"يا رب أنت العالم بسبب إني اخترت وقتها الصالح، واللي شفته علشان مصلحتها. أنا ما كنتش أناني، وقدمت مصلحتها على قلبي. ليه مطلعاني غلطان يا رب؟ أصلح حالي واجعلها حالي وسكني، ورجعها تنور حياتي."
قال ذلك يحيى الذي يدعو ربه أثناء صلاته في مكتبه، بعد أن طُرد كالعادة من منزله، لكن تلك المرة لم يكن بسبب والده بل بسبب نور. وآه من نور، تلك الصغيرة التي تربت على يده باتت اليوم تقف أمامه تناطحه كلمة بكلمة. باتت تعتبره غريبًا. هو غريب، كم يريد إحراجها وإخبارها أنه من كان يغير لها الحفاضة، ولكن لا يريد أن تسوء الأمور أكثر وتزداد عنادًا. لكن صبرًا، كل بأوانه. وما يكاد يجلطه هو تصرفات والده، يتصرف وكأنه لم يكن معه عندما اختار البعد. ألم ير مقدار الألم الذي عانى منه ليتصرف الآن كأنه حماها وليس والده؟
لا بل يظن أن كان عمه موجودًا كان سيعامل أفضل من والده. فنعم نور هي ابنة عمه المرحوم، تلك الصغيرة التي خطفت قلبه يوم ولادتها وقدومها لحياته، فرآها كالنور الذي ينير حياته، فصمم أن تسمى نور ودعمه عمه في ذلك. فكانت قصتهم كأغلب القصص التقليدية، حيث يقع ابن العم بحب ابنة عمه، لكن الفرق أنه وقع بحبها مبكرًا بمجرد رؤيتها. وقتها كان بعمر لم يتعد السادسة، لم يكن يعرف معنى الحب، كل ما كان يعرفه أنها تنير قلبه فاهتم بها. كانت لا
تنام بدونه، تبكي بغيابه، تعلق قلبه بقلبها. فكانوا ينادونها نور يحيى، وهي لم تخيب ظنه فكان اسمه أول ما نطقت قبل أبيها وأمها. لتمر السنوات ويكبرا حتى وصل سن الثالثة عشر، وقتها كان عمرها سبعة أعوام، حدث ما غير حياتهم فجعله بنتها وصغيرتها قبل أن تكون حبيبته الصغيرة، رغم أنه لم يكن يفهم معنى مشاعره وقتها ولا هي أيضًا.
وقتها توفي عمه الحبيب، ذلك الرجل الطيب، كان ونعم الوالد ونعم العم والصديق، وذلك إثر حادث سيارة. يتذكر وصيته إلى الآن وكأنها تحدث أمامه الآن. حيث يمسك عمه بيد ذلك الصبي الذي بعمر الثالثة عشر، ولا زال يحبو في طريقه نحو المسؤولية، الذي طلب لقاءه مخصوص ورفض حضور أحد غيره هو وأبيه.
"يحيى، أنا عارف إنك لسه صغير بس بنتي أمانة في رقبتك يا يحيى. كان نفسي أشوفها وهي محامية زي ما بتحلم وواقفة في المحكمة وتكون أشطر محامية في البلد، المحامية نور سعد الدين. بس أنت هتعمل كده صح؟ اوعدني يا يحيى." يؤمي يحيى برأسه ويهتف ببكاء: "أيوه." ليكمل سعد بصعوبة: "كان نفسي... أسلمهالك يوم... فرحكم... وأشوفها... في الأبيض بس... أنا راضي الحمد لله... وأبوك هيبقى... مكاني...
ثم التفت نحو أخيه محمد الذي يحاول التماسك، لكن انحناء ظهره يفضح ذلك التماسك، فماذا بعد فقد الأخ؟ "أنا عارف... إنك مش... هتسيب... بنتي... يا محمد... وهتربيها... زي ولادك... ويمكن أحسن... أوعى... في يوم تخليها... تحس... بغيابي... بنتي... أمانة... في رقبتك... يا محمد... هسألك عليها... يوم القيامة." ليقاطعه محمد بتماسك وعينه تبدو كحمم البركان في احمرارها: "أنت بتقول إيه يا سعد؟
هتقوم وهتربيها وهتعلمها وتشوفها أشطر محامية أحسن منك كمان، وبعدين أنت اللي هتجوزها أنا بقولك أهو وهتفرح بولادها متقولش كده تاني." ليردد سعد وكأنه لا يسمع ما يقوله محمد: "بنتي... أمانة... في رقبتكم... أنتم الاثنين... شهادتها... يا يحيى اشهد... أن... لا إله... إلا الله... وأن... محمد... رسول... الله."
لتنتهي بذلك حياة سعد وتصعد روحه إلى خالقها، بينما محمد يهتف بصدمة وعينه مختنقة من الدموع، لتفر دمعة من ذلك الاختناق تفضح خسارته وانكساره. محمد بانفعال وعصبية: "سعد قوم يا سعد بلاش هزارك دا. سعد قوم بقولك." ليكمل بوجع: "قوم يا سعد دا أنت اللي باقلي يا أخويا، أنت اللي باقلي يا أخويا. كده كل الحبايب راحوا، كل الحبايب راحوا. قوم يا أخويا، قوم يرضيك أخوك ضهره يتكسر." ليكمل بترجٍ:
"قوم وأنا هنزل بدري الشغل ومش هتأخر تاني. قوم يا أخويا هتخانق مع مين أنا دلوقتي؟ ليطلق بعدها صرخة وجع: "آه آه كسرت ضهري عليك يا أخويا، وضهري وسندي. يا رب قويني يا رب صبرني على كسرتي." بينما يحيى يبكي على الجانب لفقدانه أبيه الثاني، ويبكي لكسرة والده المعروف ببروده وقوته، لكن هل بعد الأخ سند يا سادة؟
ليعود هو ووالده لكن معهم جثمان عمه، لتقع زوجة عمه مريضة الفراش، لذلك أما نوره فهي لم تفهم ما يحدث، لا تفهم معنى الموت، فقط تبكي عن والدها.
لتمر الأيام وتسكن زوجة عمه التي رفضت الزواج وعاشت لتربي نور، فسكنت تحتهم بعد إقناع من والده بترك منزلهم ليكونوا أمام عينه. فأصبحت نوره أمام عينه في كل وقت، فكانا لا يفترقان، كان يقوم بدور الأب والأخ والحبيب رغم أن والده لم يقصر، لكن ذلك منع بمجرد أن تحجبت صغيرته وبات مسكنهم قلعة الفتيات التي حرم من دخولها بأمر من والده احترامًا لخصوصيتهم. لكن ما هون ذلك القرار وخفف شوقه دخوله كلية الشرطة ليبتعد عن نوره التي كانت لا تفارقه، ليعد الأيام والليالي حتى تكون له وتكتب باسمه. وبعد إلحاح منه ومنها وافق والده أن يكتب كتابهم بعد نتيجتها في الثانوية، ويكون الفرح بعد تخرجها لتحقيق حلم والدها الذي كان حلم يحيى أيضًا.
إن سُئلت يحيى: ما أجمل يوم بحياتك؟ سيخبرك يوم ولادة نوره ويوم كتبت باسمه. يومها شعر كأنه يطير من فوق الأرض، سعادتهم يومها كانت لا تقدر بثمن. ليته يعود ذلك اليوم، لكن ذلك قانون الحياة، لا توجد سعادة دائمة. واهٍ من ظن أن الحياة لها لون واحد، فهو لم ير لونها الآخر. ليتخذ أكبر قرار بحياتهم الذي اعترض عليه الجميع، لكنه لم يندم عليه ما حيا، لتتدمر سعادتهم وتخرب لمتهم، لكنه سيعيد سعادتهم سيعيد نوره له.
فاق من أفكاره على رنين هاتفه، ليرد على جاسوسه الصغيرة الملقبة بأخته والتي أقنعها بمساعدته بعد أن رفض الجميع ذلك. "أيوه يا يحيى، مرات عمي ونور خلاص هينقلوا حاجتهم لشقتهم تحت." ليسأل بفرحة: "يعني بجد وافقوا إنهم يرجعوا شقتهم تاني وما يقعدوش في البيت التاني؟ لترد تقى بملل: "أيوه يا عم، أمال أنا بقول إيه؟
بابا أقنعهم أصلاً، مش عارفة قالهم إيه بس تقريبًا قالهم إنه اتبرأ منك وإنه طردك ومش هنشوفك تاني. وهو أنت فعلًا مش هترجع تاني يعني كده ينفع آخد أوضتك عادي صح؟ "اتلمي يا بت، أوضة مين اللي تاخديها؟ "لا بقولك إيه، كلمني باحترام بدل ما أحلف ما أساعدكش وبعدين تزعل وتدوشنا." "لا وعلى إيه؟ حقك عليا يا تقى هانم، أوضتي تحت أمرك." "أيوه كده اتعدل. بقولك يا أخ يحيى، اللاب بتاع زمردة بيعلّق، ينفع آخد بتاعك علشان أذاكر؟
"مش دا اللي مانع حد ياخده أو يفكر يلمسه؟ "آه هو." لتكمل باصطناع التذكر: "هو أنا ما قلتلكش مش نور قالت؟ ليسأل يحيى بلهفة: "مالها نور؟ لكن تقى لم ترد، ليفهم يحيى ما تريد. "اللاب تحت أمرك يا حبيبتي، خديه طبعًا." "والتاب كمان؟ "والتاب يا قلبي، أنتِ تؤمري. هو أنا عندي كام تقى؟ ها بقى نور قالت إيه؟ "قالت إنها مش عايزة تشوف وشك تاني علشان بيكتم على النفس، وصراحة عندها حق." لتغلق بعدها المكالمة ولم تعطه فرصة للرد.
ليغتاظ يحيى ويهتف بغيظ: "ماشي يا تقى الكلب هوريكي. ماشي وأنتِ يا نور هعرفك إزاي بكتم النفس إن ما كتمت نفسك أنتِ والاستغلالية التانية ما كونش يحيى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!