تسير الرواق تدعي ألا ينتهي، حبست أنفاسها لتطرق الباب بخفة لا مفر إن كان تذكرها ستتحمل النتائج. يجلس على مكتبه يناظرها بصمت، أشار لها لتجلس أمامه. هي غامضة بالنسبة له وذلك ما يبغضه! -أنتِ مين؟ وإيه علاقتك بجاك؟ رطبت شفتاها شاعرة بقليل من الراحة، على الأقل هو لم يتذكرها، كادت أن تتحدث لكنه قاطعها مسترسلًا: -على حد علمي أن روبين مش بيندمج مع حد؟ تحمحمت بخفة في محاولة لإيجاد جواب مناسب:
-أنا وجاك اتكتبنا لبعض من سنين، ولما كبرنا تمت خطوبتنا. أما بالنسبة لروبين فأنا قضيت معاه سنوات طوال كخادمة في القصر تخليه يتعود عليا. كانت عيناه تجوب في محياها وكأنه يقيس مدى صدقها! -تمام، عايز جدول بكل مواعيد روبين. همهمت له بخفة وهي تنهض، كادت أن تتحدث لكن قاطعها صوت غاضب: -يعني إيه ده؟! تدخل والده بهمجية وهو يلقي إحدى صحف الجرائد أمامه، لم يهتز بل ظل كما هو يقرأ المكتوب بثبات. رفع عيونه لوالده لينبس ببرود:
-في إيه؟ بيعلنوا عن هوية ابن الوزير اللي بقى من أهم رجال الأعمال. ابتسم بسخرية وتابع: -ابنك بقى من أشهر رجال الأعمال. صاح والده بغضب وهو يركل المقعد: -ما تعصبنيش أكتر، إزاي أصلاً أنت بقالك كام سنة بره وجبت فلوس منين؟ نهض من مقعده ليقترب من والده بخطوات ثابتة، انحنى قليلًا ليواكب طوله قائلًا قرب أذنه: -اشتغلت شغلك القديم يا حضرة الوزير، فاكره؟ أنا هنا بقالي أكتر من شهرين. ابتعد عنه ليردف بسخرية:
-إيه يا حضرة الوزير مش عارف تشوف شغلك؟! صوت صفعة قوية دوت بأنحاء المكتب، كان والده! دار وجهه للجهة الأخرى لشدتها، لكنه ظل ثابتًا لم يترنح بدنه مثل الماضي. التقطت عيناه والدته تقف بعيدًا كعادتها تتابعه بعيون حزينة، وشقيقه يشاهد بشماتة، أعادت الطفولة مجددًا! لم يتغرب لأربعة عشر عامًا حتى يعود للماضي مرة أخرى؟! كور قبضته وهو يرمقه بضيق، حاول تمالك أعصابه ليحادثه بنبرة مهددة:
-أنا ما بقتش ابنك الصغير تضرب فيَّ زي زمان، أنا معايا الجنسية الألمانية يعني ممكن أتكلم معاك بالقانون، وغير كده أنا بقيت من أهم الشخصيات في البلد يعني تخلي بالك وأنت بتتكلم معايا. أنهى حديثه وهو ينصرف للخارج دون اهتمام بأحد. كل ذلك حدث أمامها لتتذكر حينما ضربه جده ومنع عنه الطعام حينها كان صغيرًا وهزيلًا أما الآن أصبح رجلًا يرسل الرهبة لمن يقف أمامه! اقتربت من سيدة "جوليا" بسرعة بعدما رأتها تبكي، ربتت على ظهرها بخفة:
-زمانه بيكرهني، ما عرفتش أقف معاه لا زمان ولا دلوقتي. حاولت التخفيف عنها ببعض الكلمات: -هو عارف أن ما فيش حاجة في إيديك. نفت لها بقوة: -أنا عارفة عصبيته وحشة، اطلعي له خليكي معاها عشان ما يعملش حاجة وكمان عشان جرحه ده بوقه كان بينزل دم... هو مش هيرضى أبقى معاه. _بعد إلحاح من "جوليا" وترددها، صعدت للطابق الثاني، تقف أمام غرفة تمسك أدوات طبية. يدها ترتجف تشعر وكأنها غير قادرة على طرق الباب!
جمعت شتات نفسها للحظات لتحسم أمرها بطرق الباب عليه. فتحته بخفة بعدما استمعت لإذن الدخول، الزجاج متناثر بالأرجاء، لا يوجد شيء بمكانه! وكأن عاصفة قد داهمت الغرفة. يجلس على الأريكة يناظر الأرض بشرود، خصلاته مبعثرة تحجب محياه عنها وكفه ينزف الدماء. -مش عايز حد ينضف الأوضة دلوقتي. فركت كفوفها بتوتر: -أنا ما جيتش أنضف. رفع عيناه لها بعدما استمع لصوتها، رمقها بتلك النظرة الغامضة: -جيتي ليه؟ أبعدت عيناها عنه لتجيب:
-جوليا هانم قلقت عليك، طلبت مني أشوفك وأساعدك. همهم لها بعدما رأى علبة الإسعافات بين يديها، اعتدل في جلسته ليتيح الفرصة لها للجلوس جواره مقررًا العبث معها قليلًا فتلك هواية. أشار لها بعيناه: -اعملي شغلك يلا. زامت بشفتاها بضيق من أسلوبه الفظ لتجيب بتوضيح: -ده مش شغلي، أنا عشان بحترم جوليا هانم فسمعت كلامها. ابتسم بجانبية: -ولا عشان تنتهزي الفرصة؟ أبصرته بنفور بعدما فهمت ما يرمي إليه، يقصد أنها تتحجج للقرب منه!
رفعت خاتمها أمامه: -أنا مخطوبة لو مش فاكر. لم يجبها بل أراح رأسه للخلف بصمت، اتخذتها إشارة للاقتراب، جلست جواره باستحياء. رفعت كفها تعيد خصلاتها للخلف، وضعت وسادة على قدمها لتسمك كفه من طرف قميصه دون إحداث أي تلامس بينهم. قطب حاجبها بضيق أ تتجنب لمسه؟! أيحمل مرض معدي؟! تابعها بصمت وهي تضمم جرحه، يدها ترتجف تقضم شفتاها بين الثانية والأخرى، يبدو أن قربه ليس مريحًا بالنسبة لها! تحمحم بخفة ليسألها عما يدور بداخل رأسه:
-إزاي عمتي سابت جاك يخطبك؟ هي بتهتم للمكانة في المجتمع، وليه اتكتبتوا لبعض أصلاً؟ رفعت عيناها له لتجيب، لكنها صدمت لمدى قربه، عيناه السوداء بدت متعبة، خصلاته مبعثرة ذكرتها بمراهقته! اهتزت عدستيها بعدما رأت ندبة وجنته اليمنى، قد مرت عليها السنوات لتدفنها بين الماضي تاركة أثر فقد للذكريات. لم تعد بارزة كالسابق لكنها ظاهرة، هي تتذكرها كانت بسببها. ذلك اليوم حينما تشاجر بسببها!
وهنا قد اغرورقت عيناها بالدموع دون إدراك، ظنت أنها نسته لكن ما أن رأته حتى داهمها الماضي، شعور بالذنب يخنقها. أجابته بثقل: _دي أمور خاصة... أنهت حديثها لتلف الشاش حول كفه. مدت قطنة بها مطهر: _لجرح شفايفك... لم تعطه فرصة الجواب فقد نهضت. _ضمت بدنها أسفل الغطاء لتبكي بصمت كعادتها، هي اشتاقت له. اشتاقت لصديق طفولتها. استيقظت ثاني يوم على صوت ضوضاء بالقصر على غير العادة.
ارتدت ثوب زهري به ورد بيضاء كاشف قليلاً من الأعلى وفوقه سترة صوفية رمادية اللون، تركت خصلاتها كعادتها. سألت إحدى الخادمات بفضول: _إيه اللي بيحصل هنا؟ أجابتها بسرعة: _جوليا هانم هتختار عروسة للجنرال. قطبت حاجباها بتعجب: _ومين الجنرال؟! _السيد أيدين، ده لقبه الجديد في عالم الأعمال. كل تلك التجمعات من الحسنوات لأجله هو! شعور من الضيق قد داهمها لا تعلم سببه حتى! مشاعرها مشفرة حتى بالنسبة لها.
لكن ما تعلمه هو أنها لا تريده أن يعلم هويتها أو يتذكرها. صعدت لغرفة "روبين" عليه الاستعداد للمدرسة. _صباح الخير يا حبيبي. ارتجفت بسمتها بعدما رأته يجلس على الأريكة وهو يرى الصغير يتصارع مع قميصه حتى يرتديه. ماذا يفعل هنا؟! تجاهلته لتدخل ببطء لتقترب من "روبين" تسأله بلطف: _ممكن أساعدك؟ أبصرها لثواني ليهز رأسه بالموافقة بعدها مما جعل عمه يرفع حاجبه بضيق فهو عرض عليه المساعدة منذ لحظات ورفض بحزم!
ابتسمت له برقة وهي تعدل ملابسه وبعدها خصلاته بحنان، كان يتابعها بهدوء. أمسكت حقيبة لتقول بلطف: _يلا بينا عشان منتأخرش؟ همهم لها روبين ليمسك يدها كالعادة. _على فين؟ أوقفهم صوته. أجابته دون الالتفات: _للمدرسة بعد كده جامعتي. استقام ليتخطاهم: _تمام يلا. ماذا يعني أسيذهب معهم؟! فتح باب السيارة بعدما توجه للأسفل، هي وروبين يذهبون للمدرسة سيرًا دون معرفة أحد، هكذا سيفسد نظامهم. رفض "روبين": _لا احنا هنمشي زي كل يوم.
_هتمشوا؟! أنتم بتروحوا مشي؟! مسكت على كف الصغير بخفة وهي تحاول تبرير موقفها: _روبين بيتعب من المواصلات الكتير فعشان كده بنمشي الصبح. _لوحدكم؟! سؤاله كان واضحًا ومباشرًا عيونه مصوبة عليها يرفض الكذب. أبعدت عيونها عنه لتجيب بصراحة: _أوقات كان جاك بيجي معانا، بس محدش يعرف بهوية روبين. لم يعجبه جوابها، لم يرضيه وجود جاك به. سار أمامهم ليقول: _يلا.
رغم صدمتها من ذهابه معهم إلا أنها سارت خلفه وهي تحتضن كف الصغير الذي عبر عن ضيقه قائلاً: _أنت هتيجي معانا ليه؟ ده وقتي أنا وهي لوحدنا. تجاهل رفض الصغير: _وقتكم لوحدكم؟ وبتعملوا إيه فيه بقى؟ وكأنه يحقق معه يرغب في معرفة كل شيء متعلق به! _ميخصكش. نهرت الصغير بخوف من غضب عمه: _عيب يا روبين مينفعش نقول كده للأكبر منا. زام بشفتيه بسخط وهو يرمق عمه بغضب فقد تعرض للتوبيخ من صديقته بسببه.
كاد أن يدخل من شارع مختلف لكن صوت "روبين" أوقفه: _لا هندخل من شارع الأزهار اللي بتحبه. وضع يديه بجيب بنطاله وهو يسأل بتعجب: _هو لسه موجود؟! افتكرتهم هدوه. نفت له بخفة ليتابع هو: _أنت بتحبي الشارع ده؟ هزت رأسها بخفة مما جعله يبصرها بهدوء، ذلك الشارع له ذكرى خاصة معه. _اسمك إيلي؟ ذلك اختصار اسمها، المقربون فقط من يعرف ذلك الاسم، ستدعه ينعتها هكذا فلا حاجة لمعرفة اسمها. _أه ده اسمي. كذبت لكن بصدق نية تحاول تجنب المشاكل.
_في مساء اليوم التالي. الجميع يرتدي ملابس تناسب ذلك الحدث. خطبة جنرال الأعمال الذي لا يعلم هو بأمرها حتى. كابر ابنة أحد الوزراء وصديقة طفولة أنسب أحد لذلك المنصب. لم يتم الإعلان برسمية، الجميع حاضر لعلمه أنها حفل استقبال له لكن "جوليا" أحبت إشهار خطبتها بذات الحفلة. لم تهتم لارتداء شيء مناسب اكتفت بثوب أبيض يبرز نحافتها أعلاه سترة زهرية، لتتنقل بين الطاولات ترى النواقص.
تشعر بعيون تلاحقها، كان هو يقف ببدلته السوداء يحتسي مشروبه وعيناه لم تفارق تلك الفراشة المحلقة بين الحضور. _حضرت الجنرال. التفت للصوت ليرى فتاة شقراء ترتدي ثوب بلون النبيذ كاشف قليلاً من الأعلى، لم يعلم هويتها ليكتفي بالهمهمة لها. لتتابع بحرج: _أنت مش فاكرني؟ أنا كابر بنت الوزير توماس. تعبث بخصلاتها عيونها مثبتة عليه بجرأة هدفها لفت نظره. ارتشف من كوبه ليردف بفظاظة رغم تذكره لها: _مش بفتكر الحاجات اللي مش مهمة.
ابتسمت بضيق لتقول بخبث: _في حد ميفكرش خطيبته؟ فهم هدفها ليشاركها الضحك وعيونه ليست معها بل على فراشة "إيلينا". _الحفلة دي عشان أعلن عن منصبي مش عشان خطوبة، متاخديش بكلام حد تاني غيري بعد كده. حاولت تمالك أعصابها وكبح إحراجها لتبتسم له: _قصدك إيه؟ لم يجبها بل أدنى باهتمامه للأخرى، حاولت لفت نظره لتقول بحقد: _لسه زي ما هي بتحاول تلفت نظر الكل. التفت لها وهو يضيق عيناه بعدم فهم لتتابع بتساؤل:
_أنت مش فاكرها دي إيلينا بنت الخدامة جيسكا. كرر حديثها بعد فهم: _دي إيلينا؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!