كان هاشم سارحًا فيما يفعل مع حياة، فهي لا تطيقه وتعامله كأنه مجرم وقد يؤذيها هي والصغيرات، فتحبس نفسها بتلك الغرفة التي من المفترض غرفتهم، لكنها احتلتها ولا تسمح له برؤيتهم. كان يراها أكثر من الآن قبل زواجهم، فهو اعتاد في الفترة الماضية أن يراقبها كالمراهق أثناء ذهابها لتلك العيادة التي باتت مشهورة في الحارة، فهي تساعد الجميع لذلك استطاعت أخذ قلوب كل من بالحارة.
لكن الآن لم يعد يراها. كم اشتاق لرؤيتها ولرؤية الصغيرتين اللتين لا يعلم كيف دخلن إلى قلبه، هو بطبعه وطبيعة تربيته تربى على الشدة والقسوة، لكن لا يعلم لماذا لا يحتمل أن يقسو عليهن أو على أمهن. بمجرد أن ينظرن له يحركَن شيئًا بداخله لم يعرف أنه موجود، يستفزن أبوته تجاههن، يشعر أنه يريد أن يخبئهن عن العالم أجمع. وهذا شعور غريب على شخص مثله، لن يصدقه أحد إن أخبره أنه منذ اللحظة الأولى التي رأى بها حياة وبناتها وشعر بشعور غريب غير المسؤولية، شعر وكأنهم قطعة من قلبه، لن يصدقه أحد كيف وهو لا يصدق نفسه، ولكن هذه الحقيقة.
قد يكون هذا هو سبب تحمله لأفعال حياة الصبيانية، من سكب الماء في مكان نومه، لتقطيع ملابسه، لتخريب حمامه. نعم، فهي سببت مشكلة في مواسير السباكة التي لا يعلم كيف فعلتها حتى الآن. طبعًا غير رفضها الخروج للأكل معه وطلبها أكلات معينة يأتي بها طبعًا من المطاعم التي لم يعتد الأكل منها، لكن لتأكل هي والصغيرات فلا ينقصه أن تعاند في الأكل وغيرها من المصائب، لكن صبرًا فهو لن يكون هاشم إن لم يأخذ حقه. ليهتف بتوعد:
"استني عليَّ يا حياة بس، وربنا لأطلع عليكي كل ده، ما بقاش المعلم هاشم لو ما خليتكيش تعملي ورق عنب وكوارع وتاكليني بإيدك." ليقاطع أفكاره قدوم الدكتور محمد صديقه الذي جلس بجانبه وهو يهتف بحسد: "طبعًا قاعد سرحان، يا بختك يا عم اتجوزت، الله يسهلك عندك اللي يحضّر لك لقمتك ويغَيّر لك فرشتك ويكويلك هدومك، مش زي... ليضع هاشم رجلًا على رجل ويتكلم بغرور: "طبعًا يا ابني، أنت هتشبهني بيك يا مرفوض؟
بس أقولك إيه يا صاحبي، ربنا يهنيك هنايا ويرزقك يا محمد أنت وشبشيبك باللي تهنيك زي كده وتظبطلك هدومك وفرشتك وأكلك زي كده بالضبط." ليهتف محمد بحماس: "آمين يا رب، ادعي يا هاشم، ادعي بضمير، أنت شكلك مبروك ودعوتك بتستجاب." "بدعيلك يا حبيبي من قلبي والله، ده أنت الغالي يا محمد، المهم جاي ليه بقى ما قلتليش؟ "كويس إنك فكرتني، بقولك عايز مراتك." ليقاطعه هاشم بهدوء يسبق العاصفة:
"بقولك يا محمد، رأيك أطولهم أكتر من كده ولا هما طوال كده؟ " قال ذلك وهو يشير لرأسه. ليسأله محمد بعدم فهم: "تطول إيه؟ ليجيب هاشم يلكمه بوجهه: "القرون يا خفيف، قال عايز مراتك! ليجيب محمد وهو يرد اللكمة: "ما أنت لو تسمع يا غشيم كنت فهمت أنا عايز أقول إيه! ليضربه هذه المرة هاشم بقوة أكبر: "أنت عبيط يلا ولا إيه؟ عايزني أسمعك بتقولي عايز مراتك وأسكت؟ أنت شايفني مركب قرون بفيونكة ولا إيه؟
ليرد محمد الضربة ويستمر الصراع بينهم ولم يتدخل أحد، فذلك ليس جديد أن يتصارع محمد وهاشم، فرغم أن محمد دكتور لكنه دكتور برتبة بلطجي، وطبعًا هاشم كما نعرف همجي يده تسبق عقله في تلك المواقف. لتنتهي تلك المهزلة بقول محمد بعد أن تعب من محاولة إفهام ذلك الطور: "يا بنادم، اسمع للنهاية، عايزها تساعدني أعرف سهيلة مش موافقة عليَّ ليه؟ لكن هاشم لم ينتبه لكلامه إلا بعد أن أعطاه لكمة أخرى وقع على إثرها محمد:
"شوف بيقولك عايزها، أنت مش بت... إيه تساعدك؟ ليعاونه بعد ذلك هاشم على الوقوف: "الله، مش تقول كده يا ابني من بدري! لينهض محمد ويجلس معه وهو يقول بتبرم: "لا والواد بيسمع، هو أنت خليتني أكمل الكلمتين اللي جاي أقولهم؟ ما أنت دخلت فيَّ زي الـ... " ليقطع كلامه عند رؤية نظرة هاشم له. "زي إيه؟ ما تكمل." "ولا حاجة، المهم دلوقتي هتقول لحياة تساعدني؟ "إيه حياة دي؟ اسمها الدكتورة حياة، وليك تقول الجماعة." محمد بمسايسة:
"حقك عليَّ، ممكن بقى تخلي الجماعة يساعدوني؟ هاشم بغرور: "خلاص هقولها تساعدك بدل ما تفضل مرفوض كده وتدوشنا." ليجيب محمد بابتسامة مصطنعة: "حبيبي يا هاشم والله." ليكمل بهمس لم يصل لهاشم: "لما يكون ليك حاجة عند الكلب قوله يا سيدي."
استيقظ حمزة ليتفاجأ بالتي تبكي بجانبه وتضم رأسها بين ساقيها وتبكي بصمت في نحيب يقطع له القلب، لكن حمزة لم يهتم بكل ذلك لصدمته لما فعل، لا يعلم كيف فعل ذلك، كيف له أن يخون حياته، وآه من حياته، الآن لم تعد حياته، هي زوجة شخص آخر، فقد عرف أمس أنها تزوجت، ليته ما عرف. كان يظن أنه يستطيع أن يتحكم فيما يحدث، ولكن القدر كان يخبئ له شيئًا آخر، لم يظن يومًا أنه قد يحدث فيتبع شيطانه ونفسه الثائرة ويرتكب أحد الكبائر لأول مرة،
حيث تناول الخمر أمس، فهو شعر أنه مظلوم كأن الدنيا لا تجد إلا هو لتدوس عليه. كم من مصيبة أتت له وهو لا يعلم كيف يواجهها، هو يحمل على كتفه حمل جبال، لكن لا أحد يشعر به، لتأتي تلك المصيبة، آه منها هذه الدنيا كأن ليس بها إلا حمزة ليضغط عليه، وها هي نتيجة فعلته تنتهي بما يحدث الآن، مصيبة بكل المقاييس، ليته اتجه لصلاته علها تخفف ألم قلبه، لكنه غبي ماذا فعل ذلك؟
ليته ما شرب، وها هي نتيجة فعلته تنتهي بمصيبة أكبر، ماذا يفعل الآن؟ ليلتفت لتلك التي تبكي بجانبه، لكن ما إن كاد يقترب منها حتى انكمشت على نفسها وعلا صوت بكائها، لينهض حمزة من مكانه بألم، تاركًا تلك التي تبكي بانكسار لا تعلم لما الحياة قاسية عليها، تريد أن تصرخ بشدة، تصرخ وتصرخ حتى تخبرها تلك الحياة لماذا يحدث معها ذلك، كل ما أرادته حنان...
حنان لم تجده في ذلك الأب الغائب، يقولون إن اليتم صعب ولكنهم لا يعلمون أن يتيم الحي أصعب، يكفي أنك تعلم أنه تركك لكنه أحبك، لكن ما بالك بالذي يعيش ووالده وهو لا يعلم معنى شعور الأب، لم يجرب أبدًا حنان والده، لم تجرب أصلًا أن يكون لها أب.
قد يظن البعض أنه كلام يقال بالكتب بأن المال لا يشتري كل شيء ويظنون أن المال يشتري كل ما بالحياة، لكن ها هي تعيش حياة تعيسة تملك المال ولكن لا يوجد حنان يكفيها، لا تعلم معنى السند، معنى العائلة، هل المال يشتري ضمة من والدها؟ الحنان لا يشتري، هي لا تريد حياة مرفهة، هي تريد أب. عاشت عمرها وهي تظن أنها قد تحصل يومًا على حنان والدها، لكنه لم يلتفت لها أصلًا. إن لم يكن قادرًا أن يكون أب فلماذا أنجبها؟
هي لا تساوي بالنسبة له أكثر من جزء من الأساس الموجود بالمنزل.
لا تتذكر أن والدها تكلم معها في مرة غير تلك حين أخبرها بخطبتها من حمزة، لا تنكر أنها فرحت لذلك، فهي تسمع أن الزوج قد يعوض فقدان الأب، فتمنت أن تتحقق تلك الأمنية، لكن ليس كل ما يطلبه المرء يدركه. هي تعلم أن حمزة لا يحبها، هي أدركت ذلك من فترة الخطوبة، لم يكن يهتم بها كما تمنت أو كما تسمعهم يقولون كيف تلك فترة الخطوبة، لكن هي شعرت منه بحنان رغم لا مبالاته تجاهها... حنان...
لم تجده في والدها فظنت أن الحياة ستعطيها وأخيرًا الحنان والسند حتى وإن كان قليل لكن يكفي أن تشعر أنه موجود لكن... ها هي تذرف الدموع، وآه منها الحياة. لم تجد سندًا ولا حنانًا من والدها، ولم تجده في زوجها، وكيف تسميه زوجًا؟
هو أصلًا لم يعتبرها زوجته، وهذا ما أدركته يوم زفافها الذي كان من المفترض أن يكون أجمل يوم بحياتها، لكنه تحول لأسوأ يوم يمكن أن تعيشه فتاة. هي لم تكن تعلم أن حمزة متزوج، لا بل مطلق، والأسوأ أنه يحب زوجته. هي لم تكن تعلم كل ذلك. هي لم تظن أن والدها سيزوجها لمثل هذا الشخص، أما يكفيه ما يفعل بها؟ لكن ماذا تنتظر منه ولم يعتبرها يومًا ابنته؟ أيجدها والدها لا تستحق الحياة؟ لا تستحق أن تكون مثل باقي الفتيات تحب وتكون عائلة؟
تذكرت ما حدث بعد يوم زفافهم، أو بالأصح بعد أن استفاقت من إغمائها، حيث وجدت أمامها والدها والذي أخبرها بكل تجبر وكأنها لا تعني له شيئًا. "بقيتي مراته وهو طلقها، عايزة إيه تاني؟ أنا مش عايز شغلي يتأثر بدلعك ده." ليكمل بقسوة: "هتفوقي كده تروحي على بيتك زي الشاطرة وتسمعي كلام جوزك."
كانت تريد أن تعترض ولكن يبدو أن الضعف والخذلان الذي تعيشه منذ الصغر تغلب عليها فلم تستطع أن ترد عليه بكلمة. لتنتهي تلك المناقشة فأخذها حمزة إلى منزله الجديد، أو سجنها الجديد. لن تخرج من هنا، أخبرها حمزة بوضوح منذ أول لحظة لهم بالمنزل. فما كان يكفيها خذلان والديها ليأتي خذلان حمزة فيقسم ظهرها، حيث أخبرها بشدة وقسوة: "مش أنتِ عايزة تتجوزيني؟
أهي، اتجوزتيني. يبقى هتعيشي هنا زيك زي أي حاجة في البيت ده مالهاش لازمة. ولا لك دعوة طلعت ولا رحت ولا رجعت إمتى. أي حاجة هتحصل هنا لو عرفت إنها طلعت بره، ما تزعليش من اللي هيحصل لك." ليكمل باستحقار: "يعني مش تروحي تشكي لأبويا زي كل مرة إني مش موجود أو إني مش سائل فيكِ مثلًا." ليكمل بصوت مرعب أرعبها: "وقتها ما تزعليش من اللي هعمله فيكِ. أنتِ عايزة تتجوزيني؟ أهلًا بكِ يا حلوة في بيتي أو في جحيمي."
ليسحبها من يديها ويدخل لإحدى الغرف وهو يقول بقسوة أشد: "الأوضة دي ما أشوفكيش طالعة. تفضلي هنا طول ما أنا موجود في البيت." ليغادر بعد ذلك للمنزل، وهي لا تعرف أين ذهب، بينما تقضي هي ليلتها في بكاء يوجع له القلب. ماذا تفعل؟ أتحزن على زوج ظنته سندًا أم تبكي من خذلان والدها؟ لتنتهي تلك الليلة والتي لا تظن أنها قد تنساها ما حيت، وتتوالى الأيام ويمر ثلاثة أشهر على زفافهم، تعلمت فيه الكثير وذاقت فيهم الويل من إهانات وقسوة.
فزوجها أو ذلك القاسي أمرها بتنظيف المنزل وإعداد الطعام، رغم أنها لم تفعل ذلك بحياتها، فهي كانت تعيش مع الخدم. حسنًا، هي كانت تتمنى أن تفعل ذلك، ولكن لتلك العائلة الصغيرة التي كانت تتمنى أن تكونها، لكن ليس بتلك المهانه والذل الذي تعانيه مع حمزة الذي يعاملها وكأنه ينتقم من شيء حدث معه بسببها، غافلًا أنها بريئة سيحاسب عليها. لكن معه حق أن يعاملها هكذا، وكيف يحترمها ووالدها لم يسأل بها منذ زفافها؟
عذرًا، هو لم يسأل عنها منذ ولادتها. لتأتي تلك الليلة المشؤومة بعد أن أعدت الطعام الذي تعلمت إعداده ووضعته كما اعتادت لحمزة حتى يتناوله بمجرد عودته. لتتفاجأ بحمزة يدخل غرفتها ويبدو عليه السكر، والذي استغربته، فهي لاحظت انتظامه في الصلاة، والذي ساعدها أيضًا أن تنتظم، بل أن تدرك أنها يجب أن تصلي، فهي لم تجد من يعلمها. تلك النقطة كانت تشفع له قسوته معها.
ليقترب حمزة منها بغضب لم تعرف سببه وينهال عليها بالضرب، والذي لأول مرة تتعرض له. وما كادت تحتمي منه حتى أمسكها ورماها على السرير وهو يقول بغضب: "كله منك أنتِ وأبوكِ وأبويا. حرام عليكم أنا إنسان. ليه كل حاجة حلوة بحبها بخسرها؟ بس خلاص وقت الانتقام جه." وبمجرد انتهائه من الكلام حتى علا صوت صراخ هايدي من قسوة ما قد تتعرض له فتاة. لتنتهي تلك الليلة بخسارة هايدي لروحها.
قامت هايدي من مكانها لتتجه للحمام وتفتح المياه وتظل أسفلها بلا حركة لمدة لا تعلم كم هي، لكنها لم تهتم. لتغادر الحمام والماء لا يزال يغرقها، لكنها لم تدرك ذلك. كانت تشبه المومياء التي تتحرك بلا عقل بلا روح لتقع عينيها على شيء...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!