تحميل رواية حرر هواك فالحب بات معلنا بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأحياء الهادئة، يقف أمام مرآته يضبط ربطة عنقه بقامة منتصبة شامخة، انتهى من عقد نهايتها عِند حلقه فبات وسيم المظهر أكثر جاذبية عن ثيابه المعتادة. رفع أنامله وتخلل بها خصلات شعره السوداء الناعمة ليعيد انتصابها من جديد، مد يده والتقط قنينة عطره، دعس على جزء منها فتناثر العطر على أنحاء متفرقة من حُلته السوداء. أعاد وضعها على التسريحة ثم اختلس النظر إلى مظهره للمرة الأخيرة قبل خروجه من الغرفة، أخرج تنهيدة قبل أن يولي صورته في المرآة ظهره وتوجه نحو الباب، أدار مقبضه على مهلٍ فشيء ما يمنعه من ا...
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم تسنيم المرشدي
بصوت باكي يقطعه شهقاتها التي تحاول السيطرة عليهم أردفت:
_ تعالى نتجوز!
تفاجئ يوسف من طلبها، فكان مريباً بالنسبة له. عقد حاجبيه وردد دون فهم:
_ طيب ما إحنا متجوزين أصلاً يا حبيبي.
ابتلعت ريقها وطالعت عيناه قبل أن توضح:
_ أقصد نتجوز، يعني نكون في بيت لوحدنا.
ضاق يوسف بعينيه عليها، فلم يستشف بعد سبب طلبها، وحالتها التي باتت عليها. حاول التحلي بالصبر قدر المستطاع وتساءل بهدوء:
_ طب ممكن أفهم إيه السبب اللي يخليكي في الحالة دي، وكمان تطلبي طلب زي دا فجأة كدا.
زمت شفتيها محاولة السيطرة على بكائها، أخفضت بصرها. لم تكن بتلك الشجاعة حتى تواجه عينيه وهي تخبره:
_ علي شاف الصور اللي بعتهالك.
تفاجئ يوسف مما وقع على أذنيه. ساد صمت لبرهة قبل أن يعود متسائلاً:
_ شافهم إزاي؟
رفعت كتفيها بمعنى أنها تجهل ذلك. عاد يوسف بذاكرته عندما أخذ منه الهاتف لكي يقوم بالإتصال على هاتفه. أوصد عينيه لاعناً غباءه، فكان الهاتف مغلقاً على محادثته معها، حتماً رآها حينما فتح الهاتف.
أخرج يوسف تنهيدة، وقد علم الآن سبب تحوله المفاجئ. عاد بأنظاره إلى لينة وتساءل:
_ قالك إيه؟
تذكرت هي بشاعة كلماته ثم جهشت باكية وهي تردد بحزن شديد:
_ قال كلام وحش أوي، وقال إني مش محترمة.
ازداد نحيبها فضمها يوسف مرةً أخرى إلى صدره. ربت على ظهرها بحنو، ثم ردد:
_ ملوش حق يقولك كدا.
تراجعت للخلف واستنكرت كلماته وصاحت منفعلة:
_ ملوش حق إزاي؟ الصور مش كويسة، ومكنش ينفع أبعتها، مكنش ينفع أسمع كلام شهد من الأول أصلاً.
لم يعِ يوسف ما علاقة شهد بالأمر وردد باسمها:
_ شهد؟
أومأت وهي توضح مقصدها:
_ أيوة هي اللي قالتلي أبعت لك الصور لما حكيت لها إنك زعلان مني، هي اللي قالتلي هيصالحك بالطريقة دي.
كز يوسف أسنانه بضيق بالغ، فلم يعجبه الأمر. وعزم على محادثتها في ذاك الموضوع لكن ليس الآن، عليه أولاً أن يهدئ من روعها.
حاول ضبط حنجرته رغم ذلك خرجت خشنة:
_ أنتِ تطلبي طلب زي اللي طلبتيه دا لما أكون واحد من الشارع بقابلك من ورا أهلك، لكن أنا جوزك، ولا أنتِ عملتي حاجة حرام ولا عيب، ولو على "علي" فسبيه عليا أنا هتكلم معاه.
أسرعت لينة في رفض الأمر متوسلة إياه:
_ لا لا متتكلمش معاه في حاجة، مش عايزة مشاكل يا يوسف.
"مشاكل إيه؟ أنا هقوله زي ما قولتلك كدا، عشان هو الظاهر عليه لسه صغير ومش مستوعب يعني إيه كتب كتاب."
هتف يوسف بحسم. أخرج زفيراً وواصل مسترسلاً:
_ هديتي؟
نفت بحركة من رأسها ثم قالت بخفوت:
_ كل ما بفتكر كلامه بتخنق أوي.
أمسكت بيد يوسف وتوسلته في طلبها:
_ ينفع تخليك معايا شوية.
ابتسم لها وبصدر رحب أردف:
_ بس كدا تؤمر.
نظر إلى حالته ثم هتف مازحاً:
_ هروح ألبس هدومي الأول قبل ما حد يشوفني كدا وتبقى فضيحة بجد.
نجح يوسف في إضحاكها، نهض عن الفراش وقبل أن يغادر التفت إليها وسألها بخبث:
_ ولا تحبي أقعد معاكي كدا؟
أسرعت هي برفض وجوده على تلك الحالة:
_ لا روح البس هدومك.
غمز لها وصاح مشاكساً:
_ ولا أقعد؟
انفجرت هي ضاحكة بينما هو شعر بالرضاء لتلك الإبتسامة التي كان سبباً في رسمها. خرج من الغرفة وذهب ليرتدي ثيابه ثم عاد إليها. جلس على الفراش واستند على جداره بينما توسطت هي صدره محاوطة خصره بذراعيها، حتى شعرت بالسكينة حينها وغفت سريعاً.
بزغ الفجر، فصدح رنين هاتف يوسف. قلق على اهتزازته، سحبه من جيبه وأغلق المنبه، ثم تفقد تلك النائمة على صدره. فرك عينيه ثم ملس على وجنتها بخفة:
_ ليـنة، قومي.
لم تنتبه له فأعاد تكرار ندائه بنبرة أعلى:
_ يا لي لي، يا حبيبتي اصحي.
شعرت بيده التي تتحسس وجهها فرفعت عينيها للأعلى ناظرة إليه. تشكلت بسمة رقيقة فانحنى هو برأسها مقبلاً ثغرها قبل أن يردف:
_ قومي يلا الفجر أذن.
اعتدلت في جلستها، بينما نهض هو وردد بخفوت:
_ هخرج أنا قبل ما حد يصحى.
سار نحو الباب فتبعته هي بنعاس. التفت إليها وحدجها بنظرة ثاقبة قبل أن يتساءل:
_ أنتِ راحة فين؟
بتلعثم أجابته:
_ خارجة.
أشار عليها بإصبعه وهو يردد:
_ بشعرك؟
تفقدت لينة نفسها ثم هدرت ببسمة سمجة:
_ مختش بالي.
بدلها يوسف بسمة سمجة مقلداً أسلوبها وقال:
_ لا أبقي خدي بالك.
أدار مقبض الباب بحذر، ثم تفقد الخارج فلم يجد أحدهم. خرج مسرعاً وأغلق الباب خلفه. خطى بضعة خطوات وقبل أن يصل إلى غرفته انتبه لخروج والدته فتجمد مكانه، فتسائلت هي:
_ صحيت يا حبيبي؟
حمحم وتصنع النعاس قبل أن يجيبها:
_ آه لسه صاحي، كنت جاي أصحيكي.
تثاءبت هي ثم توجهت إلى المرحاض لكي تتوضأ وكذلك فعل هو بعد أن أيقظ البقية. كان اليوم إمامهم في الصلاة. انتهى منها ثم عاد إلى غرفته وكذلك فعل الآخرين وفي غضون ثوانٍ كان الجميع نيام.
أشرقت شمس اليوم، استيقظ يوسف باكراً، ثم توجه إلى الفندق الكائن به علي. أعطى موظف الإستقبال خبراً بقدوم ضيف له، فأمر علي بتركه للصعود إليه.
رحب به علي لكن كان ترحيبه محدود كما أنه لم يسعد بلقائه. تفهم يوسف أمره ولم يعقب على أسلوبه، بل ولج الغرفة وجلس على أقرب أريكة قابلته ثم أردف بصوته الأجش:
_ تعالى أقعد يا علي عايزك في موضوع.
امتثل الآخر لأمره وجلس مقابله، بينما سحب يوسف وسادة مربعة الشكل ووضعها على قدميه ثم نظر إليه بنظرة ثاقبة وسأله بجدية:
_ أنت شايفني إزاي يا علي؟
تعجب الآخر من سؤاله، فلم يكن هناك داعٍ له. حمحم وهتف دون استيعاب:
_ مش فاهم.
أعاد يوسف وضع الوسادة في مكانها ومال بجسده للأمام، ثم شبك يديه وهدر:
_ من حوالي ٨سنين قولتلك أنت شايفني واحد ميعتمدش عليه وميقدرش يشيل مسؤولية عشان تخاف على أختك معايا؟
أنت وقتها رديت عليا بإيه؟
نكس علي رأسه بخجل شديد انعكس على نبرته التي خرجت متلعثمة:
_ قولتلك إنك الوحيد اللي ساعدتنا!
تابع يوسف ما يريد إيصاله إليه:
_ حلو، يمكن أنت غبت ٨سنين ومقدرتش تعرف فيهم شخصيتي كويس، بس أنت وقت ما رجعت لقيت إيه؟
لقيت مثلاً أختك مرمية في الشارع؟
مخلتيهاش تكمل تعليمها؟
سبتها دايرة على حل شعرها؟
متقتش ربنا فيها؟
معاملتهاش معاملة الأخت قبل ما أعرف مشاعري نحيتها؟
دا أنا اتغضيت عن مشاعري مقابل إني أحلل قعدتها معانا عشان ميمسهاش كلمة كدا ولا كدا!
قولي أنت وقت ما وصلت، أختك اتحامت في مين؟ في زياد اللي المفروض كان كتب كتابه عليها خلاص، ولا فيك؟ في أخوها تؤامها؟
رد وقولي اتحامت في مين من مين يا علي؟
ابتلع علي ريقه وبخفوت أجابه بخذي:
_ فيك.
صاح يوسف متابعاً لاسترساله:
_ ودا عشان سواد عيوني؟ ولا عشان راعيتها واتقيت ربنا فيها؟! حسستها بالأمان وإن ليها ضهر تتسند عليه، حميتها حتى من نفسي، عاملتها بما يرضي الله ويرضي أحمد الله يرحمه اللي وصاني عليكم.
رفع علي نظره في عيناي يوسف وسأله بارتباك حرج:
_ أنت ليه بتقولي كل دا؟
أجابه يوسف دون تفكير:
_ عشان عرفت إنك زعلتها لمجرد إنك شوفت صورتين على موبايلي!
الأن قد فهم الأمر، تجهمت تقاسيمه وبحدة باغته هلل:
_ وأنت شايف أن دول مجرد صورتين عاديين؟
"آه عاديين."
أردفهم يوسف بثقة وواصل بجدية:
_ أنا مش مرافق أختك ولا ماشي معاها لامؤاخذة عشان ميبقوش عاديين، أنا متجوزها على سنة الله ورسوله، أختك دي مراتي يا علي، فاهم يعني إيه مراتي؟ يعني يحل لي كل حاجة معاها، وإحنا معملناش كتب كتاب بينا كدا وخلاص، لا إحنا عملنا إشهار، يعني أنا لو شقتي جاهزة كنت أخدها عليها على طول، أنا مقدر إنك أخوها ويمكن الوضع معجبكش، بس ملكش حق أبداً تغلط فيها وتقولها أنها مش محترمة لأنها لا عملت حاجة لا عيب ولا حرام!
أخذ يوسف نفساً ليستطيع مواصلة حديثه معه وقال بصوته الأجش:
_ وأنت لو بتخاف عليها قيراط فأنا بخاف عليها ١٠٠ مش ٢٤، يعني إهدى كدا وطمن قلبك خالص، مش أنا يا حبيبي اللي تخاف منه على أختك! وإلا مكنتش صونتها طول مدة غيابك واستغليت إنها لوحدها وملهاش غيري، تمام يا علي؟
كان يصغي لكلماته وهي منكس الرأس، لا يقدر على مواجهته، فلم يتفوه بخطأ يمكنه مسك ثغرة منه عليه. حمحم وبخذي شديد أردف:
_ أنا أسف.
استنكر يوسف اعتذاره وقال:
_ لا أسف دي تتقال لأختك مش ليا، تروح تراضيها ومتزعلهاش تاني، عشان زعلها عندي غالي ولو عديت مرة مش هعرف إذا كنت هعدي التانية ولا لأ.
لم يكن من علي إلا أنه أومأ برأسه والخذي واضح عليه. عاد يوسف بظهره للخلف مستنداً على الأريكة وبنبرة أهدى أمره:
_ قوم يلا ألبس حاجة شيك عشان الإفتتاح، وطبعاً قبل منه نروح لـ لينة.
"ماشي."
هدر بها علي بطاعة ثم نهض ليبدل ثيابه. مرت دقائق وعاد إلى يوسف الذي حدج قميصه الأبيض وبنطاله الجينز بعدم إعجاب. حمحم وقال:
_ لا أنا كان قصدي بدلة يعني مش كاجوال.
تصدق علي بفمه بحرج شديد قبل أن يخبره قائلاً:
_ بصراحة مش عندي بدل.
لم يطيل يوسف حتى لا يزيد من خجله وهتف وهو ينهض:
_ مفيش مشكلة، شكلك حلو برده.
اقترب منه ثم أحاط كتفيه بذراعه وهتف:
_ يلا يا علوة يا مطلع عيني أنت واختك.
قهقه علي ورافقه للخارج ومن ثم إلى السيارة التي استقلاها وغادرا المكان عائدين إلى منطقة يوسف.
"حاضر."
قالتها وهي تركض نحو الباب، وضعت حجابها سريعاً وفتحت الباب ثم تفاجئت بشقيقها يقف أمامها. خفق قلبها برعب معانق للخجل، نكست رأسها فلم تستطيع مواجهته، وكذلك علي لم يكن أقل منها حرجاً.
دفعه يوسف للداخل مردداً بحنق:
_ أدخل يا عم بدل ما أنت قافل الباب كدا.
تفاجئت لينة بوجود يوسف الذي أوضح لها:
_ علي جاي عشان يقولك حاجة.
انضمت لهم السيدة ميمي التي رحبت بـ علي ترحيب حار:
_ نورت البيت يا علي، عامل إيه.
بهدوء يشوبه الخجل أجابها:
_ منور بيكم يا آبلة ميمي، أنا الحمدلله كويس.
اقترب يوسف من والدته وهمس لها:
_ تعالي معايا يا أمي جوا.
استدار حيث يقفان التوأم وصاح:
_ خدوا راحتكم.
ولج برفقة والدته المطبخ وسرعان ما انهالت عليه متسائلة:
_ في إيه؟ دخلتني المطبخ ليه؟
أجابها وهو يلتقط تفاحة من طبق الفاكهة:
_ علي ولينة زعلانين مع بعض فجبتوا عشان يصالحها، فأكيد يعني مش هنقعد معاهم.
ضاقت بعينها عليه وباستفسار سألته:
_ زعلانين ليه؟ إيه اللي حصل؟
ضاقت هو الآخر مقلداً نبرتها العفوية:
_ حصل اللي حصل يا ميمي، مش لازم نقعد على التفاصيل يعني.
لكزته في ذراعه وصاحت بحُنق:
_ يوه يواد، كنت عايزة أطمن بس.
غمز إليها بمشاكسة وقال:
_ أطمني يا أمي أطمني.
لم تمنع ابتسامتها المستاءة بينما جلس هو على الكرسي يقلب في هاتفه لحين انتهاء الآخرين من حوارهم معاً.
في الخارج، جلست لينة على استحياء شديد، فلم تتحلى بالقوة لتواجهه وترفع عينيها في عينيه. جلس علي على الأريكة المقابلة لها، فرك يده بعنف ثم بدأ حديثه بتلعثم:
_ أنا كنت قليل الذوق، بس دا ميمنعش إني مقتنع إنه تصرف غلط، أه هو مش حرام بس برده المفروض أخلاقنا اللي اتربينا عليها متخليكيش تعملي حاجة زي دي.
لم تتماسك أكثر من ذلك، انسدلت عبراتها بغزارة، حاولت مسحهم مراراً لكنهم يسقطون بقوة أكبر كلما تذكرت إهانته. اقترب منها علي وضمها إليه ثم ردد بندم:
_ أنا آسف على كل اللي قولته، كان وقت اندفاع مش أكتر وأكيد كنت بهذي يعني، متزعليش يا لولو.
رفعت بصرها وأشارت على ذاتها بنبرة مرتجفة إثر بكائها:
_ أنا مش محترمة يا علي؟
قالت جملتها ثم جهشت باكية فأسرع هو في نفي ما قاله:
_ والله العظيم مكنش قصدي، كنت مضايق وبقول أي كلام من غير ما أفكر فيه، أنا واثق فيكي يا لينة وفي أخلاقك، وبعدين يا عبيطة أنا لو شوفت حاجة زي دي ومضايقتش كنتي تزعلي، لأني انفعالي دا من غيرتي عليكي، غيرتي على عرضي، ما إحنا في الآخر صعايدة ودمنا حامي.
أراد مزاحها فهتف مواصلاً بلهجة صعيدية:
_ كويس إن مطارش فيها رجاب ديي.
تفاجئت لينه من حديثه وحدقته بأعين جاحظة فنفى علي جدية حديثه:
_ بهزر يا هبلة، متزعليش عشان خاطري.
اقترب منها وقبل جبينها متسائلاً باهتمام:
_ لسه زعلانة؟
نفت هي بحركة من رأسها فأعاد هو قبلته مرة أخرى. في تلك الأثناء خرج يوسف من المطبخ ووقع على عينيه تلك القبلة التي اخترقت جبين فتاته، فلم يصمت وصاح رافضاً للأمر:
_ لا لا إحنا اتفقنا تصالحها مش أكتر من كدا.
اقترب منهم ثم سحب لينة من بين يدي علي وضمها إلى صدره ثم وجه حديثه لها:
_ وأنتِ عادي سيباه يبوسك؟
خجلت لينة ولم تجيبه فهتف هو:
_ ماشي، حسابنا بعدين.
قهقهت لينة وكذلك علي، ثم تساءل يوسف بفضول:
_ ها اتصافيتو؟
"أيوة."
أردفتها لينة وهي تمسح على عينيها، بينما سحب يوسف مفتاح سيارته من جيب بنطاله ثم ألقاه لعلي الذي لَقِفه قبل أن يسقط أرضاً وأمره:
_ أنزل سخن العربية عشان هنروح مشوار وأنا نازل وراك أهو.
أومأ علي بقبول وغادر المنزل ليلبي أمر يوسف. على جانب آخر انتهز يوسف فرصة انفرادهما وحادثها في أمراً لم يتقبله إلى الآن:
_ بما إنكم اتصالحتوا فياريت متكرريش العاملة دي تاني، مش بحب صور زي تكون على الموبايل ولو ياستي عايزة توريني حاجة ابقي وريني على الطبيعة.
غمز لها فتفاجئت هي بقوله ولكزته في صدره بخفة. بينما واصل يوسف ما يريد قوله:
_ امبارح محبتش أكلمك عشان كنتي زعلانة ومحبتش أضغط عليكي.
أرغمت لينة جميع حواسها على الانتباه لما سيقوله فتابع يوسف حريصاً على عدم التطاول في الحديث:
_ حوار إن شهد تبقى عارفة موضوع الصور اللي اتبعتت لي دي مضايقني.
قاطعته هي مبررة أمرهما:
_ هي والله اقترحت عليا لما لقيتني مضايقة إنك زعلان مني.
تنهد يوسف قبل أن يردف مستاءً:
_ وهي ليه تعرف أصلاً إننا زعلانين؟ أنا فاهم إنها صاحبتك وأقرب واحدة ليكي، بس اللي بينا المفروض محدش تالت يعرفه، إحنا لينا خصوصية مينفعش خالص حد يكون عارفها، لا هي ولا غيرها، اللي بينا يفضل بينا يا لينة.
أخذ نفساً عميق ليواصل حديثه:
_ هل مثلاً أنتِ جيتي في مرة حكتيلي حاجة تخصكم؟
نفت ذلك بقولها:
_ لأ.
تساءل يوسف بجدية:
_ ودا ليه؟
أجابته لينة بخذي:
_ لأنه مينفعش أحكي لك حاجة عن صاحبتي.
"بالظبط، إحنا نفس الوضع، مينفعش صاحبتك تعرف حاجة خصوصاً عني ومعاكي، تمام يا لينة؟"
أومأت بالايجاب فأسرع هو في أخذ قبلة بينما تراجعت هي للخلف سريعاً متفحصة المكان من خلفها ثم عاتبته:
_ بطل بقى حد يشوفنا.
غمز إليه وردد ممازحاً:
_ جت سليمة.
نهض وودعها ثم غادر برفقة علي قاصداً مكان بعينه.
تململت في الفراش ثم شعرت بظل حجب الضوء أمامها ففتحت عينيها ببطئ. كان يقف أمامها يبتسم بعذوبة، بادلته ابتسامة رقيقة قبل أن تقول:
_ صباح الخير.
"صباح النور، يلا قومي عشان نفطر."
قالها بلال فانتبهت إيمان إلى تلك الصينية التي يمسك بها. اعتدلت من نومتها، بينما اقترب هو من الفراش وجاورها، ازدادت ابتسامتها وهي تجوب الفطور بسعادة.
رفعت نظرها عليه وتساءلت برقة:
_ دا عشاني؟
أماء ثم قبل وجنتها قبل أن يردف:
_ يلا كلي بسرعة عشان اليوم طويل النهاردة.
تساءلت هي بفضول:
_ ليه ورانا إيه؟
أخبرها هو مختصراً:
_ هو طويل عليا أنا، لسه هروح للحلاق وهروح على المعرض عشان أتأكد إن كل حاجة تمام، وأرجع ألبس وأنتِ كمان تلبسي ونروح مع بعض.
بحماس تساءلت:
_ إيه دا أنت هتاخدني معاك؟
بإسيتاء واضح هلل:
_ طبعاً، لما مرات بلال والي متحضرش افتتاح معرضه الجديد مين اللي يحضر؟
"ممم، أنت أخدني واجهة ليك يعني.."
قالتها إيمان وهي تأخذ شريحة من الخيار ثم قضمتها في انتظار إجابته. تفاجئ بلال بقولها ونفى ظنها:
_ أكيد لأ، أنا عايزك معايا، وبرده ميمنعش إني عايز أقول للناس كلها إن دي مراتي حبيبتي اللي حلمت بيها سنين وأخيراً بقت معايا.
تقوس ثغرها ببسمة سعيدة، أشارت إليه بالإقتراب فلم يمانع واقترب منها، فطبعت هي قبلة على وجنته ورددت:
_ بحبك.
"مش أكتر مني."
قالها وهي يُقبل ثغرها الذي صرح بحبه، ثم بدأ في تناول الفطور، حتى صدح رنين الجرس فهم بلال ليعلم من الطارق، فتح الباب وإذا بعامل المكواه قد حضر ومعه حلة بلال.
أخذها منه بلال ثم أعطاه مالاً وشكره. عاد إلى إيمان التي صاحت متسائلة:
_ مين؟
أجابها وهو يعلق حلته في غرفة الثياب:
_ دا المكوجي جاب البدلة اللي هلبسها.
ثم ارتدى ثيابه وودعها حتى يفعل ما عزم عليه قبل موعد الإفتتاح.
صف سيارته أمام إحدى المولات التجارية، ومنه إلى مكان يبيع الحُلل الرجالي. ولج برفقة علي فرحب به العامل بذوق، اقترب منه يوسف وهمس له ببعض الكلمات في أذنه.
لبى الآخر طلباته وتركهما ثم عاد بعد دقائق معدودة حاملاً بعض الحُلل في يديه ووجه حديثه إلى علي:
_ اتفضل معايا عشان تقيس البدل.
تفاجئ علي، ووقف يستوعب ما قيل للتو، مرر أنظاره بين العامل ويوسف وردد سؤاله بعدم استيعاب بعد:
_ هو فيه إيه يا يوسف؟
همس له يوسف بمشاكسة:
_ مينفعش واحد من فريق العمل مع يوسف الراوي يحضر افتتاح بجينز يا علوة.
دفعه يوسف للأمام وحثه على السير:
_ يلا عشان مش عندنا وقت كتير.
أبدى علي رفضه بحرج:
_ بس يوسف.
قاطعه الآخر حاسماً للأمر:
_ مبسش، يلا بقى بقول معندناش وقت.
بادله علي إبتسامة ممتنة ثم رافق العامل، أخذ يرتدي حتى أعجب بإحداهم وشعر بأنها متناسقة مع جسده اليافع وكذلك كان رأي يوسف الذي ما أن انتهى من شراء الحُلة، أوصى بإحضار واحدة أخرى ناهياً حديثه قائلاً:
_ أه تعتبر نفس المقاس، وياريت تتبعت على العنوان دا في أسرع وقت.
ترك ورقة لهم بعد أن دون بها العنوان المقصود ثم غادرا المكان، وتوجها إلى الحلاق الخاص بيوسف. التقى ببلال هناك فصافحه ثم جلس ينتظر دوره وكذلك علي.
بعد مدة، قام بالإتصال على شقيقه الذي أجاب من بين أنفاسه اللاهثة:
_ إيه يا يوسف؟
بنبرة هادئة حتى لا يزعج من هم حوله حادثه:
_ أنت فين؟
بفتورٍ قال:
_ طالع على السلم، أنا مسحول في ورق الجيش دا.
قهقه يوسف بسخرية وأردف:
_ طب أنجز يلا والبس وتعالالي على المعرض، متتأخرش.
قرع زياد الباب أولاً قبل دخوله وأجاب أخيه بنبرة متعبة:
_ تمام، أومال أنت فين؟
"كنت بشتري بدلة لعلي وبعدين روحنا للحلاق."
أردفهم يوسف فصاح الآخر بتهكم:
_ بتفكر في علي وناسي أخوك، شكراً يا برو.
أخلى يوسف مسؤوليته عن شيئاً يخصه بقوله:
_ لا معتش ليا دعوة بيك يا شق، أنت نسيت إن دا كان طلبك ولا إيه.
تأفف زياد بضجر وصاح بتجهم:
_ مكانتش كلمة اتقالت.
"مليش فيه بقى، أعتمد على نفسك يا حبيبي، يلا سلام عشان دوري جه."
أنهى يوسف المكالمة سريعاً بينما عاد زياد إلى الباب عندما سمع قرع الجرس. عقد حاجبيه بغرابة عندما رأى أحد الشباب الذي يجهل هويته وقال:
_ اتفضل.
بعملية هتف الشاب وهو يقرأ الإسم المدون على الورقة التي بيده:
_ دا بيت زياد الرواي؟
أومأ زياد قبل أن يعرف عن هويته:
_ أيوة أنا زياد، أؤمر؟
ناوله الشاب حاملاً من القماش ثم أعطاه دفتراً وقلماً وقال بعملية:
_ لو سمحت امضيلي هنا بالإستلام.
مضى زياد بإسمه ثم أغلق الباب ونظر إلى ذاك الحامل بغرابة. قام بفتحه وتفاجئ بتلك الحُلة التي بداخله، ابتسم بسعادة فحتماً لن ينساه أخيه.
أسرع داخل غرفته ليرتديها ويرى ما أن كانت بحاجة إلى شيء أم لأ.
حل المساء، تممَ بلال ويوسف وعلي وجميع العمال على كافة التحضيرات. انتبه الجميع على سيارة شرطة هائلة قد وقفت أمام المكان، توجه الجميع نحوها وقد شاهدوا رجال الشرطة التي تترجل من السيارة في صفوف متساوية ثم صدح صوت قائدهم من المقدمة:
_ انتشروا في المكان، مش عايز متر مفيش فيه عسكري.
بصوت اهتزت له الأرض صاحوا:
_ تمام يا فندم.
بدأ الجميع يتفرق في زوايا قريبة وأخرى بعيدة. اقترب يوسف من القائد وهتف ممتناً له:
_ شكراً لوجودك يا مراد بيه.
هربت مراد على كتف يوسف وردد بعملية:
_ على إيه يا يوسف دا واجبنا، وبعدين طلاما المجرمين دول هربانين لغاية دلوقتي يبقى مش بعيد عليهم يعيدوا اللي حصل تاني.
"ربنا يستر."
رددها يوسف ثم انضم إليهما السيد سمير وخلفه بلال. حمحم يوسف وأوضح ما يحدث للسيد سمير:
_ مراد بيه المسؤول عن أمن المكان، لما طلبت منه قوة للتأمين مترددش أبداً.
تصافحا سمير ومراد ثم دعاه للداخل:
_ اتفضل جوا يا فندم، اتشرفنا بوجودك ووجود رجالتك.
رافق مراد السيد سمير للداخل بينما لكز بلال يوسف في ذراعه ممازحاً إياه:
_ دا مبقاش افتتاح، دا بقى فيلم كود ٣٦.
قلب يوسف عينيه مستاءً قبل أن يردف بعبوس:
_ أنت متعديش حاجة إلا لما تتريق عليها، يا ساتر.
تركه وعاد للداخل، تبعه بلال محاولاً اللحاق بخطواته السريعة. كان المكان يضم الكثير من رجال الأعمال الذين يتعاملون مع السيد سمير، وأيضاً بعض رجال ذوات النفوذ المرموقة.
وأخيراً بعض الجيران الأقارب والمشترين. كانت هناك في الخلفية موسيقى هادئة، تتمايل معها لينة حتى أجبرها يوسف على التوقف بقوله:
_ اتلمي بقى وبطلي هز.
رمقته بنظرات مشتعلة قبل أن تردد بملل:
_ الجو ملل أوي، هو الافتتاح كدا بس؟
مالت عليه لتكون قريبة من أذنه وهمست:
_ مفيش آكل؟ فين العشا أنا جوعت!
حرك يوسف رأسه مستنكراً تصرفاتها الخرقاء وصاح عالياً:
_ إحنا مجوعينك يابنتي في إيه؟
تأففت هي ثم تحسست معدتها وأردفت بنبرة ناعمة:
_ جعانة يا سوفي.
أمسك يدها وهتف:
_ تعالي معايا.
"على فين؟"
تساءلت بفضول فأجابها وهو يجوب المكان بنظراته:
_ مش جعانة تعالي وأنا أكلك.
سارت بجواره بعد أن استأذنت ممن ترافقهم الطاولة. كانت تسير بعدم استقامة، فكانت تكره ارتداء الكعوب لعدم راحتها فيهم. وقعت نظراتها على تلك الفتاة مرة أخرى، نعم هي تلك المُدللة التي سبق ونتفت لها خصلاتها، تقترب منهم برفقة والدها.
استقامت لينة في سيرها متناسية ألم قدميها، تسللت بيدها حتى احتضنت ذراعه من الأعلى فقام يوسف بإحاطة يدها تلقائياً بذراعه.
اقتربت منهم الفتاة برفقة والدها الذي رحب بيوسف بحفاوة:
_ الف مبروك يا جو على المكان ربنا يجعله فتحة خير عليكم.
قابله يوسف بإبتسامة ودودة ورد عليه بلطف:
_ يارب، شكراً لذوق حضرتك.
تدخلت يُمنى مرحبة به وهي تطالع لينة بغيظ شديد:
_ مبروك يا جو.
"الله يبارك فيكي."
قالها يوسف مختصراً الحديث معها، بينما بدأ يعرف هوية لينة لهما:
_ أعرفكم لينة، مراتي.
وجه السيد سليمان نظره إليها تلقائياً ومد يده ليصافحها قائلاً:
_ أهلاً وسهلاً بيكي.
أسرع يوسف في مصافحته موضحاً بحرج:
_ معلش يا سليمان بيه إحنا مبنسلمش.
"ولا يهمك يا جو."
قالها بلطف بينما لم تمرق يُمنى الأمر دون وضع بصمة ساخرة:
_ وعلى كدا مش بتسلمي على بني آدمين خالص؟
سحبت لينة يدها من ذراع يوسف ومدت يدها لها مرددة بهدوء بالغ:
_ لا إزاي، بسلم طبعاً.
مدت لها يُمنى يدها بحتقار شديد، لم تلمس يدها بعد وكادت أن تتراجع مستهزئة بها لكن لينة لم تعطي لها الفرصة في فعل ما يحلو لها، بل شدت على يدها بكل ما أوتيت بقوة فآنت الأخرى بألم، تقوس ثغر لينة ببسمة ساخرة ورددت بتهكم:
_ إيه مالك سلامتك، إيدك مش متعودة على سلام البني آدمين ولا إيه؟
اغتاظت الأخرى من تصرفها وأسلوبها الوقح ثم هدرت وهي تبتعد عنهم:
_ يلا يا دادي.
تعجب سليمان من تصرف ابنته واستأذن من يوسف ثم تبعها، لم يكن يوسف أقل غرابة منه، فما حدث أمامه لم يكن عادياً. نظر إلى لينة التي تتابع هرولة الأخرى والإنتصار واضحاً على ثغرها الذي يبتسم ببلاهة وتساءل مستفسراً:
_ هو إيه اللي حصل دا؟
بلا مبالاة أجابته:
_ سيبك منها دي منفسنا مني.
فغر يوسف فاهه بذهول وردد بتهكم:
_ ودي هتنفسن منك ليه؟
رفعت لينة حاجبيها الأيسر وبلهجة مستاءة سألته:
_ أنت تقصد إيه؟
بتلقائية قال:
_ لا بجد بسأل عادي، هتنفسن منك ليه؟ أنتوا تعرفوا بعض أصلاً؟
أجابته بعجرفة:
_ أصل علمت عليها قبل كدا، ويلا بقى عشان جعانة.
أدارت له ظهرها وأسبقت بعدة خطوات هاربة منه لكنه لحق بها وأعادها إليه وهو يردد آخر ما قالته:
_ علمتي عليها؟ إزاي يعني؟
عضت على شفتيها لكنها تحلت بالشجاعة وأخبرته عما فعلته سابقاً:
_ يوم ما شوفتها معاك هناك كان بتتمايع وتتدلع وأنا مقدرتش أتفرج وأنا ساكتة، دخلت وراها الحمام وجبتها من شعرها.
فغر يوسف فاهه بصدمة هاتفاً بعدم تصديق:
_ جبتيها من شعرها!!
أكدت هي فعلتها بإيماءة من رأسها وتابعت:
_ وقولتلها لو مخرجتش خلصت بسرعة هطلعه في إيدي.
هتفت وهي تكز أسنانها بغيرة واضحة، بينما وضع يوسف يده على فمه مذهولاً، ظل يحرك رأسه باستنكار وتذكر جيداً تحول يُمنى المفاجئ حينها وتعجبه من مغادرتها سريعاً وهتف متسائلاً:
_ أنتِ بجد عملتي كدا؟
اقتربت منه وبغيره أردفت:
_ أعمل كدا وأكتر كمان لو واحدة بصت لك بس، أكلها بسناني!
لم يمنع يوسف ابتسامته التي تشكلت عفوياً على شفتيه، حقاً لا يصدق أنها فعلت ذلك. شاركته لينة الضحك براحة حينما لم تشعر بضجره، دفعها يوسف للأمام بخفة وأردف ممازحاً:
_ طب يلا قدامي.
اصطحبها يوسف إلى مكان الطعام، وقف أمام الطاولة المستطيلة التي يعلوها أصنافاً عديدة من الأطعمة المختلفة والشهية، أمرهما يوسف برفع الغطاء حتى يسهل على فتاته اختيار ما تريد تناوله.
أخذت طبقاً وانتقت من الطعام ما تحبه وتشتهيه ثم أخذها يوسف إلى مكانٍ بعيد عن الجميع لتكن على راحتها، بعد مدة نهض يوسف بعد انتهائها من الطعام وعاد إلى الجميع ثم أمروا بتقديم الطعام للجميع حينما حان وقته.
وفي النهاية، وقف السيد سمير برفقة بلال ويوسف في المقدمة وفريق عمله الجديد في الخلفية أمام المعرض ليلتقط أحد الصحافة صوراً ويطبعها على أوراق المجلات الإقتصادية.
اقترب يوسف من لينة وهمس لها سؤاله:
_ تيجي نروح بيتنا؟
لم تكتشف قصده ورددت بعدم فهم:
_ بيتنا!، ما إحنا كدا كدا رايحين.
أوضح لها ما يقصده:
_ قصدي بيتي أنا وأنتِ، نشوفه مع بعض.
تحمست لينة للغاية وهتفت بقبول:
_ موافقة طبعاً.
طلب يوسف سيارة لذهاب والدته وأخيه إلى منطقتهم بينما اصطحب لينة في طريقهم إلى عُشهم الجديد.
خطت بقدميها للداخل وكان هو تابعاً لها، واضع يديه على عينيها ثم أزاحهما حينما دلفا المنزل. اتسعت عيني لينة بذهول شديد، طالعت المكان من حولها بإعجاب واضح وهللت بسعادة:
_ الله، المكان واسع أوي.
التفتت إليه وطاعته بعينان لامعتين قبل أن تتسائل وهي تشير على ذاتها:
_ كل دا بتاعي لوحدي؟
أماء لها مؤكداً مع رسمه لبسمة عذبة، فأدارت له ظهرها تتفقد تلك المساحة الهائلة، بينما اقترب منها يوسف وأمسك بيدها قبل أن يردد بحماس:
_ تعالي أفرجك بقية المكان.
لم تمانع بل سارت بجواره وهي تشاهد كل ثغرة به، حتى انتهت حركتهم إلى أحد الغرف التي تعمد يوسف تركها للنهاية. قام بعناق لينته من ظهرها مستنداً بذقنه على كتفها وأردف:
_ دي بقى أوضتنا أنا وأنتِ وبس!
أدارها بيديه وطالع عينيها بحب قبل أن يسألها:
_ ها، عجبتك؟
"جداً، أحلى حاجة إن المكان واسع والمطبخ مساحته تحفة هقدر أعمل فيه اللي رسمت له، والأحلى من كل دا إن دا بيتنا لوحدنا."
هتفت بحماس، ثم تشبثت في عنقه وبدلال قالت:
_ ما تيجي نتجوز بجد يا يوسف.
رفع يوسف عينيه للأعلى وردد قائلاً:
_ مش خلصنا من الموضوع دا الصبح يا لي لي؟!
تنهدت هي وأخبرته عما يجول في خاطرها:
_ مش قصدي على علي، فيه أسباب تانية كتيرة تخليني أطلب منك كدا.
ملس على وجنتها بنعومة وقال وهو يتابع حركة شفتيها:
_ إيه هما؟
ابتلعت ريقها وبدأت تقص عليه أسبابها:
_ نفسي أقلع الطرحة يا يوسف، مش معقول لبساها برا البيت وجوا كمان.
تراجعت للخلف وجابت المكان من حولها راسمًة مواقف عديدة لها بدون حجاب:
_ نفسي أمشي في البيت وأنا سايبة شعري، مش عايزة أكون مرتبطة بيه طول الوقت، وخايفة أقلعه عشان محدش يجي فجأة، كفاية ٨سنين أوي مخبياه ورا الطرحة، نفسي أحرره بقى.
اقترب يوسف منها وأحاط خصرها بذراعيها ثم قال بصوت خافت:
_ طب دا سبب إيه الأسباب التانية؟
عضت لينة على شفاها بخجل قبل أن تخبره السبب الثاني:
_ مش بعرف أخد راحتي معاك هناك، دايماً حاسة إني محاصرة ومتراقبة ومش من حقي حتى أتكلم معاك بحرية، صدقني طول ما أنا وأنت هناك مش هقدر أخليك تحس إني مراتك ولا حتى بنت ماشي معاها، أنا بتحرج يا يوسف من ماما ميمي أوي لما أنت بتقرب لي حتى لو بهزار، وبضايق من نظرات زياد اللي بتحسسني إني واقفة قدامه من غير هدوم.
قطب يوسف جبينه وردد بعدم فهم:
_ نظرات زياد!
أسرعت هي في توضيح الأمر:
_ متفهمش غلط، بس أنت عارفه كويس وإنه مش بيسيب فرصة وإلا ولازم يعلق على وجودنا مع بعض، وأنا بتحرج أوي، وبعدين مش لطيف يعني كل لما يرجع لإما يلاقيك خارج من أوضتي أو أنا اللي خارجة من أوضتك، الموضوع بايخ أوي يا يوسف.
أخرج يوسف تنهيدة حارة قبل أن يهتف:
_ بس المشوار لسه قدامك كتير أوي يا لينة عشان ناخد خطوة زي دي، دا أنتِ لسه مدخلتيش الجامعة!
حاولت إقناعه بأسلوبها المدلل:
_ وإيه يعني؟ أكمل وإحنا مع بعض في بيتنا، فين المشكلة؟
ابتعد عنها وهو يخبرها أين المشكلة بالتحديد:
_ فيها كتير يا لينة، جامعة ومذاكرة وكورسات وحاجات لسه متعرفيش عنها حاجة متنفعش مع جواز ومسؤولية.
التفت إليها وبنبرة ماكرة هدر:
_ وفوق كل دول حقوقي.
غمز إليها قبل أن يتابع:
_ وأنا ممكن أسامح في كله إلا دي، آه.
أسرعت في الرد عليه بلهفة:
_ والله ما هقصر معاك، هحاول أعمل كل اللي في إيدي عشان أوفق بين دراستي وبين.
قاطعها يوسف برفض تام:
_ وليه؟ ليه تضغطي نفسك وتحمليها فوق طاقتها؟
نكس لينة رأسها بحزن، فلم تجد ما تقوله، على ما يبدو أنه لا يريد الزواج منها. استشف يوسف ما يدور في عقلها، اقترب منها ورفع وجهها بإصبعه فتقابلت نظراتهم معاً ثم قال هو:
_ تفتكري مثلاً إني مش نفسي أخد الخطوة دي؟
بإقتضاب هدرت:
_ كلامك بيقول كدا.
لم يعير ردها الساذج اهتمام بل هتف هو بنبرة رخيمة:
_ لو فكرتي شوية، هتلاقي إني سني مش صغير، والحمدلله مادياً كويس، شقتي موجودة ومش ناقصني أي حاجة على إني أخد خطوة الجواز دي، يعني أنا بتكلم عشان مصلحتك، أنا مش حابب أحملك فوق طاقتك، وتفضلي طول الوقت في صراع إنك مقصرة في حاجة لإما في دراسة أو مسؤولية، وبعدين أنا لا يفرق معايا لا طبيخ ولا حقوقي ولا أي حاجة غيرك، أنا بفكر فيكي أكتر ما أنتِ بتفكري في نفسك.
طالعته بامتنان ورددت برقة:
_ وعشان كدا أنا مش خايفة إني بطلب طلب كبير زي دا، كان ممكن أخاف لو مكنتش هكون معاك، بس أنا عارفة إنك هتقف جنبي وتدعمني ولو قصرت مش هتعاتب بالعكس هتحاول تسد أنت النقص دا مكاني.
احتضنت يديه بيدها الصغيرة واسترسلت متوسلة:
_ صدقني راحتي هتكون هنا يا يوسف، معاك ولوحدنا!
طالعها لوقت، فالكثير من المشاعر قد انتابته حينها، الحماس والسعادة، والقلق والخوف وغيرهم. لا يريد التسرع في أمر كبير فيه مصيرها. حمحم وأردف بعقل حكيم:
_ سيبني أفكر شوية، الموضوع مش سهل زي ما أنتِ فاكرة.
تأففت لينة ثم ابتعدت عنه وهتفت بتذمر:
_ أنا عايزة أمشي.
عاد إليها وبنبرة تحذير صاح:
_ أنا مبحبش طريقة لوي الدراع دي، مش معنى إن زعلك غالي عندي تعملي كدا عشان أوافق!
أسرعت في نفي ظنه بقولها:
_ لا طبعاً أنا مش بعمل كدا عشان أضغط عليك، بس مش هنكر إني اضايقت.
نكس رأسها في خجل وحزن معاً فتابع الآخر:
_ مش كل الأمور تتاخد من منظورك أنتِ، أنتِ لسه صغيرة ومش هتفهمي كلامي غير لما تكبري وتلاقيـكـي مش عارفة تاخدي قرار في أي موضوع فيه مصير ناس بتحبيهم.
أومأت بتفهم قبل أن تعيد طلبها:
_ طيب هنمشي امتى؟
قلب يوسف عينيه مستاءً وقال:
_ عايزة تمشي، إحنا لسه اتسلينا؟!
رمقته هي فاستشفت ما يقصده من خلف نظراته وابتسامته الماكرة، تراجعت للخلف ثم ركضت بعيداً عنه مهللة بانتصار:
_ دا لو عرفت تمسكني بقى.
لم يقف مكانه وركض خلفها، كلما ظن أنها في غرفة ما لم يجدها، حتى أمسك بها فصرخت عالياً بتذمر:
_ لأ بقى، أوف.
قهقه هو ساخراً من خسارتها، انحنى بقرب أذنها وهمس:
_ مني وإليا تعودي يا لي لي.
اقترب من ثغرها ولثمه بقُبلات ناعمة تحولت إلى نهم ورغبة شديدة، لكنه كان ملماً بما يفعله لكي لا يستسلم إلى نفسه الضعيفة، بينما كانت هي تبادله مشاعره بخجل وسعادة لأنها قريبة بما يكفي منه فالطالما حلمت بذلك منذ زمن.
انتبها كليهما إلى ذاك الصوت الذي تسلل داخل المنزل، تبادلا النظرات المرعوبة ثم تساءلت لينة بخفوت:
_ إيه الصوت دا؟
وضع يوسف إصبعه على فمه هامساً بتحذير:
_ ششش، خليكي هنا.
أدار لها ظهره فهمست هي بخوف عارم:
_ يوسف، متسبنيش لوحدي.
أشار لها بالهدوء ثم خرج بخطى متهملة ليعلم مصدر ذاك الصوت حتى تفاجئ بوقوف أحدهم أمامه فهتف سؤاله برعب:
_ أنت مين؟
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم تسنيم المرشدي
"أنت مين؟"
تساءل يوسف بذعر تملكه، لكنه تحلى بالثبات والحدة في نبرته حتى لا يُستهان به.
وبنبرة غلظة صاح الآخر:
"أني بردك اللي مين، أني يا سيدي بواب العمارة، أنتِ مين وبتعمل إيه إهنه؟"
تنهد يوسف ببعض الراحة وأجابه بجدية:
"أنا يوسف الراوي، صاحب الشقة."
حمحم الرجل بحرج وقد تراجع عن حدة صوته:
"أني آسف يا بيه، بس الجيران سمعوا صوت صراخ في الشجة وجالولي أشوف الصوت ديه مصدره إيه فجيت جري."
ماء يوسف بتفهم وأردف بصوته الرخيم:
"حصل خير يا عم."
"خدامك راضي يا بيه."
هتف بها الحارس، فاستنكر يوسف تقليله من شأنه وعاتبه وهو يربت على كتفه:
"متقولش كدا يا راجل يا طيب، أنت على راسي، وبعدين أنا مش بيه أنا يوسف عادي."
ابتسم له الرجل قبل أن يردد:
"ودي تيچي كيف ديي، الناس مجامات بردك يا يوسف بيه."
استاء يوسف من ترديده لتلك الكلمة وصاح بتهكم:
"يا سيدي لو لازم ألقاب يعني قولي يا يوسف باشا."
تفاجئ الحارس برده فانفجر يوسف ضاحكاً وعدل على حديثه:
"بهزر معاك، أنا زي إبنك قولي يا يوسف وبس."
"الموضوع هيبجى صعب عليا، طب أسمح لي أناديك بأستاذ يوسف."
هتف الحارس، فأراد يوسف إنهاء الحوار:
"اللي يريحك يا عم راضي."
أنهى جملته فانتبه لنداء لينة المتوجس من خلفه:
"يوسف."
التفت إليها وأشار لها بالإقتراب قائلاً:
"تعالي يا لينة، دا عم راضي البواب."
عرف يوسف عن هويتها حينما رأى التساؤلات في عيني الحارس:
"لينة مراتي ياعم راضي."
رحب بها راضي بترحيب حافل:
"يا أهلاً وسهلاً يا ست الدار."
عقدت لينة حاجبيها وتبادلت النظرات مع يوسف الذي أوحى إليها بإشارة من عينيه أن تجاري الأمر، فقالت هي مختصرة:
"أهلاً بحضرتك."
حمحم راضي وبصوت خشن تسائل بفضول:
"أومال ليه معتعش إهنه طلاما متچوز؟"
أوضح له يوسف حقيقة زواجهما:
"إحنا عاقدين لسه ياعم راضي وان شاءالله الفرح قريب، عشان كدا جينا نتفرج ونشوف هنبدأ فيها منين."
بإبتسامة طيبة صاح الآخر متمنياً لهما التوفيق:
"ربنا يوفجكم ويسرلكم أموركم يارب، والشجة تنور بيكم جريب."
"اللهم آمين."
عقب يوسف على دعائه ثم نظر إلى فتاته وقال:
"ها نمشي؟"
أومات هي بتلهف فهي تريد المغادرة سريعاً، ودع يوسف الحارس الذي رافقهما إلى الأسفل ثم استقلا السيارة وتحركا مبتعدين عن المكان.
أخرجت لينة زفيراً وقالت:
"أنا كنت مرعوبة يا يوسف، هو إزاي معاه مفتاح ويدخل أي شقة كدا من غير إذن صحابها؟"
"طبيعي يكون معاه مفتاح طلاما الشقة لسه فاضية، عشان لو قدر الله حصل فيها حاجة يقدر يسيطر على الوضع، بس الوضع هيتغير أكيد بعد ما نسكن فيها."
أخبرها يوسف، فهتفت هي سؤالها بحماس:
"أيوة يعني هنسكن فيها امتى برده؟"
قهقه يوسف وعلق مازحاً:
"يابت أنتِ واقعة للدرجة دي، اتقلي حبة، سبيلي فرصة أنا اللي أقول عايز اتجوزك."
عقدت ذراعيها عند صدرها وهاجمته بحُنق:
"وأنت إن شاءالله مش عايز ولا إيه؟"
أسرع يوسف في نفي حدسها بقوله:
"هو أنا أطول برده."
رمقته بطرف عينيها ولم تروق لها كلماته، مد يوسف يده والتقط يدها ثم طبع قُبلة عليها مردداً:
"طيب أثبت لك إزاي إني بحبك وبتمنى اليوم اللي أكون فيه أنا وأنتِ لوحدنا؟"
عضت هي على شفاها، تفكر فيما ستخبره ثم رددت:
"شوف أنت بقى هتثبت لي إزاي."
غمز إليها فهو مُلم بما تريد سماعه وقال ببسمة جذابة:
"انسي إني أقول اللي عايزة تسمعيه، لما أفكر الأول."
سحبت يدها وأعادت عقدهما ثم هتفت بتحدٍ:
"براحتك، بس متبقاش تزعل بقى."
"أزعل من إيه؟"
سألها بفضول، فأجابت وهي تتابع الطريق:
"هتشوف بنفسك."
لم يعقب يوسف، حتماً ذلك هراء ليس إلا، وصلا إلى منطقتهم وصف سيارته ثم رافقها إلى الأعلى، لم يتبادلا الأحاديث حتى اختفت هي خلف باب غرفتها سريعاً، فتركها يوسف على راحتها حتى لا تفاتحه في الأمر قبل أن يعطيه حقه في التفكير.
***
ركل الباب بعنف وصاح بعصبية بالغة:
"أنا عايز أعرف طول القاعدة بتتكلمي معاه في إيه؟"
تعجبت من سؤاله ناهيك عن ثورته المبالغة وردت بهدوء يشوبه الغرابة من أمره:
"في إيه يا بلال الموضوع مش مستاهل كل دا."
ازداد غضبه أضعافاً وصاح عالياً:
"هو إيه اللي مش مستاهل؟ دا أنا كل ما عيني تقع عليكي ألاقيكي بتكلميه!"
عدلت إيمان على حديثه:
"هو اللي بيكلمني مش انا."
بلهجة لا تسمح النقاش هدر:
"هتفرق يعني؟"
بتلقائية قالت:
"تفرق طبعاً، أنا موجهتش كلام ليه ولا لغيرو، هو اللي كل شوية سؤال شكل، ويحكي لي عن نفسه وحياته مع مراته وعلى فكرة بقى واضح جداً إن دي شخصيته يعني مش بيكلمني متعمد مثلاً، لأن نظرت أختك وجملتها لما قالتلي استلمي بقى مش هتخلصي النهاردة يدل على إن دي طبيعته."
برفض تام لتلك المبررات الواهية هدر:
"مليش دعوة شخصيته ولا زفت، ليا دعوة إنك كنتي بتتكلمي معاه، وأنتِ عارفة إني مش بطيقه!"
تأففت إيمان وارتفعت نبرتها مثله تماماً ولم تخضع لإتهامه:
"أنت عايزني أعمل إيه لما يوجه ليا كلام، أبص النحية التانية ومردش قدام أهلك اللي هيقولوا عليا قليلة الذوق؟!"
"كنتي تعملي أي حاجة ولا تتكلمي معاه."
كان بلال يضغط عليها كثيراً وهي قليلة الحيلة لا تنجح في إقناعه بشتى الطرق. اقتربت من أحد المزهريات حين نفذ صبرها ثم قامت بإلقائها فتناثرت أشلاؤها في زوايا متفرقة.
رمقها بلال بنظرات مشتعلة وصاح بغضب وهو يبحث عن مزهرية أخرى:
"طب أهو."
أردف جملته وهو يلقي بالمزهرية أرضاً فتحطمت هي الأخرى، لم يتوقفا عن الصراخ أمام بعضهما حتى طُرق الباب فتوجه بلال لفتحه والغضب يتوهج من عينيه، تفاجئ بوجود والديه، الذي انهالا عليه بالأسئلة:
"إيه الزعيق دا؟"
"وإيه صوت التكسير دا؟"
"في إيه مالكم يولاد؟"
والعديد من الأسئلة التي حاصرت بلال.
بنبرة أمرة هدر السيد سمير متسائلاً:
"ممكن أفهم صوتك جايب لآخر البيت ليه؟"
نكس بلال رأسه بخزي وحاول ضبط صوته حتى لا يكون وقحاً مع أبيه وقال:
"مفيش، شدينا شوية."
تدخلت شهيرة مستنكرة رده:
"شديتو إيه بس، دا البيت اتكسر."
كانت إيمان تقف رافضة وجودهما، فلقد فُضحت تماماً، أوصدت عينيها بضيق. اقتربت منها شهيرة وربتت على ظهرها بحنو قائلة:
"شكلكم اتحسدتوا والله."
أخذ سمير بلال على جانب وعاتبه بنبرة خشنة:
"الراجل صوته ميخرجش برا بيته، لكن اللي يعلي صوته دا ويسمع الناس عليه ميسواش ٣ نكلة في سوق الرجالة، حل مشاكلك من غير ما تسمع حد عليكم، أول وآخر مرة أسمع لك أنت ولا هي صوت، مفهوم؟"
أماء بلال بطاعة، بينما نادى سمير على زوجته بحدة:
"يلا يا شهيرة، عشان ننزل هما هيعرفوا يحلو مشاكلهم لوحدهم."
أماءت بقبول ثم همست لإيمان:
"أهدى واستغفري يا حبيبتي دا شيطان ودخل بينكم."
ارتعبت شهيرة حين صاح سمير أمراً:
"قولت يلا يا شهيرة."
"حاضر جيت أهو."
هتفت بها شهيرة وهي تهرول للخارج، لكنها لم تغادر قبل قول ما لديها لولدها بنبرة سريعة:
"راضوا بعض متناموش زعلانين."
أنهت جملتها ثم أغلقت الباب خلفها، بينما وجه بلال نظره عليها فرأى عتابها الذي يتوهج في عينيها، أولاته ظهرها وأسرعت نحو الغرفة، وبدأت تخلع ثيابها وعبراتها تتساقط خجلاً من والديه الذي رأوهم على حالتهم تلك.
لم يقف بلال مكانه وتوجه إليها، ولج غرفة الملابس واقترب منها محاولاً تلطيف ما قام بتعكيره:
"أنا أسف، بس أنا بغير عليكي أوي وخصوصاً من..."
قاطعته إيمان بابتعادها عنه محذرة إياه:
"أبعد عني."
لم يقبل بأمرها وعاد إليها مجبراً على الالتفاف إليه ثم قيد حركة ذراعيها بوضعه لهما خلف ظهرها وأردف كلماته بخفوت:
"والله بغير عليكي من الهوى، وأنا عصبي ولما بتعصب مبشوفش قدامي، متزعليش بقى."
أخفضت رأسها رافضة محادثته، فأعاد محاولاته بلطف:
"ممكن تقدري غيرتي عليكي لو سمحتي!"
صوبت إيمان بصرها عليه وهدرت من بين أسنانها:
"أسلوبك اللي يوصلنا للي وصلنا ليه دا مش غيرة!"
وضعت إصبعها على صدره وواصلت بحُنق:
"دا شك!"
حررت جسدها من بين قبضته بكل قوتها وأولاته ظهرها متذمرة، وقف بلال مذهولاً من ظنها به، لم يتقبله قط وعاد إليها ثم وقف مقابلها وقال:
"أنتِ عبيطة صح؟"
قلبت عينيها مستاءة، فهتف هو:
"يمكن الأسلوب غلط بس مش شك يا إيمان."
نفخت إيمان بضجر بائن حينما تذكرت وجود والديه وصاحت منفعلة:
"أنا مضايقنيش في الموضوع كله غير وجود أهلك! صوتك كان عالي لدرجة إنهم طلعوا بسببه، منظري كان وحش جداً قدامهم، طالعين على صوت ابنهم وهو بيزعق لي!! أوف بجد كل ما بفتكر بتعصب أكتر."
أحاط بلال خصرها وبندم واضح هدر:
"بجد أسف، هحاول أسيطر على عصبيتي بعد كدا."
انحنى على شفتيها مقبلاً إياها بنعومة ثم ردد من بين قُبلاته:
"خلاص بقى أخر مرة."
بعد عدة محاولات نجح بلال في تبخر غضبها، تراجعت إيمان وبتحدٍ أمرته:
"لو عايزني مبقاش زعلانة روح لم اللي اتكسر برا."
شهق بلال وصاح رافضاً للأمر:
"نعم؟ أنتِ فاكراني عشان قولت آسف أبقى عيل توتو وألم اللي اتكسر؟ دا أنتِ بتحلمي."
بعد قليل صدحت ضحكات إيمان وهي تشاهده يجمع حطام المزهريات، طالعها بغيظ وبنبرة مستاءة هتف:
"لو مكنتيش تحلفي بس."
ازداد ضحكها وهي تردد من بينه:
"بس أنا محلفتش!"
رمقها بلال للحظات قبل أن يردد بصدمة:
"إيه دا بجد، محلفتيش؟!"
أماءت بتأكيد، فزفر بضيق وتابع جمعه لأشلاء المزهرية دون إضافة المزيد، جاورته إيمان وساعدته في جمع بقية الحطام المتناثر حتى انتهوا منه، أحضرت المكنسة الكهربائية وقامت بتنظيف الأرضية لتضمن عدم وجود المزيد.
تفاجئت إيمان بغلق بلال للمكنسة وقبل أن تلتفت لتعلم السبب كانت تحلق في الهواء، صرخت بخفة وعاتبته على تصرفه المفاجئ:
"نفسي تبطل تعمل كدا، بتخض."
"سلامتك من الخضة."
قالها بلال ساخراً، فهتفت سؤالها:
"أنت موديني فين؟"
أجابها وهو يدلف الغرفة:
"هعاقبك عشان تحرمي تعلي صوتك عليا."
اتسعت حدقتاها بذهول هاتفة مستاءة:
"أنا اللي عليت صوتي؟ وسمعت أهلك علينا، أيوة صح."
وضعها على الفراش ولم يعير حديثها اهتمام فلقد تاه بين عشقه معها حتى أجبرها على تناسي الأمر ومبادلته مشاعره.
في الطابق الأول،
جلست شهيرة تندب:
"فاتهم دلوقتي لسه بيتخانقوا، هو أنا مش عارفة إبني ودماغه!"
تأفف سمير حينما فشل أن ينام وصاح بنبرة مختنقة:
"ياستي نامي بقى هما حرين مع بعض."
رمقته بعدم راحة ورددت:
"الهدوء دا مش مطمني."
انتفضت من مكانها هاتفة بقلق:
"أطلع أطمن عليهم؟"
انتفض سمير من مكانه وبعصبية مبالغة هدر:
"أقسم بالله يا شهيرة إن ما جيتي نمتي لمعكنن عليكي، هما عيال صغيرة؟ أنا طلعت بس لما صوتهم كان عالي وخلاص خلصنا مش كل شوية هنط لهم."
نفخت بضجر ثم توجهت إلى الفراش، أولاته ظهرها لكن لم يأتيها النعاس فعقلها منشغل مع الآخرين.
***
صباحاً،
خرج يوسف من غرفته بعد أن ارتدى ثياب عمله، توجه إلى الردهة حيث صوت نساء المنزل، انحنى على والدته وقبل جبينها مردداً:
"صباح الخير."
رددن عليه التحية في آن واحد:
"صباح النور."
اقترب من فتاته وكذلك طبع قُبلة على خصلاتها ثم عاتبها بلطف:
"مش قولت بلاش قلع طرحة برا الأوضة؟"
بعفوية أوضحت له:
"زياد مش هنا هلبسها ليه بقى؟"
مال يوسف برأسه يميناً ويساراً مصدراً طقطقة عنقه، ثم استند على كتف لينة متسائلاً باهتمام:
"زياد فين؟"
تولت والدته مهمة الرد:
"بيخلص ورق الجيش يا حبيبي."
"أنت كسلان كدا ليه؟"
تسائلت لينة مستفسرة، فرد هو بنبرة تكاد تسمع:
"مش عارف مليش مزاج أعمل أي حاجة النهاردة."
مالت لينة برأسها وسألته بفضول:
"ها، فكرت؟"
تصنع يوسف جهله وسألها بجدية:
"في إيه؟"
تأففت لينة بنفاذ صبر ثم وجهت حديثها إلى السيدة ميمي مستاءة من عدم مبالاة يوسف:
"يرضيكي يا ماما أقوله تعالى نتجوز وهو يقولي سبيني أفكر؟!"
تفاجئت ميمي بطلبها ورددت باهتمام:
"وأنتِ مستعجلة على إيه لسه قدامك بدري."
قهقه يوسف عالياً وصاح:
"دا اللي بقوله، بس مين يفهم."
تذمرت لينة وعقدت ذراعيها عند صدرها، بينما تحدثت ميمي بحكمة:
"طيب أنتِ إيه اللي خلاكي تفكري في كدا؟"
رفع يوسف عينيه عليها بسعادة لوقوعها في ذاك الموقف وردد بتحدٍ:
"قوليلها بقى."
غمز إليها فشعرت لينة أنها محاصرة، حمحمت وحاولت إبعادها عن الأسباب:
"بغض النظر عن الأسباب يعني، ينفع يقولي أنا اللي أطلب وهو يقولي هفكر؟"
حاولت ميمي إقناعها بكلماتها:
"يا حبيبتي الدراسة والجواز كل واحد فيهم مسؤولية كبيرة أوي ما بالك بقى بالإتنين مع بعض، وأنتِ خبرتك لسه قليلة، هتلاقي نفسك فجاءة مسؤولة عن مذاكرة وبيت وراجل مش هتقدري توفقي صدقيني."
أخذ يوسف زجاجة المياه من أمامه ليرتشف القليل، بينما لم تقتنع لينة بما قالته وأردفت هي وجهة نظرها:
"بس هو قالي ميهموش لا طبخ ولا مسؤولية ولا حتى حقوقه كراجل."
شرق يوسف بعدما وقعت كلماتها على أذنيه، توقفت لينة عن الحديث وضربت ظهره بقوة حتى يسترد روحه، طالعها يوسف بذهول ثم همس من بين أسنانه المتلاحمة:
"إيه اللي أنتِ بتقوليه دا؟!"
لم تعي أي نقطة علق عليها، فهتفت:
"بحاول أوريها إن مفيش مشكلة!"
حرك يوسف رأسه مستنكراً عدم مبالاتها لما وضعتهما فيه، نهض عن الأريكة وأردف كلماته دون أن يواجه عيني والدته:
"أنا نازل الشغل."
وسرعان ما اختفى خلف الباب، عادت لينة إلى السيدة ميمي بنظراتها متسائلة بغرابة:
"هو ماله؟"
ابتسمت ميمي وسألتها بتلقائية:
"أنتِ عارفة يا لينة إيه هي الحقوق دي؟"
نظرت للأعلى تفكر ثم عادت بنظريها إليها وأشارت على عُقلة من إصبعها قبل أن تردف:
"قد كدا."
لم تمنع ميمي قهقهتها العفوية ثم أشارت على إصبع لينة بالكامل قبل أن تقول:
"طيب تعالي لما أعرفك حبة قد كدا."
أجبرت لينة أذنيها على الاستماع جيداً بينما بدأت تخبرها السيدة ميمي بما تجهله هي.
***
تبعته إيمان إلى الخارج، فتح بلال الباب فتفاجئ بوقوف والدته، رحب بها ودعاها للداخل قائلاً:
"تعالي."
مررت بصرها بين بلال وإيمان وتسائلت بفضول:
"ها صالحتها؟"
ردد هو ممازحاً:
"أيوة عاقبتها."
عقدت حاجبيها بغرابة ورددت:
"نعم."
"بقولك صالحتها."
عدل بلال على ما قاله، فأمأت والدته بتفهم، بينما حاولت إيمان إخفاء ضحكتها. نظر إليها بلال وغمز إليها ثم وجه حديثه لها:
"مش أنا عاقبتك؟"
اتسعت حدقتاها بذهول فهتف معدلاً كلمته:
"قصدي صالحتك؟"
اكتفت بإيماءة من رأسها وهي تكاد تنفجر ضحكاً، حركت شهيرة رأسها باستنكار لتصرفاته البلهاء وهتفت مستاءة:
"أنت مالك ياواد مش مجمع أنت بتقول إيه ليه؟ والله شكلها هي اللي عاقبتك بجد."
تفاجئ بلال بردها وصاح رافضاً لما قالته للتو:
"لا لا مسمحلكيش!"
"متسمحش بإيه؟"
تسائلت شهيرة بحاجبان معقودان، بينما تدخلت إيمان بقربها منهما ثم حاوطت ذراع بلال ودفعته للخارج مرددة:
"يلا يا حبيبي مع السلامة مش ناقصين لخبطة في الكلام."
مال بلال عليها وهمس بكلماته:
"تيجي أقولها صالحتك إزاي؟"
نفخت إيمان بنفاذ صبر ثم هتفت وهي تحرر يدها من ذراعه:
"يوم سعيد ياروحي يلا باي باي."
أغلقت الباب في وجهه، فصاح هو من الخارج:
"عشان تطمن بس."
لم تستطيع تمالك ضحكها، فتسائلت شهيرة عن سبب غرابة ولدها:
"هو ماله النهاردة؟"
اقتربت منها إيمان مجيبة إياها بتلعثم:
"ها، سيبك منه، بلال أوقات بيعمل حاجات غريبة."
رافقته شهيرة للداخل وتناولن بعض الأحاديث النسائية التي لا تنتهي أبداً.
***
في العمل، يجلس يوسف في مكتبه يراسل فتاته التي لا تكف عن السؤال والضغط عليه، حتى نفذ صبره وأرسل لها:
"بليل هقولك رأيي الأخير، بس مش عايز كلام في الموضوع دا من هنا لبليل."
لينة: "تمام."
ترك يوسف هاتفه ثم خرج يتفقد أحوال المكان، اقترب من أحدهم وربت على ظهره داعماً إياه:
"عاش يا عيسى، أخبارك إيه."
بإمتنان قال:
"بخير يا ريس."
"الأمور ماشية معاك كويس."
تسائل يوسف مهتماً لأمره، فأجابه عيسى برضاء تام:
"الحمدلله، أنا بحوش دلوقتي عشان أأجر شقة على قدي وأبدأ أجهز فيها."
ابتسم له يوسف قبل أن يردف:
"ربنا يعينك، لو احتجت لحاجة أنا موجود."
"تسلم يا أستاذ يوسف."
قالها عيسى بلطف، بينما توجه يوسف إلى علي المنشغل في هاتفه، اقترب منه بخطوات حذرة ثم لكزه في ظهره هاتفاً:
"قفشتك، بتعمل إيه؟"
شعر علي بالذعر وسرعان ما أخفى هاتفه، فلاحظ يوسف فعلته، فلم يمرق الأمر بسهولة:
"ممم، بتعمل إيه كدا وخبيت الموبايل لما جيت؟"
بتلعثم ردد علي:
"ها؟"
غمز له يوسف وقلد نبرته المرتجفة:
"ها، قول يا حبيبي قول شكلك وراك مصيبة."
أسرع علي في نفي ظنه بقوله:
"لا والله ولا مصيبة ولا حاجة، دا أنا بكلم كيندا."
قطب يوسف جبينه متسائلاً بفضول مخالط للاهتمام:
"كيندا!! مين دي؟"
حك علي مؤخرة رأسه بإرتباك حرج ثم عرفه من هي بتردد:
"دي بنت عمي."
"ممم بنت عمك قولتلي."
قالها يوسف بنبرة هادئة مريبة، لكزه يوسف في صدره قبل أن يسأله:
"بتحبها؟"
تفاجئ علي بسؤاله وبدأت أعراض التوتر تظهر على تقاسيمه، فأعاد يوسف حديثه بثقة:
"يبقى بتحبها."
تقوس ثغر علي بإبتسامة خجولة ثم راود عقله سؤالاً فتجهمت تعابيره ولم يتردد في سؤال يوسف بلهفة:
"يوسف أنت قولت لـ لينة على سفري؟"
نفى يوسف بحركة من رأسه وأردف:
"لا مقولتش مش المفروض أنا اللي أعرفها، بس واجب عليك تعرفها وتعرفها من بدري كمان عشان متتفاجئش، كفاية مرة عملناها وفضل ضميري يأنبني طول مدة غيابك وكل ما كانت بتسأل عنك."
زفر علي وقال بقلة حيلة:
"أكيد هعرفها، أصلاً معتش قدامي وقت، دا أنا المفروض أمشي على آخر الأسبوع عشان أأكد التقديم، لاني يدوب قدمت إلكتروني بس."
تفهم يوسف أمره واستأذن منه ليتابع عمله، بينما عاد علي يتراسل مع ابنة عمه مرة أخرى.
***
حل المساء، عاد يوسف إلى المنزل في وقتٍ متأخر، وقف في الممر الفاصل بين الغرف يطالع باب فتاته، متسائلاً ما أن غفت أم مازالت مستيقظة، لم يفكر كثيراً فلقد فُتح بابها وظهرت من خلفه بعينين متورمتين.
تملك القلق من يوسف وسار نحوها متسائلاً عن سبب حالتها:
"في إيه مالك؟"
وما أن وقع سؤاله على أذنيها حتى جهشت في البكاء، ضمه يوسف لصدره وملس على خصلاتها محاولاً تهدئتها:
"بس يا لينة إهدى حصل إيه لكل دا؟"
حاولت التحدث لكن بكائها منعها، أخذ يوسف نفساً وقال:
"تعالى لما ندخل جوا."
ولج بها غرفتها ثم جلس كليهما على الفراش وأعاد هو سؤاله:
"ممكن أعرف حصل إيه؟"
من بين شهقاتها أجابته بنبرة غير مفهومة:
"علي.. هيسافر."
زفر يوسف بضجر فالآن علم الأمر، أخرج تنهيدة واسترسل بصوته الرخيم:
"حياته هناك يا لينة، دراسته وصحابه يمكن عاش حياة صعبة بس في الآخر اتعود على البلد دي، وهو شاب ذكي هيعرف يتأقلم هناك في كل الأحوال والظروف."
لم تقتنع بما قاله وأشارت على ذاتها بحسرة قبل أن تردف:
"طب وأنا، مفكرش فيا؟ مفكرش إنه هيسيبني تاني؟ دا أنا ما صدقت إنه رجع، يقوم يمشي وكأني مش موجودة، دا حتى مسألنيش أنا محتجاه ولا لأ، دا بلغني بس أنه هيسافر كمان كام يوم، من امتى فكر بأنانية كدا؟ هو دا علي اللي حماني من ٨سنين، دا اللي حضني وطمني وقت ما ماما وأحمد ماتو! اتغير وبقى غريب، حاسة إني معرفوش، بقى بعيد أوي عني لدرجة إني معتش بحس بيه من جوايا زي الأول."
كلماتها مست قلب يوسف وحزن لأجلها، لكنه لم يريد أن تحدث فجوة بينهما فقال وهو يتحسس وجنتها برقة:
"يمكن تفكري إنها أنانية عشان اختار نفسه، بس لو فكرتي للحظة هتلاقي إن قعاده هنا عشانك ظلم."
فغرت لينة فاها كما اتسعت حدقتاها بذهول، فأوضح يوسف ما وراء حديثه:
"يا لينة أنتِ أصلاً مش قاعدة معاه، وخلاص كليتك هتبدأ أول الأسبوع وفيما بعد أنا وأنتِ هنتجوز والمسؤولية عليكي هتزيد، يعني مش هتلاقي وقت تفكري في حد غير نفسك لو افتكرتيها وسط الزحمة اللي هتكوني فيها، وهو هيفضل لوحده، ومهما حاولتي تكوني معاه، غصب عنك الظروف هتمنعك وهتلاقي نفسك مقصرة في حقه، فليه بقى تجبريه يقعد هنا طلاما مش هتقدري توفقي بينه وبين مسؤولياتك."
"وبعدين أنا هعمل كل اللي في أيدي عشان تفضلوا على تواصل، ويمكن وقتها هتقربوا من بعض أكتر من إنه يكون معاكي في نفس البلد."
هدأ بكائها وهي تفكر في حديث يوسف، فلم تجد هناك مشكلة بعد، تنهدت ثم دعت له:
"ربنا يوفقه."
تقوس ثغر يوسف ببسمة وضمها إلى صدره وهتف بهُيام:
"بحبك وأنتِ عاقلة كدا."
ابتسمت هي وتراجعت للخلف، أسبلت في عينيه لبرهة وهمست برقة:
"سيني سيفورم يوسف."
أستند يوسف على جبينها وهمس أمام شفتيها:
"سيني سيفورم لينة."
تفاجئت لينة من تصريحه وبلهجة كثيراً ما تعشقها، ابتعدت عنه وهللت بسعادة:
"أنت قولت إيه؟"
غمز إليها بمشاكسة ورفض إعادة ما قاله:
"هي بتطلع مرة واحدة بس."
بتلهف لسماعها مرة أخرى أردفت متوسلة:
"بليز قولها تاني دا أنا ما صدقت نطقت حاجة تركي."
أراد يوسف إلهائها عما تريده فقال:
"أقولك حاجة أحسن منها."
أومأت فتابع هو:
"أنا موافق نتجوز!"
انتفضت لينة من مكانها ناهيك عن شهقتها التي دوت في الغرفة وصاحت بدون تصديق:
"قول والله."
قهقه يوسف وقال:
"والله."
قفزت عليه دون سابق إنذار صارخة بعدم تصديق، فأرغمته على التمدد بسبب تصرفها المفاجئ، حتى اعتلت هي، شعرت بفداحة ما فعلته وكادت أن تنهض إلا أنه رفض ذلك وتمسك بها جيداً.
خفق قلبهما بقوة وهما يتبادلان النظرات في وضعٍ قريب كالذي باتا عليه، وبحركة سريعة من يوسف كان قد عكس وضعهما فبات هو في الأعلى، وضع ذراعيها أعلى رأسها وقيد حركتهما ثم انحنى عليها ليأخذ ما تحثه عليه غريزته.
***
بعد مرور عدة أيام، كان الجميع في مطار القاهرة، يودعون علي قبل مغادرته، لم تستطيع الإبتعاد عنه، فكيف تترك قطعة من روحها، عبراتها تتساقط على قميصه دون توقف.
"خلاص يا لينة الطيارة هتفوته."
قالها يوسف لربما تتركه، رفعت لينة عينيها على أخيها وحذرته بقولها:
"إياك متكلمنيش، وقت ما توصل وقبل ما تنام وبعد ما تصحى وكل وقت تكلمني تطمني عليك، مفهوم."
ابتسم لها وقال بطاعة:
"حاضر والله، بس بطلي عياط بقى."
ابتعدت عنه ثم هتفت بعدة وصايا له:
"كُل كويس، ونام كويس، ولو احتجت لحاجة كلمني على طول، وأنا هخلص إجراءات بيع البيت بالتوكيل اللي عملتهولي وهحولك نصيبك على طول عشان متحتاجش لحد أبداً."
ملس علي بحنو على وجهها ثم قبل جبينها وقال:
"خلي بالك أنتِ على نفسك."
أماءت بقبول، فاقترب يوسف منه وعانقه بحرارة:
"توصل بالسلامة يا علوة، كلمنا على طول أول ما توصل."
بنبرة ممتنة أردف:
"الله يسلمك يا حبيبي، إن شاء الله."
جاء دور زياد الذي ودعه وكذلك السيدة ميمي وبلال، ودعوه بحرارة ثم غادر علي واختفى داخل المطار، فجهشت لينة باكية، لقد اشتاقت إليه قبل مرور خمس دقايق فماذا ستفعل فيما بعد؟
أحتضن يوسف يدها وردد بصوته الرخيم:
"خلاص بقى لي لي هو دا اللي اتفقنا عليه؟"
زمت شفتيها بحزن شديد ورددت:
"مقدرتش أشوفه ماشي وأمسك نفسي، الفراق دا وحش أوي."
انفجرت باكية فحثها يوسف على العودة إلى السيارة:
"طيب يلا وقفتنا هنا ملهاش لازمة."
استقل يوسف السيارة، رافقته والدته ولينة، بينما رافق زياد بلال في سيارته حتى لا يعود بمفرده، مر وقت ساد الصمت فيه، قبل أن يقطعه يوسف بقوله:
"بجد مش فاهم ليه مُصرين تبيعو البيت؟"
مسحت لينة على عينيها وأخبرته عن سبب بيعهما للمنزل خاصتهم:
"علي محتاج فلوس عشان المشروع اللي عايز يعمله هناك وعشان يقدر يصرف على نفسه لوقت ما المشروع يمشي، دا غير إني محتاجة حاجات كتير ولازم أجيبها معتش حاجة على الفرح."
نفخ يوسف عدم إعجاب لآخر ما أردفته وعاتبها مستاءً وهو يطالعها من المرآة الأمامية:
"وأنتِ طلبتي حاجة وأنا مجبتهاش يا لينة؟"
أسرعت في إنكار ذلك بقولها:
"لا طبعاً، صدقني أنا محتاجة حاجات كتيرة أوي ومش حابة أضغط عليك كل شوية طلبات عشان هكون سخيفة جداً ولو سمحت متضغطش عليا أنا هكون مرتاحة كدا."
أخرج تنهيدة ولم يعقب، فإذا كان ذلك سيريحها فليكن ما يريد، تابع طريقه بانتباه حتى وصلا إلى منطقتهم.
صعدا إلى منزلهم ثم وجه يوسف حديثه إلى فتاته أمراً إياها:
"يلا روحي نامي لك ساعتين قبل ما تصحي للكلية."
ابتسمت بعذوبة وتحدثت بلهفة:
"متحمسة أوي."
علق يوسف ساخراً:
"حلوة فرحة البدايات دي، عايز أشوف الحماس دا بعد مع أول شهر."
تذمرت لينة وعاتبته:
"أول مرة تحبطني في حاجة أكون متحمسة ليها."
قهقه يوسف وردد من بين ضحكاته:
"مش عايز أغشك، وتقعدي ترسمي أحلام وردية في الكلية وياعيني متلاقيهاش."
تشدقت بعدم إعجاب وأولته ظهرها وهي تردد:
"بكرة أخيب ظنك وهتشوف، تصبح على خير."
"طب مفيش تصبيرة قبل النوم."
قالها يوسف بتمني، فأردفت لينة دون أن تنظر إليه:
"لا مفيش، عشان تبقى تحبطني كويس."
نظرت إليه بتحدٍ قبل أن توصد بابها، بينما هتف يوسف متوعداً:
"ماشي."
***
في الصباح الباكر، أمسك يدها وطبع قُبلة عليها وتمنى لها التوفيق:
"ربنا يوفقك يا حبيبي، كل ما تلاقي نفسك فاضية كلميني طمنيني عليكي."
"أكيد."
أردفتها لينة ثم تفقدت المكان من خلف بحماس شديد، عادت بنظريها إليه وقالت مودعة:
"باي."
ودعها يوسف بيده فترجلت من السيارة وولجت بخطاها الحيوية إلى مبنى الجامعة، بحثت عن أسمها حتى وجدت مكانها، ثم أرسلت رسالة إلى يوسف أنها بخير وفي مكانها الأن.
انتهت أول محاضرة وتفاجئت بأخيها يهاتفها، أجابت على الفور وابتسمت بسعادة حين ظهرت صورته على شاشة هاتفها وهللت:
"وصلت امتى؟"
أجابها بنبرة متعبة:
"يدوب لسه واصل الشقة اللي قاعد فيها مع زمايلي، حبيت أكلمك الأول قبل ما أنام."
كان علي يلاحظ المارة من خلفها فسألها بفضول:
"أنتِ فين؟"
عكست لينة الكاميرا لتريه معالم جامعتها بوضوح قبل أن تخبره بمكانها:
"أنا في الكلية."
أعادت وضعية الكاميرا عليها وسألته بإهتمام:
"هتبدأ امتى؟"
رد عليها بتلقائية:
"الأسبوع الجاي."
"تمام يا..."
لم تنهي لينة جملتها بعد، حتى تفاجئت بتطاول أحد الشباب عليها بعدما التقط منها الهاتف:
"ما تفرجينا معاكي يا عسل."
لم تستطيع لينة إعطاء رد فعل، فلازالت متفاجئة بما حدث، هرولت نحوه وبنبرة أمرة هتفت:
"هات الموبايل."
رفع الشاب ذراعيه للأعلى رافضاً إعطائه لها وهدر بسماجة:
"لو طولتيه خديه."
فغر فاهه فظهرت أسنانه السوداء والتي تدل على تعاطيه للمخدرات، كانت لينة تخشاه كثيراً فلم تتعرض للتطاول بتلك الوقاحة من قبل، لم يكن في يدها سوى استسماحه لعله يعطيها هاتفها:
"لو سمحت هات الموبايل."
غمز إليه وهتف بمشاغبة:
"لأ."
تأففت هي ثم صاحت بانفعال شديد:
"هاتي الموبايل وإلا هـ..."
قاطعها الشاب بإقترابه منها بوقاحة وتسائل بخفوت:
"وإلا إيه؟ هتعيطي؟"
كان علي متابعاً لما يحدث من خلال المكالمة ولم يستطيع فعل شيء، فأنهى المكالمة على الفور ثم هاتف يوسف سريعاً.
"حمد لله على السلامة يا علوة."
قالها يوسف فور إجابته، بينما أسرع علي في إخباره بما وقع على أذنيه:
"سيبك مني يا يوسف، أنا كنت بكلم لينة وفجاءة الصورة اختفت وتقريباً حد شد منها الموبايل ومش راضي يرجعولها."
انتفض يوسف من على كرسي مكتبه هاتفاً بحنق:
"نعم؟ مين دا؟"
من بين أنفاسه اللاهثة هدر:
"معرفش بس شكله كدا عيل شمال."
أغلق يوسف الهاتف وهرول بخطاه إلى الخارج، أثناء وصول بلال الذي تعجب من هرولة يوسف ناهيك عن ملامحه التي لا تبشر بالخير، تبعه للخارج متسائلاً بقلق:
"في إيه يا يوسف، بتجري كدا ليه؟"
لم يجيبه فلم يكن يرى أمامه، استقل سيارته وانطلق بها، لم يقف بلال مكانه وانطلق خلفه حتماً وقعت كارثة حتى يثور هكذا.
وصل يوسف إلى مكان الجامعة، لم يتوقف عن الإتصالات على هاتف لينة، تابع اتصالاته باحثاً عنها في الأرجاء، لكن كيف سيعثر عليها من بين ذاك الحشد الكبير.
وقف في منتصف المكان يدور حول نفسه لعل عينيه تقع عليها، نفخ بضيق وتمتم وهو ينظر للهاتف بغضب شديد:
"ردي بقى ردي."
"أنا أهو يا يوسف."
قالتها هي من خلفه، فاستدار إليها ورأى لمعة عينيها التي أكدت له بكائها، زفر أنفاسه وبهدوء ما يسبق العاصفة سألها:
"مبترديش عليا ليه؟"
أجابته بنبرة مهزوزة:
"كنت عند العميد."
"تعالي وريني الحيوان اللي عمل كدا."
قالها يوسف بعدم صبر، بينما تفاجئت هي بمعرفته للأمر وتسائلت مستفسرة:
"أنت عرفت منين؟"
خرج يوسف عن صمته وبعصبية بالغة صاح:
"هو دا وقته؟! فين الحيوان دا."
لم تريد لينة خلق مشكلة أخرى وهتفت:
"خلاص يا يوسف الموضوع خلص، العميد خلاه يعتذر لي وحذره لو عمل كدا تاني هيتفصل."
أوصد يوسف عينيه لبرهة يحاول التحلي بالصبر، فذلك الهراء التي تتفوه به يزيد غضبه ليس إلا، أعاد فتح عينيه ونظر إليها والشر يتطاير من عينيه:
"مش هعيد سؤالي تاني، هو فين؟"
وجهت لينة بصرها خلف يوسف على نقطة ما، فاستدار حيث تنظر حتى وقعت عيناه على شاب يطالعها بسخط، فأراد التأكد من هويته حيث سألها:
"هو دا؟"
"أيوة."
أجابت مختصرة، فأمرها يوسف قائلاً:
"طب ارجعي مدرجك."
اقتربت منه رافضة الذهاب لأي مكان وسألته يتوجس:
"أنت هتعمل إيه؟"
لم يجيبها بل تركها وغادر الجامعة، استقل سيارته ولم يتحرك حتى يظهر ذاك الدنيء ويلقنه درساً قاسياً لن ينساه طوال حياته.
خرج بلال من سيارته وتوجه إلى يوسف ثم استند بمرفقه على النافذة المجاورة له وسأله مستفسراً:
"أنت واقف عندك ليه؟"
وقعت الفريسة في مصيدتها، خرج الشاب من باب الجامعة برفقة بعض الشباب، تحرك يوسف خلفهم وكذلك بلال الذي تبعه، استغل يوسف وقوفهم في مكان خالٍ من المارة ثم زاد من سرعته ووقف أمامهم مانعاً إياهم من مواصلة سيرهم.
ترجل من السيارة تاركاً بابها مفتوح، توجه نحو ذاك الشاب مباشرةً، أمسكه من تلابيب قميصه ودفعه بقوة حتى تمدد بجسده العلوي على سيارته.
لكمه يوسف بعنف في وجهه ولم يتوقف حتى سالت الدماء من فمه، تدخلا بقية الشباب محاولين فض ذاك الإشتباك، وصل بلال في الوقت ذاته ومنعهم من الوصول إلى صديقه وصاح بنبرة أمرة:
"أرجع يالا منك ليه."
بينما تابع يوسف ضربه للشاب الذي تسائل بنبرة منهكة:
"أنت مين؟ وعايز مني إيه؟"
أخفض يوسف نظره على يديه وسأله بحدة:
"أنهى أيد فيهم اللي اتمدت وخدت الموبايل؟"
"موبايل إيه؟"
سأله بعدم فهم، بينما أمسك يوسف بيمناه بكل ما أوتي من قوة وأجابه من بين أسنانه بغضب:
"الموبايل اللي شديتو من إيدها يا حيلتها."
زاد يوسف من ضغطه حتى سمع صوت كسر عظام يده، أوة الآخر بألم شديد، تركه يوسف وحذره بنبرة لا تحتمل النقاش:
"صدقني هقلع لك عينك الاتنين لو بصت لها تاني!"
انسحب يوسف وكذلك بلال فركضا الشباب على صديقهم بينما أنطلقا الآخرين بسيارتهما، هاتف بلال يوسف ليعلم منه ما الأمر:
"هو في إيه يابني وإيه اللي حصل من شوية دا؟"
بنبرة حادة أجابه:
"واحد غلط وكان لازم يتعلم الأدب، سيبك أنت، أنت إيه اللي خلاك تيجي ورايا؟"
بتهكم في نبرته قال:
"أنتِ عايزني أشوفك بتجري بالمنظر دا ومجيش وراك، وكويس إني جيت كان فاتك أنت اللي مضروب لو مبعدتش العيال دي عنك."
أطلق يوسف قهقهة ساخرة منه قبل أن يردد:
"ماشي يا خفيف."
أنهى معه المكالمة ثم هاتف لينة التي رفضت مكالمته على الفور، ثم أرسلت إليه رسالة:
"أنا في محاضرة."
أرسل لها يوسف رده في رسالة أخرى:
"هتخلصي امتى؟"
لينة: لسه معرفش.
يوسف: اعرفي وعرفيني قبل ما تخرجي من المحاضرة.
لينة: تمام.
انتبه يوسف على بلال الذي يحاول تخطيه فرفض ذلك، شكل بسمة على شفتيه وزاد من سرعته فازداد حماس بلال وزاد من سرعة سيارته لكي يتخطى يوسف، حاول جاهداً أن يتخطاه لكن الآخر كان يغلق أمامه جميع السبل لكي يظل خلفه، حتى ظهرت سيارة نقل فجاءة أمام يوسف...
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم تسنيم المرشدي
اضطر يوسف للدعس على الفرامل سريعاً قبل أن يرتطم بها.
جاوره بلال بسيارته ثم غمز إليه بانتصار وتابع قيادته حتى لا يتخطاه يوسف ثانيةً.
ضرب يوسف الطارة بعصبية لاعناً ذاك السائق الغبي الذي يقف في منتصف الطريق.
تابع قيادته لكن هيهات لصديقه الذي تخطاه بكيلومترات كثيرة.
عاد إلى عمله وكان يتفقد هاتفه من آن لآخر لكي لا يفوت اتصال لينة.
حتى صدح رنين هاتفه فأجاب وهو يلتقط مفتاح سيارته من على مكتبه:
_ خلصتي؟
جاءه صوتها من بين ضجة شديدة، بالكاد استطاع سماعها:
_ أيوه خلصت..
خرج من مكتبه وهو يخبرها بمجيئه:
_ وأنا جاي لك مسافة الطريق.
أسرعت في لحاقه بقولها:
_ لأ لأ خليك أنا ركبت أصلاً مع صحابي.
"عملتي إيه؟"
رددها يوسف بعدما توقف عن السير، فأعادت هي كلماتها:
_ بقولك ركبت، لما أروح هكلمك أطمنك..
أنهت المكالمة لكنه لم يبرح مكانه.
لم يرفع نظره عن الهاتف غير مصدق أنها فعلت ذلك من تلقاء نفسها دون العودة إليه.
كز أسنانه ثم تابع ترجله ومنه إلى سيارته.
***
وصلت لينة إلى المنزل، مبتسمة والسعادة واضحة على تعابيرها، فكانت المرة الأولى لها أن تسير بمفردها.
فتحت لها ميمي بملامح مشدودة فأثارت ريبة لينة وسألتها باهتمام:
_ في إيه مالك؟
صدح صوته الذي دوى في المكان وانتبهت عليه لينة:
_ أنا عايز أعرف إزاي تمشي من دماغك كدا؟ أنا مش قايلك قبل ما تخرجي تعرفيني عشان أكون مستنيكي!!
اقترب بخطاه منها وملامحه لا تبشر بالخير وواصل بنبرة محتقنة:
_ تقومي تخلصي وتخرجي، لأ وكمان تركبي مواصلات وبعدين تتكرمي وتعرفيني!!
حمحمت لينة وحاولت توضيح الأمر الذي يجهله:
_ أنا مكنتش خلصت أصلاً، كان لسه فيه محاضرة بس الدكتور اعتذر، وخرجت بدري معرفتش أكلمك بقى. وبعدين فيه كذا بنت اتعرفت عليهم، بيتهم قريب مننا قالولي تعالي روحي معانا فأنا قبلت!
"قبلتي!!"
صاح يوسف بانفعال وتابع:
_ وبالنسبة للي قاعد مش عارف يشتغل وكل شوية يشوف الموبايل أصل مخدش بالي من مكالمتك؟ مش مهم أنا؟ مش مهم أنا قابل بكذا أصلاً ولا لأ؟! من امتى أصلاً سيبتك تمشي مع حد، ومين دول اللي وثقتي فيهم لدرجة إنك تمشي معاهم؟ عرفتي أخلاقهم منين يعني؟
ابتلعت لينة ريقها وحدثته بهدوء حتى تنهي تلك المشادة:
_ يا يوسف محصلش حاجة لكل دا، والبنات بجد محترمة جداً.
"وعرفتي منين إنهم محترمين جداً؟ من ساعتين قضيتهم معاهم؟"
تسائل بإقتضاب بينما ردت هي:
_ البنات ملتزمين جداً وواحدة منهم لابسة خمار. وبعدين بيكون باين أصلاً الكويسة من اللي مش كويسة. أنا معتش صغيرة يا يوسف وبفهم في اللي قدامي. دا غير إني كان نفسي أجرب أرجع لوحدي مرة وأنا لو كنت قولتلك مكنتش هتوافق..
تدخلت ميمي لكي تنهي المشاحنة بينهما قبل أن تزداد:
_ خلاص يا يوسف حصل خير، هي وكويسة أهي الحمد لله، وأنتِ يا لينة بعد كدا تعرفيه بكل خطوة قبل ما تخطيها، هو خايف عليكي يا حبيبتي.
"حاضر"
قالتها لينة بطاعة بينما عاد يوسف إلى الأريكة يحاول كبح غضبه.
حمحمت هي واقتربت منه ثم سألته مستفسرة:
_ أنت عملت إيه مع الولد؟
دون أن ينظر إليها أجاب ببرود:
_ كسرت له إيده.
شهقت لينة بصدمة ثم انتفضت من مكانها وهللت بانفعال شديد:
_ كسرت ايده!! إيه شغل البلطجة دا؟
صعق يوسف مما وقع على مسامعه، كذلك لم تكن السيدة ميمي أقل منه صدمة، فلقد كانت كلمتها مهينة للغاية.
لم يشعر يوسف بنفسه سوى وهو ينتفض من مكانه رافعاً ذراعه للأعلى قاصداً صفعها.
"يوسف"
هتفت بها ميمي محذرة إياه من الوصول إليها.
توقف يوسف على آخر لحظة، وظل يطالعها بسخطٍ، بينما شعرت لينة بالذعر لحظتها، لقد سُرق منها أمانها في تلك اللحظة.
ظلت تطالعه بعدم تصديق، اغرورقت عينيها بالدموع ثم صاحت بنبرة حزينة:
_ سبيه يا ماما، سبيه يضربني.
أمسكت بيده ورفعتها بقرب وجهها ثم هدرت وعبراتها تتساقط كشلال:
_ يلا أضربني، أضربني يا يوسف.
لم يتحمل يوسف الوقوف أمامها لثانية أخرى، وفر هارباً من المنزل، بينما هرولت هي إلى غرفتها، أوصدت بابها لكي لا يستطيع أحد الولوج إليها.
بكت كثيراً، لم تتوقف عبراتها عن السقوط، رجف جسدها بقوة متذكرة تلك الصفعة.
على الرغم من أن يده لم تلمسها لكنها تشعر بألمها وكأنها صُفعت بالفعل.
تساءلت كيف استطاع فعلها؟ كيف تجرأ ورفع ذراعه عليها؟ أليست هي فتاته ومشاكسة المُتيم بها؟ أين ذاك الحب الذي يحدثها عنه؟
دفنت رأسها في منتصف الوسادة، مطلقة بعض الشهقات القوية من بين بكائها المرير.
على الصعيد الآخر، استقل يوسف سيارته وهو لا يدري أين وجهته تحديداً، فقط يسير لعله يجد مخرجاً.
شعر بحاجته لإفراغ شحنة غضبه.
فلم يتردد في الذهاب إلى الصالة الرياضية، حيث استقبله المدرب بحفاوة:
_ وأخيراً الأستاذ حن وتكرم يجي لنا.
بملامح جامدة هتف يوسف:
_ معلش يا كوتش، ظروف.
ربت المدرب على ذراعه ثم قال:
_ طب يلا غير هدومك عشان الكلاس هيبدأ كمان عشر دقايق.
عارض يوسف حديثه قائلاً:
_ لأ لأ مش عايز أحضر الكلاس دا، أنا عايز ألعب ملاكمة.
"ملاكمة"
رددها المدرب بحاجبين معقودان فأكد يوسف بحسم:
_ أيوه محتاج أطلع طاقتي في حاجة.
استشف الآخر ضيقه ثم نادى بصوت جهوري على زميله:
_ مدحت، تعالى.
حضر المدرب الخاص بالملاكمة فعرف الآخر عن هويتهما بالتناوب بينهما:
_ يوسف، مدحت.
ثم أوضح سبب ندائه لزميله:
_ يوسف معاك النهاردة.
أومأ مدحت ووجه حديثه ليوسف:
_ غير هدومك وتعالى الروم اللي هناك دي.
أشار إلى إحدى الغرف فأومأ يوسف بتفهم ثم توجه إلى غرفة صغيرة ليبدل ثيابه الموضوعة في خزانته الخاصة به، ثم توجه إلى الغرفة التي أشار عليها المدرب.
ارتدى ما يلزم للعب الملاكمة ثم وقف أمام المدرب وبدأ يتبادلا الضرب.
كان يوسف عنيفاً في لكمه ولا يهدأ قط.
لا يتوقف عقله عن ترديد إهانتها له وما زاد الوضع سوءاً صفعته التي كادت تنسدل على وجهها.
لم يكف عن إيلام نفسه، وكذلك تتعارض أفكاره مع تأنيب ضميره.
فهي من اضطرته إلى فعل ذلك!
حقاً؟
مذنب ووقح أيضاً، وهل هناك أي مبرر لتصرفه ذاك؟
ماذا لو لم يسيطر على غضبه وصفعها؟
هل كان سيسامح نفسه؟ هل كانت ستسامحه؟
وهل ستسامحه الآن بعد أن تطاول عليها؟
وعلى الرغم من أنه لم يلمسها إلا أنه ليس هناك فرق طالما نيته كانت حاضرة.
"خلاص يا يوسف أهدى"
صاح المدرب وهو يضع ذراعيه أمام وجهه محتماً فيهما من لكمات يوسف العنيفة.
خرج يوسف من شروده وتفاجئ بثورته على المدرب.
توقف عما يفعله يلتقط أنفاسه وبأنفاس لاهثة قدم اعتذاراً:
_ أنا آسف.
"ولا يهمك"
قالها المدرب ثم قال:
_ بقول كفاية كدا النهاردة.
تركه وغادر الغرفة بينما خلع يوسف قفازات يديه وخرج من الغرفة.
توجه إلى الثلاجة وأخذ منها زجاجة مياه، ارتشفها في آن واحد ثم ألقاها في صندوق القمامة.
جلس على أحد الأجهزة الرياضية يضبط أنفاسه ثم بدأ يمارس الرياضية كما يفعل في سابق مرات.
***
حل المساء، وتعمد يوسف العودة في وقت متأخر لكي لا يواجه أحدهم.
كان الهدوء يعم المنزل، توجه إلى غرفته لكنه وقف واختلس نظرة إلى باب غرفتها.
لا يعلم تحديداً بأي مشاعر يشعر.
يريد الاطمئنان عليها كما يفعل كل مساء، وأيضاً يريد الاعتذار منها.
لكن كلمتها تتردد في عقله فتزيده تمرداً.
ولج غرفته ولم يلتفت، كان أخيه غافياً فلم يحدث ضجة لكي لا يزعجه.
وبه هدوء بدل ثيابه وتوجه إلى الفراش.
تمدد أعلاه لكنه فشل في الإتيان بالنوم.
على الرغم من إنهاك جسده إلا أن عقله كان مشغولاً بها، لا يستطيع أن يقلعها من عقله.
أخرج تنهيدة حين فشل في طرد أفكاره، وخرج من الغرفة.
جلس في الردهة في إضاءة خافتة بالكاد يرى ما هو أمامه.
لم ترفع عيناه عن بابها لربما ينجح في رؤيتها.
مرت دقائق تلاها دقائق أخرى حتى تملكه النعاس.
مالت رأسه فاستيقظ أثناء خروج لينة من غرفتها.
لم تراه فالإضاءة لم تساعدها على رؤيته.
ولجت المرحاض تحت نظراته التي تتابعها.
صغى إلى صوت تقيئها المستمر، نهض وقلبه يعتصر حزناً على ما أصابها من ورائه.
لكنه تريث حينما عادت إلى غرفتها، فلم يرد الجلوس مرة أخرى وقرر العودة إلى غرفته.
ضجة مدوية خرجت من غرفة لينة، وكأن جسداً ما ارتطم بالأرضية.
هرول نحو غرفتها ودلفها فتفاجئ بوقوعها.
ركض نحوها وحاول إيفاقتها بذعر تملكه:
_ لينة، يا لينة..
ظل يضرب وجهها بخفة وهي لا تستجيب إليه.
حملها بين ذراعيه ثم وضعها برفق على الفراش وأعاد محاولاته والنتيجة ذاتها، لا تستجيب!
خفق قلبه بقوة وبحث بعينيه على قنينة عطر.
عثر على إحداهم وهم بنثر الكثير على يده ثم وضع يده على أنفها فشعر بنفورها من الرائحة.
مرت ثوانٍ حتى استعادت لينة وعيها، وضعت يدها على معدتها مرددة بتعب:
_ اااااه.
انحنى يوسف عليها وهمس بخفوت:
_ أنتِ كويسة؟
انتبهت عليه ورمقته لبرهة دون أن تنبس بشيء.
أراد يوسف أن يعتذر منها فلقد خشي فقدانها منذ لحظات.
حمحم قبل أن يردف بنبرة نادمة:
_ لينة أنا اس...
حركت لينة رأسها للاتجاه المعاكس له رافضة سماعه.
لم يرفع يوسف نظره من عليها بحزن شديد.
أخذ نفساً ثم توجه إلى الخارج.
طرق باب والدته التي سمحت له بالدخول بعد مدة.
وقف أمامها والحزن مرسوم على تقاسيمه وقال:
_ لو سمحتي يا أمي خليكي مع لينة النهاردة، لأنها تعبانة..
انتفضت ميمي من الفراش والخوف وحده تملكها وسألته بقلق:
_ في إيه مالها؟
ابتلع ريقه محاولاً الصمود أمامها قبل أن يجيب وهو منكس رأسه:
_ وقعت في الأوضة و...
اهتزت نبرته وتحشرجت، ثم واصل بنبرة سريعة:
_ خليكي جنبها..
ألقى جملته وسرعان ما اختفى من أمامها.
تعجبت السيدة ميمي من حالته لكن ليس بحين يسأل فيه الآن، عليها أولاً الاطمئنان على لينة وصحتها.
ولجت غرفتها متسائلة بتوجس وقلق شديدين:
_ مالك يا حبيبتي، يوسف قالي إنك تعبانة..
مسحت لينة عبراتها ونظرت إلى السيدة ميمي وبنبرة منهكة قالت:
_ أنا كويسة متقلقيش، دوخت شوية.
تفحصت ميمي ملامحها قبل أن تطلق شهقة مذعورة:
_ أنتِ وشك أصفر كدا ليه؟ أكيد من قلة الأكل، اتحايلت عليكي كتير تأكلي وأنتِ كل اللي عليكي لأ مليش نفس.
زفرت ميمي وتابعت معاتبة:
_ هروح أجيب لك أكل وأجي وأنتِ تبقي كويسة.
أبدت لينة رفضها:
_ لا مش عايزة، مليش نفس.
"مش مهم، هتاكلي برده"
أردفتها ميمي حاسمة الأمر.
أولتها ظهرها وهرولت إلى المطبخ بعد أن أغلقت بابها لكي تحضر لها بعض الشطائر.
في تلك الأثناء خرج يوسف من غرفته وبحث عن والدته متسائلاً بلهفة:
_ عرفتي مالها يا أمي؟
أجابته وهي تعد الشطائر:
_ دايخة عشان مأكلتش حاجة طول اليوم..
توقفت عن الحديث ثم حركت رأسها نحوه ورددت بثقة:
_ وتلاقيك أنت كمان مأكلتش حاجة، أقعد هعملك سندوتشين..
رفض يوسف بقوله:
_ لا مش عايز، اعملي لها بس الأول و..
قاطعته ميمي بنفاذ صبر:
_ ياربي حتى في عنادكم زي بعض، أقعد يا يوسف أنا كدا كدا بعمل، كلك لقمة قبل ما تنام..
انتهت من إعداد الشطائر ثم وضعت بعضهم أمام يوسف وأخذت المتبقي إلى لينة.
حم حم يوسف وهتف قبل أن تبتعد عنه:
_ أنا قاعد هنا، ابقي طمنيني عليها..
عادت إليه ثم قالت وهي تطالع حدقتاه الحزينة:
_ ما تيجي أنت تطمن عليها!
نكس يوسف رأسه قبل أن يردف بحسم:
_ لأ.
"أنتوا هتفضلوا زعلانين كدا كتير، متعودتش منك تسيب حد بتحبه زعلان"
قالتها ميمي منتظرة رده، لكنها تفاجئت بوقوفه مردداً بتجهم:
_ أنا رايح أنام.
أوقفته هي بمسكها لذراعه وهتفت:
_ خلاص أقعد كمل أكلك مش هتكلم في حاجة، هدخل وأطمنك أنا عليها.
أجبرته على الجلوس بيدها التي ضغطت بها على كتفه فرضخ لمرادها، بينما توجهت هي إلى غرفة لينة وساعدتها على تناول الشطائر، ثم سألتها باهتمام بعد أن انتهت من تناولهم:
_ ها، حاسة بإيه دلوقتي؟
"أحسن"
قالتها لينة مختصرة فهتفت ميمي معاتبة:
_ عشان تبقي تسمعي كلامي ولما أقولك كلي يبقى تاكلي. وبعدين يا حبيبتي أنتِ لسه صغيرة وياما هتقابلي مشاكل مش كل حاجة تواجهيها بالطريقة دي، مينفعش نقفل على نفسنا ونرفض الأكل والشرب ونقعد نعيط، دي مش طريقة نواجه بيها مشاكلنا أبداً، لأنها لو بتجيب نتيجة دلوقتي فبعدين مش هتجيب وهتبقى زي قلتها..
ملست على خصلاتها ثم واصلت مسترسلة:
_ وعشان أنتِ بنتي ليا عتاب عندك، كلمتك كانت قاسية وجارحة أوي، بقى ينفع يوسف اللي بتحبيه تقوليله شغل بلطجة!! يعني هو عشان بيخاف عليكي وبيحميكي يبقى جزاءه نقوله كلمة صعبة زي اللي قولتيها؟!
لم تتحمل لينة وانفجرت باكية، رجف جسدها إثر بكائها الغزير وهتفت من بين بكائها بنبرة موجوعة:
_ دا كان هيضربني يا ماما، يوسف اللي بحبه كان هيضربني!
وجهت نظريها على السيدة ميمي وتابعت بنبرة متحشرجة:
_ عارفة يعني إيه أماني راح مني وقتها!! لأول مرة أحس بالخوف والضعف من ٨ سنين!! محستش الإحساس دا من يوم موت ماما وأحمد وسفر علي، أنا أول مرة أخاف من يوسف يا ماما! أول مرة أحس إني يتيمة ومليش سند، أول مرة أتمنى إني كنت أموت مع اللي...
قاطعتها ميمي بضمها لصدرها مانعة إياها من مواصلة حديثها بترديدها:
_ بعد الشر عنك يا نن عيني، إيه الكلام دا يا لينة؟ يتيمية إيه وإحنا إيه يابنتي؟ إحنا أهلك يا لينة، يمكن مش بالدم بس بالروح والعشرة والحب وكل حاجة عشناها مع بعض تثبت كدا، بعد الشر عنك يا حبيبتي معتيش تقولي كدا تاني..
في الخارج، انسدلت عبراته بغزارة حين وقعت كلماتها على أذنيه، فمنذ ولوج والدته إليها وهو واقفاً خلف الباب يصغي لصوتها حتى يطمئن قلبه.
لم يعلم أنه سوف يتألم من وراء صوتها الباكي وكلماتها الموجوعة.
هرب من أمام الباب ثم خرج من المنزل، فلم يتحمل المكوث به ثانية أخرى.
صعد إلى سطح البناية لعله يستنشق بعض الهواء ربما يشعر بالتحسن، لكن كيف؟
وهل سيمحي الهواء ما رسخ في عقله؟
كيف فعل ذلك؟
تمنى لو يعاد الزمن حتى لا يكرر فعلته الشنيعة.
لقد سرق أمان فتاته وصغيرته، كيف سيواصل حياته وهو على علم بخوفها منه وعدم شعورها بالأمان معه؟
لقد خرب كل شيء في لحظة غضب غبية.
لم يزيده تفكيره سوى الاختناق أكثر، استند برأسه على السور الخرساني واضعاً يده على صدره، حتماً سيصاب بنوبة إن استمر وضعه ذاك لدقيقة أخرى.
جلس على الأرض ممداً قدميه أمامه، يطالع الفراغ أمامه.
لا يتوقف عقله عن ترديد كلماتها، ولم يتوقف شعوره بالألم بل كان يزداد أضعافاً.
كلام مر عليه الوقت.
كان قليل الحيلة، لا يقدر على فعل شيء، وبضعف شديد مال بجسده مستلقياً على الأرضية بكامل جسده، واضعاً يديه أسفل رأسه كحماية لها من الأرضية الخرسانية، وظلت تتساقط دموعه دون توقف حتى أنهال منه التعب وغفى على وضعه.
***
في الصباح الباكر، استيقظ زياد باكراً اليوم، فلقد غفى في وقت مبكر أمس وأخذ كفايته من النوم.
نهض وتعجب من عدم وجود أخيه، فلم يحن موعد عمله.
خرج من الغرفة باحثاً عن أحد ساكني المنزل، فوقعت عينيه على والدته الغافية على الأريكة.
توجه نحوها وأصدر صوتاً خافتاً لكي ينبهها بوجوده دون أن يسبب لها الذعر.
انتفضت ميمي من نومتها، وجابت المكان من حولها بخوف عارم، أثارت ريبة زياد فما أحدثه لا يستحق ذلك الذعر.
جلس بجوارها قبل أن يردف:
_ إيه الخوف دا كله، أنا معلمتش حاجة يعني..
زفرت بتعب وهي تردد:
_ فكرت أخوك رجع.
"رجع! رجع منين؟"
تسائل زياد بإستفسار فأجابته والدته بعد أن تنهدت بضيق:
_ معرفش، من قبل الفجر وهو مش هنا، قولت هيصلي ويرجع ومن وقتها وأنا قاعدة مستنياه ولسه مرجعش.
عقد زياد حاجبيه بغرابة وهتف مقترحاً:
_ مرنتيش عليه؟
أشارت ميمي بعينيها على الطاولة، فوقع نظره على هاتف أخيه.
عاد بأنظاره إليها متسائلاً بقلق:
_ هو حصل حاجة ولا مشى من نفسه كدا؟
اعتدلت السيدة ميمي في جلستها وقالت بنبرة منهكة:
_ محصلش حاجة، أنا عملت له سندوتشات ياكلها وبعدها سمعت الباب بيتقفل ومن وقتها وأنا قاعدة القاعدة دي.
مالت بجسدها للأمام وربتت على قدمي زياد ثم قالت متلهفة:
_ ما تقوم تشوفه فين وتطمني عليه..
عاد زياد بظهره للخلف محاولاً التفكير عن مكان تواجده قبل أن يهتف:
_ هلاقيه فين بس يا ماما، هو يوسف صغير وهيستخبى!
تأففت ميمي وصاحت بحنق:
_ أعمل إيه بس أنزل أدور عليه أنا؟
تنهد زياد ثم نهض وقال:
_ هنزل أنا يا ماما.
وقفت هي الأخرى وهتفت:
_ ابقي طمنيني لو وصلت له.
كتفى زياد بإيماءة من رأسه ون بخطى ثابتة توجه إلى غرفته ليبدل ثيابه، ثم غادر المنزل.
لا يدري إلى أين يذهب، سحب هاتفه وقام بالاتصال على بلال لربما يكون برفقته.
***
صدح رنين هاتف بلال الذي قطع نومه، استيقظ ونظر إلى إيمان الغافية على صدره وبحذر مد يده وسحب الهاتف لكي لا يوقظها.
تعجب من اتصال زياد في هذا الوقت المبكر لكنه لم يتردد في الإجابة عليه حيث رد بصوت متحشرج:
_ الو..
استشف زياد عدم صحوته من خلف نبرته الهادئة فردد بقلة حيلة معانقة للحرج:
_ إيه دا أنت نايم، فكرت يوسف معاك.
تفقد بلال الوقت في هاتفه ثم عاد لمهاتفة زياد:
_ لا هيعمل معايا إيه بدري كدا.
أنهى زياد المكالمة بقوله:
_ خلاص تمام.
لحق به بلال متسائلاً باهتمام:
_ هو فيه إيه؟
أخبره زياد بما حدث لربما يمكنه مساعدته:
_ مرجعش من امبارح وسايب موبايله في البيت وأمي قلقانة عليه متعرفش ممكن ألاقيه فين؟
انسحب بلال من جوار إيمان بهدوء وخرج من الغرفة مجيباً إياه وهو يحك مؤخرة رأسه:
_ لأ معرفش، هو يوسف بيروح فين أصلاً غير من البيت للشغل والعكس، حتى وقت الجيم مش دلوقتي.
"تمام"
قالها زياد وهو يجوب الشوارع بعينه بينما هتف بلال قبل ينهي الآخر الإتصال:
_ لو وصلت له عرفني.
"ماشي"
قالها زياد مختصراً ثم توجه إلى مكان عمل يوسف الثلاث على أمل إيجاده، لكن لم يراه أحد في العمل اليوم.
ذهب إلى صالاته الرياضية وبعض المقاهي القريبة والنتيجة ذاتها.
عاد بعد أذان الظهر منهك القدمين، صعد درجات السلم بتهمل، يشعر بالدوار لسيره تحت أشعة الشمس مدة طويلة.
وقف أمام باب منزلهم، وكاد أن يدلف إلا أن صوت ما في رأسه حثه على الصعود إلى سطح البناية.
فسبق لأخيه ووجده هناك، ماذا لو كان هو أيضاً بالأعلى.
لم يتردد في الصعود، ولقد أصاب حدسه.
اقترب منه وتعجب من نومه هناك، فكيف استطاع الصمود على أرضية صلبة كتلك.
جلس بجواره وهزه بخفة مردداً:
_ يوسف، يا يوسف..
بعد لحظات استجاب يوسف لندائه، رفع بصره عليه فتأكد من وجوده بينما تساءل زياد باهتمام:
_ أنت إيه اللي منيمك هنا؟
اعتدل يوسف وقد شعر بألم شديد في ضلوعه، تشنجت ملامحه وهو يمسك بذراعه التي كان يستند عليه، لم يكن هناك شيء في جسده لا يؤلمه.
جذب زياد انتباهه بسؤاله:
_ نايم هنا ليه؟
أجابه يوسف دون أن ينظر إليه:
_ كنت قاعد ونمت من غير ما أحس..
"طب انزل عشان أمك قالبة عليك الدنيا"
قالها زياد وهو ينهض، مد يده لأخيه ليساعده على الوقوف، فأمسك به يوسف جيداً ونهض بصعوبة.
نفض عنه الأتربة التي علقت في ثيابه وخصلاته وترجل إلى طابقهم.
ولج زياد ويوسف كان متابعاً له، هرولت ميمي عليهما تتفحص يوسف بخوف وقلق:
_ أنت كويس؟ روحت فين قلقتني عليك.
"أنا كويس، مفيش حاجة"
ألقى جملته دون إضافة المزيد، وتوجه إلى المرحاض لينعم باستحمام دافئ ربما يشعر بالتحسن.
بينما نظرت السيدة ميمي إلى زياد وسألته بريبة من أمر يوسف:
_ أنت لقيته فين؟
أجابها مختصراً:
_ فوق على السطح.
عقدت ميمي حاجبيها بغرابة وقبل أن تضيف المزيد صاح زياد بقوله:
_ أنا جعان، عايز أفطر..
أومأت بقبول وتوجهت إلى المطبخ تعد لهم الفطور.
بعد قليل خرج يوسف من المرحاض باحثاً عن هاتفه:
_ مشوفتيش موبايلي يا أمي؟
"على الطرابيزة يا حبيبي"
أردفتها وهي تضع آخر ما أعدته على الطاولة، بينما توجه يوسف إليه، تفقد الوقت وصعق حين رآها الواحدة ظهراً.
نظر حيث غرفة لينة وهتف مستاءً من تناسيه:
_ كلية لينة!!
اقتربت منه والدته وبتردد يشوبه التوجس من رد فعله هتفت:
_ لينة راحت كليتها، قعدنا نستنى خبر منك أو من زياد مفيش، قولتلها تعرفي تروحي لوحدك قالتلي آه قولتلها طب قومي روحي، دا تاني يوم ليها ومينفعش تغيب من أولها كدا..
تملك يوسف الضيق، حتى انعكس على تقاسيمه ثم عاد متسائلاً بنبرة جامدة:
_ بس دي معهاش فل...
قاطعته والدته بقولها حتى تطمئن جوفه:
_ اديتها يا حبيبي، متقلقش.
لم يقف يوسف مكانه بل توجه إلى الباب فنادته والدته:
_ أنت رايح فين؟ مش هتفطر؟
أجابها بحدة وهو يغلق الباب خلفه:
_ لأ.
أخرجت تنهيدة مهمومة فتدخل زياد بسؤاله الفضولي:
_ هو في إيه، الجو متوتر كدا ليه؟
جلست ميمي حيث كرسيها وردت وهي تطالع أمامها بضيق:
_ مفيش، كُل أنت.
***
استقل سيارته وقام بالاتصال على لينة، التي رفضت اتصاله ثم أرسلت إليه أنها منشغلة وحينما ستفرغ ستهاتفه.
ألقى يوسف بالهاتف على الكرسي المجاور له بعصبية شديدة، زاد من سرعة سيارته وتوجه إلى عمله.
كان يوم عصيب عليه، لم يخلو من الانفعالات على العمال بسبب وبدون.
كان الجميع ملاحظاً لحالته المريبة، لكنهم لم يعقبا حتماً هناك ما أثار غضبه حتى يكون ثائراً كالبركان هكذا.
كان يوسف يتفقد هاتفه من آن لآخر لعله يجد منها اتصال أو ربما رسالة.
بعد فترة مرت عليه كانت ثقيلة ومرهقة للغاية، رأى أن جلوسه لن يجدي نفعاً بل سيزيد الأمر سوءاً.
أخذ هاتفه وخرج من المعرض، استقل السيارة وتوجه مباشرةً إلى جامعتها.
أنهت لينة جميع محاضرتها ثم جلست في كافتريا الجامعة، تعيد ما حدث البارحة لربما تستطيع مسامحته.
هي على علم بأنها اقترفت خطأً لكن رده كان مفزع، ولازالت لم تخرج من صدمته للآن!
تفقدت ألبوم الصور في هاتفها واختارت صورة له، ظلت تحدق في ملامحه ويديه مرفوعة عليها.
لم تشعر بتلك الدمعة التي فرت على مقلتيها، ثم غردت بخفوت:
"أوقات بييجي الصح في الوقت الغلط
والقلب زي السهم لو شد وفلت
و بصراحة الدنيا بتغيرنا بالراحة
ما بين شعور بالذنب والراحة كله اختلط
بقي عادي الناس يختاروا صح ويتأذوا
والحب مش محکوم بحاجة تميزهم
ش أي إحساس بالسعادة بيتلقوا
لا أي وعد بناخده سهل ننفذه
و بصراحة الدنيا بتغيرنا بالراحة
ما بين شعور بالذنب والراحة كله اختلط"
"الله الله إيه العظمة دي؟!"
قالتها فاطمة حينما استمعت لغنائها الجميل، بينما هتفت ندى مبدية إعجابها الشديد بصوتها:
_ صوتك جميل جداً ما شاء الله.
التفت إليهن لينة وابتسمت ثم رحبت بهن:
_'تعالوا يا بنات..
غمزت إليها فاطمة حينما وقعت عينيها على صورة يوسف وتسائلت بفضول وهي تجلس أمامها:
_ مين اللي شاغل عقلك دا؟
نظرت لينة إلى الهاتف ثم أغلقته، ابتسمت بحرج وأخبرتها:
_ دا يوسف، خطيبي.
اتسعت مقلتي ندى وفاطمة بذهول حيث رددت ندى بعدم تصديق:
_ إيه دا أنتِ مخطوبة، بس أنتِ لسه صغيرة أوي.
لكزتها فاطمة في ذراعها بقوة وعاتبتها قائلة:
_ وإيه المشكلة، فيه ناس كتير مخطوبين في سن أصغر من كدا.
وجهت فاطمة بصرها إلى لينة وهتفت بفضول أنثوي:
_ بس شكلك بتحبيه؟!
تلونت وجنتا لينة بالحمرة خجلاً من سؤالها، قهقهت الفتيات على ما أصابها وتحدثت ندى مازحة:
_ بس بقى يا فطوم متكسفيهاش.
ثم تابعت وهي تواجه لينة:
_ ها احكيلنا بقى اتعرفتوا على بعض إزاي، واسمه إيه وبيشتغل إيه؟
تدخلت فاطمة مستاءة من فضول صديقتها:
_ حيلك حيلك، وأنتِ يخصك إيه في كل اللي قولتيه دا.
غمزت إلى لينة بمشاكسة ثم قالت مازحة:
_ هاتي لنا بطاقته بس.
شاركتهن لينة الضحك ثم انتبهت على رنين هاتفها، تجهمت تعابيرها لكنها جاهدت أن تبدو طبيعية.
حم حم ثم أجابت على مضض:
_ الو..
"أنتِ فين؟ أنا عند البوابة"
تسائل يوسف باستفسار فتعجبت هي من حديثه ورددت دون استيعاب:
_ بوابة إيه؟
أجابها مختصراً:
_ بوابة الكلية، ها أنتِ فين؟
بحثت هي بعينيها عليه حتى رأته ثم قالت:
_ أنا في الكافتيريا اللي على يمينك، ثواني وهجيلك.
لحق بها يوسف مردداً:
_ لا خليكي أنا جاي لك.
أنهى المكالمة ثم توجه نحوها فشعرت هي بالإرتباك لوهلة، ولم ترفع نظريها من عليه، حتى أثارت فضول الأخريات ونظرن حيث تنظر هي.
رأينا شاب وسيم يقترب منهن فصاحت ندى بعدم تصديق:
_ متقوليش إن القمر دا خطيبك!!
شعرت لينة بالغيرة، ولم تتحمل سخافة أخرى، انتفضت فأثارت ريبة الأخريات، ثم تمتمت بحنق:
_ ويبقى جوزي، فخلي بالك من كلامك!!
توجهت إلى يوسف ولم تنتظر وصوله، صاحت بنبرة محتقنة قبل أن تصل بخطاها إليه:
_ كمل كمل متوقفش..
تعجب من أسلوبها وسألها مستفسراً:
في إيه؟
بإقتضاب وحدة في الحديث قالت:
_ مفيش حاجة عايزة أمشي بس.
خرجا كليهما من الجامعة، واستقلا السيارة في صمت طال لوقت.
لم يستطيع أحدهما كسره، كلما أراد يوسف خلق حوار معها يفشل، وكأن الكلمات حُشرت داخله، فضل الصمت لحين إيجاد كلمات تليق به.
لم يخلو عقله من تكوين الأفكار التي زادته حماساً لتنفيذها.
وصلا إلى منزلهم وولج إلى والدته خصيصاً وتحدث بحيوية:
_ سيبي اللي في ايدك وركزي معايا، عشان عايزك تساعديني في حاجة كدا.
تركت ما بيدها مجبرة أذنيها على الإصغاء جيداً فبدأ يوسف يقص عليها ما نوى على فعله، ثم غادر المنزل.
***
حل المساء، كانت تمسك بهاتفها تقرأ رسائل صديقتها التي ترسلها منذ عدة أيام ناهيك عن اتصالاتها المستمرة وهي لا تجيب.
شعرت بوقاحة أسلوبها التي تتعامل معها به لكنها مضطرة لذلك.
أجابت على آخر اتصال بحرج شديد بينما صاحت شهد معاتبة:
_ أنتِ مبترديش عليا ليه؟ قلقتيني والله، وكنت هجيلك بكرة أطمن عليكي.
حمحمت لينة وبتلعثم رددت:
_ معلش يا شهد، اتشغلت في الكلية وكدا.
"ومين سمعك مش هما يومين بس مرمطة، المهم طمنيني عليكي"
أردفتها شهد فأجابت الأخرى مختصرة:
_ الحمد لله..
بخبث صاحت شهد:
_ أنتِ ويوسف أخباركم إيه؟ كنت شيفاكم يوم كتب الكتاب حلوين، شكل خطتي نجحت وباكتساح!
أوصدت لينة عينيها فهذا بالتحديد ما تخشاه.
طالت مدة صمتها ثم اختصرت في ردها:
_ آه إحنا تمام.
بفضول شديد قالت:
_ قوليلي عملتي إيه؟ بعتي له الصور ولا لأ؟ وهو كان رد فعله إيه؟
"مفيش يا شهد عادي، هيحصل إيه يعني؟"
هتفت بها لينة بنفاذ صبر فاستشفت الأخرى ضيقها، فتسائلت باهتمام:
_ مالك يا لينة، فيه حاجة مضايقاكي؟
"مفيش، بس لو سمحتي معتيش تسأليني عليا ويوسف!"
قالتها لينة لاعنة نفسها، فهي لا تريد إحزانها، ومن جانب آخر تريد تنفيذ أمر يوسف.
تعجبت شهد من أسلوبها وهتفت بتعجب:
_ أنا بطمن عليكي بس..
هللت لينة بحنق:
_ لا متطمنيش، عشان دي خصوصية مينفعش حد يعرفها.
_ "اه تمام، طيب سلام"
بخجل شديد قالتها شهد ثم أنهت المكالمة على الفور، بينما ألقت لينة الهاتف على الفراش وأجهشت بالبكاء.
لا تصدق أنها فعلت ذلك مع صديقتها المقربة، الأمر خرج عن سيطرتها فلم تريد إحزانها لكن ما باليد حيلة.
لم تتوقف عبراتها في السقوط حتى انتبهت على اهتزازة هاتفها فأسرعت في مسكه ظناً أنها صديقتها، لكنه كان يوسف من يتصل.
ابتلعت ريقها ثم أجابت دون أن تنبس بشيء، فقال هو سؤاله:
_ لينة أنتِ معايا؟
باختصار قالت:
_ آه.
حم حم قبل أن يردف بنبرة آمرة:
_ طيب قومي البسي وانزلي أنا تحت..
قطبت جبينها بغرابة من أمره، تفقدت الوقت ثم تساءلت بإقتضاب:
_ هنروح فين دلوقتي؟
"لما تنزلي هتعرفي، متتأخريش أنا في العربية تحت"
هتف بها قبل أن ينهي المكالمة في الحال، حتى لا تعترض أمره.
ظلت تطالع الهاتف لبرهة ثم نهضت بفتور شديد، التقطت ثيابها من الخزانة وقامت بارتدائهم.
خرجت من غرفتها وتوجهت إلى غرفة السيدة ميمي، طرقت على بابها بخفة ثم ولجت إليها.
وقفت مقابلها وانحنت عليها محاولة إيقاظها:
_ ماما، يا ماما.
قلقت ميمي وحدقتها بقلق متسائلة بنعاس:
_ في إيه يا لينة أنتِ كويسة؟
أومأت قبل أن توضح لها:
_ يوسف عايزني أروح معاه مشوار مش عارفة فين..
تفقدت ميمي الساعة ورددت قائلة:
_ دلوقتي؟! طيب ابقي طمنيني عليكم.
"ماشي"
قالتها لينة وغادرت المنزل، والعديد من التساؤلات قد راودت عقلها.
وما أن استقلت السيارة حتى انهالت عليه متسائلة:
_ إحنا رايحين فين دلوقتي؟
نظر لها يوسف بعذوبة وشكل بسمة جذابة قبل أن يجيبها:
_ لما نوصل هتعرفي..
تأففت لينة بضجر وصاحت بحنق:
_ هو إيه اللي انزلي وهتعرفي وبعدين تقولي لما نوصل تعرفي.
تعجب يوسف من ثورتها وبهدوء قال:
_ اهدي يا لينة، هنوصل وهتعرفي كل حاجة.
لم تعلق بل اكتفت بالصمت، التفتت إلى الجانب المعاكس له وتابعت الطريق متحاشية النظر إليه.
بعد وقت، وصل يوسف إلى وجهته بينما تعجبت لينة من وجودهما في ذلك المكان.
ترجل يوسف تحت نظراتها المتابعة له، وقف أمامها وفتح لها الباب مردداً:
_ انزلي..
ترجلت دون تعقيب، والفضول يكاد يقتلها، التزمت الصمت وسارت بجواره حتى صعدا إلى الطابق القاطن به شقتهم.
أخذ يوسف نفساً ثم فتح الباب، كان المكان مظلم، ولج أولاً ودعاها للدخول.
أشعل الإضاءة فلم تصبر هي ثانية أخرى وصاحت متسائلة:
_ ممكن اعرف إحنا جايين هنا نعمل إيه؟
اقترب منها يوسف بخطوات متريثة ثم أشار بعينه خلفها، فرددت هي بغرابة من أمره وهي تستدير بجسدها:
_ في إيه...
صمتت حين وقع على عينيها تلك الطاولة التي تتوسط الردهة، ومن على جانبيها يوجد كرسيان، يزين الطاولة بالزهور والشموع، وتتوسطها أطباق مغلفة حتماً يوجد بها طعام فالرائحة قد تخللت انفها منذ ولوجها، وعلى طرفها باقة من الزهور رائعة الشكل.
"أنا آسف"
هتف بها يوسف نادماً على ما اقترفه وهو يحتضنها من الخلف، خفق قلبها بقوة ثم استدارت إليه والعبرات تتلألأ في عينيها.
رفع يوسف يدها الصغيرة وطبع قُبلة عليها وأعاد اعتذاره:
_ أول وآخر مرة أعمل كدا..
لم تتمالك عبراتها التي انسدلت بغزارة، فأبدى يوسف زمجرته من بكائها:
_ لأ لأ مش عايز عياط، أنا مبكرهش في حياتي قده!
مسحت عينيها وهي تردد بنبرة باكية:
_ أنت مش عارف أنا...
قاطعها يوسف بقوله النادم:
_ عارف هتقولي إيه وعارف حسيتي بإيه، وكلامك مع ميمي حسسني إني صغير أوي قدام نفسي وحيوان..
قاطعته لينة بنهرها:
_ متقولش على نفسك كدا.
ابتسم يوسف ثم ضمها برفق إلى صدره، لكنه زاد من تشبثه بها وهو يشم رائحتها الذكية، كم تمنى أن يظل هكذا بقية عمره.
استند على كتفها وهتف بعشق:
_ بحبك أوي، عشان خاطري متزعليش مني، أوعدك مش هعمل كدا تاني أبداً.
تراجعت لينة برأسها ونظرت في عينيه مرددة بحرج يشوبه الندم:
_ وأنا كمان آسفة مكنتش أقصد..
قاطعها يوسف بلا مبالاة:
_ ولا يهمك يا حبيبتي قولي اللي تحبيه، أنتِ أصلاً عندك حق أنا فعلاً بلطجت.
تُفاجئت برده فتابع هو بغتة من بين أسنانه:
_ ولو الزمن اتعاد تاني هكسرله إيده تاني!
تحسس وجنتها متابعاً لحديثه:
_ لينة منطقة محظورة، ممنوع حد يقرب منها!
عضت لينة على شفاها بخجل فنظر خلفها وقال:
_ تعالى نتعشى قبل ما الأكل يبرد.
جلس كليهما مقابل بعضهما البعض، ثم أزاح يوسف ذاك الورق الحراري الذي يعتلي الطعام، بدأ يتناولا الطعام وكذلك الأحاديث التي لم تخلو من المزاح.
انتهوا من طعامهما، فنهض يوسف وتوجه نحوها ثم مد لها يده فلم تتردد وأمسكت في يده، فساعدها على النهوض، تحسس شفتيها بإبهامه وطالع عينيها قبل أن يقول بخفوت:
_ لينة، أنا عايز أعمل حاجة وياريت مترفضيش!
بعدم فهم سألته حول ما يريد فعله:
_ حاجة إيه؟
خلع يوسف سترته ووضعها على المقعد وعاد إليها مشكلاً بسمة ماكرة على محياه، مال على أذنها وهمس بنبرة قشعر لها بدنها:
_ مترفضنيش..
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم تسنيم المرشدي
"تتجوزيني؟"
قالها وهو يجلس على ركبته، مثنياً قدمه الأخرى. كان يمسك بيده علبة بها خاتم الزواج.
لحظة استيعاب لما يحدث. لم تصدق ذلك. لطالما حلمت بعرض زواج كهذا. أدمعت عيناها وابتسمت بعذوبة. أوصدت عينيها لبرهة، ثم انفجرت ضاحكة. فشاركها يوسف الضحك.
اقتربت منه ومالت برأسها لليمين قليلاً، وبخجل واضح هتفت:
"موافقة طبعاً."
استقام يوسف وتمتم وهو يضع الخاتم في إصبعها:
"رأيك مش مهم أصلاً، عشان هتجوزك كدا كدا."
لم تمنع ابتسامتها وهي تتابع دخول ذاك الخاتم إصبعها. رفعت يدها حين فرغ يوسف، وطالت بنظرها عليه، ثم هتفت بدون تصديق:
"فضة دا؟"
تقوس ثغر يوسف بتهكم وصاح بازدراء:
"فضة!! يوسف الراوي يجيب شبكة فضة! دا ألماس يا حبيبتي."
دقت السعادة طبول قلبها. اقتربت منه وقامت بعناقه، ولم تخفض نظريها من على إصبعها بفرحة عارمة. ضمها يوسف وتشبث بها كـتائه في طريق. كانت هي آخر آماله في العودة.
ابتعد قليلاً ليطالع عينيها وقال بعذوبة:
"ما تغنيلي."
ابتسمت ثم تسائلت بخفوت:
"عايز تسمع إيه؟"
"أي حاجة منك حلوة."
قالها وهو يتفحص ملامح وجهها الرقيقة. أخذت لينة وقتاً في التفكير، حتى اختارت أحد أغاني كوكب الشرق، فهي على علم بمدى حبه لها. هتفت بحماس:
"ممم ماشي."
كادت أن تغرد بصوتها العذب، إلا أنه أوقفها بإصبعه موضحاً:
"ثانية."
ابتعد عنها ثم توجه إلى الكرسيان وحملهما بين يديه وتوجه بهما إلى الشرفة التي تتوسط الردهة. وضعهما بجانب بعضهما ودعاها للدخول. جلس على أحدهما وجلست هي إلى يساره. ثم مالت برأسها مستندة على كتفه. مد يوسف يده لها، فتخللت هي ثغرات يده الفارغة بأناملها. وبدأت غنائها وهما يطالعان القمر والنجوم:
"يا حبيبي، الليل وسماه،
ونجومه وقمره وسهره،
وإنت وأنا، يا حبيبي أنا، يا حياتي أنا،
كلنا كلنا في الحب سوى،
والهوى، آه منه الهوى
سهران الهوى،
يسقينا الهنا، ويقول بالهنا،
يا حبيبي يلا نعيش في عيون الليل ونقول للشمس تعالي تعالي،
بعد سنة مش قبل سنة،
دي ليلة حب حلوه بألف ليلة وليلة،
بكل العمر، هو العمر إيه غير ليلة زي الليلة."
انتهت من غنائها، فرفع يوسف يده تلقائياً وطبع قبلة حارة على يدها. التفت برأسه يساراً وواجه عينيها اللامعة قبل أن يردف:
"عمري ما اتخيلت إني أقع في حب واحدة للدرجة دي!!"
تقوس ثغرها ببسمة رقيقة وبحياء ونبرة متيمة قالت:
"أنا بقى من أول ما شوفتك وأنا عارفة إني هحبك!"
بعدم تصديق لما تخبره به سألها بجدية:
"إزاي يعني؟ أنتِ كنتي عيلة عندك ١٠ سنين تعرفي إيه أنتِ عن الحب؟"
نظرت أمامه وأجابته بثقة:
"يمكن وقتها مكنتش أعرف يعني إيه حب، بس أنا اطمنت! وقت ما كنت خايفة لما كنت أنا وعلي لوحدنا أنت جيت وطمنتنا، ووقت ما خوفت أصل القطر يفوتنا أنت حضنتني وجريت لغاية ما وصلتني ليه، ووقت ما أمجد ضربني أنت اخدت لي حقي، ولما علي مشى مكنش فيه غيرك يسد غيابه، وطول ال ٨ سنين اللي قعدت معاك فيهم مكنتش بتعمل حاجة غير أنك بتطمني!!"
عادت بنظرها إليه وواصلت:
"تفتكر أنت بقى يبقى معايا الأمان دا كله وافرط فيه ومحبوش؟!"
وما أن أنهت جملتها حتى تفاجئت بقبلته التي طبعت على شفتيها. خفق قلبها وتسارعت نبضاته، فهو دوماً ما ينجح في إرباكها واضطراب حواسها. لكزته بخفة في صدره وأخفضت رأسها بحياء معاتبة إياه:
"بطل تعمل كدا فجاءة وبرا البيت."
رفع وجهها فتبادلا النظرات متسائلاً بهمس:
"ليه؟"
حمحمت وهي تخبره بعد أن هربت بعينيها بعيداً عنه:
"عشان ببقى عايزة أهرب منك، وهنا مش هعرف أهرب!"
"اهربي هنا."
قالها يوسف وهو يدخلها داخل صدره محاوطها بذراعه. فلم تمانع لينة. هي لا تريد مواجهة عينيه تلك الأثناء. أخرجت تنهيدة قبل أن تتسائل باهتمام وحماس شديدان:
"هنبدأ في تجهيزات الفرح امتى؟"
أجابها وهو يطالع السماء:
"لو عليا من بكرة، بس مش عارف إزاي، وأنتِ أصلاً نص يومك في الكلية وأكيد مش هاخدك بعد يوم طويل ونلف مع بعض نشتري حاجتنا، دا غير إن كدا مش هيكون في وقت لمذاكرتك أصلاً، فمش عارف هنعملها إزاي؟"
"ممم، أنا هقولك."
قالتها بحماس، ثم رفعت بصرها عليه وأخبرته بما يدور في عقلها:
"أنت ممكن تجيب صفحات الأماكن اللي نقدر نشتري منها كل حاجة على الميديا ونختار كل حاجة وأنت تروح تشتريهم."
أبدى يوسف إعجابه بذاك الاقتراح، حيث صاح وهو يضرب رأسها بخفة:
"ذكاء المهندسين ظهر."
رفعت لينة عينيها للأعلى في نظرة تعالى وفخر، فتابع يوسف بعفوية:
"هبقى أكلم بلال وأعرف منه الأماكن اللي اشترى منها ونشوف لو ليها صفحات."
أسرعت في رفض ذلك موضحة:
"لا بس أنا مش بحب المودرن، أنا بحب الكلاسيك أكتر بحسه قيم جداً."
"ما طبيعي أي مكان بيكون عنده جميع الاستايلات وأنتِ تختاري حسب ذوقك."
هتف بها يوسف، بينما تراجعت هي بحرج وقالت:
"ممم طيب."
"تجهيزات البيت وحليناها، كلميني بقى عن الفرح هنعمله فين وهيكون إزاي."
توقفت عن الحديث ونظرت إليه مستاءة، قبل أن تتابع:
"أنا عايزة أرقص واتنطط، وأنت كمان هتشاركني كل حاجة مش عايزة أي رفض في اليوم دا، مفهوم!"
قلب يوسف عينيه وقال:
"هعملك كل اللي أنتِ عايزاه، بس برده هعمل اللي أنا عايزه!"
قطبت لينة جبينها مرددة بعدم استيعاب:
"ودا إزاي يعني؟"
اعتدل يوسف في جلسته ونظر إليها ثم أوضح ما يقصده:
"يعني هنعمل قاعتين، واحدة ليكي ولصحابك وواحدة ليا ولصحابي وكدا."
شهقت لينة بذهول ورددت بدون إعجاب لما قاله:
"إيه!! بس أنا عايزاك معايا."
حمحم قبل أن يردف كلماته:
"ما أنا هكون معاكي، ومعاهم برده."
قلبت عينيها مستاءة قبل أن تهتف بعدم رضاء:
"ودا هيحصل إزاي برده؟"
"هكون معاكي أكبر وقت يا لينة، أنا أخري هسلم على المعازيم والباقي كله ليكي."
عبست بوجهها فتابع هو:
"أنا مش هسمح إنك تقفي ترقصي قدام حد، وفي نفس الوقت عايز أفرحك واعملك اللي أنتِ عايزاه عشان دا يومك فبلاش لوي بوز."
حدقته لبرهة قبل أن تصيح بحنق:
"إيه بقى دا يومك دا هو مش يومك أنت كمان ولا إيه؟"
أوضح لها يوسف مقصده بهدوء:
"أنا يومي بيكي أنتِ، مش بالفرح ولا بالقاعة ولا بأي حاجة. أنا فرحتي بوجودك معايا، عمري ما اهتميت بالشكليات دي."
"قصدك إني سطحية وبتاعت مظاهر؟!"
هتفت لينة بازدراء، بينما تحلى يوسف بالصبر موضحاً حقيقة كلماته:
"أكيد لأ، البني أدمين مش زي بعضهم. كل واحد ليه طريقة معينة بيتبسط بيها، ليه مفضلاته غير التاني. أنا مش بقدر اتبسط بالرقص والتنطيط وإظهار الحب قدام الناس وأنتِ بتتبسطي بكل دول فأنا هعملهم عشان تكوني مبسوطة، لكن أنا كدا كدا مبسوط بيكي أنتِ."
ضاقت لينة بعينيها ورددت بخفوت:
"دا تثبيت؟!"
قهقه يوسف وقال بمرح:
"حاجة زي كدا."
غيرت مسار حوارها إلى خطوة ما بعد حفل الزفاف، حيث أردفت:
"ممم، هنعمل هاني مون فين؟"
نظر يوسف يميناً ويساراً متصنعاً الحماقة:
"إيه دا هو إحنا هنعمل هاني مون؟"
نظرت إليه لينة مستاءة وهتفت بتهكم:
"أيوة طبعاً."
تغلغلت الحماسة داخلها وازدادت نبرتها حيوية متابعة لحديثها:
"عايزة أروح مكان مكنش متقيدة فين بطرحة ولبس، عايزة أسيب شعري وأجري على البحر، وألبس بيكيني."
أوصدت عينيها حالمة بما تتمناه وهتفت بشغف:
"ياااه.."
فتحت عينيها، فتفاجئت به يستند بمرفقه على الكرسي مستنداً بذقنه على راحة يده يصغي لأحلامها الوردية، ثم ردد ببرود:
"يااه أحلام جميلة مش هتتحقق خالص."
"ليه متتحققش، فيه أماكن أقدر أعمل فيها كدا."
هتفت بها بحماس، فقطع عليها حماسها بقوله:
"الكلام دا مستحيل يتعمل برا البيت اللي إحنا قاعدين فيه دا."
لم تستسلم وصاحت محاولة إقناعه:
"يابني المالديف فيها أماكن مخصصة لاتنين بس محدش بيكون شايفهم خالص، ليهم مكانهم الخاص وسط البحر نعمل فيه اللي إحنا عايزينه."
قلب يوسف عينيه، وقبل أن يبدي رفضه مجدداً هتفت هي:
"أنا عملت سيرش في الموضوع دا ومتأكدة من كلامي، وإلا أكيد مكنتش هطلب منك حاجة زي كدا أصلاً، ولو مش مصدقني أعمل سيرش أنت وشوف بنفسك."
أمسكت ذراعه متوسلة إياه بدلال معانق للتوسل:
"لطفاً يا سوفي."
"ربنا يسهل."
أردفها يوسف، فصاحت هي بحماس شديد:
"يعني وافقت؟!"
أسرع في نفي ظنها بقوله:
"أنا مقولتش إني وافقت، بس هفكر."
ابتسمت هي بسعادة. فإن لم يرفض فهناك أملاً كبيراً في موافقته. صمتت، ثم تذكرت أمر المنزل خاصتهم، فتسائلت متلهفة:
"أنت عملت إيه في موضوع بيع البيت، السمسار موصلش لمشتري؟"
نفى يوسف بحركة من رأسه وهتف آخر ما وصل إليه:
"آخر حاجة قالي إنه هيتكلم مع عمدة البلد ويعرض عليه الموضوع، لأنه عارف إنه بيشتري أغلبية البيوت القديمة بس لسه مردش عليا."
تأففت لينة بنفاذ صبر وصاحت:
"أوف عايزاه يتباع بسرعة."
قلب يوسف عينيه، فلم يهضم الأمر بعد وأبدى زمجرته:
"أنا لغاية دلوقتي مش موافق علي بيعه. أنا كنت أقدر أسلف علي، آه مش من معايا بس أعرف رجال أعمال بيسلفوا للمشاريع الصغيرة، وأنتِ عمري ما كنت هنقص لك حاجة."
أسرعت لينة في القول:
"والله عارفة، بس أنا مش عايزة أحملك فوق طاقتك، كل حاجة بقت غالية ولما نشارك بعض مش هتضغط وأنا هبقى مضايقة إنك مضغوط، ثم إن ليه يعني نستلف وعندنا بيت ملك، وكدا كدا مش بنستعمله في حاجة، يعني نستنفع بيه أحسن ما هو واقف كدا والله أعلم بيحصل فيه في غيابنا."
لم يبدي يوسف رد فعل، فلم تنجح في إقناعه. ساد الصمت لدقائق، قبل أن تحتد تعابير لينة وتميل للحزن حينما تذكرت محادثتها الأخيرة مع صديقتها. نكست رأسها وقد شعرت بوخزة في صدرها ولم تكف عن إيلام نفسها. لاحظ يوسف ذاك التحول المفاجئ وسألها باهتمام:
"مالك في إيه؟"
أخذت نفساً قبل أن تخبره بحزن وندم:
"عملت موقف رخم أوي مع شهد."
بفضول تسائل:
"عملتي إيه؟"
أخرجت تنهيدة مهمومة وأخبرته ما اقترفته في حق صديقتها:
"بقالي كام يوم مش برد عليها لأني عارفة ومتأكدة إنها هتسألني عملتي إيه واتصالحنا إزاي، وأنا للأسف اكتشفت إني مش بعرف أواجه وخصوصاً لو هنهي حاجة بتحصل، بس النهاردة رديت عليها ومن كتر خنقتي بسبب زعلنا أنا وأنت اتكلمت معاها بأسلوب وحش جداً، كنت قليلة الذوق بطريقة بشعة، اتنرفزت عليها وقولتلها معتيش تسأليني عن حاجة تخصنا عشان دي خصوصية وهي كل اللي عملته قالتلي تمام وقفلت."
فرت دمعة من عينيها ورددت بإيلام:
"أنا مش عارفة إزاي عملت كدا، أنا غبية والله."
تفهم يوسف وضعها وما كان منه إلا أن ضمها لصدره محاولاً تهدئتها بكلماته:
"أنتِ معملتيش حاجة غلط يا لي لي، دا اللي المفروض كان يحصل، عشان علاقتنا مينفعش حد تالت يكون طرف فيها، بس ممكن اللي غلطتي فيه أسلوبك معاها."
هتفت لينة بنبرة باكية:
"والله العظيم كان غصب عني، كنت مخنوقة أوي، اللي حصل بينا مكنش سهل عليا، بس برده هي ملهاش ذنب."
تنهد ثم أردف بنبرته الرخيمة:
"حصل خير، كلميها بكرة وفهميها إنك كنتي مخنوقة وكان غصب عنك وهترجعوا كويسين تاني، وبس بطلي عياط لو سمحتي، بقولك بكره."
حاولت جاهدة أن تقطع بكائها لكنها فشلت، فأراد يوسف خلق حديث لعلها تتناسى الأمر. تذكر شيئاً ما فصاح باستنكار شديد:
"صحيح، تعالي هنا أنتِ إيه اللي قولتييه لميمي قبل كدا دا؟"
مسحت عبراتها وبعدم فهم سألته:
"قولت إيه؟"
"لما قولتيلها إني مش فارق معايا لا مسؤولية ولا حتى حقوقي!! أنتِ إزاي قولتي كدا؟"
هتف يوسف بعدم تصديق، بعد بينما نكست لينة رأسها بحياء شديد، عضت على شفتيها ولم تجرأ على إعطائه إجابة، فعاد يوسف متسائلاً بجدية:
"أنتِ فاهمة يعني حقوق كراجل؟!"
"بس بقى يا يوسف."
قالتها بخفوت متمنية داخلها أن لا يطيل في الأمر، لكنه أصر على أخذ منها ما يريد سماعه:
"بس إيه، دي فيها حوار تاني دي ها ردي."
"ميمي قالتلي."
ألقت إجابتها ثم هربت منه بخروجها من الشرفة، بينما قهقه يوسف وهلل عالياً:
"بركاتك يا ميمي، كدا نتمم الجوازة وإحنا مطمنين."
توجه إليها فأردفت هي دون أن تواجه عينيه:
"أنا عايزة أروح."
اقترب منها حتى بات لا يفرقهما شيء، رفع وجهها ونظر إليها وقال:
"زهقتي مني؟"
عاتبته عينيها قبل أن كلماتها:
"أنا عمري أزهق منك؟! أنت الظاهر مش عارف غلاوتك عندي!!"
"تؤ مش عارف، عرفيني."
همس بها وهو يقترب من شفتيها تاركاً مسافة بين وجهيهما لكي تجيبه. ابتلعت هي ريقها بارتباك وهمست:
"يلا نمشي."
"مش عايز، أنا عايز أفضل جنبك هنا في بيتنا."
هتف بها ثم قبل ثغرها برقة مبالغة وتابع:
"عايز أقفل عليكي قلبي ومتخرجيش منه أبداً!"
حملها يوسف عن الأرض ثم وضعها على الطاولة برفق ووقف مقابلها وقال:
"ما تيجي نوفر كل اللي خططناله ونتجوز النهاردة؟!"
خفق قلبها وشعرت بالخوف الشديد. دفعته بكل ما أوتيت من قوة ثم أسرعت خطاها نحو الباب فقهقه يوسف عالياً وهتف:
"طب استني بس."
لم توقفها كلماته وتابعت خروجها من المنزل. أخذ معطفه وباقة ذهول، ثم أغلق كمية الإضاءة وترجل خلفها. وقفت لينة أمام السيارة في انتظار مجيئه وحرصت بألا تنظر إليه، فيكفي ذلك القدر من الخجل الذي يسيطر عليها.
فتح يوسف السيارة فاستقلت هي أولاً تحت ضحكاته على تصرفاتها. استقل هو خلف المقود ولم يرفع نظره عنها ملقياً بعض الكلمات الساخرة:
"وقت الجد بنقلب قطط."
نظر إليها ومال عليها هاتفاً بسخرية:
"مياو مياو."
لم تصمت وخرجت عن صمتها. لكزته في صدره بعنف فآلمه بألم وعاد إلى مقعده مردداً بحنق وهو يتحسس أثر ضربتها:
"قلبك قلب قطط بس ايدك ايد ديناصور."
صاحت الأخرى بغضب:
"وهياكلك لو مبطلتش تريقة."
رمقها بطرف عينيه وأعاد سخريته:
"مياو مياو."
رفعت يدها محذرة إياه، فالتطقها يوسف بخفة وطبع قبلة عليها ثم وضعها على صدره قبل أن يردف:
"على قلبي زي العسل."
قلبت لينة عينيها ناهيك عن فمها الذي حركته ساخرة، فصاح هو:
"لا كدا قلبنا معاقين."
تأففت هي وسحبت يدها عاقدة كليهما عند صدرها متذمرة. فهلل يوسف:
"مياو مياو."
انفجرت لينة ضاحكة، فشاركها هو، بينما هتفت هي:
"ياريبي بجد، وقعت في واحد متنمر."
غمز إليها بمشاكسة فتابعت ضحكها ولم تضيف المزيد. تابعا كليهما الطريق ولم تخلوا مدة وصولهما عن المزاح.
***
عادا إلى منطقتهما وتقابلا مع بلال الذي يقف برفقته أحد الشباب. لمح طيفهما فلم يتردد في الذهاب إليهما حيث صاح عالياً:
"إيه الصياعة دي، فاضل ساعة على الفجر ولسه راجعين."
بإستياء شديد هلل يوسف:
"وأنت مالك ياعم واحد ومراته بتدخل بينهم ليه؟"
"مراته؟"
رددها بلال ساخراً وهو يمرر نظره بينهما، فصاحت لينة بحنق:
"إيه يا برو؟"
بنبرة لا تحمل النقاش قال بلال:
"مرات أبويا متدخليش بيني وبين صاحبي."
لكزه يوسف في صدره وسأله مستفسراً وهو يجوب العلبة التي في يده:
"أنت جايب إيه كدا؟"
أجابه مختصراً:
"عشا."
"وهو فيه حد يتعشى الفجر؟"
قالها يوسف ساخرة، فهتف بلال وهو يقلب شفتيه باستنكار:
"واحد ومراته جعانين أنت مالك؟"
"هي بقت كدا، ماشي، يلا هطير أنا عشان الأكل ميبردش."
أردفها بلال ثم أولهما ظهره وعاد إلى منزله، وكذلك فعل الآخرين. ولج منزله فالتفتت إيمان إليه وهي جالسة ثم سألته مستفسرة:
"اتاخرت ليه؟"
أوضح لها سبب تأخيره وهو يقترب منها:
"قابلت يوسف ولينة ووقفت معاهم."
بعفوية سألته:
"كانوا ف.."
لم تكمل سؤالها خشية أن يُساء فهمها. حمحمت ثم قالت:
"طب يلا عشان جوعت."
جلس بلال وفتح علبة البيتزا وبدأ يتناولان وهما يتابعان فيلماً أجنبياً. انتهوا من الطعام ثم التفتت إيمان حيث يجلس بلال وبتردد قابلته في البداية أردفت:
"بلال عايزة أتكلم معاك في موضوع ومترددة."
كتم بلال صوت التلفاز ونظر لها بأذان صاغية فتابعت هي:
"أنا مش عايزة أكون مترددة وأنا بتكلم عن..."
ابتعلت ريقها وهي تتابع تعابيره، فهتف هو متسائلاً:
"وأنتي بتتكلمي عن إيه!"
حكت إيمان ذقنها ثم استرسلت بحرص شديد:
"وأنا بتكلم عن يوسف."
أسرعت من نبرتها لكي لا يسيء فهمها وبررت ما تقصده:
"هو في الآخر ابن عمتي وصاحبك وأكيد سيرته هتيجي على طول، والله هو ميخصنيش في حاجة بس مش حابة أكون مترددة وأنا بـ.."
قاطعها بلال بقوله:
"مش لازم كل التبرير دا، أنا معنديش مشكلة في سيرته ما أنا كدا كدا اللي بجيبها مش أنتِ."
تقوس ثغرها ببسمة تلقائية واقتربت منه وأحاطت صدره، ثم رفعت نظرها عليه وصرحت بحبها:
"بحبك أوي."
مال بلال برأسه وطبع قبلة على أرنبة أنفها قبل أن يهتف:
"وأنا كمان بحبك، بس ليه قولتي كدا دلوقتي؟"
تراجعت للخلف وظلت تلوح بيدها وفي النهاية أجابته:
"مش عارفة، حاجة من جوايا خليتني أقولك كدا."
حمحمت ونظرت إليه بجدية وقالت:
"أقولك على حاجة ومش عارفة إذا كنت هتصدقني ولا لأ!"
هز بلال رأسه مردداً بفضول:
"إيه؟"
ابتعلت ريقها وبدأت تخبره بما تشعر به:
"فيه حاجات كدا عمري ما حسيتها قبل كدا، دايماً بحس إني عايزة أعملك كل حاجة حلوة، عايزة أرضيك وأفرحك، بعرف إيه اللي بيضايقك وبحاول معملوش."
أمسكت يده ورفعتها عند فمها ثم طبعت قبلة داخلها وأردفت:
"والله العظيم يا بلال انا قلبي ما رضى عن حب غير حبك، عمره ما كان مرتاح قد وأنا معاك، أنا نفسي أجيب لك الدنيا كلها في سبيل إنك تكون مبسوط."
لمعت عينا بلال متأثراً بتصريحاتها. رفع يدها الممسكة بيده وطبع قبلة حارة عليها ثم مال على رأسها وطبع أخرى على خصلاتها قبل أن يواجهه عينيها ويقول:
"أنا مبسوط طول ما أنتِ جنبي، دا عندي بالدنيا كلها."
ابتسمت وكذلك هو، بينما نهض بلال فنظرت إليه متسائلة بغرابة:
"رايح فين؟"
زفر بلال ثم أصدر صوت طقطقة فقرات ظهره مجيباً إياها:
"هنتشاقى شوية."
وقبل أن يجمع عقلها ما تفوه به كان قد انحنى عليها وحملها بين ذراعيها فتشبثت هي في عنقه بدلال. توجه بلال إلى غرفة نومهما ليحظى بوقت معها.
***
تعجب يوسف من صحيان أخيه للآن، فلقد اعتاد في الآونة الأخيرة على نومه عند عودته. ابتسم له وأردف بصوت أجش:
"عاش من شافك والله، كل ما أرجع ألاقيك نمت، والصبح متكنش موجود."
اقترب منه زياد ومزاحه قائلاً:
"ما أنا قولت بقى منامش النهاردة قبل ما أشوفك، ما أنا معتش هشوفك تاني."
شعر يوسف بوخزة في قلبه إثر كلماته. لم يدري لما خشي عليه كثيراً وهم بسؤاله بنبرة قلقة:
"إيه الكلام دا؟ يعني إيه معتش هتشوفني؟"
أوضح زياد ما يقصده من خلف كلماته المبهمة:
"يعني خلاص بكرة هلبس في الجيش!!"
لا يدري يوسف لما لم يشعر بالفرح، فكان هو من يحثه على الالتحاق به، ما الذي تغير الآن؟ لحظة صمت سادت بينهما لم يبدي يوسف رد فعل بل ظل يحدق ملامح أخيه وقلبه ينفطر حزناً.
لوح زياد بيده أمام عيني يوسف مردداً بسخرية:
"للدرجة دي هوحشك؟"
انتبه يوسف على كلماته ولم يشعر بنفسه سوى وهو يضمه إلى صدره معانقاً إياه بحرارة. انفجر زياد باكياً وهو يبادل أخيه العناق، فكانت المرة الأولى له أن يفارقه.
حاول يوسف الصمود قدر المستطاع لكي لا يشاركه البكاء. زاد من تشبثه به ثم عاد للخلف ورسم بسمة قبل أن يردد:
"تروح وترجع بالسلامة."
لكزه في صدره فازداد نحيب زياد، لكنه أسرع في مسح عبراته بينما تسائل يوسف بجدية:
"أنت بتعيط ليه دلوقتي؟ عشان هتمشي؟"
وضع زياد يده على صدره وأجابه:
"لا عشان إيدك تقيلة أوي."
انفجرا كليهما ضاحكين، ثم توقفا عن الضحك وهما يتبادلان النظرات قبل أن يتسائل يوسف:
"جهزت حاجتك؟"
أومأ زياد وقال:
"آه ميمي ساعدتني."
"ميمي!!"
رددها يوسف ثم صاح:
"عملت إيه لما عرفت إنك ماشي."
اتسعت عينا زياد وهو يقلدها:
"مبطلتش عياط كالعادة."
ضحك يوسف وأردف:
"ولا هتبطل يومين تلاتة كدا."
قهقه زياد ساخراً قبل أن يخبره بذكرى قديمة:
"هو أنت فاكر إنها عيطت يومين تلاتة لما أنت مشيت؟ دي قعدت تعيط طول مدة غيابك، مكنتش بتسكت غير في أيام إجازتك بس."
تفاجئ يوسف بما أخبره له حيث هتف بذهول تصديق:
"بتهزر؟!"
"يا أخي دا أنا شوفت الويل، يلا شوفه أنت شوية."
قالها زياد ثم ضحك كلاهما على كلماته بينما استأذن يوسف للخروج معللاً أسبابه بأنه لديه عملاً لابد أن ينهيه قبل أن ينام. خرج من الغرفة وما أن أوصد بابها حتى انسدلت عبراته حزناً على فراق أخيه.
أسرع للخارج لكي لا يراه أحد. ولج الشرفة واستند بمرفقيه على السور ودعا العنان لعبراته في السقوط. بعد دقائق شعر بيد أحدهم قد وُضعت على ظهره، فأسرع في مسح عبراته ثم استدار ليعلم هوية الدخيل.
فكانت فتاته. رمقته بقلق من أمره وسألته بتلهف:
"مالك يا يوسف؟"
تصنع الابتسام وهو يجيبها:
"مفيش يا حبيبي، أنتِ لسه صاحية ليه؟"
اعترضت إبعاده عن سؤالها هاتفة:
"هو إيه اللي مفيش؟، والدموع اللي أنا شيفاها دي إيه؟"
فرت دمعة على مقلتيه فأسرع في مسحها، بينما آثار القلق في قلبها وأعادت سؤالها بتوجس:
"في إيه متخوفنيش."
أولاها يوسف ظهره واستند مرة أخرى على السور قبل أن يجيبها:
"قلبي مقبوض، وأنا مبحسش بكدا غير لما يحصل حاجة وحشة بعدها!!"
جاورته في وقفته وربتت على ظهره بحنو وقالت:
"ليه يا حبيبي إيه اللي حصل عشان تحس بكدا؟"
أخذ نفساً عميقاً ورد على سؤالها بنبرة مختنقة:
"زياد ماشي بكرة."
نظر إليها وتابع:
"المشكلة إني مستغرب نفسي أوي وأنا اللي كنت بزن عليه عشان يدخل الجيش، مش فاهم في إيه؟!"
ابتسمت في وجهه ببشاشة وقالت:
"يا حبيبي طبيعي تخاف عليه وطبيعي تزعل، أنتوا طول عمركم مع بعض وأنت شايفه أخ وإبن وصاحب فلما يمشي مدة طويلة هتزعل، بس مفيش داعي للقلق هو في حماية ربنا."
"ونعمة بالله."
رددها يوسف، فملست هي على وجنته بنعومة وهتفت برقة:
"بحبك."
"وأنا كمان."
قالها يوسف، فلكزته لينة بقوة في صدره هاتفة بحنق:
"اسمها وأنا كمان بحبك، إيه وأنا كمان دي؟!"
أجبرته على الابتسام ثم أحاط خصرها بذراعه دافعاً إياها إلى صدره وهمس بنبرة ماكرة من بين قبلاته التي يطبعها على ثغرها:
"بحبك، بحبك، بحبك."
دفعته لينة بعيداً عنها وهتفت مستاءة:
"أنت ما بتصدق، تصبح على خير."
"وأنتِ من أهله."
قالتها وهو يوليها ظهره، ثم استدار ونادته برقة:
"يوسف."
انتبه لها فأرسلت إليه قبلة في الهواء، فتفاجئت به يهرول نحوها، فلم يكن أمامها سوى الركض والعودة إلى غرفتها قبل أن يصل إليها، بينما قهقه يوسف على تصرفها العفوي وعاد إلى غرفته. ظل يحدق بأخيه النائم ولم يزره النوم تلك الليلة قط.
***
صباحاً، وقف يوسف حاملاً حقيبة أخيه وإلى جواره لينة، وفي منتصف الردهة تتعانق السيدة ميمي صغيرها وتبكي بمرارة. بعد وقتٍ طال تدخل يوسف بقوله:
"يلا يا ماما كفاية كدا."
ابتعدت عن زياد وهتفت وهي تملس على وجنته:
"خلي بالك على نفسك وكُل كويس ونام كويس وأي حاجة تحتاجها كلمنا على طول."
انفجر يوسف ضاحكاً وهو يقترب من أخيه:
"يلا يا عم دي فكراك رايح تصيف!!"
ضحك زياد ولم يطل لكي لا يتأخر:
"متخافيش يا ماما إن شاء الله هبقى كويسة."
قبل يدها ثم توجه إلى الباب وتبعه يوسف ولينة التي ستذهب إلى جامعتها. ترجلا السلم حتى باتا خارج المنزل، فتقابلا مع أمجد صديق، فهلل زياد ساخراً:
"أنتم السابقون ونحن اللاحقون."
قهقه أمجد ولم يصدق مظهر زياد وصاح عالياً:
"لا مش مصدق أخيراً لبست!"
أومأ زياد ثم سأله بجدية:
"طمني وقولي الموضوع سهلت."
تدخل يوسف بقوله:
"دا كان فترة تدريب لسه التقيل جاي ورا."
شهق أمجد وصاح بعدم تصديق:
"يعني فيه مرمطة أكتر من كدا؟"
كتم يوسف ضحكاته، فكانت خير إجابة على سؤاله. تبادلا زياد وأمجد بعض الأحاديث ثم ودعا بعضهما. استقل زياد السيارة بينما توجه أمجد إلى منزله، فلحق به يوسف منادياً إياه بصوت أجش:
"أمجد، استنى."
توقف عن السير بينما تحدث يوسف دون أن يطيل:
"بما إنك جيت عايزك تتكلم مع أختك وتخليها ترد على صاحبتها، وقولها إن أنا اللي طلبت منها تقول كدا، وبلاش تخسرها عشان موقف عبيط زي دا."
قطب أمجد جبينه بغرابة، فهو لم يفهم كلمات يوسف وردد دون استيعاب:
"أنا مش فاهم أوي، هو فيه حاجة حصلت؟"
تنهد يوسف وأجابه بنبرة سريعة:
"قولها بس اللي قولته وهي هتفهم، يلا بعد إذنك."
أولاه يوسف ظهره وعاد إلى السيارة وانطلق بها حيث جامعة لينة، ثم إلى محطة القطار. ربت على كتف أخيه وقال:
"خلي بالك نفسك."
اكتفى زياد بإيماءة من رأسه، بينما أضاف يوسف مازحاً:
"مع السلامة يا دفعة."
غمز له بمشاكسة وواصل بتحدٍ:
"قولت لك ليك يوم."
ضحك كليهما ثم ودعه زياد وتوجه إلى القطار، بينما لم يبرح يوسف حتى تحرك القطار واختفى من أمام مرأى عينيه، ثم عاد إلى سيارته وانطلق إلى عمله.
***
مساءاً، عاد يوسف باكراً اليوم حتى يقطع على والدته سبل عيش الحزن بمفردها، فوجوده حتماً سيفرق معها.
تنهدت السيدة ميمي بحزن ورددت:
"الواحد كان فاكر إن أنتوا اللي بتاخدوا القوة مني، طلعت أنا اللي قوية بيكم وبوجودكم جنبي، ولما واحد فيكم يبعد بكون ضعيفة أوي."
نهض يوسف واقترب من أريكتها ثم جلس على حافتها وطبع قبلة على رأسها قبل أن يردف:
"ربنا يخليكي لينا يا أمي، أنتِ الخير والبركة، وبعدين هو مهما غاب مسيره هيرجع لك إن شاء الله، وأنا أهو جنبك ولا مش كفاية؟"
"ربنا على يدك."
قالت بحنو:
"ربنا يبارك فيك يا حبيبي، دا أنتو ثمرة عمري كله، عشان كدا مقدرش على بعدكم أبداً، بس لازم أعود نفسي على كدا، أنت خلاص هتتجوز وهتمشي، وأخوك مسيره برده يشوف حياته، دي سُنة الحياة ولازم أتعود."
تبادلا يوسف ولينة النظرات، وقد شعر كليهما بمشاعر واحدة تلك الأثناء، حيث شعر يوسف لوهلة أنه يريد التراجع عن جميع الترتيبات التي رتب لها. شعر بحاجته للمكوث هنا أكبر فترة ممكنة، فكيف سيترك والدته وحيدة؟ خرج من شروده على نهوض والدته عن الأريكة وهي تردد:
"هروح أحضر العشا طالما كلنا موجودين."
ولجت المطبخ فاقتربت لينة من يوسف وهمست:
"على فكرة أنا معنديش مانع نأجل الفرح لغاية ما زياد يرجع."
أخذ يوسف يدها وقبل كفها، فكان هذا تماماً ما يفكر به. عادت السيدة ميمي حاملة صينية الطعام، حمحم يوسف وتحدث قبل أن يتناولا طعامهم:
"بقولك يا أمي، أنا ولينة قررنا نأجل الفرح شوية."
قطبت ميمي جبينها وسألته مستفسرة عن سبب ذاك التأجيل:
"تأجلوا! ليه؟"
بتلقائية أجابها:
"يعني، على لما زياد يرجع و.."
تدخلت ميمي رافضة قرارهما بحسم:
"ولا يتأجل ثانية واحدة، أنا مش بقول كدا عشان تقولي نأجل الفرح، أهم شوية فضفضة وطلعت لكم، ما أنا مليش غيركم، ولو هتاخدو كل كلامي بحساسية كدا يبقى معتش أتكلم خالص."
أسرعت لينة في توضيح ما تجهله:
"لأ لأ المسألة مش كدا بس، أنا لما دخلت الكلية لقيت الدنيا صعبة ومش زي ما كنت متخيلة فالكلية والجواز هيبقوا مع بعض صعبين جدا عليا."
لم تمنع ميمي ابتسامتها التي تشكلت على شفتيها ثم أردفت مازحة:
"يابت؟! دا أنتِ كنتي هتموتي على الجواز."
أخفضت لينة رأسها بحياء، فهي قد فهمت لعبتها، بينما أضافت ميمي بنبرة حاسمة:
"مفيش تأجيل، خلونا نفرح بقى الفرح مزارش بيتنا من زمان."
تبادلا يوسف ولينة النظرات ثم ابتسم لبعضهما، فتدخلت ميمي معلقة على حالتهما:
"شوف هياكلوا بعض بعنيهم إزاي، ويقولولي نأجل الفرح آل."
انفجرا جميعهم ضاحكين، ثم بدأ يتناولون الطعام في أجواء فكاهية. قرع جرس الباب، فهم يوسف إلى فتحه، تفاجئ بوقوفها أمامه، وكانت المرة الأولى لها لأن يستقبلها بحرارة:
"اتفضلي يا شهد."
تعجبت شهد من ترحيبه، فلم يكن يلقي التحية عليها. لم تطيل التفكير وولجت وعينيها تبحث عن صديقتها التي هللت بسعادة حينما رأتها:
"شهد!!"
هرولت نحوها وعانقتها بحرارة ورددت بندم شديد:
"أنا آسفة بجد والله مكنش قصدي."
تركهما يوسف وتوجه إلى غرفته، بينما هتفت شهد:
"البركة في روميو لولاه مكنتش سألت فيكي."
"روميو!!"
رددتها لينة وهي تتابع حركة يوسف، ثم سألتها باهتمام:
"ماله يوسف وإيه علاقته بينا؟"
أخبرتها شهد برسالة يوسف الذي أرسلها مع شقيقها عند وصوله، ثم تناولن الأحاديث وبدأت تخبرها لينة بكل ما فاتها في الآونة الأخيرة.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم تسنيم المرشدي
بعد مرور أربعة أشهر، أنهت لينة النصف الأول من عامها الأول في الجامعة، استطاعت التوفيق بين دراستها وتجهيزات عُشها الجديد بمساعدة يوسف، لولاه لم تكن تنجح في تخطي الصعاب.
كما اجتاز زياد فترة التدريب بسلام ثم انتقل إلى مكان خدمته في مدينة الإسكندرية، كانت آخر أيام إجازته قضاها برفقة يوسف لمساعدته في إنهاء كل ما يحتاجه العرس.
واليوم حفل الحناء، حيث استيقظت لينة باكراً لتتفقد كل ما قامت بترتيبه ليكون يوماً مميزاً، ولجت غرفة حبيبها وقامت بفتح النافذة فغمرت أشعة الشمس الغرفة، اقتربت من يوسف وهتفت بصوت عالٍ:
"صحي النوم يا أستاذ."
وضع يوسف ذراعه على وجهه حاجبًا ذاك الضوء الذي منعه من رؤيتها، ثم صاح متسائلاً:
"في إيه على الصبح؟"
وضعت يديها في منتصف خصرها وأجابته:
"يلا من غير مطرود، عشان البنات جاين."
تفقد يوسف الوقت ثم ردد بحنق:
"بنات إيه اللي جايين الساعة عشرة الصبح؟"
"مش لسه فيه حنة قبل ما الحفلة تبدأ، اليوم طويل أوي، فقوم بقى وروح شوف وراك إيه."
هتفت لينة بحماس بينما أردف يوسف مستاءً:
"مش ورايا حاجة، خلصت كل اللي ورايا عشان آخد النهاردة إجازة وأرتاح فيه قبل يوم الفرح."
اتسعت حدقتي لينة بذهول، ورفضت البتة الخضوع لما يريده، اقتربت منه ثم انحنت عليه في محاولة منها على إبعاده عن الفراش، فشلت في تحريكه سنتيمتر ثم تفاجئت به يسحبها من يدها حتى باتت جواره.
اعتلاها هو وصاح مبتسماً:
"أنتِ اللي جيتي لقضاكي، استحملي بقى."
حاولت لينة التملص من بين يديه لكنه قيد حركتها فهتفت متوسلة:
"ميمي تقول إيه لو شافتنا كدا؟"
غمز لها وأجابها بخبث:
"باخد حقي من مراتي."
جمعت لينة قوتها ثم دفعته بعيداً عنها ونهضت مسرعة وهي تتمتم:
"ياعم روح كدا أنت وحقوقك دي."
التفتت إليه قبل أن تخرج من الغرفة ورفعت إصبعها محذرة إياه:
"خمس دقايق بالظبط وألاقيك نزلت من البيت!"
لحق بها يوسف قائلاً:
"تعالي هاتيلي هدوم وأنا أقوم."
تأففت بحنق ثم اقتربت من الخزانة فلا يوجد أمامها سوى الرضوخ لطلبه حتى يفعل ما تريده، أخرجت قميصاً أسود وبنطال باللون الرملي ثم التفتت لكي تريه ماذا أحضرت له لكن لم يكن هناك داعٍ، فكان هو خلفها، تراجعت هي لكنه لم يتوقف حتى بات ملاصقاً لها وقال متسائلاً:
"جبتي لي إيه؟"
حاولت دفعه لكنه أبى ومنعها من الهروب، فهتفت هي:
"على فكرة إحنا مش لوحدنا لو كنت ناسي يعني!!"
قلب يوسف عينيه أردف بمشاكسة:
"ما أنا عارف."
وضعت يدها على صدره مانعة إياه من الوصول إليها وقالت:
"طب بطل نكش."
مال برأسه بقرب وجهها وهو يردد:
"بموت في النكش، أنا اسمي الحقيقي نكش."
لم تتمالك ضحكاتها وخرجت مائعة للغاية فعقب هو بإعجاب:
"حلاوتك يا أهلي."
لم تتوقف ضحكاتها حتى تحولت إلى الصدمة حينما سمعت صوت السيدة ميمي:
"أنت واقف بتعمل إيه كدا قدام الدولاب؟"
أخرج يوسف رأسه من جانب باب الخزانة ثم سحب ثيابه من يدي لينة ورفعهم لوالدته موضحاً:
"بجيب هدوم."
أماءت ثم سألته:
"مشوفتش لينة، معرفش اختفت فين؟"
نفى يوسف رؤيته لها بقوله:
"لا مشوفتهاش."
تذمرت ميمي وتمتمت مستاءة:
"هي قالت جاية تصحيك."
فغر بوسف فاهه وصاح ساخراً:
"هكون مخبيها في الدولاب مثلاً؟"
قلبت ميمي عينيها ثم كادت تتحرك إلا أن عينيها صُوبت على قدمي لينة الظاهرة من أسفل الخزانة، أعادت النظر إلى يوسف وقالت:
"طب اوعى تقفل عليها الدولاب."
ألقت جملتها ثم غادرت بينما عاد بنظره إلى تلك التي تكتم شهقتها داخلها، لكزته في صدره بقوة ثم هرولت إلى الخارج هاربة منه تحت ضحكاته عليها.
كاد يوسف أن يبدل ثيابه إلا أنه تريث حين صغى إلى ذاك الصوت الذي صدح في الخارج:
"يا عريس، انزل لنا من فضلك، كفاية نوم."
لوهلة لم يستوعب ما وقع على أذنيه، توجه إلى النافذة فاتسعت حدقتيه حينما رأى ذاك السُرادق الهائل الذي يُبنى أسفل المنزل، ثم أنتبه على بلال وزياد اللذان هللا حين رأوه:
"أنزل يابني، كل دا نوم."
حرك يوسف رأسه دون وعي منه ثم هتف متسائلاً وهو يشير على ما يحدث:
"إيه دا؟"
أجابه بلال بنبرة مرتفعة لكي يصل صوته إليه:
"أنزل وأنت تعرف."
عاد يوسف إلى الداخل وبدل ثيابه ثم هبط إليهما سريعاً، كان متفاجئاً بما يحدث فلم يعد هناك أثراً لشوارع المنطقة، اقترب منهما وأعاد سؤاله:
"هو في إيه؟ إيه اللي بيحصل دا؟"
تولى بلال مهمة الرد:
"مش النهاردة حنتك؟ هنحتفل إزاي غير كدا؟"
عقد يوسف حاجبيه وردد بعدم استيعاب:
"حنة مين؟ مش الحنة دي للحريم؟ وبعدين نحتفل إيه في كل الصِوان دا؟ دا احنا تلاتة؟"
غمز إليه زياد وأوضح:
"تلاتة إيه بس، دا إحنا عزمنا البلد كلها، وحجزنا باند ورقاصات وحشيش و..."
قاطعه يوسف بانفعال شديد:
"نعم؟ راقصات إيه وحشيش إيه؟ إي الكلام العبيط دا؟"
أسرع بلال في نفي حديث ذاك المختل بعدما ضربه في ذراعه مستاءً:
"إحنا بتوع الحاجات دي برده يا يوسف، دا أخوك الرخم بيحب يجود من عنده، إحنا حجزنا أه باند وعزمنا الناس وحجزنا واجبات وحلويات ومشروبات كدا يعني."
حرك يوسف رأسه باستنكار شديد قبل أن يهتف بازدراء:
"وليه كل دا؟ ليه التكلفة دي كلها مش فاهم؟"
تأفف بلال بحنق وصاح متذمراً:
"ياعم وأنت دافع حاجة من جيبك، أنت كل اللي مطلوب منك تقعد برنس قدام الباب تسلم على اللي داخل واللي خارج والباقي علينا."
"أيوة بس مصاريف كت..."
لم يعطه بلال فرصة إكمال حديثه حيث وضع يده على فمه وقال:
"يا أخي أفرح وبطل تحسبها بالورق والقلم كدا دا يوم يا يوسف خلينا نفرح."
سحب يوسف نفساً وأردف:
"والله مش عارف أقولك إيه؟"
قلب بلال عينيه ثم تحدث بعجرفة:
"متقولش حاجة."
رفع يده بقرب يوسف وواصل بتعالي:
"حِب على أيدي بوسها."
ضرب يوسف يده بقوة فآنه الآخر بينما صاح يوسف:
"أبوك لأبو إيدك."
تركه ثم ولج السُرادق يتابع العمال وما يفعلوه، انضم له بلال وزياد متابعين ما يحدث باهتمام.
***
ترجلت من منزلها راكضة نحو منزل صديقتها، لكي لا تفوت اليوم من بدايته، تمهلت حينما رأته يقف على باب البناية يغلق جميع السُبل للصعود، بحرج وارتباك اقتربت منه ثم وقفت أمامه في انتظار تنحيه جانباً.
لكنه لم يراها، فكان منشغلاً في هاتفه، اضطرت شهد لإصدار صوت حتى تجذب انتباهه:
"إحم."
رفع زياد نظره عليها ثم تسائل بلا مبالاة:
"نعم؟"
احتدت نبرتها وهي ترد عليه:
"هو إيه اللي نعم، عايزة أطلع."
اعتدل زياد في وقفته وبإقتضاب هدر:
"ما تطلعي وأنا ماسكك؟!"
تأففت شهد وأشارت إلى المساحة المتبقية:
"هطلع إزاي من هنا؟"
نظر زياد جانبه ثم صاح ساخراً:
"وأنا ذنبي إيه إنك تخينة؟"
شهقت شهد بصدمة وفغرت فاها فهتف زياد ساخراً:
"حوشي الدبان أصل يدخل في بوقك."
شعرت شهد بالحرج وأغلقت فمها سريعاً وصاحت بهجوم:
"أنت قليل الذوق."
اتسعت حدقتي زياد بذهول ولم يصمت على إهانته وصاح عالياً:
"مين دا اللي قليل الذوق يابت أنتِ؟"
وضعت شهد إحدى يدها فى منتصف خِصرها والآخرى كانت تلوح بها بعصبية بالغة:
"بت؟ بت لما تبتك بني آدم وقح."
دفعته شهد من أمامها ثم هرولت للأعلى ولم تتوقف عن رمي الكلمات المهينة تحت نظرات زياد المذهولة فلم يقف مقيد اللسان أمام إحداهن هكذا من قبل.
مال بلال على أذن يوسف وقال بعدما تابع المشادة التي حدثت بين شهد وزياد:
"أنا عارف البداية دي كويس أوي."
قهقه يوسف ورد عليه وعينيها مصوبتان على أخيه:
"وأنا كمان."
استدار زياد بجسده وتفاجئ بنظراتهما الثاقبة، فشعر بالحرج حيال موقفه الضعيف أمام فتاة، فحد من ملامحه وتمتم بحنق:
"بت مشافتش رباية."
انفجر بلال ويوسف ضاحكين عليه فازداد حنقاً:
"أنتوا بتضحكوا على إيه؟!"
غمز له بلال وقال:
"بكرة تعرف!"
"هو إيه اللي هعرفه؟"
هتف بها زياد بعدم فهم بينما تدخل يوسف قائلاً:
"سيبك منه، بيقول أي كلام."
كان زياد بحاجة إلى تغير الحوار عن تلك الفتاة الوقحة، فتمسك برأي أخيه وحاول إلهاء عقولهما بأمورٍ شتى.
***
لم تعد تستطيع الوقوف على قدميها، جسدها يرتجف بشدة ومعدتها لا تتوقف عن إفراغ ما بداخلها، لا تدري ماذا يحدث منذ أن استيقظت.
دوّار شديد لا يذهب عن رأسها، تمددت على الفراش وأغلقت عينيها لعلها تشعر بالتحسن، لكن دون جدوى، تنقلب معدتها في غضون ثوانٍ، همت بالركض نحو المرحاض تتقيأ مجدداً.
"اااااه"
أطلقت آه موجوعة من بين أسنانها التي تحتك في بعضهما، غسلت فمها جيداً ثم توجهت إلى الهاتف حينما صغت إلى رنينه، أجابت بنبرة هذيلة مرتجفة:
"إيه يا ماما."
تعجبت هادية من ردها الضعيف وقد توجست خيفة في نفسها وسألتها بقلق:
"مالك يا إيمان؟ صوتك ماله؟"
أجابتها الأخرى بصعوبة:
"مش عارفة مالي، من وقت ما صحيت وأنا تعبانة أوي، معتش قادرة أقف على رجلي من كتر الترجيع."
أثارت الذعر في قلب والدتها التي هتفت قائلة:
"بلال فين يوديكي لدكتور."
أجابتها بخفوت:
"بلال تحت."
بنبرة متلهفة أردفت هادية:
"طيب البسي وأنا أصلاً كنت لابسة عشان أروح لعمتك، هفوت عليكي ونروح للدكتور سوا."
اعترضت إيمان اقتراحها قائلة:
"مش وقت دكاترة النهاردة، بكرة إن شاء الله نروح."
لم تكاد تنهي جملتها حتى ركضت إلى المرحاض مرةٍ أخرى تفرغ مافي معدتها، عادت بعد قليل إلى والدتها ورددت:
"مش قادرة بجد، مش عارفة في إيه."
توقف هادية عن الحديث قليلاً، ثم سألتها باهتمام:
"هو أنتِ حاسة بإيه بالظبط؟"
وضعت إيمان يدها على معدتها، فكان ينتابها شعور الغثيان، وبالكاد تستطيع التحدث:
"معدتي وجعاني وبرجع ودوخة."
"لتكوني حامل!"
ساد الصمت لبرهة حين هتفت بهم السيدة هادية، ثم عادت قائلة:
"هجيب لك اختبار حمل معايا ونشوف، سلام."
أنهت الإتصال والحماس يكاد يقتلها من السعادة، بينما توجهت إيمان إلى المرآة ووقفت أمامها، تتفحص معالم وجهها ثم أخفضت بصرها على بطنها، تحسستها بيدها وهي بالكاد تحاول استعياب ذلك.
لم تريد تعليق أمالها على حامل من ورق لربما ينقطع في لحظة، حمحمت ثم حاولت الإسترخاء قدر المستطاع لحين مجيء والدتها.
بعد مرور ٤٥ أربعون دقيقة، حضرت السيدة هادية وأعطتها ذاك الاختبار وانتظرت في الغرفة لحين عودة إيمان بأخبار ربما تكون سارة.
كانت تقف في الداخل تنظر إليه كالبلهاء بعدما أجرته، يخفق قلبها بقوة، لا تطيق الإنتظار حتى ترى النتيجة، شعرت لوهلة أنها ساذجة وما تفعله لن يزيدها سوى حزناً إن بات في النهاية هباءً.
ابتعدت عنه ثم جلست على حافة المغطس، تعد الثوانِ بفروع صبر، شهيق فزفير تفعل ثم نهضت عندما انتهت المدة اللازمة لظهور النتيجة، أوصدت عينيها قبل أن تتطلع عليه، أخذت نفساً عميق وزفرته على مهلٍ ثم وقع نظريها على ذاك الاختبار.
خفق قلبها بصورة مبالغة كما لم يحدث من قبل، شعرت بالإرتباك والخجل والحماس والعديد من المشاعر حين رأت اكتمال الشرطتان، ابتسمت بسعادة أسرت قلبها ولم تنتظر لحظة وهرولت إلى الخارج.
كانت ابتسامتها خير إجابة لما كانت تنتظره والدتها التي قهقهت تلقائياً وهللت بسعادة:
"هبقى تيتة صح؟"
عضت إيمان على شفاها مُشكلة بسمة خجلة وهي تومئ برأسها، لم تقف مكانها بل هرولت إليها وقامت بضمها بكل سرور.
تراجعت وتفحصت ملامح وجهها الخجِل ورددت:
"كلمي بلال قوليله، أكيد هيفرح أوي؟"
أسرعت إيمان في قول:
"لا مش عايزاه يعرف حاجة دلوقتي، سبيني بس أخطط الأول هعرفه إزاي وبعدين أقوله."
تبادلن الإبتسام فكانت السعادة ثالثهما، هناك دوماً طرق ربانية تأتي في أوقاتٍ لم نحسب لها تكفي لإسعادنا مدى الحياة.
***
غربت الشمس، حيث أنارت جميع المصابيح فلم يعد هناك مكانٍ مظلم في المنطقة، كان الجميع يتهافتون لحضور تلك المناسبة الفريدة من نوعها، فهذا يوم يوسف الذي وقف بجانب الجميع دون مقابل.
وعليهم تسديد ديونهم له حتى لو لم تكن مادية فتكفي أن تكن معنوية، بينما في الأعلى كان المنزل مليء بالسيدات وصديقات لينة، العديد من النساء كنا موجودات من أجل السيدة ميمي، فهي لم تترك بابً إلا وقد مدت يدها معاونة ساكنيه.
انتهت لينة من رسم الحناء التي حرصت على اختيار جميعها بعناية، ثم بدأت ترتدي بعض الثياب الخاصة بالحفل وتخرج لصديقاتها تتبادل معهن الرقصات المثيرة ومنها المضحكة.
أنتبه يوسف لرنين هاتفه فابتعد عن تلك الضجة ليجيب:
"أيوة يا أمي، محتاجة حاجة؟"
أجابته من بين ضحكها:
"تعالي أطلع، عاوزاك ضروري."
بقلق تسائل:
"في حاجة ولا إيه؟"
"لما تطلع هتعرف."
قالتها ثم أنهت الإتصال على الفور لتغلق أمامه باب الأسئلة التي لن تنتهي، قلق يوسف حيال مكالمتها ونهض مهرولاً دون تفكير، قرع جرس الباب ففتحت له بابتسامة بشوشة:
"نورت يا عريس."
"في إيه؟ خضتيني."
أردفها يوسف والقلق مرسوم على تقاسيمه، بينما هتفت ميمي بحماس:
"سلامتك من الخضة، بس لينة عايزاك معاها."
عقد ما بين حاجبيه وردد دون فهم:
"عايزاني معاها فين؟"
غمزت إليه قبل أن تخبره:
"فقرة العريس مع العروسة."
فغر يوسف فاهه وقال بإزدراء:
"عريس إيه وعروسة إيه؟ أنتوا بتهزروا؟"
أسرعت في نفي وجود مزاح في الأمر:
"لا والله مش بنهزر هي عايزاك معاها بجد، يلا أدخل."
قلب يوسف عينيه مستاءً منهن وصاح بحنق:
"أدخل فين وسط الحريم دي، وأدخل أعمل إيه أصلا؟"
رفعت السيدة ميمي كتفيها ميدبة عدم معرفتها بالأمر وقالت:
"معرفش تعمل إيه، اللي أعرفه إنها عايزاك معاها."
"دا مش هيحصل أبداً."
هتف بهم يوسف قبل أن تقع عينيه على تلك الكلمة التي تأتي خلف السيدة ميمي بفستانها الأبيض القصير الذي يكسوه قماش الجوبير، يعلو خصلاتها تاجاً من الأزهار البيضاء، لاق كثيراً مع بشرتها التي زادتها جاذبية بتلك المساحيق الجريئة.
لم يشعر بقلبه الذي كاد يخترق جسده من فرط تدفق الدماء به، وكذلك ابتسامته التي تشكلت تلقائياً فور رؤيتها، تحنت السيدة ميمي جانباً حينما رأت رد فعله مع ظهور لينة وتركتها تتعامل معه بمفردها.
وقفت أمامه ثم أمسكت بيديه جاذبة إياه للداخل:
"تعالى."
من بين ضحكه ردد:
"أجي أعمل إيه؟"
"نرقص."
قالتها لينة ثم أشارت لمنظمة الحفل فبدأت أحد الأغاني التي اختارتها لينة ثم بدأت تتمايل على أنغامها، مع تصفيقات البنات وإصدار بعض الزغاريد منهن، كانت تحث يوسف على الرقص معها لكنه يفشل فلم يسبق وفعل ذلك.
انحنى على أذنها وهمس:
"مش بعرف أرقص."
قهقهت ثم أردفت:
"مش لازم تعرف المهم إنك معايا."
مال مرةٍ أخرى وهو يقول:
"بس ايه دا يخربيت حلاوتك؟ مقدرش على كدا."
ابتسمت بخجل وبحماس قالت:
"أنت لسه شوفت حاجة؟! ركز بقى مع الأغنية وبطل كلام."
تابعت رقصها الرقيق حتى انتهت الأغنية، فابتسم لها قبل أن يردف:
"أمشي أنا بقى."
أسرعت في لحاقه بقولها:
"تؤتؤ تمشي إيه لسه بدري."
أولاته ظهرها فأمسك بيدها متسائلاً بفضول:
"راحة فين؟"
أجابته برقة:
"خمس دقايق وراجعة لك، إياك تمشي."
تركته وغادرت بينما شعر يوسف بالحرج لكونه الرجل الوحيد بين جميع النسوة، حمحم ثم أخذ جانباً وتفقد هاتفه لكن أصوات الأخريات كانت تصل إليه بوضوح مثل:
"يا بختها بيه."
"شوفتيه كان بيبصلها إزاي؟!"
"إوعدنا يارب."
"بس دا خام أوي مليش في النوع دا."
"حلاوته إنه خام ميتخافش منه."
لم يمنع ابتسامته التي تشكلت عفوياً، فلقد وصفوه بالشاب الساذج، لهن عذرهن فلم يرو شقاوته من قبل، أنتبه على عودة فتاته وتلك المرة كانت ترتدي جلباب صعيدي داكن اللون وتضع على وجهها نقاب يظهر كحل عينيها بوضوح.
اتسعت ابتسامته لمظهرها العجيب، حتى وقفت أمامه ودارت حول نفسها متسائلة باهتمام:
"إيه رأيك؟"
"إيه اللي أنتِ عملاه في نفسك دا؟!"
هتف بهم فهمست هي بدلال:
"مش قولت لك أنت لسه شوفت حاجة."
تراجعت للخلف ثم التقطت عصى من إحداهن، وبدأ جسدها يتراقص متناغماً مع الموسيقى بدقة ومهارة عالية، ارتفعت وتيرة أنفاس يوسف بشدة كما تسارعت دقاته، فما كانت تفعله كان يثيره ويزيد من رغبته بها، تابع اقترابها منه ثم أحاطته هي بالعصا خاصتها فبات هو حبيساً بينها وبين عصاها.
ابتسمت له وبميوعة قالت:
"أرقص معايا."
طالت نظراتها عليها، فلَقِف عصاهة بسلاسة دون أن تشعر وأحاطها بها، فباتت هي حبيسته، لم تتوقف لينة عن الرقص حين شعرت بمشاركته فازدادت حماستها، تفاجئ الجميع برقص يوسف معها وخصيصاً الأقارب.
فهم على علم بشخصيته الخجولة، لكن ما يرونه الآن قد فاق توقعاتهن، تبادلن الفتيات النظرات بإعجاب شديد فمنذ دقائق كنا يعلقن على خجله المبالغ، والآن بات جريئاً جذاباً، كان ذلك لونهن المفضل.
لم تصدق لينة عينيها، فلقد تبخر خجله لطلاما عانت منه كثيراً، لم تتوقف عن الابتسام بسعادة ومشاركته الرقص حتى انتهت الأغنية، ثم تفاجئت بحمله لها فتشبثت هي في عنقه ثم دار بها حول نفسه تحت تصفيقات الفتيات وإطلاق بعض الصافرات يبدين إعجابهن بهم.
أنزلها ثم طبع قُبلة في منتصف جبينها وهمس:
"بحبك."
بادلته نظرات العشق قبل أن تهمس بنبرة تكاد تُسمع:
"وأنا كمان بحبك."
غمز لها وقال:
"أنا نازل عشان الناس اللي تحت دي مينفعش مكنش موجود معاهم."
أماءت بقبول فذهب يوسف بعيداً حتى اختفى طيفه، وتابعت هي راقصاتها مع صديقاتها، بينما هبط يوسف السلم وهو يدندن ويتمايل بخفة حتى وقعت تصرفاته على نظري بلال وزياد اللذان كانا يجلسان أمام الباب مباشرةً.
تبادلا النظرات المتعجبة ثم انفجرا ضاحكين، توجه بلال نحوه مهللاً بعدم تصديق:
"هز يا خويا، أثبت على كدا بقى."
ضحك يوسف ثم قال:
"أثبت إزاي يعني؟"
نظر بلال إلى زياد وأمره قائلاً:
"جري على بتاع الديجي يعمل تحية للعريس اللي هيرقص."
هرول زياد بخطاه عائداً حيث السُرادق فأسرع يوسف في لحاقه بقوله:
"استنى متقولش حاجة."
عاد ببصره إلى صديقه حينما لم يلحق بأخيه وقال بصرامة:
"أنا مش هرقص أنا."
رمقه بلال شزرا وصاح بحنق:
"يعني هي ليها حلو وإحنا وحش، هترقص يا يوسف."
انتهى بلال من جملته فانتبها كليهما على ذاك الصوت الذي صدح في الأرجاء:
"نسمع أحلى تحية لعريس الليلة."
اتسعت حدقتي يوسف وظل يردد:
"مش هروح أنا."
دفعه بلال بقوة مجبراً إياه على السير أمامه هاتفاً بإصرار:
"هتروح، يلا بقى بطل رخامة."
ارتفعت التصفيقات فور ظهور يوسف بين الجميع، اضطر إلى الإبتسام لهم ومسايرة الأمر بالإكراه، راوده شعور الحرج الشديد لكن ما باليد حيلة فكان بلال خلفه يجبره على السير ولم يعلم للتراجع سبيل.
صعد على ذاك المسرح ووقف يصفق بين الشباب حتى أجبروه على الرقص معهم، ازداد الحماس بينهم بوجوده، كانوا سعداء للغاية وتصدر منهم تصرفات عفوية خرقاء.
لم يتوقف يوسف عن الضحك فكانت الأجواء لا تلائمه بالمرة لكنه يفعل ذلك من أجلهم، في الأعلى، انبهت لينة على تريد الندائات الخارجية على يوسف فلم تنتظر مكانها وهرولت إلى الشرفة لكي ترى حقيقة الأمر.
تفاجئت برقصه بين الجميع ولم تمنع ابتسامتها التي تشكلت على ثغرها، انضممن لها بعض الفتيات ووقفن يتابعن ما يحدث في الأسفل.
في الخارج، لاحظت السيدة ميمي شحوب وجه إيمان فتسائلت بقلق:
"مالك يا إيمان، وشك مخطوف كدا ليه أنتِ تعبانة؟"
ربتت إيمان على يدها ثم مالت على أذنها وقالت:
"طلعت حامل يا عمتو."
شهقت ميمي بفرحة عارمة وكادت أن تهلل بسعادة إلا أن إيمان لحقت بها وقالت:
"بس يا عمتو لسه محدش يعرف، ومش عايزة حد يعرف بلال قبلي."
التزمت ميمي الهدوء قبل أن تردد والسعادة واضحة في نبرتها:
"الف مبروك يا حبيبتي ربنا يتمم لك على خير، فرحتيني والله يا مونة."
"الله يبارك فيكي يا عمتو."
قالتها إيمان ثم شعرت بالغثيان فاستأذنت منها وهمت بدخول المرحاض، كادت أن تعود للخارج إلا أنها شعرت بحاجتها للراحة قليلاً، ولجت غرفة عمتها واستلقت على الفراش، وبعد دقائق أنضمت لها والدتها حين راودها القلق حيال غيابها المفاجئ:
"قلقت لما اتاخرتي، جيت أطمن عليكي."
"مش قادرة أقعد، جيت أرتاح هنا شوية."
أردفتها إيمان بنبرة منهكة، بينما أوصدت هادية الباب وتوجهت نحوها، جلست بجوارها وعاتبتها بغيظ:
"أنتِ ليه قولتي لميمي على الحمل، مش تستني شوية كدا لما نعدي الشهور الأولى دي وبعدين تعرفيها."
تعجبت إيمان من كلماتها وهتفت بعدم استعياب:
"وليه أخبي عنها حاجة زي دي؟"
بحنق صاحت هادية:
"كدا، مش لازم الكل يعرف في الأول."
عارضتها إيمان بقولها:
"دي عمتو يا ماما، يعني في مقامك بالظبط، الكلام دا مع الناس الغريبة مش معاها."
لم تستطيع هادية التعقيب، فضلت الصمت لكن الأمر لم يكن يعجبها، بينما أغلقت إيمان عينيها لعلها تستعيد طاقتها التي نفذت.
***
انتهى اليوم، كان يوسف يقف مع العمال حين يفرغا من جمع أشيائهم، كان يرافقه بلال الذي أنتبه على اقتراب إيمان برفقة والدتها، كما لاحظ انحنائها وكأنها متعبة، اقترب منها متسائلاً باهتمام:
"في إيه مالك؟"
أمسكت معدتها وقالت:
"تعبانة، عايزة أطلع البيت."
تدخلت هادية قائلة:
"اطلع معاها ومتسيبهاش، مبطلتش ترجيع."
بقلق واضح في نبرته هتف:
"تعالي نروح دكتور."
رفضت إيمان الذهاب لمكان موضحة:
"مش قادرة أروح في أي مكان عايزة أنام."
أسندها بلال وكان مُصراً على الذهاب لطبيب:
"نروح لدكتور الأول وبعدين تنامي براحتك، وبالمرة نوصل مامتك."
بتعب يسيطر على نبرتها قالت:
"بجد مش قادرة، روح وصلها أنت، أنا عايزة أرجع البيت."
نظر بلال حيث السيدة هادية وقال:
"ما تقولي حاجة ماما."
ابتسمت له وقالت بعفوية:
"أقول إيه بس يا بلال، اللي هي فيه دا طبيعي يا حبيبي."
قطب جبينه وردد بعدم استيعاب:
"يعني إيه طبيعي؟ طبيعي تكون تعبانة كدا ومش راضية تروح لدكتور؟!"
تدخلت إيمان قائلة:
"عشان أنا عارفة مالي."
عاد بلال بنظره إليها قبل أن يردد:
"طب ما تعرفيني يمكن أقتنع وأسيبك تطلعي."
طالت نظرتها ثم أمسكت يده ووضعتهت على بطنها حارصة ألا يراها أحد وهمست:
"أنا حامل!!"
لوهلة لم يستوعب بلال ما قيل، مرر نظريه بينهن وردد دون استيعاب:
"يعني إيه حامل؟"
لم تمنع إيمان ابتسامتها التي غزت شفتيها، مالت برأسها وأعادت قولها:
"حامل يا بلال، حامل!!"
لحظة إدراك عقله معنى تلك الكلمة الثمينة، فغر فاهه ثم تقوس ببسمة عريضة، اقترب منها فتراجعت هي محذرة إياه:
"هتعمل ايه إحنا في الشارع."
جاب بلال المكان من حوله، كان مضطرب قليلاً وعقله مشوش ولا يدري ما عليه فعله، حمحم ثم هتف:
"هنروح لدكتور، يلا."
كادت أن تعارضه لكنه لم يعطيها فرصة حيث هتف بحسم:
"هنروح لدكتور، خلصت."
أخبر يوسف أنه سيذهب، ثم استقلا ثلاثتهما سيارته وانطلق بها ليرجع السيدة هادية أولاً ثم ينطلق إلى أحد الأطباء ليطمئن على صحة كليهما.
***
عاد يوسف إلى المنزل بعد يوم شاق، كانت الأجواء هادية على غير العادة، جلس على الأريكة يستريح، أوصد عينيه واستند برأسه على جدارها، أنتبه على صوت والدته المسائل:
"أنت كويس يا حبيبي؟"
أماء لها ثم سألها باهتمام:
"لينة فين؟"
جلست مقابله وردت عليه:
"نامت، اليوم كان طويل عليها وهي تعبت الصراحة."
قهقهت هي كما شاركها يوسف بحرج، كان يدور داخلها أحاديث عدة، لا تدري بأيهما تبدأ، حمحمت قبل تردف كلماتها:
"عايزة أتكلم معاك شوية يا يوسف."
اعتدل في جلسته وصغى لها باهتمام فتابعت هي بحكمة:
"أنا مش عايزاك تكون زعلان مني."
عقد يوسف حاجبيه بغرابة من أمر كلماتها المبهمة وسألها مستفسراً:
"وأنا هزعل منك ليه يا أمي؟"
ابتلعت ريقها وأوضحت:
"يعني لو في يوم جيت عليك ولا قسيت عليك من غير قصد، أنت ابني حبيبي وعمري كله، يعني لو صدر مني حاجة قبل كدا أكيد كان غصب عني، سامحني لو قصرت معاك في يوم."
قاطعها يوسف وهتف مستاءً:
"إيه بس اللي بتقوليه دا؟ من امتى قصرتي معانا في حاجة؟"
اغرورقت عينيها قبل أن توضح لها قصدها:
"يمكن أكون مقصرتش مع أخوك بس حاسة إني قصرت معاك، أنا عارفة إني شيلتك مسؤولية كبيرة من بعد موت أبوك، أوقات بقول لنفسي كنتي استحملي يا ميمي وتعالي على نفسك ومكنتيش تخليه يشتغل وهو صغير كدا، مكنتيش ترمي حمولك عليه للدرجة دي، أنا آسفة لو كنت السبب في يوم إنك تأجل خروجة أو سهرة مع صحابك، آسفة لو كنت خليتك في يوم تنام وأنت شايل همنا وشيلتك دور مش دورك أصلاً."
انهمرت عبراتها كالشلال فأسرع يوسف في مسحهما بيده، ثم طبع قُبلاته على يدها وقال:
"كل اللي قولتيه دا كان برضايا أنا، أنتِ مضربتنيش على إيدي وقولتيلي روح أشتغل، أنا اللي كنت هلوم نفسي مليون مرة لو مكنتش عملت كدا، أنا راضي ولو العمر اتعاد تاني هعمل أكتر من كدا، وبعدين هو أنا وصلت للي أنا فيه دا بسبب مين؟"
"مهو بسببك بعد فضل ربنا عليا، بسبب دعمك وتشجعيك، وعشان أنتِ زرعتي فيا ثقتي في نفسي وإني أقدر أوصل لمكان أحسن، متفكريش تاني بالشكل دا عشان مزعلش، تمام."
طبع قُبلة على جبينها فربتت هي بحنو على ظهره ورددت:
"ربنا يباركلي فيك يارب ويديك على قد ما إديتنا."
أخذت نفساً عميق وأردفت:
"عايزة أقولك حاجة تانية."
جلست أمامها وقال:
"قولي ياست الكل."
ابتسمت له ببشاشة واسترسلت:
"عايزاك تفضل حنين وتوزن الأمور بعقل مع لينة، اللي أنتوا داخلين عليه مش زي اللي فات أبداً، دا جواز ياحبيبي، يعني مسؤولية مضاعفة، وخصوصاً إنها تقريباً هتكون مشغولة عنك طول الوقت، هتكون مضغوطة من دراسة لبيت وهي لسه صغيرة مش هتعرف تشيل لوحدها ولا توزن الأمور زيك أنت."
تدخل يوسف قائلا ليطمئن قلبها:
"متقلقيش يا أمي أنا عارف كل دا من غير ما تقولي."
ربتت على قدمه وتابعت:
"إنك تكون عارفه حاجة وتعيشه حاجة تانية خالص، دايماً التقصير من الزوجة مش زي التقصير من الحبيبة، لأن تقصير الزوجة ممكن يترتب عليه أمور كتيرة مش في صالحكم، بس أنا عايزاك كل ما تحس إنك معتش قادر تشيل الحِمل، تصلي ركعتين وتستغفر وتاخدها تخرجها في أي مكان تبعدوا عن ضغوط الحياة وصدقني وقتها هترجعوا بنشاط أكبر من الأول وكل واحد هيرجع لدوره من تاني."
شهيقاً فزفير فعلت قبل أن تكمل:
"خليك قد القوامة اللي ربنا كلفك بيها، مش بس تكون مكفي بيتك بطلباته، تكفيه حب وحنان واستحمال، تعدي لها لو غلطت، وتفهمها الصح بهدوء، تحتوي زعلها وتراضيها ومتنيمهاش زعلانة، وبعد كل دا هتلاقيها خاتم في صوباعك هتحطك تاج فوق راسها، أنا ست وفاهمة بقولك إيه،الراجل اللي بإيده ينجح العلاقة أو يخليها تفشل، لأن هو قوام، بيوزن الأمور بالعقل مش بالعواطف زي الست، فاهمني يا حبيبي."
"طبعاً يا أمي فاهم."
هتف بها يوسف فدعت له والدته:
"ربنا يسعدكم يارب ويرزقكم البركة وراحة البال."
"اللهم آمين."
أمن يوسف على دعائها بينما أمرته هي:
"قوم يلا ارتاح وراك بكرة يوم طويل."
نهض يوسف وقبل جبينها وردد بنعاس:
"تصبح على خير."
ردت عليه حينما تخطاها:
"وأنت من أهله يا حبيبي."
سحبت هاتفها ثم قامت بالإتصال على صغيرها:
"أنت فين يا زياد؟"
أخبرها أنه برفقة أصدقائه فقالت:
"متتأخرش عشان تلحق تنام لك شوية."
أنهت الإتصال وعادت إلى غرفتها لتنعم بالنوم فهناك يوماً طويلاً في انتظارها غداً.
***
"دا صوت نبض الجنين."
أردفتها الطبيبة المناوبة تلك الليلة في المشفى، فلم يجدوا عيادات خاصة في ذلك الوقت المتأخر، فاضطروا إلى الذهاب لمشفى خاص.
تبادلا بلال وإيمان النظرات السعيدة ثم وجهت حديثها إلى إيمان:
"حضرتك بدأتي الشهر التاني فطبيعي التعب اللي ظهر فجأة."
حمحم بلال وسألها باهتمام وهو يجوب الشاشة أمامه بعينيه:
"أنا مش شايف أي جنين خالص."
ابتسمت الطبيبة ثم أشارت بإصبعها على نقطةٍ ما في الشاشة أمامها وقالت بعملية:
"دا كيس الحمل، لسه طبعاً بيبدأ يتخلق يعني ملوش معالم حالياً غير إنك تشوف نقطة ومع كل شهر بيبدأ يظهر شكله بوضوح ومش هتحتاج لحد يوصف لك شكله."
بفضول هتف بلال:
"هو ولد؟ أصل حضرتك بتتكلمي بصيغة المذكر."
قهقهت الطبيبة وأوضحت ما تعنيه كلماتها:
"لا مقصدش النوع بكلامي، أنا بتكلم عن الجنين في العموم، النوع دا لسه عليه بدري مع بداية الشهر الرابع يمكن نقدر تعرف حسب وضعية الجنين."
أماء بلال بتفهم وعاد قائلاً:
"طيب مفيش حاجة تمنع تعبها؟"
ابتسمت الطبيبة لاهتمامه وأجابته وهي تنهض من على كرسيها:
"شهور الوحم بتكون كدا، كلها تعب وكل اللي في إيدينا نكتب لها فيتامينات ومثبت ومتحاولش تجهد نفسها قدر المستطاع، وياريت تعملولي التحاليل دي."
أنهت تدوينها على الورقة ثم أعطتها لبلال وتمنت السلامة لإيمان بينما غادرا الغرفة والسعادة لا تسعهما، فسبحان الذي خلق نطفة داخل الأرحام تجعلنا سعداء للغاية قبل أن نراها.
أجرت إيمان التحاليل اللازمة ثم غادرا المشفى ليعودا إلى منزلهما ويخبرا الجميع بذاك الخبر السعيد.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم تسنيم المرشدي
استيقظ إثر صوت المنبه، أغلقه وكاد يعود للنوم إلا أنه تذكر أن اليوم عرسه. خفق قلبه بقوة وانتفض من مكانه، ظل يدور حول نفسه يجهل أول خطوة عليه اتخاذها.
ابتلع ريقه وحاول تهدئة روعه فالأمر لا يحتاج إلى ذاك التوتر. وقع على أذنيه ضجة في الخارج فلم يتردد في الخروج. كان الجميع متوترًا والأجواء مشحونة بالطاقة السلبية وهذا ما استشفه.
لاحظ هرولة الجميع إلى غرفة لينة فتوجه نحوها ووقف أمام بابها متسائلاً بقلق:
_ في إيه؟
التفتت إليه السيدة ميمي وكذلك شهد ثم تنحين جانباً فظهرت هي بعينيها المتورمة، وعبراتها التي تتساقط دون توقف. شعر بالقلق حيالها واقترب منها متوجساً خيفة في نفسه، جلس بجوارها وسألها باهتمام:
_ مالك في إيه؟
أجهشت باكية وهي تخبره سبب بكائها:
_ المفروض أستلم الفستان من الديزاينر إمبارح وقالتلي لأ، سيبيه فيه شوية تظبيطات محتاجين يخلصوا. بكلمها النهاردة تقولي المندوب في إجازة ومش عارفة أبعتهولك إزاي؟!
كلمت الميك أرتست أفكرها متتأخرش. أول ما عرفت إن المكان بعيد وفي حارة مش فندق قالتلي مش هعرف أجي لوحدي، محتاجة حد يجيبني!
أعمل إيه أنا بقى؟ مين اللي هيفضى يروح يجيبهم؟!
من أولها مفيش حاجة راضية تمشي زي ما مترتب لها، أوف بجد.
رفع يوسف بصره على والدته فاستشفت هي ما يريد ثم وجهت حديثها لشهد:
_ تعالي شهد، عايزاكي.
خرجن من الغرفة وأغلقت الباب فاقترب يوسف من لينة وملس على وجهها وهتف:
_ تعالي نتفق اتفاق صغير.
حركت رأسها بمعنى ما هو، فتابع قوله:
_ مفيش عياط النهاردة، النهاردة فرحنا يا لي لي. مش ده اللي حلمنا بيه؟ مش ده اليوم اللي استنيناه ورتبنا له من زمان؟
صاحت هي بنبرة متحشرجة معارضة حديثه:
_ يوه بس كل حاجة مش مظبطة و..
قاطعها يوسف قائلاً:
_ كل اللي قولتيه ده ليه حل، مش حاجة صعبة يعني. أنتِ كل اللي عليكي تكوني هادية واستمتعي باليوم، وأنا عليا هخلص لك كل حاجة. لكن مينفعش شدة الأعصاب دي. عارف إن اليوم طويل ويمكن تكوني خايفة من..
تدخلت هي قبل أن يكمل جملته:
_ خايفة من إيه؟ أنا بس عايزة كل حاجة تمشي تمام.
"كل حاجة هتمشي تمام لو أخدنا الأمور ببساطة، مش بالعياط. فهماني يا لينة؟"
أماءت فقبل وجنتها وقال:
_ قومي أغسلي وشك يلا، مش منظر عروسة ده.
تنهدت فقال يوسف:
_ وبعدين إحنا لسه فيها. لو عايزة نحجز في فندق..
أسرعت في رفض ذلك:
_ لا مش عايزة، أنا حابة اليوم كله يكون هنا بما إنه آخر يوم ليا هنا.
رفع يدها عند فمه وطبع قُبلة عليها ثم قال بصوت رخيم:
_ خلاص يبقى خلي آخر يوم مبهج ومش مكهرب، وكل حاجة هتمشي بإذن الله تمام.
نهض عن الفراش فأسرعت هي تمسك يده وقالت بنبرة مهزوزة وهي منكسة الرأس:
_ أنا خايفة أوي يا يوسف!!
ارتخت تعابير يوسف ونظر لها بآسى شديد. فحاولت تبرير مقصدها:
_ مش قصدي اللي فهمته بجد، بس متوترة أوي. خايفة أطلع وحشة، دي أول مرة هعمل فول ميك آب. خايفة اليوم ما يمشيش زي ما أنا عايزة، خايفة يحصل أي حاجة تبوظ علينا فرحتنا.
استنكر يوسف تفكيرها المحدود وعاد جالسًا بجانبها وبدأ حديثه بصوت أجش:
_ ليه التشاؤم ده؟ محدش بيفكر بالطريقة دي. سيبي كل حاجة تمشي زي ما هو مقدر لها، مش زي ما إحنا مرتبين ليها ودي هتكون أحسن بكتير. ثم إنك حلوة ومش محتاجة لذرة ميك آب. أنا بس سيبتك تعملي عشان تكوني مبسوطة، لكن لو عليا فيكفيني أوي القمر أبو مناخير مسمسمة ده.
نجح يوسف في رسم البسمة على ثغرها قبل أن تردف كلماتها:
_ مع إني عارفة إن ده تثبيت، بس عاجبني.
غمز إليها ثم هتف بمزاح:
_ أي خدمة. هروح أنا عشان أجيب لك الناس اللي مش راضية تيجي دي.
أماءت بقبول بينما خرج من الغرفة ثم نادى على أخيه وأمره:
_ أنا مش فاضي أروح المشاوير دي، عندي حاجات كتيرة عايز أعملها قبل معاد السيشن. خد العربية وروح جيب الفستان وجيب لها الميك أب أرتست وأنت راجع.
"بس أنا معرفش الأماكن ولا هوصل للست دي إزاي أصلاً وأنا معرفش شكلها؟"
رددها زياد فصمت يوسف لبرهة يفكر في حل. انتبه على صوت شهد الذي جاء من خلفه ونظر لها نظرةٍ مطولة ثم ناداها بصوت جهوري:
_ شهد، لو سمحتي عايزك.
جاءته على استحياء فلم يدور بينهما حوارٌ من قبل. حمحمت وبحرج تساءلت:
_ نعم؟
وزع يوسف نظره بينها وبين شقيقه قبل أن يخبرها بما يريد:
_ معلش ممكن تروحي مع زياد تستلمي أنتِ الفستان لأنه مش عارف المكان، وتكلمي الميك أب ارتست وتقابلوها تجيبوها في طريقكم.
تفاجئت شهد بطلبه وكذلك زياد الذي صعق. تبادلا النظرات المشحونة ثم أعطت شهد إجابتها بإقتضاب:
_ طيب هستأذن ماما الأول.
"تمام، يكون أحسن."
أردفها يوسف بينما ابتعدت هي عنهما لتأخذ الموافقة أولاً من والدتها قبل الذهاب إلى أي مكان. اقترب زياد من أخيه وهمس بحنق:
_ شهد مين اللي تيجي معايا؟ ملقتش غير دي؟
نظر له يوسف بغرابة من أمره وصاح بإقتضاب:
_ مالها شهد مش فاهم؟ وبعدين مضطرين، أنت مش شايف اليوم مشحون إزاي من أوله. عدي معايا اليوم يا زياد.
تأفف الآخر بعدم إعجاب، لكنه تحلى بالجمود حينما عادت شهد ووجهت حديثها ليوسف:
_ ماما وافقت.
تدخل زياد بنبرة مشحونة بالغضب وهو يرمق شهد:
_ هات مفتاح الزفتة.
تفاجئ يوسف من وقاحته لكنه لم يعقب أمامها واكتفى بمعاتبته في نظراته. أولاهما زياد ظهره وغادر بينما تمتمت شهد بغيظ عارم:
_ آآآه يعني أنا اللي هموت وأروح معاه.
وقعت كلماتها على أذني يوسف وشعر بالحرج الشديد. حمحم ثم أردف بخذلان:
_ معلش يا شهد عشان خاطر لينة.
نظرت إليه قبل أن تردف:
_ وأنا كان ممكن أروح معاه مكان إلا عشان خاطر لينة. أنت أخوك ده حد يطيقه؟!
تفاجئ يوسف بما قالته وظل يطالعها بذهول. أخذت هي حقيبتها وغادرت المنزل على مضض. استقلت المقعد الخلفي وانتظرته حتى ينطلق لكنه لم يبرح مكانه. التفت إليها وببرودٍ يشوبه التماسك:
_ حد قالك إني سواق عندك عشان تقعدي ورا؟
عقدت شهد ذراعيها أعلى صدرها وهتفت مستاءة:
_ وأنت عايزني أقعد جنبك أنت؟!
أردفت آخر كلماتها وهي تشير إليه باشمئزاز وتقليل منه. شعر زياد بالإهانة وترجل من السيارة ثم فتح بابها وهدر بها شزرًا:
_ أقسم بالله إن ما نزلتِ ركبتي قدام لأسيبك وأمشي.
لم تعطِ شهد رد فعل لحظتها، لكنها اضطرت إلى الترجل فلن تسمح أن تحزن صديقتها من خلف ذاك الأحمق. استقلت المقعد الأمامي وهي بالكاد تستطيع الصمود دون خلق مشادة بينهما فكان سخيفًا للغاية معها.
وصلا حيث المكان التي ستحضر منه شهد فستان لينة. صعدا كلاهما معًا وأخذت شهد حامل الفستان لكنه كان ثقيلاً للغاية ويفوق قوتها المحدودة. نظرت حيث يقف زياد بغيظ عارم وصاحت بحنق:
_ حد قالك إن المكان محتاج عمدان؟
"نعم؟!!"
هتف بها زياد بعدم فهم ونبرة جامدة فأوضحت هي بإزدراء:
_ الفستان تقيل. لو مش هتعب حضرتك تيجي تشيله!
رمقها بنظرات مستاءة تحولت إلى الإستهزاء قبل أن يردد:
_ مكنتش أعرف إنك خرعة للدرجة دي.
اتسعت حدقتاها ثم ألقت الفستان أرضاً وهتفت بغيظ وتحدي:
_ طب ورينا شطارتك!
وقفت تتابعه في صمت ولم تخفض حاجبها الأيسر بغيظ من ردوده الباردة. بينما توجه زياد بعجرفة إلى ذاك الفستان وانحنى ليحمله فوجد صعوبة في البداية، لقد كان ثقيلاً للغاية. ابتلع ريقه وحاول التحلي بالقوة ليحمله لكن خارت قواه وسقط الحامل أرضاً.
صدحت قهقهة شهد متعمدة الإستهزاء على ضعف بنيته فصاح هو بحنق:
_ بت، مسمعش صوتك، وشيلي معايا خلينا نخلص بقى.
اقتربت منه والإبتسامة لا تزال مشكلة على شفتيها، وعزمت ألا تمرق الأمر دون الرد عليه بإهانة مثلما فعل مسبقًا فتمتمت وهي تحدق به:
_ مكنتش أعرف إنك خرع للدرجة دي.
تأفف زياد وهتف من بين أسنانه:
_ لولا أنك بت كنت دفنتك مكانك.
تقوس ثغرها للجانب ببسمة ساخرة على موقفه الضعيف مقارنةً بموقفها أمامه. بينما جمع زياد قوته وحمل الفستان حارصًا بألا يسقطه ثم أولاها ظهره وهرول للخارج قبل أن يفقد توازنه.
بصعوبة شديدة أنهى وضعه في المقعد الخلفي وتمتم بضيق:
_ فستان ده ولا المحل نفسه.
أطلقت شهد من خلفه قهقهة بخفة أجبرته على النظر إليها بضيق. لم يعقب وتوجه نحو مقعده وكذلك هي فتحت بابها لكنها تفاجئت بتحرك السيارة بعيداً عنها.
وقفت مكانها تتابع تحركها بذهول هاتفة بغضب:
_ أنا اللي غلطانة إني جيت مع واحد زيه!
وقفت تنتظر سيارة أجرى لكن لم تمر أي سيارة. مرت خمس دقائق وتفاجئت بعودته. أوقف السيارة ونظر إليها بتشفي قبل أن يقول:
_ صعبتي عليا.
ببرودٍ حدقته ثم حركت رأسها بعيداً عنه، معلنة تمردها. انتظر الآخر قليلاً ثم أبدى استيائه قائلاً:
_ يلا عشان منتأخرش!
نظرت إليه بتحدٍ وقالت بحاجبين مرفوعان:
_ مش راكبة إلا لما تنزل وتفتح لي الباب!
"أعمل إيه يختي؟"
رددها زياد باستنكار شديد ولم يبرح مكانه. انتظر وانتظر وما زالت ثابتة على موقفها، فما كان منه إلا أنه ترجل بخطى غاضبة وتوجه نحوها، قام بفتح الباب لها وصاح بنفاذ صبر:
_ خلصيني.
رفعت شهد رأسها بتعالٍ وتحركت نحو السيارة حتى استقلت المقعد. خفق قلبها بذعر حين دفع الباب بعنف، لكنها تحلت بالثبات. عاد هو لمقعده وتحرك بسرعة عالية خشيتها شهد. وضعت يدها على قلبها بخوف شديد وأردفت بنبرة مهزوزة:
_ امشي براحة.
نظر إليها زياد واستشف خوفها فظهرت على شفتيه ابتسامة ماكرة وزاد من سرعته فهتفت هي بخوف عارم:
_ يا زياد قلبي هيقف، هدي السرعة.
"قولي لو سمحت يا أستاذ زياد هدي السرعة."
هتف بها مستغلاً الأمر لصالحه، بينما لم تتفوه شهد ما يريده بسهولة. أغلقت عينيها في محاولة منها للسيطرة على خوفها لكنه كان يزيد من سرعة السيارة ليخفيها فلم تشعر بنفسها سوى وهي تصرخ بحنق:
_ لو سمحت يا أستاذ زياد هدي السرعة.
قلب زياد عينيه مستاءً وقال ببرود:
_ مش حاسسها لأ، قوليها تاني.
اغرورقت عيناي شهد وتوسلته بنبرة تهدد بالبكاء:
_ لو سمحت يا أستاذ زياد هدي السرعة.
لاحظ زياد انعكاس نبرتها فرمقها بطرف عينيه وتفاجئ ببكائها. هدأ من سرعة السيارة فجاشت شهد باكية. شعر زياد بالندم لتماديه في سخافته. صف السيارة جانباً والتفت بجسده نحوها وقال بخذلان:
_ أنا آسف مكنتش أقصد.
قاطعته شهد بقولها:
_ أنا عايزة أروح.
حمحم بحرج شديد ثم تحرك بالسيارة مرةً أخرى. عادا إلى منطقتهم بعدما أحضر تلك المرأة التي تنتظرها لينة. صف السيارة أسفل البناية وهو يتابع ترجل شهد. خشي أن تخبر شقيقه وينال توبيخًا منه وهو ليس على استعداد لذلك اليوم.
تنهد وترك الأمور تجري كما هي مرتب لها، فلم يكن لديه ما يفعله سوى الانتظار. أخذ الفستان وصعد للأعلى وداخله خوف مما ينتظره.
***
كان يقف بجوارها يجمع خصلاتها لكي لا تنسدل على وجهها. انتهت إيمان من إفراغ بقايا ما في معدتها ثم التقطت أنفاسها التي هربت منها مطلقة صوت متعب للغاية:
_ اااه، معتش قادرة.
نظر إليها بلال بآسى شديد وردد:
_ سلامتك يا حبيبتي.
"الله يسلمك."
قالتها بخفوت، وتوجهت إلى الغرفة وتبعها بلال. جلس بجوارها وحدق بالطعام التي لم تتناول نصفه بعد وأردف:
_ كملي أكلك.
حركت رأسها رافضة تناول أي طعام خشية أن تعود لتلك الحالة المذرية من جديد:
_ لا لا مش عايزة.
انتبه بلال على رنين هاتفه، أجاب صديقه الذي صاح بغيظ:
_ هو أنا هفضل أكلمك أتحايل عليك تنزل، ماشي ياعم شكراً.
"والله غصب عني."
لم يكمل بلال جملته حتى قاطعه يوسف بعتاب:
_ ولا غصب عنك ولا غيره، مش عايز منك حاجة.
تدخلت إيمان في الأمر لكي يعلم يوسف الحقيقة:
_ معلش يا يوسف أنا السبب، تعبانة وهو مش عارف ينزل ويسيبني كدا.
"تعب إيه النهاردة، أنتوا متفقين عليا صح، سايبين الأيام كلها وجاين تتعبوا النهاردة؟"
هتف بها يوسف مازحًا فردت هي بنبرة منهكة:
_ أيوة كنا عايزين نزود المعازيم واحد.
بعدم فهم ردد يوسف:
_ واحد مين؟
تولى بلال مهمة الرد عليه بسعادة:
_ هجيلك أنا وابني.
عقبت إيمان قائلة:
_ أو بنتك!
"بتهزروا، صح؟!"
صاح يوسف بعدم تصديق فأكد بلال ذاك الخبر:
_ لأ بجد، يلا عقبالك، ولا عقبالك ليه ما أنت معاك طفلة أصلاً مش هتلحق تفتقد الخلفة.
استاء يوسف من رده وهتف:
_ بارد والله، بس ألف مبروك ربنا يتمم لكم على خير.
"شكراً يا يوسف."
قالتها إيمان ثم سحبت الهاتف من يدي بلال وقامت بكتم الصوت ووجهت حديثها له:
_ انزل أنا كويسة.
برفض تام قال:
_ مش هسيبك لوحدك في حالتك دي.
قهقهت هي بسخرية:
_ على كده هتقعد جنبي الـ9 شهور، انزل يا حبيبي وأنا هكلم ماما تيجي تقعد معايا.
نظر إليها نظرة مطولة فحثته هي بإيماءة من رأسها. انتبه كليهما على صوته الذي صاح:
_ يا مسهل يارب، خلصتوا مناقشة؟
نظرت إيمان إلى الهاتف لتتأكد أنه لم يسمع حوارهما. أعادت وضعية الهاتف فتحدث بلال:
_ نزلك أهو أنت فين؟
بفتور قال:
_ عند الحلاق.
نهض بلال مواصلًا حديثه:
_ تمام، جايلك أهو.
أنهى المكالمة ثم وجه نظره على إيمان وأردف بأمر:
_ كلمي مامتك تيجي.
أماءت بقبول وهاتفت والدتها وأخبرتها أنها بحاجة إليها فلم تمانع الأخرى. في تلك الأثناء بدل بلال ثيابه بأخرى واقترب من إيمان قبل جبينها وغادر ليذهب إلى صديقه.
***
بعد عدة ساعات، وقف يوسف أمام المرآة يتفقد مظهره جيدًا. كان راضيًا بحالته الجذابة. أخذ نفسًا وزفره على مهل. انتبه على طرقات الباب فسمح للطارق بالدخول. ابتسم حين رأى ولوج والدته. وقفت مكانها لبرهة فور رؤيتها لطلته.
لم تكن كسابق مرات. كانت فريدة من نوعها، تليق بكونه عريسًا. أدمعت عينيها وأسرعت في مسح عبراتها قبل أن تتساقط أكثر فهذا ليس بوقت بكاء. أسرع يوسف نحوها وهو يتمتم بصوت متحشرج:
_ ليه بس ليه، حد يعيط النهاردة؟
نظرت إليه وتفحصت ملامحه باهتمام. رفعت يدها وتحسست وجهه بحنو قبل أن تردف:
_ شكلك جميل، اللهم بارك. قلبي فرحان بيك يا حبيبي، ربنا يحرسك.
رفع يوسف يدها وقبل كفها بحرارة وهتف ممتنًا:
_ ربنا يخليكي لي يا ست الكل.
انتبها لاقتحام زياد الذي أصدر صافرة إعجاب على مظهر أخيه الجذاب:
_ إش إش، وأنا اللي كنت ناوي أغطي عليك، لأ تكسب.
بتعالٍ تحدث يوسف:
_ تغطي على مين يالا؟
اقترب منه زياد وبدون سابق إنذار عانقه بحرارة. ربت يوسف على ظهره بحب وقال:
_ عقبالك يا حبيبي.
تراجع زياد للخلف وقلب عينيه مستاءً:
_ جواز إيه ياعم ووجع دماغ، هو فيه زي عيشة السنجل.
غمز له يوسف وشاكسه بمرح:
_ ده عشان بس لسه مجتش اللي تغير رأيك. لما تيجي وقتها هنشوف هتعمل إيه.
لم يعقب زياد بل واصل يوسف موجهاً حديثه لوالدته:
_ متعرفيش لينة خلصت ولا لأ؟
"خلصت من بدري يا حبيبي."
قالتها ميمي فأخرج يوسف تنهيدة. خفق قلبه كلما شعر بقربه خطواته على إتمام زواجه منها. أوصد عينيه ثم زفر أنفاسه وخرج من الغرفة متوجهًا إلى غرفة السيدة ميمي فلقد استحوذت عليها لينة اليوم.
وقف أمام باب الغرفة مرتبكًا للغاية، لا تهدأ نبضاته قط. شهيقًا وزفير فعل يوسف ثم طرق باب الغرفة. مرت ثانيتان حتى فتحت له شهد. ابتسمت ببشاشة ووجهت حديثها لصديقتها:
_ ده يوسف يا لينة.
انتفضت لينة من مكانها فلقد تضاعف توترها وإرتباكها. صاحت هي مانعة إياه من الدخول:
_ استني إوعي تخليه يدخل.
توجهت نحو المرآة بعد صعوبة قابلتها بسبب حجم فستانها الهائل. تفحصت صورتها المنعكسة جيدًا ثم قالت:
_ خليه يدخل.
أوصدت عينيها تستجمع قواها، فلقد حانت تلك اللحظة، لحظة الوصول إلى نهاية فصل من تحقيق حلمها. اليوم زفافهما لطالما تمنته كثيرًا حتى شعرت أنه بالكاد تراه في أحلامها، لكن الأحلام باتت حقيقة، وها هو يخطو أول خطوة نحوها.
خفق قلبها بقوة، ازدادت توترها وهي تتابع خطواته القريبة. على الجانب الآخر كان يراها وكأنها المرة الأولى لهما. لم ولن يرى عروسًا مذهلة مثلها. كانت مشاكسه ثم فتاه والآن عروسه المصون!
كانت هالة بيضاء بفستانها الذي يغطي أرضية الغرفة، يليق بكونها عروس. كانت جميلة رقيقة تشبه الفراشات النادرة.
أعادت ذاكرته شريط حياتها معه في الثمانِ أعوام الماضية. مر عليه مرحلة طفولتها ومراهقتها والآن زواجها. انهمرت دموعه رغماً عنه متأثرًا بتلك اللحظة الثمينة.
تفاجئت لينة ببكائه وهتفت بحزن وهي تتحسس وجهه:
_ ليه كدا؟
اقتربت منه وطبعت قبلة على عينه الباكية هامسة بحزن:
_ عشان خاطري مش بحبك كدا.
تراجعت للخلف لتحدق به مسترسلة:
_ مش أنت اللي قولت لي مفيش عياط النهاردة، النهاردة فرحنا يا يوسف، حلمنا اللي تمنيناه كتير خلاص بنحققه!
ما كان منه إلا أنه ضمها داخل صدره، مستنشقًا عبيرها الذكي. بادلته لينة العناق بحب. بعد مدة ابتعدا عن بعضهما، فسألته لينة بلهفة:
_ ها إيه رأيك؟
بنبرة متيمة رد عليها:
_ زي القمر يا لي لي، ده أنا يابختي والله.
ابتسمت له بعذوبة ثم همست:
_ بحبك أوي أوي يا يوسف.
"وأنا كمان بموت فيكي يا قلب وروح وعقل يوسف."
رددها وهو يقترب منها رويدًا رويدًا. طالع شفتيها التي انتفخت بسبب ذاك اللون. شعرت لينة بثمة اقتحام مفاجئ على وشك الحدوث فأسرعت في منعه قائلة:
_ يوسف، الروج هـ..
لم يدعها تكمل جملتها فأجبرها على الصمت حين قبل ثغرها. شهقت لينة بصدمة ورمقته بنظرات معاتبة، ثم ركضت نحو المرآة تتفقد شفتيها. تنهدت براحة حينما لم تجد عواقب وتمتمت محدثة أحمر الشفاه:
_ حلال فيك الفلوس والله.
عادت إليه وتصنعت التذمر. رفعت إصبعها محذرة إياه وصاحت:
_ إياك تعيد عملتك دي تاني، وطول اليوم تلتزم معايا بالإحترام، مفهوم؟
غمز إليه وهمس لها بمكر:
_ أنتِ حرة امنعيني براحتك، كله هيتحوش لك لبعد ما يتقفل علينا باب واحد.
بعناد قالت:
_ ولا تقدر تعمل معايا حاجة.
بثقة شديدة أردف:
_ وقتها هنشوف.
مد لها ذراعه يحثها على التعلق به:
_ يلا عشان منتأخرش على الفوتوجرافر.
طالت نظراتها عليه بتوجس قبل أن تتساءل:
_ يوسف أنت هتعمل إيه؟ متخوفنيش لو سمحت.
ضحك هو وحافظ على ثباته وقال:
_ لا خافي.
لمعت عينيها فخرج عن ثوبه وانفجر ضاحكًا وردد من بين ضحكه:
_ متخافيش خلاص، بهزر.
أعاد مد ذراعه لها فتعلقت به ولا زالت تطالعه بعدم راحة. وكذلك لم يكف هو عن الضحك. تعالت الزغاريد السعيدة لوقت ركوبهما السيارة. تهافت الجميع لمباركة يوسف وتمني التوفيق له.
نادى يوسف على أخيه فجاءه راكضًا. أشار له يوسف فانحنى عليه زياد وهمس الآخر بكلماته:
_ خلي شهد معاك مش عايز حد معايا في العربية.
أماء زياد بقبول ونظره توجها حيث تقف شهد. سار نحوها وقال:
_ تعالي معانا في العربية.
"بس أنا عايزة أكون مع لينة عشان لو احتجتني."
قالتها وهي تطالع سيارة يوسف التي تتحرك بعيداً. فتدخل زياد قائلاً:
_ ما إحنا برده هنكون معاهم خطوة خطوة.
ابتعد عنها وفتح لها باب السيارة الخلفي فلم يكن أمامها سوى الركوب. استقل هو الآخر في انتظار حضور والدته من الأعلى. حمحم ووجه المرآة نصب عينيها وردد بحرج:
_ شكراً إنك محكتيش اللي حصل النهاردة لحد.
نظرت إليه ثم أخفضت رأسها في حياء وردت بخجل:
_ عادي، ما أنا كنت سخيفة برده.
"أوي."
هتف بها زياد فتفاجئت الأخرى بوقاحته. رمقته بنظرات احتقارية وصاحت وهي تترجل من السيارة:
_ أنا اللي غلطانة إني ركبت معاك.
أسرع زياد في لحاقها. وقف أمامها وأمسك بذاك الباب مانعًا إياها من الخروج فباتا قريبين للغاية. تبادلا النظرات وهما لا يعيان ماذا يحدث لهما، فلقد كان الموضوع محببًا لزيادة كثيرًا. بينما كانت هي تشعر بالخجل يقتلها.
انتبه زياد لمجيء والدته فأعاد النظر إليها وهمس بأمر:
_ ادخلي.
شعرت أنها بحاجة للهرب من عينيه الثاقبة التي تخترقها وعادت للداخل مسرعة. أغلق زياد بابها وعاد لمقعده، انطلق بالسيارة فور ركوب والدته بجواره. استند بمرفقه الأيسر على النافذة واضعًا راحة يده على فمه مشكلاً ابتسامة مبهمة لا يعلم سببها.
***
أنهوا التصوير وحان موعد الذهاب للمكان المقام به العرس. تعلقت لينة في ذراعه فور ترجلها من السيارة. نظرت إليه تستمد منه الشجاعة ثم سارا معًا إلى الداخل. توجها أولاً إلى غرفة الاستراحة يأخذون بعض الصور مع الأهل والأقارب.
كانت لينة تتفحص هاتفها من آن لآخر بضيق واضح. فاقترب منها يوسف وسألها باهتمام:
_ مضايقة كده ليه؟
تأففت وأجابته بحنق:
_ علي من آخر مكالمة ليه الصبح مكلمنيش تاني، كنت عايزة أوريه شكلي وأنا عروسة وكنت عايزاه يكون حاضر معايا كل حاجة طالما هو مش موجود!!
حاول يوسف تبرير أمره حيث هتف بصوته الرخيم:
_ أكيد يا حبيبي عنده حاجة مهمة منعته يكلمك وإلا مكنش عمل كدا.
رمقته لينة مستاءة قبل أن تهدر بتهكم:
_ أهم مني؟ أهم من فرح أخته؟
حمحم يوسف بحرج وردد:
_ حاسس إني نيلت الدنيا؟!
أماءت بالإيجاب وقالت:
_ بصراحة أه ياريت مدافعش عن حد تاني.
أشار إلى عيناه وأردف بعذوبة:
_ من عيوني يا عيوني، بس مش معقول يا لينة هتفضلي مبوزة كده، النهاردة مش يوم عادي. لو سمحتي ياريت نسيب أي حاجة تضايقنا على جنب، اتفقنا؟
أماءت بالإيجاب وتمتمت:
_ اتفقنا.
توجه كليهما إلى الخارج ومنه إلى القاعة الخاصة بالسيدات. وقفا أمام الباب في انتظار فتحه حتى يبدأ ما تدربا عليه من قبل. مرت دقيقة تلاها أخرى حتى فُتح الباب وإذا به يقف مبتسمًا لهما وفي يديه باقة الزهور الخاصة بلينة.
اتسعت حدقتا لينة بعدم تصديق. تبادلت النظرات مع يوسف الذي ابتسم لها. حررت يدها المحاوطة لذراعه وهرولت إليه بسعادة عارمة معانقة إياه بحرارة:
_ مش مصدقة إنك هنا، أنت جيت بجد؟
حرك رأسه بتأكيد وقال:
_ مينفعش مكنش موجود في يوم زي ده!! ولا إيه يا يوسف؟
التفت إليه بذهول وهتفت مستاءة:
_ أنت كنت عارف إنه جاي ومقولتليش؟!
رفع يوسف كتفيه وأوضح موقفه:
_ مليش دعوة هو اللي طلب كدا.
أعادت لينة النظر إلى شقيقها وصاحت بسعادة:
_ دي أحلى مفاجأة والله العظيم!
ابتسم لها بعذوبة ثم تناول يدها بين ذراعه وقال:
_ مبروك يا لولي.
"الله يبارك فيك يا حبيبي."
قالتها بنبرة مليئة بالحيوية. بينما توجه يوسف نحوها وقام بمحاوطة يدها الأخرى، وسارا ثلاثتهم للداخل متشابكين الأيدي. كان الاستقبال حارًا للغاية، دلفوا بين نيران تتراقص على أنغام الموسيقى كأنها مدربة، ناهيك عن التصفيقات التي تدوي في المكان.
أوصلهم على للمقعد الخاص بالعروسين ثم قبل لينة من وجنتها وتنحى جانبًا لكنه لم يبتعد. كان بالقرب منهما. جلس يوسف بجوار لينته. تهافت البعض للمباركة ثم طلبت منهن منظمة الحفلات أن يجلسن لبدء الحفل.
دعتهم لرقصة رومانسية. تحولت نظرات لينة تلقائيًا على يوسف فهي على علم بعدم قبوله لتلك الأمور خارج المنزل. لكنها تفاجئت به ينهض ويمد لها يدها فردت بعدم تصديق:
_ أنت بجد هترقص معايا برا البيت؟!
رد عليها وهو يسير بجوارها نحو المكان المخصصة للرقص:
_ مفيش رجالة هنا، تفرق!
ازدادت ابتسامتها بسعادة ثم وضعت يديها على صدره بينما أحاط هو خصرها وبدأ رقصتهما الأولى. كانت عينيهما تصرح بالكثير من فيض المشاعر تلك اللحظة. كان يرسل إليها عبارات الغزل من خلال عينيه وكذلك تستقبلهم هي برحب.
انتهت كلمات الأغنية، ثم اقتربت منهما منظمة الحفل وتحدثت بلباقة في مكبر الصوت:
_ ما شاء الله عليكم، دلوقتي عايزين كلمة من العريس للعروسة قبل ما يتكرم ويمشي.
تقوس ثغر يوسف بحرج ثم تناول منها مكبر الصوت تحت نظرات لينة المذهولة. حتمًا لن ينطق حرفًا. اتسعت حدقتاها حين رأيته يتحدث وهو يحدق بها وأصغت إليه باهتمام لما سيردفه.
يوسف بنبرة خجلة:
_ معلش اعذروني لو اتلخبط، أنا متعرضتش لمواقف زي دي قبل كدا.
ازدادت ابتسامته وتابع:
_ أو بصراحة أنا اللي كنت برفض أتحط في مواقف زي دي، بس لاجل عيون لينة كل حاجة تكرم.
كانت متفاجئة للغاية مما يقع على أذنيها. وضعت يدها على وجهها خافية ابتسامتها السعيدة. على الجانب الآخر حمحم يوسف وواصل:
_ يمكن كلكم عارفين حكايتي معاها، الحكاية التقليدية إني ربيتها في بيتي وصونت الأمانة اللي وصاني بيها صاحبي الله يرحمه، بس الحقيقة إنها هي بيتي، هي راحتي والحلو اللي في حياتي. كل حاجة بقى ليها طعم مختلف بوجودها جنبي، حتى المسؤولية مهما زادت كانت خفيفة دائمًا على قلبي طالما ليها وعشانها. على إيديها عرفت يعني إيه حب!
معاها عرفت معنى الانبساط، لأن قلبي مبسوط طول ما هي جنبي، وعيوني بتنبسط لما بشوفها!
أنا ممتن ليها لأنها خلت حياتي وردية وأنا متأكد إن من غيرها مكنتش هكون ولا حاجة، لأني كنت دائمًا بسعى عشان أسعدها، كنت بشيل مسؤولية فوق مسؤولية عشان خاطرها، عشان أكون قد حلمها.
ضحك بصوت عالٍ قبل أن يردد وهو يطالعها:
_ وطلعت أنا في الآخر حلمها!
أحتضن يدها واقترب منها وواصل استرساله بنبرة متيمة:
_ أنا بحبك يا أحلى جانب في حياة يوسف!
حبيتك وأنتِ عيلة صغيرة وحبيتك وأنتِ آنسة جميلة، ودلوقتي بحبك وأنتِ مراتي حبيبتي!
بحبك يا لي لي.
كانت تصغي لكلماته بتأثر شديد، لقد آسر قلبها بكل حرفٍ أردفه. لمعت عينيها وشعرت أنها بحاجة للبكاء. ظلت تلوح بيدها أمام وجهها لعلها تنجح في تبخر تلك العبرات التي على وشك السقوط.
اقترب منها يوسف وقام بضمها بكل قوته. بادلته لينة العناق ولم تستطع الصمود فأجهشت بالبكاء. ارتفعت التصفيقات من حولهما ثم صدح صوت المرأة حين التقطت من يوسف مكبر الصوت:
_ ربنا يخليكم لبعض يارب، يابختك بيه يا لينة.
تراجعت لينة واكتفت ببسمة رقيقة. فواصلت الأخرى حديثها:
_ مش حابة تسمعينا كلام حلو زي اللي سمعناه ده؟
نظرت لينة إلى يوسف فغمز إليها ثم انحنى بقرب أذنها وهمس بتعالٍ:
_ أنا خلصت كل الكلام ورينا هتعلي عليا إزاي؟
قهقهت وسألته بثقة:
_ أنت بتتحداني؟
مال برأسه يمينًا ويسارًا قبل أن يجيبها:
_ بصراحة كده آه.
بثقة التقطت لينة مكبر الصوت من يدي المرأة ثم أخذت نفسًا عميق. طالعت عيني يوسف بتحدٍ تحول إلى امتنان شديد لتصريحاته التي لمست قلبها منذ قليل. تفاجئ يوسف بغنائها العذب فلم يتوقع ذلك البتة.
غردت لينة وهي تطالعه بحب:
أنا بعشق الغنا قدام عنيك
أنا عايشة العمر ليك أنا روحي فيك
وأنت جنبي هنا أنا بحلم بيك أنا
وأروح منك إليك
بدأت تصفيقات الفتيات من حولهما بينما لوحت لينة بيدها متمشية مع كلمات الأغنية وهي تتابع:
بحبك قد عمري قبل عمري بعد عمري
حبي ليك فوق المشاعر والحدود
بحبك قد روحي قبل روحي بعد روحي
مش هلاقي زيك أنت في الوجود
مستحيل أستغني عنك
مستحيل ده أنا كلي منك
يا حبيبي إن سبت حضنك يوم أموت
أنت أكثر من حبيبي
أنت كل ما فيك حبيب
نفسي أقولك إني عاشقة ودايبة موت
أحاط يوسف خصرها فواصلت غنائها بإحساس عالٍ وهي تستند برأسها على صدره:
خليني جنبك بحضن قلبك
خليك معايا دايما قريب
قرب في حضني
من روحي خدني أنت ملاكي وأجمل حبيب
أنهت كلمات أغنيتها فتفاجئت بفستانها الذي حلق في الهواء حين حملها يوسف فتشبثت في عنقه لتوازن جسدها حتى لا تقع.
أنزلها فوقفت لينة قليلاً تحاول استعادة رشدها. تنهدت وهمست له:
_ إيه رأيك مين يكسب؟
ابتسم لها وقال:
_ أنتِ طبعًا.
بادلته الإبتسامة ثم استأذن منها ليعود إلى قاعته الخاصة حتى يستقبل الحضور. وباتت هي بين صديقاتها تتراقص دون توقف.
"ما تنام جوا أحسن."
هتف بها بلال فور رؤيته خروج يوسف. بلا مبالاة هتف يوسف:
_ خليك في حالك يا حبيبي.
بفتور قال بلال:
_ الناس بتسأل عنك وكل شوية أقولهم جاي أهو.
"وأديني جيت."
أردفها يوسف ثم نظر إلى الحارس الذي يقف أمام باب القاعة الخاصة بالسيدات وأمره بنبرة لا تحمل النقاش:
_ محدش يدخل هنا غيري، مفهوم!!
أماء الحارس بطاعة بينما توجه يوسف وخلفه بلال إلى القاعة الأخرى لكي يستقبل من حضروا خصيصًا له. توقف قبل ولوجه حين وقع على أذنه نداءات أحدهم. استدار بجسده حيث الصوت. ابتسم له بود فهتف الآخر بسعادة:
_ ألف مبروك يا أستاذ يا يوسف.
"الله يبارك فيك يا عيسى."
قالها يوسف ثم مرر نظره بينه وبين فاطمة وقال:
_ وعقبالكم.
شكرته فاطمة بإستحياء:
_ شكراً يا أستاذ يوسف حضرتك ليك الفضل بعد ربنا إننا نتخطب، ربنا يسعدكم يارب.
"ربنا يخليكي يا آنسة فاطمة."
قالها يوسف ثم استأذن منهما ودلف القاعة خاصته. تفاجئ بصياح الشباب حين رأوه. تقوس ثغر بإبتسامة سعيدة ورفع يده يحييهم. وقف في المكان الخاص به فلم يتردد أحد من الحضور في المجيء إليه وتهنئته.
مرت الليلة بسلام، كان يوسف يناوب بين القاعتين لإرضاء حبيبته وأيضًا لاستقبال الحضور. استقلا كليهما السيارة بعد توديع حار من الجميع، وانطلق بها مبتعدًا عنهم. حمحمت لينة جاذبة انتباهه وتحدثت بتلهف:
_ سوفي، ينفع أطلب طلب؟
رمقها يوسف بعتاب ثم التقط يدها وطبع قبلة داخلها وقال:
_ طلب واحد بس، قولي طلبين تلاتة، أنت تؤمر يا قمر.
ابتسمت بعذوبة ورقة وبنبرة ناعمة أردفت:
_ ينفع منروحش دلوقتي، نفسي أوي أشوف الشروق وإحنا مع بعض!!
رمقها يوسف باستنكار وهتف:
_ أهو ده اللي مش ممكن أبدًا.
طالعته لينة لبرهة تستشف ما إن كان يمازحها أم يتحدث بجدية. انفجر يوسف ضاحكًا وأشار إلى عينيه قبل أن يردف:
_ من العين دي قبل العين دي.
عادت بهجتها من جديد وهتفت بحماس:
_ هنروح فين بقى لوقت الشروق؟
تنهد يوسف وأخبرها بخطته:
_ هنروح نتعشى قدام البحر ونشوف الشروق، وبعدين نجري جري على بيتنا عشان نـ..
قاطعته هي بخجل شديد:
_ يوسف!
نظر إليها متصنع البراءة وهتف:
_ إيه؟! كنت أقول ونغير هدومنا!!
شعرت لينة بالحرج وأخفضت رأسها في حياء. انفجر يوسف ضاحكًا ومازحها قائلاً:
_ بصراحة مكنتش هقول كدا، كنت هقول نروح عشان نـ..
صرخت لينة في وجهه محذرة:
_ يا يوسف بقى، الله!
لم يتوقف عن الضحك، بينما أولاته هي ظهرها وتابعت الطريق من خلال النافذة، لحين وصولهما إلى الشاطئ. صف يوسف السيارة جانباً، توجه نحو بابها وساعدها على الترجل ثم أمسك لها الفستان لتستطيع السير دون أن يعيق خطواتها.
وصلا إلى الكراسي التي تواجه البحر مباشرةً. ساعدها على الجلوس ثم توجه إلى ذاك المطعم وقام بطلب بعض الأكلات لهما وعاد إليها. خلع سترته ووضعها على جدار الكرسي الذي اعتلاه فهتفت هي بنبرة حاقدة:
_ يا بختك لما بتتخنق بتعرف تقلع في الشارع عادي.
اتسعت حدقتي يوسف واسرع في قول:
_ إيه يابت أقلع في الشارع دي، ده حيالله حتة جاكيت.
اخفض نبرته ومال على أذنها مواصلًا حديثه بمكر:
_ وبعدين كلها شوية ونروح وتـ..
لم تعطيه فرصة إكمال حديثه حيث وضعت يدها على فمه محذرة إياه بعينان جاحظتين:
_ ششش، بطل الكلام ده.
أزاح يوسف يدها من على فمه مستنكرًا ظنها السوء فيه وهدر مستاءً:
_ مش فاهم أنتِ بتفهمي إيه، أنا كنت هقول تغيري الفستان عادي يعني!
تفاجئت لينة بقوله، لقد قلب الطاولة عليها. نظرت إليه بعدم تصديق وهللت:
_ بجد والله؟!
قهقه هو بينما التفتت برأسها متابعة البحر، ناهيك عن استمتاعها بنسمات الهواء العليل. حضر النادل بالطعام بعد وقتٍ، تناولا الأطعمة بشهية مفتوحة حتى انتهوا منه.
مالت لينة برأسها على كتفه والتزما الصمت حتى بدأت تشرق الشمس. كانت لينة سعيدة للغاية، فكانت تحلم دوماً برؤية الشروق وها قد حققته مع رفيق دربها في يومهما المميز.
مال يوسف برأسه مستندًا على رأسها وهمس:
_ مش يلا بقى؟
أماءت بقبول وقالت:
_ الجو حلو أوي هنا وقت الشروق، ياريت نعملها تاني.
"أكيد إن شاء الله، بس كفاية كدا النهاردة ورانا حاجات لازم نعملها."
أردفهم يوسف وتعمدت لينة تجاهله. سارت إلى جواره حتى استقلت السيارة بمساعدته، وكذلك استقل هو خلف المقود وتحرك بعيداً عن الشاطئ. تذكر شيئًا قد أحضره لها وبحماس يشوبه اللهفة هتف:
_ محضر لك حتة مفاجأة يا لي لي إنما إيه!!
بحماس سألته:
_ إيه هي؟
أوصل يوسف هاتفه بالسيارة ثم بدأ تشغيل أغنية ما. استشفت لينة أنها تركية من خلف موسيقاها المميزة. كانت مبتسمة حتى صغت إلى كلماتها فشهقت بصدمة وهللت:
_ إيه دا يا يوسف؟
تعجب من ثورتها وردد بعدم فهم:
_ فيه إيه؟ مش بتحبي التركي؟!، وكمان دا بيقول سيني سيفيورم.
هزت رأسها بنفور وقالت بحنق:
_ فيه أركت بعدها!!
بعدم فهم صاح:
_ أيوة معناها إيه دي؟
أوضحت له بنبرة غاضبة:
_ معناها معتش بحبك!!
اتسعت مقلتا يوسف بصدمة، وبرر موقفه:
_ طبعًا مش محتاج أقولك إني فاهم حاجة غير سيني سيفيورم بس.
"ماهو ده اللي مخليني مش عارفة أكلمك."
صاحت بها ثم أخذت الهاتف واختارت أغنية أخرى ذات كلمات ومعانٍ رومانسية.
أحتضن يوسف يدها وقال وهو يتابع قيادته:
_ بحبك.
بادلته الإبتسامة قبل أن ترد عليه:
_ وأنا كمان بحبك.
ترك يدها طيلة الطريق، حتى وصلا إلى عُشهم الجديد. وقفا أمام الباب بعدما قام يوسف بفتحه. تبادلا النظرات وهما لا يصدقان أن هنا نهاية المطاف، هنا سيبدأن حياة جديدة معًا، حياة لم يذوقوا تجاربها من قبل.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم تسنيم المرشدي
تبادلا النظرات، فمنها كانت خجولة وأخرى راغبة.
ولج الغرفة فكانت تسبقه لينة بخطى.
وقفت أمام المرآة متنهدة بتعب شديد ورددت بضيق:
_ الفستان تقيل أوي، بحلم باللحظة اللي أقلعه فيها.
اقترب منها يوسف مردداً بخبث:
_ غالي والطلب رخيص.
نظرت إليه بعينان متسعتين وهتفت:
_ أنت هتعمل إيه؟
بتلقائية قال:
_ هساعدك.
تراجعت وهي تهتف:
_ أنا هعرف أساعد نفسي!
قلب يوسف عينيه بازدراء، ثم دار حولها حتى وقف خلفها، جذبها إليه برفق مردداً:
_ أنتِ عارفة أنا بحلم باللحظة دي من امتى؟
بدأ يفك عقدات الفستان حتى انسدل تلقائياً فور انتهائه من فكهم، أمسك يديها مساعداً إياها على الخروج منه، بينما قفزت لينة من داخله حتى باتت خارجه.
تابع يوسف خلعه لحجابها حتى فرغ منه، حرر عقدة شعرها وتركه محرراً في وضعه المحبب إليه، تحسس وجنتها بنعومة فقشعر بدنها إثر فعلته، اقترب منها وهمس بخفوت:
_ يلا عشان نصلي.
أومأت بقبول وهرولت مبتعدة عنه، فلقد شعرت أنها حُصرت من قبله، لكن على ما يبدو أن الوقت لم يحن بعد.
توضأت ثم ارتدت إسدالها ووقفت خلفه، شرع يوسف في الصلاة وكان اليوم إمامها.
ومع كل سجدة كانت تسجدها لينة تشعر بالسكينة تسكن قلبها وتطمئن خوفها.
انتهيا من الصلاة فالتفت يوسف إليها مبتسماً ببشاشة، رفع يده ووضعها على رأسها ودعا بصوت عذب:
(اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه)
رفع جسده قليلاً عن الأرض وقبل جبينها ثم أمسك يدها وطبع قبلة داخلها، ولا زالت ابتسامته تغزو شفتيه لتشعرها بالطمأنينة.
حمحم وقال بعذوبة:
_ أنا عايز أتفق معاكي اتفاق، نسميه "عهد" نمشي عليه طول ما إحنا مع بعض!
حركت رأسها بفضول وقالت متسائلة:
_ إيه هو؟
بعفوية وسلاسة أردف:
_ مهما حصل بينا منامش زعلانين أبداً، سواء أنا أو أنتِ، الزعل اللي بنهرب منه للنوم دا بيعمل فجوة جوانا وبيخلق تراكمات ومهما مر الوقت بننفجر بسبب مرة نمنا زعلانين.
بحياء هتفت لينة:
_ أوعدك إني هكون قد الإتفاق دا.
"وأنا واثق من كدا" قالها يوسف بثقة ليبث بها القوة والثقة.
تنهد ثم نهض ومد لها يده فأمسكت به، التفت يميناً ويساراً وقال:
_ مش هتغيري الإسدال؟
بإرتباك واضح تمتمت:
_ أكيد، هدخل الحمام أغير وأجي.
أماء بقبول بينما توجهت هي إلى المرحاض.
نظرت إلى ذاك القميص المعلق على الحامل الخلفي للباب، تساءلت كيف ستضعه على جسدها؟
كيف ستواجه عينيه بهذا اللباس؟
لكن لم يكن أمامها سوى الاستسلام وارتدائه.
تناولته ثم قامت بتبديل ثيابها به، وقفت أمام المرآة وطالعت صورتها المنعكسة بأعين جاحظة لذاك المظهر الجريء!
بالله كيف ستخرج بهذا الوضع؟
أوصدت عينيها محاولة ضبط أنفاسها المضطربة، حتى راودتها فكرة ما.
توجهت إلى الباب ووقفت خلفه حارسة بألا يراها يوسف، ثم فتحته ونادته قائلة:
_ يوسف، لو سمحت ممكن تناولني الروب اللي عندك على الشماعة اللي ورا الباب.
"روب! روب ليه؟" تساءل بجدية، فحاولت توضيح الأمر:
_ هلبسه هيكون ليه يعني؟
صمت ساد للحظة ثم انتبهت ليده التي أحضرت ثوبًا ذو لون مختلف عن ما تريده، لكنها لم تعقب، المهم أنه أحضره وكفى.
مدت يدها لتتناوله فتفاجئت به يقف أمامها.
شهقت بصدمة، فلقد كانت تمسك بقميصه من قماش الستان.
ابتسم لها بخبث وقال وهو يضع كلتا يديه حولها مستندًا بهما على الباب فكانت هي حبيسته:
_ حلو الروب اللي جبتهولك؟
ابتلعت ريقها وحاولت إخفاء جسدها بيدها فاستنكر فعلتها، أخفض يده عن الباب وأزاح يديها بعيداً ليلقي نظرة على ما تخفيه عنه، عاد بنظريه عليها فتفاجئ بتورد وجنتيها، ازدادت ابتسامته الجذابة وردد:
_ دا إحنا طلعنا جامدين أوي.
"يا يوسف بقى" بحرج شديد نطقت حروف اسمه لعله يصمت، لكنه هدر بنبرة غارقة في جمالها:
_ يوسف داب خلاص!
اقترب من شفتيها وقبلها بنعومة شديدة، أمسك يدها ووضعها على قميصه وفك أزراره بمساعدتها، كان يشعر بنبضاتها التي اخترقت صدره حين ضمها إليه، رفعها عن الأرضية فتشبثت في عنقه، وعاد بها إلى الغرفة واضعاً إياها على الفراش بتهمل.
لم يفارقها فلقد غرق في بحورها، والآحر أنه كان سعيدًا للغاية كلما تعمق في غرقه بها.
استطاع يوسف إخماد خجلها بتعامله اللطيف معها، وقادته غريزته لجعلها امرأته قولاً وفعلاً.
"ششش أنا آسف والله"
أردفها بندم شديد، فلم تكترث كثيرًا لاعتذاره، لم يتوقف بكاؤها نتيجة عن شعورها بذاك الأذى الجسدي.
اقترب منها يوسف محاولًا تهدئتها بشتى الطرق حيث هتف سؤاله الحنون وهو يداعب خصلاتها:
_ حبيبي مش أنتِ كويسة؟
أومأت بالإيجاب فعاد متسائلاً:
_ طب ليه العياط دا؟
رمقته بخجل شديد ثم أجهشت باكية، ضمها يوسف برقة ولم يتوقف عن مداعبة خصلاتها المحررة مرددًا بعض الكلمات بنبرة هادئة:
_ معتيش تعيطي طيب، كل حاجة فيها صعوبة في الأول أنا عارف بس مش هتتحل بالعياط!
ابتعد عنها موضحًا سبب ابتعاده:
_ ثواني هجيب حاجة وراجع.
ولج المطبخ وقام بإحضار كأس من عصير العنب المعلب ثم وضع به بعض قطع الثلج وعاد إليها.
جلس على طرف الفراش حيث كانت هي على يمينه وناولها العصير قبل أن يردف:
_ اشربي العصير واهدي.
رفضت بحركة من رأسها فأصر على شربها له، رفع يده بالكأس عند فمها وحثها على أخذ رشفة منه:
_ يلا يا لي لي.
شربت منه القليل ولم ينزل يده حتى فرغت منه كاملًا، وضع الكأس جانبًا ثم نظر لها بإبتسامة عذبة وقال:
_ بقيتي أحسن؟
"شوية" ردها كان مختصرًا بنبرة مهزوزة، بينما تمدد هو إلى جانبها وضمها لصدره حتى هدأت رجفة جسدها تدريجيًا فقال يوسف بنبرة منهكة:
_ حاولي تنامي لك شوية.
لم تعقب لينة فهي بالفعل بحاجة للنوم لتريح جسدها، أوصدت عينيها ولم تحتاج لوقت طويل حتى غفت، تأكد يوسف من نومها فتمدد على الفراش بحذر ودعى العنان لعقله حتى غاب عن الوعي.
استيقظ على رنين الجرس، فتح عينيه والنعاس يسيطر عليه بشدة، نظر لتلك النائمة التي تتوسط صدره، سحب يده من أسفل رأسها برفق فقلقت هي وسألته مستفسرة:
_ رايح فين؟
أجابها وهو ينهض عن الفراش:
_ في حد على الباب.
التقط تيشيرت له ولم يلحق تبديل الشورت خاصته، توجه للخارج وفتح الباب ظناً أنه حارس البناية، لكنه وجد والدته أمامه، ابتسم لها ورحب بها بحفاوة:
_ اتفضلي يا أمي، أنتِ جاية لوحدك؟
بحرج قالت:
_ لا يا حبيبي زياد تحت، أنا جيت أجيب لكم الأكل، قعدت أرن عليك كتير قبل ما أجي أعرفك بس موبايلك مقفول، وأول لما العشا أذنت قولت مبدهاش بقى لازم أروح أكيد جوعتوا.
جلست على الأريكة بينما ردد يوسف بذهول:
_ عشا!
تفقد ساعة الحائط وتفاجئ بالوقت، لقد تخطت العاشرة مساءً، جلس مقابلها وهو يردد بعدم استيعاب بعد:
_ أنا معرفش نمنا كل دا إزاي.
"نوم العافية يا حبيبي"
أردفتها السيدة ميمي ثم بتردد سألته:
_ لينة فين، عايزة أشوفها قبل ما أمشي.
نهض ليناديها فأسرعت ميمي في لحاقه:
_ لو نايمة سيبها متصحيهاش.
بتلقائية قال:
_ لا هي كانت صاحية، ثواني.
توجه نحو الغرفة فوجدها تتململ في الفراش بكسل، تبسم في وجهها وأخبرها بوجود والدته:
_ ميمي هنا وعايزة تشوفك.
تفاجئ من رد فعلها المريب، فلقد انتفضت بذعر ووقفت تجوب الغرفة بتوتر وإرتباك شديدان، اقترب منها بغرابة من أمرها وسألها بجدية:
_ في إيه، ليه كل التوتر دا؟
صاحت هي بتجهم:
_ مش بتقول ميمي هنا؟!
طالت نظراته عليها في انتظار توضيح الأمر له، بينما واصلت هي:
_ هقابلها إزاي؟ مش هعرف أبص في وشها!
بعدم فهم لما تتفوه به هدر:
_ ليه؟ إيه اللي حصل لكل دا؟
رققت من نبرتها وهي تخبره وجهة نظرها:
_ يا يوسف مامتك دلوقتي عارفة اللي حصل، عايزني أخرج أقف قصادها عادي كدا إزاي؟
حرك يوسف رأسه مستنكرًا وهتف مستاءً:
_ أنتِ هبلة يابت أنتِ، ما طبيعي أي اتنين بيتجوزوا بيكون معروف حصل إيه بينهم دي سُنة الحياة، يعني أنتِ مش أول واحدة يعني، بطلي هبل واخرجي.
رفضت بتاتًا التحرك من الغرفة، فواصل هو:
_ خلاص براحتك، أنا هخرج أقولها إنك مش عايزة تشوفيها.
أولاها ظهره فأسرعت في لحاقه بقولها:
_ لأ لأ متقولش كدا، خلاص هغير وأخرج.
لم يعلق يوسف وخرج من الغرفة، عاد لوالدته وأعاد ترحيبه بها مرارًا، انتبه لرأس لينة التي أخرجتها من خلف باب غرفتها تتفقد الأجواء.
ظهرت على شفتيه ابتسامة ساخرة على وضعها، نهض وتوجه إليها ثم مد لها يده وقال:
_ تعالي يا لينة بطلي عبط.
حدجت يده لبرهة ثم أمسكت به وسارت معه على استحياء شديد، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها تلك اللحظة.
هلت ميمي بسعادة فور رؤيتها لها، نهض وعانقتها بحرارة:
_ البيت وحش من غيرك يا لينة.
تفاجئ يوسف وكذلك ميمي ببكائها، مما أثار القلق في قلب ميمي، تراجعت للخلف متفحصة تعابيرها جيدًا قبل أن تسألها بتوجس:
_ مالك يا حبيبتي، بتعيطي ليه؟
لم تجبها لينة فوجهت ميمي بصرها على يوسف بغضب وهتفت:
_ أنت عملت لها؟
جحظت عيناي يوسف بذهول وردد بتهكم:
_ والله ما عملت لها حاجة.
أمسكت السيدة ميمي يد لينة وقالت وهي ترمق يوسف بنظرات مشتعلة:
_ تعالي معايا يا لينة.
اصطحبتها إلى الغرفة بينما لم يرفع يوسف بصره عنهن بذهول شديد، لم يستطع الجلوس وجاب الردهة ذهابًا وجيئًا وعقله يكاد يجن.
أعاد شريط ما حدث في الصباح ليتأكد من أنه لم يصيبها بأذى، لقد شك في ذاته وما عاشه معها، لوهلة ظن أنه أساء التصرف معها.
أوصد عينيه بضيق، لاعنًا ذاته على تصرفه الأرعن، لكن متى حدث تصرف غبي منه؟
يمكن أن يكون تعامل معها بقسوة قليلاً وخشت هي إخباره؟ أم أنها تبالغ؟
لم يعد يفقه شيئًا، فقط يشعر بالغضب يتأجج داخله ولا يدري حتى سببه.
داخل الغرفة، تحول بكاء لينة إلى ضحكات مرتفعة، مما أثار التعجب في نفس ميمي، فلم تعد تدري أهي حزينة أم سعيدة، تنهدت وهتفت بعدم استيعاب لتصرفاتها:
_ الجواز طير البرج اللي فاضل من عقلك يا لينة ولا إيه؟
حاولت لينة السيطرة على ضحكها وأردفت:
_ بصراحة كنت حابة أشتغل يوسف شوية.
قلبت عينيها واحتدت نبرتها وقالت:
_ عشان هو يستاهل.
بجدية سألتها ميمي:
_ ليه هو عمل إيه؟
راودها الخجل الشديد من خلف سؤالها وحاولت الهرب منه:
_ معملش حاجة، بس هو كدا.
جلست ميمي على طرف الفراش وأشارت إليها بالجلوس جوارها، فلم تتردد لينة وجاورتها ثم تساءلت الأخرى باهتمام أمومي:
_ أنتِ عاملة إيه طمنيني عليكي، وبجد يوسف عملك حاجة؟
أسرعت لينة في نفي ظنها:
_ لا لا والله معملش حاجة خالص.
قطبت ميمي جبينها فاستشفت لينة ما فهمته من خلف حديثها فأوضحت:
_ مقصدش اللي فهمتيه، يعني أنا قصدي إن أنا كويسة وهو معمليش حاجة، إحنا بنتكلم عن يوسف يا ميمي!
ربتت ميمي على قدمها وابتسمت براحة سكنت قلبها، حمحمت قبل أن تردف:
_ ربنا يهينكم يارب، أنا همشي لو احتجتي حاجة كلميني.
بادلتها لينة الابتسام وقالت:
_ أكيد.
نهضت ميمي عن الفراش وخرجت من الغرفة فهرول يوسف نحوها متسائلاً بفضول:
_ قالتلك إيه؟
قهقهت بخفوت ومالت عليه قبل أن تخبره:
_ بتدلع عليك شوية.
لم يستوعب عقله جملتها ورددها بعدم فهم:
_ يعني إيه بتدلع عليا؟
تفقدت ميمي المكان خلفها وأجابته:
_ واحدة بتدلع على جوزها ليها معنى تاني؟!
صمت ساد لبرهة استشف يوسف ما تقصده وهلل بتهكم:
_ قصدك بتشتغلني؟
انفجرت ميمي ضاحكة فتمتم هو بغيظ:
_ ماشي يا لينة، حسابك معايا بعدين.
توقفت السيدة ميمي عن الضحك وسألته مستفسرة:
_ هتسافروا امتى؟
نظر يوسف إلى ساعة الحائط ورد عليها:
_ هنمشي الفجر إن شاء الله، يدوب نحضر الشنط.
ربتت ميمي على كتفه بحنو ودعت له بحب:
_ توصلوا بالسلامة يا حبيبي، ابقى طمني عليكم.
"الله يسلمك يا أمي، أكيد إن شاء الله" قالها يوسف بينما استأذنت ميمي للمغادرة.
وقف يوسف يحدق ذاك الباب الذي يفصل بينهما، يفكر جيدًا فيما سيفعله بها.
تشكلت على شفتيه ابتسامة جندي منتصر في أحد معاركه، تناول هاتفه وهاتف صديقه وبعد ترحيبات وأحاديث دارت بينهما تعمد يوسف إلقاء كلماته وهو يدلف الغرفة:
_ أيوة يابني ألغي السفرية، مش هنروح في حتة.
صعقت لينة مما وقع على أذنيها، أسرعت نحوه متابعة حواره بعينين جاحظتين، بينما واصل يوسف لعبته:
_ معرفش هنطلع تاني امتى، يمكن منطلعش أصلاً، معلش بقى هسيب الموضوع دا عليك يا بلال.
على الطرف الآخر من المكالمة، لم يعي بلال هراء يوسف وصاح بعدم فهم:
_ سفرية إيه اللي ألغيها، أنت بتقول إيه؟
أنهى يوسف المكالمة لكي لا يفضح أمره:
_ يلا سلام يا حبيبي، هكلمك تاني.
صاح صوتها المتسائل ما أن أنهى يوسف اتصاله:
_ سفرية إيه اللي تتلغي؟ ومش هنطلع ليه؟
رمقها يوسف ببرود ثم توجه إلى الفراش وتمدد أعلاه مستندًا برأسه على جداره ثم أجاب بجمود:
_ اللي بيسافروا دول يا حبيبتي بيسافروا يستمتعوا، لكن إحنا هنستمتع إزاي وأنا كل ما أقرب لك تعيطي، السفرية هتبقى نكد أوي فأنا بقول ناخد على بعض الأول وبعدين نبقى نطلع براحتنا.
استنكرت قراره الذي اتخذه بمفرده، ناهيك عن حديثه الذي ليس في محله، هرولت نحوه وتمتمت بتوسل:
_ مش هيبقى فيه نكد يا يوسف، لو سمحت كلمه وقوله ميلغيش حاجة وأنا أصلاً لما عيطت قدام ميمي دا مكنش حقيقي، كنت حابة أعمل فيك مقلب مش أكتر، عشان خاطري يا يوسف نسافر.
انتفض يوسف من مكانه كما احتدمت ملامحه وصاح بنبرة جهورية:
_ مقلب! وهو فيه واحدة محترمة تعمل في جوزها مقلب سخيف زي دا قدام أمه؟
كانت لينة متفاجئة من ثورته وشعرت بالندم يشوبه الحرج الشديد، نهضت ووقفت مقابله وحاولت تبرير موقفها:
_ مكنتش أعرف إنك هتضايق كدا، أنا بجد آسفة.
اقترب منها يوسف بضعة خطوات فشعرت هي بالرعب، ابتلعت ريقها وأخفضت رأسها في انتظار ما سيفعله بها، تابع يوسف اقترابه حتى بات ملاصقًا لجسدها، انحني برأسه قرب أذنها وهمس:
_ مقلبي أجمد!
تراجع للخلف ليرى رد فعلها، أخذت لينة فترة يحاول عقلها استيعاب كلماته، رفعت بصرها عليه ورددت بعدم فهم:
_ مقلبك!
قهقه يوسف عاليًا ثم وضع يديه في منتصف خصره رافعًا حاجبه الأيسر بانتصار وتشفي، وفي النهاية استوعبت لينة ما يحدث وانقضت عليه تبرحه ضربًا هاتفة بغضب:
_ أنت، أنت بجد بارد، مش عارفة أقولك إيه، أنا قلبي وقع، إزاي تعمل كدا، أنت..
كان يوسف يضحك ويحاول السيطرة على يدها التي تضرب ثائر جسده، حتى تمكن منها وقيد حركتها بوضع ذراعيها خلف ظهرها مرددًا:
_ بس بس أنتِ ما صدقتي.
بملامح جامدة صاحت في وجهه:
_ أنت بارد والله.
قلب يوسف عينيه وحذرها بقوله:
_ اتلمي بدل ما ألغيها بجد!
تراجعت لينة عن تمردها وقالت بنبرة ناعمة لا تشبه ثورتها منذ قليل:
_ طيب كلم بلال قوله ميلغيش حاجة.
بفتور هدر يوسف:
_ محدش يعرف يلغي حاجة غيري أصلاً.
رمقته لينة مستاءة من تصرفاته، بينما همس هو بخفوت:
_ أنا عايزك ترقصي.
تفاجئت من طلبه وحاولت التحرر من قبضته وهي تردد:
_ ودا وقت رقص، إحنا لازم نحضر الشنط.
رفض فك قيدها قبل أن ترضخ لطلبه:
_ مش قبل ما ترقصي الأول.
عضت لينة على شفتيها وقالت بحياء:
_ هتكسف!
باستنكار شديد صاح يوسف وهو يزيح يديه عنها:
_ نعم يختي! ما أنتِ كنتي بترقصي قدامي يوم الحنة!
"بس دي مش زي دي، إحنا مكناش لوحدنا لكن أنا وأنت لوحدنا دلوقتي وأنا مش هعرف أتحرك حركة واحدة قدامك" قالتهم لينة مبررة موقفها، لكنه لم يقتنع بسهولة فكان ذلك هراء كيف يقتنع به حبًا في الله.
تنهد وبإصرار واضح قال:
_ مليش دعوة، مش متحركين من هنا قبل ما ترقصي، رقصك قصاد السفرية!
تنهدت لينة ثم اضطرت للرضوخ، فآخر ما تتمناه هو إلغاء تلك السفرية لطالما رتبت لها طويلًا.
توجهت نحو الخزانة فتبعها يوسف ووقف يختار معها زيًا يروق له.
اختار أحد القطع المكونة من قطعتين ذو اللون الأحمر الفاقع وناولهم لها، ثم بحث بعينيه على شيء يدور في عقله قبل أن يهتف متسائلاً:
_ عندك خلاخيل؟
"خلاخيل!" رددتها لينة متعجبة فأوضح هو:
_ خلخال يعني، ويكون بيعمل صوت كدا مش منظر.
كانت متعجبة من أمره كثيرًا، ضحكت بعفوية وأجابت:
_ أيوة فيه في الدرج التاني اللي فيه الإكسسوارات بتاعتي.
توجه يوسف إلى الدرج وأخذ يختار من بينهم، ثم جذب أحدهم وحركه بقوة ليختبر قوة رنينه، ابتسم حين وجد مراده وعاد إليها بعدما ارتدت ما أحضره لها.
اقترب يوسف منها وأمسك يدها وتوجه بها نحو الفراش، ساعدها على الجلوس ثم جسى هو على ركبتيه ووضع قدمها اليمنى على ركبته وأحاط كاحلها بالخلخال.
نهض ووجه حديثه لها:
_ فين الروج الأحمر بتاعك؟
حقًا ذلك مبالغ به، نهضت هي وهتفت:
_ نفسي أفهم أنت بتعمل إيه؟
حثها يوسف على فعل ما يريده حيث قال:
_ أعملي اللي بقولك عليه بدل ما أروح أعمله مع واحدة تانية.
شهقت لينة وهي تحدق به بصدمة، بينما أولاها يوسف ظهره خافيًا ابتسامته، اقترب من الدرج الذي يحوي مساحيق تجميلها فهرولت لينة خلفه مانعة إياه من الوصول لشيء قبل تقديم تبرير لما قاله، ووقفت مقابله متسائلة بحنق:
_ أنت ممكن تعمل كدا؟
طالعها لبرهة قبل أن يجيب:
_ كان ممكن بس الشرع مش محلل غير أربعة بس!
عقدت ما بين حاجبيها وهتفت بعدم فهم:
_ يعني إيه؟
مال على أذنها وهمس:
_ يعني أنتِ بالـ ٤!
نفخ في أذنها ثم تخطاها وتابع خطواته ليحضر أحمر الشفاه، لم تمنع لينة ابتسامتها فكانت إجابة كافية بالنسبة لها، تبعته بخطواتها وتفاجئت به يضع لها أحمر الشفاه بنفسه.
فتحت فمها قليلاً وتركته يضعه على شفتيها ثم أعاد وضعه إلى مكانه حين فرغ منه، لم يعد هناك سوى الخطوة الأخيرة وهي اختيار الأغنية، اختارها يوسف بعناية ثم نظر إليها وأمرها:
_ يلا.
قابلت لينة صعوبة في البداية من خلف نظراته فشجعها يوسف على أخذ راحتها بانضمامه لها ومشاركتها الرقص، وبالفعل نجح في تبخر خجلها وبدأت تتغنج بدلال، تتمايل عليه بإثارة فتزيد من لوعته.
انفجرت لينة ضاحكة على حركاته التي كانت مفاجئة بالنسبة لها وهتفت من بين ضحكها:
_ أنت بقيت كدا امتى؟
رد عليها يوسف مازحًا:
_ من يوم ما عرفتك، أنتِ فسدتي أخلاقي.
اتسعت حدقتاها وهي تشير على نفسها:
_ أنا فسدت أخلاقك!
أحاط يوسف خصرها وأكد سؤالها:
_ دا أنتِ المادة الخام لإفساد الأخلاق!
"أنا!" رددتها لينة بينما أرغمها يوسف على التراجع حتى وصلا إلى الفراش، رفع يوسف كعب قدمه وعرقل بها قدم لينة فسقطت تلقائيًا على الفراش، خفق قلبها وهي تتابع خلعه لذاك التيشيرت ثم انجرف مع تيار حبهما غير آبه لما يدور حولهما.
بعد فترة، كان يوسف يأخذ حمامًا ينعش به جسده، وفي الخارج تجهز لينة حقائبهم وما يلزمهم في سفرهما.
فتحت أحد الأدراج الخاصة بيوسف وتفاجئت بحزمة من الأموال موضوعة به، تعجبت منهم فلم يخبرها أنه يضع أي أموال في المنزل وخصيصًا مبلغًا كبيرًا كالذي بيدها.
تابعت وضع أشياءه في الحقيبة حتى خرج من المرحاض فواجهته بهما:
_ إيه الفلوس دي يا يوسف، مقولتش قبل كدا إنك سايب فلوس هنا.
تنفس يوسف بقوة ليعطي صدره سعة من الراحة تستقبل ما هو مقبل عليه، حمحم وأخبرها عنهما:
_ دي فلوسك يا لينة.
بعدم فهم هتفت:
_ فلوسي! فلوس إيه مش فاهمة.
أوضح لها وهو يرتدي ثيابه:
_ فلوسك من البيت اللي اتباع.
شعرت بثمة أمور تُحاك من خلفها فاقتربت منه وسألته بجدية:
_ إزاي؟ مش خلصوا في شرا الحاجات اللي جبتها للبيت؟
طالعها لوقت قبل أن يخبرها حقيقة الأمر:
_ أنا مختش منهم جنيه واحد يا لينة!
اتسعت حدقتاها بذهول يشوبه الصدمة التي اعتلت وجهها ورددت بهدوء ما يسبق العاصفة:
_ يعني إيه الكلام دا؟ أومال الفلوس اللي كنت مفهمني إنك بتشتري بيها دي كانت إيه؟
أخرج يوسف تنهيدة واقترب منها ثم أمسك يدها وحثها على الجلوس بجواره على طرف الفراش وبدأ حديثه برزانة ليحتوي الموقف:
_ بصي يا لي لي، أنا وافقتك بس عشان الأمور تمشي، لكن دي فلوسك من حقك أنتِ وبصراحة مش شايف إن مكانهم يتصرفوا في البيت، لو حابة تشغليهم أشغلهم لك وأرجعهولك أضعاف، عايزة تعملي مشروع خاص بيكي هدعمك وأسهل لك كل حاجة، لكن تصرفيهم على حاجة أنا طرف فيها مش هقبل بكدا.
صمتت لبرهة تستوعب ما وقع حديثًا، طال صمتها فتدخل يوسف قائلاً:
_ مش يلا نكمل تحضير الشنط؟
لم تعقب بل نهضت وتابعت ما كانت تفعله، لم يضغط يوسف عليها حتمًا متفاجئًا، ولابد أن يترك لها مساحة الاستيعاب على مهل، اقترب منها وساعدها في تحضير الحقائب حتى انتهوا بعد ساعات.
وصلوا إلى المطار في سيارة يوسف والذي كان يقودها زياد وإلى جانبه علي، وفي الخلف يجلس يوسف ولينة.
كان بلال يهاتف يوسف حيث قال:
_ معلش بقى أنت عارف أخوك في إيه معرفتش أجي أوصلك.
بمزاح هدر يوسف:
_ عارف إن أخويا ندل إيه الجديد.
"يا أخي جاي لك يوم والكورة هتبقى في ملعبي ووقتها مش هرحمك والله" هتف بهم بلال فقهقه يوسف وتابع حواره معه:
_ يلا هطير أنا بقى عشان وصلت المطار.
"توصلوا بالسلامة" أردفها بلال ثم أنهى الإتصال.
ترجل الأربعة وودعا بعضهما البعض، حيث وجهت لينة حديثها لشقيقها:
_ طمني عليك لما توصل.
باهتمام قال علي:
_ وأنتِ كمان.
نظر يوسف إلى أخيه وحذره قائلاً:
_ امشي على مهلك وأنت راجع، ولو حصل ورجعت جيشك قبل أسبوع كلمني عرفني عشان أرجع، تمام.
"تمام" اكتفى زياد بقولها بينما دلفا الآخرين المطار تحت نظرات زياد المتابعة لهم حتى اختفوا من أمامه فاستقل السيارة وانطلق بها عائدًا إلى منطقته.
بعد مرور تسع ساعات، وصلا يوسف ولينة إلى جزر المالديف، أخرجت لينة تنهيدة متعبة للغاية وهتفت:
_ أخيراً وصلنا!
بالكاد ابتسم يوسف ساخرًا قبل أن يخبرها بما تجهله:
_ لسه ساعة على لما نوصل الجزيرة اللي حاجزين فيها.
رمقته بأعين جاحظة فأراد يوسف التخفيف من عليها:
_ هانت خلاص، كنا فين وبقينا فينا.
ابتسمت له بعذوبة وقالت ممتنة:
_ عارف، مكنتش متوقعة إنك ترد تقول كدا، توقعت إنك هتقول أنتِ اللي اختارتي المكان استحملي بقى.
نظر لها بتعب وأردف بصوت منهك:
_ أنتِ اخترتي وأنا وافقت يعني مختيش القرار لوحدك!
أرسلت إليه قبلة الهواء ممتنة لعقله الرزين:
_ بحب ردودك أوي.
غمز إليها بمشاكسة وهمس:
_ بتحبي ردودي بس؟
"حالياً أه بس" قالتها بغلظة فصاح مستاءً:
_ إنما أنا بقى بحبك لما مترديش خالص.
قهقهت هي بصعوبة ثم توجها إلى الهليكوبتر واستقلاها، حلقت بهم في الهواء وبعد مرور الستين دقيقة وصلا إلى الجزيرة خاصتهم.
تفاجئا بالاستقبال الحافل من قِبل عاملين الجزيرة، كانوا يدقون الطبول والأغاني التي صنعوها بأنفسهم، شكرهم يوسف كثيرًا ثم غادروا المكان بينما دلفا هم إلى الكوخ.
فغرت لينة فاها منذ ولوجها للمكان، كان مذهلاً وكل ثغرة به رائعة، يحاوطهم البحر من جميع النواحي، تساءلت داخلها إن كان هذا المكان يوجد على الأرض فما هي شكل الجنة، رزقنا الله وإياكم دخولها بغير حساب.
بسعادة عارمة هللت:
_ المكان تحفة، شايف الجمال؟
ألقى يوسف جسده المنهك على الفراش وردد:
_ مش شايف حاجة، أنا عايز أنام.
نهض وخلع ثيابه واكتفى بارتداء شورت قصير ثم عاد مستلقيًا على الفراش وفي غضون ثوانٍ كان في ثبات عميق بينما شعرت لينة أنها بحاجة للنوم مثله، لكن المكان يناديها لاكتشافه.
تنهدت واختارت أن تغفو قليلاً ثم تستكشف المكان لاحقًا بمزاج سوي، بدلت ثيابها سريعًا وقفزت على الفراش حتى سيطر عليها النعاس في وقت قليل.
قلقت على صوت ارتطام مياه البحر في الكوخ خاصتهم، صوت رائع مع رائحته التي تتغلغل إلى أنفها، نهضت بحذر لكي لا توقظ يوسف وتوجهت إلى الخارج، كانت الأجواء هادئة يقطعها صوت البحر، لم تغرب الشمس بعد فكانت السماء صافية للغاية.
أحضرت سماعة الأذن خاصتها وقامت بتوصيلها للهاتف، اختارت أغنية بعينها تليق مع الأجواء من حولها، في تلك الأثناء استيقظ يوسف وبحث عنها فلم يجدها، خرج باحثًا عنها فرأها تقف بين الممر الذي يفصل بين البحر وحمام السباحة ترتدي قطعتين يفصل بينهما ظهرها الواضح لعينه، محررة خصلاتها التي تتمايل مع نسمات الهواء.
وقف يتأكد من كونهما الوحيدين الموجودين في المكان ثم اقترب منها وعانقها فابتسمت بعفوية، أدارها يوسف إليه وسألها باهتمام:
_ بتسمعي إيه؟
أزاحت إحدى السماعتين وكادت أن تضعها في أذنه إلا أنه أسرع في قول:
_ غنيها أنتِ.
أوقفت الأغنية وغردت هي بإحساس عالٍ وهي تتحسس وجهه:
أنا قلبي ليه حاسس أوي بالشكل داهو الهوا بيعلي إحساسنا كده
صدقني خلاص صدقت
إن أنا حبيت دلوقت
ومكنتش اعرف قلبي هيحبك كده
وكنت فين انت وكل الحب ده
وليه سايبني لوحدي طول العمر ده
أنا قلبي شايفك من زمان
في الحلم بتدور عليا
بس مهما اتخيل
كمش زي ما أنا شايفه بعينيا
يمكن أنا بحلم وزمن الحلم طار
وتهتني بين الحقيقة والخيال
المسني خليني أكون متاكدة
أنا قلبي ليه حاسس أوي بالشكل داهو الهوا بيعلي إحساسنا كده
صدقني خلاص صدقت
إن أنا حبيت دلوقت
ومكنتش اعرف قلبي هيحبك كده
وكنت فين انت وكل الحب ده
وليه سايبني لوحدي طول العمر ده
أنهت غناءها فوجدته يقترب منها للغاية، نظرت إليه بمكر ثم دفعته بكل ما أوتيت من قوة فسقط يوسف في حمام السباحة، انفجرت ضاحكة إثر تصرفها المفاجئ بينما كان يوسف متفاجئًا بما فعلته.
نظر إليها بتحدٍ ثم تصنع أنه متعب، لم يروق لها في البداية تصرفه لكنه طال فيه فقلقت بشأنه ونادته:
_ يوسف أنت بتهزر صح؟
مالت بجسدها وكادت أن تقفز خلفه إلا أنه أسرع في لِقْفها داخل المسبح، شهقت لينة وحاولت ضبط أنفاسها التي هربت منها، ولم تلتقط أنفاسها بعد حتى انهال عليها يوسف بإلقاء المياه في وجهها فصرخت هي:
_ مش عارفة اتنفس بس.
لم يتوقف عما يفعله ففعلت هي مثله تمامًا وظلا يلعبان بالمياه حتى حدث ما لم يتوقعاه قط، هطل المطر بشدة دون سابق إنذار كما لو أنهما في فصل الشتاء.
تبادلا النظرات المذهولة وهلت لينة بسعادة:
_ الله، مطر!
"يلا عشان نطلع" قالها يوسف خشية أن تصيبهما حمى لكنها رفضت وأرادت الاستمتاع بالأجواء المختلطة:
_ لا لا الجو حلو أوي خلينا شوية.
اقتربت منه لينة وتشبثت في عنقه مبتسمة بسعادة:
_ بحبك أوي.
انحنى على شفتيها وقبلها بنهم ثم همس:
_ مش أكتر مني.
أطلقت لينة صرخة حين حملها يوسف بين ذراعيه وصعد بها السلم ومنه إلى الكوخ، شعر برجفة جسدها القوية فعاتبها بلطف:
_ شوفتي بتترعشي إزاي يارتني ما سمعت كلامك ووقفت برا في الجو دا.
لم تعقب لينة فبات جسدها بالكامل كقطعة الثلج، ازدادت رجفتها بين يديه فأثارت القلق في قلب يوسف، أنزلها فلم تستطع الوقوف على قدميها وكادت تسقط إلا أنه لحق، ساعدها على الجلوس ثم أسرع في جذب ثياب أخرى لها وقام بخلع ثيابها المبللة عنها ووضع الأخرى عليها ثم بحث عن غطاء ثقيل ودسره أعلاها.
كان صوت احتكاك أسنانها يصل إلى أذنيه، فما كان منه إلا أن حرك رأسه لاعنًا استسلامه لها وعدم رفضه لوقوفهما في الخارج، هو على علم بأنها تمتلك مناعة ضعيفة للغاية ومع ذلك لم يرفض.
تأفف بضيق وصنع لها مشروبًا ساخنًا وعاد إليها، ساعدها على ارتشافه ثم ضمها إلى حضنه وظل يفرك أصابعها الباردة بقوة حتى بدأ يشعر بعودة الحرارة فيهما، نظر إليها وسألها باهتمام:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
"أحسن كتير" قالتها بحيوية عن ذي قبل فشعر يوسف بالطمأنينة، ابتعد عنها وسألها:
_ تحبي تنامي ولا نتفرج على فيلم؟
أجابته مختصرة:
_ نتفرج على فيلم!
نهض وأشعل التلفاز ثم طلب طعامًا لكليهما وجلسا يشاهدان الفيلم وهما يتناولان الطعام في جو هادئ للغاية.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم تسنيم المرشدي
تململت بكسل، فتحت عينيها ببطئ فوجدتها تتوسط الفراش، لا تذكر أنها جاءت هنا. آخر ما تتذكره أنهما كانا يشاهدان فيلماً معاً. نهضت ونظرت إلى ثيابها فلم تكن عليها أمس.
تعجبت من حالها، لوهلة شعرت أنها غابت عن الدنيا أيام، فلا يوجد تفسير آخر لما هي عليه. نهضت عن الفراش وبحثت عنه فلم يكن له أثر.
ابتسمت حين رأته يقف في المطبخ يحضر شيئاً. عادت إلى المرحاض أولاً وغسلت وجهها ثم مشطت خصلاتها ووضعت أحد روائحها الذكية. ثم عادت إليه وهي تتراقص على أنغام تغريدتها:
يا حلو صبح.. يا حلو طلا
يا حلو صبح.. نهارنا فل
من إمتى أنا بستناكو
عيني ع الباب و الشباك
عشان أقول لك و أترجاك
عشان أقول لك و أترجاك
يا حلو.. يا حلو
يا حلو صبح
التقطها يوسف بمحاوطته خصرها وضمها إليه مقبلاً ثغرها وقال:
صباح الورد يا أحلى وردة في حياتي
أعادت إليه قبلته بحرارة وسألته وهي تجوب بعينها بعض الفاكهة التي يقطعها:
إنت بتعمل إيه؟
بتلقائية أجابها:
بعمل فروت سلاط، عارف إنك بتحبيها
ابتسمت بعذوبة بينما رفعها يوسف عن الأرض ووضعها على الطاولة الرخامية مردداً:
اقعدي هنا لغاية ما أخلص
تابع تقطيعه للفاكهة بينما سألته هي بفضول:
أنا وصلت للسرير إزاي؟ وهدومي دي مين اللي غيرها؟
أجابها مستاءً:
حضرتك نمتي وإنتِ بتشربي العصير، وقعدت أقولك قومي غيري بس إنتِ كنتي في عالم تاني، فأنا اللي غيرت لك الهدوم.
ضربها على قدمها بخفة متابعاً حديثه:
هيكون مين يعني اللي غيرها؟!
وضع يوسف عصير المانجو على قطع الفاكهة ثم ناولها ملعقة وبدأ يتناولان معاً حتى انتهت سلطة الفواكه. غسل يوسف ما استخدمه في تحضيرها ثم وجه حديثه لها:
ضهري قافش أوي، ما تيجي تساعديني وأنا بعمل ضغط!
عقدت حاجبيها بغرابة من أمر تلك المساعدة المبهمة وسألته مستفسرة:
أساعدك إزاي؟
ساعدها يوسف على النزول وتوجه بها إلى الخارج، حيث مساحة فارغة وأمرها:
نامي على ضهرك..
تعجبت من أمره، فكان مريباً بعض الشيء. حركت رأسها بعدم استيعاب قبل أن تردد كلمته:
أنام على ضهري!!
"أيوة، نامي وأنتِ تعرفي"
قالها يوسف فحدقته لثوانٍ ثم فعلت ما حثها عليه. تناول يوسف هاتفه وضبطه على مدة معينة وأسنده على وسادة وبالكاد تراه عيناه، ثم خلع التيشيرت خاصته واحتضنها وبدأ يمارس رياضته وكلما هبط بجسده يقبل ثغرها.
شكلت ابتسامة مستاءة قبل أن تردف بتهكم:
هي دي المساعدة؟!
بأنفاس لاهثة تحدث بثقة:
طبعاً، بتفتحي نفسي بدل ما أزهق من أول مجموعة.
بفضول سألته:
إيه أول مجموعة دي؟
أجابها من بين أنفاسه المضطربة:
المجموعة بتكون عبارة عن ٤٠ مرة أو على حسب يعني بس أنا اعتمدت ٤٠.
شهقت لينة وصاحت عالياً:
٤٠ مرة وأنا هقعد كل دا؟
غمز لها بمشاكسة وقال:
وأنتِ تعبانة في إيه؟ دا إنتِ حيالله بتتباسي!!
انفجرت لينة ضاحكة. ثم عاد يوسف ببصره على الهاتف ليرى كم من الوقت استغرق، فكان يريد كسر الرقم القياسي عن المرة السابقة. انتبه لرنين هاتفه فابتسم بعفوية ووجه لها حديثه وهو يجيب:
خليكي زي ما أنتِ متقوميش، هرد على بلال.
وافق على بدء مكالمة الفيديو وتابع رياضته، بينما هلل الآخر بمزاح:
إنت فين يا واطي حتى مرنتش رنة؟
قهقه يوسف وقال:
عريس ياعم أللاه!!
انتبه بلال لهبوط جسده وعلوه فردد بمكر:
هو أنا جيت في وقت غلط ولا إيه؟
قلب يوسف عينيه بضجر وأخبره ما يفعله:
لا يا ظريف بلعب ضغط.
بمزاح هتف:
أه ما أنت تلاقيك خاربها، لازم تفرد العضلات بقى.
"مهو النبر دا اللي هيجيب أجلنا"
أردفها يوسف وانفجرا كلاهما ضاحكين. ثم قال بلال:
دا أنا بسمع إن المكان اللي قاعدين فيه دا المية محاوطاه من جميع النواحي، حتى سمعت إن الأرضية إزاز وبتشوف البحر وأنت قاعد مكانك.
بسخرية هتف يوسف:
أيوة طبعاً حتى الحمام، بعمل بيبي وأنا شايف البحر.
تلك الأثناء كانت لينة تسلي وقتها وتتحسس عضلات بطنه التي تبرز كلما شد جسده، فكانت تجدد مشاعر يوسف نحوها دون قصد. كان يحادث صديقه وعقله مع لمساتها الناعمة عليه.
لم يعد يستطيع الصمود وهبط إليها مستجيباً لدعوتها غير المقصودة، تاركاً صديقه على الهاتف. لم يعد بلال يراه فلقد هبط تلك المرة ولم يعد. فصاح مهللاً:
إنت نزلت تغطس ولا إيه يالا، ولا يا يوسف.
أطلقت لينة ضحكة عالية فأسرع يوسف في وضع يده على فمها لكن هيهات لأذن الآخر التي التقطت ضحكتها وقال:
دا شكل المية هي اللي طلعت عندكم.
ضحك يوسف ومد يده ناهياً المكالمة. فردد بلال مستاءً:
دا الواحد متجوز.
عاد بظهره للخلف ومط ذراعيه في الهواء وهتف:
لا إحنا محتاجين نروح المالديف.
فاجأه صوت قيء إيمان فصاح متذمراً:
خدي راحتك يا حبيبتي.
قلب عينيه مستنكراً ما قاله للتو وعلق ساخراً:
آل مالديف آل.
على الجانب الآخر، أخذت لينة ما استحقته إثر حركاتها غير المحسوبة. نظرت إلى يمينها حيث كان يوسف وسألته:
عايزة أعترف لك بحاجة.
التفت برأسه ونظر إليها باهتمام فتابعت لينة بحياء:
أنا كنت فاكرة إننا واحد قبل ما نتجوز، بس لاقيت إن الجواز بيثبت لي إني كنت غلط!!
عقد يوسف حاجبيه من خلف حديثها المثير للجدل فأسرعت في قول ما تقصده قبل أن يسيء فهمها:
الجواز أثبت لي إننا بقينا روح واحدة، يعني بقيت بحس إنك أقرب لي من نفسي.
رفعت جسدها ومالت عليه قبل أن تواصل:
معتش بتكسف منك، بالعكس بحس علاقتنا بتقوى أكتر كل ما بنقرب لبعض، وأكيد هتقوى كل يوم هيعدي علينا وإحنا مع بعض.
ابتسم لها يوسف وتحدث بصوته الرخيم:
أنا مؤمن جداً إن مفيش سكن لحياة أي بني آدم إلا مع مراته، تعرفي سيدنا آدم لما كان في الجنة، تخيلي استوحش! مكنش حاسس بالونس وهو في الجنة!
فلما نام ربنا خلق من ضلعه حواء عشان تأنسه!
وعشان كدا ربنا قال وجعل بينكم مودة ورحمة، شوفتي أنتِ قولتي أنك حسيتي إني بقيت أقرب ليكي من نفسك، دا عشان ربنا جعل بينا سكن، وزي ما أنا مؤمن برده إن عمر ما حد هيلاقي السكن دا غير مع مراته!!
وعشان كدا أنا أول ما حسيت بمشاعري نحيتك أخدت خطوة ترضي ربنا فربنا راضيني بيكي!
أسرت السعادة قلبها إثر كلماته التي تمس القلب وتبث فيه الطمأنينة. اعتلت جسده وظلت تدغدغ في وجنتيه بمرح وهي تردد:
Aşkım, ruhum, kalbim, hayatım, kocam
"عشقي، روحي، قلبي، حياتي، زوجي"
قبلته من وجنته فتحرك يوسف سريعاً فبات هو الذي يعلوها وظل يدغدغ ثائر جسدها ولم يكترث لصراخها التي تحثه به على التوقف.
***
كان زياد يجلس أمام المنزل حتى رأى والد صديقه أمجد يحمل أكياساً ثقيلة ويبدو عليه ضعف حيلته فلم يتردد في التوجه إليه ومد يد العون له:
عنك يا عم سعيد.
تناول منه الأكياس فشكره سعيد ممتناً:
تسلم يا زياد، الواحد كبر ومعتش قد الكلام دا.
بإسيتاء أردف زياد معلقاً على حديثه:
ربنا يديك الصحة يارب، تحب أطلعهم لك فوق؟
بحرج شديد نظر إليه الرجل فعزم زياد على إيصالهم لمنزله:
هطلعهم تكون أنت أخدت نفسك.
أولاه زياد ظهره وصعد إلى بنايته. وقف في الطابق الكائن به شقته وطرق بابها. انتظر حتى فُتح له الباب من قِبل "شهد". صعقت حين رأته هو من يقف أمامها، لقد ظنت أن والدها قد عاد.
بينما هو لم يمنع ابتسامته حين رأى تسريحة شعرها على شكل الكعكتين، كانت تشبه الأطفال كثيراً. لم يبعد بصره عنها بينما كانت تحدقه بصدمة، كما لو أنها صعقت بالكهرباء.
خرجت من صدمتها على تعليقه الساخر:
حلوة القطتين!
قطتين!! ماذا يقصد؟ وضعت يدها على خصلاتها فاستشفت قصده وأسرعت إلى الداخل هاربة منه، بينما لم تختفي ابتسامته من على شفتيه. وضع الأكياس أرضاً ثم أغلق الباب وهبط الأدراج وهي لا تريد الإقلاع عن عقله.
لم يتوقف عن رسم ابتسامات عفوية إثر مظهرها التي رآها عليه. اختفت ابتسامته فور رؤيته عودة صديقه من خدمته العسكرية فرحب به:
عاش من شافك يا دفعة.
"متقولش إنك ماشي، مش كل ما أجي أنت تمشي"
قالها أمجد فأجابه زياد قائلاً:
لا لسه شوية على آخر الأسبوع كدا.
تنهد أمجد براحة وقال:
حلو، هطلع أحط شنطتي وأسلم على أبويا وأمي وأنزل نقعد في القهوة شوية.
"اشطا ونفطر سوى"
أردفها زياد بينما غادره أمجد واتجه إلى منزله. نهض زياد وأحضر فطور شهي لكلاهما وذهب إلى المقهي القريب من المنطقة في انتظار حضور صديقه الذي لم يتركه جالساً وقتاً طويل بل حضر على الفور.
تناولا معاً الفطور وتبادلا الأحاديث ثم نهض أمجد ليقضي حاجته تاركاً هاتفه على الطاولة. طال زياد النظر إليه وداخل عقله تتردد فكرة يحثه شيطانه على فعلها.
أخذ الهاتف بعدما تفحص المكان من حوله جيداً وبحث عن إسم "شهد" بين الأرقام حتى وجده. قام بتسجيله في هاتفه ثم أعاد الهاتف إلى مكانه كأن شيئاً لم يكن. ظل يطالع الرقم لبرهة حتى شعر بالضيق يجتاحه، ناهيك عن نفوره من تصرفه الذي قلل من شأنه. ولم يتردد حينها في حذف الرقم.
عاد أمجد متسائلاً باهتمام عن يوسف:
ويوسف أخباره إيه؟ كان نفسي أحضر الفرح بس مقدرتش.
ربت زياد على ذراعه الموضوع على الطاولة مردداً بصوت أجش:
ولا يهمك، كأنك جيت، هو كويس الحمد لله.
ابتسم أمجد ببشاشة وقال:
عقبالك.
تنهد زياد بحرارة وتذكر شهد في تلك الأثناء. لا يدري لما هي من استوطنت عقله حينها لكنه أجاب بمزاج سوي:
إن شاء الله، متعرفش حد أشتغل معاه كل ما أنزل إجازة؟
فكر أمجد لوهلة قبل أن يعطيه إجابة:
مش عارف، ما تقف مع يوسف.
أسرع زياد في رفض ذاك الإقتراح:
لأ مش عايز أقف مع يوسف، حابب أشتغل بعيد عنه كفاية عليه لغاية كدا، عايز أعتمد على نفسي من غير مساعدة.
أنار مصباح أفكار أمجد حين راوده اقتراحاً وعرضه على صديقه:
ما تروح للمعلم!
رمقه زياد لبرهة ثم مال برأسه للجانب المعاكس لكليهما مشيراً إلى منطقة ما وهتف:
إنت تقصد.
أكد الآخر حدسه بقوله:
أيوة هو، مش بيرد حد بيحتاج شغل.
تشكلت إبتسامة على محيا زياد، تغلغل الحماس داخله ولم يستطيع المكوث دون إجراء تلك الخطوة. نهض ونظر إلى صديقه قبل أن يردف بنبرة مليئة بالحيوية:
قوم نروح له.
نهض أمجد ورافقه. سارا في زقاق صغير للغاية حتى وصلا منه إلى منطقة أخرى. أخذ زياد نفساً حين وقع نظريه على ذاك المعرض، زفر وتابع سيره متجهاً إليه.
ولج وعيناه تبحث عن أحدهم فقابله أحد الرجال وسأله مستفسراً:
تحب أساعدك بحاجة؟
حمحم زياد وبتردد قال:
عايز أقابل المعلم ريان.
"أؤمر أنا هنا مكانه"
قالها الرجل فأصر زياد على مقابلة ريان:
شكراً بس كنت حابب أقابله شخصياً.
بفتور أردف الآخر:
ماهو لو كان هنا أكيد مش هقولك أنا هنا مكانه.
أخرج زياد تنيهدة مرتبكة وأردف متسائلاً:
طيب هو هيجي امتى؟
"زمانه على وصول، لو عايز تستناه اتفضل، بس عرفني أسمك الأول"
أردفهم الرجل بينما عرف زياد عن هويته:
أنا زياد الراوي.
أماء الرجل بينما عرف هو عن نفسه:
وأنا خالد لو احتجت لحاجة نادي عليا.
أولاه خالد ظهره وتوجه متابعاً لعمله. توجه زياد إلى أحد الأرائك الجلدية وجلس عليها كما جاوره أمجد. انتظرا مدة لا بأس بها حتى انتبها على سيارة فاخرة قد وقفت أمام المعرض وترجل منها ريان برفقة فتاة شابة.
دلفا المعرض وعلى ما يبدو أنه كان مستاءً من شيء ما لعبوس ملامحه وهدر بحنق:
قلت لأ يعني، مش هغير رأيي.
"يا بابي بليز وافق، أنا مش هكون لوحدي صحابي معايا والمدرسين كمان يعني أطمن"
بعدم قبول لمواصلة النقاش صاح:
قلت لأ يا جنى.
توجه إلى مكتبه بينما ولج خالد إليه وأخبره بوجوده شابان في الخارج:
فيه واحد برا اسمه زياد الراوي، عايز يقابلك.
باستفسار سأله:
عايز إيه؟
رفع خالد كتفيه وأجابه:
معرفش، أنا حتى قولتله إني هنا مكانك بس أصر أنه يقابلك أنت.
أماء ريان وقال:
خِليه يدخل لما نشوف عايز إيه.
نظر إلى ابنته وأشار لها بعينه على مكانٍ بعيد:
اقعدي هناك لغاية ما أخلص المقابلة دي.
تذمرت جنى وضربت الأرض بقدميها غاضبة من عدم قبوله لما تريده. تلك الأثناء ولج زياد برفقة صديقه ولاحظ تذمرها الواضح لكنه لم يبالي، بل تابع سيره إلى ريان. ابتسم في وجهه ثم مد يده يصافحه:
أنا زياد الراوي من جنبكم هنا.
"أهلا اتفضل"
رحب به ريان ودعاه للجلوس، كما جلس هو الآخر في انتظار ما سيمليه عليه زياد الذي بدأ:
كنت محتاج شغل، وعارف إن حضرتك مش بترد حد محتاجك، وخصوصاً إني لسه في البداية ومعرفتش أروح لمين غيرك.
بنبرة جادة سأله ريان:
أنت بتدرس يا زياد؟
"خلصت معهد خدمة إجتماعية السنة اللي فاتت"
قالها زياد بينما تابع ريان بقية أسئلته:
إنت إبن مين؟ حاسس إن اسم عيلتك مش غريب علي.
بإرتباك حرج رد زياد:
أنا أبن ذكريا الراوي بس معتقدش إن حضرتك تعرفه لأن والدي متوفي من زمان.
بتأثر شديد قال ريان:
ربنا يرحمه، أنا فعلاً مش عارفة، بس برده متأكد إن الإسم دا ورد عليا قبل كدا.
تدخل أمجد معطياً اقتراح:
ممكن تكون عارف يوسف أخوه، مدير معرض سمير والي وشريكه في نفس الوقت.
اتسعت حدقتي ريان وهلل عالياً:
أيوة أيوة، هو فعلاً يوسف، أنت اخوه؟!
أماء زياد فتابع ريان:
يوسف محترم وأنا بحب اتعامل معاه، كل عربياتي من عندهم.
تقوس ثغر زياد ببسمة اختفت فور سماعه سؤال ريان:
إنت ليه مشتغلتش معاه؟
انتبه ريان لتعابير زياد التي احتدت وأسرع في تبرير قصده:
أنا مقصدش حاجة، الفكرة إنك ماشاء الله مش محتاج تشتغل عند حد لان عندكم مصلحة خاصة بيكم وكمان هتكون مرتاح فيها عن لما تشتغل عند حد، فاهمني.
فهم زياد ما يرمي إليه ورد بجدية:
عشان مش عايز كدا، دي مصلحة يوسف مش مصلحتي، آه إحنا أخوات بس دا مينفعش إن دا تعبه هو وأكيد مش هاجي أخد أنا على الجاهز، أنا عايز أبدأ من نفسي من غير مساعدة.
ظهرت إبتسامة إعجاب شديد من ريان لعقلية زياد، فهو يحب الشباب المكافح والذي لا يعتمد على غيره. لم يكن هناك داعٍ لرفضه فقال برحب:
يشرفني طبعاً تشتغل معانا يا زياد.
تقوس ثغر زياد ببسمة عريضة ووزع نظريه بين ريان وصديقه بسعادة عارمة. استأذن منه بعد أن أخبره بأمر جيشه ولم يرى أي اعتراض من ريان بل رحب به في أي وقت.
غادرا بينما نظرت جنى إلى والدها فصاح الآخر ناهياً الأمر:
قلت مش هتروحي يعني مش هتروحي.
***
عاد زياد إلى المنزل شارد الذهن، يفكر بها، لا تقتلع من عقله. ابتسم بعفوية حين تذكر مظهرها الطفولي صباحاً. قطعت والدته حبال شروده بسؤالها:
إنت بتضحك على إيه؟
انتبه عليها وكاد أن يختلق أمراً لكنه تراجع. هو يريد مشاورتها. حمحم واعتدل في جلسته ثم سألها بصوته الاجش:
إيه رأيك في شهد؟
"شهد! شهد مين؟"
قالتها ميمي فلم تخمن من يقصد تحديداً بذاك الإسم. تنهد زياد وتحدث مستاءً:
شهد يا ماما شهد، إحنا نعرف كام شهد؟!
استوعب عقلها من تكون شهد الآن، عقدت حاجبيها وسألته مستفسرة:
رأيي فيها من جهة إيه يعني؟
أخذ زياد مدة يفكر فيما يقوله ثم أردف بتلعثم:
من كل حاجة، شايفاها إزاي؟ أسلوبها وطريقتها، إيه رأيك في أخلاقها، كل حاجة فيها يعني.
تعجبت ميمي من أسئلته المبهمة وهتفت متسائلة بغرابة:
إنت بتسأل كل الأسئلة دي؟ يهمك في إيه تعرف يعني؟
لم تعطيه فرصة الرد وصاحت بانفعال حينما ظنت أنها جمعت ما يرمي إليه:
زياد اوعى تكون ناوي تتسلى زي ما بتعمل، مش عايزين نخسر حد بسببك، وبعدين أنت لسه مكبرتش على حركات العيال دي؟
تفاجئ زياد من ثورتها وحاول إظهار نيته الحسنة:
أنا مقصدتش كل دا، وأكيد يعني مش هروح أسلى مع واحدة أخوها صاحبي!!
"أومال بتسأل ليه؟"
أردفتها بحنق فأجابها بتردد:
معرفش بسأل ليه، بس حابب أعرف وخلاص.
بعدم تصديق لذاك الهراء قالت:
أنا مش فاهمة منك حاجة، ما تيجي دوغري وتقول عايز إيه يمكن أساعدك.
أخرج زياد تنهيدة فهو لا يدري ماذا يريد حتى يخبرها به. نظر إليها وهتف دون زيف:
هو أنا لو بفكر فيها كتير دا معناه إيه؟
تفاجئت ميمي من تصريحه وكادت أن تبتسم إلا أنها صمدت حتى تصل لنهاية ذاك الحوار وأردفت:
على حسب، شوف أنت فكرت في كل واحدة اتكلمت معاها ولا لأ، يمكن تكون بتفكر فيها زيهم.
قاطعها زياد رافضاً تفكيرها الوضيع وأوضح:
لأ عمري ما فكرت في بنت قبل كدا، يعني محدش شغلني للدرجة دي، حتى حصل حاجة غريبة النهاردة مفهمتهاش.
بغموض سألته:
إيه اللي حصل؟
أخبرها عما حدث وهو يعيد المشهد في عقله:
كنت قاعد النهاردة مع أمجد وقام دخل الحمام فلقيتني بفتح موبايله باخد رقمها.
خفق قلب ميمي بذُعر، كم تمنت أنه لا يكون ارتكب تصرفاً أحمق. انتبهت له وقلبها يخفق بقوة خشية سماع بقية حديثه:
بس بعدها حسيت إني اضايقت من نفسي ولقيتني بمسح الرقم!! لغاية دلوقتي مش فاهم أنا عملت كدا ليه، مسحته ليه وليه أخدته أصلا!!
زفر بضجر حين تشتت أفكاره. حينها لم تمنع ميمي رسم ابتسامتها على ثغرها وقالت بنبرة لطيفة:
إنت حبيتها ولا إيه يواد؟
رفع زياد بصره عليها وقد إلتمعت عيناه بوميض مختلف. خفق قلبه بشدة وشعر بالإرتباك يتملك منه رويداً رويداً، حتى شعر بانسدال حبات العرق على وجهه من فرط خجله.
ابتلع ريقه وهرب بنظره بعيداً فتسائلت هي بعدما أستندت بذقنها على راحة يدها:
وأنت ناوي تعمل إيه على كدا؟
رفع كتفيه وحد من نبرته وغير حوارهما:
أنا اشتغلت عند المعلم ريان العراقي.
تقبلت ميمي تغيره للحواره فلم تريد الضغط عليه لكي يعود إليها كلما أراد التحدث وهتفت مشجعة:
بجد، طيب كويس أنا بسمع أنه راجل محترم جداً.
"أيوة، هبدأ شغل من بكرة"
قالها فهتفت ميمي متمنية التوفيق له:
ربنا يوفقك يارب.
لم يتجرأ زياد على رفع نظريه عليها مرةٍ أخرى، بل ظل منكس الرأس يردد كلماتها في عقله. لا يدري بماذا يشعر تحديداً، لكنه يجزم أنه لم يمر بمثل تلك الحالة من قبل.
***
مر عام تلاه عاماً آخر حتى مر خمسة أعوام في لمح البصر، على البعض والبعض الآخر كانوا ثقالاً للغاية. فدوماً الإنسان لا يشعر بثقل الأيام حتى إذا سقطت على عاتقه أعباء تفوق قدرته، حتى تكون جميع أمنياته أن يرى يوماً واحداً بلا عبء، بلا مسؤولية، يجلس على الأريكة كرجل عجوز لا يفعل شيء سوى مشاهدة من حوله في هدوء.
كانت تلك الأمنية تعود ليوسف ولينة، حتى حان ذاك اليوم، يوم تخرج لينة من جامعتها، حيث يركض يوسف على درجات السُلم يحمل صغيره بيد وباليد الأخرى يرضعه حليباً صناعياً قد أعده في السيارة قبل صعوده واضعاً حقيبة مستلزمات الصغير على كتفه.
طرق باب والدته التي فتحت له بإبتسامة بشوشة ورحبت به:
تعالى يا حبيبي.
من بين أنفاسه اللاهثة قال:
أجي فين يدوب ألحق أروح الجامعة عند لينة، خدي أحمد شربيه آخر شوية في الببرونة.
أخذت منه الرضيع وقالت:
مسيبتوش ليه أرضعه أنا.
أخبرها وهو يناولها حقيبة الصغير:
قعد يعيط جامد فشربته أنا.
هبط بعض الدرجات ونظر إليها وهتف:
متنسيش تخبطي له على ضهره.
قهقت ميمي قبل أن تردف مازحة:
مش هنسى حاضر.
صاح يوسف عالياً وهو يتابع ترجله:
وقولي لماريا إني بحبها على وقت ما أشوفها.
"حاضر، خلي بالك وأنت سايق"
قالتها ميمي ثم حركت رأسها بآسى لحالته، تنهدت وتمتمت:
ربنا يعينك يابني.
أخفضت بصرها على الصغير ذو الأربعة أشهر فوجدته يبتسم لها، بادلته الإبتسام وداعبته بحب:
إنت بتضحك لتيتة؟ قلب تيتة أنت والله.
أوصدت الباب وعادت للداخل، بينما انطلق يوسف بالسيارة متجهاً إلى الجامعة بأقصى سرعة لديه لكي لا يتأخر عن حفل تخرج لينة. وصل في وقت قياسي، لَقِفَ باقة الزهور الموضوعة بجواره ثم أوصد السيارة وتابع سيره حيث القاعة الكائن بها حفل التخرج.
"الطالبة المتفوقة لينة نعمان فاضل"
نطقها العميد أثناء ولوج يوسف القاعة. لاحظ عبوس لينة في ذهابها لإستلام شهادتها. أسرع من خطواتها حتى بات في أوائل الصفوف فرأته هي. اختفى عبوسها فور رؤيتها لوقوفه مبتسماً وبيديه باقة من الزهور المفضلة لديها.
استلمت شهادتها وعادت إليه. لم تتردد في أخذ عناق منه وهتفت بنبرة مهزوزة:
فكرتك مش هتلحق تيجي.
بادلها يوسف العناق وقال وهو يواجه عينيها:
الحمد لله لحقت، مبروك يا أحلى باشمهندسة.
أعطاها الزهور فتناولتها ثم استنشقت رائحتها الذكية وهتفت بسعادة:
شكراً إنك معايا.
اكتفى يوسف ببسمة عذبة، بينما توجهت لينة لأخذ بعض الصور مع زملائها وكذلك بعض الصور مع يوسف ثم غادرا الجامعة يداً بيد.
استقلا السيارة فانهالت هي ببعض الأسئلة:
وديت أحمد لماما؟ شوفت ماريا ولا كانت نايمة؟ أكلته؟ غيرت له؟ ماريا مسألتش عني.
قاطعها يوسف بهتافه:
حيلك حيلك، براحة عليا، آه وديت أحمد عند ماما وغيرت له وأكلته، مشوفتش ماريا، انا مدخلتش البيت أصلاً عشان ألحق وأجيلك.
أخرجت لينة تنهيدة مطولة وهتفت بعدم تصديق:
مش مصدقة إني خلصت!!
ياربي معتش فيه كلية ولا مذاكرة ولا امتحانات ولا أي مسؤولية.
التفتت إليه بحماس شديد وهي تخبره عن خططها التي رتبت لها:
أحلى حاجة إن ماريا هترجع في حضني من تاني، هعوضها عن كل دقيقة كانت بعيدة عني فيه، بجد ضميري بيأنبني كل ما أفتكر اني بعدتها عني بإيدي، حاسة إني عايزة أجيب لها الدنيا كلها يمكن وقتها أحس براحة شوية.
عايزة أظبط حياتي بقى، عايزة أرجع أطبخ وأرقص وأخرج وأعمل كل حاجة مكنتش عارفة أعملها.
أطلق يوسف قهقه خافتة وعلق ساخراً:
أحلام العصر دي مع نفسك فيها، أنا أوت من النهاردة.
عقدت ما بين حاجبيها وهتفت بعدم فهم:
يعني إيه أوت؟
أوضح لها يوسف بنبرة لا تسمح النقاش:
يعني أنا برا كل الحسابات دي، أنا هاخد إجازة قيمة سنة أو اتنين كدا أريح فيها أعصابي من اللي حصلي في الخمس سنين اللي فاتو.
فغرت لينة فاها بذهول ورددت باستنكار:
نعم؟!
صاح يوسف بحنق:
هو إيه اللي نعم؟ دا أنا اشتغلت لك دادة ليكي وبيبي سيتر لعيالك وطباخ ومكوجي، دا أنا رضعت وغيرت بامبرز وشوفت اللي محدش شافه منك ومن عيالك، شوفي أنا مش عايز أشوفك لا أنتِ ولا عيالك ولا أسمع لكم نفس حتى!!
صف يوسف السيارة أمام بناية والدته ونظر لها فرأها تطالعه بذهول شديد. ضربها بخفة أعلى ذراعها وقال:
يلا متبصليش كدا، خليني أشم نفسي شوية.
"هو أنت بتتكلم بجد؟"
رددتها لينة متسائلة وهي تكاد تنفجر باكية، فصاح يوسف ببرود:
أه بتكلم بجد، يلا يا لينة بجد اتخنقت محتاج استراحة محارب.
ابتعلت ريقها وحاولت الصمود حتى لا تجهش بالبكاء أمامه، بهدوء ترجلت من السيارة متعمدة ترك باقة الزهور مكانها فهتف يوسف:
خدي الورد.
بنبرة متحشرجة تهدد بالبكاء قالت:
لأ ملوش لازمة.
أولاته ظهرها وولجت سريعاً داخل البناية. لم تعد تستطيع التحكم بعبراتها لأكثر من ذلك، وانهمرت في البكاء. شعرت بوخزة قوية في قلبها، ناهيك عن شعورها بأنها شخصاً سيء حين طلبت منه أن يتمما زواجهما.
صعدت حيث الطابق الكائن به شقة السيدة ميمي وطرقت الباب وبالكاد تتحملها قدميها. فتحت لها ميمي وتفاجئت باحمرار لون عينيها وانتفاخ شفتيها وذلك أنفها.
بقلق سألتها:
في إيه مالك، إيه اللي حصل؟
ألقت لينة نفسها بين ذراعي ميمي، ازداد نحيبها كلما تذكرت كلمات يوسف. أخذتها ميمي إلى أقرب أريكة وساعدتها على الجلوس ثم جلست مقابلها محاولة فهم سبب تلك الحالة المذرية:
اهدي طيب وفهميني حصل إيه؟
أخذت لينة بضعة دقائق حتى هدأت ثم بدأت تقص عليها ما حدث وهي تحدق بأناملها التي تفركهم باضطراب:
أول مرة أعرف إن يوسف مكنش مبسوطة طول الخمس سنين اللي فاتت دي، كان عايش معايا مجبور على الوضع اللي أنا حطيته فيه!!
رفعت رأسها ونظرت للسيدة ميمي متابعة بخذي شديد:
إحساس وحش أوي لما تحسي إنك كنتي مغفلة، عايشة في كذبة إنه راضي وهو من جواه مش قابل الوضع، يعني كل اللي فات دا مكنش حقيقي؟!
تشجيعه ودعمه ليا مكنش حقيقي إزاي؟!
دا هو اللي كان بيقويني في الأيام اللي كنت بحس فيها إن خلاص دي نهاية الطريق ومش هقدر أكمل!
إزاي قدر يعمل كدا وهو من جواه رافض الوضع وحاسس إنه تقيل عليه وفوق طاقته؟!
تدخلت ميمي هاتفة بعدم فهم كُلي لأسبابها:
مين اللي قالك الكلام الفارغ دا؟
"يوسف! يوسف اللي قالي بنفسه أنه عايز يشم نفسه عشان اتخنق، قالي إنه اشتغلي دادة وبيبي سيتر لعيالي، دا حتى كان بيقولي عيالك كأنهم عيالي لوحدي!!"
كانت تتحدث بعدم تصديق أنه قال ذلك بالفعل، بينما حمحمت ميمي وحاولت تلطيف الوضع لكي لا يزداد سوءاً:
أكيد بيهزر معاكي يا لينة، لأن يوسف عمره ما أشتكى، أه هو هزار تقيل حبتين بس هتلاقي محسبش إنك تزعلي بالشكل دا.
نكست لينة رأسها وأعادت شريط الخمس سنوات الماضية في عقلها:
أنا عارفة أنه شال واستحمل كتير أوي، بس مكنش لوحده، إحنا كنا مع بعض في دوامة واحدة، كنت بحاول على قد ما أقدر أكون ست بيت وأم لطفلين وبين كليتي ومذاكرتي، هو شال واستحمل وأنا برده شلت واستحملت، كنا بنقوي بعض ونقول فترة وهتعدي، كنا بنحلم مع بعض باليوم اللي كل المسؤولية دي تخف، ولما يجي اليوم دا ألاقيه كان مجبور!
تنهدت لينة وارتدت ثوب الشجاعة والقوة قبل أن تردف:
بس خلاص، مش هخليه يحس إنه مجبور تاني عليا وعلى عيالي!!
سقطت عبرة على مقلتيها فأسرعت في مسحها وقالت:
أنا هطلب الطلاق!!
صعقت ميمي من ذاك الهراء التي تفوهت به، وعارضتها مستاءة:
إيه اللي بتقوليه دا يا لينة؟ بطلي يابنتي تقولي الكلمة دي لأنها لما بتدخل أي بيت بتخربه، اعتبريهم كلمتين وفضفض معاكي بيهم وعديهم، وبدل ما تقولي طلاق وبتاع، خدي النهاردة راحة ليكي ومن بكرة ابدأي من جديد.
رتبتي أمورك واخلقي نظام لبيتك ترتاحوا عليه، عوضي نفسك وعوضي عيالك عن الأيام اللي كانت بتضيع منكم غصب عنك، البسي وادلعي واخرجي واتبسطي، وكل حاجة هترجع لمجراها من تاني.
الحياة كدا يوم ليك ويوم عليك بس الشاطر اللي ميديهاش فرصة تيجي علينا وتكسبنا، الشاطر اللي يقف في وشها ويخلي أيامه كلها ليه مش عليه.
"مامي"
هتفت بها ماريا ذات الثلاثة أعوام ببراءة فتوجهت لينة مباشرة نحوها. جست على ركبتها وأخذتها بين أضلعها معانقة إياها بحرارة، فلقد اشتاقت إليها كثيراً، افتقدت ابتسامتها وعناقها حتى مشاكستها كانت مفتقدة لها.
استقامت لينة في وقفتها ثم حملت الصغيرة بين ذراعيها ونظرت إلى السيدة ميمي وهتفت بحزن:
بعد إذنك يا ماما هدخل أوضتي.
بعتاب قالت ميمي:
إنتِ بتستأذني!! دي اوضتك ادخلي وقت ما تحبي، أصلا مقفولة محدش بيدخلها غيرك.
اكتفت لينة ببسمة لم تتعدى شفاها ثم دلفت غرفتها، وضعت الصغيرة على الفراش وجابت المكان من خلفها باحثة عن شيئاً يفعلاه سوياً.
ابتسمت وقالت بحماس:
تيجي نعمل تسريحة جديدة؟
أماءت مارية بقبول وسعادة، فأخذتها لينة وأجلستها على المقعد المقابل للمرآة وبدأت تمشط خصلاتها المموجة التي تشبه خصلاتها تماماً. انتهت لينة من عمل الجدائل حتى لم يعد هناك خصلة شاردة وسألتها بلهفة:
ها، إيه رأيك؟
ابتسمت الصغيرة وهللت بسعادة:
حلوة أوي.
انحنت لينة واحتضنتها بقوة وهتفت:
كل يوم هنعمل تسريحة جديدة لأحلى ماريا.
صفقت الفتاة بسعادة ثم انتبهت لشيء ما يظهر من أسفل الفراش فلم تتردد في اكتشاف ذاك الشيء. هرولت إليه وحاولت جذبه لكن صِغر المساحة لم يساعدها. توجهت إليها لينة متسائلة بفضول:
إنتِ بدوري علي إيه؟
أمسكت ما تمسك به ماريا وجذبته بكل ما أوتيت من قوة حتى خرج في يدها. تفاجئت لينة بدُميتها التي أشتراها لها يوسف منذ ثلاثة عشر عاماً. ابتسمت بعفوية وأخذت تشم رائحة الماضي بها.
خرجت من شرودها على شد الصغيرة للدمية مرددة:
عروسة، تاعتي.
أعطتها لينة الدمية وقالت:
حافظي عليها يا ريمو عشان دي غالية أوي عندي.
ركضت الصغيرة للخارج بينما تساقطت عبرات لينة بغزارة. نهضت وتمددت على فراشها، معانقة وسادتها ودعت العنان لعبراتها في السقوط أعلاها.
***
حل المساء، استيقظت لينة إثر رنين هاتفها. جابت المكان حولها بضياع فلم تشعر متى غفت. تفقدت الوقت فكانت الساعة الحادية عشر مساءًا. أجابت على يوسف بنعاس:
إيه يا يوسف.
بلهجة سريعة تريد إنهاء الإتصال قال:
أنا مش راجع النهاردة عشان متستنينيش.
أعاد الهاتف إلى جيب بنطاله، فنظرت لينة إلى الهاتف بضيق. كادت أن تغلق إلا أنها تراجعت حين صغت إلى سؤال الموجه لأحدهم:
فين العروسة؟
"داخلة علينا حالاً، لسه قافل معاهم وقالوا خلاص على وصول"
خمنت لينة أن الطرف الآخر كان بلال. حرصت على وضع الهاتف على أذنها جيداً لتستمتع إلى حديثهما المبهم. مر وقت حتى صدح صوت يوسف عالياً:
أوف يا أخي، دا إيه الجمدان دا!!
هتف بلال بعجرفة:
عشان تسمع مني لما أقولك اتقل تاخد حاجة نضيفة.
عارضه يوسف مستاءً من تقليله لشأنها:
نضيفة إيه بس، دي صاروخ.
تعالى هتف بلال:
عشان تعرف ذوق صاحبك، يلا مبروك عليك الصاروخ، أطير أنا بقى وأسيبك معاها تشبع منها براحتك.
بنبرة تائهة ردد:
ودي يتشبع منها إزاي دي؟
"ورينا شطارتك"
قالها بلال ثم غادر على الفور. على الطرف الآخر، تسارعت نبضات لينة. ارتفع صدرها وهبط بصورة مضطربة. ماذا يقصدان بهذا الكلام الجرئ؟ لم تستطيع الإنتظار مكانها وهمت بارتداء ثيابها ثم خرجت وهي لا ترى أمامها.
أوقفت إحدى سيارات الأجرة وأخبرته بوجهتها. كان يبدو عليها الهدوء عكس باطنها، كان يتأجج به بركاناً على وشك الإنفجار. كانت تحث السائق من آن لآخر أن يسرع لاعنة تلك المسافة التي تبعدها عنه.
وبعد مرور بضعة دقائق، وصلت إلى المعرض، ودعت داخلها أن تجده هناك. أوصدت عينيها حين وصلت عند الباب ثم خطت للداخل وقلبها يكاد يخترق جسده متوجسة خيفة أن تلقى ما لا يسر نظريها ولا تستطيع عليه صبراً.
لم يكن لطيفه أثراً حولها، فالمكان كان هادئاً أكثر من المعتاد. توجهت إلى السُلم وصعدت درجاته حتى وصلت إلى مكتبه ووقفت أمام بابه حين سمعت همهمات بالداخل. أمسكت مقبض الباب وأدارته وقلبها يزداد تسارعاً ثم فتحت الباب على آخره متفاجئة بما رأته أمامها!!
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم تسنيم المرشدي
كانت الموسيقى تدوي في الغرفة لأحد أغاني أم كلثوم. كان يجلس في إضاءة خافتة ويقرأ أحد رواياته، يرتشف مياه غازية مليئة بقطع الثلج.
ولجت المكتب بخطاها تجوب الغرفة بعينيها ثم وقفت أمام مكتبه ونادته:
_ يوسف.
انتبه يوسف بصوتها ورفع بصره عليها. لوهلة لم يستوعب أنها بالفعل واقفة أمامه. ترك ما بيده ونهض متسائلاً بغرابة معانقة للقلق:
_ لينة؟ أنتِ بتعملي إيه هنا؟
دار حول مكتبه واقترب منها وهو يطالع الخارج مواصلاً بقية أسئلته:
_ أنتِ جاية مع مين؟
بتردد وضياع شديدان أجابت:
_ أنا جاية لوحدي.
رمقته بعينان لامعة مواصلة بنبرة خافتة:
_ أنت بتعمل إيه؟
بعدم استيعاب لما يحدث رد بصوت أجش:
_ قاعد.. هو في إيه؟
ابتلعت ريقها وصاحت متذكرة حواره مع بلال:
_ أنا سمعتك مع بلال... كنت بتقول عروسة... كنتو بتتكلموا عن واحدة جاية هنا وبلال سابك ومشى و...
صمتت حين شعرت بسذاجة تفكيرها. شعرت بمدى حماقتها تلك اللحظة. زفرت ثم أولته ظهرها وهي تردد:
_ أنا همشي.
أسرعت خطواتها إلى الخارج. فهرول يوسف خلفها محاولاً إيقافها:
_ استني يا لينة.
لم تهتم له وتابعت سيرها. فما كان منه إلا أن يمسك ذراعها مجبراً إياها على التوقف. نظرت لينة إلى يده الممسكة بها وهتفت بألم:
_ أنت بتوجعني.
حرر يوسف يدها من قبضته ووقف مقابلها ثم أردف:
_ هو اللي أنا فهمته دا صح؟
أخفضت لينة رأسها بحرج شديد وحاولت الهرب من أمامه:
_ سيبني أمشي يا يوسف لو سمحت.
شكل حاجزاً أمامها مانعها من الذهاب وهتف بنبرة جامدة:
_ طالما تعبتي نفسك وجيتي لغاية هنا في الوقت دا يبقى مش هتمشي قبل ما تبرري... شكل بسمة ساخرة وواصل: دا لو عندك تبرير يعني.
رفعت رأسها ولم ترضى حديثه الساخر وهتفت بنبرة مختنقة:
_ يوسف، يوسف... ملكش حق أبداً تلومني. الكلام اللي سمعته كان ممكن يتفهم غير كدا لو مقولتش كلامك الصبح!!
"كلام إيه؟" هتف متسائلاً. فأجابت هي بحنق:
_ إيه نسيت كلامك بالسرعة دي؟ نسيت لما قولت إنك اتخنقت مني ومن عيالي؟ حتى دول نسبتهم ليا لوحدي كأنك اتجبرت تجيبهم! نسيت لما قولت مش عايز أسمع صوتك ولا صوتهم ولا حتى تشوفنا؟! نسيت لما قولت إنك عايز استراحة محارب قيمة سنة أو سنتين!! دا كلامك خلاني أفكر في الطلاق عشان أريحك خالص مني ومن عيالي!! ما أنا اللي أجبرتك على وضع مش حابه! أنا اللي أصريت نتجوز وكل اللي حصل بعد كدا نتيجة لإصراري! مش عايزني بعد اللي سمعته منك وحسيته دا عقلي ميستنتجش اللي فهمته؟!
دفعته بعيداً وتابعت سيرها للخارج. وقف يوسف محاولاً استيعاب كلماتها. زفر أنفاسه وأسرع خلفها بعد أن أوصد باب المعرض جيداً. أسرع من خطاه حتى بات جوارها.
أخرج تنيهدة بصوت مسموع. لم يعلم للحديث سبيل. فانتبه على كلماتها التي خرجت متحشرجة إثر بكائها المرير:
_ يمكن أنا غلطت لما طلبت منك نتجوز. أنا آسفة مكنتش أعرف إن الوضع هيكون صعب بالشكل دا. أنا بعترف إني كنت هبلة ونظرتي كانت غلط. بجد مش لو هتقدر تكمل في الوضع دا أنا هكون مقدرة و...
قاطعها يوسف مستاءً:
_ أنتِ فعلاً هبلة ولسه نظرتك غلط لما تفكري في تفكير عقيم زي دا!!
توقفت لينة عن السير ورمقته لبرهة قبل أن تردف:
_ أنت بنفسك قولتلي إني لما أكبر هشوف الأمور من زاوية تانية. هبص للي ريح اللي بحبه أكتر ما هبص للي بيريحني، وأنت مش هترتاح غير بـ...
"مين قالك، مين قالك إن راحتي في بعدنا عن بعض؟!" هتف يوسف بحنق وواصل:
_ مش هكذب وأقول إني مكنتش مضغوط، والمسؤولية كانت كبيرة وفاقت طاقتي، وأي إنسان محتاج ياخد هُدنة من الضغط اللي بيتحط فيه، كلمتين اتقالوا مش محسوب لهم خالص، أنا بجد كنت بهزر وقتها.
لم تصدق تهوينه للأمر وهتفت بعدم تصديق:
_ بتهزر!!، دا انا أول مرة أحس باحتياجي ليك ومعرفش أسد احتياج مشاعري دا، كنت دايماً بهرب من مشاكل الحياة كلها ليك أنت، معرفتش النهاردة أهرب لمين؟ كنت بدور عليك وبهرب منك، محتاجة اشتكي لك منك وفي نفس الوقت مش عايزة أزود همك!
حدجته بنظرات معاتبة قبل أن تقول:
_ أنت واقف قدامي وأنا مش قادرة أترمي في حضنك، كلامك بنى حاجز بينا مش عارفة أتخطاه، أصل أضايقك وأنت متقدرش تقول إنك مش قادرة على الوضع دا وأجبرك عليا تاني.
شعر يوسف بغبائه، لعن زلة لسانه الغير مقصودة. تنهد وقال بندم يطغوا على نبرته:
_ أنا مش فاهم جبتي الكلام دا منين، أنا عمري ما فكرت بالشكل دا، أنا يمكن كنت بدعمك وبخبي أوقات ضيقتي عنك عشان مشيلكيش فوق طاقتك، بس مكنتش مجبور أبداً، كلامي النهاردة طلع بعفوية وفكرت إنك هتقدري عشان خلاص نص المسؤولية والضغط خلصوا ومش هتلومي نفسك على حاجة، توقعتك هتردي وتقولي وأنا كمان زيك عايزة أخد هدنة بس لقيتك سكتي ومشيتي.
تنهد يوسف بضيق وأردف كلماته باختناق:
_ يا لينة أنا محتاجك تقدري تبريري دا لأن معنديش غيره أعمله حالياً.
اقترب منها مواصلا استرساله:
_ أنا مش فاكر آخر مرة قربت منك فيها كانت امتى، يعني فوق كل الضغط دا مكنش فيه حاجة تهون، كله نازل طخ طخ، أقسم بالله أنا أول مرة مبقاش عارف أتصرف، محتاج اللي يبدأ لي الطريق وأنا أمشي فيه، محتاج أمشي ورا رأي حد يرجعني لنفسي من تاني.
لمست كلماته قلبها وشعرت بالندم حياله. طالعته بآسى تحول إلى فضول في سؤالها:
_ أومال إيه العروسة دي؟!
فغر يوسف فاهه لبرهة ثم حرك رأسه باستنكار شديد وقال:
_ عايزة تعرفي مين العروسة؟
أماءت بالإيجاب فأمسك يدها وهو يردد:
_ تعالي.
عاد بها إلى المعرض ثم ولج وأشار إلى إحدى الزوايا مردداً:
_ دي العروسة اللي عملت كل دا!!
وجهت لينة بصرها على الزاوية التي ينظر إليها وتفاجئت حين وقع بصرها على سيارة فاخرة للغاية. نظرت إليه مستاءة، فلم تصدق أنهما كانا يتحدثان عن سيارة وهتفت:
_ عربية!!
أكد يوسف على قولها:
_ أيوة عربية، آخر موديل نزل في المرسيدس، ومش عايزانا نقول عليها عروسة؟
عضت لينة على شفاها بخجل شديد، حمحمت وجابت المكان من حولها هاربة من نظراته الثاقبة، بينما استنكر هو عدم ثقتها به وهتف مستاءً وهو يصعد درجات السُلم:
_ أنا بجد مش متخيل إنك تفكري فيا كدا!
فركت لينة أناملها بضيق ثم صعدت خلفه، فوجدته جالس على كرسي مكتبه. أصدرت صوتاً معلنا وصولها ثم اقتربت منه وجلست على قدميه وقالت برقة:
_ أنا آسفة، عارفة أن الإعتذار مش كفاية، وعارفة إني غلطانة وعقلي لسه صغير مش بحسب الأمور صح، بس يمكن عشان كنا بعاد وعلاقتنا متوترة، شيطاني قدر يضحك عليا وخلاني أفكر كدا، اعتبر كلامي تبرير أو حجة لموقفي، أي حاجة المهم متزعلش.
ملست على وجنته بنعومة وأردفت بدلال:
_ زعلك غالي أوي عندي يا سوفي.
كانت تعابيره جامدة لا تلين قط. اقتربت منه وطبعت قُبلة على طرف شفتيه تعمدت الإطالة بها ثم همست بجانب أذنه:
_ وحشتني أوي.
عادت ناظرة لعينيه فكان جامداً كما كان. حمحمت وتابعت محاولة إصلاح ما اقترفته:
_ تعالى نروح بيتنا.
برفض تام صاح:
_ لأ.
أشعرت لينة بغصة في حلقها لكنها لم تريد التسرع في حكمها. تحلت بالقليل من الصبر ربما تنجح في توطيد العلاقة من جديد فهمست بخفوت:
_ تعالى نروح يا يوسف.
أبعدها يوسف عنه ثم نهض فشعرت لينة بالإهانة لرفضه. نظرت إليه بأسف وقالت:
_ أنا آسفة بجد.
أولاته ظهرها وتوجهت نحو الباب والدموع تكاد تتساقط من عينيها. لحق بها يوسف وأعاد غلق الباب فنظرت إليه بأعين لامعة، وتفاجئت به يمد يده خلفها ثم أوصد باب المكتب وقال وهو ينحني على شفتيها:
_ مش هنروح في حتة!!
أمسك يدها ووضعهم على قميصه فاستشفت ما يريد. وقامت بفك أزرار قميصه وكان هو يقبل ثغرها بلوعة واشتياق، فحاجته لها بلغت ذروة تحمله ولم يعد يستطيع السيطرة على جوارحه.
حاولت هي تنبيهه إن كان قد فقد عقله:
_ يوسف، إحنا في المكتب لو مش أخد بالك.
"بس لوحدنا" هتف بهم ثم حملها وتوجه بها إلى الأريكة مجدداً عهده معها بعدما افتقر لذاك الشعور منذ زمن.
بعد فترة، بحث عن قميصه والتقطه من على الأرضية، وأرسله إلى لينته مردداً بأمر:
_ ألبسيه.
تناولته وقامت بارتدائه فكانت جميلة المظهر. نهضت خلفه لترى ماذا يفعل. استندت بذراعها على كتفه متابعة صبه العصير في كوبان واضعاً بهما قطع الثلج الذي تناوله من ثلاجة المكتب.
ناولها كوب وتوجه نحو الأريكة، اعتلاها وأشار إليها بالمجيء فتوجهت نحوه وتوسطت صدره. ارتشفت القليل من العصير ثم رفعت نظريها وسألته:
_ لسه زعلان مني؟
ارتشف يوسف العصير دُفعة واحدة وهتف بمشاكسة:
_ دا أنا زعلان جداً.
مال بها على الأريكة فصرخت هي:
_ العصير!!
تناول منها كوبها ووضعه على الطاولة وعاد إليها، فارضاً عاقبه الخاص عليها، ولم يرى منها أي رفض فكان هذا يزيده تلهفاً بها.
***
بعد مرور بعض الوقت، اقترب منها متسائلاً عن سبب وقوفها أمام النافذة التي تطل على الطابق السفلي جاذباً إياها إليه فبات ظهرها ملاصقاً لظهره:
_ بتبصي على إيه؟
أشارت إلى السيارة وأجابت:
_ حلوة أوي يا يوسف، ليك تحق تقول يتشبع منها إزاي دي.
دفن رأسه في عنقها تاركاً أثر أنفاسه الحارة عليها قبل أن يهمس سؤاله:
_ عجباكي؟
استدارت إليه وتعلقت بذراعيها في عنقه مبدية إعجابها بها:
_ جداً، بجد جميلة أوي.
ابتسم لها بعذوبة ثم تراجع للخلف وتوجه نحو مكتبه، أخذ ملفاً من الخزانة الرقمية خاصته وعاد إليها هاتفاً بنبرة رخيمة:
_ جميلة زي صاحبتها!
لم تعي ما قاله فناولها يوسف الملف الذي بيده. أخذت تقرأ المدون حتى صرخت عالياً حين رأت إسمها مدون في العقد. قفزت بسعادة غير مصدقة حقاً أنها تملك تلك السيارة الفاخرة وهللت عالياً:
_ لا لا بتهزر!! دي بتاعتي؟ متهزرش بجد يا يوسف.
قهقه هو وأكد ملكيتها العائدة لها:
_ بتاعتك والله، هدية التخرج.
ابتعلت ريقها ثم استدارت تطالع السيارة مرةٍ أخرى. عادت ناظرة إليه ثم عانقته بكل ما أوتيت من قوة حتى كاد يوسف أن يفقد توازنه فصاح بحذر:
_ هتوقعيني يابت.
لم تختفي الإبتسامة من على محياها وظلت تهلل بسعادة:
_ بحبك أوي، بجد مش عارفة أعبر لك أنا مبسوطة إزاي.
بنبرة تكاد تسمع قال:
_ مش محتاجة تعبري، أنا ثانية وهتخنق من السعادة.
انتبهت لينة ليدها المحاوطة عنقه وأزاحتها عنه ثم تراجعت وهرولت نحو الباب قاصدة النزول فأسرع يوسف خلفها وسرعان ما أعادها للداخل ثم أوصد الباب وصاح بحنق:
_ أنتِ راحة فين بمنظرك دا، فيه كاميرات في المكان.
نظرت لينة إلى حالتها فشعرت بالخذي وهتفت نادمة:
_ من فرحتي مختش بالي بجد.
رققت من نبرتها وأردفت بحيوية:
_ طب ينفع ننزل نشوفها.
أماء بقبول وقال:
_ أكيد، بس هاتي قميصي والبسي هدومك.
تفاجئ يوسف بسرعة خلعها لقميصه وإعطائه له. التقطه منها قبل أن يسقط أرضاً وقام بإرتدائه. في تلك الأثناء كانت قد انتهت هي سريعاً من ارتداء كامل ثيابها ثم هرولت للخارج وتبعها يوسف بخطى متريثة.
ظلت تدور حولها لا تصدق أنها ملكها. عانقتها بحرارة كما لو أنهما كانا مفترقين وعادا إلى بعضهما. انفجر يوسف ضاحكاً على تصرفها الأخرق وهتف:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
"لا لا سيبني أنت كدا أخد راحتي مع عربيتي، متدخلش بينا لو سمحت" هتفت بهم لينة وتابعت ما تفعله تحت نظرات يوسف الذي لم يكف عن الضحك من خلفها.
بعد وقتٍ أردفت:
_ أنا عايزة أجربها!!
صاح يوسف وهو يجبرها على السير بعيداً عنها:
_ لا تجربي إيه، أنتِ تتعلمي السواقة الأول وبعدين تجربي براحتك.
أوصد باب المعرض ودفعها للسير أمامه حتى وصلا إلى سيارته فوقفت لينة تطالعها بتقزز قبل أن تهتف بعجرفة:
_ أنا اركب دي؟ يبقى عندي مرسيدس وأركب دي.
طالعها يوسف لبرهة. لقد تكبرت في خلال خمس دقائق، إذاً ما ستفعل إن مر يوماً كاملاً؟ حرك رأسه مستنكراً وصاح بفتور:
_ معلش استحملي عربيتي شوية أصل والله أرجع عربيتك اللي فرحانة بيها.
أنهى جملته فأسرعت هي مستقلة المقعد الأمامي دون فعل المزيد من الحماقات حتى لا ينفذ قسمه. انطلق يوسف بالسيارة عائداً إلى منطقتهم ليقضون تلك الليلة في منزل والدته.
***
صباحاً، أشرقت الشمس فصدح رنين منبه هاتفه ليوقظه. مد يده وأغلقه وبعد قليل نهض عن الفراش بكسل. وقف أمام المرآة يتفقد ذقنه التي أنبتت بشكل مبالغ في الآونة الأخيرة ولم يقصها، ناهيك عن خصلاته التي تنسدل على عينه بسبب طولها المبالغ.
خرج من الغرفة فهتفت والدته بتنبيه:
_ خلي بالك عشان لينة هنا.
رفع كتفيه بعدم استيعاب وهتف:
_ يعني إيه لينة هنا، المفروض أعمل إيه؟
بفتور أخبرته:
_ بعرفك يا زياد، أصل تاخد راحتك أوي وتتفاجئ إنها قدامك.
بلامبالاة تسائل وعيناه تجوب المكان حوله:
_ ماريا فين؟
أجابته مختصرة:
_ لسه نايمة، متجيش جنب...
لم تنهي جملتها بعد حتى تفاجئت به يقتحم غرفتها ويقوم بإيقاظ الصغيرة. وقفت على الباب وهتفت بحنق:
_ يابني سيبها نايمة مش كل يوم تصحيها بدري كدا.
لم يكترث لكلماتها وظل يدغدغ الصغيرة ويقبلها حتى استيقظت. ابتسمت له وهتفت بنبرة طفولية:
_ زيزو.
"قلب زيزو، تعالي يلا عشان نفطر" قالها ثم تفاجئ ببكاء أحمد. توجه نحوه بغرابة مردداً:
_ إيه دا أنت هنا، مش تقول.
حمله بين ذراعيه بحذر وظل يداعبه حتى رأى ابتسامته لكن سرعان ما بكى مرةٍ أخرى فتدخلت السيدة ميمي وهي تتفقد ساعة الحائط:
_ معاد الرضعة بتاعته جه ومش هيسكت قبل ما يرضع، هاته عنك.
ناولها الصغير بينما عاد إلى فتاته وحملها ثم أجلسها على كتفيه فكانت جلستها المفضلة. خرج من الغرفة أثناء خروج لينة ويليها يوسف. تبادلا الإبتسامات والتحية حيث بدأ زياد قائلاً:
_ صباح الخير.
ردا كليهما في آن واحد:
_ صباح النور.
اقترب منه يوسف وعيناه مصوبتان على ماريا وأشار لها بالإتيان إليه لكنه تفاجئ برفضها:
_ تؤ، عمو.
فغر يوسف فاهه بصدمة وردد كلماتها مقلداً طريقتها:
_ تؤ، عمو، هي حصلت؟!
قهقه زياد ورفع يده إليها هاتفاً بتعالي لاختياره:
_ كفك يا ريمو.
ضربت الصغيرة كفه بخفة، فلم يتحمل يوسف الوقوف ومشاهدتهما دون تعقيب. جذبها من أعلى كتفي آخيه وظل يدغدغ بها مردفاً كلماته العفوية:
_ بقى تؤ وعمو، أنا هوريكي يعني إيه تقولي عمو بعد كدة.
خرج للردهة متابعاً دغدغته فصرخت ماريا عالياً محاولة الهرب منه. تبعه زياد للخارج فهتف يوسف كلماته لربما تتراجع وتقوم باختياره:
_ ابقي شوفي مين اللي هيجيب لك حاجات حلوة من السوبر ماركت بعد كدا.
فركت ماريا حتى تحررت من بين قبضته وتوجهت إلى أحد الخزانات وفتحت بابها فظهرت بعض الحلوى والمقرمشات والكثير من الأشياء التي تحبها.
فغر يوسف فاهه وطالع أخيه المبتسم لبرهة وقال:
_ أه يعني مش هعرف أرجع بنتي منكم تاني!!
رفع زياد كتفيه قائلاً:
_ أنت وشطارتك بقى.
توجه يوسف إليها ثم جسى على ركبتيه وأجلسها على قدميه وأردف:
_ ممم تيجي نروح البيسين؟
اتسعت حدقتي ماريا وصاحت بسعادة عارمة:
_ Yes, yes.
رفع يوسف كفه فضربته بخفة ثم نظر إلى أخيه بانتصار لاكتسابه ابنته من جديد. بينما توجه زياد إلى الأريكة وشرد في أمور الدنيا. على الجانب الآخر قبل يوسف وجنتي ماريا وأمرها بلطف:
_ روحي لمامي خليها تحضر الفطار يا ريمو يلا.
استقام وتوجه إلى أخيه. جلس بجواره ثم تسائل عن أحواله:
_ الدنيا معاك إيه؟
"ماشية" قالها بفتور شديد، فتحدث يوسف قائلاً:
_ مالك بتقولها من غير نفس كدا؟
أخرج زياد تنهيدة مهمومة وانفجر بكلمات تختبئ داخله:
_ وإيه اللي يفتح النفس يا يوسف، بقالي خمس سنين بلف في ساقية، مش عارف أعمل حاجة خالص والفلوس اللي بتيجي يدوب قسط الشقة واللي بيكون معايا بيقضي لآخر الاسبوع بالعافية، مش عارف أخد أي خطوة، وقعدت البت جنبي خمس سنين من غير أي خطوة رسمية، بحس بالذنب إني فكرت أوصلها إني عايزها، موقف حالها ولا بتحرك، بس هتحرك إزاي ماهي الخطوبة عايزة مصاريف وأنا مش معايا ومفيش أب هيقبل يقعد بنته خمس سنين جنب واحد مش بيعمل حاجة.
شكل بسمة ساخرة وواصل بتهكم:
_ لا خمس سنين إيه، دا لسه العفش على لما أعرف أخلصه مش أقل من سنتين تلاتة كمان.
زفر زياد بضيق شديد هاتفاً بنبرة مختنقة:
_ أنا بجد مش بندم على حاجة غير إني طلبت من لينة تقولها تستناني، مش فاهم بأي حق قولت كدا، كنت جايب الثقة دي منين يعني؟!
تأفف وضرب الأريكة بيده، لمح طيف خروج لينة فلم يريد الظهور أمامها بضعف حيلته، نهض وابتعدا عنهما لكنها لاحظت ضيقه، عقدت ما بين حاجبيها وتوجهت إلى يوسف متسائلة بقلق:
_ في إيه؟ زياد ماله؟
تنهد يوسف وأخبرها حوارهما سوياً. سادت لحظة صمت حتى قطعته هي بقولها الخافت:
_ مش ناوي تقوله بقى؟
أخرج يوسف نفساً قوياً قبل أن يردف:
_ هقوله، أنا مش في أيدي حاجة غير إني أقوله!!
تبادلا النظرات ثم ابتسمت له لينة وربتت على يده مشجعة إياه على أخذ تلك الخطوة لطالما انتظرتها طويلاً، بينما انتبه يوسف إلى الصغير الذي يبتسم له فبادله الإبتسام لكنه لم يريد حمله فعقله مشوشاً الآن.
***
بعد مرور عدة ساعات، وصل يوسف إلى مكان عمل أخيه. صف السيارة على مقربة منه وهاتفه:
_ أنا واقف برا تعالالي.
أنهى الإتصال فجائه زياد متعجباً من أمر زيارته المفاجئة، فلم تكن في الحسبان. استند بمرفقيه على سور النافذة متسائلاً بفضول:
_ في حاجة ولا إيه؟
حثه يوسف على الركوب بقوله:
_ اركب، هنتكلم شوية.
استقل زياد السيارة شاعراً بالغرابة حيال أمر أخيه. شهيقاً وزفير فعل يوسف ثم فتح خزانة صغيرة أمام مقعد زياد وقام بإخراج ورقة مطوية تبدو أنها ثمينة للغاية.
ناوله لأخيه الذي تسائل:
_ إيه دا؟
"فلوسك" قالها يوسف فلم يعي زياد قصد يوسف. رمقه بعدم فهم قبل أن يعيد سؤاله:
_ فلوس إيه؟
طالت نظرات يوسف، فهو يخشى أن تحدث مشادة بينهما لكنه ترك الأمر لله يدبره بمشيئته. تنهد قبل أن يخبره بحقيقتهم:
_ دي فلوس القسط اللي كنت باخدها منك كل شهر عشان الشقة، أنا مجتش جنبهم، كنت بحوشهم لك وأدفع القسط من معايا، و...
قاطعه زياد بصدمة شديدة:
_ إيه؟ عملت إيه؟ إيه اللي بتقوله دا؟
حمحم يوسف وهتف بنبرة جادة:
_ أنا عرضت عليك أساعدك وأنت رفضت، وأنا كنت عارف إنك لوحدك مش هتعمل حاجة، أو هتعمل بس هتاخد وقت طويل أوي، فسيبت الفلوس عندي لغاية ما يحين وقتها، وأهو وقتها جه أهو، خدهم وكلم عمك سعيد وخد منه ميعاد نروح لهم ونتقدم لبنته.
الصدمة دون غيرها حلت على تعابير زياد، فلم يكن الأمر هيناً. خرج من شروده وهو يعيد المطوية إلى أخيه مردداً:
_ دي مش فلوسي، فلوسي دفعتها في الشقة.
ترجل من السيارة فأسرع يوسف خلفه محاولاً إقناعه:
_ متبقاش أهبل بقى، إن مكنش يا أخي عشان نفسك عشان البت اللي مستنياك بقالها كتير دي، كل دا ملوش تمن عندك؟
بعدم استسلام لما يريده زياد صاح الآخر:
_ زي ما وصلت لها زمان إنها تستناني أوصلها إنها تشوف حياتها وملناش نصيب في بعض!!
تفاجئ يوسف بفتكيره الساذج والمحدود ولم يمرق الأمر دون إيلامه:
_ بالسهولة دي؟ تعشمها كل دا وتخلى بيها؟ الوعد اللي وعدتهولها من خمس سنين أنت مجبر توفيه، غصب عنك كمان مش بمزاجك، وبعدين هو أنا وأنت إيه، مش واحد؟ ولا دا كلام بس!!
نكس زياد رأسه بخذي من نفسه ثم قال:
_ أيوة بس أنا معملتلكش حاجة، مساعدتكش عشان أقبل دلوقتي تساعدنيلك.
زه يوسف بقوة في صدره وهدر به شزراً:
_ عشان الزمن غير الزمن، أنت وقتها كنت صغير وبتدرس، فطبيعي متعرفش تساعدني، لكن أنا بشتغل والحمدلله قادر أعمل كدا، ثم إن أنا الكبير وملزم أساعدك مش العكس، وبعدين ليه بتسميها مساعدة أصلاً؟ الفلوس دي داخلة بيتي يا غبي، مش راحة لغريب عشان تتسمى مساعدة، أفهم بقى!!
سكون حل للحظات، لم يبدي زياد رد فعل أحمق آخر، تنهد يوسف براحة على ما يبدوا أنه رضخ في النهاية. وضع يده على كتف أخيه وتحدث بصوته الرخيم:
_ اركب يلا عشان نروح لعم السعيد ناخد منه ميعاد.
رفع زياد بصره عليه، فحثه يوسف على القبول:
_ يلا بقى متبقاش قفلت.
شكلت إبتسامة ممتنة على محيا زياد فربت يوسف على ذراعه واستقلا كليهما السيارة متوجهين إلى مكان عمل السيد سعيد ليتقدما لخطبة "شهد".
***
مساءاً، اجتمع يوسف وعائلته مع عائلة السيد سعيد في منزله. كان الصوت صاخباً بعض الشيء، فالجميع يتحدث في آن واحد. زياد مع صديقه والسيد سعيد يتناول الأحاديث مع يوسف، والسيدات تتحاورن مع بعضهن.
بعد مدة استأذنت لينة للدخول إلى صديقتها فرحبت السيدة عواطف بذلك. ولجت لينة غرفة شهد التي ما أن رأتها حتى انهالت عليها بالكلمات المتلعثمة:
_ لينة، الحقيني، أنا متوترة أوي مش عارفة هخرج إزاي، لأ متوترة إيه أنا مرعوبة!
ابتسمت لها لينة وحاولت امتصاص ذاك التوتر:
_ ششش اهدي خالص، طبيعي تكوني متوترة، بس متخليش التوتر دا يسيطر عليكي عشان أنتِ قولونك ما بيصدق، هوب نلاقي بطنك بقللت ويقولوا زياد جاي يصلح غلطته!
انفجرت شهد ضاحكة ثم قالت متسائلة:
_ طب أنا المفروض أعمل إيه عشان أكون هادية.
تقوس ثغر لينة ببسمة ماكرة وهي تخبرها بخطتها:
_ هنتسلى شوية على زياد.
بفضول تسائلت شهد:
_ إزاي؟
حمحم لينة وأخبرتها ماذا يفعلان:
_ هنحضر لهم قهوة، بس قهوة زياد هنحط فيها ملح بدل سكر ولو شربها وافقي عليه من غير كلام.
بذهول رددت شهد:
_ ولو مشربهاش؟
من بين ضحكها أردفت لينة:
_ هتوافقي برده، أنتِ عندك حل تاني أصلاً.
انفجرن في الضحك ثم تسللن خارج الغرفة ودلفن المطبخ وقاموا بإحضار القهوة للجميع. ثم خرجن حين أذنت لهن السيدة عواطف بالخروج.
وضعت شهد الصينية على الطاولة ثم بدأت تعطي فنجاناً من القهوة لجميع الجالسين. جاورت لينة وكانت تنظر إلى زياد خلسة بخجل شديد، بينما لم ترفع لينة بصرها من عليه لتشاهد رد فعله.
ارتشف زياد القليل فاشمئز من طعمها المالح. لوهلة أدرك ذاك المقلب الذي فعلنه به ووجه نظريه على لينة وقال:
_ آه أنتِ اتلميتي عليها؟
انفجرت لينة ضاحكة ولم تستطيع التوقف بسهولة، بينما توجهت الأنظار عليهما بعدم فهم. مال يوسف على أخيه وسأله مستفسراً:
_ في ايه؟
أعاد زياد الفنجان وهو يخبره بلعبتهن:
_ حاطين لي ملح في القهوة.
شهقت السيدة عواطف ورمقت ابنتها بخذي لتصرفها ثم اعتذرت منه:
_ معلش يا زياد والله مش لاقية مبرر.
تدخل زياد بقوله ليمحي الحرج الذي نشأ بين الجميع:
_ لا متقوليش حاجة، لينة متأثرة بالمسلسلات التركية شوية.
رفعت لينة حاجبها الأيسر وقالت بتحدٍ:
_ أه واللي متعرفوش إن اللي يسيب القهوة من غير ما يشربها بيتر...
لم تكمل كلمتها بعد وقد استشف المخذى منها، وسرعان ما تناول الفنجان مرةٍ أخرى وارتشفه كاملاً، فانفجرا الجميع في الضحك على تراجعه.
بعد وقتٍ هتف السيد سعيد برحب:
_ مش هنلاقي عيلة أحسن منكم يا يوسف يابني نناسبهم!
ابتسم يوسف ببشاشة وقال وهو يمرر نظريه بين الجميع:
_ نقرأ الفاتحة؟
وافقه السيد سعيد الرأي ثم رُفعت أيادي الجميع قارئين سورة الفاتحة مباركين تلك العلاقة. حمحم يوسف وتحدث بنبرة جدية:
_ أنا كنت طالب من حضرتك نعمل خطوبة وكتب كتاب مع بعض على آخر الأسبوع إن شاء الله، حضرتك عارفنا وعارف زياد كويس يعني مفيش داعي نطول في المواضيع دي.
"أيوة يا يوسف بس مش شايف خطوة كتب الكتاب دي لسه بدري عليها؟" قالها سعيد فاعترض يوسف اعتقاده:
_ مش بدري ولا حاجة، وحتى العرسان يتعرفوا على بعض أسرع، أصل إحنا برده مش عايزين نطول في فترة الخطوبة، زياد كلها ٥شهور ويستلم شقته ويبدأ يجهز فيها يعني على آخر السنة يكونوا في بيتهم إن شاء الله.
نظر السيد سعيد إلى زوجته فلم يجد هناك مانعاً، فسأل ابنته قائلاً:
_ إيه رأيك يا شهد؟
نكس رأسها بخجل شديد وتمتمت بخفوت:
_ اللي حضرتك تشوفه يا بابا.
أخرج سعيد نفساً طويلاً وعاد بنظريه إلى يوسف ثم أبلغه موافقته:
_ على خير الله يابني.
ارتفعت زغاريد السيدات بينما نهض زياد واقترب من شهد بعدما تناول من والدته عُلبة صغيرة، فتحها فظهر منها خاتماً رقيقاً نال إعجاب شهد للغاية لكنها لم تظهر.
مد زياد يده لها فأعطته يدها الصغيرة وقام بوضع الخاتم في إصبعها حتى شعر أنه صُنع خصيصاً من أجلها. ابتسم بخجل وهمس لها:
_ هما بيقولوا إيه في المواقف اللي زي دي؟
لم ترفع رأسها قط وأجابته بنبرة بالكاد سمعتها أذنيه:
_ مش عارفة، مجربتش قبل كدا.
ازدادت ابتسامته وهو يقول:
_ بس أنا حاسس إني عايز أقول حاجة.
رفعت عينيها في عينه وسألته بحياء:
_ إيه؟
ابتلع ريقه وبنبرة متيمة صرح بما يكمن داخله:
_ بحبك.
خفق قلبها بشدة لتصريحه المفاجئ، لقد تسبب في تزايد نبضاتها بصورة لم يكن عليها من قبل. هربت بنظريها بعيداً لكنها لم تمنع ابتسامتها التي رُسمت على ثغرها الوردي فابتسم زياد عفوياً حين رأى ابتسامتها.
تبادلا الجميع المباركات والتهنئة، كما عمت السعادة قلوبهم لتلك المناسبة السعيدة.
***
مر أسبوعاً، وقد تم عقد قِران زياد وشهد، واليوم كان الجميع في رحلة ترفيهية في أحد القُرى السياحية.
كان يوسف بجوار لينة ووالدته التي تحمل أحمد وهو يداعب صغيرته، وإلى جانبهم زياد برفقة شهد ووالدتها، ومن جانب آخر يجلس بلال برفقة إيمان وصغيرهم الذي ركض بعيداً عنهما فأسرع بلال خلفه خشية أن يضيعاه، لَقِفه وعاد به محذراً إياه:
_ ولا، عارف لو بعدت تاني هعمل فيك إيه؟
بعناد قال ذو الخمس أعوام:
_ هتعمل إيه؟
"هعمل كدا" هتف بها بلال وهو يلقيه في المسبح، فصرخت إيمان بخوف عارم:
_ إي يا بلال دا حد يعمل كدا؟!
نظرت حيث طفى صغيرها وسألته باهتمام أمومي:
_ أنت كويس يا مراد؟
تفاجئت به ينثر المياه عليها فهللت بغيظ:
_ وأنا اللي كنت خايفة عليك.
قهقه بلال وصاح مشجعاً صغيره:
_ أبن أبوك يا موري، شاطر.
وقف يوسف حاملاً ماريا على كتفيه مثلما تحب وتوجه نحو صديقه فانسحبت إيمان من بينهما:
_ أنت بتعلم الولا إيه؟ تربية بايظة.
نظر له بلال باستهزاء وقال:
_ سيبنالك التربية يا حبيبي، ثم إن دا ولد لازم نشد عوده كدا ونعلمه الشبحنة من صغره عشان يطلع صايع.
غمز له يوسف وهتف:
_ مش ناوي تخاويه؟
التفتت بلال بكامل جسده إلى صديقه وهدر:
_ تصدق بالله.
"لا إله إلا الله" عقب يوسف بها فتابع بلال حديثه:
_ إحنا أخدينكم عبرة عشان كل ما نفكر نجيب عيال نفتكركم فنلغي الفكرة.
قلب يوسف وجهه باستنكار واستهزأ به:
_ قول إنك مش قادر بس وبترمي اللوم علينا.
تشدق بلال مستنكراً إهانته وصاح بحنق:
_ مش إيه؟
ببرود وعجرفة تحدث يوسف وهو يطالع المسبح:
_ أيوة يابني دي قدرات مش أي حد يعرف يعملها.
استاء بلال من كلماته ولم يعلق فلم يكن هناك كلماتٍ بعد. انتبها كلاهما على هرولة زياد إلى المسبح وفي يده شهد ثم قفزا به فتسببا بفوضى في المكان.
"ما جمع إلا ما ما وفق، الاتنين هُبل" قالها بلال فأيده يوسف الرأي، بينما نظر إلى صغيرته التي تعتلي كتفه وقال:
_ نعمل زي عمو؟
أماءت بقبول وحماس فلم يتردد يوسف في القفز في المياه فانفجرت الفتاة ضاحكة، فعلق بلال ساخراً:
_ دي العيلة كلها هبلة.
أنهى جملته وتفاجئ بدفع أحدهم له في المسبح. نظر حيث مكان وقوفه وتفاجئ بإيمان التي غمزت له وقالت:
_ هبلة بقى ما أنا من نفس العيلة.
لم تكمل جملتها حتى تفاجئت به يمسك قدميها ويجذبها إليه. غمز لها وقال:
_ من عاشر القوم يا حياتي.
قهقهت عالياً، وظلا ينثران المياه على بعضهما البعض في أجواء مرحة. في الأعلى كانت لينة تتحدث مع شقيقها مكالمة فيديو:
_ والمزة عاملة إيه؟
نظر علي إلى جانبه وتأكد أنها لم تصغي إليها ثم أجابها:
_ والله لسه بحاول، بس دماغها ناشفة، مش عايزة ناخد خطوة دلوقتي.
قهققت لينة وعلقت ساخرة:
_ استحمل يا حبيبي، حد قالك تحب واحدة من انجلترا.
تنهد علي بينما انضمت كيندا لهما ورحبت بلينة:
_ هاي لينة، how are you.
ردت لينة بلطف:
_ هاي كيندا، Iam fin، أنتِ عاملة إيه.
باختصار قالت:
_ Fin.
نظرت كيندا إلى علي وحدثته بلغتها فعاد على ناظراً إلى شقيقته واعتذر منها:
_ معلش يا لينة هقفل وأكلمك تاني، فيه مشكلة عايزين نحلها في الشغل.
أنهى المكالمة بينما انتبهت لينة على تعليق هادية الموجه لها:
_ مش بتنزلي معاهم ليه؟ ولا يوسف مانعك؟
استنكرت لينة قولها ورددت بضيق:
_ وهيمنعني ليه؟
بسخرية علقت هادية:
_ أه صحيح يمنعك ليه، يمكن نساكي، ماريا شكلها أخدت مكانك.
كزت لينة أسنانها بغضب لكنها لم ترضخ لذاك الأسلوب الوضيع وهتفت وهي تحدق بالسيد رمضان الذي يلاعب مراد:
_ مش معقول هيبقى وهو خاله زي بعض؟!
تفاجئت هادية بقولها ونظرت إلى زوجها بغيظ. في تلك الأثناء عاد يوسف فأسرعت هادية في إخباره ماحدث بحقد:
_ ينفع كدا يا يوسف بهزر مع مراتك وأقولها شكل ماريا أخدت مكانك ترد تقولي مش معقول هو وخاله زي بعض!!
قطب جبينه ونظر إلى لينة التي خشت نظراته وسألها مستفسراً:
_ أنتِ قولتي كدا؟
اكتفت بإيماءة من رأسها فصاح يوسف:
_ جدعة.
صعقت هادية من رده الداعم لوقاحتها بينما لم تمنع لينة ابتسامتها المنتصرة. اقترب منها يوسف وحملها بين ذراعيه هاتفاً:
_ مين دي اللي تتنسي بس؟!
توجه بها نحو المسبح ولم يتردد في إلقائها به ثم قفز هو الآخر. كانت الأجواء مرحة والجميع سعداء عدا هادية التي اختلقت مشكلة بينها وبين زوجها لعدم اهتمامه به وانشغاله مع مراد.
بعد مدة طويلة، وقفت لينة مستندة برأسها على كتف يوسف أمام المسبح تشاهد الغروب، فكان من الأوقات المحببة لها. أخرجت تنهيدة حارة ثم غردت بخفوت:
_ للنهاية
هتلاقيني ماسكة في إيديك للنهاية
أصلي من قبلك أنا مجرد حكاية
فيها خُوف وتعب وفيها جرَاح كتيرة
نظرت إلى عينيه بوميض عاشقة وتابعت:
_ بس بقى مِسك الختام إنك معايا!
انحنى يوسف برأسه وقبل جبينها بحب، فهتفت لينا بتردد:
_ يوسف عايزة أقولك على حاجة.
أحاط يوسف خِصرها حتى باتت بين ذراعيه وقال:
_ إيه يا حبيبي؟
ابتلعت ريقها وأردفت:
_ أنا حاسة إن أنا حامل.
صعق يوسف مما وقع على مسامعه، فغر فاهه كما اتسعت حدقتيه وردد بذهول:
_ حامل؟!
ابتعد عنها ثم أولاها ظهره وظل يتمتم بحنق:
_ حامل!! دي بتقولي حامل!!
أسرعت لينة خلفه فلم يقف لها بل ركض بعيداً عنها تحت ضحكاتها عليه، ظلا يركضان خلف بعضهما تماماً مثل القط والفأر.