"مبروك يا عريس." هتف بذلك والد حمزة، سيد، لحمزة بعد أن كتب كتابه على تلك العروس، فأخذه سيد في مكتبه في الفيلا التي يقام بها الزفاف ليهنئه. تابع سيد وهو يعطيه أوراقًا: "اتفضل يا عم، أهو ورق الشركة هدية." وأخذه بحضنه وهو يقول: "ألف مبروك يا ولد." ابتعد عنه وهو يجلس على المكتب ويأمره بالجلوس: "المهم عايز أقول لك حاجة، الشراكة مع والد عروستك هتستمر سنة بالكتير سنة ونص، فتشد حيلك كده وشركة كمان هدية يا عم هتكون معاك."
"أشد حيلي إزاي؟ " سأل حمزة بعدم فهم. أجابه سيد بحقارة: "إزاي إزاي يعني؟ أنت عبيط يا ولد ولا إيه؟ يعني أنا أنصحك إنك تجرب كل الستات وتاخدني قدوة وأخليك تتجوز وحدة؟ أكيد لا، أنت تعيش حياتك معاها وتفك كده بدل وشك العكر اللي شبع أمك." "برضه مش فاهم." "مش فاهم إيه؟ " ثم وقف وجلس أمامه وهو يقول: "يا حمار افهم، أنت تعش لك يومين وتجيب ولدين." وأكمل بتحذير: "أولاد بلاش بنات، وتخلص الشراكة وناخد منها العيال وأنا هربيهم."
وأكمل بتأمل: "أربيهم دول هيبقوا الورثة بتوعي." التفت وهو يقول: "عايز توأم بس المرة دي أولاد وأمهم بنت حسب ونسب لما يكبروا يعرفوا قيمته." اغتاظ منه حمزة وصاح بغضب: "أنا لا يمكن أعمل كده." رد والده باستفزاز: "هتعمل يا حبيب أبوك وإلا أنت عارف." ثم أكمل: "إلا خديجة وفاطمة عاملين إيه؟ ولا أمهم الجربوعة عرفت مكانهم؟ سمعت إنك بتدور عليهم." تابع بتهديد: "فاكرني مش عارف؟
فوق بدل ما تزعل عليهم، أنا لغاية دلوقتِ كويس معاك. اقعد كده واسمع الكلام بدل ما تدور عليهم تقوم تزورهم." جلس حمزة وهو لا يظهر على وجهه شيء. أكمل سيد وهو يربت على قدم حمزة: "كده جدع وتعجبني، استنى الوريث." أومأ حمزة برأسه. كاد والده يتحدث لكن صوت دوشة وتوقف الموسيقى بالخارج قاطعهم، فخرجوا ليروا ماذا يحدث، ليتفاجأ حمزة بمن بالخارج. "حياة! ***
تجلس بالسيارة مع ذلك الذي لا تعلم من أين خرج لها، لكن لا يهم، يكفي أنه ساعدها رغم عدم فهمه لما يحدث. وآه مما يحدث معها، لا تعلم ماذا تريد منها الدنيا، ألا يكفي ما حدث؟ لكنها المخطئة، تؤلمها هذه المرة ليس ذنب أحد بل ذنبها، هي من أرادت مواجهته. تذكرت ما حدث منذ ساعات. Flash Back "بتعيطي ليه؟ ردي عليا بقولك."
هتف بذلك هاشم لتلك التي تبكي أمامه بشكل استفز رجولته، فأراد أن يأخذها بأحضانه ويحميها من العالم أجمع، لكنه استغفر ربه لتلك الأفكار وأعاد سؤاله: "ما تردي عليا بقى." لكن لا رد، فقط تحاول إيقاف تاكسي ودموعها تسيل بلا توقف. استمر في سؤالها لكن لا رد، فغادر وتركها.
لم تنتبه حياة لمغادرته، كل ما تريده أن تواجه ذلك الغادر، وكأن تلك الرسالة أعطتها الشجاعة للمواجهة التي تهرب منها لتبدأ حياة جديدة، لكن يجب أن تنهي تلك الحياة. اعتادت المواجهة ولكن ما حدث كان فوق احتمالها، احتاجت استراحة محارب وتلك الرسالة أعادت لها روح المحارب، لكن رغم ذلك هي محرجة ودموعها التي تنهمر خير دليل على مدى حرجها. لكن لا يهم، فلتواجه الآن والزمن يداوي، فقط تجد ما يوصلها لهناك لكن أين؟
قاطع كل ذلك تلك السيارة التي اقتربت منها وظهر ذلك المعلم الضخم أمامها مرة أخرى وهو يقول لها بطريقة أمرية: "اركبي." استفزتها طريقته، وإن كانت في موقف آخر كانت ستريه كيف يتحدث معها ذلك الضخم هكذا، لكنها مع ذلك لم ترد حتى أعاد كلامه بصوت أعلى وأسلوب مخيف أرعبها، فركبت السيارة سريعًا وهي تسبه بصوت منخفض وصله: "همجي وجاهل." رد هاشم باستفزاز: "نسيتِ قلة الأدب! واحترمي نفسك." "سوق وأنت ساكت." اغتاظ منها وصاح بغضب:
"ويا ترى بقى يا ست الدكتورة عايزة تروحي فين؟ وكأنه بسؤاله أعاد فتح الجرح، فأعطته العنوان بشرود وعقلها سارح في ما حدث معها. هي تريد إجابة سؤال واحد من ذلك الغادر: لماذا فعل ذلك؟ فيمَ قصرت معه؟
أخذت تتذكر حياتها معه علها تجد سببًا يبرر ما فعل، لكن لم تجد. فمنذ زواجهما وإنجابها الصغيرتين، وآه من الصغيرتين، لم تكن تريد لهما تلك الحياة لكن ليس بيدها شيء. أعانها الله على تربيتهما، هما هدية الله لها. كم أرادت أن تربيهما كما تربت في بيت ملئ بالحب والمودة، كانت تحاول بناء منزل يدوم مهما مر عليه الزمن، لكن ليس كل ما يريده المرء يدركه. وعاود ذلك السؤال الذي يطاردها منذ ما
حدث معها يتردد في بالها: ماذا ينقصها عن تلك التي تركها لأجله؟ ماذا الذي يجعله يفعل ذلك لتهون عليه حياتهما وصغيراته؟ فاقت من تلك الدوامة على صوت هاشم وهو يخبرها بوصولهم، فشكرته ونزلت. احتار هاشم أيلحقها أم لا؟ "أف بقى! وأنت مالك يا بارد؟ ما هي لو عايزك معاها كانت قالت. هتدخل ليه في اللي مالكش فيه؟ وحدة وكانت بتعيط وعايزة توصيلة وساعدتها كأنها أي حد. مالك بقى في إيه؟
هتمشي يا هاشم وتتلم وترجع بيتك تشرب شايك وتتخمد. مالك أنت واضبط علشان أنت حالك مش مضبوط." حادث هاشم نفسه وهو يغادر المكان، لكن في مواجهة بين العقل والقلب دائمًا ما يفوز القلب ما لم يكسر.
عاد هاشم لنفس المكان الذي ترك به حياة، حيث لم يطاوعه قلبه على تركها. منظرها وهي سارحة وتبكي أوجع قلبه، مهما كابر، هي بها شيء يؤثر به، شيء لا يستطيع تحديد ماهيته، لكنه يشعر بشعور جميل لم يشعر به رغم زيجاته. قد تكون عيونها البريئة التي تشبه عيون صغارها التي تحثه على حمايتهن من الدنيا، أم الحنان الذي يشع منها فتلك الصغيرة تذكره بأمه رحمها الله في حنانها، أم عصبيتها التي تروقه تشبه القطة التي تحتاج ترويض. لكن كل ذلك لا يهم الآن، المهم أن يتبع ذلك الشعور الذي يخبره أنها تحتاجه بشدة الآن.
دخل هاشم وهو يبحث عن حياة في ذلك المكان الذي دخلت به، ليتفاجأ مما يحدث معها، فاقترب من مكان وقوفها وهو يستمع لحديثها الذي أوجعه. كيف تحملت تلك الصغيرة كل هذا؟ لكنه لم يرد التدخل إلا إذا احتاجته، وهذا ما حدث، فردد وهو يقف أمامها: "استعنا على الشقى بالله، ما كان زماني بأكل رز مع الملايكة، لكن طول عمري فقري، نقول إيه! ***
عادت زمردة للمنزل وهي مصدومة، لا تعرف كيف تتصرف بعد ما فعلته. ألا يكفيها ما فعلته في الصباح لتنهيه بما فعلته بعد أن رأته مرة أخرى؟ فهي ما أن رأت عيسى بمكتبه حتى نهرته لكونه يلاحقها حتى بالعمل أيضًا. لا تعلم أين كان عقلها وهي تخبره بذلك بكل جدية وغضب، وماذا يظن الآن عنها؟ ترى أيراها غبية؟
فهو أخبرها بكل برود أنه مديرها وأن ذلك مكتبه وأيضًا طريق عمله. كان يلمح وإن لم يكن يؤكد أنه لم يلاحقها في الصباح أو الآن. هي الغبية وأكدت ذلك بعد أن رمت الملف الذي عملت عليه طيلة اليوم بوجهه وتركته مصدوم من هروبها وكأنه فعل لها شيء. هي لم تفكر حتى وهي ترميه بالملف وتترك الجريدة بما فيها، وها هي تعود للمنزل مرة أخرى. ترى أتخبر والدتها عن استقالتها اليوم أم تنتظر يومين؟
حسنًا، هي تعلم تخبرها مع نهاية الشهر وكيف لم يمنحوها راتب وهي من عملت بجد ولم تكافأ على ذلك وطردوها. وهكذا ستواسيها أمها لشهرين أو ثلاث حتى تستعيد نفسيتها التي ظلمت وترتاح من العمل. لكن السؤال الأكبر والأهم: ماذا ستفعل باقي الأيام وأين ستذهب لمدة شهر؟ أخذت تفكر وهي تدخل للمنزل، لكن قاطع أفكارها صوت تقى التي تجري وراء فاطمة وخديجة على الأريكة تشجعهما: "تعالي يا بت هنا!
"مش هتمسكيني اممم." هتفت بذلك فاطمة وهي تهرب من تقى وتخرج لها لسانها لتغتاظ منها تقى ويكملن ركض وخديجة تشجع: "اجلي يا طمطم اجلي بسلعة." (اجري يا طمطم بسرعة) تعبت تقى من الجري وراء تلك القردة كما تدعوها، فجلست على الأريكة وهي تصيح بصوت منهك من التعب: "أنتِ يا زفتة تعالي هنا أخد نفسي وأمسكك يا زفتة." اعترضت خديجة على ذلك: "عيب يا تقى هقول لمامي."
نظرت لها تقى بغيظ ثم لأختها التي تتحرك أمامها وتستفزها، لكن خطرت لها فكرة فأمسكتها وأخذت تقبل خدها بمشاغبة والصغيرة تعتلي ضحكاتها: "هتقولي لمامي طيب تعالي بقى." ثم وقفت وهي تقول لفاطمة بتهديد: "هتيجي ولا أدي خديجة للوحش ياكلها؟ نظرت لها فاطمة بخوف على أختها: "وحش؟ "آه وحش، هتيجي بقى بالأدب ولا...
لم تكمل كلامها لتقترب منها فاطمة فهي تعرف كم تحب كل من هن الأخرى. ارتسمت على وجه تقى ابتسامة انتصار طفولية لكن لم تدم حيث أفلتت خديجة من يدها وهربت كلتاهما منها وأخذن معهن باقي كتبها وهن يصحن: "الحقينا يا تيتا، تقى هتضربني." "وتاكلني للوحش." خرجت على الصياح والدتها والسيدة زينب: "في إيه؟ إيه اللي حصل مالكم؟ اقتربت فاطمة منها وهي تهتف ببراءة كادت تقتل تقى: "تقى ضربتني وهترمي خديجة للوحش، مش صح يا ديجا؟
أومأت خديجة برأسها بشدة وهي تنظر لجدتها ببراءة هي الأخرى، لتصيح آمنة في تقى بغضب: "أنتِ يا زفتة مالك بولاد أختك؟ قدك دول وربنا لأحرمك من المصروف، وبعدين مش بتذاكري ليه ها؟ ردت تقى بتبرير: "يا ماما هما اللي غلطانين دول... "بذمتك دول غلطانين؟ قاطعتها آمنة وهي تشير إلى الصغيرات التي ينظرن بكل براءة ولطافة موجودة في العالم. لتجيب تقى بتبرم: "لا صراحة، بس برضه هما اللي غلطانين يا ماما دول رسموا في كتبي وبوظوها."
أجابتها آمنة ببرود وهي تأخذ الصغيرتين لتجلس وتطعمهما فهي تركتهما قليلًا لتجهز لهما الأكل: "وفيها إيه يعني؟ يعيشوا ويرسموا." وأكملت بحنان وهي تنظر لهما: "قلب تيتا بيحب الرسم، عايز يطلع رسام. كلي يا طمطم يلا القطر رايح على بق مين؟ هتفت فاطمة بحماس: "أنا! أكملت إطعامهما بينما تقى تكاد تموت غيظًا: "طب والله حرام بقى، ماليش دعوة عايزة كتب جديدة." أجابت آمنة ببرود: "حد قال لك تسيبي كتبك مرمية؟ "يا ماما!
"بلا ماما بلا بتاع، يلا على جوه روحي ذاكري بطلي دلع." كادت تقى تدخل بحزن لكن صوت أمها أوقفها وهي تقول: "ابقي خدي هاتي مكانهم." ثم أكملت وهي ترفع أصبعًا بتهديد: "بس لو حصل حاجة تانية ماليش دعوة." اقتربت منها تقى وهي تقبلها بحب وتقول بمشاغبة: "ربنا يخليكِ لينا يا ست الكل، ترى أنتِ أم الأم، أنتِ التوب، أنتِ عظيمة والله. الحاج محمد ده أمه داعياله إنه اتجوزك." ضحكت آمنة عليها لتأمرها بحزم:
"يلا ادخلي ذاكري، عملت لك أكل جوه." غادرت تقى بينما تتابع زمردة ذلك وهي تبتسم على حنان أمهم، فهي نعم الأم. سألت زمردة أمها عن حياة فأخبرتها أنها عادت منذ فترة وتستريح بغرفتها وطلبت منها عدم إزعاجها، لكن زمردة كأنها أخبرتها: ادخلي وأزعجي حياة، فدخلت الغرفة وتركت أمها تهتف للصغيرات بتأنيب: "ينفع اللي حصل ده؟ مش كده غلط." لم تعترض الصغيرات فهن يعلمن ذلك، لتقول خديجة وفاطمة بخجل في صوت واحد: "إحنا آسفين."
"بس مش أنا اللي المفروض تعتذري له، هتعتذروا لمين؟ "لتقى." وكادتا تقومان ليعتذرن من تقى لكن آمنة منعتهما وهي تقول بحب: "خلصوا أكل الأول ما صدقت إنكم بتاكلوا يلا هم." لكن صوت زمردة التي خرجت وهي تسألها: "هي حياة فين يا ماما؟ مش جوه." ردت باستغراب: "مش جوه؟ أمال راحت فين؟ شوفيها يمكن عند تقى." كادت تبحث عنها لكن رنين الجرس أوقفها لتتجه لفتحه، لكن تفاجأت بمن على الباب: "أنتو؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!