تحميل رواية حرر هواك فالحب بات معلنا بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأحياء الهادئة، يقف أمام مرآته يضبط ربطة عنقه بقامة منتصبة شامخة، انتهى من عقد نهايتها عِند حلقه فبات وسيم المظهر أكثر جاذبية عن ثيابه المعتادة. رفع أنامله وتخلل بها خصلات شعره السوداء الناعمة ليعيد انتصابها من جديد، مد يده والتقط قنينة عطره، دعس على جزء منها فتناثر العطر على أنحاء متفرقة من حُلته السوداء. أعاد وضعها على التسريحة ثم اختلس النظر إلى مظهره للمرة الأخيرة قبل خروجه من الغرفة، أخرج تنهيدة قبل أن يولي صورته في المرآة ظهره وتوجه نحو الباب، أدار مقبضه على مهلٍ فشيء ما يمنعه من ا...
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم تسنيم المرشدي
سكون حل وطالت مدته، حاول الجميع استيعاب ما أُلقي على مسامعهم، فلم يكن مرتبًا له ولم يكن في الحسبان، قرار مفاجئ سبب الصدمة على وجوههم.
التعاسة دون غيرها تملكت قلب وتقاسيم لينة، فمن أحبته يريد تزويجها لرجل آخر، تشعر وكأن هناك ثقب في قلبها يؤلمها بشدة، عقلها لا يصدق أن يوسف من نطق كلماته التي قيلت للتو.
عينيها لم تُرفع من عليه في محاولة منها على فهم ذاك الرجل، فلقد شعرت في الأوانة الأخيرة أن مشاعره قد مالت إليها، فماذا عن الآن؟ هل هو الكاذب في مشاعره أم هي من أخطأت في حدسها؟
على جانب آخر وضع زياد قدم على أخرى بعجرفة بعدما وزن الأمور وأصبحت في مصلحته، ظهرت عنه ابتسامة خبيثة وهو يطالع لينة بانتصار شديد، فكم امتنعت عنه وعارضته وفضلت أخيه دوماً عليه، لم ينسى رفضها الدائم له ولمساعدته البريئة.
ها قد جائته فرصته وحتماً لن يضيعها دون إرضاء نفسه الأمارة، لم يأخذ الكثير من الوقت في التفكير وهتف وعينيه مصوبتان على لينة:
_ أنا موافق.
صدمة أخرى تلقتها لينة، فمن هو ليبدي قبوله بالأمر قبل أن تبديه هي، وزعت نظريها بينهما على أمل أن يكونا يمازحانها لكن وجوههم تعكس أمانيها، تدخلت السيدة ميمي حينما رأت حيرة لينة بقولها:
_ هو مفيش حل تاني يا يوسف غير دا؟
حرك رأسه بالنفي ثم عاد بسودتاه إلى تلك الهادئة وسألها بجدية:
_ اعتبريه وضع مؤقت، عشان الحرمانية بس.
ابتلعت ريقها، مذهولة من برودة رده، لا يمكن أن يكون يوسف نفسه، لو كان من اعتادته لكان قد استشف رفضها ولم يكن ليقرر من نفسه بتزويجها لآخر! ثمة تلاعب في إعدادات عقله وقلبه!
هتفت السيدة ميمي باعتراض لرؤيتها صمت لينة وعدم إبداء رأيها بعد:
_ بلاش الحل دا يا يوسف، ندور على غيره يابني.
لم تعطيه لينة فرصة المعارضة فكانت الإجابة من نصيبها هي:
_ حل كويس يا ماما، كفاية إن يوسف موافق عليه!
كانت تعاتبه في كلماتها، فأحس الآخر بريبة من أمرها وخصيصاً نظراتها، وكأنه قد خذلها لتطالعه بهذا الشكل، نهضت الآخرى وغادرتهم سريعاً.
ولجت غرفتها وما أن أغلقت بابها حتى راودها الاختناق، لم تعد تستطيع التنفس وأخذ القليل من الأكسجين لتكون بخير، وضعت يدها أعلى صدرها وطالعت السقف قبل أن تسقط بإهمال على الأرض.
عقارب الساعة قد توقفت، الكون بأكمله توقف عن الدوران لحظتها، صرير مرتفع في أذنيها لم تتحمله فوضعت راحتي يدها على أذنيها، لعلها تخفف من ذاك الصوت الذي يتردد صداه في عقلها.
طرق أحدهم بابها فكان طوق نجاة لإعادتها لأرض الواقع، استعادت رشدها ونهضت لفتح الباب، فكان فارسها من يقف أمامها، أطالت النظر نحوه ثم أولاته ظهرها وتوجهت إلى الفراش، تبعها هو تاركًا باب الغرفة مفتوحًا.
جذب يوسف كرسيها وجلس أعلاه قبل أن يسألها مستفسرًا:
_ ليه حاسس إن فيه حاجة مش عايزة تقوليها؟
برودٍ أجابت:
_ مفيش حاجة عايزة أقولها، أنت عرضت وأنا وافقت!
وضع يوسف بعض التبريرات لعرضه:
_ أنا طول الليل بحاول أوصل لحل مش لاقي، دا اللي جه على بالي وفكرت كتير أوي قبل ما أعرضه عليكم بس لقيت أنه أنسب حل و...
قاطعته لينة فلم تعد تستطيع سماع تراهات سخيفة:
_ ممكن تسكت وتبطل توجعني، أنا وافقت وخلاص.
أي ألم تتحدث عنه، منذ متى وهو يؤلمها مثلما تدعي، لم يصمت وصاح بسؤاله:
_ أنا بوجعك إزاي يا لينة؟ أنتِ لو مش موافقة الموضوع كأنه متعرضش أصلاً وننساه.
مسحت دمعتها التي فرت من عينها رغماً عنها وقالت بنبرة موجوعة وهي تفرك أصابعها:
_ خلاص هو اتعرض، معتش هيتنسى!
أخرج يوسف تنيهدة مطولة، فلم يعي ما يدور حول كلماتها الغامضة، قطع صمتهم سؤاله القلق:
_ ليه مش فاهم من كلامك حاجة، أو مش قادر أفهم، كلامك عكس بعضه ولأول مرة معرفش أنتِ عايزة إيه!
سقطت بعض العبرات التي تحاول جاهدة منعهم بشتى الطرق، وهتفت بلامبالاة مزيفة:
_ أنت موافق ودا المهم!..
رفعت بصرها عليه وواصلت والدموع تتسابق في السقوط:
_ مش أنت برده بتعمل كل حاجة لمصلحتي!!
هربت بنظريها بعيدًا، كرهت عدم تمالكها أمامه، نهضت قبل أن تردف متوسلة:
_ لو سمحت عايزة أكون لوحدي.
لم يكف يوسف عن رمقها بنظرات متعجبة من أمرها، فكانت غريبة وكلماتها تحمل قدرًا من اللوم لكنه يجهل الوصول إلى نقطة يستشف من خلالها ما يدور في عقلها.
انسحب من الغرفة فألقت بجسدها على الفراش وجهشت باكية بحزن وألم شديدان.
في الغرفة المجاورة، لم يستطع يوسف النعاس على الرغم من جسده المنهك وحاجته الشديدة لأخذ قيلولة فهو لم ينم منذ البارحة، كلماتها أخذت حيزًا في عقله، دموعها تشعره أنه أخطأ في قراره لكنها لا ترفض، إذاً ما سبب حالتها تلك؟
هو فقط أخبرها أنه وضع لن يستمر فقط أضطر على أخذه لكي لا يقع وزر آخر على عاتقهم.
خرج من غرفته وفضل الهروب من المنزل، استقل سيارته وانطلق بها مبتعدًا عن منطقتهم.
"حاضر، هجيبها وننزل."
قالها قبل أن ينهي المكالمة، تثائب بكسل ونهض عن الفراش، خرج من الغرفة وطرق باب غرفتها، فسمحت له بالدخول.
بوجه لا مبالي أردف:
_ صباح الخير، البسي عشان اخواتي تحت هنقضي اليوم معاهم.
أماءت له بالقبول فغادر هو بينما ظلت هي عاقدة حاجبيها، فلقد ألقى التحية عليها وحادثها بنبرة خالية من الجمود والعصبية، تعجبت من حالته لكنها لم تصل إلى نقطة ترضيها، نهضت وبدلت ثيابها بأخرى تليق بمكثوها في الأسفل أمام أزواج شقيقاته ووالده ثم خرجت من غرفتها فكان هو في انتظارها.
ترجل كليهما إلى الطابق الأول، كان بلال يسبقها ببعض الخطوات، أما هي كانت تقف خلفه، قرع بلال الجرس ثم أعاد ذراعه للخلف وأحاط به خصرها ليجذبها إلى جواره ولم يرفع يده عنها بل ظل مستكينًا على هذا الوضع الذي سبب الجدل داخل إيمان.
خفق قلبها بقوة فهي الآن بين ذراعيه برضاء تام منه، انتبهت على شقيقته الصغرى هدى التي استقبلتهما استقبالًا حار مهللة:
_ ما شاء الله ربنا يحميكم، البيت نور.
داعب بلال أنفها بإصبعيه وهو يردد:
_ يا بكاشة.
قهقهت هي وهتفت ممازحة:
_ هو بصراحة نور بإيمان.
لكزها بلال بخفة في ذراعها فهتفت هدى بألم:
_ شوفتي جوزك أهو دا أقل حاجة عنده.
اكتفت إيمان ببسمة، رحب الجميع بهما، ثم جلس حول المائدة يتناولون وجبة الفطور في أجواء عائلية فكاهية.
اكتشفت إيمان جانب آخر لبلال ألا وهو لا يكف عن المزاح طيلة مكوثه مع عائلته، ليتها تنال جزءًا منه هي الأخرى، تعجبت من أمنيتها فهو إلى الآن لا يعنيها شيء، لماذا تريد أن تحظى بجانبه المرح إذاً؟
تنهدت وسايرت الأمور كما هي وما أثار تعجبها معاملة بلال لها، فكان رومنسيًا للغاية، بل كان حميميًا في بعض الأوقات، لا يفوت فرصة إلا ويضع يده على جسدها تارة على كتفيها وتارة أخرى يحاوط خصرها، يمازحها ولا يكف عن وصف كل ما هو حلو بها على الرغم أنه لم ينال عيشه.
كانت ممتنة له طيلة الوقت الذي يقضيانه معهم، لم تشعر بأنها ضيفة بل شعرت أنها داخل العائلة لعفويتهم وتلقائية أسلوبهم.
انتبه الجميع على حديث هدير حيث قالت:
_ شوفتو الصور اللي لينة منزلاها على الانستجرام، بجد صور جريئة ومتوقعتش أبداً أن يوسف يعمل كدا.
تدخلت هدى مستاءة من أمر الصور أيضًا:
_ فعلاً أنا استغربت، يعني يوسف محترم وعمره ما بص لواحدة في عيونها، فالصور كانت غريبة بالنسبة لي.
مال بلال بجسده للأمام عاقدًا حاجبيه بغرابة من أمر تلك الصور التي تحدثن عنها شقيقته وسألها بجدية:
_ صور إيه؟ وروني كدا.
أسرعت هدير في البحث في ألبوم الصور خاصتها ثم ناولت شقيقها الهاتف لكي يرى ما أخبرته عنه، فلم يجد بلال أن الأمر يستحق تلك الضجة، أعاد الهاتف لشقيقته وهتف مبررًا:
_ مش شايف حاجة غريبة يعني، أنتوا مكبرين الموضوع أوي.
عارضته هدير بقولها:
_ لا هو الموضوع كبير لوحده يعني دي واحدة غريبة عنه مهما كان المفروض يراعي دا، ولو مكنش كبير زي ما أنت بتقول مكنتش مسحت الصور بعده.
بحاجبين معقودين سألها باستفسار:
_ أومال جبتي الصور منين؟
أطلقت هدير ضحكة خبيثة ثم أجابته بحرج:
_ أنا حفظت الصور عشان أوريهالكم.
لم يعجب بلال ما يحدث، فهو لا يتحمل أي إساءة لصديقه حتى وإن جائت من شقيقاته، حمحم وبدأ يضع مبررات بناءً على ما رآه من صديقه منذ حضوره لتلك الفتاة:
_ يوسف من يوم ما البنت دي جت هنا وهو مراعي ربنا فيها وبيخاف عليها جدًا كأنها أخته بجد، وبعدين أنتوا فاكرين إيه يعني؟ دي بقالها معاهم ٨ سنين في بيت واحد، عايشين زي الإخوات رغم إني عارف أنها بتلبس الطرحة طول اليوم قدامهم، ويوسف محافظ عليها حتى في البيت، بس طبيعي ياخدوا صور مع بعض لأنهم عايشين في بيت واحد كأنهم أخوات وبينهم عشرة وذكريات ومواقف كتير أكبر بكتير من أنها أخت صاحبه وغريبة عنه زي ما أنتوا شايفين، أنتوا معشتوش اللي هما عاشوه مع بعض عشان تحكموا على حد بسبب صورتين!
لم تستطع إحداهن الاعتراض، ففضلن الصمت، بينما ابتعد عنهن بلال وهاتف صديقه ليطمئن عليه فأتاه صوته المرهق بعد مدة قليلة:
_ إيه يا بلال؟
تعجب الآخر من نبرته وقال:
_ صوتك ماله؟ وبعدين إيه الدوشة دي أنت فين؟
زفر يوسف أنفاسه وأجابه باقتضاب:
_ مفيش، بلف بالعربية.
تدخل السيد سمير من على بعد بقوله:
_ لو بتكلم يوسف يا بلال هات أكلمه.
توجه بلال نحوه بعد أن أخبر يوسف بطلب والده ثم وقف متابعًا لحديثهما الذي بدأه والده قائلاً:
_ أنت فين يا أستاذ يوسف؟ أومال لو مكنتش شريك! أنا عايز المعرض يكون خالص على آخر الأسبوع عشان الافتتاح يكون على أول الأسبوع.
تنهد يوسف وأردف باختصار:
_ حاضر هروح هناك وأشوف الدنيا ماشية إزاي.
"تمام يا حبيبي، ربنا يعينك، معاك بلال."
أنهى سمير المكالمة بجملته ثم أعاد الهاتف لبلال الذي هتف:
_ أنا هجيلك على المعرض نتكلم هناك.
أجابه يوسف مختصراً فلم يتحلى بروح المماطلة في الحوار آنذاك:
_ ماشي.
خرج إلى الجميع وتوجه إلى زوجته ثم انحنى على رأسها وطبع قُبلة على رأسها مرددًا بحنو:
_ حبيبي هروح أقابل يوسف شوية وأرجع لو زهقتي اطلعي.
رفعت إيمان رأسها للأعلى وطالعته بأعين ضائقة، لا تصدق ما تسمعه، فهل ما يحدث حقيقة أم أنه مزيف وسينتهي فور انفرادهما؟
لا تعلم لكنها ليست مزعوجة فقد خُلق أملًا داخلها من خلف أسلوبه الحنون، اكتفت بإيماءة من رأسها بينما استأذن بلال من الجميع وغادر.
فصاحت هدير غير مصدقة:
_ بصراحة متوقعتش إن بلال يكون رومانسي كدا.
أضافت هدى من وراء ضحكاتها الماكرة:
_ أيوة الظاهر إيمان سحراله.
تفاجئت إيمان بما ترميه هدى عليها، طالعتها بأعين جاحظة فانفجرن الأخريات ضاحكين، تدخلت شهيرة معاتبة كلتاهن:
_ بس يابت منك ليها.
عادت بأنظارها إلى إيمان وواصلت معتذرة:
_ معلش يا مونة هما بيحبوا يهزروا بس هزارهم تقيل حبتين.
حمحمت هدير ومازحتها قائلة:
_ خدي علينا بسرعة عشان نبقى الثلاثي المرح.
ابتسمت لها إيمان دون أن تنبس بشيء، بينما تحاورن الأخريات فيما بينهن وكانت إيمان تشاركهن الأحاديث من آن لآخر.
"زياد ولينة!"
هتف بهم بلال متعجبًا من قرار يوسف المفاجئ، تنهد يوسف قبل أن يردد بنفاذ صبر:
_ أنتوا ليه كلكم بتحسسوني بردكم إني أجرمت وكأني مش مضطر لكدا؟
أنا مش هسمح لحد يتكلم لا عنها ولا عن عيلتي بكلمة وقبل دا كله ربنا، مش فاهم إزاي كنت غفلان بالشكل دا، وكنت فاكر إني بعمل الصح وطلعت ولابعمل الصح ولا حاجة.
بهدوءٍ مخالط للمعاتبة قال:
_ وأنت شايف إنك كدا بتعمل الصح؟
عاد يوسف بظهره مستندًا على حائط الكرسي وطالع السقف مخرجًا تنهيدة حارة يملؤها الفتور قبل أن يردف كلماته بقلة حيلة:
_ مش قدامي غير كدا، قلبتها يمين وشمال إني ألاقي حلول تانية ملقتش غير إننا نسيب البيت ونمشي.
عاد بانظاره إلى صديقه وتابع:
_ بس هنمشي نروح فين؟
صمت لثوانٍ قبل أن يعاود حديثه من جديد:
_ قولي أنت، لو عندك حل قول.
مرت دقيقة تلتها أخرى فلم يجد بلال حلاً آخر، رفع كتفيه للأعلى مبديًا عدم تمكنه لوصوله لحلول فقال:
_ طيب حددت امتى؟
ابتلع يوسف ريقه وأردف:
_ في أسرع وقت ممكن، هخليها تنزل تشتري حاجتها اللي بتحتاجها أي عروسة النهاردة ونحدد بعد كدا، يمكن بكرة أو بعده بالكتير.
أماء بلال بتفهم وقال:
_ تمام أنا همشي لو احتجت حاجة كلمني.
اكتفى يوسف بتحريك رأسه بينما غادر بلال، نهض الآخر ليقف مع العمال حتى ينتهون من العمل سريعًا.
عاد بلال إلى منزلهم، واصطحب زوجته إلى شقتهم، فيكفي مدة مكثهم إلى هذا الحد فهم في النهاية ما زالا عروسين، كان ممسكًا بيدها حتى ولج المنزل فتركها بعنف.
تفاجئت إيمان بتصرفه ولم يستطع عقلها تفسيره، أخرجت زفيرًا ووزعت نظريها بينه وبين يدها التي تركها ثم صاحت متسائلة:
_ ليه كدا؟
كان قد أولاها ظهره وخطى للأمام عدة خطوات، أوقفه سؤالها واستدار إليها متصنعًا عدم الفهم مرددًا بفتور:
_ نعم؟
اقتربت منه وهي تشير بيدها التي تركها وأجابته:
ليه عملت كدا؟ أنا فكرت إن خلاص.. كل حاجة وحشة راحت بسبب معاملتك ليا بس اللي حصل غير كدا.
ظهرت ابتسامة ساخرة على شفتيه واقترب منها ماحيًا أي مسافة بينهما حتى التصق بها ثم مال على أذنها وهمس أمامها:
_ دا بالظبط اللي أنتِ عملتيه فيا، أنا عشت على أمل إني أبدأ حياة جديدة معاكي، قلبي كان ملهوف عليكي بس أنتِ جيتي وبوظتي كل حاجة، خليتيني أفقد شغفي وأكره حبي ليكي وأكره نفسي كمان، أنا وعدتك إني هردلك نفس اللي عملتيه وأديني وفيت!
تراجع للخلف وحدجها بنظرات مشتعلة ثم ذهب إلى غرفته التي يمكث بها، لم تبرح هي مكانها، فالسير كان مستحيلاً حينها، لا تصدق أنه حقًا فعل ذلك بها، هي لم ترتب لتحطيم قلبه لكنه هو خطط ورتب وفي النهاية نفذ خطته دون رأفة لمشاعرها.
ارتفعت وتيرة أنفاسها، تردد صداها داخلها محدثة ضجة عالية، عقلها متوقف لا ينجح في تمرير الأمر كأنه لم يكن كغيره، شعرت وكأنها ستصاب بالجنون لعدم قدرتها على العيش هكذا.
فهما ما زالا في البداية وحدث ما حدث، فكيف ستتحمل سخافات أخرى؟
حاولت البكاء لعل ضجة جوفها تهدأ قليلاً لكنها فشلت، بصعوبة بالغة استطاعت تحريك قدميها ودلفت غرفتها وهي تفكر في حلاً قطعياً ينهي تلك السخافة.
تذكرت شيئًا ما فأسرعت نحو الهاتف وبحثت في الأرقام المسجلة لديها، ومن بينهم اختارت واحدًا وهاتفته ثم أردفت حين أجاب:
_ لو سمحت محتاجة مهدئ قوي وعايزاه دليفيري على العنوان دا.
أخبرته بعنوانها وأغلقت الهاتف تعد الثواني حتى يصل المندوب وتأخذ منه طلبها لطالما اعتقدت أن هذا هو الحل.
"يعني إيه كتب كتابي أنا وزياد؟ ويوسف بسهولة كدا هيجوزك لأخوه؟ مش أنتِ كنتي بتقولي إنك حاسة بـ..."
قاطعتها لينة من بين بكائها لاعنة سذاجة أفكارها المحدودة:
_ طلعت غبية، وأنا اللي صدقت إحساس عبيط عشان موقفين كانوا جداد عليا..!
أخرجت شهد زفيرًا وقالت بعدم استيعاب للأمر:
_ وأنتِ وافقتي كدا بسهولة؟
لم يعد لديها القدرة على التفكير في الأمر فهتفت بقلة حيلة:
_ مش هو موافق، أنا ليه موافقش؟ رفضي هيغير إيه يعني؟ هيحبني مثلاً؟
أخذت لينة نفسًا عميقًا ثم انتبهت لاهتزازة الهاتف معلنة عن اتصال آخر، تفقدت الشاشة فإذا به يوسف، عادت إلى صديقتها ونهت معها المكالمة:
_ أنا هقفل يوسف بيرن.
أنهت على الفور وأجابت على مكالمته بصوت متحشرج بسبب البكاء:
_ الو.
لاحظ صوتها الباكي لكنه لم يعقب، فليس بوقت أسئلة الآن، لكنه حتماً لن يمرق الأمر دون معرفة سبب ذاك البكاء، حمحم وأخبرها بسبب مهاتفته لها:
_ عايزك تلبسي أنتِ وماما عشان تنزلوا تشتروا كل حاجة تخص كتب الكتاب، اجهزوا على لما أوصل.
ازداد نحيبها الذي آلم قلبه، أغلقت الهاتف سريعًا فلم تريده أن يسمعها، لكن هيهات لآذانه الصاغية التي وقع عليها بكائها، عزم بأن يحادثها لكي تكف عن البكاء لكن ليس الآن، عليهم الانتهاء من شراء ما ستحتاجه أولاً.
بعد وصول يوسف لمنطقتهم، هاتف والدته وأخبرها بوصوله، انتظر دقائق قليلة حتى ظهرن يتبعن بعضهن البعض، استقلت السيدة ميمي في المقعد الأمامي بينما جلست لينة في الخلف، كاد يوسف أن يتحرك بالسيارة إلا أنها منعته بقولها:
_ متمشيش، شهد جاية معانا.
لم يعلق يوسف فإن كان هذا سيخفف من حزنها الذي يجهل سببه، مرت بضعة دقائق حتى ظهرت شهد واستقلت بجوار لينة ثم انطلق بهم يوسف إلى أحد المولات التجارية.
رفض مصاحبتهم وفضل الجلوس في السيارة، فلا يدري لماذا يهرب من لينة ولا يود مواجهتها وكأنه أخطأ في حقها، حاول إلهاء عقله عن التفكير بها لكنه دوماً يعود إليها.
في الأعلى، وخصيصًا في أتيليه مخصص لبيع الفساتين، تقف لينة أمام المرآة تتفحص فستانها الرقيق ذو اللون الأبيض فكان اللون من اقتراح صديقتها.
وقفت شهد في الخلف تطالعها بحب شديد ظاهرًا في عينيها وهتفت بتلهف:
_ هياكل منك حتة، إيه الجمال دا؟
التفتت إليها لينة ورمقتها بنظرات باردة قبل أن تردف مستاءة:
_ أنا بلبس فستان عشان زياد!!
يعني اليوم اللي بحلم بيه من صغري لما يجي يكون مع واحد تاني!
أنا مش مصدقة نفسي بجد، مش مصدقة إني مطواعية بالشكل دا، أنا مش عايزة فستان ولا غيره وهو لو عايز كتب كتاب هو حر بس أنا مش هلبس ولا هعمل حاجة، تعالي افتحي لي السوستة خليني أغير البتاع دا.
أسرعت شهد في تهدئتها حيث هتفت ببعض الكلمات الحكيمة:
_ اهدي بس يا لينة، هتقولي إيه لما يسألوكي مشترتيش ليه؟
ماهو مش طبيعي يعني ترفضي فستان وتوافقي على كتب الكتاب، أنتِ لا ترفضي كله لا توافقي على كله لكن حوار نص نص دا مينفعش.
هدأت لينة قليلاً وطالعت صورتها المنعكسة مرة أخرى، تشبه أميرات ديزني في ذاك الثوب الأبيض الجميل، بل إنه رائع ومختلف تمامًا عن غيره، كان له رسمة ساحرة تشبه فساتين الأميرات حقًا.
لكن سعادتها لن تكتمل وكيف تكتمل ومن أحبته وتمنت قربه نفسه من يريد تزويجها لآخر، كم بدت غبية حينما صدقت أنه يحبها، تساقطت عبراتها رغماً عنها وفشلت في السيطرة على إيقافهم.
اقتربت منها صديقتها وقامت بضمها بقوة مأزرة إياها، تنهدت شهد وقالت:
_ يلا قبل ما طنط ميمي تستغيبنا وتيجي تلاقيكي بتعيطي.
مسحت الأخرى عبراتها قبل أن تخرج إلى السيدة ميمي لكي تريها فستانها، بعد مدة طويلة انتهوا من شراء كل ما ستحتاجه ذاك اليوم وعاد بهم يوسف في صمت متبادل.
وصلا بعد ثلاثين دقيقة، عدل يوسف من المرآة العلوية حتى باتت على وجه لينة وحادثها بجدية:
_ خليكي يا لينة عايز أتكلم معاكي.
تبادلت شهد ولينة النظرات ثم استأذنت شهد وعادت إلى منزلها وكذلك السيدة ميمي، استدار يوسف بجسده ليراها بوضوح، أخذ نفسًا عميق وبدأ حديثه:
_ أنا مش عارف إيه سبب العياط والزعل دا كله، أنا مش شايف إني أجبرتك على حاجة ولغاية الوقتي أنتِ مقولتيش حتى إنك مش موافقة وعشان كدا مش قادر أحدد نقطة زعلك، أنا مش عايز حد يضايقك بكلمة طلاما الناس خدت بالها مننا، وقبل منهم كلهم ربنا ورضاه الأهم، أنا والله مش حِمل أشيل ذنوب ولا أشيل عيلتي ولا حتى أنتِ، بس اللي أقدر أقولهولك واللي أنتِ مدتنيش فرصة أقوله أن كتب الكتاب مش هيغير أي حاجة، زياد هيفضل زي ماهو مش هيتخطى حدوده معاكي، كل حاجة زي ماهي بس هنعمله عشان نحلل قعادك في البيت، وأوعدك إن مفيش أي حاجة هتتغير إلا إذا أنتِ كنتي عايزة تغيير!
"مش عايزة تغيير."
هتفت بهم لينة مسرعة فواصل هو بثقة:
_ يبقى خلاص مفيش أي حاجة هتتغير، أوعدك بكدا، وأنتِ عارفة كويس إني لما بوعد بوفي بوعدي.
تنهد قبل أن يتابع استرساله:
_ أنا عايزك تطمني ومتخافيش، كل حاجة هتمشي زي ما أنتِ عايزة، ها فين الضحكة بقى؟
بصعوبة قابلتها في البداية ابتسمت له فشعر هو بالراحة تجتاحه من خلف ابتسامتها، غمز إليها وشاكسها قائلاً:
_ جبتي فستان حلو؟
تغلغلت الحماسة داخلها وأومأت بتأكيد بينما هتف هو بنبرته الرخيمة:
_ أنتِ اللي هتحليه!
اتسع ثغرها ببسمة عذبة ثم ترجلت من السيارة حينما انتهى حديثهما، صعدت الأدراج سريعاً ومنه إلى غرفتها مباشرةً، أخرجت فستانها من حقيبته وارتدته ومشاعرها قد اختلفت كليًا.
كلماته قد بثّت فيها الطمأنينة، ومحت الخوف من قلبها، ظلت تدور حول نفسها سعيدة بفستانها الذي يحلق عالياً بسبب دورانها المستمر، أخذت تتفحص جميع ما قامت بشرائه بتهلل شديد حتى انغمست بينهم دون الشعور بمرور الوقت.
خرج بلال من القُن خاصته باحثًا عن طعام يتناوله فلقد طالبت معدته ببعض الأطعمة، كانت الأجواء هادئة أكثر من المعتاد، لا صوت تلفاز ولا أثر لها في المنزل، لكن غرفتها كانت مغلقة حتماً هي غافية.
دلف المطبخ وأعد له بعض الشطائر ثم خرج ليتناولها، لكن شعور ما قد منعه من قضم شيئًا قبل أن يطمئن عليها، تنهد بضيق فهو لا يريد التعلق بها بهذا الشكل، ألم يخبرها أنه يشعر بالاشمئزاز نحوها؟ لماذا إذاً تستحوذ أفكاره الآن؟
طرد أفكاره ونهض بهدوء متوجهًا نحو غرفتها، وضع أذنيه على الباب لعله يستمع لشيء لكن لا يوجد سوى السكون، أمسك بالمقبض وبتردد شديد أداره حتى فتح الباب بضعة سنتيمترات، اكتفى بالنظر منهم عليها، فكانت غافية مثلما ظن، أعاد غلق الباب بحذر ثم عاد ليتناول طعامه مع مشاهدته للتلفاز.
صباحًا، حيث يوم جديد حاملاً معه أقدارًا للجميع، هاتف يوسف بعض الجيران والأقارب ودعاهم لحضور عقد قِران أخيه ولينة، بينما لم تستطع لينة النوم مطلقًا تلك الليلة، لقد مرت بصعوبة للغاية، تجتاحها مشاعر متناقضة، تخشى مرور الوقت والقدوم على خطوة كبيرة كالتي ستمر بها، لكنها كانت دوماً تردد كلمات يوسف حتى يطمئن قلبها ويهدأ روعها.
رافقتها شهد منذ بداية اليوم لكي تساعدها أو ربما تؤازرها، كان زياد الوحيد من بين الجميع متلهفًا لما هو مقدم عليه وأكثرهم حماسة، يتنقل من هنا إلى هناك، يتأكد أن جميع التجهيزات قد تمت.
وأخيرًا استحوذ على غرفة والدته حتى يفاجئهم بطلته الفريدة من نوعها، كذلك يوسف قد قام بشراء حُلة سوداء، كانت المرة الأولى التي سيرتدي بها حُلة، فكان دوماً ينفر منها تاركها ليوم مميز.
وقف أمام مرآته يضبط ربطة عنقه بقامة منتصبة شامخة، انتهى من عقد نهايتها عند حلقه فبات وسيم المظهر أكثر جاذبية عن ثيابه المعتادة.
رفع أنامله وتخلل بها خصلات شعره السوداء الناعمة ليعيد انتصابها من جديد، مد يده والتقط قنينة عطره، دعس على جزء منها فتناثر العطر على أشلاء متفرقة على حلته السوداء.
أعاد وضعها على "التسريحة" ثم اختلس النظر إلى مظهره للمرة الأخيرة قبل خروجه من الغرفة، أخرج تنهيدة قبل أن يولي صورته في المرآة ظهره وتوجه نحو الباب، أدار مقبضه على مهلٍ فشيء ما يمنعه من الخروج وكأنه مقيد بالأصفاد.
حرر أصفاده بفتحه للباب الذي أصدر صريرًا عاليًا فانتبهت له والدته وبخطوات راكضة توجهت ناحيته، اتسعت شفتيها مشكلة ابتسامة عذبة حين رأته يطل عليها بتلك الجاذبية المبالغة.
رفعت ذراعها وملست على كتفه بكف يدها مبدية إعجابها الشديد به:
_ بسم الله ما شاء الله، ربنا يحميك من العين يا حبيبي.
تشدق فظهرت ابتسامته الهادئة التي أسرت قلب والدته من فرط جمالها، أراد مشاكساتها فهتف:
_ دا أنا أغار على كدا.
بنبرة سريعة عفوية ردت على كلماته بحب:
_ ويليق بيك الغرور يا حبيبي، ويكون معاك الحق كمان، أنت مش شايف طلتك ولا إيه، شبه البدر في تمامه ربنا يسعد قلبك يا رب.
انحنى على يدها التي تناولها وطبع قُبلة عليها ثم عاد لفرد قامته، جاب المكان من حوله وعاد بأنظاره على والدته المنحنية لكبر عمرها وبفضولٍ قام بسؤالها:
_ العريس فين؟
أشارت بعينيها إلى بابٍ ما وأردفت:
_ لسه مخرجش من أوضته، تحب أستعجله؟
أبدى رفضه بإيماءة من رأسه كما أوضح علته:
_ لأ، سبيه على راحته، المأذون لسه موصلش.
أولاها ظهره وصوب بصره على باب غرفةٍ أخرى، حرك قدميه ناحيتها بخطى متريثة، وقف أمام الباب ثم كور أصابعه فاختفت في كفه وبهدوءٍ طرقه ووقف في انتظار فتحه.
تقوس ثغره بإبتسامة عذبة حين رآها تطل من خلف باب غرفتها بفستانها الأبيض الرقيق، اتسع ثغرها فور رؤيته وبحماس شديد استدارت بجسدها حول نفسها لتريه معالم الفستان كاملاً متسائلة بتلهف لسماع رأيه:
_ إيه رأيك؟
وقف يتابع تصرفها وكأنه يراها بالتصوير البطيء، لمعت عيناه بوميض مختلف فطلتها كانت مزهرة تليق بكونها عروس.
حدجها بنظراته التي يشع منهما السعادة العارمة قبل أن يهتف بنبرته الرخيمة:
_ مكنتش عارف إن القمر هيزورنا النهاردة!
عضت هي على شفاها السفلى بحياء كما أخفضت رأسها راسمًة بسمة لا تتعدى شفاها فجذب هو انتباهها بسؤاله:
_ جاهزة؟
رفعت بصرها عليه وكأنه أسقط أعلاها حجارة هائلة الحجم، أخرجت زفيرًا قبل أن تجيبه:
_ مش عارفة.
غمز إليها مع حركة سريعة من رأسه وهو يردد بعدم فهم:
_ المأذون على وصول.
خفق قلبها بتوجس، لم تشعر بذاك الخوف الذي اجتاحها من قبل فهي على حافة العزوبية، سوف تبدل حياتها السابقة كاملةً بحياة أخرى وهي حياة الزوجية!!
شعرت بغصة مريرة في حلقها فابتلعت لعابها لعلها تتخلص منها، انتبهت على صوت من خلفها يهتف بحميمية:
_ إزيك؟
غض بصره عنها ثم استأذن بلطافة وغادر بينما استدارت هي بجسدها ورمقت صديقتها بنظرات مشتعلة وبإقتضاب هدرت بها:
_ أنتِ مالك بيه يا رخمة؟ بتحرجيه ليه؟
انفجرت الأخرى ضاحكة بميوعة وأجابتها مازحة:
_ بحب أشوفه وهو مكسوف.
احتقن وجهها بغيظ ولم تسمح لها بافتعال المزيد من السخافات حيث صاحت بها مندفعة:
_ ملكيش دعوة بيه، أنتِ فاهمة؟!
تشدقت الأخرى بفمها قبل أن تردف مستاءة:
_ في إيه؟ مغلطتش في البخاري يعني وبعدين دا بقى مجرد...
قاطعتها محذرة إياها:
_ ها.
وضعت صديقتها راحة يدها على فمها مانعة لسانها من استرسال الحديث الذي يسلب رونقها فتوجهت الأخرى إلى مرآتها تتفحص فستانها ووجهها الذي ازداد جمالاً بتلك الزينة التي لا تعتاد وضعها إلا لو استحق الأمر.
تجهمت تعابيرها ونظرت لنفسها مرة أخرى بتقزز يشوبه الاستياء، كيف رضخت لذلك؟ كيف قبلت وفعلت كل ذلك من أجل رجل آخر؟
لم تشعر بنفسها سوى وهي تخلع حجابها ومن ثم فستانها فصاحت شهد متسائلة بغرابة وذهول:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
هدرت الأخرى بها باندفاع:
_ أنا عمري ما هلبس فستان غير ليوسف ولو نصيبنا مش لبعض يبقى مش هلبس خالص.
تابعت محي أي معالم لكونها عروس وبدلت فستانها بثياب أخرى قديمة، وقد أزالت مساحيقها حتى شعرت بالراحة، لم تستطع شهد إبعاد عينيها عنها فكانت مذهولة من تصرفاتها المفاجأة لكنها لم تتحلى بالقوة حتى تعقب على ما تفعله وفضلت المتابعة في صمت.
في الخارج، رحب يوسف بالمأذون بحفاوة وكذلك بعض الحضور الذي قام بدعوتهم، دعا المأذون لأريكة ما تتوسط الردهة، أشار لوالدته على باب إحدى الغرف فتفهمت ما يشير إليه وبخطى متعرقلة سارت إليها، طرقت الباب قبل أن تدلف لغرفتها التي وضع ولدها يده عليها اليوم حتى يتجهز بحرية لتخبره بحضور المأذون:
_ المأذون وصل يا حبيبي، يلا أخرج مش عايزينه يستنى كتير.
استدار زياد بجسده ليظهر مظهره الحسن الذي خفق قلب والدته إثره، اقتربت منه وعينيها تلمع بمزيج من المشاعر المختلفة في تلك الأثناء، قامت بتقبيله وهي تردد بشجن:
_ ربنا يحميك يابني، استنى لما أرقيك قبل ما تخرج.
وضعت كف يدها على رأسه وبدأت تتلو بعض الآيات أسفل ضحكاته التي لا تتوقف على تصرفها، انتهت من تلاوة الآيات ثم تراجعت للخلف سامحة له بالذهاب:
_ والوقتي تقدر تخرج.
حرك زياد رأسه باستنكار، ثم أخذ بيدها لترافقه للخارج، اقترب منه الجميع فور ظهوره حيث تلقى التهنيئات من الأصدقاء والأقارب وكذلك الجيران، نهض يوسف عن مقعده سامحًا له بالجلوس ثم توجه إلى باب غرفة العروس وطرقه فظهرت هي بعد ثوانٍ قليلة، لاحظ يوسف تبديل ثيابها وحالتها المنعكسة تماماً، لكن لم يكن هناك مجالاً للتعقيب فأخبرها قائلاً:
_ يلا إحنا مستنينك.
بوجهٍ جامد خالي من المشاعر أماءت له بقبول ثم استدارت بجسدها موليةً إياه ظهرها وأخذت شهيقًا أزفرته على مهلٍ، دنت منها صديقتها شهد وربتت على يدها داعمة لها:
_ متخافيش، أنا جنبك.
تبادلن نظرات الامتنان ثم خرجن كلتاهن برفقة بعضهن البعض، جلست هي إلى يسار المأذون تاركة مساحة بينهم بينما جلس زياد على يمينهما وعيناه لم تُرفع من عليها ناهيك عن ابتسامته التي لم تختفي من على محياه منذ ظهوره.
لم يشعر أحدهم بالعيون التي تراقب ما يحدث على بُعد، شعور مقيت يليه شعور بالفقد وكأنهم يسلبون روحًا من جسدها، العيون تبكي في صمت فلا لهما الحق في إظهار آلامهم وليس من حقهم فعل أي شيء سوى مراقبة الأجواء في صمت.
لا يدري حقًا ما الذي يحدث له، قلبه يؤلمه للغاية، يشعر بالغيرة الشديد كلما رأى نظرات أخيه المتلهفة، يريد اقتلاع عينيه حتى لا ينظر إليها ثانيةً، شعور قوي بداخله يريدها أن تبدي رفضها بالأمر.
يريد أن يخطو نحوهما وإحاطتها بين يديه وإنهاء تلك السخافة التي أحدثها.
انتبه لتلك اليد التي وضعت على كتفه فاستدار بجسده ليعرف هويته، لوهلة جهل ملامحه لكنه تعرف عليه بعد تفحصه لوقت وصاح بعدم تصديق:
.....
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم تسنيم المرشدي
"علي"
نطق بها يوسف مذهولاً، لا تصدق عيناه أنه بالفعل يقف أمامه. وقع اسمه على مسامع لينة التي استنكرت أنه علي نفسه، شقيقها. نهضت من مكانها لكي تستطيع رؤيته بوضوح، فكان يوسف حاجباً للرؤية.
تقدمت نحوهما وقلبها تتسارع نبضاته. وقفت بجوار يوسف لتتأكد من هوية الآخر. اتسعت مقلتاها بذهول شديد، فكان هو حقاً. لم يتغير كثيراً، بل نبتت لحيته وشاربه فقط. اجتاحتها مشاعر عديدة حينها.
تريد ضمه بكل قوتها لأنها افتقدت إليه كثيراً. وأيضاً تريد صفعه لغيابه عنها طيلة تلك الأعوام الماضية. يزداد حنينها نحوه، وكذلك نفورها منه.
خرجت من شرودها على صوته، التي بات أكثر خشونة وهو يبتسم بحنين:
"لينة!!"
يشع من عينيه شوق كبير. اقترب منها ليتحلى بعناق حار يداوي أعوام الفراق التي مرت عليهما. لكنه تفاجأ بتراجعها رافضة قربه. خفق قلبه بحزن وردد:
"دا أنا علي يا لينة، علي أخوكي، بتبعدي عني؟!"
لم تنتظر دقيقة أخرى أمامه، وهرولت إلى غرفتها. وما أن أوصدت بابها، سرعان ما انفجرت باكية. كيف استطاعت الهروب من أمامه ورفضه بتلك السهولة؟ أليست هي من بحثت عنه طوال الوقت؟ لكنه هو لم يبحث عنها، وتلك هي المشكلة.
استمعت لطرق الباب، ثم صدر صوت أنثوي قال:
"افتحي يا لينة، أنا شهد."
لم تكترث لمحاولاتها، واستمرت في البكاء، لاعنة لقاءهم الذي أعاد إليها ذكريات مؤلمة قد عاشتها بمفردها.
في الخارج، لم يرفع علي عينيه من مكان اختفائها. كان مصدوماً من ردة فعلها. لم يتوقع ذلك قط. شعر بيد قد وُضعت على كتفه تأزره:
"حمد لله على السلامة يا علي."
انتبه "علي" على كلمات يوسف وطالعه بحزن يتجلى في عينيه. ابتسم له يوسف وقال بنبرة رخيمة:
"معلش، أعذرها. هي دورت عليك كتير أوي، هتهدى وهتكون كويسة."
أشار "علي" على صدره وهتف بمزاج غير سوى:
"كان غصب عني. هي متعرفش أنا اتعرضت لإيه عشان أعرف بس أعيش."
ربت يوسف على كتفه وأردف برزانة:
"اتكلم معاها وفهمها، وهي هتقدر ظروفك أكيد."
تدخل زياد بسؤاله وهو يطالع "علي" بغرابة:
"مين دا يا يوسف؟"
تقوس ثغر علي بابتسامة حينما عرف هوية زياد، وردد بسعادة:
"زياد، صح؟"
أكد يوسف بإيماءة من رأسه، ثم أجاب أخاه:
"دا علي يا زياد، مش فاكره؟"
تفاجأ زياد به، ثم مد يده وصافحه مرحباً بوصوله:
"حمد لله على السلامة."
باختصار رد الآخر:
"الله يسلمك."
أنهى جملته وعيناه صُوبت تلقائياً على غرفة لينة التي اختفت خلف بابها. تنهد يوسف وقال:
"تعالى معايا."
نظر إلى أخيه وأمره قائلاً:
"اعتذر من الناس على التأخير، واحنا هنيجي أهو."
توجه يوسف إلى غرفة لينة الماكثة بها برفقة علي. تنحت شهد جانباً فور رؤيتها لهما، وعادت إلى مكانها. بينما طرق يوسف الباب وأردف بأمر:
"افتحي لو سمحتي يا لينة."
بعد ثوانٍ، فتحت له بعينان لا تتوقف منهما الدموع. أولاتهما ظهرها وتوجهت نحو الفراش وجلست أعلاه. ولج يوسف أولاً، وتبعه علي بحرج بائن لمعاملة شقيقته له. كاد يوسف أن يحادثها، إلا أنها أسبقت بسؤالها:
"رجعت ليه؟"
تفاجأ علي بسؤالها ووزع نظره بين يوسف ولينة بحرج. تدخل يوسف قائلاً عند وقوفه:
"طب أنا هسيبكم لوحدكم."
انتفضت لينة من مكانها وأسرعت نحوه، ثم وقفت خلفه محتمية به وتوسلته قائلة:
"لا يا يوسف، متسبنيش معاه لوحدي."
مال يوسف برأسه للجانب ناظراً إليها، فهي وضعته في موقف لا يحسد عليه. فأسرعت هي بمحاوطة ذراعه بيدها وتوسلته مرة أخرى:
"عشان خاطري يا يوسف."
حمحم علي وأيد طلب لينة ليطمئن جوفها:
"خليك يا يوسف، أنت في مكانة أحمد أخويا."
بسخرية هتفت لينة:
"كويس إنك لسه فاكره."
فغر علي فاهه ليخبرها بكل ما مر به، لكن دخول زياد منعه. بينما تفاجأ زياد بوضع لينة التي تحاوط ذراع أخيه في وضع حميمي. كز أسنانه وحاول عدم إظهار رفضه للأمر، وقال بنبرة جامدة:
"المأذون عايز يكتب الكتاب عشان يمشي."
"كتب كتاب مين؟"
تساءل علي بفضول، فالتفت زياد إليه وبثقة أجابه:
"كتب كتابي أنا ولينة؟"
وكأن دلواً مملوءاً بالثلج قد سُكب أعلاه. حتماً يمازحه. وجه نظره تلقائياً نحو يوسف وسأله بعدم تصديق:
"الكلام دا حقيقي؟"
الحرج دون غيره قد سيطر على خلاياه. فكيف يجيبه الآن؟ حتماً يظن أنهما يستغلان شقيقته. أخفض رأسه دون تعقيب، فكانت حالته خير إجابة على سؤال علي الذي صاح رافضاً للأمر:
"مفيش كتب كتاب ولا غيره، أنت إزاي يا يوسف توافق على التهريج دا؟ هي دي الأمانة اللي صاحبك سايبهالك!"
خرجت لينة عن صمتها ونهرته معنفة:
"متتكلمش معاه كدا تاني أنت فاهم. الأمانة اللي انت بتتكلم عنها دي هو صانها وحماها وراعى ربنا فيها. أنا واقفة قدامك دلوقتي بفضله هو. كان معايا في كل لحظة ضعف وحزن، عمره ما حسسني إني ناقصني حاجة. دا كرس حياته كلها عشاني ومشوفتوش مضايقة لحظة. أنت بقا يا أخويا كنت فين من كل دا؟"
"محاولتش حتى تدور عليا ولا تسأل عليا ولا تطمن خوفي عليك. بأي حق جاي دلوقتي تقول مفيش كتب كتاب؟"
كلماتها ألجمت لسانه، فشل في الرد عليها والدفاع عن نفسه، فكان متفاجئاً بهجومها الشديد. ظل يطالعها دون تصديق. كلماتها تتردد في عقله وتؤلمه كثيراً. هي لا تعرف شيئاً، لا تعرف ما مر به حتى ينال كل ذلك الإيلام.
شعر يوسف أنه أخطأ عندما اتخذ قراراً متهوراً كالذي أخذه. شعر أن وصول علي في تلك الأثناء رسالة موحية إليه بأن يتراجع. تنهد قبل أن يعيد تفكيره في الأمر:
"فكري تاني يا لينة، أخوكي خلاص وصل يعني معتش فيه داعي لكتب الكتاب."
استدارت لينة نحوه وحدقته بذهول، بينما هدر زياد بحنق وعدم تصديق لقرارات يوسف الذي يتخذها فجأةً دون العودة إليهم:
"هو إيه اللي خلاص يا يوسف؟ إيه السهولة اللي بتاخد بيها قراراتك دي؟"
حك يوسف مؤخرة رأسه فكان مشتتاً للغاية. لم يعد يعلم ما الصواب. تدخلت لينة حاسمة أمرها بقولها:
"أنا هكتب الكتاب يا يوسف واللي واقف ورايا دا ملوش علاقة بيا ولا له يدخل في قرارتي."
لم يتحمل علي المزيد من الإيلام والإهانة منها، فتوجه نحو الباب هارباً من بينهم. فصاحت لينة ساخرة:
"دا اللي أنت بتعرف تعمله."
التفت إليها علي وعيناه يشع منهما المعاتبة، فتابعت هي باقتضاب:
"شاطر أوي في إنك تبعد وتسيبني."
تبادلا النظرات، ثم تابع علي سيره مغادراً المنزل. فأعاد يوسف تنبيه لينة:
"مش مضطرة تعملي كدا يا لينة."
صاح زياد بحنق، فقد بلغ ذروة تحمله من سخافات أخيه:
"برده هيقول مش مضطرة، والناس اللي برا دي والمأذون كل دول هنقولهم إيه؟"
أجابه يوسف وعيناه مصوبة على لينة يتوسلها في نظراته أن توافقه الرأي:
"مش مهم كل دا قصاد رأيها هي."
فرت دمعة على مقلتيها وهتفت بنبرة متحشرجة وهي تطالعه بندم:
"صدقني معدتش فارقة يا يوسف."
تركتهما وخرجت من الغرفة. تبعها زياد الذي كان يتأفف بضجر وضيق. وبعد مدة تحرك يوسف للخارج وقلبه يكاد يقتلع من مكانه. كان متأملاً أن تعيد النظر في تلك المسألة، لكنها لم تفعل!!
حضر بلال وإيمان برفقة عائلتهما. جلس الجميع في هدوء مستمعين لخطبة المأذون الذي يليقها قبل أن يبدأ في إجراءات عقد القِران.
انتهى المأذون من خطبته ثم تساءل بجدية:
"أين ولي العروسة؟"
تبادل الجميع النظرات في حيرة من أمرهم، فلم يرتب أحدهم لذلك. صُوبت نظراتهم تلقائياً على الباب حيث صدر منه الصوت:
"أنا وليها يا مولان."
عاد علي ليكون بجوارها، فكيف يتركها في يوم هكذا؟ هو عاد فقط من أجلها وعليه أن يتحمل مسؤوليتها وتنفيذ كل متطلباتها، لعلها تسامحه.
نظر المأذون إلى علي وسأله مستفسراً:
"حضرتك مين؟"
بهدوءٍ أجاب:
"أخوها."
أومأ المأذون بتفهم قبل أن يتساءل مرة أخرى:
"وأين الشهود؟"
كان بلال أول من هتف لكي لا يضطر يوسف على شهادة زيجة حبيبته:
"أنا يا مولانا."
وتلاه تلقائياً صوت السيد رمضان:
"وأنا الشاهد الثاني يا مولانا."
بدأت مراسم عقد القِران، حيث جلس علي وزياد على جانبي المأذون وتصافحا وظل يرددان ما يمليه عليهم.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير إن شاء الله."
هكذا أنهى المأذون المراسم بدعوته لهما. تعالت الزغاريد في المكان، وحلت المباركات من الجميع على تلك المناسبة.
في زاوية قريبة وقف يطالعها بقلبٍ يتألم، وعقلٍ يحترق. جوفه يؤلمه للغاية. لم يشعر بتلك الدمعة التي فرت على مقلتيه. صعق حينما شعر بضعفه وقلة حيلته.
لم يكن أمامه سوى الهروب من المكان الذي يطبق على صدره. حتماً إن انتظر لدقيقة أخرى ستنشب كارثة.
لمحت لينة طيفه الهارب وتعجبت من أمره. توجهت تلقائياً خلفه ونادته، لكنه لم يرد بل كان يسرع من خطاه حتى اختفى من أمامها. عادت هي للداخل وقلبها يخفق بقوة، تشعر بالقلق والخوف حياله.
توجهت نحو بلال وردت كلماتها بتوجس:
"يوسف نزل وكان باين عليه إنه بيجري، نديت عليه مردش عليا، أنا قلقانة عليه أوي، ممكن تشوفه راح فين؟"
تغلغل القلق داخل بلال. اكتفى بإيماءة من رأسه وأسرع إلى الأسفل لعله يلحقه. لمح طيف سيارته التي تخرج من المنطقة فلم يتردد في لحاقه بالسيارة خاصته.
كان يعطيه إشارات من آن لآخر حتى يتوقف، لكنه لم يكترث له، مما ضاعف القلق في قلب بلال، وظل يقود بأقصى سرعة لديه حتى لا يفقده.
وأخيراً أوقف يوسف السيارة أمام المعرض الجديد. فتحه ودلف راكضاً. جاب المكان ذهاباً وجيئاً. سيجن عقله. كيف فعل ذلك؟ كيف أخذ قراراً متهوراً كهذا؟ كيف لم يمنع حدوثه بكل قوته؟
أسرع بلال ناحيته وأجبره على التوقف:
"في إيه يا يوسف؟ إيه الحالة دي؟"
رفع يوسف يده وحاوط عنقه، يشعر بالاختناق. فك رابطة عنقه وألقاه بعيداً عنه. كان بلال متأثراً من وضعه المجهول، وحاول مساعدته على الجلوس:
"طيب تعالى أقعد واهدى."
استلقى يوسف على إحدى الأرائك الجلدية، ثم انفجر باكياً كطفل رضيع لا يعلم ماذا يريد. كانت مفاجأة كبيرة لم يستوعبها بلال، فلم ير صديقه يبكي منذ معرفته به.
اقترب منه وجلس القرفصاء بجواره وحاول معرفة مابه:
"أنت بتعيط يا يوسف؟ إيه اللي حصل عشان توصل للحالة دي؟"
اعتدل يوسف في جلسته وظل يبكي ويشهق بقوة. ارتجفت شفتيه من شدة بكائه وكذلك يديه ثم جسده. استقام بلال ثم جلس بجانبه، حاوطه بذراعيه فلم يجد منه سوى الرضوخ. مال يوسف على كتفه وهتف بصوت باكي حزين:
"أنا طلعت بحبها يا بلال!!"
فغر بلال فاهه. لوهلة لم يستوعب عقله من تلك المقصودة. طالع الفراغ أمامه لبرهة قبل أن يسأله مستفسراً:
"هي مين؟"
ازداد نحيبه وهو ينطق حروف اسمها:
"لينة!"
اعتدل في جلسته ومال برأسه لليمين حيث يجلس بلال، ثم واصل تحت نظرات صديقه المذهولة مما سمعه:
"معقول كل اللي كنت بعمله دا مش عشان هي أمانة صاحبي؟ معقول كل دا كنت بحبها ومش عارف!!"
"بس بحبها إزاي يعني؟"
"بحبها إزاي يا بلال؟"
"دا أنا عرفتها وهي عيلة ولسه عيلة في نظري، لحقت حبيتها امتى وإزاي؟"
"يعني إيه حب أصلا؟بس آه، كل حاجة مكنش عندي تفسير ليها وضحت الوقتي. دا أنا عمري ما بصيت لواحدة غيرها، عمري ما لمست إيد واحدة حتى بالغلط غيرها، دي كانت بتحضني بعفوية ومكنتش بضايق، كنت بسيبها تقرب مني عشان كدا كنت حابب كدا."
"كنت بتعمد أخد شاور وأمشي قدامها عشان أشوف نظراتها عليا."
تقوس ثغره ببسمة عذبة متذكراً دلالها عليه:
"كنت بحب دلعها بس معايا بس، مكنتش بخلي حد يمسك حتى الكوباية اللي بتشرب منها، أنا بس اللي كنت بشرب من وراها عادي."
تجهمت تعابيره وهدر بغضب:
"كنت أطيق العمى ولا أطيق دمعة من عيونها تنزل."
نهض عن مكانه وجاب المكان من حوله مسترسلاً بحدة:
"عشان كدا لما سمعت الكلام اللي دار لما نزلت الصور مستحملتش، لأنه صح. أنا استحليت قربها، كنت مبسوط وأنا معاها. وكل ما عقلي يقولي يا يوسف اللي بتعمله غلط، أقوله وماله ما أنت طول عمرك ماشي صح، خدت إيه يعني؟ دا أنت مفرحتش إلا في وجودها، فيها إيه لما أعيش لي يومين مبسوط!"
توقف يوسف عن السير ووضع يديه في منتصف خصره، وحدق صديقه لوقت، لا يصدق ما فصح عنه للتو. كيف قاله وصرح به بتلك السهولة لا يدري؟
وقف بلال وكلمات يوسف لا تريد التحليق. تنهد ثم أردف:
"دا أنت طلعت عاشقها يا يوسف، يخرب عقلك يا جدع!! كل دا مداريه!"
مسح يوسف عبراته ثم وضع إصبعيه أمام عينيه محاولاً استيعاب مشاعره. أخرج زفيراً وردد بهدوء:
"أنا بس عايز أفهم ليه دلوقتي؟ ليه بعد ما كتبت كتابها بإيدي أحس بكدا دلوقتي؟"
توجه نحو الأريكة وجلس أعلاها. طالع الفارغ أمامه في محاولة منه على فهم تلك العقلية لكنه لم يصل لشيء. بعد تفكيرٍ طال هتف بلال:
"مش يمكن حصل كدا عشان تتأكد من مشاعرك، يمكن لو فضلتوا مكملين بنفس طريقتكم كنت هتفضل فاهم إنك بتحبها زي أختك."
فرت دمعة أخرى من عينيه، كان صوته متشحجاً حينما قال:
"وأديني عرفت، بس بعد إيه؟ بعد ما راحت مني!"
تساقطت عبراته دون توقف، وكلما قام بمسحهم يعودون من جديد. تنهد بلال وحاول إيجاد حلاً لكي يهدئه قليلاً:
"مش أنت قولت دا وضع مؤقت، يعني مفيش مشكلة الوضع يتغير."
رمقه يوسف بنظرات جامدة وصاح به شزراً:
"هي لعبة يا بلال؟ هلعب بيها أنا وأخويا؟ أنت مشوفتش أخوها كان بيبصلي إزاي النهاردة كأنه بيقولي أنتوا بتستغلوا أختي. تخيل لو عملنا اللي بتقوله!"
"وبعدين دا مستحيل أصلاً، إزاي أقول لأخويا سيبها عشاني؟ أنت مستوعب أنت بتقول إيه؟"
"دا حتى لو أنا اللي خدت القرار والاتنين مش موافقين ورضخوا بس عشاني، مينفعش."
"دي مش رواية بنقرأها ولا هي لعبة بنتسلى بيها عشان الوضع يكون بالسهولة دي."
رفع يوسف أنامله ومسح عبراته بعنف، أجبر عينيه على التوقف وعدم البكاء مرة أخرى. نهض عن مكانه فنهض بلال تلقائياً معه ثم أردف يوسف بجدية:
"أنا ماشي، وياريت تنسى كل اللي قولته."
لحق به بلال وأمسك بذراعه وقال:
"فهمني طيب أنت هتروح فين؟"
حرر يوسف ذراعه من بين قبضة صديقه وأجابه مختصراً:
"معرفش، هلف شوية بالعربية وبعدين أروح."
سحب بلال مفتاح سيارته من على الطاولة الخشبية وهلل قائلاً:
"طيب استناني أجي."
منعه يوسف من اللحاق به بقوله:
"عايز أكون لوحدي يا بلال، هكون كويس بس سيبني لوحدي."
أردف جملته وانطلق بالسيارة بعيداً، بينما ظن الآخر أن تركه بمفرده في تلك الحالة لربما يفيده. أخذ نفساً عميق وهو يتابع تحرك سيارة يوسف حتى اختفت عن نظره، فاستقل هو سيارته ليعود إلى منطقته.
***
ذهب الجميع إلا من السيد رمضان وزوجته وإيمان، وعلي الذي يجاور لينة في الشرفة، وكذلك زياد يتسامر في الخارج. اقتربت هادية من السيدة ميمي المنشغل عقلها باختفاء يوسف المفاجئ وسألتها بفضول أنثوي:
"إلا قوليلي يا ميمي هو إيه موضوع كتب الكتاب اللي طلع فجأة دا؟ عمرك يختي ما لمحتي حتى إن زياد عايز لينة."
تنهدت ميمي بنفاذ صبر وقالت بهدوء:
"الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة يا هادية. الموضوع كله عشان نحلل قاعدة لينة في البيت."
قطبت الأخرى جبينها بغرابة ولم تكتفِ بتلك الإجابة لأنها لم ترضِ فضولها فتساءلت بخبث:
"وإيه اللي جد يعني؟ ما هي طول عمرها عايشة معاكم ومحدش قال حاجة."
تأففت ميمي دون إظهار ضجرها من أسئلتها وردت عليها بجمود:
"أهم قالوا يا هادية واللي كان كان، ودا الحل اللي كان قدامنا. بعد اذنك هقوم أشوف لينة فين."
هربت ميمي بعيداً عنها، فلم يكن مزاجها في محله. ولجت الشرفة وتساءلت بقلبٍ قلق:
"يوسف لسه مظهرش يا ولاد؟"
نفى زياد بحركة من رأسه، بينما لم تبعد لينة نظريها عن الشارع على أمل وصوله. صدر صوت علي حينما شعر بالحرج من الجميع وخصوصاً أن الوقت بات متأخراً وقال:
"طيب أنا همشي أنا. هبقى هكلمك بكرة يا لينة."
لم تعطيه اهتمام فازداد خجله. تدخلت السيدة ميمي متسائلة باهتمام لكي تمحي حرجه:
"أنت هتنام فين يا حبيبي؟"
أجابها بود:
"حاجز في فندق."
بادلته ابتسامة فأستأذن منهم وغادر. بعد مدة ليست بقصيرة انتبهت لينة على سيارة بلال التي ترجل منها وأسرعت نحو الباب لكي تسأله عن يوسف.
"يوسف فين، هو كويس؟"
تساءلت بنبرة يكسوها الخوف والقلق. طالعها بلال لثوانٍ واعترافات يوسف تتردد في ذهنه، مما أثار الذعر في قلبها. فتدخل زياد الذي جاء للتو متسائلاً:
"لقيته ولا لأ؟"
خرج بلال من شروده وأجابه بتردد:
"أيوة، طلع عنده شغل ضروري كان ناسيه وكان لازم يعمله."
لم تقتنع لينة بتلك الإجابة فصاحت بعدم تصديق:
"شغل! شغل إيه النهاردة وفي الوقت دا بالذات؟"
ظهور إيمان ووالديها كان طوق نجاة لبلال من أسئلة لينة التي ليس لديه إجابات لها. انتبه الجميع على حديث رمضان الذي صاح:
"بلال وصل أهو، يلا إحنا عشان نمشي بقى."
غادر أربعتهم ولم يلتفت بلال، فكان يريد الهروب من لينة بأي طريقة. بينما عادت الأخرى إلى غرفتها بقلب يعتصر حزناً، وعقلاً مشغولاً بمن تركها وغادر دون أن يلتفت.
أخبر زياد والدته بأمر العمل الذي طرأ ليوسف فشعرت ببعض الراحة وقالت:
"طيب يا حبيبي الله يطمنك، أنا هدخل أوضتي أرتاح شوية على لما يوسف يرجع."
أيدها الرأي وانتظر حتى اختفت من أمامه ثم وجه نظراته على باب لينة. تشكلت بسمة خبيثة على محياه وفضل أن ينتظر قليلاً حتى تهدأ الأجواء تماماً ثم يتودد إليها.
كان يجوب الردهة على أحر من الجمر، لا يطيق الانتظار. يريد التريث حتى لا يفضح أمره. كان ينتظر بفارغ الصبر نوم والدته، فكان صوتها يصدر من الغرفة وهي تتلو بعض الآيات حتى اختفى الصوت تماماً.
وقف أمام بابها وبهدوء حذر أدار مقبضه. أصاب حدسه، لقد غفت وهي جالسة. أعاد غلق الباب ثم توجه إلى غرفة لينة بدون تردد. طرق بابها ففتحت هي بعد أن بدلت ثيابها بأخرى وسألته مستفسرة:
"عايز حاجة؟"
ما كان منه إلا أن دفع الباب ودلف دون اكتراث لنظراتها المذهولة. كانت تتابع خطواته بضجر لاقتحامه الغرفة بتلك الجرأة. لم تنتظر طويلاً واندفعت به:
"إيه اللي أنت بتعمله دا؟ أنت عايز إيه؟"
التفت إليها وبابتسامة هادئة أردف:
"بشوف أوضة مراتي."
شهقت الأخرى وطالعته بعينين جاحظتين ثم أعادت ما تفوهه بنفور شديد:
"مراتك! أنا مش مرات حد، إياك تنطق الكلمة دي على لسانك مرة تانية، أنت فاهم."
اقترب بخطاه منها ثم رفع إبهامه أمام عينيها وهتف مستاءً:
"أومال اللون الأزرق دا بيعمل إيه في صباعي لما أنتِ مش مرات حد؟!"
تأففت لينة بضجر بائن قبل أن تعيد هتافها بحنق:
"زياد لو سمحت اطلع برا أنا بجد مش فاوقة."
لم يهتم لطلبها كثيراً، تابع سيره نحوها تحت إصرارها بخروجه لكن دون جدوى. فما كان منها إلا أن تتراجع للخلف متوسلة إياه:
"لو سمحت يا زياد اخرج، بلاش كدا."
وقف مقابلها فلم يكن أمامها مفر تلجأ إليه. مال هو بقرب أذنها وهمس بوقاحة:
"خلاص مفيش هروب تاني، أنتِ بقيتي بتاعتي وعايزك تتعودي على كدا بسرعة."
أعدل رأسه متفحصاً تعابيرها، فدفعته هي بكل ما أوتيت من قوة محاولة إخراجه من الغرفة:
"لو مخرجتش هصوت وألم عليك البيت."
في تلك الأثناء قد عاد يوسف من الخارج مهموماً، غارقاً بين أفكاره. انتبه على صوت لينة لكنه لم يفهم كلماتها في البداية. تابع سيره باتجاه غرفتها حتى وقعت تحذيراتها على مسامعه. تجمع غضب الكون بأكمله داخله. لم يعد يرى أمامه من خلف الشر الذي ينطق من عينيه.
أسرع من خطاه ثم اقتحم الغرفة ولم يكن هناك داعٍ للنقاش. جلب أخيه من تلابيب قميصه وجره خلفه مخرجه من الغرفة. كانت مفاجأة لكليهما وجود يوسف في تلك الأثناء.
دفعه يوسف أرضاً هاتفاً بعنف:
"أنت كنت بتعمل إيه يا حيوان؟"
لم يعطه فرصة الرد، فكانت ركلات قدمه قوية وعنيفة. لا يرى أين يضرب أخيه، فقط يفرغ شحنة غضبه على جسد أخيه الذي صرخ عالياً من شدة الألم. كذلك ارتفع صراخ لينة وهي تتوسله أن يتركه:
"سيبه يا يوسف، هيموت في إيدك، حرام عليك."
لا يسمع ولا يرى سوى أنه تعدى على ملكية خاصة ولابد من أن ينال جزاءه. خرجت السيدة ميمي على الضجة الحادثة وصعقت حينما رأت زياد أسفل قدمي يوسف، لا يرحمه ولا يتوقف عن الركل والضرب المبرح.
خفق قلبها بقوة وهرولت نحوهم، حاولت مراراً منع يوسف مما يفعله متوسلة إياه بقلب يعتصر ألماً على ما يفعله في صغيرها:
"بس يا يوسف، أبعد عنه، أنت حصلك إيه، إيه اللي بتعمله دا."
كان يبعدها عنه ويتابع لكمه العنيف دون شفقة. وما كان من زياد إلا أنه وضع كلتا ذراعيه أمام وجهه محتماً فيهما. صراخ لينة والسيدة ميمي لا يتوقف، وكذلك يوسف أيضاً لا يتوقف عما يفعله.
عادت ميمي إليه ورفعت ذراعها للأعلى وبكل ما أوتيت من قوة انسدلت على وجه يوسف صافعة إياه بقسوة هاتفة بنفاذ صبر:
"فوق بقى فوق."
توقف يوسف وكذلك هدأ صراخ لينة وأخذت موضعاً بعيد واضعة يدها على فمها بصدمة جلية لا تصدق ما حدث للتو. بينما توجهت السيدة ميمي إلى صغيرها وساعدته على الوقوف. تألم قلبها حينما قابل صعوبة في وقوفه. حدقت جسده بأسى وسألته بنبرة تكاد تسمع:
"إيه اللي بيوجعك يا حبيبي؟"
انهمرت دموع زياد وهو يطالع أخيه بعدم تصديق. مسح عبراته وفر هارباً من أمامهم. لحقت به والدته محاولة إيقافه:
"استنى يا زياد أنت رايح فين الساعة دي."
لم يكترث لسؤالها وفي خلال ثانيتين كان قد اختفى من أمامها. التفت حيث يقف يوسف منكس الرأس. تجهمت تعابيرها وباتت قاسية حادة وهدرت به معنفة:
"ممكن أعرف إزاي تمد إيدك على أخوك بالشكل دا؟ أنت كنت هتموته في إيدك؟"
"إزاي تعمل كدا؟ وليه أصلا؟ حصل إيه عشان أخوك يهون عليك كدا؟"
لم يتجرأ يوسف على رفع عينيه والنظر في عيني والدته، كذلك لم يستطع الرد على أياً من أسئلتها. أولاها ظهره وهرول مسرعاً إلى غرفته ثم أوصد بابه لكي لا يستطيع أحد الدخول.
"استغفر الله العظيم يارب، إيه اللي جراله دا؟"
أردفتهم ميمي وعقلها يكاد يجن، فلا يوجد سبب لتصرف يوسف. لم تعد قدماها تنجح في حملها، فاستندت على الجدران حتى ولجت غرفتها. انفطر قلبها على والديها، يصعب عليها تخيل صغيرها يهان وخصوصاً من كبيرها العاقل الرزين.
نظرت إلى الأعلى بقلب حزين وعقل مهموم ورددت:
"يارب اهدي لي عيالي يارب ومدخلش الشيطان بينهم."
***
انتبه بلال على رنين هاتف إيمان الموضوع داخل حقيبتها التي تركتها على الطاولة للمرة الثالثة على التوالي. اضطر إلى أخذه حينما لم تنتبه له، فكانت المتصلة والدتها. تردد في إجابتها لكن إصرارها أجبره على الإجابة فصاحت هي بقلق:
"أنتِ مش بتردي ليه، قلقتيني عليكي."
حمحم وأجاب بصوت خشن:
"أنا بلال، إيمان سايبة موبايلها برا."
احتدمت نبرة هادية وحادثته بجمود:
"أنا عايزة أكلمها ضروري."
تنهد بلال فلا يريد الالتقاء والتحاور معها لكنه مضطر لفعل ذلك فقال:
"طيب ثواني."
توجه إلى غرفتها الكائنة بها ثم طرق بابها فلم يسمع رد. أعاد طرقه على الباب والنتيجة واحدة. فتح الباب بهدوء فكانت مستلقية على الفراش تطالع السقف. تعجب من عدم ردها لقد ظن أنها غفت.
وما أثار غرابته أنها لم تنتبه لدخوله، يا ترى هي متعمدة تجاهله أم عقلها مشغول بأمرٍ ما؟، أصدر صوتاً فانتبهت له، ناولها هاتفها موضحاً الأمر:
"مامتك على الخط."
أخذته منه ثم أجابت بنبرة هادئة للغاية:
"إيه يا ماما."
قطب الآخر جبينه وهو يشاهدها، فكانت مريبة وهدوئها مبالغ. لم ينتظر وغادر محاولاً عدم التفكير بها. بينما تابعت إيمان محادثتها مع والدتها التي قالت:
"صوتك ماله؟ وأنتِ كان مالك وإحنا في كتب الكتاب؟"
أجابت مختصرة:
"مالي؟ ما أنا كويسة أهو."
لم تقتنع والدتها وهدرت بغيظ:
"اللي عندك دا عملك حاجة تانية؟ اوعى يكون مد إيده عليكي."
"تؤتؤ، محصلش حاجة بس أنا مصدعة شوية وعايزة أنام، هكلمك بكرة، تصبحي على خير."
كانت تلك جملتها الأخيرة قبل أن تغلق، حتى لم تدع فرصة لوالدتها بالرد. وضعت هاتفها أعلى الكومود ثم سحبت وسادتها وعانقتها بقوة وفي خلال ثوانٍ كانت في ثبات عميق.
***
يجلس على الفراش بعدما خلع سترته وفك أزرار قميصه لعله يشعر بالراحة، فشل في تمالك أعصابه التالفة. كلما تذكر ضربه المبرح لأخيه يعود غضبه إليه من جديد. كيف استطاع فعل ذلك؟ لكنه هو من بدأ، هو من كان وقحاً وتعدى على ملكيته!
لكن كيف؟ وهي باتت امرأة أخيه، كيف تكون ملكاً له إذاً؟
قطع حبال أفكاره طرقات أحدهم على الباب. بعد تردد نهض وتوجه إلى الباب وفتحه، فكانت لينة من تقف أمامه. خفق قلبه فور رؤيتها واقفة أمامه. تلك المرة كان يعلم جيداً بأمر خفقان قلبه، لكن ماذا ستفيد معرفته؟
تجدد غضبه داخله فأولاها ظهره وعاد للداخل. ولجت هي خلفه وعاتبته:
"مكنش لازم تعمل كدا."
استدار بسرعة البرق نحوها، طالعها بعينين متسعتين وردد ساخراً:
"إيه صعبان عليكي؟"
استنكرت رده وهتفت بهجوم:
"دا أخوك على فكرة ومكنش ينفع أبداً تمد إيدك عليه، أنت كدا ممكن تخسره."
اقترب منها يوسف وبتهكم قال:
"ولا كنتي عايزاه يكمل في اللي كان عايزه؟"
اتسعت مقلتاها بذهول، كيف تجرأ ونطق كلماته الوقحة؟ كزت أسنانها بغضب شديد وصاحت معنفة:
"أنت بتعمل كل دا ليه؟ مش دي كانت فكرتك؟"
مال يوسف برأسه قليلاً واسترسل ببرود:
"وأنتِ مرفضتيش كأنك ما صدقتي."
صعقت مما وقع على مسامعها، فكيف يلقي عليها اللوم وهو المتسبب الرئيسي فيما حدث؟ لم تستطع التغاضي بسهولة عن إيلامه واقتربت منه ثم ضربته بقوة في صدره وهي تصيح بقلب يتألم:
"أنت واحد معندكش قلب ولا بتحس، أنت لو بتحس كنت فهمت إني بـ....."
صمتت ولم تواصل. وضعت راحتي يدها أعلى وجهها وانهمرت بالبكاء. كان يريد محاوطتها وضمها لصدره، فلم يكن بينهما مسافة، كانت قريبة للغاية. فقط يريد استعادتها من جديد.
رفع يده وأزاح يديها الصغيرة عن وجهها فنظرت إليه بعينين حمراوين من شدة البكاء. مال برأسه فبات أقرب لوجهها وسألها بهدوء:
"كنت فهمت إنك إيه؟"
ابتلعت ريقها، وازدادت وتيرة أنفاسها حتى شعرت أنها لم تعد تستطيع التنفس. لم يرفع يوسف نظره عن نقطة تركيزه إلا وهي شفتيها. كان عقله ثملاً ويريد الارتواء، لعله يعود لرشده. اقترب أكثر منها فشعر بحرارة أنفاسها و.....
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم تسنيم المرشدي
"يوسف"
هتفت بإسمه بنبرة جهورية، تراجعت لينة للخلف مسرعة، وكذلك استقام يوسف في وقفته، نكس رأسه فلم يتحلى بالقوة التي سيواجه بها والدته، لعن ضعفه الذي وضعه في تلك المواقف.
هربت لينة من الغرفة دون أن تنظر إلى السيدة ميمي، دلفت غرفتها وأوصدت الباب ثم أخذت تستنشق الصعداء، كادا أن يقعا في أمر محرم! لو لا تدخل السيدة ميمي! حتماً رأت وضعها ولن تمرق الأمر.
وضعت لينة يدها أعلى صدرها شاعرة بالإختناق يراودها تدريجياً حتى تملك منها، ركضت نحو النافذة تستنشق الهواء لربما تعود لرشدها.
في الغرفة المجاورة، أدلفت ميمي بخطاها بقرب يوسف حتى وقفت مقابله، حدجته بنفور وهي ترى صدره بارزاً أسفل قميصه، عقلها لا يتوقف عن التفكير فيما رأته؟ ماذا كان يفعلان ليتقربا بهذا الشكل!
حاولت طرد أفكارها التي يوسوسها لها شيطانها، تنهدت وقالت بجمود:
_ ارفع راسك وبص لي يا يوسف، بص في عيني.
حاول النظر إليها لكنه فشل، فكيف سيواجهها وهو متسبب في كارثة، فاضطرت هي إلى رفع رأسه بيدها، كان يهرب من عينيها فواجهته هي:
_ بص لي يا يوسف.
صوب بصره في عينيها، حاول جاهداً السيطرة على عبراته والتماسك قدر المستطاع، ملست ميمي بيدها على وجنته التي قامت بصفعها ثم تسائلت بنبرة مهزوزة تهدد بالبكاء:
_ وجعك؟
سؤالها هدم حصون تمالكه، وانهمرت دموعه فتفاجئت والدته بما تراه، ملست على وجهه بحنو وقد شاركته في بكائه وأردفت:
_ أنت بتعيط يا يوسف؟ دا أنت معيطش من يوم موت أبوك الله يرحمه، للدرجة دي وجعتك عشان تعيط؟
مسح بأنامله على عينيه وأردف بصوت متحشرج:
_ أنا كويس يا أمي.
لم ترضيها إجابته، فتسائلت باهتمام:
_ هحاول أصدق، ليه عملت كدا مع زياد أنت عمرك ما مديت ايدك عليه يبقى يوم ما يحصل تعمل اللي عملته دا؟
آلامه قلبه للغاية على ما اقترفه في حق أخيه، أخرج تنهيدة مهمومة ثم توجه نحو الفراش وجلس على طرفه وقص عليها ما رآه:
_ دخلت عليه لقيته بيتهجم على لينة!!
اتسعت مقلتي ميمي بصدمة، لا تصدق أن صغيرها يفعل ذلك، اقتربت منه محاولة تبرير موقف الآخر:
_ أكيد أنت فهمت غلط مش يمكن...
قاطعها يوسف بنبرة حادة:
_ أنا شوفته بعيني وهو بيحاول يقرب منها وهي بتبعده عنها وسمعتها وهي بتهدده إن لو مخرجش هتصوت، مشوفتش قدامي بعد كدا وحصل اللي حصل.
ابتلع ريقه قبل أن يسترسل بعض المبررات:
_ وأنا وعدتها يا أمي إن مفيش حاجة هتتغير، وكتب الكتاب مش هيغير حاجة وتعامل زياد معاها هيفضل زي ماهو، وأنا عمري ما وعدت وخلفت بوعدي.
أخرجت السيدة ميمي زفيراً مهموماً وهتفت معاتبة:
_ هو غِلط وغَلط كبير، بس كنت تفهمه غلطه بالراحة يا يوسف من غير ضرب، لأن في الآخر مفيش حرمانية دي بقت مراته!
وكأن الكون كله قد دعس على قلبه، رفض البتة كلمة زوجة التي قيلت في حق لينة لرجل آخر، انتفض من مكانه بصورة أرعبت والدته وصاح بانفعال:
_ متقوليش مراته، دي مجرد حتة عيلة في أمانتي!!
ثورته كانت تقلقها وتوضح بعض الصور الناقصة في عقلها، حاولت تهدئه روعه حتى يُمحى الخلاف الحادث وقالت بنبرة حنونة:
_ طيب أهدى يا يوسف، بس أنا عايزاك تنزل تدور على أخوك ومترجعش غير وهو في ايدك ومتصالحين، راضيه يا يوسف أنتوا ملكوش غير بعض.
تلفت حوله مردداً بفتور:
_ أنا معرفش هو فين.
نهضت هي واقتربت منه ثم وضعت يدها على كتفه وأردف بحنو:
_ دا أخوك يعني أكيد عارف الأماكن بتاعته اللي ممكن يروح فيها، يلا يا حبيبي ربنا يهديكم.
تركته وغادرت الغرفة بينما أوصد هو عينيه لبرهة يستعيد رونقه من جديد، ثم بدل ثيابه بأخرى وخرج من غرفته فوقع تغريدها بصوت باكي على مسامعه، توقف ومال برأسه مستنداً على جدار غرفتها ليستمع إليها:
يا من هــــواه أعــــزه وأذلـني
كيف السـبـيـل إلى وصـالك دلـنــي
تركـتـني حيـران صـباً هــائمــاً
أرعى النجوم وأنت في عيش هني
أنت الذي حلفتني وحـلـفـت ليوحـلـفـت
أنك لا تـخـون وخـنـتـني
وحلفت أنك لا تميل مع الهـوى
أين اليـمـيـن وأين مـا عـاهـدتـنـي
لأقعـدن على الطـريـق وأشتكيو
أقـول مـظـلــوم و أنت ظـلمـتـني
ولأدعون عليك في غسق الدجى
يـبـلـيـك ربي مـثـلـمــا أبلـيـتـنــي
غردت آخر كلماتها بصوت متحشرج غير مفهوم لفرط بكائها التي لم يتوقف، فكان قلبه يؤلمه بشدة لأنه لا يستطيع فعل شيء الآن، وما الذي في استطاعته بعد ما تسبب به، لم ينتظر دقيقة أخرى وغادر المنزل سريعاً ليبدأ في البحث عن أخيه.
استيقظ بلال من نومه عازماً على عودته للعمل، يكفي ملل لهذا الحد، ارتدى ثيابه وخرج من الغرفة ظناً أنه سيراها، رسم الجمود على تقاسيمه وولج المطبخ لكي يعد طعاماً له قبل نزوله لكنه تفاجئ بعدم وجودها.
أعد بعض الشطائر وخرج باحثاً بعينيه عنها فلم تكن في الأرجاء، حتماً ليست غافية للأن، رفع يده وتفقد ساعته فإذا بالساعة العاشرة صباحاً، عقد حاجبيه وعينيه صُوبت مباشرة إلى غرفتها.
كاد أن يعيد فعلته البارحة ليطمئن عليها لكن غروره منعه، تابع سيره إلى الأريكة وتناول شطائره حتى انتهى منها ثم غادر.
قبل أن يستقل سيارته لمح طيف يوسف غافياً في سيارته، تعجب من أمره وتوجه نحوه فكان الآخر مستنداً على طارة سيارته، دق بلال على زجاج النافذة فانتبه عليه يوسف.
ترجل من السيارة والإرهاق كان مرسوماً على تقاسيمه، فتسائل الآخر بقلق:
_ نايم في العربية ليه؟
أردف كلماته بصعوبة فلم يكن لديه القدرة على الحديث:
_ كنت بدور على زياد وملقتهوش..
عقد بلال ما بين حاجبيه فلم يستشف ما وراء كلماته وسأله مستفسراً:
_ يعني إيه بدور على زياد، هو راح فين؟
فرك يوسف عينيه وتثائب بقوة قبل أن يردف مختصراً:
_ حوار كبير، وأنا مش قادر أتكلم.
تركه يوسف وصعد إلى منزله تحت نظرات بلال المتعجبة، وقف يوسف أمام الباب متردداً في الدخول، فكيف سيدلف بمفرده دون أخيه، حتماً تنتظر والدته عودتهما سوياً بفروغ صبر.
قرر الصعود إلى سطح البناية والهروب من عينيها فلا يتحلى بالقوة حتى يواجه عينيها ويقع إيلام آخر على عاتقه، توقف حينما سمع همهمات تصدر من الأعلى، تزداد كلما اقترب من السطح.
تفاجئ بجلوس أخيه في زاوية يبكي، رمقه بشفقة لحالته وراحة لأنه وجده في النهاية، اقترب بخطاه منه بحرج شديد، مسح زياد عبراته فور رؤية شقيقه، احتدت ملامحه وتصنع القوة مطالعاً الفراغ أمامه بعبوس.
جلس يوسف بجواره أرضاً، ساد الصمت لدقائق قبل أن يقطعه يوسف بحديثه:
_ أنا آسف، عارف إني قسيت عليك ومكنش ينفع أعمل كدا، بس معرفتش أمسك اعصابي لما شوفتك..
أخفض زياد رأسه بحرج شديد، فتابع يوسف بنبرة منهكة:
_ لينة أمانة عندنا يا زياد وهتفضل أمانة والمفروض نحافظ عليها مش نستغل الفرصة كأنها واحدة من اللي أنت تعرفهم!!!
أوصد يوسف عينيه محاولاً كبح غضبه، فلا يريد أن يخسر أخيه، عمل جاهداً على نفسه لكي تظهر نبرته هادئة رغم بركانه الثائر داخله كلما تذكر فعلته.
لكزه يوسف في كتفه قبل أن يردد ممازحاً:
_ متزعلش بقى، ياض أنت إبني وواجب الأب لو ابنه غلط يربيه.
لم يبدي زياد ردة فعل، فنهض يوسف ثم مد يده له منتظراً تمسكه به، لم يمر الكثير حتى مد زياد يده وتمسك بيد يوسف فساعده على النهوض ثم ضمه بقوة إلى صدره وعانقه بحرارة:
_ أنا آسف.
أبعده عنه ثم قبل جبينه وهتف:
_ صافي يا لبن؟
تقوس ثغر زياد ببسمة وأجابه:
_ حليب يا قشطة.
تبادلا الأخوين الإبتسام ثم أحاط يوسف كتفه فانحنى زياد ليكون في مستوى طول أخيه، حرك يوسف رأسه مستنكراً ذاك الطول اليافع وردد مزاحاً:
_ أقصر ياخويا أقصر، والله عيب في حقي.
تبادلا الضحكات حتى وقفا كليهما أمام الباب، فتحه يوسف فركضت والدته نحوه، دقت أسارير السعادة قلبها حينما رأتهما يطلان يد بيد، أسرعت نحوهما وقامت باحتضانهما معاً هاتفة بسعادة:
_ أيوة كدا فرحوا قلبي، ربنا يحميكم يارب ويخليكم لبعض.
آمن كليهما على دعائها، بينما خرجت لينة على صوتها، فشعرت بالراحة لصلحهما، لم تقف كثيراً وعادت إلى غرفتها تحت نظرات يوسف الذي رآها.
ربت على ظهر أخيه وقال بنبرة نادمة:
_ أدخل خد لك دوش سخن عشان أثر العلقة يروح.
غمز إليها فرمقه زياد بغيظ ثم توجه إلى المرحاض ليحظى باستحمام ساخن يهدئ من آلام جسده، توجه يوسف إلى غرفته ولينة كانت شاغله الأساسي، لكن كيف سيواجهها بعد أن كاد يستسلم لشيطان غرائزه.
كان ضعيف النفس وقوته هزيلة، كان سيقع في إثمٍ كبير، أبطئ من حركته عندما اقترب من غرفتها وسمع كلماتها وهي تقول:
_ بقولك مش هعرف أقول لحد حاجة دلوقتي، ربنا يسهل ولما ألاقي الوضع هادي أشوف حوار التقديم دا.
أنهت المكالمة فطرق يوسف بابها، فتحت له ثم أخفضت رأسها بحياء فأمرها قائلاً:
_ اجهزي عشان نروح نقدم في الكلية.
لم ينتظر رداً منها بل أولاها ظهره وغادر، بدلت هي ثيابها سريعاً وخرجت تنتظره في الخارج، تلك الأثناء خرج زياد من المرحاض فلمحها، اقترب منها بخطوات خجلة، حمحم ليجذب انتباهها ثم هتف نادماً:
_ أنا آسف على اللي حصل امبارح، معرفش عملت كدا إزاي.
لم ترفع رأسها بل اكتفت بالرد دون النظر إليه:
_ محصلش حاجة..
أصر زياد على تصليح ما اقترفه:
_ يعني مش زعلانة؟
رفعت لينة رأسها وبعبوس هدرت:
_ لو وعدتني اللي حصل دا ميتكررش تاني!
أسرع في قوله:
_ والله مش هيتكرر تاني..
أومأت برأسها فلاحظ ثيابها وسألها بفضول:
_ أنتِ رايحة فين؟
بإقتضاب أردفت:
_ راحة أقدم في الكلية مع يو...
قاطعها زياد بحماس:
_ طيب كويس استني هلبس وأجي معاكي.
أولاها ظهره وتوجه إلى غرفته فتقابل مع شقيقه، مد له يده وقال:
_ يوسف هات مفتاح العربية هروح مع لينة تقدم في الكلية.
تفاجئ يوسف بطلبه، وزع أنظاره بينه وبين يده الممدودة، ابتلع ريقه ثم ناوله مفتاح سيارته، كانت لينة تتابع ما يحدث في ذهول، كيف قبل بهذا؟ لقد كانت المرة الأولى لعدم مشاركته لها في أمر.
تبادلا النظرات فكان منهم نظرات معاتبة لاستغنائه عنها ونظرات قليلة الحيلة لا تقدر على فعل شيئ، هو فقط لا يريد خسارة أخيه يكفي ما قام به ليلة أمس.
حضر زياد والحماس كان كافياً على ملامحه وتعامله، اختفيا خلف الباب ولم يبرح يوسف مكانه، فلقد اتقدت نيران الغيرة داخله، كيف سمح له بأخذها والإنفراد لها؟
كيف يدعي الحب وهو لا يقاتل من أجله؟ المسألة كانت ستكون مختلفة لو لم يكن أخيه طرفاً في الأمر، خرج من شروده على صوتها المتسائل:
_ واقف كدا ليه يا يوسف؟
التفت إليها وطالعها لوقت دون حديث، حمحم فخرج صوته أجش:
_ لا مفيش، أنا نازل الشغل، لينة راحت مع زياد تقدم في الكلية..
كان يردف كلماته بتجهم شديد، لم ينتظر رداً منها وغادر، فوقعت هي في حيرة من أمره، تشعر وكأنه يخفي شيئاً عظيم عنها، لم يكن يوسف ذاته فهي حافظة لملامحه وأسلوبه وإن تغيرت تكن مُلمة بذلك، دعت له بصلاح الحال وعادت إلى المطبخ تعد وجبة الغداء.
رنين تلاه رنين آخر دون جدوى، لا يوجد إجابة، لقد تسلل القلق داخلها، لماذا لا تجيبها؟ زفرت أنفاسها بضجر مخالط للقلق وتمتمت بحنق:
_ ردي بقى يا إيمان..
بعد مدة ليست بقصيرة أجابتها بنعاس:
_ صباح الخير يا ماما.
نهضت الأخرى من مكانها وعاتبتها قائلة:
_ أنتِ مش بتردي ليه مش معقول القلق اللي بقيت فيه بسببك دا.
تثائبت إيمان وقالت بلامبالاة:
_ كنت نايمة..
كان القلق يزداد داخل قلبها، فتحدثت هادية بإصرار:
_ طب قومي اغسلي وشك وأنا معاكي خليني أطمن عليكي بدل التوهة اللي أنتِ فيها دي.
نهضت إيمان وقامت بغسل وجهها ثم خرجت من الغرفة وتابعت مكالمتها مع والدتها بنبرة هادئة:
_ أنتوا عاملين إيه؟
"إحنا كويسين، بس أنتِ اللي مش كويسة معرفش حصلك إيه؟ جوزك فين من كل دا؟"
أردفتهم هادية بحنق بينما كادت الأخرى أن تخبرها بعدم معرفتها بمكان زوجها إلا أنها قرأت الورقة التي تركها لها على الثلاجة فأجابتها قائلة:
_ نزل الشغل..
صاحت هادية بعدم إعجاب لتصرفاته:
_ شغل إيه؟ وليه نفس يشتغل كمان!
قهقهت إيمان بسخرية ثم تحولت ضحكاتها تدريجياً إلى بكاء مرير، تفاجئت هادية ببكائها وتوجست خيفة في نفسها:
_ ريحي قلبي وقوليلي مالك؟
تحدثت إيمان من بين بكائها بنبرة غير مفهومة:
_ قولتيلي وافقي وهتنسى يوسف بيه، قولتيلي هيعوضك وقولتيلي كمان إنه بيحبني! كل دا طلع كدب، دا أنا بدأت أخد مهدئات عشان مشوفوش وميجرحنيش، بقيت بهرب منه ومن كلامه اللي زي السِم، بهرب من نفسي عشان عشمت نفسي مرة تانية وعشمي راح على الفاضي، أنا تعبت اوي تعبت.
تركت إيمان هاتفها من يدها فسقط أرضاً، سقطت بجواره واستندت برأسها على الثلاجة وواصلت بكائها الموجوع، كانت تتألم وتطلق آهات من آن لآخر، أجبرت والدتها على البكاء على حالتها.
قلبها يتألم على فلذة كبدها، احتدت تعابيرها وشعرت بالكره يطغى عليها، حاولت مراراً الإتصال على بلال لكن هاتفه كان مغلقاً، كزت أسنانها بغضب شديد ولم تنتظر لحظة بل بدلت ثيابها سريعاً وهي تتوعد لذاك الوغد أشد الوعيد.
في مكتبه، يحاول إلهاء عقله عنهما، لكنه يعود دوماً إليهما، كيف يقضيان الوقت معاً، هل يتسامران؟ هل تخبره بماذا تتمنى وتريد تحقيقه؟
هل يتطاول عليها؟ أم أنه يتمتع برؤيتها وهي إلى جانبه! هل سيسيران يد بيد؟
عقله سيجن، سيصاب بالجنون حتماً إن ظل يفكر فيهما، نيران غيرته متقدة لا تهدأ وكذلك بركان غضبه لا يخمد، فماذا يفعل حتى يهدئ من مشاعره المحترقة؟!
تذكر أحدهم فلم يتردد في مهاتفته، حتى جائه الرد بعد قليل:
_ أستاذ يوسف.
بجدية قال:
_ أنا عايزك تجيلي يا عيسى وياريت النهاردة أنا وعدتك إني هشغلك معايا ومحتاجك ضروري.
بسعادة وعدم تصديق هتف الآخر:
_ ساعة زمن وهكون عندك.
أنهى يوسف المكالمة وتفاجئ بإقتحام أحدهم المكتب، كاد أن يفرغ شحنة غضبه على الدخيل إلا أنه تريث حينما رآها زوجة خاله، نهض عن مكانه وردد بغرابة:
_ مرات خالي، اتفضلي.
كان وجهها لا يبشر بالخير، رفضت الجلوس وبنبرة لا تحتمل النقاش صاحت:
_ تعالى وديني مكان شغل صاحبك.
أثارت غرابته حول اندفاعها وحاول معرفة الأمر:
_ هو فيه حاجة حصلت؟
تغاضت عن سؤاله وهتفت بإقتضاب:
_ هتوديني ولا لأ؟
أومأ بالإيجاب ثم أسبق للخارج واستعار سيارة من أحد الموظفين وانطلق بها قاصداً مكان عمل بلال، حتماً اقترف كارثة لكي تكون زوجة خاله في تلك الحالة التي لا يرثى لها.
حاول مراراً مهاتفة بلال لكي يخبره بقدومهم لكن هاتفه كان مغلقاً، فتفاجئ بجمود قولها:
_ متحاولش، حاولت قبلك كتير.
حدجها يوسف ثم تابع قيادته حتى وصل لمرادها، صف السيارة أمام المعرض وأشار إليه:
_ دا المعرض اللي هو واقف فيه.
ببرود أردفت وهي تطالع المكان:
_ شكراً يا يوسف، ارجع لشغلك معلش عطلتك.
لكن ما كان عليه مرافقتها للداخل بعد جملتها التي تعني عدم تدخله في الأمر، ترجلت وداهمت المكان بوجه عابس باحثة عنه، قابلها أحد العمال وسألها باحترام:
_ حضرتك محتاجة حاجة؟
بجمود هتفت:
_ بلال فين؟
"أستاذ بلال في مكتبه، تحبي..."
لم يكمل جملته فكانت قد صعدت الأدراج مهرولة، أسرع العامل خلفها وهو يناديها:
_ يا فندم لحظة، طيب نديله الخبر الأول.
لم تكترث له وتابعت صعودها ثم اقتحمت مكتب بلال الذي تفاجئ بوجودها، ولج خلفها العامل ورمق بلال بخوف:
_ والله قولتلها نديله خبر الأول بس هي...
قاطعه بلال أمراً إياه:
_ خلاص روح.
توجه نظريه نحوها ورحب بها بحفاوة:
_ اتفضلي يا طنط، إيه الزيارة الجميلة دي.
خرجت هادية عن صمتها وصاحت بنبرة مرتفعة:
_ اسمع يابني، أنا وافقت أجوزك بنتي عشان شوفت فيك الراجل الطيب اللي هيتقي ربنا فيها، لكن اللي بيحصل غير كدا وطلعت لا تعرف ربنا ولا راعيت أنها خارجة من بيت أبوها معززة مكرمة يعني مجتش بيتك عشان تتهان، إيه مشكلة بنتي اللي خليتك تقلب عليها؟
إنها حبت؟
عايز تفهمني أن أنت مكنش ليك علاقات قبل الجواز؟
طب هي كل اللي عملته أنها حبت وخبت حبها جواها، مأجرمتش يعني، ومتحاولش تفهمني إنك طول السنين دي كلها مع صاحبك ومقالكش أنه كان رافض بنتي، يعني لا مشت معاه ولا اتكلموا حتى، إيه الذنب اللي عملته عشان يكون دا جزائها؟
أخرتها تاخد مهدئات عشان اللي أنت بتعمله؟
لما تاخد مهدئات من أول أسبوع جواز أومال بعد كدا هتعمل إيه؟ مش بعيد تفكر تنتحر!!
خفق قلب بلال بذعر عند سماعه كلمة انتحار، شعر بغصة في حلقه ولم يستطيع الرد عليها، فكان شاعراً أنه عارياً أمامها، لم يجرأ على مواجهتها فظل منكس الرأس يصغي لكلماتها دون تعقيب.
بينما تابعت الأخرى مسترسلة:
_ أنا كنت بقولها نستنى فترة ولو حالكم متصلحش تطلقوا عشان كلام الناس بس أنا أقسم بالله ما عاد هاممنى لا ناس ولا غيره، بنتي عندي أهم، مش هستنى لما يحصلها حاجة وأرجع أقول ياريت اللي جرا ما كان، أنا هطلع الوقتي على البيت وأخدها معايا، أرجعها لبيتها معززة مكرمة ولا أنت فاكر إن ملهاش أهل يقدروا يحموها؟
وتبقى تتكلم مع أبوها تتفقوا على الطلاق.
هدأت رويداً رويداً بعدما أخرجت مافي جوفها، ألقت عليه نظرة أخيرة ثم أولاته ظهرها لتغادر فتحرك هو نحوها مسرعاً، وقف أمامها مانعاً إياها من المغادرة.
حاول بلال جاهداً أن يهديها بكلماته:
_ مفيش طلاق هيحصل، أنا عمري ما هسمح بكدا ولا هخليها تبعد عني، أنا كمان مش ذنبي إني بحبها، أنتِ متعرفيش أنا عشت قد إيه أتمنى لحظة وقوفي أنا وهي في بيت واحد لوحدنا، كنت بنام بحلم بيها، أصحى أفكر فيها، متتخيليش أنا اتخذلت إزاي وقت ما هي نطقت بإسم واحد تاني وهي في حضني!
مش هنكر إني كنت عارف إنها بتحب يوسف وقاوحت وقولت هقدر أنسيهولها، بس الواقع كان أصعب بكتير من مجرد خيالات وهمية رسمتها في عقلي.
أنا لسه بحبها بس مش قادر، كل ما أبص لها صوتها وهي بتهمس بإسمه بيتردد في وداني بيخليني اتجنن، أنا في الآخر راجل ودمي حر، مببقاش شايف قدامي وأي حاجة أنا بعملها عشان بحبها عايز أوجعها زي ما وجعتني عشان تحس وتقدر أنا في إيه وحاسس بإيه.
تقوس ثغر هادية للجانب مشكلة بسمة ساخرة ورددت مستاءة:
_ أنت فاهم الحب غلط خالص، اللي بيحب بجد عمره ما يوجع اللي بيحبه بالعكس دا يستحمل هو أي وجع ولا إنه يشوف اللي بيحبه موجوع مش يكون هو السبب فيه!
هدأت من نبرتها حينما رأت عيناه تهدد بالدموع، لم تريد أن تقسو عليه أكثر من ذلك وقالت بهدوء:
_ أنا عارفة إنك ملكش ذنب، وهي برده ملهاش ذنب، نصيبكم أنتوا الإتنين كدا، بس طلاما فيه حب زي ما بتقول يبقى نعدي ومش مرة لا دا إحنا نفضل نعدي ونتغاضى طول اليوم طلاما اللي بيحصل مش بيمس كرامتنا ولا بيهينا، منعديش عشان المركب تمشي لأ، نعدى عشان نفسنا متكونش عايشة في صراع طول الوقت، طلاما نقدر نعفو يبقى منطولش في الزعل والخصام ونرد الإساءة بالإساءة، عارف القوامة إيه هي يا بلال؟
أجبر أذنيه على الإصغاء جيداً فتابعت هي:
_ مش بس إنك تصرف فلوس، تصرف قصاده حنان وطيبة وحب وعطاء، تحتوي أي موقف ممكن يوصل لمشاكل كبيرة، تديها أكتر ما تاخد، تخليها أولى من نفسك، تبدأ أنت بالصلح حتى لو كانت غلطانة ومفيش مشكلة لو فهمتها غلطها بهدوء من غير صوت عالي، الراجل اللي بيزعق دا راجل ضعيف بيعلي صوته بس عشان يفرض سيطرته ويبان أنه قوي وهو ولا قوي ولا نيلة، متنيمهاش زعلانة وحسسها إن زعلها غالي وإنها متهونش عليك، قصاد كل اللي هتعمله دا هي هتديك كل حاجة عندها، هتديك قلبها وعقلها، وهتحترمك وتكبرك وتصونك، وتطيعك وكل طلباتك أوامر حتى لو هي ميتة من التعب، أنا عمري ما حبيت خراب البيوت، بس دي بنتي، عندي تقعد جنبي ولا إنها تعيش تعيسة!
أخرج بلال تنهيدة على مهل، فكلماتها قد محت أي غضب داخله، وتبدل بحماس شديد وود أن يبدأ حياته من أول وجديد، ابتلع ريقه وأردف برجاء:
_ لو بتحبي بنتك بلاش تعملي اللي قولتي عليه، وادينا فرصة نتأقلم على بعض ونتعرف على بعض، اللي أقدر أقولهولك اطمني عليها والله ما أقدر أأذيها أبدا، كل اللي محتاجة فرصة ليا وليها نعيد فيه ترتيباتنا يمكن ننجح!
بعد مدة أخذتها في التفكير قالت:
_ بس اوعدني تاخد بالك منها مش عايزة أكون قلقانة زي ما أنا قلقانة الوقتي كدا.
ابتسم لها وأعطاها وعداً:
_ اطمنى، أوعدك إن كل حاجة هتتغير.
شهيقاً وزفيراً فعلت هادية ثم رتبت على ذراعه بحنو:
_ ربنا يهدي سركم يابني.
أصر بلال على توصيلها فقبلت تحت ضغط منه، بينما ذهب هو للتسوق، يريد شراء بعض المستلزمات التي يحتاجها المنزل حتى يعود إليه.
خرج كليهما من الجامعة، لم تتغير ملامحها قط منذ مرافقته لها، بينما هو صاح بحماس:
_ مبروك مقدماً يا باشمهندسة.
بإقتضاب رددت:
_ الله يبارك فيك.
استقلا السيارة ثم قام زياد بالإتصال على أحد الأرقام وحادثه بعد لحظات من الإتصال:
_ إزيك يا علي، أنا تمام الحمد لله، أنت فين دلوقتي؟ تمام إحنا جاين مسافة الطريق.
وضع هاتفه أمامه ثم مال برأسه لليسار ناظراً إليها وتسائل بجدية:
_ مش هتسألي كنت بكلم مين؟
نفت بحركة من رأسها مرددة ببرود:
_ الموضوع ميخصنيش عشان أسأل.
أخذ ملفاً دائرياً كان أمامه وأردف:
_ ميخصكيش إزاي، دا علي أخوكي!!
التفت إليه ورمقته بريبة قبل أن تنطق:
_ مين دول اللي هيقابلوه؟
أجابها بجدية:
_ أنا وأنتِ..
احتدت تعابيرها فأسرع هو في توضيح الأمر:
_ علي أخوكي ولازم تقعدي معاه وتفهمي منه بدل ما أنتِ سايبة عقلك يألف أفلام من نفسه كدا.
تأففت بضجر وصاحت بعصبية:
_ أنا مش جاهزة أقابله، وبعدين يوسف مش معايا و..
قاطعها زياد بحدة:
_ بس أنا معاكي..
مال برأسه ناظراً إليها وتابع:
_ وياريت تتعودي على كدا عشان أغلب المشاوير إن مكنتش كلها أنا اللي هكون معاكي.
عقدت لينة ذراعيها بتمرد، كانت ضجرة من ذاك الدخيل كيف عليه تحمله طيلة الوقت، شعرت أنها أخطأت حينما عاندت أخيها وقبلت بإتمام عقد القِران إنها لا تتحمله منذ أول يوم، ماذا ستفعل بقية الأيام؟
وصلا حيث كان مبنى نادي رياضي هائل الحجم، وكان علي في استقبالهما، كان مبتسماً بسعادة لرؤية توأمه، اقترب منها ثم عانقها بحرارة لكنه قابل منها برود عكس الحنين الذي يطغي داخلها، تود معانقته بشكل متبادل لكن ليس بتلك السهولة، عليها معرفة أسبابه أولاً وعليه يترتب علاقتهما فيما بعد.
تفاجئت لينة بوصول يوسف، تقوس ثغرها تلقائياً بإبتسامة عذبة تعكس سعادتها الداخلية لوجوده، بينما لم تكن مفاجأة سارة بالنسبة لزياد، فهو يريد الهروب من أخيه بشتى الطرق، يريد أخذ حصته معها حتى تعتاد وجوده لكنه دوماً يلقاه ويقطع عليه لحظاته.
تنهد زياد بضيق وسأله مستفسراً:
_ أنت عرفت منين إننا هنا.
قام علي بالرد عليه من الخلف:
_ أنا اللي كلمته وقولتله إننا هنتقابل هنا، مينفعش يوسف ميكنش موجود.
اكتفى يوسف ببسمة لم تتعدى شفتيه وهو يرى حبيبة فؤاده تقف بجوار أخيه، حاول عدم النظر إليها قدر المستطاع لكن عينيه تفتقد إليها كثيراً، كان يفشل ويطالعها بهُيام شديد، بينما هي شعرت بالإطمئنان لوجوده ولم تستطيع إخفاء ذلك فكان واضحاً للجميع خصيصاً زياد الذي لاحظ هذا التحول الكبير منذ وصول أخيه لكن ما باليد حيلة لم يريد تعكير صفو اليوم وهو من رتب له.
جلس أربعتهم حول المائدة في الداخل، قام علي بطلب بعض المشروبات الطازجة لهم ثم بدأ يقص عليها ما مر به منذ وصوله بعد أن أخذ شهيقا عميق:
_ طبعاً أنتِ مضايقة مني إني مسألتش عليكي طول السنين اللي فاتت، وطبعاً فاكرة إني كنت عايش حياتي وناسيكي.
أخفض رأسه بآسى شديد وفرك أصابعه محاولاً عدم البكاء وتابع بنبرة مهزوزة خفق قلبها لأجله:
_ أول ما وصلت لقيت عمك واقف واستقبلني ووقتها كلم يوسف طمنه عليا، أخدني البيت وقابلت مراته وكان واضح عليها إنها رافضة وجودي، بس مكنش في أيدي حاجة أعملها أنا مش مجرد في بيت جديد عليا دا أنا دولة تانية معرفش فيها أي حاجة.
أخرج زفيراً ليكمل مالم ينهيه:
_ شوفت بنته ودي اللي كانت مهونة عليا المعاملة الباردة ورمي الكلام طول الوقت، كانت أصغر مني بشهور.
تعجب يوسف من ذكره لوجود فتاة فهو على حد علمه أن عمه لديه صبي وليس فتاة فردد متسائلاً بغرابة شديدة:
_ بنته! بس دا قالي إنه معاه ولد.
تقوس ثغر علي ببسمة متهكمة قبل أن يوضح:
_ لا ماهو قالك كدا عشان تبعتني أنا ولما أروح يرميني زي ما عمل!! أصل هيرمي بنت في الشارع إزاي؟ عيب برده!!
أردف آخر جملته بسخرية تحت نظرات الآخرين المذهولة، فكم كان دنيئاً ذاك الرجل، ولم يكف يوسف عن تأنيب ضميره فهو من أصر على سفره، بينما انعسكت تعابير علي وابتسم بخفة عندما تذكرها وتابع:
_ كانت جميلة أوي إسمها كيندا، هي اللي كانت بتجيبلي الأكل وقت ماهما يناموا..
قاطعته لينة مذهولة مما استنتجته ورددت متسائلة:
_ هما مكنوش بيأكلوك؟
راوده شعور السعادة لكونها تبادلت معه الحوار بتأثر وأجابها بتلقائية:
_ عشان مبقاش مبالغ هما كانوا بيحطو الأكل وينادوا عليا بس لو اتاخرت ٥ دقايق كان الأكل بيتشال.
نكس رأسه بحزن وشفقة على مر به:
_ آل يعني بيعودنوني على النظام وإن كل حاجة ليها وقتها فكنت معظم الوقت مش باكل.
تابعت لينة أسئلتها بفضول شديد لمعرفة بقية القصة:
_ وأنت ليه مكنتش بتخرج وقت ما ينادوا عليك، ليه كنت بتتاخر؟
بهدوء شرح لها:
_ ببساطة لأن الدراسة كانت بالفعل شغالة، وأنا رايح دولة أجنبية بمنهج مختلف تماماً عن اللي كنت باخده بلغة جديدة مكنتش أفقه عنها حاجة، فالموضوع كان محتاج مني جهد كبير عشان أقدر أفهم وأكون في مستوى زمايلي وهناك مفيش دروس في كورسات بس في الصيف بس، الموضوع كان صعب عليا ومكنش حد بيساعدني فكنت بفضل المذاكرة على حساب الأكل، قعدت فترة كبيرة مش متأقلم وحسيت إني مضغوط ومطلوب مني أفهم ناس مش فاهم حتى قواعد لغتهم، حاجات كتير مريت بيها لوحدي، لغاية ما حسيت إني خلاص ضعت واتمنيت حياتي تنتهي لأني مكنتش قادر أسابقها ولا حتى أمشي معاها، بس بعد حوالي سنتين كنت اتأقلمت كنت بروح كورسات في الصيف عشان أقدر أساعد نفسي في الدراسة وعشان أفهم الناس هناك ومش عايز أقولك إن مصاريف الكورسات دي أنا اللي كنت بدفعها!
جحظت عيناي لينة وهتفت والدموع تتسابق على مقلتيها:
_ بتدفعها إزاي؟
شاركها علي البكاء وهو يجيبها بصوت متحشرج:
_ كنت بشتغل، ماهو مكنش بيصرف عليا، ولأني لسه صغير ومش معايا شهادة والشهادة دي هناك أهم منك شخصياً كنت بشتغل في مطابخ المطاعم بغسل أطباق وأغسل حمامات كل دا عشان أجيب مصروف أقدر أخد بيه كورسات، الحياة هناك غالية أوي وكل حاجة ليها مقابل مفيش حد بيعطف على حد ولا بقى أنت عمرك صغير ولا الكلام دا وكنت بشتغل عند ناس معينة لأن هناك مرفوض شغل اللي سنهم صغير فكنت بلاقي صعوبة عشان حد يقبلني عنده.
مسح علي عبراته وحاول التحلى بالقوة أمامهما وتابع مسترسلاً:
_ مكنش عندي وسيلة أوصلك بيها، كانت كيندا بتحاول تساعدني من خلال موبايلها بس مرة مامتها عرفت من سجل البحث بتاعها ومن يومها رفضت تساعديني تاني لأنهم أخدوا الموبايل وفضلوا فترة مقفلين عليها كل حاجة وبدأوا يهددوها لو ساعدتني تاني هيتمنع عنها حاجة بتحبها فبدأت تبعد عني لغاية مابقت زيهم أو يمكن أجبروها تكون زيهم، المهم بعد ما تميت ١٦سنة مراته قالت إن مينفعش أفضل في نفس البيت مع بنتها تاني وعمي طردني من البيت.
ابتسم بسخرية قبل أن يوضح:
_ بس كتر خيره وداني شقة مليان شباب وقالي اتصرف أنت بقى، عشت هناك وبدل ما كنت باخد كورسات تساعدني في مذاكرتي بقيت بشتغل عشان أسد إيجار السرير اللي بنام عليه.
زفر أنفاسه بضجر، لم يريد إحزانها بهذا الشكل وتابع بندم:
_ والله العظيم حاولت كتير أوصلك بس معرفتش مكنش عندي وسيلة ومكنش معايا موبايل وكل اللي بيجي كان عشان أقدر أعيش بس، حاولت أوصلك من موبايل حد من اللي كنت قاعد معاهم بس كانوا لازم ياخدوا مني فلوس وأوقات كنت بقدر أوفر وأوقات لأ، بعد كدا اقتنعت أن الحل الوحيد إني أنزل بس مش هينفع أنزل إلا لما أتم ١٨ سنة عشان أكون خلصت الثانوي وبعد ما تميت ١٨ سنة اشتغلت ويتر تخيلي أسبوع شغل واحد خلاني قدرت أحجز تذكرة وأنزل مصر، والله يا لينة كان غصب عني أنا حتى مش عارف هبات بكرة فين لأن فلوسي يدوب..
نهضت لينة عن مكانها واقتربت من شقيقها الذي وقف تلقائياً لاقترابها وقامت بعناقه بكل ما أوتيت من قوة وظلت تردد بندم شديد من بين بكائها:
_ أنا آسفة، آسفة أوي مكنتش أعرف كل دا.
بادلها علي البكاء ثم حاول تهدئتها بقوله:
_ والله كل دا هان أول ما شوفتك، وحشتيني أوي.
عادت لينة إلى حضنه وظلت تربت على ظهره بحنو وأردفت بشوق كبير:
_ وأنت كمان وحشتني، كنت بستنى اللحظة دي من زمان أوي.
ابتعدت عنه وحدجته بأعين لامعة، قلبها يؤلمها على ما عاشه بمفرده، في الخلف يتابعوا ما يحدث بتأثر شديد فما كان منهم سوى تركهم لعل جروحهم تدواى هكذا.
التفت يوسف ونظر حيث يجلس أخيه، كان كل ما يشغل عقله أن لينة لا تعود برفقته، ففكر قليلاً حتى وصل إلى فكرةٍ وعزم على فعلها، نهض وهتف:
_ علي تعالي لو سمحت عايزك.
أومأ علي بقبول ثم ابتسم لشقيقته بحب وتركها وتبع يوسف، وقف كليهما على مقربة من الآخرين ثم أخبره يوسف بما يريد بعدما أخرج من جيبه بعض الورقات النقدية:
_ عايزك تخرج أنت ولينة عوضوا بعض عن غياب الـ ٨ سنين اللي فاتو.
رفض علي البتة أن يأخذ منه أي نقود:
_ لا لا مش هاخد حاجة أنا معايا.
بإصرار واضح قال يوسف مازحاً:
_ خليهم معاك، وخد دول مش عشانك عشان لينة عايزك تدلعها أصلها متعودة على كدا.
قهقه علي لكنه رفض أيضاً أخذ النقود فما كان من يوسف إلا أنه يضعهم في جيب بنطال علي حتى يقطع عليه سُبل الرفض، غمز إليه وأسرع بقوله حينما رآه يريد إرجاعهم إليه:
_ والله ما أنا أخد حاجة عيب بقى.
أسبق يوسف بالعودة إلى طاولتهم، ثم وجه حديثه لمشاكسته التي تطالعه بعينان لامعة:
_ روحي مع علي يا لينة هيخرجك النهاردة.
غمز إليها بمرح قبل أن يمازحها:
_ لما نشوف مين خروجته أحلى، أنا ولا هو.
تشكلت إبتسامة عذبة رقيقة على شفتيها الوردية ووجهت نظريها نحو أخيها وسألته بفضول يشوبه الحماسة:
_ هنروح فين؟
رفع كتيفه مبدي عدم معرفته بالأماكن هنا ثم قال:
_ معرفش أماكن هنا دي هتبقى مهمتك أنتِ.
عضت على شفتيها ثم صاحت مهللة:
_ خلاص سيبلي نفسك خالص اليوم كله عليا.
"ربنا يستر" هتف علي بينما قهقه الآخرين قبل أن يوجه يوسف حديثه لصغيرته:
_ خدي بالك على نفسك.
استشفت من عينيه الإهتمام فأماءت برأسها، حمحم وقال:
_ تعالي عايزك لحظة.
ابتعدا عنهما تحت نظرات زياد المذهولة، كم شعر أنه لا قيمة له، وأنه فقط عدد زائد بينهم، حاول تهدئة روحه الغاضبة فهما معتادان على ذلك ولن يتغير الأمر بين ليلة وضحاها، عليه فقط أن يتحلى بالمزيد من الصبر.
على جانب آخر، أعطاها يوسف بعض النقود موضحاً:
_ خليهم معاكي احتياطي.
بحرج أخذتهم وقالت وهي تطالع أخيها بشفقة:
_ عارف، نفسي أوي أعوضه عن اللي شافه، عايزة أجيب له كل حاجة عارفة إن مفيش حاجة تعوضه بس المهم إنه فرحان.
تقوس ثغره ببسمة وأردف:
_ يابخته بيكي يا لينة.
أخفضت رأسها في حياء، فأخذ يوسف نفساً عميق وأخرجه بحرارة شوقه إليها، عادوا إليهما ثم تعلقت لينة في ذراع شقيقها وغادرا المكان تحت نظرات زياد ويوسف التي لم تُرفع من عليهما.
تبادلا الأخوين النظرات ثم سار كلاً منهما في طريقه عائداً في مكانه.
حل المساء وقد عاد علي ولينة بعد أن قضيا وقت ممتعاً للغاية، كان يوسف يجلس في الأسفل في انتظار عودتهما بفروغ صبر، استقبلهم بحفاوة ثم تسائل بعفوية:
_ اتبسطوا؟
أجابت لينة بحماس وسعادة بالغان:
_ جداً جداً، روحنا الملاهي واتمشينا على الكورنيش وأكلنا درة وأيس كريم و...
قاطعها يوسف بحرج حينما لم تتوقف عن الحديث:
_ خلاص يا لينة المهم إنكم اتبسطتو.
لم تهتم لاعتراضه وتابعت:
_ لسه مخلصتش، ركبنا عجل وجبنا بيتزا وأكلناها وخلصت كل الفلوس اللي أنت ادتيهالي.
نكس علي رأسه بحرج شديد فأصر يوسف على إيقافها:
_ خلاص يا لينة قولت.
أشار يوسف على أخيها من خلال عينيه فنظرت إلى علي وقد اجتاحها الخجل، تعلقت في ذراع علي وهتفت بنبرة حنونة:
_ اليوم كان حلو اوي.
رفعت رأسها وطالعته وقالت:
_ يا خسارة إنه خلص.
تدخل يوسف قائلاً بنبرته الرخيمة:
_ الأيام قدامكم كتيرة، تعوضوا كل اللي فاتكم.
انحنى "علي" على رأسها وطبع قبلة على جبينها وأيد رأي يوسف:
_ يوسف عنده حق، يلا اطلعي الوقتي عشان الوقت اتاخر، تصبحي على خير.
بحزن يكسو ملامحها ردت:
وأنت من أهله، كلمنى أول ما توصل.
أومأ لها ثم استأذن منهما وغادر بينما صعد يوسف برفقتها، لم تكف عن الثرثرة وقص ما فعلته، وفي النهاية رمقته بنظرات ممتنة وهتفت:
_ شكراً يا يوسف عشان خلتيني أعيش يوم حلو زي دا.
بلامبالاة قال على الرغم من سعادته الداخلية:
_ أنا معملتش حاجة.
أسبقت بخطوة ووقفت مقابله على درجة من درجته واعترضت قوله:
_ إزاي معملتش حاجة، علي قالي إنك اديته فلوس واديتني كمان كل دا ومعملتش؟!، بلاش تواضع.
أسبل عينيه في عينيها وبنبرته المتيمة العاشقة أردف:
_ كله لاجل ضحكتك دي!
اتسعت ابتسامتها وتبادلا النظرات لبرهة ثم ولج كليهما المنزل، كانت السيدة ميمي قد غفت منذ وقت، تثائب يوسف بنعاس شديد فلم ينم منذ يومان وقال:
_ أنا معتش شايف قدامي، تصبحي على خير..
هتفت لينة بهمس داخلها:
_ وأنت من أهلى يا يوسف..
راودتها فكرةٍ فازادت من حماسها، دلفت غرفتها وخلعت ثيابها، ارتدت عباءة نومها البيضاء وحررت خصلاتها المموجة الذهبية، ثم وضعت أحمر الشفاه خاصتها فهو يزيدها جاذبية وإثارة.
انتظرت وقت كافٍ حتى يكون قد غفى يوسف ثم خرجت من غرفتها وتفحصت المكان جيداً قبل أن تتجه ناحية غرفته، فتحت الباب ببطئ حتى تتأكد أولاً من نومه ثم دلفت وسرعان ما أغلقت الباب ووقفت خلفه تطالعه وهو غافي.
عضت على شفاها السفلية ووضعت يدها أعلى يسار صدرها فشعرت بخفقان قلبها المتزايد، أخرجت زفيراً حار ثم شكلت ابتسامة عريضة على محياها وخطت أول خطوة من حلمها لطالما تمنت تحقيقه..
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم تسنيم المرشدي
بهدوء حذر سارت بخطاها نحوه، ثم جلست بجواره على طرف الفراش.
أوصدت عينيها لبرهة تجمع شجاعتها ثم نظرت إليه، كان بريئاً في نومه، ساكناً لا يتحرك.
ترددت كثيراً في لمس وجهه في البداية لكنها قد مدت يدها وبهدوء ملست على وجهه بنعومة، شاعرة بخشونة خصلات ذقنه أسفل يدها.
ظلت تمرر يدها على وجنتيه تارة وذقنه تارة وخلف أذنه تارة أخرى، مغردة بهيام عاشقة:
"أنت الحتة الحلوة في قلبي، ببقى في قربك مش قلقانة، أنت حبيبي وأبويا وابني، ومليش بعدك تاني مكان، حببتني في أيام عمري، رجعتني لنفسي زمان.
بحبك أوي يا يوسف، مكنتش متخيلة إني أتعلق بيك كدا!
ياريتك كنت صاحي وسامعني، وترد وتقولي وأنا كمان بحبك يا لي لي."
صممت حينما شعرت بحركة طفيفة منه، فكادت أن تفر هاربة قبل أن يراها، إلا أنها تفاجئت باحتضانه ليدها مردداً بثقل:
"بـ حـ بـ ك."
لحظة استيعاب أن ما وقع على أذنيها كان حقيقياً لا يختلقه عقلها. اتسعت عينيها ثم انتفضت من مكانها وظلت تطالعه بذهول. لم يهدئ قلبها منذ تلك اللحظة، فقد كانت تتسارع نبضاته بصورة مضطربة. انحنت بجسدها نحوه متسائلة بهمس:
"أنت قولت إيه يا يوسف؟"
لم يجيبها، فلم تقبل ذلك البتة، هي تريد التأكد مما سمعته. حاولت مرة أخرى معه لعله يجيبها ثانيةً:
"يا يوسف قول أنت قولت إيه؟"
سكون دون غيره ولم يجيبها، تأففت بضجر فهي ليست متأكدة مما سمعته. نظرت إلى الباب فور سماعها بغلق الباب الخارجي، جحظت عينيها بتوجس شديد خشية أن يفضح أمرها. هرولت نحو الباب ووقفت خلفه لاعنة ذاتها، فلقد مر الوقت ولم تشعر به وها هي على وشك الانتهاء.
ارتخت تعابيرها فور سماعها لصوت غلق باب المرحاض. أسرعت في فتح الباب بحذر، وحينما لم تجد أحد ركضت مسرعة إلى غرفتها. في تلك الأثناء خرج زياد من المرحاض ولمح بابها عندما أغلقته.
عاد لغرفته وقام بخلع ثيابه، فإذا بأخيه يتسائل بصوت ناعس:
"أنت كنت هنا دلوقتي؟"
التفت إليه زياد نافياً وجوده في الغرفة بحركة من رأسه قبل أن يردف:
"لا أنا لسه داخل."
فرك يوسف عينيه ونظر لأخيه بغرابة وردد:
"أنا سمعت الباب بيتقفل ولا أنا كنت بحلم."
أكد زياد على عدم دخوله الغرفة قبل تلك اللحظة. بينما استدار يوسف بجسده ليكمل نومه، لكن صوت ما في عقله قد أعاد له تغريدها العذب. راودته قشعريرة قوية، شاعراً بيدها الناعمة وهي تملس على وجنته، كان كأنه حقيقياً.
حتماً كان يحلم، تقوس ثغره بابتسامة سعيدة وتمنى أن يتحقق. أخرج تنهيدة حارة ثم حاول العودة إلى نومه. وكذلك جاوره زياد ليحظى ببعض النوم قبل نهوضه لأداء صلاة الفجر.
في الغرفة المجاورة، كان عقلها سيجن. أهي حقاً سمعته يصرح بحبه لها؟ أم أنها هلاوس من عقلها الباطن؟ أم أنها هي من تتمنى سماعها منه؟
لا تدري، تأففت بضيق فلم تستطع الوصول إلى حقيقة الأمر. انتبهت لرنين هاتفها فأجابت بحماس:
"حبيبي وصلت؟"
جائها الرد من الطرف الآخر:
"أيوة، لسه واصل حبيت أطمنك."
بلطف أردفت:
"ماشي يا حبيبي تصبح على خير، كلمني بكرة أول ما تصحى."
"تمام."
أردفها علي ثم أنهى المكالمة. بينما هاتفت هي صديقتها، لم تجيب من المرة الأولى بل أعادت لينة تكرار الرنين حتى أجابت بصوت ناعس:
"في إيه يا لينة؟"
تنهدت الأخرى وصرحت بما يتمناه عقلها أن يكون حقيقة:
"يوسف قالي بحبك!"
انتفضت شهد من نومها وطالعت المكان من حولها تتأكد أنها لا تحلم. عادت إلى صديقتها وهتفت مستاءة:
"إيه الهبل دا بقى؟"
قهقهت لينة وبدأت تقص عليها ماحدث والسعادة تغمر قلبها. ثم أنهت جملتها قائلة:
"كان نفسي يقولها تاني عشان أتأكد إني سمعت صح."
حركت شهد رأسها باستنكار لتصرفاتها الخرقاء وهتفت معاتبة:
"أنتِ إزاي دخلتي أوضته؟ مخوفتيش يصحى ويشوفك؟ أو مثلاً زياد يرجع من برا! دي كانت هتكون مشكلة كبيرة أوي."
حاولت لينة تبرير تصرفها:
"مفكرتش في حاجة وقتها، كان نفسي أشوفه وهو نايم وألمسه، وبعدين أنا عارفة إن نومه تقيل يعني مش بيصحى بسهولة."
تنهدت شهد مستاءة قبل أن تواصل معاتبتها:
"أديكي قولتي كان نايم ونومه تقيل، يعني مش حاسس بيقول إيه وتلاقيه بيهلوس بأي حاجة وأنتِ سمعتي غلط."
تأففت لينة وشعرت بالاختناق من كلماتها التي تغلق بها جميع السُبل في وجهها وصاحت مستاءة:
"تصدقي أنا غلطانة إني كلمتك، كنت مبسوطة والله وأنتِ قفلتيني، سلام."
أسرعت شهد في الحديث لكي تمنع إنهائها للمكالمة:
"خلاص استني، طب ناوية تعملي إيه؟"
بهجوم قالت:
"هعمل إيه يعني؟ مش هعمل حاجة."
رققت من نبرتها متذكرة بعض المواقف التي لم تجد لها تفسير قبل أن تعود مواصلة:
"بس أنا قلبي بيقولي إنه فعلاً بيحبني!"
قلبت شهد عينيها باستياء وأردفت ساخرة:
"أيوة عشان كدا جوزك أخوه."
"أوف بجد يا شهد، معرفش أنا مقفلتش ليه."
هدرت بحنق فاعتذرها منها صديقتها:
"أنا آسفة معتش هتكلم، بس يا لينة بالعقل كدا منين بيحبك ومنين هو اللي اقترح كتب الكتاب؟"
شعرت لينة بأن حديثها صائباً فقالت بضياع:
"أنتِ صح، بس مش معقول اللي بحسه دا يكون كدب أو مجرد إحساس."
تسائلت شهد بفضول:
"طب فهميني إحساسك دا مبني على إيه."
أخذت لينة شهيقاً عميق زفرته على مهل وأجابتها مختصرة:
"تعامله معايا مختلف عن الأول."
قاطعتها شهد بقولها:
"ما أنتِ قولتي كدا يوم فرح بلال وكانت إيه النتيجة؟"
حاولت لينة توضيح الأمر من نظرها:
"لا لا دا اختلاف تاني خالص، يوم كتب الكتاب أول ما المأذون خلص هو اختفى، دا كان بيجري من البيت كأن فيه مصيبة، ولما ناديت عليه مردش عليا ودي أول مرة يعملها."
"أنتِ عايزة تقولي إنه زعلان عشان كتبتوا الكتاب؟"
هتفت شهد متسائلة فردت لينة قائلة:
"مش عارفة بس ليه يعمل كدا، دا عمره ما سابني في أي موقف يبقى إزاي يسيبني في يوم زي دا وهو عارف إني رافضة الموضوع، دا غير إن قبلها حسيته ما صدق إن علي يظهر وكان بيحاول معايا إني أتراجع بس أنا كنت غبية أخدت الموضوع عِند في علي."
تأففت لسذاجة عقلها واسترسلت متابعة:
"وبعد كتب الكتاب وموقفه مع زياد كان مبالغ فيه أوي."
بحنق هتفت شهد:
"أنتِ عايزاه يشوف أخوه بيقرب منك وميعملش كدا؟"
أيدتها لينة رأيها فقالت:
"لو يوسف اللي أنا عارفاه كان اكتفى بقلم محترم، لكن دا حرفياً قتله ضرب، كنت حاسة إنه بيطلع خنقته فيه، وبعدين يوسف عمره ما وقف قصاد ماما ميمي يومها مكنش همه كأنه مش شايفها قدامه! واللي حصل بعد كدا كان غريب، عمري ما اتعرضت له قبل كدا."
صمتت من تلقاء نفسها حينما تذكرت ما بعد ذلك، سرت قشعريرة قوية في أوصالها ورفضت الفصح عما حدث خشية أن تسوء صديقتها الظن بها. انتبهت على سؤال شهد حينما قالت:
"ها إيه اللي حصل بعد كدا؟"
ابتلعت ريقها وبجمود أجابت:
"ولا حاجة، بس أنتِ عندك حق أنا شكلي سمعت غلط، أنا هقفل تصبحي على خير."
أنهت المكالمة تحت ذهول الأخرى، فهي قد بدأتها ونهتها دون العودة إليها. لم تعطي الأمر أكبر من حجمه وعادت إلى نومها فما زال أثره يطغوا عليها، بينما ظلت لينة تفكر في كل ما مرت به منذ عقد قرانها لربما تصل إلى نقطة توضح لها ظلمة أفكارها.
بعد ما يقرب الساعتين شعر بلال بالاختناق، فلا مفر أمامه يلجأ إليه. كلما ظن أن والده قد انتهى من تخطيطاته يعودون للبداية من جديد. تأفف بضجر فاستشفت والدته ضيقه.
حمحمت وتدخلت بينهما ناهية حوارهما الذي طال:
"خلاص بقى يا سمير، الوقت أتأخر، سيبه يطلع بيته وبكره تكملوا."
انفعل السيد سمير باندفاع في إجابته:
"بيته إيه الوقتي، ورانا تجهيزات لازم تخلص على بكره."
هدأ سمير حينما استشف ملامح بلال، تفقد الوقت ثم صاح:
"خلاص نكمل بكرة عشان أنا كمان تعبت."
نهض وتركهما، بينما رددت والدته بندم:
"معلش يا بلال أنت عارف أبوك وقت الشغل بينسى نفسه."
أخرج بلال تنهيدة على مهل وقال بفتور:
"عادي."
نهض عن كرسيه وحمل الأكياس البلاستيكية في يده وصعد إلى منزله، فلم يرتب وصوله للمنزل في وقتٍ متأخر.
ولج المنزل ومنه إلى المطبخ، أفرغ محتويات الأكياس في أماكنها ثم دلف غرفتها دون تردد. ظل يبحث عن ذاك المهدئ التي تتناول أقراصه، وأخيراً وقع بين يديه عندما تفقد درج الكومود.
شعرت إيمان بالقلق حيال الضجة أحدثها، رمقته لوقت فكانت رؤيتها مشوشة قبل تتسائل بثقل:
"أنت بتعمل إيه؟"
التفت إليها ثم أردف أمراً:
"قومي تعالي معايا."
رفضت النهوض قبل أن تلم بما يريد أولاً:
"أقوم أروح معاك فين؟"
رفع بلال يده فظهرت الأقراص المهدئة وتسائل بصوت أجش:
"ممكن أفهم إيه دا؟ بتاخدي مهدئات ليه؟"
تقوس ثغرها للجانب مشكلة ابتسامة ساخرة وظلت تطالعه بقوة، فلم يستسلم لنظراتها ورفض أن يُلقى اللوم عليه:
"لا مش أنا السبب يا إيمان، أنتِ اللي وصلتينا للي إحنا فيه دا، لو أنا غلطان قيراط يبقى أنتِ ٢٤."
هدأ من نبرته وأعاد كلماته أمراً:
"لو سمحتي بلاش نفتح في مواضيع هضايقنا إحنا الاتنين، قومي يلا."
طالت نظراتها عليه ثم استدارت بجسدها للجانب الآخر ولم تعيره اهتمام. زفر بلال أنفاسه بضيق ثم اقترب منها ووضع يده أسفل خصرها والأخرى محاوطاً بها ذراعيها حتى حملها بين يديه.
تفاجئت هي بتصرفه وحاولت التملص من بين يديه بركل قدميها في الهواء هاتفه بحنق:
"أنت بتعمل إيه، نزلني."
لم يكترث لها وكذلك هي لم تكف عن المحاولة:
"يا بلال بقولك نزلني."
دلف بها المرحاض الخاص بالغرفة، ثم أوقفها في منتصف المغطس. حاولت الفرار إلى الخارج لكنه أبى وأرغمها على الوقوف ثم فتح صنبور المياه الباردة التي تدفقت بقوة أعلاها.
شهقت إيمان من هول المفاجأة، حاولت إبعاد يديه عنها لكنه مازال متشبث بها لكي لا تستطيع الهروب. تساقطت عبراتها وهي تتسائل بنبرة مهزوزة:
"أنت بتعمل كدا ليه؟"
طالعها لبرهة قبل أن يردف باقتضاب:
"لما تحسي إنك فوقتي وبقيتي أحسن، اخرجي وغيري هدومك دي."
أولاها ظهره وغادر، بينما تابعته هي برأسها حتى اختفى من أمام مرأى عينيها. اقتربت من الباب وأوصدته جيداً ثم عادت إلى المياه بعد أن خلعت ثيابها تنعش جسدها من جديد.
في الخارج، هاتف بلال والدته وسألها مستفسراً:
"بقولك يا ماما أنتِ بتعملي شوربة الخضار إزاي؟"
تعجبت والدته ورددت مازحة:
"هي مراتك مبتعرفش تعملها ولا إيه."
كاد بلال يخبرها أنه هو من سيقوم بطهيها إلا أنه تراجع عن قول ذلك وأجاب برد آخر:
"أنا بحب اللي بتعمليها وكنت عايزها تطلع زيها بالظبط."
دقت قبول السعادة قلب شهيرة لكونه مازال يحب أكلاتها، وبدأت تخبره مقاديرها حتى انتهت منها وأغلق بلال الهاتف. وقف يقطع الخضراوات ثم فعل ما أخبرته به والدته. عاد إلى الغرفة أثناء خروجها من المرحاض، كانت ترتدي البرنس الخاصتها.
حاول بلال عدم النظر إليها كثيراً رغم أن قلبه يحثه على التمتع برؤيتها على ذاك الوضع. لا يريد أن تضعف نفسه أمامها، فحتماً لن يبادر بالقرب منها ثانيةً. يكفي ما حدث حينما تحدى نفسه في المرة الأولى.
حمحم وأردف بتجهم:
"البسي وتعالي عشان ناكل."
عارضته بقولها:
"مش عايزة أكل حاجة."
بنبرة لا تحتمل النقاش صدر أمره:
"أنا مش بخيرك أنا بعرفك، هستناكي برا."
عاد إلى المطبخ ليرى ما أن كانت قد نضجت شوربة الخضراوات أم لا. لم تحتاج إلى كثير من الحرارة فأغلق عليها ثم بدأ يسكب في وعاء لها وله. وضعهن على الطاولة التي تتوسط المطبخ وجلس في انتظار مجيئها.
بعد مرور عدة دقائق، ظهرت من خلف باب غرفتها وكان قد جففت خصلاتها بالمجفف الكهربي وتركتهم محررين دون قيود. كانت رائحة الشوربة شهية للغاية، ربما تشتهيها معدتها لأن لم تأكل شيئاً منذ وقت طويل.
جلست مقابله وبدأت ترتشف القليل من الشوربة أولاً فشعرت أنها بحاجة إلى ليمون. نهضت لتحضر واحدة ثم عادت وقد وضعت أعلاها القليل فاكتمل مذاقها اللذيذ. لم تحاول قط النظر إليه، بل كانت تتناول وهي منكسة الرأس حتى لا تتقابل مع عينيه.
على عكس بلال الذي كان يختلس النظر إليها من آن لآخر. انتهوا من تناول طعامهم فكانت هي أول من نهضت. لاحظت بعض الحلوى التي قام بشرائها ووضعها في زاوية مخصصة لها. اشتهت أحدهم لأنها كانت المفضلة لديها، لكنها تريثت فعليه أولاً الذهاب لكي تأخذ منها.
بالفعل خرج بلال تاركها بمفردها فأسرعت هي في تناول حلوتها المفضلة. ظلت تأكل واحدة تليها الأخرى حتى نفذ ذاك النوع، فخرجت من المطبخ باحثة بعينيها عنه، لم تلمح طيفه فظنت أنه قد ولج غرفته لينام.
عادت هي إلى غرفتها لتتفاجئ بوجوده داخلها. وما أثار غرابتها جلوسه على الفراش ممدد القدمين براحة. أولاته ظهره لتعود حيث جائت لكنه أوقفها بسؤاله:
"رايحة فين؟"
لم تجيبه على الفور بل صمتت لثوانٍ قبل أن ترد بإجابة مبهمة:
"خارجة."
استشف هو سبب ذهابها من الغرفة بعد رؤيتها له قائماً بها فصاح بحسم:
"من النهاردة أنا وأنتِ هنام هنا."
قطبت جبينها بغرابة وهتفت مستاءة من أوامره التي يتخذها بمفرده:
"أنت تقرر من نفسك تنام في أوضة تانية وأنا أسكت، وبعدين تقرر إنك ترجع تاني والمفروض أسكت!!"
عقدت ذراعيها برفض تام لأمره وهدرت:
"وأنا مش موافقة إننا ننام في نفس الأوضة."
نهض بلال ووقف مقابلها وببرودٍ قال:
"مش بمزاجك، أنا اللي أقول أنام فين ومنمش فين."
تمردت على أمره وصاحت منفعله وهي توليه ظهرها:
"خلاص يبقى أنا اللي مش هنام هنا."
تفاجئت إيمان بيده التي حاوطت ذراعها وأعادتها إليه، خفق قلبها بتوجس وهي تطالع عينيه الثاقبة ثم انتبهت لهمساته:
"هنام في نفس الأوضة يا إيمان، أنا مش هديكي فرصة تاخدي اللي كنتي بتاخديه دا تاني."
كاذب كبير، هو يريد تقريب المسافة بينهما، لكنها علة لا بأس بها. تأففت إيمان فلا مفر منه. توجهت نحو الخزانة وأحضرت بعض الوسادات ثم عادت للغرفة، فرمقها هو بغرابة وتابع تصرفها المبهم.
اتجهت ناحية الفراش ثم وضعت الوسائد في منتصف الفراش. قطب الآخر جبينه وسألها مستفسراً:
"إيه دا؟"
نظرت إليه بتحدٍ وأجابته:
"دي حدود عشان كل واحد ميتعداش حدود التاني!!"
حرك رأسه مستنكراً تصرفها الأخرق وسخر منها:
"أنتِ بتتفرجي على تركي كتير؟"
عقدت ذراعيها ورفعت حاجبها الأيسر قبل أن تردف بجمود:
"دا اللي عندي، لو مش عاجبك روح نام زي ما كنت نايم."
لن يتركها تصل إلى مرادها، فتوجه نحو الفراش واستلقى أعلاه وقال:
"لا عاجبني."
تأففت إيمان من إصراره للبقاء معها. جلست في جانبها التي حددته لنفسها، ثم أولاته ظهرها وكذلك هو. لم يستطع كلاهما النعاس بسهولة، فكان عقلهما منهمراً بالأفكار. كانت هي متعجبة من تحوله المفاجئ، ولا تجد إجابة واضحة لهذا التغير.
أما عنه فكان في حيرة من أمره، لا يدري ما فعله هو الصواب أم أنه تسرع. ألم يكن عليها المبادرة في تصليح الأمور بينهما، لكنه بالأخير ليس مزعوجاً من خطوته التي اتخذها، فإن لم يكن لأجلها فسيكون من أجل العهد الذي اتخذه على نفسه أمام والدتها.
حل الصباح، والحدود لم يعد لها أثر. تخطت حاجزها المنيع التي وضعتها بينهما. شعر هو بثقل يعلو ذراعه الأيسر يقيد حركته. فتح عينيه فإذا ببعض الخصلات تغطي عنقه، فتفاجئ بها تتوسط صدره محاوطة خصره بذراعها.
وزع نظره بينها وبين حاجز الوسادات خاصتها فلم يجد له أثراً. تململت أعلى صدره فأسرع في غلق عينيه متصنع النوم. استيقظت هي وقد تسللت رائحة عطره أنفها. انتبهت على ذاك الوضع التي كانت عليه فانتفضت مسرعة لا تصدق أنها قضت ليلة كاملة على صدره، كيف فعلت ذلك؟
كانت نبضاتها سريعة لا تتوقف عن الخفق. كادت أن تنهض من جواره، لكنها عادت ناظرة إليه. مالت نحوه وظلت تتفحص معالم وجهه فلم تحظى بفعل ذلك من قبل. لا تعلم ما الذي تفعله. زفرت أنفاسها ثم نهضت من جواره وأعادت وضع الوسادات سريعاً قبل أن يكشف أمرها ظناً أنه لازال غافياً.
فتح بلال عينيه عندما تأكد من دلوفها المرحاض. نظر إلى ذراعه حيث كانت غافية أعلاه وبين الوسادات التي أعادت وضعها فتشكلت ابتسامة مبهمة على محياه لم يعلم سرها.
نهض ليبدل ثيابه حتى يذهب إلى عمله. خرجت هي وتفاجئت بعدم وجوده، ثم رأته يخرج من غرفة تبديل الملابس. طالعها وقال:
"حضري الفطار عشان عايز أنزل."
اكتفت بإيماءة من رأسها وهرولت إلى المطبخ تعد وجبة الفطور. انضم إليها واقترب من الحلوى التي أحضرها أمس فلاحظ اختفاء نوع من بين بقية الحلوى، وعلم أنها المفضلة لديها.
حمحمت إيمان لتجذب انتباهه وقالت بلطف:
"الفطار جاهز."
جلس على الطاولة وكذلك رافقته وبدأ كليهما في تناول ما أحضرته إيمان في أجواء صامتة خالية من الأحاديث حتى انتهى بلال من طعامه فنهض ثم ألقى بسؤاله قبل مغادرته:
"ناوية تعملي إيه على الغدا؟"
تفاجئت بسؤاله، فلم ترتب لشيئ ولم يجمع عقلها طعاماً تقترحه. شعرت أنها محاصرة من قبل عينيه فهربت بنظرها بعيداً لعلها تأتي باقتراح ما. استشف بلال حيرتها وحاول مساعدتها بقوله:
"أنا شوفت في الفريزر ملوخية وأرانب، تعمليهم؟"
تشنجت تعابيرها وردت بعفوية:
"بس أنا مش بحب ملوخية مع أرانب."
زفر بلال أنفاسه وردد بجمود:
"خلاص أعملي حاجة تانية، لو احتجتي حاجة كلميني."
غادر تحت نظراتها المتابعة له. على ما يبدو أنها من أطعمتها المفضلة. تنهدت بحيرة فكيف ستطهيها وهي تنفر دوماً من الأرانب، لكن كان هناك شعور ملح داخلها بأن تفعلها من أجله.
عادت إلى غرفتها وهاتفت والدتها التي أجابت في الحال:
"صباح الخير يا مونة، أخبارك إيه النهاردة."
بصوت نشط هتفت:
"صباح النور يا ماما، أنا كويسة الحمد لله."
شعرت هادية بالراحة إثر نبرتها الحيوية. واصلت إيمان حديثهما متسائلة بفضول:
"هي الملوخية والأرانب بيتعملوا إزاي؟"
عقدت هادية مابين حاجبيها متعجبة من سؤالها ورددت بعدم تصديق:
"أنتِ بتسألي على الأرانب! دا أنتِ عمرك ما حطتيها في بوقك؟"
حمحمت إيمان فشعرت بالخجل. لم تدري ما عليها قوله أو التعليل به، لكن لم يكن أمامها سوى مصارحتها حتى تخبرها كيفية طهيهما:
"بلال عايز ياكل ملوخية بأرانب وطلبها مني."
ابتسمت هادية وقد اجتاحها شعور الراحة. على ما يبدو أن الأمور بينهما على ما يرام. عادت إليها وبدأت تخبرها كيفية طهيهما بدقة والآخرى كانت منتبهة بآذان صاغية.
صدح رنين ذاك المنبه الغبي الذي أخرجه من حلمه الجميل الذي أعيد مراراً تلك الليلة. نهض وأغلق منبه هاتفه ثم خرج من غرفته. انتبه للأصوات الصادرة من غرفة لينة، عقد حاجبيه فمن الذي سيزورهم في مثل تلك الساعة الباكرة.
فُتح الباب وظهر من خلفه زياد، فاتسعت عينا يوسف بذهول لرؤيته خارجاً من غرف لينة. فارت دماؤه وبرزت بقوة في عروقه، ثم صاح سؤاله بلهجة هجومية:
"أنت كنت بتعمل إيه جوا؟"
رفع زياد الوعاء الذي بيده وأخبره:
"لينة سخنة وبنعملها كمادات."
"هي ميمي جوا؟"
هتف متسائلاً وما يشغل عقله أنهما ليسوا بمفردهما. لكن ما زال هناك أسئلة عديدة لا تنتهي في رأسه. كيف هي جالسة؟ أهو رأى خصلاتها المموجة؟ أهو قد أغرم بهم كما هو مغرم؟ كيف سمحت بدخوله؟ كيف هي حالتها؟
تعجب زياد من صمت يوسف المبهم وابتعد عنه ليجلب بعض المياه الباردة. عاد في غضون ثوانٍ، أسبق بخطاه إلى الداخل وأغلق الباب دون اكتراث لوقوف أخيه.
فازداد غضب يوسف أضعافاً. لم يعد يرى أمامه من فرط غيرته على مشاكسته الصغيرة. كيف يكون بالخارج وأخيه من يرافقها؟ كيف لا يكون هو راعيها؟ كيف لا يقدر أخذ خطوة بقربها وهي فتاته هو، لن تكون فتاة شخصاً آخر؟!
طرق الباب قبل دلوفه فسمحت له والدته قائلة:
"تعالى يا يوسف."
فتح الباب بهدوء ونظره مصوبتان عليها كأنه لا يرى غيرها. تنهد براحة حينما رآها مغطاة بغطاء لا يظهر أي جزء من جسدها، وكذلك شعرها المغطى بالحجاب الخلفي.
خرج من شروده على صوت السيدة ميمي وهي تردد:
"السخونية مبتنزلش خالص يا يوسف، بقالها ساعتين بتترعش جامد، اديتها خافض وبعملها كمادات من وقتها ومفيش تحسن خالص، دي حتى ساعات بتقوم تخرف بالكلام وتنام تاني."
توجه يوسف بقربها ثم وضع راحة يده على جبينها فلم يتحمل حرارة جسدها المرتفع. التفت حيث تقف والدته وصاح معاتباً:
"أنتوا إزاي مصحتونيش من وقتها؟!"
حاولت السيدة ميمي تبرير موقفها:
"والله يابني أنا قولت أجرب الأول زي ما بنعمل على طول مع السخونية بس معاها منزلتش خالص، دا حتى زياد لسه داخل قبلك أهو كنت بقوله روح صحي يوسف نوديها للدكتور."
الراحة دون غيرها تملكتني فور علمي بعدم مكث أخيه كثيراً في الغرفة. أخرج تنهيدة حارة قبل أن يردف:
"أنا هلبس، على لما تكوني لبستيها."
أماءت ميمي بالإيجاب ثم انسحب زياد أيضاً ليبدل ثيابه ليكون مرافقاً لهم. بدأت السيدة ميمي في تبديل ثياب لينة برفق حتى انتهت منها فأسرعت إلى الخارج لتبدل ثيابها أيضاً فلن تستطيع تركها بمفردها في تلك الحالة المزرية.
في تلك الأثناء استغل زياد عدم وجود أحدهم في الغرفة ودلفها. اقترب منها وطالعها بشفقة متأثراً بوضعها. لاحظ تحرك شفتيها فانحنى بقرب وجهها حتى يسمعها جيداً.
"يـ و سـ ف."
تنطق بإسم أخيه دون وعي منها. لا يتركها حتى في مرضها. لمح يوسف وقوف أخيه بمفرده فلم يقف مكانه وتوجه ناحيته والغيرة تتأكله وسأله بتجهم:
"بتعمل إيه؟"
استدار إليه زياد وطالعه بملامح جامدة قبل أن يهتف من بين أسنانه:
"بتنادي عليك!"
ارتخت ملامح يوسف المشدودة وتبادل النظرات مع أخيه فاستشف ما ورائها. حمحم ولم يرد الإقتراب منها حتى لا يفسر أخاه شيئاً من تلقاء نفسه.
أولاه ظهره وغادر الغرفة أثناء خروج والدته التي هتفت بأنفاس لاهثة:
"خلصت."
أدلت بخطواتها نحو لينة وساعدتها على القيام:
"قومي يا حبيبتي، اسندي عليا."
بصوت منهك يكاد يسمع هتفت:
"مش قادرة يا ماما."
اقترب منهن زياد محاولاً مد يده العون لهن:
"هاتي ايدك يا لينة."
أوصد يوسف عينيه في انتظار ردها، فما كان من لينة إلا أن حاوطت عنق السيدة ميمي بكلتي يديها وقالت:
"يلا يا ماما."
تنهد يوسف براحة وأسبق بخطاه للخارج حتى يجهز السيارة. فتح الباب الأمامي ووجه حديثه لوالدته:
"هاتي لينة هنا يا أمي، عشان ورا مش هتعرفي تخرجيها لما نوصل."
أماءت بقبول ثم ساعدتها على الجلوس وأغلقت الباب برفق. استقل يوسف أمام الطارة بينما جلس الآخرين في الخلف. تحرك بالسيارة مبتعداً عن المنطقة قاصداً أحد الأطباء بعينه.
كانت تطلق آنات موجوعة من حين لآخر، وظلت تردد بتعب:
"مش قادرة يا يوسف."
رمقها بشفقة وحزن وحاول طمأنتها:
"خلاص قربنا نوصل وإن شاء الله تكوني كويسة."
تفاجئ يوسف بابتسامتها التي تشكلت على ثغرها فظهرت عنه ابتسامة تلقائية وسألها بمرح:
"بتضحكي على إيه؟"
أجابته وهي تحدجه بعينين ضائقتين:
"شكلك حلو."
اتسعت ابتسامته وحاول التركيز في القيادة لكي لا تتفوه بالمزيد أمامهما. وصلا حيث عيادة الطبيب، صف يوسف السيارة وترجل منها وكذلك الآخرين. ساعدت السيدة ميمي لينة على النزول ومنه إلى عيادة الطبيب.
انتظرا دورهما مدة ليست بقصيرة. قطع ذاك الصمت زياد بسؤاله:
"مش المفروض نعرف علي؟"
رد عليه يوسف بحسم:
"ابقى كلمه بعد ما نروح بلاش تقلقه من دلوقتي."
حان دور لينة، دلف أربعتهم غرفة الطبيب، الذي فحصها على الفور. بعد دقائق معدودة ظهر من خلف الستار وأخبرهم عن سبب ارتفاع حرارة جسدها بنبرة عملية:
"السخونية اللي عندها سببها عدوى بكتيرية، هكتب لها محاليل كل ٨ ساعات مع أدوية تانية وإن شاء الله تكون كويسة."
تسائل يوسف بحيرة:
"والعدوى دي جت لها إزاي دي مش بتخرج من البيت إلا للضرورة."
ابتسم له الطبيب وقال بعملية:
"في الأيام دي ممكن قوي ناخد أي عدوى حتى من الهوى."
أومأ يوسف بتفهم ثم شكره وغادرا. عادا إلى المنزل، كان الجميع يرافقها في الغرفة وكذلك علي الذي انضم إليهم مؤخراً، في انتظار انتهاء المحلول حتى يروا نتيجته.
مر ما يقرب الستون دقيقة بدأت لينة تستعيد صوابها. مرت نظريها على الجميع وابتسمت لهم فهرول علي نحوها بتوجس:
"عاملة إيه الوقتي؟"
"الحمد لله أحسن."
قالتها فشكر الله على لطفه. نظرت حيث تقف السيدة ميمي وبحرج شديد أردفت:
"أنا جعانة أوي يا ماما."
تأثرت ميمي بطلبها وطالعتها بشفقة ورددت بتلهف:
"يا حبيبتي، حالاً والأكل يكون جاهز."
هرولت السيدة ميمي إلى المطبخ لكي تطهي طعاماً لها. صدح صوت زياد القلق في نبرته:
"سلامتك يا لينة، قلقتيني عليكي."
رمقه يوسف بغيظ ولم يعطيها فرصة الرد عليه حيث تدخل هو:
"سلامتك يا لينة، عاملة إيه الوقتي؟"
ابتسمت له وأجابت ممتنة:
"الله يسلمكم يارب، أنا كويسة الحمد لله."
بادلها يوسف بسمة ثم خرج من غرفته ليجيب على صديقه الذي لم يكف عن الرنين منذ زمن فصاح الآخر بحنق:
"ما ترد علينا يا سي يوسف، أنت فين أنا محتاس لوحدي."
أوضح له يوسف ما كان فيه:
"لينة كانت تعبانة وكنا عند الدكتور، مكنتش هعرف أسيبها وأجي."
تأفف بلال وهدر ساخراً:
"طيب يا روميو لو جوليت بقيت كويسة تعالى عشان أبويا مطلع عين اللي خلفوني ومش سايب حد عارف ياخد نفسه ومش وراه غير فين يوسف نادي لي يوسف، يوسف مجاش ليه لما قرفت منك ومن سيرتك."
سبه يوسف علناً ثم قال:
"والله دا انا اللي قرفت منك أنت وأبوك، أقفل أنا جاي."
أغلق الخط وعاد بأدراجه لغرفة لينة. اقترب منها وبحرج أردف:
"معلش يا لينة مضطر أروح الشغل محتاجيني هناك، على عيني إني امشي وأنتِ في الحالة دي."
قاطعته برقة:
"أنا بقيت كويسة، روح شغلك."
زفر أنفاسه وهو يومئ برأسه قبل أن يردف:
"هكلمك كل شوية أطمن عليكي لو احتجتي حاجة كلميني."
تدخل زياد بإقتضاب فحديث أخيه لم يعجبه:
"أنا هنا يا يوسف متشلش هم لحاجة."
لم يلتفت له يوسف بل صغى لكلماته وعينه لازالت مصوبة على لينة. أخرج تنهيدة ثم استدار بجسده ونظر إلى علي واعتذر منه بحرج:
"معلش يا علي لو مكنتش مضغوط مكنتش سيبتك."
أراد علي محو الحرج منه فقال:
"ولا يهمك يا يوسف ربنا يعينك."
ربت يوسف على كتفه بحنو ثم توجه ناحية الباب. توقف من تلقاء نفسه وعاد بنظره حيث يقف علي وقال:
"ما تيجي معايا."
عقد علي حاجبيه بغرابة وسأله بفضول:
"فين؟"
باختصار أجاب:
"الشغل."
تبادل علي النظرات مع لينة بغرابة ثم تسائل بجدية:
"هعمل إيه هناك؟"
أحاط يوسف كتفيه موضحاً:
"تعالى معايا وأنت هتعرف."
رفع يوسف إصبعه وأغلق الإضاءة ثم هدر موجهاً حديثه لأخيه دون أن يلتفت:
"يلا يا زياد سيب لينة ترتاح شوية."
لم يكن أمام زياد سوى الخروج فيوسف قد وضعه في موقف حرج. أوصد يوسف الباب خلفهم حتى يغلق أمام أخيه سبل العودة للداخل، بينما غادر هو برفقة علي وبدأ يشرح نبذه عن عمله وعما سوف يفعلاه عند وصولهم حتى ينتهيا سريعاً.
في منتصف اليوم حيث بدأت تغرب الشمس، صدر رنينه فلم يكن سيجيب، إلا أنه كان مهماً. ابتعد عن ضجة المكان وأجاب مرحباً:
"مراد باشا."
بعد ترحيب بينهما تحدث مراد عما هاتفه لأجله:
"رقم العربية اللي أنت بعتهولي طلع لشوية عيال بيتعاملوا دايما مع واحد اسمه هارون صفوت، أنت تعرفه؟"
طالع يوسف الفراغ أمامه بذهول ثم ردد بتأكيد:
"ونعمة المعرفة، طبعاً أعرفه."
باختصار وعملية قال الآخر:
"خلاص يا جو تعالالي النهاردة نفتح محضر رسمي عشان نعرف نجيبه هنا قانوني."
تنهد يوسف وأخبره بعدم تمكنه من الحضور اليوم:
"النهاردة صعب قوي، بس أكيد هاجي، شكراً يا باشا."
بجدية قال:
"على إيه يا حبيبي، هستناك في أي وقت."
أنهى يوسف المكالمة وعاد إلى عمله. بينما صدح صوت على جانب آخر كان يتجسس على مكالمة يوسف مع الضابط. استدار إلى اليمين حيث يجلس مديره وحادثه بلغته:
"Mr. Andor, we found out that Yusg will report on us."
(مستر أندرو، إحنا اتكشفنا خلاص يوسف هيبلغ عننا.)
حاوره أندور بنبرة حاسمة:
"Then we have to get rid of him before he takes an official action, so we don't have anything left."
(يبقى لازم نخلص عليه قبل ما ياخد إجراء رسمي، وبكدا ميبقاش علينا حاجة.)
أومأ هارون بقبول ثم بدأ اتصالاته وأعطى فيها أوامره بشأن يوسف.
حلت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كان يوم عصيباً على الجميع. لم يستطع أحدهم ارتشف القليل من الماء لصرامة السيد سمير.
كان المكان خالياً إلا من يوسف وعلي. لقد سمح للعمال بالذهاب عندما انتهوا من عملهم. بالكاد كان يقف يوسف على قدميه فلم تعد تتحملانه. نظر إلى علي ممتناً لوقوفه معه اليوم:
"والله يا علي مش عارف أقولك إيه، تعبت معايا أنت النهاردة."
ابتسم الآخر وأردف بحرج:
"أنا اتبسط والله، حسيت إني ليا قيمة مش مجرد بتعب عشان شوية فلوس في الآخر مش هقدر حتى استمتع بيهم."
ربت يوسف على كتفه بحنو قبل أن يدس يده في جيب بنطاله، ثم أخرج حزمة من النقود وناولها له موضحاً:
"ودا نصيب تعبك."
رفض علي أخذهم معللاً:
"أنا ساعدتك عشان أنت أخويا مش عشان فلوس، وبعدين أنت فهمت إيه من كلامي أنا مقصدش حاجة."
أسرع يوسف في محو الحرج بينهم:
"أنت مش شوفتني وأنا بدي لكل واحد حقه قبل ما يمشي عشان تعب واشتغل، وأنت تعبت واشتغلت زيك زيهم ودا حقك، وبطل مناهدة بقى عشان أنا بطلع الكلام بالعافية."
أعاد يوسف مد يده بالنقود. تردد علي في أخذهم في البداية لكنه اضطر تحت إصرار يوسف. اتسع ثغره بابتسامة ثم عانق يوسف بحب وامتنان:
"مش عارف أقولك إيه يا يوسف، شكراً."
لكزه يوسف في ذراعه بخفة مردداً:
"على إيه يا عبيط، دا حقك."
تراجع علي للخلف فواصل يوسف قائلاً:
"أنا ميت من الجوع، وأكيد أنت كمان مأكلتش حاجة من الصبح، فيه محل بيعمل سندوشات على أول الشارع معلش هتعبك تروح تجيب لنا منه."
بحماس شديد هتف علي:
"تمام."
أولاه ظهره فلحق به يوسف قبل مغادرته:
"استنى خد فلوس."
التفت إليه علي وغمز إليه قبل أن يردف ممازحاً وهو يلوح بالنقود:
"خلي فلوسك في جيبك يا ذوق، لسه قابض والجيب مليان."
قهقه يوسف وكذلك شاركه علي الضحك ثم انطلق للخارج لكي يشتري الطعام لكليهما فلقد باتا متضورين جوعاً.
استلقى يوسف على الأريكة ممدداً قدميه على الطاولة بتعب إنهال من جسده. التقط هاتفه من جيب قميصه وكاد أن يهاتف مشاكسته إلا أنه تريث عندما وقعت عيناه على الوقت.
أرسل إليها على الواتساب لربما تكون غافية حتى لا يزعجها:
"نمتی؟"
أتاه ردها بعد قليل:
"لأ، كنت نايمة طول النهار، النوم راح."
"عاملة إيه دلوقتي؟"
"= أحسن كتير والحرارة مرفعتش تاني."
"الحمدلله."
"= خلصتوا اللي وراكم؟"
"أيوة، لسه حالاً معتش شايف قدامي من التعب."
"= معلش يا سوفي، علي معاك؟"
"أها، بس راح يجيب سندوشات، حرفياً ميتين من الجوع 😌."
"= هتجيبو سندوتشات إيه؟"
"مش عارف، هيجيب على ذوقه."
"= لو علي اللي أنا أعرفه هيجيب سجق."
"اشمعنا؟"
"= بيموت في حاجة اسمها سجق، كانت ماما بتبعته يجيب لنا طلبات عشان تعمل لنا عشا يروح يجيب سجق ويقولها اعمليه أنا بحبه."
"لما نشوف😂"
ترك يوسف الهاتف من يده حينما لمح توقف إحدى السيارات تقف أمام المكان. الصعقة الكبيرة حينما رأى ترجل رجلين ملثمين يهاجمون رجال الأمن حتى انقطع حبال أنفاسهم وسقطوا أرضاً.
كان يتابع ما يحدث كأنه يشاهد أحد الأفلام. بحث بعينيه عن شيئ يحتمي به إلا أنهما كانا أسرع وصولاً إليه، فصاح يوسف هادراً:
"أنتوا مين؟ مين اللي باعتكم..."
لم ينهي جملته بعد حتى إنهال كليهما أعلاه بالعصا الغليظة، فنال يوسف ضرباً مبرحاً، يصرخ عالياً تارة وتارة أخرى يطالبهم بأن يتوقفوا، لكن هيهات لهؤلاء الذئاب البشرية فلن ترحمه قبل أن ينالوا منه.
توقفا حينما رأوا الدماء تسيل من أجزاء متفرقة في جسده. ركضوا مهرولين إلى الخارج قبل أن يراهم أحد، تاركين إياه غارقاً بين دمائه التي لا تتوقف.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم تسنيم المرشدي
هاتفت أخيها مراراً، والقلق يسيطر عليها. ها قد أجاب بعد مدة.
_ معلش يا لينة، كنت في...
قاطعته بنبرة قلقة:
_ فين يوسف؟
أجاب بتلقائية:
_ في المعرض. أنا كنت بجيب سندوتشات.
بنبرة أثارت القلق قالت:
_ طب لو سمحت أرجع وطمني عليه.
بغربة من أمرها هتف متسائلاً:
_ أنا راجع في الطريق. هو فيه حاجة حصلت؟
أخبرته عن سبب قلقها المبالغ:
_ كنا بنتكلم واتساب وفجأة قفل في نص الكلام، ومعتش رد.
استنكر علي خوفها المبالغ وهتف معاتباً:
_ أكيد بيعمل حاجة يا لينة، ولا يمكن نام. مفيش حاجة تقلق للدجة دي.
قطع علي كلماته حينما وقع على مرأى عينيه رجال الأمن ملقيين أرضاً. ركض نحوهما بتوجس شديد. وقعت عيناه على ذلك المستلقي في الداخل، وشهق بصدمة وهو يردد:
_ يوسف.
خفق قلبها رعباً. هي شعرت بمصيبة قد حلت على رأسه، ونداءات أخيها أكدت لها. بصوت مرتجف ظلت تتساءل بتوجس:
_ فيه إيه يا علي؟ يوسف ماله؟ حصله حاجة؟
صاحت منفعلة حينما لم يجيبها متوسلة إياه:
_ رد عليا يا علي، يوسف ماله؟
لم يسمع أسئلتها، فكان يحاول إفاقة يوسف. رفع رأسه عن الأرض موحياً إليه ببعض الإشارات لعله يستجيب إليه:
_ يوسف، أنت سامعني؟ رد عليا يا يوسف.
شعر بشيء يسيل من بين ثغرات أصابعه. جحظت عيناه حينما رأى الدماء تسيل من رأسه بغزارة. شهق بقوة وسرت رجفة قوية في أوصاله. أعاد وضع رأسه بحذر على الأرض وبحث عن هاتفه ليتصل بالإسعاف مطالباً مساعدتهم.
مسح يديه في ثيابه حتى ينجح في التحكم في الهاتف. أنهى اتصال لينة وسرعان ما هاتف الإسعاف مستعيناً بإحدى السيارات.
***
أزاح المفتاح عن الباب بعدما قام بفتحه، ولج بخطوات منهكة. فلم يعد يستطيع الوقوف. سار بخطاه للداخل حتى لمح طيفها غافية على الأريكة. تعجب من حالتها فلم يعتادها كهذا.
حمحم وأصدر صوتاً لكي تنتبه عليه:
_ إيمان.
رفعت عينيها حيث يأتيها صوته. نهضت من مكانها وهي تتاثب ثم تفقدت الساعة فكانت وشيكة لدخول الثالثة فجراً. عقد بلال حاجبيه وسألها باهتمام:
_ إيه اللي منيمك هنا؟
أجابته بنعاس:
_ كنت بستناك.
صمتت ثم تابعت:
_ أحضرلك الأكل؟
تذكر بلال أنه لم يتناول شيئاً منذ الصباح. تنهد وأردف بتعب:
_ ياريت.
كادت أن تسير للداخل إلا أنه ناداها فالتفت إليه. ناولها كيساً بلاستيكياً فأخذته دون أن تنظر إليه. هرولت للمطبخ وقامت بتفحص محتوى الكيس. فتفاجئت بالحلوى التي أنهتها قبل يوم. تشكلت ابتسامة عفوية على محياها ثم أسرعت في إحضار الطعام لهما. وخرجت لتناديه. كان غافياً على الأريكة يبدو عليه التعب. حمحمت ونادته بهدوء:
_ بلال.
لم يفق فأعادت ندائها بالإضافة إلى لكزه برفق في كتفه:
_ بلال أصحى، حضرت الأكل.
فتح عينيه بتعب شديد وطالعها لمدة. فأعادت قولها:
_ حضرت الأكل.
أومأ برأسه ثم نهض خلفها إلى المطبخ. جلس كليهما مقابل بعضهما. تفقد بلال الطعام ورمقها بغرابة قبل أن يتساءل:
_ عملتي ملوخية بأرانب ليه؟ مش قولتي مش بتحبيهم؟
ابتلعت ريقها وهربت بنظرها بعيداً عنه قبل أن تجيبه بحياء:
_ هحاول أحبهم.
لم يبدِ ردة فعل، بل بدأ في تناول الأطعمة بشراهة فكان جائعاً للغاية. بينما حاولت إيمان تناول الطعام على الرغم من أن عينيها تنفر منه. لكنها أجبرت ذاتها على تناوله. بعد أخذ ملعقتين شعرت أنه لا بأس به وتابعت تناولها بشهية عن ذي قبل.
***
"أوف، أوف."
تأففت لينة بضجر شديد. فأخيها لا يجيب على رنينها الذي لا يتوقف. انتبهت على غلق باب المنزل. فلم تنتظر وهرولت للخارج مسرعة. ركضت ناحية زياد الذي تعجب من ركضها وهتفت بنبرة غير مفهومة:
_ يوسف، عايزة أروح ليوسف. أنا متأكدة إن حصل حاجة.
شعر زياد بالذعر إثر كلماتها غير المرتبة وحاول تهدئتها ليفهم ما وراء حالتها القلقة:
_ ممكن تهدي؟ أنا مش فاهم حاجة. مالو يوسف؟
ابتلعت ريقها وأجابته بنبرة لاهثة:
_ معرفش، معرفش بس هو حصل حاجة. وعلي مش بيرد. يلا نروح لهم يا زياد.
تملك القلق من أخيه ثم سحب هاتفه من جيبه وهاتف علي مراراً والإجابة نفسها، لا يجيب. عاد بأنظاره إلى تلك الخائفة وقال:
_ هما فين؟
بتلعثم قالت:
_ كانوا في المعرض.
حرك رأسه بتفهم وأردف:
_ هروح أشوف فيه إيه.
عارضت لينة طريقه متوسلة إياه:
_ أنا عايزة أجي معاك.
رفض زياد اصطحابها في وقت متأخر كهذا معللاً أسبابه:
_ لا إحنا متأخر و...
قاطعته هي بحسم:
_ لو مختنيش أنا هروح لوحدي.
زفر زياد أنفاسه بضجر بائن وفكر للحظات وهو يطالعها قبل أن يردف أمراً:
_ طيب بسرعة.
أدارت ظهرها وسرعان ما عادت إلى الغرفة. نزعت عن يدها ذاك السِن الذي يخترق عروقها وألقته بعيداً ثم بدلت ثيابها سريعاً. وفي غضون ثوانٍ كانت قد انتهت وعادت إليه.
ترجل كليهما بخطوات سريعة والقلق يسيطر عليهما. وقف زياد ينظر إلى المكان من حوله فلقد عم الهدوء وحتماً لم يجدوا وسيلة مواصلات في تلك الساعة.
تنهد بضياع وهو يتمتم:
_ استحالة نلاقي مواصلة في الوقت دا.
شهيقاً وزفيراً فعلت لينة. استدارت بجسدها باحثة بعينيها عن أي وسيلة تنقلهم إلى مرادهم. وقعت عينيها على إحدى السيارات وهتفت متلهفة:
_ مش دي عربية بلال؟ كلمه يوصلنا.
تردد زياد في فعل ذلك فكيف يثير قلقه وهما لا يدريان بعد ما الذي يخشونه. حثته لينة على فعلها فلا توجد طريقة أمامهما سوى تلك:
_ يلا زياد مقدمناش غيره.
هاتف زياد بلال بحرج شديد، لكنه مضطر إلى فعل ذلك. كان الآخر قد انتهى للتو من تناول الطعام. أجاب بنبرة منهكة:
_ زياد.
حاول زياد التحلي بالهدوء لكي لا يثير قلقه وتحدث:
_ معلش يا بلال إني بكلمك دلوقتي بس لينة بتقول إنها كانت بتكلم علي وتقريباً حاجة حصلت. أنا مش فاهم في إيه بس محتاجين نروح لهم ضروري ومش قدمنا غيرك يوصلنا.
انتفض بلال من مكانه وتساءل مستفسراً:
_ حاجة إيه اللي حصلت؟
"مش فاهم وعلي مش بيرد ودا اللي قالقنا".
هتف بهم زياد فصاح بلال قائلاً:
_ طيب أنا نازل حالا.
"تمام وإحنا تحت".
أنهى زياد المكالمة وانتظر ظهور بلال بفارغ صبر. بينما أخذ بلال مفاتيح سيارته وهاتفه وتوجه ناحية الباب فتساءلت إيمان بتوجس:
_ حصل حاجة؟
أجابها وهو يتابع سيره:
_ مش عارف، مش فاهم حاجة.
حمحم ثم هتفت:
_ طيب ابقى طمني عليك.
أومأ برأسه وغادر. هبط درجات السلم سريعاً حتى وصل إلى سيارته فكان زياد ولينة في انتظاره. استقلا جميعهم السيارة ثم انطلق بهم بلال الذي لم يكف عن الأسئلة:
_ إيه اللي خلاكم تفكروا إن فيه حاجة حصلت؟
تولت لينة مهمة الرد وهتفت بنبرة مرتجفة:
_ كنت بكلم يوسف واتساب وفجأة معتش رد. رنيت عليه بعدها ومردش برده. كلمت علي كان بيجيب لهم أكل وقولتله روح أطمن على يوسف وفجأة سكت وصوته اختفى وبعدها سمعته وهو بينادي على يوسف والمكالمة اتقطعت. أنا متأكدة إن حصل حاجة. صوته وهو بينادي عليه مش معقول واحد بينادي كدا عادي دا كان مصدوم.
بعد كدا معتش رد عليا.
تضاعفت رجفة صوتها ثم بكت. ابتلعت ريقها وحاولت الصمود أمامهما لكنها قد بثت الرعب في قلبيهما. تنهد بلال وزاد من سرعة سيارته حتى يصل إلى مكان يوسف في أقرب وقت.
***
صافرة الإسعاف قد قلبت كيانهم. ذاك الحشد الذي يقف أمام المعرض لا يزيد إلا الرعب في قلوبهم. وضعت لينة يدها على قلبها حينما شعرت أنه يكاد يخترق جسدها من فرط تدفقه.
ارتفعت وتيرة أنفاسها ناهيك عن جسدها الذي بدأ يرتجف بشدة. هدأ بلال من سرعة السيارة ليتخطى ذاك الحشد بسلام. لم تنتظر لينة وترجلت من السيارة. كادت أن تفقد اتزانها، لكنها جاهدت حتى تصل إلى الإسعاف.
ترك بلال السيارة في منتصف الطريق، حينما فشل في تخطي أولئك الناس. ركض كليهما خلف لينة حتى تخطاها زياد بخطاه. ظل يزيح الواقفين من طريقهم إلى أن وصلا إلى سيارة الإسعاف التي اتضح أنهما ثلاثة سيارات وليس واحدة.
صرخت لينة فور رؤيتها لشقيقها وهرولت نحوه. تفحصت ثيابه المغطاة بالدماء وتساءلت بذعر:
_ يوسف فين؟ الإسعاف دي عشان مين؟
فرت دمعة على مقلتي علي وأجابها بتلعثم:
_ يوسف جوا.
لم تنتظر لينة وركضت للداخل. صرخت بقوة حينما رأته موضوعاً على الناقلة يسيل منه الدماء:
_ يوسف، يوسف.
جهشت باكية وهي تقترب منه متوسلة إياه أن يجيبها:
_ رد عليا يا حبيبي، أبوس إيديك يا يوسف رد عليا طمني عليك.
"لو سمحتي خليكي بعيد عايزين نمشي".
كان صوت لأحد المسعفين، لكنها لم تبرح مكانها وظلت تتوسله أن ينهض لكنه كان جسداً هامداً لا يشعر بمن حوله. تدخل علي وأبعدها بيديه مردداً:
_ سيبيهم يشوفوا شغلهم يا لينة.
"يوسف".
نطقها بلال وزياد في آن واحد. صدمة قوية احتلت تقاسيمهم. لا يصدقون ما هو عليه، كيف حدث ذلك؟ ومن فعل هذا به؟
"لو سمحتوا سيبونا نشوف شغلنا".
قالها أحد المسعفين فصاح زياد متسائلاً والدموع تحت في عينيه:
_ هو حصله إيه؟
نفى المسعف معرفته بالأمر بقوله:
_ معرفش، إحنا جالنا اتصال بيطلب عربية إسعاف، دا اللي نعرفه.
تدخل بلال بسؤاله وعيناه مصوبتان على صديقه بعدم تصديق:
_ هو حالته إيه؟
أجابه الرجل بنفاذ صبر:
_ لسه مش عارفين، وبعد إذنكم عايزين نلحقه، التأخير دا مش في صالحه.
تنحى بلال جانباً، وكذلك زياد حتى يسير المسعفين بالناقلة الطبية. وضعوه في سيارة الإسعاف وانتبه أحدهم على مجيء زياد ولينة التي بادرت بقولها:
_ أنا هاجي معاه.
تدخل زياد بحسم:
_ وأنا كمان.
رفض المسعف بجدية:
_ واحد بس.
لم تنتظر لينة وصعدت مسرعة حتى جلست بجواره دون أن تلتفت. بينما لم يكن في يد زياد سوى العودة إلى سيارة بلال ليحلقا بالإسعاف.
لم تجف دموعها، بل كانت تزداد وهي تراه لا حول له ولا قوة. أمسكت يده فأسرع المسعف في منعها:
_ لو سمحتي بلاش حركة.
رفعت بصرها عليه وهتفت من بين بكائها الغزير:
_ أنا مش هأذيه.
كاد أن يعارضها إلا أن زميله قد همس له:
_ سيبها يا عادل.
وضعوا له جهاز التنفس وآخر يقيس نبضات القلب، وواصلوا عمل جميع الفحوصات له. بينما لم ترفع لينة نظرها عنه ناهيك عن يدها التي لم تتركه قط على الرغم من ارتجافها القوي إلا أنها تمسكت به بقوة حتى لا تفلت يده.
توقفت سيارة الإسعاف عند باب المشفى. خرج بعض التمريض برفقة طبيبان. أسرعا في نقله للداخل حتى وصلا إلى غرفة الطوارئ. أغلق الباب في وجهها فتوقفت خلفه ولم تبرح مكانها.
جسدها يرتجف بشدة، تتذكر تلك آثار الدماء على ثياب أخيها. التفتت فإذا بثلاثتهم يقتربون راكضين. توجهت نحو أخيها وسألته بتلعثم:
_ دا دم يوسف؟
تفقد علي ثيابه ويديه الملطخة بالدماء ثم عاد بنظريه إليها. ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يومئ برأسه مؤكداً. جهشت لينة باكية ثم لم تستطع الوقوف لأكثر ففقدت توازنها، لولا أن لحق بها علي.
ساعدها على الجلوس وجلس بجوارها محاولاً تهدئتها، بينما جاب بلال الممر ذهاباً وجيئاً. يخفق قلبه بقوة، أصابه الذعر منذ أن رأى صديقه في تلك الحالة المزرية. لم يكن زياد أقل منه ذعراً بل كان يشعر بالرعب خشية أن يصيب أخيه مكروه.
ظل كليهما يجوبان المكان دون توقف. انتبه الجميع على خروج ممرضتين، فأسرع بلال نحوهما أولاً وكذلك تبعه الآخرون متسائلاً باهتمام وتهلهل:
_ حد يطمنا عليه، هو عامل إيه؟
أجابته إحداهن وهي تتابع سيرها:
_ لسه معندناش معلومات كافية عن الحالة.
ذهبن فزاد القلق في قلوبهم، ينتظرن خروج أحدهم ليطمأنهم على يوسف. بعد مدة خرجت ممرضة أخرى وأردفت بنبرة سريعة:
_ محتاجين دم ضروري، فصيلة دمه B+.
صاح زياد من خلفها قائلاً:
_ أنا B+.
التفتت إليه وحدقته ثم قالت بغرابة:
_ أنت عندك كام سنة؟
شعر أنهما لن يقبلان به إن أخبرهم بعمره الحقيقي فقال:
_ ٢٥.
أومأت برأسها قبل أن تردف بعملية:
_ طيب تعالى ورايا.
سار زياد خلفها فأمسك بلال بذراعه مردفاً:
_ بلاش ونشوف حد تاني.
رفض زياد البتة وحسم أمره:
_ مش هستنى حد تاني، أنا موجود.
تنهد بلال وهو يطالعه بقلة حيلة. ذهب برفقته فلن يتركه يغامر بمفرده. حمحم وطلب من الممرضة بعض الوقت بعد أن بدأت في نقل الدم من زياد.
"هو عنده ٢٠ مش ٢٥ زي ما قال، عليه ضرر؟"
هتف بلال متسائلاً فأجابته هي بجدية:
_ لا مفيش ضرر، أنا سألته بس عشان شكله صغير مينفعش أقل من ١٧ سنة.
شعر بلال بالراحة ثم ولج الغرفة مرافقاً لزياد حتى ينتهي من نقل الدم.
***
بعد ما يقرب الستين دقيقة، خرج الطبيب من غرفة الطوارئ. ركض نحوه جميعهم متسائلين عن حالة يوسف.
أخرج الطبيب تنهيدة وأجابهم بآسف:
_ الحالة اتعرضت لضرب مبرح في الراس مباشرة، ودا نتج عنه نزيف في المخ، دا غير أنه مش بيستجيب لينا خالص. المريض دخل في غيبوبة وهننقله العناية المركزة، وبكرة إن شاء الله هنعمله أشعة تانية نشوف النزيف زاد ولا زي ماهو، لو زاد طبعاً هنحتاج لتدخل جراحي. ادعوله هو محتاج دعواتكم.
تركهم وغادر في حالة لا يرثى لها. كم من المصائب أخبرهم بها بسهولة؟!
كان الجميع لا حول لهم ولا قوة، لا تستوعب عقولهم ما وقع على مسامعهم للتو. تبادلا النظرات وهما لا يدريان ما عليه فعله؟
خرج يوسف على الناقلة الطبية برفقة ممرضتين. كانت لينة أول من ركضت نحوه والدموع تنسدل بغزارة من عينيها وهتفت بنبرة مرتجفة:
_ يا يوسف. عشان خاطري قوم وبلاش تخضني عليك.
شاركها زياد البكاء وهو يهتف بآسف:
_ قوم يا يوسف إحنا ولا حاجة من غيرك.
اكتفى بلال بالمشاهدة دون أن ينبس، لكنه فشل في إخفاء عبراته التي تساقطت فور رؤيته لصديقه. كان علي يقف بجوار لينة يحاول مواستها وإبعادها عنه.
صاح صوت بلال الحاسم وهو يمسح عبراته:
_ لا أنا مش هسيبه هنا، أنا هوديه مستشفى تانية.
سحب هاتفه من جيب بنطاله وهاتف والده الذي أجاب بصوت ناعس:
_ إيه يا بلال في حاجة؟
أتاه صوته الباكي وهي يقول:
_ أنا عايزك تيجي حالاً، يوسف في المستشفى ودخل في غيبوبة، أنا عايز انقله مستشفى تانية، محدش هيساعدني في الموضوع دا غيرك.
انتفض السيد سمير بذعر وهتف بعدم استيعاب:
_ يوسف ماله حصله إيه؟
"معرفش، هتيجي ولا أتصرف أنا؟"
قالهم بلال بصوت متحشرج فأسرع والده في ترديد:
_ أنا جاي لك على طول، عرفني أنتوا في مستشفى إيه.
أخبره بلال عن مكانهم ثم خرج لينتظر والده. على جانب آخر لم تكف لينة عن البكاء وخصيصاً حينما منعتها الممرضة من مرافقة يوسف. بينما نهض زياد فجاءة مردداً:
& لازم ماما تعرف.
تدخل علي مقترحاً:
_ بلاش تقلقها يا زياد، عرفها إنها حاجة بسيطة على لما تتقبل فكرة أنه تعبان الأول وبعدين نعرفها.
أومأ زياد بقبول وابتعد عنهما وهاتف والدته. حاول ضبط نبرته لكي لا يقلقها. أجابت هي بنعاس:
_ زياد، أنت لسه مرجعتش؟
ابتلع ريقه محاولاً الصمود وأردف بهدوء:
_ لسه، ماما عايز أقولك حاجة بس متتخضيش.
خفق قلبها رعباً ورددت بقلق:
_ في إيه حصلك حاجة؟ أنت كويس؟
نفى زياد بقوله:
_ أنا كويس، بس يوسف.
صاحت ميمي بذعر تملك منها:
_ ماله يوسف؟ أخوك ماله؟
مسح زياد عبراته التي سقطت رغماً وحاول جاهداً ألا يزيد من قلقها، فاختار كلماته بعناية:
_ مفيش هو تعبان شوية وإحنا في المستشفى.
قاطعته ميمي بتوجس شديد:
_ حصله إيه؟ أنا عايزة أجي، تعالى خدني.
توقف عقل زياد عن التفكير، فكيف سيعود إليها ويترك أخيه، وكيف يتركها بمفردها بعدما أخبرها بمرض يوسف. أوصد عينيه محاولاً الإتيان بفكرة ما فتذكر السيد سمير. أعاد فتح عينيه وأردف:
_ أنا هتصرف يا أمي، البسي وهكلمك تاني.
أسرع من خطاه إلى الخارج حتى التقى ببلال وهتف بنبرة لاهثة:
_ ممكن تكلم أبوك يجيب أمي وهو جاي؟
أغمض بلال عينيه مستاءً وهتف:
_ أنت إيه اللي خلاك تقولها؟
بتلقائية أجابه:
_ لأنها كدا كدا هتصحى تصلي الفجر وهتعرف إننا مش في البيت، مفرقتش دلوقتي من بعدين.
تأفف بلال بضجر وأعاد الاتصال بأبيه ثم أخبره بأن يصطحب والدة يوسف معه فلم يمانع السيد سمير على الرغم من تخطيه منطقتهم بمسافة ليست بقصيرة.
استقلت السيدة ميمي السيارة والقلق كان واضحاً على تقاسيمها. فحاول السيد سمير تهدئتها بقوله:
_ ربنا يطمنك عليه يا أم يوسف وإن شاء الله يفوق من الغيبوبة قريب.
اتسعت حدقتي ميمي وطالعته بصدمة مرددة بذهول:
_ غيبوبة! غيبوبة إيه؟
شعر السيد سمير أنه زاد الأمر سوءاً. لم يكن على دراية بأنها جاهلة ما أصاب ابنها. حمحم وحاول تصحيح ما اقترفه:
_ معرفش إنك متعرفيش والله، بس اطمني إحنا هنوديه أحسن مستشفى ومش هنسيبه أبداً.
وضعت السيدة ميمي يدها على صدرها فلقد شعرت بوخزة قوية في قلبها وتمتمت بقلب يعتصر ألماً على فلذة كبدها:
_ يا حبيبي يا ابني.
وزع السيد سمير أنظاره بينها وبين الطريق خشية أن يحدث مكروه لها من خلفه. وصلا المشفى في غضون دقائق. ركض بلال نحو سيارة أبيه وهتف بتلهف:
_ أنا خليتهم يجهزوا إسعاف مخصوص عشان نقدر ننقله، بس مش عارف هنروح فين بالظبط.
أخذ يفكر السيد سمير للحظات قبل أن يخبره:
_ هنروح عند عمك رفعت في المستشفى اللي ماسكها جديد.
أومأ بلال بتفهم بينما كانت تتابع السيدة ميمي حديثها ثم تساءلت حينما تقابلت عيناها مع عيناي بلال:
_ يوسف ماله يا بلال؟ صاحبك حصله إيه؟
اقترب منها وحادثها بشفقة:
_ إن شاء الله هيكون كويس، ادعيله.
دلف الجميع حيث الرعاية الصحية، يتابعون خروج يوسف ونقله إلى سيارة الإسعاف. لم تترك لينة يد ميمي فكانت تستمد منها القوة والعكس صحيح.
وصلا إلى مشفى خاص، كانت هائلة البنيان، ذو شكل هندسي دقيق، لها بوابات هائلة تفتح تلقائياً فور وقوف أحداً أمامها. استقبلهم فريق من الأطباء وفريق آخر من التمريض، فلقد أوصى السيد سمير صديقه بعمل اللازم لحالة يوسف.
"مش هنقدر نعمله أشعة تانية النهاردة لأن دا ضرر عليه مرتين في أقل من ساعتين، بس هنعمله كل الفحوصات اللازمة لحالته، وربنا يطمنا عليه".
كان حديث أحد أطباء المخ والأعصاب الكبار. جلس الجميع في الردهة في انتظار الفحوصات التي سيجريها يوسف مرة أخرى.
حضرت ممرضة ترتدي زيها الرسمي باللون الزهري وقالت بذوق:
_ لو سمحتم محتاجين حد يجي في الاستقبال يملى بيانات المريض، ويسيب فلوس تحت الحساب.
وقف بلال وكذلك زياد ليذهبا إلى الاستقبال وينهوا جميع إجراءات فترة مكوث يوسف. كادت الممرضة أن تغادر إلا أنها عادت إليهم وقالت بعملية:
_ ومعلش ممنوع قعاد في lobby (الردهة).
عاد إليها بلال بوجه جامد وهدر بها شزراً:
_ يعني إيه ممنوع؟ نقعد في الشارع مثلاً؟
حمحمت الممرضة وأوضحت حديثها:
_ دي قوانين المستشفى يا فندم، يعني أنا لو مقولتش هيجي غيري ويطلب منكم تمشوا.
كاد بلال أن يهاجمها برده إلا أنها واصلت مقترحة حلاً:
_ بس ممكن حضرتك تحجز Travelers room (غرفة المسافرين) بتكون مخصصة لأهل مريض الرعاية.
تدخل السيد سمير حاسماً الأمر بقوله:
_ خلاص ماشي إحنا هنشوف الموضوع دا، شكراً.
بادلته ابتسامة ثم غادرت بينما ذهب بلال برفقة زياد وقاموا بإنهاء جميع الإجراءات اللازمة ناهيك عن حجزهم لغرفة إضافية حتى يستطيعوا الجلوس براحة.
ظهرت بعض النتائج وكانت جميعها مطابقة لما قالاه في المشفى الأخرى. عاد يوسف إلى الرعاية الصحية بينما كان الجميع يجلس في الغرفة منهمرين بين أفكارهم التي تؤدي في النهاية إليه.
حمحم السيد سمير ونهض عن كرسيه ثم نظر إلى بلال وأردف بأمر:
_ يلا إحنا يا بلال عشان ياخدوا راحتهم وأول لما الشمس تطلع نيجي تاني.
لم يريد بلال المغادرة لكن ما باليد حيلة، فكيف سيمكث في المكان نفسه معهم. مرر نظره على الجميع قبل أن ينهض وقال:
_ أنا مش هتأخر عليكم، هرجع لكم على طول.
ردت عليه السيدة ميمي بامتنان:
_ براحتك يابني.
ألقى بلال حديثه قبل مغادرته:
_ لو حصل حاجة كلموني على طول.
اكتفت ميمي بإيماءة من رأسها فغادر بلال برفقة والده. نهضت السيدة ميمي لتتوضأ وتؤدي صلاة الفجر، كذلك لينة والآخرين فعلوا مثلها وعادوا إلى أماكنهم.
حيث كانت لينة تجلس على فراش وزياد على أريكة وعلي على الأريكة الأخرى وأخيراً السيدة ميمي التي جلست على الفراش الآخر في الغرفة.
***
بعد مرور ساعتين، أشرقت الشمس وملأت الأرض بنورها. غفى الجميع عدا لينة التي قاومت النوم خشية حدوث شيء لا تكون أول من يعلم به. لم تتوقف عن البكاء، حتى باتت عينيها متورمتان للغاية بالكاد ترى منهما.
قلق علي لثوانٍ فوقع صوتها الباكي على مسامعه. لم يصدق أنها لازالت تبكي، فالجميع نيام عدا هي تبكي منذ أن وقعت الحادثة. نهض عن أريكته وقد شعر بألم طفيف في عضلات جسده إثر نومه على الأريكة. ذهب إليها ثم لكزها بخفة في ذراعها ليجذب انتباهها وعندما رمقته بطرف عينيها أشار لها أن تتبعه.
نهضت بصعوبة قابلتها، فلقد نفذت طاقتها. خرجت من الغرفة فإذا به يردف معاتباً:
_ أنتِ مبطلتيش عياط يا لينة! لما أهله يشوفوكي كدا المفروض يعملوا هما إيه؟ إهدي شوية.
تعجبت من أمره وتقليله من دورها في تلك العائلة وهتفت بحنق:
_ أنت بتقلل من دوري كدا ليه كأنهم أقرب له مني؟
بتلقائية أجابها:
_ لأنهم أقرب له فعلاً، دي مامته ودا أخوه، ومش عاملين اللي أنتِ عملاه دا.
لم تستطع لينة الصمت وهتفت منفعلة:
_ محدش أقرب له منهم أكتر مني.
لو هما أهله فأنا بح...
لم تكمل، صمتت وطالعته لوقت بينما كان ينتظر منها مواصلة ما لم تنهيه. تأففت هي وحاولت الهروب من أمامه:
_ متركزش معايا يا علي، سيبني أزعل على طريقتي.
أدارت ظهرها لتعود إلى الغرفة إلا أنه لحق بها وسألها مستفسراً:
_ أنتِ إيه؟ كملي كلامك!
أرادت إنهاء ذاك الحوار فقالت بتعب:
_ مش وقته يا علي نتكلم بعدين أنا بجد مش قادرة أقف على رجلي.
رفض البتة ذهابها قبل أن يعلم بما يجهله:
_ لا وقته، أنا مش هفضل ماشي زي الأطرش في الزفة مش فاهم حاجة والإسم إني أخوكي.
فهميني ليه كل العياط دا؟
وليه قولتي مقللتش من دورك؟
معناه إيه كل دا؟
زفرت لينة أنفاسها وبهدوء هدرت:
_ معناه إني بحبه يا علي.
اتسعت حدقتي علي بذهول شديد فتساءلت هي بفتور:
_ ها، ارتحت؟
لم يستوعب عقله بعد، فأخذ ثوانٍ محاولاً تصديق تصريحها. ابتلع ريقه وردد دون فهم لبعض الأمور:
_ إزاي يعني؟
وكتب كتابك دا معناه إيه؟
أنا مش فاهم أي حاجة، طيب وهو؟
أخرجت لينة تنهيدة مهمومة وبدأت تبكي وهي تجيب على أسئلته:
_ إزاي؟ فمشاعرنا مش بإيدينا، أنا اطمنت له وعشت في خيره ومعرفتش معنى الدلع غير معاه، حبيته ومش بإيدي، نظرتي ليه وضحت كل ما كنت بكبر وأفهم يعني حب.
كتب كتابي على زياد، دا كان مجرد اقتراح عشان يحلل قعادي في البيت، قرار متسرع وأنا كنت غبية لما مقولتش لأ.
ازداد نحيبها وهي تتذكره وتابعت مسترسلة بصوت متحشرج:
_ أما بالنسبة ليه بقى فأنا معرفش.
"يوسف بيحبك يا لينة".
كان هذا صوت آخر ظهر من خلف باب الغرفة اللذان خرجا منها للتو. اتسعت مقلتا لينة وعلي وهما يتابعان خروج زياد.
كانت مفاجأة لكليهما، لم يقدر على التحدث وكأن ألسنتهم شلت. اقترب منهما زياد بملامح جامدة وتابع قائلاً:
_ لو فكرتي للحظة في كل تصرفاته هتعرفي إنه بيحبك، لما كان بيتحجج عشان متكونيش معايا لوحدك فهمت إنه غيران عليكي، ويوم كتب الكتاب واللي عمله معايا يثبت لك إنه بيحبك ومش عايزك تكوني غير ليه، قربه منك بحجة إنك أمانة صاحبه كانت كدبة يمكن هو نفسه كان مصدقها، أصل مفيش حد بيصون الأمانة بالشكل دا إلا إذا كان حابب الأمانة نفسها. كل تصرفاته عندي اللي مكنش ليها تفسير وضحت دلوقتي. عشان كدا أنا متأكد إنه بيحبك.
تساقطت عبرات زياد بقوة. حاول مسحهم لكنهم لا يتوقفون عن السقوط، فتابع بصوت متحشرج:
_ هو يقوم بس وأنا هسلمك ليه، بس يقوم.
خارت قوة لينة على التماسك وجهشت باكية. كان يبكيان حزناً على ما أصاب يوسف، والأحر أنهما لا يدريان إن كان سيستعيد وعيه أم لا. لم تتحمل لينة فكرة أنه لن يعود إليها وهرولت مبتعدة عنهما وهي تبكي بشدة.
لم يقف علي مكانه بل ركض خلفها لكي يواسيها، فلا يوجد غيره الآن وعليه أن يكون جدير بذلك. بينما عاد زياد إلى الغرفة بعدما مسح عبراته لكي لا يثير القلق في قلب والدته.
***
تململت في الفراش بكسل. انتبهت على جلوسه بجوارها على الفراش، واضعاً ذراعيه خلف رأسه مستنداً بهما على حائط الفراش.
نهضت مسرعة وهتفت بتلعثم مختلط للقلق:
_ أنت جيت امتى؟ أنا حاولت كتير أكلمك بس كان بيديني غير متاح.
فرك بلال عينيه بكسل وقال بنبرة منهكة:
_ المستشفى مفيش فيها شبكة.
"مستشفى!!"
رددتها إيمان بغرابة معانقة للقلق الذي تضاعف داخلها ثم تابعت سؤالها باهتمام:
_ مين اللي تعبان؟
مال بلال رأسه للجانب ناظراً إليها قبل أن يردف:
_ يوسف.
جحظت عيناي إيمان بصدمة وهتفت بتوجس:
_ ماله حصله إيه؟
كز بلال أسنانه وهو يرى لهفتها الواضحة. عاد ينظر في الفراغ أمامه وبتجهم تمتم:
_ في غيبوبة.
شهقت إيمان بصدمة تلقتها وصاحت بذعر:
_ غيبوبة! ليه هو إيه اللي حصل؟
لم يتحمل بلال سماع صوتها المتلهف للحظة أخرى، فنهض مسرعاً لكي يغادرها. تعجبت إيمان من هرولته دون أن يجيبها، فتبعته للخارج وتساءلت:
_ أنت رايح فين؟ هترجع المستشفى.
بإقتضاب أجاب:
_ آه.
أسرعت في طلب شيئ بتلهف:
_ بلال، أنا عايزة أجي معاك.
توقف بلال عن السير ثم استدار إليها. كانت ملامحه لا تبشر بالخير وصاح بنفاذ صبر:
_ كفاية بقى، ها كفاية.
طالعته بأعين ضائقة، فما الذي يقصده؟ حسناً تجمعت شتات أفكارها وفهمت الأمر الآن. أخرجت زفيراً قبل أن تردد:
_ شكلك ناسي إنه إبن عمتي، وإن عمتي دي أكتر من أم ليا، وطبيعي أكون واقفة جنبها في محنة زي دي، ولو كان بعد الشر يعني زياد مكان يوسف كنت هقول كدا برده، ما إحنا في الآخر قرايب ويربطنا دم.
لم يبدِ بلال ردة فعل بل اكتفى برمقها وهو يعيد كلماتها في رأسه. قطعت عليه حبال أفكاره بقولها:
_ خلاص يا بلال الموضوع مش محتاج حيرة، أنا هبقى أكلم عمتو في الموبايل طالما دا هيريحك وهيخليك تثق فيا.
أدارت ظهرها وتوجهت ناحية غرفتها، بينما لام بلال نفسه، وشعر أنه بحاجة إلى إعطائها القليل من الثقة لكي يستطيع العيش دون صراع.
"البسي، هستناكي تحت".
أردفها ثم غادر المنزل، فنظرت هي حيث كان يقف وأسرعت إلى غرفتها ترتدي ثيابها سريعاً قبل أن يتراجع.
***
ربت على ذراعها بحنو قبل أن يسألها باهتمام:
_ ها، بقيتي أحسن؟
أبعدت رأسها عن كتفه وأومأت بتأكيد قبل أن تردف بخفوت:
_ أيوة، يلا نرجع عشان لو حصل جديد مع يوسف.
نهض علي ومد يده لها فتمسكت به. تقابلا مع بلال وإيمان اللذان ترجلا من السيارة واقتربا منهما. تنهد بلال وتساءل مستفسراً:
_ محصلش جديد؟
نفى علي بتحريك رأسه وأردف بآسف:
_ لا لسه.
ولج أربعتهم إلى الغرفة الذين يمكثون بها. هرولت إيمان ناحية عمتها وعانقتها بشفقة:
_ ربنا يطمنك عليه يا عمتو.
بكت الأخرى وربتت على ظهرها وهي تردد:
_ آمين يارب، ادعيله يا إيمان.
بتلقائية هتفت:
_ إن شاء الله هيقوم ويرجع معاكي البيت.
آمنت ميمي على كلماتها ثم دعتها للجلوس. ذهب بلال برفقة زياد وعلي وحتماً لينة إلى الطبيب المتابع لحالة يوسف.
طرق بلال باب الطبيب فلم يأتيه إجابة. أعاد تكرار المحاولة والنتيجة نفسها، فقرر الدخول مباشرةً. لم يجد أحداً في الغرفة. أعاد غلق الباب ثم نظر إلى من يقفون خلفه موضحاً:
_ محدش جوا.
مرت إحدى الممرضات فأسرعت لينة في سؤالها:
_ لو سمحتي الدكتور اللي هنا فين؟
أجابتها بعملية:
_ مع واحد بيعمل أشعة مقطعية.
صمتت لحظة ثم تابعت بعدما حدقت ملامحهم جيداً:
_ أنتوا قرايب يوسف الراوي مش كدا؟
تولى زياد الإجابة عنهم:
_ أيوة إحنا.
أومأت الممرضة إيماءات عدة وتابعت:
_ الدكتور معاه.
تساءل بلال باستفسار:
_ فين أوضة الأشعة دي؟
ترددت الممرضة في إجابته وهتفت معتذرة:
_ معلش أنا آسفة بس ممنوع حد يقف قدامها، ممكن حضرتك ترجع الأوضة ووقت ما هو يخلص هاجي أطمنكم.
دس بلال يده في جيب بنطاله وأخرج بعض الورقات النقدية ثم اقترب منها ووضعهم في يدها هامساً:
_ قوليلي بقى هي فين وإحنا مش هنجيب سيرتك.
تنهدت الممرضة فلقد وقعت في حيرة من أمرها. أخبرته عن طريق الوصول إليها ثم غادرت، بينما توجه الجميع ناحية الغرفة ووقفوا أمامها في انتظار أي أخبار عن يوسف.
بعد مدة لا بأس بها، خرج الطبيب برفقة أحد الممرضات فأسرع بلال نحوه وسأله بتوجس:
_ ها يا دكتور، أخبار يوسف إيه طمني عليه.
حمحم الطبيب وبعملية هدر:
_ الأشعة وضحت إن الحمد لله النزيف مزادش.
تمتم الجميع من أمامه بسعادة:
_ الحمد لله.
فتابع هو ببسمة قد تشكلت على محياه:
_ دا غير إنه هو بدأ يفوق ويستجيب للي حواليه، حمد الله على سلامته.
هلل الجميع في سعادة غمرت قلوبهم. عانق بلال زياد بفرحة عارمة، وكذلك لينة التي اختبأت في صدر أخيها تبكي بسعادة فضمها هو بقوة مردداً:
_ خلاص يا لينة الحمد لله بقى كويس.
خرجت نبرتها مهزوزة في قولها:
_ كنت خايفة عليه أوي يا علي.
وقعت كلماتها على آذان زياد. طالعها وهو يحسم أمره. خرج يوسف على الناقلة مع ممرضتين. وقفوا حوله محاولين التحدث معه حيث هتف بلال بسعادة:
_ واد يا يوسف كدا تخضنا عليك.
ثم هتفت لينة بشفقة وحزن لحالته:
_ خوفتني عليك أوي يا يوسف.
قال زياد وهو يميل على أخيه:
_ حمد لله على سلامتك يا حبيبي.
"حمد لله على سلامتك يا يوسف".
كانت تلك جملة علي، بينما خرجت كلمات يوسف بخفوت:
_ أنا فين؟
تدخلت أحد الممرضات محذرة:
_ يا جماعة ابعدوا لو سمحتم مينفعش كدا.
تابعن الممرضتين سيرهما حيث الرعاية الصحية بينما هتف زياد بحماس:
_ لازم أعرف ماما.
تبعه الجميع إلى الغرفة وأخبروا السيدة ميمي التي سجدت لله شاكرة إياه على لطف أقداره. استغل زياد فرصة انشغال الجميع بهذا الخبر واقترب من لينة وهمس لها:
لينة تعالي برا عايز أقولك حاجة.
رمقته بنظراتها قبل أن تتبعه إلى الخارج. ابتعد زياد قليلاً عن الغرفة ثم طالعها لوقت وهو يفرك أصابعه وهتف:
.....
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم تسنيم المرشدي
"للدرجة دي الكلام صعب، مش عارف تقوله!"
هتفت لينة بتعجب لرؤية تردده المبالغ، ناهيك عن فركه لأنامله طيلة وقوفه أماما.
أخرج زياد تنيهدة قبل أن يردد وهو منكس الرأس لا يقدر على النظر في عينيها:
"الموضوع غريب عليا ومش شبهي، ومش عارف أقول إزاي بس أنا عايز أقول.."
صمت حينما فشل في مواصلة حديثه، فهتفت هي متسائلة:
"عايز تقول إيه؟ قول من غير كل التردد دا."
أومأ بالإيجاب ثم طالع عينيها لثوانٍ قبل أن يهتف:
"أنتِ طالق..."
تفاجئت لينة بما قاله، بينما زفر هو أنفاسه براحة عندما استطاع نطقها. شكل بسمة وأردف بحرج وهو يفرك أنامله:
"أنا مش عارف نطقتها إزاي، الموقف غريب أوي، بس كدا أحسن، الوضع من الأول كان غلط وكان لازم يتصلح. يوسف يستاهل كل حاجة حلوة تحصله عشان هو عملنا كل الحلو من غير ما نطلبه. أنا لو كان أبويا عايش مكنش عمل اللي يوسف عمله، ولو دي حاجة ترد اللي عمله معايا فأنا بجد راضي."
غمز إليها بمشاكسة قبل أن يواصل ممازحاً:
"ومتفكريش إني كنت حابب الوضع يعني، أنتِ عمرك ما كنتي غير أختي يا لينة."
أخفض رأسه بحرج شديد متذكراً فعلته الوقحة وبندم تابع:
"ومتزعليش من أي موقف بايخ عملته معاكي، طيش شباب بس كان زايد شوية."
رفع بصره نحوه مطالعاً عينيها المتأثرة بحديثه وقال:
"ربنا يسعدكم."
فرت دمعة من عيناي لينة، فقامت بمسحها ثم حاولت الإبتسام وهتفت:
"ربنا يخليك لينا يا زيزو، أنت أحسن أخ ليا وليوسف، وبجد موقفك دا عمري ما هنساه أبداً."
أشارت بيدها على قلبها قبل أن تواصل مسترسلة:
"جدعنتك هنا، في قلبي."
تبادلا إبتسامة راضية، ثم انضم إليهما علي متسائلاً عن سبب وقوفهم:
"بتعملوا إيه هنا؟"
ربت زياد على كتفه وهتف:
"لينة تبقى تعرفك بقى، أنا داخل الأوضة."
تركهما وعاد إلى الغرفة، بينما تبادلت لينة النظرات مع شقيقها ثم صاحت بسعادة:
"شكل الحلم بدأ يتحقق يا علي."
ضاقت بعينيه عليها وتسائل بعدم استيعاب:
"حلم إيه؟، مش فاهم حاجة."
عضت على شفتيها مبتسمة بعذوبة وبدأت تخبره ما حدث منذ قليل تحت نظراته المتفاجئة لما يصغي إليه.
***
مساءاً، قد حان موعد زيارة يوسف. وقف الجميع أمام باب الغرفة، فأبلغتهم الممرضة ببعض التعليمات:
"لو سمحتم بلاش دوشة و١٠ دقايق ونخرج عشان المريض يرتاح."
أومأوا لها بقبول ثم دلفوا واحد تلو الأخرى حتى باتوا جميعاٌ في الداخل. فتح يوسف عينيه إثر صوتهم، ولكن كان ينظر إليهم وكأنه يحلم. لازالت رأسه ثقيلة ورؤيته مشوشة.
اقتربت منه السيدة ميمي والدموع تتساقط على مقلتيها حزناً على ما حل به وقالت بنبرة مكلومة:
"حمد لله على سلامتك يا حبيبي، دا أنا كنت هموت يا يوسف من الخوف عليك."
ابتلع يوسف ريقه وبخفوت همس:
"بعد الشر عنك يا أمي."
ابتسمت له وهتفت متسائلة:
"إيه اللي حصلك يا حبيبي مين اللي عمل فيك كدا."
تدخل بلال بقوله:
"مش وقته يا أم يوسف خلينا نطمن عليه الأول وبعدين نعرف."
تراجعت السيدة ميمي عن معرفتها لما حدث، بينما تابع بلال ممازحاً:
"بس إيه رأيك في المستشفي مقعدك في حاجة ٧نجوم."
تبسم يوسف بصعوبة ثم اكتفى بذلك دون تعقيب، فلم يكن لديه القدرة على التحدث طيلة الوقت. ثم صدح صوت أخيه المتأثر:
"أول مرة أخاف كدا يا يوسف.."
بالكاد نطق جملته وخارت قوة تماسكه وبكى. كان يبكي كطفل صغير وهو يطالع أخيه في تلك الحالة، فيوسف كان دوماً رمزاً للقوة والمثابرة، كان الطاقة الذي يستمد منها استمراريته على السعي.
كانت مفاجئة بالنسبة للجميع بكاء زياد وعدم إخفاء قلقه على أخيه، فهذا يتنافى تماماً مع شخصه. رفع يوسف يده وربت على ذراعه مردداً بصوت منخفض:
"أنا كويس.."
لم يكف زياد عن البكاء بسهولة، فاقترب منه بلال وأحاط كتفيه، قبل أن يهتف بمزاح:
"مكنتش أعرف إن قلبك رقيق كدا، دا أنت طلعت واد خفيف."
نجح بلال في رسم البسمة على شفتيه. تدخلت إيمان في الحوار مع حرصها الشديد في الحديث:
"حمدالله على سلامتك يا يوسف."
حرك يوسف رأسه واكتفى بقول:
"الله يسلمك."
أخذت إيمان جانباً ولم تشارك الحديث معهم، لربما تنجح في استعادة ثقة بلال بها. بينما كان علي يكتفي بالمشاهدة دون تعقيب. بحث يوسف بعينيه على مشاكسته فلم يجدها. وجه بصره نحو والدته وتسائل باهتمام:
"لينة فين يا أمي؟"
عقدت ميمي حاجبيها بغرابة. التفتت برأسها للخلف باحثة عنها، فهي كانت ترافقهم. أين ذهبت؟
عادت بنظرها إلى يوسف مرددة:
"كانت معانا، راحت فين؟"
حمحم علي بحرج وأردف وهو يمرر نظره على الجميع:
"هشوفها برا.."
هرول سريعاً إلى الخارج، فكانت تقف مستندة على الحائط. اعتدلت في وقفتها حينما رأت شقيقها وتسائلت بلهفة:
"هو عامل إيه، كويس ولا تعبان، فايق ولا نايم؟"
"ما تيجي تشوفيه أنتِ بنفسك."
هتف علي بغرابة من أمرها، بينما صمتت هي قبل أن تخبره عن سبب وقوفها في الخارج:
"أنا خايفة أدخل.."
قطب الآخر جبينه متسائلاً بفضول:
"خايفة من ايه؟"
أولته ظهرها وجابت المكان سيراً وهي تجيبه:
"أنا عارفة إني مش هقدر أسيطر على نفسي، وكلهم جوا ومينفعش، أنت فاهمني؟"
استنكر علي هرائها، اقترب منها وحاوط ذراعها بيده ثم توجه إلى الغرفة هاتفاً:
"كل الحكاية هتقوليله حمد الله على السلامه وبس."
دلفا الغرفة فحررت لينة يدها من قبضة أخيها. أخذت شهيقا عميق وزفرته على مهل. مالت برأسها قليلاً فوقعت عينيها عليه، كان الجميع موليها ظهورهم عدا يوسف الذي لمح طيفها. مال برأسه ليتأكد منها ثم قال بخفوت:
"تعالي.."
توجهت الأنظار نحوها فاضطرت إلى الظهور. اقتربت منه بخطى متمهلة فتسائل يوسف باهتمام:
"مش عايزة تشوفيني؟"
وكأن سؤاله قد فتح لها سبيلاً للبكاء، جهشت باكية تحت نظرات الجميع المتعجبة لبكائها. اقتربت منها السيدة ميمي وربتت على ظهرها بحنو وأردفت موضحة:
"هو ميقصدش حاجة، بيهزر معاكي أنتِ مش عارفة يوسف؟"
لم تتوقف عن البكاء وهي تطالعه، فعقد يوسف حاحبيه وهو يرى حالتها تلك. كم تمنى أن ينهض ويضمها لصدره بحميمية ويخبرهم جميعاً أنها ملكاً له.
"بتعيطي ليه يا لينة."
تسائل يوسف بصوت منهك فأجابته الأخرى بنبرة غير مفهومة:
"خوفت عليك أوي.."
كان تصريحاً صادقاً دون زيف. خفق قلب يوسف بشدة، وازداد شعوره لمعانقتها. لم يخفض بصره عنها فكان يعانقها في خياله. كان البقية متعجبين من قولها بتلك النبرة.
فهم علي الآن سبب عدم مرافقتها لهم من البداية. راوده الندم لإصراره على دلوفها الغرفة، فهو في موقف لا يحسد عليه. حمحم زياد جاذباً انتباههم ثم صاح موجهاً حديثه لوالدته:
"أكيد يوسف جعان يا ماما، تعالى لما نروح تطبخي له حاجة ونرجع تاني."
لم ترفض ميمي ووافقته الرأي، بينما هدر بلال أمراً وهو يطالع إيمان:
"يلا إحنا كمان عشان أروحك."
أومأت بقبول بينما مال بلال على يوسف وغمز له ثم همس بمشاكسة:
"مع السلامة يا روميو."
أطلق قهقه قبل أن يغادر، بينما لم يستشف يوسف ما يرمي إليه بلال. أخذت السيدة ميمي حقيبتها وأردفت:
"يلا يا لينة."
تفاجئت لينة بقول السيدة ميمي ووزعت نظريها بينها وبين زياد بحيرة، فتولى زياد الرد على والدته:
"سبيها هنا يا ماما عشان يوسف ميكنش لوحده وإحنا مش موجودين."
رمقته ميمي بنظرات مريبة، فلم تصدق أنه من يريد تركها هنا. لم تستطع التعقيب أمام الآخرين واضطرت إلى القبول، ثم خرجت برفقة زياد متوعدة له.
التفتت لينة برأسها وأشارت لأخيها بأن يتركهما بمفردهما. حمحم علي وتسائل باستفسار:
"تحبوا تشربوا حاجة أجيب لكم معايا؟"
أومأت لينة بالإيجاب وقالت مختصرة:
"ياريت."
اكتفى علي بتحريك رأسه ثم توجه إلى الخارج. باتت الغرفة خالية إلا من كليهما. أخفضت لينة عينيها بحرج شديد، في حين أن يوسف لم يرفع بصره عنها. لديهم أحاديث محملة بالكثير من المشاعر، يريدان التصريح بها لعل قلوبهم تشعر بالارتواء.
تنهد يوسف وأراد خلق حوارً معها فحمحم ليردف سؤاله:
"خوفتي عليا؟"
صوبت بصرها نحوه. أحقاً يتسائل؟ ألم يراه من خلال نظراتها؟ ألم تخبره لهفتها؟ ألم تكفي دموعها لتجيبه؟
أخرجت تنيهدة وهمست بعذوبة:
"أنت بتسأل يا يوسف! للدرجة دي مشاعري مش واضحة؟ ولا أنت اللي مُصر متشوفهاش؟ دا أنا قلبي هلك من كتر خوفي عليك! قلقي عليك استحوذ عقلي وتفكيري كله كان فيك! معقول مش باين عليا؟ مش باين إني بحبك يا يوسف؟!"
هتفت بحبها وهي تطالع عينيه بهُيام. وأخيراً نطقتها، أفصحت عن حبها بسهولة. ألقت ما أخفته طيلة الأعوام الماضية، لم تكن تحمل هماً تلك المرة، لقد صرحت ولا يهم ما سيجري. قلبه لم يتوقف عن الخفق، فكان لتصريحها أكثر من معنى. أهي تقصد الحب الذي يخلق بين الحبيبين أم حب أخوي خلقته الأيام في قلبها؟
ابتلع ريقه ثم ردد:
"بتحبيني؟"
أومأت برأسها مؤكدة سؤاله قبل أن تهتف بقلب يفيض منه الحب:
"دا أنا كنت بعترف لك في كل مرة تيجي سيرة، الحب، كنت بنطقها بلساني، وبتترسم في عيوني وهي بتبص لك، دا أنا قولتهالك بأكتر من لغة يا يوسف!"
كان لا يستوعب حقاً ما يصغي إليه، فكان الأمر أشبه بالحلم، لا يصدق أو ربما يجهل التعامل في مثل تلك المواقف. هي مدللته لكنه حقاً لا يعلم ما عليه فعله الآن.
حمحم وهو يطالع عينيها بعذوبة، وحاول ترديد ما يدور في عقله لربما ينجح في استيعابه فقال بتلعثم:
"أنا.. إزاي؟ محستش بحاجة، مكنتش فاهم، أو يمكن كنت بقول لأ مش معقول، طب دا حصل امتى؟"
ابتسمت لينة بعذوبة وأخفضت بصرها متذكرة أول مرة خفق قلبها له قبل أن تخبره:
"دا قلبي دق أول ما قولتلي أسمك جميل أوي!"
قابلها يوسف بنظرات جامدة. حاول تذكر متى أخبرها بذلك. اتسعت حدقتيه حينما تذكر أنه أخبرها بذلك منذ أول يوم رآها به، كانت المشاكسة ذات العشر أعوام.
رفعت عينيها عليه وخرجت كلماتها بحياء شديد:
"كنت مستنية اللحظة دي من زمان أوي، مكنتش عارفة هي هتيجي امتى، كنت برتب لها كتير أوي، كنت بقف قدام المرايا وأتخيل إني واقفة قصادك وبعترف لك بيها وكنت بفشل أقولها، كنت قبل ما أعلق لك قميص في الدولاب أتخيلك فيه عشان أعترف لك وبرده كنت مبقدرش أقولها، كل صورك اللي معايا كنت بكتفي إني أفضل بصالها وبس! مكانتش بتطلع حقيقية غير قدامك، في كل مرة قولتلك على حد بحبه كنت أقصدك أنت! وقت ما كنت بعلمك تتكلم تركي اتعمدت إني أقولهالك، مكنتش بفوت فرصة إني أعترف لك بحبي حتى في الأغاني! أنا مش بس بحبك يا يوسف أنا أدمنتك!"
نكسست رأسها وقد تبدد الحزن على تقاسيمها وتابعت مسترسلة:
"أنا قابلة أي رد منك، حتى لو رفضتني."
صمتت ثم أعادت النظر إليه وقالت وهي تشير إلى قلبها:
"مع إن هنا بيقولي إنك.."
لم تستطيع مواصلة الحديث، فاكتفت برمقه بنظراتها اللامعة تنتظر رده. كان يوسف في وضع لا يحسد عليه. لأول مرة يفشل في مجراة مشاعره، فكان يتخبط بين كونه يريد التصريح عن حبه وبين عقله الرافض للأمر، فهي في النهاية زوجة لأخيه.
زفر أنفاسه بإسيتاء وقال وهو يبعد بنظره عنها:
"زياد ميستحقش مني كدا."
اقتربت منه لينة ومدت يدها لتعيد وجهه إليها فتقابلا في نظرة صادقة وهتفت:
"زياد بيحبك أوي يا يوسف، يمكن أكتر من نفسه لأ دا مش يمكن دا أكيد، زياد قالي إن هو عمره ما اعتبرني غير أخت ليه، عمره ما حس من نحيتي بحاجة، وقالي إنه كان غلط لما قبل عرضك وصلح الغلط.. أنا حرة يا يوسف، معتش فيه أي حواجز بينا دلوقتي، مفيش غير إني أسمعها منك.. قولها يا يوسف، أنا لا يمكن قلبي يكدب عليا أبداً."
مالت لينة برأسها ووضعت يدها على يسار صدره حيث كان قلبه يخفق أسفل يدها وغردت بنبرة متيمة:
"حرر هواك فالحب بات معلنا
ما كل ما أخفته العين محزنا
من قال فؤادي ظالما
كن في غرامي هائما
خذ من يدي خواتما
واجعل رحيقي مسكنا"
"تتجوزيني."
كانت إجابته بعدما طالبت بتحرير هواه. اتسعت مقلتيها بذهول، تراجعت للخلف غير مصدقة عرضه، تسارعت نبضاتها بقوة، فهي فقط أرادت سماع اعترافه بحبه لها، لم ترتب لذاك الطب قط.
تقوس ثغر يوسف للجانب فظهرت ابتسامته الجذابة. مد لها يده فصوبت بصرها نحو يده وبتردد مدت يده لتختفي بين قبضته. عادت للجلوس مقابله ولازالت أسفل تأثير الصدمة.
حمحم يوسف وتسائل باهتمام:
"معناه إيه السكوت دا؟"
حدقته لبرهة وأجابته:
"أنا كنت بتمنى كلمة، وأنت.. أنت.."
كان يحلو له ارتباكها فقال هو بمشاكسة:
"أنا إيه يا لي لي؟"
أخرجت زفيراً وهي تطالعه بشوق، فلم يناديها بدلال منذ فترة. ابتلعت ريقها وتسائلت بلهفة:
"أنت بتكلم بجد؟"
أومأ بتأكيد وهتف بحرارة شوقه:
"مش كفاية لغاية كدا؟ ضيعتك مرة مش ناوي أضيعك تاني."
تحررت لينة يدها من بين قبضته ورفعت كلتاهما أمام وجهها، خافية حيائها الذي انعكس على وجنتيها الحمراوين. أمسك يوسف بيدها اليسرى ثم وضعها على فمه وطبع قبلة في راحة يدها مردداً:
"تعرفي، أنا حلمت بيكي!"
تشكلت بسمة عذبة على شفتي لينة. مدت يمناها وتحسست وجنته قبل أن تتسائل:
"حلمت بإيه؟"
مال هو على يدها شاعراً بنعومة ملمسها، أخذ نفساً عميق وبدأ يقص ما يتذكره ذاك اليوم:
"حلمت إنك كنتي معايا في أوضتي، بس أنا مكنتش شايفك، كنت شامم ريحتك وكنتي بتلمسي وشي زي دلوقتي، وكمان كنتي بتغني.."
اتسعت ابتسامتها بسعادة وتسائلت مستفسرة:
"كنت بغني بقول إيه؟"
حرك يوسف رأسه نافياً معرفته بما كانت تغرد به:
"مش فاكر.."
تنهدت لينة بلوعة وغردت بصوت عذب:
"أنت الحتة الحلوة في قلبي، ببقى في قربك مش قلقانة
أنت حبيبي وأبويا وابني، ومليش بعدك تاني مكان
حببتني في أيام عمري، ورجعتني لنفسي زمان
وأنا بين ايديك، إحساسي بيك
لو قولت ليك مبيتحكيش، جيت وبقيت أهلي وبيتي
لو يوم مشيت معرفش أعيش.."
كان غنائها بإحساس عالٍ، بينما كان يطالعها الآخر بذهول، فما قامت بغنائه بالفعل نفسه من سبق وحلم به. ابتسمت له لينة فردد سؤاله:
"يعني دا مكنش حلم؟"
ازدادت ابتسامتها، وحركت رأسها نافية وتمتمت:
"تؤ.."
كان مذهولاً من جرأتها. طالعها لبرهة وهتف متسائلاً بنبرة رخيمة:
"ومخوفتيش حد يشوفك؟"
قهقهت ساخرة قبل أن تجيبه بنبرتها المتيمة:
"خوف وأنت موجود؟ الدار أمان في وجودك!"
كم لامست كلماتها قلبه، لم يشعر بتلك الإبتسامة التي غزت شفتيه وردد ما قالته براحة:
"الدار بقت أمان يا لينة."
أخذ يوسف شهيقاً عميق وزفره على مهل. حقاً لا يصدق ماحدث، أقدار الله لطيفة للغاية، وكل شر يحدث يأتي خيراً بعده حتى يخفف ثقل ذاك الشر.
بادلها إبتسامة ساحرة هاتفاً بعدم تصديق:
"حاسس إني في حلم جميل، وخايف أصحى منها."
استنكرت لينة كلماته وهتفت بإصرار واضح:
"دا مش حلم يا يوسف، كفايانا أحلام خلينا نستمتع بالواقع ونعيش لحظاته ومنخافش ولا نفكر تاني، سيبها تمشي من غير ترتيب."
راودته راحة كلية تغلغلت داخل قلبه فهدأت من ضجيجه لطالما ازداد في الأوان الأخيرة. فُتح الباب دون سابق إنذار، فانتفضت لينة من مكانها وابتعدت عنه، فإذا بأخيها مرافقاً للممرضة التي تجهمت تعابيرها فور رؤيتها لـ لينة وهتفت مستاءة:
"حضرتك أنا ممكن أتأذى بسبب وجودك هنا، أنا نبهت قبل دخولكم عشر دقايق ونخرج."
تلونت وجنتي لينة بالحُمرة فكانت محرجة للغاية ولم تستطيع الرد، فتولى يوسف الرد بإقتضاب:
"أنا اللي قولتلها تفضل معايا، وبعدين أنا مش شايف مبرر إنك تتكلمي معاها بالأسلوب دا!"
تفاجئت الأخرى بهجومه، تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها. حمحمت بحرج شديد ثم اعتذرت منهما:
"أنا آسفة جداً، بس دا شغلي وأكيد ميرضيش حضرتك إني اتأذى."
بلا مبالاة قال:
"ولو، أسلوبك معاها يبقى أحسن من كدا."
تدخلت لينة عندما رأت انفعال يوسف:
"خلاص يا يوسف حصل خير."
وجهت انظارها نحوها وتابعت:
"أنا خلاص خارجة."
اعتذرت منها الممرضة مرة أخرى ثم ودعته لينة وعادت إلى الغرفة خاصتهم برفقة أخيها الذي تسائل عن سبب تأخيرها، فلم تتردد هي وبدأت تخبره عما حدث وكانت حريصة على عدم إخباره بتلامسهم حتى لا يضجر ويثور.
***
في أحد المطاعم، يجلسان مقابل بعضهما يتناولان وجبة الغداء. قطع لحظتهم صوت ذاك الدخيل الذي هلل عالياً:
"إيمان رمضان! مش معقول وأخيراً لقيتك."
رفعت إيمان بصرها نحو ذاك الصوت الأنثوي فتشكلت ابتسامة تلقائية على محياها. نهضت عن كرسيها ثم مسحت يدها في المنشفة ومدتها لتصافحها بود:
"إسراء إزيك."
لم تكتفِ الأخرى بالمصافحة وجذبتها إليها ثم عانقتها بحميمية وهتفت بتلهف:
"أنتِ وحشاني أوي، مشوفتكيش من أيام الجامعة."
تراجعت للخلف وواصلت بسعادة:
"دورت عليكي كتير على السوشيال بس معرفتش أوصلك وسألت كذا حد من الدفعة وقالوا إنهم ميعرفوش عنك حاجة، بجد مش مصدقة إني شوفتك."
بلطف أردفت إيمان:
"مليش في الميديا أوي وبصراحة أنا مليش أي علاقة بأي حد من الدفعة، يعني من وقت ما خلصنا وأنا مش بشوف حد خالص."
انتبهت الأخرى على بلال الجالس، فمالت على أذنها وهتفت:
"مش تعرفينا."
وزعت إيمان نظراتها بينهما ثم بدأت تعرفهما:
"بلال جوزي، إسراء صحبتي من أيام الجامعة."
هلتلت إسراء بصورة مبالغة:
"مبروك يا روحي."
مدت يدها لتصافح بلال الذي وقف احتراماً لها ثم بادلها المصافحة فشعر بريبة من أمرها، وكأنها تتحسس يده. سحب يده عنها بينما لم تخفض هي نظرها عنه بإعجاب شديد لطوله الفارع. قد لاحظت إيمان نظراتها الجريئة واستنكرت ذلك فهتفت لتجذب انتباهها:
"وأنتِ بقى اتجوزتي ولا لسه يا إسراء؟"
أجابتها إسراء بتأفف:
"لا أنا أطلقت، بصراحة مكنش مالي عيني."
نظرت حيث يقف بلال ورسمت ابتسامة ماكرة على شفتيها، فتمتمت إيمان بحنق:
"ربنا يعوضك أحسن منه."
قهقهت إسراء بميوعة ولازالت عينيها مصوبة على بلال وقالت:
"يابنتي بلا قرف كدا أحسن."
مدت يدها لبلال مرةً أخرى وواصلت برقة مصطنعة:
"اتشرفت بحضرتك يا أستاذ."
لم تتحمل إيمان المزيد من سخافتها فهتفت بضجر مقاطعة دلالها:
"يلا يا بلال عشان نمشي."
سحبت حقيبتها ثم ابتسمت في وجه صديقتها رغم أنها تريد تقطيعها إرباً إرباً وهتفت مختصرة:
"بعد اذنكم يا إسراء، ورانا ميعاد مهم."
ودعن بعضهن البعض في تلك الأثناء قام بلال بدفع الحساب وخرج برفقة إيمان الغاضبة. انتظر حتى ابتعدا عن المكان وسألها بجدية:
"أنتِ قومتينا ليه؟ إحنا ليه مخلصناش أكل!"
توقفت إيمان عن سيرها والتفتت إليه ولم تشعر بنبرة صوتها التي خرجت مندفعة:
"أنت كان عاجبك بصاتها عليك؟ ولا يمكن كانت عجباك وعايز تكمل مسايرة معاها؟"
تفاجئ بانفعالها، رمقها لثوانٍ محاولاً فهم السبب وراء اندفاعها وقال:
"على فكرة دي صاحبتك أنتِ، أنا معرفهاش أصلاً."
هاجمته بردها:
"ولا صاحبتي ولا عايزة أعرفها، دي واحدة وقحة بتبصلك وأنا واقفة مش محترمة حتى وجودي!!"
أسلوبها كان يثير تعجبه، فلا يجد تفسيراً واضحاً له. ظل يطالعها قبل أن يردد بجمود:
"أنتِ بتتكلمي معايا كدا ليه؟"
كان بروده يتلف أعصابها فهتفت بحنق:
"بتكلم إزاي؟ بتكلم عادي شوف نفسك الأول بارد إزاي."
"بارد!"
علق على كلمتها ثم تركها وتوجه ناحية سيارته. استقل خلف المقود وانتظرها حتى تأتي. تأففت إيمان بضجر فكم كانت وقحة. استقلت المقعد المجاور له والتزما كليهما الصمت طيلة عودتهما.
صف سيارته أسفل البناية الخاصة بهم. ترددت في محادثته لكن عليها تصحيح ما اقترفته. حمحمت بحرج وأردفت:
"متزعلش، مش عارفة أنا قولت كدا إزاي، أنا كنت متعصبة من أسلوبها وأنت كان ليك نصيب من عصبيتي، أنا آسفة."
لم يعقب فأعادت هي محاولة تلطيف الأمر:
"هاخد بالي من كلامي بعد كدا، ياريت متزعلش."
ببرودٍ ردد:
"انزلي يا إيمان."
تفاجئت بطلبه، فلم تتوقع ذلك. لم يهتم لإعتذارها وكأنها نكرة. طالعته بأعين جاحظة ثم هتفت بإهتمام:
"أعملك إيه عشان متزعلش؟"
بلغة لا تريد النقاش صاح:
"متعمليش، انزلي."
تأففت بصوت مسموع وترجلت من السيارة، ثم دفعت الباب بغضب وصعدت الأدراج. تبعها بلال بعصبية وأغلق باب شقتهم باندفاع ثم صاح عالياً:
"ممكن أعرف متعصبة كدا ليه؟"
ألقت إيمان حقيبتها أرضاً واستدارت إليه والغضب مرسوم على تقاسيمها وصاحت منفعلة:
"أنت بجد بتسأل؟ أنت مش شايف أسلوبك وطريقتك؟ بحاول ألطف الجو وأنت ردك بيكون إزاي!"
اقترب منها وهتف وهو يشير إلى صدره:
"مضغوط يا إيمان، مخنوق ومضايق ومش عايز كل دا يطلع عليكي فبتعامل ببرود!"
هدأت إيمان من نبرتها لتصبح أكثر رقة وسألته باهتمام:
"مخنوق من إيه؟ عرفني يمكن أقدر أساعدك."
أطلق بلال ضحكة ساخرة قبل يجيبها:
"وهو في إيه ميخنقش؟ صاحبي وفي المستشفى، ومنمتش بقالي يومين، ومتجوز ومش متجوز، ها هتساعديني إزاي؟"
ابتعلت إيمان ريقها، فكانت في موقف لا تجسد عليه، كيف تستطيع مساعدته؟ كيف تقوم بدورها كزوجة له؟ حقاً تفشل المعرفة. حمحمت وهي تقترب منه وأردفت بهدوء:
"أنت محتاج ترتاح شوية، نام ساعتين وهتقوم كويس."
رفض بحركة من رأسه معللاً أسبابه:
"أنا لازم أرجع المستشفى."
أصرت إيمان على بقائه فقالت:
"هما ساعتين بس وأنا اللي هصحيك، وبعدين كدا كدا عمتو وزياد هناك يعني هو مش لوحده، مش هيحصل حاجة بالعكس هتقوم فايق ولو هما محتاجين حاجة هتقدر تعملها."
أمسكت بيده مشجعة إياه:
"يلا."
ما كان من بلال إلا أنه رضخ لها. سار بجوارها وتعمدت هي عدم ترك يده حتى دلفا الغرفة. توجه بلال نحو الفراش فأوقفته هي بقولها:
"استنى، أنت هتنام كدا؟"
عقد حاجبيه بغرابة فلم يستشف مابه. اقتربت منه إيمان ووقفت مقابله ثم رفعت يدها وبدأت تفك أزرار قميصه دون أخذ رأيه لكي لا يمنعها وأوضحت:
"متنامش بهدومك، مش هتكون مرتاح."
نجحت في سيران قشعريرة قوية في ثائر جسده. ساعدته على خلع قميصه ثم أشارت حيث بنطاله وقالت:
"متنامش بالجينز."
أولته ظهرها لتحضر لنفسها ثوب آخر، وتعمدت تبديل ثيابها أمامه كنوع من اكتساب الثقة لكليهما. كان بلال يتابع ما تفعله بتأثر كبير، تُهدم حصونه رويداً رويداً. شيئ ما داخله يحثه على التودد إليها لربما قد حان الوقت.
خطى بقدمه اليمنى خطوة للأمام لكن سرعان ما أعادها سريعاً، فلقد ترددت في أذنيه همسها بإسم يوسف ذاك اليوم. شعر بالغضب يتأجج داخله لأنه لا يستطيع النسيان. كم تمنى أن يفقد ذاكرته حتى يسير زواجه على النهج الصحيح.
اقترب من الفراش وحاول النعاس مراراً، كذلك استقلت إيمان بجواره دون وضع حدود تلك المرة. ظلت تطالعه بعينان لامعتين. لم يبعد هو نظره عنها حتى غاب عن الوعي وذهب في ثُبات.
بينما لم تفضل النوم، بل فضلت النظر إليه لعلها تنجح في فهم مشاعرها. تذكرت انفالها من خلف نظرات صديقتها الوقحة. كزت أسنانها بغضب، كيف لم تصفعها حينها؟
تعجبت إيمان كثيراً من تفكيرها، لماذا تعطي الأمر أكبر من حجمه؟ يمكن لأنه كبير بالفعل! تنهدت وهي تحاول تفسير ذلك، أهي غيرة!! معقول؟ أهي تغار عليه؟
طالعته لوقت في محاولة منها على استيعاب ذلك الاستنتاج، على الرغم من نومه إلا أن مازال يحتفظ بملامح جذاب. نادته بصوت هادئ لكي تعلم هل غفى أم مازال واعياً.
لم يجيبها فتأكدت من غوفه. اقتربت منه بحذر حتى التصقت بصدره العاري، استندت بوجهها على وجهه، فكان جبينها يلامس جبينه وأنفها يلامس أنفه ولاسيما أنها شاعرة بحرارة أنفاسه التي زادتها تلهف لأخذ عناق. لكنها اكتفت بتلك المسافة حتى لا تتسبب في إيقاظه. أخذت مدة ليست بقصيرة حتى ذهبت في النوم رغماً عنها.
***
انتظرت حتى ولجت المنزل ثم بانفعال وعدم رضاء لتصرفه صاحت معاتبة:
"أنت إزاي تسمح إن لينة تقعد مع أخوك؟ للدرجة دي معندكش نخوة ومبتخافش على عرضك؟ دا حتى لو الموضوع مش شاغلك المفروض تتعلم تصون الأمانة اللي في رقابتك!"
تفهم زياد سبب ثورتها وبهدوء أخبرها:
"لينة مبقتش تخصني يا ماما."
لم تفهم ما رمى به من كلمات مبهمة وتسائلت بملامح مشدودة:
"يعني إيه مبقتش تخصك؟ مش دي مراتك برده؟"
عض زياد على شفتيه السفلى يفكر أولاً في كلماته قبل أن يجيبها:
"مبقتش مراتي، أنا قولتلها أنتِ طالق."
شهقت السيدة ميمي وضربت على صدرها بقوة مقاطعة إياه بصدمة:
"عملت ايه؟ إزاي تعمل حاجة زي كدا من دماغك؟ مرجعتش ليا ولا لأخوك الأول ليه؟"
خرج زياد عن صمته وارتفع صوته الأجش:
"لأول مرة في حياتي أخد قرار من غير ما أرجع لكم ويكون قرار صح، لينة طول عمرها أختي مينفعش فجاءة كدا تبقى مراتي، أنا كنت مبسوط في الأول ونفسي أوصل لها بأي شكل، لأنها دايما كانت رافضاني، فكرت بموافقتي إن هقدر أكسر غرورها بس أنا قليت من نفسي أوي لما وافقت."
شكل ضحكة ساخرة وواصل بنفور شديد من ذاته:
"ابنك عيان! لو واحدة بس قالتله لأ، تدخل دماغه وتعجبه لغاية ما يوقعها ويثبت لنفسه أنه مسيطر وواد جامد ملوش زي، وبعد كدا يسيبها، ودا اللي فكرت أعمله مع لينة! بس ضرب يوسف يومها فوقني، وعقلني وخلاني افتكر إني راجل مش لسه عيل مراهق والتصرفات دي متلقش أبداً بيا!"
أخرج زفيراً ليستطيع مواصلة حديثه، توجه ناحية الأريكة وجلس أعلاها ثم مدد قدميه على الطاولة أمامه وتابع بنبرة هادئة:
"حاولت أعمل حاجة صح لأول مرة في حياتي، وسيبتها تروح للي يستحقها، يوسف أحسن مني وصان أمانته."
تشكلت إبتسامة عفوية على شفتيه قبل أن يسترسل:
"هي طلعت أمانته فعلاً، مش أمانة صاحبه زي ما كنا فاهمين!"
توجهت السيدة ميمي ناحيته ووقفت مقابله. أخفضت بصرها عليه متسائلة بعدم فهم:
"معناه إيه كلامك دا؟"
ازدادت إبتسامته وهو يخبرها:
"يوسف بيحبها يا ميمي، وأخيراً شوفنا حب لأستاذ يوسف!"
حقاً كثيراً على عقلها، لم تستوعب بسهولة. أتصدق نضج صغيرها الذي أسعدها كثيراً، أم تسعد لحبه لأخيه؟ أم تسعد لظهور حب لولدها البكري؟ لكن ما يستحق أن تسعد لأجله حقاً، أنها تحصد ثمرة تربيتها التي زرعتها في ولديها منذ الصغر.
مدت ميمي كلتى يديها لصغيرها مرددة ببسمة عريضة:
"تعالى هات حضن يواد."
لم يتردد زياد في القيام وأخذ عناق حنون. أوصد عينيه يستمتع برائحتها الذكية لطالما كانت مصدر طمأنينته. بادلته العناق بقوة فكم كان قلبها سعيد به.
***
بعد مرور بعض الساعات قلق بلال واستيقظ. تفاجئ بقربها منه لتلك الدرجة، لم يصدر حركة بل ظل يشاهدها ليتأكد أنه لا يحلم. شعر بحركة منها فنهض لكي يذهب قبل أن تفيق، لكنه تفاجئ بيدها التي أمسكت بذراعه.
التفت برأسه إليها، فرأها تعتدل من نومها وتقترب منه حتى بات ظهره ملاصقاً لصدرها. رفعت يدها وتخللت شعره وظلت تداعب خصلاته بنعومة. ثم استندت بذقنها على كتفه فكان وجهها قريباً بما يكفي.
ابتلع الآخر ريقه ولم يستطيع الصمود لأكثر. رفع يده وتلمس شفتيها الوردية، وبيده الأخرى حاوط خصرها فشعر بملمس قميصها الرقيق، فازدادت رغبته بها. قبض على خصرها بقوة فتأوت إيمان بألم ثم.....
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم تسنيم المرشدي
"يوسف"
لا يتردد في ذهنه سوى اسم صديقه بنبرتها هي، كلما حاول تخطي الأمر لا يستطيع، يتردد صدى صوتها في عقله، لم يشعر بنفسه سوى وهو يدفعها بعيداً عنه قبل أن يحاول لمس شفتيها.
ارتفعت وتيرة أنفاسها برعب وطالعته بنظرات مبهمة في انتظار تعليله للأمر، انتفض من مكانه وهو يردد بأنفاس لاهثة:
_ مش هينفع...
أولاها ظهره متوجهاً نحو المرحاض فهتفت هي متسائلة:
_ ليه؟
توقف عن السير دون أن يلتفت فتابعت هي أسئلتها:
_ أنا غلطت في حاجة؟
استدار بجسده ونظر حيث تمكث، حرك رأسه بنفي وقال:
_ دي مشكلتي أنا، أنا آسف
أولاها ظهره للمرة الثانية وهرول داخل المرحاض، أغلق الباب ووقف خلفه يلكم رأسه بقوة، يعترف أنه يمتلك ذاكرة لعينة لا يمكنها نسيان الأشياء بسهولة، وقف أمام المرآة يطالع ملامحه الغاضبة ولم يكف عن تأنيب ذاته داخله.
في الخارج، سحبت إيمان الغطاء أعلاها، فلقد شعرت أنها عارية بعد رفضه لها، تساقطت عبراتها ودفعه لها لا يريد الإقلاع عن عقلها، انتبهت على خروجه فأسرعت في مسح دموعها لكنه قد رآها وشعر بأنه أحمق كبير لأنه تسبب في تحطيم كبريائها بعد فعلته.
لكنه فعل ذلك رغماً عنه، حقاً يرد التقرب منها لكن عقله لا يسامح بسهولة، بدل ثيابه بأخرى، ثم حمحم وقال:
_ أنا نازل..
اكتفت إيمان بإيماءة من رأسها دون النظر إليه، فكان يزداد ضيقاً لعدم قدرتها على مواجهته، كيف سيصلح ما اقترفه؟
لا يدري، تأفف بضيق وفر هارباً من ذاك المنزل، فكانت الوسيلة الوحيدة أمامه، توقف عن النزول عندما فتحت والدته الباب وكان بثياب الخروج، ابتسمت في وجهه وقالت:
_ ينفع تاخدني معاك، أبوك من الصبح مجاش ولازم أروح أعمل الواجب، عشان ميمي متزعلش مني
دون أن يعقب أماء برأسه ثم تابع هبوطه، تحت نظرات والدته المتعجبة من أمره، تبعته للأسفل والعديد من الأسئلة قد راودتها لكن لم يكن لديها إجابة لديهم.
استقل السيارة وتابعت مكالمته الهاتفية التي قال فيها:
_ لو حضرتك خلصتي أنا تحت، تعالي معايا، تمام أنا مستنيكي أهو
أنهى المكالمة فتسائلت شهيرة بفضول:
_ مين اللي جاي معانا؟
أجابها مختصراً:
_ أم يوسف..
حركت رأسها بتفهم ثم سألته باهتمام:
_ مالك؟ شكلك مضايق؟
دون أن يلتفت أجاب ببرود:
_ لا مش مضايق
بعفوية أمومية هتفت:
_ عليا برده؟ قول مالك هتخبي عليا!
تفاجئت شهيرة بثورته حيث صاح عالياً بغضب:
_ قولت مفيش، مفيش
ضرب الطارة أمامه بقوة ثم ترجل من السيارة ينفث غضبه بعيداً عن والدته، ارتخت ملامحه فور ظهور السيدة ميمي، بصعوبة ابتسم لها ثم قام بفتح الباب الخلفي، فاستقلت المقعد وشكرته على لطفه بينما عاد هو لمقعده وتحرك بالسيارة.
دارت بعض الأحاديث بين السيدتان، متحاورتان عن أحوال يوسف، بينما لم يصغي بلال لهن، فكان ضجيج عقله يغطي على أصواتهن.
***
أنتبه على فتح الباب، ثوانٍ وظهرت مشاكسته من خلفه، ابتسم لها بينما تأففت هي بملل:
_ أوف وأخيراً مشت من قدام الباب، بقالي ساعتين بستناها تمشي
قهقه يوسف وردد مستهزءاً:
_ ما أنتِ عبيطة، كنتِ قوليلها داخلة لجوزي أشوفه لو محتاج حاجة
غمز إليها فلم تستطيع إخفاء ابتسامتها، عضت على شفتيها بحرج ثم هتفت:
_ ولما تعرف إنك مش جوزي تقول عليا إيه؟ متربتش؟
قهقه يوسف ثم أردف بمشاكسة:
_ وهي هعترف منين، أنا كنت هـ..
صمت فطالت هي النظر إليها في انتظار بقية حديثه لكنه فضل الإحتفاظ به في ذاك الوقت الحالي فهتفت هي متسائلة في فضول:
_ ها إيه؟
حمحم قبل أن يردف بمكر:
_ لما أتجوزك هقولك..
يحادثها دوماً عن الزواج، ولا يزال عقلها لا يستوعب حقاً أنهما باتا معاً لا يمنعهما شيء، أخفت معالم وجهها بيدها دوناً عن عينيها وأردفت بحياء:
_ بجد مش مصدقة إنك بتكلمني في الجواز!
تقوس ثغره للجانب فشكل إبتسامة عذبة وقال:
_ تحبي أخليكي تصدقي إزاي؟
رفعت كتفيها لعدم معرفتها، فأشار إليها بالإقتراب مردداً:
_ تعالي..
_ في الخارج، وصلت السيدة ميمي وطلبت من الممرضة أمراً:
_ معلش يابنتي خمس دقايق ياكل وأخرج على طول
بعد تفكير لثوانٍ قبلت لكنها حذرتها قبل دلوفها:
_ بالله عليكي يا حجة متتأخريش لأن مينفعش أصلاً دخولك جوا، وأنا هتجازى
طمأنتها ميمي بقولها:
_ متقلقيش يا حبيبتي والله مش هتأخر..
فتحت باب الغرفة فانتفضت لينة من مكانها بذعر قبل أن تصل إلى يوسف، اتسعت مقلتيها بحرج شديد عندما رأت السيدة ميمي تدلف، لوهلة تفاجئت ميمي بوجودها فلم تكن على علم بوجود أحدهم في الغرفة.
تبادلن النظرات ثم نكست لينة رأسها في حياء، فلم تعد تستطيع مواجهة عينيها، حتماً أخبرها زياد عن مشاعرها بيوسف، وهي لن تسامح بسهولة، فكلاهما ولديها، كيف تقتنع بذلك؟
تعجب يوسف من حالة لينة المتوترة، فلم يسبق وأن توجست خيفة من والدته، مد لها يده فإن خشيت هي مواجهتها فليواجهاها معاً، مررت نظريها بين يديه وبين ميمي ولم تجرأ على لمس يد يوسف.
"متخافيش كدا يا لينة"
هتف يوسف بعدم رضاء لخوفها الواضح، اقتربت منهما السيدة ميمي ثم وضعت ما معها جانباً ووقفت مقابل لينة، مدت يدها ورفعت وجهها بأناملها، شكلت بسمة عذبة على شفتيها وتحدثت بنبرة حنونة:
_ مش اللي بيعمل حاجة غلط بس هو اللي يخاف؟ أنتِ خايفة ليه بقى؟
تفاجئت لينة بجملتها، أطالت النظر إليها دون تعقيب فلم تتحلى بالشجاعة للحديث بعد، فتحت لها ميمي ذراعيها وحثتها على أخذ عناق:
_ تعالي في حضن أمك يا لينة
مررت نظريها بين يوسف وبينها ثم بادلتها العناق، شاعرة بالطمأنينة فكان عناقاً طيباً مليئ بالحنان،
لازالت يد يوسف ممدودة فعانقتها لينة بيدها ثم أغلقت عينيها تستمد القوة منهما.
تراجعت بعد لحظات، فتحدثت لينة متسائلة:
_ يعني مش زعلانة مني؟
قطبت ميمي جبينها بغرابة ورددت متسائلة:
_ هزعل منك ليه؟ هو الحب بقى يزعل؟
ظهرت إبتسامة خجولة على محيا لينة، بينما توجهت السيدة ميمي لتحضر الطعام التي أعدته ليوسف حتى لا تتأخر مثلما وعدت الممرضة، جلست بجواره وقد قامت لينة برفع نصف الفراش له لكي يستطيع الجلوس.
بدأت السيدة ميمي تطعمه في فمه كالصغار، وكذلك تابعت حديثها الذي لم ينتهي:
_ يمكن كنت هزعل لو مكنتش ربيت صح، بس الحمدلله ولادي بيحبو بعض أكتر ما بيحبو نفسهم ودا عندي بالدنيا كلها، مش عايزة حاجة تاني خلاص، بقيت مطمنة إنهم سند لبعض ووقت ما واحد يحصله ابتلاء التاني هيسد مكانه.
ازدادت ابتسامتها متذكرة موقف زياد واسترسلت مواصلة:
_ كنت دايما خايفة من زياد إنه متهور وتفكيره مجنون شوية مش شبه يوسف خالص، وكل ما كنت بصلي أدعي له ربنا يهديه وميطلعش من الشباب البايظ اللي كل همه المظهر واللبس وصحوبية البنات والشرب، بس كانت حاجة جوايا تقولي أطمني ربنا مش هيكتب ليكي وجع قلبك عليه وكنت بطمن لغاية ما شوفت النهاردة بعيني توكلي على ربنا نتيجته كانت إيه.
صوبت بصرها نحو يوسف وتابعت بحنو:
_ ربنا يخليكم لبعض ويخليكم ليا يارب
آمن يوسف على دعائها ثم أخذ يدها التي تطعمه وطبع قُبلة عليها مردداً بحب:
_ ويخليكي لينا يا أمي
تت على وجهه ثم تابعت إطعامه، بينما جلست لينة على مقربة منهما متبادلة بعض الأحاديث معهما.
في الخارج، استغل بلال عدم وجود ثالث بينهما وهتف بخذي شديد:
_ أنا آسف إني عليت صوتي عليكي، متزعليش..
باختصار قالت:
_ مش زعلانة
ضاق بعينيه عليها فلم يصدقها، أراد محي سوء التفاهم الحادث فقال بنبرة مازحة:
_ عليا برده؟
قلبت شهيرة عينيها مستاءة مما فعله، اقترب منها بلال وطبع قُبلة على جبينها بحب قبل أن يردف متوسلاً:
_ خلاص بقى يا شوشو، كنت مخنوق شوية لو أنتِ مستحملتنيش مين اللي هيستحملني؟
رمقته بطرف عينيها وقالت بجدية:
_ لو قولتلي مخنوق مالك هقبل اعتذارك
ابتعد عنها بلال ممازحاً إياها:
_ لا خليكي زعلانة أسهل
انفجرت شهيرة ضاحكة رغماً عنها لكنها لن تتراجع بسهولة قبل معرفة سبب ضجرة:
_ طيب خلاص مش زعلانة منك، بس قولي مالك، والله ما هاين عليا أشوفك كدا
جلس بلال على مقربة منها وتنهد بصوت عالٍ، ثم اكتفى بقول:
_ مش حابب أتكلم في حاجة، بس الدنيا مش مظبطة بينا شوية
ربتت شهيرة على ظهره بحنو وقالت بحكمة:
_ أول الجواز لازم يبقى كدا، طبيعي يكون في اختلاف، تخيل ناس كتير بتفشل في أول فترة وهما مع بعض سنين ما بالك أنتم اللي معرفتوش بعض غير شهر واحد، المهم إنك تعرف تتعامل مع الإختلاف دا ومع الوقت هتلاقي كل حاجة بقت كويسة..
ردد بلال بتمني:
_ يارب
***
حل المساء سريعاً، أمر الطبيب بنقل يوسف من الرعاية الصحية إلى غرفة أخرى لعدم تدهور حالته، كانت الغرفة تمتلئ بالأقارب والجيران مابين الحين والآخر، وبعض معارف يوسف من العمل، فكان محبوباً بين الجميع ومن علم بمرضه لا يتردد في المجيء للإطمئنان عليه.
"كدا برده يا ميمي متعرفيناش، دي لولا إيمان قالتلي مكناش هنعرف"
هتفت هادية معاتبة فأوضحت ميمي سبب عدم إخبارها لهم:
_ معلش يا هادية أنا كنت في إيه ولا إيه، مكنش فيا دماغ أكلمكم والله كنت عايزة أطمن عليه وبستدخل رمضان بقوله:
_ ربنا يتم شفاه على خير وما يجيب حاجة وحشة تاني
آمن الجميع على دعائه بينما هتفت إحدى جارتهم:
_ والله أنا أول ما عرفت مقدرتش أقعد من غير ما أطمن عليه
ابتسمت السيدة ميمي ممتنة وردت عليها بلطف:
_ فيكي الخير يا عواطف، تسلم رجليكي يا حبيبتي
نظرت عواطف حيث تجلس ابنتها بغيظ وهتفت مستاءة:
_ والبت شهد مردتش تسيبني أبداً، أقولها يابنتي هتيجي تعملي إيه، تقولي هروح أشوف لينة
مررت نظريها بين شهد ولينة وأردفت مازحة:
_ مش عارفة يا لينة أنتِ عاملة لها إيه؟
ابتسمت لها لينة لكن سرعان ما تجهمت تعابيرها وهي تطالع صديقتها متصنعة الكراهية وهتفت بمشاكسة:
_ بكرهك
ردت الأخرى بنفس أسلوبها:
_ مش أكتر مني
قهقت جميعهن ثم تسائلت السيدة ميمي باهتمام:
_ أومال أمجد فين معتش بشوفه خالص
أجابتها بتلقائية:
_ أمجد بقاله يجي شهر أهو في الجيش، لسه فترة تدريب..
أبدت ميمي تفاجئها بالأمر وقالت:
_ ربنا يطمنك عليه يارب
ثم نظرت حيث يجلس زياد وهتفت بصوت عالٍ:
_ عقبال اللي في بالي
يرمقها زياد بلا مبالاة ومازحها بقوله:
_ حاسس إنك بتلمحي لحاجة؟
بنبرة جريئة هتفت:
_ لا بلقح يا قلب أمك
لم يستطيع أحد تمالك ضحكاته بعد ما قالته، على جانب آخر، كان بلال يجلس على كرسي بجوار يوسف يطالع الأرضية دون أن ينبس بشئ، كان يوسف ملاحظاً لحالته الصامتة ولم يستطيع سؤاله فالغرفة مليئة بالأناس.
حمحم ليجذب انتباهه قبل أن يردف بنبرة خافتة:
_ ششش، أنت يالا
أنتبه عليه بلال وقال:
_ إيه؟
غمز له يوسف وتسائل مستفسراً:
_ مالك؟ من وقت ما جيت وأنت ساكت!
أخذ بلال نفساً عميق ثم أجاب ببرود:
_ مفيش حاجة تتقال بس
رفع يوسف حاجبه الأيسر بعدم تصديق وصاح مستاءً:
_ عليا برده! إخلص وقول مالك، ولا يعني فاكرني مش فاهم إن فيك حاجة من يوم ما اتجوزت!
تفاجئ بلال برد يوسف وانعكس على تعابيره، مما أزاد يقين يوسف أن ثمة أمراً يخفيه فقال بثقة:
_ انطق وقول مالك
أخرج بلال تنهيدة مهمومة وأردف:
_ لو فيه حاجة ينفع تتحكي كنت حكيتها يا يوسف، سيبك أنت
استنكر يوسف أسلوبه وبهجوم صاح:
_ ودا من امتى يعني؟ من امتى خبيت عليا حاجة؟
بعصبية بالغة أجابه:
_ من يوم ما اتجوزتها وبقت عرضي ومينفعش أتكلم عنها حتى لو معاك أنت..
تفهم يوسف الأمر، ولم يطيل في أسئلته، شعر بلال أنه بالغ في رد فعله فرقق من نبرته وقال:
_ كل حاجة هتتحل يا صاحبي، متحملش همي..
نهض عن كرسيه وأضاف:
_ لو مش محتاجني في حاجة أنا هروح
حرك يوسف رأسه نافياً احتياجه لأمر بينما هتف بلال:
_ تمام، لو احتجت لحاجة كلمني
أنتبه كلاهما على صوتها الساخر حين انضمت إليهما:
_ تؤتؤ أنت هتمشي يا بلال، لسه بدري ما أنت قاعد من الصبح بات بالمرة..
تفاجئ الشابان بحديثها المستهزأ، رفع بلال حاجبيه وتحدث بعناد:
_ طيب أنا صاحبه وأخوه، أنتِ مين بقى عشان تقعدي هنا؟
قلبت لينة عينيها وبعجرفة أجابته:
_ حبيبته!
فغر بلال فاهه بذهول لتلك الجرأة المفاجئة، التفت بعينيه إلى يوسف الذي غمز إليه وقال:
_ المدام مستقبلاً..
وزع بلال نظريه بينهما فقهقت لينة عالياً، بينما هتف بلال متسائلاً وهو يمرر نظريه بينهما بعدم تصديق:
_ أنتوا بتكلموا بجد؟
اقتربت لينة من يوسف لتثبت له صحة ما أخبراه به وقالت:
_ ودي فيها هزار؟
تقوس ثغر بلال ببسمة سعيدة ثم هتف متمنياً لهما السعادة:
_ مع إني بحسك مرات أبويا بس هفرحلك برده عشان خاطر صاحبي بس
انفجرت لينة ضاحكة فأثارت تعجب الجالسات وخصيصاً قربها من يوسف لتلك الدرجة، انتبه زياد على نظراتهن فتدخل موجهاً حديثه لهن وهو يقترب من شقيقه:
_ عايزكم تباركوا ليوسف ولينة، عشان خلاص هيبقو لبعض قريب
تبادلن النظرات بذهول أو ربما صدمة فكيف سيحدث ذلك وهو عاقد عليها، تفهم زياد نظراتهم وبدأ يوضح لهن حقيقة الأمور:
_ أنا ولينة عمرنا ما كنا أكتر من اخوات، وهي ويوسف كانوا بيحبو بعض بس للأسف مكنوش عارفين، وخطوة كتب الكتاب اللي حصلت دي كانت السبب أنهم يعرفوا حقيقة مشاعرهم، فطبيعي لما أعرف إن سعادة أخويا بين إيديا كان لازم أعمل إيه حاجة عشان خاطره، ياريت تدعولهم وتتمنو لهم الخير في حياتهم الجاية
كان بلال ويوسف مذهولين من فصاحة لسانه ونضج عقله، ظلا يحدجانه بنظرات غير مصدقة تصرفه العاقل، بينما دعت السيدات ليوسف ولينة بالتوفيق والتمام، فتبادلا يوسف ولينة نظرات سعيدة مليئة بالكثير من المشاعر.
طُرق باب الغرفة فسمحت السيدة ميمي للطارق بالدخول، ظهر بعض الرجال الذي يبدوا على هيئتهم أنهم ذو نفوذ، حمحم أحدهم وقال حينما وجد يوسف:
_ حمدالله على سلامتك يا يوسف، كدا برده كل ما نيجي يقولنا ممنوع المقابلات
ابتسم له يوسف وبلطف أردف:
_ الله يسلمك يا مراد بيه، معلش بقى أدينا اتقابلنا أهو
بنبرة عملية هدر الآخر:
_ أنا عايزك تحكيلي كل حاجة حصلت بالتفصيل عشان اللي عمل كدا ياخد جزاءه
صوب يوسف نظريه على من في الغرفة فاستشف مراد قصده وبأمر صاح:
_ بعد إذنكم يا جماعة محتاجين يوسف خمس دقايق عشان ناخد إجراء قانوني في أسرع وقت
بدأ الجميع يتسلل إلى الخارج حتى باتت الغرفة خالية إلا من يوسف ومراد وأيضاً رجاله، بدأ يوسف يقص عليه ماحدث بالضبط ذاك اليوم المشؤوم وكان الآخر يصغي إليه باهتمام بالغ.
***
عاد إلى منزله حاملاً للهموم، مثلما خرج منه، لا يدري كيف سيواجهها بعد رفضه لها، وهل ستغفر له أم ستتفهم الأمر؟
أغلق الباب بهدوء ثم دلف بخطاه باحثاً عنها، تفاجئ بها خارجة من المطبخ بثياب أكثر من رائعة وكأنها ذاهبة إلى إحدى الحفلات، مصففة خصلاتها كما لم يراها قبل، واضعة بعض لمسات المساحيق البسيطة والتي برزت جاذبية أنوثتها.
ابتسمت في وجهه فكان متعجباً مما يراه، فلم يتوقع ذلك قط، اقتربت منه ثم قالت برقة:
_ غير هدومك على لما أحضر العشا
كان بلال لا يستوعب تلك الحالة، لكنه لم يرفض على الرغم من شعوره بالتعب إلا أنه سيجاري مساءه حتى يهدأ ضميره قليلاً، ولج الغرفة وبدل ثيابه بأخرى مريحة تناسب المنزل وعاد للخارج.
لم يراها في المطبخ فنادته هي من الخارج:
_ تعالى ناكل هنا النهاردة
توجه للخارج وتفاجئ بذاك الفيلم الذي أحضرته ليشاهداه سوياً، جلس بجوراها وتفحص الطعام فلم تترك صنفاً مما يحبه إلا وصنعته، التفت بلال برأسه ناظراً إليها في نظرة طالت فتسائلت هي بفضول:
_ في حاجة؟
"عرفتي منين إني بحب الحاجات دي؟"
هتف متسائلاً، فأجابته هي على حياء مخالط للحماس:
_ سألت مامتك وهي اللي قالتلي..
ازداد فضوله حول ما تفعله فعاد متسائلاً:
_ أنتِ بتعملي كدا ليه؟
تقوس ثغرها ببسمة رقيقة وأجابته بلطف:
_ أنا حابة أعمل كدا..
صمت كليهما لبرهة ولم يبعدا نظريهما عن بعض، قطعت إيمان لحظتهم بقولها:
_ يلا ناكل عشان الأكل ميبردش
بدأ في تناول الطعام ومشاهدة الفيلم الكوميدي، فلم يتوقفا عن الضحك طيلة الوقت، وكلما انتهيا من تناول شيئ تحضر إيمان حلوى تارة وتسالي تارة أخرى والكثير من المشروبات حتى انتهى الفيلم.
مدد بلال قدميه على الطاولة ثم وضع يده فوق معدته وصاح بضعف:
_ معتش قادر..
بمشاكسة هتفت من جانبه:
_ وأنا كمان..
تنهدت إيمان وبتردد قابلته في الحديث أردفت:
_ ما تحكيلي عنك شوية..
"حابة تعرفي إيه؟"
كان ذلك رد بلال بينما هتفت هي:
_ اللي حابب تحكيه!
ظهرت إبتسامة على شفتي بلال قبل أن يخبرها القليل عنه:
_ أنا كنت الولد الوحيد في العيلة كلها، كل أعمامي عندهم بنات محدش جاله ولد غير أبويا فطبعاً لك أن تتخيلي الدلع اللي كنت فيه، من أعمامي ومرتات أعمامي وبناتهم لأبويا وأمي واخواتي، العيلة كلها مكانتش بدلع غيري، كل طلباتي بتتنفذ من غير تفكير حتى لغاية ما طلعت عيل صايع..
توقف من تلقاء نفسه حينما رأى الذهول في نظرات إيمان وأكد حديثه قائلاً:
_ آه والله ميغركيش إني هادي دلوقتي، أنا كنت خاربها وكل حاجة نفسي فيها بعملها، كنت تقريباً كل أسبوع مع بنت شكل إن مكنش بنتين في نفس الأسبوع وأوقات بيوصلوا لـ ٣ كمان..
لاحظ بلال الصدمة في عيناي إيمان فأوضح حقيقة كلامه:
_ لا تفكيرك ميروحش لبعيد، دي كانت صحوبية بس مش أكتر، كنت فاكر إني كدا جان ومحدش قدي والجو العبيط دا
قاطعته هي بسؤالها:
_ حبيت واحدة فيهم قبل كدا؟
كانت تنتظر إجابته بفروغ صبر فقال الآخر:
_ لأ طبعاً، أنا بقولك أخري معاهم صحوبية وبس، كنت بتسلى يعني..
بنبرة مندفعة قليلاً سألته:
_ وكانوا حلوين؟
كانت الغيرة في نبرتها واضحة للغاية، فلم يستطع بلال تمالك نفسه، تصنع أنه يفرك عينيه ليخفي فمه الذي شكل إبتسامة عريضة، وأراد التأكد من شعوره فردد:
_ حلوين بس، دول كانوا فورتيكة
تجهمت تعابير إيمان وطالعته بملامح جامدة، تلك المرة لم يصمد أمام نظراتها وانفجر ضاحكاً، فأثارت ضحكاته تعجبها، وبعد أن استطاع السيطرة على نفسه هتف:
_ بهزر طبعاً، أنا عايز أقولك إني مش فاكر شكل ولا واحدة فيهم أصلا..
ارتخت تعابيرها ثم قالت بفضول:
_ وبعدين؟
تابع بلال حديثه:
_ وبس فضلت كدا لغاية ما شوفت هدير أختي واقفة مع واحد اللي هو جوزها حالياً، هو كان زميلها في الكلية وجارنا، طبعا أنا قلبت الدنيا وإزاي تقفي مع راجل غريب وبتاع قعدت تحلف لي إنه كان محتاج محاضرة معينة بس أنا مصدقتش فقامت قيلالي مش كلهم صايعين زيك وبيلعبوا ببنات الناس..
أنا سمعت الكلمتين دول من هنا وحسيت قد إيه أنا حقير، ومن وقتها وأنا ماشي على الصراط المستقيم وعملت بجملة اللي مرضهوش لاخواتي مرضهوش على بنات الناس.
تعرفي كمان من ضمن أسباب إني معتش أكلم بنت، إني لغاية دلوقتي مش قادر أحب عزت جوز أختي دا، مش قادر احترمه فأنا محبتش إني أكون مكانه في يوم!
قهقه بلال عالياً حينما تذكر أمراً ما وأضاف:
_ مرة مسكته أنا ويوسف وأخد مننا حتة علقة
اتسعت حدقتي إيمان بذهول ورددت بعدم تصديق:
_ يوسف!
أكد بلال على حديثه قائلاً:
_ آه يوسف مش مصدقة ليه؟
أوضحت له سبب عدم تصديقها:
_ أصل أنت متعرفش يوسف عندنا في البيت إيه، بيضرب بيه المثل في كل حاجة فعشان كدا مصدقتش
أومأ بلال بتفهم وقال:
_ هو أنا مش قصدي إن يوسف وحش، بس هو شقي هو يبان عليه إنه هادي بس هو مش كدا خالص
تنهد بلال وأراد تغير الحوار الذي كان محوره يوسف:
_ دورك، احكيلي عنك
ابتسمت إيمان ساخرة وهتفت بحزن:
_ مفيش حاجة مميزة في حياتي أحكيها، أنا اتولدت في بيت فيه الأم بتخاف جداً على ولادها كانت رافضة اللعب ونزول الشارع لغاية مابقيت أنطوائية جداً، لا عمري عرفت أصاحب بنت ولا عرفت أعمل ليا صاحبة العمر زي ما كل بنت عندها، دايرتي صغيرة جداً يدوب عمتو وبيتنا والدراسة وبساست
شفت تعجب بلال فتفت ساخرة:
_ حكاية مملة معلش
حاول بلال التفكير معها بصوت عالٍ:
_ ليه مفكرتيش تصاحبي لينة طول السنين اللي فاتت دي كلها؟
تشكلت إبتسامة ساخرة ناهيك عن تعابيرها التي تجهمت لبرهة ثم أردفت:
_ لينة دي آخر حد ممكن أفكر أصحابها
أثارت فضول بلال وراء كلماتها فتسائل مستفسراً:
_ ليه؟
أخبرته عن السبب بسلاسة:
_ أنا شخصية ولينة شخصية تانية خالص، بقولك أنا مقفول عليا من صغري ومنطوية وهي بنت دلوعة أوي، وكل طلباتها بتتنفذ، وأنا مكنتش بحب الدلع اللي معيشينها فيه دا، من أول عمتو ليوسف لزياد، كنت حساهم بيبالغوا..
نكست رأسها في حزن وتابعت بنبرة متحسرة:
_ ممكن تقول غيرة!
حدقها بلال بدهشة فأكدت ذلك:
_ كل حاجة طيب وحاضر وموجودة عندها وهي مجرد بنت غريبة عنهم وأنا لأ! فكان دايما في حاجز كدا بينا مقدرتش أتخطاه وأعملها صاحبة!
دا غير أنها عيلة أصلا ولا تفكيرها تفكيري فعندي أسباب كتير يعني..
أومأ بلال بتفهم ثم أردف قاصداً كلماته وهو يطالعها باهتمام ليرى رد فعلها:
_ مش يوسف طلع بيحبها!
لم تتفاجئ إيمان بل ابتسمت فتسائل بلال عن سبب ضحكاتها الغامضة:
_ بتضحكي علي إيه؟
بتلقائية أجابت:
_ أصل دا كان باين أوي
ضاق بلال بعينيه عليها مردداً:
_ بس أنا ملاحظتش كدا!
ازدادت إبتسامة إيمان وهي تقول:
_ يبقى أنت محبتش بجد يا بلال!
قطب جبينه بغرابة وسألها بجدية:
_ بتقولي كدا ليه؟
حكت إيمان جبينها قبل أن تردف إجابتها المنتظرة:
_ لو كنت حبيت بجد كنت فهمت إن يوسف عاشق ولهان، وكل اللي كان بيعمله دا عشانه بيحبها مش عشان هي أخت صاحبه والكلام اللي كان بيقوله دا..
ساد الصمت لدقائق حتى قطعه إيمان بتثائبها قبل أن تتحدث بنعاس:
_ أنا هدخل أنام، تصبح على خير
"وأنتِ من أهله"
رد عليها بلال بينما نهضت الأخرى لكنها لم تنجح في الوقوف على قدميها بسبب تنميلها، اختل توزانها وسقطت للخلف حيث يجلس بلال الذي لحق بها بذراعيه.
شعرت إيمان بالحرج الشديد فرددت وهو تطالع عينيه:
_ أنا آسفة بس رجلي نملت ومقدرتش أقف
بهدوء أردف:
_ ولا يهمك، خليكي لغاية ما تفك..
كانت تتوسط قدميه وتتعلق في ذراعه، كانت قريبة للغاية، كانا كليهما يهربان بنظراتهما بعيداً لكن دوماً يعودان لتبادل نظراتهما من جديد، حمحمت إيمان وسألته بخفوت:
_ لسه بتحبني؟
تفاجئ بلال بسؤالها فهرب بعينيه بعيداً، أعادت هي وجهه إليها في انتظار سماع إجابته، تنهد بلال وأماء برأسه مؤكداً سؤالها، صاحت هي بتلقائية وهي تطالع سودتاه:
_ وأنا كمان...
أجبرها بلال على الصمت بنهوضه المفاجئ حاملها بين يديه، توجه بها إلى الغرفة ثم وضعها برفق على الفراش فتحدثت هي بعفوية:
_ أنا عايزة أقولك حاجة..
دار بلال حول الفراش ذاهباً إلى جهته التي سينام بها وأردف بإقتضاب:
_ وأنا مش عايزك تقولي حاجة
استلقى على الفراش فصاحت هي متسائلة:
_ أنت ليه مش عايز تديني فرصة؟
أجابها مختصراً:
_ لأن الكلام اللي هيتقال هيكون مجرد تريح لضميرك مش هيكون حقيقة
التفت برأسه ناظراً إليها وقال:
_ نامي يا إيمان، تصبحي على خير
أولاها ظهره محاولاً النوم تحت نظراتها المصدومة، لم تتحمل ردة فعله وانتفضت من مكانها ثم هرولت للخارج، دلفت الغرفة الأخرى ثم جهشت باكية، فهي تغاضت عن أسلوبه مراراً لتوطد علاقتهما لكنه دوماً يخرب كل شيئ.
اقتربت من الفراش وألقت جسدها عليه، لم تجف دموعها بسهولة، بل ظلت على تلك الحالة حتى تغلب عليها النوم من شدة التعب.
***
في الصباح، عاد إلى غرفته واستقل الفراش بأمر من والدته التي أسرعت للخارج لكي تعد له فطور شهي، بينما لم تبرح هي مكانها وظلت تطالعه بأعين عاشقة قبل أن تردد برقة:
_ حمد لله على سلامتك
بهدوء قال:
_ الله يسلمك يا لي لي
ابتسمت بعذوبة فاستغل يوسف انفرادهما وصاح:
_ ممكن تساعديني أقلع التيشيرت؟
تفاجئت لينة بطلبه وطالت نظرتها التي لا تصدق حقاً أنه طلب ذلك فتصنع هو التعب:
_ تعبان مش قادر أساعد نفسي..
التفتت لينة ناظرة إلى الباب وهتفت بتردد يشوبه الحرج:
_ ممكن حد يجي ويفهم غلط..
أراد إقناعها بشتى الطرق فقال بنبرة رخيمة:
_ ميمي بتحضر الفطار وزياد لسه بيجيب الأدوية يعني محدش هيجي دلوقتي لو سرعتي شوية..
ابتلعت ريقها وهي تطالعه، فحثها هو بنظراته على مساعدته، أخذت زفيراً عميق وتوجهت نحوه ثم جلست مقابله على الفراش، حارصة على عدم النظر في عينيه ثم أمسكت بطرف ثوبه ورفعته قليلاً فظهرت عضلاته بوضوح.
ارتفعت وتيرة أنفاسها ناهيك عن توترها الذي ازداد أضعافاً، فلم تكن قريبة بهذا الشكل من قبل، والأحر عينيه التي لم تُرفع من عليها، رفع يوسف ذراعيه للأعلى حتى يسهل عليها خلع ثوبه، تنفست الصعداء فور انتهائها فأردف هو بخفوت:
_ جيبي واحد تاني بقى
أماءت بطاعة وتوجهت نحو خزانته ثم قامت بسحب ثوب آخر وعادت إليه، ناولته ثوبه فعاتبها بلطف:
_ يعني أنا مش قادر أقلعه هبقى قادر ألبسه!
يبالغ ذاك الشاب، ووزعت نظريها بينه وبين الباب ثم اقتربت منه وساعدته على ارتدائه برفق، كان لازال مرفوعاً من الخلف فمدت يدها خلف ظهره فلمسته دون قصد، سرت رجفة قوية في خلاياها شعر بها يوسف ولم يمنع ابتسامته في الظهور، فكان الوضع محبباً إليه للغاية.
انتهت لينة مما تفعله ثم نهضت مسرعة فقال هو بعذوبة:
_ شكراً
بإبتسامة رقيقة على شفتيها هتفت:
_ عفواً
أرادت الهروب من أمامه فحمحمت وبتلعثم أردفت:
_ أنا هروح أغير هدومي..
أولاته ظهرها فهتف يوسف بخبث:
_ مش عايزة مساعدة؟
جحظت عيناي لينة بصدمة، التفت برأسها ومازالت آثار الصدمة على وجهها، غمز إليها يوسف بمشاكسة فلم تستطع الوقوف لثانية أخرى وهرولت إلى الخارج مسرعة بينما انفجر يوسف ضاحكاً على هرولتها، ثم أخرج تنيهدة حارة على قلبه المتيم وعزم على تعجل الأمور حتى تصبح زوجته للأبد.
***
فرك عينيه بقوة لكي يستطيع الإعتياد على انعكاس أشعة الشمس التي عمت الغرفة، نهض وهو يطالع المكان من حوله بكسل، لم يجدها في الغرفة فظن أنها غفت تلك الليلة في الغرفة المجاورة لأنها لم تأتي منذ ذهابها أمس.
كاد أن ينهض إلا أنه تريث لحظة خروجها من غرفة تبديل الثياب، انتبهت عليه فاقتربت منه وقالت بتجهم:
_ أنا عايزة أروح عند ماما..
لم يمانع بلال فردد بقبول:
_ ماشي..
أخذت نفساً قبل أن تخبره بمرادها:
_ هقعد يومين هناك..
عقد بلال حاجبيها متعجباً من طلبها وتسائل بجدية:
_ ليه؟
"محتاجة أريح أعصابي شوية، ومفتكرش إنك محتاجني في حاجة عشان تعترض"
هتفت بهم وهي تواجهه بعينين ثاقبتين، بينما كان الرفض يسيطر على تفكير بلال، لكنه لا يريد إجبارها على المكوث معه، فهي لم ترى منه سوى الرفض طيلة الوقت.
أخرج تنهيدة وقال بإقتضاب:
_ ماشي..
سار بجوارها متوجهاً إلى المرحاض بينما أطلقت هي ضحكة ساخرة وتمتمت بنبرة مختنفة:
_ كنتِ فاكرة إيه يعني، هيمسك فيكي!
حركت رأسها مستنكرة حياتها التي لا تتبدل أحوالها إلى الأفضل بل فقط تسوء وتسوء، خرجت بخطاها تنتظره في الردهة لحين انتهائه.
بعد مدة قضاها في الطريق، وصلا إلى منطقة والداي إيمان، أوقف بلال السيارة ونظر إليها نظرته الأخيرة قبل ذهابها، لم تريد الترجل قبل البوح بما يكمن داخل قلبها، تبادلت معه النظرات لثوانٍ ثم قالت متحسرة:
_ على فكرة يا بلال الحب لوحده مش كفاية!
حبك ليا كان مجرد شغف لتجربة علاقة جديدة وراح مع أول غلطة غلطتها، اللي بيحب بجد بيكون رحيم وبيقدر يسامح ويعدي
وأنت لا عارف تكون رحيم معايا وتسامحني ولا قادر تعديلي أي كلمة ودايماً بتربطها بحاجات مش موجودة غير في خيالك وبس!
وأنا حاولت أصلح واتغاضى، حاولت أبدأ من نفسي وأصلح غلطتي بس أنت مدتنيش فرصة لأنك ببساطة محبتنيش، لو كنت حبتني زي ما بتقول كنت هتساعدني نسعى ونصلح حياتنا بس أنت حتى محاولتش!
أنا مش هقعد هنا يومين بس، أنا هنا لغاية ما إحنا الإتنين نعرف حقيقة مشاعرنا وعايزين نكمل ولا لأ، إحنا الاتنين يا بلال مش أنت بس!
لأن محاولاتي خلاص خلصت وطاقتي نفذت، ومحتاجة أنا كمان أعرف أنا عايزة إيه ومن هنا لغاية ما نعرف نهاية الموضوع دا، ياريت نبعد على قد ما نقدر، لا نتكلم ولا نشوف بعض..
أنهت حديثها وسرعان ما ترجلت من السيارة دون أن تلتفت، كان يتابع حركتها ولا يستطيع فعل شيء، كأنه مقيد بالأصفاد، لم يكن يوماً ضعيفاً بهذا الشكل، لماذا لا يرفض ذهابها ويركض خلفها ويعيدها إليه، أليس هذا ما أراده وتمناه سابقاً!
كيف لم يعترض طريقها ويجبرها على العودة معه؟ أيمكن حقاً أنه لم يحبها؟ لكن كيف؟
كيف وقلبه لم ينبض لسواها!
كان يقنع عقله بأخذ هدنة لمعرفة ما أن كان يحبها حقاً أم تلك مشاعر كاذبة مثلما أخبرته.
تحرك بالسيارة وبالكاد يرى الطريق أمامه، فكان يشعر بالإختناق وكأن أحدهم يضغط على صدره يمنعه من التنفس جيداً، صف السيارة على جانب الطريق وترجل منها لعله يعود لرشده باستنشاقه بعض الهواء النقي.
فشل في استعادة رونقه فما كان أمامه سوى الهروب إلى مكان يخلوا من الأناس يستجمع ذاته به إن نجح في ذلك.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم تسنيم المرشدي
أأيه يختي، أتقدملك!
هتف يوسف باستنكار تام بينما قابلته لينة بإصرار واضح:
وإيه المشكلة؟ مش ربنا قال أدخلوا البيوت من أبوابها، مش عايز تدخلها ليه يا أستاذ يوسف ولا أنت بتاع تسلية وبس
جحظت عيناي يوسف بصدمة بينما لم يصمد زياد أمام ذاك الهراء وانفجر ضاحكاً، ناهيك عن ذهول السيدة ميمي وهي تتابع حوارهما العجيب، في حين أن علي يجلس يشاهد ما يحدث بغرابة.
صاح يوسف عالياً فكلماتها نجحت في إخراجه عن هدوئه:
أتسلى إيه، إيه اللي أنتِ بتقوليه دا! أنتِ عبيطة؟ افهمي كلامك الأول وبعدين قوليه
عقدت لينة ذراعيها بعناد وهتفت آخر ما لديها:
والله دا اللي عندي، لا تيجي تتقدم لي زي أي بنت لا تنسى الموضوع دا
أوصد يوسف عينيه محاولاً الصمود قدر المستطاع، أنتبه الجميع على قهقهة زياد ثم تلاها حديثه الساخر:
مش متخيل يوسف يروح يشتري ورد ويلبس بدلة ويجي يخبط على الباب اللي هو باب بيته عشان يتقدم لك، أو نروح بعيد ليه، هو يخرج من أوضته ويدخل يقعد في الصالون على ما أنتِ تجيبي الجاتو وتخرجي
انفجر ضاحكاً وشاركه علي الضحك وكذلك السيدة ميمي، بينما هلل يوسف بتهكم:
مش فاهم بجد إيه الهبل دا، على أساس إننا منعرفش بعض وبعدين عايزاني أتقدم لك أدينا فيها أهو، تتجوزيني؟
رمقته لينة شزراً وهتفت مستاءة:
إيه العبط دا؟ أنت تحدد يوم وتيجي لابس لبس رسمي وأنا لابسة دريس، وتجيب بوكيه ورد أحمر وشكولاتة، وتعرض عليا الجواز ووقتها بقى أنا أقولك سيبني أفكر
"كمان!"
صاح يوسف بعدم تصديق، ولم يكترث لصوت ضحكات الآخرين التي تدوي في المكان، حك ذقنه بشدة فلقد نفذ صبره على تحمل ذاك الهراء، ابتلع ريقه وهدر:
بالله عليكي لو كان مقلب انهيه عشان جبت أخري.
نهضت لينة وبنبرة واثقة قالت:
لا مش مقلب ودا اللي عندي ولا أنا مشبهش يا سي يوسف؟
حمحمت قبل أن تضيف:
حدد ميعاد مع أخويا واتفقوا، عن إذنكم
غادرتهم وعادت إلى الغرفة تحت نظرات الجميع المذهولة، تبادلا يوسف وعلي النظرات ثم هتف علي:
والله ما أعرف حاجة عن الهبل اللي قالته دا هي قالتلي تعالى عايزة أتكلم معاك في موضوع
أطلق ضحكة ساخرة وأضاف:
مكنتش أعرف إن الموضوع هيكون كدا
تأفف يوسف بنفاذ صبر فتدخلت السيدة ميمي محذرة إياه:
إهدى شوية يا يوسف العصبية دي مش كويسة عشانك أنت نسيت الدكتور قال إيه؟
رمقها لثوانٍ وهدر:
أنتِ مش شايفة هي بتعمل إيه؟
"بتدلع، وبعدين لما أنت مش قد الدلع من دلوقتي هتعمل إيه بعد كدا؟"
أردفتهم ميمي مازحة بينما نهض يوسف عن كرسيه فتسائلت بفضول:
رايح فين؟
باهتزاء أجاب:
ألحق بقى أحجز الورد والجاتو
انفجر ثلاثتهم ضاحكين، بينما لم يكف يوسف عن التمتمة بينه وبين نفسه، بدل ثيابه بأخرى وغادر المنزل، لم يريد القيادة فمازال هناك أثراً لدوار رأسه يحضر وقت الجهد.
فلم يتردد في مهاتفة بلال، لم يجيبه فأعاد تكرار الإتصال حتى أجاب الآخر فصاح يوسف معاتباً:
أنت فين يابني ومبتردش ليه؟
بنبرة جامدة قال:
عايز حاجة؟
شعر يوسف بالغرابة حياله، فتحدث متسائلاً:
مالك في إيه؟
"مفيش يا يوسف، أنت محتاج حاجة؟"
كان رده بنفاذ صبر، أجابه يوسف قائلاً:
كنت رايح مشوار وكنت عايزك معايا بدل ما أسوق أنا..
أردف مختصراً:
خمس دقايق وهتلاقيني عندك..
أنهى بلال المكالمة سريعاً، وقف يوسف على جانب حتى وصولة، بالفعل مرت خمس دقائق حتى ظهر بلال بسيارته، استقل يوسف بجواره ثم انطلق بلال خارجاً من المنطقة.
"هتروح فين؟"
تسائل باستفسار حتى يعلم وجهته، التفت إليه يوسف وبإصرار واضح هتف:
أوقف عند أي قهوة تقابلك..
بادله بلال نظرات متعجبة قبل أن يسترسل مستاءً:
انت كنت نازل تقعد على القهوة؟
نفى يوسف بحركة من رأسه وأوضح:
لا بس عايز أتكلم معاك شوية..
تفهم بلال الأمر الآن فهتف رافضاً:
وأنا والله مش قادر أتكلم خ....
قاطعه يوسف بنبرة لا تحتمل النقاش:
لا هنتكلم يا بلال..
وقع نظر يوسف على إحدى المقاهي القريبة فأشار بيده نحوها:
قهوة أهي، اركن عندها..
لم يكن أمام بلال سوى الرضوخ، على الرغم من رفضه التام للحديث لكنه على علم بإصرار يوسف، فلن يتراجع قبل معرفة الأمور ووضع حلول لها.
جلس كليهما على كرسيان خشبيان ثم طلب يوسف إحضار كوبين من الشاي وبدأ حديثه بحدة:
يلا اتفضل قولي حالتك دي من إيه ومش عايز لف ودوران يا بلال
طالع بلال الطريق أمامه وهتف:
مش عارفة أتكلم، مش عارف أحكي أقول إيه!
"إيمان، مش كدا؟"
هتف يوسف بثقة فنظر إليه بلال ثم أومأ، تنهد يوسف وقال:
طب المشكلة عندك ولا عندها؟ مين اللي رافض التاني؟
تفاجئ بلال بكلمات صديقه، هل الجميع يدرك حقيقة الأمر أم أنه يوسف فقط!، ابتلع ريقه وتنفس بقوة قبل أن يجيبه:
أنت عرفت إزاي؟
تشكلت بسمة مستاءة على شفتي يوسف وقال:
لو مكنتش صاحبي وحافظك مكنتش فهمت..
عاد بلال ناظراً للطريق وهدر بتقزز شديد اتجاه ذاته:
المشكلة فيا أنا!
صاح يوسف عالياً:
حلو اويرمقه بلال بنظرات مستاءة وهتف متسائلاً:
هو إيه اللي حلو؟
علل يوسف ما يقصده:
أصل لو كانت عندها فأنا مكنتش هقدر أعملك حاجة، لكن طلاما مشكلتك هنقدر نحلها مع بعض
عاد بلال بنظريه إليه واستند بذقنه على راحة يده مستنداً بمرفقه على الطاولة وقال:
إزاي؟
ارتشف يوسف القليل من الشاي واسترسل بحكمة:
أنت شايف إن الموضوع يستحق تعيش كدا بسببه؟، جاوب جواك مش شرط تجاوبني، أياً كان اللي حصل مينفعش يتصلح؟ مينفعش تتغاضى عنه في سبيل إنك تعيش مبسوط؟
أنهى كوبه وواصل مالم ينهيه:
فيه حاجة جدت عن اللي أنت كنت عارفها قبل ما تتجوزوا؟
كز بلال أسنانه ونفى وجود شيئ جديد، فكان ملماً بحقيقة الأمور من البداية ومع ذلك قَبُل أن يتزوجها، لماذا يرفضها الأن وكأنه متفاجئ مما حدث تلك الليلة؟
قطع يوسف حبال أفكاره بقوله:
يبقى تحاول تصلح كل اللي ما بينكم وأفتكر دايما إنك قبلت بيها وكنت مبسوط واتغاضيت عن حاجات كتير، يبقى تتغاضى عنها تاني وتالت لغاية ما تنساها، والله العظيم الحياة ما تستحق كل الصراعات دي، أنت بتحبها أعمل المستحيل عشان تخلي علاقتكم كويسة..
حك بلال مؤخرة رأسه هارباً بنظريه عن صديقه وهتف بتردد:
هي راحت النهاردة عند مامتها...
رمق يوسف وتابع ساخراً:
عايزة تقيم العلاقة وتعرف هنكمل ولا لأ
أفغر يوسف فاهه وردد بذهول:
$ وأنت موافق على الكلام دا؟
زفر بلال بضيق شديد وأجابه بحنق:
أنا معتش عارف أنا عايز إيه، بس يمكن عندها حق، إحنا محتاجين نعرف إحنا عايزين إيه وبعد كدا ناخد قرار
حاول تغير الحوار عنه فتسائل باهتمام:
المهم قولي أنت كنت رايح فين؟
تقوس ثغر يوسف باستهزاء وهو يجيبه:
رايح ياسيدي أشتري ورد وشكولاتة
عقد بلال حاجبيها بعدم فهم وصاح متسائلاً:
ليه؟
بسخرية في حديثه أجاب:
هتقدم لـ لينة!
رمقه بلال بطرف عينيه وهو يردد ما سمعه للتو:
تتقدملها إزاي يعني؟
فرك يوسف عينيه بنفاذ صبر موضحاً قصده:
عايزاني أدخل الباب من بابه وأتقدم لها وهي تفكر بقى إذا كانت توافق ولا لأ
لم يتمالك بلال أعصابه وانفجر ضاحكاً تحت نظرات يوسف عليه، لم يعقب فهو من جنى على نفسه عند إخباره، ظل يومئ برأسه ثم هتف:
مش هتكلم كتير..
خرجت كلمات بلال من بين ضحكاته:
أنت إزاي سامح لها تعمل فيك كدا؟
تشكل التهكم على تقاسيم يوسف مردداً بسخرية:
أنا اتمرمنط يا راضي
انفجر كليهما ضاحكين باستعانة يوسف لأحد إفيهات الأفلام، توقف يوسف عن الضحك وبنبرة يكسوها السعادة هتف:
بس أنا مبسوط، ودلعها على كيفي وبنفذ طلباتها الهبلة وأنا مغمض، بحس إني لسه عيل صغير وأنا معاها
تقوس ثغره ببسمة عذبة قبل أن يواصل:
دا أنا بدوب زي البسكوتة في الشاي أول ما بقف قدامها
بعدم تصديق هتف بلال:
هي حصلت بسكوتة يا يوسف!
استنتج يوسف تصريحه الأخرق، اتسعت عينيه بذهول تحت ضحكات بلال عليه، انتفض من مكانه وردد بتجهم:
قوم يابني قوم، لو قعدت دقيقة كمان هقلب آيس كريم
عقب بلال ساخراً:
آيس كريم بسكوتة
لم يتمالكا ضاحكتهما ثم نهض وعادا إلى السيارة، انطلق بها بلال حيث يريد يوسف ولم تخلوا مدة وصولهم من الإستهزاء على تصريحات يوسف الحمقاء.
***
"وبعدين، هتعملي إيه؟"
كان ذلك سؤال هادية لإبنتها التي أجابت وهي تفرك أناملها:
مش هعمل حاجة، هقعد هنا على لما نشوف أخرتها إيه، لنكمل يا..
تنهدت إيمان بقوة وتابعت:
نن
فصل..
تشكل الحزن على تقاسيمها، لاحظته هادية وبتردد بالغ أردفت:
أنتِ حبتيه يا إيمان؟
صوبت إيمان بصرها نحو والدتها، طالت نظرتها وهي تفكر جيداً في إجابة، هربت بنظريها بعيداً وقالت:
مش عارفة، مش قادرة أحدد مشاعري بالظبط، يمكن عشان كدا طلبت إننا نبعد عشان كل واحد يتأكد من مشاعره
لم تصدق تلك الإجابة فلم تكن مقنعة وهدرت:
طيب ليه زعلانة لما أنتِ لسه مش عارفة بتحبيه ولا لأ؟
زفرت إيمان بقلة حيلة وبعد مدة حاولت توضيح وجهة نظرها:
أنا مش بكرهه، ومش هكذب الفترة اللي قضيتها معاه خليتني أتشد ليه، مش عارفة دا تعود ولا فعلاً حب، بس أنا كنت حابة إننا نبدأ من جديد وننسى اللي فات، بلال شخصية جميلة وحنون بس مشكلته إنه مش بيسامح بسهولة!
أنا حاولت وخلاص معتش هحاول تاني، الدور عليه هو اللي يحاول، دا لو عايز يعني..
نكست رأسها بحزن، ثم استمعن إلى صوت رمضان في الخارج ينادي على هادية فأسرعت إيمان قائلة:
متقوليش حاجة لبابا، قوليله مثلاً إن بلال مسافر لشغل وأنا هقعد هنا لغاية ما يرجع
أماءت هادية بالإيجاب ثم خرجت من الغرفة لتلبي نداء زوجها:
نعم يا رمضان، محتاج حاجة؟
اقترب منها وتسائل وعينيه تطالع باب غرفة إيمان:
فيه إيه إيمان مالها؟
حمحمت هادية وأخبرته بما تريده إيمان معرفته:
مالها يا خويا، جوزها بس مسافر يومين كدا تبع الشغل وهي خافت تقعد لوحدها فجت تقعد هنا، هي يعني ليها مين غيرنا تقعد عنده؟
استنكر رمضان تلك الإجابة المبالغة وهتف مستاءً:
أنا سألت سؤال واحد إيه كل الكلام دا، عموماً أنا نازل الشغل، سلام
"مع السلامة"
رددتها هادية متابعة لخروجه من المنزل، ثم عادت إلى ابنتها ليواصلا حوارهن سوياً.
***
مساءًا، يجلس الشباب في الصالون، يتبادلون النظرات، بالكاد يستطيعون إخفاء ضحكاتهم، يحاولون عدم النظر في أعين بعضهما البعض حتى لا ينفجروا ضاحكين.
يجلس هو في زيه الرسمي يمسك بيديه باقة من الزهور ذات اللون الأحمر، كان يصطنع الخجل مسايراً الأجواء، حتى ظهرت هي بطلتها التي خطفت قلبه، كانت ترتدي فستاناً سماوياً يتماشى مع بشرتها، وتعمدت وضع ذاك الأحمر الشفاه الفاقع حتى تبدو جذابة في عينيه.
لم تعلم أنها جنت على روحها تلك الفتاة، كز يوسف أسنانه بغضب ثم انتفض من مقعده وتوجه نحوها، أمسكها من ذراعها وعاد بها إلى غرفتها وتحدث من بين أسنانه المتلاحمة:
لا بصي أنا مسايرك في كل الهبل اللي طلبيته لكن تزوديها أقلبهالك نكد والله، خشي شيلي الأحمر دا
عضت لينة على شفتيها ثم تعمدت ضمهما بطريقة مثيرة وقالت بدلال:
وإلا هتعمل إيه؟
كان متابعاً لحركات شفتيها وبالكاد يصمد أمامهما، احتدت ملامحه وهدر:
متحاوليش تستني تعرفي هعمل إيه عشان هتزعلي جامد..
اعتدلت لينة في وقفتها ثم عادت إلى غرفتها دون إضافة المزيد، قامت بإزالة أحمر الشفاه وعادت إليه فنظر إليها بتفحص ثم سبقها للخارج، جلس حيث كان بينما جاءت هي على استحياء فانفجر زياد ضاحكاً وصاح ساخراً:
لا السيطرة باينة
غمز إليه يوسف بعجرفة ثم وجه حديثه لعلي بنبرة مصطنعة:
بعد إذنك يا أستاذ علي، أنا جاي النهاردة أطلب أيد الآنسة لينة أختك
وضع علي قدم على أخرى واستقام في جلسته وقال بتكبر:
عرفني على نفسك الأول، خريج إيه وبتشتغل إيه وعندك شقة ولا ناوي تأجر، يعني عشان أكون مطمن على أختي
رفع يوسف حاجبه الأيسر فتعالت ضحكات زياد، رمقه يوسف بنظرات مشتعلة فحاول كتم ضحكاته وردد:
أسف معلش كملوا..
حمحم يوسف وبدأ يعرف عن نفسه بلهجة جادة:
أنا يوسف الراوي، خريج إدارة أعمال، مدير معرض عربيات، وعندي شقة ومستوايا المادي الحمد لله كويس وبس كدا
أماء علي ثم نظر حيث تجلس شقيقته وسألها بجدية:
ها إيه رأيك يا لينة؟
أخفضت في حياء وأجابته بخفوت:
مش بطال
تجهمت تعابير يوسف وردد بحنق:
هو ايه اللي مش بطال أنتِ تطولي يابت أنتِ
اتسعت حدقتي علي وهاجمه قائلاً:
لا لو سمحت أنا مسمحش أبداً بإهانة أختي، وبعدين لما من دلوقتي بتقولها بت لما تتجوزها هتعمل إيه؟
"هضربها وهضربك لو زودت كلمة كمان"
هتف يوسف بنفاذ صبر فأعدل علي من جلسته متوجساً خيفة منه وحاول تعجيل الأمور:
على بركة الله يا أستاذ يوسف، نقرأ الفاتحة
رفع الجميع أيديهم ليقرأوا سورة الفاتحة مباركين تلك العلاقة بها، ارتفعت زغاريد السيدة ميمي بسعادة غامرة، نهضت وعانقت لينة بحب وسعادة.
تصافح الشباب مباركين ليوسف على تلك المناسبة السعيدة، بينما توجه يوسف إلى مشاكسته وطالعها بهُيام وقال بنبرته الرخيمة:
مبروك علينا
تلونت وجنتيها بالحُمرة وعضت على شفتيها بخجل شديد، نكست رأسها حينما فشلت في مبادلته النظرات، انحنى بقرب أذنها وشاكسها قائلاً:
قلبتي قطة يعني..
لم تعقب بل ازدادت حُمرة وجنتيها، تقوس ثغر يوسف ببسمة عريضة وردد ممازحاً:
مياو مياو
تر
كته وعادت إلى غرفتها سريعاً، فلم تنجح في إخفاء خجلها فقط كان يزداد أمامه، وقفت خلف الباب تعيد ما حدث منذ قليل، لا تصدق أنها خطت أول خطوة في حلمها، لم يعد هناك الكثير حتى يصبح حقيقة لا تستطيع إنكارها.
توجهت نحو الفراش واستلقت أعلاه ثم هاتفت صديقتها وهتفت بنبرة يملؤها السعادة وهي تطالع سقف الغرفة:
قرينا الفاتحة!
لم تتوقف ضحكاتها قط، وكذلك شهد شاركتها الضحك والمباركات، فالأمر كان أشبه بالحلم، كيف يصدقن ما حدث بتلك السهولة؟
"أنا مش مصدقة، خلاص كدا أنا ويوسف مخطوبين!"
هتفت لينة والسعادة لا تسعها فأكدت شهد حديثها:
حلمك اتحقق أخيراً يا لينة، هتعملوا إيه في اللي جاي؟
استقامت لينة في جلستها وتسائلت بعدم فهم:
في إيه مش فاهمة؟
وضحت شهد ما تقصده:
يعني اتفقتوا هتكتبوا الكتاب امتى والجواز برده امتى؟
اتسعت عيناي لينة تلقائياً ورددت دون استيعاب بعد:
ها؟ كتب كتاب وجواز!!
***
بعد مرور سبعة أيام، يسير على مرر من العديد من قواقعُ الشاطئ الذي يفصلا بين الرمال على جانبيه، يطالع البحر من أمامه والجميع من حوله يصفقون بحرارة منذ ظهور، ثم توقف عند نهاية الممر.
علم بحضورها فور ارتفاع التصفيقات والزغاريد التي تطلقها النساء والفتيات، كان قلبه يخفق بقوة، ويتساءل كيف تبدو؟ حتماً ستنهار قواه إن رآها في ثوبها الأبيض التي رفضت مسبقاً أن تريه إياه معللة أنه لابد أن يكون مفاجأة.
كان يشعر بقربها ويزداد قلبه خفقاناً، يزداد توتره ناهيك عن ادريناله الذي يتدفق بقوة، أوصد عينيه حتى شعر بلمسة يدها على كتفه.
أخذ شهيقاً عميق ثم استدار بجسده إليها، ليتفاجئ بتلك الطلة الساحرة، كان على دراية بأنها ستسحر عينيه من فرط جمالها لكنه لم يكن يعلم أنها ستكون بتلك الروعة، لقد كانت تشبه الأميرات في ثوبها الأبيض.
كانت رقيقة، ناعمة، برزت ملامحها الأنثوية بتلك المساحيق البسيطة التي وضعتها، تشكلت إبتسامة على محياه تلقائياً فبادلته هي إبتسامة خجولة ثم نكست رأسها في حياء شديد.
مد ذراعه إليها فتعلقت به وتابعا سيرهما حتى وصلا إلى تلك الطاولة المليئة بالأزهار البيضاء، أعد لها كرسياً حتى تستطيع الجلوس ثم جلس على الجانب الآخر منها وإلى جواره المأذون، ومن الجهة المقابلة كان يجلس علي وزياد ومن الخلف يقف أصدقائهم وبعض الأقارب، والبعض الآخر يجلسون على طاولتهم يتابعون من على مقربة منهم.
ابتسم المأذون في وجه يوسف ثم وجه حديثه إلى لينة متسائلاً:
الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا زوجة صالحة التي إن نظرا إليها..
ناولها مكبر الصوت فهتفت هي من بين ضحكها الخجول:
أسرته..
ثم تابع أسئلته:
وإن أمرها؟
هتفت الأخرى من خلف يوسف قبل أن يسمح لها المأذون:
أطاعته..
انفجرا المعازيم ضاحكين فهتف المأذون مازحاً:
لا دا احنا ناخد رقم العريس نشوف الطاعة دي فعل ولا كلام بس
ازدادت ضحكات الحاضرين فأضاف المأذون قائلاً:
وإن أقسم عليها؟
لم تعد لينة تتذكر بقية الحديث فأردفت بحرج:
معتش فاكرة
لم تخلوا الجلسة من ضحكات الحاضرين من خلفها، توقف المأذون عن الضحك ثم تابع هو مباشرة دون سؤالها:
وإن أقسم عليها يا عروسة أبرته، وإن غاب عنها نصحته أو حفظته في نفسها وماله.
أماءت لينة بفهم ورددت بعفوية:
ماشي
لم يستطيع أحدهم السيطرة على ضحكاته، بينما التفت إليها يوسف وهمس مازحاً:
فضحتينا يا لينة..
تدخل المأذون بقوله:
ربنا ما يجيب فضايح أبداً، ها يا عروسة موافقة على الشروط دي؟
بهتاف عالٍ قالت:
إيفييت (نعم)
حاول يوسف توضيح معنى كلمتها:
معلش أصلها مهوسة بالتركي شوية
أماء المأذون بتفهم ثم هتف بمرح:
لا دا أنت الله يعينك على التركي دا عندي منه في البيت
حمحم ثم بدأ يلقي خطبة عن فضل الزواج وما أن انتهى حتى بدأ يلقي على يوسف وهو يردد خلفه وكذلك فعل علي حتى انتها كليهما وصاح المأذون مباركاً لهما:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير إن شاء الله"
وضعت لينة يدها على فمها تكتم شهقاتها التي خرجت رغماً عنها لكنها لم تمنع دموعها من السقوط، لا تصدق أنها باتت زوجته، لقد تحقق الحلم!
الأحلام تتحقق، حتى وإن مرت أعوام عجاف، لكن في النهاية سيكون لنا نصيباً منها، ستُقَر أعيننا برؤيتها، وستغمر السعادة قلوبنا بعيشها، سنمضي بها وكأننا لم ننتظرها يوماً.
التفت إليها يوسف ثم أحتضن يدها الصغيرة مردداً:
إيه يا لي لي مش دا اللي كنا عايزينه، ليه العياط دا
ازداد نحيبها، فلم تجرأ على التحدث، ظل يهدئها بكلماته الحنونة لكنها لا تتوقف بل يزداد بكائها، حضرت السيدة ميمي وقامت بضمها وهي تردد:
في إيه بس يا حبيبتي؟
أضافت شهد التي كانت تملس على ضهرها بحنو:
بتعيطي ليه يا فقرية؟
جاء دور علي الذي أخذها من السيدة ميمي وقام بضمها لصدره وظل يردد بلطف:
أنا موجود يا لولو، ويوسف وكل اللي بتحبيهم موجودين، ليه العياط دا؟
أبعدها عنه ثم سحب منديلا ورقياً من الطاولة أمامه وقام بمسح عبراتها برفق وهتف:
خلاص بقى، اضحكي يلا
طبع علي قُبلة على جبينها وعاد مواصلاً:
ها؟
ظهرت إبتسامة لم تتعدى شفاها ثم نظرت حيث يقف يوسف متأثراً ببكائها، ابتسم لها ومازحها قائلاً:
لازم يعني أخوكي يبوسك عشان تضحكي؟!
لكزته لينة في كتفه بقوة فتأوة يوسف بألم، تدخل بلال ولكزه في ذراعه معاتباً إياه:
أنت ياض عديم الإحساس مش المفروض أنت اللي تبقى واقف جنبها وتحتويها؟
بلامبالاة قال يوسف:
أعمل إيه يعني؟
رمقه بلال بنظرات مستاءة وهتف بحنق:
وأنا برده اللي هقولك تعمل إيه يا بسكوتة؟
بادله يوسف نظرات احتقار ثم طالع جهة ما وأردف:
بدل ما تشغل نفسك معايا ركز مع اللي عيونها مترفعتش عنك دي..
نظر بلال حيث ينظر يوسف وتقابل مع نظرات إيمان لكنها سرعان ما هربت بنظريها بعيداً عنه، غمز إليه يوسف قبل أن يوليه ظهره ويذهب إلى فتاته فلم تعد فقط مشاكسته، وقف إلى جوارها واحتضن يدها ثم تسائل باهتمام:
بقيتي أحسن؟
حدجته لينة بنظرات مشتعلة ولم تجيبه، فهتف هو مستفسراً:
في ايه؟ إيه البصة دي؟
سحبت لينة يدها من بين قبضته وهتفت بجمود:
ولا حاجة..
انشغلت عنه في مصافحة صديقاتها، وكذلك انشغل يوسف في الترحيب بالمدعوين، توجه بلال إلى طاولة إيمان وعائلتها، مال السيد رمضان على أذن زوجته وهمس:
مش بتقولوا مسافر؟
استنكرت حديثه وهتفت بتهكم:
وهو اللي بيسافر مبيرجعش يا رمضان؟
لم يشعر أحدهم بقلبها التي يزداد عنفواناً كلما اقترب خطوة منهم، كان صدرها يعلو ويهبط بصورة مضطربة، فلم تكن مستعدة لتلك المواجهة.
رحب بلال بالجميع ثم جلس بجوارها وانتبه لحديث حماه الذي قال:
حمد لله على سلامتك يا بلال، رجعت امتى؟
قطب بلال جبينه بغرابة فأسرعت إيمان بتوضيح مقصد والدها حيث همست دون أن تلفت الأنظار إليها:
بابا عارف أنك كنت مسافر في شغل..
أماء بلال بتفهم وبإبتسامة رد على السيد رمضان:
الله يسلمك ياعمي يدوب لسه راجع النهاردة
عاد بنظره إليها فعيناه قد اشتاقت لرؤيتها كثيراً، حمحم وسألها باهتمام:
أخبارك إيه؟
"كويسة"_ أجابت باختصار ثم ساد الصمت لبرهة قبل أن تتسائل هي:
وأنت؟
بنفس لهجتها أجاب:
كويس..
لمحت إيمان طيف عائلة بلال فأردفت وهي تطالعهم:
باباك ومامتك وأخواتك وصلوا..
التفت بلال برأسه حيث كانوا، وأشار إليهم بيده فوقعت نظراتهم عليه، نهض لاستقبالهم مستأذناً من عائلة إيمان ثم ذهب إليهم.
وبعد أن هنئوا السيدة ميمي ويوسف على تلك المناسبة ذهبت شهيرة لكي ترحب بعائلة إيمان، تبادلوا الترحيب ثم جلست بجوارها ومالت عليها قبل أن تردف:
أنا شايفة مامتك ماشاء الله بقت كويسة أهي
لم تفهم إيمان ما ترمي إليه شهيرة فرددت قائلة:
أيوة الحمد لله
"أنا والله كنت بتصل عليكي على طول بس موبايلك كان مقفول دايماً فكنت بسأل عليكم بلال، مكنش بيقولك؟"
أردفتهم شهيرة فلم تفهم إيمان ما تعنيه، سايرت الأمور حيث استطاعت لكي لا تفسد ما خططه بلال حتماً اختلق علة لذهابها:
كان بيقولي أيوة..
أضافت شهيرة بخفوت:
البيت موحشكيش؟ دا بلال من يوم ما أنتِ مشيتي وهو مدخلوش، بينام عندي..
تفاجئت إيمان بما أخبرتها به شهيرة، صوبت بصرها تلقائياً نحو بلال، ثم انتبهت لحديث السيدة شهيرة حين قالت:
الست طلاما اتجوزت مينفعش تغيب عن بيتها كتير، أنا مقدرة ظرف مامتك بس برده يا حبيبتي بيتك وجوزك أولى باهتمامك..
طالعتها إيمان بحرج شديد قبل أن تعقب بتلعثم:
أكيد، إن شاء الله
استأذنت منها ثم نهضت وذهبت إلى بلال، الذي افترق عن أصدقائه وتوجه نحوها فتسائلت هي بجدية:
أنت قايل لمامتك إيه عن ماما؟
وضع بلال يديه في جيب بنطاله وأجاب:
قولتلها إنها تعبانة عشان كدا أنتِ روحتي تقعدي عندها
"ممم، طيب"
قالتها إيمان ثم وقفت تشاهد تفاصيل المكان، فكانت الأجواء تروق لها للغاية، على جانب آخر استطاع يوسف الوصول إليها في النهاية، أمسكها من ذراعها وهتف بضجر:
أنتِ منفضالي ليه كدا؟
ببرود قالت:
عادي..
ضاق بعينيه عليها وهتف متسائلاً:
يعني إيه عادي، وإيه الطريقة دي؟
زفرت بضيق قبل أن تردف:
شوف أنت كان المفروض تعمل إيه ومعملتوش!
جاب يوسف المكان من حوله لعله يتذكر ما كان يفترض عليه فعله ولم يأتي بشيئ فسألها بفضول:
إيه اللي كان المفروض أعمله؟
عقدت ذراعيها وهي تطالعه مستاءة:
دي حاجة مش بتتقال دي حاجة بتتحس..
كاد يوسف أن يدر على حديثها المبهم، لكنه تريث حينما وجه لهما منظم الحفل حديثه:
وأحلى رقصة سلو لأحلى عريس وعروسة
تعالت التصفيقات وصدحت صافرات عالية من بعض الشباب الحاضر، تحمست لينة لرقصتهما الأولى لكنها تفاجئت بيد يوسف تلوح بالرفض لذاك الشاب الذي دعاهم للرقص.
لم تستطيع الصمت وهدرت بحنق:
هو إيه اللي لأ؟ إحنا مش هنرقص؟
بتلقائية همس:
تؤ..
جحظت عينيها وهي تطالعه بذهول ورددت بضيق:
أومال إحنا عاملين كل دا ليه؟
التفت يوسف إليها بكامل جسده وبدأ يوضح لها وجهة نظره:
كل اللي اتعمل دا عشان أنتِ عايزة كدا، لكن متطلبيش مني أكتر من كدا أنا مش بتاع رقص ومش هسمح أنك تقفي تطنططي قدام الشباب!
"فين التنطيط دا دي رقصة سلو ومعاك أنت"
هتفت بنبرة متوسلة فعلل يوسف قائلاً:
يا حبيبتي ما أنتِ لما ترقصي معايا نظرات كل اللي قاعد هتكون علينا وأنا مش عايز حد يبصلك..
تأففت لينة عالياً:
أوف بجد أوفت
نهد يوسف وعاتبها بنبرة محتقنة:
مش دا اليوم اللي كنا مستنينه يا لينة؟ واضح إن أنا بس كنت مستنيه!
تفاجئت هي بكلماته وهدرت نافية ظنه:
لا طبعاً، إيه اللي بتقوله
دارققت من نبرتها وبدلال قالت:
بس أنا عايزة أفرح يا سوفي..
بهجوم صاح:
وهو الفرح مينفعش غير بالرقص قدام الرجالة؟
نكست لينة رأسها في حياء ولم تعقب، فكان لديه كل الحق، لكنها أيضاً تريد أن تشعر أنها عروس، تناقض شديد يهاجم عقلها فشعرت بالتشتت، أخذت نفساً ثم توجهت إلى كرسيها بهدوء وجلست أعلاه واكتفت بمباركة الجميع لها وأخذ الصور من قِبل صديقاتها.
انتهى الحفل بسلام، كانت أجواء هادئة نجح يوسف في إسعاد الجميع دون وضع يغضب ربه، لكن فتاته مازالت عابسة، ولم يرضيها أمره، وصلا إلى منطقتهم فأمسك بيدها عندما ترجت السيدة ميمي وطبع قُبلة عليها وقال:
استنيني متناميش..
أماءت بقبول ثم ترجلت من السيارة وصعدت حيث شقتهم، بينما ترجل يوسف من السيارة وتوجه حيث يصف بلال سيارته وصاح من الخلف:
مش ناوي ترجعها بقى؟
التفت إليه بلال، أخرج تنهيدة حارة وهتف بلوعة:
نفسي..
"وإيه اللي مانعك؟"
تسائل يوسف بفضول فأجاب بلال بتردد:
خايف ترفض
استنكر يوسف تفكيره المحدود وهدر به:
عمرها ما هترفض لو حست إنك فعلاً عايزها ومحتجاها، ومُصر إنها ترجع معاك، كل حاجة في أيديك بس أنت اللي غبي ومش بتحاول حتى!
"عندك حق"
بقلة حيلة قالها، ربت يوسف على ذراعه وحثه على الذهاب إليها:
طيب يلا روح لها ورجعها معاك، كفاية بُعد بقى
كلمات يوسف زادته حماساً وهتف بحيوية:
ماشي..
غمز إليه يوسف بمشاكسة بينما عاد بلال لسيارته وودع صديقه ببسمة عريضة، رسم العديد من المواقف في مخيلته لهما، كان قلبه يزداد عنفواناً وحيوية كلما تخيلها بين يديه يبدأن حياة جديدة لم يحظى كليهما بها.
بينما نظر يوسف إلى بنايتهم، وحدج غرفة لينة المضيئة ثم ظهرت إبتسامة على شفتيه فلقد بلغ نهاية الأمر وباتت زوجته ويحل له فعل ما تمناه طويلاً.
لم يعد يطيق الإنتظار وهرول بخطاه إلى الأعلى، وقف أمام غرفتها واستند بذراعيه على جانبي الباب ثم طرق بخفة ففتحت له بعد لحظات، تقوس ثغره ببسمة عذبة، شعر بمتعة الوصول حينها، كان يطالعها بعيون مشتاقة يشع منهما العشق، اقترب منها وحاوط خصرها بيديه ثم ركل الباب بقدمه فانغلق بسهولة.
***
صف بلال سيارته أسفل البناية، خرج منها وحدج طولها حتى وقعت عينيه على منزلها، أخذ نفساً عميق فكان متردداً للغاية في الصعود في مثل تلك الساعة المتأخرة.
استقل مقعده مرة أخرى لكنه ترك قدميه في الخارج، سحب هاتفه وأرسل إليها رسالة على الواتساب:
نايمة؟
ظهرت علامتين فتأكد من عدم غفوها بعد، مرت ثوانِ حتى تحول لونهما إلى الأزرق، خفق قلبه حينما رأها تراسله.
إيمان: لأ
بلال: أنا تحت البيت
إيمان: بيت مين؟
بلال: بيتكم
لم يأتيه رد للحظات، فظل يهز هاتفه بعدم صبر، بينما هرولت هي الشرفة لتتأكد من وجوده، عادت تراسله فتوقف عن الحركة في انتظار ما سترسله.
إيمان: بتعمل إيه هنا؟
بلال: رجلي جابتني عندك
إيمان: طيب أطلع
بلال: محروج عشان الوقت متأخر
إيمان: تعالى كلهم ناموا، هفتح لك الباب
بلال: ماشي
أعاد وضع هاتفه في جيبه ثم أغلق السيارة من خلال مفتاحها، صعد درجات السلم بتريث حتى وصلا إلى الطابق الكائنة به.
بادلته إبتسامة ورحبت به:
اتفضل
نحت جانباً فمر من جوارها، أسبقت هي بخطاها إلى غرفتها وتبعها هو للداخل، حدج الغرفة بتفحص ثم أبدى إعجابه بها:
أوضتك حلوة
بخجل قالت:
شكراً
كادت أن تبتعد عنه لكنه لحق بها وضمها إليه وبنبرة مشتاقة همس:
وحشتيني
ابتلعت ريقها وهي تطالع سودتاه اللامعة، كانت نبضاتها تتسارع بقوة، وأنفاسها تتعالى كل ثانية تمر، حمحم هو وأضاف:
فاكرة لما قولتيلي إني مش بحبك!
أماءت ثم أجبرت أذنيها على الإصغاء فتابع بلال:
كان عندك حق..
اتسعت حدقيتها وفغرت فاها بذهول فأسرع هو في توضيح قصده:
اكتشفت إني مش بس بحبك دا أنا بحبك أوي، ومقدرش أستغنى عنك والأيام اللي فاتت دي عرفت إني مقدرش أعيش لحظة من غيرك حتى لو حياتنا كلها نقار، المهم تبقي جنبي ومعايا..
ضمها أكثر لصدره وانحني برأسه ليكون قريب لمستوى طولها، لثم عنقها بقبلاته الرقيقة والتي قشعر جسدها إثره، تمسكت بقوة في ذراعيه فرفعها عن الأرض وتوجه بها نحو الفراش، مال بها برفق فهمست هي أمام شفتيه:
وأنا اتاكدت إني بحبك يا بلال..
وكأن تصريحها كان بمثابة دافع قوي لإنهيار حصونه، خارت قواه وطالبت غريزته بها بكل جوراحه.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم تسنيم المرشدي
شعرت بجدية الأمر حينما لمس طرف ثوبها بيده، فأسرعت في إيقافه من بين أنفاسها اللاهثة.
"بلال.."
بهمس قال: "نعم؟"
"مينفعش هنا."
قالتها بحرج، فتوقف عما يفعله، ورمقها لبرهة. فتوست هي من نظراته خشية أن يظن بها السوء، فأوضحت: "إحنا مش لوحدنا."
أومأ بتفهم قبل أن يردف أمرًا:
"طيب قومي البسي عشان نمشي."
بفضول سألت:
"هنروح فين؟"
أجابها وهو يجوب بأنظاره شفتيها الوردية:
"هنروح البيت."
عارضته إيمان معللة:
"بس هقولهم إيه لو سألوني مشيت ليه من غير ما أعرفهم؟"
هتف بلال بلامبالاة:
"هتقوليلهم بلال جه أخدني ومشينا، بس كدا."
أومأت بقبول، ثم هدرت بحياء:
"طيب عايزة أقوم."
حرك بلال رأسه بتفهم، ثم تنحى جانبًا، استلقى على الفراش مطالعًا سقف الغرفة، بينما شعرت إيمان بالحرج والتردد الشديدين في تبديل ثيابها أمامه، لكن ليس هناك حل آخر.
بدأت تخلع ثيابها بسرعة كبيرة، بينما استند بلال بمرفقيه على الفراش مستمتعًا بتلك المشاهدة الفريدة نوعها. استنكرت هي نظراته عليها وهتفت متسائلة:
"بتبصلي كدا ليه؟"
بنبرة ماكرة هتف:
"معجب."
أدارت له ظهرها سريعًا، ثم شكلت ابتسامة على ما قاله. انتهت من ارتداء الثياب الخاصة بالخروج، فنهض هو وأعاد ضبط ثيابه غير المهندمة واقترب منها، مد لها يده فلم تتردد في تخلل ثغرات يده بأناملها.
خرجا بهدوء لكي لا يتسببا في إيقاظ أحد. ترجلا من المنزل ومنه إلى السيارة. لم يترك بلال يدها ثانية، بل كان ممسكًا بها طوال الطريق، ويرفعها بقرب فمه يطبع عليها قُبلة حارة من آن لآخر.
***
دفعته بعيدًا عنها ثم أدارت له ظهرها، عقدت ذراعيها معلنة تمردها قبل أن تهتف بحنق:
"أنا أصلاً زعلانة منك ومش بكلمك."
جذبها يوسف وأدارها إليه متسائلاً بنبرة حنونة:
"ليه بس، أنا عملت إيه يزعلك مني؟"
أخفضت بصرها وشكلت الحزن على تقاسيمها وأجابته بنبرة ناعمة:
"أي اتنين بيكتبوا كتابهم بيكون في حضن بعدها، وأنت معملتش كدا كأنك مكنتش مبسوط!"
فغر يوسف فاهه بصدمة وردد آخر ما قالته مستاءً:
"أنا مكنتش مبسوط يا لينة؟"
لم تستطع مواجهته، فأجابته ولا تزال منكسة الرأس:
"دا اللي حسيته وقتها."
أخذ نفسًا عميقًا لكي يتسع صدره ويفهمها لماذا لم يفعل ذلك، بنبرة رقيقة وهو يحرك إصبعه على وجنتها بحركات دائرية:
"أنا مش بعرف أعمل كدا قدام حد، وبعدين دي لحظات خاصة ليه أعملها قدام الناس؟"
وضع إصبعه على ذقنها ثم رفع وجهها، فتبادلا النظرات وتابع بصوته الهادئ الرخيم:
"اللي بتشوفيه على السوشيال دا كله شو، لأن دي مشاعر خاصة جدًا متنفعش تطلع قصاد أي حد. واللي بيعمل كدا مشاعره مش بتكون حقيقية، بتكون مصطنعة عشان بس ياخد اللقطة. لكن أنا لما أكون عايز أعيش لحظة زي دي مع اللي بحبها هعيشها بيني وبينها بس، عشان أطلع كل مشاعري من غير ما أعمل حدود لعيون الناس اللي باصة عليا. فهمتي يا لي لي؟"
كان ينجح دومًا في إقناعها، وبطريقة استراتيجية يمتلكها هو. وما كان منها إلا أن أومأت بتفهم ورضاء. بينما تراجع يوسف وجاب الغرفة بعينيه ثم هتف متسائلاً:
"موبايلك فين؟"
ناولته إياه وسألته بفضول:
"هتعمل ايه؟"
لم يجيبها، بل حادثها بأمر:
"هاتي الهاند فري بتاعك."
جلبت له ما يريد ووقفت تنتظر ما سيفعله. انتهى يوسف مما يفعله، ثم وضع إحدى السماعتين في أذنه والأخرى في أذنها وأعاد وضع الهاتف في جيبه. أحاط خصرها بيديه فاستفزت هي ما يفعله الآن. رفعت ذراعيها وحاوطت عنقه بهما، فما كان منه إلا أن ضمها حتى باتت ملاصقة لصدره وبدأ يرقصان على تلك الأغنية التي أحضرها يوسف.
كانت أعينهما تكشف عن مشاعرهما، الكثير من الكلمات يرددونها في عقلهما وكأن الطرف الآخر يصغي إليها. كان كل منهما يشعر بنبضات الآخر لشدة تقاربهما. انتهت الأغنية ثم بدأ يوسف حديثه وهو يسبل في عينيها:
"نفسي في حاجتين أوي."
خرج سؤالها بخفوت أمام شفتيه وهي تطالع عينيه:
"ايه هما؟"
"شعرك، أشوفه تاني."
تفاجئت لينة بطلبه وبحرج يشوبه الحماس أردفت سؤالها:
"تاني! أنت شوفته قبل كدا؟"
أومأ برأسه مؤكدًا وقال بلوعة حب:
"مرة مكنتش مقصودة، ومش قادر أنساه من يومها!"
خفق قلبها بقوة، ثم تراجعت للخلف وبدأت تحرر قيد حجابها. اقترب منها يوسف وتولى مهمة تحرير خصلاتها من تلك العقدة الخلفية، ثم بدأ يتخللها بأنامله موزعًا خصلاته على جانبي رأسها حتى باتت مثلما رآها سابقًا.
شكل ابتسامة عذبة على محياه وردد بنبرته المتيمة:
"قُل للتي بلغَ النصاب جَمَالها، إنَّ الزكاةَ عنِ الجمالِ تَبَسُّمُ، أدي إليَّ زكاةَ حُسنكِ واعلمي أن الأداءَ إلى سِوايَّ محَرّمُ."
عضت لينة على شفتيها بخجل، ناهيك عن تلك السعادة التي أسرت قلبها، فلقد قال لها قصيدة عن جمالها. تذكرت أنه قال يريد فعل شيئين، فتساءلت مستفسرة:
"طيب والحاجة التانية؟"
"نفسي أعمل كدا."
بتلقائية عابثة أردفها وهو يضمها داخل صدره، تشبثت بظهرها بقوة كما لو أنها ستهرب منه. آه وألف آه على ذاك العناق. تساءل كيف استطاع العيش بدونه؟ كيف مر العمر ولم يحظى بذلك من قبل؟
بينما هي استكانت بين أضلعه، فلم يعد هناك المزيد من الأحلام التي تنتظر تحقيقها، لقد تحققت جميعها. الآن فقط تشعر بالطمأنينة الكلية. هدأت نبضات قلبها وتوقف عقلها عن التفكير، فقط راحة دون غيرها تسكن جوفها الآن.
انتبهت على صوته الهامس وهو مستند على كتفها:
"أنا إزاي كنت عايش كدا من غير حضنك؟"
تشبثت لينة في معطفه بقوة ورددت بخفوت:
"خلاص مش عايزة حاجة تاني يا يوسف، أنا مطمنة أوي في حضنك. كنت فاكرة إني عارفة يعني إيه أمان، مكنتش أعرف إني لسه موصلتلوش!"
أبعدها يوسف عنه قليلاً ثم أزاح خصلاتها المموجة عن وجهها، فلقد فاض الكيل يريد تجربة المزيد معها، حتمًا هناك الكثير من المشاعر ليكتشفها بعد.
تحسس شفتيها بإبهامه ثم انحنى بقربهم ليحظى بالمزيد من الحب، لكنه تفاجأ بها تتراجع قبل أن يصل إليها. قطب جبينه بغرابة وتمتم متسائلاً:
"في حاجة يا لينة؟"
أخفضت بصرها بحياء شديد انعكس على وجنتيها فتلونت بالحمرة. نظر إلى أصابعها التي تفركهم بارتباك واضح فلم يطل الأمر، ربما عليه الانتظار بعد. اقترب بخطاه منها وردد بعذوبة:
"مش هعمل حاجة أنتِ مش جاهزة ليها، متخافيش."
ابتلعت ريقها ولم تواجه. فأراد يوسف أن ينسيها الأمر فقال مازحًا:
"أنا نسيت أقولك حاجة مهمة جدًا."
رفعت بصرها عليه متسائلة بغرابة:
"ايه؟"
شكل ابتسامة جذابة وانحنى بقرب أذنها ثم همس:
"بحبك."
كان تصريحه الأول لها، فلم تمنع ابتسامتها التي تشكلت تلقائيًا وهتفت بعذوبة وخجل:
"وأنا كمان بحبك."
أعاد يوسف وضع خصلة شاردة خلف أذنها قبل أن يردف:
"تصبحين على خير يا حبيبي."
"وأنت من أهله."
ردت بخفوت، فلم يخرج هو قبل أخذ قبلة حتى وإن كانت بريئة، وبخفة لم تلاحظها لينة قبل وجنتها ثم هرب من أمامها. وقبل أن يغلق بابها غمز إليها وأرسل إليها قبلة أخرى في الهواء ثم أوصد الباب.
فتقوس ثغرها الوردي ببسمة خجولة. تحسست وجنتها أثر قبلته. اتسعت ابتسامتها لكنها سرعان ما أخفتها معاتبة قلة حيائها. توجهت نحو الفراش واستلقت أعلاه ثم ضمت ذراعيها أعلى صدرها وأوصدت عينيها شاعرة بعناقه لها مرة أخرى.
ثم تساءلت في عقلها، كيف ينام المرء ليلة تحقيق أحلامه؟
في الخارج،
"بتعمل إيه يا شقي؟"
صدح صوته من خلف يوسف الذي استدار إليه وبحرج قال:
"عايز إيه يالا."
غمز إليه زياد بمشاكسة وصاح:
"مبروك يا سيدي."
بجدية تساءل يوسف:
"أنت كنت فين لغاية دلوقتي؟"
اتسعت حدقتي زياد وهلل بتمرد:
"لأ إحنا جوزناك عشان تحل عني."
لوى يوسف أذن شقيقه وهدر بتوعد:
"دا بعينك."
استقام زياد في وقفته ثم قال:
"سيبني اتصرمح شوية قبل ما ألبس في الجيش."
تفاجأ يوسف بكلماته وردد بعدم تصديق:
"جيش!"
أومأ زياد مؤكدًا وهدر:
"آه ما نويت أقدم. وكدا."
دقّت طبول السعادة قلب يوسف، لكز أخيه في صدره بخفة وأردف:
"أخيرًا عقلت."
غمز إليه زياد وبمكر قال:
"لأ دا أنا قولت أفضي لك الجو عشان تاخد راحتك بدل شغل الحرامية دا."
انفجر يوسف ضاحكًا ثم أحاط كتفيه بذراعه جاذبًا إياه إليه في لحظة أخوية حميمية. دلف كليهما غرفتهما ولم يكفا عن المزاح حتى تغلب عليهما النوم.
***
أغلق الباب بهدوء، وأسرع خطاه نحو تلك الهاربة. التقطها بين يديه فصرخت بذعر، لكن سرعان ما وضعت يدها كاتمة صرختها. قابلها الآخر ببسمة ماكرة ثم توجه بها إلى غرفتهما.
يريد بدء حياة جديدة كزوج وزوجة. وضعها على الفراش ثم قبلها بنهم ورغبة شديدان. كانت تبادله مشاعره تارة وتارة أخرى تشعر بالخجل فتتوقف. حتى تجرد كليهما من جميع ذكرياتهما المتوترة والمشحونة وباتا روحًا واحدة.
صباحًا، تململت إيمان في الفراش بتعب وبكسل يطغى عليها. فتحت عينيها، فتفاجئت بسودتاه ينظران إليها. اجتاحها الخجل وسرعان ما أخفت وجهها بالغطاء. فهتف الآخر مستنكرًا تصرفها:
"بجد والله؟"
انسدل أسفل الغطاء ليصل إليها، فحاولت الفرار منه لكنه أحكم قبضته على يديها فقيد حركتها. أسبل في عينيها وقال:
"ما خلاص معتش ينفع هروب."
عضت على شفتيها بحياء وهتفت بنبرة سريعة:
"بس بقى يا بلال."
كان يزداد ضحكه كلما رأى خجلها ولا يتوقف عن فعل سخافات تزيد من خجلها. ظلا يتسامران تارة وتارة أخرى يصدر بلال بعض الحماقات فتهتف إيمان معاتبة.
***
"ما توقفي بقى أنا دوخت."
هتف بهم السيد سمير مستاءً من سيرها يمينًا ويسارًا دون توقف. بينما صاحت الأخرى بعصبية وخوف:
"بقولك بلال مرجعش من امبارح وموبايله مقفول!"
حرك رأسه مستنكرًا توجسها المبالغ وأردف بسخرية:
"هو ابنك لسه صغير عشان تقلقي عليه، وبعدين ما تلاقيه نايم فوق في بيته."
تأففت بضجر بائن وصاحت من بين أسنانها بعصبية وحنق:
"دي من ساعة ما مشت وهو نايم هنا، الله يعكنن عليها زي ما هي معكننة على الولا."
تفاجأ السيد سمير بدعائها وعارضها بهجوم:
"في إيه يا شهيرة وهي تعمل إيه يعني، مش قالك أمها تعبانة وهي البنت الوحيدة، يعني طبيعي تقف جنب والدتها لغاية ما تبقى كويسة."
لم تصمت وهاجمته بعصبية:
"ما أنا شوفت أمها امبارح كويسة ومش تعبانة، ولنفترض أنها بقت كويسة مرجعتش معاه بليل ليه، دا أنا شيفاه وهو بيوصلهم كلهم، دي بس تلاكيك عشان تسيب بيتها وتعكنن لي على الولا."
قلب سمير عينيه بتهكم وصاح عاليًا:
"تلاكيك ولا مش تلاكيك، ملناش دعوة مش ابنك موافق؟"
جلست شهيرة على أقرب أريكة قابلتها وهدرت بحزن على ولدها:
"موافق إيه بس أنت مش شايف شكله الأسبوع اللي قضاه هنا؟ والله البت دي عاملة فيه حاجة، وأنا مش هسكت على اللي بيحصل دا."
تدخل سمير بنبرة ذكورية حادة ناهيًا الأمر بقوله:
"أوعى تدخلي يا شهيرة، طول ما ابنك مشاركش حد في أموره يبقى ملناش دعوة، فاهمة ولا مش فاهمة؟"
نفخت بصوت مسموع قبل أن تهدر معنفة:
"يختاي منك، قاعد وعلى قلبك مراوح، معرفش عاملها إزاي دي."
نهضت عن أريكتها ورددت بحسم:
"بس أنا برده قلقانة، هطلع أشوفه فوق ولا لأ."
باستنكار شديد هتف سمير:
"اطلعي اطلعي ولو كان فوق تقلقيه عشان شوية كلام فارغ."
حدقته شهيرة بغيظ عارم ثم أتت بفكرة ما ورددتها بنفاذ صبر:
"هاخد معايا المفتاح وأدخل براحة، أطمن بس هو موجود ولا لأ وأنزل على طول."
لم يعقب السيد سمير، فمهما قال لن يجدي نفعًا. في النهاية هي أم ولن تتراجع قبل أن تطمئن قلبها برؤيته. في الجهة المقابلة أخذت شهيرة المفتاح الخاص بشقة بلال وصعدت سريعًا.
***
وقف أمام الفراش ثم قام بسحب قدميها ناحيته حتى بات هو واقفًا بين قدميها وأرغمها على الجلوس فصاحت إيمان متسائلة:
"أنت بتعمل فيا كده ليه بجد؟"
أمسك بذراعيها ليساعدها على النهوض ثم أجاب:
"هو أنا لسه عملت حاجة، وبعدين أنا جعان، يلا عشان نفطر."
تلاعبت في خصلاتها حتى وضعت كم كبير منهم على جانبها الأيمن فبات شكلها جذاب. بحثت بأعينها على شيء ما في الغرفة وقالت:
"الروب بتاعي فين؟"
تدخل بقوله:
"مفيش روب ولا غيره يلا قدامي."
رفضت أن تخرج فقط بهذا القميص الرقيق هاتفة بإصرار:
"لأ ثواني، هدور عليه الأول."
قطع بلال عليها سبل البحث عنه بحملها بين يديه:
"لما أقول يلا يبقى يلا."
عضت على شفتيها السفلى وأردفت بنبرة ناعمة:
"وأنا كل ما هعارضك في حاجة هتشيلني كده؟"
أومأ بالإيجاب فاستكانت هي بين يديه براحة ثم قالت:
"تمام وأنا مرتاحة كده."
ظهرت عليها ابتسامة عريضة قبل أن يسير بلال متوجهًا للخارج. وبينما كان يمازحها ويطلقان ضحكاتهما تفاجأ بلال بوجود والدته في الممر نفسه الذي يقف به.
نظرت إيمان حيث نقطة سقوط نظري بلال وخفق قلبها خجلًا فور رؤيتها للسيدة شهيرة. تململت سريعًا حتى أنزلها بلال بهدوء، وظلا ثلاثتهم يتطلعون في بعضهما البعض بذهول شديد دون تعقيب.
إلى أن تحدثت شهيرة بتلعثم وحرج شديد:
"أنا كنت، قلقت عليك لما مجتش نمت و.."
أخفضت بصرها في حياء لاعنة تسرعها في الصعود وعدم سماعها لزوجها ثم واصلت:
"معرفش إن إيمان جت.. عن إذنكم."
أدارت لهما ظهرها سريعًا وتوجهت للخارج، لكنها توقفت عند طاولة السفرة وتعمدت ترك المفتاح الخاص بشقتها عليه، ومن ثم اختفت خلف باب الشقة، ولا يزال الآخران يقفان ينظرون أمامهما بذهول.
حتى تحركت إيمان وعادت إلى غرفتها. جلست على طرف الفراش ووضعت كلتي يديها أمام وجهها، فلقد تملك منها الخجل. ولج بلال خلفها وجلس بجوارها أولاً وقال:
"مالك؟"
رمقته بطرف عينيها وهتفت مستاءة من سؤاله الساذج:
"مالي؟ الموقف وحش جدًا، أنا مش عارفة إزاي كنت واقفة قدامها كده؟!"
ظلت تحرك رأسها باستنكار شديد، بينما هتف بلال مازحًا:
"اعتبريها كانت بتبارك لنا."
أعادت إيمان نظراتها عليه بغيظ لعدم مبالاته، فهتف وهو يحيط ظهرها بذراعه:
"هو موقف بايخ، بس هنعمل إيه يعني، فكك وانسي بقى."
قرع رنين الجرس فور انتهائه من الحديث، فنهض هو وقال:
"خليكي هنا هفتح أنا."
توجه نحو خزانته والتقط تيشيرت، قام بارتدائه سريعًا وخرج من الغرفة لكي يفتح الباب. المفاجأة أنها كانت السيدة هادية من تقف أمامه.
ابتلع بلال ريقه ثم رسم بسمة على شفتيه ورحب بها:
"أهلًا بحضرتك اتفضلي."
بادلته الابتسامة وقالت وهي تولج بخطاها:
"أنا قلقت لما صحيت ملقتش إيمان في أوضتها وكمان موبايلها مقفول، قولت أجي أطمن بنفسي مقدرتش استنى."
أراد بلال محو الحرج عنها وأردف بلطف:
"ولا يهمك، معلش بقى أنا جيت خدتها بليل، كفاية غياب عن البيت لغاية كدا."
"ربنا يصلح حالكم يابني."
دعت لهما بحب خالص، ثم تساءلت وعينيها تجوب المكان من حولها:
"أومال هي فين؟"
بتلقائية أجاب:
"في الأوضة."
كاد أن يخبرها أنه سوف يعطيها خبرًا بوجودها، لكنه تفاجأ بحديثها:
"طيب أنا هدخل لها."
ألقت جملتها ثم توجهت مباشرة ناحية الغرفة. اتسعت عيناي بلال بصدمة، ولم يستطع فعل أي شيء. على ما يبدو أن القدر له رأي آخر في فضحهما اليوم.
لم يكن هناك مجالًا للاستئذان، فكان باب الغرفة مفتوحًا. همت هادية بالدخول فتساءلت إيمان ظنًا أنه بلال:
"مين جه؟"
صمتت حينما رفعت بصرها ورأت والدتها من تقف أمامها وليس بلال كما ظنت. شعرت بالرعب لوهلة فلم تتوقع رؤيتها هي. نهضت عن الفراش ورددت بارتباك حرج:
"ماما."
حدقته هادية بحرج شديد، فالوضع كان يبدو غير عادي، وشعرت بالندم لحضورها. بينما ظلت الأخرى تفرك قدميها في بعضها من فرط خجلها لوقوفها أمام والدتها بتلك الثياب الرقيقة.
ابتلعت هادية ريقها وحاولت عدم النظر لأي جانب غير وجه ابنتها وهتفت بأنفاس عالية:
"أنا قلقت لما ملقتكيش ورنيت عليكي موبايلك كان مقفول، فكرت حصل حاجة وجت أطمن."
صمتت فلم تعقب إيمان، لم يكن لديها من الكلمات لتردفها. بينما تابعت والدتها:
"أنتِ كويسة صح؟"
أومأت إيمان عدة إيماءات ورددت بخفوت:
"كويسة."
"طيب أنا همشي."
قالتها ثم انصرفت سريعًا وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها. لم تكن إيمان في موقف أفضل منها، بل كانت في حالة لا يرثى لها، لقد فُضحت أمام الجميع. اليوم لم يكن في صالحها قط بل أنهاها.
عاد بلال إلى الغرفة بعدما ذهبت السيدة هادية، وما أن رأته إيمان حتى جهشت باكية لشدة خجلها. اقترب منها بلال وضمها لصدره ثم هتف لينفي عنه أي اتهام:
"والله أنا لسه بقولها إيمان في الأوضة، وهقولها إنك هنا لقيتها دخلت طبعًا معرفتش أوقفها."
ازداد نحيبها وتمتمت بنبرة غير مفهومة:
"أنا بجد مخنوقة أوي، إزاي يشوفوني وأنا كدا، أنا مش هقدر أبص في وش حد فيهم تاني."
ربت بلال على ظهرها بحنان وحاول تهوين الأمر:
"هي مواقف رخمة بس في الآخر يعني هما شافوكي مع مين ما أنتِ كنتي مع جوزك."
رفعت بصرها لتطالع عينيه وهمست بحياء وندم:
"دول شافوني بقميص نوم يا بلال!"
مازحها هو بقوله:
"يعني أنا اللي كنت واقف بعباية، ما أنا كنت واقف بشورت!"
انفجرت إيمان ضاحكة فشاركها بلال الضحك. مسحت عبراتها بأناملها ورددت بعدم تصديق:
"إحنا اتفضحنا يا بلال."
واصل مزاحه بنبرة مرحة:
"ياستي فضيحة من العيلة أحسن من فضيحة برا."
رمقته بنظرات متعجبة من عدم لامبالاته وهتفت معاتبة:
"أنت إزاي قادر تضحك وتهزر؟"
بتلقائية هدر بلال:
"مش أحسن ما أقعد أعيط."
أخرج تنهيدة ثم قال وهو يتحسس بطنه:
"أنا واقع من الجوع، يلا تعالي."
كاد أن يسيران للخارج إلا أنه توقف وقال:
"البسي الروب يا إيمان بدل ما نخرج نلاقي أبويا برا."
لم تستطع منع قهقهتها التي دوت في الغرفة، بينما خرج هو ليعيد تشغيل هاتفه الذي تسبب غلقه في حدوث العديد من الحماقة اليوم.
***
خرج من غرفته فوقعت دندنتها على مسامعه. توجه حيث يأتي الصوت، فوجد نفسه في المطبخ. تقف كلتاهن تحضرن الفطور. حمحم ليجذب انتباههن وهتف:
"صباح الخير."
رددن عليه في آن واحد:
"صباح الخير يا حبيبي."
تبادلن النظرات فكلتاهن نطقت نفس الكلمة. انفجرا ثلاثتهم ضاحكين بينما اعتذرت لينة بحرج:
"سوري."
تولت السيدة ميمي الرد مازحة:
"ولا يهمك خدوا راحتكم."
أرسلت إليها لينة قُبلة في الهواء فاستقبلتها ميمي برحب. بينما اقترب يوسف من والدته أولاً وطبع قُبلة على جبينها ثم توجه إلى تلك الواقفة وقبلها من وجنتها. اتسعت حدقتي لينة بصدمة فكان تصرفه مفاجئًا ولم تتوقع منه ذلك.
رمقته بنظرات مشتعلة بينما أظهر هو أسنانه حينما ابتسم. فتدخلت والدته معاتبة:
"متأخدش راحتك أوي كدا واعمل اعتبار إن أمك واقفة."
تعمد يوسف وضع يده على خصر لينة ورد على والدته بتعالٍ:
"الله مش بقت مراتي، أعمل اللي أنا عايزه وقدام أي حد."
لكزته لينة في يده فسحبها عنها سريعًا بينما طالعته ميمي بعدم تصديق. فلم يكن يومًا جريئًا هكذا. تنهدت وصاحت بكلماتها:
"أنت من امتى وأنت قليل الأدب كدا؟ وأنا اللي بقول مخلفتش حد في أدب يوسف."
"عشان تعرفي بس إن مفيش حد مؤدب."
هتف بهم زياد وهو يدلف بخطاه المطبخ. وجه أنظاره على أخيه واسترسل مواصلًا:
"بس فيه واحد بيعرف يداري وواحد مبيعرفش."
عاد بنظريه إلى والدته وتابع:
"واللي بيداري دا هو اللي تخافي منه."
غمز إليها فصاحت هي:
"والله شكلي أنا اللي طلعت مؤدبة وسطكم."
قهقه الجميع ثم أخذ يوسف وزياد يخرجان الفطور حتى انتهوا من وضع جميعهم على المائدة. جلسوا ليتناولون الطعام في أجواء فكاهية بينهم.
كان يوسف يحاول من آن لآخر الاتصال بصديقه لكنه يجد الهاتف مغلقًا. فنفخ بضيق وصاح:
"دا قافل الموبايل ليه دا؟"
تساءلت لينة بفضول أنثوي:
"مين دا؟"
أجابها مختصراً:
"بلال."
قرع جرس الباب فهمت السيدة ميمي فتحه، وإذا بالسيدة هادية من جاءت. استقبلتها ميمي بترحيب حافل:
"إيه الزيارات الحلوة دي يا ولاد."
تبادلا العناق والقُبل ثم دعتها ميمي للداخل. رحب الآخرون قبل أن توضح هادية سبب مجيئها:
"أنا كنت هنا عند إيمان وقولت أجي أسلم عليكم."
"فيكي الخير يا هادية، تنوري في أي وقت."
هتفت ميمي ثم تساءلت بقلق:
"بس إيمان مالها؟"
أوضحت هادية حقيقة الأمر:
"لأ كويسة الحمد لله، بس هي كانت عندي، وصحيت من النوم ملقيتهاش وموبايلها مقفول فقلقت، مقدرتش أقعد قبل ما أطمن عليها فجيت هنا أشوفها."
أومأت ميمي بتفهم بينما صاح يوسف بابتسامة ماكرة:
"دلوقتي عرفت هو قافل الموبايل ليه."
وقعت همساته على آذان لينة وبالطبع لن تمرق الأمر دون السؤال حول معرفته بغلق بلال لهاتفه:
"عرفت إيه؟"
ببرودٍ قال:
"لما تكبري هقولك."
رمقته لينة بنظرات مشتعلة وكادت أن تصر على معرفة الأمور إلا أن رنين هاتفه قد منعها. نهض يوسف مستأذنًا منهم وولج شرفة المنزل. لمح طيف لينة تأتي خلفه فأسرع في غلق الباب. صعقت هي من فعلته وحاولت مرارًا دفعه لكي يُفتح لكنه قاوم جاهدًا حتى لا تنجح في الدخول. أجاب صديقه وهلل عاليًا وهو لازال يقف خلف الباب:
"صباحية مباركة يا عريس."
جاءه هتاف بلال متسائلاً:
"هو أنا كنت طالع لايف ولا إيه؟"
انفجر يوسف ضاحكًا وأجابه:
"عرفت من حماتك."
فغر بلال فاهه وهتف بذهول:
"قالت إيه؟"
"دي قالت كل حاجة."
أردافهم يوسف مازحًا إياه، فما كان من بلال إلا أنه يصيح مثل النساء:
"يا فضيحتك يا بلال، دي مبقتش صباحية دي فضيحة بجلاجل."
انفجر كليهما ضاحكين ثم تراجع يوسف عن كذبه:
"لأ لأ بهزر، مقالتش حاجة، هي قالت إنها ملقتش إيمان في البيت وموبايلها مقفول فجت تطمن عليها، وبما إن موبايلك أنت كمان مقفول فخمنت يعني."
أخفض بلال من نبرته حتى لا تقع على مسامع إيمان وقال:
"ربنا يعدي اليوم دا على خير."
"ممم يعني أنت مش نازل الشغل النهارده؟"
هتف يوسف متسائلاً، فرد بلال بصوت متحشرج:
"لأ، دا أنا لو عرفت أخد الأسبوع كله مش هتأخر."
لم يعد يستطيع يوسف مقاومة دفعها الذي يزداد، فأنهى المكالمة بقوله:
"طيب بقولك إيه، هكلمك تاني."
تراجع للخلف فاقتحمت لينة الشرفة وكادت أن تقع إلا أنه لحق بها وصاح بغيظ:
"في إيه؟"
هاجمته بحنق:
"أنت مش راضي تدخلني ليه؟"
رسم يوسف على تقاسيمه البرود قبل أن يردف:
"بنقول كلام كبار ملكيش فيه."
وضعت لينة يديها في منتصف خصرها، فلم يعجبها رده وهللت بتجهم:
"إيه كلام كبار اللي أنت ماسكهالي دي؟ شايفني عيلة قدامك!"
اقترب منها يوسف وأحاط خصرها بيمناه ثم وضع يده الأخرى في جيبه، ومال على أذنها هامسًا:
"آه عيلة، لما بقرب منها بتخاف وتكش."
قابلته بأعين جاحظة غير مصدقة ما سمعته، وعارضته بهجوم:
"أنا مش بخاف ولا بكش."
"تيجي نجرب، ونشوف هتقلبي قطة ولا لأ؟"
صاح يوسف فلم تفهم ما يعنيه. تفاجئت به يقترب منها للغاية فدفعته بعيدًا عنها مرددة:
"إيه اللي بتعمله دا؟"
رفع حاجبه الأيسر وهتف ساخرًا:
"مش بقولك بتقلبي قطة."
سار بجوارها وهو يردد باستهزاء:
"مياو مياو."
لكزته في ذراعه بقوة فآه هو بألم ثم تصنع أنه سيعيد لها ضربتها فخشيت منه وصرخت عاليًا. تفاجأ يوسف من صراخها وأسرع في وضع يده على فمها مجبرًا إياها على الصمت معللًا:
"اسكتي يابت."
أطلق يوسف أنات موجوعة حينما عضت يده بأسنانها. هرولت مسرعة إلى الخارج تحت نظراته عليها، فلم يتبعها بسبب ذاك الألم التي تسببت به. ظل يلوح بيده لعله يخفف من آلامها ثم خرج من الشرفة متوعدًا لتلك المشاغبة.
***
"أنتِ مش ناوية تتكلمي، طب لقتيه فوق ولا لأ؟"
تساءل السيد سمير حول حالتها التي باتت عليها منذ ترجلها من الأعلى. فهتفت هي وهي تبتعد عنه:
"سيبني في حالي يا سمير دلوقتي."
دلفت غرفتها وتركته جالسًا بمفرده. بينما جذب هاتفه وقام بالاتصال على بلال الذي أجاب على الفور وألقى عليه التحية:
"صباح الخير يا بابا."
"صباح النور، مش ناوي تنزل الشغل ولا إيه، الوقت اتأخر؟"
هتف بجدية فحمحم بلال ورد بنبرة متعبة:
"آه شكلي فعلاً مش هنزل، حاسس بتعب ومش قادر."
كتمت إيمان ضحكها حتى لا يكشف أمره. بينما تفهم سمير الأمر وتساءل باهتمام:
"تعالى لما نروح لدكتور بدل ما تتعب أكتر."
أسرع بلال في رفض اقتراح أبيه:
"لأ لأ مش مستاهلة أنا هاخد العلاج وهبقى كويس."
بودٍ قال:
"مش عايز حاجة أجبهالك؟"
شكره بلال ممتنًا:
"لأ شكراً."
كاد أن ينهي الاتصال إلا أن سمير صاح بسؤاله:
"صحيح هي أمك مالها؟ من وقت ما نزلت من عندك وهي مبتتكلمش ليه؟"
تصنع بلال عدم معرفته بالأمر وقال:
"مش عارف."
لم يماطل السيد سمير ونهى المكالمة. بينما تساءلت إيمان مستفسرة:
"أنت قلت ليه إنك تعبان؟"
اعتدل بلال في جلسته حيث يكون مقابلها وأجابها بسلاسة:
"عشان أبويا معندوش اجازات غير يوم الجمعة وبس، بيعمل استثناء للي بيتعب غير كده لو اتشقلبت مش هيوافق."
تصعنت إيمان الحزن وبدلال همست:
"إيه دا يعني أنت مش هتقعد معايا غير النهارده؟"
زمّت شفتيها بحزن وتركته ونهضت مبتعدة عنه، فظهرت على شفتيها ابتسامة ماكرة في انتظار ما سيفعله. وكما ظنت تمامًا، في ثوانٍ قد حلقت قدميها في الهواء فتشبثت في عنقه سريعًا لكي توازن جسدها بين يديه.
أسبل هو في عينيها وأردف متصنعًا التعب:
"أنا تعبان الأسبوع كله."
أطلقت إيمان ضحكة مائعة، وكانت هذه المرة الأولى لسماع ضحكتها تلك، فعاد متابعًا لاسترساله:
"ربما يكون أسبوعين لربما ثلاثة أو ربما أربعة."
ازدادت قهقتها فتوجه به مباشرة إلى غرفتهما فتساءلت إيمان بعفوية:
"أنت رايح على فين؟"
أجابها وهو يضعها على الشازلونج:
"هو تعبي دا ملوش تمن؟"
حركت رأسها بعدم استيعاب، لكنها سرعان ما استشفت ما يرمي إليه. وإلى هنا هنا أعزائي القراء تنتهي فقرتنا نسيب الناس في حالها.
***
بعد مدة، كان يجلس مستندًا على جدار الفراش يداعب خصلاتها ثم اقترح شيئًا:
"إيه رأيك نعزم يوسف ولينة على العشا النهارده؟"
رفعت نظريها عليه وقالت بخفوت:
"بس أنا مش هقدر أجهز أكل ولا حلو، معتش وقت."
حادثها بنبرته الرخيمة:
"مش هخليكي تعملي حاجة، هنطلب كله جاهز."
اتسعت شفتيها مشكلة ابتسامة وهتفت بقبول:
"إذا كان كده ماشي."
داعب بلال أنفها وهو يردد:
"دا أنتِ في الأنتخة ملكيش حل، بدل ما تقولي وفر فلوسك يا جوزي، تقولي إذا كان كده ماشي!"
رمقها بلال شزرًا ثم قال:
"ناوليني موبايلي اللي جنبك."
سحبته من فوق الكومود وأعطته له، فقام هو ببعض الاتصالات التي قام فيها بطلب الأكلات الشهية وأيضًا الحلوى اللذيذة، ثم هاتف يوسف ودعاه للعشاء فلم يمانع الآخر.
مساءًا، ارتدت لينة فستانًا رقيقًا ذو لون أسود عليه بعض النقاشات الإسلامية، واقتنت حجابًا سماويًا يتماشى مع لون النقوش. بينما ارتدي يوسف تيشيرت باللون الأحمر وبنطال أبيض.
سارا متشابكين الأيدي. كانت لينة تنظر إلى أيديهم من آن لآخر ثم هتفت بسعادة:
"دي أول مرة نمشي في الشارع وإحنا ماسكين إيد بعض."
التفت يوسف برأسه ناظرًا إليها وصاح مستاءً:
"أنا شايفك بتهتمي بحاجات كدا عادية والحاجات المهمة مش بتهتمي بيها."
قطبت جبينها وتساءلت بغرابة من حديثه المبهم:
"حاجات إيه اللي مش مهتمة بيها؟"
غمز إليها وأجاب بخبث:
"حاجات."
توقفت عن السير وبفضول شديد قالت:
"حاجات إيه مش فاهمة حاجة؟"
تابع يوسف سيره فأرغمها على السير وهو يجيبها:
"لما نروح هقولك."
صعدا كليهما درجات السلم حتى وصلا إلى الطابق الكائن به شقة بلال. وضع يوسف إصبعه على الجرس ولم يتوقف عن الرنين فصاحت لينة معاتبة:
"بس يا يوسف فيه حد يعمل كده."
لم يكترث لها وتابع ما يفعله، فتح له بلال فلم يتوقف يوسف عن الرنين أيضًا. دفعه بلال بقوة وصاح بحنق مصطنع:
"يا أخي بس بقى، أبو رخامتك دي."
حدقه يوسف بنظرات احتقارية وتمتم بتهكم:
"هو دا إكرام الضيف؟"
رد عليه بلال مستهزئًا:
"مش لما يبقى محترم نبقى نكرمه؟"
"أنت جايبنا تهزقنا هنا؟"
هدر يوسف مستاءً فتابع بلال مزاحه الثقيل:
"المهزأ بس اللي بيجيب لنفسه التهزيق، اتفضلوا."
ولج يوسف برفقة لينة ثم ناول صديقه حقيبة قماشية وقال:
"حطها في التلاجة أصل هتسيح."
تساءل بلال بفضول وهو يجوب بعينه العلبة داخل الحقيبة:
"فيها إيه العلبة دي؟"
بتلقائية أجاب:
"آيس كريم."
"بسكوت؟"
تساءل بلال ساخرًا فهتف يوسف بتهكم:
"لأ دي تورتة يا خفيف."
نظر بلال إلى لينة الواقفة خلفه لا تعي شيئًا مما يتبادلانه وأوضح لها:
"أصل أنتِ متعرفيش يوسف بيدوب في الآيس كريم البسكوت إزاي!"
عقدت حاجبيها ورددت:
"إيه دا بجد أول مرة أعرف."
انفجر بلال ضاحكًا، بينما لكزه يوسف في ذراعه بقوة وهدر به:
"يابني اخلص هتسيح."
دعاهم للجلوس في الصالون ثم ولج المطبخ ليضع كعكة الآيس في الثلاجة ويعطي خبرًا لإيمان بمجيئهما. بينما التفتت لينة إلى يوسف وقالت بفضول:
"إحنا مبقيناش في الشارع، ممكن تقولي بقى إيه الحاجات اللي أنا مش مهتمة بيها؟"
"مُصرة يعني؟"
تساءل يوسف بمكر فهتفت هي بإصرار وحماس:
"أكيد."
تفاجئت به يقترب منها فتراجعت هي مرددة بحنق:
"أنت بتعمل إيه؟"
لم يتوقف يوسف عن اقترابه منها وكذلك هي لم تكف عن الرجوع للخلف حتى تمددت على الأريكة. كانت مذهولة مما تراه وأرادت إيقاظه بتشتى الطرق لكنه لم يكترث حتى اعتلاها وقال بمشاكسة:
"مش بحبك تطلبي حاجة ومنفذهاش أبدًا يا لي لي."
ثم دوى على آذان كليهما صوت خافت قريب منهما معلنًا وصوله فتبادلا كليهما النظرات و....
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثلاثون 30 - بقلم تسنيم المرشدي
اعتدل في جلسته، كذلك فعلت لينة سريعاً قبل وصول صاحب الصوت إليهما.
كانت إيمان وتلاها بلال، رحبت بهم بحفاوة واستقبال حار، فكانت لينة متعجبة من أسلوبها الودود، فلم تكن يوماً هكذا.
"نورتو بيتنا"
قالتها إيمان بـود، فصاحت لينة بلطف:
"منور بيكم"
تدخل يوسف بمزاحه:
"منور بيهم إيه دا إحنا اللي جينا نورناه"
ألقى بلال تلك الوسادة الصغيرة التي كانت بيده على يوسف الذي لَقِفها قبل أن تصل إلى وجهه، وردد ببرود مصطنع:
"قلة ذوق متناهية"
نظر حيث تجلس إيمان وتابع:
"مش عارف مستحملاه إزاي دا"
مدت إيمان يدها واحتضنت يد بلال بقوة وقالت:
"دا أحلى حاجة حصلتلي"
تفاجئ بلال من ردها وطالعها لبرهة، ثم أنتبه على تعقيب يوسف الساخر:
"والله ولقيت لك حد يحبك يا بيلو"
ردت إيمان متعمدة ردها:
"وهو مين يعرفه وميحبوش يا سي يوسف؟"
قهقه بلال عالياً ثم نظر لصديقه بانتصار كأنه هزم جيش من الأعداء وعلق بعجرفة:
"شكلك بقى وحش أوي"
"لا دا أنت محتاج تعمل نضارة يا بلال"
هتفت لينة فحازت على نقطة أمامهما.
التقط يوسف يد لينة وقام بتقبيل كفها الصغير ثم وجه نظره على صديقه وأخرج لسانه مع رسمة لبسمة منتصرة.
أنتبهوا إلى تعليق إيمان المستاء:
"بجد أطفال"
أيدت لينة رأيها:
"أوي بجد، أومال سيبتو لنا إيه"
حركت إيمان رأسها مستنكرة تصرفاتهما الحمقاء ثم قالت بلطف:
"تعالى يا لينة معايا نحضر العشا"
وافقتها لينة وكادت أن تنهض إلا أن يوسف لحق بها وأمسك يدها ثم همس بمكر:
"ما تخليكي، أكمل لك الحاجات اللي أنتِ مش مهتمة بيها"
جمعت لينة قوتها وسحبت يدها ثم رمقته باحتقار واقتربت من إيمان التي كانت تنتظر قدومها، بينما نهض بلال واصطحب يوسف إلى الشرفة لحين انتهاء السيدات من وضع الطعام.
بعد وقت، جلس أربعتهم حول المائدة يتناولون الأطعمة الشهية.
أخذ يوسف يتناول بشراهة وهلل عالياً:
"تسلم إيد الكبابجي والله"
انفجر بلال ضاحكاً ونظر إلى إيمان التي رددت متسائلة:
"هو عرف منين إننا جايبين من عنده؟"
أوضح لها بلال بصوته الأجش:
"يا بنتي دا صاحب المطعم أول ما يعرف إننا رايحين ناكل بيفضي المكان"
قطبت إيمان جبينها بغرابة وتسائلت بفضول:
"ليه؟"
تولى يوسف مهمة الرد:
"لأننا بنخلص على كل الأكل اللي موجود"
كانت إيمان مذهولة وتبادلت النظرات المتعجبة مع لينة وسألتها بعفوية:
"أنتِ مصدقة الكلام ده؟"
نفت بحركة من رأسها مرددة:
"تؤ"
تبادلا الشباب النظرات ثم انفجرا في الضحك، فأثارا فضول الأخريات وتسائلن عما حول ضحكاتهما، لكنهما رفضا البتة إخبارهن، واكتفى بلال بقول:
"كنا بتاخد راحتنا شوية"
لم تكن إجابة كافية فعادت إيمان متسائلة:
"بتاخدوا راحتكم إزاي يعني؟"
ربت بلال على ذراعها قبل أن يردف:
"كلي يا حبيبتي كلي وسيبك من الكلام دا"
لم تعقب مرة أخرى على ما يبدو أنه أمر خاص بينهما، ففضلت الصمت.
انتهوا من تناول الطعام، ثم ساعدتها لينة على توضيب الطاولة وأحضرو الحلوى ليتناولوها سوياً.
اقترحت لينة لُعبة يلعبونها جميعاً، حيث بدأت في شرحها:
"واحد هيبدأ يقول أغنية ويقف عند كلمة وآخر حرف من الكلمة دي التاني يبدأ بأغنية بيها"
وافقوها الرأي فصاحت قبل البدء:
"يوسف يبدأ لأنه بيجي عند دوره ويخلع"
رمقته بتحدٍ، فلقد أغلقت أمامه جميع سُبل الهرب.
اضطر إلى فعل ذلك من أجلها وبدأ يدندن:
"غلبني الشوق، وغلبني، غلبني وليه البعد، دوبني، دوبني ومهما البعد، حيرني"
نظر إلى لينة بتحدٍ وأردف مقللاً من قدراتها:
"ورينا شطارتك"
قلبت لينة عينيها مستاءة وبإقتضاب هدرت:
"أنت فاكر إنك كدا بتعجزني يعني، هه"
ابتسمت بتعالي ثم فكرت سريعاً وبدأت تدندن حينما وصلت إلى أغنية:
"يا أجمل عيون وأحلى عيون صحيتي ليل العاشقين صحيتي الشوق من غير معاد"
نظرت حيث تجلس إيمان وقالت:
"حرف الدال، ابدأي"
نظرت إلى الأعلى تفكر جيداً في مقطع يبدأ بحرف الدال، ثم أسرعت في قول ما أتت به:
"دا حبيبي عارفين يعني إيه حبيبي يعني الدنيا في عنيا وأغلى الناس عليا"
وجهت نظريها إلى بلال الذي صاح:
"يعني إيه ااا دي لا منها ألف ولا منها حرف عدل"
تدخل يوسف مقترحاً:
"اعتبره ألف ومتلفش وتدور علينا"
أماء بلال مردداً:
"ألف ممم"
صمت قليلاً ثم أتى بأحد الأغاني فقال:
"أنا مش عارفني أنا تهت مني أنا مش أنا"
انفجر جميعهم ضاحكين وتابعوا لعبتهم.
كما لعبوا المزيد من الألعاب المسلية، كان وقتاً ممتعاً للغاية للجميع.
استأذن يوسف من صديقه للمغادرة، فلقد تأخر الوقت وعليهما الذهاب.
عادا إلى المنزل، أسبقت لينة خطاها إلى غرفتها، لكنه تبعها وكاد أن يدلف معها إلا أنه تفاجئ بوضعها ليديها على صدره مانعة إياه من الدخول قبل أن تردف:
"تصبح على خير يا يوسف"
أخفض يوسف نظريه على يديها الموضوعة على صدره، شعر بإهانة لم يشعر بها من قبل، وكأنه يفرض ذاته عليها.
عاد بأنظاره إليها وقد تجهمت تعابيره التي استشفتها لينة وشعرت أنها اقترفت خطأ فادحاً.
أنزل يوسف يديها من عليه ورمقها بنظرات جامدة ومن ثم أولاها ظهره وتوجه ناحية غرفته دون تعقيب، فنادته هي بصوت نادم:
"يوسف"
لم يجيبها فأسرعت خلفه مرددة بندم شديد:
"يوسف بجد مش قصدي حاجة، أنا آسفة"
وقف يوسف على باب غرفته من الداخل ومنعها من الدخول مردداً بنبرة حادة:
"وأنتِ من أهله"
أغلق الباب في وجهها تحت نظراتها المذهولة، لم تمنع عبراتها من السقوط، انسدلت بغزارة فلم تقصد أن تحزنه قط.
عادت إلى غرفتها بعد وقتٍ تأكدت فيه من عدم خروجه لها.
أوصدت بابها وهرولت نحو الفراش ثم ألقت بجسدها أعلاه وجشهت باكية بحزن شديد، هي لم تقصد إحزان قلبه.
لم يزورها النوم تلك الليلة، بل ظلت تبكي تارة وأخرى تركض نحو الباب لربما تلتقي به لكن دون جدوى، وعندما شرعت صلاة الفجر لم تراه على ما يبدو أنه أقامها في غرفته.
صباحاً، بالكاد أخذت قيلولة ساعتين، استيقظت وهرولت للخارج، وقعت عينيها على غرفته فكانت فارغة لا يوجد بها أحد.
توجهت إلى الصالون باحثة عنه، المكان كان خالي من الجميع.
توجهت نحو غرفة السيدة ميمي وطرقت بابها بخفة فأتاها ردها من الداخل:
"تعالي يا لينة"
ولجت الغرفة ولم تنتظر ثانية حتى أردفت سؤالها:
"هو يوسف مش هنا؟"
أماءت ميمي برأسها وأخبرتها عن وجهته:
"نزل من بدري، الحج سمير طلبه وقاله يجي يخلصوا اللي لسه فاضل عشان الإفتتاح بكرة"
بعفوية قالت:
"بس هو لسه تعبان"
تنهدت ميمي بنفاذ صبر وهتفت مستاءة:
"والله قولتله بلاش نزول، الدكتور قال بلاش جهد وحركة زيادة بس أنتِ عارفة دماغه ناشفة إزاي"
اكتفت لينة بإيماءة من رأسها بينما سألتها ميمي باهتمام:
"أحضر الفطار عشان ناكل، أنا استنيت لماتصحي ناكل سوا"
وافقتها لينة وخرجت من الغرفة.
أتت بهاتفها وقامت بالإتصال على يوسف لكنه لم يجيب، أعاد تكرار الإتصال مراراً والنتيجة ذاتها، تأففت بضجر ثم أرسلت إليه رسالة على الواتساب:
"أنت فين مش بترد ليه؟"
انتبهت على قرع الجرس فنهضت لتفتح الباب، تفاجئت بوجود صديقتها التي صاحت مهللة:
"إوعوا تكونوا فطرتوا، جايبة طعمية سخنة"
"لا لسه، ماما ميمي بتحضر الفطار"
أجابتها لينة بينما تمتمت الأخرى:
"طيب كويس"
دلفن بخطاهن نحو المطبخ، رحبت شهد بالسيدة ميمي بود:
"إزيك يا طنط اخبارك إيه"
بادلتها ميمي ابتسامة سعيدة لوجودها وقالت:
"كويسة يا حبيبتي، حماتك بتحبك يلا عشان تفطري معانا وإوعي تقولي لا"
تدخلت لينة ساخرة:
"تقول لأ إيه دي جايبة طعمية وهي جاية"
انفجرن في الضحك ثم هتفت ميمي مرحبة:
"خير ما عملتي والله، دا أنا نفسي فيها"
غمزت إليها شهد ورددت بمشاكسة:
"أي خدمة"
نظرت إلى لينة وقالت:
"تعالي لما أوريكي جبت إيه امبارح"
سارت كلتاهن إلى الخارج، ثم بدأت شهد تفرغ محتويات الحقيبة التي جلبتها معها موضحة:
"نزلنا امبارح أنا وماما اشترينا شوية هدوم حلوين أوي، من حلاوتهم عايزة ألبسهم كلهم دلوقت"
علقت لينة ساخرة:
"عشان كانت طنط عواطف علقتك"
تأففت شهد بضجر وتمتمت بحنق:
"هو أنا لسه هستنى لما أتجوز عشان ألبسهم!"
أخذت نفساً ثم بحثت عن شيئ بعينه وقامت بإخراجه وقالت:
"دول عجبوني أوي وحسيتهم شبهك، فجبتهم ليكي"
تفاجئت لينة من لطف صديقتها ورمقتها بعينان لامعتين ثم شكرتها بحرج:
"إيه الاحراج دا، ليه عملتي كدا؟"
لكزتها شهد في ذراعها قبل أن تعاتبها بلطف:
"إحراج إيه يا هبلة إحنا في بينا كدا، بس إيه رأيك؟"
تفقدتهم لينة جيداً ثم أبدت رأيها:
"تحفة أوي، بجد شكراً"
تبادلن العناق بحميمية ثم تراجعن حينما حضرت السيدة ميمي.
أسرعت لينة نحوها وهي تقول:
"شوفي شهد جابت لي إيه"
نظرت ميمي إلى القُمصان التي بيديها ورددت بإعجاب شديد:
"حلوين أوي يا حبيبتي، تتهني بيهم"
وجهت نظريها على شهد وشكرتها بلطف وامتنان:
"شكراً يا شهودة"
"شكراً على إيه يا طنط دي أختي"
علقت شهد على حديث ميمي التي رددت وهي تجلس على كرسيها:
"ربنا يخليكم لبعض يارب"
ثم حثتهم على المجيء بقولها:
"يلا تعالوا والأكل سخن"
جلسن كلتاهن على الطاولة وبدأن يتحاورن في أحاديث مختلفة.
اهتز هاتف لينة معلناً عن وصول رسالة فأسرعت بالتقاط هاتفها ونظرت به فكان رد يوسف مختصراً للغاية حيث أرسل لها:
"مشغول مش فاضي أرد"
عبست تعابيرها فاستفشت شهد ذلك، وانتظرت حتى انتهين من الطعام ثم اقتربت من لينة وهمست بقرب أذنها:
"تعالى ندخل الأوضة، عايزاكي"
استأذنا من السيدة ميمي وولجن إلى غرفة لينة، وسرعان ما انهالت شهد عليها بالأسئلة:
"مالك؟ واضايقتي ليه بعد ما جالك رسالة وإحنا برا؟"
تنهدت لينة بحزن وتوجهت نحو الفراش.
اعتلت طرفه ونكست رأسها قبل أن تخبرها:
"يوسف زعلان مني"
جلست شهد بجوارها متسائلة بجدية:
"ليه إيه اللي حصل؟"
طالعتها لينة بحرج شديد، فكيف ستخبرها بذلك، أعادت خفض رأسها وهي تفكر جيداً في ما ستقوله.
قطبت الأخرى جبينها بغرابة من حالتها المريبة وهتفت بعدم استيعاب للأمر:
"في إيه يابنتي ما تنطقي"
اعتدلت لينة في جلستها حيث جلست القرفصاء ورددت كلماتها بعناية حتى لا تخرج عن المألوف:
"بصي، بصراحة كدا أنا عملت حركة وحشة أوي امبارح، أينعم مكنتش متوقعة ردة فعله هتكون كدا بس برده معرفش وقتها فكرت إزاي"
استندت شهد بذقنها على راحة يدها متسائلة بفضول:
"ممم عملتي إيه؟"
ابتلعت لينة ريقها وأخبرتها بتردد:
"رجعنا من برا وكان عايز يدخل الأوضة عندي بس أنا منعته"
تأففت لينة بضجر بائن لتصرفها الأحمق ثم انتبهوا على سؤال شهد:
"وأنتِ عملتي كدا ليه؟"
بتلقائية هدرت:
"عشان ميحاولش يقرب مني"
عضت على شفاها السفلى بخجل بينما لم تستوعب شهد بعد مخذى حديثها:
"يقرب منك إزاي يعني؟"
احتدت ملامح لينة بضيق، فكيف ستشرح لك ذلك؟ تنهدت ثم صاحت بنفاذ صبر:
"يقرب لي يا شهد افهمي"
لحظة إدراك معنى حديثها، فتشكلت على شفتي شهد ابتسامة عريضة، فنهرتها لينة بقوة:
"مش عايزة ضحك ولا تريقة وإلا مش هكمل"
حاولت شهد جاهدة إخفاء ابتسامتها ورددت بلهفة:
"خلاص خلاص، كملي"
"مفيش بس كدا، من امبارح وهو مش بيكلمني مش عارفة أعمل إيه بقى"
أردفتهم لينة بقلة حيلة، بينما تابعت شهد أسئلتها الفضولية:
"وأنتِ مش عايزاه يقرب ليه؟ مش دا يوسف حبيب القلب؟ إيه اللي حصل؟"
فركت لينة أناملها بحياء، ولم تستطيع مواجهة شهد، عضت على شفتيها وهي تجيبها:
"الموضوع مختلف خالص في الحقيقة، معرفش مش حاسة إني هقدر أعمل اللي هو عايزه"
تجهمت تقاسيمها بحنق وواصلت إيلام نفسها:
"أنا غبية، بس والله غصب عني"
تقوس ثغر شهد للجانب مشكلة إبتسامة ماكرة وهي تهتف بخبث:
"واللي يخليه هو اللي يجي يصالحك؟"
رفعت لينة رأسها سريعاً وهللت بلهفة:
"دا أنا أعمله كل اللي هو عايزه"
رفعت شهد حاجبيها بتعالى وبدأت تخبرها خطتها:
"بصي ياستي، أنتِ تصوري القيمصان اللي أنا جبتها دي وتبعتيهاله وتقوليله أنهى واحد أحلى؟"
"وإن هو مبدأش كلام معاكي ميبقاش إسمي شهد"
استنكرت لينة خطتها وعارضتها مستاءة:
"قيمصان إيه اللي أبعتها، دي فاضحة أكتر ماهي ساترة"
بتلقائية قالت:
"ما هما دول اللي هيخلوه يكلمك، جربي ومش هتندمي"
حركت لينة رأسها برفض تام فلم تعيرها شهد إهتمام لرفضها وبحثت عن هاتفها ثم فتحت المراسلة بينها وبين يوسف فحاولت لينة أخذه منها لكنها رفضت شهد بكل الطرق إعطائه لها مرددة:
"والله ما هتاخديه، هبعت يعني هبعت"
لم يكن هناك مفر، اضطرت لينة إلى الإستسلام أمام إصرار صديقتها، تنحت جانباً ووضعت يديها على فمها وهي تتابع ما تفعله الأخرى.
قامت شهد بتصوير الثياب وأرسلتهم له، ثم أرسلت سؤالاً أسفلهما:
"تفتكر أنهي واحد هيكون حلو عليا؟"
ابتسمت بانتصار ثم نظرت حيث تجلس لينة التي هتفت بضعف:
"وريني عملتي إيه"
اقتربت منها شهد وأعادت لها الهاتف، شهقت لينة بصدمة حينما رأت ما أرسلته وصاحت برفض:
"إحنا متفقناش على كدا، إيه أنهي واحد هيكون حلو عليا دي؟"
حركت رأسها مستنكرة ذاك التصرف الوقح وهتفت:
"لا لا أنا همسحه قبل ما يشوفه"
بسلاسة وسرعة لم تلاحظها لينة خطفت منها شهد الهاتف مانعة إياه من مسح ما تريد، ورددت بتهكم:
"اسكتي واهدي شوية، شوفي ترتيبات شهد هتوديكي لفين"
"هتوديني في داهية"
تمتمت بها لينة وعقلها يحثها على التراجع عما فعلته، لكن كيف أمام إصرار شهد الطاغي، فما كان منها إلا أن تجلس في زواية تنتظر رده بتوجس شديد.
***
طقطق يوسف عنقه بتعب، سحب هاتفه من جيبه ليتفقد الرسالة الواردة، تفاجئ بما أرسلته لينة وسرعان ما أغلق الهاتف لكي لا يراه أحد.
استأذن من السيد سمير ومن معه من العمال وتوجه إلى آخر زاوية لا يمكن لأحد أن يراه بها وأعاد فتح الرسائل مرة أخرى.
تعجب من جرأتها فلم يحظى بها إلى الآن فما الذي يحدث لها، طرد أفكاره المزعجة وسار يتنقل بين الصور يتفقدها جيداً.
تقوس ثغره ببسمة عريضة، على ما يبدوا أنها تريد مصالحته بطريقة مثيرة.
لن ينكر أنها قد نالت إعجابه، تنهد ثم أرسل لها نصاً بنوايا ماكرة:
"مش هيظهروا غير في اللبس"
وقعت رسالته على مرأى عيني لينة ورددت بحنق:
"ياربي على البرود بجد، أي كلام المهم ميقولش رأيه، أوف"
نظرت حيث صديقتها التي فغرت فاها من خلف رد فعلها الساذج وهتفت متسائلة:
"بتبصيلي كدا ليه؟"
قلبت شهد عينيها وصاحت عالياً:
"يخربيت الغباء والله، دا عايزك تلبسيهم يا حبيبتي"
فغرت الأخرى فاها بصدمة وظلت ترمق شهد بذهول، ثم تفقدت الرسالة مرة أخرى وبالفعل استشفت معناها، ألقت الهاتف جانباً وتمتمت والرفض يتجلى في نبرتها:
"دا بعينه، آل البسهم آل"
"هبلة"
علقت شهد بتهكم، نهضت عن الفراش وقالت:
"أنا همشي عشان مقولتش لأمي إني هتأخر كدا"
ابتعدت عدة خطوات ثم التفت برأسها وأردفت بإبتسامة ماكرة تغزو شفتيها:
"ويمكن حد كدا يرجع في رأيه"
تذمرت لينة في ردها:
"بعينك أنتِ وهو"
"طيب"
اكتفت شهد بقولها ثم تابعت خروجها، ودعت السيدة ميمي وغادرت المنزل.
بينما عادت لينة إلى غرفتها، ظلت تتفقد رسالته تارة وتارة أخرى تنظر إلى القُمصان الموضوعة على الفراش.
تأففت بضجر ورددت بإقتضاب:
"مش هعمل كدا لأ"
أطالت النظر عليهما وظهرت على شفتيها إبتسامة حماسية قبل أن تردد:
"بس مفيش مانع نجربهم"
أسرعت في ارتداء أول قميص وظلت تتلفت حول نفسها، تطالع صورتها المنعكسة بخجل، تحاول إخفاء ابتسامتها الخجلة لكنها لا تنجح في منعها.
استدرات وطالعت ذاك الهاتف الموضوع على الفراش لوقت وبتردد شديد أقنعت عقلها أن تأخذ فقط صورة لها.
قامت بارتداء الآخر ولم تخلعه قبل أخذ صورة به، عادت إلى الفراش وفتحت المحادثة بينهما تعيد قراءة رسالته، تغلق هاتفها تارة وتارة تفتح ألبوم الصور، لا تدري أيهما الأصح، هل ترسل له كما يريد أم تتمسك بما يحثها عليه عقلها؟
أوصد عينيها وهي تدعس على زر إرسال بعدما حددت الصور، ثم تمسكت بالهاتف بقوة في انتظار رده بفروغ صبر.
على جانب آخر، كان يوسف يتابع عمله لكنه كان يتفقد هاتفه من آن لآخر ليرى ما أن كانت أرسلت إليه صوراً أم لا.
بعد وقتٍ شعر بدوار فلم يطيل في وقوفه وأخذ استراحة بعيداً عن الجميع.
اهتز هاتفه فأخذ يتصفح به فوجد أنها أرسلت إليه الصور، مال برأسه قليلاً وهو يتفحصهم جيداً ثم ظهرت على شفتيه إبتسامة رضاء عنهما، شعر حينها أنه محظوظ للغاية لامتلاكة فتاة جذابة مثلها.
"تعبت ولا إيه"
صدر صوت "علي" مهتماً لأمره فأسرع يوسف في غلق هاتفه سريعاً قبل أن تقع عينه على الصور، رفع يوسف بصره عليه وأجابه:
"شوية بس تمام يعني"
جلس علي مقابله وتحدث بشهامة:
"لو تعبان روح أنا موجود متقلقش"
مال يوسف للأمام ليكون قريباً منه وربت على قدمه ممتناً له:
"تسلم يا حبيبي، أنا هبقى كويس إن شاء الله"
بإمتنان واضح أردف علي:
"والله أنا نفسي أرد لك جزء بسيط من اللي بتعمله معانا، دا كفاية إنك شغلتني معاك"
قبض يوسف على قدمه واستنكر يا يقوله:
"بطل بقى الكلام اللي يضايق دا، قولتلك ١٠٠ مرة قبل قبل كدا أنت أخويا ولو أقدر أعمل أكتر من كدا مش هتأخر"
بادله علي إبتسامة ممتنة ثم انتبها كليهما على نداء السيد سمير، فنهضا معاً وتوجها إليه ليتابعا عملهما حتى ينتهيا قبل حلول الليل.
على الجانب الآخر، كانت تجلس ممسكة بالهاتف في انتظار إجابته بعدما تأكدت من رؤيته لما أرسلته.
نفخت بضيق ورددت بحنق:
"دا إيه دا بقى؟"
انتظرت بضعة دقائق أخرى على أملاٍ رده لكن دون جدوى، جابت الغرفة ذهاباً وجيئا والنتيجة ذاتها، لا يرسالها.
ألقت الهاتف على الفراش بعصبية ثم أبدلت ثيابها وخرجت من غرفتها باحثة عن شيئ تشغل به عقلها عن ذاك اليوسف.
***
أصوات ضجيج الأطفال يدوي في المكان، وكذلك أحاديثهن التي ليس لها بداية ولا نهاية.
سمع أحد الصغار طرقات أحدهم على الباب فهم بفتحه وإذا بها زوجه خاله.
ابتسمت له ثم قالت بمداعبة:
"إزيك يا صغنن"
أجابها بطفولة:
"الحمد لله"
"مين يا يامن؟"
تسائلت هدير ثم رحبت بإيمان بحفاوة حينما رأتها:
"تعالي، أخبارك إيه؟"
حمحمت وبحرج قالت:
"الحمدلله أنتِ عاملة إيه"
اختصرت هدير في إجابتها:
"لحمد لله يا حبيبتي"
حضرت هدى وتبادلن العناق والقبلات وكذلك السيدة شهيرة، التي جائت على استحياء شديد، فلم تنسى موقفهما بعد، لكنها كانت متفاجئة بترحيب إيمان لها وكأنها تتعمد فعل ذلك لكي تمحي الحرج منها.
مدت إيمان يدها فظهر ذاك المفتاح التي تركته شهيرة عمداً أمس وقالت بلطف:
"نسيتي المفتاح لما كنتي عندي يا ماما"
وزعت شهيرة نظراتها بينها وبين المفتاح، اجتاحها الخجل من خلف موقفها النبيل، ابتسمت لها بخجل شديد وأخذت منها المفتاح ثم رددت عالياً:
"كويس إنك نزلتي اليوم كان ناقصك"
"أنا عارفة إن هدير وهدى بيكونو هنا النهاردة فنزلت أقعد معاهم"
هتفت بهم إيمان ثم انشغلت بين اللعب مع الصغار تارة وتارة أخرى بين الأحاديث التي تناولنها الفتيات.
***
حل المساء، حاملاً للتعب معه، فلم يعد هناك أحد يستطيع مواصلة العمل بسبب إنهاك روحه وجسده.
سمح لهم السيد سمير بالذهاب حينما تأكد بنفسه من أن المكان في استعداده التام لعمل الإفتتاح غداً.
اقترب علي من يوسف وسأله وعينيه تجوب ثغرات بعينها في المكان:
"يوسف، مشوفتش موبايلي؟"
نفى يوسف رؤيته للهاتف قائلاً:
"لا مشوفتوش، خد موبايلي رن عليه"
أعطاه يوسف الهاتف ثم أخبره بذاك الرمز الرقمي لكي يستطيع فتحه، فتحه علي وهو يبتعد عنه لكي يصغي إلى رنين هاتفه، صعق حينما وقعت أمامه صور لينة، فلم يخرج يوسف من المحادثة بعد، أشاح نظره سريعاً عن الصور، وبالكاد جاهد لمنع نفسه من التطاول عليهما.
انتابه مشاعر عديدة من بينهم الغيرة على شقيقته ومنها الغضب لفعلتها الوقحة، فكيف تتجرأ وترسل إليه مثل تلك الصور الجريئة؟
ابتعد عن يوسف وقام بالإتصال على هاتفه حتى وصل إليه.
أعاد الهاتف لصاحبه الذي لاحظ عبوس وجهه فسأله مستفسراً:
"مالك في إيه؟"
بنبرة حادة جامدة أجاب:
"مفيش حاجة"
دنى منه يوسف معيداً سؤاله بخفوت:
"لا بجد مالك، حصل حاجة؟"
اكتفى بتحريك رأسه فلم يطيل يوسف، ربما لايريد إخباره الآن.
أنتبه على صديقه الذي هلل على مقربة منهما:
"تصبحو على خير"
"وأنت من أهله"
رددها يوسف ثم انسحب إلى سيارته برفقة علي الذي وقف وقال:
"أنا هستنى تاكسي"
استنكر يوسف كلماته وحثه على الركوب بقوله:
"اركب يالا تاكسي إيه اللي هتلاقيه الساعة ١ في شارع زي دا"
عارضه علي بنبرة يتوهج منها الرفض والضيق:
"روح أنت يا يوسف أنا هعرف أرجع لوحدي"
تأفف يوسف عالياً وصاح مستاءً:
"هو أنا يابني زعلتك في حاجة عشان كل دا؟"
طال علي النظر ثم لم ينجح في الإجابة عليه فقام بالركوب حتى يهرب من سؤاله، بينما وقف يوسف لبرهة يعيد ما حدث اليوم لربما أحزنه دون قصد لكن في النهاية لم يجد شيئ.
استقل خلف مقوده وتحرك بالسيارة قاصداً ذاك الفندق الذي يمكث به علي، وصلا بعد مرور بضعة دقائق، كاد علي أن يترجل إلا أن كلمات يوسف أرغمته على التريث والنظر إليه:
"ما تيجي نشوف لك شقة صغيرة عندنا هناك تكون إيجار بدل قعدتك هنا"
رفض علي معللاً أسبابه بإقتضاب:
"لا ملوش لزوم، كدا كدا أنا مش قاعد كتير، وقت ما الدراسة هتبدأ هرجع انجلترا تاني"
"وهتسيب لينة تاني؟"
تسائل يوسف مهتماً لأمره فتاته، حتماً سيحزنها ذاك الخبر، بينما أخرج علي تنهيدة قبل أن يجيبه:
"أنت ولينة في الآخر هتتجوزوا، يعني قعادي هنا ملوش لازمة طلاما هي معتمدة على غيري"
آخر كلماته أثارت الريب داخل يوسف، لكنه لم يعقب، لم يدري بأي كلمات يتحاور بها معه، أهو يغار على شقيقته منه أم أنه بات أنانياً لا يفكر سوى في نفسه مثلما تعلم في دولته المبجلة.
تبادلا النظرات حتى قطعها علي بهروبه:
"تصبح على خير"
وفي غضون ثوانٍ كان قد اختفى خلف باب الفندق، فعاد يوسف بأدراجه إلى منزله، وعقله منشغلاً بحالة علي المريبة، فلم يكن هكذا منذ دقائق فما الذي حدث لكي يصبح على حالته تلك؟
لم يصل إلى إجابة ترضيه، لكنه وصل إلى منطقته، صف السيارة وصعد درجات السُلم، دلف المنزل وكان السكون دون غيره يعم المكان، فتوجه مباشرةً إلى غرفته.
"يوسف"
نادته من خلف بابها حتى لا يستطيع الهرب، أسرعت نحوه فنهرها هو بحدة:
"أنتِ راحة فين كدا، ارجعي أوضتك تاني"
قالها يوسف وهو يطالع خصلاتها المحررة فقالت هي:
"زياد مش هنا"
بتجهم واضح في تعابيره ونبرته الجامدة قال:
"ولو، متخرجيش كدا برده"
أولاها ظهره ودلف غرفته، تأججت نيران الغيظ داخلها ولم تستطيع الوقوف مكانها، هرولت خلفه وأغلقت الباب لكي لا يصل صوتها إلى السيدة ميمي، وصاحت بحنق ونفاذ صبر:
"أنت بتعاملني كدا ليه؟ أنا عملت إيه لكل الزعل دا"
ببرودٍ أمرها:
"ارجعي أوضتك يا لينة"
رفضت البتة الذهاب لغرفتها قبل أن يصلحا الأمور بينهما، أخذت تتنفس بقوة وهي تقترب منه وهللت باندفاع:
"لا مش هروح في حتة، قبل ما أعرف عملت إيه يستاهل زعلك مني؟"
بلهجة باردة للغاية أجابها:
"قُربي منك بيضايقك، وأنا مبحبش أضايقك أبداً"
صمت كليهما، وتبادلا النظرات، كانت لينة في وضع لا تحسد عليه، شعرت بالخجل الشديد، ابتلعت ريقها ورددت بندم:
"والله مقصدتش أزعلك، هو تصرف رخم أنا عارفة، بس متوقعتش أنك تدي ردة فعل كبيرة كدا"
"وأنتِ عايزاني مزعلش لما ألاقيكي أنتِ بالذات بتمنعيني عنك؟"
رددها يوسف معاتباً إياها، أخفضت هي رأسها بحرج شديد، تمنت لو تصر على الدخول خلفه، لكن عليها الآن إصلاح ما اقترفته في حقهما، لكن كيف؟ كيف سيتغاضى يوسف عما فعلته؟
لم يكن أمامها سوى حلاً دون غيره، حقاً لا تعلم كيف ستفعل ذلك، لكنه أملها الوحيد لتوطيد علاقتهما ثانيةً.
أعادت وضع خصلاتها خلف أذنها واقتربت منه على استحياء، حتى باتت ملاصقة له، وقفت على أصابع قدميها لكي تكون في مستوى قامته وبرقة مبالغة طبعت قُبلة على طرف شفتيه.
ثم همست بندم:
"أنا آسفة"
شعر يوسف بالهياج في نبضاته، فهي قد فجائته بتصرفها العفوي، طالت مدة استيعابه للأمر ففهمت لينة أنه لم يرضى بذلك، نكست رأسها في حزن وهتفت:
"أنا بجد مكنتش أقصد أزعلك، أنا آسفة"
أولاته ظهرها وتوجهت نحو الباب، جاهدت كثيراً في السيطرة على عبراتها حتى تعود إلى غرفتها، كادت أن تخرج إلا أنها تفاجئت بغلقه للباب مانعاً إياها من الخروج.
استدرات بجسدها لتعلم حقيقة ما يحدث، لكنه لم يعطيها فرصة، فلقد فاجئها بقُبلة اخترقت شفتيها.
حشرت لينة أنفاسها من هول المفاجأة، تجمدت مكانها فلم تبادله مشاعراً، لأنها لم تستوعب الأمر بعد.
توقف يوسف لكنه لم يبتعد، وهمس أمام شفتيها:
"بحبك"
ابتلعت ريقها مراراً وهي تطالع بندقيته، اكتفت ببسمة خجولة وهي تعض على شفاها، بينما همس هو متسائلاً:
"عايزة تخرجي؟"
حقاً تريد الهروب من أمامه الأن، لكن إلى متى ستهرب منه؟ في النهاية هو زوجها، ولا تفعل شيئ محرم.
رفعت يدها وأعادتها خلف ظهره، ثم تحسسته بخفة فرجف جسده بقوة وكاد أن يذوق شهدها مرة أخرى لكنه تريث، فلن يفعل شيئ دون رضاها.
انحنى عليها وهمس:
"ها؟"
وضعت يدها الأخرى على ذقنه وتحسستها برقة مجيبة إياه بخفوت:
"تؤ"
إجابتها كانت كفيلة لأن تنهار حصونه، عاد يقبلها بنهم، ثم رفعها عن الأرضية وتوجه بها إلى أريكته، متبادلين مشاعرهما معاً.
بعد فترة، نظر إليها يوسف بعشق وهو يداعب خصلاتها، شكل إبتسامة جذابة متذكراً أمر صورها:
"لا بس الصور جامدة"
بخجل يشوبه التهكم همست:
"آه عشان كدا مردتش عليا"
قهقه قبل أن يردف مازحاً:
"كنت تقلان"
قلبت عينيها مستنكرة رده ورددت ما قاله مستاءة:
"تقلان آه"
مرر يوسف أنامله على وجنتها بنعومة وهتف:
"تقل إيه بقى ما خلاص دوبت!"
لم تمنع ابتسامتها التي غزت شفتيها لكن سرعان ما اختفت حينما وقع على آذانها صوت غلق باب الشقة.
انتفضت لينة من مكانها وتمتمت بتوجس:
"زياد جه، هخرج إزاي؟"
نهض يوسف وبنبرة هادئة أردف:
"ششش إهدي"
مد لها يده وقال:
"تعالي"
أمسكت في يده ثم تبعته إلى الباب، أوقفها جانباً ثم فتحه ومنع أخيه من الدخول بوضع يده على صدره وهتف أمراً:
"أوقف برا شوية يا زياد"
قطب زياد جبينه بغرابة من أمره، وسأله مستفسراً:
"ليه؟"
دفعه يوسف للخارج قائلاً بفتور:
"اسمع الكلام من غير أسئلة"
لمح زياد طيف أحدهم من ثغرة الباب، فابتسم بخبث وتمتم بخفوت:
"آه طيب، الله يسهلوا"
لكزه يوسف في صدره بقوة وصاح:
"امشي يا غلس"
أولاه زياد ظهره وعاد للخارج، بينما عاد يوسف إلى فتاته وقام بتقبيل ثغرها سريعاً ثم قال:
"يلا ارجعي أوضتك بسرعة"
هرولت هي مسرعة إلى غرفتها ثم نادى يوسف على شقيقه ليأتي.
لم يكف زياد عن المزاح الثقيل وإلقاء الكلمات الساخرة:
"الله يسهلوا يا سيدي، دا أنا أنجز بقى في أوراق الجيش عشان تاخد راحتك"
بلغ يوسف ذروة تحمله لسخافاته ونهره بعنف:
"خلصنا يا زياد، مش معنى إني سمحت لك مرة تسوء فيها، أنا مبحبش كدا"
شعر زياد بالحرج حيال كلمات أخيه لكن حاول عدم إظهار ذلك فقال مختصراً:
"خلاص ياعم مقولناش حاجة"
بدل ثيابه سريعاً وذهب للنوم هارباً من نظرات يوسف، بينما تمدد الآخر على الفراش لكنه لم يستطيع النوم بسهولة، فمشاعره مازالت مضطربة، لم يشعر بالاكتفاء منها، على الرغم من كونه خطى أول خطوة أراد فعلها، لكن هناك شعوراً قوي داخله يطمع في المزيد.
نهض حينما فشل في طرد أفكاره، خرج من الغرفة وتوجه نحو المرحاض، لينعم باستحمام بارد لربما ينسى أمر رغباته.
***
في الغرفة المجاورة، تفاجئت لينة بعدد الإتصالات التي قام بها علي، فأعادت هي الإتصال به قلقة من شأن هذا الكم من المكالمات.
بلطف حادثته:
"علي.. أخبارك إيه؟"
جائها نبرته التي لا تبشر بالخير:
"أنت إزاي تعملي كدا يا لينة؟"
عقدت حاجبيها وتسائلت مستفسرة عما يقصده:
"عملت إيه؟"
بانفعال شديد هدر بها شزراً:
"إزاي تبعتي صور بالشكل دا ليوسف؟"
صعقت لينة ناهيك عن قلبها الذي انقبض بذُعر، كم تمنت أن تختفي قبل أن تقع كلماته على أذنيها.
ابتلعت ريقها ولم تستطيع مواجهته فتابع هو بغضب:
"كنت فاكر أختي محترمة بس طلعت غلطان، دا أنا من وقت ما شوفت الصور وأنا هتجنن، مش قادر أستوعب إنك تعملي كدا، ومن وقتها و١٠٠ سؤال في دماغي، يا ترى بقى بيحصل إيه بينك وبينه عشان تبعتي له صور زي دي؟"
لم تتحمل لينة إهانته التي مست كرامتها وأنهت الإتصال على الفور، قامت بغلق الهاتف لكي لا يستطيع الوصول إليها.
ثم انفجرت باكية، كانت تبكي بحرقة على كلماته المهينة، يزاداد نحيبها كلما تذكرت أنه رآى صورها بهذا الشكل.
لم تتوقف عبراتها قط، كان قلبها يؤلمها بشدة، وصدرها يعلو ويهبط حتى شعرت بالإختناق يجتاحها، ارتفع سعالها بشدة وشعرت بأنها تريد التقيأ، خرجت مسرعة نحو المرحاض أثناء خروج يوسف منه.
تفاجئ بحالتها وكاد أن يسألها عن سببها لكنها هرولت للداخل وأفرغت ما يوجد في معدتها جميعاً.
اقترب منها يوسف فشعر برجفة جسدها، بهدوء قام بضمها فلمست صدره العاري، لم يكن يرتدي سوى منشفته التي تحاوط خصره.
لم تتحلى بقدرة مبادلته العناق، فشعر هو بضعف حيلتها حينها، ساعدها على الوصول إلى صنبور المياه ثم مسح على وجهها بالماء وبعض خصلاتها ثم ساعدها على العودة إلى غرفتها.
جلست لينة ولم يتركها هو، لم يبعدها قط عن حضنه، بل كان يملس على خصلاته تارة وتارة يربت على ظهرها بحنو مع ترديده بعص الكلمات الحنونة:
"اهدي يا لينة، أنا هنا"
مرت بضعة دقائق حتى شعر باستكانة جسدها، فلم يعد يشعر برجفتها وكذلك شهقاتها التي يتردد صداها في صدره، أبعدها عنه واحتضن وجهها بين يديه وسألها باهتمام:
"في إيه؟ ليه كل دا؟"
طالعته لبرهة مترددة في إخباره فحثها هو على البوح:
"اتكلمي يا لي لي"
أخذت نفساً عميق وتحدثت بصوت متحشرج:
"يوسف، أنا عايزة اطلب منك طلب"