمحتي لو حصل نصيب بلاش المكالمات دي تاني."
تشدقت إيمان بسخرية. لم تعقب بل أنهت المكالمة على الفور ثم ألقت هاتفها على الفراش بعصبية وهي تهتف بعدم تصديق:
"بلاش المكالمات دي تاني!!"
نظرت حيث تمكث والدتها أمامها وقالت من بين بكائها وهي تشير على نفسها:
"أنا حاسة إنه طلب من صاحبه يتقدم لي عشان يخلص مني!"
نهضت هادية بوجه عابس وصاحت هاتفة لإعادتها لصوابها:
"يبقى تندميه، تثبتي له إن صاحبه مشافش النعيم غير على إيدك، وإنه دخل الجنة لما خطبك!"
بكت إيمان كثيراً، لا تستوعب ما تطالبها به، وكأن الأمر بتلك السهولة. توجهت نحو الفراش واعتلت طرفه وأردفت وهي تطالع الفراغ أمامها بنبرة مهزوزة:
"محسساني إن فيه زرار هدوس عليه أعرف أتعامل مع حد تاني."
"دا أنا معرفتش أعمل صاحبة واحدة طول الـ السنين اللي فاتت دي، معرفتش راجل حتى على سبيل الزمالة، مبعرفش أتعامل مع أي حد غريب عني، كل دا عشان كنت مركزة مع واحد وبس، واحد مفكرش مرة إنه يبصلي بنظرة مختلفة، محاولش يديني فرصة يمكن نظرته ليا تتغير ويحبني، دا أنا ضيعت عمري وشبابي كله بتمناه، برسم وبخطط لحياتي معاه، كل دا ضاع!"
"أنا حاسة إني كنت نايمة وصحيت فجأة على عالم مش بتاعي، عالم معرفوش، مطلوب مني أتعامل مع ناس معرفش إزاي أتعامل معاهم، اتأقلم على راجل تاني غيره!"
"إزاي هقدر أعمل كدا؟"
"أنا مقهورة أوي على كل اللي ضاع من عمري عشان واحد ميستاهلش ربع حُبي، أنا كنت مغفلة لما أقنعت نفسي إن الدنيا وردية والأحلام بتحقق."
"مفيش حاجة بتتحقق يا ماما."
"والمصيبة إني كنت شايفة دا بعيني، بس عاندت وفي الآخر عِندي مكسرش غيري."
ربتت والدتها على ظهرها بحنو وأردفت بعض الكلمات المشجعة:
"يبقى تعملي اللي قولتلك عليه، تثب..."
قاطعتها إيمان بتحركها من مكانها وصاحت بإنفعال شديد:
"بس أنا مش عايزة أثبت لحد حاجة، أنا عايزة أعيش لنفسي وأعوضها عن اللي اتسببت فيه."
وقفت هادية أمامها ولم تعترض ما تريده بل وافقتها الرأي حيث قالت بهدوء:
"خلاص يا حبيبتي، اعتبري العريس دا هو العوض ليكي."
جهشت إيمان باكية بحرقة، لا يتقبل عقلها ذلك التغير المفاجئ، كيف عليها السير في طريق لا تعلم إن كانت ستنجح في تخطيه أم لا، كيف تتقبل رجلاً آخر غير الذي سكن فؤادها، كيف ترسم طريقاً جديد لحياتها مع غيره بعدما اجتازت طريقها مع يوسف في عقلها، كيف ستفعلها؟!
ضمتها والدتها بقوة لعلها تضمد جروحها وتدواي آلامها.
***
أنتبه يوسف لدخول شقيقه فترك الملف الذي كان يتفحصه. لاحظ جمود الآخر فسأله مستفسراً عما به:
"إيه مالك؟"
شكل زياد بسمة لم تتعدى شفتيه وهو ينفي وجود أي شيء مريب:
"مفيش، عايز أنام."
حرك يوسف رأسه متفهماً أمره ثم انسحب إلى الخارج ليكمل قراءة ملف السيارات التي أحضره بلال في الصباح.
"بلال!"
ردد يوسف اسمه حينما تذكره. كاد أن يهاتفه إلا إنه تريث، فالوقت كان متأخراً، ولابد أن يكون قد غفى، ففضل مراسالته بدلاً عن مهاتفته. أرسل إليه رسالة على الواتساب مضمونها كان:
"أنا عملت اللي عليا، الباقي عليك، ورينا شطارتك."
تقوس ثغره للجانب مشكلاً إبتسامة حين تخيل ردة فعله عندما يقرأ رسالته. لم تمر دقيقة إلا وهاتفه بلال الذي هلل غير مصدق:
"أحلف."
قهقه يوسف مؤكداً:
"والله خلصت لك الموضوع، الدور عليك."
بحماسة شديدة هلل:
"يعني المفروض أعمل إيه؟"
أخبره يوسف قائلاً:
"تتكلم مع أهلك وتروحوا تتقدموا."
أوصد بلال عينيه لبرهة وهو يعض على شفتيه السُفلى يحاول استيعاب الأمر. زفر بعض الأنفاس قبل أن يواصل استرساله بتردد:
"قول إنك مش بتهزر يا يوسف وغلاوة لينة عندك."
حالة من الذهول تملكت يوسف حينما ذكر بلال اسم لينة. تعجب من انتقائه لها خصيصاً دون غيرها، لكنه لم يريد أن يفسد تلك اللحظة الفريدة من نوعها على صديقه فأجابه دون تعقيب عما قاله:
"والله ما بهزر، شوف اليوم اللي يناسبكم وعرفني أظبط مع خالي."
صاح بلال الذي أسرت قلبه السعادة:
"يا أخي ياريتك كنت قدامي، كنت بوستك."
شعر يوسف بالتقزز منه وهتف مستاءً:
"دا الحمد لله إني مش قدامك."
انفجر بلال ضاحكاً بينما أردف يوسف بخبث:
"وفره لبعدين."
لحظة إدراك ما يدور خلف كلماته الجريئة. نهره بلال غير مصدق وقاحته:
"اتلم يالا، تصبح على خير."
"وأنت من أهله."
هتف يوسف قبل أن ينهي المكالمة. واصل قراءة الملف الذي شعر بالغرابة حيال تلك السيارات الحديثة. يجب عليه الإنتباه جيداً قبل أن يقبل دخول تلك الصفقة معرضه.
بعد فترة ليست بقصيرة، استمع لأحد الأبواب الذي فُتح فرفع نظره تلقائياً مع سماعه صرير الباب. خفق قلبه بشدة حينما رأى تلك الطلة التي لم يرى مثلها من قبل.
لم يتوقف قلبه عن الخفقان بصورة مضطربة لرؤيته لخصلاتها الكستنائية المموجة التي تنسدل بعضاً منها على عينيها خافية جزءاً من وجهها، مظهراً جذاباً لم يتمكن من غض بصره تلك المرة.
لم يتحلى بتلك القوة التي يمتلكها أمام النساء فيغض بصره عنهن، شعر بنفسه الضعيفة التي أطالت النظر باستمتاع كأنه يشاهد فيلماً سينمائياً.
اختفت لينة خلف باب المرحاض، لم ترتدي حجابها ظناً أن الجميع نيام، فهي تكرر فعلتها من حين لآخر إن كانت في وقت متأخر متأكدة أنه لن يراها أحدهم، لكنها لم تحسب لتلك المرة مطلقاً.
جمع يوسف أوراقه سريعاً ثم هرول نحو الغرفة قبل خروجها لكي لا يسبب لها الحرج إن رآته. كان في حالة لا يرثى لها، مازال قلبه يخفق بقوة، تمايل خصلاتها لا يريد الإقلاع عن عقله.
لا يستطيع تفسير ما يحدث له، فقط عليه النوم لكي ينسى ما رآه، فلم يكن عليه رؤيتها في تلك الحالة الخاصة. التفت برأسه ناظراً إلى شقيقه النائم، راودته عشرات الأسئلة حينها وكان الأهم من بينهم "ماذا إن كان رأى أخيه تلك الطلة من قبل؟"
نفخ بضيق قد تملكه، شعر باختناق صدره، المزيد من الأوضاع التي تجتاحه دون أن يلم بمعناها، تشتت عقله ففضل النعاس ليجبر عقله على عدم التفكير بعد الأن.
لم يجافيه النوم إلا بعدما تأكد من عودة لينة إلى غرفة والدته وأن أخيه لن يراها على تلك الحالة. أغمض عينيه فتشكلت صورتها في ظلامه، تسللت إبتسامة عفوية على ثغره لكنه سرعان ما أخفاها معاتباً نفسه الأمارة ثم حاول جاهداً أن ينام.
***
في الصباح الباكر، وخصيصاً في مطبخ المنزل، يجلس يوسف برفقة والدته التي هتفت بعدم تصديق:
"بلال!"
أماء لها يوسف مؤكداً:
"أيوة يا أمي بلال، مالك استغربتي كدا ليه؟"
جابت ميمي المكان من حولها بنظرها، في محاولة منها على هضم ما أخبرها به يوسف للتو. أجابته وهي تتشدق، لا يستوعب عقلها بعد:
"مستغربة إن بلال اللي يطلبها، مش عارفة ليه بس حاسة الموضوع غري..."
صمتت ميمي من تلقاء نفسها حينما جمعت الحقيقة في عقلها. عادت ببصرها إلى يوسف ورددت بأعين ضائقة:
"أنت عشان كدا مكنتش موافق تتقدم لها؟!"
حرك يوسف رأسه بتأكيد ثم أوضح بعض النقاط التي تجهلها:
"دا سبب من الأسباب، أول سبب إني مش حاسسها، ومش هروح أتجوز واحدة لمجرد إنك عايزاني أتجوزها يا أمي، وتاني سبب كان بلال، وقت ما أعترف لي أنه بيحبها رفضت الكلام عنها معاكي، مينفعش أتكلم على واحدة ممكن في يوم تبقى عرض صاحبي."
للحظة أعادت ميمي أفكارها ثم تشكلت بسمة على ثغرها ورددت برضاء تام:
"بس والله فرحت، بلال كويس وإيمان تستاهل كل خير."
"ربنا يتمم لهم على خير يارب."
نهض يوسف عن كرسيه وهو ينهي آخر قضمة من شطيرته ثم تحدث بفاه ممتلئ:
"أنا ماشي عشان اتأخرت."
اكتفت ميمي بإيماءة من رأسها، بينما دعت له بالتوفيق. توقف يوسف حين رأى خروج لينة من غرفة السيدة ميمي. قابلته هي بإبتسامة خجولة.
لم يرفع عينيه قط من عليها، يتذكر خصلاتها المموجة التي لمست شيء به، يعاتب ذلك الحجاب الذي يمنع رؤيته له مرة أخرى.
لعن ذاته لأنها تفكر بتلك الوقاحة، منذ متى ولينة كانت محور تفكيره بهذا الشكل. حمحم وسألها باهتمام:
"رجلك عاملة إيه النهاردة؟"
اتسعت عينيها وهي تجيبه مستاءة:
"هي مش أحسن حاجة بس أحسن من إمبارح، أنا مش هقدر أروح النهاردة دروس هشوف مجموعة بكرة وأحضرها."
حرك يوسف رأسه متفهماً وضعها ثم قال بلطف:
"سلامتك يا لي لي."
"لي لي!!"
"بربك ماذا قلت للتو، تفاجئ كليهما بما قاله يوسف، لم يرتب لذلك قط، ابتلع ريقه وهو يطالع عينيها المصوبتان عليه بذهول، لا يستطيع تفسير ما يوجد خلفهما، أهذه نظرة إعجاب لتلقيبه الجديد، أم صدمة لأنها لم تتوقع منه ذلك؟"
طالت إجابتها عليها فهرب يوسف من أمامها سريعاً معللاً سبب هروبه:
"أنا نازل ورايا شغل كتير، لو احتجتي حاجة كلميني."
ابتعد عنها بضعة خطوات ثم أوقفته لينة بندائها:
"يوسف."
التفت برأسه فأردفت هي ببسمة عذبة ونبرة رقيقة:
"الله يسلمك."
بادلها إبتسامة ثم تابع خطواته إلى الخارج. لم ترفع لينة نظريها عن الباب الذي اختفى خلفه، قلبها يطرب فرحاً لذاك اللقب الجديد والفريد من نوعه، فكان أول من يناديها "لي لي" وبالطبع لن تسمح لغيره بقوله.
قرع رنين الجرس فتقدمت نحوه لتفتحه، فإذا بها شهد صديقتها جاءت للإطمئنان عليها قائلة بشفقة:
"سلامتك يا روحي."
"الله يسلمك يا شهد، تعالي."
قالتها لينة مجيبة إياها ثم حضرت السيدة ميمي مرحبة بها:
"إزيك يا شهد، وإزاي مامتك أخبارها إيه؟"
بحرج شديد ردت عليها:
"بخير يا طنط الحمد لله، معلش جيت بدري، بس كنت عايزة أطمن على لينة قبل ما أروح دروسي."
تشكل الإستياء على وجه ميمي، وهتفت معاتبة:
"دا بيتك يا حبيبتي تيجي في الوقت اللي تحبيه."
هدرت شهد ممتنة:
"ربنا يخليكي يا طنط."
استأذنت كلتاهن لدخول الغرفة. اعتلت لينة طرف الفراش بحذر لكي لا تؤلمها قدمها ورددت بملل:
"اليوم لسه طويل أوي، هقعد أعمل إيه كل دا لوحدي."
تأففت بملل شديد ثم تحولت تقاسيمها إلى الحيوية وبنشاط واضح في نبرتها أمرت صديقتها:
"بقولك إيه هاتي لما نحط ميك أب أهو أي حاجة تغير لي مودي."
فحصت شهد المكان من حولها باحثة عن مستحضرات التجميل ثم تسائلت ساخرة:
"مش شايفة أي ميك أب خالص."
أشارت لينة إلى إحدى الحقائب ذات اللون الوردي وقالت:
"في الشنطة البينك اللي على التسريحة دي."
اتجهت شهد ناحيتها ثم أحضرتها وبدأن في وضع المساحيق المبالغة، فلا تسنح لهن الفرصة في وضع الكثير منه في الخارج. رفعت لينة المرأة البيضاوية الصغيرة التي بيدها وتفحصت ملامحها، ثم أغلقت شفتيها على بعضهما البعض لكي توزع أحمر الشفاه عليهما كاملاً.
أخفضت المرآة ثم وجهت سؤالاً إلى صديقتها التي لازالت تضع اللمسات الأخيرة:
"ها إيه رأيك؟"
نظرت إليها شهد بطرف عينيها ثم أرغمت على ترك ما معها لتتفحص ملامح لينة جيداً. ابتسمت بعفوية وهي تخبرها عن رأيها بلهجة صعيدية:
"يا بوي على الحلاوة يولاد، دي أني لو راجل كنت اتچوزتك يابه."
قهقهت لينة عالياً وهتفت من بين ضحكاتها:
"ربنا يحرسني لشبابي."
شاركتها شهد الضحك ثم قضين وقتاً ممتعاً معاً.
***
اقتحم بلال مكتب يوسف الذي لم يتفاجئ بطريقة دلوفه. حرك رأسه مستنكراً عادته التي لن تتغير وردد ساخراً:
"حاسس إنك لو دخلت باحترام مرة واحدة الكوكب هينتهي."
قهقه بلال ثم لم يكترث كثيراً لما قال، فالحماس دون غيره يسيطر عليه الآن. اقترب من يوسف ثم أخفض نظره عليه وسأله وهو يفتح العُلبة التي بيديه:
"إيه رأيك، بس بصراحة، لو وحش قولي عشان أرجعه."
نظر يوسف لما تحتويه العلبة، ابتسم حين رأى خاتم رقيق، وأبدى إعجابه به:
"جميل أوي، دا لمين دا؟"
قلب بلال عينيه مستاءً من سؤاله الساذج، أولاه ظهره وذهب ليجلس على أحد المقاعد وأجابه:
"لإيمان، هيكون لمين يعني؟"
عقد يوسف ما بين حاجبيه متعجباً من رده، ثم حاول ألا يعطي الأمر أكبر من حجمه وسأله مستفسراً:
"أنت حددت معاد خلاص؟"
بتلقائية أردف بلال وهو يطالع الخاتم باهتمام:
"ولا حد يعرف لسه."
ضرب يوسف وجهه براحة يده غير مصدق تصرفه الأرعن. تنهد قبل أن يلقي بكلماته المستاءة:
"وشاري خاتم وبتسألني عن رأيي وأنت أصلاً مفاتحتش أبوك في الموضوع؟!"
أغلق بلال العُلبة بإبهامه ثم التفت إلى يوسف ودون تكلف في الحديث هتف بعجرفة:
"دي سهلة دي، هما كلهم يتمنوا أشاور بس على واحدة، بنت خالك هتشوف دلع عمرها ما شافته."
تقوس ثغر يوسف ساخراً وهو يسأله بفضول عما وراء كلماته:
"إزاي يعني؟"
وضع بلال العلبة على طاولة المكتب واستند بمرفقيه عليه قبل أن يجيبه بتكبر:
"دلع هتلاقي، فلوس، هدايا، وحب هتلاقي كل حاجة تتوقعها هتلاقيها عندي."
لم يتأثر يوسف بعقلية بلال الساذجة وأردف بحكمة:
"كل دول صدقني ولا يفرقوا قصاد إنك تتقي ربنا فيها."
قطب بلال جبينه وصاح متسائلاً بإقتضاب:
"وأنت عندك شك في كدا ولا إيه؟"
حرك يوسف رأسه نافياً ثم أكد بقوله:
"عارف، بس بأكد عليك، عارف يا بلال إيه اللي ممكن ينجح أي علاقة؟"
استند بلال بذقنه على راحة يده وطالع يوسف بنظرات ساخرة مجيباً إياه:
"إيه يا روميو؟"
رمقه يوسف بنظرات متهمكة ثم تابع بنبرته الرخيمة:
"إنك في الزعل تفضل زي ما أنت، تتعامل بطبيعتك وطريقتك بس تتجنبوا الكلام في الموضوع اللي زعلانين فيه، وتحددوا له وقت تتعاتبوا فيه."
بعدم استيعاب بعد لحديث يوسف تسائل بلال باستفسار:
"يعني إيه أفضل زي ما أنا؟!"
أوضح له يوسف ما يقصد بسلاسة دون تعقيد:
"يعني متاخدش جنب وتتجنبها وتقوم بالدور اللي هي بتقوم بيه، متحسسهاش إنك تقدر تعمل كل حاجة بنفسك ومش محتاج لها، أنت كدا بتعمل حاجتين."
"أول حاجة إنك بتقولها ملكيش لازمة."
"وتاني حاجة بتكبر الفجوة اللي بينكم وفعلاً بتقدر تستغنى عنها لو مش دلوقتي فبعدين."
صاح بلال ساخراً:
"قول يا نزار يا قباني قول وأطربني."
بحث يوسف بعينيه سريعاً على شيئاً يمكنه إلقائه عليه، أمسك بمزهرية صغيرة الحجم وألقاها عليه بغيظ شديد هاتفاً بحنق:
"أنا غلطان إني بتكلم مع واحد زيك."
لَقِفها بلال قبل أن تسقط أرضاً وأعادها إلى موضعها وهو يردف متسائلاً:
"وأنت عرفت الكلام دا منين يا حنين؟"
أشار يوسف بيده على الأرفف الخشبية خلفه والتي تضم بعض الكتب وقال موضحاً:
"من القراية يا ظريف."
حقاً ينتابه الفضول حول ذلك اليوم الملئ من الأمور التي ينهيها في فترة وجيزة. تنهد ثم سأله بفضول شديد:
"أموت وأعرف بتجيب وقت منين لكل دا، شغل وقراية ومننساش البرنسيس لينة."
نهره يوسف بإقتضاب:
"ملكش دعوة بيها يا خفيف وقصر."
حرك بلال راسه لا يصدق رفضه المستمر في الحديث عنها. ابتلع ريقه وبحنق صاح:
"لا أنا بدأت أغير منها، دا أنت مبتهتمش بصاحبك نص الإهتمام دا."
تأفف يوسف ثم قلب عينيه وردد مستاءً:
"أنت عبيط يا بلال، أنت يا حبيبي حاجة وهي حاجة، أنت صاحبي وأخويا."
صمت يوسف وكأن الحوار انتهى، بينما لم يكتفي بلال بتلك الإجابة الناقصة وأردف سؤاله:
"وهي إيه يا صاحبي؟"
بتلقائية أجابه:
"أمانة صاحبي."
أستاء من إجابته التي لم تتغير منذ سبعة أعوام. لم يستطيع أن يمرق الأمر كسابق مراته وقال:
"أنت ليه عمرك ما شوفتها مثلاً أختك، دايماً بترد إنها أمانة، يعني إيه أمانة دي؟ مكانتها إيه يعني؟"
فكر يوسف لوقت قبل أن يجيبه:
"مفكرتش قبل كدا في مكانتها، أصل هتفرق إيه يعني، المعاملة والأسلوب والمسؤولية عمرهم ما هيتغيروا."
ونهض بلال ليهم بالمغادرة، ثم التقط علبة الخاتم وهو يردد بحماسة:
"طب سلام يا حنين."
"سلام يا بارد."
قالها يوسف ثم هاتف السيد سمير لكي يخبره بما توصل إليه حديثاً في مجموعة السيارات التي تفقدها جيداً.
***
مالت برأسها على كتف صديقتها متسائلة عما تفعله:
"بتعملي إيه؟"
تأففت لينة بضجر ثم ألقت بهاتفها على الفراش بعدما فشلت في الوصول إلى مرادها. تنهدت شهد وطالعتها بشفقة وهي تقول:
"أنتِ لسه بتدوري عليه؟!"
أوصدت لينة عينيها لبرهة في محاولة منها على التماسك لكي لا تتلف أعصابها وأردفت بنبرة مهزوزة:
"مش لاقية حاجة عنه خالص، معقول في بني آدم في العمر دا معندوش أي صفحة تواصل؟!"
أخرجت تنهيدة مهمومة قبل أن تواصل بحزن شديد:
"مفكرش حتى يسأل فيا ولا يدور عليا، سبع سنين من غير ما أسمع صوته، من غير ما يطمن عليا معقول موحشتوش، أومال لو مكنتش توأمه؟!"
"والمفروض يبقى حاسس بيا، بس الظاهر إني مش في دماغه أصلاً، إنجلترا نسيته أهله."
صمتت لينة ثم رددت ساخرة:
"تقريباً اعتبرني مُت مع اللي ماتوا!"
شعرت شهد بالشفقة حيالها، أدمعت عينيها متأثرة بمشاعرها التي تفيض بها. اقتربت منها وضمتها بقوة لعل فعلتها تنجح في تضميد جرحها.
بعد مدة ابتعدت عنها لينة وأخبرتها بإمتنان:
"شكراً عشان أنتِ موجودة مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه."
اتسع ثغر شهد بإبتسامة وهي تشاكسها:
"روميو موجود برده يسد مكاني."
غمزت لها بعينها فابتسمت الأخرى بحياء، تلونت وجنتيها بالحُمرة فهللت شهد غير مصدقة:
"بتتكسفي يا لينة مش ممكن."
لكزتها لينة في ذراعها ومن ثم اختفت ابتسامتها وبدأت تردف ما يكمن بداخلها:
"أوقات بحس إني غلط ومينفعش أعمل كدا، بس بجد غصب عني، يوسف هو مصدر الحماية والأمان بالنسبة لي، أنا ببقى مطمنة وهو موجود، البيت والدفا والعيلة بيتمثلوا فيه هو، هو اللي عطاني كل دول تاني بعد ما راحوا مني، تعرفي بحب ملامحه أوي."
تقوس ثغرها ببسمة عذبة متذكرة ملامحه الرجولية الجذابة:
"بحبه يضحك عشان أشوف غمزاته، بحب حتى النقار بينا، كل حاجة فيه حلوة، لكن أنا حلوة بيه وبوجوده، أنا بحبه أوي يا شهد."
زفرت دمعة على مقلتيها مناقضة حديثها السابق:
"وفي نفس الوقت بحس إني أنانية أوي، أنا وقفت له حياته كلها، مش مهتم غير بيا وبمصلحتي وبرضايا، مأجل جوازه عشاني، مأجل مستقبله كله بسببي، والمشكلة إني مش مضايقة أنا مبسوطة بكدا عشان مش عايزاه يكون لحد تاني، عايزاه يوم ما يفكر في مستقبله يبقى معايا أنا وأكون جزء منه."
اقترحت عليها شهد وهي تطالع الفراغ أمامها:
"ما يمكن أنتِ اللي شايفة كدا بس، يعني يمكن هو اللي عايز يأجل حياته ومستقبله، مش يمكن يكون بيح...."
قاطعتها لينة بنبرة مهزوزة:
"أنا بالنسبة له أمانة وصاه صاحبه عليها قبل ما يموت!"
استنكرت شهد تفكيرها الساذج وهتفت بمعتقداتها:
"هو فيه حد بيعمل كدا لمجرد وصية؟ دا أنتِ خالك نفسه سابكم ومهتمش بيكم، واحد غريب هيصون الأمانة بالطريقة دي؟"
عارضتها لينة قائلة:
"أيوة يوسف يعمل كدا، يوسف بيتقي ربنا في أهله مش أنا بس، وفي شغله كمان، بيدي لكل حاجة حقها وزيادة وصاحب صاحبه أوي، وبما إني أخت صاحبه اللي وصاه عليا أنا وعلي فأنا شايفة اللي بيعمله دا طبيعي جدا لشخصية زي يوسف!"
شعرت شهد بأنها لم تعد تعي شيء. تفحصت ساعة يدها ثم شهقت بذعر حين رأت تأخر الوقت. انتفضت من مكانها وهي تردد:
"أنا اتاخرت أوووي."
هرولت إلى الخارج بخطوات سريعة، تابعتها لينة بتهمل بعدما التقطت حجاب رأسها، فهي بالكاد تستطيع الضغط على قدمها. ودعتها شهد بحرارة ثم أغلقت الباب.
تفاجئت لينة بفتح الباب مرة أخرى وإذا به يوسف، تعجبت من قدومه فهو لا يأتي في مثل ذلك الوقت. قطبت جبينها بغرابة وسألته مستفسرة:
"أنت كويس، أصل مش بتيجي في الوقت دا."
اقتربت منها يوسف وهو يجيبها بإبتسامة لا تعلم سببها:
"جيت أطمن عليكي وراجع تاني."
كان يطالعها بنظرات مريبة، وابتسامته تزداد كلما مر الوقت عليهما. ابتلعت لينة ريقها بخجل وهربت بعينيها بعيداً عنه، بينما لم يرفع يوسف نظره عليها، يطالعها بإعجاب شديد فلم يراها على تلك الحالة الجريئة من قبل.
حمحم يوسف قبل أن يردف متسائلاً:
"ميمي فين؟"
أجابته باختصار:
"في المطبخ."
حرك رأسه متفهماً ثم همس لها وهو يمر بجوارها:
"المكياج حلو أوي."
تركها وتابع تقدمه نحو المطبخ بينما اتسعت مقلتيها بذهول. مدت يدها وتحسست شفتيها فتفاجئت بذلك اللون الأحمر الذي ترك أثره على إصبعها. أخرجت زفيراً عميقاً وهو تعود إلى الغرفة حتى تمسح آثار المساحيق التي نسيتها تماماً.
وقفت أمام المرآة ثم سحبت أحد المناديل الدائرية من علبتها الإسطوانية. كادت أن تمسح زينتها إلا أنها تراجعت. طالعت ملامحها وكلمات يوسف تتردد في عقلها، تدفقت الدماء في عروقها فشعرت بالحرارة في ثائر بدنها وخصيصاً وجنتيها.
ابتسمت بحياء يشوبه السعادة التي أسرت قلبها. تنهدت ثم أعادت المنديل القطني إلى علبته، قررت أن تترك زينتها بضعة من الوقت بعد، لربما يعيد كلمات الغزل خاصته ثانيةً.
استدارت بجسدها وأمسكت بمقبض الباب. زفرت بعض الأنفاس قبل أن تنسحب إلى الخارج. فتحت الباب أثناء خروج يوسف والسيدة ميمي من المطبخ، كذلك أنتبها ثلاثتهم إلى مجيء زياد من الخارج.
أعاد يوسف النظر إلى لينة التي مازالت على زينتها واقترب منها قبل أن تخطوا خطوة إلى الخارج وأمسك بمقبض الباب أمراً إياها:
"امسحي اللي على وشك دا."
أغلق الباب وتوجه ناحية أخيه متسائلاً عن أحواله:
"ها عملت إيه في الإمتحان؟"
بإقتضاب أجابه:
"ماشي حاله."
أوقفه يوسف بوضع يده على كتفه ثم أردف بنبرة هادئة:
"كفاية إنك تعمل اللي عليك وبس."
ابتسم زياد له مردداً:
"بعمله يا يوسف متقلقش."
بادله يوسف الإبتسام قبل أن يسأله مرة أخرى:
"هتخلص امتى؟"
تنهد بنفاذ صبر فهو يريد الخلاص من تلك الدوامة التي لا تنتهي:
"كمان يومين."
"وأنا هبدأ."
قالتها لينة من خلفهم بنبرة يملئها التوتر والخوف. استشعر يوسف خوفها، وحاول تشجعيها ببعض الكلمات:
"أنتِ قدها يا لي لي ولا إيه؟"
تلألأت العبرات في عينيها ثم انسحبت إلى الغرفة عندما فشلت في مجارة الحوار معه كما تفعل دوماً. تحدثت السيدة ميمي وهي تطالعها حتى اختفت من أمامهم:
"مأصليش شوفتها خايفة كدا."
شهيقاً وزفيراً فعل يوسف وهو يفكر في شيء يمكنه محي توترها ذاك. ابتعد عن الجميع بينما ولج زياد غرفته ليبدل ثيابه، كما انتهزت السيدة ميمي فرصة تواجدهم جميعاً وذهبت لتحضر الغداء.
أنهى يوسف مكالمته التي طالت لبضعة دقائق بقوله:
"بس أكيد النهاردة، تمام شكراً، مع السلامة."
جلس أربعتهم حول الطاولة وبدأوا يتناولون طعامهم، كما لاحظوا حالة لينة المضطربة، فهي في العادة لا تكون هكذا لكنهم لم يعقب.
***
حل المساء، الجميع في غرفهم، عدا يوسف الذي يقف في نافذة الردهة في انتظار أحدهم. لفت انتباهه إحدى السيارات التي وقفت أسفل بنايتهم، ومن ثم صدح رنين هاتفه.
أجاب وهو يعود إلى الداخل:
"تمام، إحنا الدور التاني."
وضع هاتفه على الطاولة ثم توجه إلى غرفة والدته. طرق بابها بهدوء، جاءته السيدة ميمي فأخبرها بنبرة خافتة:
"الأوضة بتاعت لينة جت متخرجوش من الأوضة غير لما العمال يمشوا."
أماءت له بقبول ثم أغلقت الباب بينما نادى هو بصوت جهوري على أخيه ليساعدهم. نقل العمال الغرفة بمساعدة يوسف وزياد وقاموا ببنائها، ثم ذهب يوسف إلى غرفته وعاد مرة أخرى بعدما أحضر تلك الأرجوحة التي كان يخبئها في مكان بعيد عن الأعين.
قام بتعليقها في زاوية مناسبة لها، ثم قام بوضع الأرفف الخشبية على أحد الحوائط المجاورة للأرجوحة، وأخيراً وضع المصابيح الصغيرة في الفراغات الدائرية في المرآة. انتهى من عمله وجاب الغرفة بعينيه متفحصاً كل ركن بها باهتمام.
تنهد بارتياح وخرج منها ولم يصبر ثانية ليرى وجه لينة عندما ترى غرفتها الجديدة لطالما حلمت بكل ثغرة فعلها هو بها.
طرق باب غرفتهما وهو يردد بحماس:
"ممكن تخرجوا دلوقتي."
فتحت ميمي الباب أولاً ثم تابعتها لينة التي سألته بملل فمزاجها ليس في محله:
"أنت كنت بتعمل إيه كل دا؟"
بإبتسامة هادئة أجاب:
"تعالي وأنتِ تشوفي بنفسك."
قرع رنين هاتف السيدة ميمي فاستأذنت منهما قائلة:
"أنا جاية أهو يا ولاد."
عادت إلى غرفتها بينما توجه يوسف إلى غرفة لينة التي تبعته. ولج كليهما إلى الغرفة ثم فتح يوسف الإضاءة فظهرت معالم غرفتها الجديدة بوضوح.
اتسعت مقلتي لينة بذهول، لوهلة لم تصدق ما رأته، الغرفة تماماً كما كانت تتخيلها في عقلها. اختلست النظر إلى كل أنحاء بها، خفق قلبها بقوة كما ارتفع أدرينالها فتسبب في حماسة زائدة داخلها. ارتفعت ضحكاتها التي أسعدت قلب يوسف للغاية.
فهذا كان مراده من البداية، رؤية بشاشة وجهها وإعادة حيويته. تنهد ثم وقف يتابعها، بينما عادت إليه بسعادة غامرة لا تسعها، وبدون ترتيب مسبق عانقته ممتنة له:
"شكراً."
صعق يوسف من تصرفها المفاجئ، طالع أمامه بعينيان جاحظتان، لا يجرأ على التحدث أو إبداء أي ردة فعل وكأن حركته شُلت تماماً. تسارعت نبضات قلبه التي تستند عليه برأسها.
هناك مشاعر متناقضة داخله، فجزء يرفض البتة وضعهما ذاك، والآخر يتمنى لو لا تنتهي تلك اللحظة مطلقاً.
انتبهت لينة على سخافة تصرفها، تراجعت للخلف بهدوء وقد تلونت وجنتيها بالحمرة الصريحة. حمحمت بحرج وأردفت بنبرة متحشرجة:
"أنا آسفة بس أنا اتحمست و..."
"دا كأن الأوضة لسه جديدة."
قالتها ميمي مقاطعة كلمات لينة التي لم تنتهي. لم يرفع يوسف نظره عنها بينما لم تحاول لينة النظر إليه قط، ظلت منكسة الرأس تعقب فقط إذا حدثتها ميمي.
انسحب يوسف من الغرفة وعاد إلى غرفته. لقد تملك الغضب منه، كز أسنانه بضيق شديد، فالأمر لم يروق له بالمرة، جرأتها معه لم يحبها، بل أحبها لذلك لم يحب إعجابه للوضع.
هي تصرفت بتلقائية غير مرتب لها، لكن ماذا عنه؟ لماذا لم يمنعها؟ ما تفسيره عن ضعف شخصيته حينها، لماذا خفق قلبه بتلك القوة لحظتها؟ رفع رأسه وطالع سقف الغرفة وهو في حالة ضياع تام، أخرج تنيهدة غاضبة لاعناً تقبله للأمر.
"مالك؟"
سأله زياد باهتمام حين ولج للغرفة ولم يشعر به يوسف. حرك رأسه يميناً ويساراً نافياً وجود ماهو هناك، نهض وقال بإقتضاب:
"مفيش، تصبح على خير."
بدل ثيابه ثم اعتلى الفراش. دسر الغطاء أعلى رأسه لكي لا يواجه أخيه. لم يكف عن تأنيب ذاته عما حدث، وظل يذكر نفسه بأنها وصية صديقه ولابد أن يحافظ عليها ولا يسمح بحدوث شيء كهذا مرة أخرى.
في الغرفة المقابلة، انسحبت ميمي تاركة لينة تعيد كل ما يخصها في أماكنها كما كانت. أغلقت لينة الباب بعد ذهاب السيدة ميمي ووقفت خلفه لاعنة تصرفه الأرعن الذي حتماً تسبب في مضايقة يوسف.
بالتأكيد تضايق، فهو لم يردف حرفاً منذ ذلك الحين. تأففت بصوت عالٍ وضربت رأسها بخفة متذمرة:
"أنا غبية."
***
شهيقاً وزفيراً فعل للمرة العاشرة، ثم ابتلع ريقه مراراً، يشعر بالتوتر الممزوج بالحرج. لكن إصراره على الأمر كان خير داعم له.
تنهد وهو يمرر أنظاره بين والديه، فقط يريد البداية وبعد ذلك سينطلق بالكلمات دون توقف. لا يدري كيفية البدء، تأفف حينما فشل، منذ متى وهو يفشل في إخبارهما عما يريده؟!
يمكن لأنه يخشى رفضهم؟! ستكون فيها هلاكه حتماً، أوصد عينيه لبرهة طارداً أفكاره الغبية، فهم يتمنون زيجته اليوم قبل الغد، إذاً فاحتمالية رفضهم ضعيفة.
لاحظت والدته تصرفاته المريبة التي كان عليها منذ جلوسه معهما. قطبت جبينها وسألته مستفسرة:
"مالك يا بلال، مش على بعضك كدا ليه من وقت ما قعدت معانا."
ابتسم لها، فتلك هي البداية. شكرها داخله ثم بدأ حديثه بلهجة حيوية:
"بصراحة عايزة أتكلم معاكم في موضوع كدا."
سحب سمير جهاز التحكم ثم أخفض صوت التلفاز. التفت إلى بلال ناظراً إليه في انتظار ما سيخاطبهما فيه. أخرج بلال تنهيدة وبنبرة يسيطر عليها التوتر أردف:
"أنا عايز أتقدم لـ بنت خال يوسف."
دقت أسارير السعادة قلب شهيرة، فهذا الخبر الذي تنتظره بفروغ صبر. هذا وحيدها وتريد أن تراه في بيته مع شريكته. نهضت عن أريكتها وصاحت زغاريدها التي دوت في المكان.
تفاجئ كليهما بتصرفها وأسرع سمير في نهرها معنفاً إياها بحنق:
"بس بس، أنتِ بتعملي إيه، دا لسه بيقول عايز يتقدم."
توجهت شهيرة إلى بلال وجلست بجواره. طالعته بأعين لامعة وبنبرة سوية قالت:
"دا أنا مستنية اليوم دا من زمان أوي."
اتسعت إبتسامة بلال ثم أنتبه لأسئلة والده الذي أنهال بها عليه:
"إسمها إيه ومن عيلة إيه، أبوها شغال إيه و..."
قاطعه بلال بإحترام:
"إيه يا بابا كل دا، بقولك بنت خال يوسف يعني مش محتاج تسأل أصلاً."
رمقه سمير بنظرات متهكمة لسذاجته وهتف مستاءً:
"دا زياد أخو يوسف نفسه مش شبهه، والاتنين من نفس البطن، كل واحد فيهم مختلف، ما بالك ببنت خاله؟"
لم يتحمل بلال سوء ظنه بها وأوضح له بنية حسنة:
"لا يا بابا البنت محترمة جداً، أنا أعرفها."
تدخلت شهيرة بقولها:
"وأنا كمان، أينعم أنا متكلمتش معاها كتير، بس ارتحت لها وكفاية إنها بنت أخو ميمي."
قلب سمير عينيه متزمجراً من عقليتهم المحدودة وصاح غاضباً:
"برده هتقولي بنت أخو ميمي، أنا مليش دعوة هي قريبة مين، ليا دعوة بيها وبالبيت اللي اتربت فيه، هي وأهلها كويسين ومحترمين يبقى تمام."
لم يرحب بلال بكلماته، شعر بالضيق يجتاحه، لكنه لن يستلم. زفر أنفاسه قبل أن يردف:
"يعني هنتقدم امتى؟"
بنفاذ صبر أجابه:
"لما أسأل عليهم الأول قبل كدا لأ."
أعاد صوت التلفاز وتابع إلى ما كان يشاهده، بينما نهض بلال متذمراً، فلم يتوقع رد كهذا مطلقاً. ظلت شهيرة ترمق زوجها بنظرات مشتعلة فهي استشعرت ضيق بلال وهذا آخر ما تحب أن تراه.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم تسنيم المرشدي
في الصباح الباكر، نهض يوسف محاولاً التغاضي عما حدث البارحة، مشاعر مختلطة تتخبط به، فهناك النفور وعدم الرضاء بما فعلته تلك المشاكسة العفوية وشعور آخر بالإعجاب بما فعلته، ولن ينكر أن هذا الشعور كان الأقوى من بينهما، وهذا ما يضايقه.
تناول شطيرة سريعة قد أعدها بنفسه لكي يفر هارباً من المنزل قبل أن يواجه ساكنيه، تفاجئ بصوتها العذب الذي ناداه من خلفه:
_ يوسف..
توقف عن السير ثم استدار إليها فتفاجئ بوضعها، عقد ما بين حاجبيه بغرابة متسائلاً عن سبب حالتها:
_ أنتِ لابسة كدا وراحة فين؟
اقتربت منه والحُمرة تكسو وجنتيها ثم أجابته برقة:
_ المسيو عاملنا إمتحان، فلازم أروح بدري قبل معاد الدرس.
رفع يوسف حاجبيها متفهماً الأمر، كان متعجباً من ابتسامتها المرسومة على ثغرها الصغير، شعر بعلامات استفهام خلفها لكنه لم يعقب، حمحم ثم أردف وهو يعود ماراً بجوارها:
_ ثواني وراجع.
تابعت لينة سيرها إلى الخارج لكي ترتدي حذائها لحين عودة يوسف، تفاجئت به يحمل شطيرة بيده ويناولها لها قائلاً بإختصار:
_ كلي حاجة قبل ما نمشي.
اتسعت إبتسامتها وشكرته بمشاكسة:
_ تشكولار.
لم يمنع يوسف ضحكته التي تشكلت على شفتيه رغماً عنه، هز رأسه مستنكراً لغتها التركية التي تنطقها من آن لآخر ثم هتف:
_ مش عارف التركي دا آخرته إيه؟!
أجابته بتلقائية:
_ على تركيا أكيد، أومال أنا بتعلم كل دا ليه؟
رمقها يوسف بأعين ضائقة، فإجابتها مبهمة بعض الشيء فقال بفضول:
_ ودا هيحصل إزاي يعني؟!
فكرت لينة لثوانٍ قبل أن تجيبه:
_ مش عارفة تحديداً، يمكن رحلة أو يمكن أكمل تعليمي هناك، الله أعلم.
حملق بها يوسف لبرهة، لوهلة لم يستوعب حديثها المراهق وصاح بعدم رضاء:
_ مفيش الكلام دا، تعليمك هنا إن شاء الله.
قلبت لينة عينيها وبميوعة هتفت:
_ حضرتك بترفض بصفتك إيه؟ خطيبي؟ جوزي؟ مرتبطين؟!
تفاجئ يوسف من ردها الذي ألجم لسانه، طالعها لوقت ثم أبدى رفضه لحوارها السخيف بنبرته المحذرة:
_ لينة..
انفجرت ضاحكة وهي ترى عينيه يتأجج فيهما الغضب المصاحب للرفض التام وأردفت ممازحة:
_ بهزر معاك يا "سوفي".
"سوفي!!" ردده يوسف وهو يطالعها بطرف عينيه لا يصدق تلقيبها له، من أين أتت به تلك؟
"طب بزمتك مش حلو؟" قالتهم لينة متعمدة جرأتها معه، لعله يشعر بمشاعرها نحوه، كان الآخر متفاجئاً من جرأتها معه منذ البارحة، لم يستطع مجاراتها كما يفعل، يشعر وكأن هناك خطأ في الأمر، ما الذي بدل أحوالها هكذا بين ليلة وضحاها؟
نظر إلى يدها التي مُدت له متعجباً فأوضحت هي مازحة:
_ أنتِ طمعان في السندوتش اللي جايبهولي ولا إيه؟
انتبه يوسف إلى الشطيرة التي لازالت بيده، أعطاه لها ثم حاول الخروج من عدم استيعابه لتصرفاتها التي باتت مبهمة بقوله:
_ يلا عشان متتأخريش.
أغلق باب شقتهم وهبط درجات السُلم سريعاً، متجاهلاً تصرفاتها المريبة التي تفعلها، استقلا في السيارة دون حديث لكن الأجواء لم تخلوا من دندنة لينة بصوتها العذب:
"روق مبقاش في ما بينا فروق، ولا فـغلاوتك مخلوق يامعلي في قلبي الشوق، يوم.. يوم ندي الدنيا طناش، لسه أنا وأنت معشناش، فك ومتحكبهاش"
ثم انتقلت إلى أغنية أخرى بخفوت:
"والشوق بيبات يا حبيبي في حضني ساعات وساعات لو زاد الشوق مينيمنيش، لا نهار ولا ليل ملكش في خيالي بديل ولا من أيامك يوم مبيوحشنيش"
التفت يوسف حيث تجلس مستفسراً عن حالتها الغريبة اليوم:
_ مالك يا لينة؟!
طالعته بأعين لامعة مجيبة إياه بهدوء:
_ مفيش، بدندن.
أماء برأسه كأنه لم يكن يعلم أنها تدندن، عاد بنظريه متابعاً الطريق أمامه مشكلاً إبتسامة على محياه بسبب عودتها لمواصلة غنائها دون اكتراث لسؤاله كأنه لم يُسأل.
صمتت من تلقاء نفسها حين صدح رنين هاتف يوسف الذي أجاب بجدية بعدما أوصله بسماعة أذنيه:
_ إيه يا عمار؟
أجاب الآخر بعملية:
_ معلش يا أستاذ يوسف بس عايزينك تيجي الوقتي.
بإقتضاب قال يوسف:
_ أنا ورايا مشوار وجاي، قدامي حوالي نص ساعة وأوصل.
أصر عمار علي مجيئه موضحاً السبب:
_ معلش يا أستاذ يوسف بس بنت سيلمان المحمدي هنا وطلباك بالإسم.
شد يوسف تقاسيمه معاتباً عقله على نسيانه مردداً بضيق:
_ دا أنا نسيت خالص، فعلا والدها كلمني وقالي إنها جاية النهاردة تغير عربيتها، بس أنا برده مش هعرف أجي قبل ما أخلص مشواري خليها تستنى شوية.
وجه عمار نظريه على الفتاة التي تتأفف وتجوب المكان بعجرفة ثم أردف بقلة حيلة:
_ أمري لله هحاول ألهيها بأي حاجة على ما توصل، مع السلامة.
كانت تتابع المكالمة بآذان صاغية، فهناك إمرأة يتحدثان عنها فكيف لن تصغي جيداً، حمحمت بتردد قبل أن تهتف:
_ أنا معايا وقت ممكن تروح تشوف شغلك وبعدين توصلني.
نظر إليها يوسف لبرهة ثم أبدى رفضه قائلاً:
_ لا لا هوصلك الأول تستنى هي.
أصرت لينة علي ذهابه إلى عمله فهي تريد رؤية تلك المرأة:
_ بجد والله لسه معايا وقت متقلقش.
بعد تفكير وإلحاح من لينة وافق يوسف الذهاب إلي عمله وإنهاء تلك المقابلة سريعاً حتى لا يخسر التعامل مع والدها الخلوق، ومن ثم يقوم بتوصيل لينة لاحقاً، على الجانب الآخر فرحت لينة بذهابها معه فقط لترى من يتعاملن معه.
بعد مدة قصيرة، وصل يوسف إلى مكان عمله، ترجل من السيارة بعدما صفها أمام المعرض، ترجلت لينة أيضاً لترافقه إلى الداخل.
استقبل عمار يوسف بفرحة عارمة شاكراً إياه بداخله على وصوله سريعاً وإنقاذه من بين أسنان تلك الفتاة:
_ كويس أنك جيت يا أستاذ يا يوسف والله.
"هي فين؟" تسائل يوسف فلم يكن هناك فرصة لإجابة عمار، فكان ظهورها خير إجابة:
_ أخيراً وصلت يا جو.
فرغت لينة فاها حين وقعت عينيها عليها، حدجتها كلياً بصدمة، بدايةً من خصلاتها البنية المحررة إلى تلك التنورة القصيرة التي تظهر بشرتها الحليبية المثيرة، ناهيك عن قميصها ذو الفتحة التي تبرز مفاتنها الواضحة للغاية، وحذائها الشفاف بحبال ملتفة حول كاحلها.
شهقت لينة بداخلها، الأمر كان صعب تصديقه، أشبه بالحلم، أهذه وأشباهها يتعاملن مع يوسف!
شعرت بغصة مريرة في حلقها، تابعت اقتراب الأخرى وانتبهت جيداً لأي تخطي في حدودها مع يوسف فهو ملكية خاصة ولا يمكن لأحد ملامسته أو الإقتراب منه.
"واحشني يا جو بجد" أردفتهم الفتاة بحميمية وهي تصافحه، لكنها سرعان ما تراجعت معتذرة:
_ I'm sorry نسيت إنك مش بتسلم.
بإبتسامة مقتضبة تحدث يوسف:
_ إزيك يا آنسة يُمنى، أستاذ سيلمان كان مبلغني إنك عايزة تغيري عربيتك، ياريت نبدأ نتفرج بسرعة لأني ورايا مشوار ضروري.
اتسع ثغرها بإبتسامة ساخرة، ناظرة للأعلى بتهكم ثم هتفت مستاءة:
_ لا مشوار إيه بس أنت مش عارفني، لازم أخد وقتي في اختيار شريكتي الجديدة، أنت نسيت اخر مرة جيت هنا قعدت حوالي ٣ ساعات.
لعن يوسف عقله الذي قبل عرض لينة وجاء لهذا المكان قبل أن يقوم بتوصيلها أولاً، تنهد في محاولة منه على كسب بعض الهدوء، ضغط على شفتيه السفلى مردداً بفتور:
_ بقول نبدأ نتفرج عشان نكسب وقت.
بميوعة مبالغة هدرت:
_ Sure يلا.
شعرت لينة لوهلة أن رائحة حريق تفوح منها، هي تحترق فعلياً من الداخل، لا يوجد عضو لا يثور ويتآكل غيظاً من تلك المدللة، انتبهت إلى أمر يوسف الذي وجهه لها وهو يشير إلى زاوية ما:
_ معلش لينة أقعدي في الصالون على ما أخلص.
ببرودٍ معاكس تماماً لثورتها التي نشبت داخلها قالت:
_ لو سمحت بسرعة عشان متأخرش.
رمقها يوسف بنظرات معاتبة فهي من أصرت على مجيئهم إلى هنا، لم يعقب على كلماتها وتركها ليتبع الأخرى، بينما لم تستطيع لينة الإبتعاد عنهما، ظلت واقفة على مسافة قريبة منهما لكي تكون ملمة بما يحدث.
لم تتوقف عن سب الفتاة داخلها، فكانت تتعمد لمس يوسف في أي فرصة تسنح لها، تتدلل بخطواتها كـطفلة ذات عشر سنوات، تركض تارة وتقفز تارة وتتصنع حزنها الشديد تارة أخرى إن لم يعجبها سيارة قامت بتجربتها.
تأففت لينة بضجر، فالصبر لديها بلغ ذروته ولم تعد تحتمل تلك السخافة التي تدور أمامها، كم ودت كثيراً أن تنقض عليها تنتف لها خصلاتها التي تداعبهن من آن لآخر.
على جانب آخر، تصنعت يُمنى الإرهاق ثم أردفت بتعب:
_ لا بجد تعبت، هاخد بريك خمس دقايق ونرجع نكمل.
فقط كان يطالعها يوسف والغيظ يتآكله، فهي فتاة مدللة للغاية وهو يكره التعامل مع ذلك النوع من الفتيات، خرج من شروده على صوتها العذب:
_ هروح التويلت أعدل الروج وأجي تاني.
ودعته بأصابعها البيضاء الرفيعة ظاهرة طلائها الأحمر الفاقع، أوصد يوسف عينيه حينما ابتعدت عنه، بينما هرولت لينة خلفها ودلفت إلى المرحاض بخطوات مهرولة متوعدة لتلك المدللة.
وقفت يُمنى أمام المرآة تعيد وضع أحمر الشفاه خاصتها، ثم وضعت أعلاه مادة شفافة أضافت لشفتيها رونقاً خاص.
وقفت لينة بجانبها ثم وضعت حقيبتها على الحوض، التفتت بجسدها حيث تقف الفتاة وطالعتها لوقت، تفكر جيداً فيما تنوى فعله، مالت برأسها يميناً ويساراً مصدرة صوت طقطقة عنقها، كذلك قامت بقرع أصابع يديها مصدرة صوت فرقعة قوية انتبهت له يُمنى التي اختلست النظر إليها من خلال المرآة.
اقتربت منها لينة بضعة خطوات ثم قامت بنتف خصلاتها التي تشابكت بين أصابعها، تفاجئت الأخرى بفعلتها كما أنها شعرت بالألم الشديد فصرخت عالياً:
_ أنتِ مجنونة، أنتِ بتعملي إيه؟!
مالت لينة على أذنها وأردفت بخفوت:
_ تخرجي حالاً تختاري أي عربية من العربيات اللي برا.
شدت بقوة أكبر على شعرها وتابعت محذرة:
_ وتتكلمي عدل مع يوسف وإلا أقسم بالله أروحك لعيلتك قرعة، أنتِ فاهمة.
سحبت لينة يدها بهدوء من خصلاتها ثم رمقتها بنظرات مشتعلة قبل أن تخرج، ظلت يُمنى متابعة لها إلى أن اختفت فرددت بخفوت والدموع تتلألأ في عينيها:
_ Slut.
استدارت ثانيةً باتجاه المرآة، ثم أعادت ترتيب خصلاتها، مسحت عبراتها التي سقطت رغماً عنها، وأوصدت عينيها لبرهة محاولة استعادة مزاجها الذي تعكر، خرجت بوجه عابس فأثارت ضحكات لينة التي لم تخفيهم، بل تعمدت النظر إليها بتحدٍ.
اقتربت يُمنى من يوسف تاركة مسافة بينهما، حمحمت وأشارت على إحدى السيارات الواقفة خلفها وأردفت باقتضاب وعبوس:
_ تقريباً العربية دي أكتر واحدة عجبتني.
تعجب يوسف من أسلوبها المناقض، فلقد كانت تماطل في الأمر منذ دقائق، من أين جاءت تلك الجدية، لا يهم فتلك هي فرصته الوحيدة لإنهاء ذلك اللقاء.
أماء برأسه وهو يردف:
_ تمام هـ..
قاطعته يُمنى حاسمة للأمر بنبرتها الجامدة:
_ بابي هيبقى يتواصل معاك، بعد إذنكم تنتظر إجابته وغادرت تحت نظرات يوسف المذهولة، عاد بأنظاره إلى عامله الذي جاءه راكضاً هاتفاً بتعجب:
_ هي مشت إزاي؟
رفع يوسف كتفيه متشدقاً بفمه وصاح مندهشاً:
_ مش عارف، ومش مهم أنا ماشي.
أشار يوسف إلى لينة فجاءته ببشاشة وجه، سارت بجواره إلى أن استقلت السيارة وكذلك هو ثم انطلق بها قاصداً مكان بعينه.
***
أوقف يوسف السيارة ونظر إليها هاتفاً بتعليماته اليومية:
_ كلميني قبل ما تخرجي، ومتكلميش حد متعرفيهوش و..
قاطعته لينة ساخرة:
_ ومش هروح مع اللي يقولي تعالي أوديكي لماما حاضر.
لوهلة لم يستوعب يوسف الذي ردد موافقاً حديثها:
_ بالظبط.
قطب جبينه حينما استوعب كلماتها ثم نهرها معنفاً:
_ أنتِ بتتريقي عليا!!
انفجرت لينة ضاحكة فهتف هو بحنق:
_ انزلي يا لينة، أنتِ متستاهليش خوفي عليكي أصلاً.
رمقته لينة بنظرات متهكمة وقالت ببرود زائف:
_ محدش قالك تخاف عليا.
بإقتضاب أجاب:
_ أنا غلطان فعلاً، لو شوفتك بتتخطف قدامي مش هسأل فيكي.
استدارت لينة وأخذت حقيبة ظهرها من المقعد الخلفي ثم هتفت بنبرة جامدة:
_ تمام خليك قد كلامك بقا.
ترجلت من السيارة ثم دفعت الباب بقوة، سارت بضعة خطوات ثم توقفت ووضعت يدها على رأسها، فشعر يوسف بالريبة من وقوفها ولم ينتظر في السيارة ثانية أخرى.
هرول إليها متوجساً خيفة، وقف بجوارها متسائلاً باهتمام:
_ في إيه أنتِ كويسة؟
مرت لحظات دون تعقيب منها، حتى ارتفعت ضحكاتها فأثارت غرابته من ضحكاتها المبهمة، نظرت في عينيه قبل أن تردف:
_ دا أنت طلعت خفيف بشكل.
اقتربت منه بضعة خطوات ثم تابعت هامسة:
_ بعد كدا خليك قد كلامك يا سوفي.
أدارت له ظهرها وتابعت إلى أن اختفت داخل أحد الأبراج الكائنة أمام يوسف الذي لم يخفض نظره من على طيفها قط.
فتاة مشاكسة وذات تصرفات مشاغبة، لكنه لا يضجر منها قط، هو يحب أفعالها حتى وإن كانت على غير هواه.
عاد إلى السيارة ثم دعس على المحرك عائداً إلى مكان عمله.
***
ولج يوسف إلى مكتبه فتفاجئ بوجود السيد سمير يجلس على كرسيه، تبادلا الإبتسام ثم هلل يوسف مرحباً به:
_ المكتب نور يا عمي والله.
غمز إليه سمير وصاح ممازحاً:
_ عارف عارف، أقعد.
قهقه يوسف ثم جلس أمامه فتابع الآخر:
_ استنيتك تقولي رأيك في العربيات اللي عرضها بلال عليك ومقولتش فجيت لك بنفسي أسمع.
نظر يوسف إليه بحرج ثم أردف معللاً:
_ معلش بس دماغي فيها مليون حاجة.
نهض سمير عن مقعده ثم دار حول مكتبه وجلس أمام يوسف وقال بجدية:
_ طيب إحنا فيها أهو قولي.
عاد يوسف بجسده للخلف مستنداً بظهره على المقعد وهتف بما يراه في صالح العمل:
_ العربيات دي مشبوهة، فيها حاجة غلط.
قطب سمير جبينه بغرابة من كلماته المريبة وسأله مستفسراً:
_ إزاي يعني؟
وقف يوسف وتوجه إلى الخزنة الموضوعة في أحد أدراج مكتبه وقام بحل شفرتها ثم سحب منها ملف ورقي وعاد إلى كرسيه وبدأ يشرح للسيد سمير ما لفت انتباهه فيه:
_ لو بصيت هنا هتلاقي أن العربيات طريقة صناعتها غريبة جداً، من امتى الدولة دي بتتعامل مع دي ومن امتى أصلا في عربية بتكون صناعة دولتين؟! دي عربيات مجمعة يعني خردة والزبون يشرب بقا، دا غير إن اسم الشركة معدتش علينا قبل كدا ولما دورت وراها لقيتها بتتعامل مع معارض مجهولة وملهاش أساس من الصحة وكلهم أسامي فقط مفيش ورق ولا حتى صورة تثبت أنهم موجودين، دي نصباية صدقني متوافقش أنت اللي هتخسر.
كان السيد في حالة ذهول تام بعدما أخبره يوسف بتلك المصيبة، فهو لم يحسب لذلك قط، أخرج زفيراً محاولا تهدئة روعه ثم أردف بنبرة مهزوزة:
_ أنا كلمت مدير الشركة دي وجاي يقابلني هنا الوقتي.
لم يضجر يوسف مما أخبره به بل كان مرجحاً دعوته لذاك المحتال وقال بصوته الأجش:
_ حلو أوي خليه يجي ونرمي له الكلام اللي قولته دا في وشه وإما يرجع بلده لإما نسلمه، أصل المشرحة مش ناقصة قتلة كفاية البلد خربانة مش ناقصين خواجات يجو يشغلوا دماغهم علينا.
طرق باب المكتب فور إنهاء يوسف كلماته، ثم دعى الطارق للدخول، فكان رجلين غريبان، خمن أنهما نفسهم المحتالان.
نهض واستقبلهم بفتورٍ شديد:
_ Welcome.
بدأ أحدهما حديثه وكانت لغته العربية الفصحى:
_ أهلاً بك سيد سمير أنا هارون المترجم للسيد أندرو.
تدخل يوسف بلهجته المشحونة بالغضب:
_ شكراً لحضرتك مش محتاجين مترجمين.
لم يروق لهارون لهجة وأسلوب يوسف الفظ، رسم على محياه بسمة لم تتعدى شفتيه ثم قال:
_ حسناً سيد...
عرف يوسف عن هويته:
_ I'm Youssef Al-Rawi, the Automotive Branch Manager here.
ابتسم له الأجنبي وقال بحفاوة:
_ Welcome, Mr. Youssef.
التفت الرجل إلى السيد سمير وتابع استرساله بعملية:
_ You invited me, Mr. Samir, to tell me your opinion, so I can hear you.
حمحم يوسف وهو من قام بالرد عليه بنبرته الفظة:
_ Your offer is rejected, Mr. Andrew, there is a lot of fraud in what you are doing and we do not accept that at all.
تجهمت تعابير أندرو، ونظر إلى مترجمه بخوف وتردد شديدان، عاد بنظريه إلى يوسف وهدر بثبات:
_ What are you talking about, scam what?
رمقه يوسف باشمئزاز، فهو لا يحب الأغبياء مثله، تنهد قبل أن يجيبه بنبرة غاضبة:
_ I think you understand me very well and there is no need to mention it unless you are determined but that will be done through the police.
لم يقبل الرجل حديث يوسف وانتفض من مكانه مذعوراً ثم رفع سبابته مهدداً يوسف:
_ You are the one who blamed yourself, young master.
أدار له ظهره وفر هارباً من أمامهما، تبعه مترجمه الخاص إلى الخارج، ثم إلى السيارة، فك أندرو رابطة عنقه فور استقلاله السيارة، لقد شعر لوهلة أنه لن يخرج من ذلك المكان على خير.
أخرج زفيراً عميق ثم وجه بصره على مكتب يوسف فرآه يقف في نافذته يشاهد بإبتسامة منتصرة، كز أسنانه بغضب متوعداً له، عاد بأنظاره إلى هارون وردد بغضب شديد:
_ Tell our men to teach him a lesson he will never forget for the rest of his life.
أطاعه رجله قائلاً:
_ Good.
***
في الأعلى، حرك سمير رأسه غير مصدق ما حدث، كان يتابع تحرك سيارتهم من خلال النافذة، وحينما اختفت صاح بذهول:
_ أنا بجد مش مصدق إن فيه ناس كدا، جايين بلدنا ينصبوا علينا؟!
التفت إليه يوسف وعقب على كلماته:
_ توقع كل حاجة في الزمن دا.
تذكر سمير حالة الرجل التي تملكته حينما كشف يوسف ألاعيبه المحتالة وردد بفخر:
_ لا بس أنت كنت جامد، دا الراجل معرفش يرد عليك.
ابتسم يوسف وهتف بسخرية:
_ شكلهم لسه جداد في النصب.
قطع حديثهما دخول بلال، تعجب من وجود والده وربط وجوده بمسألة زيجته من إيمان، شكل على ثغره ابتسامة عريضة وهو يتسائل:
_ أنتوا بتعملوا إيه كدا؟
اقترب منه والده وهو يخبره:
_ لا يوسف يحكيلك، أنا هروح أشوف العمال وصلوا لإيه في المعرض.
استأذن منهما ثم غادر بينما جلس بلال وهتف مستفسراً:
_ قالك حاجة على موضوع إيمان؟
هز يوسف رأسه نافياً وأبدى استيائه بسؤاله:
_ وهو هيكلمني عن إيمان ليه؟
هاجمه بلال برده:
_ مش أنت ابن خالها، قولت سألك حاجة عنهم، أصله عايز يسأل عنهم الأول، مش فاهم بجد سؤال إيه، أقوله بنت خال يوسف وعارفها كويس يقولي هسأل برده.
باختصار أوضح له يوسف ما لا يراه هو:
_ جو بنت خالي وإنك تعرفها كويس دا إحنا اللي نفهم كدا لكن أبوك ميفهمهاش وبعدين ما تسيبه يسأل أنت مضايق ليه.
تأفف بلال فهو لا يطيق الانتظار، وهتف بنفاذ صبر:
_ يسأل يعني وقت بيضيع الفاضي، أنا عايز أخلص.
حرك يوسف رأسه مستنكراً استعجاله وهتف ممازحاً:
_ أنا خايف على سرعتك دي تقولها بحبك في أول قاعدة بينكم وتبان إنك مدلوق أوي.
أسرع بلال في نفي ظنون يوسف:
_ لا ياعم مش للدرجة.
رمقه يوسف بطرف عينيه غير مصدق أنه لن يفعلها بينما أكد بلال قائلاً:
_ ياعم لأ، لأ.
***
حل المساء مرافقاً معه السكون الذي يعم المنزل، حتى خرجت المشاكسة من غرفتها متأففة بضجر، فهي تشعر بالإختناق وعدم رغبتها في مواصلة تلك المذاكرة الغبية التي لا تنتهي.
تقوس ثغرها الوردي مبتسماً حين رأت فارسها يجلس على الأريكة بمفرده، توجهت ناحيته وهي تسير على أطراف أصابعها بتهمل، واضعة كلتى ذراعيها خلف ظهرها.
" أنتِ كدا هتخضيني يعني؟" أردفهم يوسف ونظريه لم يبتعدا عن جواله، تأففت لينة بصوت عالٍ وهتفت متذمرة:
_ هو أنا معرفش أخضك أبداً.
ترك يوسف هاتفه بجواره ثم أخرج تنهيدة قبل أن تتجهم تعابيره وهو يردف بحزن واضح:
_ فيه حاجات بتحصل لنا بتخلينا فايقين أكتر من الأول يمكن لو كنا فايقين كدا وقتها مكناش خسرنا حد.
لم تستشف لينة ما يقصده وسألته مستفسرة:
_ تقصد إيه بكلامك؟
"ولا حاجة" قالها ليغير مسار حوارهما ثم تابع متسائلاً:
_ إيه اللي مصحيكي للوقتي؟
أجابته بعدما أزفرت بعض الأنفاس بملل واضح:
_ كنت بذاكر، بس زهقت من المذاكرة، وحسيت عقلي وقف ومعتش فاهمة حاجة فمحبتش أكمل.
بخوف واضح في كلماته قام بنصحها:
_ بس دا مينفعش، لازم تركزي خلاص امتحاناتك أول الأسبوع الجاي.
أوصدت لينة عينيها لبرهة وأبدت زمجرتها بقولها:
_ عشان خاطري يا يوسف معتش تجبلي سيرة الإمتحانات.
كاد الآخر أن يعقب إلا أنهما انتبها إلى فتح الباب الذي ولج منه زياد، فتعجب من جلوسهما في ذاك الوقت المتأخر من الليل.
اقترب منهما ونظراته تتسائل بفضول:
_ أنتوا سهرانين للوقتي، مش معقولة!
تفاجئ بهجوم يوسف في رده:
_ ولما أنت عارف إن الوقت متأخر، كنت بتعمل إيه كل دا برا؟
قلب زياد عينيه مستاءً وهدر بتهكم:
_ أنا خلصت امتحانات النهاردة وطبيعي يعني أسهر مع صحابي شوية.
استشعرت لينة الأجواء المشحونة والتي حتماً ستنقلب في النهاية لمشادة بينهما فتدخلت بلطافة:
_ بقولكم إيه أنا زهقانة وفاقدة شغفي ومحتاجة أجدد مودي، إيه رأيكم نلعب لعبة؟
كان زياد أول من أجاب:
_ اشطا، موافق.
بينما أبدى يوسف رفضه:
_ لا يلا كله يدخل ينام الوقت متأخر وأنا ورايا شغل.
نظر إلى لينة وواصل:
_ وأنتِ عندك دروس.
قابلته بنظرات معاتبة ثم أخفضت رأسها وهتفت بنبرة حزينة لكي تحثه على الموافقة:
_ بقولك فاقدة شغفي يا يوسف، محتاجة أغير مودي شوية من جو المذاكرة دا عشان أعرف أرجع لها تاني.
تنهد يوسف فلم يكن أمامه أي خيارات، ولن يرفض لها طلباً وهو من يحصد ثماره بالأخير:
_ طيب هنعمل ايه؟
رفعت لينة رأسها موجهة بصرها نحوه فاغرة فاها ببلاهة، حرك يوسف رأسه مستنكراً تصرفها الأبله ثم هتف محذراً:
_ ها هتقولي ولا أرجع في كلامي.
أسرعت هي في قول:
_ لا لا ثواني هفكر.
فكرت لبضعة دقائق ثم وصلت إلى فكرة ما، مررت نظريها بينهما قبل أن تردف بحماس:
_ كل واحد هيمثل مشهد من فيلم أو مسرحية أو مسلسل واللي يقول من فيلم إيه أسرع هو اللي يكون عليه الدور في التمثيل.
قطب يوسف جبينه مستاءً وقال بإقتضاب:
_ تمثيل إيه يا لينة أنا مبعرفش أعمل الكلام دا.
عقدت هي ذراعيها متذمرة:
_ مبتعرفش، تعرف.
تأفف الآخر بضجر وهو يردد:
_ يا الله يا ولي الصابرين.
لوت لينة شفتيها متصنعة الحزن فتدخل زياد معاتباً أخيه:
_ ياعم يوسف ما يلا بقا الموضوع هزار في هزار يعني، مش معقول كل حاجة معترض كدا.
لم يعقب يوسف على حديثه، أخذ ثوانٍ قبل أن يبدي موافقته:
_ ماشي يلا، مين هيبدأ.
أجابته لينة التي تحولت تقاسيمها إلى الحماسة:
_ زياد لاني مش حاضر في دماغي حاجة الوقتي.
نهض زياد ووقف أمامهم ثم أخذ وقتاً قصيراً يفكر فيما سيقوم بأدائه أمامهما، إلى أن توصل إلى مشهد ما.
قام بتصنع الحماقة وبلهجة صعيدية صاح:
_ إيه يا جعيدي متعصبنيش يا جعيدي، عليا النعمة من نعمة ربي أكلك بوكس في جفصك الصدري أطير العصافير اللي فيه.
انفجر يوسف ضاحكاً على أداء أخيه المضحك، بينما قفزت لينة هاتفة:
_ فيلم واحد صعيدي.
صفق لها زياد وهو يردد:
_ صح.
تبادلا الأماكن حيث جلس زياد ووقفت لينة على مسافة بعيدة عنهما لتبدأ في تمثيل مشهدها حيث تغنجت بجسدها وهتفت بدلال:
_ حسين، حسين، حسين.
اقتربت من يوسف وهي تواصل تمثيلها:
_ أخص عليك يا حبيبي نسيت أوام أيامنا الحلوة يا حسين.
ذاب قلب يوسف بسبب دلالها المبالغ في أداء المشهد، كان يطالعها بانجذاب وقلبه يخفق بقوة حتى تدخل زياد حين علم إسم الفيلم وقام بمشاركتها الأداء بنبرة خشنة:
_ وجالك عين تقولي الكلام دا قدامي؟!
تابعت لينة أدائها وهي تنظر إلى زياد وكأنها في المشهد الحقيقي:
_ اقتلني موتني أعمل اللي أنت عايز تعمله لكن مش هتقدر تفرق بيني وبين حسين أبداً.
أردفت آخر كلماتها وهي تطالع يوسف الذي لم يمنع تسلل ابتسامته على شفتيه فصاحت هي متسائلة:
_ ها عرفت الاسم؟
بإبتسامة هادئة أجاب:
_ إشاعة حبايب.
اتسع ثغرها بإبتسامة عريضة ثم وجهت كف يدها نحوه فضرب هو بكف يده تلقائياً كفها ثم انتبها إلى حديث زياد:
_ لا بس مشاركتي كانت جامدة.
قلبت لينة عينيها وبمزاح قالت:
_ أوي أوي.
جحظت عيني لينة حين راودتها فكرة مجنونة، وزعت أنظارها بينهما قبل أن تهتف:
_ إيه رأيكم نعمل تيك توك؟
صاح يوسف رافضاً لذاك الهراء:
_ تيك توك إيه لأ طبعاً.
لوت لينة شفتيها وهي تهاجمه:
_ على فكرة أنت ممثلتش يعني معملتش معانا أي حاجة.
نهض يوسف ناهياً تلك السخافة الحادثة متصنعاً اللطافة:
_ يلا تصبحي على خير يا لي لي.
رمقته بنظرات مشتعلة ثم أدارت له ظهرها وتوجهت نحو غرفتها بخطوات مهرولة لكنه سرعان ما أوقفها بقوله:
_ استني طيب.
انفجر زياد ضاحكاً ثم نهض ونظر إلى لينة رافعاً ذراعه للأعلى قائلاً:
_ كف.
قابلته لينة بجمود ثم قلبت عينيها بتذمر، شعر زياد بالإهانة لحظتها، فهي للتو فعلت التصرف نفسه مع يوسف، لماذا تتخذ موقفاً معه، لا تلامسه ولا تسمح له بممازحتها عن قرب أو حتى قبول مساعدته إن تطلب الأمر، لكنها دوماً تقبل من يوسف جميع ما ترفضه منه.
أخرج زفيراً بتهمل وهو يطالعها بغيظ بينما أردف يوسف بنبرته الرخيمة:
_ اختاري أي حاجة تانية غير التيك توك دا، بجد مليش فيه.
قاطعهما زياد بنبرته الباردة:
_ كملوا أنتوا، أنا فصلت وعايز أنام.
أنهى كلماته ثم تحرك إلى غرفته مباشرةً، بينما هتفت لينة بملل:
_ خلاص مش مهم، نكمل في يوم تاني، بصراحة أنا كمان نفسي أنام اوي.
أماء يوسف بتفهم وأردف بلطف:
_ تصبحي على خير.
بادلته إبتسامة عفوية مرددة:
_ وأنت من أهله.
أدارت له ظهرها ولم تخطو خطوتين إلا وأوقفها يوسف بندائه:
_ لينة.
التفتت إليه بأعين لامعة فقال:
_ مش زعلانة؟
وضعت أحد أصابعها على رأسها متصنعة التفكير فصاح يوسف متعجباً:
_ بجد والله؟!
قهقهت لينة ثم أردفت بنبرة متيمة:
_ مقدرش أزعل منك.
اقترب منها يوسف بضعة خطوات وقال أمراً:
_ طب يلا روحي نامي.
أشارت إليه بأصابعها وهي تهتف:
iyi geceler.
عقد حاجبيه حين لم يفهم ما تفوهت به فأوضحت قصدها:
_ يعني تصبح على خير.
لبس ثوب الجمود وبتهكم أردف:
_ يلا يابت على أوضتك، آل إي جچلار آل.
انفجرت لينة ضاحكة ثم هرولت إلى غرفتها بينما دلف يوسف إلى غرفته لينعم ببعض النوم قبل أن يستيقظ باكراً وكذلك فعلت لينة لتبدأ يوم جديد في رحلة دروسها التي لا تنتهي.
***
صاح بغضب في زميله الجالس بجواره:
_ ما تطفي الزفتة اللي في إيدك دي وتخلصنا بقا، الشارع سكت أهو والرجلين خفت عن المكان، أخلص قبل ما الفجر يأذن وتلاقي الحارة كلها في وشنا.
طالعه الآخر ببرود يشوبه التهكم وتحدث بلا مبالاة:
_ لما أخلص السيجارة اللي في أيدي.
تأفف صديقه وصاح به معنفاً:
_ بقولك أخلص قبل ما حد يشوفنا.
قلب عينيه ثم فتح باب السيارة وترجل منها، تنفس سيجارته ثم ألقاها أرضاً ودعس عليها بحذائه الأسود، التفت مراقباً المكان من حوله جيداً قبل أن يبدأ مهمته.
تحرك نحو السيارة المقصودة ثم جلس القرفصاء وتفحص المكان من خلفه للمرة الثانية قبل أن يدلف بجسده أسفل السيارة وقام بقطع أسلاك الفرامل بآلة حادة.
عاد إلى السيارة التي كانت في انتظاره ثم استقلها، وانطلق بها الآخر بسرعة البرق قبل أن يراهما أحد ويشك في أمرهما.
***
حل الصباح وأشرقت الشمس، بداية يوم مختلف يحمل بين طياته أقدار جديدة للجميع، كان زياد أول من استيقظ في البيت، حيث تعجبت والدته وسألته بقلق انتابها:
_ صاحي بدري ليه خير؟!
اقترب منها ثم قبلها من وجنتها وهو يردف بنبرة طريفة:
_ صباح الخير يا ست الكل.
عقدت حاجبيها بريبة من أمره، فتلك الحميمية لا تعتادها قط، طالعته بأعين ضائقة وسألته مستفسرة عن حاله المريب:
_ مالك يا زياد؟ أنت عايز إيه؟
حمحم قبل أن يردف:
_ أحبك وأنتِ فهماني كدا.
وضعت ذراعيها في منتصف خصرها ورمقته بحاجبات معقودان:
_ ها؟
"عايز أخد العربية من يوسف" قالها فأظهرت أن الأمر لا يعنيها:
_ مليش دعوة، منك لأخوك.
قاطعهم صوته الذي استمع لآخر حديثها:
_ عايزين مني إيه؟
شعر زياد بالحرج حينما رأى ولوج يوسف، أرسل لوالدته بعض الإشارات التي تحثها على إخباره بما يريد لكنها أبت بإشارة من كتفها فتدخل يوسف مستاءً:
_ وأنت لما تكون عايز حاجة لازم وسيط يعني؟
عض زياد على شفتيه السفلى وبتردد واضح أردف:
_ كنت متفق أنا وصحابي نفطر مع بعض وكنا هنروح بعربية أبو أمجد بس طلع عنده شغل فكنت بقول يعني لو تديني العربية ساعتين بالظبط وأرجعهالك.
صمت حل لثوانٍ فتفهم زياد رفضه وبخجل بائن هتف:
_ خلاص خلاص نروح مواصلات.
لحق به يوسف بقوله:
_ استنى.
سحب مفتاح السيارة من جيبه ثم ألقاه إليه فابتسم زياد وهلل بسعادة:
_ أخويا الجدع ملوش مرتجع.
ينجح دوماً في إضحاكه بأسلوبه المرح أو ربما الساخر لا يعلم، لكنه أعطاه بعض التعليمات قبل أن يغادر:
_ العربية يا زياد ترجع سليمة، أنت عارف إنها مش بتاعتي.
بعجرفة حدثه:
_ متقلقش أخوك مولود في عربية.
ظل يقفز فرحاً بإمتلاكه للمفتاح ثم غادر المنزل سريعاً، لم يستطيع صبراً وهاتف أصدقائه:
_ جيتو تحت زي ما اتفقنا؟
أجابه أحدهم قائلاً:
_ أيوة كلنا تحت، يلا أنجز وانزل.
هلل وهو أمام باب البناية:
_ نزلت اهو.
استقل الجمع السيارة ثم قام زياد بإقتران هاتفه بالسيارة عن طريق ( البلوتوث )، فارتفع صوت أحد المهرجانات الشعبية الذي قام باختياره، فحمسهم على التصفيق حيث صرخ أحدهم بطيش:
_ علي الصوت يابني علي.
أدار زياد زر التحكم بمستوى الصوت فكان أشد قوة عن ذي قبل بأصواتهم المشاركة للأغنية، تحرك زياد بالسيارة وابتعد من المنطقة، كان يقود بسرعة متوسطة خشية حدوث أي حوادث، حتى حاول إيقاف السيارة فكانت الكارثة، لا تريد التوقف.
حاول تهدئة روعه والسيطرة على الأمور لربما يكون هناك عطل بسيط ومع التكرار يستطيع حله، فأعاد محاولات الوقوف لكنها باءت بالفشل، السيارة بالفعل لا تتوقف.
انتبه إلى تحذير أمجد الجالس بجواره حين هتف:
_ ما تهدي السرعة شوية يابني إحنا وسط العربيات.
التفت برأسه يميناً ناظراً إليه بذعر يسيطر على خلاياه وصاح بنبرة مهزوزة:
_ العربية مفيهاش فرامل!
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم تسنيم المرشدي
ارتشف آخر ما تبقى في كوب الشاي خاصته، ثم هاتف صديقه الذي استقبله بتأفف:
_ مش هخلص منك بقا.
تشدق يوسف بفمه ساخراً منه:
_ أيوة ما أنت وصلت للي عايزه.
قهقه بلال بمرح، بينما واصل يوسف بجدية:
_ عايزك تعدي عليا تاخدني في طريقك، زياد أخد العربية.
أغلق بلال باب شقتهم ثم هتف:
_ ربنا يستر على العربية وترجع سليمة.
بثقة عمياء عقب يوسف:
_ لا زياد عاقل.
تنهد يوسف ثم هتف بقلق:
_ إن شاء الله ترجع سليمة.
انفجر بلال ضاحكاً ثم أخبره بمكانه:
_ طب أنزل عشان أنا على السلم.
باختصار قال يوسف:
_ تمام.
أغلق الهاتف ثم تذكر شيئاً ما فأسرع بالإتصال على أخيه، انتظر بضعة دقائق ثم أجاب فصاح يوسف معتذراً:
_ أنا نسيت أقولك إن العربية مفيهاش بنزين و...
قاطعه زياد بأنفاس لاهثة:
_ الحمدلله إنك مقولتش.
استشعر يوسف ثمة سوء قد وقع، نهض من مكانه متوجساً خيفة ثم سأله بقلق:
_ هو حصل حاجة؟
جاءه صوته المهزوز في قوله:
_ إحنا عملنا حادثة يا يوسف!
انتفض يوسف من مكانه بذعر تملكه، مما أثر الرعب في قلب والدته التي انهالت عليه بالأسئلة:
_ في إيه يا يوسف، أخوك حصله حاجة؟
لم يسمع يوسف أياً من أسئلتها بل بادر بسؤال أخيه بقلق شديد:
_ أنت فين الوقتي؟
أخبره زياد مكانه فأسرع يوسف في الركض إلى الخارج ذهاباً إلى أخيه سريعاً، بينما ظلت السيدة ميمي تندب خائفة:
_ يارب استر يارب.
خرجت لينة من غرفتها على صوت السيدة ميمي، فأسرعت من خطاها مذعورة من حالتها المذرية، اقتربت منها وسألتها بقلق وخوف عارمان:
_ مالك يا ماما؟
رفعت ميمي رأسها والدموع تتساقط من عينيها وأجابتها بصوت متحشرج من البكاء:
_ زياد.
جهشت باكية ما أن نطقت اسمه، أنحنت لينة بجسدها وعانقتها في محاولة تهدئتها:
_ إهدى يا ماما وفهميني إيه اللي حصل.
***
تعجب بلال من هرولة يوسف نحوه، استقل السيارة ثم أمره بأنفاس لاهثة:
_ أطلع يا بلال، زياد عمل حادثة.
"إيه!!"
نطقها بلال بصدمة، ثم انطلق بالسيارة متجهاً إلى المكان الذي أخبره عنه يوسف، بعد مرور بضعة دقائق وصلا كليهما إلى المكان المقصود.
ترجل يوسف من السيارة وهي لم تتوقف بعد، ركض نحو أخيه والخوف يتملكه، تفحصه جيداً متسائلاً بلهفة:
_ أنت كويس، حصلك حاجة؟
أجابه زياد ليهدئ من روعه الظاهر:
_ أنا كويس متقلقش، والعربية ا...
قاطعه يوسف بعصبية:
_ تغور العربية المهم أنت، تعالى نروح المستشفى نطمن عليك.
أحاط زياد ذراعي يوسف بيديه ليعود إلى رشده قائلاً:
_ والله أنا كويس، حتى بص عليا مفيس حاجة.
تراجع يوسف للخلف ناظراً إليه فابتسم له زياد ليطمئن قلبه، أوصد يوسف عينيه في محاولة منه على استعادة سكينته، انضم إليهما بلال الذي صف السيارة في مكان آمن وتساءل باهتمام:
_ أنت كويس يابني؟
أومأ زياد برأسه قبل أن يردف:
_ الحمد لله.
نظر بلال إلى السيارة التي تخطت رصيف المشاة، ورمق أصدقاء زياد الذين يجلسون بجوار السيارة في حالة مذرية، عاد بنظريه لزياد وسأله مستفسراً:
_ إيه اللي حصل وطلعك على الرصيف كدا؟
بدأ زياد في قص ما حدث لهم:
_ كنت ماشي عادي وبعدين حاولت أوقف العربية ملقتش فرامل.
تفاجئ بلال وكذلك يوسف لم يكن أقل منه دهشة، اقترب منه وهو يردد بعدم استيعاب:
_ إزاي يعني مفيهاش فرامل؟
رفع زياد كتفيه ثم أجاب:
_ معرفش والله، حاولت أكتر من مرة أوقفها بس مقدرتش، المهم بدأت أحس إن العربية سرعتها بتهدى بس لسه ماشية، ولما بصيت على البنزين لقيته شطب وفجاءة ظهرت قدامنا عربية نقل كبيرة بتلف من ملف قدامنا مكنش ينفع أعمل حاجة غير إني أطلع على الرصيف.
اقترب منه يوسف ثم ضمه بقوه وهو يتنهد، كاد أن يموت رعباً عليه، أخرج زفيراً عميق ثم ردد:
_ الحمد لله أن محدش حصله حاجة.
شعور لا يوصف قد تغلغل لخلايا زياد، لم يمنع ابتسامته التي تشكلت تلقائياً بعد عناق يوسف له، فلا يتذكر أنهما كانا حميمين لتلك الدرجة من قبل.
تراجع يوسف ووجه حديثه لبلال الذي يجلس القرفصاء أمام السيارة يكتشف عواقب الحادثة وقال:
_ كلم ونش يجي يشيل العربية دي.
باختصار أردف بلال:
_ حصل وزمانه على وصول.
لم يبتعد يوسف عن زياد بل ظل مرافقاً له ومحاوطاً كتفيه بذراعه، انتبه زياد لهاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين:
_ يوسف هي ماما عارفة حاجة؟ أصل لينة بترن عليا من فترة وأنا مش راضي أرد.
اتسعت مقلتي يوسف بذهول متذكراً والدته التي رأته يهرول إلى الخارج، ضرب جبينه براحة يده ثم أخذ من أخيه الهاتف وقام بالرد عليهن:
_ أيوة يا لينة.
أجابته بلهفة:
_ يوسف، زياد كويس؟
جاءه صوت والدته القريب متسائلة بتوجس وقلق:
_ في إيه يا يوسف أخوك حصله حاجة؟
أسرع في نفي سؤالها بقوله:
_ لا لا هو كويس متخافيش، حادثة بسيطة بس هو والله كويس.
شهقت السيدة ميمي كما لطمت على صدرها بصدمة ثم صاحت بصوت مهتز:
_ متكذبش عليا يا يوسف، طب لما هو كويس مردش هو عليا ليه.
أوضح لها يوسف تصرفه:
_ أنا قولت أطمنك أنا، خديه معاكي أهو يطمنك هو.
ناول يوسف الهاتف لأخيه الذي تحدث إلى والدته:
_ أنا كويس يا ماما متقلقيش.
انفجرت ميمي باكية، لم تصدق ما يخبرونها به، تشعر وكأنهما يخفون شيئاً عنها لكي لا يخيفونها، عاد زياد ليطمئنها بكلماته:
_ والله العظيم كويس، وهجيلك وهتشوفي بنفسك.
انتبه على سيارات النقل التي وصلت فأنهى المكالمة بقوله:
_ أنا هقفل يا ماما وهاجي على طول، اهدي.
أغلق الهاتف ثم وقف الجميع بالقرب من الرافعة التي تنقل سيارة يوسف إلى سيارة نقل كبيرة ومن ثم ركب الشباب جميعاً في سيارة بلال وعادوا إلى منطقتهم إلا من يوسف الذي رافق السيارة عند المُصلح.
ترجل جميع الشباب وتفرقوا إلا زياد الذي وقف بجوار النافذة القريبة من بلال وبارتباك حرج سأله:
_ هي العربية هتكلف كتير؟
أخرج بلال تنهيدة قبل أن يجيبه:
_ يعني شوية.
تأثر زياد كثيراً وتجهمت تعابيره، فهو يشعر أنه المذنب، ولم يكن عليه استعارة السيارة، لاحظ بلال تأثره فحاول تهدئته فقال:
_ إحمد ربنا أن العربية دي مستهلكة مكنتش جديدة زي اللي يوسف بياخدهم أوقات يجربهم، كانت وقتها هتكلفكم هدومكم.
قال آخر كلماته وهو يضحك فشاركه زياد الضحك ثم استأذن منه وصعد إلى منزله، استقبلته ميمي بعينان متورمتان بسبب بكائها الذي لم يتوقف قط.
عانقته بقوة متسائلة عشرات الأسئلة:
_ أنت كويس، حصلك حاجة، طمني عليك، قلبي هيقف من الخضة متخبيش عني حاجة.
تراجع زياد للخلف ظاهراً بدنه بالكامل إليها ورفع يديه للأعلى مجيباً على أسئلتها بجملة واحدة:
_ أنا كويس قدامك أهو.
عادت لاحتضانه مرة أخرى فتدخلت لينة التي حضرت بعدما ارتدت حجابها:
_ أنت كويس يا زياد؟
نظر إليها مجيباً إياها بهدوء:
_ الحمد لله.
***
اقتحم يوسف مكتبه بغضب جامح، لا يستطيع تخطي حادثة زياد، والمئات من التوقعات السيئة راودته، ماذا لو لم يستطع توقف السيارة؟
ماذا لو لم ينفذ البنزين؟!
ماذا لو أصابه لأخيه مكروه؟
إلخ...
قاطع تفكيره رنين هاتفه، أجاب على الفور بتلهف:
_ أيوة يا حسن وصلت لحاجة؟
أخبره حسن بما استنتجه بعدما فحص السيارة جيداً:
_ أيوة يا أستاذ يوسف، سلك الفرامل مقصوص يعني حد قصد يعمل كدا.
وكأن كهرباء صعقته بقوة بعد كلمات المصلح، فغر يوسف فاهه بصدمة جلية، وازدادت أسئلة رأسه أضعافاً.
"في إيه يابني، متنح كدا ليه؟"
قالها بلال فلم ينتبه له يوسف فكان مغموراً بين أفكاره، تعجب بلال من حالته وأعاد حديثه:
_ عدت على خير يا يوسف.
لم يعقب الآخر وكأنه لم يصغي إليه، فمال بلال بجسده على المكتب مشيراً بيده أمام عيناي يوسف فتحركت بؤبؤتيه مع يدي بلال حتى عاد لارض الواقع.
طالعه لبرهة قبل أن يسأله بإقتضاب:
_ أنت هنا من امتى؟
بغرابة من أمره أجاب:
_ مش من كتير.
عاد يوسف لصمته، فلم يستطع بلال الصمت دون تعقيب:
_ الحمدلله أنها جت قد كدا، متفكرش كتير.
ثم أضاف مرحاً إلى حديثه:
_ ويا سيدي هشاركك حق تصليح العربية متزعلش.
رمقه يوسف بنظرات مبهمة قبل أن يهتف:
_ في حد قطع الفرامل!!
بذهولٍ شديد تملك بلال قال وهو يطالعها بطرف عينيه:
_ نعم؟ إزاي يعني ومين اللي هيعمل كدا؟
تشدق يوسف بفمه رافعاً كتفيه نافياً عدم معرفته بالفاعل، نهض عن مقعده وجاب الغرفة ذهاباً وإياباً مردداً:
_ أنا المقصود، بس مين اللي يعمل معايا كدا؟!
تأفف يوسف حينما لم يصل إلى أحدهم، استلقى على الأريكة الجلدية ذات اللون الاسود المقابلة لمكتبه، اقترب منه بلال وشاركه الأريكة وظل يفكر معه بصوت عالٍ فيمن له اليد في فعل ذلك.
***
عملت لينة جاهدة على إخراج يوسف من الحالة المزاجية التي بات عليها لكنه كان يصدها طيلة اليوم كلما قابلته حاولت مراراً معه لكن محاولاتها تفشل بجدارة.
حل المساء واجتمع أربعتهم في المنزل وقد كان ظاهراً للآخرين عقل يوسف المشتت بسبب صمته طيلة جلوسه معهم، أرادت لينة لفت انتباهه فأردفت برقة:
_ إيه يا جو بتفكر في ايه.
شعر يوسف بالملل حيال أسئلتها التي لم تنتهي منذ بداية اليوم، نظر إليها بعبوس وصاح غاضباً:
_ أنتِ قاعدة معانا بتعملي إيه، أنتِ مش عندك امتحانات؟! قومي ذاكري.
تفاجئ الجميع برده العنيف وخصيصاً لينة التي رمقته بأعين لامعة غير مصدقة أسلوبه الفظ معها، انسحبت من بينهم بخطوات مهرولة حتى اختفت داخل غرفتها.
لم يعجب ميمي أسلوب يوسف في الحديث وعاتبته بكلماتها:
_ عملت كدا ليه يا يوسف، هي مضايقة عشان أنت قاعد ساكت ومش مركز معانا وبتحاول تخرجك عن حالتك دي.
تأفف يوسف وكاد أن يخبرها بما يشغل عقله إلا أنه تريث، فلن يسبب سوى القلق داخلها فقط، تنهد ولم يعقب ففعله حقاً سيجن إن لم يصل إلى الفاعل.
انتبه لتلك الغاضبة التي خرجت من غرفتها وولجت للمطبخ بخطى مهرولة، شهيقاً وزفيراً فعل ثم نهض ليعتذر منها.
تقابلا في الممرر الذي بين الغرف وتعجب من ذلك المقص الذي بيدها وسألها مستفسراً:
_ المقص دا بيعمل إيه في ايدك.
بعناد أجابته:
_ ملكش دعوة.
طالعها بأعين ضائقة وبحنق أعاد سؤاله:
_ قولت بيعمل إيه معاكي؟
اقتربت منه بتحدٍ وهمست من بين أسنانها المتلاحمة:
_ وأنا قولت ملكش دعوة.
اغتاظ يوسف من أسلوبها معه وبحنق حذرها:
_ اتكلمي معايا عدل يا لينة.
واصلت عنادها حيث هدرت:
_ وإن متعدلتش؟
تحرك يوسف بخطوات متمهلة بقربها فتراجعت هي بضعة خطوات للخلف لم يكف يوسف عن رمقها بنظراته الثاقبة لعلها تعتذر منه لكنها لم تفعل ولم يقل التحدي في نظراتها قط.
نبرته كانت غاضبة حين همس بخفوت وهو لازال يتقدم بخطواته للأمام:
_ مش هعيد سؤالي تاني.
دلفوا إلى المطبخ فتوقفت لينة عن السير حينما لم يتبقى مساحة خلفها تذهب إليها، شعرت بمحاصرتها من قبله فهتفت بنفاذ صبر:
_ هقص شعري.
أنهت جملتها ثم دفعته بعيداً عنها ومرت بجواره عائدة إلى غرفتها، تشكلت تلقائياً ذكري رؤيته لخصلاتها المموجة، فلم يشعر بنفسه سوى وهو يلاحقها، أمسك بيدها قبل خروجها من المطبخ وهتف أمراً:
_ هاتي المقص مفيش قص شعر.
انعقد حاجبي لينة بغرابة فما شأنه هو بقص شعرها، حاولت التحرر من بين قبضته لكنه رفض البتة وشد على يدها وباليد الأخرى حاول آخذ المقص:
_ هاتي المقص يا لينة.
وضعته خلف ظهرها وأصرت على عدم إعطائه له:
_ أنت مالك أقص شعري ولا حتى أولع فيه، دا شعري وأنا حرة.
تفاجئت لينة بثورته التي قامت عليها بانفعال لم تراه هكذا من قبل:
_ لا مش حرة، هاتي المقص.
كانت تطالعه بذهول، فلم ترتفع نبرته عليها من قبل، ما الذي حدث الأن، بينما بلغ يوسف ذروة تحمله وحاول التقاط المقص من خلف ظهرها، فباتت هي محاصرة بين ذراعيه، فإن حضر شخصاً من خلفهما فلن يراها فجسده يغطيها بالكامل.
خفق قلبها بشدة فكان وضعهما حميمياً للغاية، شعرت بهياج نبضاتها وكأنها للتو اكتشفت قلبها لطالما ظنت أنه هادئ وساكن.
أحاط يوسف يدها الممسكة بالمقص بيده محاولاً أخذه منها، أوصدت لينة عينيها مستمتعة برائحته الفريد من نوعها، شعرت لوهلة أن عضلاتها ترتختي رويداً رويداً ولم تعد تستطيع التحكم بشيء.
ارتخت أعصاب يدها فنجح يوسف في التقاط المقص، أخفض رأسه فتفاجئ بلمعة عينيها التي تطالعه بهما، لقد كانت قريبة للغاية، إنه بالفعل ملتصق بها، تراجع أكثر فأخرجت هي أنفاسها التي انحشرت داخلها.
لم يستطيع مواجهتها وفر هارباً إلى الخارج، عاد لغرفته وحالته مذرية، أنفاسه مضطربة لا يستطيع ضبطهما قط، قلبه ينبض وكأنه في سباق منذ ساعاتٍ ولم يتحلى بالراحة.
ازدادت عصبيته حينما فشل في وضع حد لذلك الوضع السخيف وعدم تحكمه في نفسه، ألقى بالمقص بعيداً عنه ثم ألقى بجسده على الفراش ودسر الغطاء أعلى رأسه ظناً أنها طريقة مناسبة للهروب من أفكاره.
مسكين، لا يعلم أن حتى لو سافر لأخر البلاد لن يتوقف عقله عن التفكير مادام لم يحل شفرة أسئلته والوصول لاجابات قاطعة.
بينما لم تبرح لينة مكانها، إلى الأن لم يستوعب عقلها ما حدث، تطالع الفراغ أمامها ومشاعرها مضطربة، تشعر بأنها لم تكتفي باقترابه، تريد المزيد منه.
"واقفة عندك كدا ليه؟"
انتبهت لينة لسؤال زياد فاكتفت بتحريك رأسها ثم انسحبت إلى غرفتها تحت نظرات زياد المتعجبة من أمرها.
وقفت خلف بابها تستنشق الصعداء، تنشطت ذاكرتها سريعاً لتعيد مشهد قربه منها ثانيةً، أوصدت عينيها متلذذة بذلك الشعور الخاص.
ماذا لو انحنى قليلاً فقليلاً ثم قبـ...
اتسعت عينيها لوقاحة أفكارها لكنها لم تمنع ابتسامتها التي غزت شفتيها، فالسعادة دقت باب قلبها، ألقت بجسدها على الفراش وطالعت السقف فشعرت بالخجل يعصف بها كلما تذكرت قربه حتي باتت وجنتيها حمرواتين، وضعت الوسادة أعلى وجهها كاتمة ضحكاتها السعيدة ثم احتضنت الوسادة لتعطي العنان لأفكارها في رسم المزيد من المواقف التي تتمنى لو تحدث لهما.
***
صباحاً، استيقظ يوسف على رنين هاتفه، لوهلة شعر أنه يحلم، لكن تكرار رنين الهاتف أكد له أن الأمر حقيقياً وليس من عقله الباطن.
سحب هاتفه بكسل، ونظر إليه بأعين ضائقة، فلم تعتاد عينيه الضوء بعد، جلس بثلث جسده وأجاب بصوت متحشرج:
_ السلام عليكم.
"وعليكم السلام، أستاذ يوسف؟"
بنعاس شديد يسيطر عليه أكد هويته:
_ أيوة أنا، مين حضرتك؟
"أنا واحد محتاج يقابلك ضروري."
_ أنا آسف والله مش بقابل حد معرفوش.
قالها يوسف فأسرع الآخر متوسلاً:
_ أنا عيسى اللي بنت المرحوم عبدالرحمن كلمتك عنه قبل كدا.
أخرج يوسف زفيراً ليهدئ من حشرجة حنجرته وقال بجدية:
_ تمام تعالالي المعرض، بس ياريت يكون قبل الضهر.
"تمام، إن شاء الله هكون عندك قبل الضهر."
أنهى يوسف المكالمة ثم تفحص ساعة الهاتف، كاد أن يكمل نومه إلا أنه أراد الهروب من عيناي لينة، فلن يقدر على مواجهته بعد تصرفه البارحة.
بدل ثيابه ثم مشط خصلاته وخرج من الغرفة، نظر إلى غرفة لينة الهادئة ثم مر من أمامها بحذر لكي لا تنتبه عليه، لكن المفاجأة كان وجودها في الردهة.
طالعها لوقت غير مصدق أنها أمامه، بينما اقتربت هي منه بوجه جامد وعقدت ذارعيها أعلى صدرها وببرود هتفت:
_ أنت رايح فين؟
بادلها يوسف نظرات باردة وبملامح متجهمة أجابها:
_ رايح الشغل.
رفعت حاجبها وقالت:
_ أنت مش ناسي حاجة؟
ارتخت ملامحه حينما لم يصل إلى شيء قد يكون نسيه، هز رأسه وسألها مستفسراً:
_ حاجة إيه؟
اقتربت منه حتى باتت أمامه تماماً، تاركة بينهما سنتيمرات قليلة، ثم وضعت كلتى يديها في خصرها وبغيظ صاحت:
_ تصالحني مثلاً!
تقوس فم يوسف للجانب مبدي استيائه:
_ نعم؟ أصالحك!
ليه هو أنا زعلتك؟
قلبت لينة عينيها بعدم إعجاب لاستنكاره، في النهاية إنه ذكر ولن يعترف بخطئه بسهولة، تنهدت قبل أن تردف كلماتها بحنق:
_ أنت نسيت عملت إيه إمبارح؟
تصنع يوسف التفكير، فاتخطت لينة حدودها تلك السنتيمرات التي تفرق بينهما ورفعت سبابتها في وجهه وصاحت مندفعة:
_ مش عايزة استعباط يا يوسف.
أمسك يوسف بسبابتها وحذرها من بين أسنانه بعصبية:
_ اتكلمي معايا عدل.
تأففت لينة وهدرت به شزراً:
_ يعني مش هتصالحني؟!
شد يوسف إصبعها للأسفل قليلاً ثم أمسك بيدها الصغيرة فتوجست لينة خيفة أن يزيد من ضغطه على يدها وهتفت بدلال متعمد:
_ خلاص مش عايزة منك حاجة.
تفاجئت بتلك القبلة التي طُبعت على كفها، رمقته بدون استيعاب لتصرفه، بالتأكيد هي مازالت نائمة وهذا حلم، لكنه حلم جميل.
فاقت على صوته العذب حينما قال:
_ أنا آسف متزعليش.
ابتسمت بعفوية وهي تنظر لوميض عينيه الذي اختلف كلياً عن ذي قبل، ترك يدها ثم بادلها إبتسامة عذبة قبل أن يتابع سيره نحو الباب ليغادر، لكنه توقف وأعاد النظر إليها قائلاً بنبرته الرخيمة:
_ لينة، متفكريش تقصي شعرك تاني.
أومأت بقبول فغادر يوسف بينما باتت لينة في حيرة من طلبه، لماذا يهتم بشأن شعرها لتلك الدرجة؟
ثم إنه لم يراه من قبل لكي يرفض قص طوله، شعرت بتشتت عقلها فلم تستطيع الإتيان بإجابة واضحة وعادت إلى غرفتها لتبدأ في مذاكرة دروسها.
في الخارج، وقف يوسف مكانه، لحظة استيعاب لما قام به، أهو حقاً قبل يدها؟
كيف تجرأ وتصرف بوقاحة دون تراجع، كيف لم يفكر عقله للحظة أن ما يفعله خطأ!
في النهاية لم يصل لإجابات صريحة ترضى أسئلته، فلم يكن أمامه سوى الذهاب إلى عمله ونسيان وقاحته الحادثة.
***
في مكتب يوسف، كان بلال ووالده في انتظاره، تعجب يوسف من وجودهما في تلك الأثناء، فدوماً هو من يكون أول الحاضرين، جلس ثلاثتهم في الصالون المخصص للضيوف ثم بدأ السيد سمير حديثه:
_ حمد لله على سلامة زياد، معرفتش حاجة عن موضوع قطع الفرامل دا؟
نفى يوسف معرفته بالفاعل:
_ الله يسلمك، مش في دماغي حد بعينه، ودا اللي هيجنني.
اقترح السيد سمير إسما لربما يكون الفاعل:
_ مش يمكن يكون آندور؟
استبعد يوسف ذلك الشخص موضحاً:
_ فكرت فيه، بس ملوش أي مصلحة يعمل معايا كدا، أنا معايا ورق يدينه يعني يخاف يلعب معايا أقوم أأذيه.
تنهد السيد سمير قبل أن يردف:
_ على العموم خلي بالك، ومن هنا ورايح تشيك على العربية قبل ماتركبها.
أخفض يوسف رأسه بحرج، تردد كثيراً فيما سيقوله، فهذا آخر ما أراد فعله في تلك الفترة، أخذ نفساً عميق ثم نظر إلى السيد سمير وأردف بإقتضاب:
_ أنا عايز أشتري العربية اللي بتتصلح.
تعجب بلال من طلبه وتدخل في الأمر:
_ على فكرة محدش طلب منك تشتريها و...
قاطعه يوسف بحكمة:
_ بس أنا عايز، أنا أصلا كنت ناوي أشتري واحدة، بس كنت مأجل الفكرة على لما أخد الخطوة اللي بقالي كتير برتب لها بس الظاهر مفيش نصيب.
سأله سمير بجدية:
_ خطوة إيه اللي بتتكلم عنها؟
حمحم يوسف وبتهكم واضح أجابه:
_ خلاص بقا، الموضوع راح لحاله.
أصر بلال على معرفة تلك الخطوة:
_ ما تقول يابني كنت ناوي على إيه؟
أخبرهم يوسف عما يريدان معرفته لطالما حلم بتحقيق هدفه ذاك كثيراً:
_ بصراحة كنت عايز أشارك حضرتك.
قالها وهو ينظر للسيد سمير، أخرج تنهيدة بطيئة وتابع تحت نظرات الدهشة في عينيهما:
_ كنت حابب يكون لي شغلي الخاص، بس الموضوع صعب وبعيد، ففكرت إني أشاركك على الأقل أسهل بس مفيش نصيب.
انتبه كليهما إلى بلال الذي هتف بحماس يشوبه الجدية:
_ يبقى أنا ويوسف ٥٠٪ وأنت يا بابا الـ ٥٠٪ التانين.
تفاجئ يوسف باقتراح بلال وبادر في الرفض خشية أن يضع صديقه في موضع حرج مع والده:
_ لا لا يا بلال.
تدخل السيد سمير حاسماً للأمر:
_ على بركة الله، أنا أصلا كنت محتاج شُركة معايا وبكدا يبقى نقدر نقول مبروك علينا المعرض التالت.
هلل بلال بفرحة عارمة:
_ دا الكلام.
مد يده إلى صديقه وبحماس شديد أردف:
_ مبروك علينا يا شريكي.
بالله ماذا يهذي ذاك المختل، كيف بتلك السهولة؟ أحقاً بات من أصحاب الأملاك الآن؟
حقاً سيحقق حلمه وهدفه لطالما تمنى لأعوام عديدة!
بتلك السهولة بعدما فقد الأمل!
حقاً لا يصدق كرم الله عليه.
مد يده إلى بلال وصافحه والسعادة وحدها من تتحدث عما يدور بداخله، قطعت لحظتهم حينما طُرق الباب فسمح يوسف للطارق بالدخول:
_ أدخل.
ولج شاب غريب الهوية، كان الإرتباك بادي على تقاسيمه، حمحم وهو يجوب المكان بعينيه باحثاً عن أحدهم لكنه يجهل هويته، فتحدث يوسف متسائلاً:
_ مين حضرتك؟
أجاب الآخر بتردد:
_ أنا عيسى عبد النبي، عندي معاد مع أستاذ يوسف.
نهض يوسف واستقبله قائلاً:
_ أيوة أنا يوسف اتفضل.
أشار له للجلوس على أحد المقاعد، بينما نهض السيد سمير وكذلك بلال الذي تبعه واستأذنا ثم غادرا المكتب.
طلب يوسف للضيف مشروباً خاص ثم بدأ يستمع إلى ما جاء لأجله، وبعد مدة ليست بقصيرة، أنهى الشاب حديثه فتدخل يوسف بحكمته:
_ أستاذ عيسى حضرتك عندك أخوات بنات؟
أجابه عيسى بتلقائية:
_ أيوة ٣ بنات.
ابتسم يوسف فهذا سيسهل عليه الأمور:
_ جميل أوي، حضرتك تقبل إن بنت فيهم تتجوز وتجيب لأخواتها راجل غريب يعيش وسطهم؟
يعني هل أنت كراجل شرقي وغيور هتوافق؟
نكس الشاب رأسه بخجل شديد، ولم يستطيع الرد، فتابع يوسف مالم ينهيه:
_ صدقني أنا احترمت زيارتك ليا وإنك اتكلمت من خلالي، بس الوضع صعب ولا يمكن أقبل بوضع زي دا وفي الآخر طبعاً انتوا أحرار، بس مكنش اشتركت في حاجة شايفها غلط وهتفتح أبواب لمشاكل كتير.
صمت يوسف قليلاً وطالع الشاب لبرهة قبل أن يكمل حديثه:
اللي أقدر أعمله إني أشوف لك شغلانة كويسة تقبض منها كويس وتساعد نفسك واحدة واحدة وطلاما هي بتحبك هتستناك حتى لو قعدت سنين، وصدقني طلاما نيتك خالصة لله ربنا هيسهلك أمورك كلها.
ابتسم له الشاب ثم شكره بإمتنان:
_ شكراً لذوقك.
نهض ليغادر فأكد يوسف على حديثه:
_ إن شاءالله في خلال أيام بسيطة هنفتح فرع جديد وطبعاً محتاجين عمال كتير وقت ما نقرب هكلمك وتيجي تبدأ شغلك على طول.
أعاد الشاب شكره ممتناً لكرمه، ثم استأذن وغادر، تفاجئ يوسف بدلوف بلال ثانيةً، عقد حاجبيه بغرابة لرؤيته مازال هنا ولم يغادر بعد:
_ أنت لسه هنا؟
اقترب منه بلال بنظرات مريبة أخافت يوسف وهمس بغموض:
_ خد لي ميعاد من خالك.
بغرابة سأله:
_ وأنت بتتكلم بصوت واطي كدا ليه؟
طالع بلال السقف ثم رد عليه بعدما أخرج تنهيدة مطولة:
_ أصل مش مصدق إن أبويا خلاص وافق.
ضحك يوسف على أسلوبه الطريف، لكنه سرعان ما اختفت ضحكته حين انفجر فيه بلال بعدم صبر:
_ أنت لسه هتضحك كلم خالك أخلص.
عاتبه يوسف بحنق:
_ براحة شوية مش كدا.
تأفف يوسف ثم هاتف خاله ليتخلص من سخافة بلال، أجاب الطرف الآخر بود:
_ إزيك يا يوسف باشا، أخبارك ايه.
بنبرة لطيفة حميمية أجاب:
_ بخير يا خالو، أنتوا أخباركم إيه.
_ كويسين يا حبيبي، ميمي والواد زياد كويسين؟
_ بخير يا خالوا الحمدلله.
نفذ صبر بلال وأشار إلى يوسف بأن يسرع قليلاً، استنكر يوسف تلك العجلة التي يريد الأمور أن تسير بها، لكن ما عليه سوى امتثال لمطالبه، حمحم ليخبر خاله عن سبب المكالمة:
_ بقولك يا خالو، كنت عايزك تحدد ميعاد بلال وعيلته يجوا فيه.
شهق بلال بصدمة فجذب انتباه يوسف إليه، فهمس الآخر بنفاذ صبر:
_ ميعاد إيه اللي يحدده، قوله إحنا جايين بكرة.
رفض يوسف أن يخبره بما يريده بلال لكنه كان لحوحاً للغاية فاضطر إلى قوله:
_ وياريت لو ينفع بكرة.
لم يستطيع رمضان إعطاء يوسف إجابة صريحة قبل أن يعود إلى زوجته وابنته ليرى إن كان الموعد يناسبهن أم لأ:
_ طيب هرد عليك بليل يا يوسف.
باختصار أنهى المكالمة:
_ تمام هستناك، مع السلامة.
أنهال بلال عليه بالمعاتبة فور إنهائه المكالمة:
_ ما تخلص معايا الموضوع دا يا يوسف بقا، عايزك تزق الدنيا معايا كدا عايز أخلص.
لم يوافقه يوسف الرأي في سيران الأمور بعجالة وأخبره بجدية:
_ بلاش سربعتك دي يا بلال، كل حاجة تيجي في وقتها كويس، سيب كل حاجة تمشي براحتها عشان مترجعش تندم في يوم.
رمقه بلال بطرف عينيه، غير مقتنع برأيه، نهض عن مقعده مردداً:
_ لما خالك يرد عليك عرفني.
"تمام"
قالها يوسف مختصراً بينما غادر الآخر وذهب إلى عمله، عاد يوسف برأسه إلى حافة الكرسي مستنداً عليه، أوصد عينيه لبرهة وظل يتذكر مشاكسته وتصرفاتها التي تروق له كثيراً.
يحب دلالها المبالغ معه، لا يضجر قط من أسلوبها حتى وإن تعدى حدوده قليلاً، تذكر خصلاتها المموجة التي كانت تغطي وجهها بأكمله، شعر برجفة قوية سرت في أوصاله وخصيصاً حينما راوده الشعور نفسه عندما كانا في المطبخ.
وميض عينيها وهي تطالعه حينها كان غريباً، مريباً، لم يشعر بخوف فيهما بل شعر لوهلة أنها مستمتعة بقربه، هو رآها موصدة العينين وكأنها تشم رائحته!
لم يكن متأكداً تماماً مما رآه، لكنه يجزم أنها لم تكن خائفة منه، وكيف ستخشاه وهو مأمناها مثلما أخبرته هي من قبل؟!
شعر بأنه بحاجة إلى سماع صوتها، لم يتردد ثانية وهاتفها على الفور، أتاه صوتها بعد ثوانٍ قليلة برقة:
_ سوفي.
خفق قلبه بقوة حينما نادته بتلك الرقة، كذلك تقوس ثغره تلقائياً وأردف بنبرته الرخيمة:
_ بتعملي إيه؟
تفحصت الكتب الكائنة أمامها وأخبرته بملل:
_ بذاكر.
نهض عن كرسيه ووضع يده في جيب بنطاله ثم جاب الغرفة بخطوات متهملة، وتابع مكالمته بسؤاله:
_ أنتِ صرفتي نظر عن قص شعرك صح؟
اتسع ثغرها بإبتسامة خجولة وهي تجيبه:
_ مش قولتلك خلاص يبقى خلاص.
صمت كليهما، فلم يكن هناك المزيد من الأحاديث ليتبادلاها، حاول يوسف التفكير في شيء ما يتناولاه لكنه لم يجد، فرأى أنه من الأفضل إنهاء المكالمة فليس هناك داعٍ لمواصلتها دون حديث.
"أنت بتعمل إيه؟"
كان سؤالها بمثابة خيط وأمسك طرفه لبداية أحاديث جديدة، ظل يتسامران دون أن ينتبها على الوقت الذي مر سريعاً.
شهقت لينة حينما لمحت ساعة الحائط، انتفضت من مكانها وهي تردد:
_ اتاخرت، اتاخرت.
أبعد يوسف الهاتف عن أذنه ليتفقد الوقت فتفاجئ بمرور الوقت ولم يشعر به، أعاد الهاتف وقال:
_ البسي على لما أجيلك.
أخذ مفاتيحه ثم خرج من مكتبه ليجد سيارة أخرى يستخدمها اليوم لحين استلامه سيارته.
***
مساءاً، واضع هاتفه على أذنه ويده أمام فهمه لكي لا يتسلل صوته إلى الخارج وبنبرة هامسه أردف:
_ لا بس صوتك جامد في الموبايل، وأكيد هيبقى أجمد لو اتقابلنا.
= بس أنا مش هعرف أخرج لوحدي، ممكن أجيب واحدة صحبتي.
- هاتي اللي تجبيه المهم نتقابل.
= ضحكت بميوعة قبل أن تعقب:
خلاص بكرة.
- ربنا يصبرني من هنا لبكرة.
- ارتفعت ضحكاتها فهلل هو بإعجاب شديد:
_ آه يا قلبي، لا كدا مش هصبر لبكرة إديني عنوان بيتكم بسرعة.
= لأ أصبر يا زيزو كلها ساعات الليل ونشوف بعض.
رققت من نبرتها وبدلال متعمد سألته:
_ قولي يا زيزو أنا لو اديتك العنوان هتعمل إيه؟
تقوس ثغره فهو على علم بما ترمي إليه وتود سماعه، لكنه رضى فضولها بتلهف زائف:
_ دا أنا هعمل كوارث.
ازدادت ضحكاتها المثيرة فأبدى عدم قدرته على التحمل بقوله:
_ براحة على قلبي شوية كدا مش هعرف أسيطر عليه وأنتِ اللي هتزعلي بعدين.
عضت على شفتيها وهتفت دون حياء:
_ لما نشوف تقدر تعمل إيه.
انتبه على صوت والدته التي نادته من الخارج:
_ يلا يا زياد عشان تتعشى.
تنهد وواصل مكالمته:
_ معلش بقا مضطر أسيب القمر عشام بينادوا عليا.
أغلق المكالمة ثم بصق على الهاتف بتقزز وتمتم بإشمئزاز:
_ بت سهلة.
نهض وخرج من غرفته وجلس مع الجميع يتناولون طعام العشاء، انتهوا من الطعام وإذا بهاتف يوسف قد صدح رنينه، أجاب دون تفكير:
_ إزيك يا خالوا.
أجاب رمضان بود:
_ بخير يا حبيبي، بقولك عرف بلال إننا مستنينهم بكرة إن شاء الله وطبعاً أنت لازم تكون موجود وميمي كمان.
ابتسم يوسف بسعادة، حتماً سيسعد بلال بذلك الخبر، أخذ نفساً ورد على خاله:
_ إن شاءالله يا خالوا هنكون كلنا موجودين.
على جانب آخر، كانت لينة منشغلة في الهاتف، وجه زياد حديث إليها مقاطعاً إياها عما تفعله:
_ بتعملي إيه كدا؟
تأففت ثم ألقت بالهاتف بعيداً عنها، أوصدت عينيها وقد تجهمت تعابيرها، أخرجت زفيراً عميق مخرجة ضيقها معه.
عادت إلى زياد الذي صاح ساخراً:
_ كل دا حصل.
رمقته بنفاذ صبر وهدرت به شزراً:
_ مش ناقصاك بجد يا زياد، سبيني في حالي.
شعر بالندم لسخريته، من الواضح أن هناك أمراً يشغل عقلها، تنهد وبجدية سألها:
_ مالك طيب؟
باقتضاب أردفت:
_ مفيش.
تدخل يوسف بسؤاله حين لاحظ توتر الأجواء:
_ مالك يا لينة؟
أخرجت تنهيدة لكي تستطيع إعطائه إجابة، فخرجت كلماتها مختنقة قليلاً:
_ مش عارفة أوصل لعلي يا يوسف!
الموضوع شاغلني أوي ومزعلني، هو بجد مش بيفكر فيا؟
قدر ينساني؟ نسى توأمه، أخته اللي سابها ومشى من غير حتى ما يودعها.
قلبي بيتوجع كل لما أفكر أنه عايش حياته عادي من غير ما يعرف عني حاجة.
وبتوجع أكتر لما أتخيل أن ممكن يكون حصله حاجة وأنا معرفش عنه حاجة.
تفاجئ الجميع بمشاعرها التي أفصحت عنها، ضمتها السيدة ميمي لعلها تربط على قلبها المنكسر:
وإحنا قصرنا في حاجة يا لينة عشان تفكري كدا؟
نفت لينة سؤالها موضحة قصدها:
_ لا طبعاً، بس هو أخويا، ومش أي أخ دا توأمي، يعني مجبرة أفكر فيه وبخاف يكون حصله حاجة.
لم يستطع يوسف رؤية دموعها التي تنسدل بغزارة دون توقف، مال بجسده للأمام ليكون أقرب لها وهتف:
_ علي كويس يا لينة والله أعلم بظروفه، إن شاء الله نقدر نتواصل معاه قريب وتطمني عليه.
مسحت لينة عبراتها وهي تردد:
_ يارب.
نهضت ميمي وجمعت الأواني والكاسات على الصينية، بادر يوسف في أخذهم منها بلطافة:
_ عنك يا أمي.
رفضت بحرج:
_ لا لا سيبهم يا حبيبي.
أصر يوسف على حملهم بقوله:
_ هاتي كدا كدا أنا داخل المطبخ.
أخذهم منها ثم توجه ناحيه المطبخ ووضع الصينية على الطاولة الرخامية، كاد أن يغادر إلا أنه وقف ونظر إلى الكاسات، تناولت يده تلقائياً عند الكأس الخاص بلينة، رفعه بقرب أنفه ليشم رائحتها.
"يوسف، أنت بتعمل إيه؟"
ثم صدح صوت وقطع خلوته، فسقط الكأس من يده من هول المفاجأة وتناثرت أشلائه في جميع زوايا المطبخ.
استدار بجسده وإذا بـ....
يا ترى مين اللي قفش يوسف 😂
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم تسنيم المرشدي
هرولت نحوه بذعر، فأشار بيده إليها مانعاً إياها من الاقتراب.
"خليكي عندك، متقربيش عشان الإزاز."
وقفت مكانها بينما جلس هو القرفصاء وبدأ يجمع حطام الزجاج. لم تحب الوقوف ومشاهدته دون مد العون له، بحثت بعينها على شيء ما يمكنها مساعدته بها فإذا بالمكنسة اليدوية على مسافة قريبة منها.
اتجهت ناحيتها وكانت حريصة بألا تدعس على الزجاج، أحضرتها ثم جمعت بها بقايا الزجاج المتناثر في الزوايا، مما ساعد يوسف على جمعهم. حضرت السيدة ميمي متسائلة بقلق:
"في إيه يا ولاد؟ إيه الصوت دا؟"
أخبرها يوسف بنبرة هادئة:
"المج بتاع لينة وقع يا أمي."
صوبت لينة نظراتها تلقائياً على يوسف والدهشة كانت مشكلة على تقاسيمها بينما هتفت والدته:
"فداها ألف مج."
التفتت لينة برأسها وأرسلت إليها قبلة في الهواء فبادلتها ميمي قبلة أخرى قبل أن تردف:
"خلوا بالكم وأنتم بتلموا الإزاز."
باختصار قال يوسف:
"متخافيش يا أمي."
انسحبت هي للخارج، فلم تنتظر لينة ووجهت أنظارها على يوسف وسألته بفضول:
"المج بتاعي كان بيعمل إيه في إيدك؟"
تفاجأ يوسف من سؤالها، وأدرك أن الموقف بات حرجًا للغاية. حمحم وبتلعثم أجابها:
"مش كنت بودي الصينية هو فلت من بينهم ووقع."
رفعت حاجبها الأيسر فلم تصدق ما أخبرها به، لقد رأته ممسكًا به، فصرحت بما رأته قائلة:
"بس أنا شوفتك وأنت ماسك المج و..."
قاطعها يوسف بانفعاله:
"هعمل إيه بالمج بتاعك يعني، ولو زعلانة عليه هجيب لك واحد جديد، خلصنا."
كان قد انتهى من جمعه للزجاج المحطم، استقام بجسده ثم ألقى به في صندوق القمامة وخرج من المطبخ دون أن يلتفت خلفه، هارباً من نظراتها المحملة بالعديد من الأسئلة حول تصرفه المبهم.
وكيف سيعطيها إجابات ولا توجد لديه إجابات واضحة لأسئلته هو. دلف لغرفته واعتلى طرف فراشه مستنداً براحتي يده على الفراش ولم يشعر بقبضة يده الغاضبة التي أمسك بها الغطاء، حتى ولج إليه أخيه، فأرخى من قبضة يده وطالعه دون حديث.
لوهلة خشي أن أخيه أيضاً رآه، فلم يخفض نظره عنه في انتظار أي علامة تثبت له ذلك أو العكس. تعجب زياد من نظرات يوسف الثاقبة وسأله مستفسراً عما وراء نظراته:
"بتبصلي كدا ليه؟"
حرك يوسف رأسه نافياً وجود شيء وأردف بخفوت:
"مفيش، عادي.."
طالع الفراغ أمامه وانهمر بين أفكاره، يا ترى ما رأي لينة فيما فعله؟
هل يمكن أن تسوء فهمه؟
كيف ستفكر به الآن بعدما تصرف بوقاحة؟
ولما تصرف كهذا من البداية؟
ما هو المخزي من فعلته؟
فقط كان شعورًا منبعثًا من داخله يحثه على شم رائحة كأسها، لما؟ حقاً لا يدري!
"إيه اللي شاغلك أوي كدا؟"
قالها زياد بفضول، فحالة يوسف بدت مريبة بالنسبة إليه. لم ينتبه عليه يوسف فازدادت غرابة زياد. اقترب منه وجلس بجواره، لكزه في ذراعه ممازحًا إياه:
"يابختها.."
قطع عليه حبال أفكاره بكلمته، التفت الآخر برأسه ناظرًا إليه بحاجبين معقودين مرددًا بعدم استيعاب:
"هي مين؟"
غمز إليه زياد بخبث وقال بنبرته اللعوبة:
"اللي بتفكر فيها."
احتدمت تعابير يوسف ثم هتف بغضب جامح وهو ينهض مبتعدًا عن الفراش:
"مبحبش الكلام ولا الأسلوب دا، واحترم نفسك وأنت بتكلمني."
أثار يوسف الجدل حوله بسبب انفعاله المبالغ، فالأمر لم يحتاج لكل ذلك الغضب، كان فقط يمازحه. نهض زياد موضحًا حسن نواياه:
"في إيه يا يوسف، أنا بهزر معاك."
أنهى يوسف حوارهما السخيف بتحذيره:
"ولا بهزر ولا مببهزرش، أنا هنام."
فك أزرار قميصه ثم ألقاه بعنف على الأريكة الهزيلة الموضوعة في زاوية الغرفة، وتوجه إلى فراشه لينام تحت نظرات زياد المذهولة من تصرفاته الغريبة.
بعد لحظات بدل هو أيضًا ثيابه ثم أخذ قميص يوسف ووضعه على الحامل الذي يتمثل خلف الباب، توجه إلى الفراش وأولى ظهره ليوسف وفي ثوانٍ كان في ثبات عميق.
في الغرفة المجاورة، كانت تتوسط الفراش حاضنة وسادتها بين ذراعيها مستندة بذقنها عليها، تفكر فيما رأته. كان الأمر شاغلاً حيزًا كبيرًا في عقلها، كلما فكرت قليلاً بالمنطق لا تجد تفسيراً واضحاً لتصرفه.
انتبهت على اهتزازة هاتفها الموضوع على وضعية الصامت، فأجابت على صديقتها شهد:
"لسه منمتيش؟!"
عقبت شهد بنعاس:
"بنام خلاص، بس كنت عايزة أقولك إني هجيلك بكرة قبل الدروس تفهميني حاجة ونمشي مع بعض."
أبدت لينة قبولها قائلة:
"تمام هستناكي."
تثائبت شهد وأردفت بنبرة غير واضحة:
"سـ سلام."
"سلام."
قالتها ثم عادت لأفكارها ممكسة بخصلة من شعرها وظلت تلفها بحركات دائرية على إصبعها، وفي النهاية لم تصل لحلٍ يرضى فضولها، فقررت النوم أفضل.
في مساء اليوم التالي، اجتمعت العائلتان في منزل السيد رمضان، عائلة بلال المكونة من والديه وشقيقتيه وأزواجهن، وعائلة يوسف، والدته ولينة التي أصر على مجيئها بينما تحجج زياد ببعض الأعمال لكي لا يذهب معهم.
رحب بهم السيد رمضان بحفاوة:
"البيت نور يا جماعة والله."
تولى السيد سمير مهمة الرد عليه بلطف:
"منور بأهله يا أستاذ رمضان."
بابتسامة قال رمضان:
"تسلم يا أستاذ سمير."
مال بلال على أذن يوسف الذي كان يجلس بجواره وهتف ساخرًا:
"إيه الجو دا يابني، إحنا في مدرسة."
صدرت ضحكة مفاجئة من يوسف فأثار النظرات حوله، أخفض بصره بحرج بينما عاد بلال بأنظاره على زاوية خروج فتاته، فهو ينتظر ظهورها بفارغ الصبر.
استأذنت هادية منهم بقولها:
"بعد إذنكم لحظة."
نظرت إلى لينة وأردفت:
"تعالى يا لينة معايا."
وجهت أنظارها على ولدها وحثته على المجيء:
"وأنت كمان يا أسامة."
نهض كليهما بينما كز يوسف أسنانه بعصبية وهو يرى لينة تسير بجوار ابن خاله. حمحم ثم نهض ونظر للجميع وهتف بأسلوب طريف:
"ثواني وراجع، محدش يتكلم من غيري."
قهقه الجميع على داعبته بينما أسرع هو إلى الداخل لاحقًا بهما. تعجبت هادية وجوده لكنها لم تعقب بل قابلته بود وبدأت في تحضير الحلوى وتعطيها لهم من أجل ضيافة الحاضرين.
كانت لينة متولية مهمة الضيافة بمساعدة يوسف، بينما دلفت هادية لغرفة ابنتها، كانت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا تفرك يديها بتوتر.
"يلا يا إيمان عشان تطلعي للناس."
أردفتها هادية فنظرت إليها إيمان بارتباك واضح. أخذت شهيقًا عميقًا ثم أخرجته على مهلٍ وقالت:
"يلا.."
خرجت والدتها أولاً ثم تبعتها إيمان إلى الخارج وقلبها يكاد يخترق جسدها من شدة تدفق نبضاته، تشعر بالضياع، لا تعلم ماذا تفعل، وهل هي حقًا على استعداد لأخذ تلك الخطوة أم أنها تسرعت ويجب عليها التراجع قبل فوات الأوان.
خرجت من شرودها على وقوف الجميع أثناء ظهورها، شكلت ابتسامة زائفة على محياها ثم بدأت بمصافحتهم واحدًا تلو الآخر، حتى وقفت أمام بلال الذي كان يخفق قلبه بشدة كلما اقترب منه حتى باتت أمامه مباشرةً.
مد يده وتحسس يدها الناعمة فازدادت نبضاته أضعافًا، غزت الابتسامة شفتيه وهو يراها واقفة أمامه خجلة بفستانها الأزرق الذي يتماشى مع لون بشرتها القمحية.
جلست إيمان على مقربة من الجميع، ولم ترفع رأسها قط، بل ظلت منكسة الرأس لا تقدر على النظر لأحدهم، فالأمر كان أصعب مما توقعت.
بدأ السيد سمير حديثه فيما جاءوا من أجله بصوته الأجش:
"يشرفني يا أستاذ رمضان أننا نطلب أيد بنت حضرتك لبلال ابني."
ابتسم رمضان وكذلك الجميع بسعادة منتظرين رده:
"الشرف ليا يا أستاذ سمير إني أناسب عائلة محترمة زيكم."
بامتنان شديد قال سمير:
"ربنا يخليك يا رب."
حمحم ثم بدأ يعرف عن هوية بلال وما يملكه:
"بلال عنده شقة عندي في العمارة، وماسك فرع من معارضي، وأهو في الآخر كله ليه ولأخواته يعني."
هتف أبناؤه في آن واحد:
"بعد الشر عنك."
"ربنا يطولنا في عمرك يا بابا."
بادلهم السيد سمير ابتسامة امتنان وحب، ثم عاد ليتابع حديثه:
"وكل طلباتكم إن شاء الله متفقين عليها."
وجه أنظاره حيث تجلس إيمان واسترسل بمرح:
"كل اللي تقول عليه عروستنا هيتنفذ بس هي تؤمر."
تدخلت شهيرة بنبرة صادقة:
"آه والله هي تشاور بس وإحنا ما علينا إلا التنفيذ."
ابتسمت لها هادية ممتنة لكرمها وشكرتها:
"تسلمي يا أم بلال، كلك ذوق."
أردفت الأخرى مؤكدة:
"دا مش كلام والله، دي كفاية إنها هتكون مرات بلال لو طلبت عيني هديهالها."
تدخلت ميمي في الحديث بقولها:
"تسلم عيونك يا شهيرة."
وزعت أنظارها بين أخيها وزوجته وتابعت:
"شهيرة دي عشرة عمر، ومشفتش أطيب منها يعني يابختك يا مونة بحما زيها."
استنكرت شهيرة تلك الكلمة غير المقبولة بالمرة وعدلتها:
"لا لا يا ميمي بلاش كلمة حما دي مش بحبها، أنا هكون زي مامتها وإن مكنش أكتر كمان."
صوبت بصرها على هادية وواصلت بابتسامة مرحة:
"متأخذنيش يا هادية بس أنا واثقة من نفسي."
قهقه جميعهم بينما عقبت هادية ممتنة:
"وأنا مكرهتش والله، حتى أبقى مطمنة عليها."
أسرعت شهيرة في بث الطمأنينة في قلب هادية بقولها:
"لا أنا عايزاكي تطمني ومتقلقيش خالص."
بادر سمير في مواصلة حديثه فحتماً لن تنتهي أحاديثهن تلك الليلة. حمحم ليجذب انتباههم وأردف بنبرته الرجولية:
"ها قولت إيه يا أستاذ رمضان؟"
تنهد قبل أن يردف:
"أنا عن نفسي موافق، بس رأي العروسة أهم."
عقب سمير بتأكيد:
"دا أكيد، إيه رأيك يا عروسة؟"
تفاجأت إيمان بسؤال سمير، خفق قلبها بشدة وطالعته بذهول. لم يكن لديها إجابة وإن كان لديها فلن تصرح بها أمام الجميع. أنقذتها شهيرة حينما اقترحت:
"مش يقعدوا مع بعض الأول يا سمير ويتعرفوا على بعض."
زفرت إيمان أنفاسها التي حُشرت داخلها براحة، ووافقها سمير الرأي حيث أردف:
"أكيد طبعاً لو أستاذ رمضان وافق."
لم يرفض رمضان الأمر فهذا من حقهم. نهض بلال وكذلك إيمان بينما نظر بلال إلى يوسف وغمز إليه ثم تابع سيره بعجرفة تحت نظرات يوسف الضحوكة. جلس كليهما في الصالون ثم تركتهم شهيرة بمفردهما وعادت إلى البقية.
الخجل كان سيد الموقف، على الرغم من تلهف بلال لخلق حوارً معها إلا إن كلماته انحشرت داخله وفشل في إخراجها. ظل يتابع توترها البائن، حيث كانت تهز قدميها وكذلك تفرك أصابعها بقوة.
حتى فاجئته هي بسؤالها:
"أسمح لي في السؤال، اشمعنا أنا اللي اختارتها؟"
سؤالها بمثابة بابً قد فُتح له لبدء الحديث معها. حمحم ليضبط من نبرته رغم ذلك ظهرت متحشرجة:
"عشان بحبك."
رده كان مفاجئًا لكليهما، فلم يرتب هو للإفصاح عن حبه لها الآن، وكذلك هي لم تكن أقل منه ذهولاً.
حب!!
وهل يعقل أن يصرح بمشاعره من الجلسة الأولى لهما؟
كان على قدر كافٍ من التفهم بما يدور في عقلها، فأراد إرضاء دهشتها وإعطائها إجابات واضحة:
"يمكن تقولي إيه العبيط اللي قاعد قدامي دا، بس دي الحقيقة، أنا بحبك يا إيمان."
اتسعت مقلتاها بذهول شديد فتابع هو قبل أن يفشل في استكمال حديثه الذي بدأه للتو:
"يمكن كلامي ميكنش مقنع أوي بالنسبة لك، وأكيد بتقولي هو لحق يحبني امتى، دي تعتبر أول مقابلة لينا اللي فات كان مجرد صدف."
أخفضت إيمان رأسها بحياء فهذا حقًا ما تفكر به. زفر بلال أنفاسه وتابع ما لم ينهيه بنبرة متيمة:
"كل دا بالنسبة لك صدفة، لكن أنا اللي كنت السبب في الصدف دي، أنا بقالي ٨ سنين مخبي مشاعري نحيتك، بس كنت متأكد أن في يوم هقدر أعترف بيه وكان جوايا يقين إنك هتبقي حلالي."
عض على شفتيه السفلى قبل أن يتابع:
"ودلوقتي متعشم في موافقتك.."
رفعت إيمان نظريها عليه فقابلها بإبتسامة عذبة. لن تنكر تعجبها منه ومن حديثه وتصريحه بدون زيف، كان صادقًا للغاية وهي استشعرت ذلك بالفعل.
حتماً لن تكذب تلك العينين اللامعة التي تنتظر إجاباتها بفارغ الصبر. شعرت بالضياع أكثر ولم تعد تعلم ماذا تفعل. من البداية كانت متأكدة من رفضها، لكنها الآن مشتتة، تخشى تحطيم قلبه وأن تكون السبب في انطفاء وميض الأمل في عينيه.
قطع حبال أفكارها سؤاله بتوجس:
"ها إيه رأيك؟"
ابتلعت ريقها مرارًا قبل أن تعطيه إجابة:
"أنا محتاجة وقت أفكر لو دا مش هيضايقك."
نفى بلال وجود أي مضايقة في الأمر:
"لا طبعاً، خدي وقت زي ما تحبي."
تقوس ثغرها ببسمة لم تتعدى شفتيها على عكس الابتسامة التي غزت وجه بلال. لم يتوقف عن الثرثرة وظل يحدثها عن نفسه وعن أعماله وهواياته وكل ما يخصه بنفسٍ راضية.
في الخارج، استغلت لينة فرصة انشغال الجميع وانسحبت من بينهم وولجت لشرفة التي تتوسط الردهة. استندت بمرفقيها على سورها وطالعت السماء والعديد من الأفكار والمشاعر قد راودتها.
انتبه يوسف لذهابها ونهض خلفها ليعلم ما أمر انسحابها من بينهم.
"واقفة لوحدك ليه؟"
سألها وهو يستند أيضًا على سور الشرفة. التفت هي برأسها وأجابته بفتور:
"الجو جوا حلو أوي، وقلب عليا ذكرياتي."
التفتت بكامل جسدها وواصلت بأعين لامعة تهدد بتساقط عبراتها:
"واحشني أوي جو بيتنا."
ابتسمت بألم وهي تواصل بنبرة مهزوزة:
"واحشني بابا وماما واخواتي، واحشتني لمتنا. تعرف بابا ميت وأنا كنت صغيرة أوي، مكنتش فاهمة يعني إيه موت، مكنتش لسه قادرة أستوعب يعني إيه يروح وميرجعش تاني. الموضوع مكنش مسبب لي أزمة لأن كان فيه بديل، ماما ويمكن هي كانت الجانب الأكبر اللي محتويانا، بابا كان طول الوقت برا مش بنشوفه كتير فغيابه مأثرش معانا أوي، أنا مفهمتش يعني إيه موت إلا لما أحمد راح وماما كمان راحت و..."
لم تستطع الصمود لأكثر وجهشت باكية، وضعت أصابعها أمام عينيها تخفي عبراتها التي تنسدل بغزارة. شعر يوسف بوخزة قوية في قلبه، متألمًا بسبب دموعها التي تحاول إيقافها. بينما مسحت هي عبراتها بأناملها وأردفت بصوت متحشرج:
"حتى علي مشى.."
استدارت لينة بجسدها لوضعية وقوفها الأولى حيث استندت على سور الشرفة ثانيةً، ورددت بندم وهي تطالع البنايات من حولها:
"أنا آسفة إني نكدت عليك في يوم زي دا."
تفاجأت لينة بيدها التي اختفت داخل يده. التفت برأسها إليه فقابلها بإبتسامة عذبة وهتف بنبرته الرخيمة:
"بس أنا موجود، مش كفاية؟"
نظرت في عينيه موحية إليه بإشارات معاتبة، فهل حقًا يسألها؟ ألا يدري كم تحبه؟ أيجهل أنه الأهم من بين الجميع!!
كادت أن تجيبه إلا أن صوت ذاك الدخيل قد منعها بسؤاله:
"بتعملوا إيه عندكم؟"
سحب يوسف يده بهدوء لكي لا يسبب الحرج لكليهما. التفت إلى ابن خاله وشكل ابتسامة سمجة على شفتيه وباقتضاب سأله:
"عايز إيه يا خفيف؟"
أبدى أسامة سخافته في رده:
"برخم عليكم."
أيده يوسف رأيه عن نفسه:
"طول عمرك رخم إيه الجديد."
تشدق أسامة بفمه غير متقبل سُبابه وردد:
"لأ أنا مقبلش إهانتي قدام القمر."
أردف آخر جملته وهو يطالع لينة بعينيه. برزت عروق عنق يوسف بغضب ثم اقترب من ابن خاله ولكزه في صدره بعنف محذرًا إياه:
"طيب خد عينك وأطلع برا بدل ما أقلعهملك من مكانهم."
أرغمه يوسف على الالتفات والسير، دافعاً إياه إلى الخارج. عاد لمشاكسته التي لم تكف عن الضحك فأثارت غضبه وهلل باقتضاب:
"معاكستك عجبتك أوي؟!"
عقدت لينة حاجبيها واستنكرت ظنونه ثم عللت سبب ضحكها:
"أنا بضحك عليك على فكرة."
قلب يوسف عينيه ثم طالع الفراغ أمامه محاولاً استعادة رونقه من جديد، بينما أخرجت الأخرى تنهيدة حارة وهي تخبره بمشاعرها:
"وعلى فكرة أنت الأهم من بين كل اللي حواليا."
أدار رأسه نحوها بغرابة فأوضحت هي سبب تصريحها:
"مش كنت بتسألني أنا مش كفاية؟"
فهم ما ترمي إليه ولم يمنع تسلل ابتسامته التي تشكلت عفوياً على محياه، فأجبر لينة على الابتسام. أخرجت زفيراً عميق واقترحت شيئاً:
"ما تحكيلي عن أحمد؟"
رمقها يوسف والرفض يتجلى في عينيه. استشفت رفضه فقالت:
"أكيد فيه بينكم مواقف حلوة، أو كوميدية يعني."
اتسعت ابتسامته عندما تذكر طرائفه مع أحمد وبدأ يقص عليها من بين ضحكاته، بينما كانت تصغي له باهتمام شديد كما شاركته الضحك أيضًا.
في غرفة الصالون، وبعد صمتٍ طال لعدة دقائق تنهد بلال ثم سألها بفضول:
"ها، لسه مش هتعرفيني رأيك؟"
لم تمنع إيمان ابتسامتها التي غزت شفتيها مجبرة إياه على الابتسام كذلك ثم أردفت ساخرة:
"أنا لحقت أفكر؟"
لم تكن ضحكتها هينة عليه، لقد كانت تعني الكثير والكثير. شعر بأمل يخلق داخله وأن ردها سيكون في صالحه.
"نهضت إيمان وبلطف هتفت:
"نخرج؟"
أماء لها بقبول ثم نهض عن الأريكة وتبعها إلى الخارج. انتبه الجميع لدلوفهما واستقبلاهما بابتسامة كانت مريبة قليلاً.
وقعت ضحكات يوسف ولينة على أذن إيمان، فوجهت نظراتها تلقائياً عليهما، على ما يبدو أن حوارهما حميمي للغاية.
لم تصدق عينيها، هل هذا يوسف نفسه؟ تلك ضحكات من تمنت منه ابتسامة حتى وإن كانت زائفة؟!
لكن ما شغل عقلها، أين تكمن المشكلة؟ بها أم به أم بتلك الفتاة التي ينشغل بها؟
حتماً بثلاثتهم. أخرجت تنهيدة مهمومة ثم اقتربت من والدها وانحنت بقرب أذنه وهمست ببعض الكلمات ثم عادت إلى كرسيها في هدوء.
حمحم رمضان قبل أن يخبرهم برأي إيمان التي أبلغته به:
"طيب يا جماعة، العروسة موافقة."
السعادة دون غيرها أسرت قلوب الحاضرين. تعالت الزغاريد من قِبل شقيقات بلال فرحين بذاك الخبر السعيد. وفي زاوية يقف بلال جاحظ العينين لا يصدق أنها بالفعل قبلت.
لا يستوعب عقله، لقد سألها منذ دقائق عن رأيها به وطلبت منه بعض الوقت، لكنها كانت مفاجأة سارة دق قلبه طربًا بسببها. أخرج من جيب معطفه علبة حمراء اللون أثناء خروج يوسف ولينة من الشرفة.
اقترب من ساكنة فؤاده ومد لها يده فنظرت إلى والدها الذي أومأ برأسه فأعطت يدها لبلال فأسرع في وضع الخاتم الذي اشتراه خصيصًا من أجلها في إصبعها. طالع عينيها الخجلة وأردف بصوته الرخيم:
"مبروك علينا."
عقبت على مباركته بخفوت:
"الله يبارك فيك."
تعالت الزغاريد مرة أخرى، حتى قطعها بلال بقوله:
"دي مش الشبكة دا مجرد هدية بمناسبة قراية الفاتحة."
وجه بصره على الجميع متسائلاً بمرح:
"صحيح إحنا مش هنقرأها ولا إيه؟"
هللت شهيرة بسعادة لا توصف:
"طبعاً دا مش من قيمتها، دي قيمتها غالية أوي مش مجرد خاتم."
نظر السيد سمير إلى والد إيمان وبود سأله:
"تقرأ الفاتحة يا أستاذ رمضان؟"
أماء له رمضان بقبول مرددًا:
"على خير الله، أقروا الفاتحة."
رُفعت أيادي الحاضرين تلقائياً وظل يرددون سورة الفاتحة بخفوت. كانت نظرات الجميع تدل على مدى سعادتهم بتلك المناسبة المفاجئة، على عكس يوسف الذي كان يطالع صديقه بعبوس، غير راضٍ بما يفعله، وعزم بأن يحادثه في وقت لاحق.
"ولا الضالين، آمين."
أنهى بها بلال قراءته لسورة الفاتحة ثم نظر إلى السيد رمضان مباشرةً وهتف بحماس:
"لو تسمح لي يا عمي، أنا مش حابب أطول فترة الخطوبة، أنا الحمدلله لله شقتي جاهزة، واقفة على شوية حاجات إيمان إن شاء الله تنزل معايا تختارهم بنفسها، وأنا مش محتاج منكم أي حاجة ي..."
قاطعته هادية التي تحدث بعجرفة:
"ولا إحنا ناقصنا حاجة، إيمان شوارها خالص من زمان."
ابتسم لها بلال بهدوء وواصل حديثه:
"يبقى تمام أوي، في خلال شهر الشقة هتكون خالصة من مجاميعه ونحدد الفرح على طول."
لم يعجب رمضان سير الأمور بتلك العجلة وقال رأيه في تلك المسألة:
"وليه الإستعجال يابني؟ استنوا شوية خلص حاجاتك براحتك وبعدين نفكر في الفرح."
أبدى بلال رفضه التام حيث أردف:
"يا عمي أنا خلاص هتم ٣١ سنة الشهر الجاي، يعني مش صغير وطالما إحنا مخلصين كل حاجة، يبقى ليه نستنى؟"
"أنا حابب نتعرف على بعض أكتر وإحنا في بيتنا."
تدخل سمير برأيه حينما شعر برفض رمضان:
"متضغطش عليهم يا بلال، طالما كدا كدا في الآخر هتتجوزوا مش فارقة شهر بقا من ٣ أو ٤."
شعر رمضان بالحيرة من ذاك الموقف الذي وقع بين طياته. زفر أنفاسه ليعطي لعقله فرصة التفكير قبل أن يعقب:
"والله يا جماعة أنا معنديش مانع، بس الرأي يرجع للعروسة هي اللي تقرر في الموضوع دا."
توجهت الأنظار حول إيمان التي كست الحمرة وجهها من فرط الخجل. لم ترفع نظريها عن الأرض قط، ابتلعت ريقها وبخجل بائن أردفت:
"اللي تشوفه حضرتك يا بابا."
هتفت شهيرة بحماس:
"قول موافق يا أستاذ رمضان خلينا نفرح."
وزع رمضان أنظاره بين الجميع فلم يرى سوى السعادة التي ستدق قلوبهم بموافقته فما كان أمامه سوى القبول حيث قال:
"على خير الله."
عمت الزغاريد والمباركات المكان، كانت السعادة من تسيطر اليوم على قلوبهم، بينما كان يتابع يوسف ما يحدث ولا يبدي ردة فعل، يشاهد بفتورٍ ولا يعجبه تلك العجلة قط.
بعد مدة طويلة، استأذنت عائلة بلال وكذلك يوسف اصطحب عائلته ليغادروا. وقف بلال في زاوية قبل أن يصل إلى باب الشقة. استغل فرصة انشغال الجميع لتوديع بعضهما البعض وطالب إيمان بحرج:
"إيمان، ممكن رقم موبايلك."
طالعته لبرهة فاختلق بلال سببًا لطلبه لذاك:
"يعني.. عشان إحنا من بكرة هنبدأ ننزل ونشتري الحاجات وهبقى عايز أتواصل معاكي وكدا."
حمحمت ثم استأذنته بقولها:
"طب ثواني معلش."
اقتربت من والدها ثم همست له تحت نظرات بلال المذهولة. شعر بالحرج الشديد ولعن نفسه بأنه طالبها برقم هاتفه. تمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه بدلاً من أن يواجه رمضان. بعد لحظات جائته بعد أن سمح لها والدها ثم أردفت بنبرة جامدة:
"هات موبايلك."
أعطاها إياه دون تفكير، فسجلت هي رقمها عنده باسمها ثم أعادت الهاتف له. تقوس ثغره بابتسامة سعيدة كأنه فاز في حربٍ وليس فقط امتلاكه لرقم هاتفها. طالع والدها قليلاً قبل أن يردف بنبرته المتيمة:
"تصبحين على خير."
أخفضت رأسها بحياء وأجابته بنبرة تكاد تُسمع:
"وأنت من أهله."
"مش يلا بقى يا بلال ولا هتبات عندك؟"
هتف بها يوسف بنفاذ صبر، بينما بادله الآخر نظرات غيظ وصاح بحنق:
"جاي خلاص أهو يا خفيف."
أشار إلى إيمان مودعاً إياها:
"مع السلامة."
اكتفت الأخرى ببسمة لم تتعدى شفتيها، ثم غادر بلال برفقة الجميع. استقل كلاً منهم سيارته وغادروا عائدين إلى منطقتهم.
بعد وصولهم، تعمد يوسف عدم الصعود لمنزله ونادى بصوته الأجش على صديقه:
"بلال عايزك قبل ما تطلع."
أومأ إليه بقبول وصاح من على بُعد مسافة منه:
"هركن العربية وأجيلك."
بعد لحظاتٍ انضم بلال إليه فتفاجئ بانفجار يوسف به:
"مش عاجبني أبداً سربعتك اللي مشيت بيها الموضوع، جواز إيه اللي يتم في شهر؟"
"جبت الثقة دي منين عشان تقرر تتجوز في شهر واحد اللي هو أصلاً هيضيع كله في تجهيز البيت؟!"
"أنت بجد مخوفتش للحظة إن حياتك تفشل؟"
"يعني على الأقل كنت تصبر ٥ أو ٦ شهور كدا تكون فهمت دماغها وهي فهمت دماغك، شاركتوا بعض في الفرح والزعل، اتخانقتوا وعرفتوا أن كنتوا هتعرفوا تتعاملوا أو حتى لأ."
"أحاجات كتيرة أوي المفروض تعرفها عنها والعكس صحيح، وأنت تيجي تقرر إن الجواز في شهر؟!!"
تأفف بلال بضجر بائن، فكلمات يوسف لم تؤثر به ولو بذرة. تنهد ليخرج كلماته هادئة وليست غاضبة وحاول أن يريه وجهة نظره:
"أنا استنيت كتير أوي أوي يا يوسف، مش كفاية بقى؟"
"معتش قادر أضحك على نفسي أكتر من كدا، أنا بحبها وعايزها تكون حلالي ودا المهم، التفاهم والتعارف دا يجي بعد الجواز حتى يكون أسهل ومناخدش وقت."
أوصد يوسف عينيه لاعنًا تفكيره الساذج. أعاد فتح عينيه وبنبرة مشحونة بالعصبية صاح:
"دا تفكير عقيم، مفيش في الدنيا حاجة اسمها كدا، إحنا نتجوز لما نلاقي نفسنا متفاهمين ومستعدين لكدا."
زفر أنفاسه وواصل مسترسلاً بضيق:
"أنا وأنت عارفين اللي فيها يا بلال، على الأقل عودها عليك وعلى وجودك الأول وبعدين فكر في الجواز يا أخي."
قابله بلال بملامح جامدة، فهو يفهم مخزى حديثه، ولم يتقبله قط. تنهد يوسف وحاول كبح جماح غضبه، فهو مجبر أن يهدأ ويصلح ما اقترفه. شعر بالندم حيال كلماته التي لم يرأف بصديقه عند قولها وهتف مبررًا:
"أنا عارف إن كلامي يضايق، بس أنا مش عايزك تزعل في الآخر لما يتقفل عليكم باب ومتلاقيش اللي كنت مستنيه يا بلال."
ربت على ذراعه وأكمل بنبرة سوية:
"يا ضنا أنت أخويا، وسعادتك تهمني."
استقام بلال في وقفته بعدما كان يستند على سيارة يوسف، وباختصار قال:
"ربنا يسهل يا يوسف."
أولاه ظهره وعاد إلى منزله وكلمات يوسف تتردد في عقله. لقد تبخرت سعادته بتذكيره لحبها له. كيف تجنب تلك المسألة بسهولة، أم أنه تعمد نسيانها فقط ليصل إلى مراده في النهاية.
تشتت عقله ولم يعد يعلم أين الصواب، فقرر النوم ليريح ذهنه قليلاً من تعب التفكير لعله حينئذٍ يعرف ماذا يريد.
تأفف بضجر بائن، شعر بالصداع من ذاك الهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين. تلفت أعصابه ولم يعد يستطيع التحمل فصاح بملل:
"ما ترد يابني على البتاع دا، أنا صدعت، دا موقفش رن من وقت ما خرجنا."
قلب زياد عينيه بتزمجر ثم أردف بلا مبالاة:
"سيبها ترن."
التفت إليه أمجد متشدقًا بفمه وهو يصيح بعدم تصديق:
"خليها ترن! أنا قولت برده الصداع دا مش هيخرج عن واحدة من اللي بتمشي معاهم، ودي مين المرة دي؟"
أجابه بثقة الفتى المشاكس:
"ريم، البت الأخيرة دي."
فغر أمجد فاهه بذهول وهو يردد بعدم تصديق:
"مش دي اللي حُفيت عشان تاخد رقمها؟!"
استاء زياد من وصفه ثم هدر به شزرًا:
"مين دي اللي حُفيت وراها؟"
رمقه أمجد بطرف عينيه بتهكم فتراجع زياد عن قوله:
"ماشي كنت عايز أوصلها وأديني وصلت، بس خلاص زهوة البدايات بهتت كدا، مبحبش البنات السهلة اللي بكلمة واحدة تلاقيها وقعت، بحب البت اللي طلع عيني على لما أقدر أوصلها ويا سلام بقا لو موافقتش بتدخل دماغي بطريقة ياض يا أمجد وببقى هموت عليها وبقلب بطة بلدي قدامها بس أول ما تنخ وتتساهل معايا بتقع من نظري."
طالعه أمجد بتقزز، هاتفًا بتهكم:
"أنت محتاج تتعالج يا زياد."
قلب زياد عينيه وهتف ساخرًا:
"يا عم فكك مني، يلا سلام."
ترجل من السيارة ثم صعد إلى منزله بينما ذهب أمجد ليصف سيارة والده في موضعها ليعود إلى منزله.
"ها يا بنتي، ما تقوليلي رأيك إيه في اللي حصل النهاردة؟"
توسطت فراشها وأخذت وسادتها بين ذراعيها، واضعة إصبعها في فمها لتأكل أظافرها، وعقلها منهمر في الأحداث الأخيرة.
نفخت والدتها بضيق وصاحت بنفاذ صبر:
"ما تنطقي يا إيمان، غلبتيني معاكي."
خرجت إيمان عن صمتها مجيبة والدتها بنبرة هادئة مريبة:
"معرفش يا ماما، مش قادرة أقول إني موافقة على اللي حصل وبرده مش قادرة أحدد إن كنت رافضة ولا لأ."
رفعت هادية شفتيها العليا وعلامات الاستفهام ازدادت داخل عقلها. هزت رأسها حينما لم تفهم منها شيئًا ورددت بتأفف:
"أنا مش فاهمة حاجة من كلامك دا."
حاولت إيمان تبسيط كلماتها فقالت:
"بلال شكله طيب أوي يا ماما دا حتى قالي إنه بيحبني من ٨ سنين."
اتسعت مقلتا هادية بدهشة، فسماع ذلك لم يكن هيناً قط. تشكلت بسمة عريضة على ثغرها هاتفة بسعادة:
"كان فين دا من زمان؟"
تنهدت إيمان بفتور وتابعت حديثها:
"وأهله كمان شكلهم طيبين أوي، بس أنا مش مستعدة أبداً للجواز الوقتي، دا بيقول شهر!!"
"يعني يدوب أغمض وأفتح ألاقي نفسي في بيت جديد عليا مع راجل معرفش عنه أي حاجة، دا في حد ذاته يخوف، يخوف إيه دا الموضوع يرعب، أنا كدا بظلم نفسي وبظلمه معايا، أنا مش هعرف أتعامل معاه بسهولة، مش هعرف أكون له زوجة يا ماما مش هقدر أديله حقوقه وأنا حاسة أنه غريب عني، والله أعلم هتعافى من التاني دا امتى وهركز مع دا امتى، أنا بجد تايهة ومتلخبطة وسرعة الأحداث دي موتراني."
اقتربت منها والدتها وقامت باحتضانها، فشعرت برجفة جسدها ثم صغت إلى أناتها التي تلاها بكاء غزير. شدت شهيرة من ضمها إليها وحاولت التخفيف عنها بقولها:
"أنا عارفة إن قلبك مكسور، وكان نفسك في واحد بس ربنا مأردش، نقوم نحمد ربنا إن فيه حد غيره بيحبنا، أهو دا اللي هيطبطب ويدادي ويداوي جروحنا، وإن جيتي للحق الواد ميعيبوش حاجة أبدا، أبوكي سأل عنهم وطلعوا ناس محترمة ومعروفة، وهو الوحيد يعني لا سلفة تقرفك ولا تضايقك، وأمه شكلها نفسها تجوزه النهاردة قبل بكرة وهتشيلك في عينها، وغير إن مستواه المادي كويس جدًا يعني مش هيخليكي محتاجة لأي حاجة، وبعيد عن كل دا أنا شوفت لهفته عليكي ونظراته اللي متشالتش من عليكي طول القاعدة كأنه مش شايف غيرك، وشكله بيحبك بجد على فكرة، مش بيقولوا العاشق تفضحه نظرة عنيه؟"
رفعت إيمان رأسها ناظرة لوالدتها التي ابتسمت لها وتابعت بنبرتها الحنونة وهي تملس على خصلاتها:
"اسمعي كلامي وسيبي الموضوع يمشي زي ما هو، لو مشى من غير تعقيد يبقى دا نصيبك وعوضك، لو حصل أي حاجة فشكلت الموضوع يبقى منقولش غير الحمدلله لأن يابنتي ربنا مش بيكتب لنا غير الخير، بس إحنا مش بنشوف دا غير بعدين."
انتبهت كلها على رنين هاتف إيمان. تناولته من أعلى الكومود وعقدت حاجبيها متعجبة من ذاك الرقم مجهول الهوية. مالت والدتها مختلسة النظر إلى شاشة الهاتف وسألتها بفضول:
"رقم مين دا؟"
بعد ثوانٍ جائتها إجابتها:
"طالع على تروكولر بلال!"
ابتسمت هادية ثم رددت بحماس:
"ردي عليه، ادي له فرصة."
لم تبدي إيمان ردة فعل بل ظلت ترمقها في صمت، فحثتها والدتها على فعلها:
"ردي ومش هتندمي."
غمزت إليها ثم انسحبت سريعًا من جانبها. كادت أن تخرج إلا أن تراجعت وأكدت عليها:
"ردي عليه."
أجبرت إيمان على الابتسام وهي تردد:
"خلاص يا ماما."
بادلتها شهيرة ابتسامة عفوية ثم خرجت وتركتها بمفردها. نظرت إيمان إلى شاشة الهاتف بتردد كبير ثم أجابت قبل أن تنتهي مدة الاتصال:
"ألو.."
خفق قلبه فور سماعه لصوتها. حمحم قبل أن يردف متسائلاً بمزيج من الحماس والانطفاء:
"نميتي؟"
باختصار همست:
"لأ."
تنهد بلال فعقله منشغل بكلمات يوسف، لم يستطع إخراجها من عقله، يشعر بالتخبط بينها، لا يعلم إن كان ما فعله الصواب أو العكس. استشعرت إيمان صمته وسألته مستفسرة:
"حاسة إنك عايز تقول حاجة ومترددة."
هز رأسه وكأنها أمامه ثم هتف بما يدور في عقله:
"أنا بس استغربت موافقتك المفاجئة، عشان كنتي لسه قيلالي محتاجة وقت تفكري."
تلعثمت إيمان في الحديث، حتمًا لن تخبره أنها قبلت لأنها رأت عدم مبالاة يوسف لشأنها. أخذت مدة تفكر فيما ستخبره به ثم هتفت بتلعثم:
"جت كدا، حسيت إني عايزة أعمل كدا بس."
شهيقًا وزفيرًا فعل بلال قبل أن يتابع:
"أنا لما لقيتك وافقتي فجأة رغم إنك احتاجتي وقت تفكري، اقترحت إننا منطولش الخطوبة، يعني حاجة من جوايا برده خليتني أقول كدا، مش عارف إذا كان دا صح ولا غلط بالنسبة لينا، أنا مش عايزك تفهميني غلط أنا لو عليا لو أقدر أخلص الشقة على آخر الأسبوع هعمل كدا، بس يعني عشان مكنش أجبرتك على وضع أنتِ مش حباه أو مش مستعدة ليه!"
أوصدت إيمان عينيها ثم استلقت على الفراش وطالعت سقف الغرفة لبرهة قبل أن تفصح عن شعورها:
"مش هقدر هقولك إني مستعدة وخصوصًا إننا لسه منعرفش بعض، بس مش عارفة حاسة إني متلخبطة ومش عارفة أنا عايزة إيه."
اقترح بلال شيئًا لربما تقتنع به:
"تيجي نسيبها لربنا وللظروف؟"
تسائلت بفضول:
"إزاي؟"
أوضح قصده من وراء حديثه:
"يعني نسيبها تمشي زي ما اتفقنا، وننزل نشتري كل اللي يخص البيت ونجهز فيه، ولو ربنا أراد يوفقنا، الأمور هتمشي سهلة ولو محتاجين وقت أكيد هتظهر لنا أي عقبة تعطلنا."
تفاجأت إيمان بتفكيره فكان مشابهًا تمامًا لتفكير والدتها. تقلبت على جانبها الأيسر وقالت مؤيدة الرأي:
"ماما قالتلي نفس الكلام دا برده، عمومًا ربنا يسهل."
حل الصمت لوقت فلم يجد بلال مجالاً لإطالة الاتصال فأنهاه بقوله:
"تمام، أسيبك بقى عشان تنامي، تصبحي على خير."
بخفوت أردفت:
"وأنت من أهله."
أنهى المكالمة وظل يطالع شاشة هاتفه شاعراً بتلك الراحة التي انتابته من وراء حديثهما سوياً. ظهرت ابتسامة عفوية على شفتيه، ضم الهاتف إلى صدره وأغلق عينيه راسماً ملامح وجهها في تلك الظلمة خاصته.
شعر برجفة قوية في أوصاله إثر تخيله لها بين ذراعيه، وشعر أنه كان على صواب لطلبه إتمام زيجتهما في ثلاثون يومًا فقط.
عاد بظهره إلى الخلف مستلقيًا بنصف جسده على الفراش والنصف الآخر كان على الأرض، ابتسم بسعادة قد دقت قبول قلبه، وظل يرسم لهما مواقف عدة وهما في منزلهما بمفردهما.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل السادس عشر 16 - بقلم تسنيم المرشدي
زقزقرت العصافير وأشرقت الشمس، وفي تمام الساعة التاسعة والنصف يجلس ذاك الوسيم الذي يرتدي قميصاً أسود قاتم، تارك بعض الأزرار الأفقية مفتوحة ظاهراً جزءاً من عضلات صدره، يرتشف كوباً من الشاي بجانب الشطائر التي أعدتها له والدته.
ابتسمت له وبنبرتها الحنونة أردفت:
_ أهي إيمان وخلاص على وش جواز، أنت مش ناوي تفرح قلب أمك بقا يا يوسف؟
هضم ما كان في فمه أولاً، ثم تحرك بجسده إلى اليسار لينظر إليها قبل أن يجيبها:
_ صدقيني أنا مش ممانع والله، بس هي فين؟
أثارت كلماته تعجب والدته، فانعكس على تقاسيمها وهتفت بتهكم:
_ دا البنات مفيش أكتر منهم يابني، أنت مش بتبص حواليك في الشارع؟ دول أكتر من الرجالة!
قهقه يوسف على كلماتها وبهدوء قال:
_ هتصدقيني لو قولتلك إني مبشوفش بنات خالص ماشيين في الشارع.
لم تفهم ما يرمي إليه، فأوضح قليلاً بعد:
_ والله بجد، أنا من الشغل لدورس لينة للبيت، حتى الجيم بقالي فترة مش عارف أروحه زي الأول، يومي كله مشغول، عارفة الناس اللي بتقولك ماشي مش شايف قدامي حرفياً أنا دا الفترة دي، لا بشوف بنات ولا حتى رجالة، دا كويس إني صاحبت قبل الدوامة اللي أنا وقعت فيها دي وإلا كان زماني الوقتي مليش صحاب.
أخرج تنيهدة واعتدل في جلسته يطالع الفراغ أمامه. على الجانب الآخر، لم تستطع والدته الصمت وهي ترى شبابه يمر هباء:
_ بس أنت كدا بتظلم نفسك يا يوسف، إحنا يابني مش أنانيين للدرجة دي، أنت مش شاغل نفسك غير بينا وبس، أنا وأخوك ولينة، الأول كان ممكن أقول هو الكبير وملناش غيره، بس الوقتي أخوك كبر وبقا راجل وآن الأوان يشيل شيلة نفسه وأنا سواء أنت ولا هو مش هتسيبوني.
انتظر يوسف استكمالها لبقية الحديث الناقص فلم تكمل، التفت إليها متسائلاً بغرابة مختلطة بالمعاتبة:
_ ولينة؟ دي أهم مني أنا وأخويا، دي في الآخر بنت، لما أنا اشوف نفسي مين هياخد باله منها؟
أخذت ميمي نفساً عميق، مترددة في قول ما تخفيه في جوفها، لكن الأمر يحتم عليها إخراجه، فألقت الحديث دفعة واحدة:
_ مهو برده يا يوسف لينة مش صغيرة، والمفروض تعتمد على نفسها، دي خلاص هتدخل الجامعة والله أعلم يمكن تقابل واحد و...
لم يتحمل يوسف ذلك الهراء وصاح بهجوم:
_ إيه الكلام دا يا أمي؟!
لينة هتفضل في أمانتي طول ما فيا نفس، وواحد إيه اللي تقابله والكلام الفارغ دا، هو إحنا عندنا الكلام دا!
ثم إنها لسه صغيرة أوي على اللي بتقوليه، كل اللي المطلوب منها الوقتي تكمل دراستها وبس، وطول ما أنا عايش مش هخليها محتاجة حاجة حتى لو على حساب نفسي.
نهض عن كرسيه مستأذناً منها:
_ عن إذنك يا أمي.
سار بخطاه للخارج، ثم زفر أنفاسه فور غلقه للباب وكأن شيئاً ما ثقيل للغاية يطبق على صدره، حاول تهدئة روعه والسيطرة على غضبه الذي تأجج داخله ثم هبط إلى الأسفل بملامح متجهمة.
بحث بعينيه عن سيارته، ثم تأفف بضجر، لقد تناسى تماماً أنه لم يجلبها بعد من عند المصلح، تنهد ثم سحب هاتفه من جيب بنطاله وهاتف صديقه لكي يصطحبه إلى مكان عمله.
أتاه صوته النشيط بعد ثوانٍ:
_ صباح الخير يا جو.
بإقتضاب تحدث الآخر:
_ صباح النور، انزل يلا عشان توصلني.
حمحم بلال وهو يمرر بصره على الجالسين أمامه ثم اعتذر منهم:
_ عن اذنكم لحظة.
ابتعد عنهم فأثار الريبة داخل يوسف وسأله مستفسراً:
_ أنت فين كدا؟
وضع بلال يده اليسرى على فمه لكي لا يصل صوته إلى الآخرين وأجابه:
_ بنجيب الشبكة.
"شبكة!!"
رددها يوسف بعدم فهم فأوضح له الآخر جيداً:
_ أنا وإيمان ومامتها وأمي بنجيب الدهب.
أبعد يوسف الهاتف عن أذنه ليتفحص الوقت قبل أن يعود إليه قائلاً:
_ شبكة إيه ودهب إيه الساعة ١٠ الصبح؟
أنت اتجننت يا بلال؟ للدرجة دي مش قادر تصبر لبعد الضهر حتى!
بتلقائية عابثة قال بلال:
_ بعد الضهر هنروح نختار الأوض.
أوصَد يوسف عينيه لبرهة محاولاً استيعاب هذا الهراء، عاد إليه متسائلاً بفضول:
_ أنت عرفت توصلهم إزاي أصلاً أنا مش فاكر إني اديتك رقم خالي!
التفت بلال برأسه مختلساً نظرة عليهم قبل أن يرد على يوسف:
_ كلمت حمايا واتفقت معاه.
"حماك!"
هتف بها يوسف بلا وعي، ثم واصل متعجباً مما يصغي إليه:
_ حماك دا اللي هو خالي صح؟!
ماعلينا طيب جبت رقمه منين؟
أجابه باختصار:
_ من إيمان.
"إيمان!!"
ردد يوسف إسمها بذهول شديد واسترسل ساخراً:
_ أنا خايف بالسرعة اللي أنت ماشي بيها دي تيجي تقولي بكرة بارك لنا هنجيب بيبي.
انفجر بلال ضاحكاً، حاول جاهداً السيطرة على ضحكاته ثم قال برجاء:
_ أبوس ايدك يا يوسف مش عايز تقطيم، صاحبك فرحان ومش عايز حاجة تقفله.
لم يعاتبه يوسف بل شعر أن إيلامه سيكون سخيفاً بعد توسله، في النهاية هو يريد سعادته، وطالما هو كذلك فليفعل ما يحلو له، ابتسم وبارك له بنبرة ودودة:
_ ربنا يتمم لك على خير يا حبيبي.
أسرت السعادة قلب بلال بمباركة يوسف، فهو شخصًا مهماً للغاية بالنسبة له وحتماً دعمه سيكون في صالحه.
رد عليه وهو يومئ برأسه لوالدته التي تناديه:
_ يارب يا جو، معلش هقفل عشان بينادوا عليا.
أنهى المكالمة ثم عاد إليهن، بينما نفخ يوسف فلم يدري كيف سيصل إلى عمله، وبالأخير طلب سيارة لتقوم لتوصيله.
***
كانت الحيرة دون غيرها مسيطرة على إيمان، الجميع يضغط عليها لتختار طاقماً من الحُلي ولا تدري أيهما تختار، تمرر أنظارها بين الجالسين شاعرة بالنفور مما يقودنها إليه.
لا تنتمي لذاك الرجل الذي يجلس أمامها يبتسم لها، تطالع والدتها التي تشجعها بنظراتها تارة وتارة أخرى تمرق عينيها على الحُلي، تريد اختيار أي منهم سريعاً لتمضي بعيداً عن ذلك المكان.
خرجت من شرودها على صوته الرخيم وهو يشير إلى أحد الأطقم:
_ إيه رأيك في دا؟
لم يعجبها ذوقه، فكان مرصعاً بالأحجار وهذا يتنافى تماماً مع ذوقها، مرت نظريها سريعاً على بقية الأطقم فكان هناك ما جذب انتباها من بينهم، كان أكثر هدوءاً ورقة، لكنها لم تجرأ على طلبه بل أعادت النظر إلى بلال الذي يتابعها جيداً وقالت مختصرة:
_ حلو.
تنهد بلال فردها لم يروق له، وجه نظره إلى أحد الأطقم وأشار إليه بإصبعه ثم أمر البائع قائلاً:
_ ممكن تورينا اللي هناك دا، حاسس إنه أحلى.
وضعه أمامهما فتفاجئت إيمان أنه نفسه الذي لفت انتباهها، انتبهت على سؤال بلال حينما قال:
_ ها إيه رأيك، دا أحلى صح؟
طالعته ورأت لمعة عينيه المنتظرة إجابتها بفارغ صبر، هي استشفت اهتمامه منذ حضورهما لكن ليس لذاك الحد، فهو استشف إعجابها بالطاقم من خلال عينيها.
غمز إليها بلال بمشاكسة وأردف:
_ ولا نغيره؟
حركت رأسها رافضة قبل أن تعطيه إجابة خجلة:
_ لأ، حلو.
اتسع ثغر بلال بإبتسامة عذبة، نظر إلى البائع وهتف بحماس:
_ تمام هناخد دا.
انتظرت شهيرة لحين انتهائهم من شراء طاقم الحلي خاصتهم ثم تدخلت بنبرة مرحة:
_ يلا جه دوري، نقي يا إيمان أي حاجة تعجبك.
تفاجئت هادية بكلمات شهيرة، تغلغلت السعادة قلبها، وظلت تشاهد ما يحدث في صمت دون إبداء رأي، بينما شعرت إيمان بالخجل يجتاحها وأبدت رفضها بذوق:
_ دا كتير اوي يا طنط، كفاية اللي بلال جابه.
آه والف آه، لقد ذاب قلبه بعد نطقها إسمه، لم تختفي الإبتسامة من على شفتيه قط، بل كانت تزداد كلما تفوه هذا الثغر الملون باللون البني.
أصرت شهيرة على اختيار حلي كما يحلو لها، وافقت إيمان تحت ضغط شديد منها وتشجيع من بلال، اختارت ساعة ذهبية فاخرة، تنهدت شهيرة براحة حينما اختارت هديتها ثم صاحت قائلة:
_ لسه هدية عمك سمير.
صوبت إيمان عينيها نحوها بذهول وباتت تردد بحرج بائن:
_ بجد كدا كتير أوي، كفاية اللي جه.
هزت شهيرة رأسها برفض تام مصرة على ما قالته:
_ مفيش حاجة تكتر عليكي يا حبيبتي، يلا شوفي اللي يعجبك واختاريه.
أعادت إيمان النظر إلى بلال الجالس أمامها فحثها على اختيار ما تريده بإشارة من عينيه، حمحمت إيمان ثم بدأت تفكر فيما ستقوم باختياره، لكن لم يكن هناك ما لا تمتلكه ففضلت اختيار سوار رقيق.
نهضت بعدما انتهت من اختيار الحلي واقتربت من والدتها فهتفت شهيرة مرة أخرى:
_ استني راحة فين، لسه هدية هدى وهدير.
لم تتحرك إيمان من مكانها، فكان هذا يفوق الاستيعاب، استدارت إليها لتتأكد مما وقع على مسامعها فقابلتها شهيرة ببسمة صادقة وحثتها على العودة إلى مكانها:
_ تعالي يلا نقي اللي تحبيه.
وكعادتها توجهت بنظريها إلى بلال الذي يحشر ضحكاته داخله رغماً عنه، فنظراتها المذهولة كانت مثيرة للضحك، لكنها إلى الآن لا تعلم مع عائلة من تتعامل، إنها عائلة الجيار، عائلة ذو مكانة مرموقة في المجتمع.
عادت إيمان إلى كرسيها ولازالت أسفل تأثير الصدمة، فلم تتوقع مثل هذا البذخ من أجلها، تنهدت وتسايرت مع الأمور كأنها طبيعية، كان ذلك المرة اختيارها خاتمين مزدوجان، والآخر كان حرفاً من بداية اسمها لتعلقه في عقدها.
لم تنهض بتلك السرعة التي فعلتها من قبل خشية أن تعيدها شهيرة مرة أخرى، لكنها لم تقل واكتفت بما قاموا بشرائه من أجلها.
غادروا جميعاً ولازالت إيمان ووالدتها لا تصدقن ما حدث لهن، بينما كان بلال فخوراً بما فعلته عائلته على الرغم من ترتيبه لذلك مسبقاً، ثم تابعوا تسوقهم في شراء أثاث عشهم الجديد.
يوم يليه الآخر، حتى مر أسبوعاً الذي تلاه أسبوعاً آخر إلى أن مر ثلاثون يوماً، كانوا قد انتهوا من تجهيزات المنزل، وكذلك أنهت لينة امتحاناتها وتترقب ظهور نتيجتها.
***
في أحد غرف المنزل الجديد، تقف إيمان برفقة والدتها يضعن ثيابها في الخزانة، التفتت شهيرة إلى حيث تقف إيمان وهتفت أمراً:
_ روحي قولي لبلال يجيب هدومه عشان نعلقها ونكون خلصنا.
رفعت إيمان كتفيها مع تحريك رأسها بإشارات رافضة البتة ثم قالت:
_ مليش دعوة، روحي قوليله أنتِ.
تأففت هادية وعاتبتها بضيق:
_ أنتِ مش شايفة إنك مش بتتعاملي معاه خالص؟
هتعملي إيه لما يتقفل عليكم باب كمان يومين؟
تأففت الأخرى وأولتها ظهرها هاتفة بحنق:
_ أنا لغاية دلوقتي مش مصدقة أصلاً اللي بيحصل وماشية مع الأحداث زي ما قولتيلي ولا أنا ارتحت وحسيت إني فعلاً عايزاه ولا ظهرت مشكلة تفشكل الموضوع.
أسرعت هادية في وضع راحة يدها على فم ابنتها مجبرة إياها على الصمت وحدثتها بإيلام:
_ هشش وطي صوتك شوية، أنتِ ناسية إنه واقف برا وممكن يسمع، ولا عايزة تفرحي سي يوسف لما يسمع كلامك دا؟
تراجعت إيمان للخلف بتزمجر شديد وهي تضرب الأرض بقدميها، لماذا لا يشعر بها أحد؟!!
لم يعجبها هادية تصرفاتها الحمقاء التي ستضيع عليها كل ذلك الثراء التي باتت فيه، استدارت بجسدها وخرجت من الغرفة قاصدة بلال، شكلت بسمة على محياها ووقفت تشاهده وهو يعلق التابلوهات العصرية على الحائط بمساعدة يوسف.
أنتبه إليها بلال فسالها باهتمام:
_ محتاجة حاجة يا ماما؟
أومأت قبل أن تخبره بمرادها:
_ أيوة يا حبيبي، لو خلصت ممكن تنزل تجيب هدومك عشان نعلقها لأن معتش فاضل غيرهم.
بهدوء أردف:
_ حاضر هنزل أجيبهم أهو.
التفت برأسه ناظراً ليوسف الذي هبط السلم الخشبي وسأله مستفسراً:
_ كدا خلصنا، صح؟
أماء له يوسف ثم هتف وهو يشير إلى أحد الأركان:
_ أيوة، بس لسه الشاشة.
بتلقائية رد عليه بلال وهو يبتعد عنه:
_ تمام، هنزل اجيب الهدوم وأجي نعلقها.
توجه يوسف ناحية الحائط الذي سيعلقان عليه التلفاز بينما عادت هادية إلى غرفة ابنتها وأخبرتها بما فعلته:
_ بلال نزل يجيب الهدوم، يلا نخلص الكام حاجة دول قبل ما يطلع.
لمعت عيناي إيمان ثم نهضت معللة ذهابها:
_ نسيت حاجة برا هجيبها.
فرت سريعاً من أمامها قبل أن يفضح أمرها، ابتلعت ريقها واقتربت من يوسف بخطى متهملة، ويدين متشابكتين من فرط حيائها، حمحمت لتجذب انتباهه فقال وهو يرمقها بطرق عينيه:
_ معلش عاملين لكم دوشة، بس عشان نخلص معتش وقت.
عاد ليخرج الشاشة من علبتها لكنه فشل لكبر حجمها الهائل ففضل انتظار عودة بلال، انشغاله عنها كان يتلف أعصابها ويثير غيظها، لا ينظر إليها مرة واحدة ويتعامل وكأنها ليست موجودة.
زفرت أنفاسها لتكون أكثر هدوءاً عكس غضبها التي تشعر به بسببه وسألته بتعالي:
_ إيه رأيك في البيت؟
أبدى يوسف رأيه باختصار وبرود:
_ جميل ما شاء الله.
شعرت بغصة في حلقها ولم تخرج كلماتها التي فكرت بها بسهولة، فبات الحديث صعباً، لكنها قاومت وهتفت:
_ عقبال بيتك.
كاد يجيبها يوسف إلا أن عودة بلال قد منعته، توجه نحوها مباشرةً ثم قال:
_ الشنطة أهي بس تقيلة أوي، خليني أدخلها أنا جوا.
أخفضت بصرها في حياء ثم أولاته ظهرها وعادت إلى الغرفة، تبعها بلال ووضع حقيبته الخاصة على الفراش ثم تركهن يفعلن بها ما يحلوا لهن.
تعجب يوسف من طريقة إيمان فهي لم تردف حرفاً في وجوده، وليس اليوم فقط، هي كذلك بقية أيامه الذي يأتي ليساعد بلال، لاحظ تجنبها من الحديث معه وتتعامل فقط من خلال والدتها.
انتظر عودة صديقه الذي وقف مقابله وقاموا بحمل التلفاز بحذر ثم قاموا بتعليقه على الحائط، قابلوا صعوبة لبعض الوقت في ذلك بسبب كبر حجمه وعدم تمكنهم من حمله فترة طويلة.
صاح يوسف بنفاذ صبر:
_ أنت جايبها كبيرة أوي كدا ليه، دا حتى المسافة بينها وبين الليفنج بسيطة أوي، عيونكم هتوجعكم.
أجاب بلال وتركيزه التام في تعليق الشاشة في وضعها الصحيح:
_ والله لقيت دي أكبر حجم وأغلاهم جبتها.
تعجب يوسف من رده وسأله مستفسراً:
_ اشمعنا يعني بدور على أكبر حاجة وأغلاهم، مش بتجيب الحاجة العملية، أيوة فاهمين إن الغالي تمنه فيه بس يعني مش للدرجة دي، أنت صارف على الشقة دي أكتر من اللي أبوك كسبه طول حياته، حاسك أوفر شوية.
تنهد بلال ثم أخبره بما يدور في عقله:
_ والله بعمل اللي عليا يا يوسف، عشان تبقى راضية وبس.
شعر يوسف بالإستياء من خلف كلماته الساذجة وعاتبه بإقتضاب:
_ فأنت لما تجيب أغلى وأكبر حاجة كدا تزغلل عينيها وتحببها بيك، يابني الحب عمره ما كان قيمته الفلوس، آه الفلوس طبعاً مهمة عشان الحياة تمشي، بس الفلوس عمرها ما هطبطب على زعل وهداوي جرح، ولا تشفي روح تعبانة، الشخص نفسه اللي قادر يعمل كل دا ومن غير الفلوس، قادر يحتويها وقت زعلها، ويبدأ بالصلح وميهونش عليه زعلها حتى لو كان مش غلطان، يسامح ويراضي ويطبطب ويدلع، ويحترم رغبتها ورأيها وطموحها، يشجعها ولو فشلت يقف جنبها ويساعدها تقف من تاني، ميرميش اللوم عليها ولا يهينها، حاجات كتير عمر الفلوس ما تقدر تعملها، الفلوس تشتري خاطر الناس الجعانة لكن اللي عيونهم مليانة محتاجين راجل حنين يقود العلاقة برحمة ومودة مش حتى بالحب بس لأنه أوقات زهوته بتنطفي واللي بيكمل العلاقة ويخليها مستمرة وكمان ناجحة أنه يكون شخص رحيم، فهمت؟!
أماء له بلال بتأكيد ناهيك عن ابتسامته التي زادته حماساً، وأخيراً قد نجحا في وضع التلفاز بسلام دون خسائر، جلس كليهما على الأريكة الوردية الفاخرة، تردد يوسف كثيراً قبل أن يشارك صديقه بما شعر به، تنهد واقتربت منه ثم أردف كلماته هامساً:
_ هو أنتوا إيه نظامكم مع بعض؟
قطب بلال جبينه بغرابة فلم يستشف ما يرمي إليه يوسف وسأله مستفسراً:
_ مش فاهم.
أوضح يوسف قصده بصوته الأجش:
_ أنت وإيمان، يعني أنا من وقت ما دخلت البيت دا مشوفتكوش بتتعاملوا مع بعض أصلاً، وكل كلامك مع أمها لو احتاجوا لحاجة، مفهمتش دا عشان محروجة من وجودي مثلاً ولا إيه!
تجهمت تعابير بلال، ابتعد عن يوسف وعاد بظهره مستنداً على الأريكة، طالع أمامه بعينين وميضهما منطفئ، ثم أجاب بخذلان:
_ لا دا تعاملنا أصلاً مش بسببك ولا حاجة، يدوب إزيك الله يسلِمك، تصبحي على خير وأنت من أهله.
أنتبه بلال على نظرات يوسف المعاتبة، فأسرع في نفي ضيقه في هذا الأمر وهتف متأملاً في المستقبل:
_ بس عادي يابني إحنا انشغلنا في البيت وحاجته فطبيعي يعني، هنتعرف أكتر بعد الجواز وخلاص هانت أهي.
لم يقتنع يوسف بكلماته، لا يدري أهو أبله أم يتعمد أن يكون كذلك، اقترب منه إلى أن التصق به، التفت برأسه متفحصاً المكان من خلفه وحينما لم يجد أحد عاد إلى صديقه وهمس إليه:
_ أنت هتعمل إيه يوم الفرح؟
تفاجئ بلال من وقاحة السؤال وابدى تهكمه بالأمر:
_ إيه اللي هعمل إيه يوم الفرح، أنت شايفني عيل قدامك؟!
استنكر يوسف ظنه السوء وأوضح ما يقصده من خلف سؤاله:
_ أنت فهمت إيه، أنا قصدي إزاي يعني هتعرف تقرب منها وأنتوا حتى مفيش بينكم لغة حوار؟!
مال بلال برأسه إليه وتسائل باهتمام:
_ طيب أعمل إيه في اليومين دول؟
قهقه يوسف ثم ردد ساخراً:
_ قولها تعرفي البيبي بيجي إزاي؟
لم تهدأ ضحكات يوسف على منظر بلال المذهول، رمقه بلال بنظرات جامدة ثم تركه بمفرده وولج إليهن ليرى إن كنا قد انتهين أم مازال هناك أعمالاً ليقومن بها.
شعر بالريبة من أمر ضحكاتهن في الخفاء، حاولن التريث فور ظهوره لكن لم يجدي الأمر نفعاً، عقد بلال حاجبيها متسائلاً بفضول:
_ هو فيه حاجة؟
رفعت شهيرة كلتي يديها ظاهرة ذاك القميص الشفاف ذو اللون الأحمر وهتفت من بين ضحكاتها التي تحاول جاهدة إخفائهم:
_ لقينا دا وسط هدومك.
صعق بلال مما وقع على أذنيه، طالعهن بعينين جاحظتان، ثم ظل يردد بحرج شديد:
_ إيه دا، جه منين دا؟
أكدت هادية وجوده بين ثيابه، كاد بلال أن يهبط إلى والدته ليعلم سر ذاك القميص إلا أنه رآها أمامه، تنفس بعمق ثم أشار بيده على القميص متسائلاً عنه:
_ هو ايه دا؟ جه وسط هدومي إزاي؟
وجهت شهيرة نظريها على ما يشير إليه بلال وتفاجئت بما رأته، شهقت بخجل شديد ثم اقتربت منهن وتناولت القميص من بين يدي هادية وقالت بتلعثم:
_ دا بتاع هدى، أصل كنت بعين لها هدومها في الشنطة دي، متأخذنويش يا جماعة شكلنا نسيناه في الشنطة.
ربتت هادية على ذراعها وأردفت كلماتها لتزيل الحرج منها:
_ ولا يهمك يا أم بلال، حصل خير.
انسحبت إيمان من بينهم فالأمر كان سخيفاً بالنسبة لها، استغل بلال فرصته وهرول خلفها، دلفت إلى المطبخ فتبعها هو.
انتبهت عليه فلم تجرأ على رفع بصرها بعد الحادثة الاخيرة، كان يريد خلق حوارً معها فلم يصل إلى شيء بحد عينه فأردف بتلقائية:
_ إيمان تعرفي البيبي بيجي إزاي؟
صدمة كبيرة حلت على وجه إيمان، فغرت فاها وهي تطالعه بعينين متسعتان، لا تصدق ما تفوهه للتو، لم تستطيع الوقوف أمامه لحظة وهربت سريعاً إلى والدتها، سحبت حقيبتها وهي تردد بإقتضاب:
_ يلا يا ماما عشان نمشي.
تعجبن الأخريات من طريقتها المفاجئة، فتدخلت السيدة شهيرة متسائلة باهتمام:
_ مالك يا حبيبتي في حد ضايقك؟
طالعتها إيمان لبرهة ثم شعرت أنها بالغت في ردة فعلها أمامهن، حمحت لتضبط من نبرتها المشحونة بالغضب وقالت بنعومة:
_ لا لا، بس إحنا خلصنا وأنا معتش قادرة محتاجة أرتاح شوية.
ابتسمت لها شهيرة ثم ربتت على ذراعها وهي تهتف بمكر:
_ هانت يا حبيبتي كلها يومين وترتاحي خالص.
اكتفت إيمان ببسمة زائفة ثم التفت حيث تقف والدتها وأردفت وهي توحي إليها بالقبول من خلال نظراتها:
_ مش يلا يا ماما.
أماءت هادية وقالت وهي تأخذ حقيبتها:
_ يلا يا حبيبتي، عن إذنك يا أم بلال.
تفاجئ بلال بخروج ثلاثتهن ومنظر إيمان لا يبشر بالخير، لعن سؤاله الساذج الذي أوقعه في ذلك الوضع، انتبه على حديث والدته حينما هتفت:
_ وصلهم يا بلال وتعالى عشان عايزاك.
أومأ برأسه بينما غادرن الأخريات، اقترب بلال من يوسف ونظراته مشحونة بالغضب ثم هتف بعبوس:
_ مش عارف عقلي كان فين وأنا بسمع كلامك.
تعجب يوسف مما قاله وردد دون فهم:
_ كلام إيه؟
مال بلال بقرب أذنه وهمس له:
_ البيبي بيجي إزاي يا يوسف!!
أهي قلبت عليا، لو الجوازة باظت يبقى أنت السبب.
لم تكن كلماته هينة على يوسف، فلقد كان يسخر منه، وهو أخذ حديثه على محمل الجد، طالعة لبرهة غير مصدق أنه بالفعل قال ذلك، تحولت تقاسيمه من الذهول إلى السخرية مطلقاً ضحكاته دون توقف.
صاح من بين صحكاته بنبرة غير مفهومة:
_ دا أنا كنت بتريق، مش متخيل إنك قولت كدا بجد.
عاد لضحكاته ثم جسى على ركبتيه فلم تعد قدميه تتحملانه من فرط الضحك، بينما رمقه بلال بغيظ شديد ثم أولاه ظهره وغادر ليلحق بهن.
خرج يوسف من حالته على رنين هاتفه، بالكاد تحكم في نفسه وأجاب بنبرة مهزوزة:
_ إيه يا لينة؟
جائه نبرتها المتلعثمة في قولها:
_ النتيجة هتظهر النهاردة يا يوسف!
تجمدت تعابيره محاولاً تهدئة روعها:
_ طيب اهدي ومتخافيش كدا، إن شاء الله خير.
بخوف واضح في صوتها ارطفت برجاء:
_ ممكن تيجي.
استقام بجسده وتوجه ناحية الباب مجيباً إياها بهدوء:
_ أنا جاي على طول.
أغلق باب الشقة ثم وضع المفتاح أسفل البساط الماثل أمام الباب وغادر عائداً إلى منزله.
***
بعد مرور نصف ساعة قد وصل بلال إلى وجهته، ترجلت هادية أولاً وكادت أن تتبعها إيمان إلا أن بلال لحق بها وأمسك بيدها، التفتت إليه رامقة يده الملامسة ليدها، فسحب الآخر يده برفق واعتذر منها بحرج:
_ أنا آسف.
طالعت المارة من أمامها وبفتور سألته:
_ على إيه؟
حمحم بلال ليستعيد رونق حنجرته وأجاب بتردد يشوبه الخجل:
_ على اللي أنا قولته هناك.
صمت لثوانٍ قبل أن يواصل موضحاً:
_ بصراحة كنت حابب افتح معاكي حوار، بغض النظر عن اللي قولته يعني بس أنتِ مش شايفة إننا مش بنقول أكتر من إزيك الله يسلمك، مفيش لينا أي حوار، ويمكن دا قالقني شوية لأن خلاص كلها يومين ويتقفل علينا باب، التعامل بينا هيكون صعب أوي لو استمرينا كدا.
انتظر منها إجابة تريح قلبه، لكنه صعق من ردها الجامد:
_ خلاص نأجل الفرح على لما ناخد على بعض.
ترجلت من السيارة وولجت لمنزلهم، لم يستطيع بلال الجلوس مكانه وهرول خلفها، لحق بها على درجات السلم التي تخطت نصفها لكنه أجبرها على التوقف بكلماته:
_ أنا مش عايز أأجل حاجة، دا أنا اللي مشيت كل حاجة بسرعة، أنا بس بقول يعني لو تدينا فرصة نتعرف على بعض أكتر ونقرب المسافات.
طالعته بغرابة فهي لم تفهم إلى ماذا يرمي، فسألته بتلقائية:
_ يعني نعمل إيه؟
ابتلع بلال لعابه، ثم حرك قدميه واقترب منها قليلاً، فأثار الرعب في قلبها، تفاجئت به يتناول يدها ثم رفعها للأعلى بقرب فمه وقام بتقبيل كفها بحرارة.
طالعها ولازالت يدها أمام فمه ربما يستشف من نظراتها القبول أو الرفض، كانت عينيها تتلألأ فيهما الدموع، لم يدري إلى ماذا يشير هذا؟
ابتلعت ريقها وأخفضت رأسها في حياء ثم رددت بخفوت:
_ عن إذنك.
مرت بجواره ثم تابعت صعودها للأعلى حتى اختفت تماماً عن نظره، كان متعجباً من ردها المبهم، فلم ترفضه وأيضاً لم يفهم لماذا تركته وغادرت دون تعقيب، حقاً سيجن عقله إن استمرت علاقتهما على هذا المنوال.
لكن ما عليه سوء الصبر فإنه مفتاح الفرج، أخرج تنهيدة ثم عاد إلى سيارته ومنها إلى شقته لينهى الأعمال المتبقاه فيها.
***
حل المساء، وكان الجميع في حالة يرثى لها، يسيطر عليهم القلق الشديد، تخفق قلوبهم بخوف خشية تلقي مالا يحمد عقباه.
انتفضت من مكانها متأففة بنفاذ صبر:
_ معتش قادرة استنى، هما بيعملوا فينا كل دا ليه؟
وقف يوسف بجوارها محاولاً تهدئة روعها بصوته الرخيم:
_ يا لينة إهدى أن شاء الله هتظهر.
أوصَدت عينيها بتعب ثم زفرت بعض الأنفاس المرهقة، صدح رنين هاتفها فأسرعت نحوه وإذا بها صديقتها شهد، أجابت دون تفكير:
_ الموقع فتح يا لينة، روحي شوفي النتيجة بسرعة.
أنهت لينة المكالمة على الفور وأعادت تسجيل دخولها إلى ذلك الموقع الإلكتروني، اتسعت عينيها بذهول حينما انتقلت الشاشة إلى أخرى، تسارعت نبضات قلبها بتوجس شديد.
التقط يوسف الهاتف فجاءة فطالعته وعينيها مليئة بعلامات الاستفهام فقال هو بنبرة هادئة:
_ لينة من الأول كدا ومن قبل ما نعرف النتيجة، مش هنزعل وهنرضى بأي درجة لأنه كله خير لينا، تمام؟
أماءت برأسها فأعاد لها الهاتف وقامت بتفحص نتيجتها، والجميع يقف أمامها في انتظار ما ستخبرهم به، أعصابهم تلفت من الانتظار لكن ما باليد حيلة.
رفعت لينة عينيها ومررتها على الجميع ثم هتفت:
_ ٩٦ ونص.
وضعت كلتى يديها على فمها بعدم تصديق فارتفعت زغاريد السيدة ميمي بينما صاح يوسف وزياد مهللين بفرحة عارمة، عمت السعادة المنزل بتلك المناسبة.
مطت ميمي ذراعيها مشيرة إليها بالقدوم، فلم تنتظر لينة وهرولت إليها حتى تلقت عناقاً حاراً، قبلت السيدة ميمي رأسها مرددة بسعادة ظاهرة:
_ ألف مبروك يا روح قلبي.
"الله يبارك فيكي يا ماما"
قالتها لينة والسعادة تغمر نبرتها، بينما تدخل يوسف قائلاً:
_ مين اللي هيلبس بسرعة عشان ينزل يختار هديته بنفسه؟
فغرت لينة فاها بذهول وطالعته بعينين واسعتان ثم قالت بعدم تصديق:
_ بتهزر صح؟!
غمز إليها بمرح وأكد على حديثه بمشاكسة وهو يطالع ساعة يده:
_ قدامك عشر دقايق وفات منهم دقيقة أهو.
ركضت لينة باتجاه غرفتها فهتف زياد مباركاً لها:
_ مبروك يا توتر.
لم تكترث لتعقيبه الساخر وأجابته من بين ضحكاتها:
_ الله يبارك فيك يا زيزو.
اختفت لينة خلف باب غرفتها فبادرت ميمي في إبداء رفضها:
_ نزول إيه بس يا يوسف الوقتي، إحنا متأخر استنى للصبح، الناس تقول إيه.
استاء يوسف من كلماتها وهلل بعدم إعجاب لنظرتها لاقاويل الآخرين:
_ ناس مين يا أمي؟ الناس كلامها تحت رجلي، سيبك أنتِ منهم، تيجي معانا؟
هزت رأسها رافضة وقالت:
_ لا أنا مش قادرة، المهم متتأخروش.
خرجت الأخرى هاتفة بحماس طفولي:
_ خلصت قبل العشر دقايق ما يخلصوا.
طالعها يوسف بحب ثم قال:
_ يلا بينا.
التفت لأخيه ووجه حديثه إليه:
_ تيجي معانا؟
هرب زياد بعينيه فاستشف يوسف ما يوجد خلفه وردد:
_ هعديهالك النهاردة بمزاجي، بس بعد كدا في حساب على التاخير والشغل... والجيش.
غمز إليه وتركه وغادر برفقة لينة بينما تأفف زياد فهو علم جيد بقرارات يوسف الحاسمة إن عزم على فعلها، لم يعطي الأمر أكبر من حجمه ثم خرج من المنزل أيضاً ليحظى بسهرة مع أصدقائه.
***
لم تعد تتحمل ذلك النواح الذي لم يتوقف قط منذ ساعات، فصاحت بها متذمرة:
_ يابنتي ما تفهميني إيه اللي حصل يخليكي تعيطي كدا من وقت ماجيتي؟
حاولت كبح غضبها بقدر المستطاع، لكي لا تزيد همها، أخرجت نفساً عميق واقتربت منها، جلست مقابلها على الفراش وبنبرة حنونة سألتها:
_ بلال عملك حاجة؟
رمقتها إيمان بنظرات نادمة ثم إزداد نحيبها، فخفق قلب هادية بذعر وانتفضت من مكانها وهي تتمتم:
_ لا أنا هكلمه وأعرف منه عمل إيه يخليكي في الحالة دي.
هرولت إيمان خلفها مجبرة إياها على التوقف:
_ لا لا متكلمهوش، هو معملش حاجة.
نفخت هادية بنفاذ صبر وسألتها بجدية:
_ أيوة أومال بتعيطي ليه لما هو معملش حاجة؟
أولاتها إيمان ظهرها ثم اعتلت طرف الفراش وأخفضت بصرها ثم بدأت تصرح بما يكمن في جوفها:
_ عشان هو كل يوم بيثبتلي إنه كويس، وبيحاول يرضيني بكل حاجة، كل حاجة في الشقة آخر موديل نزل وتمنها غالي جداً، حاجات عمري ما كنت أحلم بيها، بس كل دا مش مفرحني كل دا بيخلي ضميري يأنبني أكتر، لأني ولا مرة حسيت إني مشدود له أو حتى فيه أمل إني أحبه، أنا لو كملت هظلمه أوي، مش هعرف أتعامل معاه، مش هعرف أقوم بواجباتي وأنا قولتلك الكلام دا في الأول وأنتِ قولتي سبيها تمشي وأديها مشت يا ماما وأنا لسه مشاعري زي ماهي، تقدري تقوليلي هعمل معاه إيه كمان يومين؟
هسمح له يقرب لي إزاي وأنا مش حساه؟
لو رفضت يمكن يشك فيا!
ولو قبلت مش هقدر والله ما هقدر.
نفسي حد يحس بيا أوي.
وضعت كلتى يديها أمام وجهها وانفجرت باكية، تشعر بقلة حيلتها، وكأن يديها مقيدتان بحبال من حديد لا تنفك أبداً.
شعرت بذراع والدتها الذي حاوط ظهرها، ضمتها إليها وحاولت التخفيف من عليها:
_ تعرفي لو مكنتش شيفاه قدامي كويس، كنت أنا أول واحدة قولت لأ من الأول، بس الواد طيب وحنين وبيتمنى لك الرضا ترضي، ومش بيهمه صرف إيه طلاما عاجبك، والله العظيم أنا مستخسرة أننا نخسره لأن معتش حد بالمواصفات دي في الزمن دا.
وبعدين مش لازم تقبلي وهو هيتفهم دا كويس، انتوا متعرفوش بعض فطبيعي أنك ترفضي.
بلال واعي وناضج وهيفهمك.
وياما فيه ناس كتير اتجوزت من غير حب وبعد الجواز والعشرة جه ويمكن أحسن وأصدق كمان.
بس أنتِ إدي لنفسك فرصة معاه ومش لازم رفض طول الوقت لأن كدا عمره ما هيحصل لا قرب ولا حب ولا حاجة خالص.
رفعت هادية رأس إيمان واسترسلت:
_ اسمعي مني وأنتِ الكسبانة في الآخر، وقومي يلا اغسلي وشك ونامي لك شوية، بقا دا منظر عروسة كمان يومين؟
ابتسمت لها هادية ثم قبلتها من أنفها وخرجت من الغرفة، فنهضت الأخرى بعدما شعرت ببعض الراحة من وراء كلمات والدتها وذهبت إلى المرحاض لتغسل وجهها بالماء البارد لكي تخفف من حرارتها المنبعثة به.
***
بحثت بعينيها سريعاً على السيارة فلم تجدها، فتسائلت بفضول:
_ هي عربيتك فين؟
أجابها بتلقائية:
_ لسه عند الميكانيكي، إحنا قدامنا حلين، نمشي أو نطلب عربية.
صاحت لينة مهللة:
_ أنت لسه هتسأل، نمشي طبعاً.
أومأ لها بقبول ثم سألها مستفسراً:
_ طيب قوليلي عايزة هديتك إيه عشان نعرف هنمشي إزاي.
عضت لينة على شفتاها السفلى وطالعت السماء وهي تفكر في شيء يمكنه شرائه من أجلها، وبعد تفكير طال لدقائق عادت بأنظارها عليه ورددت بحيرة:
_ بص مفيش حاجة معينة في دماغي، بس أنا عايزاها تكون حاجة مميزة منك لما أشوفها أفتكرتك على طول وبرده تنفعني كـبنت فاهمني؟
طالعها يوسف بأعين ضائقة ينشط عقله بالتفكير فيما يهديها إياه، أنارت تلك الفكرة عقله فأردف بحماس:
_ ممم عرفت إيه هي.
سألته بفضول أنثوي:
_ إيه؟
غمز إليها ولم يريد إخبارها ليثير جدلها قليلاً وردد:
_ هتعرفي لما نجيبها.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل السابع عشر 17 - بقلم تسنيم المرشدي
«حرِر هَوَاك فَالحُب بَات مُعلنا»
«الفصل السابع عشر»
***
قام بشراء هديتها ثم خرج باحثاً عن تلك المشاغبة، لا يصدق أنها صمدت في الخارج دون أن تداهم المكان لتعلم ماهي هديتها.
كانت واقفة على بُعد مسافة قريبة من المكان، اقترب منها مشكلاً إبتسامة عذبة ثم هتف ممازحاً إياها:
_ مش مصدق بجد إنك سمعتي الكلام ووقفتي مكانك من غير ما تيجي ورايا!
قهقهت هي ثم رددت بحماس:
_ أصل أنا حابة أتفاجئ
بحثت بعينيها على تلك الهدية التي تنتظرها بفروغ صبر فلم تجد في يديه شيء، عادت إلى عينيه متسائلة بحنُق:
_ إيه دا فين الهدية؟
دس يده في جيب معطفه وأخرج منها قلادة بيضاوية بني اللون ذات طراز مميز للغاية، قام بفتحها فانقسمت إلى نصفين، طالعها وشرح لها تفاصيلها:
_ حطي هنا أي صورتين تحبيهم، وكمان ليها قفل صغير عشان لو مش حابة حد يفتحها غيرك
أبدت لينة سعادتها بالقلادة هاتفة:
_ واو، تعرف إني كنت بشوفها على طول في المسلسلات وكان نفسي في واحدة منها، بجد شكراً يا يوسف، أنت أحلى سوفي في الدنيا
كان يروق له تلقيبها على الرغم من أنه مائع قليلاً ولا يشبه شخصيته أو أسلوبه، غمز إليها هاتفاً وهو يشير نحوها بسبابته:
_ تقعدي على الكورنيش؟
رفعت هي الأخرى سبابتها ولمست إصبعه مجيبة إياه بحيوية:
_ وناكل آيس كريم؟!
ردد ما قالته بقبول:
_ وناكل آيس كريم..
سار سوياً حتى وصلا أمام البحر، قام يوسف بشراء المثلجات من البائع الذي يمر بعربته وجلس كليهما على المقاعد الخشبية المقابلة للبحر.
مدت لينة ملعقتها نحوه وقالت برجاء:
_ دوق التوت طعمه خطير
رفض يوسف تناوله معللاً أسبابه:
_ لا مش عايز مش بحب التوت
أصرت لينه على تناوله بقولها:
_ دا غير التوت اللي بناكله طعمه حلو أوي جربه مش هتندم
هز رأسه برفض تام:
_ لا يا لينة
مطت لينة شفتاها السفلى للخارج متصعنة الحزن وبنبرة مدللة توسلته:
_ عشاني..
دلالها كان له سطواً عليه، لا يستطيع الرفض أمامه، تنهد ثم تناول معلقتها بين أسنانه وتفاجئ بذك الطعم الشهي الذي مر من حلقه، استشفت لينة إعجابه بنهكة التوت وهتفت بمرح:
_ شوفت بقا إنه حلو
حرك الآخر رأسه باستنكار:
_ مش حلو
اتسعت مقلتيها وهي تطالعه بعدم تصديق فتابع هو:
_ هو حلو أوي
إزدادت ابتسامتها بهجة لرأيه، فكان يوسف سعيداً بإبتسامتها التي كان سبباً في رسمها، كانت تطالعه لينة بعينين عاشقتان، فانتبه لها يوسف وأراد مشاكتها فقال:
_ لا متفكريش إني هديكي من الآيس كريم بتاعي
انفجرت لينة ضاحكة وصاحت بإصرار:
_ طب والله لتأكلني، ها
ناولها يوسف خاصته مسترسلاً:
_ اتفضلي
رفضت أخذها موضحة ما تقصده:
_ لأ مش عايزاها، أنت هتأكلني زي ما أنا أكلتك
التفت يوسف برأسه متفحصاً المكان من خلفه فلم يجد مارة، عاد إليها ومد يده بملعقته فتناولتها هي بشهية، أعجبه منظر تناولها للمثلجات من يده فأعاد إعطائها ملعقة يليها الأخرى مستمتعاً بمشاهدتها.
"ربنا يخليكم لبعض يا بيه وتتجوزوا قريب، خد مني وردة عشان أروح"
ذعر يوسف حينما وقعت كلمات الفتى المراهق على أذنيه، رمقه بتوجس ثم عاتبه قائلاً:
_ أنت طلعت لنا منين، خضتني
ابتسم له الفتى فوجه يوسف أنظاره على الأزهار التي يغلفها بأوراق مبهجة وسأله بفضول:
_ أنت لسه هتبيع دول عشان تروح؟
أماء له الفتى فأكمل يوسف حديثه:
_ طب هاتهم وروح يلا
ابتهج الفتى حينما اشترى منه يوسف الأزهار المتبقية ثم ركض بعيداً عنهما والفرحة لا تسعه، بينما نظر يوسف إلى لينة التي أعجبت بموقفه الإنساني وهداها الأزهار هاتفاً بصوته الرخيم:
_ أحلى ورد لأحلى لينة
تناولتهم منه ثم شكرته بدلال:
_ تشكر إدريم
قهقه يوسف وسألها مازحاً:
_ ودي يترد عليها إزاي؟
فكرت لينة للحظات قبل أن تجيبه:
_ مش عارفة لسه متعلمتهاش
هز يوسف رأسه مستنكراً ما تقوله ثم وجه بصره على البحر، تقوس ثغره للجانب مشكلاً إبتسامة عذبة قبل أن يصرح بشعوره الآن وهو يفرك يده:
_ أنا اكتشفت إن أسعد وقت بقضيه بيكون معاكي!
تفاجئت لينه بتصريحه دون سابق انذار، رمقته بعينين لا تصدق أنه قال ذلك بالفعل، عاد يوسف ناظراً إليها واسترسل بصوته الأجش:
_ الشغل فيه ضغط، والبيت برده فيه ضغط ومسؤولية، ومهما ضحكت في الاتنين دول مش بيكون من قلبي زي ما بكون معاكي، بحس إني مش شايل أي هم رغم إنك مسئولية كبيرة أوي يا لينة!
كلمة أمانة صاحبي اللي سبهالي دي تخض أي حد وتخليه مرعوب طول الوقت أنه ممكن ميصونش الأمانة، بس أنا عمري ما شلت هم لأي مسؤولية تخصك، كل حاجة بتتعملك بكل حب ومن غير ضغط ومش بكون خايف ولا متردد، يارب أكون وفيت طول السنين وقدرت أسد كل احتياجاتك سواء المعنوية أو المادية
انتهى يوسف من حديثه فتفاجئ بعبراتها تنسدل بغزارة، فتسائل بريبة من أمرها:
_ أنا قولت حاجة زعلتك؟
مسحت لينة عبراتها سريعاً ثم نفت سؤاله:
_ لا لا أنا بس اتاثرت..
تابعت مسح عينيها فنهض يوسف عن المقعد وأردف:
_ طيب يلا عشان نروح
نهضت هي الأخرى وطالعت الطريق أمامها بتعب ثم صوبت بصرها نحو يوسف وقالت بإرهاق:
_ مش هقدر أرجع كل دا مشي
وافقها يوسف ما قالته:
_ ولا أنا، يلا نركب تاكسي
تقدما بالقرب من الطريق في انتظار مرور سيارة تاكسي، فتحت لينة حقيبتها وأخرجت منها القلادة تتفحص معالمها مرة أخرى، انتبهت على سؤال يوسف حينما قال:
_ ناوية تحطي صور مين فيها؟
مطت شفتاها للخارج وكذلك رفعت كتفيها للأعلى قبل أن تعطيه إجابة:
_ لسه مش عارفة..
بالطبع لن تخبره أنه من ستضع صورة له، ابتسمت في الخفاء ثم أعادتها في الحقيبة عندما قام يوسف بإيقاف إحدى السيارات، استقلت هي المقعد الخلفي بينما جلس يوسف بجانب السائق الذي أخبره بوجته فانطلق بهما حيث يريدان الذهاب.
عادا إلى المنزل بعد منتصف الليل، كان زياد جالساً في انتظار عودتهما، اقترب منهما وخصيصاً لينة ثم ناولها سوار يدوي يفصل بين حبات اللؤلؤ خاصته قطعة جلدية مدون عليها حروف إسمها.
ابتسم بحرج وهو يعطيها لها وأردف بنبرة مهزوزة:
_ كان فيه واحد بيبعهم على النيل فاشتريت لك واحدة بمناسبة النجاح وكدا
تناولته لينة منه وشكرته ممتنة:
_ شكراً يا زياد حلوة أوي
أخرجت القلادة الخاصة بيوسف لتريها إياه فأبدى زياد إعجابه بها لكن لم يخلوا حديثه من المشاكسة:
_ هي حلو بس هديتي أحلى
قهقه ثلاثتهم ثم لكزه يوسف في ذراعه بخفة، استأذنت منهما لينة وأسرعت نحو المرحاض تاركة حقيبتها على الطاولة، بينما غمز يوسف إلى أخيه مردداً بإعجاب لتصرفه:
_ لا بس حلو منك إنك بتفكر في حد غير نفسك
رمقه زياد بنظرات متهكمة ثم صاح بعجرفة:
_ أنتوا بس اللي مستقلين بيا
"ماشي يا واثق"
هتف بها يوسف ثم انصرف إلى غرفته فلم يعد ينجح في فتح عينيه، فالنعاس كان متملكاً منه، خرجت لينة وعادت إلى الطاولة ثم حملت حقيبتها وقلادة يوسف في يديها وتوجهت إلى غرفتها، لمح زياد سواره الذي أهداه إليها موضوعاً على الطاولة، حتماً نسيته، كاد أن يناديها لتأخذه أيضاً إلا أنه تراجع وفضل الإحتفاظ به ليرى إن كانت ستلاحظ اختفائه أم لا.
أمسك بالسوار وقبض عليه بغيظ وهو يتابع سيرها حتى اختفت خلف باب غرفتها، لماذا لم تنسى قلادة يوسف أيضاً؟!
أم أنه هو فقط من تتجاهله دوماً وعلى النقيض الآخر لا تتذكر سوى يوسف!!
ضاعف من قبضته على السوار ثم عاد إلى غرفته لينعم ببعض النوم حتى يرى إلى ماذا سينوى لتلك الفتاة التي تتعمد تجاهله طيلة الوقت.
في الصباح، جلس أربعتهم حول المائدة يتناولون الفطور التي أعدته لينة لكرتها الأولى، كان الطعام نفسه من تعده السيدة ميمي لكن بلمسات شابة فازادته شهية وطالبت به معدتهم.
أبدى يوسف إعجابه بطريقة التحضير قائلاً:
_ تسلم ايدك يا لي لي الأكل شكله يفتح النفس
عاتبته والدته مازحة:
_ قصدك إن أكلي كان يسد النفس يا سي يوسف؟!
أسرع يوسف في سحب كلماته وتوضيح ما يقصده:
_ لا أبدا يا أمي والله هو فيه أحلى من أكلك، أنا بشجع لينة وكمان طريقتها في الأطباق مختلفة وجديدة وعجبتني، تسلم ايديكم أنتوا الاتنين
ربتت ميمي على ذراعه بحنو وأردفت ممازحة:
_ أنا بهزر يا حبيبي، أنا أصلا عايزاها تبقى أحسن مني مليون مرة
مالت لينة الجالسة بجوارها برأسها على كتفها وهتفت ممتنة لها:
_ ربنا يخليكي ليا
مالت ميمي هي الأخرى برأسها ووضعتها على رأس لينة ورددت بحنو أمومي:
_ ويخليكم ليا يارب
كان الجميع في مزاج سوي دوناً عنه، لم يخفض نظريه عن لينة منذ جلوسهما على المائدة ذاتها، يطالعها ببغض شديد في انتظار أي علامة تدل على تذكرها لسواره التي نسيته البارحة.
لكنها لم تقل، حتماً لا تتذكره مطلقاً، أخرج تنيهدة قبل أن يردف سؤاله:
_ أنتِ مش ناسية حاجة يا لينة؟
عقدت ما بين حاجبيها بغرابة ثم فكرت قليلاً ولم تتذكر شيئاً قد أضاعته فأجابته بثقة:
_ لا مفيش..
أعطاها محاولة أخرى لربما تتذكر:
_ فكري كويس، حاجة نستيها كدا ولا كدا!
وزعت لينة أنظارها بين الجيمع وعقلها يفكر جيداً فيما يقصده زياد فلم تجد، تأففت بضيق وأبدت انزعاجها:
_ لا مش فاكرة إني نسيت حاجة..
رفع زياد يده لأعلى ظاهراً ذاك السوار، فشعرت لينة بالخجل حياله وهتفت معتذرة:
_ أنا نسيته خالص، كويس إنه معاك عشان ميضيعش كنت هزعل أوي
ببرودٍ هدر:
_ لا ماهو واضح
نهض عن كرسيه فأثار الغرابة في أعين الجالسين من أسلوبه المريب، أوقفه يوسف بقوله:
_ استنى يا زياد..
توقف زياد وطالع أخاه في انتظار ما سيقوله فتابع يوسف بجدية:
_ ناوي تقدم في الجيش امتى؟ أنا سايبك بقالك أكتر من شهر ونص بتلعب وتسهر ومتكلمتش، مش آن أوان الجيش بقى؟!
نفخ زياد بنفاذ صبر فلقد بلغ ذروة تحمله من فرد سيطرته عليه، صاح هاتفاً بعدم قبول لطريقته تلك:
وأنت مالك بيا يا يوسف، أقدم في الجيش ولا لأ، آن أوانه ولا لأ كل دول يخصوني أنا مش أنت!!
تدخلت السيدة ميمي محاولة إيقاف سخافة زياد:
_ زياد أنت إزاي بتتكلم مع أخوك بالطريقة دي، احترم نفسك
لم يكترث لها زياد بل تابع هتافه بتجهم تحت نظرات يوسف المذهولة من ردوده وفظاظة أسلوبه:
_ تعليم وأجبرتني أدخل معهد، خلصت وقولت أشم نفسي لا إزاي، لازم زياد يتجبر في حاجة تانية، ندخله جيش يلبس فيه سنتين ونخلص من قرفه وبعد ما يخلصه هيطلع لنا حاجات تانية نجبره عليها برده
اقترب زياد من أخيه وعيناه ينطق منهما الشر فتحركت السيدة ميمي هي أيضاً خشية أن يتطاول أحدهما على الآخر بينما أخرج زياد ما تبقى في جوفه من بين أسنانه المتلاحمة:
_ فكك مني يا يوسف، أنا مش هعمل أي حاجة تاني أنا مش عايزها، مش هسمح لك تجبرني على حاجة تانية خلاص
تراجع زياد واختلس نظرة على لينة الواقفة خلف الطاولة ثم ألقى آخر مالديه بسخرية:
_ أنا مش عارف إزاي لغاية الوقتي أنت فاكرني أصلا!!
أولاه ظهره وغادر من المنزل، لم يعقب يوسف ولم يعطي ردة فعل، قلقت والدته بشأن صمته المريب، وقفت مقابله محاولة تبرير تصرفات زياد:
_ متاخدش على كلام أخوك يا يوسف، هو واضح إنه مضايق من حاجة من وقت ما صحى وجت فيك أنت، متزعلش منه الوقتي يهدى ويجي يراضيك
تحرك بؤبؤتي يوسف نحوها وقال بهدوء:
_ ابنك عنده حق يا أمي..
استنكرت ميمي ردة فعل يوسف وعاتبته بضيق:
_ عنده حق إزاي يعني؟ أنت بتعمل كل دا ليه؟ مش عشان مصلحته؟ هو غلطان وملوش حق يقول كدا ولما يرجع أنا هـ..
قاطعها يوسف بقوله:
_ متعمليش حاجة يا أمي، سبيه يعمل اللي هو عايزه
تركها يوسف وغادر دون إضافة المزيد بينما صوبت ميمي نظرها نحو لينه وتسائلت بحيرة:
_ معناه إيه الكلام دا؟
اقتربت لينة بخطوات سريعة متفهمة ردة فعل يوسف:
_ أنا فاهمة كويس وجهة نظر يوسف
تسائلت الأخرى بفضول مختلط بالقلق:
_ فهميني طلاما أنتِ فاهمة
ربتت لينة على ظهر ميمي وطالعت الباب حيث اختفى يوسف خلفه وهتفت موضحة تصرفه المبهم:
_ يوسف هيسيبه يعمل اللي هو عايزه عشان يعرف إن كل اللي يوسف عمله كان لمصلحته
نفخت ميمي بضجر وقلق أمومي ثم هتفت بقلب حزين:
استغفر الله العظيم يارب، ربنا يهديك يا زياد
***
مر يومان وقد حان موعد الزفاف، يقف بلال أمام الباب يعد الثوانٍ لكي يرى عروسه في ثوب زفافها الأبيض، حتماً هي من ستزيده بهجة وجمالاً.
فُتح الباب واستقبلته لينة التي شكلت حاجزاً أمامه مانعة إياه من المرور، عبس بلال وهتف بحنق زائف:
_ عايز أدخل على فكرة؟!
شاكسته لينة بمرح:
_ حضرتك مين أصلاً عشان تدخل جوا
قلب بلال عينيه بتهكم وقال:
_ والله مش عارف إيه اللي يخلي يوسف يخليكي المرافق ليها، هي ناقصة شغل عيال؟!
اتسعت عيناي لينة وأشارت على نفسها ثم رددت بذهول:
_ أنا عيلة!!
عاد بلال برأسه هاتفاً بنبرة مرتفعة:
_ يـــاااا يوسف..
قهقت لينة بينما حضرت السيدة ميمي من خلفها وقامت بسحب لينة من أمام الباب واعتذرت من بلال بلطف:
_ معلش يا عريس، شغل عيال زي ما قولت
أظهرت لينة رأسها من خلف ميمي التي تمنعها من تخطيها وصاحت مستاءة:
_ برده عيال!
التفتت نحوها وغمزت إليها لكي تكف عن المشاكسة قبل أن تردف ممازحة:
_ يابت بس بقا جايلك يوم
أخرجت لينة تنهيدة حارة داعية ربها بأن يعجل ذلك اليوم بينما وقفت ميمي بجوار هادية وانضمت إليهن لينة ووقفت تتابع لحظة رؤية بلال لعروسه التي كانت تقف وتوليه ظهرها.
كان الحماس يسيطر على بلال، لم يعد يطيق الانتظار، فقط يريد رؤيتها بفروغ صبر، أخذ شهيقاً عميق ثم دار حول فستانها البسيط ووقف مقابلها.
كانت إيمان خافضة رأسها بحياء شديد، اقترب منها بلال ورفع وجهها بإصبعه، فتشكلت الإبتسامة على محياه تلقائياً فور رؤيته لملامحها الهادئة، وما زاد إعجابه بها تلك اللمسات الرقيقة التي وضعتها من المساحيق التجميلية.
كاد أن يطبع قُبلة على جبينها إلا أن لينة تدخلت قائلة:
_ كتب الكتاب لسه متكتبش يا عريس
تراجع بلال عما كان ينوي فعله، رمقها بغيظ شديد فهي قطعت عليه أهم لحظة كان سيعيشها مع حبيبته.
بادلته لينة ضحكات أثارت استفزازه، بينما عاد بلال إلى إيمان الهادئة ومد لها يده، فنظرت هي إلى يده وعقلها لا يستوعب أنها ستكون زوجته بعد دقائق قليلة، كيف سيحدث ذلك؟
أين العقبة التي آمنت بها طيلة الأيام الماضية؟!
كيف ستسير معه يداً بيد وتشاركه عدة ساعات تحت مسمى يوم زفافهما!
لم يكن أمامها سوى الرضوخ فكيف سترفضه الآن؟ كيف تخبره أنها تريد الهروب مما هي مقبلة عليه؟
سعادته الواضحة بها لا تزيدها سوى ألماً..
مدت يدها وشعرت بنعومة يده التي عانقت يدها وأغلقت عليها، سارا بجوار بعضهما البعض وخرج من الغرفة، تبعتهم هادية برفقة ميمي بينما انتظرت لينة قليلاً لتتفحص زينتها قبل المغادرة.
خرجت من الغرفة بخطوات مهرولة لكي تلحق بهم
فتفاجئت بيوسف أمامها، تفقدها جيداً بنظراته فلم يعجبه كثرة مساحيقها التي وضعتها وزادتها جرأة.
أمسك بيدها وعاد بها إلى الداخل، ثم هتف بنبرة لا تحتمل النقاش:
_ هاتي منديل بسرعة
أردفت سؤالها بفضول:
_ ليه؟
لم يجيبها بل بحث عن المناديل الورقية بنفسه، ركضت خلفه في محاولة منها على فهم ماذا يفعل لكنه لا يعطيها إجابة صريحة، التقط علبة المناديل المبللة ثم جذبها من يدها مقرباً إياها نحوه وبدأ في مسح وجهها بخفة.
شهقت لينة من خلف تصرفه وحاولت التملص من بين يديه لكن أبى وصاح بجدية:
_ اهدي ومتتحركيش عشان متبوظيش وشك
لم تكف عن التذمر وضربته في صدره مرددة بحنق:
_ بس يا يوسف أنت بتعمل إيه، أبعد المنديل دا عني
لم يستطيع يوسف السيطرة عليها بسبب فركها المستمرة، فاضطر إلى محاوطة خصرها وجذبها نحوه حتى باتت ملاصقة لصدره، كادت لينة تقع بسبب محاولاتها للإبتعاد عنه فلم يكن أمامها سوى التمسك بقيمصه من الخلف حتى توازن جسدها.
الوضع بدى حميمياً للغاية، فمن يراهم من بعيد يظن أنهما حبيبين يتبادلان العناق، استكمل يوسف مسحه على شفتيها ليخفف من لونهما الفاقع، بادلته الأخرى نظرات بعينيها اللامعة، لا تصدق وضعهما ذاك، أنتبه يوسف عليها واستشعر قربها المبالغ.
بالله ماذا يفعل؟ أهو حقاً يلمس شفتيها؟!
ظل يطالعها وشعوراً غريب قد راوده حينها، خفق قلبه بشدة، لم يعد يستطيع الصمود أمام نظراتها تلك، أخفض يده عنها فأزاحت لينة يديها بعيداً عنه.
أخفضت بصرها في حياء شديد، كما تلونت وجنتيها بالحُمرة الصريحة من شدة خجلها، استدارت بجسدها وتوجهت نحو المرآة لتتفقد ما تسبب به بينما زفر هو أنفاسه التي حشرها داخله وابتلع ريقه لعله ينجح في استعادة رشده.
تنهد ثم هتف مبرراً عندما استشف تذمرها من خلال المرآة:
_ أصلك كنتي حلوة أوي ومش عايز حد يبص لك!!
فغرت فاها مذهولة مما صغت إليه أذنيها للتو، رآها يوسف فابتسم تلقائياً لرؤية ردة فعلها تلك، اقترب منها لكنه توقف حينما سمع طرقات أحدهم على الباب.
التفت برأسه يميناً حيث يقطن الباب فإذا بها شهد تقف أمامه، لم يكمل يوسف سيره بل عكس مسار ذهابه وقبل أن يغادر وجه حديثه لمشاكسته:
_ هستناكي برا
تابع خروجه من الغرفة بينما دلفت الآخرى والذهول مشكلاً على تقاسيمها، وقفت خلف لينة وطالعت صورتها المنعكسة قبل أن تهتف بصدمة:
_ هو إيه اللي أنا شوفته دا؟
التفتت إليها لينة متسائلة بغرابة:
_ شوفتي إيه؟
أخبرتها شهد بما شاهدته بأم عينيها لكي تغلق عليها باب الهروب أو الإنكار:
_ أنا طلعت أشوفك اتاخرتي ليه، لقيتك في حضنه!!
تقوس ثغر لينة للجانب مشكلة إبتسامة خجولة، عضت على شفتيها بحياء ثم أردفت بخفوت:
_ الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة
رفعت شهد حاجبيها لا تصدق ابتسامتها الخبيثة، ثم قلدت نبرتها المائعة:
_ أومال إزاي؟
ازدادت نبرة لينة حماس وحيوية ثم بدأت تقص لها ما يحدث لهما تلك الأيام:
_ أنا ويوسف علاقتنا بقت قريبة أوي
لم تتفاجئ شهد فهي على علم بذلك، تنهدت قبل تهتف بملل:
_ وإيه الجديد ما طول الوقت علاقتكم قريبة
حاولت لينة التوضيح عما تشعر به:
_ لا لا قُرب تاني، قُرب مختلف عن الأول، يعني مثلاً طول ماهو في الشغل بقا بيكلمني كتير أوي
ازدادت تلهفاً لإخبارها المزيد كما تحدثت بحماسة زائدة:
_ حتى مرة كنت ناوية أقص شعري لأن طوله مضايقني أعترض وأخد مني المقص وفضل بعدها بفترة يأكد عليا مقصوش، مش فاهمة ليه لغاية الوقتي بس الموضوع غريب!
أخرجت تنهيدة حارة قبل أن تتابع:
_ يوم ما نتيجتي ظهرت وخرجنا أكلني الآيس كريم بإيده وقالي كمان إنه بيحس إنه سعيد لما بيتكلم معايا ومش بيكون مضغوط ولا شايل هم
رفعت كتفيها ولازالت الإبتسامة تغزو شفتيها وهي تتذكر ما حدث منذ دقائق وأخبرتها به أيضاً:
_ يعني اللي حصل الوقتي دا مش زي ما فهمتي خالص بس هو الوضع نفسه كان غريب، أول ما شافني مسك أيدي ودخل الأوضة ودور على مناديل عشان يمسح لي الميك اب، طبعاً رفضت وحاولت أبعد عنه وعشان يجبرني أقف لف ايدي عليا وشدني لعنده وأنا عشان مقعش لأني كنت بعافر إني أبعد مسكت في قميصه بس بعدها قلبي دق جامد، وبصت له وأنا مش مستوعبة إني يعتبر في حضنه
أخفضت بصرها وتابعت بخجل انعكس على وجهها التي تحول لونه إلى الإحمرار:
_ ولقيته هو كمان بيبص لي ونفسه كان عالي أوي، كنت حاسة بحاجة غريبة في نظراته محستهاش ومشوفتهاش قبل كدا!!
كانت تصغي إليها الأخرى بذهول شديد يزداد كلما أخبرتها المزيد، هللت شهد فور انتهاء لينة من الحديث معاتبة إياها:
_ كل دا يحصل ومتحيكليش؟!
بررت لينة موقفها:
_ ما أنا مكنتش فاهمة إيه اللي بيحصل دا، أنا حتي ساعات بحس إنه هو بدأ يحبني زي ما بحبه!
بادلتها شهد إبتسامة ثم تسائلت بفضول:
_ طيب هتتأكدي إزاي من إحساسك دا؟
اتسع ثغر لينة ببسمة عريضة ثم أردفت بتعالي:
_ عندي خطة ناوية أعملها وهي اللي هتعرفني إن كان بيحبني ولا لأ!!
"خطة إيه؟"
سألتها شهد بفضول لكن ولوج يوسف قد قطع عليهم مواصلة حديثهم حيث قال:
_ مش يلا عشان إحنا متأخرين؟
أماءت له لينة بقبول ثم حاوطت ذراع صديقتها وخرجن سوياً، بينما تقدم يوسف عنهن وذهب إلى مكان التصوير الخاص بالفندق.
بعد مرور بعض الوقت، كان الجميع يلاحظ تجهم وجه إيمان، عابسة طيلة فترة التصوير لا تبتسم قط، حتى وإن كانت إبتسامة زائفة، على عكس بلال الذي كان يملئ المكان بهجة بمرحه ناهيك عن ابتسامته الصادقة التي لم تختفي من على شفتيه.
كان يوسف يشعر بالغضب يتأجج داخله كلما رأى عبوس إيمان، يطالع صديقه بإيلام شديد، بالله كيف يكون اليوم زفافهما وهي بتلك الحالة؟!
أيضاً يشعر بالآسى حياله، هو متأكد أنه لن يجد السعادة التي تمناها بأي شكل على الأقل تلك الفترة، فهذا ما استشفه من تعابير ابنة خاله.
عاد إليه شعور الغضب كلما تذكر تنبيهاته التي لم يصغي إليها بلال، ألا يرى ما الحالة الذي أوقع نفسه بها؟!.
أنتبه لسؤال لينة التي أخرجته من شروده:
_ هي إيمان عاملة كدا ليه، حساها تايهة!!
نفخ يوسف بضجر بائن وهتف مستاءً وهو يطالع بلال بشفقة على ماهو مقبل عليه:
_ الله يكون في عونك يا بلال
استنكرت لينة تحيذه لصديقه وعارضته بحدة:
_ وليه متقولش الله يكون في عونها هي؟
على الأقل صاحبك عمل اللي عايزه إنما هي محدش فكر فيها، يا ترى شعورها إيه الوقتي وهي مع واحد مش بتحبه وخلاص معتش ينفع لا رفض ولا هروب؟
رمقها يوسف بنظرات مشتعلة لا يقبل أن تلقي اللوم على صديقه وعارضها بأسبابه:
_ كان قدامها الفترة اللي فاتت كلها تقدر تقول لأ طلاما هو مش عاجبها ومش بتحبه أو حتى كانت اعترضت على المدة البسيطة دي وقالت محتاجة وقت أطول ناخد على بعض فيه، بس هي مقالتش ومعترضتش يبقى اللوم عليها هي مش عليه، هو يتلام إزاي؟
صوب أنظاره نحو صديقه وتابع بآسى:
_ بصي عليه كدا، شايفة فرحته!! أنا زعلان عليه أوي،
هو مبسوط أنه قدر يحقق حلمه وياخد اللي بيحبها بس ميعرفش اللي هيقابله أول ما يتقفل عليهم باب، أنا زعلان عشان صاحبي وبرده متعصب بسبب غبائه اللي هيوصله لنقطة تزعله!!
لم تعقب لينة باعتراض تلك المرة، فما قاله صحيحاً، تنهدت ثم دعت لهما بحب:
_ ربنا يكتب لهم السعادة يارب
عادت ببصرها إلى يوسف وسألته باستفسار ممزوج بالفضول:
_ هو أنت ليه طول الوقت أخد موقف من إيمان رغم إنها بنت خالك يعني والمفروض تعاملكم مع ميكنش كدا حتى لو مفيش حب بس يبقى فيه ود واحترام وصلة رحم
أبدى يوسف انزعاجه من سيرتها التي تزعجه فور ذكرها ثم بدأ يقص عليها سبب أسلوبه الفظ الدائم معها:
_ إيمان من يوم ما اتولدت وهي مفروضة عليا، بالإجبار كدا، كنت طفل صغير عندي ٣ سنين وكانوا بيقعدوني بيها عشان أحبها ولما أكبر اتجوزها متخيلة أنا في الحوارات دي ومن أنا طفل؟ مسابوش طفولتي في حالها زي أي طفل، خد إيمان معاك، هات إيمان ودي إيمان، إيمان هتبات عندكم إيمان بتحب تلعب معاك إيمان جيبالك الهدية دي، كانوا بيفرضوها عليا طول الوقت لغاية ما كرهتها لأني زي أي طفل طبيعي هيكون عايز يلعب مع صحابه أو حتى يقعد لوحده يتفرج على كرتون، لكن دي كنت بشوفها في كل مكان كانت محاوطاني زي عفريت العلبة كدا فطلعت زي ما أنتِ شايفة كدا أطيق العمى ولا أطيقها
قهقهت لينة عالياً ثم هتفت ساخرة من بين ضحكتها:
_ يا حرام دا أنت كانت طفولتك بائسة
حرك يوسف رأسه يميناً ويساراً مستنكرا ما عاشه في الماضي وشاركها السخرية:
_ شوفتي بؤس أكتر من كدا
نفت بحركة من رأسها وقالت:
_ بصراحة لأ
انتهت فقرة التصوير ثم ذهب الجميع إلى القاعة وبدأ حفل الزفاف كما هو مرتب له، كانت إيمان رافضة مشاركة أي رقصة مع أصدقائها والعائلة، لم تبرح مكانها بينما لم يكف بلال عن الرقص بسعادة ظاهرة للآخرين.
انتهى الحفل سريعاً على الجميع إلا من إيمان، كان الوقت يمر عليها بثقل شديد وكأن اليوم لا آخر له، استقل الجميع سيارتهم وذهبوا خلف سيارة العروسين ليقوموا بتوصليهم إلى عش الزوجية الجديد.
***
أوصد الباب بعد ولوجهما، أخرج زفيراً عميق ثم استدار بجسده إليها، لا يصدق أنها بالفعل باتت في منزله، وهو بنفسه قد أغلق باب عُشهم الجديد الذي سيشهد لحظات ثمينة من الرومانسية وكوميدية وغيرهما.
ابتلع ريقه واقترب بخطاه منها، فكانت هي واقفة منكسة الرأس لا تجرأ على رفع بصرها من فرط حيائها ناهيك عن عدم تصديقها لتلك النهاية الغير مرضية بالنسبة لها.
ليس عادلاً أبداً وجودها هنا، في بيت لا تنتمي إليه، بجانب رجل لا تشعر بذرة مشاعر نحوه؟
نهاية ليست عادلة بالمرة فهو رتب لها منذ زمنٍ وكانت هي أكبر أمانيه وها هو اليوم قد نجح في تحقيقها، لكن ماذا عنها؟
أين أمنيتها لطالما لم تتمنى سواها؟
أين نهاية الأحلام والأماني التي نراها في الأفلام والروايات؟
كيف ستتقبله زوجاً لها وهي لا تستطيع حتى النظر في عينيه، هي بحاجة ملحة إلى البكاء ليس فقط على اللبن المسكوب بل على الإناء الذي تحطم أيضاً.
أخرجها من حبال أفكارها النادمة بصوته الناعم:
_ إيمان أنا عارف إن كل حاجة جت بسرعة، بس أنا عايزك تعرفي إنك مش هتندمي لحظة على السرعة دي، أنا مش حابب أمجد في نفسي وأقولك إني هخليكي أسعد واحدة في الدنيا بس هسيبك تشوفي بنفسك
تناول يديها التي ترتجف بشدة وتابع بنبرة حنونة:
_ أنا بس طالب منك تديني فرصة، فرصة أقدر أثبت لك فيها إني بحبك، ياريت نبدأ حياتنا وإحنا راضيين عن قرارانا حتى لو مكنش دا اللي اتمنيته..
رفعت إيمان نظريها عليه متعجبة من آخر كلماته، فشكل بلال ابتسامة وأوضح ما يقصده:
_ أنتِ طول الوقت ساكتة ومقولتيش رأيك في ولا حاجة من اللي اختارتها رغم إني كنت حريص جداً في اختياري أنه يعجبك
اللحظة دي ياما حلمت بيها، وياما رسمت لها مواقف وردود كتيرة، بس كنت برسمها وأنتِ بتشاركيني الكلام مش واقفة ساكتة، بس أنا هعذرك وأقول لسه متعرفنيش، بس ياريت مرحلة الكسوف دي تنتهي بسرعة لأن مهما كان فهي تضايق عشان أنا في الآخر بقيت جوزك مش لسه خطيبك!
رفع راحتى يدها ووزع قبلاته عليهما، ثم اقترب منها وطبع قبلة حارة على جبينها، احتضن يدها الصغيرة وأردف:
_ تعالي، غيري الفستان
لم تعطيه رد بل سارت بجواره بهدوء، وكلماته تتردد في عقله، حقاً تريد إعطائه فرصة لكن كيف، لا تعلم بداية الطريق لتلك الفرصة، حسناً الآن عليها تبديل ذلك الفستان الثقيل ثم تفكر جيداً فيما ستفعله لاحقاً.
توقفت قدميها أمام الباب ونظرت إليه في حياء منعكس على وجهها وهمست بخفوت:
_ أنا هدخل لوحدي..
تقبل بلال طلبها بصدر رحب ثم فتح لها باب الغرفة مردداً:
_ لو احتجتي حاجة نادي عليا..
اكتفت بإيماءة من رأسها ثم دلفت للغرفة وأغلقت بابها، لم تكتفي بذلك بل أوصدته من الداخل لكي تمنع أي محاولة اقتحام منه.
لن ينكر بلال أن الأمر أزعجه قليلاً لكن عليه الصبر، وضع بعض الأسباب لتصرفها لكي يهدأ من انزعاجه بالأمر، توجه إلى المرحاض الخارجي ولحسن الحظ كان لديه بيجامة معلقة خلف الباب، بدأ في خلع حلته وارتداء بيجامته الحمراء من قماش الستان الناعم.
وقف أمام المرآة بيضاوي الشكل أعلى الحوض يتفحص خصلات شعره وكذلك ذقته لربما لا تكن مرتبه، وضع من عطره الموضوع في الخزانة التي تتوسط الحائط، ثم خرج من المرحاض مختلساً نظرة على باب غرفتهما فلم تنتهي بعد.
توجه إلى الردهة وأمام السفرة يشم رائحة الطعام الذكية، بدأ يفتح العلب وطالع الطعام بشهية، التفت برأسه ناظراً إلى باب الغرفة الذي لا يصدر منها أي صوت.
تنهد بنفاذ صبر ثم توجه إلى الأريكة واستلقى أعلاها لحين ظهور حوريته.
في الغرفة، وخصيصاً في المرحاض الداخلي، تجلس هي تبكي في زاوية، لا تستطيع فعلها، حقاً ليس لديها القدرة على الخروج ومسايرة الأحداث كما فعلت في الأيام الماضية، الأمر بات جدياً للغاية.
لقِفت هاتفها وكادت أن تهاتف والدتها إلا أنها تراجعت فهي ستخبرها بأن تعطيه فرصة، في النهاية لن تنقذها من ذاك المأزق التي وقعت فيه.
والآن ليس أمامها سوى مجراة تلك الليلة، تمر بما هو مقدر لها، اقتربت من ذاك الفستان الأبيض المطرز بالدانتيل في أطرافه وقامت بإرتدائه ووضعت الروب أعلاه خافية معالم جسدها بالكامل.
غسلت وجهها مراراً لكي تخفف عنه ذاك اللون الوردي إثر بكائها ومن ثم حررت خصلاتها وخرجت إلى الغرفة، وقفت أمام المرآة تتفحص مظهرها جيداً قبل ظهورها أمامه.
كيف ستقف أمامه هكذا حباً في الله؟!
شهيقاً وزفيراً فعلت طاردة أفكارها التي تزيد من حسرتها ثم خرجت من الغرفة وقدميها ملتصقان ببعضهما، تشعر بالخجل الشديد لطلتها هذه التي سيراها رجلاً للمرة الأولى، لكن ما باليد حيلة ليس هناك ما يمكنها فعله.
كان يتنقل بلال بين القنوات في التلفاز في انتظارها، أنتبه لطلتها التي خفق لها قلبه، آكلها بنظراتها التي لم ترفع قط من عليها، يتفحص كل أنش بها باهتمام وسعادة بالغة.
بداية من ذاك الشعر القصير، إلى ثيابها المحررة التي يراها عليها لمرته الأولى، ناهيك عن ساقيها التي تفركهم بارتباك حرج.
نهض وتوجه نحوها فازداد تسارع نبضاتها ناهيك عن وتيرة أنفاسها التي ارتفعت حتى شعرت لوهلة أنها تكاد تختنق كلما اقترب بخطاه أكثر.
وقف أمامها وابتسامته لم تختفي من على شفتيه، أعاد خصلاتها الشاردة خلف أذنها مردداً بخفوت:
_ مكنتش أعرف إنك قمر كدا!
سرت رجفة شديدة في أوصالها إثر كلمات الغزل خاصته، فلم تحظى بهم من قبل، تفاجئت إيمان بقدميها التي حلقت في الهواء إثر حمله لها بين ذارعيه، أسرعت في إعادة وضع روبها على جسدها مرة أخرى بعدما حلق معها من خلف تصرفه المفاجئ.
توجه بها بلال نحو غرفته متجاهلاً الأطعمة التي كانت تزقزق لها عصافير بطنه منذ قليل، فلقد ذهب عقله تماماً، وضعها على طرف الفراش ثم جلس بجوارها، كانت هادئة تماماً لكنها كانت حريصة بألا يظهر منها جزءاً أكثر من الذي سمحت له بالظهور.
مرر بلال إصبعه على طول ذراعها فقشعر بدنها إثر فعلته، أوصدت عينيها حينما فشلت في النظر في عينيه، مال هو على رقبتها مخرجاً بعض الأنفاس الحارة وهو يشم رائحتها العطرية الذكية.
اقترب من شفتيها ثم طبع قُبلة عليها وهمس بنبرة متحشرجة:
_ بحبك..
شعر برجفة جسدها التي تزداد فعاد يقبل ثغرها، بينما شعرت هي بارتخاء عضلات جسدها فخرجت بعض الحروف منها دون وعي:
_ يـ و س ـف
توقف بلال عما كان يفعله، عاد برأسه للخلف ناظراً إلى عينيها، بالتأكيد ما وقع على أذنيه ماهو إلا من محض خياله، أو ربما كان ذلك من همسات الشيطان، تجمدت تعابيره وارتفعت وتيرة أنفاسه وهو يردد:
_ يوسف! أنتِ قولتي يوسف!
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم تسنيم المرشدي
سكون حل للحظات، لا عقل يستوعب ما قيل ولا أذن تصدق أن ذاك الإسم قد وقع على مسامعه.
ماهي إلا لحظات قليلة من الهدوء قبل أن يتحول تدريجياً إلى بركان غاضب على وشك الثوران.
تلون وجهه وبات قاتماً إثر غضبه المتأجج داخله، تجهمت تعابيره واحتدت بصورة مخيفة.
ارتفعت وتيرة أنفاسه وهو يطالعها بعينين حمراوتين.
بتلعثم حاولت نفي ما قالته:
_ أنا مقولتش.......
ارتعدت إيمان فور صياحه بنبرة اهتزت لها جدران الغرفة:
_ ششششش، اخرسي مش عايز أسمع صوتك.
خفق قلبها بقوة وتسارعت نبضاته، تعالت أنفاسها بخوف بالغ، فلم تراه غاضباً هكذا من قبل.
لوهلة ظنت أنه يحتفظ بوحش داخله يخرجه وقت غضبه.
تسابقت عبراتها في السقوط بغزارة كالسد الذي فتحت بوابته للتو، تمنت لو كانت تحلم وتستيقظ من ذاك الكابوس المزعج.
ابتعد بلال عن الفراش مثل المجنون الذي فقد عقله، تصرفاته كانت مريبة وتبث الرعب داخل إيمان.
كان يجوب الغرفة بخطوات سريعة ثم أمسك بتلك الفازة وألقاها أرضاً مطلقاً "ااااه" قوية من داخله.
كور يده وظل يضرب الحائط حتى جرحت أصابعه وانفجرت منها الدماء تاركة بصماتها على الحائط.
حتماً سيصاب عقله بالجنون، نظر إلى المرآة التي كانت على يمينه ولم يتردد في تحطيمها بيده فتضاعفت الجروح في يده.
بينما كانت تجلس إيمان واضعة راحتي يديها على أذنيها تبكي بخوف شديد خشية أن يمسها جنونه.
كان بلال كالثور الهائج الذي يبحث عن ضحيته ليفتك بها وهذا آخر ما يتمنى حدوثه.
أجبر قدميه على الخروج من الغرفة قبل أن يقع حادث يندم على فعله طوال حياته.
هرولت إيمان نحو الباب وقامت بتوصيده، وقفت خلفه تحاول كتم شهقاتها بيدين مرتجفتين.
كان جسدها ينتفض بقوة إثر ذعرها من هول ما عاشته قبل ثوانٍ.
انهارت ساقيها التي ترتجف ووقعت بإهمال على الأرض، وضعت يدها على صدرها شاعرة بعلوه وهبوطة بصورة مضطربة ولم تحرك بؤبؤتيها قط وهي تعيد في ذاكرتها ردة فعله المرعبة.
في الخارج، جاب بلال الردهة وهو يكاد لا يرى، رؤيته كانت ضعيفة مشوشة، يصغي لضربات قلبه المتزايدة، ناهيك عن شعوره بالإختناق الذي يراوده تدريجياً.
لم يعد يستطيع التنفس وفشل في أخذ أكسجين لتمتلئ به رئتيه.
ألقى بجسده على الأريكة مستنداً بظهره على جدارها وطالع السقف محاولاً استنشاق الهواء لعله يعود إلى رشده.
شعور مخيف كلما فشل في استنشاق الأكسجين، تعالت أنفاسه مستنجدة بأي شئ يمكنه إعادته للحياة مرة أخرى.
وقع صوته على أذني إيمان فتضاعف خوفها خشية أن يحدث مكروه له.
لم تتردد ونهضت إلى الخارج بخطوات متعرقلة، شهقت بذعر حينما رأته يفشل في التنفس.
اقتربت منه فنهض هو هارباً منها لكنها أوقفته حين أمسكت يديه وأردفت بنبرة متوسلة:
_ خليني أساعدك..
لم يتابع هروبه فهو بالفعل بحاجة إلى المساعدة، سيفقد حياته إن استمر ثانية أخرى على ذاك الوضع.
حاوطته إيمان من ظهره عاقدة ذراعيها عند بطنه وبدأت تضغط عليها بقوة وحينما تفشل في استعادة أنفاسه تضغط بقوة أكبر.
أعادت تكرار فعلتها عدة مرات حتى استعاد بلال أنفاسه.
سحبت يديها على الفور وانتظرت منه رد فعل تجاهها لكنه تابع سيره إلى الأمام ودلف الشرفة ثم أوصدها جيداً لكي لا تأتي خلفه.
جلس على أحد المقاعد مستنشقاً الهواء العليل الذي فقده لعدة ثوانٍ وكادت أن تنتهي حياته اليوم!!
اليوم الذي تمناه ولطالما كانت حلمه منذ زمن، اليوم الذي رتب له بعناية وحيوية، اليوم الذي خطط لأقل التفاصيل به، ورسم له مواقف حميمية لكليهما إلا أنه يجلس في الشرفة هارباً مما تمنى قربه طوال حياته!
"يوسف، يوسف، يوسف"
رددها بلال غاضباً متذكراً همسها بإسم رجلاً غيره، تخطأت في إسمه وهي بين ذراعيه إلا إذا كانت تتخيل يوسف من معها.
تضاعف غضبه وكرهه لها، شعر بالتقزز والنفور منها.
عقله لا يتوقف عن التفكير، ذاكرته تعيد له همساتها بإسم غير إسمه، كلما تجددت الحادثة في ذاكرته كلما شعر بشعور آخر نحوها، لكن الشعور المسيطر الآن هو الكُره الشديد لها، فهي نجحت في تعكير أجمل ليلة كانت ينتظرها بفروغ صبر.
شعر بلال أنه سيصاب بالجنون إن ظل يفكر فيما حدث، وخشى أن يعود لحالته مرة أخرى ففضل الهروب من الواقع.
اختلس نظرة للخارج فلم يجدها واقفة، نهض وعاد إلى الردهة ثم توجه إلى الأريكة واستلقى بجسده عليها مرغماً عقله وعينيه على أخذ قيلولة، بعد محاولاتٍ فاشلة قد نجح أخيراً في ذهاب عقله.
في الغرفة، عقلها كان منشغلاً به، لم يرف لها جفن قبل أن تطمئن عليه، تخشى حدوث مكروه له، وما يثير قلقها هدوئه منذ وقت.
عقلها يحثها على الخروج والإطمئنان عليه وداخلها يرفض تخطي خطوة خارج الغرفة خشية أن تنال نصيباً من بطشه إن أجبرت نفسها عليه.
لكن لا يهم، فما عاشه بسببها منذ قليل يستحق الإهتمام به حتى وإن قابلها بالرفض.
وقفت أمام الباب وزفرت أنفاسها عدة مرات قبل أن تدير مقبضه وتخطو للخارج، تقدمت باتجاه الردهة بتهمل شديد وقلبها يخفق بقوة.
هدأت نبضاتها حين رأته غافياً على الأريكة، اقتربت منه بحذر ومالت عليه تستمع لأنفاسه، فتنهدت براحة حينما شعرت بحرارتها ترتطم في وجهها.
عادت إلى الغرفة آخذة غطاء من خزانتها، ثم دسرته أعلاه برفق لكي لا يستيقظ.
هرولت إلى غرفتها وتوسطت الفراش ثم ضمت ساقيها بذراعيها مستندة برأسها عليهم.
لم تكف عن إيلام نفسها، كيف تفعل ذلك؟ كيف تهمس بإسم يوسف في ليلة زفافها؟!
كيف لم تكن حريصة وتمتنع عن تخيله في ذاك اليوم؟
كيف قللت من شأن الرجل الذي يحقق أحلامها قبل أن تخبره بها، لقد أساءت له وأهانت كرامته.
رفعت رأسها وطالعت الفراغ أمامها لاعنة عقلها الذي لم يفكر لثانية قبل أن تتفوه بإسم رجل غيره وهي بين ذراعيه، لكمت رأسها مرات عديدة وهي تردد:
_ غبية، غبية.
لقد انتقى من أجلها أجمل الأثاث وكان حريصاً على اختيار جميع ما تقع عينيها عليه، تعيش في منزل كالقصر، لم ينقص لها شيء.
أختار من الحُلى أجملهم وأغلاهم ثمناً، كان يتودد إليها بعينيه وكلماته الحنونة، وهي ماذا فعلت له؟
لقد ردت الحُسنة بالإساءة!
استلقت على الفراش وتكورت في نفسها حتى باتت صغيرة الجسد، محاولة النوم لعلها تهرب مما اقترفته، لكن كيف ينام المرء وهو متسبب في حزن قلب أحدهم؟!
لم تجف عينيها قط فعبراتها تتساقط في صمت، عاكسة تلك الضجة الحادثة داخلها، كيف تسببت في هدم سعادته في لحظة؟
كيف تحولت تلك الليلة التي كان ينتظرها بفروغ صبر إلى ليلة تعيسة وحزينة؟!
العديد والعديد من الأفكار التي تتخبط بينهم ناهيك عن ضميرها الذي لا يكف عن تأنيب ذاته، إلى أن شعرت بالتعب ينهال عليها وخصيصاً عينيها التي أرهقتها الدموع حتى سقطت على الفراش فاقدة وعيها.
في الصباح، فتح بلال جفنيه بتمهل، لوهلة لم يلاحظ مكان نومه.
تدفقت الدماء سارية في شريان قلبه فأدت إلى تسارع نبضاته حينما تنشطت ذاكرته بما حدث أمس.
شعر بدفء يعلوه فتفحص ذاته وتفاجئ بذاك الغطاء، أبعده سريعاً عنه ثم ألقاه بعيداً، اعتدل في جلسته خافياً وجهه براحتي يده، يشعر بالتعاسة التي ملئت قلبه، شعور النفور المختلط بالندم يرافقه.
كم كان أبله حينما ظن أن بإستطاعته سلب عقلها وكسب حبها بشراء بعض الحُلي الثمين والأثاث الحديث.
نهض عن الأريكة وتوجه إلى غرفته التي بات لا يكره سواها، يكره تلك الذكرى التي عاشها بها، يكره رائحتها آنذاك، يكره لهفته على التودد إليها على فراشهم الجديد.
وقف أمام باب الغرفة ثم فتحه وطالع جسدها المتكور في نفسه وظل يردد أنه يكرهها.
اختفى ذاك الحب الذي كان يكنه لها وتحول إلى بغض وكره شديدان.
تقدم بخطاه للداخل ناظراً إلى الخسائر الذي تسبب بها، تعجب من غضبه الذي ظهر البارحة، فلم يثور يوماً مثلما كان أمس.
يتسائل كيف نجت تلك الفتاة بحياتها ولم يفتك بها لحظتها؟
تابع سيره متجهاً إلى غرفة الملابس، وقام بتبديل بيجامته إلى بنطال جينز أسود وقميص أبيض ثم خرج من الغرفة وغادر المنزل.
ترجل إلى الطابق الأول حيث منزل والديه، تردد كثيراً في قرع الجرس لكن في النهاية خضع لما يحثه عقله على فعله.
جاءه الرد بعد ثوانٍ، لم تتوقع والدته قط زيارته لها المبكرة، لوهلة طالعته بذهول ثم تقوس ثغرها للجانب مبتسمة في سعادة ثم صاحت مهللة:
_ يا صباح الهنا يا أحلى عريس في الدنيا، صباحية مباركة يا حبيبي.
تردد صدى زغاريدها في السلم فأسرع بلال في إيقافها:
_ بس يا ماما هتلمي علينا الناس.
هدأت زغاريدها تدريجياً حتى اختفت ثم رحبت به بحفاوة كأنه غائب عن المنزل منذ أشهر فتعجب بلال من استقبالها الحافل وهتف ساخراً:
_ إيه كل دا، دا أنا لسه سايبك بليل.
ربتت على يديه والسعادة ظاهرة في عينيها ثم قالت موضحة:
_ فرحانة بيك يا حبيبي.
اقتربت ثم لكزته في كتفه غامزة إليه بعينيها اليمنى:
_ طمني عليك يا حبيبي وعلى إيمان، هي كويسة؟
حاول بلال جاهداً بألا يكون بارداً في رده لكي لا تشعر بشيء وأجابها مختصراً:
_ كويسين، كويسين يا حبيبتي.
جاب المكان من حوله بنظراته هارباً من أسئلتها التي لن تكف عن سؤالها بقوله:
_ بابا فين؟
أجابته بلهفة:
_ نزل من شوية.
هز بلال رأسه ثم توجه إلى غرفته معللاً ذهابه إليها:
_ ياااه أوضتي وحشتني أوي.
قفز على الفراش فتشكل الذهول على تقاسيم والدته، وضعت يديها في منتصف خصرها قبل أن تهتف بعدم تصديق:
_ أوضة إيه اللي واحشتك يا بكاش دا اللي يشوف لهفتك على الجواز يفكر إنك هتنسانا!
تشكلت بسمة متهمكة على شفتي بلال لا إرادياً فاستشفّتها والدته وشعرت بثمة أمر به، حتماً هناك ما يوجد خلفه.
طالعته بأعين ضائقة وسألته مستفسرة بقلق:
_ أنت متأكد إنكم كويسين؟
أكد بلال أنهما بخير بإيماءة من رأسه ورسمه لإبتسامة زائفة قبل أن يردف:
_ أيوة كويسين.
تنهد قبل أن يواصل استرساله:
_ ما تعملي فنجان قهوة بإيديكي الحلوين دول أصل أنا مصدع أوي.
تُفاجئت شهيرة بطلبه، فمن التي في خدمته الآن حتى يطالبها بذلك وليست زوجته، كانت متأكدة أن هناك ما حدث وعكر صفوه وبالتأكيد لن يخبرها إذا سألته مرة أخرى، لكنها تعلم جيداً من الذي يمكنه معرفة ماذا به.
انسحبت بهدوء إلى الخارج فتجهمت تعابيره تلقائياً فور خروجها.
همسها بإسم "يوسف" لازال يتردد في أذنه وكأنها إلى جانبه تعيد وقاحتها.
ازداد غضبه ونفوره منها، لم يعد يريدها، لكن كيف سيحدث ذلك؟ بالتأكيد لن يرسلها إلى عائلتها ثاني يوم لها معه، عليه إخماد غضبه والتفكير بذهن صافِ لكي لا يقع وزر على عاتقه ويكون المخطئ في نظر الجميع.
في الخارج، وقفت شهيرة على باب المطبخ بعد أن وضعت القهوة لتُطهى، تراقب المكان خشية خروج بلال في أي لحظة ثم قامت بعمل مكالمة هاتفية.
"السلام عليكم، مين معايا؟"
أردفهم بصوته الأجش فأجابت هي مع مراعاة هدوء نبرتها:
_ وعليكم السلام، أنا أم بلال يا يوسف، إزيك.
أجابها يوسف بغرابة لإتصالها الذي أثار القلق فيه:
_ الحمدلله.
حمحمت وقالت وعينيها مصوبة على غرفة بلال:
_ معلش يا يوسف إني بكلمك بدري كدا بس بلال هنا وأنا حاسة إن فيه حاجة وبيحاول يخبي عني، ممكن تيجي تشوفه وتتكلم معاه يمكن يحكي لك، أنا عارفة إنه مش بيخبي حاجة عنك.
أثارت كلماتها القلق داخله، تفقد ساعة الحائط فالوقت مازال باكراً للغاية، لماذا قد يعود بلال لبيت والديه في تلك الساعة المبكرة؟
أخرج زفيراً قبل أن يخبرها:
_ حاضر جاي.
أغلق الهاتف وأعاد وضعه في جيبه ثم هز رأسه باستنكار شديد، فتلك عواقب تحذيراته لطالما حذر بها بلال وهو لم يصغي إليه.
خرج من غرفته فقابلته مشاكسته بإبتسامتها المعهودة وأردفت برقة:
_ Gün adın سوفيرد عليه يوسف وعقله مشغولاً فيما أخبرته به والدة بلال:
_ صباح الخير، قولي لميمي إني مستعجل أفطروا أنتوا.
غادر المنزل تحت نظراتها المتابعة له، ارتخت ملامحها وبدت متملقة فلم ينتظر حتى تخبره بما لديها، نفخت بضيق ثم ولجت المطبخ لتخبر السيدة ميمي بذهاب يوسف.
بعد مرور دقائق قليلة، سمعت شهيرة طرق باب منزلها، أسرعت في فتح الباب واستقبلت يوسف بترحاب شديد، فسألها هو مستفسراً:
_ بلال فين؟
أشارت بيدها على غرفته قائلة:
_ في أوضته من وقت ما نزل وهو قاعد فيها وآخر مرة دخلت له القهوة اللي طلبها قالي سبيني لوحدي.
تأكد يوسف أن هناك ما حدث بينهما أو ربما لم يحدث وذلك ما يضايقه، أخرج زفيراً قبل أن يدلف غرفة بلال بعد أن طرق الباب وسمح الآخر له بالدخول ظناً أنها والدته، فتفاجئ بدخول يوسف.
لوهلة شعر بالغضب يتأجج داخله، طالعه ببرود دون ترحيب، بينما بادله يوسف ابتسامة عريضة مشاكسًا إياه:
_ لا لا متوقعتش أنك تورينا وشك قبل شهرين تلاتة كدا.
لم تتغير ملامح بلال بل كانت جامدة تثبت ليوسف أن هناك مصيبة قد وقعت، اقترب منه وسحب كرسي وجلس أمامه قبل أن يسأله باهتمام:
_ عامل ايه؟
ببرودٍ أردف بلال سؤاله:
_ أنت إيه اللي جابك؟
رمقه يوسف بنظرات احتقارية ثم لكزه في صدره بعنف قبل أن يردف مستاءً:
_ إيه المقابلة دي وأنا كنت نايم في حضنك طول الليل؟
شعر بلال بفظاظة أسلوبه فرقق من تعامله:
_ لا بجد عرفت منين إني هنا؟
فكر يوسف لثوانٍ قبل أن يخبره:
_ حسيت.
رمقه بلال بطرف عينيه ثم ظهرت إبتسامة على محياه، اعتدل في جلوسه حيث يكون قريباً منه وقال بهدوء:
_ مش فايق لرخامتك يالا، جاي تعمل إيه؟
لم يطل يوسف وأوضح سبب وجوده:
_ جاي أشوفك بتعمل هنا إيه ماهو مش طبيعي يعني تبقى قاعد في أوضتك الساعة ٩ الصبح وسايب بيتك ومراتك.
تجهمت تعابير بلال ولم ينجح في إخفاء غضبه الواضح، استشف يوسف ملامحه المشدودة وأردف سؤاله مهتمًا لأمره:
_ هو حصل حاجة؟
عاد بلال بأنظاره عليه قبل أن يسأله بتردد:
_ حاجة إيه؟
رفع يوسف كتفيه مبدي عدم معرفته، تنهد وقال عدة اقتراحات:
_ مش عارف، مثلاً شديتوا مع بعض، محصلش اللي...
قاطعه بلال ناهياً الحوار بينهما:
_ مفيش حاجة حصلت يا يوسف إحنا كويسين، ارتاح.
"متأكد؟"
سأله للمرة الأخيرة فأكد بلال عدم وجود شيء بقوله:
_ يابني مفيش حاجة، يلا قوم امشيني.
اتسعت مقلتي يوسف بدهشة ومازحه:
_ أنت بتطردني؟!
نهض بلال عن الفراش وهتف مسايراً إياه في مزاحه:
_ أنا كدا كدا طالع أنت هتقعد تعمل إيه، تطبخ مع أمي؟
طالعه يوسف باحتقار زائف ثم نهض وتقدم عنه بضعة خطوات قبل أن يلتفت برأسه متسائلاً باهتمام:
_ يعني كله تمام؟
قلب بلال عينيه ثم صاح:
_ يابني كله تمام أعمل إيه عشان تصدق.
تنهد يوسف ثم حاول تصديقه:
_ حاول أصدقك.
أجبره بلال على الخروج بوضع يديه على ظهره دافعاً إياه للخارج وهو يردد:
_ طب يلا برا.
ارتفعت ضحكاتهم فوقعت على مسامع شهيرة وسببت لها السعادة، انضمت إليهما وطالعت بلال بعينين لامعة وهي تراه يضحك ببشاشة، وجهت بصريها على يوسف وأرسلت إليه بعض الإشارات المتسائلة من خلال عينيها فهتف يوسف بمرح:
_ زي القرد أهو مفيهوش حاجة.
تفاجئ بلال بكلمات يوسف ثم عاتب والدته ممازحاً:
_ يعني أنتِ اللي بلتيني بيه على الصبح كدا؟
لم تستطيع شهيرة إخفاء ضحكاتها التي أثبتت له حدسه، فهز بلال رأسه مستنكراً تصرفها لكنه لم يعقب، فلا يمتلك القوة لخلق أحاديث ولوم، هو فقط يريد الهروب من الجميع، وكانت فكرة نزوله غير موفقة بالمرة.
غادر يوسف بينما صعد بلال للأعلى جاهلاً مستقبله مع تلك الفتاة.
في تلك الأثناء استيقظت إيمان من نومها، جابت الغرفة بنظريها، لا تتذكر متى غابت عن الوعي، نهضت ثم ولجت المرحاض وغسلت وجهها وعادت للغرفة، نظرت للباب بتعجب فهي لم تتركه مفتوحاً.
تقدمت نحوه وكادت أن تعيد غلقه لكنها تراجعت وتابعت سيرها للخارج لترى إن كان لازال نائماً ام استيقظ فهي مدينة له باعتذار.
انقبض حاجبيها فور عدم رؤيتها له، استدارت بجسدها لتعود إلى الغرفة إلا أن انتبهت لفتح الباب، خفق قلبها بذعر حين وقعت عينيها عليه.
لم يعطيها بلال أي اهتمام وكأنها نكرة، استلقى على الأريكة ثم دعس على جهاز التحكم وظل ينتقل بين القنوات.
شهيقاً وزفيراً فعلت إيمان وسارت نحوه بخطى متهملة، وقفت أمامه فحجبت عنه الرؤية، أخفض الآخر بصره بهدوء دون تعقيب.
عضت إيمان على شفتيها شاعرة بحرج شديد يشوبه الندم على ما فعلته، جاهدت على كسب بعض القوة لكي تعتذر منه وتنهي ذاك الخلاف.
حمحمت قبل أن تردف بخفوت:
_ أنا آسفة.
تشكلت ابتسامة ساخرة على شفتي بلال، صوب بصره عليها وردد بذهول:
_ آسفة! بس كدا؟
لم تستطيع النظر في عينيه الذي يلومها من خلالهما وحاولت وضع بعض التبريرات:
_ مكنش قصدي معرفش أنا قولت كدا إزاي ااا...
لم يعد في استطاعتها مواصلة حديثها بينما نهض بلال وظل يقترب منها بخطوات رزينة وهو يردد كلماتها:
_ أنا آسفة، مكنش قصدي، معرفش أنا قولت كدا إزاي!!
وقف قبالتها وانحنى برأسه ليكون في نفس مستوى طولها وصاح منفعلاً:
_ دا أنا كنت هخسر صاحبي بسببك!! وأنتِ تقوليلي آسفة!! دا أنا اول ما شوفته كنت هرمي اللوم عليه وأقوله مراتي نطقت باسمك أنت مش بإسمي!
كنت هخسر عشرة ٢٥سنة بسببك أنتِ!
أجبرها على النظر إليه برفعه لوجهها، ظل ممسكاً بذقنها وواصل هتافه من بين أسنانه المتلاحمة:
_ عارفة اللي بتنطق إسم راجل تاني غير جوزها وهي في حضنه دي بيتقال عليها إيه؟
بيتقال عليها وسـ...
قاطعته إيمان بإبتعادها عنه ثم توسلته قائلة:
_ لو سمحت يا بلال بلاش غلط.
قهقه بلال قبل أن يصرخ عالياً:
_ غلط؟ هو أنا لسه قولت غلط؟ دا أنا هعـ...
خرجت إيمان عن صمتها وانفجرت به بكل ما أوتي من قوة:
_ كفاية بقا كفاية، أنا مغلطتش، مش أنا السبب في اللي إحنا فيه دا، أنت السبب، أنت اللي مشيت كل حاجة بسرعة، أنت اللي أناني ومفكرتش غير في نفسك وبس، مكنتش بتفكر غير في اللي أنت عايز توصله وبس، وهو أديك وصلت برافو.
صفقت له أيمان ثم اقتربت منه وهي تشير على نفسها:
_ ومفكرتش مرة فيا، مفكرتش أنا عايزة كدا ولا لأ، مفكرتش تديني حتى مهلة أخد عليك، أنت قولت نمشي كل حاجة بسرعة وبعدين نتعرف على بعض براحتنا، بحييك على تعارفنا ببعض، باللي عملته دا خليتنا أتعس اتنين في الدنيا.
أدارت له ظهرها لتعود إلى غرفتها فهدر هو شزراً:
_ أنا اللي غلطان فعلاً، بس غلطان إني حبيتك!
اهتزت إيمان من اعترافه الصريح، هرولت إلى الغرفة وأوصدت بابها، جلست أرضاً وجهشت باكية بحزن شديد تحول بعد لحظاتٍ إلى غضب وكره.
نهضت عن الأرضية واتجهت إلى أحد الأدراج والتقطت منه مقص ثم أسرعت باتجاه فستان زفافها ولم تتردد في خرق كل ثغرة به لاعنة ذاك اليوم الذي استسلمت به ولم تبدي رفضها لتلك الزيجة.
ألقت المقص بعيداً عنها وتكورت في نفسها تبكي بغزارة، كانت تضرب رأسها من آن لآخر كلما تذكرت ما اقترفته في حق نفسها.
انتبهت على رنين الهاتف، فمسحت على أنفها الذي سالت مائه وأجابت على هاتفها بنبرة مهزوزة:
_ الو.
استشعرت والدتها نبرتها الغريبة وسألتها بقلق:
_ مالك يا إيمان أنتِ كويسة؟
أحقاً تسألها إن كانت بخير أم لا؟! هل استطاعت نطقها وهي على علم بحقيقة الأمور؟ لم تستطيع تمالك صمودها وانفجرت باكية وهي تخبرها أنها ليست بخير:
_ مش كويسة خالص يا ماما.
أصاب الذعر هادية ثم هتفت بالعديد من الأسئلة:
_ حصل ايه بس؟ أنتِ بتعيطي كدا ليه؟ طمنيني عليكي.
أجابت إيمان من بين بكائها بتلعثم لعدم تمكنها من الحديث:
_ محتاجة لك اوي، ينفع تيجي؟
"أيوة طبعاً هاجي، مسافة الطريق وهكون عندك"
هتفت بهم هادية ثم أسرعت نحو غرفتها لتبدل ثيابها حتى تذهب إلى ابنتها، فلقد انفطر قلبها حزناً على صوتها الباكي وحالتها المذرية بينما وقعت إيمان على الفراش وظلت تبكي دون توقف.
كانت لينة تجلس برفقة السيدة ميمي عابسة، عقلها مشغول في أمراً ما، لاحظت صمتها طيلة فترة مرافقتها لها وسألتها بفضول لمعرفة ما يشغل بالها:
_ مالك يا لينة بتفكري في إيه كدا من وقت ما قعدتي معايا؟
تنهدت لينة بملل ممزوج بالحزن قبل أن تجيبها:
_ يوسف شكله نسى عيد ميلادي!
حاولت ميمي تبرئته بقولها:
_ يمكن الوقتي يفتكر ويكلمك، أنتِ عارفة يوسف مشغول إزاي الفترة دي.
عارضتها بعدم اقتناع:
_ يوسف على طول مشغول وعمره ما نسى عيد ميلادي وكان أول واحد بيفتكره ويقولي كل سنة وأنتِ طيبة.
زمت شفتيها بحزن قبل أن تتابع مستاءة:
_ بس شكله كدا شافني كبرت ومعتش هيهتم بحاجة تخصني.
لم تعلق ميمي بل تركتها تخرج ما في جوفها، بينما شعرت الأخرى بالملل يجتاحها حينما لم تبادلها ميمي الحوار، استأذنت منها ودلفت غرفتها تفكر في عمل أشياء تشغل عقلها عن يوسف، بينما ظهرت إبتسامة على شفتي ميمي لتصرفاتها الطفولية، ثم تابعت طهيها للطعام.
"أستاذ يوسف، استنى"
هتف بهم أحد الشباب منادياً على يوسف فتوقف الآخر وأردف بلطف:
_ إزيك يا طارق؟
وقف طارق يلتقط أنفاسه وأجاب:
_ بخير الحمدلله، كنت حابب أوريك حاجة شوفتها وأنا براجع الكاميرات عندي في المحل.
رمقه يوسف بطرف عينيه قبل أن يسأله مستفسراً:
_ حاجة إيه؟
تنهد طارق وقال مختصراً:
_ تعالى وشوف بنفسك.
سار يوسف برفقته حتى دلف كليهما لمكان عمل الشاب، جلس طارق أمام شاشة الكمبيوتر ثم أعاد تشغيل الفيديو الذي أوقفه قبل قليل.
انحنى يوسف بقرب الشاشة ليرى ما الأمر، اتسعت مقلتيه تلقائياً فور رؤيته لذاك الرجل الملثم الذي قطع له الفرامل.
ابتلع ريقه وتحدث بلهفة وهو يشير إلى السيارة التي خرج منها الرجل:
_ أعمل زوم يا طارق على رقم العربية لو سمحت.
ضاعف له طارق حجم الصورة فظهرت أرقام السيارة بوضوح، استعار يوسف ورقة وقلم منه ثم دون بها أرقام السيارة لكي يبحث عن أولئك الأوغاد، وتوعد لهم بأشر انتقام.
شكر الشاب لتعاونه ثم هاتف أحد معارفه في إدارة المرور وأعطاه الرقم ثم أنهى المكالمة قائلاً:
_ حبيبي يا مراد باشا، هستنى منك مكالمة.
وضع الهاتف أمامه في السيارة ثم تحرك بها بعيداً قاصداً مكان عمله لينهي بعض الأعمال سريعاً.
قرع الجرس أخرجه من شروده، توجه نحو الباب وفتحه فإذا بها والدة إيمان، قابلها بملامح جامدة فلم ينجح في تصنع سعادته تلك المرة، تعجبت هادية من مقابلة بلال الجامدة فلم يكن يوماً هكذا.
حمحمت بحرج شديد ثم تسائلت باهتمام:
_ إزيك يا بلال؟
باختصار أجاب:
_ كويس.
لاحظ عينيها الباحثة عن ابنتها فأردف بنبرة خشنة:
_ إيمان في الأوضة، أنا هنزل عشان تكونوا على راحتكم.
لم ينتظر ردها بل غادر على الفور، ازدادت حيرة وقلق هادية من أمرهما، دعت داخلها بأن تجد عاقبة الأمور هينة، توجهت نحو غرفة ابنتها وقلبها يكاد يقتلع من مكانه لشدة تدفقه خشية وقوع ماهو سيء.
أمسكت مقبض الباب وحاولت فتحه لكنه كان موصداً من الداخل، طرقت عليه برفق معلنة عن مجيئها:
_ إيمان افتحي الباب.
في غضون ثوانٍ كانت قد فتحت لها الباب، صعقت هادية من تورم جفنيها وحالتها المذرية، ألقت إيمان نفسها بين ذراعي والدتها وانهمرت باكية، فبثت الخوف في قلب والدتها التي انهالت عليها بالأسئلة:
_ أنتِ عاملة في نفسك كدا ليه؟ وبلال ماله مقابلني وهو مش طايق نفسه؟ حصل إيه لكل دا احكي ليا.
ازداد نحيب إيمان فصاحت والدتها بتوجس شديد:
_ بطلي عياط وفهميني إيه اللي حصل، انطقي يا إيمان قلبي هيقف من كتر الخوف.
أدارت إيمان ظهرها وعادت إلى الغرفة، حاولت السيطرة على بكائها، تبعتها هادية وقد وقعت عينيها على الزجاج المتناثر، فوقع قلبها رعباً، وتسائلت ما الذي أدى لذاك الجنون؟
بعد مرور بضعة دقائق استطاعت إيمان تمالك نفسها واستعادة جزء من رونقها.
تنهدت هادية وهي تربت على ظهرها بحنو ثم قالت:
_ أحكي بقا إيه اللي حصل؟
أخبرتها إيمان ما عاشته منذ ليلة أمس إلى الوقت الحالي أسفل ذهول هادية التي وقعت بين طياته، هزت رأسها رافضة تصديق ما وقع على مسامعها.
خرجت من صمتها مرددة ما يدور في عقلها:
_ أنا مش قادرة أستوعب إنك عملتي كدا؟ أنتِ نطقتي بإسم يوسف يوم فرحك يا إيمان؟
توسلتها إيمان أن تتوقف عن المعاتبة فهي لم تعد تتحمل سماع المزيد:
_ أبوس ايدك مش عايزة لوم، اللي أنا عيشته من امبارح للنهاردة بعمري كله، معتش قادرة أسمع كلمة زيادة.
طالعت أمامها لبرهة قبل أن تسترسل:
_ هو السبب في اللي إحنا دا، وأنتِ كمان السبب.
بكت وهي تتابع تحت نظرات والدتها المصدومة:
_ وأنا كمان السبب!
يعني إيه نجيب اتنين ملهمش علاقة ببعض نحطهم في بيت واحد والمفروض يتعاملوا مع بعض عادي؟!
ما طبيعي يفشلوا من أول دقيقة، مش عارفة إزاي سمعت كلامك وكملت من غير ما أرفض، مش عارفة إزاي كنت مغيبة بالشكل دا؟
أنا غبية واستاهل كل اللي يجرالي.
لكمت إيمان رأسها بقوة، فأسرعت والدتها في منعها من مواصلة ما تفعله، ثم قامت باحتضانها، سقطت عبراتها بسبب إيلام إيمان لها، لم يكن في مقدرتها سوى مؤازرتها بالمشاعر فقط، فلم يكن لديها كلمات لتطيب بها جرحها وأي كلمات ستطيبه بعد ما مرت به؟
بعد مرور ثلاثون دقيقة من السكون، لا تشعرن إحداهن إلا بأنفاسهن، تنهدت هادية قبل أن تسألها بخفوت:
_ بقيتي أحسن الوقتي؟
أماءت إيمان بتأكيد وابتعدت عنها، ابتسمت لها والدتها ثم أردفت ما توصلت إليه:
_ أنا مش هعاتب ولا هدي نصيحة لأن الاتنين ملهمش لازمة خلاص، بس أنا عايزة أقولك إني معاكي في أي قرار هتاخديه، سواء حاولتي تحافظي على بيتك وتظبطي علاقتك مع جوزك أو...
باتت الكلمات أكثر ثقلاً على لسان هادية، زفرت بعض الأنفاس وعادت لمواصلة حديثها:
_ أو تطلقي. أنا معاكي في أي قرار المهم إنه يكون في مصلحتك، بس ليا طلب عندي.
نظرت إليها إيمان باهتمام وآذان صاغية فتابعت والدتها:
_ لو قررتي تطلقي، استنى على الأقل فترة، لأن طلاقك في الوقت دا هينعكس عليكي بالسوء، والكلام عليكي هيكتر وأنا مش عايز اكي تعيشي الحاجات دي عشان متتعبيش.
اكتفت إيمان بإيماءة من رأسها فنهضت هادية مبتعدة عنها ثم التقطت حقيبتها وقالت مودعة بآسى:
_ أنا مش هينفع أقعد أكتر من كدا لأني مقولتش لابوكي إني هخرج، ابقي كلميني طمنيني عليكي على طول.
اقتربت منها ثم طبعت قُبلة على جبينها وغادرت المنزل، عادت إيمان إلى الغرفة وبدلت قميصها التي باتت عليه منذ البارحة بثياب أخرى محتشمة.
تابعها بنظراته حتى اختفت من المنطقة، فترجل إلى المنزل، لم يفضل مكوثة فترة وجودها عند والدته لكي لا يثير قلقها مرة أخرى ففضل الصعود لسطح البناية.
صغت إيمان إلى صوت إغلاق الباب، خرجت من الغرفة بعد أن قامت بجمع خصلاتها على شكل ذيل حصان، وقفت في الممر الذي يفصل بين الغرف ووجهت حديثها له بجمود:
_ أنا من حقي أعرف إحنا هنتعامل إزاي مع بعض؟
ببرود تام أجاب بلال بعدما وقف على بعد مسافة منها:
_ مش هنتعامل.
اغتاظت إيمان من رده البارد وصاحت بإقتضاب:
_ يعني اتنين في بيت واحد مش هيصدف إننا نتعامل مع بعض؟
هز رأسه مراراً ثم اقترب منها فتراجعت هي للخلف خشية أن يتطاول عليها، مر بلال من جوارها ثم دلف غرفته ومنها إلى غرفة الملابس، جمع ثيابه وخرج من الغرفة تحت نظرات إيمان التي سألته بفضول:
_ أنت بتعمل إيه؟
لم يجيبها وتابع سيره إلى غرفة الأطفال خاصتهم، وضع ثيابه على أحد الأفرشة الكائنة في الغرفة ثم عاد إليها وقال بلهجة مقتضبة:
_ من هنا ورايح أنا في أوضة وأنتِ في أوضة، بيتك مليان بكل اللي تحتاجيه، ولو احتجتي لحاجة اكتبيها في ورقة وسبيها على التلاجة، عايزة تروحي زيارة لأهلك معنديش مانع، وفيه يوم إخواتي بيجوا تحت هننزل نقضي اليوم معاهم وهنبقى أسعد زوجين قدام أي حد، غير كدا ملكيش عندي حاجة، تمام؟!
تخطاها بخطواته وجلس في الردهة ينتقل بين القنوات ليشاهد أحد الأفلام، بينما كانت تقف إيمان على جمر متقد لقد خطط لحياتهم القادمة واتخذ موقفاً بالفعل، نفخت بضيق ثم شعرت بالجوع الشديد فهي لم تتناول شيء منذ صباح اليوم الماضي.
ولجت المطبخ وبحثت عن أشياء للأكل، أعدت بعض الشطائر لها وله، خرجت من المطبخ وتوجهت إليه ثم تركت ما معها على الطاولة فتفاجئت به يبعد الطبق بيده متمرداً على ما أحضرته.
لم تصمت تلك المرة وصاحت هاتفة بحنق:
_ زي ما أنت خططت ورتبت لدورك هنا في البيت سبيني أنا كمان أقوم دوري ماهو مش هقعد زي الأباجورة طول اليوم لغاية ما انفجر من الزهق!!
طالعها بلال لثوانٍ كانت كفيلة لإرهابها، لم تزد حرفاً وهرولت عائدة إلى غرفتها، بينما مال الآخر برأسه متفحصاً المكان فلم يجدها، أسرع في أخذ الشطائر وبدأ يتناولها بشراهة فلقد تضور جوعاً لكن سرعان ما أعاده ما تناوله فور تذكره لهمساتها، أبعد الطبق بيده ثم نهض وتوجه إلى المطبخ لكي يعد له طعام آخر.
في الغرفة، توسطت إيمان الأريكة وهتفت بغيظ:
_ مياكلش، أنا هاكل.
رفعت يدها بالشطيرة وقضمتها بشهية حتى أنهتها وقامت بتناول الاخرى في محاولة منها على تصنع اللامبالاة.
حل المساء، ولم يعود يوسف، كانت لينة تقف في نافذتها تشاهد النجوم بملل، انطفأت جميع المصابيح فجأة، فخفق قلب لينة رعباً فهي لا تكره سوى الظلام وتخشاه للغاية.
خرجت من غرفتها راكضة بعد أن وضعت حجاب رأسها فكان المكان مظلم للغاية، شعرت بوجود أحدهم خلفها فتسارعت نبضاتها بقوة من فرط الخوف، استدارت بجسدها وارتفعت وتيرة أنفاسها، جحظت عينيها حينما رأت ذاك الجسد العريض يتقدم نحوها فصرخت عالياً بذعر:
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم تسنيم المرشدي
"كل سنة وأنتِ طيبة يا ليلى"
دوى صوته العذب.
ثم اشتعلت الأضواء من حولهما.
تفاجئت لينة بهما وقد تبخر ذعرها فور رؤيتهما، لكنها مازالت أسفل تأثير الخوف.
وضعت يدها على قلبها وحاولت ضبط أنفاسها المتزايدة.
ثم اقتربت من يوسف ولكمته بقوة في كتفه معاتبة إياه:
"حرام عليك يا يوسف، قلبي كان هيقف."
بادلها الآخر ابتسامة.
فوجهت نظريها على السيدة ميمي ورفعت حاجبيها متعجبة من ابتسامتها.
وأردفت بدون تصديق:
"دا أنا قاعدة معاكي طول اليوم وأقولك يوسف نسى عيد ميلادي وأنتِ تقوليلي معلش تلاقيه مشغول!"
قهقهت ميمي عالياً ثم ردت عليها:
"يعني كنت أقولك وأبوظ المفاجأة؟"
هزت لينة رأسها باستنكار وعادت بأنظارها إلى يوسف الذي قال:
"وأنا ينفع برده أنسى عيد ميلادك؟"
أجبرها على الابتسام وهي تطالعه.
نظرت إلى الكعكة فهتف هو بسعادة:
"كبرتي يا ليلى وبقا عندك ١٨ سنة!!"
ازدادت ابتسامتها ثم تحركت نحوه إلى أن وقفت مقابله لا يفصلهما سوى الكعكة.
أوصدت عينيها لبرهة تتمنى أمنية قبل أن تطفئ الشمع.
أثارت الفضول داخل يوسف حول أمنيتها فسألها:
"اتمنيتي إيه؟"
اتسع ثغرها ببسمة رقيقة قبل أن تجيبه مختصرة:
"لما تتحقق هقولك."
ارتخت ملامح يوسف بتهكم وأردف مستاءً:
"أنتِ كل سنة تقولي الجملة دي ومبتقوليش حاجة؟!"
عضت لينة على شفتيها وهتفت بحماس يشوبه الحياء:
"ماهي نفس الأمنية.."
ازداد فضول يوسف حولها لكن ما باليد حيلة سينتظر حتى تخبره بتحقيق أمنيتها.
تنهد ثم أمرها بلطف:
"روحي هاتي الأطباق والشوك من المطبخ."
يماءت له بقبول ثم هرولت إلى المطبخ.
بينما استدار يوسف ونظر إلى والدته وسألها مستفسراً:
"كلمتيه؟"
حركت رأسها بتأكيد وقالت:
"كلمته وقالي إنه جاي."
اكتفى يوسف بإيماءة من رأسه ثم توجه إلى الأريكة في انتظار عودة لينة لكي يبدأ في تقطيع الكعك.
عادت لينة إليهما فبادر يوسف بتقطيع الكعكة ووضعها في الصحون.
بعد دقائق عاد زياد من الخارج بوجه عابس كعادته منذ يومين.
طالعهم من على بعد ثم أخذ شهيقاً وأخرجه على مهل وتابع تقدمه إليهم وخصيصاً من لينة.
وقف مقابلها ثم ناولها هديته المغلفة بورق مزين وردد بحرج:
"كل سنة وأنتِ طيبة."
نهضت لينة وأخذت ما معه مجيبة إياه بإمتنان:
"وأنت طيب يا زيزو، جبت لي إيه؟"
أجابها وهو يفرك أصابعه بإرتباك:
"افتحي وشوفي."
لم تنتظر لينة لحظة وقامت بتفحص هديتها بلهفة.
تفاجئت بالكوب المرسوم عليه شخصية كرتونية بارزة عن الكوب.
اتسعت عينيها بعدم تصديق وهللت في سعادة:
"مارد وشوشني!"
تقوس ثغرها للجانب مشكلة ابتسامة عريضة عاكسة سعادتها الداخلية.
عادت بنظريها إليه وشكرته ممتنة:
"حلو أوي أوي، شكراً يا زيزو."
بادلها ابتسامة لم تتعدى شفتيه ثم تركهم ودلف غرفته.
نهضت والدته لتلحق به فأسرع يوسف بمنعها:
"استني يا أمي، هدخل له أنا."
أخذ نفساً عميق وتوجه إلى غرفته.
طرق بابها قبل دخوله فرأى أخيه يعتلي الفراش ممسكاً بهاتفه.
وضع زياد الهاتف جانباً فهتف يوسف بنبرة خشنة:
"أنت عـ..."
قاطعه زياد بترديده:
"أنا آسف."
ابتعد عن فراشه واقترب من يوسف الذي تملكته الحيرة من أمر اعتذاره وردد متسائلاً:
"بتتأسف على إيه؟"
حمحم زياد وأخفض نظريه فلم يتحلى بالشجاعة ليواجه أخيه.
تنهد قبل أن يجيبه:
"عشان كنت رزل معاك وقولت كلام مينفعش يتقال."
بهدوء قال يوسف:
"إذا كان كدا ماشي، أسفك مقبول."
انعقد حاجبي زياد تلقائياً.
فلم يعتاد تلك السلاسة دون إيلام.
رمق أخيه بطرف عينيه ثم صاح متعجباً:
"بس كدا؟!"
حرك يوسف رأسه نافياً وجود حوار آخر:
"أيوة بس كدا. أومال أنت عايز إيه؟"
جاب زياد الغرفة بعينيه مبدياً حيرته من حالة يوسف الهادئة ثم أردف:
"يعني مش متعود عليك سهل كدا، فين العصبية واللوم والخناق؟"
أخرج يوسف تنهيدة ووضع يديه في جيبي بنطاله.
وأجابه بصوته الأجش:
"أصلك كبرت!"
ظن زياد أنه يستهزأ به فهدر معاتباً:
"ما خلاص يا يوسف بقا انسى الكلام اللي قولته."
حاول يوسف توضيح اعتقاده له:
"لا بجد مش بتريق، طريقتي كانت غلط معاك، كنت المفروض آخد بالي إنك كبرت وطريقتي معاك كانت لازم تتغير!!"
لا يستطيع تصديقه، ما الذي تغير فجأة ليكون هادئاً ورزيناً بهذا الشكل.
ظل يحرك رأسه مردداً بعدم تصديق:
"هو اللي بيحصل دا بجد؟"
يماء له يوسف بتأكيد وقال:
"بجد."
ابتسم الأخوان تلقائياً.
بينما رفع يوسف يده ولكزه في كتفه فأطلق زياد أنات موجوعة.
ثم هتف يوسف وهو يحاوط كتفيه بذراعه:
"يلا عشان تاكل تورتة مع إنها خسارة فيك."
قهقه زياد ثم سار معه مجبراً رأسه على الانحناء بسبب يد يوسف المحاوطة لكتفيه.
خرج كلاهما وابتسامتهما تغزو وجهيهما.
أسرت السعادة قلب السيدة ميمي لرؤيتهما في هذا الوضع الحميمي.
تقوس ثغرها تلقائياً وابتسمت لهما ثم هللت بفرحة:
"ربنا يخليكم لبعض يارب وما يدخلش الشيطان بينكم أبدا."
اكتفت لينة برمقهما ببسمة سعيدة.
جلس جميعهم يتناولون الكعكة والأحاديث.
لم تخلُ جلستهم من الضحك والكوميديا.
ارتفع صوت زياد فأجبر الآخرين على الإصغاء حينما هدر:
"ما حد يشغل لنا حاجة حلوة نسمعها."
وافقته لينة الرأي ونهضت هاتفة بحماس:
"هشغل أنا على ذوقي."
ثم قامت بتوصيل هاتفها بالسماعة عن طريق البلوتوث.
أخذت دقيقتان حتى اختارت أغنيتها لشخصها المفضل حيث كانت كلماتها حنونة تمس القلب.
كانت بدايتها عزف هادئ يدل على تصنيفها الرومانسي.
فلم تعجب زياد الذي تذمر:
"إيه دا مُحن؟! لا الله يخليكي غيري بيقلب لي معدتي."
رمقته لينة بتقزز يشوبه الاستياء ثم هتفت:
"اسمعها الأول، هتعجبك."
بدأت كلمات الأغنية تقع على مسامعهم.
فنظرت لينة تلقائياً إلى حبيب فؤادها، وأسير قلبها بعينين لامعتين وهي تدندن مع الكلمات:
أصابك عشق أم رميت بأسهم؟
فما هذه إلا سجية مغرم.
ألا فاسقيني كاسات وغني لي
بذكر سليمة والكمان ونغم.
شعور مريب قد راود يوسف آنذاك.
شعر لوهلة وكأن كلمات الأغنية رسالة موحية إليه من خلال نظراتها التي لم ترفعهم من عليه قط.
ابتلع ريقه وحاول مسايرة الأمر وسماع بقية الأغنية وكأنه لا يوجد شئ.
يا داعياً بذكر العامرية أنني
أغار عليها من فم المتكلم.
أغار عليها من ثيابها إذا لبستها
فوق جسم من عمل.
ليل يا ليل ليل الليل يا ليل يا ليليا ليل يا ليل يا ليل، يا يا يا ليل يا ليليا ليل يا ليل يا ليل، يا ليل.
كلماتها أعجبته وخصيصاً ذاك المقطع الثاني.
لمس شيء داخله يجهل حقيقته.
لكنه كان مستمتعاً بما يقع على أذنيه.
تدخل زياد مقاطعاً لحظتهما بسخريته:
"غيري يابنتي البتاعة اللي أنا مش فاهم منها حاجة دي."
أوقفت لينة تشغيل الأغنية ورمقته بغيظ شديد قبل أن تبدي تذمرها:
"يا باي ما تسمع وتستمتع بقا بلاش فصلان."
كاد زياد أن يتابع استهزاءه من ذلك النوع الذي يتناقض مع شخصيته تماماً.
إلا أن يوسف تدخل بحسمه للأمر:
"شغلي يا لينة وسيبك منه."
اتسع ثغرها بابتسامة عريضة.
بينما تأفف زياد واضطر إلى الخضوع لكليهما حتى تنتهي تلك الأغنية المملة من وجهة نظره.
أعادت لينة تشغيل الأغنية وكانت متابعة اهتمام يوسف في مواصلة سماعها.
وكانت سعيدة للغاية بما يحدث.
أغار عليها من أبيها وأمها
إذا حدثاها بالكلام المغمغم.
وأحسد كاسات تقبلن ثغرها
إذا وضعتها موضع اللثم في الفم.
أغار عليها من أبيها وأمها
إذا حدثاها بالكلام المغمغم.
وأحسد كاسات تقبلن ثغرها
إذا وضعتها موضع اللثم في الفم.
ليل يا ليليا ليليا ليليا ليليا يا ليل.
انتبه يوسف لقلبه الذي لم يتوقف عن الخفقان منذ سماعه لتلك الأغنية.
انتبه لصراخ لينة وهي تنظر لوجهه بحد عينها.
فنظر تلقائياً في نفس وجهتها وإذا بأخيه يكاد يرتشف من كأسها.
فأسرع في سرقة الكأس قبل وصوله لفم أخيه ونهره بعنف:
"قولتلك قبل كدا اشرب من كوبايتك."
قلب زياد عينيه مستاءً من تصرفه وردد ساخراً:
"هو أنا فيا جراثيم ولا إيه؟!"
أجابته لينة وهي في طريقها للجلوس:
"مش بحب حد يشرب من حاجتي، بقرف."
اكتفى زياد برمقها بطرف عينيه بتهكم.
أخفض بصره على هاتفها الذي بيدها وأمرها بحنق:
"طب الغي الإقتران عشان هشغل من عندي."
أغلقت لينة تفعيل البلوتوث فاقترن هاتف زياد على الفور بالسماعة.
نظر إليهما بعجرفة وأردف:
"شوفوا بقا اللي يتسمع مش تقولي ليلى العامرية وأغار عليها من أبيها وأمها."
حرك رأسه مستنكراً وواصل استهزاءه:
"مش فاهم يعني بيغير من أبوها وأمها ليه يعني ناقص يقولها متطبخيش أصل بغير عليكي من عيون البوتاجاز."
لم يفشل في إضحاكهم بسخريته.
شاركه زياد الضحك أيضاً قبل أن يتابع:
"عايزين تعرفوا الغيرة اللي بجد اسمعوا دي."
انتبه جميعهم لما قام بتشغيله ذاك المشاكس وهو يشير بيديه على نفسه مطلقاً بعض الرقصات المجنونة:
غلطان في غيرتي عارف
عشان عليكي خايف.
وإنتي أقوى مني
ولا غيرك إنتي شايف.
غلطان في غيرتي عارف
عشان عليكي خايف.
وإنتي أقوى مني
ولا غيرك إنتي شايف.
لا داعي من وداعي
سامحيني في اندفاعي.
بهواكي يا ملاكي
ومنايا لو تراعيني.
لا داعي من وداعي
سامحيني في اندفاعي.
بهواكي يا ملاكي.
دخل الجميع في نوبة ضحك شديدة على ما يفعله بعفويته.
حتى شرقت السيدة ميمي فأسرع يوسف ليجلب لها بعض المياه.
وكذلك لينة التي وقفت بجوارها لتطمئن عليها.
شعرت ميمي ببعض الراحة حينما ارتشفت القليل من المياه ثم هتفت موجهة حديثها إلى زياد:
"يخرب عقلك يا زياد معتش قادرة آخد نفسي من الضحك."
غمز إليها بثقة ثم قال:
"عشان تعرفوا قيمتي بس."
عادوا إلى أماكنهم.
فشعر يوسف بالعطش.
مد يده تلقائياً وأخذ كوباً مملوء بالمياه وارتشفه كاملاً.
فتحت نظراتهم عليه.
تعجب من عينيهم المصوبة نحوه وسألهم بفضول:
"في إيه بتبصولي كدا ليه؟"
أجابته لينة ناظرة للكوب الذي في يده:
"دي كوبايتي!"
أخفض يوسف بصره على الكوب فتفاجئ بكوبها.
حمحم بحرج وأبدى جهله بكوبها:
"مخدتش بالي.."
حاولت لينة تغير الحوار عندما رأت حرجه الظاهر.
ونظرت إليه بأعين جاحدة فأثارت الرعب في قلبه وهتفت بتذمر:
"فين هديتك؟"
بالتأكيد لن يمرق زياد ما قالته دون وضع بصمته فهتف مازحاً:
"عشان تعرفي بس إني أنا اللي فاكرك."
تصدق يوسف بفمه بتهكم لحديث أخيه وردد وعنفه:
"وأنا يعني عمري نسيتها؟"
عاد بنظريه إليها وأوضح لها:
"أنتِ عارفة إني فاشل في اختيار الهدايا فأنا بسيب لك الحرية تختاري اللي تحبيه."
ابتسمت بعذوبة وحماس وهتفت:
"هديتي أنا عارفاها، عايزاك توديني البلد."
"البلد!"
رددها يوسف بتعجب.
فأوضحت هي ما تقصده:
"أيوة بلدي، وحشتني أوي يا يوسف، نفسي أروح وأشوفها لسه زي ماهي ولا اتغيرت، نفسي أدخل بيتنا تاني، مش يمكن ألاقي فيه حاجة نسيت آخدها وقت ما جيت معاك من هناك؟"
تجهمت تعابير يوسف وطالع أمامه دون إعطائها إجابة.
لاحظت لينة تغيره بل استشف الجميع ذلك.
فسألته متلهفة لسماع رده:
"أنت سكت ليه؟"
نظر إليها مبدياً رأيه في طلبها:
"عشان مش موافق."
تفاجئت لينة برفضه فكان أول طلب يرفضه لها.
استشف يوسف ذهولها فهدر بنبرة رخيمة:
"هنروح هناك يعني ذكريات هتتعاد ومواجع هتتقلب وأنا اللي هضايق عشان طاوعتك."
حاولت لينة نفي ظنونه لكي تستطيع إقناعه:
"مفيش الكلام دا، وبعدين حتى لو فرضنا إني اتأثرت فكونك أنت جنبي هفتكر على طول أنك كنت موجود معايا وقتها والسبب في سعادتي لغاية النهاردة، موافقتك هتفرق معايا أوي يا يوسف."
ظل يرمقها دون إجابة، يدرس الأمر جيداً في عقله قبل إعطائها رد آخر.
فلم تستطع صبراً وهتفت متوسلة بدلال:
"عشان خاطري يا سوفي."
أخرج تنهيدة بطيئة فواصلت هي بدلال مبالغ:
"عشاني، عشان ليلى وافق."
قلب عينيه وهو يتمتم بإقتضاب:
"ماشي."
صاحت لينة بسعادة عارمة.
فتدخلت السيدة ميمي قائلة:
"هتروحوا امتى؟"
أجابها يوسف بحسم:
"لما أظبط أموري في الشغل الأول وبعدين نروح."
دقت طبول السعادة قلب لينة.
فكانت سعادتها واضحة للجميع.
وقعت عينيها على الكأس الذي أهداها زياد إياه.
فالتقطته من على الطاولة مبدية إعجابها به:
"حلو أوي."
يصدح صوت يوسف حين قال:
"شبهك."
اتسعت مقلتي لينة بذهول ورددت بحنق:
"شبهي! ليه هو أنا بعين واحدة ومكعبرة كدا؟"
قهقه يوسف وكذلك الآخرون.
ثم أوضح مقصده:
"أكيد مش قصدي كدا، قصدي يعني إنك طفولية زيه."
حدقته بعينين متسعتين غير مصدقة ما رمى إليه:
"طفولية! أنت شايفني طفلة؟!"
بتلقائية عابثة أجابها:
"أكيد."
حاولت الاعتراض لتلك الرؤية الغبية:
"بس أنا مش صغيرة أنا تميت ١٨ سنة يا سي يوسف!"
لم يعرف ماهي نقطة اعتراضها بالضبط فأكد على رؤيته لها:
"حتى لو بقيتي تميتي ٣٠ سنة هتفضلي طفلة بالنسبة لي."
كان يردف كلماته ولا يدري ما يتسبب به.
فكان هذا بمثابة اعتراف صريح لكونها صغيرة لا تصلح لأن تكون حبيبته يوماً.
عبست تعابيرها ونهضت بهدوء وقالت:
"تصبحوا على خير."
غادرت المكان قبل أن تسمع لردهم مما أثار التعجب حولها وخصوصاً يوسف الذي لم يفهم سبب تحولها المفاجئ.
نهض ثلاثتهم لكي يحظوا بثبات هادئ عدا لينة التي لم يرف لها جفن.
فكانت كلمات يوسف غير هينة بالمرة.
شعرت بوخزة في صدرها ولم تختفي بسهولة.
نهضت وتوجهت نحو خزانتها ثم أخذت منها دميتها التي أهداها إياها يوسف.
فلقد تناستها تماماً.
عادت إلى الفراش واحتضنتها بقوة فتساقطت عبراتها أعلاها وظلت تبكي في صمت وكلماته لا تريد الإقلاع عن عقلها.
هطلت دموعها كالمطر الغزير حزينة على مشاعره الجامدة التي لم تتغير قط.
ألم يشعر بها ولو لمرة؟
ألم يلاحظ كلمات الغزل التي تخبره بهم من خلال نظراتها؟
ألا يقولون أن العاشق تفضحه عينيه؟
فلا يوجد تفسير لهذا الأمر إلا أنه جاهل لقراءة العيون.
لم تتوقف عن البكاء، فهذا كان حلمها الوحيد.
ألن تحظى بتحقيقه؟
أرهقها التفكير فاستسلمت للنوم الذي سيطر عليها خلال ثوانٍ.
***
في نهارٍ جديد، غازلت الشمس عينيها فتسببت في إيقاظها.
فركت عينيها ثم استلقت على الجانب المعاكس للنافذة حتى تحجب الضوء عنها.
فتحت عينيها بتهمل وراحت ببصرها على الغرفة.
انتفضت بتوجس حينما رأت آثار تحطيم الزجاج مازال متناثراً في الأرجاء.
فأعاد لها ذلك المشهد ثورة بلال.
خفق قلبها بذعر ولكنها طردت أفكارها المخيفة ونهضت متوجهة للخارج.
صغت إلى صوتٍ يصدر من المطبخ فلم تتردد في الدلوف.
شاهدت قامته المنتصبة وهو يعد الفطور.
زفيراً عميق أخذته ثم زفرته على مهل وتابعت تقدمها للداخل.
لم يشعر بها فأرادت جذب انتباهه:
"أحضر لك الفطور؟"
التفت برأسه وحدجها بنظراته الثاقبة التي بثت الرعب فيها ثم عاد ليواصل تحضيره دون تعقيب.
تأففت إيمان لكنها لم تصدر صوتاً.
فقد احتفظت بضيقها منه داخلها.
اقتربت بعض الخطوات منه فوقعت عينيها على الشطائر التي أحضرتها بالأمس.
وعلمت أنه لم يلمسها.
تنهدت قبل أن تردف كلماتها بنبرة مختنقة:
"إحنا مضطرين نتعامل مع بعض لأننا في بيت واحد، بلاش التجاهل دا أنا معملتش حاجة لكل دا!"
جائها رده الجامد وهو على نفس حالته لم يلتفت:
"لا مش مضطرة تتعاملي معايا ولا حاجة."
فرت دمعة على مقلتيها فأسرعت في مسحها.
أحضرت أدوات التنظيف وغادرت المطبخ سريعاً.
عادت إلى غرفتها لتجمع حطام الزجاج المتناثر.
أنهته بعد فترة قصيرة ثم بدلت ثيابها إلى أخرى.
انتبهت على رنين الجرس فخرجت من غرفتها لتعلم من الطارق.
"صباح الخير يا حبيبي."
ألقت شهيرة التحية على بلال فأجابها بلطف.
رآها شهيرة تقف في زاوية بعيدة عنهم فابتسمت لها ثم أردفت:
"إزيك يا حبيبتي، جيت أطمن عليكم وأشوفكم لو محتاجين حاجة."
جاءتها إيمان على استحياء.
فتعجبت شهيرة لثيابها التي لا تناسبها كـعروس.
لم تطيل النظر وسألتها بنبرة حنونة:
"محتاجة حاجة مني؟"
نفت إيمان بإيماءة من رأسها وشكرتها ممتنة:
"شكراً لحضرتك."
بادلتها شهيرة ابتسامة وعادت بنظريها إلى بلال وقلبها يخبرها أنهما ليسا بخير.
فهي لديها خبرة كافية في رؤية الأشخاص ومعرفة ما إن كانوا سعداء أم تعساء.
ولم ترى فيهما سوى إخفاء تلك التعاسة عنها متصنعين السعادة.
استأذنت منهما وغادرت.
لم يتوقف عقلها عن التفكير فيما هو أسوء.
كانت شاعرة بانطفاء ولدها الواضح.
فهي شهدت حماسته قبل زواجه ولهفته على التودد من إيمان.
فما الذي تغير الآن؟
عبست ملامحه وتجهمت فور ذهاب والدته.
التفت حيث تقف إيمان.
صوب نظره على جهة ما بها لبعض الوقت فأثار الفضول داخل إيمان ونظرت إلى ما ينظر.
فتفاجئت بالدماء تسيل من إصبعها.
لقد جرحته دون أن تشعر.
لم تطيل الوقوف مكانها وهرولت إلى المرحاض لكي تضمده على الفور.
كان بلال مهتماً لأمر ذاك الجرح ويريد معرفة ما إن كان عميق أم أنه سطحي.
لكن حتماً لن يسألها.
فقط سينتظر إن كان الأمر عصيباً فحتماً ستأتي وتطلب مساعدته.
لم يستطع الجلوس.
فجلس على حافة الأريكة حتى ظهرت هي.
لمح يدها سريعاً فرأها قد ضمدت أحد أصابعها.
وعلم أن الأمر لا يستحق فتوجه إلى الأريكة وجلس أعلاها وظل يتنقل في هاتفه بملل شديد.
بينما عادت هي إلى غرفتها فلم يكن هناك ما تفعله.
حتى تناولها للطعام لم يكن اقتراحاً جيداً.
فلقد فقدت شهيتها بعد حوارهما الأخير.
***
خرج من المكان متعجباً من عدم وجود أحد وسأل رجل الأمن مستفسراً منه:
"الموظفين راحوا فين يا عم آمين؟"
أخبره أمين بالأحداث التي جرت أخيراً:
"سمير بيه أعطاهم إجازة النهاردة، أنا فكرتك عارف."
حرك يوسف رأسه نافياً معرفته بقرار الإجازة وقال:
"لا معرفش حاجة، طيب أنت مختش إجازة معاهم ليه؟"
ابتسم أمين بسخرية قبل أن يجيبه:
"يمكن لو مكنتش أمن كنت أخدت، كلك نظر يا أستاذ يوسف."
استاء يوسف من سذاجة سؤاله وهدر:
"متآخذنيش يا عم أمين."
سكون ساد لثوانٍ قبل أن يأمره يوسف:
"طيب روح أنت يا عم آمين."
قطب الرجل جبينه بغرابة ممزوجة بالحماس وسأله:
"طب والمعرض؟"
باختصار أجاب الأخير:
"أنا هتصرف."
تقوس ثغر الرجل ببسمة عريضة هاتفاً بإمتنان:
"شكراً يا أستاذ يوسف ربنا يجعله في ميزان حسناتك."
بادله يوسف ابتسامة ثم هاتف أحد شركات الأمن حتى تؤمن المكان ليوم.
جلس في مكتبه وقام بعمل مكالمة هاتفية أخرى.
جاءته الإجابة خلال ثوانٍ بصوتها الناعس:
"إيه يا يوسف."
"أنتِ لسه نايمة؟ قومي البسي بسرعة."
أردفهما يوسف فاعتدلت لينة قليلاً وسألته بفضول:
"ألبس ليه؟ هنروح فين؟"
أخبرها مختصراً:
"مش عايزة تروحي بلدك؟"
اتسعت عينيها بذهول، قفزت مبتعدة عن الفراش ورددت بعدم تصديق:
"بتهزر صح؟"
أكد نيته في الذهاب معها بقوله:
"لا مش بهزر بتكلم جد."
أخذت تتلفت حولها جاهلة ما عليها فعله.
فجاءها صوته الساخر حينما تأخرت عن الرد:
"لو بتلفي حوالين نفسك أوقفي وروحي البسي."
توقفت لينة عن الدوران حول نفسها وسألته من بين ضحكها:
"أنت عرفت منين؟"
بثقة أجابها:
"عرفت منين؟ دا أنا حافظك."
ازداد ضحكها وهتفت بحيوية:
"طيب سلام عشان أروح أجهز نفسي."
ألقت الهاتف على الفراش وهرولت لتتجهز.
تشكلت ابتسامة على شفتي يوسف حينما رسم صورتها وهي تدور حول نفسها مضيفاً لخياله خصلاتها المموجة التي تحلق معها.
وقعت عينيه على شاشة حاسوبه المحمول.
فرأى انعكاسه.
اختفت ابتسامته فجأة وتمتم بينه وبين نفسه:
"في إيه يا يوسف مالك؟!"
أغلق الحاسوب ثم نهض ليستقبل رجل الأمن الجديد حتى يغادر عائداً إلى منطقته.
صف سيارته أسفل البناية وهاتف لينة يخبرها بعودته.
في البنايات المجاورة، كان بلال يقف في شرفة منزله.
فوقع نظره على سيارة يوسف.
لم يتردد في مهاتفته وما هي إلا لحظاتٍ حتى جاءه صوت يوسف:
"صباح الخير يا عريس، عقبال ما تقولهالي."
تقوس ثغر بلال بتهكم وهتف مستاءً:
"يلا ندورلك على عروسة وأنت تبقى زيي."
مشاكسة هدر يوسف:
"لا وقتها مش هبقى زيك، أنت هتكون راحت عليك خلاص."
قهقه بلال ثم سأله بفضول بعدما رأى لينة تستقل السيارة:
"أنتم رايحين فين كدا على الصبح؟"
أخبره يوسف بوجهتهم:
"رايحين بلد ست لينة."
أردف جملته وهو يطالعها فابتسمت هي بحماس.
سرعان ما تحولت تعابير يوسف إلى التعجب عندما قال بلال:
"طب استناني هلبس وجاي معاكم."
أغلق الهاتف ولم يعطه فرصة للتحدث.
ظل يوسف مطالعاً الهاتف لثوانٍ.
والكثير من الأسئلة قد راودته آنذاك.
قطعت عليه حبال أفكاره بسؤال لها:
"إحنا واقفين ليه؟"
التفت برأسه إليها قبل أن يجيب بغرابة:
"بلال جاي!"
انعقد حاجبيها تلقائياً مبدية غرابتها لمرافقة بلال لهما بقولها:
"بلال جاي يعمل إيه؟"
رفع يوسف كتفيه معلناً عدم معرفته.
بعد مرور دقائق قليلة ظهر بلال أمام مرأى عيني يوسف في المرآة الخارجية.
فأمر لينة بحرج:
"معلش يا لينة انزلي واقعدي ورا."
تأففت بضيق ثم امتثلت لأمره.
استقل بلال المقعد بجوار يوسف الذي طالعه وظل يحرك عينيه يميناً ويساراً متسائلاً عن وجوده.
فلم يريد إحراجه أمام لينة بسؤاله.
فاستشف الآخر حيرة يوسف وأجاب مازحاً:
"أصل أنا اكتشفت إني طلعت شوارعي جداً، قاعدة البيت دي مش كاري."
"يا سلام!"
هتف يوسف بها بعدم تصديق.
بينما تنهد بلال بملل قبل أن يردد:
"ما تطلع يابني هتفضل مبحلق لي كتير."
لم يكن أمام يوسف سوى التحرك بالسيارة مبتعداً عن منطقتهم.
قطع يوسف مسافة طويلة فشعرت لينة بالعطش فأخبرته بعفوية:
"سوفي، أوقف عند أول سوبر ماركت تقابله نجيب ميه."
يماء بقبول ثم انتبه على تمتمة بلال الساخرة:
"سوفي!!"
رددها ثم انفجر ضاحكاً وهو ينظر إلى يوسف الذي نادته لينة بـ سوفي.
كان يردد بسخرية من بين ضحكاته المدوية:
"هموت مش قادر، بقا أنت طلع اسمك سوفي!"
ثم يعود إلى قهقته مرة أخرى.
طالع يوسف لينة من خلال المرآة الأمامية ورمقها بغيظ قبل أن يهتف متذمراً:
"معتيش تنطقي حرف قدام الحيوان دا تاني."
لم تصمت لينة وأبدت زمجرتها من ضحكاته السمجة:
"وأنت مش بتدلع ولا إيه ولا إيمان مش بتعرف تدلع؟!"
توقف بلال عن الضحك لكن مازال وجهه مبتسماً.
فتابعت الأخرى بانتصار:
"أنا قولت كدا برده.."
اختفت ابتسامته تماماً من على محياه ولم تترك أثراً.
حاول بلال جاهداً أن يبدو طبيعياً إلا تعابيره قد خانته وتجهمت بشكل ملحوظ.
هرب منهما بنظراته التي تابع بها الحركة في الخارج.
لكنه كان ظاهراً لكليهما وضعه الذي انعكس كلياً.
شعرت لينة لوهلة أنها كانت مخطئة في حقه.
لا تعلم من أين أتى ذاك الشعور لكن عبوسه سبب لها الضيق.
بينما لاحظ يوسف تحول حالته.
وكان يزداد اليقين داخله أن صديقه ليس على ما يرام كما يدعي.
توقف أمام إحدى الاستراحات على الطريق واصطحب لينة إلى الداخل لكي تشتري ما يحلو لها.
في السيارة رفض بلال الترجل منها.
جذب هاتفه ونظر إلى المحاولات التي قامت بها إيمان الاتصال به.
فهو أغلق تفعيل خط هاتفه لكي لا يستطيع أحد الوصول إليه.
أو ربما هي!
أعاد الهاتف في جيبه عندما لمح عودة يوسف ولينة.
وضعت لينة الكيس البلاستيكي كبير الحجم بجوارها.
فخرج بلال عن صمته قائلاً:
"كل دي إزازة مية!"
قام يوسف بالرد عليه لكي لا تنشب بينهما مشادة كلامية:
"جبنا مية وحاجات تانية نتسلى فيها على لما نوصل."
مال بلال برأسه للجانب ناظراً إليه قبل أن يردف:
"قصدك على لما نوصل ونرجع."
لكزه يوسف في رأسه وردد مستاءً:
"يا عم أنت دافع حاجة من جيبك؟"
تحرك يوسف بالسيارة.
بينما بدأت توزع لينة بعض التسالي عليهم بالتساوي.
مرت ساعة تلتها أخرى حتى وصلا إلى مرادهم.
ترجل الشابان من السيارة.
بينما ظلت لينة تطالع المنزل من نافذة السيارة.
وقد تجدد شعور الحنين إلى موطنها مرة أخرى.
حجب يوسف رؤيتها بوقوفه أمامها فرأى لمعة عينيها.
انحنى بجسده مستنداً بمرفقيه على سور النافذة مردداً:
"أنتِ وعدتيني يا لينة.."
أومأت برأسها عدة إيماءات.
ففتح لها الباب وترجلت هي.
وقفت أمام المنزل تطالعه كيف وضع الزمان بصمته عليه.
لقد بات عتيقاً على الرغم من أنهما فقط ثمانِ سنوات إلا أنهما كانوا بمثابة قرون قد مروا عليه ليكون بهذا الشكل.
"أنتوا مين؟"
أنتبه ثلاثتهم على سؤال تلك السيدة.
فاستداروا إليها.
فعادت هي متسائلة:
"أنتوا عايزين مين؟"
اقتربت منها لينة وأخبرته بهويتها:
"أنا لينة نعمان فاضل والبيت دا بيتي.."
اتسعت مقلتي السيدة.
وكان الذهول يتأجج في عينيها قبل أن تهتف:
"يا حبيبتي يا حبيبتي، أنا خالتك سعاد."
لم يكن هناك مجالاً لعدم معرفتها.
فهي كانت آخر من رآها ذلك اليوم المشؤوم.
ضمتها سعاد بقوة وجهشت باكية.
بادلتها لينة العناق.
فلقد رأت فيها والدتها وأحاديثهن سوياً.
ابتعدت سعاد عنها وحدجتها بتفحص لا تصدق أنها تراها أمامها مرة أخرى.
فلقد ظنت أنهما ذهبا مع الرياح بعد فعلة خالهما.
ابتسمت بعفوية ورددت:
"يا عمري كبرتي وبقيتي عروسة إسم الله عليكي ربنا يحرسك."
انتبهت على يوسف وبلال وحدجتهما بنظرات مريبة.
فأثارت الريبة داخلها من أمرها.
استشفت لينة ما وراء نظراتها.
فاقتربت من يوسف وتخللت يده بأصابعها.
فتفاجئ يوسف بتصرفها وكذلك الآخرون قبل أن يصيبهم الذهول مما تفوهت به:
"دا يوسف، كاتبين كتابنا!!"
تحولت نظرات يوسف وبلال المذهولة عليها.
لم يتوقع يوسف رد كهذا.
ظل يحدجها بنظرات مشتعلة فتوسلته هي بعينيها أن يجاري الأمر كما خططت له.
تنهد ثم وجه أنظاره إلى السيدة سعاد وشكل بسمة لم تتعدى شفتيه وأردف:
"أهلاً بحضرتك."
ابتسمت له سعاد وتمتمت بشغف:
"ربنا يسعدكم يارب ويبارك لك على اللي عملتوا معاهم، أنا افتكرتك أنت اللي كنت جاي مع الحكومة يوم.."
لم تستطع مواصلة حديثها.
حمحت ثم وجهت نظريها على بلال وهتفت متسائلة:
"أكيد دا مش علي مش معقول كبر كدا."
كاد بلال أن يعرف عن هويته.
لكن قاطعه لينة بقولها:
"لا لا مش علي، دا بلال أخو يوسف."
مفاجأة أخرى تلقاها الشابان.
وفي النهاية لم يكن أمامهما سوى مسايرة ما يحدث.
ابتسم لها بلال وأكد على حديث لينة:
"أيوة أنا أخوه.."
التفت بجسده سريعاً قبل أن تلاحظ السيدة ضحكاته ويفضح أمرهم.
بينما تساءلت سعاد بفضول:
"أومال علي فين مجاش معاكي ليه؟"
عبست ملامح لينة وأخفضت رأسها بحزن تشكل على تعابيرها.
زفرت أنفاسها ثم أجابتها:
"علي سـ.."
"علي تعبان شوية ومقدرش يجي معانا، إن شاء الله يجي مرة تانية."
هتف بهم يوسف.
فازدادت ضحكات بلال على أكاذيبهم التي لا تنتهي.
شعرت سعاد بالغرابة لقهقهته المفاجأة فاعتذر هو معللاً أسبابه:
"معلش أنا آسف بس أنا عندي مرض الضحك، بضحك في أي وقت غصب ومش بقدر أسيطر على نفسي.."
انفجر ضاحكاً على ما اختلقه تحت نظرات يوسف ولينة المذهولة لما أردفه للتو.
بينما تعجبت سعاد من مرضه فلم تسمع عنه من قبل.
ورددت مستفسرة:
"يا عيني يابني ودا ملوش علاج دا؟"
لم يستطع بلال تمالك نفسه حينما رأى تعابيرها المتأثرة وانفجر ضاحكاً.
ولكن تلك المرة لم يستطيع السيطرة على نفسه فتولى يوسف الرد عليها:
"معلش اعذرينا، هو على طول زي ما أنتِ شايفة كدا."
تأثرت سعاد بحالة بلال المريبة ودعت له بحزن:
"ولا يهمك يابني، ربنا يشفيه يارب."
تابعت حديثها الموجه إلى لينة:
"أنا موجودة يا حبيبتي لو احتجتي لأي حاجة تعالي خبطي عليا."
شكرتها لينة بامتنان كبير.
ثم عادت سعاد إلى منزلها.
سحب يوسف يديه فور ذهاب المرأة.
عاتب لينة على فعلتها:
"إيه اللي قولتييه للست دي؟"
حاولت لينة شرح سبب تصرفها له:
"يا يوسف أنا كانوا بيمنعوني ألعب في الشارع وأنا عندي ٧ سنين عشان عيب ومينفعش اختلط بولاد، عايزني أقولها جاية مع شابين ميقربوليش حاجة؟ متخيل كان موقفي هيكون إيه؟"
"وكان ممكن أوي تتكلم على تربية أهلي من ورايا وأنا مش هسمح إن حد يغلط في أهلي أبداً."
تدخل بلال مؤيداً تصرف لينة الحكيم:
"بصراحة يا يوسف اللي لينة عملته عين العقل، أنت مشوفتش الست بصت لنا إزاي تخيل كانت تقولها الحقيقة وأنها قاعدة في بيتك؟! دي كانت أكلت وشنا."
شعر يوسف بغصة في حلقه.
يتحدثان وكأنه المذنب.
كأنه افتعل خطأً فادحاً في حق تلك الفتاة ولم يقصد مساعدتها.
حاول طرد أفكاره التي عكرت صفوه ونظر إلى صديقه وصاح به:
"طيب هي وفهمنا، أنت إيه مرض الضحك اللي ظهر فجأة دا؟"
قهقه بلال وكذلك لينة شاركته الضحك.
وزع يوسف أنظاره بينهما وهتف بعدم تصديق:
"بجد والله؟"
هللت لينة من بين ضحكاتها:
"مش عارفة قدرت أمسك نفسي ومضحكش إزاي."
طالعهما يوسف بغيظ شديد.
فهتف بلال بقلة حيلة:
"كنت أعمل إيه يعني؟ دا اللي جه في دماغي وقتها فقولته."
حرك يوسف رأسه مستنكراً تصرفاتهما.
ثم انتبه لسؤال لينة حينما قالت:
"وبعدين أنت ليه قولت إن علي تعبان، ليه مقولتش إنه مسافر؟"
تنهد يوسف وردد وهو لا يعي الإجابة الصريحة على سؤالها:
"معرفش، بس محبتش تعرف أنه بعيد عنك وأنتِ لوحدك من غيره وتفكر فيكي وحش."
تقوس ثغر لينة ببسمة عذبة وأردفت بإمتنان:
"شكراً."
قاطعه بلال لحظتهما بقوله:
"ما تشوفوا هتعملوا إيه عشان نلحق نرجع."
رمقه يوسف بطرف عينيه وهتف ساخراً:
"لما أنت مش قادر تبعد عنها إيه اللي جابك معانا؟!"
تأفف بلال وقلب عينيه بتزمجر قبل يهتف مستاءً:
"يا عم وأنت مالك، خلصوا بجد بقا فيه ناموس كتير أوي هنا آكل قفايا."
أنهى جملته ثم ضرب مؤخرة رأسه بعد أن لدغته بعوضة.
قهقه يوسف على حالته المثيرة للشفقة.
فلم تقترب منه بعوضة منذ مجيئهم.
فقط بلال من ينال لدغات البعوض.
أخرجت لينة مفتاح المنزل من حقيبتها ثم قامت بفتح الباب.
لم تمر ثانية حتى ارتفع صراخها الذي دوى في الأرجاء بذعر....
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل العشرون 20 - بقلم تسنيم المرشدي
"معرفش هو فين وقافل موبايله."
أردفتها بحنق فبادلتها والدتها الحوار:
"هتعملي إيه بس غير إنك تستني على لما يرجع وتشوفي كان في."
تأففت بضجر بائن، فلم يعد لديها القدرة على التحمل. فقط يومان وحدث فيهما كل ذلك، ماذا سيحدث إن مر أسبوعان أو أكثر؟ حتماً إن استمر الوضع كهذا ستصاب بالجنون أو ربما التوحد.
نهضت مسرعة حينما استمعت إلى قرع الجرس، ناهية حوارها مع والدتها قائلة:
"شكله رجع، هكلمك تاني."
هرولت إلى الخارج وفتحت للطارق الباب. ارتخت ملامحها فور رؤيتها للسيدة شهيرة. شكلت بسمة لم تتعدى شفتيها ورحبت بها:
"اتفضلي يا طنط."
وجلت شهيرة باحثة عن بلال، فلم تجده. استدارت إليها وسألتها بفضول:
"بلال فين، نايم؟"
طالعتها إيمان لبرهة لا تدري بماذا تجيبها. ابتلعت ريقها وبتردد أردفت:
"مش عارفة، هو نزل من فترة ولسه مرجعش."
قطبت شهيرة جبينها بغرابة وهتفت مستاءة:
"ولما مراته متعرفش مكانه مين اللي هيعرف؟"
تهكمت تعابير إيمان، وشعرت بحرارة وجهها. لعنت بلال داخلها لأنه من وضعها في ذلك المأزق. بينما تأكدت شهيرة أنهما على خلاف، أو ربما يكون شيئاً أكبر من ذلك. فلما سيهرب ولدها من منزله لطالما كان أمنيته بناء عش معها؟
تنهدت وحدقت ثيابها المحتشمة أكثر من اللازم بنفور. أجبرت شفتيها على التبسم وقالت:
"ما تيجي يا إيمان تفرجيني هدومك."
تعجبت الأخرى من طلبها، فوضحت شهيرة قصدها:
"أنا مشوفتش حاجة لما كنتوا بتفرشو، تعالي فرجيني."
تقدمت شهيرة نحوها وحاوطت ذراعها مرددة بحماس لكي تمحي الحرج منها:
"يلا يا مونة، أهو نتسلى شوية على لما بلال يرجع."
دلفن الغرفة ومنها إلى غرفة الملابس. أشارت إيمان إلى إحدى الزوايا وقالت بهدوء مخالط بالغرابة لذاك الوضع المريب:
"دي هدومي."
حركت شهيرة رأسها يميناً ويساراً قبل أن تسترسل:
"لا يا حبيبتي مقصدش هدوم خروجك، فين الحاجات التانية، المدلعة دي."
قهقهت شهيرة بخجل وهي تضربها بخفة في ذراعها:
"أكيد فاهماني."
ازدادت ريبة إيمان من جرأة طلبها. رمقتها لبعض الوقت فشجعتها الأخرى ببسمة عريضة. اضطرت إيمان إلى امتثال طلبها. اقتربت من إحدى الخزانات وفتحتها فبادرت شهيرة نحوها وظلت تتنقل بين الثياب متفحصة إياهم باهتمام.
التقطت قميصاً لونه أخضر من قماش الستان الناعم وكان معه روب ساتر للجسد. التفتت إليها مبدية مدى إعجابها به:
"حلو اوي دا ولونه رايق وجميل، إلبسيه."
تفاجئت إيمان من طلبها، فكان وقحاً للغاية. إلى ماذا تريد الوصول تلك المرأة؟ انتبهت على تشجيعها حينما هتفت:
"أنا عارفة إني حشرية شوية، بس يا حبيبتي اللي انتِ لابساه دا مش هدوم عروسة، دي هدوم واحدة متجوزة من ١٥ سنة. بصي أنا بعتبر نفسي زي مامتك يعني لو بنتي شوفتها بالمنظر دا في تالت يوم جواز كنت بهدلتها. الراجل لازم تملي عينه بكل الحلو اللي فيكي عشان يوم ما تهملي غصب عنك يحط لك ١٠٠ عذر ويقول دي عمرها ما قصرت معايا، لكن لما تبدأي حياتكم بالشكل دا هيقول دا طبع ومع أول مشكلة هيرمي كلام يجرحك. الراجل قلبه في عينه، كل ما كنتي حلوة ولبستي على كيفه يحبك أكتر. يلا خدي البسي وأنا هستناكي برا على ما تخلصي."
تركتها شهيرة وانسحبت للخارج. بينما ظلت الأخرى تحدق أمامها بذهول، لا تصدق نصيحتها التي ليست في وقتها بالمرة. كيف ستفعل ذلك وعلاقتهما متوترة؟ لكنها لا تملك الرفض، حتماً ستسوء الظن بها.
أوصدت عينيها لبرهة في محاولة منها على استيعاب الأحداث الأخيرة، ثم بدأت في تغيير ثيابها إلى ذاك القميص التي اختارته شهيرة. انتهت بعد مدة قصيرة. كانت الأخرى تطالع المرآة المكسورة ويقينها يزداد داخلها أن ثمة شيء بينهما. لكنها لم تعقب لكي لا تسبب لها الحرج. خرجت إيمان فابتسمت الأخرى برضاء تام. اقتربت منها وسألتها مستفسرة:
"فين البرفانات بتاعتك؟"
أشارت إيمان إلى الداخل وأجابت بنفاذ صبر:
"جوا."
عادت شهيرة إلى الداخل مرة أخرى وكذلك تبعتها إيمان. اقتربت من القناني وبدأت تختبر رائحتهم ثم انتقت منهما رائحة مثيرة هادئة. التفتت إلى إيمان ودعست على القنينة فتناثرت الرائحة على قميصها.
رفعت نظريها على خصلاتها وأمرتها بلطف:
"اعملي أنتِ تسريحة قمر زيك وتعالي نخرج نحضر عشا حلو."
خرجت شهيرة فور انتهاء جملتها. بينما نظرت إيمان إلى المرآة وتأففت بضيق. وضعت يدها على عنقها عندما شعرت بالإختناق ورددت بخفوت:
"أوف أوف."
بعد لحظات خرجت وكانت قد تركت خصلاتها محررة. قابلتها شهيرة بابتسامة عريضة قبل أن تردف:
"تعالي بقا وريني عندك إيه نعمله عشا."
اصطحبتها شهيرة إلى المطبخ ورفضت أن تضع إيمان يدها في الطعام خشية أن تتلوث ثيابها. وبدأت هي في تحضير وجبة عشاء لكليهما متبادلات الأحاديث معاً.
***
لم تتوقف عن رمقه بنظرات اشمئزاز. قلب الآخر عينيه بضجر بائن لنظراتها وهلل منفعلاً:
"معتش تبصيلي كدا يابت."
عاتبه يوسف بحنق:
"إيه بت دي ما تحترم نفسك."
تأفف بلال وصاح عالياً:
"أنت مش شايف بتبصلي إزاي."
هتفت هي باقتضاب يشوبه الإشمئزاز:
"أنت ليك عين تتكلم بعد اللي عملته؟"
حرك بلال رأسه مستنكراً هرائها الأحمق وردد بعصبية:
"أنتِ هبلة صح؟ دا أنتِ لميتي الناس علينا بصويتك وكل دا عشان صرصار!!"
حاولت لينة وضع مبررات واهية:
"أنا خوفت وصرخت لكن أنت تفعصه برجليك ليه؟"
تأفف بلال بحنق ووجه حديثه ليوسف:
"ما تشوف يابني التفاهة دي."
صاح يوسف ناهياً سخافتهما:
"ما تحاسب على كلامك يا بلال، وأنتِ يا لينة شوفي أنتِ هتعملي إيه عشان نمشي."
هتف بلال كلماته وهو يوليهم ظهره:
"أنا هقف برا."
غادر بلال بينما تقدمت لينة بخطاها. على الرغم من رائحة الغبار التي تسيطر على المنزل، إلا أن رائحة عائلتها تنبعث من ثغرة ما من وسط ذاك الغبار.
ابتسمت بشغف معانق للافتقاد الشديد. تقدمت نحو الصورة الفوتوغرافية المعلقة على الحائط. مدت يدها وأزالت الغبار الذي أخفى معالم الصورة فظهرت وجوههم تدريجياً حتى باتت الصورة واضحة.
فرت دمعة على مقلتي لينة ورددت بصوت متحشرج:
"وحشتوني أوي."
تحسست الصورة بأناملها وملست على وجوههم. كم تمنت أن تحظى بلقاء معهم حتى وإن كان لمدة دقيقة واحدة.
التفتت تطالع بقية المنزل فرأته يعطيها منديلاً ورقياً. ابتسمت له وأخذته ثم مسحت عبراتها وتابعت تجولها في المنزل. لم تجد شيئاً مهماً، لكنها احتفظت بعباءة من والدتها.
عادت إلى يوسف وأردفت:
"خلصت."
هز رأسه بتفهم وقال بنبرته الرخيمة:
"تمام، يلا عشان نرجع."
أولاها ظهره ليسبقها للخارج فنادته هي برقة:
"يوسف."
استدار نحوها فتفاجأ بها لم تبرح مكانها فتساءل بفضول:
"نعم؟"
جاءته على استحياء وتردد واضحان. أخفضت رأسها وقالت وهي تفرك أصابعها:
"عايزة أطلب طلب تاني."
ردد بدون تفكير:
"قولي."
رفعت بصرها عليه وحمحمت قبل أن تخبره بمرادها:
"عايزة أشوف خالي."
"ويحك يا فتاة، بالطبع لن يقبل بذلك." فتح فاهه ورفض طلبها بنبرة لا تسمح بالنقاش:
"لأ ومش عايز محايلات عشان دا بالذات مش موافق، لو خلصتي يلا عشان نمشي."
لم تستسلم بسهولة وأعادت محاولاتها معه بلطف ودلال:
"عشان خاطري يا يوسف."
قاطعها بانفعاله:
"قولت لأ، ومش عشانك عشاني أنا، أنا مش عارف لو شوفت البني آدم دا قدامي ممكن أعمل فيه إيه."
تجهم وجهها وحزنت، لكنه لم يبالي فهذا آخر ما سوف يقبل به. أولاها ظهره وعاد إلى السيارة مرافقاً صديقه، بينما تحركت هي ببطء وأغلقت المنزل ثم توجهت نحو السيارة واستقلت المقعد الأمامي.
كاد يوسف أن يعارضها إلا أن بلال قد لحق به بقوله:
"سيبها سبيها."
استقل كليهما السيارة وتحرك يوسف من المكان وسار في طريق العودة. ساد الصمت لوقت قبل أن يقطعه بلال بطلبه:
"ما تشغل حاجة يابني بدل الصمت دا."
أبدى يوسف رفضه بذوق:
"لا معلش مش بشغل حاجة وإحنا على طريق سفر عشان نوصل بخير."
قلب بلال عينيه وهتف ساخراً:
"يا متقي أنت."
أفحمه يوسف برده:
"على الأقل بجاهد مع نفسي مش زيك يا فاسق."
لم يعقب بلال واكتفى بتقلب وجهه بسخرية. عاد الصمت مرة أخرى، حتى صدح صوتها مغردة أغنية للسيدة أم كلثوم:
"عن العشاق سألوني
وأنا في العشق لا أفهم."
ذهل بلال من صوتها، وظل يمرق نظره بينها وبين يوسف بعدم تصديق. ثم هتف بالأخير:
"إيه دا؟ إيه اللي سمعته دا؟ صوتك طلع جامد."
قهقت لينة وبعجرفة أردفت:
"أقل حاجة عندي."
لم يلاحظ أحدهما تعابير يوسف التي تجهمت. كان يكز أسنانه بغضب يتأجج بداخله. نظرات بلال المذهولة وإعجابه بصوتها كان يشعره بالضيق. نيران تتقد في قلبه كلما طالع صديقه من خلال المرآة ورأى معالم الإعجاب على وجهه.
واصلت لينة غنائها بصوت عذب:
"سمعناهم يقولوا العشق
حلو حلو وأخره علقم."
هتف بلال من الخلف متحسراً على عشقه الفاشل:
"علقم والله علقم."
تبادلا يوسف ولينة النظرات، لكن كليهما كان بمشاعر مختلفة. فكانت لينة تشعر بتحسر بلال، بينما كان يوسف يتوسلها في نظراته أن تكف عن الغناء حتى تختفي حالة الإعجاب البادية على صديقه.
عادت بنظريها متابعة الخارج مواصلة:
"سهاد في الليل وليل على ويل
وشيء منه العذاب أرحم
ومن أعلن هواه يتعب
ومن خبا هواه يعرم
قولوا قولوا مين من العاشقين
وهب قلبه ولم يدمع
ن العشاق سألوني
وأنا في العشق لا أفهم
عن العشاق لا تسألوا
وخلينا بعيد بعيد اسلم."
استند بلال برأسه على النافذة وأطلق ابتسامة متهمكة وهتف ساخراً من تسرعه في إتمام زواجه:
"مين بس اللي يفهم كدا!!"
أخرج تنهيدة مهمومة فأثار الفضول حوله. لكن لم يعقب أحدهما على وضعه المريب والتزما الصمت مدة عودتهم. كما لم تترك لينة الهاتف من يدها طوال الطريق. كانت تشاهد بعض الصور لها وليوسف وتطلق ابتسامة مزيج من العشق والألم.
وصلا إلى منطقتهم فترجل بلال أولاً والإرهاق كان واضحاً على تقاسيمه. توجه إلى النافذة المجاورة ليوسف وأردف:
"تصبح على خير يا متقي."
"وأنت من أهله يا فاسق."
هتف بها يوسف فبادله بلال ابتسامة سمجة ثم غادر. كادت لينة أن تترجل إلا أن هتاف يوسف أجبرها على الالتفاف إليه والإصغاء لما يردفه:
"معتش تغني تاني قدام حد، مفهوم؟!"
عقدت حاجبيها بغرابة من أمره وتساءلت بفضول:
"ودا عشان إيه؟"
ضرب يوسف الطارة بعصبية عندما تذكر نظرات الإعجاب في عيني بلال وهدر بها شزراً:
"عشان أنا طلبت كدا، اتعلمي تقولي حاضر من غير مقاوحة."
رمقته لينة بنظرات معاتبة، فنبرة صوته كانت مرتفعة حادة. شعر يوسف بمبالغته في رد فعله. أوصد عينيه لبرهة يهدئ من غضبه الجامح. زفر أنفاسه وعاد بأنظاره إليها ثم بدأ يوضح لها وجهة نظره:
"يا لينة أنا بخاف عليكي ومش بحب حد يبصلك بصة كدا ولا كدا. المفروض أنتِ أول ما شوفتي بلال متفاجئ بصوتك وبيمجد فيه كنتي تسكتي على طول."
قطبت جبينها فازدادت غربتها من كلماته المبهمة ورددت قائلة:
"أنت قصدك إن بلال مش كويس."
قاطعه يوسف بنفيه لحدسها:
"لا طبعاً، بلال دا كأنه أنا ولا يمكن كنت أخليه يجي معانا مشوار زي دا لو عندي ذرة شك فيه. كل الموضوع إن مش لازم نبين كل المميزات اللي عندنا لأي حد. مينفعش نشوف نظرة إعجاب من راجل حتى لو كانت عفوية ونكمل ونقوله شوف إحنا جامدين أوي."
أخفضت لينة بصرها بحياء وندم شديدان. مرت فترة تحاول فيها التحلي بالقوة لكي تعتذر منه فقالت في النهاية:
"أنا مفكرتش في كدة، أنا آسفة."
تنهد قبل أن يسترسل بصوته الرخيم:
"المهم إنك متكرريهاش تاني."
أومأت برأسها ثم قالت عندما تذكرت حالة بلال المثيرة للشفقة:
"كنت عايزة أقول حاجة بخصوص بلال، واضح أوي أنه جاي معانا هربان من إيمان."
مرر يوسف أصابعه على الطارة بحركة دائرية وهتف مستاءً:
"متشغليش نفسك أنتِ، يلا عشان ننزل."
ترجلا من السيارة وقد لاحظت لينة بعض النظرات المريبة من قِبل بعض الجيران. كذلك لفت انتباه يوسف لنفور بعض الرجال منه كلما اقترب من أحدهم.
اقتربت منه لينة متسائلة وعينيها مصوبة على الجميع:
"هو أنت ملاحظ اللي أنا اللي ملاحظاه؟"
أماء يوسف بتأكيد قبل أن يجيبها بغرابة:
"هما بيبصوا لنا كدا ليه؟"
رفعت لينة كتفيها مبدية عدم معرفتها بحقيقة ما يحدث. صعدا كليهما درجات السلم فتقابلا مع جارتهم السيدة عزيزة التي توقفت ورمقت يوسف بنظرات مليئة بالإشمئزاز ثم مرت بجوارهما دون إلقاء التحية.
حرك يوسف رأسه يتابع هبوطها بريبة من أمرها. عاد بنظريه إلى لينة التي كانت مذهولة مما يحدث للآخرين فجاءة.
تابعا صعودها للأعلى حتى وصل الطابق الكائن به شقتهم. فتح يوسف الباب وتفاجأ باستقبال والدته لهما على الرغم من تأخر الوقت فهي تنام باكراً.
"السلام عليكم ورحمه الله وبركاته يا أمي."
ألقى يوسف التحية عليها فأجابته باقتضاب. تعجبت لينة من ردها وسألتها بقلق:
"هو فيه حاجة حصلت يا ماما؟"
بجمودٍ أمرتها:
"ادخلي أوضتك يا لينة عايزة أتكلم مع يوسف شوية."
على الرغم من فضولها لمعرفة ما يحدث، إلا أنها امتثلت لأمرها في هدوء ظناً أن الأمر كارثياً فهي لم تكن على تلك الحالة من قبل.
ولجت غرفتها وحاولت الاستماع إلى ما يتحاوران به لكن صوتهما لم يصل إلى آذانها. في الخارج انفعلت السيدة ميمي على ولدها بحدة:
"أنت إزاي تسمح لنفسك إنك متحطش حدود بينك وبين لينة؟ سيرتنا بقت على كل لسان، وبيتهموك إنك مش أمين وبتستغل عيلة صغيرة، دا غير الكلام الكتير اللي خافوا يقولوه قدامي، الله أعلم فاكرين إيه اللي بيحصل هنا كمان!"
لم يستطع فهم ما ترمي إليه. لم يتحمل عقله استيعاب كلماتها الجارحة وسألها مستفسراً:
"أنتِ بتقولي إيه يا أمي، هو إيه اللي حصل مش فاهم حاجة؟"
زفرت السيدة ميمي أنفاسها ووضحت له ما تقصد:
"لينة منزلة صور ليكم والصور كلها متليقش أبداً بشاب عاقل ومحترم من المفروض أنه بيراعي أمانة صاحبه!"
فارت الدماء في عروق يوسف ثم تفحص صفحة لينة الإلكترونية فتفاجأ بالصور التي التقطتها لكليهما وقامت بنشرها. توجه نحو غرفتها بخطى سريعة مهرولة وطرق بابها بقوة فافتحت هي بذعر:
"في إيه يا يوسف؟"
وضع الهاتف مقابل وجهها ثم هتف بحنق:
"إيه دا؟"
أجابته بتوجس:
"صورنا!"
أطلق تنهيدة تهدد بثورته القادمة ثم صاح عالياً:
"وإزاي تنزلي حاجة زي دي على النت؟"
توجست لينة خيفة من هجومه وأردفت بعفوية:
"الصور مفيهاش حاجة، صور عادية."
لم يستطع يوسف تمالك أعصابه وخرج عن السيطرة، صاح بغضب لم يستطيع كبحه:
"صور عادية دا بالنسبة ليا وليكي، لكن للناس لأ مش صور عادية، أنتِ بالنسبة ليهم واحدة غريبة قاعدة مع شابين في البيت، محدش بيتكلم عشان أنا فضلت طول السنين دي محافظ على شكلك وشكلنا وعمري ما تعديت حدودي معاكي، لكن أنتِ جيتي في لحظة بوظتي كل حاجة، خليتي الكل يتكلم عننا، خليتهم يفكروا إننا بنستغلك، والله أعلم إيه اللي بيدور في عقولهم، تخيلي أنتِ بقا إيه اللي ممكن يفكروا فيه وأنتِ مع شابين في بيت واحد!!"
"طيشك بوظ سمعتك وقلل مني ومن كرامتي، وأنا اللي عمر ما حد قدر بس يبص في عيني النهاردة الكل بيبص لي كأني مذنب، كأني عملت مصيبة، كل دا بسببك وبسبب إنك مش بتفكري في الحاجة قبل ما تعمليها!"
كور يوسف يده وضرب الباب بكل ما أوتي من قوة، ثم أولاها ظهره وفر هارباً من المنزل، يريد أن يختلي بنفسه قليلاً لعله يعود إلى رشده.
وقفت لينة تطالع السيدة ميمي بصدمة شديدة، قلبها يخفق بشدة، لم تشعر بالعبرات التي تسابقت في السقوط. أطلقت عدة شهقات بسبب بكائها الغزير فلم تتحمل ميمي رؤية دموعها الغالية وعانقتها بقوة وهي تردد بإيلام:
"ليه بس عملتي كدا يا لينة؟"
ازداد نحيبها ولم تستطيع إعطائها إجابة، فلم يوجد أمام السيدة ميمي سوى تهدئتها وإخراجها من حالتها المذرية.
***
انتبهت لصوت المفتاح الذي وضع في الباب، فنهضت شهيرة أولاً ثم أشارت لإيمان بالنهوض فامتثلت هي في هدوء. اقتربت من الباب فاستقبلته شهيرة معاتبة إياه:
"أهلاً وسهلاً باللي غايب بقاله ساعات ومقالش لمراته رايح فين، أنا طلعت أسليها على لما ترجع، بس متتعودش على كدا."
التفتت إلى إيمان وبحركة لم تنتبه لها إيمان فكت عقدة روبها ليتطاير كل جانب إلى جهة وقالت:
"تصبحين على خير يا حبيبتي."
تفاجئت إيمان بفعلتها ورمقتها بعينين حائرتين فلم تترك لها مجالاً لإخفاء ما قامت بإظهاره. غادرت شهيرة تاركة إياهم ليقضيان وقتاً حميمياً معاً.
طالعته إيمان بحياء شديد وقد كست الحمرة وجهها، بينما خفق قلب بلال من تلك الطلة الأنثوية الصارخة. ابتلع ريقه ورمقها لوقت ثم تقدم نحوها فتسارعت نبضات قلبها بقوة، لم تستطيع تحريك قدميها من هول الصدمة التي لم تخرج منها بعد.
التصق بها ثم مال بقرب أذنها وهمس بخفوت:
"- متفكريش إنك هتأثري عليا بالطريقة دي، أنا مش دلدول عشان أجي بالأسلوب الرخيص دا!"
اتسعت مقلتها بذهول، بكلماتها كانت فظة ومهينة. ابتعد عنها وتخطاها بخطواته فهتفت هي بحنق:
"مامتك اللي خلتني ألبس واعمل كل دا، دا غير النصايح اللي قالتها لي، الله أعلم أنت مفهمها إيه عشان تتكلم معايا كدا."
لم يعطيها بلال اهتماماً لثرثرتها فأثار جموده غضبها. هرولت خلفه وصاحت بانفعال شديد:
"أنت مش بترد عليا ليه، هو أنا كلبة بهوهو قدامك؟ ثم أنت كنت فين؟ وإزاي تخرج من غير ما تقولي، أنت حطتني في موقف وحش جدا مع مامتك، ومكنتش مصدقة إني معرفش أنت روحت فين، أنا مراتك وأنت مجبر تعرفني كل حاجة عنك طالما إحنا في بيت واحد."
توقف بلال عن سيره، واستدار إليها وببرودٍ حاد ردد:
"مراتي! مراتي اللي نطقت اسم حبيبها وهي حضني!"
"مفتكرش إن ليكي أي حقوق عندي ولا ليكي تعرفي عني أي حاجة ودا مش لأني مش هامك، لأ عشان أنا اتقفلت منك، أنا كل ما أبصلك بقرف من نفسي أوي إني حبيت في واحدة زيك!"
اقترب بضعة خطوات منها وواصل استرساله بتوعد:
"مكنش أنا لو معيشيتكيش اللي أنتِ عيشتهولي وحسستك إنك قليلة أوي."
تركها وعاد إلى غرفته القاطن بها. على الجانب الآخر، لم تستطيع إيمان السيطرة على عبراتها وجهشت باكية، فكم باتت تعيسة، وحزينة، قلبها محطم وتتمنى الموت بدلاً عن تلك الحياة الظالمة.
حركت قدميها ودلفت غرفتها. لم يكن بوسعها سوى الاستلقاء على الفراش ومواصلة بكائها الذي لن يغير شيئاً لكنه كان كل ما تملك.
***
يقود السيارة متنقلاً بين الطرقات، يزداد همه كلما تذكر نظرات جيرانهم. لا يصل إلى حل، لا يعلم ما الذي عليه فعله، عقله مشتت وأفكاره تشابكت من كثرة التفكير.
صدح آذان الفجر فصف سيارته عند أحد المساجد ليؤديها. شرع في الصلاة وناجى ربه أن يدله على طريق الصواب. كان هناك شيخ معروف يصلي معهم فلم يتردد يوسف في مصافحته والترحيب به.
"إزيك يا مولانا."
أردفها يوسف فأجاب الشيخ عندما تفحص ملامحه:
"إزيك يا يوسف، من زمان مشوفتكش."
ابتسم له يوسف ورد عليه بنبرة مرهقة:
"الحمد لله يا مولانا."
استشعر الشيخ ضيق يوسف وسأله باهتمام:
"مالك يايوسف أنت كويس؟"
تنهد الآخر قبل أن يردف بعبوس:
"مش كويس يا مولانا، وكويس إني شوفتك عشان عايز أستشيرك في حاجة."
تفحص الشيخ المكان من حولهما ثم أشار إلى إحدى الزوايا الفارغة وقال:
"تعالى هناك المكان فاضي."
جلس كليهما مقابل بعضهما البعض. ثم بدأ يوسف يقص عليه من بداية الأمر:
"وقت ما كنت في الجيش كان ليا واحد زميلي استشهد، ولفظ أنفاسه الأخيرة وهو بيوصيني على أهله. روحت تاني يوم معاهم وهما بيسلموا جثته، ووالدته أول ما عرفت توفت على طول."
تأثر الآخر بما يرويه يوسف وردد بحزن:
"لا إله إلا الله."
تابع يوسف استرساله:
"كان عنده أخ وأخت تؤام عندهم ١٠ سنين، والدهم متوفي فبدأنا ندور على أهله يستلمهم. وطلع عندهم عم مسافر برا، وخال رفض في الأول ياخدهم لأنه كان على مشاكل بوالدتهم، وفجأة وافق ياخدهم بعد ما غلط فينا وكان أسلوبه وقح معانا، فأنا مطمنتتش، وفضلت قاعد جنب البيت لغاية ما شفته وهو أخدهم وخارج بيهم بليل، مشيت وراهم ولقيته بيرميهم قدام ملجأ وسابهم ومشى. تخيل سابهم بليل في مكان مقطوع ومهتمش يحصلهم حاجة. كل اللي عملته إني أخدتهم عندي البيت وبدأت أدور على عمهم. وعلى ما وصلت له شرط عليا إنه هياخد واحد منهم بس عشان ظروف الحياة ووقتها حصل مشادة بينا لأن الكلام لا يعقل، واضطريت أوافق أهو أوصله أي حد، بس اتفاجئت أنه طلب ياخد الولد مش البنت. وبعد محاولات معاه مقدرتش أقنعه وفعلاً الولد سافر له، ومن يومها يا شيخ اعتبرنا البنت دي اختنا التالتة، وعاملناها أحسن معاملة ورعيناها بما يرضي الله وكنت حريص على تعليمها أمور دينها وأجبرتها تلبس الحجاب قدامي أنا وأخويا وقت ما بلغت، وربنا يعلم إني عمري ما رفضت ليها طلب، ويمكن بسبب إني راعيتها ربنا وفقني وكرمني كرم كبير أوي، وقدرت اشتغل في مكان كويس واشتري شقة وعربية. أنا متأكد إن كل دا بسبب وقفتي جنبها وإني حافظت عليها."
زفر أنفاسه فباتت الكلمات أكثر صعوبة لكنه جاهد وتابع بنبرة مختنقة:
"هي كبرت وبقا عندها ١٨ سنة، بس عملت تصرف صغير خلى سيرتنا كلها على لسان الجيران. عمر ما حد بص لي وحش، بس النهاردة الكل كان بيبص لي كأني متهم."
سأله الشيخ بفضول:
"ليه هي عملت إيه؟"
أخبره يوسف بفعلتها:
"هي مغرمة تصوير، وبتحب توثق أي لحظة، وأغلبية الصور معايا بس والله صور عادية جداً، بس أغلبهم في البيت وفي أوضة والدتي، وغيرها وإحنا في العربية. طبعاً إحنا بنتصورها بعفوية لأننا في نفس البيت وخلاص اتعودنا على بعض، بس الناس معرفش ليه فكروا إني بستغلها بعد ما شافوا الصور دي؟ قاعدين في بيت واحد وبنتعامل كأننا عيلة واحدة منتظرين مننا إيه؟"
ابتسم له الشيخ وأخذ نفساً عميق قبل أن يهتف:
"طبعاً يا يوسف أنت لك الأجر والثواب إنك راعيت أطفال يتامى، بس جلوس البنت في بيت فيه شابين دا اللي غلط وكمان حرام."
قاطعه يوسف مبرراً:
"والله أنا محافظ عليها وحاطط حدود بينا عشان عارف إن حرام."
لم تختفِ ابتسامة الشيخ وشرح له مقصده بنبرة هادئة:
"طيب أنا هسألك شوية أسئلة ومش مهم تجاوبني، جاوب جواك."
أجبر يوسف أذنيه على الإصغاء جيداً فتابع الآخر:
"طول الـ ٨ أعوام اللي مرت دي محصلش بينكم تلامس حتى لو بالغلط؟ مشوفتش مرة خصلة من شعرها؟ مهزروتوش بالإيد؟ مختلتش بيها في مرة لوحدكم؟ مدتش نفسك الأحقية إنك تنظر لجسمها بنية إنك بتتفحص ملابسها ضيقة ولا واسعة؟"
صمت يوسف فكل هذا قد حدث بالفعل. شعر بالحرج الشديد وأخفض نظره في حياء، فعلم الشيخ أن كل ما طرحه عليه قد حدث. تنهد وقال بحكمة:
"يمكن نيتك حسنة يا يوسف ودا حصل بسبب إنكم في بيت واحد وبتعتبروا نفسكم عيلة زي ما قولت، بس منقدرش نقول إنه مش حرام؟ البنت لسه أجنبية عنك وعن أخوك وطبعاً إحنا اتكلمنا عنك بس، دا غير أخوك وأكيد الطباع مش واحدة والله أعلم تعامله معاها إزاي؟!"
عارضه يوسف ونفى ظنونه:
"أنا حاطط حدود بينهم ولا يمكن يكون اتخطاها."
استنكر الشيخ محاولات يوسف في إظهار نيته الحسنة وسيطرته على كافة الأمور:
"يا يوسف أنت مش طول الوقت في البيت ومش مُلم بكل اللي بيحصل، أنا متفهم إن نيتك خير بس لازم تقتنع إنك واقع في غلط ومتقاوحش عشان دا هيجر رجليك لغلط أكبر."
"ومننساش قوله تعالى {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}"
"تخيل تبقى فاكر إنك بتعمل خير وأنك صح وتيجي في الآخر تقف قدام ربنا ويحاسبك على نفس الحاجة اللي كنت فاكر أنها صح وتبقى من الخاسرين؟ متقاوحش يا يوسف الحرام حرام ومنحاولش أبداً نحلله بحجة إن نيتنا الحسنة."
ازداد اختناق يوسف. فهو كان يعتقد أنه سوف يشعر بالراحة لو تحدث معه، لكن الوضع انعكس تماماً. استنشق بعض الهواء قبل أن يطرح سؤاله:
"طيب والعمل يا مولانا، ما أنا أكيد مش هروح أطردها من البيت!"
أسرع الشيخ في الإجابة عليه:
"لا يابني أنا مقولتش تعمل كدا، الحل في تزويجها لشاب صالح."
تفاجأ يوسف بما وقع على مسامعه وردد بعدم استيعاب:
"جواز إيه بس يا شيخ؟ بقولك عندها ١٨ سنة ولسه بتدرس أنا كدا بقتل طموحها وبهد مستقبلها!"
"بس دا الحل الوحيد يا يوسف."
كانت آخر ما قاله الشيخ. استأذن يوسف للمغادرة وعقله مشغولاً في حوارهما وخصوصاً ما أمره الشيخ بفعله.
لم يرد العودة قبل إيجاد حل لتلك المشكلة. ظل يسير بسيارته في طرقات مختلفة حتى بزغت الشمس ومعها فكرة تتردد في عقله. لا يدري إن كانت صائبة أم لا، لكن لم يجد سواها!
عزم على أخذ الآراء حول فكرته وإن وافقوه سيبدأ في تنفيذها على الفور. عاد إلى المنزل وقد امتلئت الشوارع بالأناس. صف السيارة أسفل البناية، رفع رأسه وتفحص بنايتهم جيداً وعقله لا يتوقف عن التفكير عن فكرته. لم يكن أمامه سوى صعود السلم حتى دلف المنزل، فكانت والدته وأخيه في استقباله.
ركضت نحوه بخوف بادٍ على تقاسيمها وهتفت بتوجس:
"أنت كويس يا حبيبي، قلقتني عليك يا يوسف، كنت فين وقافل موبايلك ليه."
تدخل زياد مبدياً استيائه من اختفاء أخيه:
"أنتِ تختفي وأنا ألبس في التدوير عليك على أساس إنك عيل صغير."
لم يعقب يوسف وكأنه لم يسمع ما قالاه. تنهد وسألهم بهدوء مخيف:
"لينة فين؟"
تعجبت والدته من عدم إجابته على أسئلتها لكنها أجابته وهي تشير بعينها على غرفتها:
"في أوضتها، مبطلتش عياط من امبارح."
بنبرته الهادئة أمرها:
"طيب نادي عليها."
رمقته والدته بعينين ضائقتين قبل أن تهتف متسائلة:
"هو فيه حاجة يا يوسف؟"
نفى بإيماءة من رأسه وقال:
"نادي عليها بس."
أولته ميمي ظهرها وتوجهت نحو غرفة لينة، تركت بابها ثم دلفت وأخبرتها بأمر يوسف. نهضت الأخرى وحاولت مسح آثار عبراتها قدر المستطاع ثم وضعت حجابها وخرجت خلف السيدة ميمي.
جلس الجميع، في انتظار ما سيخبرهم به يوسف. أخذ نفساً عميق ومرر أنظاره على الجميع ثم هتف بجمود:
"أنا فكرت في حل يحلل قعاد لينة هنا. مش عشان كلام الناس لأ أنا عمري ما بصيت لكلامهم أينعم أنا تضايقت امبارح بس لقيت إني المفروض أخاف من ربنا مش من كلام الناس. كنت فاكر إني لما ألبس لينة الطرحة في البيت أكون صنتها، بس اكتشفت إني غلط، قعدتي أنا وزياد معاها في نفس البيت حرام لأن النظرة نفسها حرام ما بالكم إننا عايشين كل حاجة عادي وأنا مهما حطيت حدود بنتخطاها."
صمت لثوانٍ ثم عاد ليواصل حديثه بجدية:
"عشان كدا فكرت في حل."
الجميع ينظر نحوه باهتمام وأذنيهم في استعداد لسماع ذاك الحل. مرر يوسف نظراته بينهم قبل أن يقول:
"هنكتب كتاب لينة وزياد!!"